← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 44

الانحراف العقدي في أدب الحداثة وفكرها

سعيد بن ناصر الغامدي

Полный текст (2 275 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ (١). وليس هذا حال الجاهلية العربية الذين بعث فيهم خاتم الأنبياء ﷺ بل كان كذلك حال الجاهليات السابقة؛ ولذلك كانت قضية التوحيد هي قضية كل الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-؛ لأن جميع القضايا الأخرى والأعمال والتصرفات تنبني عليها وتقوم على قاعدتها. وكانت الجاهلية في أعصارها المختلفة تقف ضد هذا المعنى وتتصدى للداعين إليه؛ وهو أمر تفرضه طبيعة الاتجاه بين كلتا الفتئتين: الطواغيت وأتباعهم، والأنبياء وأتباعهم. فالطواغيت الجاهلية الكثيرة تفرض سلطانها على الناس وتريد أن تسيرهم وفق ضلالاتها وأهوائها وأعرافها وتسعى لتخرج الناس من النور إلى ظلمات الآلهة المتشاكسة المتخاصمة. والأنبياء جاؤوا لرد البشرية إلى بارئها وتخليصها من ربقة الطواغيت والآلهة والأرباب، وتوجهيهم إلى عبادة اللَّه وحده لا شريك له. ووقفت الجاهليات أمام دعوة الأنبياء موقفًا واحدًا برغم تباعد الأعصار واختلاف الشعوب والأمصار وقفت موقف الصد والرد والإعراض والاستكبار والتشنيع والسخرية والاستهزاء، ومنذ أن أرسل اللَّه نوحًا ﵊ إلى قومه وقف الملأ المستكبرون -كعادتهم في كل جاهلية- موقف المضادة والمعاندة. قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾ (٢). وكذلك فعل قوم عاد كما أخبر تعالى عن حالهم مع نبيهم هود -عليه

стр. 37

الصلاة والسلام-: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦) قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾ (١). وجاء من بعد عاد قوم ثمود ليقولوا المقولة نفسها ويقفوا الموقف نفسه من نبى اللَّه صالح ﵊، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾ (٢). وهكذا سارت قافلة الأنبياء تدعو إلى هذا التوحيد الشامل وإلى الإسلام الكامل للَّه تعالى وإلى العبودية المطلقة للَّه -جَلَّ وَعَلَا-، وجاء نبينا محمد ﷺ بالدين نفسه وبعث بالقضية ذاتها، وأخبر ﷺ بأنه وإخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دينهم واحد، فقال: "الأنبياء إخوة لعلّات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد" (٣). ونزل القرآن على نبينا محمد ﷺ ليقرر هذا الركن العظيم، ويكرر الكلام حول هذه القضية الكبيرة: "قضية توجيه العبادة كلها للَّه وحده واتباع ما أنزل اللَّه في التحريم والتحليل" ولا غرو أن يكون -حينئذ- الركن الأول

стр. 38

من أركان الإسلام هو "شهادة ألا إله إلّا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه" قبل الأركان الأخرى، قبل الصلاة والزكاة والصوم والحج، وقبل أي تشريع آخر من تشريعات الإسلام فقد شغلت هذه القضية -قضية التوحيد- الحيز الكبير من القرآن العظيم وشغلت أكثر وقت النبي الكريم ﷺ . بل إننا إذا نظرنا في القرآن نظرة تأمل وتدبر وجدناه كله يدور حول هذه القضية، وأن سواها لا يقوم إلّا بها ولا يصح إلّا بصحتها، ولا يقبل عمل ولا يستقيم سلوك ولا تصح عبادة ولا تستقر حياة إلّا بصحة واستقامة واستقرار المعنى العظيم الذي تحتويه كلمة التوحيد "لا إله إلّا اللَّه محمد رسول اللَّه". ويوضح هذا المعنى خير إيضاح ما جاء في مدارج السالكين من قول مؤلفه ﵀: (وغالب سور القرآن بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد، بل نقول قولًا كليًا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه فإن القرآن: إمَّا خبر عن اللَّه وأسمائه وصفاته وأفعاله فهو التوحيد العلميّ الخبريّ، وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإراديّ الطلبيّ، وإمَّا أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإمَّا خبر عن كرامة اللَّه لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة فهو جزاء توحيده، وإمَّا خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرَج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم) (١). ومن ينظر إلى سور القرآن وكلام المصطفى ﷺ يجد أنها كلها تدور حول هذه القضايا التي جاءت في النص السابق ولا تخرج عنها، ويجد تبعًا لذلك أن الإسلام اهتم بقضية التوحيد المقتضي لشمول الإسلام لأعمال

стр. 39

الإنسان وطلب عبودية الإنسان في كل أعماله للَّه تعالى. إن هذه سمة بارزة في نصوص الوحي في أعمال الرسول ﷺ وأصحابه سواء كان ذلك في مكة أو بعد الهجرة إلى المدينة، فأمَّا بروز هذه القضية في العهد المكيّ فأمر واضح للعيان، وقد يظن ظان أن هذا الاهتمام الكبير بالتوحيد في مكة هو لكون المخاطبين كانوا قومًا مشركين، فكان من المناسب أن يتم التركيز والتأكيد على قضية العقيدة، ولكننا نجد أن القرآن استمر في الحديث عنها في العهد المدنيّ بعد أن قامت دولة الإسلام وظهر المجتمع الإسلامي واستقرت العقيدة في قلوب الصحابة والتزم الناس بأحكام الإسلام. وفي هذا دلالة كاملة على أن قضية القضايا وأصل الأصول هي قضية التوحيد ومقتضياته ولوازمه. بيد أن قضية التوحيد والعقيدة ليست في دين الإسلام مجرد اعتقادات قلبية أو مشاعر وجدانية أو قيم خلقية، كما يدعي بعض العلمانيين والحداثيين في بلدان المسلمين، والذين يصفون أنفسهم بالاعتدال في مقابل غلاة العلمانيين وهم الملاحدة الذين ينكرون وجود اللَّه تعالى. وفي حقيقة الأمر أن هؤلاء وهؤلاء على شعب الضلال والكفر إلّا أن بعضهم أشد وأعتى في كفره من الآخر، في حين أن القسم الأول والذي ينعت بالاعتدال أخطر في بث سمومه وانحرافاته الاعتقادية الخطيرة؛ وذلك بسبب ما يتلبس به من ذكر للإسلام وامتداح لبعض جوانبه وثناء على بعض قضاياه وممارسة بعض أعماله في الوقت الذي يعتقد في قلبه أن الإسلام مجرد علاقة فردية بين العبد وربه أو مجرد عقائد إلهية لا لوازم لها في الواقع ولا مقتضيات لها في الحياة، فيغر الأغرار بما يتلفظ به من ادعاء للإسلام، أو امتداح لبعض قضاياه، ويدس سموم شكوكه وانحرافاته في هذا التظاهر الكاذب المخادع، فيكون حاله أشبه بحال المنافقين الذين يعيشون بين ظهراني المسلمين، ويدّعون الإسلام وهم يبطنون بغضه أو بغض بعض أحكامه. ومن هنا كانت خطورة هؤلاء على المسلمين، لاسيما إذا نظرنا إلى

стр. 40

رؤوس الضلال العلمانيّ، وما يحيط بهم من هالات الاحتفاء الإعلامي ودعايات الامتداح والاهتمام والإشادة، ثم ما يحيطون به أنفسهم من ادعاء العلم بشريعة الإسلام وتاريخ المسلمين، وما يقتطعونه من أقوال هنا وهناك مبثوثة في كتب العلم أو كتب التاريخ محاولين أن يثبتوا من خلالها أنهم إنّما يتكلمون عن علم بالدين والتاريخ، وأنهم من أهل ملة الإسلام، ثم إذا ترسخ هذا وثبت جاؤوا بالعلمانية في ثوب أدب وشعر ونقد، أو في ثوب ثقافة وفكر، أو في ثوب نظام ودستور، مؤكدين أنهم يحبون الإسلام وأهله، ويفهمون الشرع ومنهجه، وأن هذا الذي يقولونه ليس إلّا فهمًا صحيحًا أو عصريًا أو تنويريًا للدين الإسلامي!!!. أمَّا إذا أردنا أن نسأل: لماذا يتلبس هؤلاء بكل هذه الألبسة؟ ولماذا يموّهون؛ أمورهم بكل هذا التمويه؟. فإننا نجد الإجابة الصريحة الواضحة في قول اللَّه تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ. . .﴾ (١). (وفي هذه الآيات أنواع من العبر من الدلالة على ضلال من يحاكم إلى غير الكتاب والسنة وعلى نفاقه، وإن زعم أنه يريد التوفيق بين الأدلة الشرعية وبين ما يسميه هو عقليات، من الأمور المأخوذة عن بعض الطواغيت من المشركين وأهل الكتاب وغير ذلك من أنواع الاعتبار) (٢).

