Полный текст (148 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
الجزء الأول
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلاة على سيدنا وعلى آله وصحبه
قال عبيد الله سبحانه، الراجي عفوه وغفرانه، خالد بن عيسى ابن أحمد بن إبراهيم بن أحمد بن علي بن خالد البلوى، لطف الله به وأخذ بيده وبرحمته آمين.
الحمد للذي فرض حج البيت على من استطاع إليه سبيلا، وجعله تأسيس إبراهيم خليلا، وقال وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا، ومن أصدق من الله قبلا، وجعل جزاء الحج المبرور الجنة، وأصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا، نحمده على نعمه التي قدمها ظلا ظليلا، وأولاها مقاما ورحيلا، ونصلي على نبيه محمد الذي بعثه بالحق رسولا، وفضله على جميع مخلوقاته تفضيلا، وأنزل عليه الكتاب تبيانا لكل شيء وتفصيلا، وعلى آله وأصحابه الذين سلكوا سبل نصرته وخدا وذميلا، وذللوا بين يديه أعناق الجبابرة تذليلا، وجردوا الإماطة صدأ الدين عضبا صقيلا، ومهدوا سنة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا، ونستوهب من الله سبحانه لأملاكنا الكرام من آل نصر الذين تبوأنا في أيامهم من العدل كل وثير المهاد، وجمعنا بفضل مساعيهم المبرورة، وتحت رايتهم المنشورة المنصورة بين الحج والجهاد، أن يجدد الرحمة على من قضى منهم وسلف، ويتم النعم على من خلف، ويخص بالتأييد والحسنى والمزيد، رافع رايات فخرهم، والقائم بأعباء نصرهم، والمجدد لآثارهم ومآثرهم، والمحيي لمكارمهم ومفاخرهم، فخر الملوك الجلة، وناصر الملة، والبدر الذي زان أفق الملك من أبنائه السعداء والأمراء بالنجوم والأهلة، إمام الهدى، وغمام الندى، وحسام الله المسلول على العدى مولانا السلطان أمير المسلمين وناصر الدين، أبا الحجاج يوسف بن مولانا السلطان هازم أحزاب المشركين وقد جاشت، ومسلط سيوفه العضاب على عاتي تلك الرقاب فما استنت ولا حاشت، أمير المسلمين المقدس السعيد الشهيد، أبى الوليد ابن نصر، وصل الله لهم عادة تأييده وعضده، وحباهم بكل نعمة من عنده.
هذا تقييد، أطلعه عون من الله وتأييد، قصدت به ضبط موارد الرحلة الحجازية، وذكر معاهد الوجهة المشرقية، جعلها الله تعالى في ذاته وابتغاء مرضاته، بمنه وكرمه، وألممت مع ذلك بذكر بعض الشيوخ من العلماء الفضلاء الذين يطئون ذيول البلاغة، ويجرون فضول البراعة، ولهم كلام يتألق منه شعاع الشرق، ويترقرق عليه صفاء العقل، وينبث فيه فرند الحكمة، ويعرض على حلى البيان، وينقش في فص الزمان، ويحفظ على وجه الدهر، ويفضح عقائل الدر، ويخجل نور الشمس والبدر وألمعت بذكر نبذ من فوائدهم، واختيار طرف من أناشيدهم، ومزجتها بما جرت إليه العبارة، وحسنت فيه الإشارة، من قطع الشعر المناسبة قطع النور، المنتظمة من جواهر اللفظ، البعيدة الغور، الغريبة الحفظ، الآخذة من الحسن باوغر الحظ، مقتديا في ذلك كله بقول القائل:
قالوا خذ العين من كل فقلت لهم
في العين فضل ولكن ناظر العين
حرفان في ألف طومارمسودة
وربما لم تجد في الألف حرفين
ولما بوبت ما ألفت، ورصعت ما جمعت، وشعشعت ما وضعت، فجاء كما تراه حسن الزي، عذب الري، عالي القدر، غالي الدر، مسبوك الحلية والتبر، فيه للمسمع مراد، وللفكر معاد، وللألباب مسرح ومرتاد. سميته: بتاج المفرق، في تحلية علماء المشرق. ودعوت الله تعالى في مواطن الإجابة، أن يوفقني فيه للإجادة والإصابة، وأن ينفع به كل من يلتمس النفع به في المطالعة أو الكتابة، وهو سبحانه سميع الدعاء، مجيب النداء، محقق الرجاء، وهو حسبي ونعم الوكيل. فأقول مستعينا بالله سبحانه: أني خرجت قاصدا للحج، وطالبا للعلم من بلدي قتورية: البلد الذي طال سناه، وطاب مغناه، وانتطق بالجوزاء، وناجت أبراجه بروج السماء، فكأنه في الحصانة جبل منيع، وفي الحسن ربيع بديع:
بلد صحبت به الصبابة والصبا
ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته
وعليه أغصان الشباب تميد
فوقع اتفاق الخروج من صحوة يوم السبت، الثامن عشر لصفر من عام ستة وثلاثين وسبعمائة، مودعا لجميع الأهل، ومتجرعا من ذلك ما ليس بالعذب ولا بالسهل:
ودعت قلبي يوم ودعتهم ... وقلت يا قلبي عليك السلام
وقلت للنوم انصرف راشدا ... فان عيني بعدهم لا تنام
стр. 2
محرم يا عين أن ترقدي ... وليس في العالم نوم حرام
وكان لذلك الوداع موقف مشهور مشهود، نثر فيه من جمان الدمع لؤلؤ منظوم منضود، وفيه قلت:
موقف للفراق أرخص فيه ... كل در لنا وكل عقيق
بجموع كوجدنا في اجتماع ... ودموع كالشمل في التفريق
وقد أعدت الركاب، وطاشت الألباب، وحضر للوداع جميع الأحباب، وأنا أصبر كصبر ميت على النزاع، وأقول ما خلق الله من عذاب أشد من وقفة الوداع، أعالج السياق، وأعاين المنايا بين أخفاف النياق:
أقول لصحبي حين ساروا، ترفقوا ... لعلي أرى من بالجناب الممنع
والثم أرضا ينبت العز تربها ... وأسقى ثراها من سحائب أدمعي
وينظر طرفي أين أترك مهجتي ... فقد أقسمت أن لا تسير غدا معي
وما أنا ان خلفتها متأسفا ... عليها وقد حلت باكرم موضع
ولما تبرأ التابع من المتبوع، وطفئت نيران الوداع بمياه الدموع، وعطف المودعين لي بالعودة لقطرهم والرجوع، وهم بين راجع بالجسم وهو لي بالقلب مصطحب، وضاحك بما يرجوه لي وهو على وداعي منتحب، أخذت في الارتحال، وأنشدت بلسان الارتجال، بل بلسان الحال:
ليت شعري أنلتقي بعد هذا ... أم وداعا يكون هذا اللقاء
فاذكروني وزودوني دعاء ... خير زاد تزودوني الدعاء
ثم امطيت الطرق طريقه، ولم أبلعه في الأناة ريقه، والفراق يردى فريقه، وقلت:
أأذهبت، أيام الشبيبة والنوى ... وأتلفت باقي العمر؟ يا ضحوة السبت
فقل لجديد العيش: لا بد من بلى ... وقل لاجتماع الشمل: لابد من شت
وسرت بعزمة لا يفل حدها، ولا يتجاوز حدها، وخرمة لا يثنى رسنها، ولا يلم بعين وسنها، وأخلقنا في السير شباب ذلك النهار، وجاريت بدموعي جريان تلك الأنهار، وبت بساحة واد حللنا به بين ظفر التوحش ونابه، أكن الوجد ما غاية الثكلى ان تكنه، وأجن من الحنين ما لا تطبق الجوانح أن تجنه، وأردد:
أهذا ولما تمضي للبين ليلة؟ ... فكيف إذا مرت عليك شهور!
حتى إذا بقى من الليل حد الوصية من المال، قضينا على معزول السرى بالاستعمال، وسرت أحمل أنفاس الصبا حقائب الوجد، وأتمتع من شميم عرار نجد، فما طلع من الغد وجه النهار، ولا بدا فيه حاجب الأسفار، إلا وقد أشرفنا على) المرية (، تتلع إلينا أجياد قصابها وغرفاتها وتبتسم عن ثغور أسوارها، وبلج شرفاتها، كالعذارى شددن مناطفا، وتوجن بالأكيل مفارقا، كأن ترابها عنبر، وحصاها عقيق، وهواها نسيم وماءها رحيق، مغان لها عندي معان وأماكن، فسكانها للنفوس سواكن.
دمن طالما التقت ادمع الح ... زن عليها وادمع العشاق
فهناك شاهدت الظباء مختلطة بالآرام، والغزالة أنيسة النفور والشادي يبادر بالسلام، والعطف من العطف لا يخلو، والحقف بحمل الغصن يمر في كل حين وكلما مريحلو، فحمدنا عند الصباح السرى ودخلنا المدينة أم تلك القرى:
ألوى الضلوع من الولوع بخطرة ... من شيم برق أو شميم عرار
وأنيخ حيث دموع عيني منهل ... يروي وحيث حشاي موقد نار
وعند دخولنا إليها مررنا على بعض البساتين المجاورة لها، فحيانا بوجه مشرق، وحبانا من مذانبه برواء مغدق.
ودولاب إذا أن ... يزيد القلب أشجانا
سقى الغصن وغناه ... فما يبرح نشوانا
فدخلت المدينة بقلب غير داخل، وتلقيت المنام بطرف شحيح بالكرى باخل، وكلما فتشت للأوطان في فكري ذنبا، اجعله سببا للسلو، أو عيبا أركن به إلى الراحة والهدوء، قال الاختبار لا سبيل إلى ذلك، وجعل يعرض علي من حسناتها ما جلا به ظلام الليل الحالك، ولولا أني رجعت إلى جميل الصبر بعد الذهاب، وعللت الروح التي راح سرها لقرب الإياب، لأمسيت أثرا بعد عين، ولكنت أحد من قتله يوم البين:
البين جرعني نقيع الحنظل ... والبين أثكلني وان لم أثكل
ما حسرتي! ان كنت أقضي إنما ... حسرات نفسي أنني لم أفعل
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل
стр. 3
فحللت منها المحل المودود، وحللت بها المشدود والمعقود، وجددت بعلمائها العهود، وأقمت الازم منها معهدا مألوفا، ومشهدا بالحبائب محفوفا، إلى أن تهيأ غراب دار الصنعة، وتيسر اندفاعه في يوم الجمعة، فجددت الوداع، وشاع خبر الجواز وذاع، وفارقت من فارقت لا عن ملالة، وودعت من ودعت لا عن تعويض، وركبت فيه بباب الديوان في يوم الأحد، السابع لجمادى الأولى من العام المذكور ثم وقفت ماشيا على الماء وقفة المتسلم، وودعت الأندلس وداع المتأمل المتألم، وأنشدت:
خليلي هذا موقف من متيم ... فعوجا قليلا وانظراه يسلم
وسرنا في أطيب هواء، واحسن استواء، إلى أن وافينا) مرسى هنين (فنزلنا بها ضحوة يوم الثلاثاء، التاسع لجمادى الأولى المذكور، فرأيت بليدة نضيرة، لا كبيرة ولا صغيرة، جميلة المنظر، متوسطة بين الصغر والكبر، موضوعة أسفل جبلين، بين بحر وشجر، يخفضها ارتفاع قلعة، دار صنعة، وأسواق موفورة، ومساجد معمورة، ولقربها من الأندلس هي مذكورة، لقيت بها الخطيب، أبا عبد الله بن جابر، فجبر الوحشة بالإيناس وأنشدني لبعض الناس:
أبشر بخير عاجل ... تنسى به ما قد مضى
فرب أمر مسخط ... لك في عواقبه الرضى
ثم خرجت منها صبيحة يوم الخميس، الحادي عشر لجمادى الأولى المذكورة وسرنا نلتهم الأرض التهام الضمير نرتبط بالجد ارتباط الفعل بالضمير، إلى أو وافينا مدينة) تلمسان (، فحللنا به ضحوة يوم الجمعة، الثاني عشر من الشهر المذكور، فرأيت مدينة قل مثلها، وجل عرارها وبانها واثلها، بطاح وادواح، وربى ملاح، وضياء وانشراح، وبسيط له اتساع وانفساح، ومياه لها على در الحصا انسحاب وانسياح، وروضات يعتري ويعترض إليها اهتزاز وارتياح، وجنات ريقها ندى وثغورها اقاح، فسيحة الأرجاء، صحيحة الهواء، ممتدة الغاية في الحسن والانتهاء، جوها صقيل، مجتلاها جميل، ونشرها أريج النفس عليل.
