← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 450

الحكم المشروع في الطلاق المجموع - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (107 стр.). Показаны 71–107 · переход к 76.

стр. 71

فقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ يعني ــ والله أعلم ــ: الطلاق الذي تعقبه رجعة؛ لأن هذا هو المعهود لهم سابقًا، والمعهود في القصة التي كانت سبب النزول، والمعهود في الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. فكأنه قال: الطلاق الذي تعقبه رجعة إنما هو مرَّتان، لا مِرارٌ كثيرة، كما أراد ذلك الرجل المضارُّ أن يفعل. وعليه، فكل مرة من المرتين عبارة عن طلاق عقبتْه رجعةٌ، لأن هذا ردّ على ذلك المضارّ الذي أراد أن يفعل هذا، أي الطلاق والرجعة مرارًا. وقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أريد به ــ والله أعلم ــ: وبعد أن يطلق أحدكم [ثم يراجع] ثم يطلق ثم يراجع، لا يبقى له إلا أن يمسكها ويحتفظ بها، أو يُسرِّحها السراحَ الأخير، وهو الطلاق الثالث. قال في الفتح (١): "معنى قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فيما ذكر أهل العلم بالتفسير، أي: أكثر الطلاق الذي يكون بعده الإمساك أو التسريح مرتان، ثم حينئذٍ إما أن يختار استمرار العصمة فيمسك الزوجة، أو المفارقة فيسرِّحها بالطلقة الثالثة، وهذا التأويل نقله الطبري وغيره عن الجمهور". ثم ذكر القول الثاني، وسيأتي، ثم قال (٢): "ويرجِّح الأولَ ما أخرجه

стр. 72

الطبري (١) وغيره من طريق إسماعيل بن سميع عن أبي رزين قال: "قال رجل: يا رسول الله! الطلاق مرتان، فأين الثالثة؟ قال: إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان". أقول: وفي رواية للطبري (٢): "قال رجل: يا رسول الله! يقول الله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ فأين الثالثة؟ قال: التسريح بإحسان". (تفسير ابن جرير ٢/ ص ٢٦٠). ثم قال الحافظ (٣): "وسنده حسن، لكنه مرسلٌ؛ لأن أبا رزين لا صحبة له، وقد وصله الدارقطني (٤) من وجهٍ آخر، فقال: "عن أنس" لكنه شاذ، والأول هو المحفوظ ... والأخذ بالحديث أولى، فإنه مرسل حسن، يعتضد بما أخرجه الطبري (٥) من حديث ابن عباس بسندٍ صحيحٍ قال: "إذا طلَّق الرجل امرأته تطليقتين، فليتق الله في الثالثة، فإما أن يُمسِكها فيُحسِن صحبتها، أو يُسرِّحها فلا يظلمها من حقها شيئًا". (فتح الباري ج ٩/ ص ٢٩٣). وقال ابن جرير (٦): "فقال بعضهم: عَنَى الله تعالى ذِكره بذلك الدلالةَ

стр. 73

على اللازم للأزواج للمطلقات اثنتين بعد مراجعتهم إياهن من التطليقة الثانية من عشرتهن بالمعروف، أو بفراقهن بطلاق". ثم قال (١) بعد أن ذكر الحديث وغيره، وذكر القول الثاني: "فإن اتباع الخبر عن رسول الله ﵌ أولى بنا من غيره، فإذ كان ذلك هو الواجب، فبيِّنٌ أن تأويل الآية: الطلاق الذي لأزواج النساء على نسائهم فيه الرجعة مرتان، ثم الأمر بعد ذلك إذا راجعوهن في الثانية إما إمساك بمعروف، وإما تسريح منهم لهن بإحسان بالتطليقة الثالثة". (تفسير ابن جرير ج ٢/ص ٢٥٩ - ٢٦٠). [ص ٦] أقول: والقول الثاني حكاه ابن جرير فقال (٢): "وقال آخرون: بل عنى الله بذلك الدلالة على ما يلزمهم لهن بعد التطليقة الثانية من مراجعةٍ بمعروف، أو تسريحٍ بإحسان بترك رجعتهن حتى تنقضي عدتهن". ثم روى عن السدي (٣) قال: "إذا طلَّق واحدةً أو اثنتين إما أن يمسك، ويمسك: يراجع بمعروف، وإما سكت عنها حتى تنقضي عدتها". وعن الضحاك (٤) قال: "يعني تطليقتين بينهما مراجعة، فأمر أن يمسك أو يسرح بإحسان". وروى عنه قبل ذلك (٥): "والتسريح أن يدَعَها حتى تمضي عدتها". (تفسير ابن جرير ج ٩/ص ٢٦٠).

стр. 74

وأخرج (١) في تفسير سورة الطلاق عن الضحاك في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ قال: "يعني بالمخرج واليسر: إذا طلَّق واحدةً ثم سكت عنها، فإن شاء راجعها بشهادة رجلين عدلين، فذلك اليسر الذي قال الله، وإن مضت عدتها ولم يراجعها كان خاطبًا من الخُطَّاب، وهو الذي أمر الله به، وهكذا طلاق السنة، فأما من طلَّق عند كل حيضة فقد أخطأ السنة، وعصى الرب، وأخذ بالعسر". (تفسير ابن جرير ج ٢٨/ص ٨٢). أقول: قال ابن جرير (٢) في تحرير القول الثاني: "وكأن قائلي هذا القول الذي ذكرناه عن السدي والضحاك ذهبوا إلى أن معنى الكلام: الطلاق مرتان، فإمساكٌ [في] كل واحدة منهما لهن بمعروف، أو تسريح لهن بإحسان". أقول: وحاصله هكذا: المرة الأولى فمراجعةٌ أو تركٌ حتى تنقضي عدتها، فإذا راجع وأراد الطلاق فالمرة الثانية، فمراجعةٌ أو تركٌ حتى تنقضي عدتها، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾. ومعناها على هذا: فإذا راجع من الثانية، ثم بدا له الطلاق فإن طلَّقها ... إلخ. وعلى هذا، فهذا القول الثاني لا يخالف القول الأول فيما ذهب إليه

