"التهذيب" (١).
أقول: الظاهر أن قول أحمد "وبلغني ... " إنما بلغه ذلك من وجه لا يصح، ولذلك أخرج حديثه في "مسنده" كما رأيت. أو لعله أراد بالكذب ما حُكِي أنه كانت تمرُّ السحابة فيقول: هذا عليٌّ قد مرَّ في هذه السحابة. فقد جاء عن الشعبي وغيره في الحارث الأعور: كان كذابًا. ثم أثنى عليه الشعبي وغيره، ووثقه أحمد بن صالح المصري، فقيل له: فقد قال الشعبي: إنه كان يكذب، قال: لم يكن يكذب في الحديث، إنما كان كذبه في رأيه. يعني إفراطه في التشيع. "التهذيب" (٢/ ١٤٥ - [١٤٧]). ولهذا نظائر.
وأما المناكير فلعل النكارة فيها خفيفة، أو لعلها من الراوي عنه. وقد أخرج ابن أبي حاتم (٢) عن الأثرم صاحب أحمد قال: ذُكِر لأبي عبد الله أحمد بن حنبل عمرو بن جابر الحضرمي، فقال: "يروي أحاديث مناكير ابنُ لهيعة عنه". وابن لهيعة ضعيف عندهم ومدلِّس. قال ابن أبي حاتم: سألتُ أبي عن عمرو بن جابر فقال: عنده نحوه عشرين حديثًا، هو صالح الحديث.
وفي ترجمته من "الميزان" (٣) حديثه عن جابر مرفوعًا: "الفارّ من الطاعون [كالفارّ يوم الزحف، ومن صبرَ فيه كان له كأجرِ شهيد] ".
وفي أحاديث الطاعون المتفق على صحتها ما يشهد لهذا المعنى. وعادة صاحب "الميزان" أن يذكر في ترجمة الرجل أنكرَ ما روى. فإذا كان
стр. 37
هذا أنكر ما روى هذا الرجل فلا وجهَ للطعن فيه بأنه يروي مناكير.
وأما قول الأزدي: "كذاب"، فالأزدي نفسه واهٍ لا يُعتمد عليه. وهو محمد بن الحسين الأزدي، له ترجمة في "لسان الميزان" (٥/ ١٣٩) (١)، فراجعها إن شئت.
وأما قول عمرو بن جابر في علي ﵁: "إنه في السحاب" فأمرٌ توهَّمه، ولم يُنقَل عنه غيرُه مما فيه غلوٌّ مفرط أو طعنٌ في الصحابة ﵃.
ومما يؤيد ما ذكرته في كلام الإمام أحمد أنه ﵀ روى حديث عمرو هذا وكرَّره في "المسند" مرارًا كما رأيتَ، ثم احتج به مع غيره فيما حكى أصحابه عنه أنه قال في صيام ستة أيام من شوال: "رُوي هذا عن النبي ﵌ بثلاثة أوجه". ذكره ابن قدامة في "المغني" (٣/ ٩٥) (٢).
ومراده بالثلاثة: حديث أبي أيوب وحديث ثوبان وحديث جابر، فإنها هي التي خرَّجها في "مسنده".
وبالجملة فحديثه هذا يصلح شاهدًا على الأقل.
стр. 38
الفصل السابع
في بقية الأحاديث
• [ص ١١] حديث البراء، لفظه كما في "كنز العمال" (ج ٤ ص ٣٢٠) (١): "من صام رمضان وستة أيام من شوَّال كان كصيام السنة كلها، الحسنة بعشر أمثالها". ونسبه إلى ابن النجار و"مشيخة ابن البنّاء"، ونسبه ابن حجر في "التلخيص" (٢) وغيره إلى الدارقطني.
• وحديث ابن عمر، لفظه كما في "الترغيب والترهيب" (٣) للمنذري: "من صام رمضان وأتبعَه ستًّا من شوال خرج من ذنوبه كيومِ ولدتْه أمُّه". ونسبه إلى "المعجم الأوسط" للطبراني (٤).