стр. 41

وهؤلاء المتبجحون بمعرفة الإسلام ومعرفة أحكامه وشرائعه والذين يشيرون في عباراتهم أو فحوى كلامهم إلى أنهم يحترمونه أو يقدسونه، وهم في الوقت ذاته يبطلون جملة كبيرة من أحكامه وشرائعه وينظرون إليه بمنظار التشكيك، ويقرأون تعاليمه وتاريخه بعين الغرب الماديّ، ويفهمون التدين بصيغته الأوروبية، يفهمونه على أنه مجرد علاقة بين الإنسان وربه ولا شأن له بالواقع من أي باب، باستثناء باب الأخلاق والفضائل عند بعضهم، أو باب العقائد المجردة التي لا لوازم لها عن البعض الآخر، أو من باب العبادات الشعائرية عند آخرين، ثم يسعون لتطويع الإسلام لفكر الشرق أو الغرب وتحويره ليوافق إلحاد الملحدين، وشذوذ الشاذين فكريًا أو خلقيًا، ويقولون كما قال أسلافهم: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقً﴾ (١)، ويطلقون على عملهم هذا مصطلح "الاستنارة"، ويسمون أنفسهم أصحاب الإسلام المستنير، وغاية عملهم تتمثل في تقليص نطاق الشريعة إلى أقصى حد، وتطويع أحكام الإسلام بالحذف تحت شعارات "الاجتهاد المرن"، وإزاحة سيادته تحت لافتات "توسيع المصالح، واستبقاء المثل العليا" ونحو ذلك ليصلوا في النهاية إلى الانخلاع التام من الشريعة، وإبطال موازين الحلال والحرام، والتطويع والتوفيق بين انحلال الغرب وضلاله والإسلام وهدايته وأحكامه، هذا هو مسلك هؤلاء الذين جاسوا خلال ديار المسلمين فكان من آثارهم التخريبية ما كان، واللَّه المستعان. قال بعض أهل العلم في وصف أحوال سلف هؤلاء في معرض استدلاله بآيات سورة النساء السالفة: (. . . كما ذم المدعين الإيمان بالكتب كلها وهم يتركون التحاكم إلى الكتاب والسنة ويتحاكمون إلى بعض الطواغيت المعظمة من دون اللَّه، كما يصيب ذلك كثيرًا ممن يدعي الإسلام وينتحله في تحاكمهم إلى مقالات الصابئة الفلاسفة أو غيرهم، أو إلى سياسة بعض الملوك الخارجين عن شريعة الإسلام من ملوك الترك وغيرهم، وإذا قيل لهم تعالوا إلى كتاب اللَّه وسنّة رسوله أعرضوا عن ذلك إعراضًا، وإذا أصابتهم مصيبة في عقولهم ودينهم ودنياهم بالشبهات

стр. 42

والشهوات أو في نفوسهم وأموالهم عقوبة على نفاقهم قالوا: إنّما أردنا أن نحسن بتحقيق العلم بالذوق، ونوفق بين الدلائل الشرعية والقواطع العقلية التي هي في الحقيقة ظنون وشبهات، أو الذوقية التي هي في الحقيقة أوهام وخيالات. . .) (١). والمتأمل في الهمجية الحداثية العلمانية يجد أشباه هذه الكلمات ونظائر هذه الحجج الزائفة، فها هو كبير من كبرائهم يضع كتابًا يسميه "قبل السقوط" ويكتب على غلافه "حوار هادئ حول تطبيق الشريعة الإسلامية. . نعم للمصحف والدين. . لا للسيف والحكم" (٢). ويقول في أثنائه متدثرًا بحب الإسلام وفهم الإسلام والحرص على الدين وعلى المسلمين، "وبعد أن ذكر أن عصر الخلفاء الراشدين ليس سوى عصر فتن داخلية واغتيالات، وأنه ليس العصر المثاليّ ولا المجتمع المثاليّ، وأن الذين يقيسون على عصر الخلافة الراشدة إتما يقيسون على أحلام لا علاقة لها بالواقع. بعد أن ذكر هذا كله قال ما نصه: (إن كل ما عرضته إنّما ينهض دليلًا على أن هناك فرقًا كبيرًا بين الإسلام الدين، والإسلام الدولة، وأن انتقاد الثاني لا يعني الكفر بالأول أو الخروج عليه، وأنك في الثاني سوف تجد كثيرًا يقال أو يعترض عليه حتى في أعظم أزمنته، بينما أنت في الأول لا تجد إلّا ما تنحني له تقديسًا وإجلالًا وإيمانًا خالصًا، وأنه إذا جاز أن يقال هذا في عهد الخلفاء الراشدين فإنه يجوز أن تقول ما هو أكثر وأكثر حين تتصدى بالتحليل والنقد لعصور لاحقة ارتفعت فيها رايات الحكم الدينيّ. . .) (٣). ويسترسل في بث شبهاته الممزوجة بإظهار المعرفة بالإسلام وتاريخه والإشفاق على أهله وذويه فيقول: (أنت هنا تملك أن تفصل بين الإسلام

стр. 43

الدين، والإسلام الدولة، حفاظًا على الأول حين تستنكر أن يكون الثاني نموذجًا للاتباع أو حين يعجزك أن تجد صلة واضحة بين هذا وذاك، فالأول رسالة والثاني دنيا، وقد أنزل اللَّه في الرسالة ما ينظم شؤون الدنيا في أبواب وترك للبشر أبوابًا دون أن يفرِّط في الكتاب من شيء، وإنّما يسع برحمته بشرًا هم أعلم بشؤون دنياهم من السلف، ويترك لهم أمورًا تختلف باختلاف الأزمنة لا يترك لهم فيها إلّا قواعد عامة، إن اتسع أفقهم أخذوا من غيرهم وتأقلموا مع زمانهم دون خروج على صحيح الدين أو كفر به. . .) (١). بهذا المنظار وهذه الطريقة يتناولون تعاليم الإسلام وتاريخه، وعلى هذا المنهج يسير دعاة الحداثة والتغريب في الأدب والفكر، فالأسلوب واحد، والمواقف متعددة، وكلها تدور حول عزل أعمال الإنسان ومناشطه عن صراط اللَّه المستقيم وإفساح المجال له ليكون عبدًا في حكمه أو في فكره أو في نتاجه الأدبيّ لأي شيء إلّا الإسلام فقد اتخذوه وراءهم ظهريًا واستدبروا أحكامه. ولا فرق في هذه المسألة بين من يطالب بإلغاء شريعة الإسلام من الحكم والأنظمة والدساتير والدول، ومن يطالب بإبعاد موازين الجلال والحرام والجائز والمحرم عن النتاج الأدبي والثقافي، إذ نهاية هذا القول وذاك تؤدي إلى اتهام دين اللَّه بالقصور، بل واتهام اللَّه -تعالى- بالجهل وعدم الحكمة، واتهام الرسول ﷺ بالغفلة والسفه -قدسه اللَّه وأجله عما يقول العلمانيون والحداثيون-. وفي الاستشهاد السابق بأقوال فرج فوده (٢) تأسيس لفكرة هذا البحث الذي يدور حول الانحراف العقدي في الأدب الحديث، حيث تشترك أقلام

стр. 44

وألسنة ومواقف العلمانيين من الذين امتهنوا الكتابة شعرًا أو قصة أو نقدًا أو دراسة أدبية مع الآخرين الذين امتهنوا السياسة ممارسة أو تفكيرًا، ولا تكاد عند التمعن والتأمل أن تجد فارقًا بين هؤلاء من حيث أصل المعتقد المنحرف القائم أصلًا على عزل الدين الإسلاميّ عن مناشط الإنسان أو عن بعض مناشطه، وإن وجدت الفوارق فهي في الشكل والأسلوب والموقع. أمَّا الهدف النهائي لدى عصبة العلمنة والحداثة فهو تقليص أثر الإسلام في الواقع، وحصره في المسجد أو في المشاعر المقدسة، تمهيدًا للقضاء عليه بالكلية، ففي خطاب مشابه لخطاب فرج فوده يرد أحد كبار الحداثيين على كتاب "الحداثة في ميزان الإسلام" الذي ألفه الأخ الشيخ الدكتور عوض القرني وقدم له سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه اللَّه تعالى-، يرد هذا الحداثي بمقال طويل سماه "إسلام النفط والحداثة" أسقط من خلاله عقده النفسية والفكرية والخلقية، وكشف عن مقدار ما يعانيه عقله الكليل من تشوهات، وما ينوء به رأسه من انحرافات اعتقادية، تمثل صورة مكررة لانحرافات أساتذته من قبله وتلامذته من بعده، فيقول: (إن إسلام النفط يمتح من المخزون النقليّ "الاتباعيّ" الذي ظل معاديًا للحداثة طوال عصور التراث، ويؤسس علاقة متميزة بفكر الحنابلة الذي تمثله كتابات ابن الجوزي (١) وابن تيمية (٢) بوجه خاص، وهي كتابات لها علاقاتها الأصولية التاريخية بالمذهب الوهابيّ، أهم المذاهب النقلية السائدة في منطقة

стр. 45

الجزيرة العربية) (١). إلى أن قال: (إسلام النفط يكرر الأصوات السابقة في التراث النقليّ) (٢). ثم يستشهد بمجموعة من الأحاديث والآثار الحاثة على الاعتصام بالكتاب والسنة وهدي السلف الصالح، وترك البدع والمحدثات، ويستخلص من هذه الأدلة أن الإسلام يغلق إعمال العقل التي يطلق عليها وصف البدعة، ثم يشرح هذا المعنى بعبارات طويلة مملة تتلخص في تصويره للإسلام "الاتباعيّ" -كما قال- بأنه رجعية وانحدار وهبوط، ولكنه صاغ ذلك بفلسفة "الخط الأفقي الدائريّ" فيقول: (أمّا المقولة الخاصة بالزمن فتقودنا إلى مفهوم التاريخ الذي يرتد إلى أصله، بالمعنى الذي يوقع التصور الخطيّ الأفقيّ للزمن على تصوره الدائريّ، حيث يتحول الزمن إلى حركة متكررة ثابتة، تقع على نقاط خط منحدر، هابط، بدايته الإيجاب المحض ونهايته السلب المطلق، فلا يغدو التاريخ حركة صاعدة توازي ارتقاء الإنسان وتطور وعيه الموازي لتطور فعله الصاعد على سلم التقدم، درجة درجة، مع التراكم الكميّ والكيفيّ للمعرفة التي يصوغها، والأفعال التي يصنعها، بل يغدو التاريخ حركة هابطة في الزمن الذي هو نفسه حركة دائرية متكررة على خط منحدر، ينحط دائمًا كلما مضينا صوب المستقبل، وتباعدنا عن الماضي الأول الذي هو نقطة البداية والمنهج والأصل والمثال) (٣). ثم يستشهد على نظريته هذه التي تصور الإسلام داعيًا إلى الهبوط والتخلف بما قاله صنوه في تلمود الحداثة كتاب "الثابت والمتحول" في أن أصل هذا الانحدار والتخلف والهبوط مستنتج من قول النبي ﷺ : "خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" (٤).

