الرسالة الثامنة والعشرون
جواب الاستفتاء عن حقيقة الربا
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.
قبل سنين نشر بعض الفضلاء في حيدراباد الدكن ــ إحدى مدن الهند ــ رسالة بعنوان "الاستفتاء في حقيقة الربا" أجلبَ فيها بخيله ورَجِلِه لتحليل ربا القرض. وأُرسِلتْ من طرف الصدارة العالية (مشيخة الإسلام) في حيدراباد إلى علماء الآفاق ليُبدوا رأيهم فيها، وأنا مطلع على المقصود من تأليفها ونشرها، ولا حاجة الآن إلى ذِكر ذلك.
وراجعتُ حينئذٍ مؤلفَها في بعض المباحث، وأردت أن أجمع جوابًا عنها. ثم وردتْ بعض الأجوبة من علماء الآفاق، وأجود ما اطلعت عليها جواب العلامة الجليل مولانا أشرف علي التهانوي (١)، فاستغنيتُ بذلك. ثم تنبَّهت بعد ذلك لدقائق في أحكام الربا وحِكَمه، حتى وقفتُ أخيرًا على كلام للشاطبي في "موافقاته"، فاتَّجهتْ همتي إلى تقييد ما ظهر لي. وأسأل الله ﵎ التوفيق والهداية إلى سواء السبيل بمنّه وكرمه.
* * * *
стр. 3
[ص ٧] [ ... ] (١) يكون له حكمة واحدة [ ... ] في إدراك الحكم، فقد يدرك أحدهم حكمة، وتخفى على غيره [وقد يدرك] الرجلان الحكمة، ولكن أحدهما أتم إدراكًا لها من الآخر، وذلك لكثرة ما يتفرغ [للبحث عنها].
ومثال ذلك أن من مفاسد الزنا الجهل بالأنساب، فالمفاسـ[ـد
] بالأنساب كثيرة، والناس متفاوتون في إدراكها، وعسى أن يكون منها ما [ما يظهر للناس، و] للزنا مفاسد أخرى قد تخفى على بعض الناس أو جميعهم، فالعدوى بـ[الأمراض الخبيثة لم تكن معلومة في الماضي،] وإنما علمت أخيرًا.
ومن الأحكام ما لا يدرك الناس له حكمة أصلًا.
وللبحث عن الحكم بواعث:
الأول: وهو أعظمها، بحث العلماء لأجل قياس ما لا نصَّ فيه على ما فيه نص، فإذا [وجد الحكمة] في شيء، ثم وجد تلك الحكمة بتمامها في شيء آخر غيرِ منصوصٍ حَكَم بتحريمه، وهكـ[ـذا].
الثاني: البحث ليتأكد الإيمان، وهذا محمود إذا كان الباحث راسخًا في الـ[ـعلم، فإنه إن] ظهرت له الحكمة زادته طمأنينة، وإن لم تظهر له أحال
стр. 4
ذلك على قصور فهـ[ـمه، وأحال الحكمة] إلى علم الشارع ، وأنه من المعلوم المحقق أنه عز [وجل ... ] الحكم ما لا تصل إليه أفهام الناس.
الثالث: البحث ليزداد علمه، وهذا كالثاني، أو هو هو.
الرابع: البحث لترغيب الناس في الطاعات، وتحذيرهم من المعاصي [فإذا علموا] مصالح المأمور به، ومفاسد المنهي عنه، كان ذلك أدعى لانقياد [هم، فإن معرفة] الباعث من الحكماء الربانيين الذين يدركون حكمة الله تعالى في [الأمر والنهي] ينبغي أن يكون الإظهار.
فإنه إذا قال الواعظ: إن حكمة تحريم [الزنا الوقاية] من العدوى بالأمراض الخبيثة، أوشك أن يقول [
] وقد شهد لها الطبيب [ ... ].
[ص ٨] [ ... ] إجلاله، فيعذبهم [ ... ] الجهل بالأنساب [ ... ] على أن لا يحملن [ ... ] أولاد [ ... ] بعلة التناسل يؤدي إلى ضعف [ ... ].
ومن مفاسده [ ... ] إما أن لا يتزوج [البتةَ] وإما أن يترك زوجته، ويذهب للزنا، وبذلك يفسد ما بين الزوجين [ ... ] محل الوفاق، ويوشك أن يدع الرجل امرأته وأطفاله وأباه وأمه، [ويوشك أن
стр. 5
يدفع] ماله لإحدى البغايا، وعسى أن تقلده امرأته وبنوه وجيرانه.
ويسترسل [بحيث] يحيط بجميع صور الزنا.
ويختم بنحو ما بدأ به، فيذكر أنها قد بقيت حِكَم [، وأن هناك] حِكَمًا لا يعلمها، وأنّ المقصد الأعظم هو ابتلاء الله لعباده ليظهر ما ينطوي [عليه القلب] من الإجلال والمحبة له، والخوف منه، أو عدم ذلك.
[وينبغي أن تعرف] الحكمة للرد على الطاعنين في الإسلام، كالطاعنين بتحريم لحم الخنزير، وإباحة الطلاق [والزواج] من أربع أزواج، وشرع الرق، ونحو ذلك.
[ ... ] شرط أن يقرر المجيب أولًا أنه قد ثبت عندنا بالقواطع وجود الخالق بصفاته [ ... ] ونبوة محمد ﵌، أن كل ما جاء به عن ربه فهو حقٌّ قطعًا، وأنه جاء بهذا الحكم [ ... ] عن الله قطعًا، والله تعالى أحكم الحاكمين، المحيط بكل شيء علمًا.
فحرمة لحم الخنزير ثابت عن الله تعالى [، وحكمةُ] ذلك ابتلاء عبيده، فإذا لم يعرف البشر حكمة أخرى، فأين يكون علمهم من علم الخالق .
[ ... ] للطاعن أن يناظر علماء الإسلام في هذه المقدمات.
[ ... ] التي بعدها إلى آخرها، فإنهم مستعدون لإثباتها بالقواطع، فإذا أثبتوها [ ... ] أصله.
[ ... ] لا يعلم مضرة في أكل لحم الخنزير، وإن لم تُقنِعه براهينهم على تلك المقدمات [ ... ] أن يظهر أن في أكله مضرة أو
стр. 6
مضار.
[ ... ] يذكر ما استطاع ذكره من المفاسد في أكل لحم الخنزير.
[ ... ] مضرة أوأكثر، فقد لا تقنع الطاعن، فيبقى مصرًّا على زعمه أنه قد طعن في الإسلام.
[ ... ] طلع على الطعن، والجواب من عوام المسلمين وغيرهم، قد لا يقنعه الجواب، فيقع [ ... ] طعن متوجه، وأنه يدل على بطلان الإسلام. فليتنبه لهذا.
[ص ٥] الثمن (١) مكافئًا للمبيع، وخيرًا له منه، وإن المشتري كا [ ... ].
وعلى هذا فإذا تحقق الرضا حكم بأن العوضين متكا [فئان ... ].
الثانية: أن ننظر إلى ما يقتضيه الحال و [ ... ] بيد الرجل سلعة باعها بدون قيمة المثل لجهله بها مثلًا [ ... ] حكم بأن العوضين غير متكافئين.
الثالثة: أن ننظر إلى ما هو أدق من هذا، فنقول: إذا كان لرجل أرض فزرعها [ ... ] ثمرتها، فقد يقال: ينبغي أن يحسب قيمة البِذْر وأجرة العمل، ويحطّ من ذلك ما استفاده منها في أثناء
стр. 7
السنة، فما [بقي] فهو قيمة الثمرة، فليس له أن يبيعها بأكثر من ذلك، فإن اشتراها تاجر منه، وجلبها إلى بلد آخر، وأراد أن يبيعها، فإن كان اشتراها بالقيمة، فله أن يضم إليها مقدار أجرته في الابتياع والحمل والنقل [ ... ] أكثر من ذلك.
وإن كان اشتراها بأنقص من القيمة [ ... ] صاحب الزرع تبرع منه له، فلا يلزمه أن لا يحسبه.
ويمكن أن يقال: من تبرع [ ... ] فعليه أن يتبرع به.
وإن كان اشتراها بأكثر من القيمة فتلك زيادة ظلم بها [ ... ] غير من ظلمه.
