ويجول، ويزيل أنظمته وأوضاعه الْجَاهِلِيَّة الَّتِي يعبد بهَا النَّاس لغير رَبهم - سُبْحَانَهُ - ويفتنهم عَن دين الله تَعَالَى وهداه.١
وَأما الْكفْر فَهُوَ الآخر بِمَا فِي طَبِيعَته من طغيان يعْمل على محاربة الْإِسْلَام وملاحقته والصد عَنهُ مَا واتته الفرصة من ليل أَو نَهَار، وَقد ظهر إِصْرَار الْكفْر على محاربة الْإِسْلَام ومحاولات رد الْمُسلمين عَن دينهم فِي ظاهرتين اثْنَتَيْنِ:
الظَّاهِرَة الأولى: مسارعة رُؤُوس الْكفْر وأئمة الضلال فِي قوم كل نَبِي يُرْسِلهُ الله - تَعَالَى - للوقوف فِي وَجه نَبِيّهم ﵊ والصد عَن دين الله - تَعَالَى - وفتنة الْمُؤمنِينَ بِهِ.
الظَّاهِرَة الثَّانِيَة: مسارعة المعسكرات الْجَاهِلِيَّة لنقض عهودها مَعَ الْمُسلمين حالما تلوح لَهُم فرْصَة ضعف الْمُسلمين وعجزهم عَن تَأْدِيب ناقضي الْعَهْد مَعَهم.
وَهَكَذَا نجد أَن كلا من الْإِسْلَام وَالْكفْر يعْمل بإصرار على إِزَالَة الآخر من الْعُقُول والضمائر والقلوب وَمن حَيَاة النَّاس وأوضاعهم وأنظمتهم، لِأَنَّهُ لَا يُوجد أَحدهمَا إِلَّا حَيْثُ يخسر الآخر وينسحب، وَلَا وجود لأَحَدهمَا إِلَّا على حِسَاب الآخر، وَأَن بداية أَحدهمَا فِي عقل أَو ضمير أَو قلب، أَو وضع أَو نظام أَو مَكَان هِيَ بداية النِّهَايَة للْآخر..
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (الْأَنْفَال:٣٩) .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (التَّوْبَة: ٣٦) .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (الْبَقَرَة: ٢١٧) .
стр. 16
٢ - أما الْحَقِيقَة التاريخية الثَّانِيَة فَهِيَ تعاون القوى الْكَافِرَة ومعسكراتها ضد الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين.. وَهَذَا مَا كشف عَنهُ الْكتاب وَالسّنة أَيْضا فِي أَكثر من آيَة وَحَدِيث.. وبأكثر من أسلوب تَصْرِيحًا وتلميحاً.. من ذَلِك جمع الْكفَّار كلهم فِي سِيَاق آيَة وَاحِدَة، والْحَدِيث عَن مُرَادهم فِي الْمُسلمين وموقفهم مِنْهُ مِمَّا يدل على وحدة بواعثهم وأهدافهم تجاه الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين، وَكَذَلِكَ وحدة مواقفهم كَقَوْلِه تَعَالَى - على سَبِيل الْمِثَال لَا الْحصْر: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ١٠٥) ١.
أما الْوَاقِع التاريخي فقد ترْجم هَذِه الْحَقِيقَة وأظهرها خلال الْأَرْبَعَة عشر قرنا من الزَّمَان ﴿لمن كَانَ لَهُ قلب أَو القي السّمع وَهُوَ شَهِيد﴾ وَمَا يزَال يظهرها الْيَوْم ويبينها أجلى مَا يكون بَيَانا..
وَهَذِه الْحَقِيقَة التاريخية وسابقتها تحْتَاج إِلَى محاضرة مُسْتَقلَّة إِن لم يكن أَكثر من محاضرة، وَأَرْجُو أَن أوفق لذَلِك فِي الْمُسْتَقْبل بِإِذن الله تَعَالَى. وَهَذِه إشارات خاطفة على سَبِيل الْمِثَال لَا الْحصْر:
أَيهَا الْأُخوة: كلنا يعلم الحروب الطَّوِيلَة الأمد الَّتِي كَانَت بَين الْفرس وَالروم، وَأَن هَذِه الحروب توقفت فَجْأَة بِظُهُور الْإِسْلَام وتحولت القوتان المتخاصمتان دهراً طَويلا إِلَى قوتين متعاونتين ضد الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين..فحارب الْمُسلمُونَ على الجبهتين الفارسية والرومية فِي وَقت وَاحِد ونصرهم الله تَعَالَى عَلَيْهِمَا..
كَذَلِك إِن الَّذِي يدرس تَارِيخ الحروب الصليبية وغزو التتار لبلاد الْمُسلمين يعلم السفارات الَّتِي كَانَت تتبادل بَين دوَل المعسكر الصليبي وإماراته ورؤوسه وَبَين التتار فِي بِلَادهمْ قبل بدئهم بغزو الْعَالم الإسلامي، وَلما جَاءُوا إِلَى بِلَاد
١ - وَكَقَوْلِه ﷺ : "يُوشك أَن تداعى عَلَيْكُم الْأُمَم كَمَا تداعى الْأكلَة إِلَى قصعتها".. الحَدِيث..
стр. 17
الْإِسْلَام انْضَمَّ إِلَيْهِم غير الْمُسلمين من الطوائف الْأُخْرَى فِي بَغْدَاد وبلاد الشَّام وَغَيرهمَا وتعاونوا مَعَهم، بل إِن النَّصَارَى هللوا وَاسْتَبْشَرُوا بقدوم التتار الوثنيين واعتبروا غزوهم لبلاد الْمُسلمين حَملَة صليبية جَدِيدَة جَاءَت من الشرق بَدَلا من أَن تَأتي من الغرب، وَقد رَأينَا كَيفَ أَنه لم ينج من مذبحتهم الرهيبة فِي بَغْدَاد إِلَّا هَؤُلَاءِ الَّذين تعاونوا مَعَهم من الطوائف غير الْمسلمَة، ومنحهم الْغُزَاة قُصُور الْمُسلمين وأمرائهم الَّذين ذَبَحُوا مِنْهُم من ذَبَحُوا، وفر مِنْهُم من اسْتَطَاعَ الْفِرَار، واختفى الْبَاقُونَ فِي الأقنية والسراديب، فَلَمَّا خَرجُوا لقوا حتفهم بِسَبَب الْمَرَض الَّذِي فتك بهم.
أما تعاون القوى الْكَافِرَة والمعسكرات الْجَاهِلِيَّة فِيمَا بَينهَا الْيَوْم ضد الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين وقضاياهم فَهِيَ أوضح من أَن تحْتَاج إِلَى بَيَان فِي فلسطين وباكستان الشرقية والفلبين والحبشة بل فِي إفريقيا كلهَا وَفِي كل قَضِيَّة يكون الْمُسلمُونَ طرفا فِيهَا..
أَيهَا الْأُخوة: إِن إدراكنا لهَذَا الْوَاقِع، وَهُوَ كَون الْمُسلمين أمة من دون النَّاس، وَكَون الْكفْر عَاملا مُشْتَركا بَين سَائِر المعسكرات الْجَاهِلِيَّة "الْكفْر مِلَّة وَاحِدَة"..
وَإِن إدراكنا لسر الصراع الطَّوِيل الأمد بَين الْحق وجنده، وَبَين الْبَاطِل وجنده.. إِن هَذَا يمكننا من إِدْرَاك عدَّة أُمُور هَامة جدا فِي حياتنا الْيَوْم، يجب أَن تبحث وتفصل حَتَّى يعرفهَا شبابنا وأبناؤنا ليكونوا على بَصِيرَة بعصرهم هَذَا الَّذِي أَقبلت فِيهِ الْفِتَن كَقطع اللَّيْل المظلم، وَركب بَعْضهَا بَعْضًا، وَأخذ بَعْضهَا برقاب بعض، بِحَيْثُ تدع الْحَلِيم حيراناً، فَمَا بالك بِغَيْر الْحَلِيم؟! ..