وأرض من الحصباء بيضاء قد جرت ... جداول ماء فوقها تتفجر
كما سبحت تبغي النجاة أراقم ... على روضة فيها الأقاح منور
وكم للعباد من أطراد مذانبها واخضرار جوانبها، من نفحات رحمة، وبيضاء تربى على كل مستحمة، تحييك بالوجه الوسيم، وترى الغصن يصلى بتحيات النسيم، فنزلت منها بالمحلة المنصورة، الحاضرة للمدينة المذكورة، محلة السلطان العادل، الهمام الباسل، ملك الإسلام والمسلمين وناصر الدنيا والدين، أبى الحسن بن السلطان الفاضل الغمام الهاطل، أمير المسلمين، نخبة الملوك والسلاطين، أبى سعيد العابد، المرابط المجاهد أمير المسلمين، المجاهد في سبيل رب العالمين، أبى يوسف يعقوب بن عبد الحق المرينى، أيدهم الله تعالى وأسعدهم، فما حططنا الركاب، ولا وضعنا الاقتاب إلا والشمس يتبين زوالها، وطهارة المكتوبة يتعين استعمالها فأمطنا وعثاء السفر، وأخذنا في غسل الجمعة بالأثر، ثم تمتعنا بالخطبة والخطيب، بعد أن أخذنا بحظ وافر من الطيب، والعود الرطيب، وند ما له ند، تعاطيه من السنة، إذا أدخلته النار حكى رائحة الجنة، وجلنا في المحلة، وهي روض يثمر خيلا وأعنة، وبحر يزخر قنا وأسنة، وذوائب الأعلام تخفق، وألسنة عذباتها تكاد بالنصر تنطق، والأحوال قد استقامت، والأخبية على القاعدين فيها قد قامت، وهي مبيضة كسقيط الثلج، مصطفة كبيوت الشطرنج، وقد أشرق الجو بإشراق الخمائل والنبات وأشرف على مدينة أحدقت بها الأزهار والأنهار من جميع الجهات، فأقمنا هنالك درر الأنباء، ونحتلب در النعماء، وأنا امرح في جهاتها، مرح العين في منتزهاتها، حتى تمتعت في ذلك الجمع الحافل، بلقاء جماعة من الأفاضل، وأنشدني بعضهم لبعض أهلها وهو الكاتب أبو بكر بن الخطاب، رحمه الله تعالى، وهو مع سائر نظمه عندي بالإجازة عن الشيخ الخطيب المحدث الحاج الفاضل أبى عبد الله محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن رشيد الفهري ﵀، قال أنشدنا شيخنا الكاتب الأديب البليغ أبو بكر بن خطاب بتلمسان لنفسه:
سرى البدر فارتاع الفؤاد لومضه ... فبت وجفني لم يذق طعم غمضه
تبدى كعرق في الغمامة نابض ... يدل على سقمي تواتر نبضه
سجدت له لما تراءى يمانيا ... وأكملت من دمعي طهوري لفرضه
وقضيت من حق الصبابة واجبا ... برئت من العشاق ان لم أقضه
стр. 4
وذكرني عصر الشباب وطيبه ... وعيشا تحلينا مليا بغضه
وعهدا شددنا عقده بيد الوفا ... فلا بطشت كف تمد لنقضه
فيا ساري البرق الذي ضاعف الأسى ... على دنف ما زال يشقى بنضه
أعندك من أهل العقيق رسالة ... أقارضك عن إبلاغها خير قرضه
وإلا فبلغهم تحية موجع ... يعاني الذي ينهد رضوى لبعضه
وجرد على واديهم ذيل ديمة ... تنمنم بالأزهار صفحة أرضه
حنيني إلى الوادي لأجل جوارهم ... مجاورة المخفوض تعدى بخفضه
ثم زرت تربة ولي الله تعالى ابن مدين مرة أولى وثانية، وأقمت بالمحلة أياما ثمانية، وكان خروجي منها ورحيلي عنها في صبيحة يوم السبت، الموفى عشرين جمادى الأولى المذكور، ولم نزل نقطع مهامه قفار، ونجوز في أودية وبحار، ونشاهد من الأرض والسماء كل نهر سائل وغيم مدرار، إلى أن وردنا) مدينة الجزائر (، في آخر يوم الخميس الثاني لجمادى الثانية من العام المذكور والليل قد غول، والنهار قد تحول، والقلب لا يصبو إلا لأول منزل، ولا يحن إلا إلى الحبيب الأول، ولما طرزت طرة الظلام يد إلا صباح، وأرسل الفجر في رداء السحر خيط الصباح أسرعنا مبادرين، وبادرنا مسرعين، وتفرقنا في سكك المدينة أجمعين، فرأيت محيا صبيحا وتربا مليحا ومسجدا عتيقا، وبناء أنيقا، وأناسا قد سلكوا إلى الحسن والإحسان طريقا، من مدينة أقسمت بعلو هضابها إلا بفوز مبسم الثريا برشف رضابها، فلا ترتقيها إلا الظنون، وكأنها ضب ومن يطمع فيها نون، قد أحاط بها البحر إحاطة السوار بالزناد فألبس ذلك الجسم روح المجد، وركب خلائق الوهد على ذلك النجد، فأقمنا بها نحكم في حزن الأنس وسهله، حكم الصبي على أهله، حتى قرب أمد الرحيل، وغلب واجبه على المستحيل، فعزمت على الخروج، وسرت على بياض ذلك الساحل وخضرة تلك المروج.
يا بياضا أدرى دموعي حتى ... عاد منها سواد عيني عقيقا
وخرجنا في صبيحة يوم الاثنين السادس لجمادى الثانية المذكورة فدخلنا في أمر عظيم، وطريق غير مستقيم، وعذاب يوم عظيم، نصعد على التهائم ونغور في النجود ونسلك كل مخدع لم يكن بالمألوف ولا بالعهود. ولا كان مسلكا إلا للذئاب واللصوص والأسود، إلى شعراء بالخوف مشعرة، وأرض خالية مقفرة، وجبال منخرقة في الجو وعرة، تقطع الأسباب، وتخلع الألباب، وتذكر الصراط والميزان والحساب، وأظن الخطابي إياها عنى بقوله:
سلكت عقابا في طريقي كأنها ... صياصي ديوك أو أكف عقاب
وما ذاك إلا أن ذنبي أحاط بي ... فكان عقابي في سلوك عقاب
стр. 5
فبقينا نكابد عظيم ذلك الأمر، ونسير ولا نفارق ساحل البحر، ونرقى العنق التي تقربنا من السماك وتدنينا من النسر، وقد اشتد البرد، وبلغ الجد، وفرع الجهد، ووقع الثلج، وعمى النهج، وابتلى به الفج والمرج، فتصبح وصباحنا أبيض، وجناحنا لا ينهض، والعروق لا تنبض، والبروق لا تومض، والخيام لجمودها واقفة على غير عمودها، والنيران مقرورة، وشفاه الجليد مطرورة، والزناد كابية، والصعاد نابية، والوجوه في عبوس، والوجود في بوس، وقد جمدنا كأننا بلا نفوس، فنبت الأيدي على ان تبطش، والأقدام عن أن تنهض، وأسود يومي منه وان كان به أبيض، وجاءت السماء بسيل عرم، ولهب قر يضطرم، وقد صوب الغمام سهامه، ولبس الجو لحرب المحل لامه، فلم يبق قطر إلا وقد نفدت فيه تلك السهام، ولا أفق إلا وعلاه من خيوط الودق المحتبسة مثل القتام، فلا أحد إلا وجد من ذلك ما أقلقه، وأحرق قلبه بتواليه وان كان في الحقيقة أغرقه، وسرنا والعناء قد بلغ منا الغاية وانتهى بنا إلى النهاية، حتى وصلنا إلى) بجاية (، فدخلناها في يوم الاثنين الثالث عشر لجمادى الثانية) المذكور (بلدة قدرها خطير، وذكرها في كل زمن يطير، وخطابها من الملوك كثير، ومحلها من النفوس أثير، فكم هاجت من كفاح، وملت عليها في بيض وصفاح، يمتد أمامها بسيط أخضر، مد البصر قد أجرى الله فيه مذانب الماء تسقيه، وتضرب في نواحيه، كأنها سبائك اللجين ممدودة في بساط الزبرجد، محفوفة بالزمرد والعسجد، والبساتين ملتفة الأشجار، يانعة الثمار، والنهر الأعظم ينساب بين يديها قد انعطف عليها انعطاف السوار، والحدائق تنتظم بحافيته، وتفيء ظلالها الوارفة عليه، فهي النضيرة الدوح، العذبة الأنهار، الطيبة الهواء المشرقة الأضواء، التي اجتمعت عليها الأمراء، وسلم لها الهواء، وشيد فيها البناء، وبعد لها الصيت المدود والثناء، انتظم فيها من الوادي والبحر، قلادتان على ذلك النحر، قد حلينا ذلك البلد، وتجلينا كوالد وما ولد، قد مرجها الله بحرين يلتقيان، بينهما برزخ لا يبغيان، فإذا ضاحكتهما الشمس أنعكس الضياء، وزاد الاحتفال في النور والأفياء، إلى حدائق قد انتظمت انتظام الأحباب، وشقائق ترفل في أثواب الشباب، وتسدل أذيالها بين تلك القباب.