стр. 75

أهل المذهب الثالث (١). أقول: والقائلون بأن الإمساك هو الرجعة يقولون كما ذكر بأن .... (٢) فبعد المرتين إما مراجعة و .... في الاعتراض إما مراجعة وإما طلاق. فإن قيل: لكنه جاء الطلاق بعد ذلك في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾. [قيل]: هو مبني على فرض الإمساك وهو المراجعة؛ لأنه قد حصر الأمر بعد الثنتين في مراجعة أو عدمها، فإن عدمت حتى انقضت العدة كما هو ظاهر، فلا موقع للطلاق الثالث، وإنما يكون له موقع على فرض وقوع المراجعة، فتدبر. وأما من قال: المرتان طلقتان عند كل طهر واحدة، فلم يتبين ما يفسرون به الإمساك والتسريح، وعلى كل حال فقولهم مردود من أصله. وعلى كلٍ من الأقوال الثالثة، فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ المراد بها الطلاق الثالث. أما على قول من قال: الإمساك الإبقاء في العصمة، والتسريح الطلاق، فإنه يقول: إن قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ مبني على التسريح، كأنه قال: فإن وقع منه التسريح الذي تقدم ذكره. والتسريح هو الطلاق الثالث عند هؤلاء. وأما من قال: الإمساك المراجعة بعد كل من الطلقتين، والتسريح عدم

стр. 76

المراجعة، فإنه يقول: إن الطلقة الثالثة إنما ذكرت في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾. وأما من قال: المرتان طلقتان في كل طهر واحدة، فلا بد أن يوافق أحد القولين المتقدمين، ولو كان يقول بخلاف ذلك لكان الظاهر أن يحكيه ابن جرير. نعم، ذكر ابن جرير (١) في تفسير ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ عن ابن عباس قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ يقول: "إن طلَّقها ثلاثًا لا تحل حتى تنكح زوجًا غيره". رواه من طريق عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة، وفي كل منهم كلام، وهو مع ذلك منقطع، فإن ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، وصحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يستأنس بها أهل العلم، ولا يحتجون بها. على أن هذا الأثر لو صح لوجب حملُه على معنى "إن طلَّقها" الثالثةَ، فتمَّ طلاقُها "ثلاثًا"، توفيقًا بين هذا وبين الروايات الصحيحة عنه (٢). واحتج أهل المذهب الثاني بالآية ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فإن المراد بالإمساك المراجعة، وبالتسريح الطلاق، كأنه قال: وبعد المرتين إما مراجعة وإما طلاق. وهذا يدل أن المرة الثانية طلاق لم يعقبه رجعة، إذ لو كانت طلاقًا

стр. 77

ورجعة لما أمكن أن تكون بعدها مراجعة أخرى، وإذا ثبت أن المرة الثانية طلاقٌ تصلح بعده المراجعة ويصلح الطلاق، فقد وقعت المرة الثالثة من الطلاق عقب الطلاق الثاني بدون تخلل رجعة، وإذا جاز هذا بين الثانية والثالثة فليجز بين الأولى والثانية، ولا قائل بالفرق. فالجواب: أن جمهور السلف فسروا الإمساك ههنا بالإبقاء في العصمة، لا بالمراجعة، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. وقد أخرج الحاكم في "المستدرك" (١) عن أنسٍ قال: "جاء زيد بن حارثة يشكو إلى رسول الله ﵌ من زينب بنت جحش، فقال النبي ﵌: أمسِك عليك أهلَك، فنزلت". وذكر ابن جرير (٢) أثرًا عن ابن زيد، وفيه: "فجاء فقال: يا رسول الله! إني أريد أن أفارق صاحبتي، قال: مالك؟ أرابَكَ منها شيءٌ؟ قال: لا والله ما رابني منها شيءٌ يا رسول الله، ولا رأيت إلا خيرًا، فقال له رسول الله ﵌: أمسِكْ عليك زوجك واتق الله". وروى أثرًا عن قتادة بنحوه (٣). (تفسير ابن جرير ج ٢٢/ ص ٩). وأصرح منه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠].

стр. 78

وأكثر ما يجيء الإمساك في القرآن بهذا المعنى، أي عدم الإرسال. وإنما ذكرت الآيتين لئلا يقول قائل: قد جاء في القرآن ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ في موضعين، والمراد به في كل منهما "فراجعوهن"، فينبغي أن يكون قوله هنا: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي مراجعة. على أنه قد يقال: فرق بين قوله: ﴿فَإِمْسَاكٌ﴾، وقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾، فإن الاسم يدل على الثبات واللزوم، فيقتضي أن هذا الإمساك هو الإبقاء في العصمة؛ لأنه استمرار شيء ثابت، والفعل يدل على التجدد والحدوث، فيقتضي في قوله: "فأمسكوا" أي أحدثوا إمساكًا، وهو المراجعة، فتأمل. وقال ابن جرير (١) بعد أن ذكر أثر عروة وما في معناه: "فتأويل الآية على هذا الخبر الذي ذكرنا: عدد الطلاق الذي لكم أيها الناس فيه على أزواجكم الرجعةُ تطليقتان، ثم الواجب على من راجع منكم بعد التطليقتين إمساكٌ بمعروف، أو تسريح بإحسان". ثم حكى قول من قال: إن "المرتان" طلقتان في كل طهر واحدة، ثم الواجب بعد ذلك إما إمساك بمعروف وإما تسريح بإحسان، ثم رده بأنه مخالفٌ لظاهر التنزيل، ولمرسل عروة وعواضده. ثم حكى الخلاف في تأويل الإمساك والتسريح قال (٢): فقال بعضهم:

стр. 79

عنى الله تعالى ذكره بذلك الدلالة على اللازم للأزواج للمطلقات اثنتين بعد مراجعتهم إياهن من التطليقة الثانية من عشرتهن بالمعروف أو فراقهن (١) بطلاق". وذكر حديث أبي رزين الآتي وآثارًا لا أراها صريحة فيما قال. ثم قال (٢): "وقال آخرون: بل عنى الله بذلك الدلالة على ما يلزمهم لهن بعد التطليقة الثانية من مراجعة بمعروف، أو تسريح بإحسان بترك رجعتهن". ثم روى عن السدي قال (٣): "إذا طلَّق واحدة أو اثنتين، إما أن يمسك ــ ويمسك: يراجع بمعروف ــ وإما سكت عنها حتى تنقضي عدتها". وعن الضحاك قال (٤): "يعني تطليقتين بينهما مراجعة، فأمر أن يمسك أو يسرح بإحسان". ثم رد هذا التأويل بحديث أبي رزين (٥): "قال رجل: يا رسول الله! قول الله ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ فأين الثالثة؟ قال: التسريح بإحسان". ثم قال (٦): "فبيِّنٌ أن تأويل الآية: الطلاق الذي لأزواج النساء على

