عوض ولا طيب، لأن المغبون لو علم بثمن المثل لما زاد عليه، وإنما أحلَّها الله لمصلحة غالبة، كما سبق في القسم الأول. [ق ١٩] فأما ما أعطى بطيب نفس ــ كالصدقة والهبة والهدية والضيافة وغير ذلك ــ فإن له عوضًا من أجر أو حمد أو مكافأة أو نحو ذلك، وهكذا الزكوات والنفقات والديات الواجبة لها عوض كما مرَّ في القسم الأول.
وفسَّر جماعة «الباطل» بالحرام، فاحتاجوا إلى أن يقولوا: إن الاستثناء منقطع. ولا يخفى بُعْدُه.
وفي قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ كالإشارة إلى أن أخذ المال بغير حق ــ ولا سيما إذا كان باضطراره إلى إعطائه ــ كقتلِه، والناس يقولون: «ذبحَ فلانٌ فلانًا» إذ اغتنم حاجتَه فأقرضه عشرين صاعًا بشرط أن يردَّ ثلاثين مثلًا.
ومن السنة الحديث المشهور بل المتواتر الذي خطب به النبي ﵌ بمنًى في حجة الوداع، وفيه (١): «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» الحديث. وفي بعض طرقه (٢): «ألا لا يحلُّ مال امرئ مسلم إلّا بطِيْبٍ من نفسه». وقد عدَّ الفقهاء هذا من القواعد القطعية، حتى ردّ بعضهم أحاديثَ صحاحًا ظنَّ
стр. 177
مخالفتها لهذه القاعدة، منها حديث غرز الخشبة (١)، وحديث الأكل من الحوائط (٢)، وأحاديث وجوب الضيافة (٣) وغيرها.
إذا تقرر هذا فالزيادة المشروطة في القرض يأخذها المُقرِض باطلًا كما تقدم في القسم الأول، ولا يعطيها المستقرض بطيب من نفسه كما هو معلوم، فهي حرام بنصّ القرآن والسنة المقطوع بها.
وحديث «الصحيحين» (٤) وغيرهما عن عائشة وغيرها أنه ﵌ خطب الناس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد، فما بالُ رجالٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله تعالى. ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله تعالى فهو باطل وإن كان مئة شرطٍ. قضاء الله أحقّ، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق».
الإجماع
نقل صاحب الاستفتاء عن «شرح البخاري» (٥) للبدر العيني الحنفي
стр. 178
عبارةً، وفيها: «قد أجمع المسلمون نقلًا عن النبي ﵌ أن اشتراط الزيادة في السلف ربًا». ثم اعترضه بأن العيني اعترف في «شرح الهداية» (١) ــ وهو متأخر عن «شرح البخاري» ــ بأنه لم يثبت في هذا الباب النهيُ عن النبي ﵌.
أقول: لا منافاة بين كلامه في الموضعين، وإنما أراد أنه لم يثبت حديثُ: «كل قرض جرَّ منفعةً فهو ربا»، وعدم ثبوته بل وعدم ثبوت النقل من وجهٍ تقوم به الحجة على حدته لا يُنافي ثبوت الإجماع.
وهذا كما قالوا في المتواتر: إنه لا يُشترط في المخبرين به العدالة ولا الإسلام. وقد نقل الإجماع جماعة لا يُحْصَون من جميع المذاهب الإسلامية، فنقله الجصاص (٢) وأثبت أن لفظ الربا في القرآن ينتظم الربا بالزيادة المشروطة في القرض وبغيرها، كما تقدم عنه.
ونقله أيضًا الباجي في «شرح الموطأ» (٣)، ونقله الشافعية والحنابلة في كتبهم، واتفقت المذاهب الأربعة والزيدية والإمامية والخوارج وسائر المسلمين عليه، ولا يُعلَم أحد ممن يتسمى بالإسلام خالفَ فيه.
[ق ٢٠] بعض الآثار عن الصحابة والتابعين
أخرج البخاري في «صحيحه» (٤) في مناقب عبد الله بن سلام أنه قال لأبي بردة بن أبي موسى: إنك بأرضٍ الربا فيها فاشٍ، إذا كان لك على رجل
стр. 179
حقٌّ، فأهدى إليك حِمْلَ تِبْنٍ أو حملَ شعيرٍ أو حملَ قَتٍّ، فلا تأخذه فإنه ربًا». رواه من طريق شعبة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه، وقبل هذا اللفظ قصة.
وأخرج البخاري (١) في كتاب الاعتصام القصةَ عن أبي كريب عن أبي أسامة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده، فذكر القصة ولم يذكر قوله في الربا.
قال ابن حجر في «الفتح»: «زاد في مناقب عبد الله بن سلام ذكر الربا .... ووقعت هذه الزيادة في رواية أبي أسامة أيضًا، كما أخرجه الإسماعيلي من وجه آخر عن أبي كريب شيخ البخاري فيه، لكن باختصار فكأن البخاري حذفها». «الفتح» (ج ١٣ ص ٢٤٢) (٢).
ورواه البيهقي من طريق أحمد بن عبد الحميد الحارثي عن أبي أسامة، وفيه: «إنك في أرضٍ الربا فيها فاشٍ، وإن من أبواب الربا أن أحدكم يُقرِض القرضَ إلى أجل، فإذا بلغ أتاه به وبسَلَّةٍ فيها هدية، فاتّقِ تلك السَّلّة وما فيها». «سنن البيهقي» (ج ٥ ص ٣٤٩).
أقول: سعيد بن أبي بردة ثقة اتفاقًا، لم يتكلم فيه أحد، وقد قال الإمام أحمد: بخٍ ثبت في الحديث (٣).
وأما بُريد فإنه وإن وثَّقه جماعة فقد تكلم فيه آخرون. قال الإمام أحمد:
стр. 180
يروي مناكير، وطلحة بن يحيى أحبُّ إليَّ منه. وقال أبو حاتم: ليس بالمتين. وقال النسائي في «الضعفاء»: ليس بذاك القوي. وقال ابن حبان: يخطئ. وقال ابن عدي: «سمعتُ ابن حماد يقول: بريد بن عبد الله ليس بذاك القوي. أظنه ذكره (عن) البخاري» (١).
أقول: وكأن البخاري ﵀ إنما حذف ذكر الربا من أثر بُريد لمخالفته في سياقه من هو أثبتُ منه وهو سعيد، وليس هذا ببعيد من معرفة البخاري وبُعْدِ نظره.
وقد ذكر صاحب الاستفتاء هذا الأثر وخلَّط في بعض الأسماء، ثم أجاب عنه بوجوه:
الأول: أنه موقوف ليس في حكم المرفوع.
الثاني: أنه متروك العمل باتفاق الأمة.
الثالث: أنه يعارضه الأحاديث الصحيحة.
الرابع: أن في شرح «كشف الأسرار» (٢) للبزدوي في تفسير بيان القاطع التي تلحق (كذا) المجمل: «احتراز عما ليس بقاطعٍ ثبوتًا أو دلالةً، حتى لا تصير (كذا) المجمل مفسرًا بخبر الواحد ... ». يعني: فلا يصلح هذا الأثر لبيان الربا المذكور في القرآن.
стр. 181
فأما الأول فمسلَّم، ولكنه قول صحابي قد وافقه غيرُه من الصحابة، ولا يُعلَم لهم مخالف. ومثل ذلك تقوم به الحجة، وهو عند قوم إجماع.
وأما الثاني فمقصوده أن الأمة اتفقت على جواز قبول الهدية بعد القضاء. وعن هذا جوابان:
الأول: أن هذا خاص برواية بُريد، وهي مرجوحة كما علمت. وأما رواية سعيد فهي ظاهرة في الهدية قبل القضاء، وهي حرام باتفاق الأمة، وإنما أجازها بعض العلماء إذا تبيَّن أنها بريئة عن الربا، كما إذا كانت بين رجلين صداقة، وجرت عادة أحدهما بالإهداء إلى الآخر، ثم اتفق أنه استقرض منه قرضًا، ثم قبل القضاء أهدى إليه كما كان يُهدي إليه سابقًا. والأثر ظاهر فيما عدا هذه الصورة بدليل قوله: «إنك بأرضٍ الربا فيه فاشٍ».
الجواب الثاني: أن من أحلَّ الهدية عند القضاء أو بعده إنما ذهب [ق ٢١] إلى أن التهمة منتفية، وعلى هذا فإذا جرت عادة المستقرض بالإهداء إلى من يُقرضه كانت التهمة باقيةً، ولاسيما إذا كان متَّهمًا، وكأنه إنما يُهدِي إليه تمهيدًا لأن يستقرض منه مرةً أخرى.
