← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 477

نفاضة الجراب في علالة الاغتراب

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (116 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وخاطبت الوالي بمكناسة أبا محمد عبد الله بن محمد من الجلة أُولي المروءة والحشمة مع شخص من أصحابنا أولي التراتيب الغريبة: عبد الإلهِ بنَ عُثمان ابقَ في دَعَةٍ ... عِنايةُ اللهِ تَحميها وتَكفيها لو لم يكنْ لِبلادِ الغَربِ مَحْمَدَةٌ ... إلا بكونِكَ يا قُطْبَ العُلى فيها لكَ الحقوقُ التي مهما اعترفتُ بها ... لا يستطيعُ لِساني أن يُوَفِّيها لا زلتَ تختالُ للنعماِ في حُلَلٍ ... عليك لله يُبديها ويُخفيها كَرُمْتَ ذاتاً ومَجْداً واشتهرتَ سَنىً ... فزادك الله تِّنْوِيهاً وترفيها أبقاكم الله، الواصلُ بهذه إلى رياستكم، طبقة الدنيا، وواحدها من غير ثُنيا، الشهير عند كل غني وصعلوك، المجترئ على بيوت الأشراف ودسوت الملوك، توجه إلى الباب السلطاني لتقرير وسيلته والتماس فضيلته، وله من رَعْي السيادة الخطيبية محل، وفي ندى برها ظَعن وحِلْ، فأردت إطراف مجلسكم بلَيْلَتِه ليكون ممن يرفع من صيته، وأنا على ما تعلمون من شكر يطيل ويطيب، وعلى المحافل منه خطيب وابن خطيب والسلام. وخاطبت قاضي الجماعة الشيخ الفقيه جملة الوقار وكبير الطلبة وقد نالته مشقة جرَّها غلطُ الخدام السُّوءِ واشتراك الأسماء أعتبه عندها السلطان وخلع عليه وأشاد بقدره بما نصه: تعرفتُ أمراً ساءني ثم سرَّني ... وفي صحة الأيام لا بدَّ من مَرَضْ تعمَّدَكَ المحبوبُ بالذَّاتِ بعدما ... جرى ضدُّه واللهِ يكفيه بالعرض في مثلها أبقى الله سيدي يُحْمَدُ الاختصار، وتقصر الأنصار، وتطرق الأبصار، إذ لم يتعين ظالم، ولم يتبين يَقِظ وحالم، إنما هي هَدية أجر، وحقيقة وصل عَقبت مَجَاز هجر، وجرح جُبار، وأمر ليس به اعتبار، ووقيعة لم يكن فيها إلا غبار، وعَثْرة القدم لا تنكر، والله سبحانه يُحْمَد في كل حال ويُشْكَر، وإذا كان اعتقاد الخلافة لم يَشُبْهُ شائب، وحسن الولاية لم يعبه عائب، والمرعى دائب، والجاني تائب، فما هو إلا الدهر الحسود، لمن يسود، خَمَشَ بيد ثم سترها، ورمى عن قَوْس ما أصلحها - والحمد لله - ولا أَوْتَرَهَا، إنام باءَ بِشَيْنِه، وجنى من مزيد العناية سخنة عَيْنِه، ولا اعتراض على قَدَر، أعقب بحط مُبْتَدَر، وَوِرْد نغصَ بكدر، ثم أَنَّسَ بأكرم صَدَر، وحسبنا أن نحمد الدفاع من الله والذَّب، ولا نقول مع الكَظْم إلا ما يُرضي الرب، وإذا تسابق أولياء سيدي في مضمار، وحماية ذِمار، واستباق إلى بِرٍّ وابتدار، بجُهدِ واقتدار، فأنا لا فَخْرَ متناول القَصَبة، وصاحب الدين من بين العَصَبة، لِمَا بلوت من برٍّ أوْجبه الحسب، والفضل الموروث والمكتسب، ونصح وَضَحَ منه المّذْهب، وتنفيقٍ، راق منه الرداء المُذهب، هذا مُجْمل وبيانُه إلى وقت الحاجة مؤخر، ونبذة شره لتعجيلها يراع مسخر، والله يعلم ما انطوى عليه لسيدي من إيجاب الحق، والسير من إجلاله على أوضح الطرق، والسلام.. فراجعني أعزه الله وأبقاه بما نصه: وأيْمُ الله إبرازاً لأَيْمِ ... لقد جلَّى كتابُك كلَّ غَمٍّ وساهم في الحوادث مَنْ رَمَتْهُ ... ففاز من الوفاء بخيرِ سهم يا سيدي أمدّ الله في أنوار تلكم الطريقة المُثلى وبارك، وجزاها جزاء من ساهم على الحقيقة في الجُلَّى وشارك؛ وصل كتابكم الصادق الصفاء، الصادر عمن لم يرض من الوفاء باللَّفَاء فَبَأَي من صدع الأيام ورَأَبْ، وَنَأَى في دفع الأوهام وقرب، وهو الدهر أبقاكم الله لا تُثَنَّي فَلَتَاتُه، ولا يُبنى على عَقْدِ صَفَائه، يوم لِوَى ولائه، إلا كَدَّرَه بالنقص مُفْتَاتُه. هذا ولو حاسَبَ الإنسان نفسه لاستحقَرَ ما استعظم، وعلم أن ما لا يرى مما وقَى الله أعظم، فأناةً، ومن جُنِيَ عليه فليستغفر الله فَغَفْراً اللهم غَفْرَاً، وحمداً على السراء والضراء وشكراً، وسيدي أعزه الله المشكورةُ أياديه، المبرورةُ غاياته الجميلة ومباديه، وهو سبحانه يعين على واجبكم ويشكر في حسن الإخاء جميل مذاهبكم، والسلام يخصكم، ورحمة الله تعالى وبركاته. وكتب محمد بن أحمد الفشتالي أَلْهَمَهُ الله تعالى رشده: وخاطبت بعض الفضلاء بقولي مما يظهر من الجملة غرضه. تعرفتُ قُرْبَ الدار ممن أحبه ... فكنتُ أَجِدُّ السير لولا ضروره

стр. 37

لأَتْلُوَ من آي المحامد سورةً ... وأُبْصِرَ من شخص المحاسن صوره كنت أبقاك الله تعالى لاغتباطي بولائك، وسروري بلقائك، أَوَدُّ أن أطوي إليك هذه المرحلة، وأجدد العهد بلُقياك المؤملة، فمنع مانع، وما ندري في الآتي. الله صانع، وعلى كل حال فشأني قد وضَح منه سبيل مسلوك، وعَلِمَه مالك ومملوك، واعتقادي أكثر مما تسعه العبارة، والألفاظ المستعارة ومُوَصِّلُها ينوب عني في شكر تلك الذات المستكملة شروط الوزارة، المتصفة بالعفاف والطهر والسلام. وخاطبت الشيخ أبا الحسن بن بطّان بقية الرعيل وخاتمة الأسرياء أهنيه بولده عبد الواحد حائز قصب السباق في كثير من الخصال الحميدة بعد اغتراب وشدة وانبتات بالبلاد الشرقية عظم لأجله بثُّه إلى أن تأَتّى خلاصه: يَهْنِيكَ مَقْدِمَ عبدِ الواحدِ ابنك عن ... مَطْلٍ بوعدٍ مِنَ الأيامِ مَرْقُوبِ كيوسُفٍ كان في فِعْلِ الزمان به ... وكنتَ في البَثِّ والشكوى كيعقوبِ قد علم الله، وهو الذي يعلم السرَّ الخفي ويميز الماذِقَ والوفي، أنني أيها الفاضل الذي إليه في المجد الإشارة، وباجتماع شمله ذاعت البشارة، من يوم وقع عليك بصري ووجب عن حصر كرمك حَصَري، ورأيت منك كوكب السَّحَرِ الذي أخذ أعقاب النجوم، والصبح مرتقب الهجوم، وبقية الغيث السَّجوم، والزمان كثير النيازل والرُّجوم، وأَسِيتُ لفراق ابنك إذ جوانحي بالفراق جِدُّ مكلومة، وأسوارُ صبري بمنازلة الوَدَاع أيُّ مثلومة، ونفسي بالرقة المسترقة معلومة، وفي الجزع للبَيْن غير ملومة. لم أزل أضنُّ على الحوادث بذاتك، وأُوسعُ الأيامَ ذمّاً في أذاتك، وأرغب في بقاء رسم المروءة ببقاء حياتك، وآمل جمع شملك بعين أهلك، وأحتقر في جنبه ما أملِك وما عسى اليوم أن أملك، وأما ما يرجع إلى تخليد ذكرٍ جميل، وتنفيقٍ في محل تأميل، وهز الخلافة إلى رعيك وإحمادِ سعيك، فأمر لم آلُ فيه جَهْداً، فقد أوسعته حرصاً لا زُهداً، ونشرتُ لك بأبوابهم منه بنداً، وجنَّدت جنداً، وكنت عينت الشكرانَ من أجلك إذا جَمَعَ الله شملَكَ بنجلِك، فلمَّا تعرفتُ خلاص بدره من سِرَارِه ودُنوِّ داره، ورجوعه بعد الميل إلى مَدَاره، ثم نظرت إلى محاسنه بعين نابتة عن عينك، وسرني حسنُ القضاء بعد أن مَطَلَ الدهر بدَيْنك، شاهدت فاضلاً في فراق مثله يحسنُ الجزعَ ويرفض الصبر المنتزع، وابنا مزيته على البنين، مزيةُ سنةِ الهجرة على السنين، حفظ الله كمالَه، وبلَّغ كلاَّ منكم آمالَه، وأعانه على تأدية حقك الذي لا يوسع الشرع ولا الطبع إهماله، وحمدتُ الله وشكرتُ، ورحت في طلق المسرة وابتكرت، ورحمت وعذرت، ووَفيتُ بما نذرت، ولم يقنعني إلا بعت من يشافه بهنائك في أحب أبنائك، ولولا أنني ملازم حرمة لا أبْرَحُهَا ومغمور جراية لا أرفضُ حقوقَها ولا أطرحُها، ومؤملُ آمالٍ لا أشرحها، لم يقنعني إلا إعمال الركاب بَدَلَ إعمال الكتاب، فمثلي إذا عرف مثلك التزم، وقطع بموجب الوفاء وجَزَم، وفي وضع الأيادي مواضعها حَزْمُ من خَدَم، والله أسأل أن يجعل شملكم شملاً محفوظاً، وبعين الجمع على الأيام ملحوظاً، ومقْدماً مجدوداً محفوظاً، ويمتع الفروعَ بالأصل، والأصول بالفرع، ويجعله ربْعا بالبَيْن غير مَروع، ويعين من البر على الحق المشروع. والسلام. وخاطبت السلطان أبا عبد الله بن نصر جبره على الله عند وصول ولده من الأندلس: الدَّهرُ أضْيَقُ فُسْحَةً من أن يُرى ... بالحُزنِ والكَمَدِ المُضَاعَفِ يَقْطَعُ وإذا قَطَعْتَ زمانَه في كُرْبَةٍ ... ضَيَّعْتَ في الأوهام ما لا يرجع فاقْنَعْ بِمَا أعْطاكَ دَهرُكَ واغْتَنِم ... منه السرورَ وخَلِّ من لا يقنع

стр. 38

مولاي الذي له المِنَن، والخَلْقُ الجميلُ والخُلُق الحسن، والمجد الذي وضح منه السَّنَنْ، كتبه عبدُكَ مهنئاً بِنِعَمِ الله التي أفاضها عليك، وجلبها إليك، من اجتماع شملك، بنجلك، وقضاء دَيْنِك، من قرَّةِ عينك، إلى ما تقدَّمَ من إفلاتِك، وسلامة ذاتك، وتمزُّق أعدائك، وانفرادك بأَوِدَّائِك، والزمن ساعةٌ أو أقْصَر، لا بل كَلَمْحِ البصر، وكأني بالبساط قد طَوِي، والتراب على الكل قد سُوِّي، فلا تَبْقَى غبطةٌ ولا حسرة، ولا كُربة ولا مَسَرَّة، وإذا نظرتَ ما كنتَ فيه، تَجِدُكَ لا تنالُ منه إلا أكلةً وفراشاً، وَكِنّاً ورياشاً، مع تَوَقُّعِ الوقائع، وارتقابِ الفجائع، ودُعاء المظلوم، وصُدَاع الجائع، فقد حَصَل ما كان عليه التّعَب، وأُمِنَ الرَّهَب، وَوَضِحَ للأجر المَذْهَب، والقدرةُ باقية، والأدعية راقية، وما تدري ما تحكم به الأقدار، ويتمخض عنه الليل والنهار، وأنت اليومَ على زمانك بالخيار، فإِن اعتبرتَ الحال، واجتنبتَ المحال، لم يَخْفَ عليك أنك اليومَ خَيْرٌ منك أمس، من غير شك ولا لَبْس، وكان من أملي التوجُّهُ إلى رؤية ولدكم لكن عارضتني موانع، ولا ندري في الآتي ما الله صانع، فاسْتَنَبْتُ هذه في تقبيل قَدَمِه، والهناءِ بمقدمه. والسلام. وخاطبت الشيخ الجليل الوفي أبا الحسن علي بن بدر الدين بن موسى بن رَحُّو ابن عبد الله بن عبد الحق وقد وصل مُزْعَجاً عن الأندلس بسبب ما تقدم من وفائه واستقر بمدينة فاس، وبيني وبينه صداقة توجب النُّصح، وتقتضي الشفقة: يا جُمْلَةَ الفَضْلِ والوَفَاء ... ما بمعاليكَ مِنْ خَفَاءِ عنديَ بالوُدِّ فيك عَقْدٌ ... صحَّحَه الدهرُ باكتفاء ما كنتُ أَقْضِي عُلاَكَ حقاً ... لو جئتُ مدحاً بكل فاءِ فَأَوْلِ وَجْهَ القَبُولِ عُذْرِي ... وجَنِّبِ الشكَّ في صَفَاءِ

стр. 39

سيدي الذي هو فَصْلُ جنسه، ومزيةُ يومه على أمسه، فإن افتخر الدين من أبيه ببدره، افتخر منه بشمسه، رَحَلْت عن المنشأ والقرارة، ومحل الصَّبْوةِ والغَرَارة، فلم تتعلق نفسي بذخيرة، ولا عَهْدِ جيرةٍ خيرة، كتعلقها بتلك الذات التي لطُفَتْ لطافَةَ الرَّاح، واشتملت بالمجد الصُّراح، شفقة أن تصيبها معوةٌ والله يَقِيها، ويحفظها ويُبْقيها، إذ الفضائلُ في الأزمان الرذْلَةِ غوافل، والضدُّ عن ضده منحرفٌ بالطبع ومائل، فلما تعرفتُ خلاصَ سيدي من ذلك الوطن وإلقاءَه وراء الفُرضة بالعَطَن، لم يبق لي تَعِلَّة، ولا أحرضتني له علة، ولا أُوتِيَ جمعي من قلة، فكتبت أهنئ نفسي الثانية بعد هناء نفسي الأولى، وأعترف للزمن باليد الطولى، فالحمد لله الذي جمع الشملَ بعد شتاته، وأحيا الأنس بعد مماته، سبحانه لا مُبَدِّلَ لكلماته، وإياه أسأل أن يجعل العصمةَ حظَّ سيدي ونصيبه، فلا يستطيعُ حادثٌ أن يصيبه وأنا أخرج عن بثِّ كمين، ونُصْحٍ أنا به قَمِين، بعد أن أسْبُرَ غَوْرَه وأَخْبُرَ طَوْرَه وأرصد دوره، فإن كان له في التشريق أمل، وفي ركب الحجاز ناقةٌ وجَمَل، والرأي فيه قد نجحت منه نيةٌ وعمل، فقد غَنِيَ عن عوفٍ والبقرات، بأزكى الثمرات، وأطفأ الجَمَرات، رَمْيُ الجَمَرات، وتأنَّسَ بوصل السُّرى ووِصَال السَّراة، وأَنَا لَهُ إن رضيني أرضى مُرَافق، ولواءٌ عزى به خافق، وإن كان على السكون بقاؤه، وانصرف إلى الإقامة اعتناؤه، فأمرٌ له ما بعده، والله يحفظ من الغِيَرِ سَعْدَه، والحق أن تحذفَ الأبهةُ وتُخْتَصَر، ويُحْفَظَ اللسانُ ويغضَّ البصر، وينخرطَ في الغِمار، ويُخَلَّى عن المضمار، ويجعل من المحظور مداخلةَ من لا خَلاَق له، ممن لا يقبل الله قولَه ولا عَمَلَه، فلا يكتم سراً ولا يتطوَّقُ من الرجولة زِرَّاً، ورفْضُ الصحبة زمامُ السلامة، وترك الملامة على النجاة علامة، وأما حالي فما علمتم مُلازمَ كِنْ، ومَبْهُوظَ تجربة وسن، أُرجِّي الأيام، وأَروم بعد التفرق الالتئام، خالِي اليد، مليء القلب والخلَد، بفضل الواحد الصَّمد، عاملٌ على الرحلة الحجازية التي أختارها لكم ولنفسي، وأَصِلُ في التماس الإعانة عليها يومي بأمسي، أوجب ما قررته لكم ما أنتم أعلم به من ود قررته الأيام والشهور، والخلوصُ المشهو، وما أطلتُ في شيء عند قدومي على هذا الباب الكريم إطالتي فيما يختص بكم من موالاته وبذلُ مجهودِ القول والعمل في مَرْضَاته، وأما ذكركم في هذه الأوضاع فهو مما يُقِرُّ عين المَجَادَة، والوظيفة التي ينافس فيها أولو السيادة، والله يَصِلُ بقاءكم، وييسر لقاءكم، والسلام. وخاطبت أبا الحسن القرموني من خدام السيادة الخطيبية، ولما وقعت إليه الإشارة حكاية بتونس أيام استيلاء الملك المريني عليها: حملني أعزك الله على قصدك، وتحقيق رصدك، ما حدَّثوا بتونس عن يوم فَصْدك، وأن العاقل ودَّ يومئذٍ أن يكون حجَّاماً، ولا يعرف أسراجاً في ابتغاء الفضائل ولا لجاماً، ومصَّاصاً، ولا يعرف امتازاً بالمعارف ولا اختصاصاً، إلى ليلاتك التي فضحت الظُّلمَ، وأمست لياليَ في سَلَم، وأضحت لشهرتها ناراً فوق علم، إذ باتت العيدان مصطفةً اصطفافَ الهدْي، آخذةً ما بين رأس السرطان إلى رأس الجَدْي، وقلتُ نفسٌ لا تدينُ بالإِمساك ولا تلين لوعظ النساك، لا بد تحت هذه السفرة من نفاضة، وحول هذه الزرة من قراضة، فلما رأيتك رأيت مخيلةَ رجولة، في طلعة مقبولة، وعلمت أن اختصاص سيدنا باستعمالك، وعدم إهمالك، قبول لشهادة مُزكِّيك، وبيانٌ يرفعُ التشكيك، فاستعنتُ بعزك وطعنك وضربك، وقد بلغني جميل بلائك وإن كان ضعيفاً، لكنَّ الله سبحانه وله المثل الأعلى يقبل رغيفاً والشكر واجب، والعمل الصالح لا يحجبه عن الرُّقيِّ حاجب، فخاطبتك شاكراً، وبفضل ما صدر عنك ذاكراً. والسلام. وقلت أخاطب صاحبه محمد بن نوَّار من الخدَّام وقد أعْرَسَ ببنت مِزْوَارِ الدار السلطانية وهو معروف الوسامة وحسن الصورة: إن كُنْتُ في العُرْسِ ذا قُصُورٍ ... فَلاَ حُضُورٌ ولا دِخالَهْ يَنُوبُ نَظْمي مَنَابَ كَبْشٍ ... والنَّثْر عَن قُفَّةِ النُّخَالَهْ

стр. 40

هنَّاكم الله دعاءً وخَبَرا، وألبَسَكم من السرور حَبَرا، وعوَّذَكُم بالخَمْس، حتى من عين الشمس، فَلَعمري لقد حصلت النسبة، ورضيَتْ بهذه المعيشة الحِسْبة، ومن يكن المزوارُ ذَوَاقَه، كيف لا يَشقُّ البدرُ أطواقَه، وينشئ القَبولُ عليه رُوَاقَه، وأنتم أيضاً بركانُ جمال، وبقيةٌ رَسْمَال، ويمينٌ في الانطباع وشِمَال، بمنزلكم اليومَ بدرٌ وهلال، ولعقد التوفيق بفضل الله استقلال، فأنا أهنيكم بتَسَنِّي أمانِيكم. والسلام. ومن المنثور رسالةٌ سميتُها قَطْعَ الفَلاةِ، بأخبار الولاة: بات عندي أحد الشرفاء ممن شأنهُ انتيابُهم، فأجرى ذكر جميعهم وميَّزَ بين أدناهُم ورفيعِهم، فَضَمَّنْتُ ذلك الكلام [المُحَبَّر] وسميته بما ذكر، ونصها: حدَّثَ مَنْ يَنْظِمُ فوائدَ الأخبار في سِلْكِ قَصَصِه، ويدوس حيَّاتِ الطُّرُق بأخمصه، ويطارد شوارد المكارم فَتُصْبِحُ من قنصه. فقال: فبينما أنا في بعض الطرق وقد وَصَتْ الهاجرة، وتبرجت المفازةُ الفاجرة، وسَوْرَةُ القيظ، تكاد تَمَيَّزُ من الغيظ، وشَهْرُ ناجر، قد أخذ بالحناجر، والشمس قد ركبت سَنام خط الزوال، ومُدْرَجَةُ الصَّبَا قد ضنَّت بالنوال، وصمتت عند السؤال وقد تشاجرت الجنادب، واحتفلت لِعُنَاتِها تلك الولائمُ والمآدب، وتباعدت من الفضاء الأخرقِ المناكب، ومدَّت نسيج الآل العناكب، والطيَّة تُطَفِّفُ في المسير، والمطيةُ قد سئمت الذَّرْعَ والتكسير، والظلّ مرامُهُ من العسير، والماءُ بمنزلة الأكسير، إذ رُفعت لي على البُعد سَرْحَةٌ فريدةٌ عن اللِّدات، والوشائج المولَّدات، فهي في المجهل شامة، وللركائب رُكْنٌ مُسْتَلضمٌ بشامة، كأنها في جلد اليباب شامة، فَمِلْتُ إلى سَمْتِهَا وانحرفت، وثنيتُ العِنَانَ نحوها وصَرَفت، فما كان إلا فُوَاقُ حَرْف، لا بل ارتدادُ طَرْف، حتى غشيتُ منها عَقِيلةَ فَلاَة، وخِدْرَ سِعْلاة، ذات عمودٍ سام، وطَنَب تكنّف بني حامٍ وسام، ظلَّلَت من الأرض حجراً مدحوَّاً، ومَهْرَقاً من حروف المرو مَمْحُوَّاً، ودَمْثاً سهلاً، ورحباً وأهلاً، وشيخاً وكهلاً، وعلماً وجهلاً، هَرِمَةً مسنةً، تتخلل سماءَهَا الخضراء شُهْبَانٌ أَسِنَّة، وتتشبث بأهدابها أرسانٌ وأَعِنّضة، وتموج في ظلها إنْسٌ وَجِنَّة، كأنما ضربت الصخرةَ الصَمَّاءَ بعصاها، فأطاعها العذبُ الفُراتُ وما عصاها، فانساب بين يديها ثعبانٌ تُراعُ له وهادٌ وكُثبان، يشف حشاه عن حصىً تُغَلّطُ العارفَ من الصيارف، وتوهم الأمْلِيَاءَ انتهابَ نقودها والغواني انتثارَ عقودِها، لا تستطيع الجوارحُ مُصَابَرةَ خَصَرِه، ولا يماثله الشهدُ بمُجاج معتصِره، فَحَيَّيْتُ الجمعَ بأحسنَ تحياتِه، وأتحفت الروح من ذلك العذب البَرُود بحياته، وتَلَوْتُ) كذلك يُحْيِي اللهُ الموتى ويُريكم آياتِه (، وقلت حيَّاكِ اللهُ من خميلة، وفاتنة جميلة، وتمثلت بقول ابن قاضي ميلة: وقانا وَقْدَةَ الرَّمْضَاءِ روْضٌ.. ... وقاهُ مضاعَفُ الظِّلِّ العَمِيمِ قَصَدْنَا نَحوَهُ فَحَنا علينا ... حُنُوَّ الوالِداتِ على اليَتيمِ يُراعي الشَّمْسَ أَنَّى قابَلَتْنَا ... فَيَحْجُبُها ويَأْذَنُ للنسيم وسقَّانا على ظَمَأٍ زُلاَلاً.. ... أَلَذَّ مِنَ الشَرَابِ مَعَ الكَرِيمِ يَرُوعُ حَصَاهُ حَالِيةَ العَذَارَى ... فَتَلْمَسُ جَانِبَ العِقْدِ النَّظيم