• وحديث ابن عباس، لم أقف على لفظه، ونسبوه إلى "المعجم الأوسط" للطبراني (٥) أيضًا.
стр. 39
• وحديث غنّام أشار إليه ابن أبي حاتم في كتابه "الجرح والتعديل"، ولفظه في ترجمة غنّام: "غنّام والد عبد الرحمن بن غنّام، روى عن النبي ﵌ أنه قال: "من صام ستة أيام من شوَّال ... ". روى حاتم بن إسماعيل عن إسماعيل المؤذن عن عبد الرحمن بن غنام عن أبيه" (١).
ولغنّام ترجمة في "الإصابة" (٢)، وقال: ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه في الصحابة ... ، رواه حاتم بن إسماعيل عن إسماعيل المؤذن مولى عبد الرحمن بن غنام عن عبد الرحمن بن غنام عن أبيه.
ثم قال الحافظ: "قلت: ووصله ابن مندة من رواية حاتم، ولفظه: "من صام رمضان وأتبعه ستًّا من شوّال فكأنما صام السنة". وأخرجه أبو نعيم (٣) بنحوه. ووقع عند البغوي: غنام الأنصاري، سكن المدينة وروى عن النبي ﵌ حديثًا ... ".
وذكره في "الإصابة" في موضع آخر (٤): "وعِنان رجل من الصحابة، له حديث واحد. كذا ذكره علي بن سعيد العسكري، وساق من طريق إسماعيل المؤذن عن عبد الرحمن بن عنان عن أبيه رفعه: "من صام ستًّا بعد يوم الفطر فكأنما صام الدهر" كذا قال، وهو تصحيف، وإنما هو غنَّام بالغين المعجمة
стр. 40
وتشديد النون وآخره ميم، وسيأتي على الصواب في مكانه".
وذكره الذهبي في "التجريد" (١) وقال: "إسناد حديثه غريب".
أقول: أما حاتم بن إسماعيل فثقة مشهور من رجال الصحيحين (٢).
وأما إسماعيل المؤذن فلا أدري من هو.
وعبد الرحمن بن غنام لم أجد له ترجمة فيما وقفت عليه من الكتب (٣). والله أعلم.
• وأما عائشة أم المؤمنين فكأن حديثها في "جزء الدمياطي"، فإن السبكي قال: "وقد اعتنى [شيخنا أبو محمد الدمياطي بجمع طرقه، فأسنده عن بضعة وعشرين رجلًا رووه عن سعد بن سعيد، وأكثرهم حفّاظ ثقات ... ورواه أيضًا عن النبي ﷺ : ثوبان وأبو هريرة وجابر وابن عباس والبراء بن عازب وعائشة] (٤).
стр. 41
وفي "فتح الملهم شرح صحيح مسلم" (٣/ ١٨٧) (١): قال الشيخ الجزري: حديث أبي أيوب هذا لا يُشَكّ في صحته .... ورواه أيضًا عن النبي ﷺ أبو هريرة وجابر وثوبان والبراء بن عازب وابن عباس وعائشة.
ورأيت في "الجامع الصغير" (٢) حديث: "من صام رمضان وستًّا من شوال والأربعاء والخميس دخل الجنة". مح (٣) عن رجل.
و"مح" علامة لـ"مسند أحمد"، ورأيتُ في "المسند" (٤) من حديث عريفٍ من عُرفاء قريش عن أبيه: "من صام رمضان وشوالًا والأربعاء والخميس دخل الجنة".
وهناك أحاديث أخرى في صوم شوال إجمالًا، وفيما ذُكِر كفاية. والله الموفق.
стр. 42
[ص ١٢] الفصل الثامن
في الآثار
بحسْبِك من آثار الصحابة ﵃ رواية هذه السنة عن النبي ﵌، وقد تقدم في رواية يحيى بن سعيد الأنصاري أن أبا أيوب ﵁ قام في الناس عقبَ الفطر، فخطَبهم بهذا الحديث يُرغِّبهم في الصوم.