стр. 46

ثم يعقد مقارنة حداثية علمانية فيقرر أن النقل والاتباع والتقليد هي أسباب النظرة المتخلفة والهابطة لدى المسلمين، النظرة المتهمة للمقابل الذي هو الإبداع والابتكار والحداثة التي هي خرق المعهود والخروج عن المألوف (١). وخلاصة القول: إن رواد التطرف العلمانيّ والحداثيّ ينطلق انحرافهم وضلالهم الأدبيّ والفكريّ والسلوكيّ من قاعدة التمرد على شرع اللَّه، زعمًا منهم أن هذا الشرع الحنيف ليس شاملًا لكل أعمال الإنسان ومناشطه، وليس أهلًا لأن يحكم الناس أو يوجه أعمالهم، أو يقود مسيرة حياتهم نحو حياة أفضل وأسعد، وسوف أعرض في ثنايا البحث من دلائل هذه العقيدة المنحرفة ما يؤكد أن هذا التيار التغريبى يقود حركة ردة عن الإسلام بصورة لم يشهد لها تاريخ المسلمين مثيلًا. وفي ذلك ما يوجب على العلماء والدعاة أن يبذلوا كل جهودهم في سبيل تثبيت العقيدة الصحيحة، وتفهيم التوحيد الحقيقيّ، وترسيخ مبدأ العبودية الشامل، وتوضيح المفهوم الحقيقيّ لكلمة المسلم والإسلام، فما أكثر جريانها على الألسنة ولكن كم من الناطقين بهما يشعر بما تتضمنان من معاني؟ وكم من السامعين يفهم منها تمام المفهوم الذي كان يفهمه الصحابة والتابعون؟. إن إيضاح هذه المعاني وتجلية هذه الحقائق هو أهم ما يجب أن تشمر همم المسلمين لتحقيقه واقعًا حيًا معاشًا تندحر أمامه شبهات أهل الأهواء وضلالات أصحاب الضلال. • • •

стр. 47

٢ - علاقة الأدب بالاعتقاد تقرر بالدليل العقليّ والنقليّ، وبمقتضيات الفطرة القويمة أن العبادة هي الوظيفة الأولى والأساسية للإنسان في هذه الحياة الدنيا، وأن الإسلام شمل بأحكامه جميع أعمال الإنسان ومناشطه، ويتضح بناء على ذلك أن أمر العبادة في حياة الإنسان ليس أمرًا هامشيًا أو وقتيًا، بل هو المبدأ الأول لوجوده، والغاية الأصلية لحياته، وعلى هذا الأساس انقسم الناس إلى قمسين -بحسب قبولهم وردهم لهذا المبدأ أو علمهم وجهلهم به- فقسم التزم بالعبودية وخضع لأمر إلهه فهؤلاء هم أهل النجاة وهم على درجات متفاوتة، وقسم أبى واستكبر وتعالى وتجبر فهؤلاء هم الهلكى وهم على دركات. هذه هي النظرة الإجمالية للبشر من حيث صحة الاعتقاد والعمل وفسادهما، وبناء على ذلك تفرقوا طرائق قددًا، كل يتبع ما يعبده، ويسير على المنهج الذي يدين له. ولا ريب أن أعمال الإنسان وسلوكه ومناشطه تتأثر بعقيدته ونظرته وفكره، يستوي في ذلك المسلم والكافر سواء كان منافقًا أو مرتدًا أو يهوديًا أو نصرانيًا أو وثنيًا. والسلوك والعمل -في الغالب- هي حصيلة الاعتقاد، والأدب على وجه الخصوص هو مستودع شعوريّ كبير للأمة أو للفرد يحمل الخصائص الفكرية والتصورات الاعتقادية والحصيلة التاريخية، كما أن للأدب خصيصة أخرى وهي

стр. 48

قدرته على تخطي الحدود وتجاوز عقبات الفوارق الجنسية واللغوية ولاسيما في عصرنا هذا الذي سهل فيه انتقال المعرفة والثقافة والآداب عبر أجهزة التقنية المتطورة وعبر الوسائل التقليدية كذلك (١)، فأصبح هو بذاته عقيدة عند الملتزمين بمذاهبه الفكرية الاعتقادية، وإن صُورت على أنها مدارس فنيه أو مناهج إبداعية، فهي في حقيقة الأمر عقائد عند أصحابها يسعون في نشرها، ويدافعون عنها، وباسمها يقبلون ويردون ويوالون ويعادون. هذه قاعدة النظر في هذه المسألة التي يتضح من خلالها قوة العلاقة بين الأدب والاعتقاد من جهة النظر ومن جهة الممارسة. والمتأمل في أي إنتاج أدبي يجد أن صاحبه لابد أنه ينطوي في قرارة نفسه على عقيدة معينة وتجول في عقله أفكار معينة، ومن المسلم به بداهة أن هذه العقيدة وهذه الأفكار هي المحضن الأساسيّ لما ينتجه الشاعر أو القاص أو الناقد، وأن ما يطلق عليه "الإبداع الفنيّ، أو التجربة الشعورية، أو الإلهام الشاعريّ" كل ذلك يمر بمراحل متداخلة في نفس الأديب ويعبر عبر قنوات متشابكة بعضها مبهم خفيّ وبعضها واضح جليّ، فأمّا المبهم الغامض فهو التكوين النفسي الذاتيّ لكل شخص والمتراكم من خلال خصائص الشخص النفسية الذاتية التي فُطر عليها ثم من خلال معايشته لأسرةٍ ومجتمع وأحداثٍ تتراكم في أغوار نفسه وتكون جزءًا من شخصيته ثم بالتبع جزءًا من تفكيره ومشاعره. وأمَّا الواضح الجليّ من قنوات التأثير فأهمها الاعتقاد والأفكار المكتسبة، فإن لهذه من التأثير في الجوانب الخفية، والظاهرة والأعمال والممارسات والسلوك أبلغ الأثر وأظهره، وقد اهتم الدارسون المعاصرون بالجانب النفسانيّ واستعانوا بعلم النفس الحديث في قضايا النقد (٢)، كما أنه توجد دراسات عديدة حديثة لآثار العقيدة والفكر والاتجاه السياسيّ

стр. 49

والاجتماعيّ على عملية النتاج الأدبي (١). وقد اختلفت مصطلحات الدارسين لهذه الناحية المهمة فبعضهم يسميها "الموقف الفكريّ" وهناك من يطلق عليها مصطلح "القضية" أو "استيعاب القضية" (٢)، وأكثر ما دار النقاش حول مصطلح "الالتزام" ومصطلح "أدلجة الأدب". وحتى الذين يرفضون إدخال الأدب تحت سيطرة الأطر الفكرية والاعتقادية والسياسية، يمارسون هذه النظرة ضمن فكوة وعقيدة معينة، تسمى الحرية، أو غير ذلك من التسميات، فلا فكاك بين الأدب والاعتقاد إلّا إذا أمكن أن يكون هناك فكاك بين الإنسان الناطق ولسانه وشفتيه وحنجرته. ولذلك عرفوا الالتزام بأنه (. . . اعتبار الكاتب فنه وسيلة لخدمة فكرة معينة عن الإنسان لا لمجرد تسلية غرضها الوحيد المتعة بالجمال. . .، وفي الفلسفة الوجودية ارتباط بتعديل الحاضر لبناء المستقبل ولا يتحقق إلّا بالحرية) (٣). وعرفه صاحب معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة بأنه: (قرار كاتب بالتزام كتابته تاريخ/ وضعية/ وعي ما) (٤). وحين تحدث عن علاقة اللغة بالفكر وتعرض للغة الأدبية قال: (فاللغة الأدبية ليست مجرد إشارات فلها وظيفة جمالية تفرض تنظيمًا متعمدًا إبداعيًا على مصادر اللغة اليومية، وليس من الصواب المبالغة في إبراز التضاد بين استخدامين للغة يقسمها إلى لغة فكر مقابل لغة الانفعال هي اللغة الأدبية،

стр. 50

فالأدب له جانبه الفكريّ الخاص الذي لا يُمكن إغفاله. . .) (١). فإذا كانت الوجودية وهي المتمردة على العقائد والقيم تعد الالتزام بالحرية أحد مبادئها، فإن نظيرتها في التفرع من شجرة المادية وهي "الذرائعية" هي كذلك تقوم على عقيدة وفكرة معينة: (. . . وقد كان للبرجماتية (٢) بعض التأثير في تطوير الأدب ذي النزعة الطبيعية في العالم الذي يذهب إلى تصوير حياة بلا مبادئ) (٣). إذن فكل عمل أدبيّ فنيّ لابد أن ينشأ من عقيدة وينتج من فكر معين وفلسفة معينة للحياة والكون والإنسان والخالق ، والعلاقة بين الخالق والمخلوق، ويستوي في ذلك الذي يستهدي بالوحي المعصوم والذي يستهدي بالفلسفات المادية المعاصرة أو الجاهليات والوثنيات القديمة أو الحديثة في كون كل منهم ينبثق في إنتاجه من العقيدة التي يؤمن بها، وذلك لأن الخبرات النظرية لأي إنسان عاقل هي مجموعة معلوماته الاعتقادية والفكرية والسياسية والفنية والاجتماعية إضافة إلى تجاربه وممارساته العملية، ومن خلال كل هذه المعطيات تتكون هذه الخبرات النظرية التي تنتج من خلال التجربة الشعورية أدبًا، أو من خلال التجربة الفكرية فكرًا وثقافة، وأهم مكونات هذه الخبرات النظرية، والدائرة التي تحيط بها وتضم كل مفرداتها هي "العقيدة" سواء كانت عقيدة صحيحة أو فاسدة. إن الإنسان -أي إنسان- في القديم أو في الحديث لابد له من عقيدة تربطه وتحدد مساره وفكره وأعماله. وحاجته إلى العقيدة حاجة فطرية ملازمة للإنسان في كل زمان ومكان، بغض النظر عن كون هذه العقيدة سماوية مما أوحاه اللَّه إلى الأنبياء، أو أرضية مادية من صنع الإنسان كألوان الفلسفات الإلحادية المعاصرة ذات الأسماء والمناهج المختلفة والمتعددة، فالملحد الماركسيّ الشيوعيّ -مثلًا-