وَمن هَذِه الْأُمُور: انه يمكننا من فهم طبيعة الْجِهَاد فِي سَبِيل الله - تَعَالَى - وبواعث الْمُجَاهدين من سلفنا الصَّالح ولماذا كَانُوا لَا يقتلُون إِلَّا المقاتلين الَّذين لَا يرْمونَ السِّلَاح وَهُوَ يمكننا من فهم أَسبَاب الحروب الطَّوِيلَة الَّتِي شنتها المعسكرات الْجَاهِلِيَّة على الْمُسلمين فِي كل مَكَان غلب فِيهِ الْمُسلمُونَ على أَمرهم، وَكَذَلِكَ لماذا كَانَت حروبهم مَعنا وَلنَا حَرْب إبادة واستئصال؟
стр. 18
وَهُوَ يمكننا من فهم أسرار الطغيان وعمليات السحق الوحشية لشباب الْمُسلمين والفتك بعلمائهم وقادة فكرهم على أَيدي الأنظمة الْجَاهِلِيَّة وأوضاعها، ومطاردتهم وتشريدهم؟ !
وَهُوَ يمكننا كَذَلِك من فهم الصمت المطبق فِي وَسَائِل الْإِعْلَام العالمية حِين تكون الضحية مسلمة والقضية إسلامية، والضجة الْكُبْرَى حِين يُوَجه إِيذَاء لغير الْمُسلمين أَو يمْنَعُونَ من ممارسة شعائرهم أَو نشاطاتهم؟ ١
كَمَا أَنه يمكننا من إِدْرَاك حَقِيقَة العلاقة الَّتِي قَامَت عبر التَّارِيخ وَتقوم الْآن بَيْننَا وَبَين المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي هُوَ أحد معسكرات الْكفْر، وَمن ثمَّ فعلاقته بِنَا إِذن تنبثق من العداء الْأَصِيل بَين الْحق وَأَهله وَبَين الْبَاطِل وَأَهله، وَأَن كل مَا بَين الْإِسْلَام وَالْكفْر من عداء وإصرار كل مِنْهُمَا على ملاحقة الآخر وَتعقب آثاره لتصفيته من دنيا النَّاس وواقعهم وَقُلُوبهمْ وضمائرهم هُوَ قَائِم بَين الْمُؤمنِينَ الْمُسلمين وَبَين المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي.
قَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (التَّوْبَة: ٢٩) .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٠)
وَهَذَا مَا تَرْجمهُ الْوَاقِع التاريخي طوال الْأَرْبَعَة عشر قرنا من الزَّمَان..
أَيهَا الْأُخوة: لقد قُلْنَا: من وَاقع كَون الْمُسلمين أمة من دون النَّاس جَمِيعًا، وَكَون المعسكرات الْجَاهِلِيَّة كلهَا كَافِرَة نشأت علاقَة غير الْمُسلمين بِالْمُسْلِمين
١ - انْظُر الْكتاب الْقيم (فِي ظلال الْقُرْآن) للْعَالم الشَّهِيد سيد قطب رَحمَه الله تَعَالَى. ج
стр. 19
وتحدد نوعها وَهُوَ عداؤهم لنا عداء أصيلاً مستمراً لَا يُرْجَى لَهُ زَوَال مَا دَامَ على الأَرْض كفر وكفار أَو يتَحَوَّل الْمُسلمُونَ عَن دينهم إِلَى الْكفْر - وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى -، وَأَن الْقُرْآن الْكَرِيم كشف عَن هَذَا بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ هَذَا من جِهَة، وَمن جِهَة أُخْرَى: فَإِن الْإِسْلَام بِمَا فِيهِ من حق وطهر وحيوية وحركة لَا بُد وَأَن ينْطَلق يحرر النَّاس ويطارد الْكفْر بشتى صوره، ويحطم قواه الَّتِي يصول بهَا ويجول ويزيل أنظمته الْجَاهِلِيَّة وأوضاعه الَّتِي يفتن بهَا النَّاس عَن دين الله - تَعَالَى - ويصدهم عَنهُ.. وَكَانَ بديهياً ومنتظراً أَن يصطدم بالمعسكر النَّصْرَانِي الصليبي القابع فِي شمال الجزيرة الْعَرَبيَّة - بِاعْتِبَارِهِ أحد معسكرات الْكفْر - وَالَّذِي بَدَأَ يَتَحَرَّك ويتحفز للانقضاض على الْمُسلمين مُنْذُ أَن أصبح لَهُم دولة وَقُوَّة فِي هَذِه الْمَدِينَة المنورة، ويترجم بذلك خوف الْكفْر وحذره من انطلاق الْإِسْلَام وإصراره على حَرْب الْإِسْلَام ومحاولات الْقَضَاء عَلَيْهِ، ومدفوعاً بطغيان الْكفْر وبغيه وَكَرِهَهُ لِلْإِسْلَامِ.. فَكَانَت غَزْوَة مُؤْتَة وَكَانَت غَزْوَة تَبُوك، وَغَيرهمَا..
هَذَا بعض مَا كَانَ مِنْهُ، أَو بَدَأَ بِهِ، أما مَا كَانَ من الْإِسْلَام.. فَإِن الْإِسْلَام مَا أَن أخضع الجزيرة الْعَرَبيَّة واستخلصها لنَفسِهِ قَاعِدَة لَهُ لَا يُشَارِكهُ فِيهَا دين آخر " لَا يجْتَمع فِي جَزِيرَة الْعَرَب دينان" حَتَّى بَدَأَ بالزحف على المعسكر النَّصْرَانِي فِي انطلاقه الْعَام لتحرير النَّاس كلهم وتعبيدهم لخالقهم وَحده، فَكَانَت اليرموك وَكَانَ غَيرهَا..وَاسْتمرّ الصراع حَتَّى الْيَوْم، لم يهدأ، وَلم يفتر، بل كثرت ألوانه وأساليبه، وَترك بصماته قَوِيَّة على مكانة الْعَالم النَّصْرَانِي العالمية، وأحدث تغييراً كَبِيرا فِي خارطته وأوضاع الشعوب الَّتِي كَانَت تخضع لَهُ، مِمَّا كَانَ لَهُ تَأْثِيره العميق على تفكيره ونفسيته، واتصالاته بِنَا وتجاربه الَّتِي خرج بهَا خلال هَذِه الْقُرُون الْأَرْبَعَة عشر، فَنَشَأَتْ من ذَلِك أُمُور أخذت مَعَ الزَّمن تترسم فِي أذهان قادته ورؤوسه من ملوكه وأمرائه وَرِجَال كنيسته وتترسخ فِي قُلُوبهم ومشاعرهم وتشكل منطلقات أساسية لنظرتهم إِلَيْنَا وعلاقتهم بِنَا، لَا يَسْتَطِيعُونَ فكاكاً مِنْهَا، وَلَا تخلصاً من ضغطها بل التحمت بلحمهم وعظمهم، وسرت روحاً فِي كيانهم لَا تفارقهم لَحْظَة من ليل أَو نَهَار.. وَقد كَانَت أولى هَذِه الْأُمُور:
стр. 20
روحاً صليبية حاقدة..فَمَا هِيَ الرّوح؟ وَكَيف تشكلت عبر التَّارِيخ؟ وَمَا هُوَ مدى تأثيرها على نظرتهم إِلَيْنَا وعلاقتهم بِنَا؟
هَذَا مَا أبدأ الْإِجَابَة عَلَيْهِ (بِإِذن الله تعلى) .