وأما التابعون فبحسْبِك من آثارهم رواية السنة كما سمعتَ. وروى الترمذي عن الحسن البصري "كان إذا ذُكِر عنده صيام ستة أيام من شوال فيقول: والله لقد رضي الله بصيام هذا الشهر عن السنة كلها" (١/ ١٤١) (١).
وهذا الأثر يدلُّ على استفاضة هذه السنة في زمن الحسن، وأنه لا يرى بها بأسًا، وإنما بيَّن أنها ليست بفرض، فإن قوله: "لقد رضي الله ... " معناه: رضي الله بها أداءً للفرض. ولا يصح أن يُحمل كلامه على معنى أن الله رضي بها فلم يشرع غيرها، لأن هناك أيامًا غير رمضان مشروعٌ صومُها قطعًا، كالاثنين والخميس ويوم عرفة وثلاثة أيام من كل شهر وغيرها.
فإن قيل: يحتمل أنه أراد إنكار الحديث أن صومها مع رمضان يَعدِل صومَ السنة، فيكون قوله: "لقد رضي الله ... " مراد به أن الله تعالى رضي برمضان وحده، فجعل صيامه يَعدِل صيامَ السنة.
قلت: هذا باطل، فأيُّ حجة على أن صيام رمضان وحده يعدِل صيامَ
стр. 43
السنة؟ بل الأدلة القطعية في أن الحسنة بعشْرِ أمثالها تُنافي ذلك، وتشهد لحديث الستّ. وما ورد من أن المضاعفة قد تزيد على العشر إلى سبعمئة أو أكثر فذلك غير موعود به وعدًا باتًّا، بل موكولٌ إلى فضل الله ، بخلاف العشر فإن الوعد بها مبتوت.
على أنه لو كان على ذلك حجة لما كان ذلك صريحًا في منافاة حديث الست، ولاسيما رواية "فكأنما صام الدهر".
وقال ابن قدامة في "المغني": "وجملة ذلك أن صوم الستّ مستحب عند كثير من أهل العلم، روي ذلك عن كعب الأحبار والشعبي وميمون بن مهران ... ". (٣/ ٩٥) (١).
стр. 44
الفصل التاسع
في مذاهب الفقهاء
أما الشافعي وأحمد وداود الظاهري وأصحابهم ــ وفيهم مجتهدون كابن جرير وابن خزيمة وابن حبان وابن المنذر وغيرهم ــ فلا خلاف في استحبابها عندهم.
وأما أبو حنيفة فقد ذُكِرت عنه رواية بكراهيتها، والصحيح عند أصحابه استحبابها، وذكر ابن عابدين منهم عدة نصوص من كتبهم على استحبابها ثم قال: "وتمام ذلك في رسالة "تحرير الأقوال في صوم الست من شوال" للعلامة قاسم، وقد ردَّ فيها على ما في "منظومة التباني" وشرحها من عَزْوه الكراهة مطلقًا إلى أبي حنيفة وأنه الأصح، بأنه على غير رواية الأصول، وأنه صحح ما لم يسبقه أحدٌ إلى تصحيحه، وأنه صحَّح الضعيفَ وعَمَدَ إلى تعطيل ما فيه الثواب الجزيل بدعوى كاذبة بلا دليل، ثم ساق كثيرًا من نصوص كتب المذهب" (٢/ ١٣٦) (١).
وأما مالك بن أنس فقد قال يحيى بن يحيى الأندلسي (٢): "سمعتُ مالكًا يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان: إني لم ير (كذا) (٣) أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحدٍ من السلف،
стр. 45
وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يُلْحِقَ برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء، لو رأوا في ذلك خفَّةً على أهل العلم (١) ورأوهم يعملون ذلك".
أقول: قوله: "في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان" ظاهره أن المراد عقب الفطر، بأن يصام ثاني شوال إلى سابعه، ويشهد له قوله بعد ذلك: "وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء"، فإن توهُّمَ العامة أن حكمها حكم رمضان في الفرضية إنما يقرب إذا صِيْمتْ عقبَ الفطر.