стр. 51

يتبنى عقيدة تضع الطبيعة مكان الإله الخالق، والوجوديّ يتبنى عقيدة التعلق بالذات ومعاداة الآخر وتحدي الغيب واعتقاد عبثية الوجود كله، وهكذا سائر العقائد المنحرفة والضالة، والناظر في نتاج الأدباء القدماء والمعاصرين عربًا وغير عرب مسلمين وغير مسلمين يلحظ بيسر تأثير العقائد في نتاجهم الأدبيّ، ويرى أن العقيدة لها أثرها وبصماتها على النص الأدبيّ، في مضمونه أو في تعبيراته أو في صوره الفنية أو في رموزه. ففي مصر القديمة، مصر الوثنية الفرعونية كانت النصوص الأدبية تخرج متأثرة بالمعتقدات السائدة لديهم، حتى لقد أكد بعض الباحثين في هذا الصدد (أن الفكرة الأدبية في مصر القديمة ازدهرت بين جدران المعابد وأن الجزء الأكبر من الأدب المصري كان قائمًا على أساس الدين) (١). وفي عهد فلاسفة اليونان كانت العقائد والقيم لها مكانتها الأساسية في التوجيه ومعايير القبول والرد فأفلاطون (٢) -مثلًا- كان (. . . لا يبيح الشعر في دولته إباحة مطلقة بل يقيدها بأن يكون ذلك الشعر الذي ينشد في الدولة هو الشعر الذي ينشد في تسبيح اللَّه وتمجيده، وفي مدح الصلاح، وفي التعرف على الحقيقة. . .) (٣). وقد سجل أفلاطون موقفه هذا في كتابه الجمهورية وبين أنه سيقبل الشعر بشرط أن يكون ضمن إطار القيم والعقائد في مجتمعهم فيقول: (إننا سنسمح لأنصاره الذين يحبونه -وإن لم يكونوا شعراء- بالدفاع عنه نثرًا ليثبتوا لنا أنه لا يقتصر على بعث الشرور في النفوس، بل إنه نافع للدولة

стр. 52

وللحياة البشرية، وسنستمع إليهم بصدر رحب، إذ أنه من المفيد لنا أن يثبتوا أنه يجمع بين بعث السرور في النفوس، وبين الفائدة العملية، أمَّا إذا لم يستطيعوا إثبات ذلك فسنردد أن مثل هذا الشعر لا يستحق أن يعد مقتربًا من الحقيقة. . . إن من واجبنا أن نقاوم إغراء الشعر مثلما نقاوم إغراء المال أو الجاه أو الشهرة) (١). ومع ذلك فقد رحب أفلاطون في كتاب الجمهورية بالشعراء الذين (يمجدون الأبطال والقدرات الصالحة ويتغنون بالفضائل وأصحابها) (٢). وليس هذا سوى تعبير عن التلازم في نظرته وفلسفته بين الشعر والمنفعة الاجتماعية وفق عقيدة وفكرة يوجب الالتزام بها والسير وفق نسقها، بل يمضي في هذا الشوط إلى حد أبعد فيقول: (ينبغي أن نراقب الشعراء وأن نجعلهم يبرزون في إنتاجهم صورة الخلق الخير، وأن نمنعهم من إبراز الوضاعة) (٣)، ففي هذا القول وأشباهه عند فلاسفة اليونان دليل على أن الشعر عندهم -وهو لديهم أرقى الأصناف الأدبية- له رسالة وهدف ومضمون يتفق مع عقائدهم وأفكارهم. وأن قضية الالتزام في الأدب والثقافة، والتلازم بين الاعتقاد والأدب قضية قديمة. وحتى "أرسطو" (٤) جاء بفلسفة "التطهير" وهي وجه من أوجه الالتزام

стр. 53

الذي ينظر إلى العمل الأدبي بمنظار المنفعة، ويدور معناه حول معالجة أمراض الناس وعيوبهم الخلقية من خلال المأساة وإثارة مشاعر الخوف والقلق والرحمة (١). ولا ريب أن كل ذلك ينبثق من العقيدة الوثنية القائمة على تعدد الآلهة. والناظر في النتاج الأدبي عند الأمم يجد الترابط الوثيق الذي لا ينفصم بين الأدب ومعتقدات تلك الأمم، ومن أمثلة ذلك عند اليونان مسرحيات "سوفوكل" ٤٩٥ ق. م و"أروبيد" ٤٨٠ - ٤٠٦ ق. م و"أريستوفان" القرن الخامس ق. م و"إلياذة هوميروس". وعند الرومان "إلياذة فرجيل" ٧٠ - ١٩ ق. م. وعند الفرس "الشاهنامة" و"ظفرنامة" ٣٢١ - ٤١١ هـ، ٩٣٣ - ١٠٢١ م. وعند الهنود "كليلة ودمنة" لبيدبا الفيلسوف. وعند العرب "المعلقات" وغيرها من القصائد والأشعار. ففي كل هذه وما يشابهها من آداب تلك الأمم نجد العقائد هي الموجِّه الأولى للمضامين والأفكار التي تتلون بألوان سياسية أو اجتماعية أو ذاتية تبعًا للأحوال والظروف التي تحيط بالأديب أو الشاعر. وأمَّا الرومان فلم يكونوا سوى ورثة لليونان ونقلة لمعارفهم وفلسفاتهم، مع بعض الإضافات التي أضافوها وخاصة ما كتبه أكبر شعرائهم ونقادهم هوراس (٢) الذي سطر في كتابه "فن الشعر" خلاصة آرائه الأدبية والفنية والفكرية.

стр. 54

وقد نصح هوراس شعراء الرومان بأن يلتزموا بالتقاليد السائدة وأن يحافظوا على تراث الأسلاف وتقديم ذلك في ثوب أدبي ممتع، فقال مخاطبًا الشاعر: (إن عليك أن تلتزم بالتقاليد، أو ترى أن ابتكاراتك ملائمة، ومن الأمن لك أن تلتزم بالتقاليد ومفخرتك ستكون أعظم إذا تناولت بأسلوب جديد أفكارًا استهلك استعمالها بدلًا من محاولة الابتكار، أولًا: لأن هناك إشباعًا في الأفكار القديمة، ثانيًا: لأن السحر الحقيقي للأدب ينبع من القدرة على رؤية الأشياء القديمة بأسلوب حديث. . .) (١). ومن هذه المنطلقات عند اليونان والرومان انطلق الفكر الغربي الذي استدبر الأديان واستقبل الأوثان، فلا تجد فلسفة من الفلسفات المعاصرة ولا مذهبًا من المذاهب الأدبية إلّا وهي تتضمن عقيدة ما، وتعبر عن فكرة، وتهدف إلى غاية ما. والمتتبع لحركة الأدب الإنسانيّ يجد أنه أحد أهم الوسائل المعبرة عن فكر ومعتقد صاحبه سواء كان هذا الأدب شعرًا أو نثرًا، رواية أو مقالة أو نقدًا، وحتى الذين يزعمون أنهم لايخدمون بأدبهم قضية ولا يلتزمون بعقيدة، ولا يهدفون إلى غاية، هم في حقيقة الأمر ملتزمون بهذه الفكرة ومنتمون إليها ويهدفون إلى نشرها، وهذا في حد ذاته اعتقاد ومضمون فكريّ. إن دعاة الفن للفن، وأصحاب الوجودية الجديدة المسماة بـ "اللامنتمي" يناقضون أنفسهم غاية المناقضة حين يزعمون أنهم بلا عقيدة ولا غاية ولا هدف من أعمالهم الأدبية والتأليفية، ذلك أن هذه الفكرة في حد ذاتها عقيدة، شاؤوا ذلك أم أبوا. وهم على كل الأحوال -في دعواهم هذه- يرسمون لأنفسهم صورة من التفاهة والنقص والجبن حين يستترون خلف شعار "الأدب لا عقيدة له"، وهم يكذبون على أنفسهم حين يقولون ذلك ويدعون إليه، فلو لم تكن هذه

стр. 55

القضية عقيدة لديهم لما دافعوا عنها ونافحوا وألفوا فيها ونشروا. ومن هذا كله يتبين لنا أن التركيز على المصادر الفكرية للأدب من أوجب أولويات الدراسة الهادفة، فالحديث عن الجانب الفكريّ والاعتقاديّ مقدم عن الحديث عن الجانب الفنيّ والجماليّ في الأدب. والأدب العربي المعاصر -وأعني الأدب الحداثي على وجه الخصوص- نموذج من نماذج التعبير عن العقائد الجديدة المستوردة من الغرب، وصورة من صور الغزو الثقافيّ والارتكاس الفكريّ، وإذا كان الأدب في الماضي لسانًا ناطقًا عن عقيدة ما، فإن أدب الحداثة أضحى عقيدة قائمة بذاتها، وإن كانت هذه العقيدة تضم لفيفًا من المعتقدات والتصورات، بدءًا بالوثنيات اليونانية وانتهاء بالمذاهب المادية المعاصرة. إنه الصورة الأكثر وضوحًا وإيلامًا لحالة الانتكاس والاستلاب الذي تعيشه الأمة في هذا العصر، ولذلك نجد الأدباء حين يفزعون إلى أقلامهم معبرين عن هذه الحالة، يعبرون عن موقفهم الاعتقادي من هذا الوضع، وعن آمالهم المستقبلية. فالأديب المسلم يستمد معاييره وأسس تفكيره من الوحي المعصوم، ويستند إلى تراث تاريخيّ وحضاريّ كبير، ويرى أنه لايصلح آخر هذه الأمة إلّا بما صلح به أولها، وينادي بالاستقلال الفكريّ والسياسيّ والاكتفاء المعيشيّ والتقنيّ، والبعد عن التبعية للأعداء، ولا يتجاهل العصر ومنجزاته بل يرى أن إسالة التقنية والمنجزات في أودية المسلمين من أعظم المشروعات، ولكنه يفرق بين مقتضيات العصر، وأهواء العصر. أمَّا الأديب "اللاديني" العلماني فقد استورد أفكاره وعقائده من الغرب، واتخذ من دين الإسلام موقف الرفض أو التشكيك أو الإقصاء أو عدم المبالاة، وتقلب بين رذائل الإلحاد والشيوعية والاشتراكية والليبرالية. وهذا لابد أن يكون رسول العقائد التي اعتنقها، وداعية المبادئ التي آمن بها، ومناضل الأفكار التي انتمى إليها، والذي يرى في ساحات الفن والثقافة اليوم أكبر شاهد على هذه القضية.

