← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 475

غرائب الاغتراب

الألوسي، شهاب الدين

Полный текст (222 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

نص الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أخذ بيدي فأوصلني على أكف الراحة إلى دار الخلافة وأعطاني ما قوى به خلدي فلم أضق ذرعاً فيما قطعته الرواسم من حدود المسافة والصلوة والسلام على سيدنا محمد الذي أشفر من سجف البطون ولا أثر يومئذ ولا عين فاستبشرت الأعيان الثابتة بأسفار فجر أسفار الظهور وسافر وقد هدأت العيون إلى مقام قاب قوسين فعاد وسهم الأمة من عوائد ذلك السفر موفور وعلى آله الذين اختيرت لهم طوالع السعد حلواً أو ارتحلوا وضربت عليهم قباب المجد أي بلدٍ دخلوا وأي منزل نزلوا. وبعد فإنني خرجت من زوايا الزوراء منتهجاً أقوم طريق محمولاً من فضل الله تعالى على مطايا النعماء بأيدي رفيق التوفيق وذلك في غرة جمادى ستة من سنة سبع وستين من القرن الثالث عشر بعد هجرة سيد قرون الأولين والآخرين ولم أزل أطوي الفدافد وأنشر حسب الإمكان مطوي الفوائد مجتمعاً في كل بلد مع لبيدة وبليدة مستخبراً كل طالب علم عن طريفة وتليدة فوفقت في سيري حتى وقفت على أمور تحكي الصراط دقه واطلعت في سيري فاطلعت على أسرار تطيش لو قرنت بها في الميزان سجلات المشقة إلى أن نبذتني ويلمها نون سفينة الدخان بساحل خليج القسطنطينية وقد كادت) تبت يدا أبي لهبها (تريني النازعات لولا لطف الرحمن وبركة ما آتانيه تبارك اسمه من إخلاص النية وذلك في الثامن والعشرين من شهر رمضان السبع والستين وقد كنت كتبت بعض ما وفقت عليه قبل الوصول من غرائب محسوس وعجائب معقول إلا أني جاوزت في اختصار الكلام الحد حيث كان وقتي لاتساع دائرة الحزن بعد فراق العراق أضيق من خصر هند ودعد. كأن الحزن دائرة بقلبي ... فأوله وآخره سواء ثم أني كتبت أيضاً ما اتفق لي في عودي إلى مسقط رأسي ومنبت عودي وسلكت في ذلك نحو ما سلكت أولاً من المسالك وأظنني أبدعت في كلا المسلكين وخفقت فيهما بأجنحة ما خفق بها أحد في الخافقين والعلة الحقيقية لهاتيك الكتابة القصد إلى مداواة ما بي من غلة علة الكآبة فإني قد ضاقت في فضاء تلك البوادي منافسي واتسعت في مضايق كربة الغرب وساوسي وعادتي أنه إذا ألم بي ألم أتداوى منه بعقاقير أرقام القلم وأسترقي برقي بحثه من شياطين الهموم وأبصل بطيب نفثه سحر النفاثات في عقد القوى من سحرة الغموم.

стр. 2

ولما قرت عيني بالإياب وفرت عني ولله الحمد آلام الاكتئاب وفزت برؤية الأهل والعيال وفريت بطن عادي الفراق بشفرة الوصال أحببت أن أفرد كتاباً أجمع فيه مجمل ما كان ذهاباً وإياباً وربما أحل في رحابه مشكلاً وأتصل في بعض أبوابه مجملاً وأستوفي حسب الإمكان ما كان لي في الإقامة معرضاً عن أشياء لم يمكنني ذكرها إلى يوم القيامة مترجماً بعض الأجلة مطلعاً في سمائه شموساً وبدوراً وأهله مبتدئاً بترجمة نفسي مع أني أحقر أبناء جنسي بل أهون من تبنه في لبنه ومن قلامه في قمامه ومن ذره بجنب دره ولكن قد تتقدم الخدم بين يدي السادة وتؤدي النافلة قبل فرض العبادة ومكان رقم الآحاد قبل مكان رقم عشرات الأعداد ولا يفسر الورد تأخره عن أغصانه ولا السنان كونه في أطراف مرانه مستطرداً سبب رحلتي وتحملي ما لاقيت في سباسب غربتي سالكاً في كل ذلك سبيل الاختصار والاقتصاد خوفاً من الملل الذي جبل عليه أكثر العباد وسميته " غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب " سائلاً منه أن لا يذيق مقامي صاب الافتراء على بري ولا يريق مداد ذمي على أبيض الثياب نفي وهو سبحانه العاصم في الفواتح والخواتم وكأني بك تجده إن شاء الله تعالى كتاباً تشد إليه الرواحل وتطوي لنيل المنى من فصوله وأبوابه المنازل حيث تضمن مباحث لطيفة ومطالب شريفة ورسائل تقطر ظرفاً ومسائل ترشح لطفاً بنثر قرب حتى اطمع وبعد على المتناول حتى امتنع كأنه من شرخ الشباب مسروق ومن لذة وصال الأحباب مخلوق بل لعمري لو أن كلاماً أذيب به صخر أو أطفئ بما يرشح من أهابه جمر أو عوفي بمعانيه مريض أو أجبر بمبانيه مهيض لكان هو ذلك الكلام الذي يقود سامعيه من بني الآداب إلى السجود ويجري في شرايين قلب واعية من ذوي الألباب جري الماء في العود لكني لم ألتزم في جميعه هذا النثر وأي روض كله عطري الزهر وأصابع الكف غير متساوية في الوصف وليست كل آية أن تعي فاغرة فاها بفصاحة يا أرض ابلعي وما كل نجم سيار ولا جميع أجزاء الليل أسحار على أني كثيراً ما أترك النثر بالكلية وآتي بدله بعبارة أرجو أن تكون عند المنصف مرضية وذلك لتكون مائدتي للآذان ذات ألوان وأشربتي للأذهان ذوات خمور وألبان فالطعام الواحد يمل، وإن حلا وجل، وأكثر الأسماع اليوم طبيعتها إسرائيلية فهيهات أن تصبر على طعام واحد وإن كان من أطعمة شهية، هذا مع أن ذهني بأيدي التجليات، فربما لا تسلمه بيدي لأنسج به بعض الفقرات، وقد يشرد مني، ويكون مناط الثريا عني، فأضطر إلى كلام مغسول، لا أعقل فيه سوى أنه معقول، فرحم الله تعالى امرأً عذر وقنع مني بما حضر) ولنشرع بمقصود الكتاب (مما في نزهة الألباب متوكلين على مولى العباد، ومن منه تعالى المبدأ وإليه سبحانه المعاد) فأقول (خرج خالص لبن وجودي من بين فرث العدم ودم الإمكان، بيد حازب القدر إلى قعب عالم العيان، قبيل ظهر الجمعة رابع عشر من شعبان وذلك سنة سبع عشرة بعد المائتين والألف، من هجرة من لا يحيط بكماله نطاق وصف صلى الله تعالى عليه وسلم ما ولد مولود، وما وجد في عالم الكيان موجود، وقد أرخ عام ولادتي بكل من شطور بيتين تراهما عين الأديب لخد غانية الفصاحة كسالفين، الشاعر المجيد الأطرقجي الملا عبد الحميد فقال: لقد أشرق البدر السماوي من بدا ... سنا نوره عن مشرق لاح بالجود أكمل الدين الحنيف مؤرخ ... تكلمت العليا بميلاد محمود

стр. 3

وأثر ما فطمت من ارتضاع الألبان، شرعت أتحسى در قراءة القرآن وبعيد ما حل عني بند قماط الطفولية، عقد على لواء حفظ المقدمة الأجرومية وريثما كسرت عني البيضة حبست في قفص مكتب الملا حسين الجبوري فأوفر من حسن تعليمه إياي الكتاب العظيم حبوري، وهو رجل قد كتب على أسارير جبهته الطلاح، ووفق للتقوى فرح على صفحات وجهه أنوار الفلاح، وكان مقيماً في مسجد قرب سوق حمادة، وقد أقام فيه رحمة الله تعالى عليه سوق العبادة، وقبل أن أبلغ من تسدية ما بين الدفتين الأمنية، طويت على نول قلبي رداء حفظ الأجرومية، وفي أثناء ذلك حفظت ألفية ابن مالك، وقرأت غاية الاختصار في فقه الشافعية، وحفظت في علم الفرائض المنظومة الرحبية، كل ذلك عند والدي أسكنه الله تعالى أعلى عليين، وكان قبل أن أبلغ من العمر سبع سنين، ثم أني لم أزل أقرأ عنده، وأحسو دره وشهده، حتى استوفيت الغرض من علم العربية وحصلت طرفاً جليلاً من فقهي الحنفية والشافعية، وأحطت خبراً ببعض الرسائل المنطقية، والكتب الشريفة الحديثية، وكان عليه الرحمة يزقني العلم ليلاً ونهاراً، ويزقني إن ونيت سراً وجهاراً، ولما بلغت من العمر عشراً، أذن لي بالقراءة عند غيره ولم يرهقني عسراً،) فقرأت (على أن عمي الأمجد) السيد علي بن السيد أحمد (شرح القوشجي للرسالة الوضعية العضدية، ووقفت والحمد لله تعالى على مضمراتها وإشاراتها الخفية) وقرأت (عليه أيضاً حواشيها، وأزلت بمراجعة الوالد عليه الرحمة غواشيها وهو رجل في بيتنا ربا، ولم يعرف غير أبي أباً، وأقرأه معظم العلوم القلية، وطرفاً يسيراً من العلوم العقلية، ومعظم قراءاته المعقول عند من تقصر عن طويل شرح حاله عبارتي) صبغة الله أفندي (بن الملا مصطفى العلي الزيارتي، ثم اضطره ضعف الحال، فسلك طريق الاكتساب لدفع ضرورة العيال، حتى أشكل عليه البديهي الأول، ولا يكاد يفهمه إياه إلا ابني أو ولي،) وقرأت (شرح آداب البحث المسمى بالحنفية على رجل يدعى) ملا درويش بن عرب خضر (في المدرسة الأحمدية وهو ممن أخذ العلم من العالم الرباني) الشيخ عبد الرحمن أفندي (المدرس الروزبهاني، خريج صبغة الله أفندي المذكور، ضوعفت لنا ولهم الأجور وذلك بعد أن قرأت منه درساً واحداً عند محمد أفندي بن أحمد أفندي مدرس السليمانية فلم أفهم منه ما قال كما لم يفهم مني ما قلت كأن بعضنا يتكلم بالعربية والآخر بالعبرانية،) وقرأت (حواشي الرسالة المذكورة، للفاضل مير أبو الفتح مع حواشيه المشهورة، وكذا آداب المسعودي والغ وعبد اللطيف وشرح السراجة في الفرائض للسيد الشريف، وأبعاض كتب عديدة ورسائل مفيدة، على ذي الأخلاق المستجادة) عبد العزيز أفندي شواف زادة (، وهو أيضاً ممن تخرج على الفاضل الأوحدي، الزيارتي، صبغة الله أفندي، وكان علم العلم ومناره، ومقتبس الفضل ومستناره شمائله معبرة عن لطف النسيم، ومحاوراته محدثة عن لذة التنسيم، ذا مزح أطيب من نفس الحبيب، وروح أخف من مغيب الرقيب. ففيه مجال للتواضع والعلى ... وفيه نصيب للفكاهة والجد

стр. 4

وكان عليه الرحمة مشهوراً بعلم العربية بين القاصي والداني حتى أنه كان يدعى لمهارته فيه بسيبويه الثاني، وقد قرأ ذلك على والده جليل الأوصاف الفقيه الشهير الملا محمود الشواف، وكان غواص تأمله يستخرج الدرر وقلما يجيب جواباً بأول النظر، ولا يأنف من قول لا أدري، ويجري مع الحق حيث يجري، وما رأيته غلظ في جواب، بل كان يسكت أو ينطق بالصواب، وكان أبعد العلماء من حمى المأثم، غير أنه للطفه يصحب الجنيد ويحيى بن أكثم، وغالب تدريسه في مسجد خال خاله ذي الصلاح، بل ولى الله تعالى بلا نزاع شيخ والدي الملا عبد الفتاح، وفي حجرته التي كان يدرس فيها دفن، فيا لها من مدفن بكل خير قمن، وسبب ذلك تعذر الوصول إلى المقابر لكثرة الماء وقلة الناصر، فقد طغى الماء ودخل البلد أيام الطاعون، وجرت من عيون السور على المطعونين عيون، ولا تكاد تجد لكثرة الموتى في الكرخ غير الشيخة الفانية والشيخ، ولذا كثر الدفن في المساجد والطرق والبيوت ومن الموتى من كان قبره جوف كلب أو بطن حوت، وكان ذلك من شهر شوال إلى غرة ذي الحجة الحرام، سنة ست وأربعين بعد المائتين والألف من هجرته عليه الصلوة والسلام،) وقرأت (من شرح الوضعية لمولانا عصام، إلى ما يعانق من الرسالة الختام، على ذي الفضل الجليل الجلي) السيد محمد أمين بن السيد علي الحلي (وكان رب فصاحة وبيان، يخيل منه إذا نطق أن كلاً من أعضائه لسان. إذا ارتج الخطاب بدا خليج ... بفيه كأنه بحر الكلام كلام أم مدام أم نظام ... من الياقوت أم حب الغمام إلا أنه كان مولعاً بنقل الغريب، ولا يبالي إذا تكلم أيخطئ أم يصيب وقد كثر لغطه، فكثر غلطه، ولم ينق ما في سفطه، فسقط كلامه عن القبول، لوافر سقطه، مع أنه أذكى من أياس، وذهنه أضوأ من نبراس، وكان أكثر قراءته على الملا عبد العزيز أفندي المذكور، قرأ عليه علوم العربية لما أنه في إتقانها مشهور، وقرأ على ذي المقام العلا، علاء الدين مولانا علي أفندي الموصلي، ولم يتحمل لسع نحل أخلاقه، ولم يستطب طبعه واستبشع مر مذاقه، فترك درسه الذي ماله في الحلاوة ثاني، وقرأ على الفاضل) عبد الرحمن أفندي الروزبهاني (وقبل أن يتخرج خرجت إلى الملأ الأعلى روحه، وتوفي في الطاعون بعد أن برأت بمرهم منصب الإفتاء جروحه) ولما (انقضت ثلاث عشرة سنة من عمري، وأنا مهتم في التحصيل وإصلاح أمري،) شرعت (بالقراءة مع إخلاص النية، وافتتحت بالخاتمة من شرح عصام للرسالة الوضعية، عند واحد العلماء، وأوحد الفضلاء، الضارب في كل فن بسهم، والقارع صفاة كل قريحة وفهم، فارس ميدان المباحث والحبر الذي عزز العلامتان منه بثالث، ذي القدم الراسخة في جميع العلوم والرتبة الشامخة التي دون رفعتها النجوم، ذي القدر الأعلى) علاء الدين أفندي الموصلي (، ولم أزل أقرأ عنده، وأستنشق ريحه ورنده، إلى من تخرجت به وتأدبت بأدبه، وكان عليه الرحمة ذا ذهن يحل كل عويصة ضامن، ووقار كان ثبيراً فيه كامن، وأدب زرت على أعناق الإعجاز جيوبه، وهبت بغوالي غواني الإبداع صباه وجنوبه، إلى عبارات عذبة شريفة، وإشارات ظريفة لطيفة، وألفاظ رائقة، ومعان فائقة، والحق أنه كان في كل علم آية الله تعالى الكبرى، وجنته التي لا يجوع فيها طالب علم ولا يعرى. هو الشمس علماً والجميع كواكب ... إذا ظهرت لم يبق منهن كوكب بيد أنه لضيق ذات يده ضاق صدره، ولمزيد كلف في نجم سعده كلف بدره ولذلك ساءت أخلاقه، وشائت فراقه رفاقه. كان لا يدري مداراة الورى ... ومداراة الورى أمر مهم

стр. 5

وعلى العلات أن حظه حطه، وأوفر من الحرمان قطه، وأعانه على ذلك الزمان المشوم، والدهر الجائر الغشوم، ومن العجيب أن داود باشا على فضله لم يعرف فضله، وأحله في غير محله وما أجله وذلك لأنه ما صانعه ولا داراً، ولم يكن في دفتره لما كان دفتر داراً، واتفق أن أمر له إذ ذاك ببرده، فأبى أن يقبل كرمه في المجلس ورده، فأضمر ذلك في نفسه حتى استوزر، فأظهر من سوء معاملته إياه ما أظهر، وكان يتتبع عثاره ويزيد بعثير الغارة عليه غباره، حتى أنه أمر بنفيه إلى الحدباء، فحدب عليه ورجا إثباته بعض أجلاء الزوراء، فأثبت ولكن في هم لا يحد، وبقي منكسر القلب إلى أن ضمه اللحد، وقد ضم في شهر ضم أباه، وكان تاريخ ذلك قولي) عنهما رضى الإله (ودرج على الأثر في الطاعون جميع أهله وبنيه وبقي بيته خالياً ليس سوى الصدا والحزن فيه. أتى على القوم أمر لا مرد له ... حتى قضوا فكأن القوم ما كانوا وصار ما كان من علم ومن أدب ... كما حكي عن خيال الطيف وسنان ولم يتخرج عليه إلا جمع هم أقل من أنصاف الزمان، بل المتخرج إذا تتبعت واحد أو اثنان، وذلك لقلة تحمل الطلبة كثرة دله، وعدم وقوفهم على وافر فضله ولا ينقص العالم قلة طلبته، كما لا ينقص النبي عدم أمته، وأنا ولله تعالى الحمد صبرت على مره، وصيرت شغلي السعي في صفاء سره، وتأدبت معه غاية الأدب، وانتهى أداء رسم خدمتي إياه إلى حد العجب، وإني لأرجو أن أنال ببركة ذلك مزيد الآلاء، فبركة بركة خدمة الشيخ بحر لا تنزحه الدلاء) وكان له شعر (تحكيه غمزات الجفون الوطف، وتماثله إشارات البنان الذي يكاد ينعقد من اللطف، ويضاهيه السحر إلا أنه خال عن تعقيد العاقد ويشبهه الدر، إلا أنه كله فرائد، فمن فرائده المنظومة، ونوافج مسكه المختومة التي تغار منها درر الأسلاك، وتغور لحسنها دراري الأفلاك، قوله غمره إحسان الله تعالى وفضله: لئن لم تشاهدني أخافش أعين ... فلي من عيون الفضل شاهد رؤية وإن أنكرتني الحاسدون تجاهلاً ... كفاني عرفاني بقدري وقيمتي يمثلني بالمد عين مكابر ... وقد حكم الفضل اختلاف الحقيقة فأيان شمس الاستواء من السهى ... وأين زلال من سراب بقيعة وليس الذي في الناس كالحي ميته ... لفضل وأفضال كحي كميت وقوله: وبي أهيف حلو الدلال مهفهف ... مليح التثني ساحر اللحظ أغيد حكى قده سمر القنا وجفونه ... حكي البيض والثغر الأقاح المنضد ترقرق ماء الحضن في وجناته ... على أن فيه جمرة تتوقد كتمت هواه عن سواه فليس لي ... به عاذل يرمي ولا لي مفند وفي هذه الدنيا ملاح كثيرة ... وليس كمثل السيد المتسود قد امتزجت روحي قديماً بروحه ... وقام لنا في عالم الذر مشهد له مقلة تعطي الصبابة حقها ... وأخرى حقوق الحسن ترعى فتجحد ويعجبني منه إذا مر في ملا ... يصد كما صد الغزال ويحرد وإن خلوة حانت أبان دلاله ... فنون ابتهاج هكذا الحب يحمد أوحده في الحب فليشهد الورى ... بأني في دين الغرام موحد أجدد فيه كل يوم صبابة ... بها يقتدي أني الإمام المجدد وقوله: ما غير ندب على الأيام ينتدب ... ولا سوى نجب تخدي لها النجب وليس كل فتى يدعى لحادثة ... ولا بكل ملاذ تكشف الكرب وليس يدفع من ضيم وينفع من ... مؤمل قط إلا السرج والقتب لا أكذبنك ما صبح كغاشية ... ولا بمغن غناء الأثمد الترب هذا الزمان لحاه الله همته ... أن لا يرى عنده حاج ولا أرب وفي ضمير الليالي أن تكلفني ... خلق الذي أنا وهو الرأس والذنب لا أسعد الله جدي إن أكن رجلاً ... يشين عرض علاه الجاه والنسب وزند فضلي يوماً أن قدحت به ... زند اللئام فلا جافتني النوب لا أرتقي الرتبة القعسا وسلمها ... نقصي ولو خدمتني السبعة الشهب أأبتغي عز نفسي في مذلتها ... وأيمن الله هذا المطمع العجب وأدعي المجد والعليا وتملكي ... كف الأماني لعمري هكذا الكذب على حرثي وبذلي في مواسمه ... وما على إذا لم تسعد السحب