стр. 21
الرّوح الصليبية ونشأتها:
١ - لقد كَانَ عِيسَى بن مَرْيَم ﵊ آخر الرُّسُل قبل سيدهم وخاتمهم مُحَمَّد بن عبد الله صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم أَجْمَعِينَ.
وَمن ثمَّ كَانَ حواريوه من بعده هم أساتذة الْعَالم ومرشدي الْأُمَم..
لَكِن المسيحية أَصَابَهَا انحراف كَبِير وخطير نقلهَا من ديانَة توحيدية سهلة إِلَى ديانَة وثنية معقدة وَذَلِكَ فِي عهدها الباكر، وَفِي منتصف الْقرن المسيحي الأول على يَد الْيَهُودِيّ الماكر (بولس) . إِلَّا أَن النَّصَارَى ممثلين بِرِجَال كنيستهم ظلوا يمنحون أنفسهم وكنيستهم ذَلِك الِاعْتِبَار الَّذِي كَانَ لحواريي عِيسَى ﵊ وحواريوه - رَحِمهم الله تَعَالَى - وعَلى الرغم من إمعانهم فِي تَحْرِيف مَا ورثوه من هَذِه النَّصْرَانِيَّة المحرفة وحشوها بالخرافات والأضاليل الكنسية، حَتَّى ظُهُور الْإِسْلَام، وَحَتَّى يَوْمنَا هَذَا..
فَلَمَّا ظهر الْإِسْلَام بتوحيده الصافي وَحقه الْمُبين، كشف انحراف النَّصْرَانِيَّة وَبطلَان مَا آلت إِلَيْهِ وَأظْهر ضلال رجال كنيستها وأتباعها وأقصاهم عَمَّا زعموه لأَنْفُسِهِمْ من أستاذية الْعَالم وهدايته، وآلت الصدارة لِلْإِسْلَامِ وَغدا الْمُسلمُونَ هم أساتذة الْعَالم وَهُدَاة البشرية وقادة الْأُمَم ومرشدي النَّاس إِلَى الْحق وَالْهدى، وانتزعوا تِلْكَ المكانة من النَّصَارَى (كَمَا انتزعوها من الْيَهُود فِي هَذِه الْمَدِينَة المنورة بعد الْهِجْرَة إِلَيْهَا) .
وَقضى الْمُسلمُونَ على مَا كَانَ لرجال الْكَنِيسَة من سلطة ومصالح، وَمَا
стр. 22
زعموه لأَنْفُسِهِمْ من وصاية على الْبشر وأوضاعهم وعَلى عُقُولهمْ وأرواحهم، وَمَا فرضوه عَلَيْهِم من حق السخرة وَمَا ابتزوه من أَمْوَالهم ضريبة يؤدونها إِلَى رجال الْكَنِيسَة دون تلكؤ أَو تردد أَو مُرَاجعَة أَو استفسار.. وَهَذَا كُله عدا تعبيدهم لَهُم من دون الله ﵎..
قَالَ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ .
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ : "إِنَّهُم حرمُوا عَلَيْهِم الْحَلَال، وَأَحلُّوا لَهُم الْحَرَام، فاتبعوهم، فَذَلِك عِبَادَتهم إيَّاهُم".
فَكَانَت ذَلِك سَببا أصيلاً وعميقاً فِي كَرَاهِيَة النَّصَارَى - لاسيما رجال كنيستهم - لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمين، وَكَانَ وَرَاء ذَلِك محاولاتهم المستمرة للصد عَن الْإِسْلَام ورد الْمُسلمين عَن دينهم أَو الْقَضَاء عَلَيْهِم وعَلى إسْلَامهمْ..
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٠) .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ﴾ (الْبَقَرَة: ١٠٩) .
٢ - ثمَّ نَشأ سَبَب آخر زَاد فِي عمق وتأصيل كَرَاهِيَة النَّصَارَى - لَا سِيمَا رؤوسهم من رجال كنيستهم وملوكهم - لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمين، والجهد فِي حَرْب المعسكر الإسلامي.. هَذَا السَّبَب هُوَ: انطلاق الْإِسْلَام فِي الأَرْض لتحرير النَّاس من الْعُبُودِيَّة لله تعلى وَحده ولإخراجهم من ضيق الدُّنْيَا إِلَى سَعَة الْآخِرَة وَمن جور الْأَدْيَان إِلَى عدل الْإِسْلَام.. واصطدامه بالمعسكر النَّصْرَانِي الصليبي وتحطيمه جيوشه وأنظمته.. والفتوحات الَّتِي أحرزها فِي الْعَالم النَّصْرَانِي نَفسه، وانتزاعه مِنْهُ بِلَاد الشَّام ومصر وشمال إفريقيا، ووثبته على الأندلس وتوغله فِي أوربا من الغرب حَتَّى شَاءَ الله - تَعَالَى - أَن يقف الْمُسلمُونَ فِي تِلْكَ الجولة قَرِيبا من (باريس) عَاصِمَة فرنسا، ثمَّ دُخُوله أوروبا
стр. 23
مرّة أُخْرَى من الشرق وانتزاعه مِنْهُ الأناضول والبلقان، وقضاؤه على الإمبراطورية البيزنطية وفتحه عاصمتها الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَتَحْوِيلهَا إِلَى عَاصِمَة الْإِسْلَام (إِسْلَام بَوْل) وتوغله بعْدهَا فِي قلب أوروبا حَتَّى شَاءَ الله أَن يقف فِي هَذِه الجولة عِنْد أسوار فيينا عَاصِمَة النمسا. وَكَذَلِكَ صُعُوده على أوروبا من الْجنُوب من إيطاليا حَتَّى دق أَبْوَاب روما وهدد دولة الفاتيكان. ثمَّ صُعُوده على روسيا القيصرية وانتزاعه مِنْهَا أطرافها الجنوبية والشرقية..
وجد المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي نَفسه أَمَام عملاق قوي خرج من هَذِه الْمَدِينَة المنورة، فحطم لَهُ قواه وجيوشه الَّتِي كَانَ بهَا يصول ويجول وَيحكم بهَا نصف الْعَالم، وطارده حَتَّى حصره فِي أوروبا وَحدهَا بل فِي جُزْء مِنْهَا وطوقه من الشرق والغرب بذراعين قويتين يهدده بهما صباح مسَاء..
فَكَانَ هَذَا، أَيْضا، سَببا فِي تأصيل كَرَاهِيَة المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي وعدائه لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمين وتعميق هَذِه الْعَدَاوَة والكراهية وامتزاجها بلحنه وَدَمه وعظمه وعصبه، وغدوها جُزْءا من تركيبه وتحولها إِلَى روح خبيثة من الحقد الدفين الَّذِي أُترع بِهِ قلبه، وامتلأ بهَا صَدره وأكلت كبده، فظهرت على أَلْسِنَة رؤوسه وَرِجَاله ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (آل عمرَان: ١١٩) .
هَذِه الرّوح الحاقدة على الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين هِيَ الرّوح الصليبية..
فالروح الصليبية إِذن: هِيَ روح العداء والحقد والكراهية لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمين فِي نفوس رُؤُوس المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي، من رجال كنيسته وملوكه، وَمن والاهم وأطاع أوامرهم وخضع لَهُم وَعمل بتوجيهاتهم واقتفى أَثَرهم فِي كره الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين وحربهم والحقد عَلَيْهِم..