стр. 80

نسائهم فيه الرجعة مرتان، ثم الأمر بعد ذلك إذا راجعوهن في الثانية إما إمساكٌ بمعروف، وإما تسريحٌ لهن بإحسان بالتطليقة الثالثة". (تفسير ابن جرير ج ٢/ ص ٢٥٩ - ٢٦٠). [ص ٧] السُّنَّة المذهب الأول: قالوا: السنة معنا، ففي حديث عائشة الذي في الصحيحين (١) وغيرهما في قصة امرأة رفاعة: أنها جاءت إلى النبي ﵌ فقالت: إني كنت عند رفاعة، فطلقني فبتَّ طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزَّبِير، وإنما معه مثل هُدْبة الثوب، فتبسم رسول الله ﵌ وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عسيلتك، وتذوقي عسيلته". قال الإمام الشافعي (٢): "فإن قيل: فقد يجوز أن يكون رفاعة بتَّ طلاقها في مرات. قلت: ظاهره مرةً واحدةً". وفي حديث فاطمة بنت قيس، وهو في صحيح مسلم (٣)، وأشار إليه البخاري (٤): "أن زوجها طلَّقها ثلاثًا، فلم يجعل لها النبي ﵌ سكنى ولا نفقة".

стр. 81

وفي الصحيحين (١) من حديث عائشة: "أن رجلًا طلَّق امرأته ثلاثًا، فتزوجت فطلق، فسئل النبي ﵌: أتحلُّ للأول؟ قال: لا، حتى يذوق عُسيلتها، كما ذاق الأول". وفي الصحيحين (٢) من حديث سهل بن سعد في قصة عويمر العجلاني: "أنه بعد أن لاعنَ زوجته قال: كذبتُ عليها يا رسول الله إن أمسكتُها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﵌ ". قال الإمام الشافعي (٣): "وأن النبي ﵌ علَّم عبد الله بن عمر موضع الطلاق، ولو كان في عدد الطلاق مباحٌ ومحظورٌ علَّمه ــ إن شاء الله ــ إياه؛ لأن من خفي عليه أن يطلق امرأته طاهرًا، كان ما يُكره من عدد الطلاق ويُحَبّ ــ لو كان فيه مكروه ــ أشبه أن يخفى عليه ... وطلق ركانة امرأته البتة، وهي تحتمل واحدةً، وتحتمل ثلاثًا، فسأله النبي ﵌ عن نيته وأحلفه، ولم نعلمه نهى أن يطلق البتة يريد بها ثلاثًا، وطلق عبد الرحمن بن عوف امرأته ثلاثًا". رده: قالوا: أما الحديث الأول فقد جاء مفسرًا على خلاف ما ظننتم، ففي الصحيحين (٤): " ... فقالت: يا رسول الله! إنها كانت عند رفاعة، فطلَّقها آخر ثلاث تطليقات" (صحيح البخاري ج ٨/ص ٢٣، صحيح مسلم ج ٤/ص ١٥٤).

стр. 82

وهكذا الحديث الثاني، ففي رواية عند مسلم (١): "أن فاطمة بنت قيس أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة، فطلقها آخر ثلاث تطليقات"، وفي رواية أخرى (٢): " ... فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها". (صحيح مسلم ج ٤/ص ١٩٦ - ١٩٧). وأما الحديث الثالث فالظاهر أنه مختصرٌ من حديث امرأة رفاعة، كما جوزه الحافظ في الفتح (٣)، قال: "وسيأتي في شرح قصة رفاعة أن غيره وقع له مع امرأته نظير ما وقع لرفاعة، فليس التعدد في ذلك ببعيد". (فتح الباري ج ٩/ص ٢٩٥). وذكر في (ص ٣٧٥ - ٣٨٠) (٤) تلك الروايات، وهي بين ضعيفٍ أو غلطٍ في قصة امرأة رفاعة، فانظرها إن شئت. وأما الحديث الرابع فقصة عويمر، رواها جماعة من الصحابة، ولم يذكر أحدٌ منهم الطلاق إلا في رواية الزهري عن سهل بن سعد. والزهري يقول تارة: "فطلقها"، رواه عنه هكذا الأوزاعي، كما في صحيح البخاري في تفسير سورة النور (٥)، وعبد العزيز بن أبي سلمة عند أحمد (المسند ج ٥/ص ٣٣٧) (٦).

стр. 83

وتارةً يقول: "ففارقها"، هكذا رواه عنه جماعة، منهم فليح عند البخاري في تفسير سورة النور (١)، وابن أبي ذئب عند البخاري أيضًا في الاعتصام (٢)، وعبد العزيز بن أبي سلمة وإبراهيم بن سعد عند النسائي (٣)، وعقيل عند أحمد (المسند ج ٥/ص ٣٣٧) (٤). وتارة يقول: "فطلقها ثلاثًا"، هكذا رواه مالك وابن جريج (٥) وغيرهما. قال الحافظ في الفتح (٦): "في رواية ابن إسحاق ــ يعني عن الزهري ــ: ظلمتُها إن أمسكتُها، فهي الطلاق، فهي الطلاق، فهي الطلاق". أقول: والذي في مسند أحمد "هي الطلاق، وهي الطلاق، وهي الطلاق". (مسنده ٥/ ٣٣٤) (٧). ثم قال الحافظ (٨): "وقد تفرد بهذه الزيادة ولم يتابع عليها، وكأنه رواه بالمعنى؛ لاعتقاده منع جمع الطلقات". (فتح الباري ٩/ ٣٦٥). وفي هذا نظر، فمن البين أن اختلاف هذه الألفاظ: "فطلقها"،