ورياض كأنما نثرت فو ... ق ثراها حريرة خضراء
أعين النرجس الجنى نجوم ... واخضرار الرياض منها سماء
للثرى تحتها شيات وللما ... غطيط وللغصون لقاء
فأول من لقيته من أرباب المحابر، وركاب أعواد الكراسي والمنابر، فاضل الأفاضل وكبير الأكابر، الشيخ العالم المحدث، أبو عبد الله محمد بن جعفر ﵀، قصدت لقاءه والأخذ عنه وقدمته وكنت أسمع من ملفوظ حامده، ومحفوظ محامده، ما هو بغية السامع وحلية للمسامع، فلما رويت من مكارمه ما رويت، استصغرت ما سمعت لعظيم ما رأيت واستقللت ما سمعت أذناي، لما عاينته عيناي، وأنشدت لنجم الدين بن مهذب الدين:
كانت محادثة الركبان تخبرني ... عن مجدكم وسناكم أطيب الخبر
حتى التقينا فلا والله ما سمعت ... أذني بأحسن مما قد رأى بصري
فأنزلني بمنزله الكريم، وقابلني بالترفيع والتكريم، وأقمت معه فيه يفيض على من كرمه بحرا زاخرا، ويفاوضني من علمه منهلا لا أجد له أخرا، ويرويني بمسوغاته الفاضلة، ويرويني من مسوعاته الحافلة، فلا أدري من أي بحريه أعجب، ولا أيهما أروى وأعذب، حتى قلت له:
أبكيت عين الغيث لما فته ... كرما فثغر البرق منه يضحك
فارتاح وتهلل، وأكثر من الأفضل وما قلل، وجرى على عادته في المكارم والانطباع فأنشدته:
ولو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع
стр. 6
سمعت عليه تصانيف كثيرة، وأجازني وكتب لي بخطه، وكان ﵀ إمام هدى وعدالة، ووحيد معارف وجلالة، حالي الرواية، كامل المعرفة والدراية، رصين العقل، إماما في التحديث والنقل، متفاوت الكرم، بعيد الهمم زكي الشيم، حسن المفازع، مليح المبادئ والمقاطع، واقعا من النفس أحلى المواقع، ذكر لي: قال ذكر لي الشيخ القاضي أبو العباس الرندى قال: كنا جلوسا بحضرة تونس مع القاضي بها أبى العباس ابن الغماز لارتقاب شهر شوال، وإذا بطفل صغير وسيم قد نظر ورآه قبلنا فقال القاضي ابن الغماز: كنا جلوسا مع الشيخ أبى الربيع بن سالم الكلاعى بمدينة بلنسية لارتقاب هلال شوال فأول من رآه غلام وضئ الوجه من قرابة الشيخ، فارتجل الشيخ ساعتئذ:
توارى هلال الأفق عن أعين الورى ... وغطى بسجف الغيم زهوا محياه
فلما أتى) شقيقه (ليزوره ... تبدى له دون الأنام فحياه
ومما أنشدته فاستغربه وحفظه وكتبه، ما أنشدني الشيخ الخطيب المحدث الحاج الفاضل أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد إجازة قال أنشدني ناصر الدين نصير بن أحمد بن علي المصري المناوي الحمامي بحمامة بمصر لنفسه في فتى اسمه فرج الله على طريق التورية.
أقول لقلبي وقد ذاب في ... هوى شادن حاز حسنا غريبا
تصبر إذا كنت في شدة ... عسى فرج الله يأتي قريبا
وأنشدني لبعضهم عند الوداع:
يا راحلا ودموع العين تسبقه ... هل من سبيل إلى لقياك تتفق
ما أنصفتك جفوني وهي دامية ... ولا وفى لك قلبي وهو محترق
وقد أفادني من فرائد الفوائد، ما لا يفيده إلا فرائد العلماء إلا ما جد، كانت مجالستي إياه ببجاية آخر العهد به فأنه توفي بعد انفصالي منها ونزوحي عنها على أحسن ما أجرى الله حاله عليه من حسن السيرة وخلوص السريرة، جدد الله عليه من الرحمة والمغفرة، وجعله من الذين قال الله فيهم وجوه يومئذ مسفرة، ثم لقيت بها جملة من الفضلاء وجلة من العلماء قد ضمهم الولاء في فلكه:
لهم همم كما شمخت جبال ... وأخلاق كما هشت بطاح
ترى بهم النجوم، ولا ظلام ... واوضاح النهاو ولا صباح
قصدت الرؤية لهم والرواية عنهم، فنحوا نحوه، وحذوا حذوه، واقتدوا بفعله، وان لم يدركوا شأوه:
يا بارقا بأعالي الرقمتين بدا ... لقد حكيت ولكن فاتك الشنب
ثم أخذت في حركة الخروج من ذلك القطر الذي هو حاضرة البحر ونادرة الدهر، وموطن الفضلاء من أهل العصر الذين طبق ذكرهم تطبيق الغمائم ونم كما نمت بأزاهرها الكمائم، ولهم مآثر بتعاطي الركب حمياها، ويتعاطى نوافح رياها:
وما أراني بمستوف مناقبهم ... ولو نظمت لهم زهر النجوم حلا
ففارقت الصبر عند مفارقة تلك المنازع، وودعت الجلد عند وداعي لذلك المسجد الجامع. وسرت وقلبي في تلك التلاع وتلك الاجارع، وقد خامرني الفرق، واستولى على جفني الأرق، وأولعت بما يولع به المشفق. وأنفقت دمعي وكل امرئ مما عنده ينفق، ورحم الله زهيرا المهلبي، فعن حالي عبر بقوله:
إلى كم جفوني بالدموع قريحة ... وحتى م قلبي بالتفرق خافق
ففي كل يوم لي حنين مجدد ... وفي كل أرض لي حبيب مفارق
ومن خلقي أني ألوف وانه ... يطول التفاتي للذين أفارق
وأقسم ما فارقت في الأرض موضعا ... ويذكر إلا والدموع سوابق
فيممت خير ميمم وفارقت غير مذمم، وخرجت منها في صبيحة يوم الأحد الحادي عشر لرجب الفرد، من العام المذكور، على ضفة الوادي الكبير بين المنازل والقصور:
يا وادي القصر نعم القصر والوادي ... من منزل حاضر ان شئت أو بادي
ترى قرى قرة والعيس واقفة ... والضب والنون والملاح والحادي
فعبرت من الوادي الصغير بمثل ما أجرته جفوني من الدموع، وخطرت من الرشة على ما أبرزته من الربيع والربوع، واجتزت على الربيع الرفيع، وحررت بالبديع البديع، وسلكت على تلك المرابع الرائقة بالنزهة والتوديع.
ولقد وقفت بها وكف ربيعها ... في نسج حلة نورها يتأنق
وسدا خيوط المزن يرسلها الحيا ... أبدا وأكمام النبات تفتق
والروض تولاه الولي ووسمه الوسمى وجشمته نسمات الرياح، وأظللته رايات الصباح، وغازلت كواكب الفجر عيون نرجسه الوقاح، وباكرت الصبا تقبيل ثنايا غوره الوضاح:
стр. 7
من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغوادي من ثغور الأقاح
والأرض قد أخذت زخرفها وآزينت، وبينت من حكمة الله سبحانه ما بينت ورباها قد تعممت بملونات الأزهار، وأراقم المذانب قد انسابت في مغائر الأنهار، والزمان قد استقبل اذاره، وخلع عذاره:
فالنور عقد والغصون سوالف ... والجزع زند والسرى سوار
رقص القضيب بها وقد شرب الثرى ... وشدا الحمام وصفق التيار
ثم جزنا الوادي الكبير وهو بحر عباب، وفي كل رقعة من أثوابنا ميزات. وسرنا والموج غمر، وذلك الماء على الأجساد ثلج وفي أكبادنا جمر، والريح ترمي بحاصب، والودق يأتي من كل جانب، والدوافع ترعب، والمذانب تتعب، والقطر قد ملأ كل خرق وسبسب، وورد آتيه من كل آتي ومذهب، وجاء بكل صبح وغيهب. ولم تزل الأمطار تتوالى وتنزل:
كأن السحاب دوين السما ... نعام تعلق بالأرجل
فادمعها سح وسكب وديمة ... ورش وتوكاف وتنهملان
فسرنا على تلك الحال، ونحن من طوفان تلك السحائب في أعظم الأوحال، وقد أعيا الركوبة ما أدهى حمله من مستنقع الأثقال، حتى وصلنا إلى) قسطنطينة (والركاب فاشلة، والنفوس ذاهلة، والتلاع سائلة، وجفون السحاب هاملة هاطلة، والشآبيب مستمرة، وحلاوة العيش ممرة، والأوحال تمنع من خروج يعيد الأبدان معفرة، والثياب معصفرة، فحللنا منها في حصن حصين، ومكان مكين، وربوة ذات قرار ومعين، وقاعدة أمن وتأمين، وتمهيد وتسكين، صحيحة الهوى، بعيدة المهوى وبسبب ذلك تنسب إلى الهوى المقصور، فيقال: قسطنطينة الهوى، ناهيك من مدينة تحوم حول سحاب القطر، وتسوم بارتفاعها مراقي الكواكب الزهر، وتصون بامتناعها من حدثان الدهر، وتصول ببساط الملك وبسيط الزهر، وتروق بناعم الروض وهامر النهر، وتفخر بجمال المحاسن كل الفخر، ويخترق بطاحها نهر ينساب فيها انسياب الأرقم، ويدور بها دور السوار بالمعصم، ويغوص ببعض حافاتها فيغيب عن العين، ثم يبدو بخارجها كأنه سبائك اللجين، فيسيل على تلك البطاح سيلا، ويتخللها جداوله فتجر بها ذيلا، وتعمها شربا، وتسقي منه بماء واحد ورياه تعود منه بما شئت من صلة وعائد:
نهر يهيم بحسنه من لم يهم ... ويجيد فيه الشعر من لم يشعر
ما آصفر وجه الشمس عند غروبها ... لا لفرقة حسن ذاك المنظر
بها تتوفر الأرباح، وبأعلاها تتبارى الرياح، وبشتى أقطارها يتلاقى التاجر والفلاح، ويعتز الساكن منها في الحصن الأحمى، والموطن الأسمى، والمحل الأسنى، والعيش الأهنى، ويمسك له في خزائنه الواسعة من ياقوت القوت ما يفنى الدهر وهو لا يفنى، تهابه النفس عند موافاته وتأوي الفتح الكواسر بأدنى حافاته، وتزل أقدام الصاعدين إليه على أكثر صفاته، وتعجز أوصاف الواصفين عن بعض صفاته:
يأوي إليه كل أحور ناعب ... وتهب فيه كل ريح صرصر
ويكاد من يرقى إليه مرة ... من دهره يشكو انقطاع الابهر
وبادرت فدخلناها في يوم الجمعة السادس عشر لرجب المذكور. وبادرت إلى لقاء الفضلاء، ومباحثة النبلاء، اجتلى واجتنى ولا اجتنب، وأنا والطرس في ملأ انتقى منهم وانتخب. فمما أنشدني المنزل، رب المنزل الشيخ الإمام الرواية الحاج الفاضل المتفضل: أبو الحسن علي بن عبيد الله لبعضهم:
ما رأينا ما سمعنا ... كزمان نحن فيه
كل من تلقى تراه ... يشتكي ما تشتكيه
وذكر لي قال كتب بعض السؤال إلى بعض أهل هذه المدينة يستجديه ويستحثه بقوله:
ماذا أقول إذا سئلت وقيل لي ... ماذا لقيت من الجواد المفضل
ان قلت: أعطاني، كذبت، وأن أقل: ... يخل الجواد بما له لم يجمل
فاختر لنفسك ما أقول، فأنني ... لا بد أخبرهم وان لم أسئل
فأجابه المسئول بقوله:
أعجلتنا، فأتاك عاجل برنا ... قلا، ولو أمهلتنا لم نقلل
فخذ القليل وكن كأنك لم تقل، ... ونكون نحن كأننا لم نسأل
وأخبرني قال: أقبل أعرابي إلى داوود بن المهلب فقال له: أني مدحتك فاسمع. فقال على رسلك، ثم دخل بيته وتقلد سيفه وخرج فقال: قل، فان أحسنت حكمناك، وان لم تحسن قتلناك فانشأ يقول:
أمنت بداود وجود يمينه ... من الحدث المغشى والبؤس والفقر
فأصبحت لا أخشى بداود نبوة ... من الحدثان ان شددت به أزري
стр. 8
له حكم لقمان وصورة يوسف ... وحكم سليمان وعدل أبى بكر
فقال له: قل قد حكمناك، فان شئت على قدرنا وان شئت على قدرك. قال:) بل على قدري (فأعطاه خمسين ألفا، فقال له جلساؤه: هلا احتكمت على قدرة الأمير؟ فقال لهم: لم يكن في ماله ما يفي بقدره، فقال له داود: أنت في هذه أشعر منك في شعرك، وأمر له بمثل ما أعطاه.