فقد يظهر للناظر أن الطريق الثالث هي العدل المحض، وأن الثانية بعيدة عن العدل، وإن [ ... ].
ولكن الثالثة يكثر فيها الخفاء وعدم الانضباط، وإناطة الحكم بها تؤدي إلى ضيق المعاملة [ ... ] إلى رغبة النا [س عن الزراعة] والصناعة والتجارة، ويؤدي ذلك إلى تأخر الحضارة، بل ربما أدَّى إلى خراب الدنيا.
وهكذا الثانية، وإمكان الظهور والانضباط عليها يكون في شيء دون آخر.
فلهذا كان الحكمة حق الحكمة أن يناط الحكم بالتراضي، على أن في نوط الحكم به مصالح أخرى، منها: [ ... ] وتربية العقول.
ولكن دلالة الرضا على المكافأة تختلف باختلاف العقول والأفهام،
стр. 8
وذلك اختلاف لا ينفـ[ـي ... ] فنِيطَ الحكم بالبلوغ والعقل.
ومن العلماء من يضمُّ إلى ذلك أن لا يكون [المشتري] مضطرًّا إلى العوض كمن اشتد به الجوع، فاشترى رغيفًا بدينار، والحال أن [ ... ] في تلك البقعة دانق مثلًا.
ومنهم من يستثني الغبن الفاحش فيرد به، ومنهم [ ... ] المسترسل، وهو من يحسن الظن بصاحبه، فيرى أنه لن يحاول أن يغبنه، وقـ[ـد قيل:] "غَبْنُ المسترسل ربًا".
[ص ٦] [ ... ] عشرة دراهم من مال المشتري [ ... ].
وباعتبار الثانية [ ... ] هم من مال بالباطل.
وباعتبار الطريقة الأولى لم يأكل [ ... ] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ [بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً] عَنْ تَرَاضٍ﴾.
فأفهمت الآية أن [ ... ].
الإجارة: يأتي فيها نحو ما تقدم في البيع.
ولننظر الآن في الربا، ونُقدِّم أشهر ما يطلق عليه ربا، وهو الزيادة المشروطة في القرض، [ ... ] عشرة دراهم بشرط أن يقضي أحد عشر.
стр. 9
فهذا الدرهم ظلم وباطل، ولا مُلْجِئ ههنا إلى اعتبار [ ... ] إنما اعتبر في البيع للخفاء، وعدم الانضباط في الطريقين الأخريين، وما ينشأ عنهما من المفسدة [ ... ] غير موجود في القرض.
[ ... ] يحاول بها إثبات أن الربا ليس بظلم. [ ... ] رضا، ويقول بعضهم: أرأيت لو وهب الرجل ماله لآخر، فأخذه، أيكون الأخذ ظلمًا؟
[والجـ]ـواب: أن الرضا هنا ليس كالرضا في الهبة، [ألا] ترى أن الرجل لا يأخذ بالربا إلا مضطرًّا، ولو وجد من يعطيه بغير ربًا لما أخذ من المُرِبي، ولو خيَّره [المـ]ـقرض بين أن يعطي ربًا أو لا يعطي، لاختار عدم الإعطاء.
فإن قيل: ولكن الرضا هنا كالرضا في البيع سواء، فإن البائع في المثال المتقدم لو خيَّر المشتري بين أن يعطي عشرة أو عشرين، لاختار العشرة، ولو خيّره المشتري بين أخذ عشرين أو ثلاثين، لاختار الثلاثين.
والجواب: أننا قد قررنا الفرق آنفًا، وهو أنه كان مقتضى العدل في البيع اعتبار الطريقة الثالثة، فإن لم تكن فالثانية، ولكن لخفائهما وعدمِ انضباطهما وما ينبني عليهما من المفاسد نِيطَ الحكم بالرضا. وهذا المعنى منتفٍ في القرض.
فإن قيل: فإنه يوجد في القرض ما يُشبِه هذا المعنى، وهو أن المنع من الربا يؤدي إلى امتناع الناس عن الإقراض.
قلنا: فقد مضت قرون زاهرة على المسلمين لم يمتنعوا فيها عن القرض بدون رِبا.
стр. 10
ولماذا يُؤثِر الرجل الممنوع من الربا كنزَ دراهمِه على دفعها لأخيه، ينتفع بها ويردها في وقتها، مع وثوق لدافع بالقضاء، كأن استوثق برهنٍ أو ضامنٍ، أو وثقَ بوفاء أخيه. مع ما يحصل في ذلك للمقرض من الأجر والشكر وغير ذلك من المنافع، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
على أن خشية امتناع الناس عن القرض لا يوازي خشية تقاعدهم عن الزراعة والصناعة والتجارة، وما يلزم من خفاء المناط، وعدم انضباطه في البيع من كثرة التشاجر والتنازع، وتحيُّر الحكام، وغير ذلك.
[ص ٩] الشبهة الثانية: أن هناك فائدتين [تحصلان للمستقرض من القرض ... ] أو نحو ذلك [
] بذلك القرض [ ... ].
الجواب عن الفائدة الأولى: أن ما حصل للمقرض من [النفع
] المال الذي استقرضه.
[وحينئذ] فالقضاء ... ] ولو فرض أنه صبر على الجوع والعري حتى وجد مالًا، [فإن
].
وجواب آخر: وهو أن دفع حاجة المضطر مما يوجبه الإسلام، وسائر الشرائع تقتضيه [ ... ] إذا كان دفع حاجته لا يوجب نقصانًا ما على الدافع، وههنا كذلك، فإن الدافع إن كان يريد خَزْنَ ماله لو لم يقرض فهو عند المستقرض كأنه في خزانة، بل إن القرض أنفع للمستقرض كما سيأتي، وإن كان يريد أن يتجر فيه، فلا يدري أيربح فيه في مثل مدة القرض،
стр. 11
أم يخسر؟ بل لعله يتلف المال في يده وضمانه. وإن كان يريد أن يصرفه في حوائجه فواضح أن إقراضه أنفع له؛ لأنه يبقى محفوظًا.
والجواب عن الفائدة الثانية: أنها خاصة بما إذا استقرض ليتجر.
ثم نقول: من المحتمل أن يربح أو أن يخسر، فإن رَبِح فهذا الربح في مقابل تعبه، وفي مقابل مخاطرته بأخذ ذلك المال، والتصرف فيه في ضمانه مع احتمال أن يتلف عليه، فيضيع تعبه، ويخيب أمله، ويضطر مع ذلك إلى أن يبيع حلي زوجته أو عقاره أو بيته ليوفي دينه.
وإن خسر فالأمر أوضح.
الشبهة الثالثة: أن هناك مضرّتينِ يتحملهما المقرض بسبب القرض:
الأولى: مخاطرته بإخراج ماله عن يده، وربما يتلف المال عند المستقرض، ويفلس ويموت، فيضيع المال.
الثانية: أن المقرض لو لم يُقرِض ذلك المال فربما اتَّجر فيه لنفسه وربح.
الجواب عن الأولى: أنه يمكن التخلص منها بأخذ رهنٍ، أو ضمانة، فإن أخذ ذلك زالت المخاطرة، وإن لم يأخذه وكان يمكنه ذلك فهو المقصِّر. وإن لم يكن يمكنه فإن كان يعلم أن للمستقرض أموالًا يمكن الأداء منها فلا مخاطرة، وإلا فهذه المخاطرة في مقابل مخاطرة المستقرض التي تقدمت.
وإذا وازنّا بينهما نجد مخاطرة المستقرض أشدَّ، لأنه مخاطر بضرورياته، كالعقار والبيت ونحوه، ومخاطرة المقرض قاصرة على المال
стр. 12
الذي أقرضه، والغالب أنه يكون فاضلًا عن ضرورياته.
والجواب عن الثانية: أنه لا يخلو أن يكون المقرض يريد أن يتجر بذلك المال لو لم يقرضه، أو يريد أن يخزنه، فإن كان يريد أن يخزنه فلم يفته بالقرض ربحٌ أصلًا.
وإن كان يريد أن يتجر فيه فإنه يكون بالاتجار مخاطرًا بين أن يربح، وبين أن يضيع تعبه، ويخيب أمله، ويخسر من رأس المال، أو يتلف المال أصلًا.
[ ... المقرض] من التعب، ومن المخاطرة، مع فوائد أخرى حصلت له كما سيأتي.