стр. 56

وبعض ما أوردته في هذا البحث كافٍ في الدلالة على هذه القضية، ومعظم المدارس الأدبية العربية الحديثة تقف على قدم المساواة في الدعوة إلى العقائد المادية والخرافية والدفاع عنها، قل ذلك عن المدرسة العلمانية الليبرالية أو القومية العلمانية، أو الماركسية، أو الإباحية التحللية، أو الصليبية، أو الوثنية التي تجتمع كلها رغم تباين منهاهجها واختلاف أساليبها تجتمع في جبهة عريضة معادية للدين والأخلاق والمجتمع تحت مسمى "الحداثة" التي تقوم أصولها على محاور اعتقادية وفكرية أهمها: ١ - دعوتهم إلى التعددية الوثنية، ومضادة التوحيد، وجعل التعددية الوثنية أساسًا للتعددية الفكرية والسياسية، وجعلهم توحيد اللَّه -تعالى- أساسًا للتعصب والتخلف والرجعية. ٢ - زعمهم أنه ليس هناك حقائق مطلقة. ٣ - دعوتهم إلى استباحة المحرمات والتحرر من الضوابط، وإسقاط موازين الحلال والحرام. ٤ - دعوتهم إلى ترسيخ المفهومات الحداثية، وإيجاد مفهومات شمولية جذرية حديثة. ٥ - الهجوم على التراث والثقافة الإسلامية خاصة. ٦ - دعوتهم إلى الرفض والتمرد، والثورة على كل شيء، والانقلاب على الأصول والمفاهيم الكلية. ٧ - تأليه الإنسان، والدعوة إلى الإنسانية مبدأ وغاية. ٨ - ممارسة التعمية والغموض، ومضادة الإفهام والوضوح. ٩ - الدعوة إلى الخروج عن المألوف، ونفي السائد ورفضه ومخالفته. ١٠ - إعادة النظر في كل شيء، وممارسة الشك في كل قضية أيًّا كانت.

стр. 57

١١ - الدعوة إلى مقاطعة الماضي ومضادة مفاهيمه والانفصال عنه ومعارضته. ١٢ - القضاء على فكرة الثابت، والزعم بأن كل شيء متحول متطور، وأن أي فكرة أو قضية لها سمة الثبوت فهي تخلف ومهانة. ١٣ - الدعوة إلى تأليه العقل والعلم الماديّ، والادعاء بأن حرية العقل "بالمفهوم الحداثي" أساس كل نهضة وتقدم. ١٤ - الزعم بأنه لا حرية للإنسان إلّا بهدم الشريعة، والغيبيات والأخلاق. ١٥ - رفض العبادة للَّه تعالى، واعتبار الدين سببًا للتخلف والفشعل، والادعاء بأن النهضة لا تكون إلّا بفصل الدين عن الحياة، وعزله عن مناشط الإنسان، ونقل مركز الثقل من السماء إلى الأرض. ١٦ - تبني الهدم والفوضى، والخلخلة للأفكار والمعتقدات الراسخة، وتصريحهم أن التخريب حيويّ وهو أول الواجبات، ومن علاماته: الهذيان والعبث والجنون والفوضى والتمرد. ١٧ - الدعوة إلى إسقاط القداسة، واختراق المقدس وتدنيسه. ١٨ - إدانة العقل والوعي، وضوابط العلم والنظام والمنطق، وكل ما تعارف عليه الناس، وكل مؤسسيّ وثابت. ١٩ - تفكيك كل القيم والمعايير، وزعزعة كل الموازين الماضية. ٢٠ - الترديد الدائم بأنه كما يجب أخذ التقنية عن الغرب فإنه يجب أخذ الأفكار والثقافة والفلسفات والمذاهب والقيم. ٢١ - التركيز على أن الحداثة رؤيا شاملة للحياة والوجود وأنها عقيدة ومضمون أبديّ، ومفهوم حضاريّ جديد كامل شامل.

стр. 58

هذه محاور الفكر الحداثي وأسس منطلقاته وهي -كما هو واضح- أسس اعتقادية قبل أي شيء، ولا يخلو شخص حداثيّ ولا مدرسة حداثية من القول بواحد أو أكثر من هذه الأسس، وبعضهم ممن له الزعامة والريادة في هذا المذهب يقول بها كلها، وسوف يرد في هذا البحث الشواهد الكثيرة على ذلك. • • •

стр. 59

٣ - نبذة عن الانحرافات العقدية المعاصرة في مجال الثقافة والفن والأدب مرت الأمة الإسلامية بمراحل عديدة، وتقلبات كثيرة، وتغيرات متنوعة، وكان أظهر تغير حصل فيها ما حدث في أخطر قضيتين هما: "المنهج" و"التطبيق". فأمَّا "المنهج" فقد توجهت إليه سهام المبتدعة بالزيادة فيه والنقص منه، تارة من خلال النظر والكلام والمنطق والفلسفة، وتارة من خلال الذوق والزهد، ومن هؤلاء وهؤلاء خرج "الزنادقة" الذين لم يصبح لهم بالدين أية علاقة إلّا علاقة الانتساب الاسميّ لتغطية ما يريدون الوصول إليه من إفساد للدين والناس. هذا على الصعيد الاعتقاديّ، أمَّا على الصمعيد الفقهيّ فقد تحول الفقه عند بعض الفقهاء وخصوصًا في العصور المتأخرة، إلى مجرد تقليد للمذهب، وتفريع على فروعه، وتحول الأمر عند بعضهم إلى اتباع المذهب قبل أو أكثر من اتباع الدليل، أضف إلى ذلك أن عزلة فرضت على العلماء قليلًا قليلًا، فانحاز بعضهم إلى الزهد والعزلة والانقطاع، وتحول بعضهم إلى فقه المذهب وفروعه وحواشيه، تاركين الحياة العامة في سيطرة أهل الأهواء والشهوات، الذين يقربون الموافق لهم، ويرسخون العزلة لمن اعتزل أو عزل. نعم لم تخل الأرض من قائم للَّه بحجته، ومنافح عن دينه وشريعته وداع إلى

стр. 60

صراطه المستقيم، ومجاهد في سبيله، ولم يخل أولئك العباد والفقهاء المعتزلون من خير انطوت عليه نفوسهم، ونية صالحة ومقصد حسن، رغم ما فيهم من قصور وعجز، أو ابتداع وإحداث، حاشا أولئك الزنادقة من المتفلسفة والمتصوفة، الذين أصبحوا في ضفة أخرى غير ضفة الإسلام. أمَّا الأدباء والشعراء فقد تحولوا تدريجيًا -إلّا من رحم اللَّه- إلى أبواق مديح، أو أدوات إلهاء وتسلية، صاحب ذلك ما صاحبه من استجداء ومديح للظلمة، وترسيخ للطغيان وبيع للمواهب الثقافية في أبهاء السلاطين، في الوقت الذي كان الترف فيه ينخر الحياة ببطء، والذي كان من أجزائه كثرة الجواري والقينات المغنيات اللواتي ملأن قصور الخلفاء والوزراء والأثرياء، وقمن بإشاعة روح اللهو وتحويل حياة "الملأ" إلى عبث ومجون، إضافة إلى ما كن يقمن به من أدوار تجسس ومؤامرات تدمير، وكان من بينهن يهوديات ونصرانيات وكثير من الوثنيات، فأصبح الطرب صناعة، ودسائس الجواري والقينات مهارة، وكان أكثر الداء في قصور الحكام الذين استسلموا لهذا حتى أصبح بعد قرون من استمراره سببًا في انهاك وتقويض روح الجدية والبناء والجهاد. أمَّا "التطبيق" فقد بدأ التحول فيه بانقضاء عصر الراشدين وكان تحولًا يسيرًا، ولكنه ما فتئ مع طول الزمن يتوسع، وإن حصلت حالات أوبة، كما حصل في عهد عمر بن عبد العزيز (١) ﵀ وغيره ممن شابهه. إلّا أن اتساع الشقة بين المنهج والتطبيق وبين الوضع العام وذوي التأثير من أهل العلم والدين كانت تتسع رويدًا رويدًا، وبصورة بطيئة لا تكاد

стр. 61

تلفت الأنظار، ومع كل ذلك فقد بقيت الأمة في مجموعها -رغم كل هذه القواصم- معتصمة بدينها قائمة بالمقتضى الإيمانيّ والتعبديّ والتشريعيّ والأخلاقيّ والحضاريّ والتعبيريّ والاجتماعيّ لكلمة التوحيد "لا إله إلّا اللَّه محمد رسول اللَّه" ذلك أن الهبوط كان في معظمه نزولًا عن القمم السامقة أكثر من كونه انحرافًا عن الجادة. إلَّا أن سنة اللَّه تعالى في خلقه لا تتبدل، فهو -سبحانه- لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وقد ضعفت أمم سابقة بسبب ضعف دينها، واندثرت عندما تركت الدين وأخلدت إلى الأرض، ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ (١). وأمة الإسلام تجري عليها ذات السنن التي جرت على الأمم قبلها، ولكنها سلمت من الزوال التام والاندثار الكامل رغم استمرارها في خط النزول البطيء، ذلك أن اللَّه توكل بحفظها، وحفظ كتابها ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (٢). ومن ناحية أخرى فإن هذه الأمة على الرغم من كل ما أصابها من عوامل الضعف والمرض لم تتخل عن الحكم بشريعة اللَّه طوال أربعة عشر قرنًا رغم ما حصل من شهوات مفسدة وشبهات ممرضة، وكذلك عاشت الأمة هذه الحقبة الطويلة من الزمن ولم تزل بالكلية رغم الكوارث الداخلية والخارجية التي أحاطت بها، بل كانت حتى في مسيرة هبوطها البطيئة تأتي لها صحوات عودة صاعدة، وانبعاثات تجديد مرتفعة، ومجرد بقاء أمة الإسلام هذه المدة الطويلة من الزمن على الرغم مما أصابها دليل حفظ اللَّه تعالى لها، ودليل بعث جديد نشهد اليوم ما يشبه أن يكون مولدًا جديدًا تعاني الأمة مخاضه بكل آلامه. والناظر في تاريخ الأمة في القرون الثلاثة الفاضلة المشهود لهم بالخير