وعلى هذا حمل كثير من المالكية كلام مالك، قال القاضي عياض المالكي: "ويحتمل أنه إنما كره وصلَ صومها بيوم الفطر، وأما لو صامها في أثناء الشهر فلا، وهو ظاهر كلامه في قوله: صام ستة أيام بعد يوم الفطر" (٣/ ٢٧٩) (٢).
وسيأتي نحوه عن الباجي وغيره.
وقوله إنه لم ير أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولا بلغه عن أحد من السلف= نفيٌ غير حاصر، لاحتمال أن جماعة منهم كانوا يصومونها ويُخفون ذلك، كما هو المشروع في صيام التطوع.
[ص ١٣] ثم إن كان الكلام في صومها عقب الفطر، فليس فيه نفْي صومهم إياها في أثناء الشهر. وإن كان على إطلاقه فلعلَّ جماعة كانوا
стр. 46
يصومونها ولم يبلغ مالكًا، ولاسيما من غير أهل المدينة. ومن كان لا يصومها: فقد كان جماعة منهم يسردون الصوم، وجماعة يصومون كلَّ اثنين وخميس، وجماعة يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، وبعضهم يصومون من ذي الحجة والمحرم وغيرهما ما يزيد على ستة أيام.
فأما الذين يسردون فقد دخل صوم الستّ في صيامهم.
وأما الذين يصومون كل اثنين وخميس فلعلهم كانوا لا يرون اشتراطَ تتابعها، بل يكفي أن تكون من شوّال، ورأوا أنه يحصل لهم بصيام الاثنين والخميس صيام الستّ وزيادة.
وأما الذين يصومون ثلاثة أيام من كل شهر، أو يصومون في ذي الحجة والمحرم وغيرهما ما يزيد على ستة أيام= فلعلهم حملوا الحديثَ على أن أصل المطلوب صيام ستة أيام من بقية السنة، وأنه لا اختصاص للأجر بكونها مُتْبَعةً برمضان من شوال، على ما يأتي تقريره في الفصل العاشر إن شاء الله تعالى.
على أن في كلام مالك نفسه الاعتذارَ عنهم بأنهم إنما كانوا يتركون صومها ويكرهونه خوفَ البدعة، بأن يُلحِق بعض أهل الجهالة والجفاء برمضان ما ليس منه، فيظنون أن صومها فرضٌ كرمضان.
وقد كان النبي ﵌ ربما يترك العمل الذي هو في نفسه مستحب إعلامًا للناس أنه ليس بفرضٍ ولا قريبًا منه، بأن يكون استحبابه بغاية التأكيد، وربما يفعل الشيء الذي في نفسه مكروه إعلامًا للناس أنه ليس بحرامٍ ولا شديد الكراهة. واقتدى به أصحابه، فكان أبو بكر وعمر وابن عباس لا
стр. 47
يُضحُّون (١)، لأنهم كانوا يرون الأضحية مندوبة، ويخافون أن يعتقد الناس وجوبها أو تأكُّدها، ويواظبون عليها ويشقُّ ذلك عليهم.
ويشهد لذلك قوله: "ويخافون بدعته"، إذ لو كانوا يرون أن صيامها ليس بسنةٍ أصلًا لكان صيامها عندهم بدعةً البتّةَ، وحقُّ التعبير عنه أن يقال: "ويرونه بدعة". فلما قال: "ويخافون ... " عُلِم أنهم لا يرون صيامها بدعةً، ولكن يخشَون أن ينجرَّ الأمرُ إلى البدعة، وهي اعتقاد أن حكمها حكم رمضان في الفرضية. فتدبَّرْ.