لقد سرت هَذِه الرّوح فِي جسم المعسكر الصليبي - بِفعل رؤوسه - حَتَّى كَادَت تَشْمَل كيانه وتتغلغل فِي أَجْزَائِهِ وتشمل شعوبه وجماعاته وطوائفه وأفراده لَوْلَا وجود مجموعات أَو طوائف بَدَت مِنْهُم الْمَوَدَّة لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمين، بِسَبَب بقائهم أَو قربهم من التَّوْحِيد الَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى ﵊ -
стр. 24
وَلذَا بقيت بمنأى عَن التلوث بِهَذِهِ الرّوح الخبيثة، الَّتِي دأب رجال الْكَنِيسَة وسواهم من رُؤُوس المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي على غرسها وإحيائها فِي شعوبهم وأتباعهم تضليلاً لَهُم وحقداً على الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين، وَمن ثمَّ دخلت مجموعات من هَذِه الطوائف فِي الْإِسْلَام حِين وَصلهَا وعرفته، كَمَا فعلت طَائِفَة مِنْهُم كَانَت فِي إقليم (البوسنة) تدعى (طَائِفَة البوغوميل) (رفضوا عبَادَة السيدة مَرْيَم، وأبوا نظام التعميد، وأنكروا الصَّلِيب رمزاً دينياً، واعتبروا الانحناء أَمَام الصُّور الدِّينِيَّة والتماثيل إِنَّمَا هُوَ ضرب من عبَادَة الْأَصْنَام، وكرهوا نواقيس الْكَنَائِس وأطلقوا عَلَيْهَا أبواق الشَّيَاطِين، وَكَانَت دور صلَاتهم على دَرَجَة كَبِيرَة من البساطة والبعد عَن الزِّينَة والزخارف على عكس الْكَنَائِس الكاثوليكية الَّتِي كَانَت تتَمَيَّز بالزخارف الزاهية.. وَفَوق هَذَا كُله كَانَ أَفْرَاد هَذِه الطَّائِفَة يَعْتَقِدُونَ أَن الْمَسِيح نَفسه ﵊ لم يصلب وَلَكِن حل مَحَله شبح آخر، وهم يتفقون مَعَ الْآيَة الْكَرِيمَة الَّتِي جَاءَ فِيهَا ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النِّسَاء: ١٥٧) وَكَانُوا يحرمُونَ على أنفسهم شرب الْخمر ويحرصون على أَن يكون سلوكهم الْخَارِجِي وعلاقاتهم الاجتماعية مبرأة من الْعُيُوب الَّتِي حفلت بهَا المجتمعات المسيحية فِي أوروبا فِي ذَلِك الْوَقْت.
"وَكَانَ من الطبيعي أَن تنظر الْكَنِيسَة شذراً إِلَى هَذِه الطَّائِفَة ودعت البابوية إِلَى شن حملات صليبية عَلَيْهِم، وَقد تعرضوا لموجات من الاضطهاد العنيف على يَد مُلُوك البوسنة الَّذين كَانُوا يستجيبون إِلَى توجيهات البابوية فِي روما. واستغاثت أَفْرَاد هَذِه الطَّائِفَة بالأتراك العثمانيين فِي الْقرن الْخَامِس عشر لتخليصهم مِمَّا هم فِيهِ من اضطهاد وبؤس وشقاء. وَلما غزا السُّلْطَان مُحَمَّد الفاتح البوسنة فِي سنة ١٤٦٤م انضمت طَائِفَة البوغوميل إِلَى الفاتحين، وَاسْتولى الْجَيْش العثماني فِي خلال أُسْبُوع وَاحِد على مُعظم مدن البوسنة، وعَلى إِثْر الْفَتْح العثماني دخل البوغوميل فِي الْإِسْلَام أَفْوَاجًا بمحض إرادتهم، إِذْ وجدوا الفروق ضئيلة جدا بَين مَذْهَبهم وَبَين تعاليم الْإِسْلَام. أما الْبَقِيَّة الْبَاقِيَة من أَفْرَاد هَذِه الطَّائِفَة فقد
стр. 25
أَسْلمُوا تدريجياً. وَبَقِي الكاثوليك من أهالي البوسنة على ديانتهم وآثروا الْهِجْرَة إِلَى النمسا والمجر "١.
وَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى (طَائِفَة البوغوميل وأمثالهم) كأولئك الَّذين وجدوا فِي عصر الدعْوَة الإسلامية الأول وَلم يَجدوا فِي نُفُوسهم مَا وجد غَيرهم من الْكبر الَّذِي يصدهم عَن الْإِسْلَام فأسلموا.. لَعَلَّ هَؤُلَاءِ وَأُولَئِكَ هم المعنيون بقول الله تَعَالَى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ. وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ. وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ. فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (الْمَائِدَة: ٨٢ - ٨٦) .
وَهَكَذَا نجد أَن الرّوح الصليبية نشأت مُنْذُ وجد لِلْإِسْلَامِ كيان ودولة فِي هَذِه الْمَدِينَة المنورة وانتزع من النَّصَارَى مَا زعموه لأَنْفُسِهِمْ من مكانة دينية، ثمَّ تَفَجَّرَتْ وغلى مرجلها بعد الصدام المسلح الَّذِي وَقع بَين الْمُسلمين والدولة البيزنطية لَا سِيمَا بعد معركة اليرموك الظافرة الَّتِي لقِيت فِيهَا جيوشهم هزيمَة نكراء تحطمت فِيهَا قواهم وَخرج بعْدهَا رَأْسهمْ هِرقل إمبراطور الدولة الرومانية من بِلَاد الشَّام هَارِبا والأسى والحزن يعصر قلبه عصراً، وَقد عبر عَن ذَلِك حِين ركب الْبَحْر واستقل السَّفِينَة وَألقى نظرات الْوَدَاع الْأَخِيرَة على شواطئ سورية الجميلة فَلم يملك نَفسه أَن أطلق صرخة أودعها كل مَا عِنْده من أسى وحزن وكمد فصاح قَائِلا: الْوَدَاع، الْوَدَاع، إِلَى الْأَبَد يَا سورية، وداعاً لَا لِقَاء بعده. وَقد كَانَ كَذَلِك وَللَّه الْحَمد...
стр. 26
لقد نشأت هَذِه الرّوح مُنْذُ ذَلِك الْحِين ثمَّ مَا زادتها الْأَيَّام والأحداث إِلَّا اشتعالاً واتقاداً وتفجراً وغلياناً، إِذْ دأب رجال الْكَنِيسَة إِلَى إبْقَاء جذوتها متقدة متوهجة، منتهزين كل انتصار يحرزه الْمُسلمُونَ ليسهل عَلَيْهِم تسخيرها فِي أَي وَقت لدفع الكتل البشرية النَّصْرَانِيَّة فِي موجات تخريبية من الْغَزْو الصليبي المدمر، والفتك بِالْمُسْلِمين كلما قدرُوا عَلَيْهِم.. وَلَيْسَ هَذَا فَحسب بل أَرَادَ رُؤُوس المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي أَن يجْعَلُوا هَذِه الرّوح الحاقدة تقليداً لأتباعهم وشعوبهم وطقساً من طقوسهم يشيب عَلَيْهَا الْكَبِير، وينشأ عَلَيْهَا الصَّغِير، ويرضعها الْوَلِيد مَعَ لبن أمه.. وَذَلِكَ حَتَّى يُمْسِي التَّخَلُّص من الْإِسْلَام ورد الْمُسلمين عَنهُ أَو إبادتهم هُوَ الشّغل الشاغل لكل نَصْرَانِيّ على وَجه الأَرْض وَلَيْسَ فَقَط لرؤوس المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي..
وَهَكَذَا نجد أَن الرّوح الصليبية ذَات تَأْثِير عميق جدا على نظرة المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي إِلَيْنَا وَمن ثمَّ علاقتهم بِنَا، إِلَى دَرَجَة أَنَّهَا تشكل شطر منطلق على نظرة المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي إِلَيْنَا أما الشّطْر الآخر لهَذَا المنطلق فقد نَشأ من نفس الظروف والأحداث الَّتِي نشأت عَنْهَا الرّوح الصليبية.. هَذَا الشّطْر الآخر: هُوَ الثأر الْقَدِيم الَّذِي يشْعر بِهِ المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي تجاه الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين..