وقد قال مالك (١) ﵀: «لا بأس بأن يَقْبِضَ من أسلف شيئًا من الذهب أو الورِق أو الطعام أو الحيوان ممن أسلفَه ذلك أفضلَ مما أسلفه، إذا لم يكن ذلك على شرطٍ منهما أو وَأْيٍ (٢) أو عادةٍ، فإن كان ذلك على شرط أو وأي أو عادة فذلك مكروه، ولا خير فيه ... فإن كان ذلك على طيب
стр. 182
نفس من المستسلف ولم يكن ذلك على شرط ولا وأيٍ ولا عادةٍ كان ذلك حلالًا لا بأس به».
قال الباجي في «شرحه»: «فأما الشرط فلا خلاف في منعه، وأما العادة فقد منع من ذلك مالك أيضًا. وأما أبو حنيفة والشافعي فيكرهانه، ولا يريانه حرامًا. والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك ... ». «المنتقى» (ج ٥ ص ٩٧).
وفي «مصنَّف ابن أبي شيبة» (١) عن ابن المسيب والحسن أنهما كانا لا يريان بأسًا بقضاء الدراهم البيض من الدراهم السود ما لم يكن شرطًا. وعن إبراهيم أنه لم يكن يرى بذلك بأسًا ما لم يكن شرطًا أو نيةً. وعن الشعبي: قيل له: الرجل يستقرض، فإذا خرج عطاؤه أعطى خيرًا منها، قال: لا بأس ما لم يشترط أو يُعطيه التماسَ ذلك. وعن الحكم وحماد قالا: إن لم يكن نوى فلا بأس. وعن الشعبي: قيل له: يُقرِض (٢) الرجل القرض وينوي أن يُقضى أجودَ منه، قال: ذلك أخبث.
أقول: فإذا جرت العادة بالزيادة أو الهدية، أوشك أن تصحبها النية. وهذا مَحملُ رواية بُريد لو صحت، بدليل قوله: «إنك في أرضٍ الربا فيها فاش»، وإذا فشا الربا في البلد أوشك أن تجري فيها العادة بذلك والنية، وإذا ثبتت العادة جاءت مفاسد الربا التي تقدمت في القسم الأول.
وأما الثالث فيعني صاحب الاستفتاء بالأحاديث الصحيحة الأحاديثَ الواردة في حسن القضاء. والجواب أنها إنما تعارض رواية بريد، وأما رواية
стр. 183
سعيد فسالمةٌ. على أننا نقول: يمكن الجمع بين الأحاديث وبين رواية بريد بما تقدم عن السلف، أنه إنما تحلُّ الزيادة والهدية إذا لم تجرِ بها عادة، ولم يكن النبي ﵌ ملتزمًا للزيادة، وفي حديث قضاء البعير ما يصرِّح بذلك، فإنه أمرهم بأن يقضوا الرجل بَكْرَه، فطلبوا فلم يجدوا إلا رباعيًّا، فذكروا للنبي ﵌ ذلك، فأمرهم بإعطائه. فظهر من ذلك أنه ﵌ لم يأمرهم بالزيادة أولًا، وإنما أمرهم بقضائه، فلو وجدوا بَكْرَه لقضوه إياه، ولو علموا من عادة النبي ﵌ قضاءَ الأفضل لما راجعوه.
وأما الوجه الرابع ففيه أمران: الأول: أنه مبني على أن ربا القرآن مجمل، وقد تقدم ردُّه. الثاني: أن المفسَّر عند الحنفية هو ما أوضح المراد به بحيث لا يبقى احتمال تأويل ولا تخصيص، فقول شارح «الكشف» أن المجمل لا يصير مفسرًا بخبر الواحد، إنما عنَى: لا يصير مفسرًا بهذا المعنى، كما يُعلم من مراجعته ومراجعة غيره من أصول الحنفية، وهم متفقون على أن خبر الواحد كافٍ لبيان المجمل بحيث تقوم به الحجة، وإن لم يصِرْ مفسرًا بالمعنى المذكور، بل قالوا كما في «تحرير ابن الهمام»: «إذا بُيِّن المجمل القطعي الثبوت بخبر واحدٍ نُسِب إليه، فيصير ثابتًا به، فيكون قطعيًّا». ثم قال: «ومنعه صاحب التحقيق وهو حقٌّ». انظر «التحرير والتقرير» (ج ٣ ص ٤٠).
وبهذا المعنى أجاب بعضهم عما أُورِد عليهم في قولهم: إن القعدة الأخيرة فرض في الصلاة، مع أنهم لم يحتجوا عليها إلا بخبر واحد، وخبر الواحد لا يفيد الفرضية على أصلهم. ولقولهم بقطعية المعنى الذي بيَّنه خبر الواحد المبيِّن لمجمل قطعي وجهٌ يؤخذ مما قررتُه في رسالة «العمل
стр. 184
بالضعيف»، فلا أطيل به هاهنا.
والمقصود أن صاحب الاستفتاء أوهَمَ أو توهَّم أن قول شارح «الكشف» يدل أن خبر الواحد لا يصلح بيانًا للمجمل القطعي. وهذا خطأ قطعًا. ومن عرف اصطلاحهم وتدبَّر كتبهم علم أنه إنما يريد أن خبر الواحد لا يصير به المعنى بحيث لا يحتمل تأويلًا ولا تخصيصًا، وهذا هو معنى المفسّر عندهم، فأما صيرورته مبينًا بحيث تقوم الحجة بذلك المعنى فأمرٌ ثابت عندهم اتفاقًا. والله أعلم.
[ق ٢٢] وروى البيهقي وغيره من طريق كلثوم بن الأقمر عن زر بن حُبيش قال: قلت لأبيّ بن كعب: يا أبا المنذر! إني أريد الجهاد فآتي العراقَ فأُقرِض، قال: «إنك بأرضٍ الربا فيها كثير فاش. فإذا أقرضتَ رجلًا فأهدى إليك هدية، فخذْ قرضَك واردُدْ إليه هديته». «سنن البيهقي (ج ٥ ص ٣٤٩).
وهو في «مصنف ابن أبي شيبة» (١) بلفظ: «إذا أقرضتَ قرضًا فجاء (٢) صاحب القرض يحمله ومعه هدية، فخُذْ منه قرضك (٣) ورُدَّ عليه هديتَه».
قال صاحب الاستفتاء: كلثوم بن الأقمر مجهول.
قلت: ذكره ابن حبان في «الثقات» (٤) وقال: روى عن جماعة من الصحابة، روى عنه أهل الكوفة، وهو أخو علي بن الأقمر».
стр. 185
وما تضمنه هذا الأمر من ردّ الهدية التي يُهديها المستقرض عند القضاء قد عرفت وجهه مما تقدم، وهو أنه علل ذلك بقوله: «إنك بأرضٍ الربا فيها كثير فاشٍ» أي: فالعادة والنية والتهمة أوجبت ذلك. وبهذا خرج عما دلَّت عليه الأحاديث في حسن القضاء كما سبق، والله أعلم.
وقال صاحب الاستفتاء في موضع آخر: أثر عبد الله بن سلام مضطرب ومعلول.
كذا قال، وهذه قاعدة أخرى له ولأستاذه في «شرح الترمذي»، يعمد إلى الأحاديث التي تخالفه وتكون بغاية الصحة، فيذكر اختلافًا لفظيًّا أو قريبًا منه أو معنويًّا والترجيح ممكن، فيزعم ذلك اضطرابًا قادحًا. وليس هذا سبيل أهل العلم، وكأنه أراد بالاضطراب هنا ما قدَّمناه من مخالفة رواية بُريد لرواية سعيد، وبالعلة مخالفة رواية بُريد لأحاديث حسن القضاء. وقد مرَّ الجواب عنها، والله أعلم.
وأخرج البيهقي من طريق ابن سيرين أن أبي بن كعب أهدى إلى عمر بن الخطاب من ثمرة أرضه فردَّها، فقال أُبي: لِمَ رددتَ عليَّ هديتي وقد علمتَ أني من أطيب أهل المدينة ثمرةً؟ خذ عني ما تردّ عليّ هديتي. وكان عمر ﵁ أسلفَه عشرةَ آلاف درهم. قال البيهقي: هذا منقطع. «سنن البيهقي» (ج ٥ ص ٣٤٩).