стр. 41

وكان في جُملة من اغتنم المقيل، واستنصر على عدو الظمأ ذلك العَضْب الصَّقيل، وألمّ بالنوم الخفيف على الرَّحْلِ الثقيل لاَئِثُ عِمَّةٍ على هِمَّة، ومستظهر بِوَفرٍ وَذِمَّةٍ، ورَعْيِ ذمة، قد عبث الوَخْطُ منه بِلشمّضة، وجَلَتْ منه الخلَّةُ عن كاشفِ مُلِمَّة، بين يديه عِتاقٌ قُود، وعبيدٌ) تَحْسَبُهمْ أيْقَاظاً وهُمْ رُقُود (، فاشرأَبَّ عند سماع إنشادي، كما يشرئبُّ الرِّيمُ، وهزت حُميَّا الأدب منه عِطْف كريم، وصاح بصوتٍ جهير ينبئ عن منصبٍ شهير: من هذا الطارق؟ ومتى أوْمض هذا البارق؟ إني لآنَسُ مخيلة، غير بخيلة، وأنظرُ إلى مَظِنة، غيرِ ذاتِ عنّضة ليَدْنُ مِنِّي جُؤارك، ويُرْعَ جوارك، ويفتّح نوّارُك، وتتألق أنوارُك، ولم يزل يَحأْحِئُ ويُبَسْمل، ويُيَسِّرُ ويُجَمِّل ويرعى ولا يهمل، فلما دَنَوْتُ من مِهَادِه، وركضتُ في رُبَى الحديث ووهاده، وأصَبْتُ من زاد طريقه، وانخرطت في فريقه، وأطرفتني بأحاديث تغريبه وتشريقه، سفر منه الاختبار عن نِجَارٍ هاشمي، وكَرَمٍ حاتمي، ودارٍ فاسي، ومنصبٍ رياسي. ولمّا انخفض قرنُ الغزالة، ولاَنَ طبعُ الهواء من بَعْد الجزالة، ولم يبق من عمر اليوم إلا القليل، وَرُقْيَةُ النسيم تتردد على الأصيل العليل، وهو يجود بنفسه، ويسلك مسلكَ أمسه، والغرب يبتلع قرصَةَ شمسه، فَهُنَا نَقْضِي الدَّيْن، ونُقلّدُ رَقْمَ العِذَارِ كلَّ أسِيل الخَدَّيْن، ونغتنم ثاني الأبردين، فرفعت الرحال من فوق الظهور، وسرنا بنَصِّ السير على المذهب المشهور، وتركنا البيناتِ إلى جادة الجمهور، وقلت أيها الرفيقُ البَرُّ الصحابة، الأغرُّ السحابة، إن الشُقَّة بعيدة، والمَشَقَّةَ مُبْدِيَةٌ مُعيدة، ولا يُستعان على المراحل إذا سطت واستطالت، وليالي السُّرى إذا تَمَطَّتْ وطالت، إلا بتقارب الأخبار المنقولة، والآداب المهذبة المصقولة. فقال: أَثِرِ الكامن، وازْجُرِ الميامن، وابغِ الفَلك الثامن، واطلبْ غريم الغرائب، وأنا الضامن. قلت: أفسح لي مجالَ غرضك، واشرح لي معنى جَوْهَرِك وعَرَضِك، وَطِيَّةَ سفرك وعَوْدِكَ بِظَفَرِكَ إلى نَفَرِك. فقال أنا كالشمس أَجُوبُ هذه المنازل مرة في كل سنة، وأُحْصِي كلَّ سَيِّئَةٍ وحسنة، أطوي الفلاة، وأُبَهْرِجُ الوُلاة، فهم يرقبون النّوْبَة ويتوقعون الأوْبَة ويستعدون لخروج دابتي التي تُكلِّمُهُم بالإقلاع والتوبة، فأُسْعِطُ الأنوف، وأنتزع حتى الشنوف، وأُحَكِّمُ لساني فيمن ينساني، وأجود بظلِّ نيساني مَنْ يُقِرُّ إنساني، وأداول بين إساءتي وإحساني. وأتصدى للهدية الوِدِّية، وآنفُ من العطية البَطِيَّة، وأُوسِعُ البخيلَ هَجْرَاً وأُسْمِعُه هُجْرَاً. وأُقَرِّظُ مَنْ كَرُمَ نَجْرَاً، وَوَضَح فجراً، [قُلْ لاَ أَسْألُكُمْ عَلَيهِ أَجْرَاً] . فلا أزال أطلق عنانَ الصولة في جو الجولة، مُستظهراً بوسيلة البيت ومنشور الدولة، أَسْلُو الخاملَ في تَرَفُّهِ النبيه، وأحكمُ للشبيه بحكم الشبيه ولا أقبل عذراً لبطئ ولو شغلته خِفَارَةُ أبيه، أهجم هجوم السيل بالليل، وأجُرُّ على البيوت فضلَ الذَّيل، وأتَقَلَّبُ تَقَلُّبَ الفَلَكِ بين الاستقامة والمَيْل، وأَزِنُ كل بضاعة فأبْخَسُ في الوزن أو أُطفف في الكيل، وأُغررُ غرة الصباح بغرر الخيل، ولو على حي عامر بن الطفيل، وأرحل عن الحلة وقد هَمَدَتْ بعد ارتجاجها، وَسَكَنَتْ قَسَاطِلُ عَجَاجِها، وَصَمَتَ أَذينُ دَجَاجِها. وَفَلِيَتْ على الحرس رءوسُ مَحَاجِّها. وأعودُ والصُّرة لا يجتمع مِغْلاَفُها، والبِدْرَةُ لا يُقِلُّهَا مِعْلاقُها، والعِيَابُ، يَصْعُبُ معها الإياب، وتبرز من خلال أستارها الثياب، والخيل تمرح في الأرْسَان، وتختال في السُّروج المحلاة والجِلاَلِ الحسان. قلتُ لَعَمري لقد اتصل نطاق الكلام، وطال مدى التلاوة بين هذه الإقامة والسلام، فأَعرِضْ لي القوم عرضاً، وصِف الموارد عَمْداً وفرضاً، وميز الهمم سماءً وأرضاً، وأخبِط العُصاةَ بعصاك حتى ترضى. فقهقه قهقهة الشقشاق، وتأوه تأوه العشاق، وكأنما كانت حاجةً في نفسه فقضاها، وعزيمةً يتجاذبها الكسل فأمضاها، فشام نصاله وانتضاها وقال خذهم بالتلابيب واجتثَّهم بِحُجَزِ الجلابيب، وَعِثْ عَيْثَ الغزالة وَشَبِيب في كل عرف وسيب، وابدأ بمن تريد. وارسل شهابَ فكرِك خلف كل شيطان مَريد، وَمَنْ غاب

стр. 42

عنك فخيل البريد. قلت: الحضرة وجُباتها، والمزرعة العظمى ونباتها وأفْتَتحُ الصرائمَ بمحمد بن أبي القاسم. فقال: شيخٌ موقَّرٌ، والمنصِب ما لم يصُنه مُحَقَّر، مُرْعٍ على رُتب الخدمة. قديمُ الاصطناع والنعمة، مؤتمنٌ على الحساب منتسِبٌ للأمانة أتمَّ الانتساب، نبيهُ العَقَار والاكتساب، مُوجِبٌ حقَّ أُولِي الأحْسَاب قلت) بياض (قال فارسُ زِمام، ومتمسك بذمام، ومُصَلٍّ خلف إمام. يناقش ويدقق ويعاود ويحقق، وهو عن الصَّبوح يرقق. فغريمه مُتعَب. مهما عسَّر وصَعَّب، واستوفى واستوعب: كَعُصْفُورَةٍ في كَفِّ طِفْلٍ يَسُومُهَا ... تَرودُ حِيَاضَ المَوْتِ والطِّفْلُ يَلْعَبُ وعلى الرتبة الشماء. والخُلُق اللطيفة كالماء، فبينه وبين ابن عمّه ريحانة الكرماء وشهاب الظلماء ما بين الحروف والأسماء، لا بل بين الأرض والسماء: وقَدْ يُسَمَّى سَماءَ كلُّ مُرْتَفَعٍ ... وإنَّمَا الفَضْلُ حَيْثُ الشَّمْسُ والقَمَرُ قلت) بياض (قال: خدوم، وقاضي سَدوم، وموجود معدوم، مَخِيلٌ بالنُّبْل، ومحيد عن السُّبْل، ويخلط أرضاً وسماء، ومُسَميّاتٍ وأسماء، يحسَبه الظمآن ماء. قلت: فابن القوار؟ فقال: شختور يسبح، وقصاب يذبح، وتاجر في كل نفس يربح، انسحب عليه القبول من لَدُن صباه، وصاح به الجَدُّ فلبَّاه، شأنه الدهر غمزٌ وإشارة، ونِذارة وبشارة، محظوظ مجدود، عِقْدُ حرصِه مشدود، وهو في الكُفَاةِ معدود. قلت) بياض (؟ قال: فارة، وقضاءٌ وكَفَّارة،) وبَقِيَّةٌ مما ترك آلُ موسى وآلُ هرون (تحت غفارة، وبعوضة في الآذان، تغني عن الاستئذان، وتَطْرُق حتى سُباتِ الإقامة والأذان، قادرٌ على تلفيق الثبوت، وحملِ اليهود على نِسيان السُّبوت، يرى الحكمة خَبِيثَةَ جَيْبِه، ويشتغل بعيُوب الناس عن عيبه. قلت: فابن جَدار؟ قال: ألوفٌ ودود، أنوف عن الخُبْث صَدود، محسوبٌ من الأسرياء معدود، كثير الهشاشة والأريحية، مبذول المشاركة شائع التحية، بادي النُّبلِ والظُّرفِ، مُؤْتَمِرٌ لوَحْيِ الطَّرف، عدةٌ للعدل والصرف، ينظم الأبيات ويوضح من الفضل الغرر والشيات: عَلَيَكَ بِكاتبٍ لَبِق ذَكِيّ ... أَديبٍ في شَمائِله حَرارة تُشيرُ لَهُ بِلَحْظِكَ مِنْ بَعِيدٍ ... فَيَفَهم طَرْفَهُ عَنْكَ الإشارة قلت: فالو إلى الريب؟ فشد خيشومه، واستدفع بيمن الله شومه، ثم قال: الروض الأنف، محتاج إلى الكنف. اعلم أنني على طول تجربتي، وتكرر تشريقتي وتغريبتي، لم أعثر له على شبيه، فلعنة الله عليه وعلى أبيه، الجهل والرعونة، والطلعة الملعونة، والخيانة التي يَعْرِفُها الوجود، واليد التي في غير الخَنَا لا تجود، نار الخيانة التي تأكل في اللحظة الواحدة بجِطامها، وخنجر الأمانة الذي يقد حبالها، المارنُ على النكال والعقاب، المخلُّ بالألقاب، الخاملُ البيت والهمة، الكثيرُ الذَّام القليل الذمة، ولله درُّ أبي محمد العلكوم ذي العارض المركوم حيث يقول: لأبي الفَضْلِ بن الربيب خِلاَلُ ... شَهِدَتْ بالوفاءِ والفَضلِ فيهِ ساقِطُ الأصْلِ عاهِرُ الفَرْجِ مُذْ كا ... نَ سَفيهاً قد بَذَّ كُلَّ سَفيهِ ذي مُحَيَّا مِن الحياءِ عَديمٍ ... وَقَفاً ممتل وشَكل كَريهِ سُلْحُفَاةٌ قد عُمِّمَتْ وجراز ... في رداءٍ مُوَشَّعٍ يَلْويهِ يَحمِلُ السَّرْجُ منه دَنَّ رَجِيعٍ ... يَعْرِفُ الناسُ ذَوقَهُ مِنْ فِيهِ حَجَّرَ اللهُ جُودَهُ ونَدَا كَفّيْ ... هِ إلاَّ عن أَسوْدٍ يَشْفِيهِ فهو لا يَسْتَكِفُّهُ مِنْ بَلاءٍ ... ومجابي البلاد لا تَكْفِيهِ قلتُ للنَاسِ والسُّؤَالُ شِفَاءٌ ... وهوَ قِدْماً شأنُ النبيلُ النَّبيهِ

стр. 43

لِمَ يُدعى بابنِ الرَّبيبِ فقالوا ... كانَ يَزْني بِأُمِّهِ ابنُ أبيهِ أبْعَدَ اللهُ ذلِكَ الوَجْهَ مِنْ كُلِّ ... مَقَامٍ بَرٍّ وَقَدْرٍ وَجيهِ وكأني به وقد بَثَرَتْ منه ... يَدُ الذُّلِّ غَلْطَةَ التنويهِ تنزع السِّتْرَ عنه سَخْطَةُ رَبِّ ... لم يَدِنْهُ يَوْماً بِمَا يُرْضيهِ قَدْ أهالَتْ منه السِّيَاطُ كَثِيباً ... وأَلَمَّتْ رَمْلَهُ رِيَاحُ التِّيِهِ وَرَسَتْ مِنْهُ في الأداهِمِ رِجْلٌ ... ودَّعَتْهَا نَضَارَةُ التَّرْفيهِ كانَ عاراً على الوُجُودِ ومَنْ يُبْ ... لَى بعارٍ وكَيْفَ لا يَخْفِيهِ؟ عادَةُ اللهِ كُلَّما اعْتَزَّ بَاغٍ ... بِضَلالٍ فإنه يُكْبِيهِ قلت) بياض (قال شُعْلَةٌ منْ ضِرَام، ودُمَّلٌ من أَوْرَام، ولا بد لكل شيء من انصرام: سَعِيدُ الدَّارِ خَيْرٌ مِنْ أَبِيهِ ... وَطَرْحُ الكَلْبِ خَيْرٌ مِنْ سَعِيدِ قلت فوالي مكناسة عبد الله بن محمد؟ فقال: صاحب هَدْي وسَمْت وطريقةٍ غير ذاتِ عِوجٍ ولا أَمْت، متصفٌ بعفافٍ، واشتمالٍ بالطهارة والتفاف، مع عدل وإنصاف، وامتياز بالخير واتصاف، مُعْتَدُّ الجود، واضعٌ إياه في ضرورات الوجود، كثيرُ الضيف، مُطْعِمٌ في الشتاء والصيف، أَمِنَ جارُه من الحيف، يرعى الوسيلةَ ولا ينساها، ويصل مَغْدَى الصنيعة بِمُمْسَاها، فإذا ذكرتَ الخيار فاذْكُرْهُ فيها، وحْسُب الولاية به فخراً ويكفيها، لا تسمع النجوى مجالسُه، ولا تَضُمُّ الخَنَا سقائفه. قلت) بياض (فقال: إنْهَدْ، وفي غير الكبار لا تَجْهَدْ، ودَعْنَا من الحضيض الأَوْهَد، فالأمر أَزْهَد، ولا تَعُد إلى مثلها والله يشهد. قلت:) بياض (وهو لعمري مسلس القياد، وحنيب جياد، فلم يَفُهْ بِبِنْتِ شفه، لا أدري، أبِرِضىً أم أَنَفَة. قلت: فزكريا بن يحيى؟ قال: مُقيمُ رَسْم، وممتازٌ من الشهرة بوسم، ورجلٌ عاقل، وجَالِي صفحات البِرِّ وصاقل، ومتماسك عن الغاية متثاقل، لا بفصاحة سَحْبَانَ ولا بِعِيِّ باقل، يروقك لقاؤه، ويُعْجِبُك خوانه وسقاؤه، ويُثني على خُلَّتِهِ أصدقاؤه. قلت: فأخوه الأحسن بأزمور؟ قال: دُرَّة بيتهم، وغُرَّةُ كُميْتِهِم، ومشكاةُ زيتهم، منزلُهُ مَتْرَعُ جِفَان، ومَحطُّ ضيفان، يركب المطية، ويمهد الأريكة الوطيّة، ويُتبع بالعذر أثر العطية غير البطية، ويجدد العهد بالعصابة البَرْمَكِيَّة، وأخبارهم المَحْكِيّة. قلت فوال تيط، ابن بطان؟ قال: كوكب سَحَر، وكريم قرى ونَحَر، وأَبْهَتَ وسَحَر، ما شئت من ترتيب وتقدير، وخليق بالبر جدير، وروض وغدير، وخَوَرْنَق وسَدِير، هذَّب الأدبُ خُدَّامه، وأطاب الاحتفال خبزه وأَدامه، إلى عطاء يحسب الأمل، ويثقل الناقة والجمل، عَضَّه الدهر فما عضَّ من طباعه، واستأثر بماله ورباعه، وتركه فريسة بين سباعه، فما حطَّ من همته ولا قصَّر من باعه: وطَالَمَا أُصْلِيَ اليَاقُوتُ جَمْرَ غَضىً ... ثمَّ انْطَفَى الجَمْرُ واليَاقوتُ ياقوتُ

стр. 44

قلت، فمشرف دُكَّالة اللحائي؟ قال: أمين، وذخر ثمين، وشمال للنصيحة ويمين، أي صدر سليم، وتفويض وتسليم، وسَرْوٌ عميم، ومَرْعى للفضل جميم، يَقْنَعُ بالمُصَاصة ويؤثر على الخصاصة، ويحافظ على القُلامة والقُصاصة، قلت) بياض (قال: لفظ بلى معنى، وشجر بلا مَجْنَي، مَرُوَّتُهُ سقيمة، وسَرَوَاتُه عقيمة، مدين، الحرمان له خدين، لا يُحمد قِراه، ولا تُمْسِك البُلالة ثراه، وإن تسمع بالْمُعَيْديِّ لا أن تراه. قلت: فالغفاري بمَرَّاكُش. قال: حُمول الكلفة، كثير الألفة، أخلاقه وَطِيَّة، وهو قَعود ذَلولٌ ومطية. قلت فالوالي الكبير محمد بن أبي العلي؟ قال: سورة الفضل والكمال، ومعنى الجلال والجمال، وسيف الجباية والمال، وحجُّ العفاة وكعبة الآمال، العَفّ الإزار، ذو المواهب الغزار، ما شئت من حياء ووقار، واهتضام للعرَض الأدنى واحتقار، يَهبُ الجزيل، ويكرم النزيل، ويحكِّم السنة والتنزيل، اسم لو سبق الزمانَ زمانُه، وانتظم في سلك العهد المتقادم جُمانه، لَمَا كان لكعب من عُلُوِّ كعب، ولا ساعد ابن سُعدى ذكر، ولا أُعْمِلَ في مدح هرم بن سنان فكر، ولَطُوِيَ حاتم طيئ فلم تأخذه يد النشر إلى الحشر، ولا عُمِلَت في أخباره يد الإضراب والبَشْر، فهو العامل العالم، والعادل الذي تُكَفُّ به المظالم، والبحر الذي ما دونَه بُلالة، والكفاية التي ما سواها عُلالة: مَدَحْت الوَرَى قَبْلَهُ كَاذباً ... وما صدَقَ الفجرُ حتى كَذَب فإن طرقتَ منزله هشَّ ورحب، وتبسط جالباً للأنس وتسحب، وحكَّم كمالَه، وألقى قبل الوسادة ماله، فهو حسنة الدولة الغراء، وطِرَاز حُلَّتِها السِّيَرَاء، وحديثها المنقول، وصفيحها المصقول، ولله درُّ الذي يقول: سَلِينِي عَنِ النَّدْبِ وَالِي الوُلاَة ... فإنِّي عَلَى وَصْفِهِ قَادِرُ مُخَدَّرَةٌ في سَبِيلِ الحَيَاءِ ... ويَوْمَ الوَغَى أسدٌ خَادِرُ ولما بلغ هذا الحد كأنما كان ثوب الحديث على جسد الرحلة مقدوداً، وعدده مع أميالها المحسوبة معدوداً، أتى السير منه على القواعد والفروق، وانتهب عمر الليل إلى الشروق وكان آخره بباب المحروق، وجعل كلٌّ وَجْهَه إلى داره، وعاد إلى مركزه عَقب مداره، وعَلِق بقلبي كلامُه، فاستقر في اختزانه، فأنا أزن القوم بميزانه، والله يتغمد ما يُوَاقُعه العبد من هفوة لسانه، ويغَطّي الإساءة بإحسانه. ومن المنظوم الصادر لهذا العهد، ما خاطبت به المقام السلطاني المستعيني في غرضي المعروف: عن بابِ والِدِكَ الرِّضَا لا أبْرَحُ ... يَأْسُو الزَّمانُ لأجْلِ ذَا أَوْ يَجْرحُ ضُرِبَتْ خِيَامِي في حِمَاهُ فصِبْيَتي ... تَجْني الجَمِيمَ بِهِ زَبَهْمِي تَسْرَحُ حتَّى يُرَاعَى وَجْهَهُ في وِجْهَتِي ... بِعِنايَةٍ تَشْفِي الصُّدُورَ وتَشْرَحُ أَيَسُوغُ عن مَثْواهُ سَيْرِي خائِباَ ... ومنابِرُ الدُّنْيَا بِذِكْرِكَ تَصْدَحُ أنا في حِماهُ وأنتَ أبْصَرُ بالَّذي ... يُرْضيهِ مِنْكَ فَوَزْنُ عَقْلشكَ أَرْجَحُ في مِثْلِها سَيْفُ الحَمِيَّةِ يُنْتَضَى ... في مِثْلِها زَنْدُ الحَفِيظَةِ يُقْدَحُ وعَسَى الذي بَدأَ الجَمِيلَ يُعِيدُه ... وعَسَى الَّذِي سَدَّ المّذَاهِبَ يَفْتَحُ وخاطبت السيادة الخطيبية في الغرض المذكور بما نصه: بَرِئْتُ للهِ مِن حَوْلي ومِن حِيَلِي ... إنْ نامَ عَنِّي وَلِيِّ فَهُوَ خَيْرُ وَلِي أصبحت مَا لِي مِنْ عَطْفٍ أُؤمله ... مِنْ غَيْرِهِ في مُهِمَّاتٍ ولا بَدَلِ ما كنتُ أَحْسِبُ أنْ أُرْمَى بقاصية ... للهجر أقْطَعُ فيها جَانِبَ المَلَلِ من بعد ما خَلَصَْ نحوي الشفاعة ما ... بين الفَلاَ والدجى والبيض والأسل لكان كَرْبيَ قد أفضَى إلى فرج ... حُزْنِيَ قد أوْفَى على جَذَلِ أَلْمَمْتُ بالعتْبِ لم أَحْذَرْ مَوَاقِعَهُ ... ) أنا الغَرِيقُ فما خَوْفِي منَ البَلَلِ ( ولَسْتُ أجحد ما خُوِّلْتُ من نِعَمٍ ... لكنها النفسُ لا تَنْفَكُّ عن أَمَلِ ولستُ أيأس من وَعْدٍ وُعِدْتُ بِهِ ... وإنما) خُلِقَ الإنسانُ مِنْ عَجَلِ (