стр. 6

فداء صان بوجه الماء مكسبه ... غنى مال بماء الوجه يكتسب ما ينقم الدهر مني حيث أهملني ... لا عيب عندي إلا العلم والأدب ولي فؤاد إذا حركت جانبه ... لنحو ضيم ينادي الويل والحرب ونفس حر إذا حدثتها لعلي ... تقول لي في سوى الإذلال تصطحب إن قمت يوماً على أعواد منبرها ... فذيل فضلي على سحبان منسحب إذا رأيت تساو ناقص وأخو ... فضل لدي مجلس السليا فلا عجب هذي الكواكب تبدو للعيون على ... بعد سواء ولكن بينها رتب فضائلي ما لهذا الدهر من سفه ... لم يقض من حقكم ببعض الذي يحبب حتى متى أنا في بؤس أكابده ... أحشاء عيشي في كف العنا نهب هل رحمة لفتى أودت شهامته ... بقدره فرثاه الحزم والأدب تهوى النوائب لقياه فيمنحها ... وصلاً ويهوى سنا العليا فتحتجب كأن بيني وبين الحادثات جرى ... عقد الموالاة أم ما بيننا نسب فكلما فارقته نكبة فرقا ... أمدها للرزايا عسكر لجب وقوله: وزمان عدت علي لياليه ... وقصت قوادمي وجناحي ودعتني صروفه في شتات ... وعناء وخيبة ونزاح لا لذنب أتيته غير أن ال ... فضل لم تلقه قرين نجاح وإذا ما الصلاح فيكم فساد ... ففسادي الذي لديكم صلاحي وقوله: قلما دعاني مشق قامة كاتب ... ثلث الملاحة منه في الولدان يرجو رقاعي الملام لعارض ... نسخي هواه وليس ذاك بشأني علقت قلوب الناس في تعليقه ... حسناً وهمت بخطه الريحاني وقوله: شجاك من الربع اليمانين عينه ... وأشجاك أن حث الرحيل ظعينه هو الحين أما الهجر يذكو سعيره ... وأما هو الأزماع يقضي طعينه عدتك العوادي خل داعية الهوى ... فمستوعر سهل الهوى وحزونه أتدري بنات الحيف أي دم امرئ ... أحلت ومن أدمت عليها شؤونه وهل ذكرت وألبان آخر عهدنا ... بها عهد صب أقسمت لا تخونه وعيشاً قضيناه بمنعرج اللوى ... ذوت بعد ذياك النضار غصونه لها طلل بين العذيب وبارق ... تفيئه والآن لا تستبينه ونؤي عفاه الدهر بعد وضوحه ... كما بان بعد الحك في الخط نونه خيال لذات الخال شوش خاطري ... وطيف بدا لي ثم أسرت ضعونه تكلفني وجداً بنجد وإنما ... هوى كل قلب حديث حل قرينه مضت حجج والشأن في المط شأنها ... وعندي شؤون الحفظ فيها شؤونه كأنا تراهنا لعود فرهنها ... فوأدي والطيف الخيال رهينه ترى هل أتى تلك المليحة والهوى ... أحاديث أن الصبر بان معينه وهل جاءها والعشق ميل ونزعة ... عن القلب أن لا يستفيق جنونه على بها في الجزع أية وقفة ... بها للهوى العذري تقضي ديونه ونظرة مسنام يغار على الحمي ... فطوراً يراعيه وطوراً يصونه كفى حزناً أني أرى العيس ترتمي ... بهودجها والبين حتى يقينه وأبصر ربات الحجال تفرقت ... أيادي سبا والربع خف قطينه ولم أنسها يوماً بجمع وشملنا ... بجمع ووجه الوصل زاه جبينه تقول كأني بالخيام تقوضت ... جميعاً وحادي الركب خفت لحونه وظن بأني قد سلوت غرامها ... فتى غير ديني في المحبة دينه معاذ هواها من سلوي وأنني ... بذاك بخيل لا يجوذ ضنينه وقوله: دعي ما كل ساجعة حمام ... وما النخل السحوق هي الثمام هي الأيام يوم عد عاماً ... ويوم في الحساب يعد عام لقد لهجت بذم الفضل قوم ... له قمنا على قدم وناموا يناظرني بهذا العصر ناس ... أنا الألف القويم وهن لام وشتان الذي صفع هواه ... ومن بالعز لذله الغرام رماني الحاسدون بكل أمر ... به عرفت مكانتي الكرام فقالوا حدة طوراً وحيناً ... به كبر وطوراً لا يرام وفي بغداد جثماني وفضلي ... تراعي حقه حلب وشام وفتية فرية قدحت بحقد ... وغير الحزم ما ضم الحزام وإن الجاهلين بكل عصر ... لأهل الفضل أعداء عظام فإن نبحت على أثري كلاب ... فليس بمدركي نقص وذام

стр. 7

وكيف تنال أرجلنا بعيب ... رؤوس خناً مطهرها الحسام وقوله: قيل لم همت في هوى ذي عذار ... طرز الشعر منه حلة خده قلت والعشق ذو فنون لكي يق ... طع عني الرقيب أسباب صده وكذا العاذلون تقصر عن لو ... مي فيخلو لي الحبيب بوده والجمال الذي به فتن الع ... شاق ما له الزمان بفقده أفتور بجفنه زال لا واله ... ما زال أم رشاقة قده خده خده وما ذاك العا ... رض إلا دخان لهبة قده وقوله: وقالوا تأخرت في ذا الزمان ومنك التقدم حاز الرجال فقلت يرى الصدر صفا أخيراً ... إذا أولاً عد صف النعال وقوله: لعلة جسمك قلبي شكا ... وعلة جسمي عندي أحب لجسمك قلبي جسم غدا ... وما صح جسم إذا اعتل قلب وقوله: أسفي على فضلي قضيت ولم أكن ... أملي قضيت وللفنون ديون وأخذت في كفني علو ما لم أجد ... مستودعاً هي في الدفين دفين وقوله مشطراً: أسفي على فضلي قضيت ولم أكن ... أبصرت عارف حقه فيبين ومن العلوم الغامضات ورمزها ... أملي قضيت وللفنون ديون وأخذت في كفني علوماً لم أجد ... من يخفظن حقوقها ويصون ورقيق أسرار جعات لها الحشا ... مستودعاً هي في الدفين دفين

стр. 8

إلى غير ذلك من شعره، وما ذكر زهرة من زهره، ومعظمه مما أنشده في مدينة السلام، وفيه أشعار بما أضربه من رخص أسعار فضله عند اللئام، والتشطير المذكور آخر شعر أحكم نظامه، والحمام قد نصب بباب داره خيامه، وكل أرويه عنه، وأدريه منه، وقد دفن عليه الرحمة في قبة حذاء قبة الشيخ عبد الله العيدروسي، في محلة حضرة الباز الأشهب أظلنا الله تعالى بظلال جناحه القدوسي،) وقرأت (شرح النخبة للهيكل النوراني، المحدث الحافظ ابن حجر العسقلاني، عند الفاضل الأوحدي) الشيخ علي أفندي السويدي (وكان ذا جاه كبير عند والي بغداد سليمان باشا الصغير، فكان لا يصدر إلا عن رأيه، وهو يسعى في نصحه غاية سعيه، وامتحن بعد قتله بسبب ذلك، وكان يهوى لولا بركة العلم في مهاوي المهالك، ومن الغريب أنه على كمال عقله وتنزه نفسه، ارتكب ما لا يكاد يرتكبه أبناء جنسه، حيث ذهب إلى البصرة محاسباً لواليها، ضابطاً رسم الكمرك الذي فيها، وكان ينسب إليه سيئ الإنكار، على أكثر الأولياء الكبار، وأنه وهابي العقيدة، وله فيها وله ومحبة شديدة، وأنه دعا إليها سليمان باشا، وملأ من علل الخروج على الدولة أهابه فخرج عليها، ولم يرسل شيئاً من خراج العراق إليها، فأثارت عشائر الأكراد وبعض الأعراب عليه، فتوجهوا في معية رئيسهم الداهية الهماء إليه، فخرج لقتالهم إذ قربوا من سور الزوراء، وقابلهم بجنود تغبر غيظاً من كثرتهم وجوه نجوم الخضراء حتى إذا التقى الجيشان، واعتدل الصفان، خانه رؤساء العسكر فبقي مع مثل عدة الأصابع ففر، ومر فاراً على قبيلة الدفافعة، فقطعوا عنه ماء الحيوة، وسدوا عنه مشارعه، والإنصاف أن السويدي لم يسود قلبه بعقائد جهلة الوهابية، وإنما عقده على العقائد السلفية الأحمدية ولعمري ولا حاجة إلى اليمين، أن ذلك ظاهر من درر كتابه العقد الثمين، وأن خروج ذلك الوزير إنما جر إليه أمر آخر لسوء التدبير) وبالجملة (كان ذلك الشيخ من كبار المتبعين، وحاشاه ثم حاشاه أن يكون من المبتدعين ... وكان لأهل السنة برهاناً، وللعلماء المحدثين سلطاناً، ما رأيت أكثر منه حفظاً، ولا أعذب منه لفظاً، ولا أحسن منه وعظاً، ولا أفصح منه لساناً، ولا أوضح منه بياناً، ولا أكمل منه وقاراً، ولا آمن منه جاراً، ولا أكثر منه حلماً، ولا أكبر منه بمعرفة الرجال علماً، ولا أغزر منه عقلاً، ولا أوفر منه في فنه فضلاً، ولا ألين منه جانباً، ولا آنس منه صاحباً، ولولا ونيم ذباب الذهاب إلى كمرك البصرة على ثيابه لقلت هو في جمع المحاسن الغرد فرد أسلافه وأصحابه، اختارت روحه في دمشق الشام من الملأ الأعلى رفيقاً، وهو يقرأ قوله تعالى) أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (، وجاء تاريخ وفاته أسكنه الله تعالى أعلى جناته) إن المدارس تبكي عند فقد علي (وقد أوقفني على جميع إجازاته، وأجازني كأولاده بجميع مروياته،) وقرأت (مسألة الصفات من الخيالي، على حضرة مولى لا يصل إلى حقيقة فضائله خيالي، حضرة مولانا) ضياء الدين الشيخ خالد النقشبندي (، وهو صاحب الأحوال الباهر، والكرامات الظاهرة، والأنفاس الطاهرة، الذي تواتر حديث جلالته وأجمع المنصفون على ولايته، وعمت بركاته الحاضر والبادي، وانتشر صيته في ك وادٍ ونادي، بهر بجبل صفاته أطوار العقول، ونال منه تلامذته غاية الوصول، امتد في المقامات والأحوال باعه، وعمرت بالفضل والأفضال رباعه، كان حريصاً على سلوك طريق أهل السنة والجماعة، لا يصرف من أوقاته ساعة في غير حل دقيقة علم أو طاعة، حسن السمت والسيرة، نير القلب والسريرة، إن توجه إلى قلب مريد ملأه نوراً، أو ربط على إكرام معدم أفعم ناديه بأيدي أياديه سروراً. الإمام الجليل غوث البرايا ... غيثها المرتجى ندى إحسانه ذو سجايا مثل الرياض سقاها ... وابل القطر من ندى هتانه بحر جود له جداول عشر ... في يديه تدفقت من بنانه سار في الخافقين ذكر علاه ... وعلا قدره على كيوانه فائض العلم عن روية فكر ... كاد يجلو سر القضا بعيانه ثابت الذهن كم خفايا علوم ... قد جلاها بالكشف عن برهانه فهو كشاف مشكلات معان ... حل ألفاظها بديع بيانه

стр. 9

وبالجملة ما حوى أحد في عصرنا فضله، وأنا لم أر مثلاً له وأظن أنه هو أيضاً ما رأى مثله، وإنكار بعض الأجلة عليه، وتوجيههم سهام الطعن وحاشاه إليه، كان بعضه محض نفسانية، وبعضه الآخر كان من غير روية، ومن المتنكرين من كان كالبائل في بئر زمزم، أراد أن يشهر اسمه بالإنكار عليهم مثله، وتحملوا من معاصريهم حملاً ثقيلاً، وصبروا على ما نالوا من معاديهم صبراً جميلاً، تلك) سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (على أن ذلك إنما نقص قدر من آذاهم ولم ينقص قدر ذرة من شامخ علاهم. من كان فوق محل الشمس رتبته ... فليس يرفعه شيء ولا يضعه وقد كان له قدس سره على شفقة شفيقه، وقد أمرني بالاشتغال بالعلم وضمن لي أن لا أحرم من بركة الطريقة، وها أنا إلى هذا الزمن منتظر تحقق ما ضمن، وكأني في بركة تلك البركة، أسبح إن شاء الله ولا سبح السمكة، وفد طارت روحه إلى حضيرة القدس في دمشق الشام، فحبست في أقفاص الأسى لطيرانه قلوب المسلمين والإسلام وقيل في تاريخ ذلك، غير ما قيل هنالك، ومنه قول السياه بوش من قصيدة مرثية، شرحتها شرحاً نفيساً سميته الروضة الأحمدية: ولما هويت الحق قلت مؤرخاً ... هوى للقاء الحق في القدس خالد وحين بكت أهل الطريقة أرخوا ... بكى فقدك الدرس الإلهي خالد وحين نحوت القدس قلت مؤرخاً ... دنى بازاء القدس في القرب خالد وحين اتحدنا في الطريقة نسبة ... وقد طهرت أعراقنا والمخالد نبغت بصدق عن لساني أرخوا ... مقامك صدق عند مولاي خالد وأجازني بما تجوز له روايته، وصحت لديه درايته، جامع العلوم البعيدة والقريبة، والفنون المعروفة والغريبة، سيدي وأستاذي ملحق الأصاغر بالأكابر) الشيخ يحيى المزوري العمادي (وهو إمام علامة أشهر من أن ينبه عليه، وأجل من يعرف بالإشارة إليه، لا يجاذب رداء فضله، ولا تدور العين في أصحابه على مثله، حامل أعباء التدريس والمعول عليه في مذهب الإمام ابن إدريس، بل لعمري أنه كان واسطة قلادة علماء عصره، يعجز البليغ عن وصف فضله ولو بلغ النثرة بنثره، والشعري بشعره، كان عليه الرحمة للعلماء جمالاً، لكن إذا رأيته حسبته لعدم اعتنائه بنفسه حمالاً، ولسان الإنصاف يقول على لسانه لو تعي، نحو ما قاله في نفسه الإمام الشافعي: على ثياب لو يباع جميعها ... بفلس لكان الفلس منهن أكثرا وفيهن نفس لو تباع بمثلها ... نفوس الورى كانت أعز وأكبرا توفي في بضع وخمسين بعد الألف والمائتين، من هجرة سيد المرسلين صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ودفن في مقبرة باب الأزج، لا زال لثرى قبره من غالية الرحمة أرج) وأجازني (أيضاً علماء أعلام، كل منهم في حلبة الفضل إمام، كالفاضل السري، محدث دمشق) الشيخ عبد الرحمن الكزبري (والسارح بقلبه في رياض الملكوت) الشيخ عبد اللطيف (ابن الشيخ علي مفتي بيروت، وقد كتبا لي بذلك من دمشق الشام، وصرحا فيما كتبا بعده إثبات لعلماء فخام ونظم في أثناء ما كتب الثاني، أبياتاً حسنة المباني والمعاني، فقال: أحسن ببغداد التي ... تحوي المكارم والكرام فاقت على كل البلا ... د بحسنها عند الأنام فكم انتشى من عالم وكم انتشى فيها إمام من حسنها أن قد غدت ... دار المحاسن والسلام وكأناس آخرين من علماء الآفاق ... والفضلاء القاطنين في أرجاء العراق قد انتظموا في سلك فضل قلادة ... وكلهم وسطي فناهيك من عقد

стр. 10

ولعلي أترجم الكل في كتاب، يكون إن شاء الله تعالى ثانياً لنزهة الباب) ولما (بلغت من العمر نحو إحدى وعشرين، جمع لشهود إجازتي علماء بلدتي شيخي علاء الدين، فكان يوم الجمع يوماً مشهوداً مشهوراً أفاض على العدو شروراً، وأغاض من الحاسد سروراً، وكان ذلك في المدرسة الخاتونية، قريباً من الحضرة القادرية، ونصبت يومئذ مدرساً في مدرسة الباجة جي الحاج نعمان، وهو جوار بيته قصر التماثيل متصلة بجدار البستان، في المحلة المشهورة اليوم بسبع بكار، وكانت من قبل مشهورة بمحلة نهر المعلى في الأقطار، وعندما نصبت تأججت نيران قلوب الأعداء فلم يطفها إلا خروجي فخرجت من هاتيك الأرجاء، ثم عمر الحاج أمين شقيق النعمان في محلة رأس القرية مدرسة وجامعاً مقدساً، فنصبت هنالك على رغم الحاسدين خطيباً وواعظاً ومدرساً، فصدعت بالخدمات الثلاث في ذلك المحل الأرفع، وصدحت على أفنانها بمرأى من العدو الشاني ومسمع، إلا أني عددت الخطابة نقمة، حيث أني أجهل خطباء العراق بأصول النغمة، والناس اليوم لا يسمعون خطيباً، ما لم يكن عندليباً، ولا يدخلون مسجداً، ما لم يكن خطيبه معبداً، ومعظم أهل العراق يكرهون الخطبا، إذا لم يغنوهم بنحو الحسيني والصبا، ويحسبون الإخلال بالألحان لحناً، وترك الأوزان العجمية في الدين وهناً، وكذا ثقل علي أن أعظ، لعلمي بأني غير متعظ. وإني لأستحيي من الله كلما ... راوني خطيباً واعظاً فوق منبر ولست برياً بينهم فأفيدهم ... إلا إنما تشفي المواعظ من بري وكان يغص الجامع بالسامعين، وتشرق الجيوب والأكمام بدموع الباكين وربما أبقى في تفسير الآية الواحدة شهراً، وأنا كل يوم أتلو عليهم والحمد لله تعالى من أسرارها ذكراً، وشرعت في الوعظ وأنا ابن عشر سنين ووعظت في كثير من مساجد المسلمين، وأقرأت شاباً وكهلاً. وأنا ابن ثلاثة عشر حولاً، وتعلمت ضم الحرف إلى الحرف، وعمري نحو أصابع الكف، كل ذلك من فضل الله تعالى عليّ، ثم بركة دعاء والدي، حتى إذا جاء الطاعون، وسارت بعلماء الكرخ وسادته الظعون. خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفردي بالسؤدد وتوفي إذ ذاك والأمر لله سبحانه والدي، ومن هو الله تعالى مساعدي، وفي تناول ما يصلح حالي زندي ومساعدي، سيدي وسندي) السيد عبد الله أفندي (تغمده الله برحمته، وأسكنه غرف كرامته في أعالي جنته، وكان عليه الرحمة ترشح بالصلاح جلدته، وتشرح الصدور رؤيته، ما رأته عيون الأسحار إلا قائماً، وما أبصرته مواسم الأبرار إلا صائماً، وما ابتسم ثغر فجر تحت أذيال دجاه، إلا وجده يبكي خشية بين يد مولاه جل علاه، وقد درس نحو أربعين سنة في الحضرة الأعظمية وكان يذهب إليها ماشياً إعظاماً لما ضمته من عظام محيي السنة الأحمدية وكان مع ذلك يدرس في مدرسة الموليخانه، التي جعلها داود باشا خاناً وسوقاً وبنى فيها لقهوة البن حانه، ونقل التدريس إلى بعض منها يسمى اليوم بالآصفية، ونصب فيها مدرسين للعلوم النقلية والعقلية، ودرس نحو أربع سنين في مدرسة الشهيد علي باشا التي أعدت لرئيس المدرسين، وهو عليه الرحمة ثالث مدرس درس بها، وكنت في أيامه محافظ كتبها، ووعظ وخل الشباب غير مماذق، في جامع محمد الفضل بن إسماعيل بن جعفر الصادق وكانت الطلبة تتبرك بالقراءة عليه، وتعد من أسباب الفتوح عليها تقبيل يديه وقد حج قبل أن يتزوج ثلاث مرات، وذهب إلى مصر لزيارة شقيقه السيد حسن فوجده يوم دخل قد مات) وينتهي نسبه الذكي الزكي إلى الريحانتين (فمن جهة أمه إلى الحسن ومن جهة أبيه إلى الحسين، ويحلق نسب أمه إلى ذلك بجناح الباز الأشهب، ومن نصب له وكر العناية الأزلية في حظائر الغيب الأغيب، قدس سره، وغمرنا بره، والأمر مفصل في حديقة الورود، فقد زهت فيها نظماً ونثراً أسماء الآباء والجدود، وكذا في شجرة الأنوار، ونوار الأزهار، التي ألفناها في إسلامبول، وجمعنا فيها ما شاء الله تعالى من ذرية الزهراء البتول، ولعمري أنه نسب يصلح أن يجعل تميمة فطيم، ويتخذ لبركة من حوى رقيمة سليم. نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نوراً ومن فاق الصباح عموداً فهو عليه الرحمة محبوك الطرفين، قد طابق شرفه في نفسه شرف الجدين فلا بدع أن نال بيد مجده الثريا، أو تفيء في الشرف مكاناً عليا.