стр. 84

"ففارقها"، "فطلقها ثلاثًا" ليس من سهل بن سعد، وإنما هو من الزهري، ومن الجائز أن يعني الزهري بقوله: "فطلقها ثلاثًا" أنه كرر الطلاق ثلاثًا، وهذا اللفظ يصدق بما إذا كان التكرار صالحًا للتوكيد، فتكون هذه الرواية موافقة لرواية ابن إسحاق، ومن الجائز أيضًا أن يكون الزهري سمع الحديث من سهل باللفظ الذي ذكره ابن إسحاق، ولكن كان الزهري يرويه بالمعنى، فقال مرة: "فطقها ثلاثًا" بناءً على ما ظنه من أن هذا اللفظ يثبت به ثلاث طلقات، ثم تردد في ذلك، فكان يقول تارةً: "فطلقها" ويقتصر عليه، وتارةً: "ففارقها" ويقتصر عليه، وذكر ابن إسحاق أصل اللفظ الذي سمعه (١) من سهل، فقد كان لابن إسحاق اختصاص بالزهري، قال ابن عيينة: "رأيت الزهري قال لمحمد بن إسحاق: أين كنت؟ فقال: هل يصل إليك أحد؟ قال: فدعا حاجبه وقال: "لا تحجبه إذا جاء". (ذكره في تهذيب التهذيب) (٢). فأما أن يسمع ابن إسحاق "فطلقها ثلاثًا" فيراها مخالفة لرأيه، فيبدلها بلفظ يوافق رأيه، وينسبه إلى صاحب القصة، فهذا بغاية البعد، وليس هذا من الرواية بالمعنى، بل من التحريف والتبديل، وحاشا ابن إسحاق من ذلك (٣). [ص ٨] قالوا: وعلى فرض أنه ثبت ثبوتًا لا ريب فيه أن عويمرًا طلَّق ملاعنته ثلاث طلقات بحضرة النبي ﵌، ولم ينكر عليه، ودل ذلك على الجواز، فليس في هذا ما يدل على إباحة جمع الطلاق مطلقًا، فليجز مثل

стр. 85

ذلك في مثل هذه الواقعة، وهي أن يطلق الزوج زوجته التي اطلع على زناها ولاعنَها فالتعنت، ولا يُقاس عليها من ليس مثل معناها. على أنه قد أغنى الله الملاعن عن الطلاق بقضائه بالتفريق بينهما مؤبدًا بغير طلاق. وقد أخرج النسائي (١) وغيره بسند صحيح عن مخرمة بن بكير عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد قال: "أُخبِر رسول الله ﵌ عن رجل طلَّق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبانَ، فقال: أيُلْعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم، حتى قام رجلٌ وقال: ألا أقتله؟ ". (سنن النسائي ٢/ ٦٩٥). ومحمود بن لبيد ولد في عهد النبي ﵌، فالحديث مرسلٌ صحيحٌ. وأخرج البيهقي (٢) وغيره من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله ﵌: "ما بالُ رجالٍ يلعبون بحدود الله؟ طلقتك راجعتك، طلقتك راجعتك! ". ورجاله رجال الصحيح إلا أن فيهم من يدلس. وفي رواية: "لِمَ يقول أحدكم لامرأته: قد طلقتك، قد راجعتك؟ طلقوا المرأة في قُبُل عدتها" (سنن البيهقي ٧/ ٣٢٢ - ٣٢٣). وأخرج الحاكم (٣) وغيره من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﵌:

стр. 86

"أبغض الحلال إلى الله الطلاق". قال الحاكم: صحيح الإسناد. وقال الذهبي: على شرط مسلم. وأورده البيهقي (١) من طرق موصولًا ومن أخرى مرسلًا، ورجّح بعضُ الحفاظ إرساله، قال صاحب الجوهر النقي: " ... فهذا يقتضي ترجيح الوصل، لأنه زيادة وقد جاء من وجوه". (الجوهر النقي مع سنن البيهقي) (٢). أقول: وإن كان مرسلًا فمرسلٌ صحيحٌ، له شواهد وعواضد، فهو صالحٌ للحجة، إن شاء الله تعالى. ولا خفاء أن الله إنما أحله مع بغضه له؛ لعلمه أن الحاجة تشتدُّ إليه، ومن القواعد المقررة أن ما أبيح للضرورة قُدِّر بقدرها، والضرورة أو الحاجة المشروعة يكفي للتخلص منها واحدة، وأما المنافع التي تقدم أن الزوج قد يحتاج إلى تعجلها، فقد مر الكلام عليها. (ملحق) ما يختص بالمذهب الثاني: قالوا: قد صح عن ابن مسعود أنه قال: "طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر تطليقة، فإذا كان آخر ذلك فتلك العدة التي أمر الله بها" (سنن الدارقطني ٤٢٧) (٣). أخرجه من طريق حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله.

стр. 87

وقال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (١): حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله، فذكره بنحوه. وأخرجه ابن جرير (٢) مطولًا: ثنا ابن حميد ثنا جرير عن مطرِّف عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ قال: "يطلقها بعدما تطهر من قبل جماع، ثم يدعها حتى تطهر مرة أخرى، ثم يطلقها إن شاء، ثم إن أراد أن يراجعها راجعها، ثم إن شاء طلَّقها، وإلا تركها حتى تتم ثلاثُ حِيضٍ، وتبين منه". (تفسير ابن جرير ٢/ ٢٥٩). قالوا: وقول الصحابي: "السنة كذا" في حكم الرفع. وجاء عن ابن عباس نحوه. أخرج ابن جرير (٣) في تفسير سورة الطلاق، من طريق ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: "أنه كان يرى طلاق السنة طاهرًا من غير جماع، وفي كل طهر، وهي العدة التي أمر الله بها" (تفسير ابن جرير ج ٢٨/ص ٧٧). قالوا: وهذا هو المروي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من التابعين.

стр. 88

وقد ثبت في الصحيحين (١) وغيرهما من حديث ابن عمر في قصة طلاقه امرأته وهي حائض أن النبي ﵌ قال لعمر: "مُرْه فليراجعْها، ثم ليمسكْها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعدُ، وإن شاء طلَّق قبل أن يمس". قالوا: وإنما لم يرخص له أن يطلق في الطهر الذي يلي تلك الحيضة؛ لأن محل الطلاق كان في الطهر الذي قبلها، ليكون بينه وبين الطلقة الثانية طهر وحيضة كاملة، فلما أوقعه في الحيضة أمره أن لا يوقع الطلقة الثانية إن أراد إلا بعد أن تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ليتم له طهر وحيضة كاملة بين الطلقتين، فدل الحديث على جواز إيقاع الطلقة بعد الطلقة إذا كان بينهما طهر لم يقربها فيه، ثم حيضة كاملة. جواب المذهب الثالث: قالوا: الأعمش وأبو إسحاق إمامان ولكنهما مدلسان، وابن حميد هو محمد بن حميد الرازي متهم، والصحيح عن ابن مسعود أنه قال: "الطلاق للعدة طاهرًا من غير جماع". أخرجه ابن جرير من طرق (تفسير ابن جرير ج ٢٨/ص ٧٦ - ٧٧)، وذكر الحافظ في الفتح (٢) أن سنده صحيح. (فتح الباري ج ٩/ص ٢٧٦) (٣). وقال ابن أبي شيبة (٤): ثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي

стр. 89

الأحوص عن عبد الله قال: "من أراد الطلاق الذي هو الطلاق، فليطلقها تطليقة ثم يدعها حتى تحيض ثلاث حيض". وبسند صحيح عن طاوس (١): "طلاق السنة أن يطلق الرجل امرأته طاهرًا في غير جماع، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها". وبسندٍ صحيح عن أبي قلابة (٢) نحوه. وقال (٣): ثنا ابن إدريس عن هشام عن ابن سيرين عن عَبيدة عن علي قال: "ما طلَّق رجل طلاق السنة فندم"، وفسَّره في رواية أخرى (٤) فقال: "يطلقها واحدة ثم يتركها حتى تحيض ثلاث حيض". وقال (٥): ثنا وكيع عن سفيان عن مغيرة عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون أن يطلقها واحدةً، ثم يتركها حتى تحيض ثلاثَ حِيَضٍ. ثنا (٦): شبابة بن سوَّار عن شعبة عن الحكم وحماد في الطلاق السنة قالا: "يطلق الرجل امرأته ثم يدعها حتى تنقضي عدتها" (٧). وأما أثر ابن عباس فهو مختصر من حديثه في قصة طلاق ركانة،

стр. 90

وسيأتي، وليس فيه ذكر "السنة"، وإنما فيه بعد أن ذكر القصة: "فكان ابن عباس يرى إنما الطلاق عند كل طهر". ولفظ "السنة" في هذا المختصر إما من قول عكرمة، وإما من قول من بعده، وسيأتي بقية الكلام على هذا. قالوا: وأما حديث ابن عمر فالطلقتان فيه ليستا متتابعتين، فإنه أمره بالمراجعة من الأولى، وعليه فالطلقة الثانية تكون في قُبُل العدة، فأين هذا من مذهبكم؟ وقد ذكر العلماء توجيهات أخرى غير ما قلتم، منها قولهم: لو طلَّقها عقب تلك الحيضة كان قد راجعها ليطلقها، وهذا عكس مقصود الرجعة، فإنها شرعت لإيواء المرأة، ولهذا أسماها إمساكًا، فأمره أن يمسكها في ذلك الطهر، وأن لا يطلق فيه حتى تحيض حيضة أخرى ثم تطهر، لتكون الرجعة للإمساك. ويؤيد ذلك أن الشارع أكد هذا المعنى حين أمره أن يمسكها (يمسها) في الطهر الذي يلي الحيض الذي طلَّقها فيه، لقوله في رواية عبد الحميد بن جعفر (١): "مُره أن يراجعها، فإذا طهرت مسَّها، حتى إذا طهرت أخرى فإن شاء طلَّقها، وإن شاء أمسكها". فإذا كان قد أمره بأن يمسكها (يمسَّها) في ذلك الطهر، فكيف يصح له أن يطلقها فيه؟ وقد ثبت النهي عن "الطلاق في طهرٍ جامعها فيه" (فتح الباري

стр. 91

ج ٩/ ص ٢٨٠) (١). وقوله في الرجعة: إنها شرعت لإمساك المرأة يُبيّنه أن الله تعالى قيَّد استحقاقها بإرادة الإصلاح، قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، وقال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾، وقال: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. وفي الحديث دليل لنا، فإنه ذكر الطلقة الثانية، ثم قال: "فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء"، ولم يذكر بعد الطلقة الثانية إلا التنبيه على الآية، ودلالة الآية ظاهرة فيما ذهبنا إليه، فلذلك ــ والله أعلم ــ اكتفى بها عن أن يقول: ثم لا تطلق الثالثة إلا إذا راجعت من الثانية، ولو كان الأمر كما قلتم لكان الظاهر أن يذكر الثالثة (٢)، لأن ما قلتم خلاف ظاهر الآية (٣). وأما سكوت النبي ﵌ عن تعليم ابن عمر، فالظاهر أن عمر وابنه كان يعلمان ذلك، وقد روي عنهما تحريم إيقاع الثلاث جميعًا، والظاهر أن ابن عمر كان يعلم حرمة الطلاق في الحيض، وإنما وقعت منه زلَّةٌ، ولم يعلم هو وأبوه كيف المَخْلَص منها، فلذلك سأل عمر النبي ﵌. والله أعلم. ومما يدل على علمه ما ثبت أن النبي ﵌ تغيظ لما أخبره عمر. وأما ركانة فإنه أخبر أنه إنما أراد واحدة، وحلف على ذلك، فلما تبين أنه إنما طلَّق واحدةً، لم يكن هناك باعث في الحال إلى بيان تحريم إيقاع

стр. 92

الثلاث دفعة. وأما عبد الرحمن بن عوف فقد ثبت أنه إنما طلَّقها آخر ثلاث تطليقات كانت لها، انظر الجوهر النقي مع سنن البيهقي (ج ٧/ ص ٣٣٠). أقول: ولقصة ابن عمر وركانة تعلقٌ بوقوع الثلاث دفعة أو عدمه، وكذلك حديث أبي موسى، وحديث محمود بن لبيد، بل لهذا الحكم ــ أعني تحريم إيقاع الثلاث دفعة أو إباحته ــ علاقة بذلك، فانتظر بيانها في الباب الثاني، إن شاء الله تعالى. * * * *

стр. 93

[ص ١] الباب الثاني (١) في الوقوع المسألة الأولى: في وقوع الطلاق البدعي الجمهور على وقوعه (٢). احتج الجمهور من القرآن بقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، وقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ الآية. قالوا: والطلاق في هذه الآيات عامٌّ يتناول الطلاق المأذون فيه وغيره؛ لأن الطلاق كلمة معروفة المعنى في اللغة، لم يخصها الشارع بالطلاق المأذون فيه. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ فأفهم أن من لم يتق الله لم يجعل له مخرجًا، أي: بل يضيق عليه، والتضييق هو أن يعتد عليه بطلاقه.