стр. 27
الثأر الْقَدِيم:
أَيهَا الْأُخوة: فقد قُلْنَا إِن المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي وجد نَفسه أَمَام عملاق خرج من هَذِه الْمَدِينَة المنورة فَانْتزع مِنْهُ مكانة الأستاذية والإرشاد فِي الْعَالم، وَمَا زَعمه لنَفسِهِ من مكانة دينية فِي غَفلَة من النَّاس وبعدهم عَن دين الله تَعَالَى.. وانتزع مِنْهُ شعوباً وأمماً كَانَت تخضع لَهُ وَتَدين لملوكه وكنيسته بِالطَّاعَةِ فَأَصْبَحت من جند الْإِسْلَام المخلصين تحمله وتفتح بِهِ الْبِلَاد وتهدي الْعباد بِإِذن الله تَعَالَى..
وانتزع مِنْهُ أَيْضا أراضٍ واسعةٍ وبلاداً شَتَّى كَانَ ينْفَرد وَحده باستغلال خيراتها لَا يُشَارِكهُ فِيهَا أحد من النَّاس..
стр. 28
وانتزع كَذَلِك أَربع مدن رئيسية من أعز خمس مدن عَلَيْهِ فِي الْعَالم وَهِي: (الْقُدس، وإنطاكية، ونيقيه، والقسطنطينية) وَبَات يهدد الْخَامِسَة بِالْفَتْح وَهِي (روما) .
وَفَوق هَذَا كُله فقد قضى على إمبراطوريته البيزنطية الَّتِي كَانَ يعْتَبر إمبراطورها رَأْسا للْعَالم النَّصْرَانِي، ونائباً عَن الله ﵎ عَن ذَلِك علوا كَبِيرا.
وَهَكَذَا وجد المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي نَفسه أَمَام عَدو طعنه طعنات نجلاء، وجرحه جروحاً غائرة لَا تندمل، وَلَا يُمكن أَن تندمل حَتَّى يثأر لنَفسِهِ مِنْهُ، وَيسْتَرد - بِزَعْمِهِ وتصوره - مكانته
وَسَائِر مَا انتزعه الْإِسْلَام مِنْهُ من الْبِلَاد والعباد، وهداها الله تَعَالَى بِهِ..
إِلَّا أَن أَشد مَا أثار المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي وأقامه وَلنْ يقعده هُوَ فتح الْإِسْلَام لبلاد الشَّام وفيهَا (الْقُدس) وَقد رَأينَا حسرته ولوعته الَّتِي بَدَت بصرخة رَأس من رؤوسه وَهُوَ هِرقل حِين خرج مِنْهَا وَهُوَ يَقُول: "الْوَدَاع. الْوَدَاع يَا سورية. وداعاً لَا لِقَاء بعده". وَكَذَلِكَ فتح الْإِسْلَام للقسطنطينية وَتَحْوِيلهَا إِلَى دَار إِسْلَام (إِسْلَام بَوْل) .
إِن اهتمام المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي بالقدس والقسطنطينية جعله يجْهد بدأب واستمرار وعَلى كَافَّة المستويات مُنْذُ فتحهما الله تَعَالَى على يَد الْمُسلمين وَحَتَّى اللحظة الْحَاضِرَة لانتزاعهما من أَيدي الْمُسلمين وإعادتهما مركزين أوليين من مراكز الصَّلِيب.. وَإِن أَيَّة دراسة وَاعِيَة للحروب الصليبية تكشف لنا أَن انتزاع (الْقُدس) من أَيدي الْمُسلمين هُوَ فِي رَأس الْقَائِمَة١ قَائِمَة
стр. 29
أهدافهم ونشاطاتهم وحروبهم الَّتِي يَعْتَقِدُونَ بقدسيتها وَالَّتِي يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا لَا تَنْتَهِي وَلنْ تَنْتَهِي مَا دَامَت الْقُدس بأيدي الْمُسلمين، كَمَا صرح بذلك الجنرال الإنكليزي (أللنبي) حِين دخل الْقُدس فِي الْحَرْب العالمية الأولى وَظن أَنهم انتزعوها من أَيدي الْمُسلمين فَقَالَ: (الْآن انْتَهَت الحروب الصليبية) .. فَلَمَّا عَادَتْ للْمُسلمين رجعت المحاولات تبذل من جَدِيد وَلم يتَغَيَّر فِيهَا إِلَّا الشكل وَالِاسْم.. كَانَت من قبل صَرِيحَة وَاضِحَة هَكَذَا.. يُرِيدُونَ انتزاع الْقُدس من أَيدي الْمُسلمين الَّذين يسمونهم كفرة. قَالَ رَأس من رؤوسهم وَهُوَ البابا أوروبا الثَّانِي منفذ فكرة الحروب الصليبية المقدسة الْمَعْرُوفَة بِهَذَا الِاسْم وَالَّذِي بَدَأَ بِدفع الكتل البشرية الأوروبية إِلَى بِلَاد الشَّام ومصر ثمَّ استمرت بعده طوال قرنين من الزَّمَان.. قَالَ: "..فاتخذوا محجة الْقَبْر الْمُقَدّس، وخلصوا الْأَرَاضِي المقدسة من أَيدي المختلسين الْكفَّار (يقْصد الْمُسلمين) ..."١ أما الْيَوْم
стр. 30
الصَّلِيب والاستعمار الصليبي.. هَذَا هُوَ الْغَرَض الَّذِي يَرْمِي إِلَيْهِ كل من يُنَادي بالتدويل..
أَيهَا الْأُخوة: نخرج من هَذَا الْعرض الموجز أَن المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي يشْعر بِأَن لَهُ فِينَا ثأر قديم ينْتَظر أَيَّة فرْصَة وبادرة كي يثأر لنَفسِهِ وينتقم منا وَهَذَا الثأر من الرّوح الصليبية يشكلان مُنْطَلقًا جوهرياً وأساسياً لنظرته إِلَيْنَا ومعاملته لنا، وعلاقته بِنَا..
стр. 31
الْمصَالح الْآنِية:
أَيهَا الْإِخْوَة: لقد كَانَ للمعسكر النَّصْرَانِي فِي صراعه مَعَ الْمُسلمين لَا سِيمَا فِي الحَدِيث جولات اجتاح فِيهَا الْعَالم الإسلامي بجيوشه من عسكريين ومبشرين وفنيين وخبراء وَسوى ذَلِك، وَقد أجْرى خلال ذَلِك - وَمَا زَالَ يجْرِي دراسات هَامة ودقيقة عَن الْعَالم الإسلامي، وطبيعة أرضه وشعوبه وثرواته، خدمَة لأغراضه هُوَ ومصالحه قبل غَيره، ولتمديد فَتْرَة وجوده وبقائه فِيهِ، واستعماره لَهُ، واستغلاله لخيراته أطول فَتْرَة مُمكنَة، وَذَلِكَ فِي حَال عَجزه عَن رد الْمُسلمين عَن دينهم أَو إبادتهم وتصفيته تصفية جسدية، وَقد خرج من هَذِه الدراسات بنتائج جد هَامة.
١ - وجد أَن الْعَالم الإسلامي يَمْتَد على رقْعَة من الأَرْض كَبِيرَة جدا تمتد من أواسط أوروبا حَتَّى أواسط روسيا فأواسط الصين، ثمَّ ينحدر نَحْو الْجنُوب الشَّرْقِي ليشْمل جنوب شَرْقي آسيا حَتَّى أستراليا ثمَّ يتَّجه نَحْو الْجنُوب ليشْمل إفريقيا كلهَا تَقْرِيبًا حَتَّى أسبانيا (الأندلس الفردوس الْمَفْقُود) .