стр. 45

وخاطبت المقام المولوي السلطاني وقد بذل نصفة وعدلاً من جملة تشتمل على نظم ونثر: أنْتَ للمسلمينَ خَيْرُ عِمَادٍ ... وملاذٍ وأي حِرْزٍ حَريزِ لَوْ رَأَى ما شَرَّعْتَ للخَلْقِ فِيهِ ... عُمَرُ الفاضِلُ ابنُ عَبْدِ العَزِيزِ لَجَزَى مُلْكَكَ المُبارَكَ خَيْراً ... وَقَضَى بالشُّفُوفِ والتَّبْرِيزِ فاشْكُر اللهَ ما اسْتَطَعْتَ بِفِعْلٍ ... وبِقَوْلٍ مُطَوَّلٍ أَوْ وَجِيزِ كُلُّ مَلْكٍ يُرَى بِصُحْبَةِ أَهْلِ العِ ... لْمِ قَدْ بَاءَ بالمَحَلٍّ العَزِيزِ فإِذَا ما ظَفِرْتَ مِنهُمُ بإِكْسِ ... يرٍ مَلأْتَ البلادَ مِنْ إِبْريزِ والبَرَايَا تَبِيدُ والمُلْكُ يَفْنَي ... أَيْنَ كِسْرَى المُلُوكِ مع أَبْرَوِيزِ وأنشدتُ ابني عبد الله، وقد وصل لزيارتي من الباب السلطاني، حيث جرايته ووظيفته، وانجرَّ حديثُ ما فُقِد بغرناطة في شجون الكلام: يَا بُنيَّ عَبْدَ الإلَهِ احْتِسابَاً ... عَنْ أَثَاثٍ ومَنْزِلٍ وعَقَارِ كَيْفَ يَأْسَى على خَسَارةِ جُزْءٍ ... مَنْ يَرَى الكُلَّ في سَبيلِ الخَسَارِ هَدَفُ لا تَنِي سَهَامُ اللَّيَالي ... عَنْ سِبَاقٍ تِجَاهَهُ وَبِدَارِ وَاحدٌ طَائِشٌ وثَانٍ مُصِيبٌ ... ليس يُنجى منها اشتمالُ حِذَارِ غير ذي الدار صَرِّفَ الهَمّ فيها ... فمناخ الرحيل ليس بدار وأنشدته وأمرته بحفظه والتأدب به، واللَّهَجِ بحكمته: إذَا ذَهَبَتْ يَمِينُكَ لا تُضَيِّع ... زمانَكَ في البكاء على المُصِيبَة ويُسْرَاهَا اغتنم فالقوس تَرْمِي ... وما تدرِي أرشقتُها قريبة وما بغريبةٍ نُوَبُ الليالي ... ولكنَّ النَّجَاةَ هي الغريبة ومن المنظوم في قريبٍ من هذا: أيا أَهْلَ هذا القُطْرِ ساعده القَطْرُ ... دُهِيتُ فَدُلُّونِي لمن يُرْفَعُ الأمرُ تَشَاغَلْتُ بالدنيا ونِمْتُ مُفَرِّطاً ... وفي شُغُلِي أو نَوْمَتِي سُرِقَ العُمْرُ وقلت وقد انصرف عني الولد إلى مدينة فاس لإقامة رسمه من الخدمة، وأشجاني انصرافُه لوقوع قَرحة على قرح والله المستعان: بَانَ يَوْمَ الخَمِيسِ قُرَّةُ عَيْنِي ... حَسْبِيَ الله أيُّ مَوْقِف بَيْنِ! لَوْ جَنَي مَوْقِف النَّوى حَيْنَ حَيِّ ... كان يومَ الوداع والله حَيْنِي ضَايَقَتْنِي صروفُ هَذِي اللَّيالِي ... وأَطَالَتْ هَمِّي وأَلْوَتْ بِدَيْنِي وَطَنٌ نَازِحٌ وشَمْلٌ شَتِيتٌ ... كَيْفَ يَبْقَى مُعَذَّبٌ بَيْنَ ذَيْن؟؟ يَا إلَهِي أَدْرِك بِلُطْفِكَ ضَعْفِي ... إنَّ ما أَشْتَكِيهِ لَيْسَ بِهَيْن ومن أبيات في المدح وتضمنت معنىً غريباً: كأنما قِرنُهُ في صَفْحِ مُرْهَفِهِ ... قُرْبَان هِنْدٍ أَتَى يسْعَى عَلَى قَدَمِه تبدو به في مبادي الأمر صورتُه ... وتغلِب النارُ إذ يكسو شعاع دمه ما زال قربانُ نارِ الهند معتقَداً ... في الدّهْر أن الوجود الحقَّ في عدمه ومن المقطوعات في النسيب: أرسلت عيني في حُلاَك بنظرة ... هي كانت السببَ الغريبَ لما بي وأراك بالعَبَرات قد عاقبتها ... ليس الرسولُ بموضع لعِقاب ومن الأغراض الغريبة: كأنما الغَيْثُ مَلْكٌ ... يَبْآى به جُلَسَاهُ يُرْضِي النديمَ فمهما ... سقى الرياضَ كساه وخاطبت السيادة الخطيبية مع طَيْفُور طَعَام: تعَلَّمَ طيفوري خِلالَ سَمِيِّه ... وإنْ كان منسوباً إلى غير بِسْطَامِ وجاء فقير الوقت لابِسَ خِرْقَةٍ ... فليس براضٍ غير صحبة صَوَّامِ فَدَيْتُكَ لا تَرْدُدْهُ عنك مُخَيَّباً ... ودَرِّسْهُ يا مولاي قِصَّةَ بِلْعَامِ ونظمت في هذه الأيام موشحتين استطردت فيهما إلى مدح السلطان تنويعاً في الوسائل وسَبْراً للقريحة، إحداهما: د قامت الحُجة ... فليعذر العاذر فالعذل لا يُجدي شيئاً سوى الكرب ... وشِقْوة الخاطر وشدة الوجد حدِّثْ عن السُلوانْ ... أو شئتَ يا صَاحِ حدث عن العنقا

стр. 46

إنهما سِيَّان ... فليُقْصِرِ الَّلاحِ عمن شكا العِشقا قد عزني الكتمان ... فبان إفصاحِ ببعض ما ألقا من صَادقِ اللهجة ... وسْنَان عن ساهر لِمْ يُبْلَ بالصدِّ مُنَزَّه القلب ... مُبَرَّأَ الناظر عن حالةِ السُّهد عُذّب بالتيه ... قلبي وبالبَيْنِ فلم أطق صبرا ظبيٌ تَجَنِّيهِ ... ما كان بالهَيْنِ قد واصل الهجرا مُكَمَّلٌ فيه ... مسْرَحةُ العين قد أخجل البدرا في طرفه حجَّة ... للفاتن الساحر ونافث العَقْدِ يَذهَب باللُّب ... محكِّمُ السادر في الحُرِّ والعبد ناديت في الظلمة ... يا مالك الملك يا دافعَ البلوى فَرِّج لِيَ الغمة ... أنت الذي تُشْكِي مَنْ أعلَنَ الشكوى بمن طوى الهمَّة ... لِطِيَّةٍ يبكي ويعلن النجوى في عشر ذي الحجة ... من راكش سائر للعلَم الفرد مغتفر الذَّنب ... معتمرٌ زائر مُبَلّغ القصد مذ جال في سمعي ... فراقه حقاً ظَلِلْت كالهائم كأنما دمعي ... يَهمي فلا يَرْقا جودُ أبي سالم معالِجُ الصَّدع ... والعروة الوثقى وقامع الظلم ومُصْمتُ الضجَّة ... ومُطفئ النَّائر ومُوضِحُ الرُّشْد خليفة الرَّب ... والباذخ الفاخر بالأب والجَدِ الواهب الأَلْفِ ... تأتي معاليه من رجْعِهِ الطرفا وخارق الصف ... إلى أعاديه إن شاهد الزَّحفا ومُرْسِلُ الحتف ... فمن يناويه يصادم الحتفا والأرض مرتجة ... بالعسكر الزاخر قد ماج بالجُرد وغُصَّ بالقُضْبِ ... والصارم الباتر والحَلَقِ السَّردِ من فاز بالسَّبق ... في رفعة القَدْرِ والمنصب الأسمى وفاق في الخَلْقِ ... والخُلُقِ البَرِّ والسيرة الرُّحْمَى ذو منظرٍ طلْقِ ... مؤيّضدُ الأمر مُسَدَّدُ المرمَى إذا امتطى سرجه ... فالقمرُ الراصد لعين مستهد ومخجلُ السحْب ... في العارض الماطر إن جاد بالرِّفْدِ عُلاهُ لا تُحْصَى ... والشرطُ والثُّنْيا دَأْباً ينافيها لو مُثّلَتْ شخصاً ... لغالت الدنيا بالحق تُعييها دولته اختصَّا ... تأنق العليا بكل ما فيها بدائع البهجة ... ونزهة الخاطر وجنَّة الخلد وراحة القلب ... وبغية الناظر في ذلك الخدِّ والأخرى: يا حاديَ الجمال ... عرج على سلا قد هام بالجمال قلبي وما سلا عرج على الخليج ... والرمل والحِمَى في المنظر البهيج ... بالبِيض كالدُّمَى والأبطح النّسِيجِ ... من صَنْعَةٍ السَّما لله من جلال ... تختال في حُلا لم تُلف في اعتدال عنهنَّ مَعْدِلا وطف من الرباطِ ... بركن طَائِفِ بمنزل اغتباط ... دار الخلائف مُقَدَّسِ المواطِ ... جم العوارف كم من سنا هلال ... بأُفْقِهِ انجلى أنحى على الصلال فانجاب واجتلى جَنَي النعيم دانِ ... والبحر والغدير أَهِلَّةُ الشَّوانِي ... في أفقه تسير وقهوة الدنان ... يديرها مدير أغرُّ كالغزال ... مُقَلَّد الطُّلا يسطو ولا يبالي بالأسْدِ في الفلا أَوْلَى إليك أوْلاَ ... من ذكر معهد أكثرت فيه قولاً ... في كل مشهد خُذْ في امتداح مولا ... نَدْبٍ مؤيَّدٍ مُمَجَّد الجلال ... مشهَّرُ العُلا قد فاق في كمال وراق مُجْتًلا موافق الخليل ... في الاسم والسمات ذي المنظرِ الجميلِ ... الرايق الصفات مُكرِّمُ الدخيل ... ومُجزل الهبات ومُحْسِب النوال ... لمن توسلا ورافع المعالي سحباً مظللا

стр. 47

يا من عُلاهُ دَرَّتْ ... بكل نائل خذها إليك جَرَّت ... ذَيْلَ الخمائل وفي حُلاك أزرت ... بِقَوْلِ قائل يا منزل الغزالِ ... حُييتَ منزلا فما أُرَى بسال عنه وإن سلا وكتبت إلى السيادة الخطيبية، وقد وصل ولدها إلى سلا، ومنعني عن لقائه عذر من مرض، وكان نزوله بزاوية النساك صدّني عن لقاء نجلك عذر ... يمنع الجسم عن تمام العباده واختصرت القِرى لأن حط رحلاً ... في محل الغنى ودار الزهاده ولو أني احتفلت لم يُعِن الدهر ولا نلت بعض بعضٍ أراده وعلى كل حالة فقصوري ... عادة إذ قبولك العذر عاده لا عدمت الرضى من الله والحسنى ... كما نص وحيه والزياده وخاطبت من قَصَّر في حاجتي: من لا نصيبَ لصحبه في خَيْرِه ... وإذا سَعَى لم يَقْضِ حاجةَ غيره فاقصد أباهُ متى أردتَ وقُلْ لَهُ ... اللهُ يُلهِمُهُ العزاءَ بأَيْرِه وقلت في غرض التورية أَرثي أحد الفضلاء بالعدوة واسمه الحسن: أشكو إلى الله من بَثِّي ومن شَجَنِي ... لم أَجْنِ مِنْ مِنَحِي شيئاً سِوَى مِحَنِ أَصَابَتْ الحَسَنَ العَيْنُ التي رَشَقَتْ ... وعادةُ العَيْنِ لا تُضْمِي سِوَى الحَسَنِ ومما راجعتُ به أحد الفضلاء عن مكاتبةٍ وردت منه: يا من تقلد للعَلاَءِ سُلوكاً ... والمَجْدُ صَيَّر نَهْجَهُ مَسْلُوكَا كاتبته متفضِّلاً فَمَلَكْتَني ... لا زلتُ منك مُكاتَبَاً مملوكا وأطلَّت ليلة الميلاد المعظم بوقع العمل على رسم ما قبله، ونظمت قصيدة وجهت نظيرها إلى الباب السلطاني، تولَّى الولد النيابة في عرضها مُعطفة - والفضل لله - جانبَ التقديم مُحْصبَة التنفيق، معقبة بسَنِي الخلعة وهي: تَأَلَّقَ نَجْدِيَّاً فَأَذْكَرَنِي نَجْدَاً ... وهاجَ بي الشوقَ المُبَرِّحَ والوَجْدَا وَمِيضٌ رأى بُرْد الغمامة مُغْفَلا ... فمدَّ يداً بالتير أعلمت البُرْدَا تبسَّم في بحرية قد تجهمت ... قما بذلت وصلاً ولا ضربت وعدا وراودَ منها فاركاً قد تمنَّعت ... فأهوى لها نصلاً وهددها رعدا وأغرى بها كفَّ الغلابِ فأصبحَتْ ... ذَلُولاً ولم تسطِعْ لإمرته ردا فحُلَّتها الحمراء من شَفَق الضحى ... نَضَاها وحلَّ المُزْن من جيدها عقدا لك الله من برقٍ كأّنَّ وميضَهُ ... يد الساهر المقرور قَدْ قَدَحَتْ زندا تعلَّم من سكانه شِيمَ الندى ... فغادَرَ أجراع الحمى روضةً تَنْدَى وتوَّج من نُوَّارها قُنَن الرُّبَا ... وخَتَّم من أزهارها القُضُبَ المُلْدَا لسرعان ما كانت مناسفَ للصَّبا ... فقد ضحكت زهراً وقد خجلت وردا بلادٌ عهدنا في قرارتها الصِّبا ... يقلُّ لذاك العهد أن يألف العهدا إذا ما النسيم اعتلَّ في عَرَصَاتِها ... تناول فيها البانَ والشِّيحَ والرندا فكم في مجاني ورْدها من علاقة ... إذا ما استثيرت أرضها أنبتت وَجْدَا أو استشعرتْهَا النفسُ عاهدت الجوى ... أو التَمَحَتْهَا العينُ عاقرت السُّهْدَا ومن عاشقٍ حرٍ إذا ما استماله ... حديثُ الهوى العُذريِّ صيَّرَهُ عبدا ومن ذابل يحكي المحبين رقة ... فيثنى إذا ما هبَّ عَرْفُ الصَّبا قَدَّا سقى الله نجداً ما نَضَحْتُ بذكرها ... على كبدي إلا وجدت لها بردا وآنسَ قلبي فهو للعهد حافظٌ ... وقلَّ على الأيام مَنْ يحفظ العهدا صبورٌ وإن لم يبق إلا ذبالةٌ ... إذا استقبلت مَسْرَى الصبا اشتعلت وقدا خفوقٌ إذا الشوقُ استجارَ كتيبةً ... تجُوسُ ديارَ الصبر كان لها بَنْدَا وقد كنتُ جَلْداً قبل أَنْ يُذْهِبَ النَّوى ... ذَمائي وأن يستأصل العَظْمَ والجلدا أأَجْحَدُ حقَّ الحُبّ والدمعُ شاهدٌ ... وقد وقَع التسجيلُ من بعد ما أدى تناثر في إثر الحُمُول فريده ... فلله عينَا مَنْ رأى الجوهر الفردا جَرَى يَقَقاً في ملعب الخَدِّ أَشْهَبَا ... وأجهده رَكْضُ الأسى فجرى وَرْدَا

стр. 48

ومرتحلٌ أَزْمَلْتُ دَمْعِيَ خلفَه ... ليُرْجِعَهُ فاستَنَّ في إثره قصدا وقلتُ لقلبي طِرْ إليه بِرُقْعَتِي ... فكان حَمَاماً في المسير بها هُدَّا سرقتُ صُوَاع العزم يوم فراقه ... فلجَّ ولم يرقب سُوَاعاً، ولا وُدَّا وكحلت جفني من غبار طريقه ... فأعقبها دمعاً وأورثها سُهْدا لِيَ الله كَمْ أَهْدِي بِنَجْدٍ وحاجر ... وأكْنِي بدَعْدٍ في غرامي أو سُعْدَى وما هو إلا الشوقُ ثار كمينُه ... فأذهلَ نفساً لم تُبِنْ عنده قصدا وما بِيَ إلا أن سَرَى الركبُ مَوْهِناً ... وأعمل في رملِ الحمى النصَّ والوَخْدَا وجاشت جنودُ الصبر والبَيْن والأسى ... لَدَيَّ فكان الصبرُ أضعَفَها جُندا ورُمْتُ نهوضاً واعتزمت مودّعاً ... فَصَدَّنِي المقدارُ عن وِجْهتي صَدَّا رقيقٌ بدت للمشترين عُيُوبُه ... ولم تلتفت دعواه فاستوجَبَ الرَّدَّا تخلف مني ركب طيبة عانياً ... أما آن للعاني المُعَنَّي بأن يُفْدَى مخلَّفُ سِرْبٍ قد أُصيب جناحُه ... وطِرْنَ فلم يسطِع مَرَاحاً ولا مَغْدَا نشدتك يا ركبَ الحجاز تضاءلت ... لك الأرضُ مهما استعرض السَّهْبُ وامتدا وَجَمَّ لك المرعى وأذعنت الصُّوَى ... ولم تفتقد ظلاًّ ظليلاً ولا وِردا إذا أنت شافهتَ الديار بطِيبةٍ ... وجِئْتَ بها القَبْرَ المُقَدَّسَ واللَّحْدَا وآنسْتَ نوراً من جَنَابِ محمدٍ ... يداوي القلوب الغُلْفَ والأَعْيُنَ الرُّمْدَا فَنُبْ عن بعيد الدار في ذلك الحِمَى ... وأّذرِ بِهِ دَمْعاً وَعفِّرْ به خَدَّا وقلْ يا رسولَ اللهِ عبدٌ تَقَاصَرَتْ ... خُطَاهُ وأَضْحَى من أَحِبّتِهِ فَرْدا ولم يستطع من بعدِ ما بَعُدَ المَدَى ... سوى لَوعةٍ تعتاد أو مدحة تُهْدَى تَدَارَكْهُ يا غَوْثَ العِبَادْ برحمةٍ ... فجودُك ما أجدى وكفُك ما أَندى أجار بك الله العباد من الرَّدَى ... وبوَّأَهم ظِلاًّ من الأمن مُمْتدَّا حَمَى دِينُكَ الدنيا وأقطعك الرضا ... وتَوَّجَكَ العَلْيَا وألبَسَكَ الحمدا وطَهَّر منك القلبَ لما استخصه ... فَجَلَّلَهُ نوراً وأَوْسَعَهُ رُشْدَا دَعاه فما ولَّى، هَدَاهُ فَمَا غَوَى ... سقاه فما يَظْمَا، جَلاَهُ فما يَصْدَا تَقَدَّمْتَ مُخْتَاراً تأخَّرْتَ مَبْعَثاً ... فقد شملت علياؤك القَبْلَ والبَعْدَا وعلةُ هذا الكَوْنِ أنت، وكلما ... أعاد فأنت القصدُ فيه وما أبدا وهل هو إلا مظهرٌ أنت سرُّه ... ليمتاز في الخلق المكِبُّ من الأهْدَى ففي عالمِ الأسرار ذاتُك تَجتلِي ... ملامحَ نور لاح للطور فانهدَّا وفي عالَم الحِسِّ اغتديْتَ مُبَوَّأً ... لتُشفى من استشفى وتَهدي من استهدى فما كنت لولا أن نبتَّ هدايةً ... من الله مثل الخلق رسماً ولا حدَّا فماذا عسى يثني عليك مُقصِّرٌ ... ولم يألُ فيك الوحيُ مدحاً ولا حمدا بماذا عسى يجزيك هاوٍ على شَفىً ... من النار قد أسكنته بعدها الخلدا عليك صلاةُ الله يا خَيْرَ مُرْسَلٍ ... وأكرمَ هادٍ أوضح الحقَّ والرُّشدا عليك صلاةُ الله يا خيرَ راحمٍ ... وأَشفَقَ من يَثني على رأفةٍ كبدا عليك صلاةُ الله يا كاشفَ العمَى ... وَمُذْهِبَ ليلِ الشكِ وهو قد ارْبَدَّا إلى كم أُراني في البِطالة كانعا ... وعمريَ قد وَلَّى، وَوزْريَ قد عُدَّا تَقَضَّى زماني في لعلّ وفي عسى ... فلا عزمةٌ ولا لوعة تهْدَا حسامُ جبان كلما شِيمَ نَصْلُه ... تراجع بعد العزم والتزم الغِمدا ألا ليت شعري هل أُراني ناهداً ... أقودُ القِلاَصَ البُدْنَ والضَّامرَ النَّهْدا رضيع لبانِ الصدقِ فوقَ شِمِلَّةٍ ... مُضَمَّرةٍ وُسِّدْتُ من كورها مهدا فَتُهْدَى بأشواقي السُّراةُ إذَا سَرَتْ ... وتُحْدَى بأشعاري الركاب إذا تُحْدَى إلى أن أَحُطَّ الرحلَ في تُرِبك الذي ... تضوَّع نَدَّا ما رأيتُ له نِدَّا

стр. 49

وأُطْفِي في تلك المواردِ غُلَّتِي ... وأُحْسِبَ قرباً مهجةً شَكَتِ البُعدا بمولدك اهتز الوجودُ فأشرقت ... قصورٌ بِبُصْرَى ضاءت الهُضْبَ والوَهْدَ وَمِنْ رُعْبِ الأوثانُ خَرَّت مهابةً ... ومن هوله إيوانُ فارسَ قد هُدَّا وغاضَ له الوادي وصبّح عزّه ... بيوتاً لنار الفرس أعدمها الوَقْدّا رعى الله منها ليلةً أطلع الهدى ... على الأرض من آفاقها القمرَ السّعدا وأقرض ملكاً قام فينا بحقّها ... لقد أحرز الفخرَ المُؤَثَّلَ والمجدا وَحيَّا على شط الخليج محلةً ... يُحالف من يُلفى بها العيشةَ الرغدا وجاد الغَمَام العَدُّ فيها خلائفاً ... مآثرهم لا تعرف الحصر والعَدَّا عليٌ وعثمانٌ ويعقوبُ لا عَدَا ... رضا الله ذاك النجلَ والأبَ والجَدا حَمَوْا وهُمُ في حومة البأْسِ والندى ... فكانوا الغيوثَ المستهلةَ والأُسدا ولله ماذا خلَّفوا من خليفة ... حوى الإِرثَ عنهم والوصيةَ والعهدا وقام بأمر الله يحمي حمى الهُدى ... فيكفي من استكفى ويعدي من استعدا إذا ما أراد الصعبَ أغرى بِنَيْلِهِ ... صُدُورَ العوالي والمُطَهَّهَةَ الجُردا وكم معتدٍ أردى الإله وكم تائه هَدَى ... وكم حكمةٍ أضفى وكم نعمةٍ أبدى أبا سالمٍ دينُ الإله بك اعتلى ... أبا سالم ظِلُّ الأمان بك امتدا فَدُمْ من دفاع الله تحت وقايةٍ ... كفاك بها أن تسحب الحَلَقَ السَّرْدَا ودونكها مِنّي نتيجةَ فكرةٍ ... إذا استرشحت للنظم كانت صَفاً صلدا ولو تَرَكَتْ منِّي الليالي صُبَابَةً ... لأجهدتُها ركْضاً وأرهقتُها شدا ولكنها جَهْدُ المُقِلِّ بذلتُهُ ... وقد أوضح الأعذارَ مَنْ بذل الجَهْدَا رَجْعُ التاريخ ذكر أسماء بعض القادة الفارين من غرناطة إلى المغرب وفي شهر ربيع الأول من عام اثنين وستين وسبعمائة لحق بالباب السلطاني يحيى بن عمر بن رحُّو النازع إلى إيالة الطاغية حذراً على نفسه، الشهير المحلة الثَّبْت الموقف، بقية رجال بيته حنكة واضطلاعاً ورجاحة ومعرفة باللسان الزناتي وأنساب القبيل المريني، بعد أَن اقتضى من عهد السلطان المستعين بالله أمير المسلمين، ما طابت به نفسه، وانصرف عن مستقره بأرض الروم عن مراضات، فأجمل السلطان - أيده الله - تلقيه، ونوَّه به، ورفع مجلسه، وأدنى جواره، واستدعى في المهمات رأيه، وقد لبس طور الاختصار، وتبرأ من الأتباع واختلط بالغُمار، وأصيب بإحدى عينيه، فهو يحمل فوقها قطعة من رقيق الأديم الداجي، يمسك أعلاها في عمامته وحسبك بها شَيْناً، انتفع به لاتهامه الغَضَّ من الترشيح، وغمزِه من ذيل الأبَّهة المرْدية. وتَفَوَّقَ أتباعُه وأهل بيته، فآثر ولده عثمان بن يحيى، الحمى الأنف لنفسه مزية الفضل بكثير من الخَصْل من خط وفروسيةٍ ووقار، فأقام مظاهراً سلطان الروم في حروب له على أهل ملته. وفرَّ من أهل بيته، إلى غرناطة جُملةٌ كأخيه العباس بن عمر، وجملةٌ من بني عمه كانوا وافِدَ البَراجِم على عدو الله المُنْتَزى بها، فأكْبلهم للحين، وأنْزَلَهُم بعض الأساطيل، فغَرَبَهم إلى بُجاية بعد أن استوثق من كان له فتية أو كفلاء بالرجوع على ذلك لأوَّل تَعرُّفِ تغريبهم. فاستقبلوا البيت الحرام قَسْراً تذودهم عصاه، وتأخذ أعقابَهم نقمته من غير قصد ولا نِيّة، هاضَ بذلك جناح عميدهم، وأَعْدَمَ ملك المغرب مكان الاستظهار بهم، وشمر لأول دولة الغدر عن ساعده في إحكام الهدنة وإفساد ما بين السلطان الذي جرَّ عليه النكبة، وبين سلطان الروم أيام استمساكه بوادي آش. فاتصل له سبب الحظوة وساء ظنه فأعمل الامتناع بباب ملك قشتالة، وقد توجه في شأن الخدمة بعد أن استخلص صامت ماله ونبيه سلاحه وخطير ذخيرته، فولى من القبول حظوة مثله.