وانقطاعه أن ابن سيرين لم يدرك عمر. وقد أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» (١) من طريق أخرى عن ابن سيرين، وزاد فيه زيادة حسنة، ولكنه
стр. 186
انقلب متنه، ولفظه: أن أبيًّا كان له على عمر دينٌ، فأهدى إليه هديةً فردَّها، فقال عمر: إنما الربا على من أراد أن يُربي وينسأ.
أقول: وهو مع انقطاعه شاهد قوي لما مضى.
وأخرج أيضًا من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قال في رجل كان له على رجلٍ عشرون درهمًا، فجعل يُهدي إليه، وجعل كلَّما أهدى إليه هدية باعها، حتى بلغ ثمنُها ثلاثةَ عشر درهمًا، فقال ابن عباس: لا تأخذ منه إلّا سبعةَ دراهم. «سنن البيهقي» (ج ٥ ص ٣٤٩ - ٣٥٠).
[ق ٢٣] ردَّه صاحب الاستفتاء بأن أبا صالح لم يسمع من ابن عباس.
أقول: لم يتبيَّن لي مَن أبو صالح هذا، فإن هناك جماعة ممن يُكنى أبا صالح ويروي عن ابن عباس، ولا أدري من أين جزمَ صاحب الاستفتاء بأنه أبو صالح باذام مولى أم هانئ؟ فإنه هو الذي قال ابن حبان (١): إنه لم يسمع من ابن عباس.
وأخرج البيهقي بسندٍ على شرطِ مسلم عن سالم بن أبي الجعد ــ وهو من رجال «الصحيحين» ــ قال: كان لنا جارٌ سمَّاك عليه لرجلٍ خمسون درهمًا، فكان يُهدِي إليه السمك، فأتى ابن عباس فسأله عن ذلك، فقال: قاصّه بما أهدى إليك. (ج ٥ ص ٣٥٠).
وقال ابن أبي شيبة (٢): ثنا إسماعيل بن إبراهيم [عن أيوب] عن عكرمة
стр. 187
قال ابن عباس: «إذا أُقرِضْتَ قرضًا فلا تُهدِينَّ هديةَ كُراعٍ ولا هدية دابة».
كذا في النسخة، وقد سقط بين إسماعيل وعكرمة رجلٌ.
وقال أيضًا (١): ثنا خالد بن حيان عن جعفر بن برقان عن حبيب بن أبي مرزوق قال: سئل ابن عباس عن رجل استقرض طعامًا عتيقًا، فقضى مكانه حديثًا، قال: «إن لم يكن بينهما شرطٌ فلا بأسَ به».
حبيب لم يدرك ابن عباس.
وأخرج البيهقي وغيره بسند صحيح عن ابن سيرين عن عبد الله ــ يعني ابن مسعود ــ أنه سئل عن رجل استقرض من رجل دراهم، ثم إن المستقرض أفْقَر المقرِضَ ظهرَ دابته، فقال عبد الله: «ما أصاب من ظهر دابته فهو ربا». «سنن البيهقي» (ج ٥ ص ٣٥٠).
وأعاده بنحوه (ص ٣٥١) ثم قال: ابن سيرين عن عبد الله منقطع.
وقال ابن أبي شيبة (٢): ثنا إسماعيل بن علية عن التيمي عن أبي عثمان أن ابن مسعود كان يكره إذا أقرض دراهم أن يأخذ خيرًا منها.
أقول: هذا سند صحيح على شرط الشيخين.
وأخرج ابن أبي شيبة (٣) من طريق زيد بن أبي أنيسة أن عليًّا سئل عن الرجل يُقرِض القرض ويُهدى إليه، قال: ذلك الربا العجلان.
стр. 188
زيد لم يدرك عليًّا ﵇.
وقال أيضًا (١): ثنا إسماعيل بن إبراهيم ــ وهو ابن عُلية ــ عن يحيى بن يزيد الهُنَائي سألتُ أنس بن مالك عن الرجل يُهدِي له غريمُه، فقال: إن كان يُهدِي له قبلَ ذلك [فلا بأس]، وإن لم يكن يُهدي له قبلَ ذلك فلا يصلح.
وأخرجه البيهقي مطولًا مرفوعًا، ثم قال: ورواه شعبة ومحمد بن دينار فوقفاه. «السنن» (ج ٥ ص ٣٥٠).
وفي «الموطأ» (٢): مالك عن نافع أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: مَن أسلف سلفًا فلا يشترطْ إلّا قضاءَه.
وقد أخرجه محمد بن الحسن في «موطئه» (٣) ثم قال: وبهذا نأخذ، لا ينبغي له أن يشترط أفضل منه، ولا يشترط عليه أحسن منه، فإن الشرط في هذا لا ينبغي. وهو قول أبي حنيفة والعامة من فقهائنا.
أقول: وهذا موقوف في أعلى درجات الصحة.
وفيه (٤): مالك أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يقول: «من أسلف سلفًا فلا يشترِط أفضلَ منه، وإن كانت قبضة من علَفٍ فهو ربا».
وفيه (٥): مالك أنه بلغه أن رجلًا أتى عبد الله بن عمر فقال: يا أبا
стр. 189
عبد الرحمن! إني أسلفتُ رجلًا سلفًا واشترطتُ عليه أفضلَ مما أسلفتُه، فقال عبد الله بن عمر: «فذلك الربا ... السلف على ثلاثة وجوه: سلفٌ تُسْلِفه تريد به وجهَ الله فلك وجهُ الله، وسلفٌ تُسِلفه تريد به وجهَ صاحبك فلك وجهُ صاحبك، وسلفٌ تُسلِفه لتأخذ خبيثًا بطيب فذلك الربا».
وأخرج البيهقي عن فضالة بن عبيد أنه قال: «كلُّ قرض جرَّ منفعةً فهو وجه [من] وجوه الربا». «السنن» (ج ٥ ص ٣٥٠).
قال ابن حجر في «بلوغ المرام» (١): سنده ضعيف.
وروى الحارث بن أبي أسامة (٢) عن علي ﵇ قال: قال رسول الله ﵌: «كل قرض جرَّ منفعةً فهو ربًا».
قال في «بلوغ المرام» (٣): إسناده ساقط.
[ق ٢٤] وقال ابن أبي شيبة (٤): ثنا حفص عن أشعث عن الحكم عن إبراهيم قال: «كل قرضٍ جرَّ منفعة فهو ربًا».
وقد أخرجه محمد بن الحسن في «الآثار» (٥) عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم بلفظ: «كل قرض جرَّ منفعةً فلا خير فيه». قال محمد: وهو قول أبي حنيفة.
стр. 190
وقال ابن أبي شيبة (١): ثنا وكيع ثنا سفيان عن مغيرة عن إبراهيم أنه كره كل قرض جرَّ منفعةً.
وأخرج محمد في «الآثار» (٢) عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم في الرجل يُقرِض الرجلَ الدراهمَ على أن يوفيه خيرًا منها، قال: فإني أكرهه. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة.
وعن أبي حنيفة (٣) عن حماد عن إبراهيم في رجلٍ أقرض رجلًا ورقًا فجاءه بأفضلَ منها، قال: الورِق بالورِق، أكره له الفضل حتى يأتي بمثلها. قال محمد: ولسنا نأخذ بهذا، لا بأس ما لم يكن بشرط اشترط عليه، فإذا كان اشترط عليه فلا خير فيه، وهو قول أبي حنيفة.
وقال ابن أبي شيبة (٤): ثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: إذا كان للرجل على الرجل الدينُ فأهدى له ليؤخر عنه، فليحسُبْه من دَينه.
ثنا جرير (٥) عن منصور ومغيرة عن إبراهيم قال: إذا كان ذلك قد جرى بينهما قبل الدين يدعوه ويدعوه الآخر ويكافئه، فلا بأسَ بذلك، ولا يحسُبه من دينه.
стр. 191
وقال أيضًا (١): ثنا [ابن] إدريس عن هشام عن الحسن ومحمد أنهما كانا يكرهان كل قرض جرَّ منفعةً.
وقال أيضًا (٢): ثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي غَنية عن أبيه عن الحكم قال: كان يُكْرَه أن يأكل الرجل من بيت الرجل وله عليه دين، إلّا أن يحسُبه من دَينه.
ثنا وكيع (٣) عن شعبة عن أبي إسحاق عن ابن عمر قال: يُقاصُّه.
وأخرج (٤) عن الشعبي أنه قال: إن كان لك على الرجل الدينُ فلا تُضيِّفْه.
وعن الحسن (٥) أنه سئل عن السَّفْتَجة فقال: إنما يُفعَل ذلك من أجل اللصوص، لا خير في قرضٍ جرَّ منفعةً.