وَوجد أَن هَذَا الْعَالم الإسلامي المترامي الْأَطْرَاف يضم جوانحه على أهم
стр. 32
الْبحار الَّتِي تجْرِي على سطحها مُعظم تِجَارَة الْعَالم، وَأَنه يملك مُعظم سواحلها ومداخلها، كالمحيط الْهِنْدِيّ وَالْبَحْر الْأَحْمَر والأبيض، وَالْأسود، والساحل الشَّرْقِي للمحيط الأطلسي من رَأس الرَّجَاء الصَّالح حَتَّى مضيق جبل طَارق، وَأَنه إِذا كَانَت بعض دوَل المعسكرات الْجَاهِلِيَّة الْأُخْرَى تشاركه فِي السيطرة على الْقَلِيل من سواحل هَذِه الْبحار، فَإِنَّهُ ينْفَرد دونهَا بامتلاك مداخلها والسيطرة عَلَيْهَا..فمثلاً:
الْمُحِيط الْهِنْدِيّ: مدخله من الشرق: مضيق مالقا بَين جَزِيرَة سومطرة مشبه جَزِيرَة الملايو من إندونيسيا الْمسلمَة.
وَأما مدخله من الشمَال الغربي فَهُوَ مضيق بَاب المندب، بَين الجزيرة الْعَرَبيَّة والصومال الْمسلمَة.
الْبَحْر الْأَحْمَر: مدخله الجنوبي: هُوَ مضيق بَاب المندب الْمَذْكُور آنِفا، أما مدخله الشمالي فقناة السويس (الشريان الحيوي لرفاهية أوروبا وأمريكا) .
الْبَحْر الْأَبْيَض الْمُتَوَسّط: مدخله من الْجنُوب قناة السويس. وَمن الشمَال البوسفور والدردنيل فِي أَرض مسلمة (تركيا) .
الْبَحْر الْأسود: مدخله الوحيد هُوَ من الْجنُوب وَهُوَ من الْجنُوب مضيقا البوسفور والدردنيل الْمَذْكُورين.
فَمَاذَا يَعْنِي هَذَا الْموقع الاستراتيجي للْعَالم الإسلامي؟
إِنَّه يَعْنِي أَن الْأمة الْمسلمَة عملاق كَبِير يجلس على رقْعَة كَبِيرَة من الكرة الأرضية وتمر من تَحْتَهُ كل قوافل التِّجَارَة العالمية وكل وَسَائِل الرفاه الدولي، وَإِن المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي لَا يَسْتَطِيع الِاسْتِغْنَاء عَن هَذِه الطّرق البحرية، وَمعنى ذَلِك أَن تِجَارَته العالمية ورفاهية شعوبه متعمدة اعْتِمَادًا كَبِيرا على الْعَالم الإسلامي.. هَذِه وَاحِدَة..
стр. 33
٢ - والنتيجة الثَّانِيَة الَّتِي وجدهَا المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي عقب دراسته الْمشَار إِلَيْهَا: أَن الله سُبْحَانَهُ قد حبا الْعَالم خيرات كَثِيرَة هائلة وكنوزاً ضخمة ظَاهِرَة وباطنة، تشكل عصب الْحَيَاة لصناعاته وحياته.. فالعالم الإسلامي يملك نِسْبَة عالية من الثروات العالمية المعدنية والنباتية والحيوانية.. فمثلاً: ينْتج الْعَالم الإسلامي ٣١ ... من جملَة الإنتاج العالمي للبترول، وَيملك فِي جَوْفه٣ ,٦٩ ... من احتياطي البترول العالمي، وينتج أَكثر من ٢٨ ... من جملَة الإنتاج العالمي للكروم و ٢٣ ... من الانتاج العالمي من الفوسفات، وَنسبَة كَبِيرَة من اليورانيوم والنوريوم، وَهَذَا كُله سوى الْحَدِيد وَالذَّهَب وَالْفِضَّة والنحاس، وَكَذَلِكَ الثروات النباتية كالأخشاب والقطن والمطاط وَأَيْضًا الثروات الحيوانية..
هَذِه الإحصائيات هِيَ مَا يَقُوله خبراء الْعَالم فَمَاذَا يَعْنِي هَذَا؟ إِنَّه يَعْنِي أَن الْعَالم يَأْتِي إِلَيْنَا ليستجدي منا لقْمَة الْعَيْش وكفاف الْحَيَاة١.
وَهَذَا يَعْنِي أَيْضا: أَن صناعات المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي تقوم على مَا ينتجه الْعَالم الإسلامي ويملكه الْمُسلمُونَ من مواد أولية..هَذَا من جِهَة..
وَمن جِهَة أُخْرَى تقوم صناعاته أَيْضا على أسواق تصريفها فِي الْعَالم الإسلامي، لِأَن المصنوعات إِذا لم تَجِد لَهَا أسواقاً فَإِنَّهَا تقف.. فالعالم الإسلامي إِذن هُوَ مصدر أَو نبع للمواد الخام الَّتِي يحتاجها المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي٢ لصناعاته، وَهُوَ - أَي الْعَالم الإسلامي - سوق لتصريف صناعات المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي٣.
أَيهَا الْإِخْوَة: إِن هَذَا الْموقع الممتاز للْعَالم الإسلامي وسيطرته على طرق التِّجَارَة البحرية ومدخلها وَهَذِه الثروات الضخمة الَّتِي يملكهَا الْمُسلمُونَ...
стр. 34
واعتماد المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي على هَذَا الْموقع وَهَذِه الثروات لَهُ دلَالَته عَنْهُم.. وَهِي: أَن مَصَالِحه الحيوية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعالم الإسلامي، وَلَكِن هَذَا المعسكر بدافع الرّوح الصليبية الحاقدة، والثأر الْقَدِيم، لَا يُرِيد أَن يُعَامل الْمُسلمين مُعَاملَة كَرِيمَة لائقة أَو مُعَاملَة الْمثل بِالْمثلِ على الْأَقَل، وَإِنَّمَا يُرِيد استعمارهم واستعبادهم وإذلالهم والانفراد بخيرات بِلَادهمْ دونهم! وَمن ثمَّ فَهُوَ يدْرك أَنه لن يصل إِلَى مَا يُريدهُ من استعمار الْمُسلمين بخيرات أَرضهم دونهم إِلَّا فِي غَفلَة مِنْهُم وَفِي حَال بعدهمْ عَن مصدر قوتهم وَهُوَ إسْلَامهمْ الْعَظِيم، وَمن ثمَّ يعْمل جاهداً للإبقاء على الْمُسلمين فِي حَالَة نوم عميق وغفلة طَوِيلَة.. ويحذر حذرا شَدِيدا أَيَّة صحوة لَهُم، ويحارب بِلَا هوادة كل شخص أَو حَرَكَة تُرِيدُ تَنْبِيه الْمُسلمين عملاق مَتى مَا صَحا وعادت إِلَيْهِ قوته بعودته إِلَى دينه ووحدته سيطرة وبقوة على التِّجَارَة العالمية وتحكم فِي صناعات الْعَالم، وَأمْسك بلقمة عيشهم وَفرض هيبته وسلطانه وأخضع كَافَّة المعسكرات الْجَاهِلِيَّة لإرادته وَسَهل عَلَيْهِ بعد ذَلِك نشر دينه بَين شعوبها، وَهَذَا مَا تحذره وتخافه أَشد الْخَوْف والحذر - كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى مَعنا فِي الْفَقْرَة الثَّالِثَة والأخيرة - ... وَيضمن لَهُ استعمار الْعَالم الإسلامي واستعباد شعوبه والانفراد دونهم بخيراتهم هُوَ نشر النَّصْرَانِيَّة وأفكارها بَين الْمُسلمين وتغريبهم (أَي نشر الأفكار الغربية بَينهم) ١ وكل مَا من شَأْنه أَن يضعف صلَة الْمُسلمين بِإِسْلَامِهِمْ ويردهم عَنهُ..وَمن هُنَا كَانَ الاهتمام الْكَبِير من الحكومات والمؤسسات الاقتصادية والهيئات السياسية فِي المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي بالتبشير والأعمال التبشيرية فِي الْعَالم الإسلامي، والإنفاق بسخاء على المبشرين الَّذين يعْملُونَ بَين الْمُسلمين، وينشرون الْفساد والإنحلال فِي مجتمعاتهم.