стр. 50

ولحق هذا العهد في سبيل الفرار جملة من القرابة النصريين كأحمد بن محمد بن نصر المُنْبَز عُبيد ابن المولى، رجل حسن الشكل خلوب اللفظ خريج الحنكة، قذف به الاغتراب فاكتسب مراناً، وأخيه علي بن محمد، وقد مرَّ ذكره، وإبراهيم بن محمد ابن إسماعيل بن نصر يقع من المتغلب ابن ابن عم جده، صبي دسّ له عرق كفاية، عَرَسَه أبوه في آثر البقع بيت بني سَهْل، فأبَرَّ على قومه بخؤُولة كريمة وَلَقَبْل ما تقدم تغريبه، ثم قفل لأول هذه الكائنة ثم نجا جنبه فعاد أدراجه. وممن لحق بالباب السلطاني الشيخ الفقيه أبو الحسن علي بن عبد الله ابن الحسن النباهي المخصوصُ كان على عهد الدولة المكيدة برسم الوزارة، المفوّض له في الأمور، من رَجُلٍ بعيد المدى في ميدان الأصالة، سابغ ذيْل العفاف، مكفوف اليد، أوعز إليه مخبر ألهم بالقبض عليه، فاتخذ الليل جملاً من بعض ضياعه ولحق بالإيالة المرينية. وخاطبني من سَبْتَه بما نصه مما يدل على خصْلِه: يا أيتها الآية البالغة، وقد طمست الأعلام، والغرّة الواضحة. وقد تنكرت الأيام، والبقية الصالحة وقد ذهب الكرام، أبقاكم الله تعالى البقاء الجميل، وبلَّغكم غاية المراد ومنتهى التأميل، أبَى الله أن يتمكن المقام في الأندلس بعدكم، وأن يكون سكون النفس إلا عندكم، سر من الكون الغريب، ومَعْنَي في التشاكل عجيب، أختصر لكم الكلام، فأقول بعد التحية والسلام: تفاقمت الحوادث، وتعاطت الخطوب الكوارث، واستأسدت الذئاب الأخابث، ونكث الأكثر من ولد سام وحام ويافث، فلم يبق إلا كاشح باحث، أو مكافح عابث، ويا ليت شعري من الثالث؟ فحينئذٍ وجهت وجهي للفاطر الباعث، ونجوت بنفسي ولكن مَنْجَى الحارث، وقد عبرت البحر كَسِيرَ الجناح، دامي الجراح، وإني لأرجو الله سبحانه بحسن نيتكم أن يكون الفرج قريباً، والصنع عجيباً، فعمادي أعان الله على القيام بواجبه، هو الركن الذي ما زلت أميل على جوانبه، ولا تزيدني الأيام إلا بصيرة في الإقرار بفضله والاعتداد به، وقد وصلني إلى المحروسة سبتة خطاب سيدي الأوحد الذي جَلَى الشكوك بنور يقينه، ونصح النصح اللائق بعلمه ودينه، وكأنه نظر إلى الغيب من وراء حجاب، فأشار بما أشار به على سارية عمر بن الخطاب، ومن العجب أني عملت بمقتضى إشارته، قبل بلوغ إضْبارته، فلله ما تضمنه مكتوبكم الكريم من الدر، وحرره من الكلام الحر، وأيم الله لو تجسم لكان مَلَكاً، ولو تنسم لكان مسكاً، ولو قبس لكان شهاباً، ولو لبس لكان شباباً، فحل مني علم الله تعالى محل البُرءِ من المريض، وأعاد الأنس بما تضمنه من التعريض، والكلم المزري بِقَطع الروض الأريض فقبلته عن راحتكم، وتخيلت أنه مُقيم بساحتكم، ثم وردتُ مَعِينه الأصفى، وكلت من بركات مواعظة بالمكيال الأوفى، وليست بأولى أياديكم، وإحالتكم على الله فهو الذي يجازيكم. وأما موصل كتابكم وهو صاحبنا أبو فلان فعزلني في الارتحال وكأنه لم يقرأ باب الحال فراجعته منشداً: أيا راكبَ البحر الأجَاجِ مُخَاطِراً ... تقدم باسم الله مرساك والمجرا وبلغ أمانات المشوق ولا تقل ... ترَّحل مختاراً لعل له عذرا وبالجملة فالأمور بيد الأقدار، لا إلى المراد والاختيار: وما كلّ ما ترجو النفوسُ بنافعٍ ... ولا كلّ ما تَخْشَى النفوسُ بضَرَّار والله يقربُ المزار ويُدني الدار من الدار وهو سبحانه يمتع ببقائكم ويعيد الأنس بتيسير لقائكم بمنه وكرمه. حالة غرناطة في عهد السلطان أبي سعيد البرميخو المغتصب

стр. 51

وبلغت الأندلس لهذا العهد من خمول الأمر واختلال السيرة وتشذيب الحامية التي لا فوقها، فحضر مدعى وليمة الدائل بها لأول ولايته، رجْل الدَّبا، فالتهم الخلا والكلا، وأعدم بإعدام الغلة أسباب الرخا، وفتح أبواب البلا، وموَّه لأول أمره ببث النَّهْي عن المنكر الذي هو جُرثومته العظمى، وتصاريفه غايته القصوى، وسمح ببعض المكوس فأعطى قليلاً ثم أكدى، ولم تمر الأيام إلا وقد عاد في قيئه وأضاق الرعايا بشؤمه وكلفهم ارتباط الأفراس بعد إغرامهم أرزاق جنده، وإنزال دورهم بغرباء ديوانه، وانحطَّ في مهاوي الشمَّات برتبة الأمر، وأنقص من منصب المُلك فقعد للعرض وقد حُشِر الناسُ ضُحىً في موقف أجلس معه بسريره بعض السُّوَقٍ عاري الرأس، مُثلةٌ من مُثَلِ الخلْق، غير مقصر في مخاطبة من مرَّ به عن غاية الإفحاش والتبجح بمعرفة الهنات، فلقد حدَّث صاحب شرطته، وهو لا بأس به، قال أطريته باجتناب الناسِ الخمر في أيامه، وتحت استداده، وطهارة بلده من قاذوراتها، فقال لي في الملأ المشهود، والحشيش كيف حالها؟ قلت ما عثرت على شيء منه. فقال هيهات، أنزل إلى بيت فلان وفلان وفلان، وعدَّ كثيراً من الساسة والأوغاد والصفاعين، رسم مكامِنَهُم وينسبهم نسبة الأصمعي أفخاذ العرب وبطونها، ويصف الناصح والغاش منهم بصفته، وربما دعا بعض مشيختهم بالعمومة. قال وانصرفت إلى ما ذكر فوالله ما أخطأت شيئاً مما رسمه، ولا فقدت شيئاً مما ذكره لغشيانه بيوتهم وانخراطه في جملة منتابيهم، يقول فهو والله أستاذي في الشرطة! وساءت محاولته طاغية الروم فتمرّس به وآثر الحِرَان في معتاد أغراضه لفساد ما بينه وبين عدو برشلونة وأعطاه الضمة. فعند فراغه من صلاح ذات بينهما، فغر عليه فاه، وشمَّر لمطالبته. وخَشُنَ ما بينه وبين الملك المريني فئة الإسلام التي إليها تحيز لاغتراره بمن في اعتقاله من قرابته المُغْرِي بهم لسان الإرجاف. فرجَعَت الرُّسل من قِبَلِه خُيَّبَ اللُّبَانَات من بابه، مودعةً من نجوى المسلمين واستعداد الصالحين ما يوجب الاهتزاز ويحرك الامتعاض، ناقلةً من غريب شكله في كثرة التفاته، وجفاف ريقه، وعُرْيِ رأسه، وسخافة عقله، غرائبَ تُؤْنَسُ بها الأسمار وتُوَشَّحُ الفكاهات. وألَحَّ سلطان قشتالة في تسليم السلطان أبي عبد الله إليه ليتولى شد أزره ويجتهد في جبر حاله، وألقيت إليه المعاذير فنبا عنها سمعه، ورقَّق - عن غرضه - في رفع السلَّم عند إخفاق مطلبه، ولم يقبل العوض من ضروب ملاطفته، فترجح الرأي على توجيهه إلى الأندلس. وقد كان الأسطول تألف بفرضة المجاز من سبتة مُوَرِّياً بجهاد من ظَهَر به من عدو برشلونة. ووصلت أساطيل الروم المسخرة في غرض إجازته قد أركبها مَلِكُ النصارى وجوه خدامه، فقعد السلطان أمير المسلمين بالمغرب في قبة العرض المُتَّخَذَة بجنَّة المصارة، ووقع البريح ببروز الناس إلى الفضاء الأفْيَح، واستُحْضِرَتُ البنود والطبول وأوعية المال صبيحة يوم السبت السابع عشر من شهر شوال من عام التاريخ. واستُحضر السلطان فصعد إلى القبة ثم نزل وقد أُلْبِس خلعةً الملك، وقيدت له فرس شقراء مطَهَّمَة، حليها ذهبٌ بحث، ونشرت حوله الألوية، وقرعت الطبول وركب السلطان مُشَيِّعاً إياه غَلْوَة، ثم انصرف عنه وقد التفَّ عليه كلُّ من جلى عن الأندلس من لَدُنِ الكائنة الواقعة بها في جملة كثيفة، وبُلِيَ من رقة الناس وإجهاشهم وعُلو أصواتهم بالدعاء ما قدم به العهد، إذ كان مظنة ذلك سكوناً وعفافاً وقرباً قد ظلله الله برواق الرحمة، وعطف عليه وشائج المحبة إلى كونه مظلوم العهد منتزع الحق، فتبعته الخواطر، وحميت له الأنفاس واللهُ يُعَرِّفُه عوارف عنايته، ويلحظه بعين رحمته. واسْتُدعِي عقب انصرافه الأمير المعين شجاً في نحر عدو الدولة المرينية على هذا العهد أبو زيان محمد بن عثمان بن عبيد الرحمان بن يحيى بن يغمراسن ابن زيان، فأجرى على الرسم من البنود والطبول والخلع وأتبع من بالباب السلطاني من قبيله، فاضطرب المحلة بخولان من شط وادي سبو، ورفل الملك المريني في هذا اليوم الأغر في حلة عز تندى جِدَّةً وفخراً مذخوراً ليومه طار شُهرة، والله المسؤول في تمام النِعَم وتحسين العواقب لا إله إلا هو. بعض مؤلفات ابن الخطيب في المغرب

стр. 52

وصدر عني إلى هذا العهد من التواليف والنَّظْم والنثر على سكون النفس وعدم التطلع لما يفتق القريحة ويشحذ الفكرة ما يُرسم. فمن ذلك من التواليف: كُنَّاشٌ من منظوم في عروض الرَّجَز محذوف الفضول لا غاية فوقه في الأراجز، ولله دَرُّ القائل حمد الله وأثنى على نفسه، في فن أصول الفقه عدة أبياته ألف بيت. وآخر سميته) الحُلَل المَرْقُومَة في اللَّمع المَنْظومة (، وأرجوزة أخرى في فن العلاج من صَنْعَةِ الطب عدد أبياتها نحو ألف وستمائة بيت تضمن ذكر جميع الأمراض الكلية والجزئية وذكر أسبابها وعلاماتها وتدبيرها وجلب العلاج بحسب أحوالها. ١. - واستوفى بعد، كتاب الرتبة وعلاج السموم سميتها) بالأرجوزة المعلومة (إذ تقدم قبلي من نظم في مثل هذا الغرض وسماها الأرجوزة المجهولة، ونظمت أرجوزة ثالثة في فن السياسة من أجزاء العلم القديم في نحو ستمائة بيت سميتها:) تخصيص الرياسة بتلخيص السياسة (، استوفى الكلام في القوى الثلاث النفسية وعلاج الأخلاق والمعاش. وصدر عني كناش سميته،) مُثْلَى الطريقة في ذَمِّ الوثيقة (، أَوْجَبَتْهُ محاورةٌ صدرت في ذلك بيني وبين بعض شيوخها تضمنت نظماً ونثراً وفقهاً وحكاية. وصدر عني مجموعٌ يشتمل على الأناشيد التي تحصلت لي مُتَلَقّاة ومنتزعة لم يَعثر على مثله في حسن الاختيار تضمن ضَرْبي المُطْرِب والمُرْقِص وتَقَدَّمَه كلامٌ علميٌّ في الشعر وسميته:) السحر والشعر (، مرتباً على الأغراض. ومن المنظوم قولي على لسان السلطان مولاي أبي عبد الله وقد اشتد وجده لذكر معاهده الملكية بغرناطة، وكلفني ذلك: أيامُ قُربِكِ عِندي ما لَها ثَمَنُ ... لكنَّني صدَّني عن قُربِكَ الزَّمنُ حطَطَتُ بَعْدَكِ يا أهلي ويا وَطني ... رَحْلَ الغَريبِ فلا أهْلٌ ولا وَطَنُ ثد حَلَّ حُبَّكِ مِنْ قَلبي بِمَنزِلةٍ ... لا الماءُ يجري مجاريها ولا اللبنُ لَمَّا تحمل عَنكِ الرَّكْب مُرتَحِلاً ... والقلبُ فيكِ غَدَاةَ البَيْنِ مُرْتَهَنُ واللهِ ما سَكَنَتْ نفسي إلى أحدٍ ... يوماً ولا راقَ عينِي مَنْظَرٌ حَسَنُ كَمْ لي بربعك من أنس ومن طرب ... كأنما كان حُلْماً جَرَّهُ الوسَنُ والأمر أمري والدنيا مُسَخَّرَةٌ ... وكلُّ قَصْدٍ به الإسعادُ مُقْتَرِنُ حتى تنبه جَفْنُ الدَّهْرِ مِنْ سِنَةٍ ... والدهر مضطرب والحرُّ مُمتحن حمامةَ البَانِ ما هذا البكاءُ على ... مَرِّ الزمان وهذا الشَّجْوُ والشَّجَنُ لا مسكن بنتَ عنه أنتَ تندبه ... ولا حبيبٌ ولا خلٌّ ولا سَكَنُ كفٌّ خصيبٌ وأطواقٌ مُلَوَّنَةٌ ... ما هكذا البث يا ورقاء والشجنُ لو كنتَ تنفث عن شوق منيت به ... يوماً لصار رماداً تحتك الغصن يا نَسْمَةَ الريح كيف الدار هل عمرت ... كلاَّ وهل أخصبت من بعدها الدِّمَنُ لعل من قد قضى يوماً بفُرقَتِنَا ... تحلّ منه برفع الفُرقة المِنَنُ نستغفر الله كم لله من منح ... لُذْنَا بها بعد أن لاذت بنا مِحَنُ ونسأل الله في عُقْبَى نُسَرُّ بها ... فقد تساوى لديه السر والعلن ولما شَرَحَ كتابَ الشفاء العياضي، خطيب الخلافة وكبير أوليائها السيد الفقيه أبو عبد الله بن مرزوق، طلب أهل العدوتين بالنظم في كتاب الشفا فطما من ذلك البحر ما بين مجيد ومقصر. فقلت في ذلك وقد عُرض عليّ الجميع وأنا بمدينة سلا حرسها الله، ووجهتُ بها إليْه: حييت يا مختط سبت بن نوحْ ... بكل مُزْن يغتدي أو يَرُوحْ وحمل الريحان ريح الصبا ... أمانةً فيك إلى كل روح دار أبي الفضل عياضِ الذي ... أضحت برَيَّاهُ رياضاً تفوح يا ناقل الآثار يعنى بها ... وواصلاً في العلم جَرْيَ الجَمُوح طِرْفُكَ في الفخر بعيد المدى ... طَرْفُكَ للمجد شديد الطموح كفاك إعجازاً كتابَ الشفا ... والصبح لا يُنْكَرُ عند الوضوح لله ما أجزلتَ فينا به ... من منحة تقصر عنها المُنُوح روض من العلم هَمَى فوقَه ... من صَيِّبِ الفكر الغمامُ السَّفوح فمن بيان الحق زهر ندٍ ... ومن لسان الصدق طير صدوح

стр. 53

تأَرَّجَ العَرْفُ وطاب الجَني ... وكيف لا يطعم أو لا يفوح وحلة من طيب خير الورى ... في الجيب والأعطاف منها نضوح ومعْلَم في الدين شَيّدْتَه ... فهذه الأعلام منه تلوح فَقُلْ لهلمان كذا أو فلا ... يا من أضل الرشد تبنى الصروح في أحسن التقويم أنشأته ... خلقاً جديداً بين جسم وروح فعمره المكتوب لا ينقضي ... إذا تقضى عمر سامٍ ونوح كأنه في الحفل ريح الصَّبا ... وكلُّ عطفٍ فهو غصن مَرُوح مَا عُذر مشغوف بخير الورى ... إن هاج منه الذكر أن لا يبوح عجبت من أكباد أهل الهوى ... وقد سطا البعد وطال النزوح إن ذكر المحبوب سالت دما ... ما هُنَّ أكباد ولكن جروح يا سيد الأوضاع يا من له ... بسيد الأرسال فضل الرجوح يا من له الفخر على غيره ... والشهب تخفى عند إشراق يا خير مشروح وفى واكتفى ... من ابن مرزوق بخير الشروح فتحٌ من الله حَبضاه به ... ومن جناب الله تأتي الفتوح وفي الغرض المذكور: أأزاهير رياض ... أم شفاءٌ لعياض جدَّل الباطل للح ... ق بأسيافٍ مواضِ وجلا الأنوار برها ... ناً بخلْف وافتراض وسَقَى من يشتكي الغلّ ... ة في زُرْق الحياض أي بنيانٍ معال ... آمنٍ خوفَ انقضاض أي عهدٍ ليس يرمي ... بانتكاثٍ وانتقاض ومعانٍ في سطورٍ ... كأسودٍ في غياض وشفاء لنفوسٍ ... من ضنى الجهلِ مراض حرَّر القصد فما شِ ... ينَ بنقد واعتراض يا أبا الفضل أدْرِ أنّ الل ... هـ عن سعيك راض فاز عبد أقرض الله ... برجحان القِرَاض وجبت غرُّ المزايا ... من طوال أو عراض لك يا أصدق راوٍ ... لك يا أعدل قاضِ لرسول الله وفي ... ت بجهد وانتهاض خير خلق الله في حا ... لٍ وفي آتٍ وماض سدَّد الله ابن مرزو ... قٍ إلى تلك المَراضي زبدة العرفان مَعْنَي ... كل نسكٍ وارتياض فتولى بسط ما أجمل ... تَ من غير انقباض ساهراً لم يدر في استخلاص ... هـ طعم اغتماض إن يكن دَيْناً على الأي ... ام قد حان التقاضي دام في علوٍ ومن عا ... داهُ يَهْوِي في انخفاض ما وشى الصبح الدَّياجي ... في سَوادٍ ببياض وقلت أهنئ قائد الأسطول أبا القاسم بن بنج بطلوع ولد: أبقاك الله أيها القائد الذي بأسه ضَرم، وشأنه شجاعة وكرم، ومحل ولايته من العدوِّحَرَم، لا تسأل عن شوقي إلى قربك، وعكوفي على حبك، وضراعتي في صلة سعادتك، إلى الله ربي وربك. وبلغني الطالع لديك، والوارد من حضرة المواهب الإلهية عليك، جعله الله أسعد مولودٍ على والد، ووفقك لما يرضيه من مقام الشاكر الحامد، وأقر عينك منه بالقائد ابن القائد ابن القائد. وقد كنت أعدك به تفاؤلاً واستفتاحاً، وسؤالاً من الله واستمناحاً، فالحمد لله الذي صَدَق الزَّجْرُ، ووضح الفجر. وقد نظمت له أبياتاً إن أدركته بعدها حياتي بر وشكر، أو كانت الأخرى رحم وذكر هي: ارْفَعْ قِسِيَّ المُنْشَآتِ بِسَعْدِهِ ... واستَنْجِزِ النَّصْرَ العزيزَ لِوَعْدِهِ وانظر إليه تَلُحْ إليك بوجهه ... سمة الشجاعة من أبيه وجده لله من سيفٍ لنصرك صارمٍ ... ينساب ماء الحسن فوق فرنده صدرت إليك بشارتي وتفاؤلي ... بالأمر قبل بروزه من غمده يستبشر الأسطول منه بقائد ... كالبدر تحت شراعه أو بنده والبحر يفخر منه يوم ولادة ... بمِلَنْدِه ابن ملنده ابن مِلَنْدِهِ وكتبت لما صدر الرسول موسى بن إبراهيم من الأندلس ولم تقض حاجتي: يا بني السادة الكرام نداء ... يبتغي الجبر للمهيض الكسير أنا بالحي مُسْتَجِيرٌ وبالمي ... ت أما في كليهما من مُجير ليس موسى هذا بصاحب فرعو ... نَ ولا في عصاه من تأثير فانصروني وعيِّنوا لي رسولاً ... صارم الحد محكم التدبير أو أريحو باليأس قلبي فإني ... قد تخبطت في عذاب كبير وقلت أخاطب عميد الدولة:

стр. 54

يا عمادي صح عني أنني ... لك مملوكٌ وتلميذٌ وصاحبْ فإذا ما لم تصدق دعوتي ... قيل عني ومعاذ الله كاذب فأعد عزِّي وشرِّف منزلي ... وادعُني للحفل مهما كنت غائب هذه عندك لا خطْر لها ... وهي عندي من سَنِيَّات المواهب وقلت أخاطب مَنْ أصابه داء الجذام من أصحابنا ويدعوه الأطباء بداء الأسد: أصابتك يا عينُ عينُ الحسد ... فَتَجْرُ النَّدا والنَّدَامَى كَسَدْ وَوُلِّيتَ كل شهير خطير ... فقمت به وسَدَتَ المَسَدّ ولما عَلَوْتَ وقُدْتَ الزمان ... بحبل فأوهقته من مَسَدْ رأى أسداً من أسود الرجال ... لذاك رماك بداء الأسد تَعَزّ فما ثَمَّ مِنْ كائِنٍ ... يصاحبه الكون إلا فَسَد وقد يتأتى صلاح النفوس ... وتطهيرها بفساد الجسد وخاطبت عميد الدولة: مهما جَرَتْ في أذني لفظة ... وددتُ لو كانت ثناء عليك أو ذُكِرَتْ عن شَفَةٍ قبلةٌ ... لم أرضَها يوماً سوى في يديك أو كان لي في نعم الله من ... تحكم حُطَّت جميعاً لَدَيْك سيدي ومالكي، الصَّنَائع شجرٌ تُغرس، وبسياج العناية تصان وتُحرس، فمنها ما يُعدم، ويحط سياجه ويهدم، ومنها ما يُمِرُّ جَنَاه، إذا نُظِر إنَاه، ومنها ما يسمح بإنعامه، ويرمى أُكُلَه لِعامِه، وتقر بصلاحه عين فلاحه، والصنيعة في خديمكم فلان اللبيب النبيل الجاري من توفية خدمتكم وشكر نعمتكم على سواء السبيل من هذا القبيل. فأقسم لو شكر رياض الحَزْن صنيعة المُزْن كشكره، لتأوَّد الغُصن من سُكره، ورد وشأنه الدعاء وشأننا التأمين، والله الكفيل بالإجابة الضمين: إذا ما غرستَ الخيرَ في ابن جدار ... ظفرت بكنز منه تحتَ جِدارِ فشُدَّ عليه الكف ذخر مَضنَّةٍ ... واسْكِن به الأسرار دار قرار ومن دلائل عناية الله بالرئيس وإعانته خلوص بطانته، فالحمد لله الذي جعل القلوب والأيدي نوائل رِفده ووده، والألسنةَ والطَروسَ تراجم مجده، والمملوك يرتقب نُعْرةَ المواضع الحرة ويُمْنَ الشِّيات وسعادة الغُرَّة، قد نهكته المواعِد والأمل المباعد، ورجاؤه قوي في الجَنَاب الذي إذا وعد وَفَى، ومَحَلُّهُ من أميري العدوتين ما احتجب عن الأعين ولا اختفى، وبقي أمل الله الذي لا تتحرك ذرة إلا بإرادته، ومنه نسأل صلة عادته، ودوام أيامه، واتصال سعادته. وكتبت إليه في غرض الشفاعة. يا سيدي أبقاكم الله محطّ الآمال، وقِبلة الوجوه، وبلّغ سيادتكم ما تؤمله من فضل الله وترجوه، وكلأ بعين حفظه ذاتكم الفاخرة، وجعل عز الدنيا متصلاً لكم بعز الآخرة. بعد تقبيل يدكم التي لا تزال يدها تشكر، وحسنتها عند الله تذكر، أنهي إلى مقامكم أن الشيخ الكذا أبا فلان، مع كونه مستحق التجلة بهجرة إلى أبوابكم الكريمة قَدُمَتْ، ووسائلَ من أصالةٍ وحشمةٍ كَرُمَتْ، وفضلِ وقار، وتنويهٍ للولاية إن كانت ذات احتقار، ومن اقتضى الفضلُ بِرَّه، وأدَّبَ شكرُ الاختبار علنَه وسرَّه، له بمعرفته بسلفكم الأرضَى وسيلةٌ مرعية، وفي الاعتراف بنعمتكم مقاماتٌ مَرْضية، وتَوَجُّهٌ إلى بابكم، والتمسكُ بأسبابكم، والمؤمَّلُ من سيدي سَتْرُه بجناح رعيه في حال الكَبْرَهْ، ولحظه بطرف المَبَرَّه، إما في استعمال يليق بذوي الاحتشام أو سُكونٍ تحت رَعْيٍ واهتمام، وإعانةٍ على عمل صالح يكون مسكَ ختام، وهو أحق الغرضَيْن بالتزام. وإحالة سيدي في حفظ رسمِ مثله، على الله الذي يجزي المحسنين بفضله ومنه نسأل أن يديم أيام المجلس العلمي محروساً من النوائب، مُبَلَّغ الآمال والمآرب. والمملوك قد قرر شأنه في إسعاف المقاصد المأمولة من الشفاعة إليكم، والتّسَحُّبِ في هذه الأبواب عليكم، وتقليب القلوب بيد الله الذي يُعطى ويمنع ويملك الأمر. أجمع. والسلام.. وخاطبت الوالي الكبير بمراكش:

стр. 55

والي الولاة الذي بمكارمه يُضْرَبُ المَثَل، وشرف الجُباة الذي جمع له العلم والعمل، أبقاكم الله والسعادة لكم مركب، ونصبة ولايتكم لا يخالف سعدَها كوكب، كتبتُه ولساني طليق، وشأني بالاقتصار على تلك الذات خليق، وقد كانت عندي مكارمكم التي وقفت على أعيانها، وبحثت في سمع كيانها، واجْتَزَأْتُ بأَثَرِهَا عن عِيَانِهَا، وتخطيتُ إِجمالَها إلى بيانها، مما يُقْضَى منه العجب، ويُجْلِي من غرة الجود ما احتجب، وأظن ذلك احتفالاً استنفد القوة، وحذقاً ختم آيّ الكَرَمِ المتلُوَّة، فأنتج لي استخبارُ الطارئين في الأرض والواردين على الغَمْر والبَرْض، ومتجملي العنايات والشفاعات، والوسائل النفَّاعات كأبي عبد الله بن جَدار والشرفاء أولي المُؤَنِ الكبار، وسواهم على تباين الأطوار، أنّ قضية مكارمكم مطلقة، وأَعْدَادَ جودكم بالثناء مُنْطِقَة، فَلَعمري لقد وجدت لذلك خِفَّة على كبدي، إذ لم أر الصنيعة البعيدة مختصة بيدي، إنما أنت بحر المواهب الزاخر، والواحد الذي افتخر به الزمان الآخر، ومتحملُه فلان من ذوي الفضل ذاتاً وصحبه، ووسيلة وقربه، وله بصاحب رياسة الإنشاء تخصصٌ وتميز، وفئة وتحيز، والمراد أن يكون من رعى والي الولاة بمكان مكين، ومبوّأٌ من مجده إلى رُبوةٍ ذاتِ قرارٍ وَمَعين، يكون ذلك من جملة ماله من الأيادي البرة، والفواضل المتألقة الغُرة، والله يديم سَعْدَه، ويحرسُ مجده. والسلام.. وكتبت إلى عميد الدولة في غرض التحريك والشفاعة: سيدي الأعظم، وملاذي الأعصم، وعروة عزي الوثقى التي لا تُفصم، أبقاك الله بقاء آثارك، وأنه للعُمر، تأمرُ الدهرَ فيأتمر، ويلبي بثنائك الطائفُ والمعتمر، بأي لسان أَثْنِي على فواضلك وهر أمهاتُ المِنَن، وطُرَفُ الشام واليمن، ومقاماتُ بديع الزمن، والتحف المرتفعة عن الثمن. فحسبي دُعاء أردده وأواليه، وأرتقب مطاوبَ الإجابة عن مَقْدَمِه وتاليه، وأن تَشَوَّفَ المنعمُ للحال الموقوف جبرُه بمشيئة الله على جميل سعيه، الموسدة على وِطَاء لطفه، المُغشَّاة بغطاء رعيه، فقلبٌ خافق، وقلب مؤمن يجاريه وَسْوَاسٌ منافق. وقد تجاوز موسى مجمع البحرين، وأصبح سُرَى إيابه سري القَيْن. ولقد كانت مراحل الرسُل قصيرة قبل أن يكسبها زُحَلِي ثِقَلَ الحركة، ويخلط خاصِّي في وظائفها المشتركة، وليت أمري برز إلى طرف، وأفضى إلى منصَرَف، وربما ظفر آيس بما يرجوه، وبرز المحبوب من المكروه، والله لا يفضح جاه الكتاب الذي أحيا وأنشر، وحيَّا وبشَّر، وأعطى صحيفته باليمين وقد جمعت رسالتكم المحشر، وموصل كتابي، ينوبُ في تقبيل اليد العلمية منابي، وليعلم سيدي أن هذا القطر على شهرته وتألق مشتريه وزهرته، إذا تُنُخِّلَ كِرَامُه، وعهدُ الفضل لم يَبِنِ انصرامُه، فهو لُبابُه المُتَخَيَّر وزلاله الذي لا يتغير: أصالةً معروفة، وهمةً إلى الآثار مصروفة ونُبْلاً على السن والكَبْرة، ورجولةً خليقةً بصلة الحرمة والمَبَرَّة، والوسيلةُ لا تُطْرَحْ، والمعنى الذي لا يُفسر لوضوحه ولا يُشرح، هو انتماؤه إلى جناب سيدي حديثاً وقديماً، واعترافُه بنعمه مديراً لها ومُديماً. والله يُوفر من آثار سيدي حظه، ويجدد لديه وعيه ولحظه، حتى يعود خافقاً عَلَمُ إقباله، مُعلماً بردَ اهتباله، مسروراً ببلوغ آماله. فلعمري إن محل ولايته لكَفِيٌّ، وإن عهد أمانته لَوفِيّ، وإن عامل جده لَظَاهِرٌ وخَفِي، وما يفعله سيدي من رعيه وإنجاح سعيه كسوبٌ في مَنَاقبه، ومعدودٌ في فضل مَذاهبه والسلام. وخاطبت الوالي الفاضل أبا محمد بن بطان فيما يظهر من الغرض: لا ناقة لِيَ في صَبْرِي ولا جَمَلُ ... مِنْ بَعْدِ ما ظَعَنَ الأحبابُ واحْتَمَلُوا قالوا استَقَلُّوا بِعَيْنِ الفِطْرِ قلتُ لهم ... ما عَرَّسُوا بسِوى قَلْبِي وَلاَ نَزَلُوا

стр. 56

ما هذا الاستدعاء الذي نَقَدَ وبَهْرَج وعطف على من اتصف بالسعادة وعَرَّج، ومرَّ على الخليط المناشب، كما مرت على الطحن سبَّابة الحاسب، يُقْدِمُ ويُجْفِل، ويُعلي ويُسفل، ويُعلم ويُغفل، ومنزلتي صفر من هذا التعيين، وحظي الظمأ من المورد المعين، إن كانت الوسيلة المعتبرة وسيلة الحب، فما لوسيلتي تُحبط، ولركائب استقدامي لا تُربط، وفي مثلها يُحسد أو يُغبط، الصّحب والمحل الرحب، بحيث يُفعم الوَطْب، ويدرأ الخصب، وتُرفع للطارق نارُ القِرَى، مادَّتها المَنْدَل الرَّطب. نستغفر الله من الاسترابة بالود اللباب، وننوب في الاعتذار عن الأحباب، ولو علموا بارتفاع التقية، والمطالبة بالبقية، لما حجبوا بروقهم، ولا أغفلوا مَشُوقهم، ولا منعوا عنه صَبُوحَهم ولا غَبُوقَهم: وَعَسى الذي قَدَرَ البِعَاد يُزيله ... وعسى الذي كتب الفراق يُجَمِّعُ ولما وقفتُ على استدعاء صاحبنا أبي القاسم وصل الله حفظه، وأجزل من الخير حظه، آثرت اعتزامه، واقتضيت بالعهد التزامه، وكافحت جيش اعتذاره حتى رأيت انهزامه، في أن يشاهد ذلك الجمع المبارك بعيني، ويكون غريم الدهر في اقتضاء ديني، وحركت له الشوق الذي يَذْهَبُ معه الوَسَنْ، ويُخْلَعُ في طاعته الرَّسَنْ، وكنت في رحلته كما قال الحسن: أيها الرائحان باللوم لُوما ... لا أذوق المُدَام إلا شميما جُلُّ حَظِّي منها إذا هي دارتَ ... أن أراها وأن أَشُمَّ النَّسِيما نالني بالملام فيها إمامٌ ... لا أرى في خلافه مستقيما فكأني وما أُزَيِّن منها ... قَعَدِيٌّ يُزيِّنُ التحكيما كَلَّ عن حَمْلِهِ السلاحَ إلى الحر ... بِ فأوصى المطيقَ أن لا يُقيما والله يَسُرُّ براحة الشيخ النفوس، ويذهب البُوس، ويضفي من الوقاية اللُّبُوس، والسلام. وخاطبت عميد الدولة، وقد بلغني إيابُه من زيارة الصّلَحَا بريف بادس، ضَجِراً بحِمْل الدولة متراوغاً عنها: هَنِيئاً بالقُدُومِ مِنَ الزيارة ... ولُقِّيتَ السعادة والبشارة وقاد لك الإله خفيَّ لطفٍ ... يُبَلِّغ مجدك الأعلى اختياره سيدي أبقاك الله تُعَرِّجُ على البقع المزُورة ركابَ الجلالة، وتورثَ مَراقِيَ المنابر لا عن كلالة، وتنجح في صميم العمل الصالح بين السلف والسُّلالة، كانت ليَ آمال أرى بقاءك أَجَلَّها، وعمدةً لها، لاشتها الأيام وأَدْرَجَتْهَا، وعَفَى رسمها لما نَسَجَتْهَا، والدنيا حلوب خلوب، ومُغالب القدر مغلوب، وبيد الله أفئدة وقلوب، وإن ساءت ظنون، فَثَمَّ الكاف والنون ومؤلف الضَّب والنون، وما الدهر إلا مَنْجَنُون، أرضانا الله بمصارف القدر، وعوضنا منه بالحظ المبتدر، وفَرَّغَنَا للوِرْدِ البعيد الصَدَر

стр. 57

فأنا اليوم لا أَمَل لي إلا لقاؤك الذي هو الحظ، وإنْ فَتَكَ الزمن الفَظ، والنَّصير لمَّا ساء المصير، والكهف لمَّا عَظُم اللهف، وكيف لا ورعْيُكَ استخرج من الرَّكيَّة، وسمع على البعد صوت الشكية، وجودك أعطى وأمطا، وجاهك فَرَشَ وغَطَّى، فإن ذوت أغصان الصانع بلفح جحود، أو أصبحت الأيادي البيض من الغَمط في لحود، فأغصان صنائعك قِبَلي قد زهت بِحبِّها وأَبِّهَا، وحيَّتْهَا نَواسِمُ القبول من مهبِّها، وأياديك لديَّ أحياء عند ربِّها، تسأله جلَّت قدرته القديمة، ووسعت كلّ شيء رحمتُه التي هَمَت منها الدِّيمة، أن يجعل جاهك في الشمول جنس الأجناس، ورَبْعَكَ مَيْدَانَ جياد السرور والإيناس، ويعصمك يا محمد الحمد من الناس، ويجعل سعيَك مشكوراً، وفخرك مذكوراً، وقصدَك مأجوراً، وبابَك لا غُفلاً ولا مهجوراً، ومقامَك حِجْراً عن النوايب محجوراً، وإني لمَّا طرق النبأ بوجهتك في سبيل البر والفضائل الغر، تُجَدِّدُ عهدَكَ بزيارة أولي الفضائل الباهرة الآية، والمشايخ أنسباء سلفك في قُعْدُدِ الولاية، قلت هذا حنين لفصيله، وجذبٌ عن أسباب أصيله، وتحويمٌ على شريعه، ومقدمةُ أوبةٍ سريعة، مهلاً مهلاً فلم يَدَع العلم جهلاً، وأهلاً بمقامك الذي أقامك الله فيه وسهلاً، ولو زرت طيفوراً أو سهلاً، كفُّ الأكفِّ العادية، وبثّ المراشد الرائحة الغادية وهداية الخلافة الهادية، وهو معكم أينما كنتم حجة بادية، ومن دَافَع فَلْيَدْعُ ناديه. ولله دَرُّ رابعة وقد شُغِلَتْ بالحي عن المَيْتِ، وبالمِشْكَاةِ عن الزيت، فقالت الناس يطوفون بالبيت، وإن شوَّق ارتياضٌ ومران، وكاد يُلْقَى بِمَعْطِن التجريد جران، فليس يُحمَد قبل النُّضْج بُحران، وعالَم السياسة قُلَّب، وود إخوان الخُوان بارق خُلَّب، وفرع دوحتك الذي في هَضْبة المنبرِ الأمامي قد غرسته، وديوان النشأة الطاهرة قد درسته، فعاهده بالكفالة حتى يسح، ويرف دومه وسح، ولا تُوحشْ مَنْبِتَه المبارك باغْبَابِ شمسك، ومتِّعْه وأخوته بنعيم يومك، إذ لا قُدرةَ لنفسك على ردّ أمسك، وإذا ذُكر القدر فأمسك، وهَوَى مماليك سيدي أن لا يقع تقويض، ولا يُعدم للمدبر الحكيم تسليمٌ وتفويض، فالذي دبَّره في الأحشاء، وحكَّم في صورته الحسنة يدَ الإنشاء، حيث لا سببٌ يُعمل، ولا فكر فيما يُلغى ولا فيما يعمل، ولا حيلةٌ تُحْكَم، القوة العاجزة واللسان الأبكم، هو الكفيل لك بحفظ المنصِب، وصون الجناب المخصِب، حتى تستوفي عمر النهاية حِلْسَ وسادك، فائزاً بنعيم الدارين على رغم حسادك، وتَطْرَبُ إذا قَرَعَتْ المنابرَ المفضلَة عُصيّاتُ حفدتِك وأولادك، تحت كفالتك وبإرفادك، وسيدي شيخ زاوية الخلافة. فلا أَقْفَرَ منه محرابها، ولا أغفلت من غرر صنائعه البيض عُرابُها، ولا استوحش من حسام رأيه السديد قرابها، وعندما ورد البشير برجوع نَيِّرِكَ الأعظم إلى بيت شرفه، واستحثاث بريد الخلافة ركاب منصرفه، قلت اللهم اكتب خُطاه وأجْرَه، وارْعَ في معاملة أوليائك تَجْرَه، وغَبِّطهُ بعد بالمُقام في المَقَام الذي فيه أقمته، وأرغمت الباطل ووقَمْتَه، وهَنِّهِ الإيابَ الذي أزحت به الارتياب، والقفول الذي كفيت به آمالنا الأفول - والسلام. وخاطبت في سبيل الدعابة من تزوج قَينة:

стр. 58

كتبتُ أغبطُك، أعزك الله، بتسويغ اللذات، وتهنى طيب الحياة، ولباس خِلَع الخلاعة ولو قامت الساعة، فإنما الإنسان بيومه لا بقومه، وبوقته لا بالمبالات بمقته، وأدعو الله أن يُجزل أجرتك، ويتقبلَ هجرتك، ويُؤَمِّنَ من الشرط حجرتك، ويعطف على محلِّكَ قلوبَ الفتيان، ويقربهم للإتيان، ويقطع بشهرة قينتك حظوظ القيان، ويسلبك الغيْرة التي تفسد العشرة، وتكشف القشرة، وكأنني بك أعزك الله وقد ظهرت بوجهكَ سعفة النبيذ، وتَفَطَّر لها جلد وجهك تفطُّر جلد الجَدي الحنيذ، وأصاب أسنانك الحَفَر، وريحك البَخَر، وعينك الشَّتَر، وشعرك الحَزَاز ويدك الكُزَاز، وأصبحت مخموراً، مَنْهياً من عيالك مأموراً، وقد أعْلفت عمامتك بسروالك، وسدلت القشرة البيضاء إلى أسمالك، وقعدت بدُكة بابك تتلقف العيَّارة، وتعترض السيارة، وتُعيِّنُ للوقت الزيارة، فإذا اقتضيت النقد من الخرْج، ودَلَلْتَ الفحول على المرج، وخَطبتَ لمشاهدة الرقص والدَّرج، نهضت لشراء مُرِنِّ حجولك، وما يتكفل بسولك، من طراوةٍ تصقُل البشرة وتنقيها، ولخلخة تستر رائحةَ الإِبْط وتخفيها، وسَنونٌ يطيب الفم، ويوافق الشم، وضمادٌ يشد الثدي إذا ذَبُل، وفَرْزَجة تمنع الحبل، وحَشَوْت جنبيك أوتاراً، وأعددت دُستاناً ثانياً وحمَّاراً، وشاركت على المرابحة خمّاراً، وبسطت نِطع القعود، وأعددت لإيداع الفتوح غشاء العود، وترددت إلى الباب توقعاً لإخلاف الوعود، فأقسم عليك يا سيدي أن لا تُغْفِلَنَا من بالك، ولا تنسنا من حَرامِك المصحَّفِ أو حلالك، وأَسهِمنا في فضل تجارتك، وعيْنَ جُعالتك وإجارتك، واضرب لنا بحظٍ في قسْم ما في طنجهارتك - والسلام. وفاة زوجة ابن الخطيب وفي السادس لذي قعدة من عام اثنين وستين وسبعمائة المذكور، طرقني ما كدَّر شُربي ونغص عيشي من وفاة أو الولد عن أصاغرَ زُغْبِ الحواصل بين ذكران وإناث في بلد الغربة وتحت سرادق الوحشة، ودون أذيال النكبة، فَجَلَّت عليها حسرتي واشتد جزعي، وأشفيت لعظم حزني، إذ كانت واحدة نساء زمانها جزالة وصبراً ومكارم أخلاق، حازت بذلك مزية الشهرة حيث حلَّت من القطرين، فدفنتها بالبستان المتصل بالدار بمدينة سلا، ووقفت على قبرها الحبس المغل لمتولي القراءة دائماً عليها، وصدر عني مما كتب على ضريحها وقد أغرى به التنويه والاحتفال: رُوِّعَ بَالِي وَهَاجَ بَلْبَالي ... وسامني الثُّكْلُ بَعْدَ إقْبَالِ ذخيرتي حين خانني زمني ... وعُدَّتي في اشتداد أهوال حفرت في داريَ الضريح لها ... تعللاً بالمُحال في الحال وغبطةٌ توهم المقامَ معي ... وكيف لي بعدها بإِمْهال سقى الحيا قَبْرَكِ الغريب ولا ... زال مُناخاً لكل هَطَّالِ قد كنتِ مالي لما اقْتَضَى زَمَني ... ذهابَ مالي وكنت آمالي أمَّا وقد غاب في تراب سلا ... وجهُكِ عني فلست بالسالي واللهِ حزني لا كان بعد على ... ذاك الشبابِ الجديد بالبالي فانتظريني فالشوق يقلقني ... ويقتضي سُرعتي وإعجالي ومهدي لي لديك مضطجعاً ... فَعَنْ قريبٍ يكون ترحالي واسمُكِ مقلوبُه يُبيِّنُ لي ... مآلَ أمري في معرض الفال وقلت في هذا الغرض وهو معنى صوفي: يا قلبُ كم هذا الجوى والخفوتْ ... ذماءَك استبْقِ لئِلاَّ يَفُوتْ فقال لا حول ولا قول لي ... قد كان ما كان فحسبي السكوت باينني الرشد وباينته ... لما تعشقتُ بشيء يموت وخاطبت الرئيس الثَّبْت بقية الأشراف بهذا الموطن، عامر بن محمد بن علي الهنتاتي: أبا ثابت كن في الشدائد ثابتاً ... أعيذك أن يُلْفَى حسودك شامتا عزاؤك عن عبد العزيز هو الذي ... يليق بعز منك أعجز ناعتا فدوحتك الغناء طالت ذوائباً ... وسَرْحَتُكَ الشماء طابت نوابتا لقد هدّ أركانَ الوجود مصابُه ... وأنطق منه الشجوُ من كان صامتا فمِنْ نَفْسِ حرٍ أوثق الحزنُ كظمها ... ومن نَفَسٍ بالوجد أصبح خافتا هو الموت في الإنسان نصْل لحده ... فكيف نرجِّي أن نصاحب مائتا وللصبر أولى أن يكون رجوعنا ... إذا لم نكن بالحزن نُرْجِعُ فائتا