стр. 11

ما عذر من ضربت به أعراقه ... حتى بلغن إلى النبي محمد أن لا يمد إلى المكارم باعه ... وينال غايات العلى والسؤدد مترقياً حتى تكون ذيوله ... أبد الزمان عمائماً للفرقد وبالجملة كان نقي الذات، بهي الصفات، زكي الأعراق، ذكي الأخلاق، وافي الوفاء، لا يخل بحقوق الأخلاء، قد طهر الله تعالى سره، وأعلى لديه بطاعته قدره، فلو أقسم على الله سبحانه لأبره. هذا أبي جامع ما قد سمعت به ... هيهات ما للورى يا دهر مثل أبي ولما توفي عليه الرحمة في الطاعون، وسارت معه من أهل البيت الظعون، لبس لي الزمان جلد النمر وجعل يكر عليّ ويفر، وجرت أمور منها السماء تمور، ووقعت مواد تشيب لذكرها لمم المداد. رماني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبال وصرت إذا أصابتني نبال ... تكسرت النبال على النبال

стр. 12

واضطررت إلى أن تركت سكنى داري، وارتكبت والأمر لله تعالى فراق سكني وجاري، وسكنت في ظل جناح باز الله الأشيب، عليه ما يبهر العقول من النور الشعشعاني الذي يحجب ولا يحجب قدس الله تعالى سره، وأعلى في حظائر القدس ذكره، حتى إذا كان رمضان سنة الخمسين، وهي مبدأ انحلال ما عقده القضاء علي من البين المبين، أمرني النقيب إذ ذاك بالوعظ في الحضرة الغوثية، فأجبته مكرهاً لاشتغال ذهني بأمور فاتفق أن ساق حسن القضاء، لاستماع وعظي الوزير الخطير) علي رضا (فسمعه فصلاً فصلاً، وفهم أسراره بلاً بلاً، فدهش واستغرب، وعجب غاية العجب وقال في مدحي ما قال، مما يضيق عن التلفظ به فم المقال، ثم أمر بأن أذهب إليه في العيد، والنقيب السابق ملقى السمع وهو شهيد، فضاق لذلك فسيح صدره، وندم على ما مر من أمره، فلما جاءه العيد، ذهب إلى سرايه فعايدته، وشاهدت من الإكرام ما لم أكن شاهدته، وأعاد ما كان من الوظائف علي، وكان أخذها مني، ورغبها عني، فكنت أشكل برؤيته العين، وأذهب غليه في الأسبوع مرة أو مرتين، وفي عيد الأضحى نصبني خطيب الأعظمية، وشغف بي، من بين صحبي، فجعلت أذهب مع الأعيان، كل جمعة للديوان، فأكون في الأغلب المخاطب له وحدي كأن لم يكن في الديوان غيري أفندي، وفي كل ليلة أجتمع معه، وأكاد أحيي ف مسامرته ليلي أجمعه، وفي هاتيك الأثناء شرحت البرهان في إطاعة الله ظل الله تعالى السلطان، فقدمته إليه، وعرضته عليه، لؤلؤه بوقف مرجان، وبجلب رتبة تدريس الأستانة من حضرة السامعين ثم نصبني مفتي الحنفية، وكان قد وعدني بذلك يوم سمع وعظي في الحضرة الغوثية) نعم (سعى غاية السعي في إنجاز ذلك الوعد، وأصر على عدم تأخيره من يوم إلى غد، ذو الهمة التي لا تجارى، والغيرة العمرية التي لا تبارى، من جرى وادي فضله فطم على القرى، حضرة مولاي) عبد الباقي أفندي العمري (، وكان لي سلمه الله تعالى في كل أموري مساعداً، ومتى عطلت يدي عن مصالحي كان لي يداً وساعداً، أدام الله تعالى حياته على رغم كل مبغض، ولم يزل ذلك الوزير يعلي لي الشأن، حتى قلدني من أيادي السلطان بنيشان، ولم يسبق ذلك لأحد من علماء البلد وذلك بعد أن وردت عدة أسئلة علمية من إيران، فأحجم عن جوابها قبلي فضلاء الزمان، وكل ذلك مفصل في ترجمتي حديقة الورود في مدائح أبي الثناء شهاب الدين محمود) حتى (إذا أراد الله تعالى فيه إظهار سابق علمه، وأوصله بلطفه الجزيل إلى آخر أيام حكمه، وجهت إيالة مدينة السلام) إلى محمد نجيب باشا (وإلى دمشق الشام، وأمر هو بالتوجه بدله إلى دمشق، فلم يسعه إلا الامتثال وإن شق، فلما جاء النجيب جعل حاله يتلون معي تلون الحرباء، فطوراً وصال وطوراً والعياذ بالله تعالى جفاء وأنا في كلتا الحالتين أطوع له من ظله، وأسرع في امتثال أمره من خاصة أهله، وكم صمم على عزلي وما عزل، حيث دفع بصدره عدم انتهاء الأجل، فقد قدر جل شأنه وعلا، لكل شيء حتى المناصب أجلا، فلما انتهى ما قدره، وقضى به في الأزل وقرره، أطاع اللاحي فعزلني عن منصبي، ففرحت بذلك كأنه غاية مطلبي، حيث كنت مشغولاً بإتمام تفسيري روح المعاني، وكان الاشتغال بالإفتاء قاضياً بتضييق زماني) نعم (رفع عني وقف مرجان، فأسبل علي بذلك سجف الأحزان، وقطع مني بشفرة إعراضه نياط قلبي، فصرت عثيثة أثاثي، وفويرة كتبي، حتى كدت آكل الحصير، وأشرب عليه مداد التفسير، وأرتقي هضبة عزلي، على وجه لم يحب إليه طفل عقلي، وذلك أني دعيت من قبل الدولة العلية أيدها وأبدها رب البرية، لحضور سور همايون، الذي هو بالخير مقرون، فبلاني من ذلك سرور، وضرب عليه من الكآبة سور، فأفهمني إشارة أني خرجت من البلد، أتردى بخنادق الكمد، ثم أشار علي بالاعتذار، وعرض تعذر السفر لبعد الدار، مع الاشتغال بالتفسير، والقيام بمصالح الوزير، فكتبت حسبما أشار، وكتب هو أيضاً ألا أنه أولج الليل في النهار، ومع ذا أوصل كتابي إلى حضرة شيخ الإسلام وولي النعم، الآخذ من مطايا الحق بمذود لا ومقود نعم على يد الباليون الفرنساوي، فأهوى بي لذلك إلى وخيم المهاوي، فكان ما كان، والله تعالى المستعان، فلم أر بداً من الارتحال، خشياً أن تغتالني غائلة العيال، وقلت لنفسي لا بد من السفر، وإن كانت قطعة من السقر، لأعرض حالي وعريض ما أنا فيه من البلية، على مراحم الدولة العلية العثمانية

стр. 13

أيدها وأبدها رب البرية، واتفق أن تم تأليف روح المعاني، فقلت نعمت الوسيلة هذه الأسفار للسفر إلى تلك المغاني، وصادف خروج خلف نجيب باشا حضرة عبد الكريم باشا الملقب بالنادر وبعبدي، ومعه من أحبابي مصطفى بك الربعي وسليمان بك أفندي، وذلك إلى آمد السوداء، حيث وجهت له إيالتها بدلاً عن إيالة الزوراء، فقلت لنفسي هذا الوزير نعم الرفيق وحبذاه صاحباً في ذلك الطريق، حيث أني من مخلصيه، الموالين لمن يواليه، والمعادين لمن يعاديه) فاستخرت (الله تعالى حسب المأثور ودعوته تعالى شأنه بالدعاء المشهور، ثم تفاءلت بكتاب رب العالمين مقلداً من قال لا بأس بذلك من العالمين، فنادتني غواني كواعب الآي من الخدور، وتلت علي) هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور (، واعلم أن الاستخارة مما درج عليه السلف، واتبع أثرهم فيه الخلف، والكلام عليها في فصول فاستمع هديت لما نقول. الفصل الأول في الأمور التي هي محل الاستخارة اعلم أن من شأنه أن يراد ينقسم أولاً إلى ثلاثة أقسام: الأول ما يعلم كونه خيراً كالواجب المضيق، الثاني ما يعلم كونه شراً قطعاً كالمجرم المجمع على تحريمه، الثالث ما لا يعلم على القطع خيريته ولا شريته في وقت مخصوص كالواجب الموسع والمندوب كذلك والمندوب المضيق الذي يعارضه مندوب آخر في ذلك الوقت من غير ظهور رجحان لأحدهما والمباحات كلها. ولما كان معناها طلب خير الأمرين من الفعل في وقت معين أو تركه فيه لم يكن الأولان محلين لها إذ أولهما خير قطعاً فلا رخصة في تركه وثانيهما شر قطعاً فلا رخصة في فعله فليس محلاً لها، إلا الثالث فما يوهم العموم في بعض الأخبار وستطلع إن شاء الله تعالى عليه كالأمر في خبر جابر الآتي عام مخصص أو أن آل فيه للعهد فلا تغفل. الفصل الثاني في سرد بعض أحاديثها

стр. 14

روى البخاري في باب ما جاء في التطوع مثنى مثنى من صحيحه عن جابر بن عبد الله قال كن رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدر بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري) أو قال عاجل أمري وآجله (فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري) أو قال في عاجل أمري وآجله (فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به قال ويسمي حاجته، وروى في كتاب الدعوات عن جابر أيضاً قال كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كسورة من القرآن إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ثم يقول اللهم إني أستخيرك وساق الدعاء وقال في آخره أيضاً ويسمي حاجته، وروي في كتاب التوحيد من الصحيح عنه أيضاً قال كان رسول الله ﷺ يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمهم السورة من القرآن يقول إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك إلى قوله وأنت علام الغيوب ولم يقل العظيم اللهم فإن كنت تعلم هذا الأمر ثم يسميه بعينه خيراً لي في عاجل أمري وآجله قال) أو في ديني ومعاشي وعاقبة أمري (فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري) أو قال في عاجل أمري وآجله (فاصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به. وروى الطبراني في المعجم الصغير عن ابن مسعود قال كان رسول الله) ﷺ (يعلمنا الاستخارة كما يعلمنا السورة من القرآن يقول إذا أراد أحدكم أمراً فليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كان في هذا الأمر خير في ديني ودنياي وعاقبة أمري فاقدره لي وإن كان غير ذلك خيراً فسهل لي الخير حيث كان واصرف عني الشر حيث كان ورضني بقضائك، وروى في الكبير عنه أيضاً قال علمنا رسول الله) ﷺ (الاستخارة فقال إذا أراد أحدكم أمراً فليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك ولم يقل العظيم وقال فإن كان هذا الذي أريد خيراً في ديني وعاقبة أمري فيسره لي وإن كان غير ذلك خيراً لي فاقدر لي الخير حيث كان يقول ثم يعزم، وروى الحافظ نور الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر في كتابه مورد الظمآن، إلى زوايد ابن حيان عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله) ﷺ (قال: اكتم الخطبة ثم توضأ فاحسن وضوءك ثم صل ما كتب الله لك ثم احمد ربك ومجده ثم قل اللهم إنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب فإن رأيت لي فلانة) تسميها باسمها (خيراً لي في ديني ودنياي وآخرتي فاقدرها وإن كانت غيرها خيراً لي منها في ديني ودنياي وآخرتي فاقض لي ذلك.) وروي فيه أيضاً (عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله) ﷺ (يقول إذا أراد أحدكم أمراً فليقل اللهم أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كان كذا وكذا خيراً لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي وأعني عليه وإن كان كذا وكذا) الأمر الذي يريد (شراً لي في ديني ومعيشتي وعاقبة أمري فاصرفه عني ثم اقدر لي الخير أينما كان ولا حول ولا قوة إلا بالله.) وروي فيه أيضاً (عن أبي هريرة قال قال رسول الله) ﷺ (إذا أراد أحدكم أمراً فليقل اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم إن كان كذا وكذا خيراً لي في ديني وخيراً لي في معيشتي وخيراً لي في عاقبة أمري فاقدره لي وبارك لي فيه وإن كان غير ذلك خيراً فاقدر لي الخير حيث كان ورضني بقدرك.) وروى الحافظ السخاوي (في كتاب الابتهاج بإذكار المسافر الحاج عن ابن السني من حديث إبراهيم بن البراء بن النظر بن أنس بن مالك عن أبيه عن جده أن رسول الله) صلى الله

стр. 15

عليه وسلم (قال لأنس رضي الله تعالى عنه إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات ثم انظر إلى الذي سبق إلى قلبك فإن الخيرة فيه وعزاه السيوطي إلى الديلمي في مسند الفردوس.) وذكر المجد الفيروز آبادي (في سفر السعادة عن الترمذي والحاكم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه مرفوعاً من سعادة ابن آدم استخارته الله ومن سعادة المرء رضاه بما قضى الله ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارة الله ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله.) وروى الطبراني في الصغير (عن أنس مرفوعاً ما خاب من استخار وهو واهي الإسناد جداً. لكن قال ابن حجر في فتح الباري ضعفه منجبر بشواهده وذكر منها ما ذكر والله أعلم. الفصل الثالث المذكور في كثير من الكتب أن من أراد الاستخارة يصلي ركعتين من غير الفريضة ثم يدعو وهو المصرح به في حديث جابر. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري قال النووي في الإذكار لو دعا بدءاً الاستخارة عقب راتبة الظهر مثلاً أو غيرها من الراتبة والمطلقة سواء اقتصر على ركعتين أو أكثر أجزأ كذا أطلق وفيه نظر. ويظهر أن يقال محله أن نوى تلك الصلوة بعينها وصلاة الاستخارة معاً بخلاف ما إذا لم ينووا تفارق تحية المسجد لأن المراد بها شغل البقعة بالصلوة. والمراد بصلوة الاستخارة أن يقع الدعاء عقبها إلى آخر ما قال انتهى. ثم أن ظاهر ما في حديث أبي أيوب ثم صل ما كتب الله لك أن الركعة الواحدة يحصل بها المقصود. وفي حاشية الإيضاح لابن حجر المكي أن الوجه عدم الحصول بها. وخبر ثم صل ما كتب الله لك يشملها وأكثر منها لكن استنبط معنى خصصه بغيرها ولا يخصصه حديث الركعتين لأنه من ذكر بعض أفراد العام الذي هو ما كتب الله لك وهو لا يخصص انتهى. وفيه إشارة إلى ما في قول الحافظ في فتح الباري من أن حديث الركعتين مقيد لحديث أبي أيوب. قال ويمكن الجمع بأن المراد أن لا يقتصر على ركعة واحدة للتنصيص على الركعتين ويكون ذكرها على سبيل التنبيه بالأدنى على الأعلى فلو صلى أكثر من ركعتين جاز انتهى. ثم اعلم أن الصلوة مطلقاً معتبرة في حصول الكمال فقد قال الشيخ أبو الحسن البكري في فتح المالك يشرح ضياء المسالك قال بعضهم لو تعذرت عليه صلوة الاستخارة اقتصر على الاستخارة بالدعاء انتهى. والظاهر أنه لا يشترط التعذر ولا التعسر فيحصل أصل الاستخارة بالدعاء وأكملها بالصلوة بنيتها ثم الدعاء. وفي خبر إذا أراد أحدكم أمراً فليقل الخ ما يشهد بحصول الاستخارة بلا صلوة انتهى كلام البكري) واعلم أيضاً (أن ظاهر الخبر أن الدعاء بعد فراغ المستخير من الصلوة فلا يجزى الإتيان في الأثناء. لكن في فتح الباري في قوله فليركع ركعتين ثم يقول اللهم الخ هو ظاهر في تأخير الدعاء عن الصلوة أي لمكان ثم قال فلو دعا به في أثناء الصلوة احتمل الأجزاء ويحمل الترتيب على تقديم الشروع في الصلوة قبل الدعاء فإن مواطن الدعاء في الصلوة السجود والتشهد انتهى. ولا يخفى ما فيه من ارتكاب خلاف الظاهر. الفصل الرابع

стр. 16

يسن كما قال ابن حجر المكي في حاشية الإيضاح نقلاً عن مصنفه افتتاح دعاء الاستخارة وختمه أي كسائر الأدعية بالحمد لله والصلوة على رسوله ﷺ . وفي حديث أبي أيوب ما يشهد بالافتتاح بالتحميد والتمجيد في خصوص دعاء الاستخارة ومن الأدلة العامة الدالة على سنية الافتتاح بما ذكرنا مطلقاً ما عزاه السيوطي لأبي داود والترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي عن فضالة بن عبيد مرفوعاً إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليدع بما شاء. وأما البسملة فلم أقف على ما يدل على سنية افتتاح الأدعية بها. وحديث كل أمر ذي بال الخ ليس على عمومه بل هو خاص فيما لم يجعل له الشارع مبدءاً كالصلوة ولا يبعد نظم الدعاء في سلكها فتأمل. الفصل الخامس اختلفوا فيما يقرأ في ركعتي صلوة الاستخارة فأفاد النووي أنه يقرأ في الأولى الكافرون وفي الثانية الإخلاص أي بعد الفاتحة فقال الحافظ زين الدين العراقي لم أقف على دليل لذلك ولعله ألحقهما بركعتي الفجر والركعتين بعد المغرب ولهما مناسبة بالحال لما فيهما من الإخلاص والتوحيد والمستخير يحتاج لذلك. ثم قال ومن المناسب أن يقرأ فيهما مثل قوله تعالى) وربك يخلق ما يشاء ويختار (وقوله سبحانه) وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم (. وقال في فتح الباري والأكمل أن يقرأ في كل منهما السورة والآية الأوليتين في الأولى والآخرتين في الثانية. وفي أمالي الصابوني عن أبي جعفر محمد بن حسين عن أبيه زين العابدين على جدهم وعليهم الصلوة والسلام أنه كان يقرأ في صلوة الاستخارة بسورة الرحمن وسورة الحشر. قال الصابوني وأنا أقرأ فيهما بسبح اسم ربك الأعلى لأن فيها ونيسرك لليسرى وأقرأ والليل إذا يغشى لأن فيها فسنيسره لليسرى. وفيما ذكر ما يشعر بأن رعاية المناسبة مندوب إليها وهو كذلك فإن رسول الله ﷺ بعث ليتمم مكارم الأخلاق وهي الآداب الشرعية الظاهرة والباطنة القولية والفعلية وهي أن يعامل كل شيء بما يليق به مما يحمده منك. فالأوضاع الشرعية كلها على المناسبة أما ظاهرة وأما خفية ولعل المناسبة فيما كان يقرأ زين العابدين أن في الأولى كل يوم هو في شأن وفي الثانية الأسماء الحسنى التي يدعى بها ﷻ والله تعالى أعلم. فمغزى أهل البيت بعيد) وأقول (لا يبعد أن يعد من المناسب قراءة والضحى وألم نشرح لما في ذلك من التفاؤل كما لا يخفى. الفصل السادس من المقرر في محله أن كل صلوة لها سبب متقدم على فعلها أو مقارن لفعلها فهي لا تكره في الأوقات المكروهة وكل صلوة لا سبب لها أولها سبب متأخر فهي مكروهة. أو اختلف في صلوة الاستخارة فعن النووي أنه قال في شرح المهذب أنها ذات سبب متقدم وهو الهم بالأمر والعزم عليه كما يقتضيه قوله عليه الصلوة والسلام إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين حيث وقع الأمر جزاء ومسبباً عن الهم الذي هو شرط. وقال الهيتمي في التحفة إنها ذات سبب متأخر ونوزع بأن السبب الإرادة لا الفعل ويرد بمنع ذليل هو السبب الأصلي والإرادة من ضروريات وقوعه انتهى. واعترض بأن قوله الفعل هو السبب الأصلي دعوى لم يثبتها وقوله والإرادة الخ لا تقريب فيه إذ لا منافاة بين كون الإرادة سبباً للصلوة وكونها من ضروريات الوقوع ولا يلزم كونها من ضروريات الوقوع أن يكون الفعل هو السبب الأصلي لا الإرادة فيحتاج إلى دليل يثبت مدعاه ولم يأت بشيء فتأمل وانصف. الفصل السابع