ورد فِي كتاب الْغَارة على الْعَالم الإسلامي مَا يَلِي:
стр. 35
" وَلما انْتَهَت اللجنة من أَعمالهَا قَالَ اللورد بلفور١، رَئِيس الشّرف: إِن المبشرين ساعد لكل الحكومات فِي أُمُور هَامة، ولولاها لتعذر عَلَيْهَا أَن تقاوم كثيرا من العقبات، وعَلى هَذَا فَنحْن فِي حَاجَة إِلَى لجنة دائمة يناط بهَا التَّوَسُّط وَالْعَمَل لما فِيهِ مصلحَة المبشرين.
"فَأُجِيب اللورد بلفور إِلَى اقتراحه وتشكلت لجنة مختلطة ولجنة لمواصلة الْعَمَل وَقَالَ: م. ن. اكسنفلد عَن المؤتمر الاستعماري الألماني:
"إِن المؤتمر الاستعماري امتاز بميزتين:
الأولى: أَنه بحث فِي الشؤون الصناعية والاقتصادية.
وَالثَّانيَِة: إجماعه على وجوب ضم الْمَقَاصِد السياسية والاقتصادية إِلَى الْأَعْمَال الأخلاقية والدينية فِي سياسة الاستعمار الألماني.
ثمَّ اسْتشْهد بقول (شنكال) رَئِيس غرفَة التِّجَارَة فِي همبرغ: إِن نمو ثروة الاستعمار مُتَوَقف على أهمية الرِّجَال الَّذين يذهبون إِلَى المستعمرات، وأهم وَسِيلَة للحصول على هَذِه الأمنية إِدْخَال الدّين المسيحي فِي الْبِلَاد المستعمرة، لِأَن هَذَا هُوَ الشَّرْط الْجَوْهَرِي للحصول على هَذِه الأمنية المنشودة حَتَّى من الوجهة الاقتصادية ".
ثمَّ قَالَ: " وتوسعوا فِي القَوْل حَتَّى خيّل للْجَمِيع أَن المؤتمر الاستعماري تحول إِلَى مؤتمر تبشيري..".
وَورد فِي الْكتاب الْمَذْكُور أَيْضا وَهُوَ (الْغَارة على الْعَالم الإسلامي) ذكر لبَعض الإحصائيات الَّتِي تبين مدى الاهتمام والمساعدات الْكَبِيرَة الَّتِي يلقاها المبشرون الأمريكان من أَغْنِيَاء أمتهم ومتمولي بِلَادهمْ الَّذين يمدونهم بالأموال الطائلة لأَدَاء مهمتهم التبشيرية فِي الْعَالم الإسلامي..
стр. 36
وَالَّذِي ننتهي إِلَيْهِ من هَذِه النماذج الَّتِي لَا تمثل إِلَّا قَطْرَة من بَحر، هُوَ أَن المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي لَهُ مصَالح هَامة فِي بِلَادنَا، وَهُوَ يرى أَن الضَّمَان الوحيد لمصالحه هُوَ رد الْمُسلمين عَن دينهم سَوَاء بنشر النَّصْرَانِيَّة وَهَذَا أهم شَيْء وأضمنه بِالنِّسْبَةِ لَهُم إِذْ يخضع المنتصرون بعْدهَا لأوامر وتوجيهات رؤوسه مُبَاشرَة أَو نشر الأفكار الغربية الْأُخْرَى الَّتِي تبعد الْمُسلم عَن دينه وترده عَنهُ فِي حَال عجزهم عَن تنصير الْمُسلمين.. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (الْبَقَرَة: ١٢٠) .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (الْبَقَرَة: ١٠٩) .
وَهَكَذَا نجد أَن مصَالح المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي فِي بِلَادنَا، والكيفية الَّتِي يُرِيد الْحفاظ بهَا عَلَيْهَا، تضغط على أعصابه وتستحوذ على تفكيره وتؤثر تَأْثِيرا عميقاً على علاقته بِنَا، وَمن ثمَّ فَهِيَ تشكل مُنْطَلقًا آخر من منطلقات علاقته بِنَا وعاملاً من العوامل الموجهة لمعاملته لنا، يُضَاف إِلَى العوامل الْأُخْرَى الَّتِي سلف بحثها وَهِي العداء بَين الْإِسْلَام وَالْكفْر، وَالروح الصليبية الحاقدة، والثارات الْقَدِيمَة..
стр. 37
مخاوف مُسْتَقْبلَة:
وَلَكِن فِي الْوَاقِع إِن الَّذِي يدرس أَحْوَال المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي يجد أَن هَذِه العوامل لَيست هِيَ كل العوامل الَّتِي تُؤثر على مُعَامَلَته لنا وعلاقته بِنَا، وتوجهها وجهة مُعينَة، بل إِنَّه يعثر على عَامل آخر يَبْدُو من نظراته للْمُسلمين ومعاملته لَهُم. وَقد كَانَ نتيجة الدُّرُوس الَّتِي خرج بهَا: أَن الْمُسلمين إِذا حلت بهم هزيمَة - نتيجة ضعفهم وتمزقهم وبعدهم عَن دينهم - إِن هَذِه الْهَزِيمَة لم تكن دائمة وَلَو طَال أمدها، بل كَانَت هزيمَة مُؤَقَّتَة لَا تلبث أَن تتعقبها صحوة لهَذَا العملاق الْمُسلم فينقض على أعدائه يطاردهم حَتَّى فِي عقر دَارهم فَيفتح بلاداً
стр. 38
جَدِيدَة، ينشر فِيهَا الْإِسْلَام وينتزعها من أعدائه الَّذين غلبوه فِي سَاعَة غفلته وانقسامه وَضَعفه.. وَأَن هَذِه الْبِلَاد الَّتِي يفتحها يستأثر بهَا إِلَى الْأَبَد ويحول أَهلهَا إِلَى مُسلمين..
لقد حدث هَذَا أَكثر من مرّة وتكرر عبر التَّارِيخ، وَمن ثمَّ فالمعسكر النَّصْرَانِي الصليبي مَا زَالَ يخْشَى حُدُوثه الْيَوْم ويخشى أَن يُعِيد التَّارِيخ نَفسه..
يروي الْحَاج أَمِين الْحُسَيْنِي فِي بعض مذكراته: أَن دوَل المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي تعَارض وحدة أيٍّ من الأقطار الإسلامية فِي دولة وَاحِدَة خشيَة أَن تعود لَهُم قوتهم بوحدتهم، وَمن ذَلِك معارضتهم اسْتِقْلَال دوَل الْمغرب الْعَرَبِيّ ووحدتها، فِي حَدِيث كَانَ بَينه وَبَين (بروفر) وَكيل وزارة الخارجية الألمانية للشؤون الشرقية فِي حُكُومَة هتلر النازية١. وَيَقُول الْحَاج أَمِين حِين ألمح لبروفر: " أَن مُعَارضَة دوَل المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي لاستقلال دوَل الْمُسلمين قد تدفعنا للتعاون مَعَ دوَل المعسكر الشيوعي وَمن ثمَّ تحولها للشيوعية الَّتِي تخَاف مِنْهَا أوروبا".