فليكن هذا [ ... ].
[ص ١٠] [ ... ] [من المستقرض وغيره].
٤ - ما ينشأ عن ذلك من الجاه والقبول.
٥ - ما يترتب عن ذلك من منافع لا تحصى.
٦ - ربما يحتاج في مستقبله إلى الاستقراض [ ... ].
٧ - المال معرض للتلف، فإن بقي عنده وتلف لم يضمنه له أحد [ ... المستقرض كان مضمونًا في ذمته].
٨ - [ ... ] تحت يد المقرض لوقع فيه يصرفه [
] كان محفوظًا عن ذلك.
стр. 13
٩ - كثيرًا ما يحتاج صاحب المال [ ... ] [من سرقة أو نهب] أو غير ذلك، وإذا أودعه كان أمانة عند الوديع لا يضمنه إذا تلف [ ... ] كان مضمونًا على المستقرض.
١٠ - إذا كان المال طعامًا فإنه يكثر أن يكون عتيقًا لو بقي بعينه لفسد أو تلف، وإذا أقرضه فإن لم يرد له المستقرض أجود منه فلا بد أن يرد مثله حين أخذه.
وهناك أمور أخرى تدرك بالتأمل، وفيما ذكر كفاية. والله أعلم.
* * * *
стр. 14
مفاسد الربا
تمهيد
المقصود من شرع الأحكام تطبيق العدل، ولكن الجزئيات لا تحصى ولا تتناهى، والحكمة المقتضية للحكم تختلف في الجزئيات، فتخفى في بعضها، وتظهر في أخر، [وتشتدُّ في بعضها، وتخِفُّ في أخر،] ولا ينضبط مقدارها.
مثال ذلك: الزنا، فإنه جرم يوجب العقوبة، ولكنه يكون تارة جرمًا شديدًا جدًّا، وتارة يكون أخفَّ.
فرجل شائب ضعيف الشهوة غني عَمَدَ إلى امرأة قبيحة لا يحبها، فسعى بعدها حتى زنى بها.
وآخر شابٌّ قوي الشهوة فقير، لا يجد من يُزوِّجه، عشق امرأة جميلة، فكان يتجنب لقاءها، فاتفق أن صادفها في مكان خالٍ، فلم يصبر أن وقع عليها.
فبين الجرمين بون بعيد، وبينهما درجات لا تحصى، وهكذا يزداد الاختلاف إذا نظرنا إلى ما ينشأ عن الزنا من إفساد المرأة، وإسقاط شرفها، وإلحاق العار بأهلها، وتضييع الولد، وما يخشى من انتشار الزنا في الناس، وغير ذلك.
فلو كُلِّف عاقل سَنَّ عقوبةٍ للزنا كان أمامه أربع طرق:
الأولى: أن يفصِّل القانون تفصيلًا بعدد ما يمكن من اختلاف الجزئيات.
стр. 15
الثانية: أن يكِلَ الأمر إلى الحكام، ليقرر كل حاكم في الجزئية التي تعرض عليه ما يراه مناسبًا لها.
الثالثة: أن يقرِّر عقوبة تنطبق على أخفِّ الجزئيات جرمًا، أو أشدِّها، أو أوسطها، يطلقها في جميع الجزئيات.
الرابعة: أن يقرِّر عقوبة تنطبق على الغالب من الجزئيات [ ... ].
[ص ١١] فأما الأولى: فليست بممكنة:
أولًا: لكثرة الاختلاف بحيث يصعب [حصره].
ثانيًا: لأن من الأحوال التي يختلف مقدار الجرم باختلافها [
] ومقدار ما ينشأ عن الزنا من المضار [والمفاسد ... ] الأنبياء في الناس حتى يكونوا هم الحكام، ويوحي إليهم في كل [جزئية ... ].
وإما أن يوحي إلى رسوله كتابًا يحصي فيه وقائع الزنا إلى يوم القيامة باسم [الرجل ... ] بحيث لا تشتبه واقعة بأخرى.
فأما الأول: فكان ممكنًا، ولكنه ينافي ما [
] والاختبار، وغير ذلك، ولاسيما إذا علمنا أنه يقتضي أن يكون الناس كلهم أنبياء، لأنه [ ... ] لأجل عقوبة الزنا، لزم اختياره لجميع الأحكام حتى التي يكون فيها كل إنسان حاكم نفسه [ ... ].
стр. 16
وأما الثاني: فلأنه منافٍ للحكمة من وجوه، أقربها إلى الفهم اقتضاؤه أن يكون في عقوبة الزنا وحدها قرآن يبلغ آلافًا وملايينَ وأكثر من ذلك من المجلدات، فكيف يسهل نقله وحفظه وكشفه؟ وهكذا في كل حكم من الأحكام غير عقوبة الزنا.
وأما الطريقة الثانية ففيها:
أولًا: أنها لا تُغنِي، لخفاء بعض الصفات التي توجب اختلاف الجرم، كما تقدم.
وثانيًا: أنه فتحٌ لباب الظلم، وتلاعب الحكام، فهذا يداهن، وهذا يرتشي، وهذا تؤثر عليه الشفاعات، وهذا يخاف، وهذا يتهم، مع ما يلزمه من كثرة العمل الذي يكلف به الحاكم، فيستدعي ذلك كثرة الحكام، ولا سيما إذا علمنا أنه لو اختير ذلك في عقوبة الزنا انبغى أن يختار في غيرها من الأحكام، ومع ذلك فيصعب الفصل في القضايا ويتأخر، ويتعسَّر ويتعذَّر، وفي ذلك عين الفساد العام.
وأما الثالثة: فتعيين أخفِّ العقوبات لا يؤدي إلى المقصود من الزجر والتأديب، وتعيين أشدِّها قد يصادف أن يكون استحقاقه نادرًا، فيكون الغالب وقوع العقوبات على من لا يستحقُّها، وتعيين أوسطها قد يكون غلطًا، إذا فرض أن الغالب هو استحقاق الأشدِّ، أو استحقاق الأخفِّ.
وأما الرابعة: فهي العدل الممكن، ولكن يبقى معرفة الغالب، فإن العاقل قد يتردد فيه، وقد يغلط، وقد يخالفه غيره. ويبقى أيضًا تعيين العقوبة، ويبقى أيضًا أن تطبيق العقوبة على من كان من غير الغالب فيه إضرار به بغير استحقاق.
стр. 17
ولكنه إذا كان الشارع هو الله تزول هذه النقائص كما ستراه.
[ص ١٢] [ ... ] للرجل والمرأة، ومنع المرأة من الخروج، وذلك [كما قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ] فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي [الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ] أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ [تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا] إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٥ - ١٦].
واقعة
[ ... ] السيد الإمام محمد بن علي بن إدريس ﵀ أن يتلو كل يوم جزءًا من القرآن بتدبُّرٍ وتفكر، وكان [ ... ] يشكل، فكان فيما تلاه يومًا هذه الآيات، ثم دعاني، فذكر لي تردده في معنى [قوله تعالى: ] ﴿وَاللَّذَانِ﴾ وأنه تأمل فيها، ثم راجع التفاسير ولم يطمئن قلبه إلى قول مما قالوه، لأن منهم من قال: المراد بهما الرجل والمرأة، قال: وهذا فيه بُعد، لأن المرأة قد سبق حكمها في قوله: ﴿وَاللَّاتِي﴾ وفيه مع ذلك التغليب، وهو خلاف الأصل.
ومنهم من قال: المراد بهما الفاعل والمفعول في اللواطة.
قال: وهذا أبعد؛ لأن اللواطة جرمٌ عظيمٌ، ولم يرد بعد ذلك من الشرع ما يقوى أن يكون ناسخًا لذلك.
وفيه مع ذلك أن تكون الآيات لم تتعرض لحكم الرجل الزاني.
стр. 18
فبحثتُ معه ﵀ بحثًا سأورده بنحو معناه، ولعل فيما أحكيه ههنا زيادة أو نقصًا.
قلت: أفلا يحتمل أن تكون هذه الآية في حكم الرجال الزناة خاصة، كما أن الأولى في حكم النساء خاصة؟
فقال السيد: لو أريد هذا لقيل: "والذين يأتونها .. "، فما وجه العدول عن ذلك إلى التثنية؟
فقلت: قد يقال: إنها باعتبار أن الرجال الزناة على نوعين: محصن وغير محصن، فثنِّي باعتبار النوعين.