стр. 17

إذا فرغ المستخير من الدعاء فليمض كما قال النووي عليه الرحمة لما انشرح له صدره قال الهيتمي في حاشية الإيضاح فإن لم ينشرح صدره لشيء فالذي يظهر أنه يكرر الاستخارة بصلاتها ودعائها حتى ينشرح صدره لشيء وإن زاد على السبع. والتقييد بها في خبر أنس إذا هممت بامر فاستخر ربك فيه سبع مرات ثم انظر إلى الذي سبق إلى قلبك فإن الخير فيه. لعله جرى على الغالب إذ انشراح الصدر لا يتأخر عن السبع. على أن الخبر إسناده غريب ومن ثمة قيل الأولى قوله ابن عبد السلام أنه يفعل بعدها ما أراد إذ هو الخير لما مر في بعض الأخبار يقول أي الدعاء ثم يعزم أي على ما استخار عليه وهو أقوى من ذلك الخبر. وزعم بعضهم أن الاعتماد على ما ألقي في النفس إذا كان موافقاً للشرع فإنه إلهام حقاني. لكن ينبغي كما قال ابن جماعة أن يكون المستخير قد جاهد نفسه حتى لم يبق لها ميل إلى فعل ذلك الشيء ولا تركه وأن يكون محكم المراقبة لربه سبحانه من أول الصلوة إلى آخر الدعاء ولو فرض أنه لم ينشرح صدره لشيء كرر الصلوة والدعاء ولو فوق السبع كما يشعر به ما وقع للشافعي رحمه الله تعالى من أنه استخار في أمر سنة. فإن خاف الفوات وكرر ولم ينشرح صدره شرع فيما يسر الله تعالى له فالخير فيه إن شاء الله تعالى. وقال بعض الأجلة يمكن الجمع بين حديث أنس والخبر الذي فيه بعد دعائها ثم يعزم بأن الأول لمن يكون مراقباً لقلبه مميزاً بين خواطره ضابطاً يفرق بين الخاطر الأول وما بعده لا يلتبس عليه الأمر لكونه صافي القلب حاضراً مع الرب سبحانه فذاك الذي يعتمد الخاطر الأول الذي يسبق إلى القلب كما في ذلك الخبر. وقد قالت الصوفية الخاطر الرباني هو أولى الخواطر وهو لا يخطي. والخبر الثاني لمن ليس بمتمكن في المراقبة وضبط الخواطر ومعرفة السابق منها وغيره فذاك الذي يعزم بعد الاستخارة على الشروع فيما استخار له والله تعالى ييسر الخير ويصرف الشر وهو سبحانه الرؤوف الرحيم. الفصل الثامن

стр. 18

ذكر السهروردي قدس سره في عوارف المعارف أن من جلس بعد الصبح يذكر الله تعالى إلى طلوع الشمس وارتفاعها كرمح يصلي بعد ذلك ركعتين بنية الاستعاذة بالله من شرور يومه وليلته ثم ركعتين بنية الاستخارة لكل عمل يعمله في يومه ونيته. ثم قال وهذه تكون بمعنى الدعاء على الإطلاق وإلا فالاستخارة التي وردت بها الأخبار هي التي يفعلها أمام كل أمر يريد انتهى. وتعقبه الهيتمي في التحفة بأن ما ذكر صلوة مخترعة لا أصل لها في السنة. وألف الكوراني رسالة في رده سماها) الأسفار عن أصل استخارة أعمال الليل والنهار (وفيها ما يتعلق بما نحن فيه أنه قد تبين من السنة الصحيحة سنية الاستخارة في أمر معين بشرطه بلا خلاف فهي سنة في كل عمل هو محل لها فلا مانع أن يلاحظ بوجه كلي أعمال الليل والنهار ويقال في الدعاء اللهم إن كنت تعلم أن جميع ما أتحرك به أو أكتسبه فعلاً أو تركاً خير الخ. وقد ورد في أدعية الصباح والمساء ما فيه عموم نحو أسألك خير هذه الليلة وخير ما بعدها وأعوذ بك من شرها وشر ما بعدها ونحو اللهم أنجح الليلة كل حاجة لي ولا تزدني في دنياي ولا تنقصني في آخرتي وجاء أنه إذا أصبح قال مثل ذلك. وعلى هذا فالهم في أحاديثها يعم الهم بأمر معين والهم بأمور متصورة بعنوان كلي إجمالاً في مدة معينة وللمجد الفيروز آبادي في سفر السعادة وجمال الدين السمهودي في جواهر العقدين ما هو ظاهر في أن تلك الصلوة غي مخالفة لما ورد في السنة) وقال الشيخ الأكبر قدس سره (جربنا هذه الصلوة ورأينا عليها كل خير. وتمام الكلام في هذا المقام يطلب من هاتيك الرسالة وما ذكرناه بالنسبة إلى ما هناك أقل ذبالة) وبالجملة (أمر ما يفعلونه من تلك الصلوة هين بالنسبة إلى ما اعتادوه من الاعتماد على الرؤيا التي يرونها في النوم بعد الاستخارة إذ ليس في ظواهر الأخبار ما يؤيد) وذكر الكوراني (عليه الرحمة أن المقصود من الاستخارة أن يختار الله تعالى لعبده ما فيه الخير وإعلام الله سبحانه له درجات متفاوتة ومن درجاته الرؤيا فهي من قسم المضي لما ينشرح له الصدر المفسر به العزم لرجوعه إلى الانشراح بالخطاب الرباني الشامل لما يكون يقضة بالإلهام ولما يكون رؤيا وهو كما ترى فتأمل) نعم (هم القوم الواقفون مع الآداب الشرعية ظاهراً وباطناً فحسن الظن بهم أنهم لم يعتمدوا ذلك إلا لدليل يعتمد عليه وما يضرهم عدم علمنا به) فوق كل ذي علم عليم (. الفصل التاسع

стр. 19

لهذه الاستخارة المنامية أدعية مختلفة. منها ما سمعته في الآثار. ومنها غير ذلك فقد رأيت في بعض الكتب أنه يقول بعد الصلوة والدعاء الوارد اللهم يا هادي اهدني ويا عليم علمني ويا مبين بين لي ويا خبير خبرني عن أمري ويسميه وينام على وضوء مستقبل القبلة وفي بعضها زيادة واضعاً خده على كف يده اليمنى وهو مما لا بأس به والاقتصار على الوارد أولى) نعم (الطامة الكبرى ما ذكره ابن خلدون في كتابه المشهور وسماه بحطومة الانطباع التام وذكر أنه يقرأ عند النوم بعد فراغ السر وصحة التية فيرى القارئ ما يرى وهو تماغس بعد أن يسوادد أغداس نوفنا تمادس. وذلك فإن هذه الأسماء مجهولة المعنى لم ترو قراءتها ولا الأمر بها عن المعصوم عليه الصلوة والسلام وقد صرحوا بحرمة قراءة مثل ذلك لعدم الأمن من تضمنه محظوراً ولا أقل من الكراهة وندب الترك لخبر يدع ما يريبك إلى ما يريبك) ومن الاستخارات الشائعة (الاستخارة بالقرآن ويسمونها تفاؤلاً ولهم فيها كيفيات شتى والظاهر أن ذلك مما لا دليل على مشروعيته. وفي شرح فقه الأكبر لعلي القارئ ما نصه ومن جملة علم الحروف فال المصحف حيث يفتحونه وينظرون في أول صفحة أي حرف وافقه وكذا في سابع الورقة السابعة فإذا جاء حرف من الحروف المركبة من تشخلا كم حكموا بأنه غير مستحسن وفي سائر الحروف بخلاف ذلك. وقد خرج ابن العجمي في منسكه قال ولا يؤخذ الفال من المصحف قال العلماء اختلفوا في ذلك فكرهه بعضهم وأجازه بعضهم ونص المالكية على تحريمه انتهى. ولعل من أجاز أو كره من اعتمد على المعنى ومن حرمه من اعتبر حروف المبنى فإنه في معنى الاستقسام بالأزلام انتهى كلام القاري. والذي أميل إليه الكراهة مطلقاً ولا يبعد القول بالحرمة كذلك فتأمل) ومن البدع (ما يستعمله الشيعة من التفاؤل بالسبحة ونحوها على سائر الكيفيات المعروفة بينهم وكذا ما يفعله كثير من الناس من التفاؤل بديوان الحافظ الشيرازي قدس سره وقد تفاؤل لي بعض أصحابي يوم عزيمتي على السفر فخرج قوله: كل بر در ومي در كف ومعشوقة بكامست ... سلطان جهانم بجينين روز غلامستِ حافظ منشين بي مي معشوقة زماني ... أيام كل وياسمين وعيد صيامست ) وللعوام تفاؤلات بغير ذلك (من أقدمها التفاؤل بالطيور وكانت الجاهلية تفاؤل بأسمائها وأصواتها وأحوالها وتتشاءم بذلك وعليه قول ذي الرمة: رأيت غراباً ساقطاً فوق قضبة ... من القضب لم ينبت لها ورق خضر فقلت غراب لاغتراب وقضبة ... لقضب النوى هذي العيافة والزجر وهبت جنوب باجتنابك منهم ... ونفح الصبا تلك الصبابة والهجر وقول كثير عزة: رأيت غراباً ساقطاً فوق بانة ... ينتف أعلى ريشه ويطايره فقلت ولو أني أشاء زجرته ... بنفسي للنهدي فهل أنت زاجره فقال غراب لاغتراب من النوى ... وفي البان بين من حبيب تحاوره فما أعيف النهدي لا در دره ... وأزجره للطير لا عز ناصره وقول بعضهم: دعا صرد يوماً على غصن بانة ... وصاح بذات البين منها غرابها فقلت أتصريد وشحط وغربة ... فهذا لعمري نأيها واغترابها ومثل ذلك الطرق بالحصى والتشاؤم بالعطاس إلى أمور كثيرة من هذا الباب ولله تعالى در من قال: لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع وقال صابي بن الحرث البرجمي: وما أنا ممن يزجر الطير همه ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب ولا السانحات البارحات عشية ... أمر سليم القرن أم مر أعضب وقال شاعر قديم: لا يمنعنك من بغاء الخ ... ير تعقاد التمائم ولا التشأم بالعطا ... س ولا التيامن بالمقاسم ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحائم فإذا الأشايم كالأيا ... من والأيامن كالأشايم وكذاك لا خير ولا ش ... ر على أحد بدائم قد خط ذلك في الزبو ... ر الأوليات القدائم

стр. 20

وصح لا عدوى ولا طيرة. والطيرة على ما قال المناوي التشاؤم بالطيور والظاهر أن مثله التشاؤم بغيرها) نعم (في التشاؤم بالمرأة والدار والفرس خلاف وقد ذكر الجلال السيوطي في حاوي التاوي قد ورد في التشاؤم بالمرأة والدار والفرس الحديث واختلف العلماء هل ذلك على ظاهره أو مؤول والمختار أنه على ظاهره وهو ظاهر قول مالك انتهى. ثم أن التفاؤل بنحو سماع كلمة طيبة مما لا أرى فيه بأساً بل قد ورد أنه عليه الصلوة والسلام كان يحب الفأل فليحفظ. وكل هذا استطراد وتحقيق الكلام عليه في محله وليس الغرض إلا تحقيق الاستخارة التي ذكرها الفقهاء وذكر أني قد فعلتها فخار لي ربي السفر) فخرجت يوم الخميس (لما أنه يوم مبارك وقد جاء في خبر اللهم بارك لأمتي في سبتها وخميسها وفي البخاري كان عليه الصلوة والسلام قلما يخرج إذا خرج في سفر إلا في يوم الخميس وفي رواية للشيخين ما كان يخرج) ﷺ (إلا في يوم الخميس لكن ذكر غير واحد أنه) عليه الصلوة والسلام (خرج مرة يوم السبت وبكرت في الخروج لخبر اللهم بارك لأمتي في بكورها وفي رواية بزيادة لا سيما يوم الخميس. ثم أن في هذا اليوم تفاؤلاً من جهة أنه يوم بث الله تعالى فيه الدواب في أصل الخلق وأخرجها من العدم إلى الوجود وجعلها تسرح في رياض كرم وجود ومن جهة أنه خامس أيام الأسبوع بناء على ما اختاره من أن أوله الأحد لا السبت كما قاله جمع والخمسة عدد مآثر لا تعدم بضربها في نفسها وضرب الحاصل في نفسه وهكذا إلى ما لا يتناهى ومن جهة أن اسمه قبل مؤنس كما قيل: أؤمل أن أعيش وأن يومي ... بأول أو بأهون أو جبار أو التالي دبار فإن انته ... فمؤنس أو عروبة أو شيار ومن هذا يعلم سائر أسماء الأسبوع من قبل وفي السفر فيه للغزو تفاؤل آخر من جهة أنه اسم للجيش ففيه تفاؤل على الظفر بالخميس أي الجيش لأنه عبارة عن مقدمة وقلب وميمنة وميسرة وسافة. وكان ذلك أول جمادى الآخرة وجمادى كحبارى معرفة مؤنثة تجمع على جماديات ويقال للأولى جمادى خمسة وللآخرة جمادى ستة نظراً إلى أن الأولى خامسة شهور السنة المفتتحة بالمحرم والآخرة سادستها وكانت تسمى زبى كزنى وكذا لغيرها من الشهور أسماء في الجاهلية غير المشهورة. فالمؤتمر للمحرم. وباجر لصفر. وخوان كشداد لشهر ربيع الأول. وبصان كغراب ورمان لشهر ربيع الثاني. وحنين كأمير وسكيت وباللام فيهما لجمادى الأولى والآخرة وما سمعت للآخرة فقط. والأصم لرجب. والعادل لشعبان. ونانق لرمضان والوعل لشوال. وورنه لذي القعدة. وبرك كزفر لذي الحجة.) واخترت (أولى المشهد لأنه أول أيام الليالي الغرر فلا يخلو ذلك عن تفاؤل لا سيما والقمر متوجه إلى الكمال. واعلم أن لكل ثلاث ليال من الشهر أسماء يخصها وقد نظم ذلك فقيل: ثم ليالي الشهر قد ما عرفوا ... كل ثلث بصفات تعرف فغرر ونفل وتسع ... وعشر فالبيض ثم الدرع وظلم حنادس دآدي ... ثم المحاق لانمحاقٍ بادي ) وكنت (قد التمست الرفيق قبل الطريق لخبر رافع بن خديج التمسوا الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق. لكن قال الكمال ابن أبي شريف أنه منكر وقد أشرت إلى الرفيق فيما مر) وأنا أقول (الآن هو حضرة الوزير والمشير الخطير) عبد الكريم باشا (دام بخير وعاشا يلقب بعبدي بين الأكابر والأصاغر. ولقبه حضرة السلطان عبد المجيد خان بالنادر جاء إلى بغداد مشير عساكر الحجاز والعراق فوقع بينه وبين واليها حضرة نجيب باشا سيء الشقاق وأنى يتصافى لا سيما في العراق عشاق هند وهل يجمع السيفان ويحك في غمد فعرض كل منهما للباب العالي شاكياً على صاحبه طالباً أن يسلب من يديه لحمة منصبه بقوى مخالبه فصادف ذلك انتهاء مدة الوالي في أم الكتاب فجاء البريد أسرع من رجع العطاس بفصله من جانب الباب وكان علاوة على ذلك نصب النادر بدله وتوجيه النيشان ذي الشأن له. ما حيلة الرامي إذ التقت العدى ... وأراد يرمي السهم فانقطع الوتر

стр. 21

فعلا النجيب من ذلك حزن عجيب وخرج من بغداد ملتفتاً إليها بقلب ذي وجيب ولم يسر النادر نصبه والياً وكان منصبه الأول في عينه وعينيك حالياً وكان يهوى قلبه البقاء في العسكرية وليس له وراءها إلى المنية أمنية لأنه نشأ فيها ووقف على جليها وخافيها فهي حبيبه الأول الذي لا ينتقل عنه ولا يتحول فلسان حاله يقول وتسمعه إذا صاخت إليه آذان العقول. أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلباً خالياً فتمكنا على أنه يعلم أن علم السياسة أدق من عمل الإكسير. والفتق الذي فتقه سلفه يعجز عن رتقه دقيق التدبير وأن ليس عنده من يحل رجل دجاجة أو يقضي له من حاجة أدنى حاجة وكان سلمه الله تعالى ذكي الأخلاق زكي الأعراق طاهر الثياب نقي الأهاب لين الجانب مكرم الصاحب إذا دقق بهر وإذا فكر شق الشعر يحب الكرم ويكره من ظلم لا يرتوي جواد ذهنه من حياض التفكر في عظمة ذي الكبرياء ولا يزال طرف طرفه سارحاً في رياض ملكوت السماء كلماته تعد وكمالاته لا تحد بيد أنه لا يلتزم لامرئ أمراً ولا يتجرع لشرب حلو مراً قد حول كل أمر إلى القدر فلا يغضب إن عصي إذا نهى أو أمر) وبالجملة (هو نادر الأمثال فيمن رأينا من الرجال ما أحسن صحبته وأجل لمن ليس له عنده أمل أسأل الله تعالى أن يديمه في سعود وصعود ويكفيه على ممر الزمان كيد كنود وحسود) والرفيق الثاني (الذي التمسته وأدركت منه اللطف من قبل وآنسته أخي الذي لم أزل معه ولم يزل معي) جناب مصطفى بك أفندي الربعي (وهو من قوم كانوا في بغداد أعيان مجد يشار إليه بالأصابع وأقران فضل لا طاعن فيه ولا مدافع. إذا ركبوا زانوا المواكب هيبة ... وإن جلسوا كانوا صدور المجالس صار أبوه) علي بك (في بغداد قائمقام واليها سليمان باشا الكبير وكان عند الوالي المشار إليه ذا قدر على خطير ونصبه بعد متسلما في ماردين وهناك تسلمت الملائكة روحه فعرجوا بها إلى عليين وهو ابن عبد الله بك بن محمد أفندي دفتر دار بغداد المحمية وقد ورد دفتر دار إليها من جانب الدولة العلية وهو ابن علي باشا كان والياً في الحدباء أتاها من قبل الدولة سنة خمس وتسعين بعد الألف وحكم فيها ثلاث سنين على ما ذكره العمري في كتابه منهل الأولياء وذكر فيه أيضاً قصة غريبة لهذا المرحوم ونص على أن اسم أبيه عليه الرحمة قدوم وذريته تنكر ذلك الكلام وترفع رأسها إلى بعض الصدور العظام وتقول أن ذلك الصدر كان من رؤوس ربيعة وأنه كان صدراً عند حضرة السلطان مراد يوم جاء إلى بغداد فنال بفتحها الفخر جميعه وقد فاز عند الفتح بالشهادة وحاز بالرفع إلى عليين أعلى مراتب السعادة) وأنت تعلم (أن الناس مأمونون على أنسابهم كذباً أو صدقاً نعم يطالبون بحجة إذا ادعوا بها حقاً وأن التسامع في هذا المطلب نافع على أن النفس إذا كانت بأهلية لا يجديها نفعاً شرف الأنساب ولو كانت هاشمية. ما تنفع الأنساب من هاشم ... إن كانت الأنفس من باهلة فبلال حبشي وأبو لهب قرشي ولله تعالى در من قال: كن ابن من شئت واكتسب أدباً ... يغنيك مضمونه عن النسب إن الفتى من يقول هاأنا ذا ... ليس الفتى من يقول كان أبي ولعمري لا ينفع الحسب ما لم يكن بالمكتسب. وما الحسب الموروث لا در دره ... بمحتسب إلا بآخر مكتسب إذ العود لم يثمر وإن كان شعبة ... من المثمرات اعتاده الناس للحطب والشرف النسبي في حكم النعت السببي ومن الجهل والغرور التعاظم بعظام في القبور ولله تعالى در ذي النظم الدري والنثر العبقري سلطان بني الآداب عبد الباقي أفندي العمري في قوله دام صيب فضله: قل لمن ظهر التعاظم في الأرض ... على الناس بالعظام الرميمة لا تكن بالعظام كالكلب مغري ... ليس في الكلب ويك في العظم قيمة وقوله: أقول لمن غدا في كل وقت ... يباهينا بأسلاف عظام أتقنع بالعظام وأنت تدري ... بأن الكلب يقنع بالعظام وقوله: لم يجدك الحسب العالي بغير تقى ... مولاك شيئاً فحاذر واتق الله وابغ الكرامة في ترك الفخار به ... فأكرم الناس عند الله أتقاها