[ق ٢٥] فهذه نصوص الصحابة والتابعين ما بين صحيحٍ وما يقرب منه كلها متفقة على المنع من الزيادة المشروطة وتحريمها، وبعضها مصرحة بأن ذلك هو الربا، وبعضها تُلحِق بذلك الهدية التي يُهديها المستقرض قبل الأداء طمعًا في أن يُمهِله المقرِض (٦)، فلا يعجل عليه في المطالبة.
стр. 192
وبعضها ألحق بذلك الهدية عند الوفاء إذا كان بأرضٍ [يكون] الربا فيها فاشيًا، وبينّا أن الوجه في ذلك هو اتهام المستقرض بأنه إنما أهدى تلك المرة ترغيبًا للمقرِض في أن يُقرِضه مرةً أخرى، وهذه التهمة إنما تقوى عند فُشوِّ الربا. وبعضها بيَّن أن في معنى الزيادة كل منفعة لها قدْرٌ، كركوب الدابة ونحوه.
وبعضها أطلق أن كل قرض جرَّ منفعةً فهو ربا.
وهو محمول على ما عدا ما صحت به السنة من الأمر بحسن القضاء، فإمَّا أن يقال: هو عام مخصوص، وإما أن يقال: إنه لا يتناول حسنَ القضاء، لأن قوله «جرَّ» يُشعِر بأنه اجتلبها قسْرًا، فإنَّ الجرّ يَقْسِر المجرور على المجيء، والقرض إنما يَقْسِر المنفعة على المجيء إذا كانت مشروطة أو في قوة المشروطة. فأما الشكر الذي يتبرع به المستقرض فلم يَقْسِره القرض، لأن المقرض لم يطلبه. وكون القرض باعثًا عليه في الجملة لا يكفي لأن يقال: إنه جرَّه مع مراعاة حقيقة المعنى، لأن القرض لم يستقلَّ بالبعث، بل لم يلحظ فيه ذلك. وإنما الباعث الحقيقي هو إرادة المستقرض الشكرَ وهو غير مُلْجَأٍ إليه ولا مُطالَب به.
وصاحب الاستفتاء يحاول دفع هذه الآثار لمجرد ما في بعضها من مخالفةٍ ما لأحاديث حسن القضاء، وهذا الدفع خارج عن سبيل العلم والعلماء. قال: «على أن الفقهاء لم يتمسَّكوا بهذا الحديث والأثر من لدن رسول الله ﵌ إلى زماننا هذا، ولم يُفتوا بحرمة أمثال هذه المنافع مطلقًا، بل اتفقوا على أنه لا يكون ربًا إلا أن تكون مشروطةً في العقد، وهذا خلاف ما دلت عليه هذه الآثار والأحاديث الواردة في هذا الباب على ما فيها، لأنها
стр. 193
تدلُّ على حرمة كل منفعةٍ سواء شُرِطت أو لم تُشترط، مع أنها بدون الشرط جائزة بالاتفاق».
أقول: فسبيل العلم والعلماء هو العمل بالأحاديث والآثار فيما اتفقت عليه، وإخراجُ ما قام الدليل على إخراجه، وهو حسن القضاء. هذا على فرض أن الأحاديث والآثار كلها عامة، وليس الأمر كذلك كما سلف. فأما أن تُردَّ الأحاديث والآثار مع قيام الإجماع على موافقتها في بعض الصور، وعدمِ وجود ما يخالفها في ذلك= فليس هذا من العلم في شيء. ويلزمه أن كلَّ دليل عام أو مطلق قد قام دليلٌ على تخصيصه أو تقييده (١) يسقط الاستدلال به جملةً، فلا يحتج به فيما عدا الخاص والمقيد وإن وافقه الإجماع! وهذا ضلال في ضلال.
[ق ٢٦] ومما يُضحك ويُبكي أن صاحب الاستفتاء لم يدفع ما حكى أكثره من الأحاديث والآثار والإجماع بشيء، فلم يستطع أن يحكي حديثًا ــ ولو موضوعًا ــ ولا أثرًا عن صحابي أو تابعي أو فقيه يدلُّ على أن الزيادة المشروطة وما في معناها ليست بربًا، وإنما بيده أحاديثُ حسن القضاء وقياسٌ ساقط، وقد رأيتُ أن أعجِّل الجواب عن ذلك ههنا.
* * * *
стр. 194
أحاديث حُسن القضاء
ذكر صاحب الاستفتاء حديث «الصحيحين» (١) وغيرهما عن جابر، فذكر منه لفظ مسلم: «قال رسول الله ﵌ لبلالٍ: «أعْطِه أُوقية من ذهبٍ وزِدْه» فأعطاني أوقيةً من ذهبٍ وزادني قيراطًا». ولفظ البخاري: «فوزن لي بلالٌ فأرجَحَ في الميزان».
والجواب عنه أن في هذا الحديث عينه عند مسلم: «قلت: فإن لرجلٍ عليَّ أوقيةَ ذهبٍ فهو لك بها، قال: قد أخذتُه به، فتبلَّغْ عليه إلى المدينة. قال: فلما قدمتُ المدينة قال رسول الله ﵌ ... » إلخ. «صحيح مسلم» (ج ٥ ص ٥٢).
وفيه عند البخاري قبل اللفظ الذي ذكره: «فاشتراه مني بأوقيةٍ ... فأمر بلالًا أن يزِنَ لي أوقيةً، فوزن لي بلالٌ فأرجح في الميزان». «صحيح البخاري» (ج ٣ ص ٦٢).
والمقصود أن جابرًا باع جملَه من النبي ﵌ بأوقية وهما في السفر، فلما قدم النبي ﵌ المدينة قضاه وزاده. فالزيادة هنا تفضُّلٌ محض، ولا تحتمل أن تكون زيادة مشروطة في القرض.
وذكر حديث أبي رافع (٢): «استسلف رسول الله ﵌ بَكْرًا، فجاءته إبلٌ من الصدقة، قال أبو رافع: فأمرني أن أقضي الرجلَ بَكْرَه، فقلت: لا أجد إلا
стр. 195
جملًا خيارًا رباعيًّا، فقال رسول الله ﵌: «أعْطِه إياه، فإن خير الناس أحسنهم قضاءً».
أقول: لفظ مسلم: «عن أبي رافع أن رسول الله ﵌ استسلف من رجلٍ بَكْرًا، فقدمتْ عليه إبلٌ من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجلَ بَكْرَه، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خيرًا رَباعيًّا، فقال: «أعطِه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاءً». «صحيح مسلم» (ج ٥ ص ٥٤).
فقوله: «فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْرَه» ظاهر في أنه ﵌ أمره أولًا أن يقضي الرجلَ بَكْرًا مثلَ بكْرِه، وهذا صريح في أن الزيادة لم تكن مشروطة، إذ لو كانت مشروطة لما أخلفَ النبي ﵌ شرطه.
وقوله: «أعطِه إياه» تفضُّلٌ محض.
وقوله: «خيار الناس أحسنهم قضاء» لا يتناول ما إذا كانت الزيادة مشروطة، لأنها متى كانت مشروطة ــ والفرض أن الشرط لازم كما يحاوله صاحب الاستفتاء ــ كانت لازمة، ومن أدى ما يلزمه لا يناسب أن يقال: إنه من خيار الناس [ق ٢٧] وإنه من أحسنهم قضاءً، لأن الشرير والمسيء إذا أُلزِما بشيء أدَّياه، ألا ترى أن من غُبِن في ثوب فاشتراه بضِعْفِ قيمته ثم أدّى الثمن الذي اشترى به= لا يناسب أن يقال: إنه من خيار الناس ولا من أحسنهم قضاءً. فثبت أن قوله ﵌: «خيار الناس أحسنهم قضاء» خاصٌّ بالزيادة التي هي تفضُّل محض، كما وقع في القصة أنه استسلف من رجلٍ بكرًا على أن يقضيه مثله كما هو شأن السلف، فقضاه خيرًا من بَكْرِه تفضلًا.
стр. 196
وذكر حديث «الصحيحين» (١) عن أبي هريرة أن رجلًا تقاضى رسولَ الله ﵌ ... فقال: «دَعُوه فإن لصاحب الحق مقالًا، واشتَرُوا له بعيرًا، فأعطُوه إياه»، قالوا: لا نجد إلّا أفضل من سنِّه، قال: «اشتروه فأعطُوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاءً».
أقول: في رواية عند البخاري: «كان لرجلٍ على النبي ﵌ سنٌّ من الإبل، فجاءه يتقاضاه، فقال ﵌: «أعطُوه» فطلبوا سنَّه فلم يجدوا له إلّا سنًّا فوقها، فقال: «أعطُوه ... » «صحيح البخاري» (ج ٣ ص ١١٧) (٢).