فقال: وما الدليل على جواز مثل هذا؟
فذكرتُ قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾، وقول الشاعر (١):
عَيُّوا بأمرِهِمُ كما ... عَيَّتْ بِبَيضَتِها الحمامهْ
جَعلتْ لها عودَين من ... نَشَمٍ وآخرَ من ثُمامهْ
فقد فُسِّر الشعر بأن المعنى: أن فيهم حليمًا وسفيهًا، فسفيههم يُفسِد على حليمهم، كالحمامة إذا نسجت بيتها من عيدانٍ فيها القوي كالنشم، والضعيف كالثمامة. قالوا: والتقدير: جعلت لها عودين: عودًا من نشم، وآخر من ثمامة.
ومن المعلوم أن التثنية في المثل والممثَّل به إنما هي باعتبار النوعين،
стр. 19
فلم يرد أن فيهم رجلًا واحدًا حليمًا، ورجلًا واحدًا سفيهًا، ولا أن الحمامة جعلت عودًا واحدًا من نشم، وآخر واحدًا من ثمامة.
فقال: هذا قريب، ولكن هل قال به أحد من المفسرين في هذه الآية؟
قلت: لا أدري. فراجعنا التفاسير فإذا في بعضها: عن مجاهد قال: هما الرجلان الزانيان (١).
فقال السيد ﵀: قد راجعت أنا هذا التفسير اليوم، ومررت على [هذا] القول، ولكني لم ألتفت إليه، ولم يَعْلَقْ بذهني.
[أقول: ] ثم وقفتُ بعد ذلك على ما يؤيد ما ظهر لي، كقول الجبَّائي وغيره في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ [دَعَوَا اللَّهَ﴾].
[ص ١٣] ولكنه ترجح عندي في الآية ما قدمته، وهو [ ... ] للرجل والمرأة، وأما إمساك المرأة في البيت، فليس [
] أن تجمع على المرأة عقوبتان. فتدبر.
ثم نزلت قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ [وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾]، فقال النبي ﵌: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر [بالبكر جَلْدُ مائةٍ وتغريبُ عام]، والثيب بالثيب جَلْدُ مائة والرجم" رواه مسلم (٢).
стр. 20
جعل حد البكر خفيفًا؛ لأن الغالب أن يكون شابًّا شديد الشهوة، وحد [الثيب شديدًا]؛ لأن الغالب أن يكون متزوجًا أو شيخًا، ولم يعلّق الحكم بكونه ذا زوجة لحِكَمٍ:
منها: [أن لا] يودي حبُّ الزنا بالرجل إلى أن يفارق زوجته ليزني، وتخفّ عقوبته، وفي ذلك ما فيه من الفساد.
فإن قيل: إن الرجم أشدُّ العقوبات، وليس بأوسطها.
قلت: قد يقال: هو وسط في مقابل هذا الجرم الشنيع، كما قال بعض القدماء في بعض العقوبات: إن القتل لا يكفي عقوبةً لهذا الجرم، ولكن هو أقصى ما يمكن!
وفوق ذلك فإن الرب يتمِّم العدل بقضائه وقدره، فيستر هذا، ويفضح هذا، ويزيد هذا تتمةَ ما يستحقُّه من العقوبة، ويعوِّض هذا فيما إذا كان الذي ناله من العقوبة أشدَّ مما يستوجبه جرمه، وهكذا .. وههنا حقائق ودقائق، ليس هذا موضع بسط ما ندركه فيها.
بقي أنه قد صح أن الله تعالى أنزل آية في الرجم، ثم نُسِخت تلاوتها (١)، وهي: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ... ﴾.
فهل كان نزولها عند نزول آية الجلد، فقال النبي ﵌: "خذوا عني ... "، ويكون الشيخ والشيخة كناية عن الثيبين؟
أو كانت نزلتْ قبل نزول آية الرجم، وبعد نزول آية الإيذاء، فبينتْ سبيلًا
стр. 21
للشيخ والشيخة، وترك التخفيف على الشبّان إلى أن نزلت آية الجلد، فنسخت آية الشيخ والشيخة وآية الإيذاء معًا بفرض الجلد على البكر، والرجم على الثيب؟
أو كان نزولها قبل آية الإيذاء أو معها، فكان الرجم على الشيخ والشيخة، والإيذاء خاصًّا بالشبان؟
الأشبه بسنة الله تعالى في تدريج الأحكام أن تكون نزلت بينهما، فشُرع أولًا الإيذاء فقط، لقرب العهد بالجاهلية، ثم شُرع رجم الشيخ والشيخة، وأُبقي حكم الشبان على الإيذاء، ثم تُرك اعتبار الشيخوخة والشباب، وأُبدل باعتبار الإحصان وعدمه، لأن المتزوج من الشبان في معنى الشيخ، وشُدِّد في الحد، والله أعلم.
وهذه المسألة تحتاج إلى بسطٍ أزيدَ من هذا، وفيما ذُكر كفاية، والمقصود أن الحكمة تقتضي أن يكون بناء الحكم على الغالب فقط.
أسباب التملك
[ ... ] أسباب التملك، فالغالب أن الابن يكون أحقَّ بمال أبيه [ ... ] يكون مستحقًّا في نفس الأمر لما وهب له، ولكن قد يتفق أن يكون [ ... ] أسباب حتى جمع أموالًا كثيرة، ويكون له ابن سفيه عاقٌّ [ ... ] ونحو ذلك مما يضر الناس، ثم يموت الأب، فيرثه [ ... ] يهب ماله لشخص سفيه [ ... ] يرى أن استحقاق الابن أو الموهوب له لذلك المال فيه ما فيه، ومع ذلك فلو كان الربا مباحًا ... [ ... ] الرجل يعطي المقلِّين من أهل
стр. 22
الجدّ والعمل ماله بالربا، فيسعى كل منهم ويتعنَّى، وينتفع الناس بسعيه.
فقد يربح ما يفي بالربا، ولا يزيد له إلّا شيء تافه، أو لا يزيد له شيء أصلًا، أو يربح ما ليس يفي بالربا، أو لا يربح شيئًا، فيضيع تعبه، ويَخِيب أمله، ويَغْرَم الربا من ماله، وربما ينقص عليه من رأس المال، أو يتلف عليه رأس المال كله، فيغرم رأسَ المال والربا، يبيع حلي أهله أو عقاره أو بيته، فإن لم يكن عنده شيء أُهِين وسُجن. ثم إن أُطلِق بقي كل يوم مروعًا، كلما كدَّ واجتهد فحصل له دريهمات قام الطلب يتقاضاه، ويُهِينه ويتوعده.
وهكذا يبقى المال الذي وصل إلى ذلك السفيه، وفيه ما فيه، يبقى سالمًا له، وهو يربح فيه كل شهر أموالًا يمتصُّها من دماء أهل الكد والعمل، ويترفَّه بها، ويُسرِف فيها بدون أن يكون منه حركة تنفع الناس، بل حركاته تضرهم، وتُفسِد أخلاقهم، وتُخرب بيوتهم.
والغالب أن الذين يتكسبون بالمراباة هم هؤلاء الذين يريدون أن يعيشوا في راحة ورفاهية، يمتصُّون دماء العمال بدون تعب ولا عناء، وتبقى رؤوس أموالهم محفوظة، بل يربحون فيها أرباحًا أوثق من أرباح التجارة.
ثم يوشك أن تعم البلوى، فكل من وقع بيده مال، قال: مالي وللمخاطرة برأس المال مع التعب والعناء بزراعة أو صناعة أو تجارة؟ هذا باب الربا يبقى فيه رأس المال محفوظًا غالبًا، ويحصل فيه ربح محقق، ولا تعب ولا عناء.
فيطبقون على ذلك، فلا يلبث أن تنحصر الأموال في أيدي السفهاء الذين لا شغل لهم إلَّا اللهو واللعب، ويصير أهل الجدّ والعمل عبيدًا لهم.
стр. 23
فمنعُ الربا يضطرُّ كلَّ فرد من الأفراد إلى أن يكون عضوًا عاملًا نشيطًا، ينفع الناس وينتفع، ويفتح باب الغنى لأهل الكد والعناء، ويستخرج الأموال من أيدي من لا يستحقها.