стр. 22

والكلام في هذا الباب مما تضيق عنه صفحات هذا الكتاب وفيما ذكرنا غنية عن المزيد ويكفي من القلادة ما أحاط بالجيد على أن الأمر أوضح من صباح فأي حاجة إلى مصباح) ثم أني أقول (ويشهد لي بذلك عدول إن أباء الرفيق المومى إليه رحمة الله تعالى عليهم وعليه لا يختلف في جلالتهم اثنان ولا ينتطح في شرفهم كبشان وقد أراد هو أن يتسور ما تسوروا ويجسر على الكسر والجبر كما جسروا ويصل إلى ما وصلوا وينزل من العلياء حيثما نزلوا فجهد وجد لكن لم يساعده الجد. إذا لم يكن للمرء جد مساعد ... فلا جهده يغني ولا جده يجدي وجد الفتى من غير جد يعينه ... كسيف بلا حد وكف بلا زند ونهاية امرأ أن مد الزمان له يداً فرفعه حتى جعله عند عبدي باشا في بغداد كدخدا إلا أنه لم يمهله أن يجبر كسراً أو يسر سراً أو يسدي يداً أو يرد على صديق ردي أو يبني كأسلافه مجداً أو يبقي بإحسانه على الأحرار لا خلافه عبداً حيث ضيق بواسع الحوادث صدره ونفث في عقد عقله فغير فكره ولم يزل يغريه بأشياء كان هو ينكرها على غيره ويحسن له أموراً كان يكرهها في سره وجهره وبذلك وجد عليه من وجد وثنى عنه عطفه بلا اكتراث معظم وجوه البلد وقبل أن تنجلي عنه غياهب المحن ويفطن لما غشه به غشاش الزمن صرحت الأقدار وصرحت الأخيار بعزل وزيره وحطه عن سريره وأمره بالذهاب إلى آمد السوداء وتوجيه أيالتها بدل أيالة الزوراء فعند ذلك عادت إليه أفكاره التي كانت له في الأصل وجادت بوصل حيث لا ينفع الوصل وقد كانت بيني وبينه رحمه الله تعالى محبة شديدة ومودة لم تزل على ممر الأيام أكيدة لا تكاد نفترق في أغلب الليالي والأيام إلا لحاجة ضرورية أو ضروري منام وكنت أوفر أخلائه نصيباً من وافر هممه وكان يذب عني ذب الغيور عن حرمه ومن كرامة نفسه أنه يغضب من غية بني جنسه بل يغضب من غيب أعدائه فضلاً عن أصدقائه وأحبائه وكان إذا نطق لا يتلعثم وكثيراً ما يضحك وهو يتكلم وله عقيدة أصفى من الحليب ومذهب السلف إليه أحب حبيب وكان معظماً بين الكوله مند حيث أن له ولاء يخفق لواؤه على فريقهم بنسائم عتق فعله الجد ولإثبات هذا الولاء في حق داود باشا تجشم السفر للأستانة العلية فسوعد وأثبت إلا أنه قبل أن يلوي عنان الرجعة لوت ساعد حياته المنية ويا سبحان الله تعالى كان بصدد أن يقبض أرث المشار إليه فقبضت روحه وبقصد أن يسكن ريح من يشق ذلك عليه فسكنت ريحه. يرجى المرء ما أن لا يراه ... ويعرض دون أدناه الخطوب وقد لبس من الشهادة الحلة الفاخرة سنة تسع وستين ومائتين وألف تاسع جمادى الآخرة من الله تعالى عليه بالرحمة والغفران وأورثه بدل ما فاته من الإرث غرف الجنان. ) والرفيق الثالث (في هذا السفر الحادث) هو سليمان بك (بن ليث أوغا كدخدا بغداد سابقاً الحاج طالب أغا ارتضع در الفضل صغيراً وتقلد در الأفضال كبيراً عانى فن الكتابة فمهر في الإنشاء فهو اليوم ينظم الكواكب الدرية في سلك تحريراته التركية إن شاء. عباراته في النظم والنثر كلها ... غرائب تصطاد القلوب بدايع فهن لأجياد المعالي قلائد ... وهن لأجناد المعاني طلايع أقرت له بارق كتاب الروم وقالت أنى لنا أن نقر بالرق سواري النجوم فيا له من كاتب جمع العجائب والغرائب. إن هز أقلامه يوماً ليعملها ... أنساك كل كمي هز عامله وإن أقر على رق أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام له قد سخرت له جن المعاني المتعاصية على الأذهان ولا بدع إذا ما سخرت الجن لسليمان ولعمري لو صعد الذهن النظر في بلقيس كتبه وصوب لظهر له من معانيها وألفاظها غاية العجب. معان كالعيون ملئن سحراً ... وألفاظ موردة الخدود ومع ذا إذا نظم أبدع وإذا تفتق نور شعره فالحسن بين مرصع ومصرع وينضم إلى ذلك لين جانب ورعاية صاحب وكرم أخلاق وحسن وفاق. ولو أن المكارم صرن نفساً ... لكان لها الضمائر والعيونا

стр. 23

فهو الذي اجتهد في طلب الكمال ففاق وقلد بدور الأفضال سائر الأعناق فيا له من مجتهد مقلد ومسددٍ مسدد ما صحب ذا عقل من الوزراء إلا كان مقدم حزبه والمستولي على سمعه وبصره وقلبه كل ذلك لعلو همته ومزيد صدقه في خدمته لا يترك وإن ضاقت لسعة غائلته الأوقات الاشتغال بما عين له من النفي والإثبات ويميل في الاعتقاديات إلى مذهب الحلف وكم له في ذلك الميل من سلف ولا يرى في العمليات غير تقليد الإمام الأعظم وتعظيم سائر أئمة الدين عنده أمر ملتزم فكلهم درر مستجاده إلا أن الإمام الأعظم واسطة المقلادة ولله تعالى در شيخ الإسلام الكاشف بدراري حكمه عن جو سماء الحقيقة الظلام ذي الخلق العطر الندي أحمد عارف حكمت بك أفندي حيث يقول: إن الأئمة عقد در فاخر ... وأبا حنيفة درة التيجان بعلومه تزهو الشريعة ما علت ... زهر الربا بشقائق النعمان ولقد أنصف بقوله دام فاضل فضله: إن الأئمة كالمناهل في الهدى ... والناس مثل الوارد الظمآن والنفس إن رويت بأول منهل ... غنيت بلا كره لشرب الثاني يحيى من الرحمى موات قبورهم ... صوب الغمام بوابل هان ) وأبو هذا المترجم (حفظه الله تعالى من كل ألم كان حسن السياسة ذا عفة وكياسة وكان محباً للعلماء ومحبوباً لجميع أهل الزوراء وهو من موالي حضرة الوزير أبي الوزراء سليمان باشا الكبير وليس لأحد على كاهل ولده لواء ولاء لعدم وجود الشرط الذي اعتبره في هذا المقام الفقهاء) وبالجملة (ما أدرك ذو حس مثل هذا الأب والابن وروح القدس غير أن هذا الابن فاق أباه وغدا أعرف في أمور أخراه وأولاه وهو في الدهاء بين كتاب الزمان أشبه رجل بكاتب الوحي معاوية ابن أبي سفيان وبين ما للأمراء من ذوي الاختصاص يحكي داهية العرب عمرو بن العاص فلعمري وعمره هو معاوية هذا الزمان وعمره جعله الله تعالى على المقام وأناله من حسن الآمال غاية المرام. ) واتفق (أن وافقنا في المسير غنياً عن رفاقه مأمور وأمير شامة وجنة الأحباب حضرة) إقبال الدولة (الشهير بالنواب وهو رجل من ملوك الهند سكن العراق ووافقه صباه وجنوبه غاية الوفاق وعرف الناس وعرفوه وألف الأخيار وألفوه حيث كان ذا خلق أرق من دمعة الصب وطبع ألطف من وابل غيث غب الجدب وله مع الأحبة منهاج لا تجد له ولو تتبعت من هاج ومزاج عير أجاج هو لمدام الأنس خير مزاج مع عراقة أصل ورجاحة عقل وكمال فضل يحب بشر أشره العترة الطاهرة وليس له رأس مال سوى ذلك في الآخرة ولا يقبل منقولاً ما لم يكن لديه معقولاً وله نظم في الفارسية الدرية رائق ونثر كالنجوم الدرية فائق والذي أوجب سفره حب رؤية سوق لم يسبق مثله أحدث في لوندره ومن عادته حب رؤية الغرائب ولو صرف لأجلها جل الرغائب على أن ما صرف ولو بلغ حد السرف قل من جل وغيض من فيض فقد يسر الله تعالى له تجارة رابحة وأتاه) من الكنوز ما إن مفاتحه (فليس عليه لأحد سوى الله تعالى منه ولا يرى محنة تعالج بمرهم الدراهم محنة ولقد آنسنا برفاقته لغاية لطفه ونجابته لا زال يسرح في رياض النعم محفوظاً من كل ألم بحرمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم. ) وعند (ما وضعت رجلي بالركاب وتنادت بالرحيل الأصحاب تشبث بأذيالي عيالي وأطفالي وقالت لا نطيق الفراق ولا نقدر على علاج آلامه ولو جئنا بألف راق ودونك فادفنا أحياء إن لم تجد في هذه الأحياء لداء حاجتنا دواء وجعلت تذري دموعاً حمراً وتذكي في كانون فؤادي عوفيت جمراً وكادت تصرخ بالويل وتشق الجيوب إلى الذيل فناديتها ودموعي كدموعها ذواري. ذريني أن أسير ولا تنوحي ... فإن الشهب أشرفها السواري فشرعت تخوفني عجزاً وذله ما قد يحدث للغريب من سقام وعله: فقلت أليس الموت إن لم ألاقه ... أمامي أتتني خيله من ورائيا فما عذر أهل العجز والكل تابع ... جديساً وطمساً والقرون الخواليا وهل منكر للضيم مات ولم يمت ... رويبضة ما زال بالدار ثاويا ومن لم يفارق منزل الذل الذي لم يرح ... ويغدو إلا موجع القلب باكيا ومن يبق في دار الهوان يعش بها ... أخاً مضض لا يبرح الدهر شاكيا عدمت يميني إن أقمت على القلى ... نعم وتلتها عن قريب شماليا فلما تحققت أفي لا أحول أنشدت تقول:

стр. 24

هو الصبر والتسليم لله والرضى ... إذا دهمتنا خطة لإنشاءها فتركت الله تعالى الخليفة فيهم وسرت مع صحبي والله أعلم بما تضمنه قلبي: هواي ورائي والمسير خلافه ... فوجهي إلى بلخٍ وقلبي إلى الكرخ وشيعني أحبه وقد اغرورقت منهم بالدمع عيون المحبة وآخرون قد خنقتهم حبال الغبرة وحرقتهم من خيال البين جمره حتى إذا ودعتهم ولله تعالى أودعتهم انفصمت منهم عرى الأجفان فجادت عزاليها بوابل هتان فسرت وإنسان عيني بالدمع غريق وبين حنايا ضلوعي من نيران الفراق حريق واعترتني دهشة وأضل طائر عقلي عشه فلم أدر أيمنة أضرب أم شامة ونجداً أقصد أم تهامة فلما اعتم الليل واعتم الجو بشملة الويل بت بليلة أنقد أرعى السهر والفرقد حتى إذا ذاب كحل الدجى بدمع فجره وآب أسير الضياء طليقاً من قيد أسره رأيت حولي ولدي عبد الباقي جعله الله تعالى راقياً أعلى المراقي فعقلت في الجملة نفسي وعلقت يدي بأذيال ما فارقني من حسي فسألته عن مذهبه وأمره الذي جاء به فأخبرني أنه لم يطق فراقي وأنه معي إلى انتهاء أيام سفري إن شاء الله تعالى باقي فحسنت له الرجوع إلى أمه والهجوع من أخيه وعمه فلم يكن يعقل ويعي وأبى إلا البقاء معي وحدست أن أمه سهلت عليه سلوك الفجاج وأرسلته ليكون رقيباً علي يمنعني مما عسى أن أهم به من الزواج فقدم حقوقها على حقوقي وقدم على تحمل مشاق السفر العقوقي فأذنت له بالبقاء لعلي أداوي به علل الأحزان وقلت لنفسي لا تيأسي فما شاء الله تعالى كان على أن وإن كنت في حب النكاح مشهوراً قد جعل الله تعالى اليوم بيني وبين ذلك إحجاباً مشتوراً حيث أجدني قد صرت مما عناني عنيناً وأظنك بعد أن ترني لو كشف لك الغطاء لم تزدد يقيناً فما أولاني في هذه الأوقات بقول عبد الرحيم قاضي هرات. قالوا تزوج بأرض مرو ... تعش أخاً غبطة وخير فقلت أحسنتم ولكن ... بأي مالٍ وأي أير ولو رجعت إلى الجد لكنت من قبل الحرى بقول العلامة جار الله الزمخشري: تزوجت لم أعلم وأخطأت لم أصب ... فيا ليتني قد مت قبل التزوج فوالله ما أبكي على ساكني الثرى ... ولكنني أبكي على المتزوج وعلى العلات بقي في معيتي وشغل بخدمته خدمتي عن خدمتي) ثم (إنا لم نزل نفري بطون الوهاد ونلطم وجه الصحصحان بأيدي الجياد حتى ارتضع صبي العين در الأنس من ثدي) أم الربيعين (فنزلنا عند جسرها حتى دعانا وردة زهرها ذو الذهن العبقري محمود أفندي العمري إلى بيته روضة الآداب وغيل ليوث أبناءه) أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (وهذا الفاضل فيلسوفي الفكر قد غاص غواص ذهنه في بحار الحقائق فاستخرج الدرر وله اطلاع على العلوم الغريبة وله بواسطتها سهام أخبار لهدف الصدق مصيبة قد جعل الفتوحات المكية ثاني قرآنه وزين بفصوص الحكم خواتم زمانه واستغنى بالتنزلات الموصلية عن الترفعات الدنيوية ومطالعة الكبريت الأحمر عن قدح زناد الفكر في تحصيل الذهب الأصفر يحب الشيخ الأكبر أكثر من نفسه وولده ولا كذلك أغلب خواص علماء بلده وله عقل يعقل به الفلك الدوار إن شاء ولا يغلبه في ميدان خصام أحد إلا القضاء ولقد شاع في علم الطب فضله حيث غدا تذكرة لصاحب القانون وحوى مالاً يسع الطبيب جهله) وبالجملة (قد غمس يد فكره في كل فن ولم يحد عن صوب الصواب كل ما خطر له وعن طالما ينادم خرائد الأفكار وراء أستار الخلوة وقلما يشافه غواني الأسرار على أرائك الجلوة وما ذلك إلا لكونه بالأفق الأعلى من الحكمة وبمقعد صدق من علو الهمة ولقد صحبته كثيراً في بلدتي وشفيت بمعجون ياقوت حكمه علتي: وكانت بالعراق لنا ليالٍ ... سرقناهن من أيدي الزمان جعلناهن من تاريخ الليالي ... وعنوان المسرّة والأمان

стр. 25

وهو اليوم قد شرفت الزوراء بزورته ورشفت الأخلاء حمياً وصلته حيث رأى الحدباء قد ولى شبابها واحدودب ظهرها وكشر نابها ونكحت غير كفوها وجادت على كدر السيرة والسريرة بصفوها وقد حل في بيت أخيه الأوحدي آية الله تعالى الكبرى عبد الباقي أفندي ونحن ولله تعالى الحمد معهما في روض من الأنس أريض وركض في ميدان من الأدب طويل عريض تخطاهما كل سوء وعداهما ودانت لأقدامهما رؤوس عداهما ولا زالا في سماء الفضل فرقدين ولفلكي الحدباء والزوراء منطقتين) ولما (حللت في بيت المومى إليه لا زال ممدود الفضل مقصوداً عليه جاء لزيارتي علماء أعلام كل منهم في حلبة الرهان أمام أولهم وأولاهم وأفضلهم وأغلاهم الفاضل السري) عبد الله أفندي العمري (وهو نور الشجرة العمرية ونور فرق العصابة الفاروقية إليه انتهت رياسة العلماء وعليه حدبت طلبة العلم في الحدباء فعنه يروون ومن زلال فضله يرتوون جاء منذ ثلاثين سنة إلى بغداد وقرا فيها لأمرِ ما عند غرباء العلماء الأمجاد فأصلد القدر له زنداً ونادته غواني الاستفادة مكانك أن حراسنا أسداً وفي أثناء هاتيك الأوقات قرأت عليه بعض القراءات فهو أحد مشايخي في القرآن وأنا أفتخر به على سائر الأقران وقد تخرج على علامة عصره وعلامة الفضل في مصره حليف التدريس والإفادة علي أفندي محضر باشي زادة) وبالجملة (قد عدا فغدا للأمثال سباقاً وراق ففاق علماء بلده علماً وأخلاقاً) وسألني (جماعة بمحضره دام علاه عما يقوله الشيعة في) إلا تنصروه فقد نصره الله (فقلت راجعوا تفسيري روح المعاني فإني وإن كنت آلوسياً فأنا من مشقة الطريق عاني فأحضرت لهم التفسير ولم أكن حظرت فيه شيئاً من التقرير فرأوا فيه العجب العجاب وقالوا ما وجدنا هذا في غير هذا الكتاب وإن أحببت أن يكون ذلك لديك فاستمع الآن لما نتلوه عليك قد ذكرت في تفسير الآية ما ذكرت وحررت ما حررت ثم قلت فهي لعمري مما يدع الرافضي في جحر ضب أو مهامه قفر فإنها خرجت مخرج العتاب للمؤمنين ما عدا أبا بكر رضي الله تعالى عنه. فقد أخرج ابن عساكر عن سفيان بن عيينة قال عاتب الله سبحانه المسلمين جميعاً في نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم غير أبي بكر وحده فإنه خرج من المعاتبة ثم قرأ الا تنصروه الآية. وأخرج الحكيم الترمذي عن الحسن قال عاتب الله تعالى جميع أهل الأرض غير أبي بكر فقال إلا تنصروه الآية. وأخرج ابن عساكر عن علي كرم الله تعالى وجهه بلفظ أن الله تعالى ذم الناس كلهم ومدح أبا بكر رضي الله تعالى عنه فقال إلا تنصروه فقد نصره الله الخ. وفيها النص على صحبته رضي الله تعالى عنه لرسول الله ﷺ ولم يثبت ذلك لأحد من الصحابة سواه وكونه المراد من الصاحب ما وقع عليه الإجماع ككون المراد من العبد بقوله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده رسول الله ﷺ ومن هنا قالوا إن إنكار صحبته كفر مع ما تضمنته من تسلية النبي صلى الله تعالى عليه وسلم له بقوله لا تحزن وتعليل ذلك بمعية الله تعالى الخاصة المفادة بقوله أن الله معنا ولم يثبت مثل ذلك في غيره بل لم يثبت لنبي معية الله سبحانه له ولآخر من أصحابه وكأن في ذلك إشارةً إلى أنه ليس فيهم كأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وفي إنزال السكينة عليه بناءً على عود الضمير إليه مما يفيد السكينة في أنه هو هو رضي الله تعالى عنه ولعن بأغضيه وكذا في إنزالها على الرسول ﷺ مع أن المنزعج صاحبه ما يرشد للمنصف إلى أنهما كالشخص الواحد وظهر من ذلك إشارة ما ذكر أن الحزن كان لرسول الله ﷺ ويشهد لذلك ما مر في حديث الشيخين وأنكر الرافضة دلالة الآية على شيء من الفضل في حق الصديق رضي الله تعالى عنه قالوا أن الدال على الفضل إن كان) ثاني اثنين (فليس فيه أكثر من كون أبي بكر متمماً للعدد) وإن كان إذ هما في الغار (فلا يدل على أكثر من اجتماع شخصين في مكان وكثيراً ما يجتمع فيه الصالح والطالح وإن كان) لصاحبه (فالصحبة تكون بين المؤمن والكافر كما في قوله تعالى) قال لصاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك (وقوله) وما صاحبكم بمجنون (و) يا صاحبي السجن (بل قد تكون بين من يعقل وغيره كقوله: إن الحمار مع الحمير مطية ... وإذا خلوت به فبئس الصاحب