стр. 94

ومن السنة بحديث الصحيحين (١) وغيرهما ــ بل هو متواترٌ ــ أن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، فأخبر عمر النبي ﵌ بذلك، فقال له: "مره فليراجعها" الحديث. قالوا: والمراجعة إنما تكون بعد طلاق واقع. قالوا: وقد أخرج ابن وهب في مسنده (٢) عن ابن أبي ذئب، أن نافعًا أخبره: أن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله ﵌ عن ذلك فقال: "مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر"، قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبي ﵌: "وهي واحدة". قال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع سالمًا يحدث عن أبيه عن النبي ﵌ بذلك. وأخرجه الدارقطني (٣) من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب وابن إسحاق جميعًا عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﵌ قال: "هي واحدة". (فتح الباري ج ٩/ص ٢٨٢ - ٢٨٣) (٤). وفي صحيح البخاري (٥) عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: "حُسِبَتْ علي بتطليقة".

стр. 95

قال المانعون: أما عموم الآيات فيخصه قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، فدل اتفاقًا على أن المأذون فيه هو الطلاق للعدة، فما وقع من صورة طلاق وليس للعدة فهو غير مأذون فيه اتفاقًا. والأصل في النكاح أنه عقد لازمٌ يحب الله بقاءه، ولا يرضى قطعه، وقد مر دليل ذلك، وفي بعض الشرائع المتقدمة لا يمكن قطعه البتة، وإنما رخص الله تعالى لهذه الأمة في قطعه لشدة الحاجة إليه، فالطلاق رخصة، فإذا أوقعه الرجل كما أذن الله له وقع، وإذا أوقعه كما نهاه الله تعالى لم يقع. [ص ٢] واحتج الجمهور من السنة بحديث ابن عمر المشهور بل المتواتر، ولهم فيه حجج: الأولى: قول النبي ﵌ "فليراجعها"، والمراجعة حقيقة شرعية في ردّ الزوج لو أوقع عليها طلاقًا رجعيًا إلى عصمة نكاحه في العدة. الثانية: قوله: "ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعدُ، وإن شاء طلَّق قبل أن يمسَّ"، ولو كانت طلقته التي طلَّقها في الحيض لاغيةً لما منعه من تطليقها في الطهر الذي يليها. الثالثة: ما في الصحيحين (١) عن سعيد بن جبير عن ابن عمر قال: "حُسِبَتْ علي بتطليقة". قال في الفتح (٢): "وقد أخرجه أبو نعيم من طريق

стр. 96

عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه مثل ما أخرجه البخاري مختصرًا وزاد ــ يعني حين طلَّق امرأته ــ: فسأل عمر النبي ﵌ عن ذلك". (فتح الباري). وقال بعد ذلك (١): "النبي ﵌ هو الآمر بالمراجعة، وهو المرشد لابن عمر فيما يفعل إذا أراد طلاقها بعد ذلك، وإذا أخبر ابن عمر أن الذي وقع منه حُسِبت عليه بتطليقة كان احتمال أن يكون الذي حسبها عليه غير النبي ﵌ بعيدًا جدًّا مع احتفاف القرائن في هذه القصة بذلك. وكيف يتخيل أن ابن عمر يفعل في القصة شيئًا برأيه وهو ينقل أن النبي ﵌ تغيَّظ من صنيعه؟ كيف لم يشاوره فيما يفعل في القصة المذكورة؟ ". ثم ذكر الحجة الرابعة: فقال (٢): "وقد أخرج ابن وهب في مسنده عن ابن أبي ذئب أن نافعًا أخبره أن ابن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، فسأل عمر رسول الله ﵌ عن ذلك، فقال: "مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر"، قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبي ﵌: "وهي واحدة". قال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع سالمًا يحدث عن أبيه عن النبي ﵌ بذلك. وأخرجه الدارقطني (٣) من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب وابن إسحاق جميعًا عن نافع عن النبي ﵌ قال: "هي واحدة".

стр. 97

وعند الدارقطني (١) في رواية شعبة عن أنس بن سيرين عن ابن عمر في القصة فقال عمر: يا رسول الله! أفتُحتسب بتلك التطليقة؟ قال: "نعم". ورجاله إلى شعبة ثقات. (فتح الباري ج ٩/ص ٢٨٣). وأخرج البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي: نا ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر: أنه طلَّق امرأته وهي حائض، فأتى عمر النبي ﵌ فذكر ذلك له، فجعلها واحدة. (سنن البيهقي ج ٧/ص ٣٢٦). جواب المانعين: قالوا: أما احتجاجكم بقوله: "فليراجعها" "فهو غير ناهض؛ لأن الرجعة المقيدة ببعد الطلاق عرفٌ (٢) شرعيٌ متأخر، إذ هي لغةً أعم من ذلك" (سبل السلام ٢/ ٩٦) (٣). أقول: في هذا الجواب نظر، فقد جاء ذكر مراجعة الرجل زوجته في أحاديث أخر، كما في حديث: "راجعْ حفصةَ فإنَّها صوَّامة قوَّامة" (٤)، وحديث: "راجِعْ أمَّ ركانة" (٥)، وكثر في كلام الصحابة جدًّا، فيظهر من هذا

стр. 98

أن العرف جرى بذلك في عهد النبي ﵌، إذا قيل: "راجع فلان امرأته" ظهر من ذلك أنه طلَّقها، فأقلُّ ما فيه أنه حقيقة عرفية ثابتة في عهده ﵌. فإن قيل: إذا سلم هذا، فإنما أطلقها النبي ﵌ لأن الذي وقع صورة طلاق. قلت: إنما فزع عمر وابنه إلى النبي ﵌ ليبين لهم، وهذا مخالف للبيان. فإن قيل: قد بيَّن بقوله: "فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" فنبَّه بذلك على أن ما وقع من ابن عمر كان على خلاف ما أمر الله، وهذا يُشعِر بعدم وقوعه، على ما تقدم في الجواب عما احتج به الجمهور من القرآن. قلت: ليس هذا بالبين. قالوا: وأما الحجة الثانية فلا يتعين ما قلتم لاحتمال أن يكون النبي ﵌ أمره بالإمساك في ذلك الطهر معاملةً له بنقيض قصده من الاستعجال، وإظهارًا لبطلان تلك الطلقة، ولهذا ــ والله أعلم ــ أمره بأن يمس في ذلك الطهر، ولو أذن له بالطلاق فيه فطلق لحصل مقصوده من الاستعجال، ولم يظهر أثر بطلان تلك الطلقة التي طلَّق في الحيض. [ص ٣] وأما الحجة الثالثة: فلم يتبين لنا متى حُسِبَتْ عليه، فقد ثبت في "صحيح مسلم" (١) عنه: "ثم طلَّقتُها لطهرها".