يقول الشرع لمن حصل في يده مال: كن رجلًا، فاعملْ وجِدَّ واجتهدْ، واطلب الربح، فإن أبيتَ فاكنِزْه وكلْ منه، وأدِّ كل سنة ضريبةً عليه (الزكاة) حتى يفنى. [وإن] أردتَ مع ذلك صنعَ الخير في الجملة، فأقرِض الناس قرضًا حسنًا.
[ص ١٥/ ١] إن قال قائل: قد بان الفرق بين البيع والربا، واتضح وجه إحلال البيع وتحريم الربا، لكن في الجملة، فأما التفصيل فبقي شيء، وهو أن الفقهاء يحللون بيع السلعة نَساءً بأكثر من ثمنها [ويحللون] السلم فيها إلى أجل يدفع أقلَّ من ثمنها عند العقد، وعند الأجل.
فيجوِّزون بيع عشرة آصُعٍ طعامًا بخمسة عشر درهمًا نَساءً، وإن كان قيمتها نقدًا عشرة [ويجوزون] أن يسلم الرجل عشرة دراهم في خمسة عشر صاعًا إلى الحصاد مثلًا، مع أن السعر حين العقد عشرة آصع [بعشرة] دراهم،، وقد يكون عند الحصاد اثنا عشر صاعًا بعشرة دراهم.
فما الفرق بين هاتين المسألتين، وبين إقراض عشرة آصع بشرط رد خمسة عشر، وإقراض عشرة دراهم بشرط رد خمسة عشر درهمًا.
فعن ذلك أجوبة:
الأول: أن الناس كما يحتاجون إلى شرع البيع نقدًا وشرع القرض، فكذلك إلى شرع البيع نَساءً وإلى السلم؛ لأن الإنسان كثيرًا ما يحتاج إلى
стр. 24
الطعام، وليس عنده ثمنه، ولا يجد من يُقرِضه، فيحتاج إلى اشترائه بنسيئة، وقد يحتاج إلى طعام مخصوص فلا يجده في السوق، فيحتاج أن يُسلِم فيه، ليذهب المُسلَم إليه، فيفتش عنه طمعًا في الربح، وقد يخشى أن يسبقه الناس إلى الطعام عند حصاده، ولاسيما التجار، فيبادر بالإسلام فيه، ليأمن أن يسبقه غيره، ويحتاج صاحب الأرض إلى دراهم فلا يجد من يُقرِضه، فيطلب من يُسلِم إليه في طعام إلى الحصاد.
فلو حُرِّم أن يباع الطعام وغيره من السلع نَسيئةً إلَّا بمثل ثمنه نقدًا، لامتنع الباعة من ذلك؛ لأن أحدهم يقول للطالب: هذه الآصُع العشرة التي تطلبها بعشرة دراهم نَساءً، يرغب فيها غيرك بعشرة دراهم نقدًا، فأي الأمرين أنفع إليَّ: أبيعها نقدًا بعشرة دراهم، ثم أشتري بالدراهم سلعة أخرى طعامًا أو غيره، ثم أبيع بربح، وهكذا .. فقد لا يجيء الحصاد إلا وقد ربحت في العشرة عشرة ربحًا حلالًا، أم أبيعك إياها بعشرة دراهم إلى الحصاد؟
ويقول صاحب الدراهم لصاحب الأرض: أيهما خير لي، أشتري بالعشرة الدراهم عشرة آصُعٍ نقدًا ثم أبيعها، ثم أشتري وأبيع، فقد لا يجيء الحصاد إلا وقد ربحت في العشرة عشرة ربحًا حلالًا، وحينئذٍ أشتري منك أو من غيرك بعشرة دراهم خمسة عشر صاعًا، أو أقل من ذلك وأكثر من عشرة، أم أُسلِمها إليك في عشرة آصُعٍ إلى الحصاد؟
أقول: فلو مُنِع من الزيادة أدى ذلك إلى انقطاع بيع النَساء والسلم، وفي ذلك من الضيق ما فيه، ولعلَّ الناس يضطرون حينئذٍ إلى ارتكاب ما حرمه الشرع، وارتكابُ حرامٍ واحدٍ يُجرِّئ على ارتكاب غيره، وفي ذلك من الفساد ما فيه.
стр. 25
فأما القرض فإن المنع فيه من الزيادة لا يؤدي إلى انقطاعه؛ لأن الناس حريصون على كنز ما تغلب الحاجة إلى إقراضه، وهو النقد والطعام.
والقرض مع التوثق أنفع لهم من الكنز، هذا مع ما يتبع [القرض] من الفوائد التي تقدم ذكرها.
الجواب الثاني: أن الربح الذي يُرجى للمقرض لو لم يقرض، وللبائع بنسيئةٍ لو باع بنقد، وللمُسلِم لو لم يُسلِم، إنما يُرجى لهم إذا اتَّجروا وباعوا واشتروا، فإذا أقرض ذاك، وباع [هذا] بنسيئة، وأسلم هذا، فمن يعلم أنهم لو لم يفعلوا ذلك [ ... ] يتَّجرون ويبيعون ويشترون، أم يكنزون. [ص ١٥/ ٢] ذلك غيب لا يعلمه إلا الله ، وأقرب ما يتصور أن يُناط به الحكم نيتهم، ولكن النية أمر خفي أيضًا؛ لأنه لا يُعلم إلا من جهتهم، ولا ينبغي تصديقهم؛ لأنهم يتّهمون، فقد يكون نية أحدهم الكنز، ولكن إذا علم أنه لا يحكم له بالزيادة إلا [ ... ن] يريد أن يتجر ويبيع ويشتري، حملَه حبُّ الربح على دعوى ذلك.
فاقتـ[ـضى ذلك أن] يناط الحكم بضابط ظاهر يطلع عليه العاقدان والشهود والحكام وغيرهم، فكان أقرب ما يفي بهـ[ـذا ... ] اعتبار العوض، فإذا كان العوض من جنس المدفوع أو ما يقرب منه كان شرط الزيادة ربا؛ لأن تحري المعطي أن يكون العوض كذلك قرينة على أنه ينوي كنز هذا الجنس.
وإن كان العوض مباينًا للمدفوع كان الربح حلالًا؛ لانتفاء الضابط القائم مقام نية الكنز.
стр. 26
هذا إذا سارت المعاملة سيرًا طبيعيًّا، فأما إذا كانت لو جرت على طبيعتها لكانت من الأول، ولكن احتال العاقدان أو أحدهما حتى صوراها بصورة الثاني ــ كما يأتي في العِينة ــ فإنه يجب أن تردَّ إلى سواء الطريق، فيحكم فيها بحكم الأول.
وهكذا ينبغي في عكس ذلك إذا كانت هناك تهمة، كأن يَعْمِد وصيٌّ إلى سلعة من مال يتيمه فيبيعها، ثم يقرض ولده ثمنها إلى أجل، فينبغي أن يغرم ما نقص من ثمن السلعة لو باعها إلى مثل أجل القرض.
فأما حيث لا تهمةَ فلا، كأن يلتمس زيد من عمرو قرضًا، فيقول له: ارجع إليّ بعد ساعة، ثم يبيع سلعة من رجل ثالث بدراهم نقدًا، ويُسلِم الدراهم إلى زيد قرضًا حسنًا.
فإن سمِّيتْ هذه حيلةً فهي حيلة يقصد بها فعل الخير والمعروف، فلا ينبغي إبطالها.
فإن قلت: فإذا أقرض تاجرٌ رجلًا دراهم، وشرط عليه زيادة، والمقرض يدعي أنه كان يريد أن يتجر بدراهمه، واعترف المستقرض بذلك.
قلت: لا التفاتَ إلى اعتراف المستقرض؛ لأنه نفسه متهمٌ بأنه يُمهِّد باعترافه هذا لأن يقترض من صاحبه ثانيًا وثالثًا وهكذا، ويخاف إن لم يعترف له تلك المرة أن لا يقرضه مرة أخرى، وقد حرم الشارع الأخذ بالربا، كما حرم الإعطاء به، مع أن النية غيب لا يدركها المستقرض تحقيقًا، وإنما يمكن الاستدلال عليها بقرائن، وقد تكون تلك القرائن مصطنعة، والقرينة الواضحة نادرة.