стр. 26

وإن كان) لا تحزن (فيقال لا يخلو أما أن يكون الحزن طاعة أو معصية لا جائز أن يكون طاعة وإلا لما نهى عنه ﷺ فتعين أن يكون معصية لمكان النهي وذلك مثبت خلاف مقصودكم على أن فيه من الدلالة على الجبن ما فيه) وإن كان إن الله معنا (فيحتمل أن يكون المراد إثبات معية الله تعالى الخاصة له ﷺ وحده لكن أتى بنا سداً لباب ألا يحاش ونظير ذلك الإتيان بأوفى قوله تعالى) وإنا وإياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين (وإن كان) فأنزل الله سكينته عليه (فالضمير فيه للنبي ﷺ لئلا يلزم تفكيك الضمائر وحينئذ يكون في تخصيصه عليه الصلوة والسلام بالسكينة هنا مع عدم التخصيص في قوله) فأنزل سكينته على رسوله وعلى المؤمنين (إشارة إلى ضد ما ادعيتموه. وإن كان ما دلت عليه الآية من خروجه مع رسول الله ﷺ في ذلك الوقت فهو عليه الصلوة والسلام لم يخرجه معه إلا حذراً من كيده لو بقي مع المشركين بمكة وفي كون المجهز لهم بشراء الإبل علياً كرم الله تعالى وجهه إشارة لذلك وإن كان شيئاً وراء ذلك فبينوه لنتكلم عليه انتهى كلامهم) ولعمري (أنه أشبه شيء بهذيان المحموم أو عربدة السكران ولولا أن الله سبحانه حكى في كتابه الجليل عن اليهود والنصارى ما هو مثل ذلك ورده رحمة بضعفاء المؤمنين ما كنا نفتح في رده فماً أو نجري في ميدان تزييفه قلماً) لكني لذلك أقول (لا يخفى أن ثاني اثنين وكذا إذ هما في الغار إنما يدلان بمعونة المقام على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه ولا ندعي دلالتهما مطلقاً ومعونة المقام أظهر من نار على علم ولا يكاد ينتطح كبشان في أن الرجل لا يكون ثانياً باختياره لآخر ولا معه في مكان إذا فرض عدو ما لم يكن معولاً عليه ومتحققاً صدقه لديه لا سيما وقد ترك الآخر لأجله أرضاً حلت فيه قوابله وحلت عنه بها تمائمه وفارق أحبابه وجفا أترابه وامتطى غارب سبسب يضل به القطا وتقتصر فيه الخطا) ومما (يدل على فضل تلك الاثنينية قوله ﷺ مسكناً جاش أبي بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما والصحبة اللغوية وإن لم تدل بنفسها على المدعي لكنها تدل عليه بمعونة المقام أيضاً فإضافة صاحب إلى الضمير للعهد أي صاحبه الذي كان معه في وقت يجفو فيه الخليل خليله ورفيقه الذي فارق لمرافقته أهله وقبيله) وإن (لا تحزن ليس المقصود منه حقيقة النهي عن الحزن فإنه من الأمور التي لا تدخل تحت التكليف بل المقصود التسلية للصديق رضي الله تعالى عنه أو نحوها) وما ذكروه (من الترديد يجري مثله في قوله تعالى خطاباً لموسى وهارون ﵉ لا تخافا إنني معكما (وكذا في قوله سبحانه للنبي ﷺ ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعاً (إلى غير ذلك افترى أن الله سبحانه نهى عن طاعة أو أن أحداً من أولئك المعصومين ﵈ ارتكب معصية سبحانك هذا بهتان عظيم ولا ينافي كون الحزن من الأمور التي لا تدخل تحت التكليف بالنظر إلى نفسه أنه قد يكون مورداً للمدح والذم كالحزن على فوات طاعة فإنه ممدوح والحزن على فوات معصية فإنه مذموم لأن ذلك باعتبار آخر كما لا يخفى وما ذكر في حيز العلاوة من أن فيه من الدلالة على الجبن ما فيه من ارتكاب الباطل ما فيه) فإإنا (لا نسلم أن الخوف يدل على الجبن وإلا لزم جبن موسى وأخيه هارون ﵉ فما ظنك بالحزن وليس حزن الصديق بأعظم من الاختفاء بالغار ولا يظن مسلم أنه كان عن جبن أو يتصف بالجبن أشجع الخلق على الإطلاق صلى الله تعالى عليه وسلم ومن أنصف رأي أن تسليته عليه الصلوة والسلام لأبي بكر بقوله لا تحزن كما سلاه بقوله) لا يحزنك قولهم (مشيرة إلى أن الصديق رضي الله تعالى عنه عنده عليه الصلوة والسلام بمنزلته عنه ربه جل شأنه فهو حبيب له تعالى بل لو قطع النظر عن وقوع مثل هذه التسلية من الله تعالى لنبيه ﷺ كان نفس الخطاب بلا تحزن كافياً في الدلالة على أنه رضي الله تعالى عنه حبيب رسول الله ﷺ وإلا فكيف تكون محاورة الأحباء وهذا ظاهر إلا عند الأعداء. وما ذكر من أن المعية الخاصة كانت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وحده والإتيان بنا لسد باب الإيحاش من باب المكابرة الصرفة كما يدل عليه الخبر المار آنفاً على أنه إذا كان إشفاقاً على

стр. 27

رسول الله ﷺ لا غير فأي إيحاش في قوله لا تحزن إن الله معي وإن كان إشفاقاً على الرسول وعلى نفسه رضي الله تعالى عنه لم يقع التعليل موقعه والجملة مسوقة له) ولو سلمنا (الإيحاش على الأول ووقوع التعليل موقعه على الثاني يكون ذلك الحزن دليلاً واضحاً على مدح الصديق رضي الله تعالى عنه) وإن كان (على نفسه فقد كما يزعمه ذو النفس الخبيثة لم يكن للتعليل معنى أصلاً وأي معنى لقولك لا تحزن على نفسك إن الله معي لا معك) على أنه (يقال للرافضي هل فهم الصديق من الآية ما فهمت من التخصيص وأن التعبير بنا كان سداً لباب الإيحاش أم لا. فإن كان الأول يحصل الإيحاش ولا بد فنكون قد وقعنا فيما فررنا عنه وإن كان الثاني فقد زعمت لنفسك رتبة لم تكن بالغها ولو زهقت روحك ولو زعمت المساواة في فهم عبارات القرآن الجليل وإشاراته لمصاقع أولئك العرب المشاهدين للوحي ما سلم لك أو تموت فكيف يسلم لك الامتياز على الصديق وهو وقد فهم من إشاراته ﷺ من حديث التخيير ما خفي على سائر الصحابة حتى على علي كرم الله وجهه فاستغربوا بكاءه ﵁ يومئذ. وما ذكر من التنظير في الآية مشير إلى التقية التي اتخذتها الرافضة ديناً وحرفوا لها الكلم عن مواضعها وقد أسلفنا لك الكلام في ذلك على أتم وجه فتذكره. وما ذكر في أمر السكينة فجوابه يعلم مما ذكرناه. وكون التخصيص مشيراً إلى إخراج الصديق رضي الله تعالى عنه عن زمرة المؤمنين كما رمز إليه الكلب عدو الله ورسوله ﷺ لو كان ما خفي على أولئك المشاهدين للوحي الذين من جملتهم الأمير كرم الله وجهه فكيف مكنوه من الخلافة التي هي أخت النبوة عند الشيعة وهم الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم وكون الصحابة قد اجتمعوا في ذلك على ضلالة والأمير كان مستضعفاً فيما بينهم أو مأموراً بالسكوت وغمد السيف إذ ذاك كما زعمه المخالف قد طوى بساط رده وعاد شذر مذر فلا حاجة إلى إتعاب القلم في تسويد وجه زاعمه. وما ذكر من أن رسول الله ﷺ لم يخرجه إلا حذراً من كيده. فيه أن الآية ليس فيها شائبة دلالة على إخراجه له أصلاً فضلاً عن كون ذلك حذراً من الكيد على أن الحذر لو كان في معيته له ﷺ وأي فرصة تكون مثل الفرصة التي حصلت حين جاء الطلب لباب الغار فلو كان عند أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وحاشاه أدنى ما يقال لقال هلموا فهاهنا الغرض. ولا يقال أنه خاف على نفسه أيضاً لأنه يمكنه أن يخلصها منهم بأمور ولا أقل من أن يقول لهم خرجت لهذه المكيدة. وأيضاً لو كان الصديق كما يزعم الزنديق فأي شيء يمنعه من أن يقول لابنه عبد الرحمن أو ابنته أسماء أو مولاه عامر بن نهيرة فقد كانوا يترددون إليه في الغار كما أخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها فيخبر أحدهم الكفار فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أنه على هذا الزعم يجيء حديث التمكن وهو أقوى شاهد على أنه هو هو. وأيضاً إذا انفتح باب هذا الهذيان أمكن للناصبي أن يقول والعياذ بالله تعالى في علي كرم الله وجهه أن النبي ﷺ لم يأمره بالبيتوتة على فراشه الشريف ليلة هاجر إلا ليقتله المشركون ظناً منهم أنه النبي ﷺ فيستريح منه وليس هذا القول بأعجب ولا أبطل من قول الشيعي أن إخراج الصديق إنما كان حذراً من شره. فليتق الله سبحانه من فتح هذا الباب المستهجن عند ذوي الألباب وزعم أن تجهيز الإمام كرم الله تعالى وجهه لهم بشراء الأباعر إشارة إلى ذلك. لا يشير إلى ذلك بوجه من الوجوه على أن ذلك وإن ذكرناه فيما قبل إنما جاء في بعض الروايات عن ابن عباس والمعول عليه عند المحدثين غير ذلك) ولا بأس (بإيراده تكميلاً للفائدة وتنويراً لفضل الصديق ﵁ فنقول (أخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين ولم يمرر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية.) ولما (ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجراً قبل أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغمار لقيه ابن الدغة وهو سيد القارة فقال ابن الدغنة أين تريد يا أبا بكر فقال أبو

стр. 28

بكر أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي قال ابن الدغنة مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق فأنا لك جار فارجع فاعبد ربك ببلدك فارتحل ابن الدغنة. فرجع مع أبي بكر فطاف ابن الدغنة في كفار قريش فقال إن أبا بكر لا يخرج مثل ولا يخرج أتخرجون رجلاً يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق. فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وآمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره وليصل فيها ما شاء وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا ولا يستعلن بالصلوة والقراءة في غير داره ففعل) ثم (بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره وكان يصلي فيه ويقرأ ويتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان رجلاً بكاءاً لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن فأفزع ذلك أشراف قريش فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا إنما أجرنا أبا بكر على أن يعبد ربه في داره وأنه جاوز ذلك فابتنى مسجداً بفناء داره وأعلن بالصلوة والقراءة وإنا خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نحتقرك ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان فأتى ابن الدغنة أبا بكر فقال يا أبا بكر قد علمت الذي عقد لك عليه فأما أن تقتصر على ذلك وأما أن ترد إلى ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في عقد رجل عقدت له. فقال أبو بكر إني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله تعالى وجوار رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ورسول الله ﷺ بمكة يومئذ قال للمسلمين قد أريت دار هجرتكم أريت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما جرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة إلى أرض الحبشة من المسلمين. وتجهز أبو بكر مهاجراً فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي فقال أبو بكر وترجو ذلك بأبي أنت وأمي قال نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ لصحبته وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر فبينما نحن جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر هذا رسول الله ﷺ مقبلاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فداه أبي وأمي إن جاء به في هذه الساعة إلا أمر فجاء رسول الله ﷺ فأستأذن من عندك فقال أبو بكر إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله فقال رسول الله ﷺ فإنه قد أذن لي بالخروج فقال أبو بكر فالصحابة بأبي أنت يا رسول الله فقال رسول الله نعم فقال أبو بكر فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله ﷺ بالثمن. قالت عائشة فجهزناهما أحث الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر من نطاقها فأوكت به الجراب فلذلك كانت تسمى ذات النطاق. ولحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل يقال له ثور فمكثا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيخرج من عندهما سحراً فيصبح مع قريش بمكة كبات فلا يسمع أمراً يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حتى يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى لأبي بكر منيحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب بغلس ساعة من الليل فيبيتان في رسلهما حتى ينعق بها عامر في غلس يفعل ذلك كل ليلة من الليالي إلى الثلاث واستأجر رسول الله ﷺ رجلاً من الذئل ثم من بني عبد بن عدي هادياً خريتاً قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل وهو على دين كفار قريش فآمناه فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث فأتاهما براحلتيهما صبيحة ثلاث ليال فأخذ بهم طريق إذ أخر وهو طريق الساحل الحديث بطوله. وفيه من الدلالة على فضل الصديق ما فيه وهو نص في أن تجهيزهما في بيت أبي بكر وأن الراحلتين كانتا له وذكر أن رسول الله ﷺ لم يقبل أحدهما إلا بالثمن يرد على الرافضي زعم تهمة الصديقة وحاشاها في الحديث هذا. ومن أحاط خبراً بأطراف ما ذكرناه من الكلام في هذا المقام علم أن قوله وإن كان شيئاً وراء ذلك فبينوه لنا حتى نتكلم عليه ناش عن محض الجهل أو العناد) ومن يضلل الله فما له من هاد (

стр. 29

وبالجملة. أن الشيعة قد اجتمعت كلمتهم على الكفر بدلالة الآية على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه. ويأبى الله تعالى إلا أن تكون) كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا (انتهى. ما روجع من روح المعاني وتلي على رؤوس الأشهاد في هاتيك المغاني) وبعد أن تم ذاك (طاف بنا المفتي عبد الرحمن أفندي الكلاك وهو رجل قد لبس كفن التماوت فوق ثيابه وأنعم من حب الحيوة الدنيا عيابه حتى غدت لا تنطبق شفاه عياً به قد جعل مسكنته حبة لفخه لكنه لم يصطد بها حتى طار طائر الشباب بفرخه وكان صيده جرادة الدنيا الدنية وحمامة إفتاء المستفتين من الحنفية وكم جاهل صاد ذلك بحبائل حيل نحو ما هنالك وأعانه عليه خوراً كثر العوام وجور معظم الحكام) نعم (له علم لكنه دون ما يدعيه وصلاح لكنه عملي وفيه ما فيه فهو على علاته أحسن ممن مد ذراع حيلته فنال ما نال وقدح زند مسكنته فأوري وهو من الجهال وقد دلت الآثار أن من إمارات الساعة إفتاء من ليس سوى بز الجهل بضاعة ولا شك أن قيام الساعة قريب فوقوع مثل ذلك غير عجيب وإلا فبين أهل الصدر الأول السادة الأمجاد كانت لا تمهر فتاة الإفتاء إلا بنقد الاجتهاد: فتراخى الأمر حتى أصبحت ... هملاً يطمع فيها من يراها ولست أقول هذا من نفس واجدة لا والذي شقهن خمساً من واحدة كيف وأنا أحمد الله تعالى على أن خلصني من نصب منصب الإفتاء وشغلني برشف رضاب فتاة التدريس في الإصباح والإمساء وأنار ليلي بتوقد وجنات ليلي الدقائق ومن على سرح فكري برياض اللطائف وجنات الحقائق وهذه نعمة لا يبلغ طائر الشكر ذراها فكيف تقبل النفس أن تقبل شوهاء غداً وينم ذباب الجهل لعس شفاها وأعود فأقسم ممن أخرج العذق من الجريمة والنار من الوثيمة أني لفي نعمة من فضل ربي عز شأنه جليلة عظيمة يحق لي أن أقول غير مبال بحسود جهول: سهري لتنقيح العلوم الذلي ... من وصل غانية وطيب عناق وتمايلي طرباً لحل عويصةٍ ... في الدرس ابلغ من مدامة ساق وصرير أقلامي على أوراقها ... أشهى من الدوكاه والعشاق وألذ من نقر الفتاة لدفها ... نقري لألقي الرمل عن أوراقي يا من يحاول بالأماني رتبتي ... كم بين مستفل وآخر راق أأبيت سهران الدجى وتبيته ... نوماً وتبغي بعد ذلك لحاقي

стр. 30

فما قلت ما قلت إلا لإفادة حقيقة الحال ولإخبار الأخيار بأن طعم الدهر الحلو قد استحال فيسأل الواقف ربه سبحانه من فضله أن يوسد الأمر إلى أهله ويصون بلطفه تعالى هذا الدين من أن يقضي عليه إفتاء الجاهلين) وقد استعظم (ذلك المفتي بين علماء في المجلس قعود أمر السؤال الشهير بين الأسود والأحمر في قوله تعالى) غرابيب سود (فقلت يكفي في جوانه ما يعرفه الحاضر والبادي وقد ذكر في قاموسه مولانا) مجد الدين الاسترابادي (قال وأسود غربيب حالك وأما غرابيب سود فالسود بدل لأن توكيد الألوان لا يتقدم فجعلت إبهامه تناجي ناجده فانبهم على أمره فلم أدر أفهم أم أنه لم يفهم فسكت حيث شككت وكنت ناوياً أن أسلك غير ذلك المسلك فما سلكت) وفي روح المعاني (ظاهر كلام الزمخشري أن غرابيب هنا توكيد لمحذوف والأصل سود غرابيب أي شديدة السواد. وتعقب بأنه لا يصح إلا على مذهب من يجوز حذف المؤكد ومن النحاة من منع ذلك وهو اختيار ابن مالك لأن التأكيد يقتضي الاعتناء والتقوية وقصد التطويل والحذف يقتضي خلافه. ورده الصفار كما في شرح التسهيل لأن المحذوف لدليل كالمذكور فلا ينافي تأكيده. وفي بعض شروح المفصل أنه صفة لذلك المحذوف أقيم مقامه بعد حذفه وقوله تعالى سود بدل منه أو عطف بنيان له وهو مفسر للمحذوف ونظير ذلك قول النابغة: والمؤمن العائدات الطير يمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند وفيه التفسير بعد الإبهام ومزيد الاعتناء بوصف السواد حيث دل عليه من طريق الإضمار والإظهار. ويجوز أن يكون العطف على جدد على معنى ومن الجبال ذو جدد مختلف اللون ومنها غرابيب متحدة اللون كما يؤذن به المقابلة وإخراج التركيب على الأسلوب الذي سمعته وكأنه لما اعتنى بأمر السواد بإفادة أنه في غاية الشدة لم يذكر بعده الاختلاف بالشدة والضعف. وقال القرآن الكلام على التقديم والتأخير أي سود غرابيب. وقيل ليس هناك مؤكد ولا موصوف محذوف وإنما غرابيب معطوفة على) جدد أو على بيض من أول الأمر وسود بدل منه. قال في البحر وهذا حسن ويحسنه كون غربيب لم يلزم فيه أن يستعمل تأكيداً ومنه ما جاء في الحديث أن الله تعالى يبغض الشيخ الغريب وهو الذي يخضب بالسواد. وفسره ابن الأثير بالذي لا يشيب أي لسفاهته أو لعدم اهتمامه بأمر آخرته وحكى ما في البحر بصيغة قيل وقول الشاعر: العين طامحة واليد شامخة ... والرجل لايحة والوجه غربيب انتهى. ويرد على ما يقل عن الفراء ما يرد فتأمل) وأعجبني (فتى ذو فطنة وقادة يدعى) حسن أفندي قاضي زاده (ولقد رأيته أحد الأفاضل الأكياس الذين لهم من نقود الأدب دون الذهب أكياس قد حل من رتب المعارف المحل الأسمى ودل عرفانه على أن الاسم عين المسمى. وهو من سادة لا شك في صحة نسبهم وقادة لا شبهة لأحد في سمو رتبتهم بهم يفخر الفخر وبنورهم يكتحل طرف الفجر قد عرجوا إلى سماء مجد انحط عنها زحل وتبوءوا مقاعد صدق ما نال من تبوأها لا والذي . بيض بها ليل يستسقي الغمام بهم ... في المحل إن ضل يوماها طل الديم يفوح عرف المعاني إن ذكرتهم ... ويعبق الأفق مسكاً من حديث فم ودأب هذا الفتى من بينهم التأليف والتدريس والاستغناء بحمياهما عن حميا منادمة الجليس ولا يزال يمد إلى اكتساب الفضل ذراعاً ويطول كل يوم على من يروم مطاولته باعاً ويلوح لي من أسارير جبين فضله أنه سيكون رأس قومه وأهله وأنه ستنتهي إليه رياسة العلماء ويتقوم به أود الطلبة في الموصل الحدباء: إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيصير بدراً كاملا