وبعدُ، فتَرْكُ أكثر الناس العملَ بالشيء ــ ولو لم يظهر لهم عذرٌ ــ لا يدلّ على أنه ليس بسنة. هذا التكبير عند الخفض والرفع في الصلاة تركه الناس في عهد عثمان، حتى أحياه علي بالكوفة، فقال أبو موسى: "ذكَّرَنا عليٌّ صلاةً كنَّا نصلِّيها مع رسول الله ﵌، إما نسيناها وإما تركناها عمدًا" (٢). وقال عمران بن حصين: "ذكَّرَنا هذا الرجل صلاةً كنّا نصلِّيها مع رسول الله ﵌، كان يكبِّر كلما رفع وكلما وضع" (٣). (راجع البخاري مع شرحه "فتح الباري" (٤) كتاب الصلاة، باب إتمام التكبير في الركوع). وأحياه أبو هريرة بمكة، فأنكره عكرمة حتى قال لمولاه ابن عباس: إنه أحمق، فقال ابن
стр. 48
عباس: "ثَكِلَتْك أمُّك! تلك صلاة أبي القاسم ﵌ " (١). (أيضًا باب التكبير إذا قام من السجود).
ومالك ﵀ له أصلان يبالغ فيهما:
الأول: شدة التحرُّز من البدعِ حتى ربما يقع في ترك السنة، ومن الحرامِ حتى ربما يقع في تحريم الحلال، وهذا هو الأصل المعروف بسدّ الذرائع.
الثاني: الاحتجاج بعمل أهل المدينة حتى يقع في مخالفة بعض السنن الثابتة، وربما يحتج بعمل أهل المدينة ويكون عمل كثير من أهل المدينة على خلاف ما قال.
وقد نازعه في هذين الأصلين من هو أجلُّ أصحابه ومن أشدِّهم ــ أو هو أشدُّهم ــ حبًّا له ومعرفةً بقدره، وهو الشافعي.
وعلى كل حال فإن أصحاب مالك قد كَفَونا، فقرَّروا استحباب صيام الستّ في الجملة، وذكروا قيودًا أخذوها من كلام مالك، فقالوا: إنما يُكره صومها لمن يجتمع فيه خمسةُ أمور:
الأول: أن يكون مقتدى به.
الثاني: أن يُظهِر صومها.
الثالث: أن يصومها متصلةً برمضان.
الرابع: أن يتابعها.
الخامس: أن يعتقد سنية اتصالها ــ أي في حقّه ــ مع اجتماع الأربعة الأولى.
стр. 49
قالوا: فإذا انتفى واحدٌ فأكثر من هذه الخمسة لم يُكْرَه صومُها، أي بل يُستحبُّ كما يأتي.
فأما المحدّثون منهم فمنهم من قال: لعله لم يبلغ مالكًا الحديثُ، قاله الحافظ أبو عمر ابن عبد البر (١) وغيره. ومنهم من قال: لعله لم يبلغه من وجهٍ يصحُّ، وقد بلغ غيرَه. ومنهم مَن قال: لعله إنما بلغه عن سعد بن سعيد، فلم يعتمد عليه، وإن كان لم يتكلم هو في سعد بن سعيد ولا أحدٌ من أهل عصره كما مرَّ.
وذكر المازري المالكي في "شرح صحيح مسلم" (٢) [ص ١٤] كلامَ مالك، ثم قال: "قال شيوخنا: ولعل مالكًا إنما كره صومها لهذا، وأما صومها على ما أراده الشرع فجائز. وقال آخرون: لعله لم يبلغه الحديث أو لم يثبت عنده، وإنما وجد العمل بخلافه". نقله عنه الأُبِّي (٣).