وأنشدني أيضا قصائد تقيدت في غير هذا، واجازني جميع مروياته، فهو روضة الأدب الناعمة الغضة، وصحيفة الرواية النقية المبيضة، وحامل المكارم المنقضة والمحامد المرفضة، وجامع المحاسن التي بها أدمع الصبابة منفضة، ألسنا لمن وأخاه، السنى في كل ما يتوخاه، العاكف على ما يحمد عقباه. العارف بما رواه ورواه، الحفى بمن آتاه المنيب إلى أواه، الخاشع لمولاه، أبو الحسن بن عبيد الله، تغمده الله برحماه، وجعل الجنة نزله ومثواه، برحمته، ولم أزل أو إلى أهل الولا، واختص بذوي السؤدد والملا، حتى جاء الفراق، ومارق ولا راق، فأنشدتهم وقد قوى العزم، لأبى المغيرة بن حزم:
واجد بالخليل من برحاء الشو ... ق وجدان غيره بالحبيب
ان قلبي لكم كالكبد الحرى ... وقلبي لغيركم كالقلوب
وخرجت منها ضحوة يوم الأحد الثامن عشر من رجب المذكور في جمع وافر، ذي خف وحافر، سرنا نقتفي البيداء، ونغتدى في كل ثنية جرداء، قد دأبنا على الترحال، وركبنا متون الوحال، سمونا على الماء كسمو حبابه حالا على حال، إلى أن وافينا بلد العناب،) وتسمى أيضا بونة (وصلناها أيضا بيمن الله على أفضل الأحوال، ودائرة البيضاء يمنى مركز الزوال، فدخلناها في يوم الجمعة الثالث والعشرين لرجب المذكور، فرأيت مدينة مكينة، وقلعة حصينة شهيرة الامتناع، بائنة الارتفاع، ومعدومة الشبيه والنظير في القلاع، تنزهت حصانة أن ترام أو تستطاع قاعدة كبيرة ومائدة من الأرض مستديرة، سامية الأرجاء، واسعة الفناء، موضوعة على نسبة حسنة في الاعتدال والاستواء، والمدينة العجيبة كالعروس في ناديها قد رفلت في درع واديها، وامتنعت بحسامه المسلول من غير الأيام وعواديها، فأخذت به من المطالب معتصما، وتجلت في سواره معصما فبكل مسقط نظرة ما اشتهت الأنفس من نعيم ونضرة، نهر هتان، يحفه بستان، ومرآي لخواطر الأدباء فتان:
نهر يسيل كما يذوب نضار ... وتدور في أيدي السقاة عقار
فإذا استقام فصارم دامي الظبا ... وإذا انحنى جزع به فسوار
مغرورق التيار، ملتطم كما ... خفقت بظهر مهب ريح نار
فاحمر وأخضر النبات بشطه ... فكأن ذا خد وذاك عذار
стр. 9
لها أرض تقتنص النظر بتدييج أزهارها، وأطراد أنهارها، وتؤمن الراكض بها من هفوة غبارها، وكبوة عثارها، كأنما نسج أديمها منسج، واستوت أطرافها وأوساطها فجوها سجسج، ومتى تكلمت الفصول أعاد الله شبابها، فأنشأها خلقا جديدا، وجعل عودها مثمرا وظلها ظليلا مديدا، فيالله اتساع ظواهرها وبواديها، والحسن البادي ببحرها وبواديها، وارتفاع تلك القلعة والحصن، وما أوتي من النعمة والحسن، قد عمرت نجاده وغيطانه، واستقر بين خصب الوادي، ورحب النادي ثواؤه واستيطانه صعدت إليه فرأيت حصنا مستقلا، وكثيرا من الحسن لا مقلا، بل معقل الحسن ومستقره، ومجاز الأنس وممره، قلعة قد عقد الجبل حبوتها، وأزلق العراب أن تطأ ذروتها، وعصم سوار الوادي الملوي معصمها، وحمت غرر دهمائها أدهمها، فالخيل تصعد منها أنجما في فلك، بين طالع كطالعها أو غارب كغاربها، والأرجل منها على كرة لا تستقر بأخمص راجلها ولا بحافر فرس راكبها وكأنها قد اعتزت لولا ما جعل الله الأرض ذلولا، وأمر أهلها أن يمشوا في مناكبها، فمشيت منها في مركب سام، وألف بالنجوم مسام، ثم خرجت من المدينة في صبيحة يوم الأحد الخامس والعشرين لرجب المذكور سالكا سبيل جبل الحفاء، ومالكا من الرجاء ما برح به الخفاء، من جبل يقرع الواصل إليه سن الندم، ولا يكاد يشرب الماء إلا من قليب دم، قد أفرط في الجفا، واشتهر بالحفا، وجمع بين غلظ الشعراء والأرض الوعراء، فسلكنا منه في عقاب كفى بسلوكها للمجرمين من عقاب، نكتنف الفزع ونلتحف الجزع، إلى أن جزمتنا عوامله بالحذف، ومنعتها علاته من الصرف، وأسفر لنا وجهه العبوس ومحياه الذي في مشاهدته البوس، عن قطعة من العرب كقطع الليل، حملت علينا حمل السيل، فكان زوال كل ما ملكناه أسرع من لحسة الكلب أنفه، وناهيك عن صبيحة ذلك اليوم فجاءة حال، وسرعة انتقال " وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال ".
لقونا فضموا جانبينا بصادق ... من الطعن مثل النار في الحطب اليبس
وانقلبت اعدى من جام ونجوت برأس طمرة ولجام، منهزما مكلما، يثعب جرحي دما، وصحابي قد منحوا الأكتاف والرقاب، ودماؤهم تسيل على الأعقاب،
وتركتهم تعس الرماح ظهورهم ... من بين مقتول وآخر مسند
ولم نزل نخوض أحشاء كل واد كالثعبان، نتلقف نفس الجريء فكيف بالجبان، فكأن تلك الأودية سيوف لقتل الأنس مسلولة، ولولا زرقة ألوانها لقلت دماء مطلولة، خاتم نظامها ومسك ختامها، ومنتهى كمالها وتمامها، وآخر عذابها وانتقامها يسمى) أبو جردة (قيل لأنه يجرد الإيمان من قلب شاربه، كفاك هذا من أوصافه ومناقبه، وهو على أثنى عشر ميلا من الحضرة، لم تنبت قط حوله عشبة نضرة، ترابه قد أسود، وماؤه قد أظلم، ويقال أنه من أودية جهنم، تعذر علينا جوازه في القارب فما توسطته راكبا إلا والمركب قد غمرته المياه وحملتني وإياه، وكنا من المغرقين لولا ان رحم الله، ثم خرجت سابحا، وقد ذهب الوادي بأكثر القوم، بسبب ما أنعم الله به علي من معرفة السباحة والعوم، وحصلت على ساحل النجاة ولا شيء إلا مبلولا، ولا شد إلا محلولا آو محمولا.
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
فوصلت إلى) حضرة تونس المحروسة (في ليلة يوم السبت أول من شعبان المكرم من العام المذكور بعد اللتيا والتي، وانضاء جسمي ومطيتي، وأخلاق البيتين اللذين لم أخلهما عن فكري ورويتي.