стр. 31

) والموصل (قال في اللباب بفتح الميم وسكون الواو وكسر الصاد المهملة وفي آخرها لام مدينة من الرابع من الجزيرة وهي على دجلة في جانبها الغربي انتهى. وفي جانبها الشرقي نينوى بكسر النون كطيطوى وهي المدينة التي أرسل إلى أهلها يونس ﵇ وفيها مرقده الشريف. والقول بأنه ﵇ إنما أرسل إلى أهل أربل مما لا يعول عليه أصلاً اللهم إلا أن يقال أن نينوى كانت بلدة واسعة جداً وكانت أرض أربل قطعة منها وكون ما بينهما مسيرة نحو يومين لا يضيق جوابه بعد فرض السعة بل زعم بعضهم فيها أنها سعة تسع أربل وكركوك والله تعالى الخبير. ومدنها نينوى ابن بالوس من ملوك آثور سنة ألف وثلاث وسبعين بعد الطوفان. وطول الموصل على ما في الأطوال) سز (وعرضها) لزل (وفي المقاصد العوالي أن عرضها) لدل (وطولها) عزما (ولعله الأقرب للتحقيق. وفاتحها في زمن الفاروق رضي الله تعالى عنه قيل عياض بن غنم الأشعري وقيل خالد بن الوليد فتحها عنوة رضي الله تعالى عنه.) وأهلها (على ما في التعريبات الشافعية لبعض المعاصرين المصريين خمسة وثلاثون ألفاً وقيل سبعون ألفاً ما بين أتراك وأكراد وعرب. وسميت بالموصل على ما هو المشهور لأن نوحاً ﵇ سبر الماء هنالك وهو في السفينة فوصل المسبار الأرض. وفي المراصد سميت بذلك لأنها وصلت بين الجزيرة والفرات وقيل وصلت بين دجلة والفرات وقيل لأنها وصلت بين بلد والحديثة وقيل أن الملك الذي أحدثها كان يسمى الموصل انتهى. ولا أجزم بشيء مما ذكر والله تعالى أعلم) وقريب (من الموصل المعمورة اليوم محل يسمى أسكي موصل يعنون الموصل القديمة وهذا ظاهر في أن المعمورة حديثة) وفي معجم البلدان (ما يدل على أن تلك القديمة هي حديثة الموصل ونقله عنه علامة عصره وفهامة مصره الفاضل السري الملا أمين العمري في كتابه منهل الأولياء ومورد الأصفياء وصححه من عدة أقوال وعليه فوصفها بالقديمة لعله لخرابها اليوم واشتهر بين خواص المعمورة أنها تسلطت في وقت عليها الجن فلم يستطع أهلها الإقامة فيها فتحولوا إلى مكان قريب منها وعمروا فيها مساكن لهم وسموه بحديثة الموصل ثم انتقلوا في أيام الشيخ أبي الفتح الموصلي قدس سره إلى بلدتهم الأولى حيث انقطع عنها ببركة الشيخ المذكور قدس سره ما عراها من الجن فخرب ما أحدثوه في ذلك المكان من المساكن انتهى. ولم يخطر لي أني رأيت ذلك في كتاب ومن ينكر تسليط الجن وتمكين الله تعالى إياهم من مثل ما يحكى يقول في ذلك هو حديث خرافة ومن ينكر الجن رأساً والعياذ بالله تعالى فحاله في مثل هذه الحكاية غير خفي عليك. والأقرب أن يقال لعلهم تركوا مكانهم في وقت من الأوقات لمزعجات الليالي فحوادثها جمة وأحدثوا ما سمعت ثم نامت عنهم عيون الحوادث فاستيقظت عين محبة الوطن فحنوا إليه حنين الشارف إلى العطن فرجعوا إليه وانتقلوا عما كانوا عولوا عليه فخلا من السكان فخربته أيدي الحدثان) وهي عذبة (الماء طيبة التربة والهواء طعامها هني وشرابها مري واسطة البلاد وسرتها ووجهها الصبيح وغرتها تلد الربيع في السنة مرتين فهي بين البلاد أم الربيعين فأراضيها في فصلين قد علا جنسها وتجرد عن عوارض الكدر أنسها وهي كالعرائس في حليها وزخارفها والقيان في وشيها ومطارفها باسطة زرابيبها وأنماطها ناشرة حبرها ورياطها: كأن نسيم الريح في جنباتها ... نسيم حبيب أو لقاء مؤمل لا عيب فيها سوى أنها أيام الربيع تسرق العمائم الخضر من السادة فتنشرها على سطوح دورها وتبيع وتقول لا بأس على أم الربيعين لو سرقت عمائم أبناء الريحانتين) ولعمري (أن من اختبر وامتحن حكم بأن كل روضة بالنسبة إلى رياضها خضراء الدمن وأنها تنبت العلماء المحققين كما تنبت الأقحوان والنسرين وتخرج الأخيار كما تخرج الأزهار وهذا أظهر من الشمس وأقوى من الأمس فلا حاجة إلى التطويل بإقامة الدليل: وليس يصح في الأعيان شيء ... متى احتاج النهار إلى دليل

стр. 32

ونفحة الشمامة تهدي من ليس له زكام إلى حمى بعض أولئك العلماء الأعلام) وفي الروض النضر (أريج فضلاء منهم ارتدوا رداء أحسن عصر ولا يكاد يحيط نطاق بجميع من فاق منهم علماء الآفاق والأمر من البديهيات الأولية عند منصفي علماء العراق فهيهات أن يكون فيه بين اثنين نزاع وشقاق) وبعد يومين (ودعنا أم الربيعين وسرنا مع رفقائنا الغرر) حتى أتينا جزيرة ابن عمر (وهي بلدة هلالية الشكل لكن لا نور فيها ولا فضل وذلك لو خامة هوائها ودمامة أرجائها ولولا أن تكون دجلة عليها شفيقة لجعلتها بمجازها جزيرة على الحقيقة) وابن عمر (الذي تنسب إليه وتعول في الشهرة عليه قيل هو يوسف بن عمر الثقفي وفي معجم البلدان جزيرة ابن عمر أحسب أن أول من عمرها الحسن بن عمر بن الخطاب التغلبي وكان له إمرة بها سنة مائتين وخمسين انتهى. وفي تاريخ ابن المستوفي ابنا عمرهما أوس وكامل ابنا عمر ابن أوس التغلبي وإليهما تنسب الجزيرة المشهورة انتهى. وفي تاريخ ابن خلكان ما يتعلق بذلك) وأنا (أعول على ما في المعجم والله تعالى أعلم ويبعد ما في تاريخ ابن المستوفي في الجملة أفراد ابن) وسألي (رجل ذو ذقن طويل عريض وذهن عليل مريض عن معنى قول العلامة ابن حجر في شرح المنهاج الذي غدا بين المحققين كالسراج الوهاج ليس له من هاج قيل والإيجاز لكونه حذف طول الكلام وهو الإطناب غير الاختصار لأنه حذف تكريره مع اتحاد المعنى ويشهد له) فذو دعاءٍ عريض (وفيه تحكم واستدلال بما لا يدل إذ ليس في الآية حذف ذلك العرض فضلاً عن تسميته فالحق ترادفهما كما في الصحاح انتهى. فقرأت عليه ما كتبه العلامة) أحمد حيدر (والفهامة) صبغة الله أفندي الحيدري (والمحقق) الشيخ عبد الله السويدي (والمدقق) الشيخ إبراهيم أفندي الراوي (فما رأيته هش ولا بش.) ثم (تلوت عليه ما حررته فأوضحته لديه وقررته فأحسست أن تكاثف شعر ذقنه حال بينه وبين وصوله إلى ذهنه) ولما (عييت عن التفهيم أنشدت قول الشاعر القديم: على نحت القوافي من معادنها ... وما على إذا لم تفهم البقر

стр. 33

وإذا أحببت أن تسمع كلامي وما حررته في ذلك أقلامي فهاك ذاك والله تعالى يتولى هداك) قوله (قيل والإيجاز لكونه على ما يفهم من كلام غير واحد حذف طول الكلام أي ترك ما به يطول وهو أي الطول بمعنى الإطالة لمكان قوله الإطناب ففيه استخدام غير الاختصار فيما أرى لأنه أي الاختصار حذف تكريره أي ترك ما به يحصل تكرير الكلام مع اتحاد المعنى المقصود منه) ولما (كان هذا القائل إنما قال ما قال والله أعلم لمن يسلم أن الإيجاز حذف طول الكلام ويدعي أن الاختصار كذلك ولا يسلم أن للكلام عرضاً يكون بالتكرير ليكون الاختصار حذفه أراد أن يقوي ما قاله فقال ويشهد له أي للفرق أو للمدعى المذكور وهو المغايرة بين الإيجاز والاختصار قوله تعالى) فذو دعاءٍ عريض (وذلك أنه يدل على ثبوت عرض للكلام الذي ينكره الخصم الغير الفارق بينهما إذ الدعاء فيه بمعنى المدعو به دون المعنى الصدري لخفاء وصفه بالعريض إلا أن يتكلف وهو ليس إلا الكلام والمتبادر من عرضه تكرره لا سيما هذه الآية لأن دعاء الإنسان فيها لدفع الشر الذي يمسه فهو يكرر قوله رب ادفع الشر عني فحيث أفادت أن للكلام عرضاً يكون بتكريره كما في دعاء الإنسان المحدث عنه ومن المسلم أن له طولاً وأن حذفه يسمى إيجازاً تعين أن يسمى المتعلق بالعرض أعني حذفه اختصاراً إذ لا جائز أن يسمى إيجازاً لأنه متعلق بالطول دون العرض إذ لا عرض عند الخصم يتعلق به وليس في البين ثالث يرتفع به الشقاق ويقع على حسن التسمية به الاتفاق) واعترض (عليه الشارح العلامة أولاً بقوله وفيه أي في هذا القيل تحكم حيث جعل قائله الإيجاز حذف الطول والاختصار حذف العرض ولم يعكس مع عدم المانع. وهذا غفلة منه عفا الله تعالى عنه عن كون الكلام مع من سلم أن الإيجاز حذف الطول واستقر رأيه عليه لكن أدعى أن الاختصار ليس أمراً وراءه متعلقاً بالعرض لإنكاره إياه) واعترض (ثانياً بقوله وفيه أيضاً استدلال على مدعاة من المغايرة بما لا يدل عليه من قوله فذو دعاءٍ عريض (إذ ليس في الآية المذكورة حذف ذلك العرض الذي يشير كلامه إلى أنه تكرير الكلام بل فيها الوصف به فضلاً عن تسميته أي تسمية حذف ذلك اختصاراً. وهذا أيضاً غفلة منه عليه الرحمة عن كون إثبات ذلك العرض والوصف كافياً في العرض. ومما ذكر يعلم ضعف تفريع قوله فالحق تراد فهماً أي الإيجاز والاختصار وكونهما معاً عبارة عن حذف طول الكلام كما يشعر به كلام الجوهري في الصحاح حيث قال اختصار الكلام إيجازه وأوجزت الكلام أقصرته هذا. وللعلامة شيخ مشايخنا) صبغة الله أفندي الحيدري (في حل هذه العبارة وتوجيه الشهادة ما تشهد بداهة العقول بأنه بمعزل عن ساحة القبول ونحوه من وجه كلام المولى) أحمد حيدر (في ذلك ولكثير من الأجلة غيرهما نحو ما لهما) وبالجملة (لم تزل هذه العبارة معتركاً لأولي الأفهام من العلماء الأعلام ولم أر أحداً منهم أصاب المحز ولا عرف مغزى ذلك القائل فيما قال وأوجز وكلهم راعي فيما ذكر تصحيح اعتراض العلامة ابن حجر مع أنه لم يلزم ذلك عليهم أصلاً وإن كان نور الله تعالى صريحه للفضل أهلاً ويكفي في توهين الاستدلال غير ذلك مما لا يخفى على فحول الرجال فتدبر ذاك والله يتولى هداك وأنا إن كنت قد أصبت فذلك من محض فضل الله وإن كنت قد أخطأت فقد أخطأ قبلي من هو أفضل مني بمراتب وأجل وكل شيء بقضاء وقدر حتى العجر والكيس انتهى. والذي كتبه العلامة السري شيخ مشايخنا) صبغة الله أفندي الحيدري (ما نصه قوله. ويشهد له الخ. وجه الشهادة أنه فسر العريض في الآية بالكثير على أن يكون مستعاراً مما له عرض متسع فكأنه قال فذو دعاءٍ عريض عرضه فحذف العرض ونقل الضمير إلى الصفة واكتفى بوصف الدعاء بالعريض عنه لدلالته عليه فهذا إيجاز لحذف طوله الذي هو الإطناب وليس باختصار لعدم حذف تكرير منه. وفيه تحكم إذ ليس تخصيص كل من الإيجاز والاختصار بما خصصه ذلك القائل به أولى من تخصيص الآخر به لأنه لا مانع في اللغة ولا في الاصطلاح من أن يوصف ما حذف طوله من الكلام بالاختصار ولا ما حذف تكريره بالإيجاز واستدلال بما لا يدل إذ لا حذف لذلك العرض في الآية. ولا حاجة إلى اعتباره في نظمها بل هو ووصفه بالاتساع كلاهما مفهومان من لفظ العريض باعتبار مادته وصيغته فضلاً عن تسمية ذلك الحذف

стр. 34

بالإيجاز دون الاختصار وتسمية النظم موجزاً لا مختصراً ولا دلالة في الآية على ما ذكر باعتبار ما صدق عليه مفهوم الدعاء العريض أيضاً فإن الحق أن المراد بالعريض على ما أشير إليه أولاً هو الكثير مطلقاً بسواء كان كثرته بالتطويل أو التكرير فلا اختصاص له بواحد منهما فتأمل من تقصير انتهى. وقال المولى) أحمد حيدر (قوله. ويشهد له الخ. وجه الشهادة أن المراد بالدعاء العريض ما حذف فيه الطول وحصل تكثيره بتكرير المعنى الواحد وليس بمختصر بناء على هذا التكثير مع أنه يتحقق فيه الإيجاز لحذف طوله الذي هو الإطناب. وفيه تحكم إذ ليس كونه كثيراً بتكرير المقصود الواحد أولى من كونه كذلك بتطويله مطلقاً. واستدلال بما لا يدل إذ الآية لا تدل على حذف طوله فضلاً عن أن تدل على تسميته بالعريض دون الاختصار وتسمية الدعاء عريضاً لا مختصراً فالحق أن المراد بالعريض الكثير الطويل مطلقاً وعلى هذا فالأولى أن يقال بدل ذلك العرض ذلك الطول انتهى.) ونقل (جميع ما قيل يفضي إلى الإطناب والتطويل وقد اتحد الكل في المنهج وكلام هذين الشيخين في ذلك نموذج) وناولني (بعض السائحين السابحين في بحار طلب اليقين ورقة فيها عدة أسئلة مختصرة ومطولة يتعلق معظمها بالسادة الصوفية من الله تعالى علينا بمثل علومهم اللدنية وحث على الأجوبة عنها وحض فأنبأته عن بعض منها وأعرضت عن بعض ووعدته بأن أرسل له ذلك ضمن كتاب وما غرضي من ذلك إذ ذاك إلا مجرد الإعراض عن الجواب فكم من حق لا يقبله الخدق ومتى قيل ترتب عليه شرح طويل ولذا قال بعض الأمجاد ونسب ذلك إلى زين العابدين السجاد: إني لأكتم من علمي جواهره ... كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا ورب جوهر علم لو أفوه به ... لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا وقد تقدم في هذا أبو حسن ... إلى الحسين وأوصى قبله الحسنا وكنت عزمت على أن أكلف حبيبي عيسى أفندي بأجوبتها حيث أني أعلم أنه بين آبا الإرشاد في العراق ابن بجدتها) فلما (اجتمعت به رأيته مشغولاً فما أحببت أن أكون على ذلك الخفيف الروح بطلب ذلك ثقيلاً وأنا الآن ذاكر معظم ما كان بيد أني لا أطيل في الجواب ولا أركب فيه متن الإطناب لئلا يمل الأصحاب ويطول جداً هذا الكتاب والحق أن ذلك يطلب سفراً ضخماً ويذيب من قلم التحرير لحماً وعظماً ووقتي والذي أخرج قائبة من قوب أضيق من مبعج الضب لا بل أضيق من النخروب فأقول: السؤال الأول: ما الفرق بين الطرق والبدع والأهواء

стр. 35

الجواب أن الطرق كما يدل عليه كلام السيد الشريف في تعريفاته هي السير المختصة بالسالكين إلى الله تعالى من قطع المنازل والترقي في المقامات والبدع جمع بدعة بكسر فسكون وهي ما استحدث في الدين بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وما ليس له أصل في كتاب ولا سنة وتنقسم إلى أقسام الحسنة وغيرها كما ذكر ذلك العلامة ابن حجر في شرح الأربعين النووية وفتاواه الحديثية والأهواء جمع هوى بالقصر وهو الحب والاشتهاء المتعلقان بمحمود أو مذموم وغلب الهوى على ما تعلق بالمذموم وشاع إطلاقه على المهوى المذموم فالأهواء الأمور المذمومة المهوية وشاع إطلاقها على البدع المذمومة التي ليس لها أصل شرعي) وإنما (استحدثت عن الهوى وشهوة النفس فاتضح الفرق بين الثلاثة لكن ينبغي أن يعلم أن في بعض ما يطلق عليه الناس اليوم الطريق والطريقة بدعاً ذميمة وأهواءً وخيمة نعوذ بالله تعالى منها. الثاني: بأي شيء تفترق الطرق الجواب أنها تختلف باختلاف السير والأعمال التي هي رواحل لقطع المنازل وسلالم للترقي في المقامات. الثالث أن الورد لا يكون إلا من أفضل الوارد ويجب على الصوفي متابعة الفقهاء إن اتفقوا وإن اختلفوا فعليه العمل بالأحسن الأحوط ولم يختلف في أفضلية كلمة التوحيد والجمع في الذكر بين القلب واللسان فما بال بعض الصوفية لا يعرجون إلا على الذكر القلبي ويقدمونه على الجمع ويوظفون للمريد ورداً أول وروده عليهم غير كلمة التوحيد التي ورد في أفضليتها ما ورد.