стр. 62

والعدل والإحسان، والعلم والإيمان، يجد فيه من العظات والعبر والدلائل والشواهد والنماذج ما يقتضي الاتساء، كما أن في القرون التالية من الفواقر العلمية والعملية على كل الأصعدة ما يقتضي الحذر. فالدين على سموه ورفعة شأنه ووثاقة دليله وصواب تعاليمه وصدق أخباره، لا يعمل في واقع الحياة من تلقاء نفسه بعيدًا عن عمل البشر وتطبيقهم. فكما أن الدين جاء لإسعاد البشر فهو لا يعمل في الواقع بدون البشر، ولو شاء اللَّه لقهر الناس على الهدى، فلا ينحرفون عن الدين ولا ينصرفون كما لا تنصرف الشمس والأفلاك عن مسارها الذي قدره اللَّه لها، ولكن اللَّه تعالى لما خلق الإنسان جعله عاقلًا مريدًا يختار بين البدائل، بين الخير والشر والحق الضلال والفضيلة والرذيلة، وفي مقابل ذلك صار هذا الإنسان يحمل تبعة اختياره، وأصبح ما يحدث له في الدنيا والآخرة نتيجة لأعماله. قال اللَّه تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (٣) وقال سبحانه: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)﴾ (٤).

стр. 63

وقال جلَّ وعلا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ (٣). وغير ذلك من الأدلة الدالة على أن الدين يؤثر في حياة الناس من خلال النفوس التي تحمله، والبشر الذين يطبقونه، على قدر إقبالهم على الدين وإعراضهم عنه وحملهم أو تركهم له، وتطبيقه كاملًا أو تطبيق بعضه، والتزام مقتضياته أو عدم التزامها، والفارق بين دين الإسلام وغيره من المناهج، أنه في ذاته هو المنهج الصحيح والصراط المستقيم، في حين أن غيره من المناهج قد دخلها التحريف مثل أديان أهل الكتاب، أو قامت على بناء جاهليّ مثل المناهج الوضعية عمومًا. كما أن دين الإسلام يفترق عن غيره أن النفوس والعقول تتقبله؛ لأنه دين الفطرة، في حين أن غيره -وإن تقبلته بعض النفوس- يلقى نفرة من النفوس والفطر والعقول، ولذلك نرى أن مما تميز به دين الإسلام على غيره أنه إذا تشبعت به النفوس، نفوس الأفراد أو الشعوب أو الأمم، فإنها تكون أبطأ انحرافًا -حين تصيبها أسباب الانحراف- من النفوس التي تقوم على عقائد باطلة، كما أنها تكون أقرب للشفاء من الأمراض التي تصيبها من النفوس التي لا تعرف الدين الصحيح أصلًا. كل هذا يمكن من خلاله أن نعرف الأدواء التي أصابت الأمة الإسلامية في تاريخها الطويل، كيف هبطت؟ ولماذا لم تحافظ على مكانتها

стр. 64

ومنزلتها العالية؟، بل لماذا لم تحافظ حتى على المستوى الأدنى الذي ما كان ينبغي لها -مطلقًا- أن تنزل عنه كما حصل في هذه الأزمنة الراهنة؟. لقد تردى حال الأمة في هذه الحقبة ترديًا لم يسبق له مثيل في كل تاريخها، كانت تجتمع تحت راية الدولة العثمانية التي ورثت من أمراض من سبقها ما ورثت، وأضافت هي مع مرور الأيام أمراضًا أخرى وانحرافات غير التي ورثتها، سواء على المستوى المنهجيّ أو على المستوى التطبيقيّ، وما زالت تلك الانحرافات تتزايد والأمراض تتفاقم، وتعم آثارها كل بلاد الإسلام ومجتمعاته، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تأخذ بأسباب القوة والرقيّ، الماديّ والإداريّ على ما في هذه الأسباب من شطط، أو بعبارة أدق ما في أساسها الفلسفي من انحراف وجاهلية، إلّا أنها كانت في الواقع التطبيقي موضع قوة، استطاعت أوروبا من خلاله أن تقف ضد المسلمين في الحرب الصليبية الحديثة. فبعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى ١٣٣٢ - ١٣٣٦ هـ/ ١٩١٤ م - ١٩١٨ م والتي عصفت بالعالم طوال أربع سنوات، أدت الحرب إلى تغييرات جذرية في العالم، وإلى توازن غير مستقر اختل من جديد على نطاق واسع بعد واحد وعشرين عامًا حين نشبت الحرب العالمية الثانية ١٣٥٨ - ١٣٦٤ هـ/ ١٩٣٩ - ١٩٤٥ م، ومن هم هذه التغيرات اختفاء الدولة العثمانية (١) واقتسام البلاد الإسلامية، بعد اتفاقية "سايكس بيكو" ١٣٣٤ هـ/ ١٩١٦ م والقائمة على تفاهم سريّ استعماريّ بين بريطانيا وفرنسا متمم لاتفاق رئيسيّ بين بريطانيا وفرنسا وروسيا لتقسيم الدولة العثمانية، وقد عينت فرنسا "جورج بيكو" قنصلها العام في بيروت مندوبًا ساميًا مكلفًا بمفاوضة الحكومة البريطانية بشأن مستقبل الولايات العربية في الدولة العثمانية مع مندوب الحكومة البريطانية "مارك سايكس" عضو مجلس العموم البريطاني والمندوب السامي البريطاني لشؤون الشرق الأدنى، واتفقا بعد عدة مداولات بينهما ومع وزير خارجية روسيا القيصرية على تقسيم أراضي الدولة العثمانية،

стр. 65

وتفتيتها إلى كيانات صغيرة تحت سيطرة بريطانيا وفرنسا وروسيا، وتعتبر هذه الاتفاقية أبرز أمثلة الخداع الغربيّ الصليبيّ الاستعماريّ للبلاد الإسلامية، وللشعوب عامة، إذ قامت بريطانيا بالتفاوض عليها وإبرامها في الوقت الذي كانت تعد فيه العرب بتأييد مطالبهم إذا ما حاربوا إلى جانبها ضد العثمانيين، وتنتهك بشكل فاضح مبدأ تقرير المصير الذي ادعى الحلفاء الالتزام به، إضافة إلى أنها كانت اللبنة الأولى لفرض اليهود في بلاد المسلمين وتوطيد أقدامهم في فلسطين من خلال وعد بلفور سنة ١٣٣٥ هـ/ ١٩١٧ م (١) أي بعد اتفاقية سايكس وبيكو بسنة واحدة (٢). وبهذا تفككت الوحدة العضوية للأمة الإسلامية وتبدلت بالحدود والتقسيمات والكيانات المتفق عليها في هذه الاتفاقية، فسقطت حتى الصورة التي كان المسلمون يرون فيها الرمز الشكليّ لوحدتهم، سقطت لأنها كانت مجرد صورة أمام حقائق كثيرة، واحدة منها تكفي في إتلافها، فكيف وقد اجتمعت وتظافرت!!. وحل الاستعمار بعد انتهاء الحرب العالمية بقواته وجيوشه في أكثر بلاد المسلمين، واحتلوا أرضهم، وتحكموا في رقابهم وحياتهم، واشتغلوا بتغيير الأسس الفكرية والثقافية من خلال تغيير نمط التعليم، والاستيلاء على الصحافة، وتقويض مكانة أهل العلم والدين، وصياغة المجتمع صياغة أخرى على غير دين الإسلام. كما اهتموا وبصورة مركزة على إيجاد أدوات تنفيذ لهم من أبناء المسلمين، وركزوا بشكل أخص على فئتين هما: "فئة الإداريين" و"فئة المثقفين" التي سوف يكون لهما أبلغ التأثير في تغيير وجهة الحياة في البلدان الإسلامية.

стр. 66

رحل الاستعمار الغربيّ بجيوشه وعساكره ولكنه خلف وراءه عوامل الخراب والدمار والانحراف. الوحدة صارت شتاتًا، والشرع أصبح مكانه القانون، والمرأة أخرجت من عفتها وكرامتها وحجابها، وأضحت الخمور والعهر من الأمور العادية، وبدأت وجهة الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية تتخذ مسارًا آخر حين ترك الاستعمار في مواطن التأثير والنفوذ تلامذته من أبناء البلاد المستعمرة، الذين قاموا بأدوار كبيرة لترسيخ الضلال والانحرافات التي لم يستطع ذوو الكفر الأصلي من المحتلين القيام بها. قاموا بتنفيذ الدور الذي رسم لهم بدقة فاقت التصور، بل زادوا على ذلك ألوانًا من الضلال والفجور لم يكن المستعمر الأصليّ بقادر على تنفيذها، فصودر الشرع الشريف وحل مكانه القانون البشريّ، وأصبح تدريس الفلسفات المادية والمذاهب الوضعية بديلًا أساسيًا لتدريس العقيدة الإسلامية، وأضحى الإعلام منبر بث أنواع الانحرافات والضلالات الفكرية والسلوكية. ومن أخطر الفئات التي قامت بتنفيذ مخطط الانحرافات "فئة المثقفين العلمانيين والحداثيين" ذوي العقول المسترقَة والنفوس المستعبدة، التي قامت وما زالت تقوم بترويج الركام الوثنيّ، وتسويق إفرازات الغرب الماديّ من مذاهب وفلسفات وممارسات خلقية واجتماعية وسياسية. بيد أن الهوة السحيقة التي يسعى وكلاء الغرب اليوم إلى تعميقها وجرّ الأمة إليها، لم تنشأ بين يوم وليلة، بل كان لها إرهاصات عديدة، وأولها ما سبق الحديث عنه في قضية المنهج والتطبيق، ثم ما ترتب على ذلك من خلخلة في المفاهيم والمناهج واضطراب في ميادين التطبيق والعمل. إن الانحرافات الكبيرة تبدأ صغيرة محتقرة في أول الأمر، ولكنها لا تفتأ تزداد على مر العصور وكر الأيام، حتى تصبح كبيرة متجذرة، لا يقوى على مقاومتها والتصدي لها إلّا أصحاب الهمم العالية والعزائم القوية. فالتصوف -مثلًا- كان في الدولة الأموية في زوايا مهملة لا أثر لها،