стр. 27
وفوق ذلك فالشارع قد عدل كما اقتضته الحكمة عن النية، وناط الحكم بصفة العوض كما علمت، فصار هو المعتبر كما تقرر في الأصول.
فالقصر في السفر الطويل حكمته المشقة، ولكن لعدم انضباطها نِيط الحكم بالسفر الطويل، فاستمر الحكم حتى في حق من سافر سفرَ رفاهيةٍ لا مشقةَ فيه.
وبهذا عُلم الجواب عما قد يتوهم أن المقرض بشرط زيادة إذا كان يعلم من نفسه أنه كان يريد أن يتجر بالدراهم، فربما يحل له أخذ الزيادة فيما بينه وبين الله، وإن لم يحل له في الحكم الظاهر.
فإن قيل: إذا صار المدار على صفة العوض، فلماذا تُبطِلون الحيل، كالعِينة وغيرها؟
فالجواب: أننا لم نُبطِلها لدلالتها على نية الكنز، وإنما أبطلناها لأنها فرار من حكم الشرع، واحتيال عليه، وعدول بالمعاملة عن مجراها الطبيعي بتكلف صورة مصطنعة، كل ذلك لهوى النفس، ولو أبيحت لتحرَّاها كل من يريد الربا، فيبقى الحكم الشرعي معطَّلًا عن غايته، معزولًا عن فائدته.
فأما النية وحدها فلم نعتدَّ بها، فإننا نقول فيمن كان عنده سلعة يريد أن يبيعها بعشرة نقدًا، ويكتنز العشرة: إنه لو وجد راغبًا في تلك السعلة بخمسة عشر نساءً، فباعها منه، لم يكن ذلك ربًا ولا حرامًا.
ونقول فيمن كانت عنده عشرة دراهم يريد اكتنازها، ثم جاءه راغب في السلم، فأسلمها إليه في [ ... ] عن السعر الموجود حال العقد وعند الأجل، لم يكن ذلك ربًا ولا حرامًا.
стр. 28
[ص ١٥/ ٣] وهذا كما تقرر في الشريعة أن قصر الصلاة لا يحل لمجرد المشقة بدون سفر. فتدبر!
فإن قيل: المقصود هو العدل، وهذا الحكم لا يفي به، فإن من كانت نيته التجارة، ولكنه آثر القرض لحاجة المستقرض حالًا هو في نفس الأمر مستحقّ للتعويض عما فاته من الربح، ومن كانت نيته الكنز ولكنه باع نساءً، أو أسلم طمعًا في الربح من هذه الجهة، لم يكن مستحقًّا للتعويض.
قلت: أما المقرِض؛ فإن لم يشترط زيادة فلا إشكال، فإنه قد رضي عوضًا عن ربحه الذي كان يرجوه بما حصل له من فوائد القرض التي تقدمت، ومنها الأجر، وصنع المعروف إلى المستقرض.
وإن اشترط الزيادة فإن كان قد علم بالحكم فحرمانه من الزيادة عقوبة له على مخالفة الشريعة، مع أنها لم تَحْتِمْ عليه أن يقرض، وإن كان لم يعلم فسيأتي جوابه.
وأما البائع نسيئةً، والمعطي سلمًا؛ فإن ما يناله من ربح يكون عوضًا عما يفوته من الربح في القرض، كما أن المقرض بزيادة جاهلًا بالحكم يحرم من الزيادة حكمًا، ويكون ذلك في مقابل ما يربحه إذا باع نَساءً أو أسلم، ولم يكن يريد التجارة.
فإن قلت: قد يكون الإنسان يُقرِض وهو يريد التجارة، ولا يُنسِئ ولا يُسلِم، وقد يكون يُنسِئ ويُسلِم مع أنه كان ينوي الكنز، ولا يُقرِض أبدًا، وقد يُقرِض مشرقيًّا، ويُنسِئ مغربيًّا، فكيف هذا؟
قلت: قد قرَّرنا سابقًا أن القوانين لابد أن تُناط بأمر ظاهر منضبط، ثم لا يضرها تخلُّفُ الحكمة في بعض الصور النادرة.
стр. 29
وهذا أمر معقول معمول به عند العقلاء، فالحكومات تعلن في أوقات الخوف منع الخروج ليلًا، ويعترف العقلاء بأن ذلك وفق المصلحة، ولا يمنعهم من ذلك احتمال أن يكون رجل قد ترك أطفاله جياعًا، وذهب يلتمس لهم طعامًا، فلم يظفر بالطعام حتى جنَّ عليه الليل وهو في بيت بعض معارفه، فيمنعه حكم الحكومة من الرجوع إلى بيته، وفي ذلك هلاك أطفاله. وقد يعم المنع الرجال والنساء، وتكون امرأة مرضع قد خرجت فجنَّ عليها الليل في بيت بعض معارفها، فيمنعها الحكم من الرجوع إلى بيتها، فيموت طفلها جوعًا.
وتعلن الحكومات في أوقات الخوف: أن من رآه الشرطة في الطرق ليلًا ينذرونه، فإن ارتابوا به ضربوه بالرصاص، فقد يصادف أن يكون رجل ضعيف مسالم، لكنه أصمُّ، ولم يعلم بالإعلان، فخرج يلتمس قوتًا لنفسه أو لأطفاله، فصاح عليه الشرطة، فلم يسمع لصممه. وأمثال هذا كثير.
بل في القوانين الفطرية ما هو بهذا المعنى، فالمطر ضروري لحياة العالم، وقد يهدم بيت العجوز، ويفسد بضاعة التاجر، ويقتل طفل المسافر، وأشباه ذلك.
لكننا قد قدَّمنا أن القوانين الشرعية يَجْبُر واضعها ما قد ينشأ عنها من خلل، فيقضي ويقدر ما يتم به العدل، وهو سبحانه المحيط بكل شيء علمًا وقدرةً، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس ٨٢ - ٨٣].
стр. 30
[ص ١٥/ ٤] الدين الممطول به والمال المغصوب
قد يقال: الحجج المتقدمة إنما تُبطِل الربا إذا كان في مقابل أجل قد رضي به الطالب، فأما الدين الممطول به والمال المغصوب فلا يظهر فيه ذلك، فإن التاجر إذا أقرض رجلًا دراهم أو طعامًا على شرط أن لا يؤخِّره عن شهر مثلًا، فأخَّره سنةً مثلًا، ففي ذلك ضرر شديد يلحقُ التاجرَ بدون رضاه ولا رضا الشرع، أفليس من العدل أن يفرض على الماطل ربح المال مدةَ المَطْل عقوبةً له، وجبرًا لما فات التاجرَ من الربح لو كان عنده؟
ومثل هذا يقال فيمن باع أو أسلم إلى أجل، فمطلَه صاحبه بعد الأجل، وهكذا يقال في الغاصب، وقد قال الشافعي (١): إن على من غصب دابةً أو دارًا فعليه أجرتها مدة الغصب، وإن لم يستعملها.
الجواب: أما المعسر في الدين فقد فرض الله تعالى إنظاره لعذره، فلا إشكال.
وأما الموسر فإنما لم تضمنه الشريعة ربحًا؛ لأن الربح لا ينضبط، فلو فرضنا أن الدين دفع إلى صاحبه، فمن يعلم أكان يتَّجر فيه أم لا؟ وإن اتَّجر أفيربح أم يخسر أم يتلَفُ المال؟ وإن ربح فما مقدار الربح؟ وما مقدار التعب؟ وقد حصل له فوائد من بقاء الدين في ذمة المدين تُعلم مما قدمناه في فوائد المقرض.
فلما كان هذا لا ينضبط عدلت الشريعة عنه إلى شرع عقوبة الماطل بالحبس والتعزير، وترك الاستقصاء إلى عالم السر وأخفى، فهو سبحانه
стр. 31
يعوِّض الممطولَ عما علم أنه فاته، ويعاقب الماطلَ عما علم أنه فوَّته.
والطاغوت الذي يقضي بالربح إنما يضبطه بما جرى به العرف في الربا، والربا في الشريعة باطلٌ، فلا يصح أن يُضْبط به.
وفي القوانين الطاغوتية كثير من الأحكام التي يَعْدِلون فيها عن تعويض من حصل عليه النقص إلى عقوبة الظالم، فلا وجه لأن يستبعدوا على رب العالمين أن يقضي بشيء من هذا الضرب، فيما نعلم أنه لا يمكن وضع قانون مطابق للعدل يمكن أن يعرفه الناس، ويستطيعون تطبيقه.