стр. 36

الجواب قال العلامة ابن حجر في الفتاوى الحديثية ذكر) لا إله إلا الله (أفضل من ذكر الجلالة مطلقاً بلسان أئمة الظاهر) وأما (عند أهل الباطن فالحال مختلف باختلاف أحوال السالك فمن هو في ابتداء أمره ومقاساته لشهود الأغيار وعدم انفكاكه عن التعلق بها وعن إراداته وشهواته لبقائه مع نفسه يحتاج إلى إدمان الإثبات بعد النفي حتى يستولي عليه سلطان الذكر وجواذب الحق المرتبة على ذلك فإذا استولت عليه تلك الجوانب حتى أخرجته عن شهواته وإراداته وحظوظه وجميع أغراض نفسه صار بعيداً عن شهود الأغيار واستولى عليه مراقبة الحق وشهوده فحينئذٍ يكون مستغرقاً في حقائق الجمع الإحدى والشهود السرمدي فالأنسب بحاله الإعراض عما يذكر الأغيار والاستغراق فيما يناسب حاله من ذكر الجلالة فقط لأن بذلك تمام لذته ودوام مسرته ونعمته ومنتهى أدبه ومحبته بل إذا وصل السالك لهذا المقام وأراد قهر نفسه إلى الرجوع إلى شهود غيره حتى ينفيه أو يتعلق به خاطره لم تطاوعه نفسه المطمئنة لما شاهدت من الحقائق الوهبية والمعارف الذوقية والعوارف اللدنية وقد فتحنا لك باباً تستدل بما ذكرناه على فتحه بل على ما وراءه فافهم مقاصد القوم. السالكين السالمين من كل محذور ولوم. وسلم لهم تسلم. ولا تنتقد حقيقة من حقائقهم تندم. بل قل فيما لم يظهر لك الله تعالى أعلم انتهى. وهذا جواب عن مسألة الورد) وأما الجواب (عن العدول عن الأفضل من الجمع بين اللسان والقلب إلى انفراد القلب فهو ما ذكر هذا العلامة أيضاً فقد قال بعد ما سمعت أن ذكر اللسان والقلب عند أهل الظاهر أفضل مطلقاً وعند أهل الطريق في ذلك تفصيل تفهمه مما قبله أن وعيته فإن المستغرق قد يعرض له من الأحوال ما يلتجم به لسانه ويصير في غاية مقام الحيرة والدهش فلا يستطيع نطقاً ويستغرق بسبب ما تحلى به من معالي تلك الأحوال. وما هو مستغرق فيه من بحار العرفان والكمال) والحاصل (أن الأولى بالسالك قبل الوصول إلى هذه المعارف أن يكون مديماً لما يأمره به أستاذه الجامع لطريقي الحقيقة والشريعة. فإنه الطبيب الأعظم وأنه بمقتضى معارفه الذوقية. وحكمه الربانية. يعطي كل نفس ما هو اللائق بشفائها. والصالح لغذائها. فإن لم يكن له أستاذ كذلك فلا يعدل عن ذكر) لا إله إلا الله (بلسانه وقلبه بل يديم ذلك إلى أن يفتح له مما يعلم به خير الأمرين. والترقي إلى شهود العين. حقق الله تعالى لنا ذلك بمنه وكرمه انتهى.) ولعلك (تقول ما عليه المشايخ في ذلك مخالف لما عليه الفقهاء فكيف نأخذ به وقائله غير مجتهد. فنقول ظاهر أنه ما من طريقة حقة إلا وفي سلسلتها مجتهد واحد أو أكثر وأن قلنا بتجزي الاجتهاد فالأمر أظهر وأظهر.) ولعلك (تقول حينئذ من أن أخذوا ما ذكر فنقول لا يلزم المقلد معرفة مأخذ المجتهد ومع ذا نقول يجوز أن يكون المأخذ أنه ﷺ كان يعلم بعض أصحابه رضي الله تعالى عنهم شيئاً ويأمره باستعماله ويسلك بآخر غير ذلك. وذلك لاختلاف الاستعدادات. وتنوع القابليات. وتفاوت تأثيرات الأسماء والأذكار والأوراد. كما تتفاوت تأثيرات أمراض الأبدان والأجساد. ولذا تداوى بعض العلل بنحو الثوم والكراث والبصل. ولا تداوى باللبن والعسل. مع أنهما كما لا يخفى عليك بلا شبهة أفضل. بل صرح الفقهاء بحرمة شرب العسل على الصفراوي مع أنه وصف بأنه شفاء للناس. وللشيخ الكامل حظ أوفر. من إشراق نور سيد البشر. ﷺ فلا يبعد أن ينكشف له في شأن داخل طريقته. نحو ما كان ينكشف له عليه الصلوة والسلام في شأن المتشرف بصحبته. وقد جاء في خبر صحيح أو حسن اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله والفراسة قيل مكاشفة اليقين ومعاينة الغيب وقيل سواطع أنوار تلمع في القلب يدرك بها المعاني وقيل وقيل. مما هو من هذا القبيل. ثم أنه يكفي هذا المقدار مأخذاً ولا يلزم أن يكون فعله عليه الصلوة والسلام في خصوصية الذكر بكلمة التوحيد واسم الجلالة وخصوصية جمع اللسان والقلب وإفراد القلبنهأأااااا فإن كان قد ظفر المشايخ بشيء من ذلك فزيادة خير.) نعم (في قول العلامة في الجواب عن الجمع والإفراد فإن المستغرق الخ شيء فإنه لا يحسم مادة السؤال. ولا يقطع القيل والقال. كيف ونحن نرى مشايخ بعض الطرق الجليلة الشأن. يأمرون المريد من أول ساعة بالذكر القلبي وربما لا

стр. 37

استغراق له إذ ذاك إلا في بحار الجهل والنقصان. دون بحار الكمال والعرفان. ولا يكاد يندفع السؤال عنهم إلا بالتزام أنهم ظفروا بما يدل على أفضلية إفراد القلب ويلتزم القول بأن في ضم اللسان إليه إخلالاً بجمعية الفكر) وأيضاً (في قوله أول الجواب الأول يحتاج إلى إدمان الإثبات بعد النفي نوع مناقشة فإن الأظهر يحتاج إلى إدمان كلمة التوحيد مثلاً والقول بأنه اختار ذلك للإشارة إلى أن المقصود الأهم الإثبات لا يخلو عن دغدغة لكن هذا بحث لا يضر في المقصود كما لا يخفى وما أحسن قوله والحاصل الخ. لكن ذلك الأستاذ أعز من بيض الأنوق. بل أشبه شيء بالأبلق العقوق. ولا تغتر بالهيئات. والجلوس في التكيات. فليس التشابه في منظر. دليل التشابه في مخبر. وفي البرج يجتمع الكوكبان ... وما زحل ثم كالمشتري وعندي بعد كلام. لا تسعه كؤوس الأرقام. ولا تظنه من باب الإنكار. على أحد من المشايخ الأخيار. فذلك لدي من أقبح المعايب. لا يرتكبه إلا كل صخب الشوارب. بل أمر آخر يطول الكلام بذكره. وأكره سماع نهيق حمر جهلة المتصوفة من نشره. الرابع: بأي شيء يصير الفقيه صوفياً الجواب أن الفقيه يصير صوفياً بسلوكه نحو ما سلك الصوفية. قدس الله تعالى أسرارهم الزكية. وروح قلوبنا بنفحاتهم الذكية. وذلك بأن يتخلى عن الرذائل. ويتحلى بأنواع الفضائل. وقد اختلفوا في معنى التصوف اختلافاً كثيراً مذكوراً في محله. وفي آخر الفتاوى الحديثية طرف منه نفيس فارجع إليه) واختار السيد (قدس سره أنه الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهراً فيسري حكمها من الظاهر في الباطن وباطناً فيسري حكمها من الباطن في الظاهر فيحصل للتأدب بالحكمين كمال أي كمال وقال بعض الأجلة: تنازع الناس في الصوفي واختلفوا ... وكلهم قال قولاً غير معروف ولست أمنح هذا الاسم غير فتىً ... صافى فصوفي حتى سمي الصوفي وحصول نحو ما عند الصوفي للفقيه قلما يتفق من غير سلوك على يد شيخ كامل يعرف الداء والدواء وأكثر الفقهاء اليوم كالعطارين الذين يعرفون العقاقير ولا يعرفون خواصها أو يعرفون ذلك لكن لا يعرفون الداء الذي تنفع معه تلك الخاصة أو يعرفون ذلك أيضاً لكن لا يعرفون كمية ما ينفع فلا تغتر بفقهك إن كنت فقيهاً. وتوجه إلى ربك جل شأنه بالتخلية والتحلية تكن وجيهاً. واسلك طريقة القوم. لتسلم من العتاب واللوم. على نفسه فليبك من ضاع عمره ... وليس له منها نصيب ولا سهم ولا تظن أنك من غير طلب. تنال الإرب. وبدون جد. تنال وصال دعد. فتلك أماني كاسدة. وآراء أصلحك الله تعالى فاسدة. أراك تطلب دنيا ليس تدركها ... فكيف تدرك أخرى لست تطلبها نسأل الله التوفيق. والهداية لأقوم طريق. الخامس: ما التربية والوعظ يتأتى من الأستاذ تقريراً وتحريراً) الجواب (أن التربية كعلاج الطبيب للمريض فتتوقف على معرفة الداء ودرجته والدواء وكميته وربما تكون بتوجيه الشيخ المربي بهمة نفسه القدسية نحو من يربه نظير ما يقال في السلحفاة أو دابة أخرى أنها تربي بيضتها بالنظر ومتى قصرت فيه فسدت فكم فرق بينها وبين الوعظ كما لا يخفى على المصنف. السادس: بأي شيء تفترق الأمة بضعاً وسبعين فرقة كما في الحديث والمرتد لا يكون فرد من الأمة الفاعلة للافتراق.

стр. 38

) الجواب (إن الافتراق بالعقائد ولا سؤال بالمرتد على تقدير أن يراد بالأمة في الحديث أمة الدعوة كما جوزه بعض شراحه ونقله عن المحقق الدوائي في شرح العقائد العضدية. وأما على تقدير أن يراد بالأمة فيه أمة الإجابة وهم الذين آمنوا به عليه الصلوة والسلام كما هو الظاهر لأن أكثر ما ورد في الحديث على هذا الأسلوب أريد به أهل القبلة وفي الروايات الأخرى في حديث الافتراق ما يؤيده فيقال أن اللازم تقدم وصف الكون من الأمة على الافتراق تقدماً بالذات فلا يضر ذهابه بالافتراق إن كان ما حصل به الافتراق كفراً كما في الغرابية مثلاً وهذا كما تقول كفر المسلم ومات الحي وسقم الصحيح إلى غير ذلك فلا إشكال فتأمل. السابع: بأي شيء يعرف سبيل الله تعالى من السبل المذكورة في حديث خط لنا رسول الله ﷺ خطاً وقال هذا سبيل الله ثم خط خطوطاً عن يمينه وخطوطاً عن يساره وقال هذه سبل وعلى كل سبيل شيطان يدعو إليه. ) الجواب (يعرف ذلك بموافقة الشرع ومخالفته فما وافق فهو سبيل الله تعالى وما خالف فهو خلافه. ويرشد إلى ذلك قوله تعالى هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني. ولمعرفة الموافق من غيره موازين ذكرها حجة الإسلام الغزالي في بعض كتبه يطول الكلام بذكرها وإلا فما من فرقة ضالة من الفرق الإسلامية إلا تدعي الموافقة. وكل يدعي وصلاً لليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاكا الثامن: بأي شيء يعرف هذا الداعي) الجواب (ظاهر مما قدمناه بأدنى التفات. التاسع: هل يعارض هذا الحديث قول العامة من لا شيخ له فشيخه الشيطان حيث أن هذا القول يصدق على الشيخ كيفما كان. ) الجواب (ما بعد قول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قول لقائل وأي قول ما عدا قول الله عز شأنه لذلك القول معادل. وروي عن مالك أنه ذكر لمسألة حديثاً فقال بعض الحاضرين قال أبو بكر كذا وقال عمر كذا فقال مالك الله الله يوشك أن تقع عليكم حجارة من السماء أنا أقول لكم قال رسول الله ﷺ وأنتم تقولون قال أبو بكر قال عمر. فإذا كان قول الشيخين رضي الله تعالى عنهما وهما هما في جنب قوله عليه الصلوة والسلام مضمحلاً فما ظنك بقول من هو أقل باللفظ من لا. على أن لنا أن نقول المراد بالشيخ في قول العامة الشيخ الكامل المتبع لما جاء به عليه الصلوة والسلام لمكان قولهم فشيخه الشيطان إذ غير المتبع لذلك متبع للشيطان لا محالة غاية ما في الباب أن اتباع الشيطان متفاوت المراتب حتى أن بعض المتبعين له من هو أشد ضرراً منه. بل قد يكون شيخه في بعض الأمور التي تصدر عنه. نعوذ بالله تعالى من شر الشيطان. من الإنس والجان. العاشر: ما المتبع أقول الهيتمي في فتاواه يشترط في سند التصوف اتصاله بالحسن البصري ومنه بعلي كرم الله تعالى وجهه أو بأويس ومنه بعمر رضي الله تعالى عنه أم اجتماع أهل الزمان على ما اتصل سنده بالصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه. ) الجواب (كلام الهيتمي إن صح عنه في حيز المنع والحق صحة كل طريقة اتصلت بصحابي من الصحابة رضي الله تعالى عنهم بسند مقبول عند المحدثين كسند الطريقة القادرية أو عند المشايخ المعتبرين كالسند المشهور للطريقة النقشبندية فإنه على خلاف أسانيد أهل الحديث لما فيه من الأخذ عن الروحانية لكنه معتبر عند أهل الله تعالى.) ثم (ما ذكر في السؤال من الاجتماع على ما اتصل سنده بالصديق الأكبر ﵁ ممنوع فإن بلاد الإسلام مملوءة والحمد لله تعالى من الطرائق المتصلة بعلي كرم الله تعالى وجهه بل هي أكثر جماعة.) وأنا (لم أجد إلا شخصاً أو شخصين يتصل سند طريقتهما بعمر رضي الله تعالى عنه على أنه سند في القلب من صحته شيء) والحاصل (أنه كل ما جاءنا عن رسول الله ﷺ بسند مقبول فعلى العين والرأس. وما كان على خلاف ذلك نبذناه وراء ظهورنا وإن تلقته بأيدي القبول جهلة الناس. والله تعالى ولي التوفيق. وهو سبحانه نعم المولى ونعم الرفيق. الحادي عشر: ما الفرق بين الجذبة الرحمانية والجذبة الشيطانية

стр. 39

) الجواب (أن الجذبة الرحمانية ما يحصل من وارد رحماني بواسطة أمر شرعي من استعمال ذكر أو استماع وعظ أو قرآن أو نحوها يضيق عنه وسع السالك فيفزع منه وربما يصعق مع بقاء شعوره كما في نحو العطاس والسعال ولذا لا يعاب من تعتريه ولا يعادلها وضوء. وهذا كثيراً ما يعرض في أول السلوك لضيق الوسع إذ ذاك.) وقلما (يعرض للكاملين المتسعة صدورهم للواردات والكثير عروض البكاء لهم والطمأنينة والاستغراق كما كان يعرض ذلك لأصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم) وإنما (لم يعرض لهم الصعق ونحوه لاتساع قلوبهم وانشراح صدورهم بما أشرق عليها من مشكاة النبوة فمبتديهم كمنتهى غيرهم حيث فازوا بالإكسير الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم. وما يحكى من وقوع التواجد في محضره عليه الصلوة والسلام بل منه ﷺ حتى أنه سقطت جبته عن كتفه الشريف إلى آخر القصة كذب لا أصل له لعن الله تعالى من افتراه ليروج به بدعته ومدعاه. وقد تقال الجذبة الرحمانية على تحويل الله تعالى عبده إلى حال أعلى وأغلى من حاله الذي كان فيه قبل التحويل بسبب الوارد المذكور. وقد تقال أيضاً على جذبه قلب عبده إليه وتخليصه إياه من مخالب بازي نفسه. وجعله سارحاً في رياض أنسه وقدسه. وعلامة ذلك النشاط والعبادة وضعف تعلق القلب بالدنيا أو انقطاعه عنها بالكلية حسب قوة الجذب وضعفه. وقد يقوى الجذب إلى حد لا يبقى معه صحو أصلاً فيبقى العبد سكران القلب مستغرقاً في الرب وحينئذ يعذره الشرع إذا صدر منه ما ينكره من غيره لارتفاع التكليف إذ ذاك كذا قيل) ومن الناس (من لا يطلق الجذبة الرحمانية على ما يفوت معها الصلوة ونحوها ويقول لا بد أن يكون المجذوب محفوظاً عليه وقت العبادة وجعل ذلك أحد الفروق بين المجذوب والمجنون فليتأمل) وأما الجذبة الشيطانية (فهي نزغة من الشيطان كثيراً ما تحصل بواسطة أمر غير شرعي ظاهر يثير من النفس كوامنها. ويحرك منها سواكنها. كاستماع النغمات المحرمة فتنعق وتزعق. وتشهق وتزهق. وربما تحصل من تصور معشوق. يحلو للمتصور ويروق. وعلامتها عدم ندم صاحبها على التقصير وعدم اهتمامه بما يقربه إلى ربه سبحانه قدر قطمير وكثير ممن شاهدناه يصرخ من استماع النغمات المحرمة وينعق ويشدخ الحجر برأسه من شدة ضربه به ويسحق هو تارك للصلوة متبع للشهوات مستحل للمحرمات مستحلٍ لمر الخطيئات. أجازنا الله تعالى والمسلمين من ذلك ولا سلك بنا سبحانه هاتيك المسالك ولها إطلاقات أخر لعلها تعلم مما ذكرناه في الجذبة الرحمانية بأدنى فكر فتفكر. الثاني عشر: ما الحكم في طرد شيوخ الوقت من يحضر مجلس قراءتهم السور المعبر عنها بخزاتم الخواجكان ولو في المسجد ولو قاصداً للصلوة مع قول صاحب التحفة المسجد وقف للمصلي وللقارئ والواعظ بالتبع وقول صاحب الأنوار يسن الجلوس في حلقة القراءة والإصغاء إليها إلى غير ذلك مما يدل على قبح ذلك الطرد.

стр. 40

) الجواب (أنه لا شبهة في أن الطرد عن مثل ذلك في كل مكان قبيح وهو في المسجد أقبح وقل من يفعله لكن قبح ذلك إنما يسلم أن لو كان رغبة عن أن يشارك المطرود الجماعة في القراءة أو كراهة أن يصغي إليها وليس كذلك بدليل أنه لو قرأ نحو ما يقرءون أو القرآن كله لا معهم أو لو أصغى إليهم غير جالس في حلقتهم ولا مطلع على ما يقع منهم لم يمنعوه بل ذلك الطرد يحتمل أن يكون لكراهة أن يطلع على ما يقع منهم حيث أنهم ترد على بعضهم واردات لا يتحملها فيصعق منها أو يعتريه ما يغير هيئته ويهول رؤيته. ويشوق خلقته. ويخرج عن الانتظام حركته. فربما يفضي ذلك إلى سخرية من حضرهم وليس منهم واستهزائه واستخفافه بهم. حتى أنهم متى أمنوا من حضور الأجنبي نحو ذلك لم يمنعوه ولو دخل عليهم في بيوتهم فضلاً عن كونهم في المسجد وذلك بأن يكون صالحاً عارفاً بأحول السالكين عاذراً لهم فيما يصدر عنهم عند تلاطم أمواج الواردات عليهم ولا أظن أن في الطرد لهذا الغرض بأساً أو في إباحته لهذا المقصد التباساً ويحتمل أن يكون لأن الأجنبي قد يكون منكراً منتقداً لا مسلماً معتقداً فيكون حضوره حسبما جربوه مانعاً من الرقة والفيض وحصول الجمعية لمكان انعكاس حال الجليس على جليسه وأن البياض قليل الحمل للدنس ولا تكاد تطيب أنفسهم ببعد ما عن محبوبهم وإن ترتب عليه قرب ما للأجنبي منه ودرء المفاسد أولى كما قالوا من جلب المنافع فلا يرد أنه كما يخشى انعكاس حاله عليهم يرجى انعكاس حالهم عليه فتأمل وقد حكي أن الجنيد قدس سره وهو من تعلم جمع أصحابه في خلوة عن الأغيار فاشتغلوا بالذكر والفكر فلم يحصل لهم ما عودوه فقال انظروا هل فيكم أجنبي حرمتم الفيض بسببه فنظروا فقالوا لا فقال انظروا هل تجدون شيئاً من آثاره فنظروا فوجدوا نعلاً لمنكر فقال قدس سره من هنا أوتيتم فانظر إذا كان هذا حال نعل المنكر فكيف هو لو حضر بلحيته. وزاحم أهل الحلقة بفقحته. وحاصل الأول أن الطرد لمصلحة المطرود وحاصل الثاني أنه لمصلحة الطارد كمنع قارئ يشوش على مصل مثلاً وحاصلهما أنه ليس رغبة في أن لا يحصل له ثواب قراءة أو استماع وربما يستأنس في هذا المقام بما روي في الحديث الصحيح أخرج الحاكم في مستدركه عن يعلى بن شداد قال حدثني أبي شداد بن أوس وعبادة بن الصامت حاضر يصدقه قال أنا لعند رسول الله ﷺ إذ قال هل فيكم غريب يعني أهل الكتاب قلنا لا يا رسول الله فأمر بغلق الباب وقال ارفعوا أيديكم فقولوا) لا إله إلا الله (فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع رسول الله ﷺ يده ثم قال اللهم إنك بعثتني بهذه الكلمة وأمرتني بها ووعدتني عليها الجنة إنك لا تخلف الميعاد ثم قال ابشروا فإن الله قد غفر لكم. وكذا بما صح من رواية مسلم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دخل الكعبة فأغلقها عليه الحديث قال النووي عليه الرحمة إنما أغلقها عليه ﷺ ليكون أسكن لقلبه وأجمع لخشوعه ولئلا يجتمع الناس ويدخلوا أو يزدحموا فينا لهم ضرر فيتشوش عليه الحال بسبب لغطهم انتهى. وقد كان معه عليه الصلوة والسلام أسامة وبلال رضي الله تعالى عنهما فلا تغفل ثم أن تفسير الغريب في الخبر السابق بأهل الكتاب غير متعين كما لا يخفى على المنصف من ذوي الألباب فتأمل. هذا نهاية ما عندي في الجواب. مما لم أجده لعمرك في كتاب فإن حصل به الإقناع فذاك وإلا فاطلب نار فكرة وقادة فلعلك تجد على النار هداك ثم اعلم أنه يقال نحو ذلك في طردهم الأجنبي عن جمعيتهم للتوجه المعروف فيما بينهم ورابطتهم على الطرد هناك أقوى من رابطتهم على الطرد في ختم الخواجكان. وبالجملة إياك ثم إياك من الإنكار عن هوى على ذوي العرفان. الثالث عشر: ما الحكم في نهي فضلاء الزمان عن أكل طعام أهل الكتاب ويقولون أن يقسي القلب ويظلمه وهذا تحريم أو ارتكاب بدعة مذمومة بمقتضى قول شارح العباب واجتناب طعام أولي الكتاب بدعة مذمومة انتهى.
следующие страницы →