стр. 67

ثم انتشر في الدولة العباسية أكثر، ومع ذلك كان منعزلًا عن المجتمع، أمَّا في الدولة العثمانية، فقد أصبحت الصوفية هي الدين، وهي المدخل إلى العلم والتدين. ومن هنا رسخت الخرافات والأوهام تحت شعارات "من لا شيخ له فشيخه إبليس" و"كن مع شيخك كالميت بين يدي الغاسل"، وتظاهر مع الصوفية العقيدة الإرجائية التي تجعل الإيمان مجرد تصديق القلب، وتقول بأنه لا يضر مع الإيمان ذنب. وتدريجيًا أفرغت حياة المسلمين من التدين الصحيح ومن العمل النافع، ولم يبق فيها سوى وجدانيات قلبية مخلوطة بالانحرافات والضلالات. وهذا مجرد مثال يُمكن تطبيق نمطه في الجانب الفقهيّ حيث "سُد باب الاجتهاد" وفي الجانب السياسي والاجتماعي وغيرها من الجوانب. وبدأ الجمود والتخلف يسيطر على بلاد المسلمين قليلًا قليلًا حتى ضرب بجرانه وأصبح واقعًا ملموسًا، علمًا بأن عوامل الانحراف والضعف والجمود لم تأت جملة واحدة بل كانت تتراكم في بطء مع الأيام، ولم تأت كذلك في خط مستقيم مباشر، وإنّما كان الخط البياني لها مع استمرار انحداره التدريجيّ يصعد مرات مع ظهور المجددين، والغيورين على دينهم وأمتهم من أهل العلم وأهل السلطان. ومهما يكن من أمر فقد اجتمعت حصيات الانحراف لتكون كومة واجتمعت الكومات لتكون جبالًا، وتفاعلت الانحرافات بعضها مع بعض حتى وصلت الأمة إلى الهوة الهابطة السحيقة، والناظر في تاريخ الأمة من القمة إلى الهوة يجد أمرًا مذهلًا محيرًا ومسافة بعيدة تدير الرؤوس، حتى كأنّما ينظر إلى أمتين منفصلتين عن بعضهما. مفهوم العبادة للَّه تغير، وكلمة التوحيد أضحت عند كثيرين مجرد كلمة تقال، والعمل في وادٍ وكلمة التوحيد في وادٍ آخر.

стр. 68

والتواكل والبطالة أضحت سمة غالبة، والمفهوم السلبي لعقيدة القضاء والقدر صار شائعًا، وأَصبح الدين في النهاية مجرد خيال وصورة خالية من الحقيقة، ومفهوم الجهاد عطل، وقضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أزيحت من الواقع. هذا هو غالب حال الأمة، ولايعني ذلك أنها خلت تمامًا من مؤمنين صادقين واعين مخلصين باذلين، سائرين وفق المنهج الصحيح، فهذه نماذج لم تخل منها حقبة من تاريخ المسلمين، ولكن الصورة السائدة، هي التي تقرر الموقف العمليّ، وليست القلة المتميزة مهما يكن حجم تميزها، إلّا أن يكون في أيديها مقاليد الأمور (١). جاء العصر الحاضر والأمة تتقلب في سفوح التخلف، فاستطاع الأعداء -بكل بساطة- أن يجدوا ثغرات الاختراق لجسد الأمة وحماها، فالتخلف الاعتقادي -الذي هو أساس كل تخلف- أضحى بلاء مستشريًا في كل بلاد المسلمين، حتى الجزيرة العربية مهبط الوحي ومنبع الرسالة تحولت إلى ما يشبه حال الجاهلية الأولى، فالقبور والأشجار تقدس وتعبد من دون اللَّه، والكهان والسحرة أكثر من العلماء وأشد تأثيرًا، والقبائل عادت إلى أساليب الغزو والسلب والنهب الذي كان قبل الإسلام، ولم يرتفع ذلك إلّا بدعوة التوحيد المعاصرة للإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه اللَّه تعالى. والجزيرة مجرد مثال لأوضاع أخرى أشد وأنكى في كل بلاد المسلمين. ومن التخلف الاعتقاديّ نشأت كل أنواع التخلف الأخرى: التخلف السياسيّ، والاقتصاديّ، والعلمي التجريبيّ، والحضاريّ، والثقافيّ، والفكريّ، والحربيّ، والصناعيّ. ويُمكن الإشارة في هذا الصدد إلى بعض الخطوط العامة في مسيرة الانحراف الثقافيّ والأدبيّ والفنيّ:

стр. 69

١ - التخلف الاعتقاديّ والثقافي والحضاريّ الداخلي في الأمة الإسلامية: وقد سبق بيان بعض ملامحه وهو الأساس لقابلية التبعية والاستعمار. ٢ - الحملة الفرنسية في عام ١٢١٢ هـ/ ١٧٩٨ م: ويعتبرها المنهزمون بداية الفتح العظيم، ومقدمة الانفتاح على العالم المتحضر، ويتحدثون عنها باعتبارها أعظم المآثر، وأفضل الإنجازات، ولم يذكر هؤلاء أنها كانت حملة صليبية، اتخذت من مصر قاعدة لقطع الطريق بين بريطانيا والهند بسبب التنافس الاستعماريّ. جاءت الحملة الفرنسية ببعثة علمية وبمطبعة عربية لطبع الأوامر والتوجيهات والمنشورات "التحديثية" و"التقدمية"!! التي يصدرها الفرنسيون إلى المسلمين في مصر!!، وبدأ قائد الحملة ينفذ مخططه الصليبيّ بالمخادعة والتلاعب بالناس حين زعم أنه مسلم مثلهم، وأول نقاط المخطط التي بدأ بتنفيذها فعلًا، محاولة تنحية الشريعة الإسلامية. وبدأت المطبعة تطالب الناس وتقنعهم بالخضوع للحملة الفرنسية ولأوامرها وإرشاداتها التي لا تريد من ورائها سوى الخير للمسلمين!!، وأن الإيمان بالقدر يستلزم الاستسلام الكامل للفرنسيين وعدم مقاومتهم، وطبعت المطبعة القانون الذي كان يستهدف إبطال الشريعة الإسلامية بالتدريج. وقامت "البعثة العلمية" -حسب تسميتها- بنبش آثار الوثنية الفرعونية لتربط المصري بها بدلًا من الإسلام أو على الأقل يتذبذب بين الإسلام والوثنية. وجاءت الحملة معها بمجموعة من البغايا والساقطات، وأرسلتهن في الشوارع حاسرات مظهرات لمفاتن أجسادهن، مغريات للمسلمات بتقليدهن والسير على منوالهن. وعلى كل حال فقد كانت هذه الحملة العسكرية الموجهة ضد المسلمين ذات أهداف استعمارية واعتقادية، وكان لها نتائج سياسية واقتصادية

стр. 70

وفكرية وسلوكية بالغة على مصير العرب في العصور الحديثة، وأسهمت في تفكيك الدولة العثمانية، تمهيدًا لاقتسام ممتلكاتها بين الدول الكبرى كما حصل بعد الحرب العالمية الأولى (١). ٣ - ولاية محمد علي (٢) ١٢١٩ - ١٢٦٤ هـ/ ١٨٠٥ - ١٨٤٨ م: تولى حكم مصر نيفًا وأربعين عامًا، تولى بأمر السلطان العثمانيّ وتحت ولايته عام ١٨٠٥ م أي بعد خروج الحملة الفرنسية بثلاثة أعوام فطارد المماليك وقضى عليهم نهائيًا في مذبحة القلعة ١٢٢٥ هـ/ ١٨١١ م، وقضى على المقاومة الشعبية التي أوصلته للحكم، وقضى على بني قومه ومصدر قوته العساكر الألبان ثم بدأ يتصل بالفرنسيين الذين كانت علاقته بهم قديمة سرية واستعان بهم وبعموم الأوروبيين في بناء دولة على أسس من تنظيم حديث للجيش وبناء للبحرية، واقتضاه ذلك فتح المدارس الحديثة وإقامة المصانع، وإرسال البعثات. وبدأ يحارب الدولة العثمانية وانتصر عليها بعد أن كان واليًا لها وبمساعدة من الأوروبيين استطاع الانفصال بمصر عن الدولة العثمانية وأبرمت لأجله معاهدة لندن ١٢٥٥ هـ/ ١٨٤٠ م والتي حصرت حكمه في داخل مصر وجعلت الحكم فيه وفي ذريته وحدهم. ويعتبر محمد علي -عند المؤرخين والمفكرين العلمانيين- المؤسس الأول لدولة العلمانية والحداثة والممهد الأكبر للمشروعات التحديثية "التغريبية" المعاصرة، وقد عرف من شخصيته الغلظة والقسوة ومحبة الفخر،