[ص ١٥/ ٥] ومع هذا فقد أمر الله تعالى بالتعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك نَصْب الحكام، وإقامة الأحكام، فإن كان في بلد المتداينين حكومة تقيم الحق، فالممطول متمكن من الشكوى إلى الحاكم وقتَ حلول الدين، فإن أخَّر مع قدرته فهو المقصِّر.
ولو شُرِع تضمينُ الماطل بربح مالًا يوشك أن يتراخى الممطول عن المطالبة أو عن الجدِّ فيها، ليأخذ الربا، فصار كأنه أقرض بشرط الربا، ويوشك أن يقول الرجل لمن يُداينُه: اكتب الدين إلى أجل ثلاثة أيام فقط، ومع ذلك لك أن تؤخره شهرين أو ثلاثة مثلًا، ولكن بربا، فإن أعطيتني الربا فذاك، وإلا ادعيتُ عليك عند الحاكم: أنك مَطلتَني، فيحكم عليك بالربا.
وأما القرض فالأمر فيه أظهر، فإن أكثر العلماء يقولون: إنه لا يؤجل، فعلى هذا ربما أقرض الرجل صاحبه، وصاحبه يؤمِّل أن لا يطالبه إلا بعد شهرين مثلًا، فتربص المقرض حتى أنفق المستقرض المال ثم طلبه، فلا يتمكن المستقرض من قضائه حينئذٍ، فيقول: قد مطلني، فأنا أطلب منه الربا.
стр. 32
وأما إذا لم يكن في البلد حكومةٌ قائمة بالحق، فأهلها كلهم مقصِّرون، ومن دخل عليه ضرر بسبب تقصيره ينبغي أن لا يُجعل له مخرجٌ منه، بل يُشدَّد عليه حملًا له على الرجوع عن التقصير والقيام بالواجب. والله أعلم.
وعلى هذا القياس يكون الكلام في الغصب، إلا أن هناك مسائل يختلف فيها العلماء، منها: أن يتَّجر الغاصب بالمغصوب فيربح، فمذهب بعض العلماء ــ كالإمام أحمد ــ أن الربح لصاحب المال لا للغاصب، ومذهب بعضهم ــ كالإمام أبي حنيفة ــ أنه للغاصب، ولكن لا يحل له، بل يجب عليه التصدق به.
وهناك أقوال أُخر، لسنا بصدد استيفائها، ولا الترجيح بينها، وإنما يلزمنا ههنا الفرق بين الغصب والدين، فنقول: الفرق عندهم أن الغاصب في هذه المسألة اتجر بعين المال المغصوبة، وربح فيها، وأما المدين فالدين في ذمته، وليس هو عينًا معينة، ومع ذلك فيقولون جميعًا: إذا لم يتجر في العين المغصوبة لا يلزم ربح، وإنما يقول بعضهم ــ كالشافعي ــ بوجوب الأجرة على غاصب الدار والدابة ونحوها، وإن لم يستعملها؛ لأن النقص الذي دخل على المالك بالغصب يمكن ضبطه بأجرة المثل، فليس كالربح الذي لا ينضبط كما مر. والله أعلم.
* * * *
стр. 33
الربا مع الحربي
أجاز أبو حنيفة ﵀ أن يُربي المسلم المستأمن في دار الحرب مع من فيها من حربي، أو مسلمٍ أسلم فيها ولم يهاجر، وعلَّله أصحابه بأن مال أهل دار الحرب مباح، وإنما يحرم على المستأمن أن يغدر بهم، وأخذ أموالهم برضاهم ليس بغدر.
وخالفه الجمهور حتى صاحبه أبو يوسف، ومن حجتهم أن تحريم الربا مطلق في الأدلة الشرعية، وقد دلت الأدلة أن فيه حقًّا لله تعالى، ولذلك لا يُحِلُّه رضا مُعطيه في دار الإسلام اتفاقًا.
وقد سمَّى الله الربا ظلمًا، وظلم الحربي لا يجوز ولو برضاه، كما لو رضي حربي بأن يقتله المستأمن.
وقد احتُجَّ لأبي حنيفة ﵀ بما رُوي أن العباس عم النبي ﵌ كان يُربِي مع المشركين قبل فتح مكة (١)، وكان النبي ﵌ يعلم بذلك ولم ينهه.
وفي هذه الحجة نظر؛ لأن ما حُكِي أن إسلام العباس ﵁ قديم (٢) لم يثبت، ولوجوهٍ أُخر لا حاجة بنا الآن إلى بسطها. والله أعلم.
* * * *
стр. 34
[ص ١٥/ ٦] المضاربة
سَنَّت الشريعة طريقًا لذوي الأموال من العجزة والكُسالى يمكنهم أن يربحوا فيها، ولكن بدون ضرر على غيرهم، وهي المضاربة، وهي أن يدفع الرجل إلى آخر دراهم يتَّجر فيها، على أنه إن ربح كان الربح بينهما، ولكنه إن لم يربح شيئًا لم يلزمه شيء، بل إن تَلِفَ بعض رأس المال أو كله لم يلزم العاملَ شيء، بل يكفيه ضياع تعبه، وخيبة أمله.
وهذه الطريق فتحت بابًا لخروج الدراهم من يد الغني لتلعب دورها في المعاملات، فينتفع بها الناس كما تقدم.
ولا يخشى أن تؤدي إلى الكسل والانهماك في التنعُّم؛ لأن فيها خطر ضياع رأس المال، فصاحب المال لا يختارها إلا وهو عاجزٌ على الحقيقة غالبًا، وليس فيها ظلمٌ ولا هضمٌ.
وفوائد المقرض التي تقدمت لا تحصل للمعطي مالَه مضاربةً، وكذلك المضارُّ التي تكون في الربا لا تكون في المضاربة، فيكون في المضاربة رجاء الربح من المالك والعامل، والمخاطرة من كل منهما، المالك يخاطر بماله، والعامل يخاطر بعمله.
وهذا هو العدل القويم، والقسطاس المستقيم، والحمد لله رب العالمين.
* * * *
стр. 35
وجوه الربا
لا فرق بين أن يُقرِض بشرط الزيادة دفعةً واحدةً، أو يُقرِض بشرط زيادة مقررة في كل شهر مثلًا، أو يقرض بلا شرط زيادة، ثم يطالب بالقضاء، فيستمهل المستقرض فيمهله بشرط زيادة، أو يكون له عند رجل دين من غير القرض، كثمن وأجرة ونحو ذلك، فإذا حلَّ الأجل أمهله إلى أجل آخر بشرط زيادة.
هذا كله داخل في آية الربا كما سيأتي تحقيقه، والمعنى فيه واحد.
وهناك صور أخرى تحتاج إلى إيضاح:
منها: العِينة ، وهي أن يحتاج الرجل إلى القرض فلا يجد من يُقرِضه قرضًا حسنًا، فيتواطأ مع إنسان على أن يشتري المحتاج من صاحب المال سلعة بمائة درهم إلى أجل، ثم يبيعها المحتاج لصاحب المال بتسعين نقدًا مثلًا.
وتأويل ذلك أنه أخذ تسعين درهمًا على أن يرد مائة، وهذا هو عين الربا.
وقد اشتهر عن الشافعية تصحيح هذه المعاملة، فأما الإمام الشافعي رحمه الله تعالى فإنما يوجد في نصوصه تصحيح البيعين حيث لم يعلم نية السوء، ذكر في باب بيع الآجال من "الأم" (١) أثر عائشة: "أن امرأة سألتها عن بيعٍ باعته من زيد بن أرقم بكذا وكذا إلى العطاء، ثم اشترته منه بأقل من
стр. 36
ذلك نقدًا، فقالت عائشة: بئسَ ما اشتريتِ، وبئسَ ما ابتعتِ، أخبري زيد بن أرقم [ص ١٦] أن الله قد أبطل جهاده مع رسول الله ﵌ إلا أن يتوب".
ثم ساق الكلام عليه، وفيه أن القياس يوافق فعلَ زيد، ثم قال: "فإن قال قائل: فمن أين القياس مع قول زيد؟
قلت: أرأيتَ البيعة الأولى أليس قد ثبت بها عليه الثمن تامًّا؟
فإن قال: بلى.