стр. 99

فيحتمل أن يكون النبي ﵌ بيَّن له حين أمره بالمراجعة أن تلك الطلقة محسوبة عليه. ويحتمل أن يكون فِهمَه من قول النبي ﵌: "فليراجعها" على ما ذكرتم في الحجتين الأولَيين. ويحتمل أن يكون بعد أن طلَّقها لطهرها أراد أن يراجعها، فبين له النبي ﵌ حينئذٍ. ويحتمل أن يكون تركها حتى انقضت عدتها، [و] أراد أن يتزوجها فسأل، فحُسِبَتْ عليه. وفي هذا الأخير يحتمل أن يكون في حياة النبي ﵌، فيكون الظاهر أنه هو الذي حسبها، ويحتمل أن يكون بعد وفاته ﵌، وعلى هذا فيكون الظاهر أن غيره هو الذي حسبها. وليس هذا كقول الصحابي: "أُمِرنا بكذا"، فإن الظاهر في الأمر أنه من النبي ﵌، وأما حساب الطلقة فيكون من القاضي والمفتي. ويرجح هذا الأخير أن أكثر الروايات عن ابن عمر تدل أن حساب تلك الطلقة عليه كان باجتهادٍ ممن بعد النبي ﵌. ففي رواية (١) قال ابن عمر: "فراجعتها وحسبت لها التطليقة". وفي رواية أنس بن سيرين (٢) أنه قال لابن عمر: قلتُ فاعتددتَ بتلك

стр. 100

التطليقة التي طلقتَ وهي حائض؟ قال: "مالي لا أعتدُّ بها؟ وإن كنتُ عجزتُ واستحمقتُ". وفي رواية يونس بن جبير (١) نحوه. وفي رواية عبيد الله (٢) عن نافع عن ابن عمر، قال عبيد الله: قلت لنافع: ما صَنَعتْ التطليقةُ؟ قال: "واحدة اعتدَّ بها". وفي رواية الزهري (٣) عن سالم عن عبد الله بن عمر: "وكان عبد الله ابن عمر طلَّقها تطليقةً واحدة فحُسِبَتْ من طلاقها". هذا، وقد كان القول بعدم الوقوع مشهورًا حينئذٍ على ما قال في "الفتح" وعبارته (٤): "قوله: "باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق" كذا بتَّ الحكمَ بالمسألة، وفيها خلاف قديم عن طاوس وعن خِلاس بن عمرو وغيرهما، ومن ثمَّ نشأ سؤال من سأل ابن عمر عن ذلك". (فتح الباري ج ٩/ص ٢٨١). فعدم تنصيص ابن عمر ثم ابنه سالم ومولاه نافع بنص صريح مرفوع إلى النبي ﵌ على حسب تلك الطلقة مع تكرار السؤال واشتهار الخلاف= ظاهرٌ في أنه لم يكن عند ابن عمر نص صريحٌ، وسيأتي ما يؤكد هذا.

стр. 101

وأما الحجة الرابعة؛ فصنيع الدارقطني في "سننه" (١) يدل أنه يرى أن ذكر الواحدة في حديث ابن أبي ذئب إنما أصله أن ابن عمر طلَّق واحدة، أي: لم يطلق ثلاثًا، فإنه ساق من طريق أبي الزبير قال: سألت ابن عمر عن رجل طلَّق امرأته ثلاثًا وهي حائض، فقال: أتعرف ابن عمر؟ قال: قلت: نعم، قال: طلقت امرأتي ثلاثًا على عهد رسول الله ﵌ وهي حائض فردها رسول الله ﵌ إلى السنة". ثم قال (٢): "هؤلاء كلهم من الشيعة، والمحفوظ أن ابن عمر طلَّق امرأته واحدة في الحيض". ثم ساق (٣) رواية عبيد الله عن نافع عن عبد الله: "أنه طلَّق امرأته وهي حائض تطليقة". ثم قال (٤): "وكذلك قال صالح بن كيسان وموسى بن عقبة وإسماعيل بن أمية وليث بن سعد وابن أبي ذئب وابن جريج وجابر وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن نافع عن ابن عمر: "أنه طلَّق امرأته تطليقة واحدة"، وكذلك قال الزهري عن سالم عن أبيه، ويونس بن جبير والشعبي والحسن". [ص ٤] ثم ساق الأحاديث مستدلًّا على ذلك (٥)، فذكر رواية عبيد الله

стр. 102

عن نافع، ثم رواية يونس بن جبير عن ابن عمر، ثم رواية إسماعيل بن أمية عن نافع، ثم رواية صالح عن نافع، وفي طريق منها: "نا نافع أن ابن عمر إنما طلَّق امرأته تلك واحدة" (١). وعقبه من طريق يزيد بن هارون أنا محمد بن إسحاق وابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر أنه طلَّق امرأته في عهد رسول الله ﵌ وهي حائض، فذكر عمر ذلك لرسول الله ﵌، ثم ذكر نحوه. وقال ابن أبي ذئب في حديثه: هي واحدة، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" (٢). ثم ذكر رواية موسى بن عقبة عن نافع، ثم رواية جابر عن نافع (٣). فيظهر مما ذكرناه أن الذي فهم الدارقطني من ذكر الواحدة في رواية ابن أبي ذئب: أن المقصود منها أن ابن عمر إنما طلَّق واحدة لا ثلاثًا، وهذا هو الموافق لرواية الجماعة عن نافع. وأما رواية البيهقي من طريق الطيالسي فهي لعمر الله ظاهرة فيما ذهبتم إليه، ولم نجد هذا الحديث في مسند الطيالسي، والطيالسي إمام حافظ ولكنه كثير الخطأ (٤). قال أبو مسعود: "يخطئ"، وأقره أحمد على هذا القول.