وقال الباجي في "شرح الموطأ": "وإنما كره ذلك مالك لما خاف من إلحاق عوامّ الناس ذلك برمضان، وأن لا يميِّزوا بينها وبينه حتى يعتقدوا جميع ذلك فرضًا". ثم ذكر رواية سعد بن سعيد ثم قال: "وسعد بن سعيد هذا ممن لا يحتمل الانفراد بمثل هذا، فلما ورد الحديث على مثل هذا، ووجد مالك علماء المدينة منكرين العمل بهذا احتاط. فتركه لئلا يكون
стр. 50
سببًا لما قاله. قال مطرف: إنما كره مالك صيامها لئلا يُلحِق أهل الجهل ذلك برمضان، وأما من رغب في ذلك لما جاء فيه فلم يَنْهَه، والله أعلم وأحكم. وقد قال الشيخ أبو إسحاق: أفضل صيام التطوع ثلاثة أيام من كل شهر، وصيام ستة أيام متوالية بعد الفطر، ذلك كصيام الدهر" (١).
стр. 51
الفصل العاشر
في معنى الحديث
قوله: "فكأنما صام السنة" قد فُسِّر في حديث ثوبان، وحاصله أن الله قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [سورة الأنعام: ١٦٠]، فعُلِم منه أن من صام شهر رمضان عشرةَ أمثالِه فكأنه صام عشرةَ أشهر بغير تضعيف، فيبقى من السنة شهران، فإذا صام ستة أيام من شوال كانت بعشرة أمثالها، وذلك ستون يومًا، فذلك تمام السنة ..
وأما قوله: "فكأنما صام الدهر" فالمراد بالدهر هنا عمره من حين تكليفه إلى وفاته، وذلك يحصل له بأن يصوم في كل سنةٍ من عمره رمضانَ وستة أيام.
بقي أن يقال: فلو صام ستة أيام من غير شوال من الشهور أو فرَّقها، لحصل له أيضًا ستون بمقتضى الآية، فلماذا قُيِّدت في الحديث بقوله: "وأتبعَه بستٍّ من شوال"؟
وقد أُجيب عن هذا بما حاصله: أن الحسنات وإن كانت سواءً في أن كلًّا منها بعشر أمثالها، فإنها تتفاوت في القدر، فاليوم من رمضان وإن كان كاليوم من جمادى في تعشير الجزاء، لكن اليوم من رمضان حسنة عظيمة، فهو بعشرة أمثاله كلها عظيمة، واليوم من جمادى حسنة دون تلك، فعشرةُ أمثالها كلها دون تلك.
فمعنى الحديث أن الله تفضَّل على عباده فجعل صوم ستٍّ من
стр. 52
شوال بحسب ما ورد في السنُّة يُساوي ستًّا من رمضان في الفضل لا في الفرض، أي أن الثواب كالثواب في القدر. وعلى هذا فصيام ستة أيامٍ غيرِها لا يحصل بها المقصود، بل لو صام ستين غيرَ مشتملةٍ على المنصوصة لم يحصل له مثلُ ثواب من صام الستَّ المنصوصة.
وبناءً على هذا المعنى استُشْكِل الحديث، قال الطحاوي: "فقال قائل: وكيف يجوز لكم أن تقبلوا مثلَ هذا عن رسول الله ﵌ مما فيه أن صوم غير رمضان يَعدِلُ صومَ رمضان ... " (٣/ ١٢٠) (١).
ثم أجاب عن ذلك بما حاصله: أن فضل الله واسعٌ، لا حَجْرَ عليه.
أقول: وقد يقال في حكمة ذلك: إن الصيام زكاة البدن، وقد تكون الزكاة العُشر كما في زكاة الزروع والثمار، فكأنه في علم الله أن الحكمة تقتضي أن يُفْرَض على المكلف صيامُ عُشرِ عمرِه. [ص ١٥] ولما كان المشروع في الصيام التتابع، فلو وجبتْ لوجب وصلُها برمضان، ولكن عارض ذلك من الرحمة والحكمة ما اقتضى التخفيف، فخفَّف سبحانه ستة أيام فلم يفرضها، بل ندبَ الناسَ إلى صيامها. ولكن لما اقتضت الحكمة إيجابَ فِطر العيد أوجبَ فِطْرَه، وندبَهم إلى صيامها عقبَه، واقتضى فضلُه وكرمه أن لا يخفِّف من ثوابها، بل من صامها يكون له مثلُ أجرها لو كانت مفروضةً.