стр. 59

اتصل بي أيها الهمام، وبدرُ المجد الذي لا يفارقه التَّمام، ما جنته على عليائك الأيام، واقتنصه مُحلَق الردى بعد أن طال الحيام، وما استأثر به الحِمَام، فلم يغن الدفاع ولا نفع الذِّمام، من وفاة صِنْوِكَ الكريمِ الصفات، وهَلاَكِ وُسْطَى الأسلاك، وبدرِ الأحلاك، ومجبر الأملاك، وذهاب السَّمْحِ الوهاب، وأنا لديغ صِلِّ الفراق، الذي لا يضيق بألف راق، وجريح سهم البَيْن، ومجاري العيون الجارية بدمع العين، لفقد أنيس سَهَّل عليَّ مضَضَ النكبة، ونَحَّى ليث الخطب عن فريستي بعد صدق الوثبة، وأنَّسني في الاغتراب، وصحبني إلى منقطع التراب، وكَفَل أصاغري خير الكفالة، وعاملني من حسن العشرة بما سجَّل عقد الوكالة، وانتزعه الدهر من يدي حيث لا أهل ولا وطن، والاغتراب قد ألقى بِعَطَن، وذات اليد يعلم حالها مَنْ يعلم ما ظهر وما بطن ورأيت من تطارح الأصاغر على شِلْوه الغريب، النازح عن النسيب والقريب، ما حملني على أن جعلت البيت له ضريحاً، ومدفناً صريحاً، لأخدع من يرى أنه لم يزل مقيماً لديه، وأنَّ ظلَّ شفقته منسحبٌ عليه، فأعيا مصابي عند ذلك الشرح، وأعظم الظمأ البرح، ونكأ القرح القرح، إذ كان ركناً قد بنته لي يد معرفتك، ومتصفاً في البر بي والرَّعي لصاغيتي بكريم صفتك، فوالهفاً عليه من حسام، وعزِّ سام، وأيادي جسام وشهرة بين بني حامٍ وسام، أي جمال خَلْق، ووجه للقاصد طَلْق، وشيم تطمح للمعالي بحق؟ وأي عضد لك يا سيدي الأعلى لا يَهِنُ إذا سطا، ولا يقهقر إذا خطا، يوجبُ لك على تحلية بالشَّيْبة، ما توجبه البُنُوَّة من الهيبة، ويردّ ضيفك آمناً من الخيبة، ويسد ثغرك عند الغيبة - وكما قال ﵇ للأنصار:) أنتم الكرش والعيبة (- ذهبت إلى الجزع فرأيت مصابه أكبر، ودعوت بالصبر فولى وأدبر، واستنجدت الدمع فنضب، واستصرخت الرجاء فأنكر ما روى واقتضب، وبأي حزن يُلقى فقد عبد العزيز، العزيز على المجد فقده، أو يُطْفَأ لاعجه وقد عَظُم وَقْدُه، اللهم لو بكى بِنَدَى أياديه، أو بغمام غواديه، أو بِعُبَاب واديه، وهي الأيامُ أي شامخ لم تَهُدَّه، أو جديد لم تُبْلِهِ وإن طالت المُدَّة؟ فَرَّقَتْ بين التيجان والمفارق، والخدود والنمارق، والطُّلَى والعقود، والكأسِ وابنه العنقود، فما التعلل بِالْفَان، وإنما هي إغفاءة أجفان، والتشبث بالحبائل، وإنما هي ظل زائل؟ والصبر على المصائب، ووقوع سهمها الصائب، أولى ما اعتمد طِلاباً، ورجع إليه طوعاً أو غِلاباً، فأنا يا سيدي أقيم رسم التعزية، وإن بوّئت بمضاعف المرزية، ولا عَتْبَ على القَدَر، في الوِردِ من الأمر والصَّدَر، ولولا أن هذا الواقع مما لا يجدي فيه الخُلصان، ولا يغني فيه اليراع ولا الخِرْصَان، لأتى جُهْدَه من أقرضتموه معروفاً، أو كان بالتشبع إلى تلك الهضبة معروفاً، لكنها سوقٌ لا ينفق فيها إلا سلعة التسليم، للحكيم العليم، وطَيّ الجوانح على المضض الأليم، ولعمري لقد خلدت لهذا الفقيه، وإن طمس الحِمَام محاسنه الوضاحة، لما كَبَس منه الساحة، صُحُفاً مُنْشَرَة، وثغوراً بالحمد مُوشَرة، يَفْخر بها بَنُوه، ويستكثر منها مكتسبو الحمد ومُقْتَنُوه، وأنتم عمادُ الفازه، وعلم المفازة، وقطب المَدَار، وعامرُ الدار، وأسد الأَجَمة، وبطل الكتيبة المُلْجمة، وكافل البيت، والستر على الحي والميت، ومثلك لا يُهْدَى إلى نهجٍ لاحب، ولا تُرشد أنوارُه بنار الحُباحِب، ولا يُنَبَّهُ على سُنَن نبي كريم أو صاحب؛ قدرُك أعلى، وفضلك أجلى، وأنت صدر الزمان بلا مدافع، وخير مُعْلٍ لأعلام الفضل ورافع، وأنا وإن أخرت فرض بيعتك لما خَصَّني من المصاب، ونالني من الأوصاب، ونزل بي من جَوْر الزمان الغَصَّاب، ممن يقبل عُذْرَهُ الكرم ويسعه الحرم المحترم، والله سبحانه الكفيل لسيدي وعمادي ببقاء يكفل به الأبناء وأبناء الأبناء، ويعلي لقومه رتب العز سامية البناء، حتى لا يوحش مكان فقيد مع وُجوده ولا يحس بعطّ زمانه مع جوده، ويقر عينه في ولده وولد ولده. ويجعل أيدي مُنَاويه تحت يده والسلام. وخاطبت صاحب القصبة بمراكش على هذا العهد مسعود بن يوسف بن فتح الله بما نصه: أمسعود بن يوسف طيرُ قلبي ... على شجر الكرام له وقوعُ وفي علياك لي كنز اعتقادٍ ... على أمثاله تطوي الضلوع

стр. 60

إذا نَفْسُ امرئٍ ولعت بمغنى ... فما بسوى كمالك لي ولوع سيدي أبقاك اللهُ عالي القدر، منشرحَ الصدر، حالاً من منازل السعادة منزلة البدر، تَنَخَّلْتُ الأماجدَ فوقف على تفضيلك اختياري، وإن لم يُتَح لقائي ولا قُرب جواري، لكن السماع، ومتى يُرَدُّ حكم أصله الإجماع والأخبار والاعتبار. فلما أتاح الدهر تلك اللمحة على ظهر طريق، وانحياز فريق، هممت أن أَبُثَّك بعض اعتقادي، وأَنْفُثَ بعُقَد ودادي، فضاقت الوقفة، ولم تكمل الصفقة. وانصرفت انصراف الظمآن شارف العذب الزلال فلم يشرب، والمُحبِّ تمنى ساعة اللقاء فما أبان ولا أعرب، وخفت أن يُجْرِيَه سيدي مُجرى الهذر الذي هو صَرْفُ الأسواق، والمعاملة به على الإطلاق، حيث لا خلاق، بل هو والله الحق الذي وضح مُحَيَّاه، والبارق الذي أغدق سُقياه، والحديث الذي أخجل المسك ريَاه، لم تحمل عليه المطامع، ولا السراب اللامع، فليثق سيدي من المعتدِّ به بموجب حقِّه، العليم بسبقه، والقائل بأنه واحدُ عصره، وحسنة دهره، إلى أن يَمُنَّ الله بلقاءٍ يشرح المُضْمَرَ ويبينُه، حتى تَخْفِقَ رايته وينتشرَ كمينه، والله يديم سعد سيدي وعلاه، ويحفظه ويتولاه. وخاطبت الوالي بدرعة، وبلاد القبلة، السري الماجد أبا محمد عبد الله بن محمد حفظه الله وأعزه: والي الولاة وواحدَ الزمن الذي ... تبآى الملوكُ بمثله وتُفاخرُ صيَّرت حاتمَ طَيّءٍ يزرى به ... زار ويسخر إن تذوكر ساخر إن كان طلاَّ أنت جودٌ ساجمٌ ... أو كان نهراً أنت بحرٌ زاخر وإذا كان الزمان الأول استعلى بأه ... ليه أناف بك الزمان الآخر كتبت إلى سيدي والخجل قد صبَغَ وجه يراعي، وعقم ميلاد إنشائي واختراعي، لمكارمه التي أعيت بِمَنِّهِ ذراعي، وعجز في خوض بحرها سفينتي وشراعي، فلو كان فضله فنّاً محصوراً، لكنتُ على الشكر مُعاناً منصوراً، أو على غرضٍ مقصوراً، لزأرتُ أسداً هصوراً، ولم يُر فكري عن عقائل البيان حصُوراً، لكنه مجدٌ تألق بكل ثنيَّة، ومكارم رمت عن كل حنيَّة، ومجدٍ سبق إلى كل أمنية، وأيادٍ ببلوغ غايات الكمال معنية، فحسبي الإلقاء باليد لغلبة تلك الأيادي، وإِسلام قيادي، إلى ذلك المجد السيادي، وإعفاء يراعي ومدادي، فإذا القول من باب الخير إلى باب الدعاء وقد وصلني كتابُ سيدي مختصرَ الحجم، جامعاً بين النجم والنجم، قريب عهده من يمينه بمجاورة المطر السَّجْم، فقلت اللهم كافِ سيدي واجزه، ومُرِيدَهُ بالضر فأخْزِه، ولله دَرُّ المثل: أشبَهَ امرأ بعضُ بَزِّه، كمال واختصار وريحانُ أَنوفٍ وإثْمِدُ أبصار، أَعْلَنَ بالرَّعْي الذي لا يُغَيَّر بعدُ الدار من شيمته، ولا يقدح اختلاف العروض والأقطار في ديمته، إنما نفسه الكريمة والله يقيها، وإلى معارج السعادة يُرْقيها، قانونٌ يُلحق أدنى الفضائلِ بأقصاها، وكتابُ لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وإني وإن عجزت عما خصني من عُمومها، وأحسبني من جُمومها لمخلِّدُ ذكرٍ يبقى، وتذهبُ اللَّهى، ويعلي مباني المجدِ تُجاوز ذوائبُها السُّهَى، ويذيع بمحافل الملك فما دونها، مَمَادِحَ يَهْوَى المسكُ أن يكونها، وتعطف له الرياضُ العِينُ غضونَها، وتُكحل به الحور العِينُ عيونَها، وتؤدى منه الأيام المتربة دُيونَهَا، وإن تشوَّفَ سيدي بعدَ علو حمده وشكره، واستنفاد الوضع في إطالة مدحه وإطابة ذكره إلى الحال، ففلان حفظه الله يشرح المجمل ويبين من عواملها الملغى والمعمل. وأما اعتناء سيدي بالولد المكفى بحرمته، فليس ببدْعٍ في بعد صيته وعلو همته، على من تمسك بأذمته، وفضله أكبر من أن يقيد بِقصَّة، وبدر كماله أجل من أن يعدّل بوسَط أو حصَّة، والله تعالى يحفظ منه في الولاة والي القبلة، وولى المكارم بالكَسْبِ والجِبِلَّة، ويجعل جيش تمامه لا يؤتى من القلة بفضله وكرمه. وخاطبت أبا سعيد بن حبوس الوالي بمكناسة في بعض الأغراض، وهو ممن يثني عليه الأحلاف من صحابته إخوان النبيذ، استكشف ما موَّهوا به من زيفه فكان بهرجاً زائفاً شيمة مثله:

стр. 61

شاع أعزك الله على ألسُنِ أصحابك ممن عرف نبله وعقله، وصحَّ في الاختبار نقله، أنك جواد الوقت، الآمن من المقت، وإنك مخلي التخت، ومعيد البخت، ومأوى الضيف، في الشتاء والصيف، وأنا ما علمتَ ضيفُ الكرام حيث حللت، ونزيلُ الأجواد متى نزلت، أرحلُ عنهم والثياب تضيق بها العِيَاب، والجياد يَجْنُبُها القياد، والصُّرر، قد أشرقت منها الغرر، حرصاً على ثناء يخلّد ومعنى يولّد، ودولة تحلى بالمكارم، ومُروة يهون عليها ضرب المغارم، فَبِتُّ بجوارك ليلتين أكلت فيهما من زادي، وشربت من ماء الوادي، وجعلتُ الأرض مِهادي، وطال لأجل البراغيث سُهادي، ولقد سألني الوزير أبقاه الله عن طريقي ورفيقي وفريقي، فأجملت المُفَسَّر، وألممت من الكذب بما تيسر، وقلتُ عُلم استدعاؤك إياي، واستقدامي من مثواي، فآثر الناس بجملتهم هواي، وأما في الأياب بعد أن بوأت البيت، وأوليتَ ما أوليت، فالأمر أكبر، والخبر لا يفي به المَخْبَر، فخاطبتك أعزك الله مخاطبة من يَغار على شُهرةِ جودك، والحكم لك بالثناء قبل وجودك، فإما أن يقع الصلح على ضريبةٍ قريبة، ويرتفع عن وجه المُحَادَّةِ نقابُ الريبة، أو يكذِبَ النقل، ويكون قِرى ضيفك الماء والبقل، اللهم إلا إن كان قبولُك خاصاً بمن راق خدُّه، وحسن قدُّه، وتبللت طُرَّتُه، وأخجلت البدرَ غرته، فحظنا لديك الخيبة، ولو قصدناك من مكة وطيْبة، وموصلُه يقرر المطلب، ويخبر منك البارقَ الخُلَّب، والقصد المشاركة فيما أمر بشرائه، ومحاولة نقله بما يستحقه من كرائه وأنا أرتقب وصولَه وأنتظر حصولَه، وعلى كل حال فشكري لشكر الخلق فيك تَبَع، وإن لم يقع في جوارك ريٌّ ولا شِبَع؛ وثنائي جميل وإن لم يُقْضَ من برك تأميل، وما ألممت به إنما هو دعابة تخف على أهل النُّبْل، ومن يسلك من التظرف أوضحَ السُّبْل، والله يمنع بعدُ بلقائك، ويجلي غررَ الفضل من تلقائك. والسلام. رَجْعُ التاريخ تولية السلطان أبي سالم المريني ونهايته

стр. 62

وفي ليلة التاسع عشر من شهر ذي قعدة عام اثنين وستين وسبعمائة وقعت بأمير المغرب إبراهيم بن أمير المسلمين أبي الحسن، الدَّبرة وأخذته في مَجْثَمه الصيحة لتوفر أسباب البِغضَة، وتكاثر دواعي الخلعان، إذ كان هذا الصبي ذاهلاً عن الحزم، مثلاً في البلادة وكَلاًّ، مؤثراً للحجبة، معوضاً للبطالة، مسلوب الغَيْرة على المال، قنوعاً من الإمرة بالاسم، مجتزئاً من انفساح الخطة بالكِسْر، كاسدَ سوقِ العطاء، معطياً لِعِداه الضمَّة، معطلاً رسم المشورة، استقر لأول تصيُّر الأمر لأخيه أمير المؤمنين، الحية الذَّكَرْ مغرَّباً بغرناطة دار ملك الأندلس، وهو صبي ذو وسامة، في جملة من أخوة وبني عم، ثم حركه القدر بطلب الملك، وهاجته دعوات سماسرة الفتن على نبأة هلاك أخيه، وأخذ البيعة بعده لولده الصبي الصغير بعد قتل كبيره ولي العهد بتدبير الوزير الحسن بن عمر بن يخلف العدودي في خبر طويل، فرقَّقَ هذا الأمير المستَدعى عن صبوح مغزاه لسلطانها، فلم يَشْك بثّه ولا راش عزمه توقعاً أن يُخفِقَ مسعاه فيبوءَ من وطن المغرب بإِحْنةِ تُطَوِّقُ الأندلس طوق خِزْيةٍ وتجر عليها ذيل نكيرةٍ ومعْتبةٍ مع الافتقار لمن علا هضْبتَها وتملك ناصيتها. فلما يئس من الإنجاح، وتشكَّى إلى غير المنصت عوَّل على نفسه، واقتصر على عزمه، وركب الخطر طوع همه، فخرج عن الحضرة ليلاً، على بعض مجاري الرُّحَضَاء من أسوارها في زُعْنُفَة يسرت له ذلك إشارةً واستظهاراً وانتشالاً وقوْداً ثم وضوءاً ونضحاً، حتى استقلَّ راكباً بظاهر البلد ولحق بقلعة يَحْصِب ثغر العدو المطل ذي الجوار المُكَتَّبْ، والعادية المشافهة، فأراح هنيهة ثم انصرف مُصحباً إلى إشبيلة وبها ملك قشتالة يقدح زناد حرب له على عدوه من روم برشلونة، فطرح عليه نفسه، وتذمم به، وعرض عليه خطاب استدعائه ودس له المطامع المرتبطة بحصول غايته فقَبل صاغيته، وَعَصى نصحاء دينه المشيرين بتثبيطه والتثاقل عن إعانته، إذ غَرَّتهم المخيلة، وظنوا به المَضَاء كميناً في لِفْق الوسامة، ولَىْ الأبهة، وآثروا الرضا بمكان الوليد الذي مُوِّهَ به للمسلمين، وكونُه غير مظنة للدفاع، ولا أهلٍ لاجتماع الكلمة، وجهَّز له جَفْناً من أساطيله سُكَّيتاً من عَرَضِها بعد أن عرضَه على جبل الفتح متعلق طمعه، وحذْقِ شَرْطه، وقد دسَّ الأمير المذكور زعموا إلى من به دسيساً في الاستبصار، فنبا عودهم عن غمزه، وانصرف الطاغية مشرقاً إلى طِيَّتِه، وقصد الفُلكُ المشحون بالأمير وبمن لف لفَّه إلى بحر المغرب يلوذ بساحله لياذ الماء بأقطار الزجاجة، ويستنجز وعود خطَّابه، فانتهى إلى مرسى مازيغان من أحواز أزمور، وأقام به شاهراً أمره، وعارضاً وجهه، ومستنجزاً وعده، وقد كان الناس حَطَبُوا في حَبْلِ سواه، ونقروا عن غيره، وجهروا بسآمتهم من مِلْكة آل السلطان أبي الحسن، والتأم خاصتهم وعامتهم على منصور بن سليمان بن منصور بن عبد الواحد بن يعقوب بن عبد الحق، جِذْمٌ من قبيلتهم عَلِق به من تصيَّر الأمر إليه، درءٌ منذ زمن شبيبته إلى توسطه الاكتهال، دمثٌ مُتَنَزِّلٌ، مظنة ترشيح ومرمى أمل، لمكانه من البيت سيما بعد إقفاره وتداعي عمده، ولفضل شهامة كانت فيه يعارضها الجانب السَّهل والتقارب، وسبب ذلك الوزير كافل الولد المموه منه بخيال، والمُهَلِّل بآل، والمُعَيِّد بما غامر به لولا القدر الذي يُنْمِي كُلاًّ إلى حدِّه، وغايته، ويَقفُه رغم أنفه عند نهايته.

стр. 63

ولقد كان الولد أهلاً لما رشح إليه نبلاً وإدراكاً ورواء، فقد أتقن الخَطَّ، وحَفَظ المُنَزَّلَ، رشداً شيئاً من العربية على انحطاطه في دركات الحداثة وخفاء مكانه للضئولة - أسمع صوتاً ولا أرى أحداً - عهدي به يتدحرج بين يدي الوزير إلى مصلى الجُمُعة، أو يجلس كفرخ الحمام المطوَّق مخضوب الرُّجَيلة، مُشَمِّرَ الذيل، حسن القبض على المنديل والمُدْية، قد دارت العمامة منه على قمر، لا يزال في الأريكة يتوقد كالذُّبال في مشكاته نُبْلاً وهِشَّة سآَّلاً عن أعيان الوافدين مشيراً بالأخذ لرقاع المتظلمين، ناهضاً إلى غاية النُّبل والسداد لو أن الليالي أمهلته، ورام لعظم مُنَّتِه وشدة أسره وقوة شكيمته واغتراره بمن لديه أن يُجري أمر خليفته الماضي الشَّبا، السامي العلى، البالغ بمجده وجدوده أسباب السَّما، أبي عنان ﵀ على سبيله فيحوط البيضة ويملك القلوب بالرَّهبة، ويتمسك بالأطراف النائية، والعِمَالة القاصية، ويخيف من يجاوره من الملوك المضطهدين بخليفته المصنوع له، فبادر إلى تثبيت من أسندوا إليه أمر بجَاية، ووعده إياه بالمدد، وخاف على مملكة تلمسان لِدَةِ عقيلةِ الملك الذي بيده المبرّة بخلال عظيمة الجدوى من الماء الرَّوي، ودرور رسل المَحْيَا، وكثف العمارة، وعائد الإثارة. فجهز إليها الجيش الخشن المناهز خمسة الآلاف إلى من كان بها من حاميته، وأمر عليها ابنَ عم له وزير الولد قبل عموم وزارته وفي نفسه ضَرَم، ولديه بث لكبحه إياه عن الطماح، وحمله على التطامُن له. ولما حلّ الجميع تلمسان وقد كان أهلها غلبوا عليها واستخلصوها لذهاب حرمتها، وما أوقعه رأي الخليفة الهالك من هدم سورها ومحو منعتها، فأجفلوا عنها وكان الجيش أملك بها، فحسنت المخيلة وَيَمُنَتْ النقيبة، وصدرت مخاطبته بذلك إلى الأندلس بما نصه:

стр. 64

من عبد الله أبي بكر السعيد أمير المسلمين في سبيل رب العالمين بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي عنان بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي الحسن بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي سعيد بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، وصل الله نصراً موثق الخمائل، وفتحاً صادق المخائل، ومنحاً ثابت الدلائل، وعضداً كريم المقاصد والوسائل، إلى محل أخينا الذي أهلّ وداده من ميقات الإخلاص، وراق اعتقاده في مشاهد الاختصاص، وطلعت بدور محبته آمنة من الانتقاص، السلطان الأجل الأعز الأسنى الأود الأفضل الأخلص الأصفى الأكمل أبي عبد الله بن السلطان الأجل الأغر الأسنى الماجد الرافع الأسمى الأسعد الأصعد الأرقى الهمام الأحفل المجاهد الأمضى الأكمل المقدس المرحوم أبي الحجاج بن السلطان الأجل الأعز الأسنى الماجد الرافع الأسمى الأسعد الأصعد الأرقى المجاهد الأمضى الأطول المبرور الأحفل الأكمل المقدس المرحوم أبي الوليد بن نصر، وصل الله له سعادة تُستجلى أنوارها وعادة تستملي أخبارها وإفادة يروق زهواً أزهارها. سلام يروي النسيم حديثَ طيبه، ويعبق إلا بسراه وتأويبه، ويخص ذلكم الإخاء الباهرة إياته المحكمة آياته، ورحمة الله تعالى وبركاته، أما بعد حمد الله منجز وعده، ومجزل رفده الذي أمدنا بنصره، وما النصر إلا من عنده، والصلاة التامة على سيدنا ومولانا محمد رسوله الذي اختصه بحمده، وأمده بجنده، وأنزل عليه [سبحان الذي أسرى بعبده] ، والرضا عن آله وصحبه حفظة عهده ولحظة رشده وقَوَمةِ الدين من بعده، والدعاء لهذا المقام العلي المؤيد الكريم الإمامي المجاهدي السعيد السعيدي بدوام سعده، واتصال عضده، والفتح الذي تُحَلّى أجياد الزمان بعقده، فإنا كتبناه كتب الله لإخائكم سروراً يبوئكم سرره، وحبوراً يلبسكم حِبَرَه، وظهوراً يمطيكم مظهره، من حضرتنا العلية المرينية البيضاء، كلأها الله تعالى، ونعم الله تعالى منسكبة الغمايم، زصنائعه الجميلة مفترة المباسم، ومُكيِّفاته البديعة عاطرة النواسم، والحمد لله على ذلكم حمداً يعرِّف يمن الفواتح والخواتم، وودكم الود الذي له في ديوان المحافظة رسوخٌ وثبوت، وشكركم على الإخاء كتاب موقوت، وثناؤكم على ترائب الولاء درٌّ وياقوت، ومحبتكم أفضل ما تهادته أحيان ووقوت. وأما الذي لكم عندنا من حسن المعاضدة وجميل المساعفة والمساعدة، فذلكم مما لا تزال سُوَره متلوَّة، وصوره مجلوة، ومُسمياته بأحب الأسماء مَدْعُوَّة، فالله يصل ذلكم في ذاته، ويمده بمقتضياته وموجباته، وإلى هذا وصل الله لكم نعماً لا تبلى رُسومها، وسعوداً لا تغور نجومها، فإنكم قد علمتم ما كان من اغترار الشقى.