стр. 103

وقال ابن عدي: "يخطئ في أحاديث منها، يرفع أحاديث يوقفها غيره، ويوصل أحاديث يرسلها غيره، وإنما أتي ذلك من حفظه". وقال ابن سعد: "ربما غلط". وقال أبو حاتم: "كان كثير الخطأ". أقول: ومن قارن الأحاديث التي في مسنده بنظائرها مما يرويه غيره، وجد اختلافًا كثيرًا في المتون، وكأنه كان يروي بالمعنى، فاختصر حديث ابن أبي ذئب، وبنى على ما فهمه فقال: "فجعلها واحدة". والله أعلم. نعم، قال (١) بعد ذلك: "نا أبو بكر نا عياش بن محمد نا أبو عاصم عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﵌ قال: "هي واحدة". كذا وقع في النسخة "عياش"، وأحسبه "عباس" وهو الدوري، فإن كان هو فكلهم ثقات، ولكن ابن جريج مشهور بالتدليس، ومع هذا فقد أعرض الدارقطني عن ظاهر هذه الرواية وألحقها برواية الجماعة عن نافع ــ كما تقدم ــ أي أن ذكر الواحدة في الحديث إنما هو في أن ابن عمر طلَّق واحدة. وأما حديث الدارقطني من طريق شعبة عن أنس بن سيرين الذي قال الحافظ (٢): "ورجاله إلى شعبة ثقات"، فقال الدارقطني (٣): "نا عثمان بن أحمد الدقاق نا عبد الملك بن محمد أبو قلابة نا بشر بن عمر نا شعبة" فذكره.

стр. 104

فأما الدقاق، ويقال له: السماك وابن السماك، فثقة، وغمزه الذهبي في الميزان (١) بما لا يجرحه. وأما أبو قلابة فثقة، ولكن قال الدارقطني نفسه (٢): صدوق كثير الخطأ في الأسانيد والمتون، كان يحدث من حفظه، فكثرت الأوهام في روايته. وقال الحاكم عن الدارقطني: لا يحتج بما ينفرد به، بلغني عن شيخنا أبي القاسم ابن بنت منيع أنه قال: عندي عن أبي قلابة عشرة أجزاء، ما منها حديث مسلَّم إما في الإسناد، وإما في المتن، كان يحدث من حفظه فكثرت الأوهام فيه". وقال ابن خزيمة: حدثنا أبو قلابة القاضي أبو بكر (٣) بالبصرة قبل أن يختلط ويخرج إلى بغداد. أقول: والدقاق بغدادي، وكانت وفاة أبي قلابة سنة (٢٧٦)، ووفاة الدقاق سنة (٣٤٤)، أي بعد وفاة أبي قلابة بثمانٍ وستين سنة، فيظهر من هذا أنه إنما سمع من أبي قلابة بأخرة. ثم رأيت السخاوي في "فتح المغيث" (٤) قد صرح بذلك، فقال عند قول العراقي في فصل معرفة من اختلط من الثقات: "وكالرقاشي أبي قلابة": "وممن سمع منه أخيرًا ببغداد: أبو عمرو عثمان بن أحمد السماك، وأبو بكر

стр. 105

محمد بن عبد الله الشافعي، وغيرهما، فعلى قول ابن خزيمة سماعهم منه بعد الاختلاط" (فتح المغيث ص ٤٨٩). وحديث شعبة عن أنس بن سيرين في الصحيحين (١) وغيرهما من طرق كثيرة، والذي فيه أن أنس بن سيرين هو الذي سأل ابن عمر فأجابه، فوهم أبو قلابة على بشر عن شعبة في قوله: إن السائل هو عمر سأل النبي ﵌، الله أعلم. وقد ذكر الدارقطني (٢) حديثًا آخر يشبه هذا قال: "نا عثمان بن أحمد الدقاق نا الحسن بن سلام نا محمد بن سابق نا شيبان عن فراس عن الشعبي قال: طلَّق ابن عمر امرأته وهي حائض، فانطلق عمر إلى رسول الله ﵌ فأخبره، فأمره أن يراجعها، ثم يستقبل الطلاق في عدتها، وتحتسب بهذه التطليقة التي طلَّق أول مرة". وأخرجه البيهقي (٣) من طريق ابن أبي خيثمة قال: "ثنا محمد بن سابق أبو جعفر إملاءً من كتابه" فذكره. (سنن البيهقي ج ٧/ص ٣٢٦). أقول: ابن سابق وشيبان وفراس كلهم من رجال الصحيحين، لكن في مقدمة "فتح الباري" (٤) في ترجمة ابن سابق: "وثقه العجلي، وقواه أحمد بن حنبل، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة، وليس ممن يوصف بالضبط، وقال

стр. 106

النسائي: لا بأس به، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف. قلت: ليس له في البخاري إلا حديث واحد ... وقد تابعه عليه عنده عبيد الله بن موسى". وفي شيبان وفراس كلام يسير غير قادح، إلا أن الحديث مرسل، فإن الشعبي تابعي لم يدرك القصة. وهذا يشبه ما رواه عطاء عن ابن الحنفية (١): أن عمارًا مرَّ بالنبي ﵌ .. إلخ. وقد حكم عليه يعقوب بن شيبة بالإرسال. ونحوه ما رواه عكرمة بن عمار عن قيس بن طلق (٢): أن طلقًا سأل النبي ﵌. وقد قال البيهقي (٣): منقطع لأن قيسًا لم يشهد سؤال طلَّق. وهكذا قول ضمرة عن عبيد الله بن عبد الله (٤): أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي. وقد نص ابن خزيمة على انقطاعه. ولهذا قال الإمام أحمد: إن "عن عروة أن عائشة" قالت: يا رسول الله، و"عن عروة عن عائشة" ليسا سواء. (انظر فتح المغيث ص ٦٨ - ٦٩) (٥).

стр. 107

له الحمد (١): هذه القضية قد عُرِضتْ علي قبل مدة، وأجبت بما ظهر لي، وذكرت [قول] أصحابنا الشافعية: أن الزوجين إذا ادّعيا بعد الطلاق الثلاث أن النكاح الأول كان بشهادة فسَّاق، وغرضهما أن يثبت بطلانه في مذهب الشافعي، لكي يعقدا عقدًا جديدًا بدون تحليل، لم يسمع القاضي الشافعي دعواهما، ولم يقبل منهما بينة. ولم يظهر لي بعدُ ما يخالفه، وأرى أن التسهيل من هذا الوجه مخالفٌ لمقاصد الشريعة، ومفتاح فساد لتخريب حدودها، فإن كان الزوجان يريدان الترخص، فأقرب الطرق وأشبهها بالحق: تقليد من يقول من أهل العلم: إن الطلقات التي لم تتخللها رجعة إنما تحسب طلقة واحدة. القاضي أبو القاسم الداودي: إن الوداد لدى أناسٍ خدعة ... كوميضِ برقٍ في جَهامِ غَمامِ فهو المقال الفرد عند القوم كالـ ... إيمانِ عند محمدِ بن كِرَام (الإعجاز والإيجاز ص ٢٦٦).