فقوله ﵌ أولًا: «أعطُوه» ظاهر في أن المراد: أعطُوه مثلَ سنِّه، كما هو شأن السلف عند الإطلاق. وهذا ظاهر في أن الزيادة لم تكن مشروطة، فهي تفضُّلٌ محض.
وقوله: «خيركم أحسنكم قضاء» قد تقدم الكلام عليه.
وفي رواية لمسلم (٣): «جاء رجل يتقاضى رسولَ الله ﵌ بعيرًا، فقال: «أعطُوه سنًّا فوقَ سنِّه ... » وهي مختصرة.
وذكر حديث البزار (٤) عن أبي هريرة: «أتى النبيَّ ﵌ رجلٌ يتقاضاه قد
стр. 197
استسلفَ منه شطْرَ وَسْقٍ، فأعطاه وسَقًا، فقال: نصفُ وَسْقٍ لك، ونصف وسَقٍ من عندي. ثم جاء صاحب الوسق يتقاضاه، فأعطاه وسقينِ، فقال رسول الله ﵌: «وسْقٌ [لك] ووسْقٌ من عندي».
أقول: قوله ﵌: «نصف وسقٍ لك ونصف وسقٍ من عندي» ظاهر في أن هذه الزيادة تفضُّلٌ محض، ولو كانت مشروطة شرطًا لازمًا كما يحاوله صاحب الاستفتاء لكان الوسق كلُّه حقًّا للمُسْلِف بمقتضى الشرط، فلا يكون له النصف فقط ويكون النصف الآخر من عنده ﵌.
وذكر حديث البزار (١) أيضًا عن ابن عباس: «استسلف النبي ﵌ من رجلٍ من الأنصار أربعين صاعًا ... فأعطاه أربعين فضلًا وأربعين سَلَفه، فأعطاه ثمانين».
أقول: قوله: «فأعطاه أربعين فضلًا» ظاهر في أنه تفضُّلٌ محض، ولم تكن مشروطة.
وذكر حديث البيهقي عن أبي هريرة قال: «أتى رجلٌ رسولَ الله ﵌ يسأله، فاستسلف له رسول الله ﵌ شطْرَ وسْقٍ، فأعطاه إياه، فجاء الرجل يتقاضاه، فأعطاه وسقًا وقال: «نِصفٌ لك قضاءٌ، ونصفٌ لك نائلٌ من عندي» «سنن البيهقي» (ج ٥ ص ٣٥١).
[ق ٢٨] أقول: قوله ﵌: «نائلٌ من عندي» نصٌّ على أنه تفضُّلٌ محض.
стр. 198
تمسَّك صاحب الاستفتاء بهذه الأحاديث من وجهين:
الأول: أنه قال في حاشية (ص ٢٠): «ثبت عن النبي ﵌ الزيادة في القرض، وليس فيه أنه كان مع شرطٍ أو بدون شرط، فمن ادعى الحرمة بالشرط لابدّ عليه من بيان، لأن الأحاديث في هذا الباب مطلقة، ولا يجوز تقييدها بدون مخصص».
الثاني: قال: «وأما كونه ربًا عند الشرط فهو لا يصح أيضًا، لما رُوي (١) من أن أبا بكر الصديق ﵁ راطلَ أبا رافع فرجحت الدراهم، فقال أبو رافع: هو لك، أنا أُحِلُّه لك، فقال أبو بكر: إن أحللتَه فإن الله لم يُحِلَّه لي، سمعتُ رسول الله ﵌ يقول: «الزائد والمزاد في النار» أو هكذا. لأن فيه دلالةً على أن الزيادة بغير شرطٍ أيضًا حرام، أعني أن الزيادة التي هي الربا شرعًا حرام، شُرِطت أو لم تُشترط، فلو كانت الزيادة في القرض ربًا لكانت حرامًا بدون شرطٍ أيضًا، مع أن الزيادة في القرض بدون الشرط مباحٌ باتفاق الأمة، فثبت أنها ليست بربًا».
أقول: أما الوجه الأول فقد علمتَ جوابه بإيضاح أن الأحاديث إنما وردت بالزيادة على وجه التفضُّلِ والنائل المحض. ولو كانت مطلقة لكان على صاحب الاستفتاء أن يحكم بردِّها بناءً على قاعدته أنها متروكة العمل باتفاق الأمة, وأما أهل العلم والإيمان فيقولون: لو كانت عامة أو مطلقة وجب تخصيصها أو تقييدها بنصوص الكتاب والسنة وآثار الصحابة والإجماع، وقد كفانا الله تعالى هذا بوضوح أنها واردة في التفضل المحض
стр. 199
كما علمتَ.
وأما الوجه الثاني فهو قياس ساقط، والحكم مسلَّم، وهو حرمة الزيادة في الفضة بالفضة يدًا بيدٍ، وإن لم يثبت أثر أبي بكر ﵁.
وقد قدَّمنا أن الفضة بالفضة يدًا بيدٍ ليس بربًا حقيقي بدلالة القرآن، وبدلالة حديث «الصحيحين» (١): «لا ربا إلَّا في النسيئة» وغير ذلك، وإنما العلة فيه الاحتكار في بعضٍ، وتشبيه المعاملة المشروعة بالمعاملة الممنوعة في بعضٍ، كما تقدم إيضاحه في القسم الأول.
والاحتكار والتشبيه لا ينتفي بالرضا وطيب النفس، كما انتفى الربا في حسن القضاء؛ لأن المعنى في تحريم الربا هو الظلم كما أومأ إليه القرآن، وليس في حسن القضاء ظلم، فإن المستقرض إنما يزيد بطيبٍ من نفسه شكرًا لإحسان المقرض أو تفضُّلًا مؤتنفًا، وليس في ذلك ظلم ولا فيه شيء من مفاسد الربا.
ثم لو فرضنا استقامة القياس فهو ساقط الاعتبار، لمخالفته النصوصَ التي بيناها فيما تقدم، والإجماعَ الذي اعترف به صاحب الاستفتاء نفسه.
[ق ٢٩] والمقصود أن صاحب الاستفتاء مع ذكره لأكثر الآثار عن الصحابة والتابعين، واعترافه باتفاق الفقهاء «من لدن رسول الله ﵌ إلى يومنا هذا» = لم يستطع أن يعارضها بأثر عن صحابي أو تابعي أو فقيه. والله المستعان.
стр. 200
القياس
قد أغنانا الله ﵎ عن القياس في هذه المسألة ــ أعني مسألة حرمة الزيادة المشروطة في القرض ــ بالنصوص الواضحة من الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين وإجماع الأمة، مع أننا قد بينا في القسم الأول مطابقة ذلك للعقل الصحيح والمصالح الحقيقية.
ولكن صاحب الاستفتاء تعرَّض للقياس الذي استند إليه بعض الفقهاء ممن لم يكلِّف نفسَه تدبُّرَ الكتاب والسنة، ثم ردَّه صاحب الاستفتاء زاعمًا أنه بذلك قد أثبت أنه لا يوجد دليلٌ صحيح على حرمة الزيادة المشروطة في القرض وأنها ربًا.
فرأيتُ أن أتعرض لذلك عملًا بالمثل المشهور في اليمن: «اتبع الكذابَ إلى باب بيته».
ذكر عن الكاساني (١) أن الزيادة في القرض تكون ربًا قياسًا على بيع الشيء بجنسه متفاضلًا.
وعن ابن رشد (٢) أنها ربًا قياسًا على ربا الجاهلية، وهو أن يكون للرجل على آخر دينٌ إلى أجل، فإذا حلَّ الأجل قال: إمّا أن تقضي وإمّا أن تُربي، فيمدُّه في الأجل ويزيد على الدين.
ودفع صاحب الاستفتاء القياس الأول بأن بينهما فرقًا، وهو أن البيع
стр. 201
مبادلة، وليس القرض مبادلة على ما تقدم.
[ق ٣٠] ودفع الثاني بأن بينهما فرقًا، «لأن الزيادة في الجاهلية كانت بعد حلول الأجل لا في ابتداء العقد، والكلام في الزيادة التي تكون من أول العقد، وليس هذا من ذاك».