يقولون تونس مصر عظيم ... وأرجاؤها جنة زاهرة
نعم هي مصر لأربابها ... وللواردين هي القاهرة
فأرحت الراحلة من الرحل، واستبشرت بالخصب بعد المحل، ولابد دون الشهد من أبر النحل، فبتنا بها جيران دولاب يهدل، وأغصان تثني وتعتدل، وستر الظلام ينسدل، وتلك الحضرة تتلفع بثمارها تلفع الكاعب بخضرة خمارها، قد سلت على بساط الروض من المذانب حساما، وضحكت ثغور شرفاتها ابتساما، والدولاب بندب من الزهر الذاوي هديلا، ويتوسل للروض بدموعه فيخلف له بديلا، فبت أجاوب أنين ذلك الدولاب، وأجري بدمعي دمعه في الانسكاب، وأنشد فيه لبعض الأعراب:
باتت تحن وما بها وجدي ... واحن من طرب إلى نجدي
فدموعها تحيا الرياض بها ... ودموع عيني أحرقت خدي
стр. 10
ولما تفرى عن وجنة الأفق عذار العيهب، وتتوج كسرى المشرق بالتاج المذهب، طفقت أتمشى في الأماكن المكينة، وأتخلل سكك المدينة وأتعجب من محاسنها المستبينة، ووضوح قدمها ورسوخ قدمها وبهجتها وانفراجها، وانفساح رباها وأبراجها، ورونق رياضها، وتذلل الهموم لفرجتها وارتياضها، واتساع جنباتها وإفنائها، وكما لها في البلاد البحرية وغنائها، وإيناع حدائقها المحدقات، وإحرام حجيج الأنس في ذلك الميقات، فدخلت منها جنة حفت من طرقها بالمكاره، وعقيلة عقلت قلب الطائع والكاره، فهي الدمية الغراء، والقبة اللعساء، والخريدة العيناء، تزهى بها المحافل، ويحتقبها الطالع والآفل ولله در القائل:
لتونس تؤنس من جاءها ... وتودعه لوعة حيث سار
فيغدو ولوحل أرض العراق ... يحن إليها حنين الحوار
ويأمل عودا ويشتاقه ... اشتياق الفرزدق عود النوار
فالتاح بتونس الأنس، وانشرحت النفس، وصلحت الحال واللبس، ووجدتها كما قال أبو الحسن المري:
تؤنس بالغرب خير دار ... تؤنس من حلها غريبا
حللت عقد البعاد لما ... حللت من أهلها قريبا
وظللت ألقى أكابر الأولياء، وآخذ عن العلماء الأتقياء، فأول من لقيته بها من الأولياء والأفراد، والعلماء الزهاد، السيخ العالم الولي لله تعالى، أبو الحسن علي، المشتهر بالمنتصر، أفاض الله علينا من بركاته. هو صدر من صدور أئمة الدين، وكبير من كبراء الأولياء المهتدين، وقدوة في أفراد العلماء الزاهدين، حامل لواء المعارف، ومحرز التالد منها والطارف، وحافظ للكتاب والسنة، ومحافظ على اتباع الشريعة والملة، قائم بأعباء صلاح الأمة، باسط للضعفاء وذوي الحاجات جناح الرأفة والرحمة، كثير الصيام والقيام، دائم الخلوات ومستجاب الدعوات وقورا صموتا، مهابا معظما:
قابلته فملئت منه مهابه ... شغلت علي فصاحتي وبياني
ولثمت قرب فنائه فكأنما ... قبلت من طرب خدود غواني
رحل إلى المشرق قديما ووعى الكثير، وشأنه كبير، وله من المكاشفات وإجابة الدعوات ما هو أشهر من أن يذكر، حللت بحلاله، وانضويت إلى جلاله، وخيمت بسوارف ظلاله، فألقيت فيه ركنا عظيما ومأوى كريما وابابرا رحيما وإماما أوسعني إفادة ونصحا وتعليما، وسبب ذلك أن أخي أبا بكر محمدا لما خرج إلى وجهته الحجازية، وعلم الله تعالى منه صلاح النية وخلوص الطوية، وانتهى إلى الحضرة التونسية، جملته عوارف الألطاف الخفية، وعطفته عواطف القدرة الربانية، إلى لقاء شيخنا هذا والتبرك به، وطلب الدعاء منه فتفرس ﵁ فيه مخايل النجابة ولاحت له عليه دلائل الصدق والإنابة، فضمه إلى جانبه الشامخ القواعد، وكفله كفول الوالدة والوالد، حتى جعل تحت حرمته، واختص بصحبته، وظهر فيه صدق فراسته وبركة دعوته، ثم ارتحل عنه مشرقا بعد تراخي المدة، وتوالي الأيام والأشهر الممتدة، قرير العين، ملي اليدين، فائزا بحظوة الدارين وحين وردت موارده، وحضرت معاهده، وسألت عن مطلع شمسه، مسير يومه وأمسه، فأخبرت أن الذي نعنيه بالسؤال، قد بانت برحيله الرحال، سقطت على التراب معفرا، وأفضت فأنشدت حين سرى:
ماذا وقوفك والركاب تساق ... أين الجوى والمدمع المهراق
الغير هذا اليوم يخبأ أو ترى ... بخلت عليك بمائها الأماق
حتى لقد رحلوا بقلبك والكرى ... ان النواظر لا الدموع تراق
стр. 11
ثم نزلت منازله، فتمتعت بها دهورا، وأقمت ألازمها ليالي وأياما وشهورا، وجعل الله لي بصحبة هذا الشيخ انتفاعا وظهورا، ولهذا الرجل الصيت البعيد، والباع المديد، زهدا وانقباضا، ونصيحة لعباد الله تعالى وحدبا على ضعفائهم، ووضع له القبول في الأرض فلم يختلف اثنان في فضله، ولي منه حظ لا أعده به حظا عسى الله ان ينفع به) وثانيه (في الفضل والولاية، والعلم المتسع والدراية، الشيخ العالم خطيب الجامع الأعظم، والراقي بقدم الصدق وذروة مناره، المعظم، أبو عبد الله بن عبد الستار، نفع الله تعالى به إمام من أئمة الفروع والتفسير، وسراج يقتدى به في ظلمات الدياجير، انتهى من الفضل إلى أقصى أمده، وكرع في بحره لا في تمده وحل منزلة مقنعة من عالم اللسان، ونظرت به عين التعين كالإنسان، أضاء بأنوار معارفه البلاد، وترادف على محله العلي العلمي القصاد، وعلا سنه وسناه، وبلغ من وعي المعارف الدينية والأحاديث الكريمة النبوية قصده ومناه، له جلالة السبق، ومهابة الولاية والصدق، ومكانة القبول عند الخالق الخلق، ذو في الدنيا وأغراض عن زهرتها، وعزوف عن طلابها، وكان يدرس العلوم في مدرسة الكتبيين التي استوطنها، فسمعت عليه كثيرا من التفسير والحديث والفروع والأصول وغير ذلك، ولازمته وانتفعت به، وشاهدت له كرامات ومقامات تصدر إلا من مثله أو من الولي الذي من قبله.
стр. 12
رحل إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، ففاز من ذلك بغاية سوله، ونهاية مطلبه ومأموله، وتواتر عنه أنه لما عاد إلى وطنه، أعاد جميع صلواته التي كان صلاها في سفره، إذ لم ترتضها عبادته النزيهة ومعالي سيره، وها هو قد طعن في السنين، ونيف على التسعين، فما ضعفت له قط موارد العبادة، ولا تعطلت منه تلك المدرسة عن الدول المعتادة ومما تقلت منها: ان الواقدى رفع إلى المأمون قصة يشكى فيها غلبة الدين وقلة الصبر، فوقع عليها، أنت رجل فيك خلتان، السخاء والحياء، فأما السخاء فهو الذي أطلق ما في يدك، وأما الحياء فهو الذي بلغ بك ما أنت عليه، وقد أجزنا ذلك بمائتي ألف درهم، فان كنا أصبنا إرادتك فأزدد في بسط يديك وأن كنا لم نصبها فجنايتك على نفسك، فأنت كنت حدثتني وأنت على قضاء الرشيد ان رسول الله ﷺ قال للزبير: ان مفاتيح الأرزاق بازاء العرش ينزل الله للعباد أرزاقهم على قدر نفقاتهم فمن كثر كثر له، ومن قلل قلل له، قال الواقدى: وكنت أنسيت هذا الحديث فكانت مذاكرته إياي به أعجب إلى من صلته. وأعززهما بإمام الدنيا ومتبوئ الذرة العليا، وسابق الغاية القصيا، والشيخ العالم، قدوة الأئمة وواحد أسانيد الأمة أبو عبد الله بن برال أبقى الله تعالى بركته، رجل أتاه الله تعالى كتابه وفتح عليه فيه أبوابه، ووفقه في أدائه إلى الصواب فأصابه، فاجتمع الناس إليه وتناغى المجودون من أهل القرآن في التلقف منه، وانثالوا إليه عمن سواه فقامت له سوق، وأجلى خبره عن تقديم أمثل الخبرة، وأطباقهم على تفضيله، وكان هذا الشيخ قد أوتي من حسن اللفظ بالقرآن ما لم يؤته أحد ممن بقى على الأرض في هذا الوقت بإجماع، حضرت قيامه في ليالي رمضان بالاشفاع وانتدب الناس إسماعه من النواحي والبقاع فما قرع سمعي ولا وقع في أذن قلبي، أحسن منه صوتا ولا أحلى تلاوة، ولا أطيب إيرادا، ولا أعذب مساقا، ولا أعجب أحكاما، ولا أغرب ترتيلا، ولا أجمل جملة وتفصيلا. ولقد كنت في حين قراءته على قساوة قلبي، وغباوة لبى أتغاشى وأتلاشى ويضج جامع تونس باهله، ويغص جمعه، فبين باك وداع وخاشع وساقط من القيام، وعادم وجوده في ذلك المقام، كلهم يفعل فيه صدقه، ويسكنهم نطقه، ويسكرهم ذوقه، قرأت عليه القرآن العظيم بالقراءات السبع جمعا في ختمة واحدة والإدغام الكبير في رواية أبى عمرو بن العلاء وترك الهمز من طريق أهل الرقة، بطريق أبى عمرو الداني رحمه الله تعالى وهو آخر من قرأت عليه السبع من الأئمة المقرئين والأساتذة المبرزين عددهم اثنا عشر شيخا ما منهم إلا من قرأت عليه القرآن العظيم بالقراءات السبع إفرادا وجمعا أو أفرادا، أولهم الأب المرحوم ناجلى، الكفيل بتربيتي في نشأتي وناحلى أول موهبة من تدريبي في بدأتي والدي عيسى ﵁ قاضي بلدة قتورية وخطيبها ووالي كافة أمورها مدة من أربعين سنة قرأت عليه بالقراءات السبع على والده جدي الأستاذ الخطيب الحاج الزاهد أبى جعفر أحمد، وقرأ والده جدي بالقراءات السبع على جماعة منهم والده الخطيب الصالح أبو إسحاق إبراهيم وقرأ والده جد والذي بالقراءات السبع كذلك على جماعة منهم والده الفقيه أبو جعفر أحمد بن علي بن أبى خالد رحمة الله على جميعهم، وهكذا تتصل لي هذه السلسلة بالقراءة السبع إلى سابع جد ولله الحمد، وحدثني شيخي هذا انه قرأ بالقراءات السبع أفرادا مع الإدغام الكبير في رواية أبى عمرو بن العلاء وترك الهمز من طريق أهل الرقة ثم جمع السبع في ختمة كاملة، وقرأ قراءة أبى محمد يعقوب الحضرمي على الشيخ الفقيه المقرئ الصالح الرواية أبى العباس أحمد بن موسى بن عيسى بن أبى الفتح الأنصاري المشتهر بالبطرنى وحدثه أنه قرأ بالسبع القراءات على الشيخ الفقيه المقرئ الخطيب القاضي أبى محمد عبد الله بن يوسف بن أبى بكر بن عبد الأعلى المغافري السبرتى بقراءة نافع أفرادا وجمعا وباقي السبع ختمة جمعا لكل إمام ثم جمع عليه السبع في ختمة كاملة مع الإدغام الكبير، قال قرأت على خاتمة المحققين بل المقرئين بشرق الأندلس أبى جعفر أحمد بن يحيى بن عون الله الحصار بقراءة نافع إفرادا وجمعا وجمعت عليه السبع في ختمة كاملة كما قرأت بالقراءات السبع بالأفراد والجمع مع الإدغام الكبير فيهما على الشيخ الفقيه الزاهد أبى الحسن
стр. 13
علي بن محمد بن علي بن هذيل البنسى، قال قرأت جميع ذلك على الشيخ الفقيه المقرئ أبى داود سليمان بن نجاح الأموي، قال، قرأت جميع ذلك على الإمام الحافظ أبى عمرو وعثمان بن سعيد بن عثمان الدانى بسنده في كتاب التيسير، وقد قرأت جميعه عليه وقرأت عليه جميع القصيدة اللامية المسماة بحرز الأماني التي من نظم الإمام أبى القاسم بن فيرة الشاطبى ﵀ قراءة تثبيت وتبيين لمعانيها وإعراب لمشكلها، وإيضاح لأسرارها، واستخراج لغوامضها وجميع عقيلة أتراب القصائد من نظم الشاطبى أيضا وحدثني بجميع ذلك عن شيخه أبى العباس البطرنى المذكور، ولشيخي هذا أسانيد غيرها، وسماع وتبتل، وانقطاع ومواصلة للقرآن واعتناء بذلك الشأن فجمع بين علو الإسناد، والسلسلة الذهبية وتوسع كثيرا في اللغة العربية. وتتبع أنواعا من هذه الطريقة الأدبية يعمر بها مجالسه أنشدني لبعض الشعراء:
أني غريب بأرض لا كرام بها ... كغربة الشعرة السوداء في الشمط
لا أطلق العين في شيء أسر به ... ولا أنال الرضى إلا على سخط
وأنشدني لبعضهم:
ان الليالي للأنام مناهل ... تطوي وتنشر بينها الأعمار
فقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار
وأنشدني لبعضهم:
تمتع بالرقاد على الشمال ... فسوف يطول نومك باليمين
ومتع من يحبك باجتماع ... فأنت من الفراق على يقين
وكان ﵁ رقيق الاشادات، طيع العبارات، حلو الحكايات، عالي الروايات، تبهجك طلاقته ويرضيك بشره مع مروؤة ظاهرة، وتمام خلقة، وهدى وسمت ووقار لأكفاء له، إلى حسن البيان وعذوبة اللسان.