стр. 71

وجنون العظمة، وهي صفات تؤهله (١) ليكون ناجحًا في القيام بالأدوار التي تريدها الدول الغربية في بلاد المسلمين، احتوته فرنسا وأنشأت له جيشًا حديثًا مدربًا ومجهزًا، وأسطولًا بحريًا حديثًا وترسانة بحرية، والقناطر الخيرية لتنظيم عملية الري في مصر. وقام محمد علي في مقابل ذلك بدور خطير في نقل مصر من المرتكز الإسلامي إلى شيء آخر، لقد كان الغرب يهدف إلى القضاء على الإسلام الحقيقي، الإسلام الصحيح الفعال، ووضع -آنذاك- أهدافًا مرحلية معينة تحقق له الوصول إلى غرضه، ومن أهم هذه الأهداف: القضاء على الكيان العضوي الجامع للمسلمين تحت راية "الدولة العثمانية"، والقيام بحملات "تغريب" للمسلمين، والتركيز على مصر -بلد الأزهر ومركز الثقل-، وتصدير التغريب إلى بقية العالم الإسلامي؛ ليضمنوا حينئذٍ تفتيت القوة الموحدة، ويحققوا تبعية العالم الإسلامي للغرب. وكان محمد علي من أبرز من قام بهذا الدور، فقد أغروه بالانفصال عن الدولة العثمانية ومحاربتها والاستقلال عنها، ومكنوه من القيام بعملية التغريب، من خلال إغرائه بتحديث الدولة المستقلة!! وتحقيق أسباب القوة لها وكانت سياسة "الابتعاث" من أخطر ما فعله محمد علي لتحقيق المخطط التغريبيّ، ومنه بدأ الخطر "العلماني" يدخل ساحة التعليم والثقافة والفن والأدب ثم إلى ساحة الحياة العامة. قام محمد علي بإرسال الشباب الصغار الأغرار عديمي الحصانة إلى فرنسا ليأخذوا من هناك ما شاءوا من العلم أو الفساد أو السلوك الغربي أو العمالة، ثم ليعودوا بعد ذلك ليكونوا رسل الغرب فكريًا وسلوكيًا وسياسيًا في بلاد المسلمين. نعم كان محمد علي يرسل مع المبتعثين إمامًا للصلاة، يؤمهم

стр. 72

ويعلمهم أمور دينهم، وكان هذا الإرسال مراعاة لتقاليد لها قداستها لا يُمكن الخروج عليها؛ لأن الصلاة كانت آنذاك ذات مكانة كبيرة في حس المسلمين ولا يُمكن التهاون في شأنها، ولا يتمكن محمد علي من كسر هذا الأمر في ذلك الحين. ولكن الأئمة والمرشدين الدينيين أنفسهم كانوا جهلة ومنهزمين معنويًا وفكريًا فعادوا أئمة للتغريب ودعاة للتبعية، وكان من أشهرهم "رفاعة رافع الطهطاوي" (١) الذي يعده العلمانيون والحداثيون طليعتهم. عاد داعية إلى تحرير المرأة أي إلى السفور والاختلاط، وإلى الرقص، وإلى تقليد الغرب في أنماط حياته، قام بذلك رغم أن المجتمع آنذاك لا يتقبل ذلك، ولكن كان من ورائه محمد علي ونظامه المنشآن على عين أوروبا. وقد قام محمد علي وأبناؤه من بعده، وتلامذة المدارس الغربية بدور كبير في جعل محور جديد للحياة مع المحور السابق الذي كانت عليه الأمة "محور الإسلام" وأسسوا قواعد النفوذ الفرنسي خاصة والغربيّ عامة، وفتحوا باب التغريب على مصاريعه، ولكن أمام الرياح الفرنسية خاصة، ثم جاء الدور البريطانيّ (٢) بعد ذلك. لقد كان "الطهطاوي" أحد الأمثلة بل أظهر الأمثلة للتبعية والمدافعة عن مواقف وأفكار أسياده، وما سجله في كتبه أكبر دليل على محاولات

стр. 73

الإلحاق الأولى التي يعتز بها العلمانيون والحداثيون اليوم. ومع اعتزازهم به يشهدون بأنه (إبان احتلال الجزائر كان الطهطاوي يقيم في فرنسا، ولم يعتقد أن هناك معنى للقول بأن أوروبا خطر سياسيّ، ذلك أن فرنسا وأوروبا لم تسعيا في نظره وراء القوة السياسية والتوسع بل وراء العلم والتقدم الماديّ، كان عهده عهد اختراعات عظيمة، فكتب عنها بإعجاب "قناة السويس" ومشروع قناة بنما، والخط الحديدي القاريّ في أمريكا، ويبدو أن تطور المواصلات أدهشه حقًا فخص القطار البخاريّ بقصيدة عامرة. . . وحين احتلت الجزائر كان الطهطاوي هناك فلم ينل الحدث اهتمامه، وأوجز رؤيته لاحتلال الجزائر بالقول: إن الحرب بين الفرنساوية وأهالي الجزائر إنّما هو مجرد أمور سياسية ومشاحنات تجارات ومعاملات ومشاجرات ومجادلات منشؤها التكبر والتعاظم) (١). وهذا النص وحده كاف في تصوير مقدار المسخ الذي أصاب عقل هذا الرجل الذي نال من الشهرة والإعجاب عند العلمانيين والمستغربين العرب ما لم ينله سواه (٢)، نعم لم يكن هو الوحيد الذي سعى في إلحاق الأمة بالغرب، ولكنه كان الأظهر والأشهر. وكانت كتبه المؤلفة والمترجمة أدلة صارخة على سعيه هذا، فهو على صعيد محاربة الشريعة الإسلامية -مثلًا- قام (بترجمة دستور ١٨١٨ م الفرنسي والمواد المعدلة التي أدخلتها عليه ثورة ١٨٣٠ م، وترجمة "العقد الاجتماعي" لروسو، و"روح القوانين"، و"تأملات في أسباب عظمة نهضة الرومان وانحطاطهم" لمونتسيكو. . . ولم يرفض استخدام العامية. . . وكان "تخليص الإبريز" الذي طبع عام ١٨٣٤ م هو البشارة الطهطاوية بمصر الجديدة التي لم يرها، ولكنها الممكنة، وعلى الرغم من أن الفكرة الوطنية المصرية والرؤية الليبرالية هما محور هذا الكتاب إلّا أن محمد علي. . . لم

стр. 74

يتخذ موقفًا سلبيًا واحدًا من الطهطاوي) (١). والحقيقة أن محمد علي وقف مع الطهطاوي وزملائه من المستغربين مساندًا مؤيدًا ليتكامل بذلك ضغط فكي التأثير الفكريّ والسياسيّ، في سياق استعارة فكرية وسياسية، وإلحاق بذيل قافلة الغرب. ٤ - مرحلة الاحتلال البريطاني الذي بدأ باحتلال مصر في عام ١٢٩٩ هـ/ ١٨٨٢ م: حيث استلم الإنجليز قيادة التأثير الفكريّ والسياسيّ بدلًا من الفرنسيين، وواصلوا تنفيذ المخطط مع زيادات أخر أجادها الإنجليز أكثر من أسلافهم واستفادوا من الأرضية السابقة التي هيأت لهم من قبل الفرنسيين ومحمد علي وأبنائه. وجاؤوا إلى مصر أولًا، ومصر نافذة التأثير على غيرها من بلدان المسلمين في ذلك الزمان وحتى الآن. وسعى المعتمد البريطاني (٢) في تثبيت دعائم الحضارة المسيحية -حسب قوله- إلى أقصى حد ممكن وعين قسيسًا حاذقًا في الألاعيب وراسخًا في الحقد على الإسلام، عينه مستشارًا لوزارة المعارف (٣)، وكان في يده السلطة الفعلية الكاملة في وزارة المعارف، ونفذ مخططًا واسع الأرجاء لإبعاد أبناء المسلمين عن دينهم، وتزهيدهم في العلوم الشرعية، وتشجيعهم على تلقي المذاهب والفلسفات الفكرية القادمة من وراء البحار، وقضى بخطته هذه على الأزهر والمدارس الشرعية والدراسات العربية وأخرج جيلًا جديدًا يمثل طبقة جديدة من المجتمع عن طريقها يتحرك المستعمر في كل المجالات الثقافية والفنية والأدبية والسياسية والتربوية والاجتماعية، وبواسطتها يتم تنفيذ الأدوار المطلوبة المرسومة، وتناسلت هذه الطبقة وتكاثرت حتى أصبحت هي المتنفذة في الأمور العامة.

стр. 75

وبالمخطط الصليبي الذي رسمه مستشار وزارة المعارف خرجت أجيال لا ترى النور والخير إلّا فيما عند الغرب، ولا ترى الشر والضر إلّا فيما جاء به الإسلام، وهكذا أطبق بمخططه على أعناق الأجيال التي أصبحت بعد ذلك تتجه نحو الغرب بصواعية وبشغف، وتتلقى عنه المفاهيم والعقائد والممارسات ثم تعود لغرسها وتثبيتها في واقع الأمة المسلمة، من خلال التعليم والإعلام، ودور النشر، والمجامع الثقافية، والمدارس الأدبية، والصحف والمجلات والأندية والفن الذي أصبح يساوي العفن والانحراف والرذيلة، ولم يقتصر هذا التأثير على مصر، وإن كانت هي أوفر البلدان الإسلامية نصيبًا من الهجوم والمحاربة والغزو، ولكن الأمر كان أوسع من ذلك وأبشع، وذلك في المرحلة اللاحقة. ٥ - مرحلة الاستعمار والتي أعقبت الحرب العالمية الأولى، والتي نفذت فيها المقررات السرية لمؤتمر سايكس وبيكو، وقد سبق شرح ذلك في مقدمة هذا البحث، وذكر آثاره ونتائجه. كل هذه المراحل وما تبعها من أحداث أدت إلى إيجاد أجيال جديدة مبتوتة الصلة مع تراثها وحضارتها، ملتصقة بالجسد الغربيّ الذي لا يرضى ولن يرضى إلّا أن تكون مجرد تابعة خاضعة منفذة للمآرب. وأقلها خبثًا تلك التي كانت تقف موقف المشكك المرتاب إزاء كل ما يتعلق بالدين وتاريخ الأمة ولغتها ومستقبلها، وتقف موقف الهائب المستيقن إزاء كل ما يجيء من الغرب. وإذا رحنا نتتبع آثار تلك المقدمات في مجال الفن والثقافة والأدب فإننا نجد أن هذا المجال هو أوسع الميادين تأثرًا بالتغريب، وأقواها تأثيرًا لصالح المشروع التغريبي. وسوف أعرض في عجالة سريعة الملامح الأساسية في مجال الفكر والأدب: ١ - يكاد يجمع المؤرخون لحركة التحولات الفكرية والأدبية المعاصرة
следующие страницы →