قَالَ: فَأَجَابَنِي بروفر قَائِلا: " إِن هَذِه الدول الاستعمارية ترى أَن الْإِسْلَام أَشد خطراً من الشيوعية، لِأَن الشيوعية تمكن معالجتها ودرء أخطارها بِرَفْع مستوى الْمَعيشَة عِنْد الشعوب وتعميم الْعدْل الاجتماعين وَغير ذَلِك من الْوَسَائِل".
"وَلكنهَا ترى فِي الْإِسْلَام عقيدة زاحفة يخْشَى خطرها على أوروبا الَّتِي نخرت المدنية الْفَاسِدَة عظامها. وأضعفت قيمها الخلقية والروحية والعسكرية، وهم يَخْشونَ إِذا تألفت هَذِه الدول المغربية المتحدة أَن يكون لَهَا شَأْن عَظِيم ويتوهمون أَنَّهَا لَا تلبث أَن تقفز على أوروبا مرّة أُخْرَى، وَيُعِيد التَّارِيخ نَفسه".٢.
стр. 39
فهم إِذن يعيشون فِي خوف دَائِم قلق مُسْتَمر من عودة الْمُسلمين إِلَى دينهم ووحدتهم خوفًا من أَن يُعِيد التَّارِيخ نَفسه، وهم يرَوْنَ أَن الْإِسْلَام هُوَ الْخطر الْحَقِيقِيّ عَلَيْهِم، وَهُوَ الْجِدَار الوحيد فِي وَجه استعمارهم لبلاد الْمُسلمين وانفرادهم بخيراتها كَمَا يودون.
يَقُول جورج براون فِي كتاب لَهُ صدر عَام ١٣٦٤هـ مَا يَلِي معبراً عَن مخاوف المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي من الْإِسْلَام، فَقَالَ:
" كُنَّا نخوف بشعوب مُخْتَلفَة وَلَكنَّا بعد اختبار لَهُم لم نجد مبرراً لمثل هَذَا الْخَوْف. لقد كُنَّا نخوف من قبل بالخطر الْيَهُودِيّ، والخطر الْأَصْفَر، والخطر البلشفي..إِلَّا أَن هَذَا التخويف لم يتَّفق كَمَا تخيلناه..
إننا وجدنَا الْيَهُود أصدقاء لنا، وعَلى هَذَا يكون كل مضطهد لَهُم عدونا الألد! ١.
ثمَّ رَأينَا البلاشفة حلفاء لنا..
أما الشعوب الصَّفْرَاء فهناك دوَل ديمقراطية كبرى تقاومها..
وَلَكِن الْخطر الْحَقِيقِيّ كامن فِي نظام الْإِسْلَام، وَفِي قوته على التَّوَسُّع والإخضاع وَفِي حيويته.. إِنَّه الْجِدَار الوحيد فِي وَجه الاستعمار الأوروبي. "
هَذَا الَّذِي يخيفهم فَقَط، إِنَّه الْإِسْلَام ويقظة الْمُسلمين وعودتهم إِلَيْهِ. وخوفهم من الْإِسْلَام ويقظة الْمُسلمين لَيْسَ على مصالحهم فِي الْعَالم الإسلامي فَحسب، بل حَتَّى وجودهم فِي بِلَادهمْ. وَمن ثمَّ فهم يحذرون كل تحرّك للْمُسلمين ويرقبونه ويرصدونه كل حَرَكَة أَو دَعْوَة إسلامية ترمي لإيقاظ هَذَا العملاق النَّائِم لتوحيد أَعْضَائِهِ وربطها بِقَلْبِه ويتتبعون أَخْبَارهَا وَلَيْسَ هَذَا فَقَط، بل يهتمون ويغتمون لقِيَام كل شخصية أَو دَاعِيَة إسلامي يَصِيح فِي الْمُسلمين ليستيقظوا من غفلتهم ويعودوا إِلَى رَبهم - سُبْحَانَهُ - ويتمسكوا بِكِتَاب رَبهم
١ - صدق الله تَعَالَى: ﴿بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ .
стр. 40
- سُبْحَانَهُ - وَسنة نبيه ﵊ ويرجعوا إِلَى وحداتهم، وَمن ثمَّ فهم يبذلون جهوداً ضخمة للتخلص مِنْهُ وَمن دَعوته بشتى الْوَسَائِل والأساليب، وَإِن كَانُوا الْيَوْم وَبعد تجارب كَثِيرَة يفضلون أَن يكون التَّخَلُّص مِنْهُ على أَيدي أَبنَاء الْمُسلمين حَتَّى لَا يشكل ذَلِك ردة فعل عِنْد الْمُسلمين وَيحدث الَّذِي يخشونه من عودة الْمُسلمين إِلَى كتاب رَبهم - سُبْحَانَهُ - وَسنة نَبِيّهم ﵊ وَلذَلِك نجدهم يخططون لهَذَا ويعبرون عَن ذَلِك بقَوْلهمْ "علينا أَن نخرج من الْمُسلمين من يتَوَلَّى حَرْب الْإِسْلَام، لِأَن الشَّجَرَة يجب أَن يقطعهَا أحد فروعها". وَمن هُنَا وجدنَا كَيفَ أوعزت الدَّوَائِر الاستعمارية الصليبية لربيب نعمتها مُحَمَّد عَليّ باشا (الَّذِي يسمونه بالكبير) أَن يزحف على الدرعية بِالسِّلَاحِ الَّذِي زودته بِهِ أوروبا وبالتدريب العسكري الَّذِي دربت جُنُوده عَلَيْهِ. وَلَكِن هَذَا كُله تمّ باسم الْبَاب العالي أَو قل باسم خَليفَة الْمُسلمين، وبصرف النّظر عَن الملابسات الْأُخْرَى، لَكِن المهم هُوَ أَنهم مَا أَن عرفُوا حَقِيقَة دَعْوَة مُجَدد الْإِسْلَام الشَّيْخ مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب - رَحمَه الله تَعَالَى - حَتَّى أقامهم ذَلِك وأقعدهم وملأ قُلُوبهم رعْبًا، وراحوا يسعون سعياً حثيثاً لإجهاض هَذِه الْحَرَكَة الإسلامية الْعَظِيمَة الَّتِي تروم العودة بِالْمُسْلِمين إِلَى الْكتاب وَالسّنة مِمَّا كَانَ لَهَا آثارها الْعَظِيمَة وَللَّه الْحَمد فِي إِعَادَة الْمُسلمين إِلَى كتاب رَبهم - سُبْحَانَهُ - وَسنة نَبِيّهم ﵊ وتطهيرهم من الخرافات والبدع والشركيات والضلالات. والعجيب من أَمر الْمُسلمين أَنه بَيْنَمَا يعوم المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي وَيقْعد لأنباء الحركات والدعوات والشخصيات الإسلامية وترتعد فرائصه لقيامها، ويموج فَرحا بشعوبه ومؤسساته لوأدها وَقتل رجالها وقادتها، يبْقى الْمُسلمُونَ - إِلَّا من رحم رَبك - فِي غَفلَة عَن ذَلِك كُله وَكَأن الْأَمر لَا يعنيهم وَهَذَا فِي أحسن أَحْوَالهم، وَهَذَا إِذا لم يستخدموا كَمَا يستخدم الْمعول فِي الْهدم، أَو يصفقوا ببلاهة وسذاجة للهدامين..
يَقُول الْعَالم الشَّهِيد - سيد قطب - رَحمَه الله تَعَالَى - عَن هياج المعسكر النَّصْرَانِي الصليبي لقتل إِحْدَى هَذِه الشخصيات الإسلامية الَّتِي خلفت الإِمَام