أقول: أما ما أبداه من الفرق في القياس الأول فهو حقٌّ، ولكنه عليه لا له، وبيان ذلك أنه إذا حرمت الزيادة وكانت ربًا في المبادلة ــ مع أن من شأنها في الجملة جواز المغابنة ــ فلأن يكون كذلك في القرض من باب أولى، لأن الشارع نزَّله منزلة العارية، فكما أن المستعير ينتفع بالعين المستعارة ويردُّها نفسَها، فكذلك نزل القرض، كأن المستقرِض ينتفع بعين الدينار المستَقْرَض ثم يردُّه نفسه، فمنعُ الزيادة في ردّ العين أولى من منعها في ردّ الغير، إذ من شأن الشيء أن يزيد على غيره وينقص عنه، وليس من شأنه أن يزيد على نفسه.
وجواب آخر، وهو أن القرض إنما يخرج من المبادلة ما لم يشترط زيادةً قدْرًا أو وصفًا، لأن المقرض إذا اشترط ذلك فقد ثبَّت أن الذي يطلبه مغايرٌ للذي يدفعه، وهذا مخالفٌ للتنزيل الشرعي الذي مبناه تنزيل العين المقْرَضة منزلة العين المعارة التي تبقى بعينها، حتى يردَّها الآخذ بعد انتفاعه بها.
ويبقى النظر في هذه المخالفة هل تعتبر لازمة للعقد فيخرج بها عن القرض وتبطل المعاملة، أو تعتبر خارجةً عن العقد فتبطل هي دونه؟ ذهب الحنفية إلى الثاني، وغيرهم إلى الأول. ولا خفاء في أن الشرط إذا أُلغي بقي العقد سالمًا من المبادلة، وإنما الكلام فيما إذا لم يُلْغَ الشرط، ولا ريب أن
стр. 202
العقد حينئذٍ مبادلة حتمًا، وقد قدَّمنا إيضاح ذلك، وهو بحمد الله واضح.
فنقول لصاحب الاستفتاء: إن أردتَ بقولك: «إن القرض ليس فيه مبادلة أصلًا عند الشارع» القرضَ الشرعي فمسلَّم، ولهذا جاز إقراض الذهب والفضة مع منع بيع الذهب بالذهب نسيئةً، والفضة بالفضة نسيئةً ونحو ذلك. وإن أردتَ القرض مع شرط الزيادة في القدر والوصف، فإن كان مع الحكم بإلغاء الشرط وإبطاله فمسلَّم أيضًا، وإن كان مع اعتباره كما تحاوله فباطلٌ قطعًا.
[ق ٣١] وأما ما أبداه من الفرق في القياس الثاني فليس بصحيح، لأن اتفاقهما عند حلول الأجل على أجل جديد بشرط الزيادة عقدٌ آخر، وعليه فهذه الزيادة في ابتداء عقد أيضًا، وهذا العقد الثاني قرض في المعنى بل هو هو. وقد صرَّح بعض الفقهاء بذلك، قال الدسوقي المالكي في «حاشيته على الشرح الكبير» (١) عند قوله: «وحرم في القرض جرُّ منفعةٍ» ما لفظه: «ومن ذلك فرع مالك، وهو أن يقول شخص لربّ الدين: أخِّر المدينَ وأنا أعطيك ما تحتاجه، لأن التأخير سلف».
بل أقول: إن هذا الفرق على صاحب الاستفتاء لا له، وبيان ذلك: أن المدين إذا لم يؤدِّ الدينَ عند حلول الأجل كان ماطلًا، وهو بذلك يُلحِق بالدائن ضررًا لم يرضَ به الدائن ولم يوقع نفسه فيه، فإذا حرمت الزيادة وكانت ربًا في هذا فأولى أن تكون كذلك في القرض المبتدأ، لأن المستقرض لم يقع منه حينئذٍ مَطْلٌ، والدائن يلحق بنفسه ضرر التأجيل باختياره. والمفاسد التي
стр. 203
قدَّمناها في القسم الأول تتحقق في اشتراط الزيادة في القرض المبتدأ أشدَّ من تحقُّقها في اشتراطها عند تأجيل الدين أجلًا جديدًا.
فاشتراط الرجل الزيادة في القرض المبتدأ يدلُّ دلالة قوية على أنه كسلان، يريد أن يربح من كدِّ العمال وعنائهم بدون أن يتعب، بخلاف اشتراطها بعد حلول الدين لأجلٍ جديد، فقد يكون الدائن رجلًا نشيطًا عاملًا يألَفُ الكدَّ والتعب والسعي في طلب الربح مما ينفع الناس، ولكنه آثر المدين أولًا، فأقرضَه أو أنسأه، فلما حلَّ الأجلُ وجد المدين مصممًا على تأخير الدين، فلو دفعه إليه حينئذٍ لتَعِبَ فيه ونَصِبَ وربحَ، فلما لم يمكنْه ذلك اضطُرَّ إلى اشتراط الزيادة.
وقد بقي كلامٌ يمكن أن يقال في الإيراد والردّ، وذلك يستدعي تطويلًا وتدقيقًا لا حاجة بنا إليه والحمد لله.
[ق ٣٢] ثم قال: «ولو سُلِّم صحة القياس ففيه أن الأحكام القياسية تقبل التغير بتغيُّر الأزمان، كما هو ثابت في موضعه، ومن كان له وقوف على حال هذا الزمان وخبرة بأهله فلا محيصَ له بدون أن يفتي بجوازه، كما في الاستئجار على تعليم القرآن والأذان والإمامة وغيرها، مع أن حرمة الاستئجار في البعض منصوص، ولكن بحسب حاجة الناس أفتى الفقهاء الكرام بجوازه. فعلى هذا النفعُ المشروط في القرض أولى بأن يُفتَى بجوازه، لأنه ليس منصوصًا عليه بالحرمة، [إذ] الناس ناس والزمان زمان (١).
стр. 204
والاستدلال عليه بالتعامل والتوارث عن السلف، ففيه أن التعامل مبنيٌّ على القياس، لا على غيره من الأدلة، ومن ادعى فعليه البيان، والله أعلم بالصواب».
الجواب: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]. قد علمتَ مما تقدم أن الزيادة المشروطة في القرض ربًا بنصّ القرآن والسنة، وقولِ جماعةٍ من الصحابة والتابعين لم يُنقل عن أحدٍ منهم خلافُه، واتفاقِ الأمة. فقوله: «والاستدلال عليه بالتعامل ... » يريد بالإجماع، وإن تحاشَى هذه الكلمة ترويجًا لغرضه، وقوله: «مبني على القياس لا على غيره» قد علمتَ كذبه. فأما حديث تغيُّر الأحكام فدونك تحقيقه.
قال الله ﵎: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وفي [الصحيحين] (١) عن عائشة [قالت: قال رسول الله ﵌: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه] فهو ردٌّ». [وفي روايةٍ لمسلم: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ»].
وفي «صحيح مسلم» (٢) وغيره من طرق كثيرة عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جابر بن عبد الله ﵁ [قال: كان رسول الله ﵌ إذا خطب احمرَّت عيناه ... ويقول: «أما بعدُ، فإن خير
стр. 205
الحديث كتاب الله، وخير الهدي هديُ محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة»].
وله شواهد ثابتة من حديث ابن مسعود (١) والعرباض بن سارية (٢) وكلام عمر (٣) ومعاذ (٤) وغيرهم، قد ذكرناها في رسالة [ ... ] (٥).
وتواترت البراهين والأدلة وأجمعت الأمة على أن محمدًا ﵌ خاتم الأنبياء، وكتابه آخر الكتب، وشريعته آخر الشرائع، وأنه لم يبقَ لأحدٍ سبيلٌ إلى أن يقول في الدين إلا من طريق الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأن من قال في دين الله تعالى بغير ذلك [ق ٣٣] فهو مفترٍ على الله تعالى كاذبٌ كافر.
قال الله ﵎: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦ - ١١٧].
وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [خاتمة سورة العنكبوت].
стр. 206
وقال ﵎: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].
وقد ذكرتُ الآيات والأحاديث وأقوال العلماء في هذا المعنى في رسالة «العبادة».
وتغيُّر الأحكام جرى على ألسنة بعض العلماء يريدون به شيئًا محدودًا، فأراد دعاةُ الضلالة في عصرنا أن يوسِّعوا دائرتَه بحيث يزلزلون به قواعد الشريعة من أساسها.
إن مَن يقول بتغير بعض الأحكام يوجِّه ذلك بأن الحكم إذا ثبت ترتُّبه على علة معروفة، فقد تكون العلة موجودة في أمر من الأمور في العهد النبوي، فيُثبِت الشارع له ذلك الحكم، ثم قد يتفق زوال تلك العلة عن ذلك الأمر بعد العهد النبوي، فينبغي حينئذٍ أن ينتفي عنه ذلك الحكم. وقد يكون الأمر سالمًا من تلك العلة في العهد النبوي، فيُثبِت له الشارع حكمًا آخر، ثم قد تحدثُ له العلة بعد العهد النبوي فينبغي حينئذٍ أن يثبت له الحكم المناسب لها.