ملح كالرياض غازلت الشم ... س رباها وافتر عنها الربيع
فهي للعين منظر مؤلف الحس ... ن وفي النفس سئودد مجموع
ذكر لي قال دخل بعض الملوك على جارية له، وقد دهن شعره بدهن بيضه به، فقال يخاطبها:
كل البياض مليح ... لا شيء في الحسن بعده
فأجابته:
أهواه من كل شيء ... إلا من الشيب وحده
فاستحسن جوابها، وأحسن ثوابها، وأخبرني، قال دخل بعض الشعراء على بعض الكبراء مادحا له بشعر قاله فيه فوجد عنده حجاما قد قص من شعره وأجزل له في العطاء ولم يعط الشاعر فقال مرتجلا:
أرى من جاء بالموسى مواسي ... وراحة ذي القريض تروح صفرا
فهذا منجح ان قص شعرا ... وهذا مخفق ان نص شعرا
وأخبرني قال: مدح أبو الحسن بن الفضل أحد الوزراء بمراكش وكان أقرع فلم يثبه، فقال:
أهديت مدحي للوزير الذي ... دعا به المجد فلم يسمع
فحامل الشعر إليه كمن ... يهدي به مشطا إلى أقرع
وأخبرني قال: أهدى سالم بن قاسم من بني مهنا الحسنيين لصلاح الدين ابن أيوب مروحة بيضاء وفيها مكتوب بالأحمر بيتين وهما هذه:
أنا من نخلة تجاور قبرا ... ساد من فيه سائر الخلق طرا
شملتني سعادة القبر حتى ... صرت في راحة أبن أيوب أقرأ
стр. 14
وقد كان الرسول بها قال لصلاح الدين، خذ هذه فما أهدى لك ولا لبيك قط مثلها، فغضت السلطان من هذا الكلام فقال الرسول لا تعجل وانظر ما فيها من الكلام، فلما نظرها وقرأ البيتين قبلهما ووضعهما على رأسه وقال: صدق الشريف ما وصلتني قط هدية مثل هذه. وقرأت عليه من كتب القراءات والحديث وغيرها تصانيف كثيرة، استوفيتها بأسانيدها في برنامج رواياتي، وأجازني إجازة تامة، مطلقة عامة، وكتب لي بخطه، ومولده عام ثمانية وستين وستمائة.
وأشفعهم بأوحد الزمان، وفريد البيان والتبيان، العديم النظراء والأقران، والمرتقى درجة الاجتهاد بالدليل والبرهان، الشيخ العالم المشاور أبو عبد ابن الحباب، حبر، بحر، حافظ لافظ، ذو أبهة وبهاء وحبوة مملوءة من علم، خالية من ازدهاء، برع بأحسن الصورة، في مطالع الحسنى إلى أنهى كمال وأكمل انتهاء، برع بأحسن الصورة، وفرع من الجمال أرفع السورة فبسق بسوق الغصن الناضر وأضحت حدائق محاسنه نزهة الأحداق والنواظر، انفرد بفنى المعقولات والمقولات، واتحد في علمي اللسان والبيان فما يجارى، في شيء من ذلك ولا يبارى، وهو فيما عدا ذلك من الفنون يفوق القدور ويفيض على مزاحمة البحور، ويحلى من فوائده الطلا والنحور، وله تآليف وتصانيف فيها للعلوم صنوف، وهي في الأذان شنوف، ولها ظهور على غيرها وشفوف، وقلائد قصائد تنجلي بجمالها الخرائد، وتحسد حسنها النيرات الفراقد ونشربل نور، أو أنجم زهر، أو لجين أو تبر، أو يواقيت أو در، أو حصباء بللها نهر أو شذور رصعت فشطر وشطر:
نظم ونثر في رياض بلاغة ... سجد الربيع لبردها الرفراف
لم أدر من عجب بها وتعجب ... أنظام در أو نظام قواف
كان زمن شبابه، وتعلقه بطلب العلم واستفتاح بابه، رئيس إنشاء الدولة الحفصية، والمستقل بحمل الراية التونسية، فملا الدلو ومد الرشاء، وأنال الإنشاء ما شاء، وأزال عن جفون الطريقة الأدبية العماية والعشاء، فلما أحرز في ذلك الفن قصب السبق وحازه، وقطع فيه صدر العمر واستقبل إعجازه، عطف إلى تعليم العلوم، وعكف على تدريب تدريس المعدوم منها والمعلوم، فأفاد الأفذاذ، والأفراد وأمتع الجهابذة والنقاد، وأسمع الأسماع ما اشتهى كل منها وأراد، إلا أنه كثير الأنس مؤثر لراحة النفس، قلما ينضبط لطالب، ولا يغتبط إلا بذي فهم ثاقب، وسهم في العلوم مسدد صائب، فمجالسه مجالس علم وإيناس، وتقريب لأناس، وتبعيد لأناس، وكنت بحمد الله من الفريق الأول لا بالمشكوك فيه ولا بالمتأول، فسمعت وأخذت وأجازني الإجازة التامة، وكتب لي بخطه أنشدني لبعض المشارقة يعرض بآخر ينعت بسراج الدين، وكانت قبيلته بجيلة فضمنها البيتين وهما:
لنا في البيت من خزف سراج ... عراقي فتيلته نحيلة
يضيء لمن تعاهده بدهن ... فلا كان السراج ولا الفتيلة
وأنشدني لسراج الدين الآمدي:
بني أفدى بالكتاب العزيز ... وراح إليه سريعا وراجا
فما قال لي أف مذكان لي ... لكوني أباه وكوني سراجا
стр. 15
ويتلوه البحر المتلاطم الأمواج، والمنهل الذي نروى بعذبه بقاع الوهاد وتلاع الفجاج، والمجموع الذي نزلت بساحته مفنرقات العلوم نزول الماء الثجاج قاضي القضاة وإمام الفقهاء والنحاة ورب العقل الوافر والحصاة، الشيخ العالم العلامة قطي الشورى وعماد الفتيا، قدوة علماء الإسلام، أبو عبد الله بن عبد السلام ﵁، رجل نشأ في العفة والصيانة وتبوأ ذروة الطهارة والديانة، وصعد من هضبة التقى على أعلى المكانة، فلم تعرف له قط صبوة ولا حلت له على غير الطاعة حبوة، على ان المسهب في الأوصاف الكريمة، والمشيد بالمناقب المشيدة، سكيت مع سبقه ومسيء في إحسانه، وقاصر عن إدراكه، وهيهات يضرب في حديد بارد، ويطلب ما ليس له بواجد، من رام بيده لمس الشمس، وتعاطى برجله لحاق البرق، صرف همته العلية، وفكرته الوفادة الزكية، إلى انتحال فنون العلوم، وافتتاح المعكوم منها والمختوم، ملك أعنتها، وقاد أزمتها، وأوضح أشكالها، ووسم إغفالها، وحل أقفالها وتلقى بالسهل والرجب آنثيالها عليه واقبالها، فهو اليوم وحيد الأوان، وعلامة الزمان، والمشار إليه بالبنان والبيان ما قرن به فاضل من العلماء الارحجه، ولا ألقى إليه مبهم من العلم إلا كشفه وأوضحه، عدلا في أحكامه، جزلا في إقدامه مراقبا لله في فعله وكلامه، له صادقات عزائم، لا تأخذه معها في الله لومة لائم، إلى نزاهة عن الدنيا، وهمة نيطت بالثريا، ولهجة فيها ترقرق ماء البشر فأحيا وحيا.
يقابلني له خلق وضيء ... يصدق بشره خلق رضى
حضرت مغتنما وملتزما تدريسه الذي هو ضالة الناشئ الناشد، وبغية القاصي والقاصد وحديقة الرأي الرائد، وحقيقة الفوائد، فسمعت وانتفعت وأخذت عنه شرحه لكتاب ابن الحاجب الفرعى فقرات وكتبت وأجازني في غير ما مرة، وكتب لي بخطه ومولده سنة ست وسبعين وستمائة وسمعت منه بمنزله من تونس جميع موطا الإمام مالك بن أنس ﵁ في مجالس كثيرة آخرها ضحوة يوم الجمعة الثالث عشر لصفر من عام أربعين وسبعمائة وأذن لي في روايته عنه وحدثني أنه قرأه أجمع بلفظه على الأستاذ المقرئ أبى العباس المشتهر بالبطرنى المتقدم الذكر بسنده فيه وقرأه كذلك أيضا على الشيخ المحدث الرواية المعمر أبى محمد عبد الله بن هارون الطاءي، وحدثه به عن القاضي أبى القاسم أحمد بن يزيد بن عبد الرحمن بن بقى قراءة لبعضه وسماعا لسائره بمدينة قرطبة أعاداها الله دار اسلام عن أبي عبد الله محمد بن عبد الحق الخزرجي قراءة عليه عن أبي عبد الله محمد بن فرج الفقيه مولى الطلاع سماعا عليه قال سمعته على القاضي أبي الوليد يونس بن عبد الله أبن المغيث عن أبي عيسى يحيى بن عبد الله أبن يحيى بن يحيى عن عم أبيه عبيد الله بن يحيى بن يحيى عن مال بن أنس ﵁ ورحمهم وهذا السند لا يوجد مثله بالمغرب علوا واتصالا بالقراءة والسماع، وقرأته أيضا عام ثلاثين وسبعمائة على والدي وأخبرني أنه قرأ منه جميع كتاب الصلاة عرضا عن ظهر قلب على والده جدى عن جماعة جلة منهم والده الخطيب أبو إسحاق وغيره وقرأته بالمسجد من مدينة مالقة المحروسة عام ثلاثة وعشرين وسبعمائة على الشيخ الخطيب الزاهد الولي الله تعالى أبى عبد الله محمد بن أحمد الهاشمي الطنجالي بسنده فيه وقد قرأته وسمعته بالأندلس وبغرب العدوة على غير من ذكرته رضى الله عن جميعهم. وقد آن أن يبرز فارس ميدان التسجيل المتميز في عناق تلك الحلبة بالغرة والتحجيل المحرز فضل السبق الموجب للتعظيم والتبجيل الشيخ العالم المتصوف أبو عبد الله بن عمر أرضاه الله تعالى، علم الجماعة، وقلم التأييد والاستطاعة، ورب الفكرة المطاعة، ومن له في النظم والنثر القلم الأعلى، والقدم الأولى، واللفظ الأجلى، والقدح المعلى، والبدائع التي تستفاد وتستعاد وتستحلى، وله في الطريقة الصوفية مقام عال، واشتات معال، وخاطر يجول بين واسع مجال فيبرز نفائس لئال وعرائس جمال ويأتي بسحر حلال، وبحر زلال بين بديهة وارتجال، ووخذ وارقال وانحفاز واستعجال.