стр. 65

الذي خيب الله مسعاه وقرب منعاه، وأنه امتدت بعد وفاة مولانا المرحوم مطامعه، وظن أنه قد صفت بعد الكدر موارده ومشارعه، وانضم إلى العرب المفسدين من بني عامر؛ وأتوا محرومين لا مُحْرمين رجالاً وعلى كلِ ضامر، فلما وصلوا تلمسان وجدوا الجيش الذي كان بها قد تفرق، وتطرق من الاختلال إلى قضائه ما تطرق فاختلسها اختلاس السارق، وظن أنه بنجوة من الخطوب الطوارق، واجتمع إليه أوباش من قومه إسار الردى، وجهلة الهدى، وبقية السيف الذي خبث معتقداً، ولم تكن أنمى عدداً ولا أنجب ولداً، فلم يكن إلا أن جهزنا إليهم جيوشاً ضاق عنها الفضاء، وكتائب أشعارها البأس والمضاء، فلم يشك الأشقياء أنها تحل قريباً من دارهم، ولا ارتابوا في أنها تقدم بتبابهم وتبارهم، ونهدوا للمبارزة، وأجمعوا على المناجزة، وخرجوا عن البلد بجموعهم محامين على ما يزعمون عن منازلهم وربوعهم، فلما طلعت جيوشنا مشرفة الهوادي، وحققت الحقائق الرائعة في قلوب الأعادي، وقرب حزب بني عبد الحق من حزب بني عبد الواد، سُقط في أيدي الأشقياء ولاذوا بالفرار والجلاء، فولوا على أدبارهم نفوراً، وصحب منهم الشؤم والخسار قوماً بوراً، وتقطعت بهم الأسباب، والتَقَمَهُم القفر اليباب، وألقت تلمسان إلى ناسنا بمقاليدها، ووجهت إلى أولياء أمرنا العزيز بأقاليدها، وعاد روحها إلى جسدها، ولم تلق إلى التهلكة بيدها، وكادت تمشي على استحياء، وتشكو بما كان أصابها من داء عياء، حتى نَفَتْ خبثها، ورفعت بالطهارة حدثها، ووقفت موقف العائذ، وعضت على طاعتها بالنواجذ، وعند فتحها اعتزم شيوخ بني مرين أعزهم الله ومن معهم من العربان وأهل تلكم الأوطان، وبادروا لاتباع الفل الخاسر ورأوا في الموارد حسن المصادر، وأمر الأحلاف بأن يتقدموا في الصحراء، ويكونوا بالمرصاد لجموع الأعداء وكأنكم بدابرهم إن شاء الله قد قطع، وبشملهم الجميع قد شت وصدع، وحديث النصر المتجدد قد أسند ورفع، وأعلمنا بذلكم لما نتيقنه من حبكم الفائق، وخلوصكم الممطور الحدائق، وسروركم بما يسنيه الله من الصنع الرائق، والفتوحات التي تهوى إليها أفئدة الخلائق، ولم يبق والحمد لله إلا أن نستعد للجهاد، ونصرف نظرنا الجميل إلى تلكم البلاد، حتى ينعم ناظر الدين بناضر الفتح، وتجول حدقته في حديقة المنح، ونعمل إن شاء الله في مناصرتكم ومظاهرتكم ما يعود بالنجح، والله المستعان وعليه التكلان، وهو سبحانه يصل سراءكم، ويضاعف نعماءكم وآلاءكم، ويحقق في حياطة تلك الأرجاء رجاءكم بمنه، والسلام الكريم، الطيب العميم، يعتمد إخاءكم المشكور ورحمة الله تعالى وبركاته كتب في اليوم العاشر لجمادى الأولى من عام ستين وسبعمائة، وكتب في التاريخ المؤرخ أعلاه. وصدر الجواب عنه بما نصه:

стр. 66

المقام الذي تبرع سعده برد المغصوب، وتولت يد العناية الإلهية عقد تاج عزه المعصوب، وحكمت عوامله في سبيل الله بخفض الصليب المنصوب، مقام محل أخينا الذي) أتاه الله الحكم صبيا (، وأخلص الملك فيه لله نداءاً خفياً، فقال مشيراً إلى مكانه قبل تأتِّي الأمر وإمكانهِ، [ربِّ هبْ لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب، واجعله رب رضيا] ، السلطان الكذا أمير المسلمين أبي عنان بن السلطان الكذا أمير المسلمين أبي الحسن بن السلطان الكذا أمير المسلمين أبي سعيد بن السلطان الكذا أمير المسلمين أبي يوسف يعقوب، بن عبد الحق، أبقاه الله يرمي بسهام عزماته أغراض السداد فيصيبها، ويشير بيده الكريمة إلى مواهب الله العميمة، يستوفر لديها نصيبها، ويطلب ميراث سلفه في الأقطار بالحسام الماضي والقنا الخطار، فيفوز بأقصى الآمال والأوطار من الانفراد بتعصيبها، معظَّمٌ قدر إخائه ومرفع جانب علائه، وموجب فرض هنائه بنعم الله وآلائه ومؤملٌّ عزمه المعتد بمضائه الداعي إلى الله بدوام نصره وصلة بقائه حتى تربى مآثره في سبيل الله على مآثر آبائه، فلان سلام كريم، طيب بر عميم، يخص به مقامكم الأعلى، وأخوتكم الفضلى ورحمة الله، أما بعدَحَمْدِ الله الذي حفظ مركز العز منكم على من اختاره، وأظهر عنايته بالدين الحنيف، على يد سلطانكم المنيف، فمهد أوطانه، ويسر أوطاره فمتى شب ضرام فتنة أطفأت جداول سيوفكم ناره، ومتى خبأ قبس هداية رفعت أيدي ملككم مناره، ومتى استأثر منازع من إيالتكم بلباس، في سبيل اختلاس، استرجعت ما استعاره، وصرحت عاره، فملككم بفضل الله مستدرك ثاره، ويتقبل آثاره، والدهر بين يديكم مستقيل عثاره، والصلاة على سيدنا محمد رسوله الذي رفع شأنه في الأنبياء الكرام، وعظم مقداره، وجعل في أشرف الخلق قومه، وفي أشرف الأرض داره، وأعطاه لواء الشفاعة ليجير من أجاره، في اليوم الذي يسلم فيه الوليُّ وليه والجار جاره، فمن انتصر بجاهه في الملمات، وعول عليه في الشدائد المدلهمات، رضى انتصافه وحمد انتصاره، ومن توسل به فضلاً عمن زاره، أمن برحمة الله أوزاره، والرضا عن آله وأصحابه، وأسرته وأحزابه الذين ورثوا فخاره، واختاروا من سبل الحق ما اختاره، ومنعوا عن دينه أيدي العدى، وزينوه بحُلى البأس والندى، وكانوا سوره وسواره، وكاد بناؤه ينقض، وكنز الحق تحته يُفَض، فأقاموا ببيض المعالي وسمر العوالي جداره، والدعاءُ لمقامكم السعيد السعيدي بالعز الذي تؤيد قدرة الله اقتداره، والصنع الذي يجري على قطب التوفيق مداره، والنصر الذي يعمل في سبيل الله سنته وشعاره، والفتح الذي تسبح في بحره الأقلام، فلا يبلغ منها الإعلام، وإن جاش الكلام، وجادت الأحلام معشاره، فإنا كتبناه إليكم كتب الله لأيامكم الجديدة السعد السعيدة الجد من مواهبه الخارجة عن الحد، أفضل ما كتب، وخولكم من مقاسم النصر الشاذة عن الحصر أَجزل ما وهب، وجعل ملككم يستعتبه الدهر إذا عتب، ويقضي من فروض طاعته معلناً بضراعته إذا حمَّله القدر على تفريطه وإضاعته، ما رتَّب ووجب، من حمراء غرناطة حرسها الله، واليد بعلو يدكم عالية والنعم بتوالي سعادتكم متوالية، والآمال باستقامة الأحوال لإخوتكم الرفيعة الجلال حالية، والارتياح الذي يؤدي بشارة الرياح لا تخلو منه عالية، والمسرات لا تفد منها وافدة إلا تبعتها تالية، وإلى هذا وصل الله لملككم أسباب الانتظام والانتساق، وأهدى أنباءكم طيبة العرف حسنة المساق، وأطلع بدر سعادتكم في أسعد الآفاق، وأقام الدهر بين يديكم مهما تاب من ذنب، أو أعتب بعد عتبه، مقام الحيا والإطراق، حتى تخفق أحشاء الكفر رعباً من لوائكم الخفاق، ويتفق على عقيدة طاعتكم فيما لكم من الأقطار والأصقاع، ألسنة الإجماع والإصفاق. فقد وصل كتابكم البر الوفادة، الجمّ الإفادة، السافر غمامته البيضاء عن بدر السعادة، المُتْحف بصنع الله الذي خرق حجاب العادة، فاجتلينا البيان من خلل سطوره، وقرطنا الآذان بشذوره، وصَدَعنا في الحفل المشهود بمنشوره، عرفتمونا فيه بالفتح الذي فُتحت لكم أبوابه، والنصر الذي يُسرت لكم أسبابُه، والسعد الذي ضفى عليكم جلبابُه، والصُّنع الذي ناسب دولتكم المقتبلة الشباب فَراقَ شبابَه، وشرحتم بما آل إليه حال تلمسان تقبل الله توبتها، وأسعد أوبتها، وحال من كان قد تسور جدارها، واقتحم

стр. 67

دارها، ومزق بالإكراه صِدارَها، لما دلفت إليه الليوث، واستقبلته فاستقتلته الكتائب والبعوث، وأخذت عليه بعرف الطاعة، بغتة كقيام الساعة، السهولُ من الأرض والوعُوث، وما أبداه لمّا تغشّاه رداه من التمويه باللقاء، والعمل على الثبوت والبقاء، وتَظَاهر به من صيد العنقاء، والأخبار التي يستريب منها لسان الإلقاء، وما نشب لما نشب أن ركب الليل جملاً، وترك سائمته هملاً، ولم يصرف إلى غير طلب النجاة بإِفلاته ولات حين نجاته أملاً، وإن أولياء الدعوة السعيدية استولوا على المدينة فاستخلصوا حقها وأوضحوا طُرقها، وسكَّنوا واجِفَهَا، وأمنوا خائفها، ورفعوا عن رعيتها المرزَّأة كل تثريب، ولم يأخذوا بريئاً بمريب ولا بعيداً بقريب، وقبلوا الأعذار حلماً، ووهبوا ذنوب جُهَّالها وعلمائها وسفهائها وحُلمائها لمن وسع كل شيء رحمةً وعلماً. سجية من ملك فأنجح، وأبت له الهمَّة العلياء أن يتنحنح أو يتبجح، ورأى المزية بين الخطَّتَيْن فكان إلى التي هي أقرب إلى الله أجنح، فعاد الخلى إلى الجيد، بفضل ذي العرش المجيد، وعوجل الشعث بالتنجيد، وأصبحت الصهوة مركب البطل النَّجيد، وردّ سيف الطاعة بعد الإجهاد في جدال البلاد من الاجتهاد إلى التقليد، وشملت الكافة واقية كواقية الوليد، وتحلت المنابر بعد العطل، والخطأ المتعمد والخطل، بدعوة من الإمام السعيد، ورأى من الاعتزال الهرج رجحان القول بإخلاف الوعيد، فكأنما كانت فلتة تلك الإيالة، الطامعة في الإدالة، وارتشاف البُلاَلَة، سهواً في عِبَادَه، وتقصيراً في إجَادَه، ولحناً في وجادة، وغلطاً في استغفار، وقذى بين أشفار، ودخيلاً في قطار، ولحقاً عيباً بين أسطار، وحلماً محت اليقظةُ غروره، وتمويهاً ذهب الحق بنوره، وقلماً أدبر شيء فأقبل، وهل عند رسم دارس من معول، ومكابر الحق موكوس القسم، وضِدُّ السعيد معروف الاسم، وما كان الله ﷻ ، وتقدست أسماؤه وصفاتُه وأفعاله، لينثر قلادة الدين بعد نظامها، وينسخ ثابت أحكامها بعد إحكامها، بل هو نورٌ وعد بإِتمامه، والوعد حق، وقاعدة لا يدخلها فرق، ومُلك تعلق بأذياله غرب وشرق، ومزن أومض في برده للغيث برق، فإن أذنب الدهر فقد استقال، وإن ضَحَى الملك بها فقد قال، ووجد لسانُ الصارم القوْل فقال، والحمد لله حمداً يدر من النعم السحب الثقال، ويقر أحوال السعادة فلا يعرف الانتقال، وقد كنا على علم قطعي، في سبيل شرعي، نرى أن الذي اختاركم لحمل هذه القلادة، من بين من يشارك في نسب أو ولادة، وألبسكم ملابس المَجَادة، وحلاكم لمَّا تولاكم قبل أن ولاَّكم بِحُليِّ السيادة، وجعل جبل الفتح أفق بدركم، وصدفة دركم، وبدأ بفاتحة الجهاد، وهي أم ذلك الكتاب، كتاب أمركم، لا يُهمل سلطانكم، ولا تذعر بالخلاف أوطانكم، وأن له فيكم خبيئة نصر يرتقب أوانه، وينتجز وعده ويقتضي ضمانه، حتى تُبلغ الآمال، وتنجح في مرضاة الله الأعمال، ففي التماس ما عنده سبحانه يجب أن تجمع الرحال وتفرق الأموال، وفضله تعالى لا يَخيمُ معه السؤل، ولا يخيب فيه السؤال، فلما وردت الأخبار بما منحكم الله من الفتوحات التي أبلغت البلاد والعباد أملها، ووفرت سرورها وجذلها، وما يفتحُ الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، خاطبناكم نهنيكم بما وهب الله ومنح، ونرى أن ما فتح الله به عليكم فعلينا به فتح، فمقامكم العدة التي نباهي بها ونباهر، ونضاهي ونظاهر، ونطافئ ونكاثر، ونصادم ونصادر، أَبقاكم الله لآمال كريمة تُقتَضى، وخلال شريفة ترتضى، ومقاصد مبرورة تُنسِي ما سلف للسلف ومَضَى، ونحن أيضاً نعدُّ إيثاركم إيانا بالتعريف بهذا التَّكييف هدية ودية تقل لها المكافآت وإن جلَّت، وفضلٌ عميم أشرقت أنواره وتجلّت، وتستدعي القيام بحق مقامكم وهو المرام البعيد، وتجهد طرف اللسان في ميدان الشكر وأين يقع جهده مما تريد، فإلى الله نكل ما ننطوي لكم عليه من ود كريم، وحب صميم، فهو بالبواطن عليم، ولا ينفع لديه مال ولا بنون إلا مَنْ أتاه بقلب سليم، وهو سبحانه يصل سعدكم، ويحرس مجدكم، ويوالي نصركم وعضدكم، ويبلغكم من خير الدنيا والآخرة قصدكم. والسلام الكريم الطيب البر العميم يخص مقامكم الأعلى، وأخوتكم الفضلى، ورحمة الله وبركاته.

стр. 68

رَجْعُ التاريخ ولم يكن إلا كَلاَ وَلاَ، حتى تداعى الدّبا من عربان القبلة، منجدة اللمة العاصية لملك الآفاق، وقصدوا البلدة وبرز الجيش للدفاع عنها وقد تخاذل وأحجم عن المعادل لبعض أجزائه لوحشة الانقطاع وخبث الطوية، والركون إلى الدعة، فأبلى المحمس منهم ثم أعطوا الضُّمَّة وانحازوا إلى البلد، واتفق فائل رأيهم على الاعتزاز بدائل بجمع الكلمة وينظم الشَّت، ويرأب الثَّأي، فالتف قوم منهم على أحد القرابة وأصحروا مستدعين إلى بيعته، فتسايل الناس. ونمى الخبر إلى أمير الجيش فحذر معرة ذلك على نفسه، وخاف بادرة الدائل أن تحيق به ففاوض رُجْحَ القوم، وصارف المنتبذين ما ذهبوا إليه، وعمد إلى منصور بن سليمان، مقدمه يومئ من تربة الشيخ تاج العارفين أبي مدين متذمماً بها، فأعلق به البيعة، وسامه مَدَّ اليد لها عن تثاقل، وأخذ له عهد الناس بالوفاء له، وأروه على ذلك زعيم الروم يتولى السيقة وردء التعبئة. وقرعت الطبول فاستراب المنتبذون ونمى لهم الخير وقد استأثروا ببكارة تلك البيعة المبتورة، والدعوة المُخْدَجَة، فطار صاحبهم فاراً على وجهه، فدخلوا مدخل الجماعة وصرف الجميع وجوههم إلى المغرب لا يصدقون خبر النجاة، واعترضهم العرب في طريقهم فأبلوا أحسن البلاء مستميتين دون قصدهم حتى خلصوا بعد لأي، واتصل الخبر بالوزير كافل الولد فعظم الأمر، وسفر الخطب، وجرى على رسله ثابت الجأش رابط الحزم، فأشاع البروز إلى المدافعة وجهاد الخارج عن سلطانه، وشرع في العطاء واستركب واستحلق، وأفاض العدة وأركب الرجل وانتقى الآلة وحصن البلد الجديد خلفه، وأوعز إلى ثقاته ما يعمل بحسب حَدِّه، والوقوف عند رسمه، واضطرب مُضْطَرَبها المعروف من الفحص الأفيح، وفوق الهضب المطل على البلد المعروف بالرمكة وقد اقتضى اليمين واستوثق من الحاشية، وبذل التي لا فوقها من السداد والإصابة. ولما جن ليل خروجه بالولد سلطانه، وقد انتظم الجمع واحتفلت المحلة، وراقت للسلطان الآلة، وقد اقترب عدوه، وكادت تبدو ناره، ويكنف جواره، أسلمه الناس، شأنهم في هذا العهد، وديدنهم في هذا الزمن، وطاروا عنه لا يلتفتون ولا يلوون، فأفاق واستجمع، وأركب السلطان، واشتمل عليه، وأمر بتقويض المضارب، ورفع الآلة والعدة، وكر إلى البلد الجديد، فاستقر به في خِفِّ من الحاشية وأفذاذ من الخالصة.

стр. 69

ولما استوى ما أمر بإشالته ورفعه من العدة والآنية والفرش والماعون والفساطيط والآلة وأبهة الإمرة وعتاد الخزائن، قصده بحريمه الأسود الماجن سليمان بن ونزار تلقاء العدو، فما أمسى إلا وأروقة الخلافة ترف فوقه وآلاتها تُصَرَّفُ بين يديه، وأرائكها تنضد لجلسته، وظهرها وحمولتها مرتبطة بازاء رستاقه، وقصد ظاهر البلد الجديد فنازله وأحاط به وكاتب الجهات فلم يختلف عليه اثنان، فقدم العمال والقضاة وأجرى العوائد وجدد الصكوك، وأخلى بينه وبين الناس، وأفرط في التنزل والضعة والتمني، وحط الأبهة استئلافاً للنفوس. ووالى حصار البلد المذكور فرتب عليه المقاتلة ونصب المجانيق والعرَّادات، وقاد الستائر والأكبش والدبابات، وأدار عليه البناء من الجهات وسكن بشرقيه في الهضب أَبغران، وأمر الخاصة بالسكنى واستدعى من البلاد البحرية عُدد الأساطيل من التِرْسة والمجانيق والحديد لاتخاذ الآلة والمعاون وأمراس الكتان والشهدانج لحل الأقفال، واستنفد الوضع فلم يحل بطائل. وقد اضطلع محصوره وأفاق من الطخية، ومَرَن على الحصار واعتز بالمال فأجاب داعيه الكثير من ذؤبان الرجل أولي النجدة ومساعير الحرب وأرباب العتا والصبر واقتحمت إليه بالمضغ والأدم راكبو أعناق الأخطار ومرخصو أثمان النفوس بين يدي ما يرومون من الربح، وناهزت الحال شهرين كابد من شجا البلد المحصور خطباً، ولم يتهنأ معه ملكاً واحتاج إلى المال فلم تنجده البلاد التي شحت ينابع أرفادها للهب الفتنة، وأمسكت أكف غارميها دواعي الهرج، وقرب عهد ولاتها بالدفع لما يحصى من الخَرْج، إلا ما كان من أوقاف وأموال صدقات وودائع لا تقع مما يريد في نسبة عددية، وأباح الدسيعة للقبيل، ولم يستأثر عنه بفلذه، وأطلق الأيدي على كل طلبه ولم يسمع عنه لا في مسألة حتى جرى في ذلك غير ما صحكه. ووصل ولده اللاحق بجبل هنتاتة، المستقر في جُوار رئيسها المِدْرَه في الدّهْى والحزَامة، وأحد الآحاد في إقلمة الرسوم الحسنة والإرعاء على الرتبة والتزين بالوقار والسكينة، عامر بن محمد بن علي الهنتاتي حسنة هذه المُدَد المتأخرة، والمغبر في وجوه الوجوه السابقة، مصحباً بزينة الملك وآلات السلطان، مُتَعدِياً طوره، لابساً للناس غير لِبْسة أبيه، من الأنَفِ والتجبر وتعاطي خطة الفراعنة، من غير أن تشج العروق أو يملك البيضة، صبي اسنه علي، أشوس اللحظ، شامخ المارن، رأى لنفسه قصوى المزية، أنكر على الشيخ فضل التَّنزل وعَبَس وبَسَر في الأوجه وتوعد على التقصير فكان أدعى الدواعي إلى هلاكه وهلاك أبيه، ولله أمر هو بالغه سبحانه. ولما طال على الأمير أبي سالم عَرْضُ نفسه إلى مَنْ حَرَّكه إلى طلب حقه، وسئم التردد واقتضى أجوبة مستدعيه مراجِعَةً بخروج الوقت، ناعيةً إبطاءه، إلى تنوع الحال وإخفاق السعي واجتماع الكلمة على الغير، انصرف بخفي حنين، وقد وصلت أحواز مرساه الحصةُ مانعة إياه من النزول آخذةً على أيدي من أقرضه الصنيعة وأبدى له صفحة القبول. ولما وازى وجهه الصَّفيحة من أحواز أصيلا تبادرته قومٌ من غُمَارَة سكان ذلك الجو وعقبان ذلك الدَّو، فانحدرت إليه ووعدته بالوفاء له، فنزل وربما نالته في الصحصاح شدة تخلص منها بعد الكيْت، واحتملوه فوق أكتادهم ثم اعتاموا له هجيناً من مراكب سَراتهم المستهلين إلى مجامع التباعات، أمطوه صهوته، وأحدقوا به في سفح الأدنى من جبالهم، وأخذتهم الحَمِيَّة فتنافس في الذبّ عنه والقيام بدعوتهم شعوبهم وقبائلهم ثم كبسوا مدينة أصيلا حاضرة بلدهم فتغلبوا عليها وضيقوا خارج مدينة طنجة وتوعدوا أهلها بإفساد أموالهم المُصْحِرة، فدخلوا في أمره، وقد تسامع من بجبل الفتح من قبيل غماره بالأمر فسلكوا سبيل قومهم في الانقياد له فقبضوا على واليهم الوزير البقية، الحسن الرُّوا، العذب الكلمة، علي ابن العباس بن موسى، وقد أغفل الحزم واختلط بسوادهم اختلاط الثقة بهم، فكانوا أملك به. ولم يسع من بسبتة جارهم المصاقبة الامتناع، فوجهوا من مشيختهم من قرر الأمر وضمن الطاعة. واتفق على تَفِئَةِ ذلك أن وصل سبتة الغراب الموجه إلى الإسكندرية أخريات الأمير أبي عنان، راكب عنقي البحر والبر، مما حدّ له شراؤه من متاع الشرق وطيبه وطرفه، فحط بسبتة، وكانت بضاعته مما جملت العَطَل وموهت الخمول.