ومما قد يُمثَّل به لذلك حدُّ الخمر، المقصود منه الزجر، ولم يزد في العهد النبوي على أربعين جلدة لعدم المقتضى للزيادة، فلما تهاون الناس بعده بالأربعين اتفق الصحابة على زيادة أربعين أخرى ليحصل المقصود، وهو الزجر.
وبيع أمهات الأولاد، لم يُمنع في العهد النبوي لغلبة الحاجة إلى المال،
стр. 207
فلما غلب الاستغناء بعده ذهب أكثر الصحابة إلى منعه.
والطلقات المجموعة كانت تُعدّ في العهد النبوي طلقةً، لأنها لم تكن تقع إلّا نادرًا، فلم يكن هناك مقتضٍ للزجر عن الجمع والردْع عنه، فلما كثر جمعُ الطلقات في عهد عمر احتيج إلى زجرهم وردْعهم، فقال عمر (١): إن الناس قد استعجلوا في أمرٍ كانت لهم فيه أناةٌ، فلو أمضيناه عليهم! فأمضاه ووافقه الصحابة أو أكثرهم.
وقالت عائشة (٢): [لو أن رسولَ الله ﷺ رأى ما أحدث النساءُ لمنعهنَّ المسجدَ كما مُنِعتْ نساءُ بني إسرائيل].
وقال بعض العلماء (٣) في بعض أنواع المؤلفة قلوبهم: إنما كانوا يُعطَون لضعف المسلمين، وقد قوي المسلمون فلا يُعطَون.
[ق ٣٤] وفي هذه الأمثلة خلاف، وفي كونها من تغيير الأحكام بحثٌ ليس هذا موضعه.
والأصل الذي ينبغي اعتماده أنه إذا ثبت بحجة شرعية أن هذا الحكم إنما بُني على هذه العلة فقط، وثبت أنها كانت موجودة في هذا الأمر في العهد النبوي، وأنها انتفتْ عنه بعد ذلك= كان هناك مجالٌ للنظر: أيبقى
стр. 208
الحكم على ما هو عليه كما بقي الرملُ في الطواف، أم ينبغي تغييره؟ وإذا ثبت بحجة شرعية أن هذه العلة مقتضية لهذا الحكم، وأنها كانت منتفيةً عن هذا الأمر في العهد النبوي، وأنها حدثت له بعد ذلك، وأنه لم يقم به ما يعارضها= ساغَ تغيُّر الحكم.
فكلُّ ما ثبت عن الصحابة فإننا نعتقد أنهم قد راعَوا فيه هذا المعنى، فإن ثبت إجماعُهم على شيء فإننا نعتقد أن هذا المعنى كان ثابتًا في نفس الأمر، وإن اختلفوا فإننا نعتقد أن من قال بالتغيُّر كان يرى هذا المعنى ثابتًا، وقد يكون مخطئًا. وأما ما جاء عمن بعدهم فإن كان مجتهدًا فالظنُّ به أنه كان يرى هذا المعنى ثابتًا، ولعله أخطأ في ذلك، وإن كان غير مجتهد فأمره إلى الله، ولا يجوز تقليده.
وليس من هذا اختيارُ الفقيه المقلّد قولًا يخالف مذهب إمامه، ولكنه ثابت عن إمام آخر، وإنما هذا بناء منهم على أن المقلّد مخيَّر، يجوز له الخروج عن مذهب إمامه في بعض الفروع، ولاسيما إذا رأى الحاجة داعيةً إليه. فهذه الاختيارات لا يصح إيرادها في أمثلة تغيُّر الأحكام الشرعية، ومن هذا ما ذكره صاحب الاستفتاء من تجويز متأخري الحنفية الاستئجارَ على تعليم القرآن والأذان والإمامة وغيرها، فإنهم إنما اختاروا في ذلك مذهب الشافعي وغيره أنه يجوز ذلك مطلقًا، فلما رأوا الحاجةَ داعيةً إلى ذلك رأوا المصلحة تقليدَ من قال بذلك. ولمتأخري الشافعية اختيارات من هذا القبيل لا حاجة إلى ذكرها.
* * * *
стр. 209
[ق ٣٥] أحوال هذا العصر
الأحوال المتعلقة بالربا ثلاث درجات:
الأولى: ما لا تتيسَّر معرفته إلّا للماهرين في علم الاقتصاد.
الثانية: ما يشاركهم في معرفته أصحاب المعاملات التجارية الواسعة.
الثالثة: ما يتيسَّر معرفتُه لغير الفريقين أيضًا ممن لم يتعلم علم الاقتصاد ولا له معاملة تجارية واسعة.
والأخ الفاضل صاحب الاستفتاء من الفريق الثالث كما أعرفه، فلم يتعلم علم الاقتصاد، ولا اعتنى به، ولا هو تاجر، فالأحوال التي يعرفها لا تزيد عما أعرفه أنا وأمثالي. فإن كان يريد أن تلك الأحوال هي وحدها كافية لتغيير الحكم، فقد أخطأ خطأً بيِّنًا كما ستراه. وإن كان يريد أن الأحوال التي تقتضي تغييرَ الحكم هي التي يعرفها الفريقان الأولان، فهو مقلد في هذا لدعاة التجديد بل دعاة التقليد الأعمى لأوربا، وهؤلاء الدعاة كما يدعون إلى تغيير حكم الربا يدعون إلى تغيير أكثر الأحكام الشرعية.
* * * *
стр. 210
الأحوال التي نعرفها
حاجة الطبقة الوسطى إلى القرض، وأعني بالطبقة الوسطى كل من له مورِدٌ لا يفضُلُ عن كفايته.
قد يكون للرجل مرتَّبٌ شهري يقوم بكفايته، ولكنه أراد التزوج أو السفر أو نحو ذلك مما لا غنى به عنه، فاحتاج إلى استقراض ما يكفيه لذلك، على أن يقضيه بعد ذلك مما يقتصده من مرتَّبه. وقد يكون للرجل حرفة، ولكنه ليس عنده رأس مالٍ، فاحتاج إلى استقراض ما يجعله رأسَ مالٍ ليحترف ويكتسب ويقضي. أو له حرفة تُدِرُّ عليه ما يكفيه، ولكنه أراد التزوج أو نحوه، فاحتاج إلى اقتراض ما يكفي لذلك على أن يقضيه بعد ذلك مما يقتصده من كسبه.
فهؤلاء يحتاجون إلى أخذ القرض، ولا يجدون من يُقرِضهم إلّا بربًا، أفلا يجوز لهم الأخذ بالربا؟
الجواب أنني قد سَبَرْتُ كثيرًا من أحوالِ هؤلاء، فوجدتُ أكثرهم يبذِّرون في ما يَرِد لهم من المال، ثم يستقرضون ويبذِّرون فيما يأخذونه قرضًا، ثم يماطلون في القضاء.
فالمصلحة في حق هؤلاء أن لا يرخَّصَ لهم في القرض أصلًا، لا بربًا ولا بدون ربًا، ليضطرَّهم ذلك إلى إصلاح أنفسهم. [ق ٣٦] والترخيص في القرض بربًا هو الذي أفسدَ هؤلاء، فإن المسلم التقي يمتنع عن إقراضهم لما يعلمه من تبذيرهم، ولاستحيائه عن التوثق برهنٍ أو ضامنٍ، ولخوفه أن يحتاج في التقاضي إلى المخاصمة والمحاكمة.
стр. 211
وأما المُربِي فإن طمعه في الربا قد سلبه هذه الصفات، فهو يحب أن يكون المسلمون كلهم مبذِّرين، ليحتاجوا إلى الأخذ منه بالربا، ولا يستحيي عن التوثُّق، ولا يبالي بالمخاصمة والمحاكمة، لأنه قد اعتادها واستفاد في مقابلها الربا.
ف الترخيص في الربا هو الداء العضال .
وقد رأيتُ حال المسلمين في الهند أكثرهم مبذِّرون، وأغنياؤهم يمتنعون عن الإقراض للأسباب السابقة، ويهودُ الهند (طائفة من الوثنيين يقال لواحدهم مارْوارِيْ) يُقرِضون بالربا ويتوثقون، فأصبحت أراضي المسلمين وبيوتهم وحُلِيُّهم تنتقل إلى المارواريين بسرعة مخيفةٍ. فقِصار النظر من المسلمين يرون الضرورة داعيةً إلى الترخيص لأغنياء المسلمين في الإقراض بالربا، حتى إذا انتقلت الأملاك من يد مسلمٍ فإلى يد مسلمٍ آخر. ولعل هذا مما حملَ صاحبَ الاستفتاء على ما قاله.