مكارم مثل الحصا كثرة ... وخاطر يغرف من كل بحر
стр. 16
رحل إلى المغرب والمشرق فعلت روايته وعظمت آياته، وكثرت مبالاته بالعلم وعنايته، فبدأ في سماء المعالي بل المعارف شمسا تتجلى بزهر هدايته مشكلاتها، ولاح في جيد العوارف سلكا تتحلى بذر كفايته لباتها، وأقام مشتغلا بالعلم سنين، وانعقد النكاح بينه وبين عقائل الآداب بالرفاء والبنين، فيلد من مخلدات فكره خرائد تتهاداها الملوك وفرائد تزدان بها التيجان والسلوك، تحلت به الدولة الأندلسية كما تجلت عنه الخضرة التونسية فهو الآن متولي ديوان إنشائها ومدلى أشطان رشائها قد استقر عنه من عرف له شانه وعاف بعده وشانه واقتنى نظمه فزانه وأذخر مرجان نثره وجمانه. دخلت الحضرة المذكورة على حين أخذ مني البين أخذته وفلذ من فؤادي فلذته، فتفرست أدبه الرائق ومذهبه الواضح الطرائق فكان جنابه العلي مطمح نفسي ومسرح أنسي ومصلح ما نضى من لبسي، وانضى من عنسي فكانت فراسة لاح صدقها، وأومض برقها سحابها، وهمل ودقها، ولما عجت إليه وقصدت منزله للسلام عليه، أنشدت بيتين اثنين استأذنته بهما وهما:
ببابك يا مولى الكتابة كاتب ... أتاك بقلب من أسى البين مفجوع
وحاجته تقبيل يمناك، أنها ... تؤمن من خوف وتسمن من جوع
فارتاح إليهما ارتياح الصداق لبليل القبول، ومد لهما يمين اليمن والقبول، ودارت بيننا المخاطبات نظما وتكررت بيننا المراسلات والمراجعات قلا وكثرا، ولم أزل مدة إقامتي بتلك الحضرة تحت ظله الوارف وفضله المحمود المطارف خرج مستريحا في بعض أزمنته الطيبة إلى بعض جناته التي هي منى النواظر، وملعب الغصون النواضر ومهب الأنفاس العواطر وراحة الأبدان والخواطر، حلال الحلل التي توشيها أيدي الغمائم المواطر، فما ألم بها حتى وجه إلى مع بعض خدامه مركوبا من عتاق الخيل، جامعا لضياء الصباح وغسق الليل نقلني إليه، وأحلني لديه، فوافيت والربيع قد أهدى نوافحه، وأسدى لواقحه، وأسدل ملاحفه وأسبل مطارفه، وألان معاطفه وأفاض معارفه، ومد بروده، وأمال قدوده، وحشد جنوده، وحشر بيضه وسوده، ونشر ألويته وبنوده، وملأ تهامته ونجوده، ونظم جواهره وعقوده، ورقم صحائفه وعقوده، وأعطى مواثيقه وعقوده، والغمام قد بكى على ميت الروض فأحيا نوره وأضحك ثغره وحدق أحداقه، وأرضى أوراقه، وأصفى ملبسه، ووشى سندسه، والنسيم قد جر على بساط البسيطة ذيوله، وأجال بملعبه خيوله، واستنطق أطياره، وشق أنواره، وأفشى أسراره، وأذاع شيحه وعراره، وفضض أنواره، وذهب أزهاره، ونثر درهمه وديناره، وحيا ورده وبهاره، وصافح آسه وجلناره، وأطاب ثناياه وأخباره، والمذانب تسل السيوف، وترى لنفسها على الأنهار الشفوف، وتخترق من مكللات الثمار الصفوف، وتدور على سوق الغصون كالخلاخل، وتلتوي بها التواء اللسان المجادل، وتلك السواقي تحن حنين الحوار، وتضرم في القلب المشوق حر الأوار، وتهيج لوعة الصب المغترب النازح الدار، وتفجر من بين أضلاعها أمثال الشفار، كما قال الرئيس أبو عبد الله بن أبى الحسين:
ومحنية الأصلاب تحنو على الثرى ... وتسقي بنات الترب در الترائب
تعد من الأفلاك أن مياهها ... نجوم لرجم المحل ذات ذوائب
وأطربها رقص الغصون ذوابلا ... فدارت بأمثال السيوف القواضب
وما خلتها تشكو بتحنانها الصبا ... ومن بين مثليها أطراد المذائب
فخذ من مجاريها ودهمة لونها ... بياض العطايا في سواد المطالب
فحللت منها شرفا، وتبوأت عرفا، واجتنيت تحفا وطرفا، وأقمنا فيها ليالي وأياما أمنين، تغازلنا أعين النرجس وتقابلنا خدود الورد وتصافحنا أكف الياسمين:
في رياض من الشقائق أضحت ... يتهادى بها نسيم الرياح
زرتها والغمام يجلد منها ... زهرات تفوق لون الراح
قلت وما ذنبها فقال مجيبا ... سرقت حمرة الخدود الملاح
ومما أنشدني هناك لنفسه:
حسن المرية ريح ... جرى عليها فعما
فكل وجه تراه ... تراه بدارا أتما
стр. 17
وأنشدني وقال لي: أنشدني الحاج الفاضل أبو زكرياء بن واش الفاسي، وقال أنشدني بعض الشيوخ المجاورين البغداديين وقد مر به بحرم مكة، شرفها الله تعالى، الفقيه أبو جعفر بن شيخنا الإمام رضي الدين الطبري، وهو إذ ذاك فتى، فقال له الشيخ،) ما الذي تقرأ وبم تشتغل من الكتب (، فقال له الفتى،) بالتنبيه (فأنشد الشيخ بديهة.
ومهفهف الأعطاف ساج طرفه ... يغدو على الفقهاء للتعليم
شغلوه بالتنبيه جهلا منهم ... لو انصفوا شغلوه بالتنويم
وأنشدني وقال لي، دخل الأديب الشهير أبو بكر بن قزمان، رحمه الله تعالى، على بعض البلاد فأعطى نعله ليصلح له، وهو مستوفز قد نفد ما عنده، فخاطب في الحال بعض الناس من أهل البلد بقوله:
دفعت قرقي لقراق يصلحه ... وفد تعذر قيراط من الثمن
فامنن على شاعر خفت مؤونته ... قدر السؤال بقدر الناس والزمن
وأنشدني لبعضهم:
خبت نار العلى بعد اشتعال ... ونادى الجود حي على الزوال
فقدنا الجود إلا في حديث ... وإلا في الدفاتر والآمال
ولو أني ملكت الأمر يوما ... لما حاربت إلا بالسؤال
لأن الناس ينهزمون منه ... وقد ثبتوا لا لأطراف العوالي
وقرأت وسمعت عليه جميع صحيح مسلم بن الحجاج، رحمه الله تعالى، فكمل لي جميعه عليه ما بين قراءة وسماع بحق قراءته لجميعيه، بالحرم الشريف تجاه الكعبة المعظمة، سنة ثلاث عشرة وسبعمائة على الشيخ الإمام الخليل ﵇ رضي الدين أبى أحمد إبراهيم بن محمد الطبري المكي الشافعي، قال: قرأته أجمع بالحرام الشريف اتجاه الكعبة المعظمة، سنة خمس وسبعين وستمائة على الشيخ الأوحد شمس الدين أبى عبد الله محمد بن النعمان بحق قراءته، على الشيخ أبى الفضل محمد بن أبى المعالي بن الجياب السعدي، على الشيخ الشريف أبى المفاخر سعيد بن الحسين الماموني، عن الشيخ أبى عبد الله محمد بن الفضل الصاعدي الفراوي، عن الشيخ أبى الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي، عن الشيخ بن أحمد بن عيسى الجلودى، عن أبى إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري، عن الإمام، أبى الحسين مسلم بن الحجاج القشيرى، قال: " وقال الشيخ أبو أحمد إبراهيم بن محمد رضي الدين الطبري، وأخبرني به، أعلى من هذا الشيخ المحدث أمين الدين عبد الصمد بن عبد الوهاب بن عساكر الدمشقي، قراءة عليه وأنا أسمع، بالحرم الشريف تجاه الكعبة المعظمة سنة تسع وخمسين وستمائة قال: أخبرنا به الشيخ أبو الحسن المؤيد الطوسي، اجارة عن الإمام أبى عبد الله محمد بن الفضل الصاعدي الفراوى، وبسنده المذكور ". وقد أجازني الإجازة التامة، وكتب لي بخطه.
стр. 18
) وآخر سبعهم (، وموثر شفعهم، إمام المعارف، وروضة الآداب الناعمة الأفنان، الرائقة المطارف، الفائزة من المجد الموثل بالتالد والطارف، الشيخ العالم الولي: أبو عبد الله لبن حريز فرع الأصل الغزير، وطبع الأدب المخجل أسلاك الدر وسبائك الإبريز، والمعترف له في ميدان البلاغة وفرسان البراعة بالسبق والتبريز، سبق في شجرة قرشية أموية كريمة الأعراق، ساطعة الإشراق طيبة الأثمار والأوراق، وتفتح نور بيانه في جنان جنانه، فاجتنى لسانه، واجتلى كالزهر في آداره ونيسانه، وترقى بإجادته وإحسانه، من رجل برع في الطرق الأدبية الصوفية، ونبغ في العلوم العقلية والنقلية، وفرغ لها بالنفس العاصفية، والهمة الأوسية والفكرة الأياسية، فخلق فيها رجوما رافقت الأنكدار، وبدورا فارقت الأبدار، وشموسا على كسوفها من الزمان ما دار، فعلا بعدهم قدمه، وأضحى وجمهور العالم حوله وخدمه، فاقتصر في منزله الكريم على عبادة ربه، وإفادة صحبه، سارحا من فنون علوية، في روضات جنات، ودرجات مقامات، وسائحا من عيون مجلداته في بحر أمهات، وفيض ملمهات، منقبضا عن الناس إلا عن المحتاجين إلى مواساته، والمفتقرين إلى إفادته ومؤانسته، فترى تراكم الخلق عليه تراكم الجراد المنتشر، فمجلسه في داره بتونس مجتمع إليه فيه أصناف أهل العلم، وطوائف أولى التقى والفهم، وهو اليوم هناك كعبة العلوم يحج إليها، وعمدة المحاسن يعول عليها، قد جعله الله تعالى محيا للأنفس، وسببا للتأنس، وأودع فيه من صدق المصاحبة، وحسن المداعبة، وكثرة الخشية لله تعالى والمراقبة، ما سلكه على أحسن أسلوب، وملكه الأنفس وحب القلوب، فهو كما كان محمد بن سيرين ﵁، يداعب ويضحك حتى يسيل لعابه، فإذا أردته على شيء من دينه كانت الثريا أقرب إليك من ذلك.