ونظير ذلك ما ورد أن فضل الفرض يَعدِل سبعين من فضل النفل، وقد
стр. 53
ورد أن صلاةً بسواكٍ تعدِل سبعين صلاةً بغير سواك (١). وسِرُّه: أنه كان حقُّ السِّواك الوجوب، كما صحَّ عنه ﵌ أنه قال: "لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" (٢) أي أمرَ إيجاب، فخفَّف الله على الأمة، فلم يُوجب السِّواك ولكنه أبقى أجره على حاله لو كان واجبًا.
وقريبٌ منه شأن العيد، وقد كتبتُ فيه مقالةً (٣) حاصلُها: أن العيد يوم زينة كما سُمِّي في كتاب الله (٤)، والزينة يَلْحقُها اللهو، وقد عُرِف من الشريعة أنها رخَّصت في اللهو ــ كضرب الدفّ والغناء الذي لا رِيبةَ فيه وغير ذلك ــ في النكاح والختان والقدوم من الغزْو. والسرُّ في ذلك: أن هذه المواضع يحصل لأصحابها فرح طبيعي، فاقتضت الحكمة أن يُرخَّصَ لهم فيما يقتضيه فرحُهم. ولما كان يوم العيد يومَ زينة ولهوٍ اقتضت الحكمة أن يُختار له يوم يحدث فيه بطبيعة الحال فرحٌ عام، وهذا متحقق في عيد الفطر، فإنه يحدث فيه بطبيعة الحال فرحٌ عام، لخروج الناس من حبْس الصوم.
ثم نظرتُ في عيد الأضحى، فلم أره يتحقق فيه ذلك إلا للحجّاج، لخروجهم من ضيق الإحرام. ثم ذكرتُ ما صحَّ أن النبي ﵌ لما خطب الناس فقال: "إن الله قد فرضَ عليكم الحج فحُجُّوا". قال رجل: أكلَّ عامٍ يا رسولَ الله؟ فسكتَ، ثم عاد فعادَ الرجل، حتى كانت الثالثة قال: "لا، ولو
стр. 54
قلتُ نعم لوجبتْ" (١).
فظهر لي أن الحكمة كانت تقتضي وجوبَ الحج على كل مسلمٍ كلَّ سنة، وأيَّد ذلك إيجاب الاجتماع على أهل المحلة في الجماعة كل يوم خمس مرات، وعلى أهل البلدة في الجمعة، فكان يناسب ذلك إيجابَ اجتماع جميع المسلمين ولو مرةً في السنة وذلك الحج، ولكن عارضَ ذلك ما فيه من المشقَّة وضياع كثير من المصالح، فخفَّف الله عنهم وجعل الفرض على كلٍّ منهم مرةً في العمر، لأنه يحصل بذلك اجتماعُ جمعٍ كبير مشتمل على جماعةٍ من كلِّ جهة. واقتضى فضلُه وكرمه أن لا يمنع غيرَ الحجاج مما كانوا يستحقون الترخيصَ فيه ــ لو وجبَ عليهم الحجُّ فحجُّوا ــ من الزينة واللهو.
ويظهر من قضية السواك والحج أنه لِتعارُضِ الحكمة في اقتضاء الوجوب وعدمه جعل الله ﵎ الخِيرَةَ لرسولِه: إن شاء اختار الوجوب فيكون ذلك واجبًا بإيجاب الله تعالى، وإن شاء خفَّف. فاختار ﵌ التخفيف، ولذلك علَّق ﵌ الوجوبَ فيهما على مجرد أمره وقوله، فتدبَّرْ. وتمام هذا في مقالة العيد.
وقد يظهر من هذا أن أجر حجّ التطوع مثل أجر حج الفريضة، ولا حَجْرَ على فضل الله . ويدلُّ عليه إطلاق الأحاديث في فضل الحج، بخلاف الصلاة والصيام، فإن فيها أحاديث في فضل الفرض وأحاديث في فضل النفل، والله أعلم.