قيل: أفرأيت البيعة الثانية أهي الأولى؟
فإن قال: لا.
قيل: أفحرامٌ عليه أن يبيع ماله بنقدٍ، وإن كان اشتراه إلى أجل؟
فإن قال: لا، إذا باعه من غيره.
قيل: فمن حرَّمه منه؟
فإن قال: كأنها رجعت إليه السلعة، أو اشترى شيئًا دينًا بأقلَّ منه نقدًا.
قيل: إذا قلتَ: "كأنَّ" لما ليس هو بكائن لم ينبغِ لأحد أن يقبله منك، أرأيت لو كانت المسألة بحالها، فكان باعها بمئة دينارٍ دينًا واشتراها بمئة أو بمئتين نقدًا؟
فإن قال: جائز.
قيل: فلا بد أن تكون أخطأت "كأن" ثَمَّ أو ههنا؛ لأنه لا يجوز له أن يشتري مئة دينار دينًا بمئتي دينار نقدًا.
стр. 37
فإن قلت: إنما اشتريت منه السلعة.
قيل: فهكذا كان ينبغي أن تقول أولًا، ولا تقول: "كأن" لما ليس هو بكائن.
أرأيت البيعة الآخرة بالنقد لو انتقضت أليس تُردُّ السلعة، ويكون الدين ثابتًا كما هو، فتعلم أن هذه بيعة غير تلك البيعة؟
فإن قلت: إنما اتهمته.
قلنا: هو أقل تهمة على ماله منك، فلا تركن عليه إن كان خطأً، ثم تحرِّم عليه ما أحلَّ الله له؛ لأن الله أحلَّ البيع وحرَّم الربا، وهذا بيع وليس بربا". "الأم" (ج ٣ ص ٦٨ - ٦٩) (١).
أقول: السياق صريح في أن كلام الشافعي ﵀ خاص بما إذا لم تقع بينهما مواطأة، ولا قامت دلالة ظاهرة على قصد الاحتيال، وصورة ذلك مثلًا أن يَعْمِد رجل فيشتري ثوبًا بعشرة دراهم إلى أجل، ثم يتفرقان، ثم يعود المشتري إلى البائع، فيعرض عليه الثوب بتسعة دراهم نقدًا، فيشتريه منه.
فالشافعي رحمه الله تعالى يقول: لا وجه لاتهام المشتري الأول بأنه إنما اشترى توصلًا إلى الأخذ بالربا، وهناك ما يُبعِد اتهامه، وهو أن المعروف من حال الإنسان أنه لا يرضى بضياع ماله، وإذا اتهمنا هذا الرجل بالنية المذكورة كنا قد اتهمناه بأنه أراد من أول الأمر ضياع درهم من ماله، فالأولى أن يحمل على أنه اشترى الثوب رغبةً فيه، ثم عرضتْ له حاجة، أو اطلع على غبن، فعاد فباعه.
стр. 38
وقوله: "فلا تركن عليه" صوابه: "فلا تَزْكَنْ عليه"، من الزكن، وهو الظن، أي: لا تتهمه إن كان زكنك خطأً لا دليل لك عليه.
ويعلم مما تقدم أنه لو علم تواطؤهما على التوصل إلى الربا، أو اعترفا بأن نيتهما ذلك، صحَّ الحكم بحرمته.
وكذلك إذا كانت النية التوصل، ولم يظهر لنا ذلك، فإن الحرمة ثابتة على الناوي.
ويبقى النظر في صورة البيع الأولى وصورته الثانية، الحكم ببطلانهما أو أحدهما، ففي "فتح الباري": "والتحقيق أنه لا يلزم من الإثم في العقد بطلانه في ظاهر الحكم، فالشافعية يُجوِّزون العقود على ظاهرها، ويقولون مع ذلك: إن من عمل الحيل بالمكر والخديعة يأثم في الباطن" (ج ١٢ ص ٢٧٤) (١).
ذكر ذلك بعد أن نقل عن "إعلام الموقعين" (٢) كلامًا فيه تنزيه الشافعي عما ينسبه إليه أصحابه، وفيها: "وكذا في مسألة العينة، إنما جوز أن يبيع [ص ١٧] السلعة ممن يشتريها، جريًا منه على أن ظاهر عقود المسلمين سلامتها من المكر والخديعة، ولم يجوِّز قطُّ أن المتعاقدين يتواطآن على ألف بألف ومئتين، ثم يحضران سلعة تحلل الربا، ولاسيما إن لم يقصد البائع بيعها، ولا المشتري شراءها".
وقال في "الفتح" أيضًا: "نص الشافعي على كراهة تعاطي الحيل في
стр. 39
تفويت الحقوق، وقال بعض أصحابه: هي كراهة تنزيه، وقال كثير من محققيهم كالغزالي: هي كراهة تحريم، ويأثم بقصده، ويدل عليه قوله ﵌: "وإنما لكل امرئ ما نوى"، فمن نوى بعقد البيع الربا وقع في الربا، ولا يخلِّصه من الإثم صورة البيع، ومن نوى بعقد النكاح التحليل كان محلّلًا، ودخل في الوعيد على ذلك باللعن، ولا يخلِّصه من ذلك صورة النكاح، وكل شيء قُصِد به تحريمُ ما أحلَّ الله أو تحليلُ ما حرَّم الله كان إثمًا، ولا فرق في حصول الإثم في التحيُّل على الفعل الحرام بين الفعل الموضوع له والفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة له". "فتح الباري" (ج ١٢ ص ٢٦٧) (١).
أقول: إذا ثبتت الحرمة أوشك أن يثبت البطلان، وقد قال الشافعية بحرمة الصلاة في وقت الكراهة وبطلانها، واستثنوا ما له سبب متقدم، أو مقارن كتحية المسجد، ثم قالوا: لكن لو دخل المسجد لأجل الصلاة في وقت الكراهة حرمت عليه الصلاة، ولم تصح؛ لأنه معاند للشرع، وهكذا قالوا في من قرأ في الصلاة آية السجدة ليسجد أنه إذا سجد بطلت صلاته.
فعلى هذا يلزمهم إبطال العِينة إذا كان المقصود من صورة البيع فيها هو أخذ ألفٍ بألفٍ ومئتين.
ودلائل البطلان كثيرة، ولكن المقصود ههنا إثبات الحرمة، والشافعية يوافقون عليها كما مر.
ومن تدبر المعنى علم أنها أشدُّ من حرمة الربا الصريح، قال البخاري
стр. 40
في كتاب الحيل من صحيحه (١): "باب ما يُنهى عنه من الخداع في البيوع (٢)، وقال أيوب: يخادعون الله كأنما يخادعون آدميًّا، لو أَتَوا الأمرَ عيانًا كان أهون عليَّ".
قال في "الفتح": "قال الكرماني: قوله: "عيانًا" أي لو أعلنوا بأخذ الزائد على الثمن معاينة بلا تدليس لكان أسهل؛ لأنه ما جعل الدين آلة للخداع. انتهى. ومن ثَمَّ كان سالكُ المكر والخديعة حتى يفعل المعصية أبغضَ عند الناس ممن يتظاهر بها، وفي قلوبهم أوضعَ، وهم عنه أشدُّ نفرةً". "فتح الباري" (ج ١٢ ص ٢٧٣) (٣).
أقول: والباعث على هذه المعاملة قد يكون كفرًا، وقد يكون محاربةً لله فوق محاربته بأصل الربا، وقد يكون جهلًا، ولا يَغُرنَّك ما جازف به بعضهم فقال: "إن هذه المعاملة محمودة؛ لأنها فرار من الربا الذي حرَّمه الله إلى البيع الذي أحلَّه"، فإنها مغالطةٌ محضةٌ؛ لأن صورة البيع التي يأتي بها المتعاينان غير مقصودة لهما قصدًا صحيحًا، وإنما هو قصد محرم، وهو المخادعة لله ، والاحتيال عليه، والعناد لشرعه.
هذا، وقد حرَّم الله تعالى أكل أموال الناس بالباطل إلا أن تكون تجارةً عن تراضٍ، وليس هذه بتجارةٍ، فإن الآخذ لم يشترِ السلعة ليبيعها بربحٍ كما هو دأب التاجر، وقد تقدم بيان المعنى الذي أُحِلَّ لأجله التغابن في التجارة، وليس موجودًا ههنا.