стр. 70

ولحق به لما تصيرت إليه طنجة الأحسن بن يوسف الخيري من شيوخ قبيل بني وارتجين، المشار إليه في الصلف والترف والتأنق في فاخر الكسوة، والممتاز بحسن الركض وتفاهة ميدان السلم متوجهاً إلى رُندة، والشريف الندب نسيج وحده في قوة الشكيمة ومضاء الحد وفضل الصرامة، مُطَبَّق المِفْصَل، وفاصل الخطة ومعز الرسالة ومحل الرجولة المستولَى على الأمد، حُسْنَ رواء وفصاحَة لفظ ونصاعة طرف وبراعة أدب وعموم مشاركة وإمتاع، أبو القاسم حسن بن يوسف الحَسَني، ضاق به رحب الدائل، واتهمه بالحمل عليه فصرفه إلى الأندلس مُوَرِّياً بغرض الرسالة تحرجاً من التصدي لمضرته، وإرعاء على منصب شرفه، فارتاش، واستظهر من المريني بقيّوم الوزارة، ومن الشريف بتجديد المجالسة ولسان الدست وظهير التدبير. وسكن من يومئذ المضارب واتخذ بعض الآلة، وتلاحق فرسان الطاعة من أهل الجبل ورندة. وتوجهت إليه الحصَّة من ظاهر البلد الجديد فوصلت قصر كتامة واضطربت به فَبَيَّتَتْها خويلة مع الوزير الأحسن ابن يوسف، هزمتها واستاقت كُراعها وعُدَّتَها، وصرف إليه بعدها منصور بن سليمان العناية، فبعث إليه حصة خشنة لنظر ذَمرٍ من رجال دولته معروف النفرة عن السلطان أبي الحسن وبنيه، مُردَفةً بأخرى لنظر أخويه عيسى بن سليمان وطلحة. ولما صمما نحوه، لاذ بسفح الجبل وأهمَّ من لديه أمرُهُم، ووقع القتال بتناصف القوم، أول أيامه، ثم بان الظفر لأكبر الطائفتين، ودوخل القبائل من غمارة وأطمعوا بالمال فمرجوا في أمره، وهمت به طوائف منهم ونشب بنفسه، لولا أن الله فصل الخطة وفرج عنه الكربة، وهناه المنحة وقسم له الحظ ضربة لازب، لا ربّ سواه سبحانه ولا مبدل لكلماته. وكان من الأمر ما يذكر إن شاء الله. رَجَع: ولما اتصل بالوزير الحسن بن عمر، الثابت المقدم بالبلد الجديد المحصور، عبور الأمير إبراهيم، واتصاله بجبل غمارة، ودخل إليه جاسوسه المهدي باكورة خبره، رفع الأعلام، وشهر الاستبشار، وقرع الطبول مستبشراً به ومظهراً للناس النجح بمكانه فخلخل طاعة حاصره، وفَتَّ في عضده لاختلاف أهواء من لديه واضطرابهم ومَرَه بصائرهم، وغلبة التلاعب بالملكات عليهم، خوراً في الطباع، واحتطاباً في حبال الدائلين، وفي لمة من الفرسان، هاج حفائظهم، واستفسدهم عليه، لمضايقته إياه جاهلاً بوزانه، مخدوعاً في ثمن دُرَّته، مفضلاً عليه يومئذٍ صاحب العلامة، صبياً من ذرية منديل الكناني خالصة دولتهم في القديم أصعر الخد، خلو من الخلال الراجحة، يرى أنه سبط من أسباط إسرائيل الله في دول اليعاقبة، صَارَفَه الجفوة فلم تجزها طباعه الأبية، وارتكب الخطر وتجاوز الأحراس والأهوال فاستقر لديه مُخْملاً كثيراً من صاغية الناس. وتولى للأمير إبراهيم كبرَ الأمر وأحكامه في السرّ خطيب أبيه ورسوله، نسيج وحده وأعجوبة دهره والبعيد الشأو في هذا الميدان، الشيخ الفقيه الخطيب الشهير أبو عبد الله بن مرزوق، متلقى كرة الدولة والمستأثر بعد بالزبدة، فداخل الأشياخ ومهد الطاعة وكاتب في السر وردَّد مُداخلة البلد المحصور فكانت الطائلة لحيلته والبلاء الحميد لدسيسته ليقضي الله أمراً كان مفعولا. والأنْوَكُ المخدوع عن نفسه ذاهل عما وراءه، قد خضب الشيب وأعرس وهو على مقرب الصَمْغَة كأنه أخذ بقول الشاعر: قومٌ إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهارِ وأشار عليه ولده بالقبض على الوزير لما حذره من المداهنة في أمره فغلت يده عنه لينفذ فيه قضاء الله وقدره. وأوحش عميداً من رؤساء جنده المظهرين له على أمره، المناصحين بالجِبلَّة والغُربة لسلطانه محمد بن يوسف بن نصر المنبز بالأبكم الرئيس، البطل البهمة، راكب ظهر التهور، الحميّ الأنف، المرشح بالأندلس للإدالة، المفتتح من حضرة تونس دار الخلافة، جاهلاً بوزانه ومجرياً عليه حكم غماره، فأمر بثقاف حرمةٍ له لم تعرف قط إلا الحجبة، فقارضه سوء الدخلة.

стр. 71

وفي اليوم الثالث عشر من شهر شعبان عام ستين وسبعمائة، نَهَدَ هذا الرجل الموتور مورياً بالقتال ومدافعة من يبرز من حامية البلد، وقد راسل صاحب الأمر به، وصدق الدفاع، وأعطاه من بين يديه الضُّمة فدخل البلد، وقد نالت الجراح كثيراً من أتباعه لخفاء الغرض عن حماة البلدة، وثقات المراصد، وشاع بالمحلة أنه افتتح البلدة ودخلها عنوة، واستركب السلطان المغرور، ووقع النفير فتمخض الأمر عن الزُّبدة، وحصحص الحق بعد الشُّبهة واستراب الوزير المستوحش من وعيد الولد، فتحيز إلى المدينة وسلك سواه مسلكه من الرضا بالمدينة، وحَمِيَتْ أنفس المحصورين وهم شوكة وذمّرهم من لحق بهم، فكانوا لهم أسوة، فبرزوا ينهبون المحلة ووقع البَهْت وغلّت الأيدي ونزل من الله الخذلان. ووقف مغرورهم منصور ابن سليمان وولده موقف الحسرة، وتورطا في شَرَكِ الدَّهش والحيْرة ينشدان الأرحام، ويدْعُوان الذمام ويحترشان ذمم الحرية فلم يُلو إليهما لِيت ولا رُفعت لهما عين، ولا دافعت عنهما يد، ولا رُوعي لهما عهد فانصرفا في شرذمة محروبة تتقاصر عن العشرين فارين على وجوههم إلى جهة بادس. وكان من الأمر ما يأتي به الذكر إن شاء الله. ولما تلاحق وزير الحائن بابن عم عمه الوزير القائم بأمر البلد نازعاً إليه، رابه قبوله وخافه على نفسه، فلم يلبث أن برز لحينه في سبيل المدافعة فصرف وجهه إلى الأمير المقبل أبي سالم وثَنَت الناس الأعنة إليه، فلم يَرُعْه أضيق ما كان خناقه، وأوفر ما كان فرقه، وأقصر ما كان أمله، إلا الخبر بالفتح الذي لم يلبس له لامة ولا اقتحم هولاً ولا تسربل عَجَاجَه، واتصل بالحصص الآخذ بمخنقه، فألقى قوّادها أنفسهم عليه وأخذوا أمانه، فغرب لحينه منهم أخوى طريده إلى بر الأندلس - وتحرك يوماً والناس يتسايلون عليه أثناء طريقه على اختلاف طوائفهم مهنين، وبالطاعة باخعين، وللوسائل مقررين، ومن الذنوب السابقة إلى سلفه مستغفرين، فقوبل كل بصاعه وأجيب ببسط أمله. وخاطب سلطان الأندلس بما نصه:

стр. 72

من عبد الله إبراهيم أمير المسلمين المستعين برب العالمين بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي الحسن بن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي سعيد ابن مولانا أميرالمسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق أيد الله أوامره، وخلد مناقبه الكريمة ومآثره، ووصل لدولته العلية السعود، وأنجز له من مواهب النصر الموعود، وزين بإِعلاء كلمته الوجود، إلى محل أخينا الذي مجده أصيل، وشرفه شامخٌ جليل، وحكم رأيه في حفظ المودة مرضي مقبول، وعلاء همته وزكاء أوصافه السنية وشيمه كاف بتعديد الممادح وإحراز المحامد كفيل، وفي استغنائه عن ترديد الثناء دليل، فزاده تعظيمٌ وتبجيل، ودولته العلية في وجوه الأيام غررٌ وتحجيل، ولعزماته الماضية في حد الشرك تفليل، وفي يد الإسلام بذْل وتنويل. السلطان الكذا بن السلطان الكذا بن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا، أبقى الله دولته العلية فَلكاً يستضاء بكواكبه ويستنار، وحَرَماً يحتمى به من الخطوب ويستجار، وَوَصَل لها سعداً ما تعاقب الليل والنهار، ونصراً يحمد منه في الإسلام الآثار. سلامٌ كريم، برٌ عميم يخص أخوتكم الباسقة الفروع، ذات الفضل الذي هو أوضح من الشمس عند الطلوع ورحمت الله وبركاته. أما بعد حمد الله الذي ألَّف برحمته بين قلوب المؤمنين من العباد، وهداهم إلى التمسك بحبل الطاعة التي بصَّرهم فيها بمواقع الرشاد، وجعل الخلافة حَرَماً آمِناً طهره من دنس الظلم والإلحاد، وكتب الشقاء على من رَامَهُ من غير أهله بما اقترفه من كبائر الفساد، ووعد من استعان بع وتمسَّك بسببه من النصر والإنجاد، والتأييد الذي يمده من الفتوحات بأعظم الإمداد، والصلاةُ والسلام على سيدنا ومولانا محمد النبي الهادي المختار من بيت الشرف الرفيع العماد، سراج النبوة الوقَّاد، والشفيع المشفَّع في الميعاد، وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا في الله حق الجهاد وآوَوْا ونصروا على استيلاء الكفر وظهور البغي والعناد، وأحسنوا بعده الخلف في أمته بالاتباع لأوامره والانقياد، وصلة الدعاء لهذا الأمر العلي المؤيد الكريم السلطاني المستعيني الإبراهيمي بالنصر الذي يُجري جياد البشائر في أفسح الآماد، والفتح الذي يرتاد محلنا السامي أي ارتياد، والتمكين الذي يقر جنبات السيوف في مضاجع الأغماد. فإنا كتبناه إليكم كتب الله لكم سعداً تنتظم في قلائد المجد دُرَرُه، وعزاً تتضح في وجوه الأيام غرره، من منزلنا الأسعد بأمر جن يمنه الله، والأقدار في مساعدة أمرنا الكريم نافذة وماضية، وأجياد الملك بالبشائر المتتابعة، والمسرات المرادفة حَالية، ووفود الفتوحات على بساطنا الأشرف مزدحمة متوالية، ومُقَدّمات النصر من شوائب العناد سالمة، وعن الأوهام الكاذبة عارية، والحمد لله على ذلك حمداً نستزيد به عوارف جوده، ونستدر به أخلاف مذخوره، من النعم وموعوده، والحب فيكم صميم، والود في إخائكم ثابت سليم، والحمد لله على ذلكم وعنايتنا بجانبكم موصولة بالخلوص مشفوعة، وأحاديث مصافاتكم في الحسان العوالي مرفوعة، وشِيَمُ مقامنا الكريم على مشايعتكم ومؤازرتكم مطبوعة، وإلى هذا وصل الله سعادتكم وحَرَسَ بتوالي النصر والتأييد مجادلتكم وأجزل من مواهب الفتح إفادتكم. فإنكم علمتم خبر سفرنا وما كان إليه بعد خروجنا من غرناطة المحروسة مآل أمرنا، وإنا لما اتصل بنا شأن الحضرة وقوى ما كان عندنا على سرير الملك من الغيرة، خرجنا وقد اشتهر من ذلك ما اشتهر، نحاول ملكاً أو نُعذر، فاتخذنا سبيلنا في البحر عجباً وجعلنا الفلك المشحون لوصولنا إلى الحضرة سبباً، فلما انتهينا إلى هذه العدوة وآوينا منها إلى أسعد ربوة، طفقت البلاد تصافحنا بيمناها، وتستبشر من دولتنا الكريمة ببلوغ مناها، وتبث إليها من التشوق إلى دعوتنا العلية شكواها، وتفتخر بالانتظام في سلك طاعتنا وتتباها. وعلمت أنه قد نَهَدَ إليها معاذُها، وقوى على حين توهُّم الصعب ملاذُها. وآن أن يقام الحق والعدْل فيها، وأن يغمر ظل الأمن والعدل نواحيها وبادر إلى التمسك بالطاعة الكريمة أهل الجبل وطنجة وأصيلا وقصر المجاز وجميع البلاد الريفية والقبائل الغُمَارِيَّة، وكان الشقي الخاسر منصور ابن سليمان، قد امتدت في الفتنة مطامعه، ونَبَتْ عن قبول النصائح في طلب ما ليس له

стр. 73

مسامعه، ففسح مجال آماله التي ضيَّقها القدر وصَرَمَها، وأوقد نار الفتنة على من بحضرتنا من الأولياء وأضرمها، وبذل في التضييق عليهم ذخائر الأموال، وأنفق في حصارهم أعمار الرجال، فلم يحل بطائل، ولا ظفر منها والحمد لله ببغية آمل، ووصلتنا كتب وزيرنا الحظي لدينا الشيخ الأجل الأسنى المعظم الأكمل أبي علي الحسن بن عمر أعزه الله، يستصرخ بنا ويستنجد على الأشقياء بحزبنا، فأجبنا داعيَهْ، وحمدنا في حماية حضرتنا الكريمة مساعيَه، وأعملنا إليه الركاب، وقدمنا في نصره الأسباب، ونزلنا بسريف يمنه الله بمقربة من القصر الكبير، وكان الشقي لما خامره من أمرنا الرعب، وعلم أن ما وَطِئ من هذا الأمر موطئ يغيظ المؤمنين صعب، وجَّه أخويه عيسى وطلحة إلى القصر بجمع اعتقد ولاءهم في مغالبة أمرنا ومدافعة حزبنا ليقفوا هنالك، ويسد علينا بجمعهم الوافر الطرق والمسالك، وكان مع الشقي جماعةٌ من قبيلنا أعزهم الله، دعاهم إلى الوقوف معه داعي الاضطرار، وسلمت عقائدهم من الاعتداد بأمره والاغترار، فجعلوا يتسللون إلينا لِوَاذاً، ويودُّون لو يجعلون كبيرهم الذي لا يرجعون إليه جُذاذاً، علماً منهم بضعفه عن الولاية، وأن مبدأ ملكه لا يصل إلى الغاية، ثم اتصل بهم أن أمرنا قد أُمِر، وملكنا بعد إشفائه على الخراب قد عُمِرْ، فنبذوا دعوتهم بالعراء، وشحذوا عزائمهم لنصر دولتنا الغراء، وانفضوا من حوله وإن لم يكن لأجل استيلافهم فظاً، ودانوا بطاعتنا الكريمة ومحبتنا اعتقاداً ولفظاً، وأشرقوا الحائن بريقه، وأسلموه لمن تابعه من فريقه، ففر والرعب قد ملأ فؤاده، وسعادة أمرنا العلي مالكة إن شاء الله قياده، وقصد هو وولده وثلاثة من الفرسان ميمماً إلى جبل أكان الذي فيه إن شاء الله حتفُه، ولنا الاستيلاء عليه بعناية الله، وإن رغم أنفُه. وتفرق أولياؤه فرقاً، وسلكوا في طاعتنا سُبُلاً حميدة وطرُقاً، فمنهم مقتصد وقف مع وزيرنا المعظم أبي علي الحسن بن عمر أعزه الله ليكمل عقد الطاعة، وينتظم بمحبتنا وخدمتنا في سلك الجماعة، ومنهم سابق بالخدمة لم ير الغاية إلا في الوقوف ببابنا، ولا جعل قصده إلا في اللحاق بركابنا، قد تسابقوا إلى بابنا الكريم يصلون السُّرى بالتأويب، ويهتدون من أسِنَّتِهِم وعزائِمِهم بكل شهابٍ ثاقب في كل طريق ملحوب. وأما الوزير أبو سرحان مسعود بن رحو وكان ممن نقض عرى دولته وسعى في محو كلمته، فإِنه بادر إلى خدمةٍ تزكي عمله، وتبلغه من رضانا أمله، فاعتمد أولياءنا الأقربين، وبطانتنا المظفرين، وقصد الذين بالقصر ليصادف فيهم غِرَّه، ويُذهب عن منصب الملك بمحو آثارهم معرّة، ويتَحيَّل في القبض على أخوي الشقي، ويتقرب إلينا بأثر من نصائحه جَلِي. وفي خلال ذلك اتصل بالقوم ما وقع بفاس، فارتبكوا في أمرهم، وخلوا إلى شياطين طغيانهم وكفرهم، ثم إن الله سبحانه أيقظهم للهُدَى، وهيأ لهم من أمرهم رشدا، وبصَّرهم بمواقع الطاعة فالتمسوها، وأنسوا أنوارعفْونا اللائحة فاقتبسوها، فألقَوْا يد الطَّوع والإذعان، وهداهم الله إلى استكمال عقد الإيمان، وتحقق الوزير أبو سرحان خبرهم، واقتفى أثرهم، واجتمع طريقه بالقوم الذين استعجلوا إلى حضرتنا الكريمة، فوردوا في حين واحد، وشعارهم محبتنا التي أطلعت لهم الشك يقيناً، وطاعتنا التي لم يعتقدوا إلاَّ الوفاء بها وليّاً ولم يتقلدوا غيره دَيْناً، فصرفنا إليهم وجه القبول والإقبال واضح الجبين، ورفعنا لهم راية العز والإحظاء فتلقوها باليمين، وبرزنا إليهم والنصر قد عقد علينا لواءه، وهذا اليوم الأغر قد أرانا من الفتح ما وراءه، وازدحموا على ركابنا العَلي متفيئين ظلال العدل والأمان، وبايعونا بيعة رضى ورضوان، وضربت الطبول، وخفقت البنود، وأمن الرعايا، واستبشرت الجنود، وأنجز لنا من الله الموعود، ومن الله سبحانه نستوهب نصراً يردف هذا الفتح بمثله، وتأييداً يغني المقاتل عن هَزّة رمحه وسلِّه نصله. وسيق الذين بالقصر إلى محلنا الكريم يعثرون في لباس الذل والهُون ويرتعون حول حمىً من المنون، فأعطوا الطاعة عن يد وهم صاغرون، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، فَرَدَّدْنَا النظر وعلمنا أن الكريم يعفو إذا قَدَرْ، وقلنا إن عاقبنا فالعذر أجلى وأوضح وإن عفونا فالسجايا أندى وأسْجَح؛ لكننا إلى الأدنى من الله أجنح. فأوسعناهم عفواً وأوردناهم من

стр. 74

أمواج حلمنا صفواً، وسكَّنا بالصفح روعهم، وأذهبنا بالوعد الجميل خوفهم وجزعهم، وبعثنا أخوي الشقي صحبة القائد الأنصح الأثير المرعى قاسم بن أبي بكر بن بنج إلى عدوتكم المحروسة ليقر لهم فيها القرار وتطمئن بهم بحسب عفونا في جواركم الدار، ورحلنا صبيحة يومنا قافلين إلى الحضرة الكريمة مستعينين بالله في تتميم دعوتنا العلية، ونزلنا بهذا المنزل فوصلتنا أخبار وزيرنا المعظم أبي علي الحسن بن عمر أعزه الله، وأنه آخذ جهده في الخدمة ومتمسك بأمور الطاعة المهمة، وإنه وجه إلينا المال وآلات السلطان جميعاً وهم واصلون على الأثر بعد أن كانت كتبه وصلتنا أمس التاريخ، يستحث ركابنا، ويوصل بالحضرة أنسابنا ويقر من طاعتنا بالواجب، ويسلك في الخدمة والمحبة أسنى المذاهب، ونحن لا نزال نبرم عقد مودتكم وإن كانت الحال دعتكم إلى نقضه، ونعلم وضوح عذركم فيما فرط من الإخلال بفرضه، فنوافي لديكم سار أنبائنا تقريراً للمناصحة التي خلصت سراً وعلناً، والمحبة التي أنبتها الله من حَبَّة القلب نباتاً حسناً، والمشايعة التي نعتقدها شريعة ونتمسك بها سنناً، والمعاهدة التي تنيلكم في جهاد أهل الكفر أملاً، والمؤازرة التي تطلع لكم من آفاق دولتنا الكريمة شُهُبَ النصر قواضباً وأَسَلاً، ورعياً لما بين أسلافنا رضوان الله عليهم من الوصلة التي أسَّس مبانيها الجِوار، والمودة التي حَسُنَت في غاياتها ومبادئها الآثار، وتجديداً لذلك العهد، ولإن تقادم أمدُه، وتأكيداً لحُكْمِهِ الذي عظم بالمؤازرة مددُه. ولما بيننا من المواصلة في السر والجهر، وعندنا من المساهمة لكم في الحلي والمر، أعلمناكم بهذه الأخبار، وأفصحنا لكم عن جميل الاعتذار عملاً على شاكلة المساهمة، وحفظ المودة التي لم تزل على أصولها قائمة، ودفعاً لما عساه يلحقكم من الخجل في ذلك، وسلوكاً من مراعاة ودكم على أجمل المسالك وسيتضح لكم عند وصولنا إلى الحضرة الكريمة شواهد هذا الدليل، ويظهر ما أضمرناه لكم من الوعد الجميل، فثقوا بذلك وأفسحوا في جهاد أهل الكفر مجال آمالكم، والله يضاعف لكم التأييد والنصر، ويطلع لدولتكم الزمن النضر، ويضاعف لكم الاقتدار ويجري في مساعدة أمركم الأقدار، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

стр. 75

كتب في يوم الأحد العاشر لشعبان المكرم من عام ستين وسبعمائة، عرف الله خيره وبركته وهو المستعان وكتب في التاريخ المؤرخ به. وصدرت المراجعة بما نصه:
следующие страницы →