[ق ٣٧] نتائج هذا العلاج:
١ - تبديل الشريعة.
٢ - التعرض لغضب الله ومحاربته.
٣ - أن يسلِّط على المسلمين ذُلًّا لا ينزعه عنهم حتى يرجعوا إلى دينهم، كما جاء في الحديث (١).
стр. 212
٤ - إقرار الطبقة المتوسطة على تبذيرهم في المحرمات والملاهي والمعيشة والرسوم (١) الفارغة.
٥ - إقرارهم على الكسل والتواني عن طلب الحلال.
٦ - إقرارهم على عدم الأمانة وإخلاف الوعد والمماطلة بالديون.
٧ - إقرار أغنيائهم على عدم المعونة لمحتاجيهم بالقرض الحسن.
٨ - لا يزال كثير من المسلمين يتورعون عن الاستقراض بالربا، وهذا العلاج يُبيحه لهم، فيحملهم على الإمعان فيه.
٩ - لا يزال كثير من أغنياء المسلمين يتورعون عن الإقراض بالربا، ويقع منهم غيرَ قليل الإقراضُ بدون ربا. وهذا العلاج يبيح لهم الربا، فيوشك أن لا يُقرِضوا إلا به.
١٠ - كما أن الكفار هزموا المسلمين في ميدان التجارة لرضا الكافر بالربح اليسير، في حين أن المسلم لا يُرضيه إلا الربح الكثير، فسيهزمونهم في ميدان الربا، وبذلك يرتفع ما في هذا العلاج من تلك الفائدة المتخيلة.
١١ - لا يزال كثير من الطبقة الوسطى يتورعون عن معاملة الكفار خوفًا من أن تنتقل بيوتهم وعقاراتهم إلى الكفار، ولهذا ينكَفُّ كثير منهم عن التبذير، فإذا أُبيح للمسلمين المراباة ارتفع هذا القدر، وأوشك أن يصبح خمسة وتسعون في المئة من المسلمين عالةً لا يملكون شيئًا.
١٢ - إذا أُحِلَّ الربا، وكانت نتيجته ما توقَّعه واضعُ ذلك العلاج أن تنتقل
стр. 213
أموال المسلمين إلى المسلمين، فيوشك أن يصبح خمسة وتسعون (١) في المئة فقراءَ لا يملكون شيئًا، وخمسةٌ في المئة أغنياءَ، وهؤلاء الخمسة إن سَلِموا من المرض الحقيقي ــ وهو التبذير والكسل ــ لم يَسلَم منه ورثتُهم، بل يوشك أن يقتصر ورثتُهم على المراباة، ويَدَعُوا الزراعة والصناعة والتجارة، ويوشك أن يشتطُّوا في الربا فلا يُقرِضوا إلّا بربًا باهظ، ووراء ذلك الهلاك المبير.
[ق ٣٨] النظر الشرعي:
المرض الحقيقي هو التبذير والكسل، والتبذير أخبثهما، ونتيجتهما الفقر، ثم ينشأ عن الفقر أمراض أخرى: كعدم الأمانة، وإخلاف الوعد، والمماطلة بالديون. ثم ينشأ عن هذه الأمراض مرض آخر، وهو امتناع الأغنياء عن إقراضِ المحتاجين قرضًا شرعيًّا أو مضاربتِهم مضاربةً شرعية. ثم ينشأ عن ذلك فقر جماعة المسلمين وتقاطعهم ثم هلاكهم.
والذي يرخِّص في الربا إنما نظر إلى أمر واحدٍ، وهو فقر جماعة المسلمين، وعلاجه هذا لا يُغني في ذلك أيضًا، وفوقَ هذا ففقر جماعة المسلمين إنما نشأ عن التبذير والكسل وتوابعهما، فالتَّبِعةُ عليهم. ولا يُعقَل أن يكون التقصير منهم والغرامة على الشريعة، مع أن تحريم الربا من شأنه إلى حدٍّ ما أن يخفِّف وطأةَ المرض كما تقدم.
تحليل المرض:
أنا الآن مقيم بحيدراباد دكن الرياسةِ (٢) الإسلامية العظمى في الهند،
стр. 214
فأبدأ بتحليل مرض المسلمين فيها.
أما التبذير فنصفه في الرسوم، وثُلثه في الملاهي، وسدسه في المعيشة.
أما الرسوم فإنه إذا وُلِد الولد فهناك دعوة العقيقة، ثم على رأس السنة دعوة (سَالْ كِرَهْ) (١)، وهكذا على رأس كل سنة، ثم دعوة كبيرة بعنوان (بسم الله)، أي أن الولد شرع في قراءة القرآن، وكثيرًا ما تكون قراءة الولد بسم الله في تلك الدعوة هي أول قراءته وآخرها! وكثيرًا ما يكون أهلُه غير عازمين على إقرائه القرآن، ولكن دعوة بسم الله لازمة. ثم إذا قرأ فأول ما يقرأ جزء عمَّ، ثم يُشرع في إقرائه من أول القرآن، وهناك دعوة أخرى. ثم إذا ختم القرآن دعوة. وأولَ ما يستطيع الصوم يُصوِّمونه يومًا ويجعلونه دعوة كبيرة، ولعل ذلك اليوم يكون أولَ صيامه وآخره! ثم إذا بلغت البنتُ دعوةٌ، ثم عند الزواج دعوات، ثم ثالثَ موتِه دعوةٌ، ثم على تمام العشر دعوة، ثم على تمام الأربعين دعوة، ثم على وفاء السَنة من موته دعوة، ثم تتكرر كلَّ سنة.
دع الدعوات التي يقيمها عند إرادة سفر قريبه أو صديقه، أو عند عودِه من السفر، أو عند فوزه في الامتحان، أو حصوله على خدمة في الحكومة، أو ترقيته في الخدمة، أو شفائه من مرض أو غير ذلك.
وهناك دعوات المولد، والمعراج، ونصف شعبان، وآخر أربعاء من صفر، ودعوات في رمضان، وأيام وفيات الخلفاء والأئمة والأولياء وهي كثيرة، والأسفار التي ينشئونها لزيارة الأولياء، إلى غير ذلك.
والغريب أن هذه الدعوات والاحتفالات أكثرها عندهم هي أركان
стр. 215
الدين، فتجد الرجل تاركًا للصلاة والزكاة والصيام والحج مرتكبًا للمحرمات، ولكنه يحافظ على هذه الدعوات!
[ق ٣٩] الملاهي: السينما والفونوغراف (الحاكي) وقليل غيرهما.
أما السينما، فههنا مواضع كثيرة لها، وقد يمضي للرجل أسبوع كامل أو أكثر وهو كلَّ ليلة في سينما، وقد يجمع في يوم واحد بين روايتين، وفيها مع الخسارة المالية مفاسد أخرى: كإفساد الأخلاق، وتعليم السرقة، والإضرار بالصحة، وتضييع الأوقات، فقد تستغرق الرواية الواحدة ثلاث ساعات، وقد تبقى إلى ساعة أو ساعتين بعد نصف الليل، فيصبح الرجل كسلان لا ينشط للعمل النافع.
وفوق ذلك كله فبعض الروايات يُشرع فيها قبل العصر وعند الغروب وبعضها يُشرع فيه قبل المغرب ويمتدُّ إلى العشاء، وبعضها يُشرع فيه قبل العشاء ويمتدُّ إلى ثلث الليل، فربما فوَّتَ الناظرون الصلاةَ رأسًا، وربَّما فوَّتوا الجماعةَ، ولكن هذا يهون إذا علمنا أن غالب المسلمين هنا لا يصلُّون أصلًا!
وأما الفونوغراف فالرجل يحتاج إلى شرائه، ثم تستمر الحاجة إلى شراء الإبَر والأسطوانات، وإلى إصلاحه إذا تغيَّر.
وأما ما عدا هذين فهو قليل ههنا، وإنما يُبتلَى به الأغنياء في الغالب.
المعيشة:
أما الإسراف في المعيشة فهو هنا خفيف في الطبقة الوسطى، وعامة إسرافهم هو في الدعوات والرسوم والملاهي، فإن وقع من بعضهم فهو في لباس النساء، وكثير منهم يعتاد المسكرات الرخيصة، ولكن الإسراف