سماحة لا تبارى الريح غايتها ... جودا ولا تتعاطى شأوها السحب
وهيبة لو رآها الدهر ماثلة ... ولي وللرعب في أحشائه صخب
إلى ما رزقه الله تعالى من القريحة الوقادة، والفطنة النقادة، والخوض في بحور العلوم الشرعية والطبيعية، والورود من مشارع الكمالات النفسية، والمشارب الذوقية الوجدانية، والعنايات السلطانية والحمايات العامة والعطايا الحاتمية، والرتب العليه، والزهد في الدنيا الدنية، وبعد الهمة والمشاركة للخاصة والعامة، من هذه الأمة، وإجابة الدعوة، والخلو من الزهو والنخوة، وأنا من رأيت نجاح دعواته، وصلاح حالي بالتماس بركاته، ولازمته وتردد إليه كثيرا فكنت أجد في مجالسته فوائد تنسي الأوطان، وأرد في موانسته موارد تحيي الهائم الظمئان، قلت له يوما، يا سيدي علم الله تعالى أني أحبك فقال لي: ابشر أني رأيت رسول الله ﷺ في النوم، فقال لي:) يا محمد رزقك الله التقوى وحببك إلى خلقه وجعل من يحبك من عبادة المؤمنين قال ﵁: فمن علمت أنه يحبني علمت أنه من عباده المؤمنين (سمعت من لفظه ﵁ جميع تآليفه البديع المزري بروض الربى وزهر الربيع الذي سماه مهب نواسم المدائح، ومصب غمائم المنائح، في مدح أحد حجاب، الخلافة الحفصية، ونقلته من خطه وصححته عليه، وسمعت وقرأت عليه، وأجازني وكتب لي بخطه، ومولده في الثاني عشر لشهر ربيع الثاني عام اثنين وثمانين وستمائة، وأخبرني ﵁ قال: حضرت محتفلة عند بعض الأصحاب انشد فيه المسمع قصيدة ابن صردر العراقي فأعجبت بها، وما أتمها إلا وقد أشربت فؤادي من سمعة واحدة، وعرضتها في الحين على من حضر وهي:
لحاجة نفس ما يفيق غرورها ... وحاجة صب ليس يفضي يسيرها
أكفكفها هطلا على كل منزل ... فلو أنها أرض لغارت بحورها
وما ينفع العين التسهد والبكا ... أذن تعرفا لي مقلة أستعيرها
وقفنا صفوفا بالديار كأنها ... أهذي التي تهوى فقلت نظيرها
لئن أشبهت أجيادها وعيونها ... لقد خالفت أعجازها وصدورها
ووالله ما أدري غداة رمينى ... أتلك سهام أو كئوس تديرها؟
فان كن من نبل فأين حفيفها ... وان كن من خمر فأين سرورها؟
وان قلتما لي ليس في الأرض جنة ... أما هذه فوق الركائب حورها
يعز على الهيم الخوانس وردها ... إذا كان ما بين الشفاه غديرها!
стр. 19
أراكد الحما قل لي بأي وسيلة ... توسلت حتى قبلتك ثغورها
تنال الذي ما شئت منها وتشتهي ... فصف لي ريا منها فأنت خبيرها
ومالي بها علم فهل أنت عالم ... أأفواها أولى بها لأم نحورها؟
يفوح النسيم الرطب من كل منزل ... وما كل أرض يستطاب عبيروها
وان فروع البان من بطن وجرة ... شهي إلينا ظللها وحرورها
ألذ من العذب الجنى عرارها ... وأشهى من الشهد المصفى رحيقها؟
على رسلكم في الحب أنا جماعة ... إذا ظفرت بالحب عف ضميرها
لعمرك ما سحر الغواني بقادر ... على ذات نفس والمشيب نذيرها
وما الشعرات البيض إلا كواكب ... مطالعها رأس وفي القلب نورها
هكذا أملاها على بلفظه، ﵁، وقرأتها عليه بلفظي مصححها لها مرة ثانية وأنشدني أيضا قال هما لأبي الحسن أبن الزقاق ﵁.
وحبب يوم السبت عندي أنه ... ينادمني فيه الذي أنا أحببت
ومن أعجب الأشياء أني مسلم ... حنيف ولكن خير أيامي السبت
فهؤلاء سبعة الدرارى في علو المقام، أو كسبعة الأيام المحيطة بأزمان أكوان الأنام، آثرت ذكرهم انتقاء من أولئك الجهابذة الأعلام، واقتصرت في عددهم على احب الأوتاد إلى الملك العلام، ولما أراد الله سبحانه ان يسعدني بالأخذ عنهم، ويسعفني في الاستفادة منهم، قيض أول من علم غيبة، ووفر جوده وسيبه، ولطائفه الخفية، وعوارفه الالاهية، صديقا في المحبة، وموافقا على الصحبة، حافظا في الصخور والغيبة،
خير أخوانك المشارك في المر ... وأين الشريك في المرأينا؟
الذي ان حضرت سرك بالود ... وان غبت كان أذنا وعينا!
هو الشيخ الفقيه العالم أبو العباس النقارسى، نفع الله بمودته، حافظ مجيد، وحامل مجيد، وناقل سديد وناقد شديد، وعالم فريد، ومدرس مقيد، له طبع حل فيه الذكاء والنبل، وقل فيه لوابل كرمه الطل والوبل، ان وأخاك رأيت الأنس قد ارتدت ذواهبه، وعادت مذاهبه، ووجدت الزمان قد لانت صعابه، وبانت شعابه، وأولاك ودادا أخلصت سريرته، وحمدت في شرعة الوفاء سيرته، فلا حمد إلا ما قد تصفحته له صفحات الفلا، ولا عهد إلا ما حفظه وإلا فلا،
وحسن الوفاء مرشح بخلائق ... تجري مع الماء الزلال إذا جرى
رحل من بلدة تلمسان قبل أن يلم بها الحصار، ويلقى ريحها الإعصار، ويشرب الزمان صفوها بالأكدار ويحكم فيها الخطوب والأقدار، ويدير عليها من البلاء والمحنة ما أدار، فكانت منه فعلة سنية ونقلة سرية، وفراسة اياسية، والماعية عباسية، فدخل الحضرة مشمرا عن ساعد الجد، ومقتادا بقائد الجد، فطلع في آفاقها كوكبا، ورسى في ساحتها كبكبا وجال في ميدانها ركضا وخببا، وتعلق بعروتها الوثقى سببا فسببا، ولم يزل يفحص في هذه المسالك على الكمال، ويستقي من مناهلها العذبة السلسل الزلال إيثارا للرتب المنيفة، واستطلاعا للمقامات الشريفة، فبلغ المنتهى، وخول ما اشتهى، وحل في الحظوة فوق السهى، فهو الآن أحد المدرسين الأعلام، وأوحد من برع في علمي البيان والكلام، وأوجد الناس للدر إذا خاض بحر العلوم بسوابح الأقلام، أديب العصر ونحويه، وعرضيه وبيانيه، وحكميه ومنطقيه، وعددية وفرضية، وأصولية وجدلية، وتعاليجية وأرتماطيقية، جمع أشتات هذه الفضائل وكان فيها صائلا ليس بضائل، وعلم اللغات وسائرها، وفك الأعاريض ودوائرها، إلى إحاطة بعلم التفسير والحديث، وسلاطة على المطالعة والمذاكرة في القديم والحديث، أما الفروع والأصول فبه كنت فيهما أصول، ولم ترعيني قط شرقا وغربا أسرع منه نسخا وكتبا، ولا أقرأ لكل خط ما عسى أن يكون صعبا، على جودة خطه وصحة نقله وضبطه، وإتيانه للسحر الحلال بأي شيء أخذ من الأرض لا يميل بشقه ولا يفطه.
كالحية الرقشاء إلا انه ... يستنزل الاروى إليه تلطفا
يهفو به قلم يمج لعابه ... فيعود سيفا صارما ومثقفا
стр. 20
دخلت الحضرة وقد كساني البين تلك الغمرة، فنبهني منه أخ شقيق وفرج به عني أزمة وضيق، وقد كان يتشوقني على السماع، وينشط للاتصال له والاجتماع، فلما علم بوصولي وصل في لمة من اخوانه الأعلام، وأعيان ذلك الصقع المتصلين بالسؤدد اتصال الألف بالام، فالتقينا هنالك التقاء النفس والأمل، وانتظمنا انتظام القول والعمل، وأقمت معه في منزل واحد، وأمل وافد، لا يستأثر أحدنا بمقسوم، ولا ينفرد عن الآخر بمكتوم ولا مختوم، وهو في كل ذلك يؤنسني غاية الإيناس، ويأخذ بضبعي إلى معرفة أكابر الناس، ويفيدني بأجل الفوائد، ويأتي من مرسوم فضائله بالزوائد، الخارقة للعوائد، وكثيرا ما كنت أعجب من تطلعه إلى المعالي وتحصيله، وأنجب باحتذائي حدوه في جملته وتفصيله، واقتفائي سننه في دقيق الأمر وجليله، والمرء على دين خليله وما زلنا بتلك الحاضرة، نتجلى أنوار المحاضرة، ونجتني نوار المذاكرة، إلى أن جاء يوم الفراق، باخترام ذلك التلاق، واحتدام ذلك الأعلاق، فسبحان من أوجد العهود ثم أعدمها، ووصل تلك الأسباب ثم حذفها، وهذه شيمة الليالي في أعقاب تجميعها بتفريقها وإشراقها كل نفس بريقها، لا تجمع شملا إلا شتته، ولا تصل حبلا إلا بتته، من أطاعها عصته ومن أدناها أقصته ومن وصلها قطعته، ومن نزع إليها نزعته، ومن أرضاها أغضبته وأحرجته، ومن سكن دارها أزعجته وأخرجته، والغبطة بها مع ذلك شديدة، والآمال فيها على أنها دار البلاء جديدة، حتى كأن حقيقة ما يعلم من استحالتها ارتياب، والرحلة عندها إياب، لقد حق أن يرفضها البصير، ويعد لما إليه تصير، ويسئل الله في أمره فنعم المولى ونعم النصير، ألهمنا الله تعالى طريق إرشادنا، وأعاننا على الأعداد لمعادنا، وقضى في العاجل والآجل بإسعادنا، أنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، وارجع إلى تتميم ما بدأت عن الأعلام بفضل هذا الفاضل وجلالته، والالماع من ذكر روايته والرواية عنه بما لا يخشى من ملالته، فأقول: أني قرأت عليه جميع تآليفه في العروض الذي سماه بالروض الاريض في علم القريض، وجميع تآليفه في الأدب الذي لخص فيه رسالة أحكام صنعة الكلام من إنشاء الوزير الكاتب أبى عبد الله ابن عبد الغفور، وكتبها لي بخطه، وأجاز لي جميع ما رواه وألفه من تآليفه التي أبدع فيها تلخيص مشكل الحديث لابن فورك، وكتاب حديقة الناظر في تلخيص المثل السائل في علم البيان، وشرح كتاب المصباح لابن مالك، وكتاب إيضاح السبيل والقصد الجليل في علم الخليل في شرح قصيدة ابن الحاجب العروضية، وله تآليف غيرها مما عرف بحمد الله قدرها، وأشتهر على الألسنة ذكرها،
وسارت مسير الشمس في كل بلدة ... وهبت هبوب الريح في البر والبحر
وأنشدني وقال: أنشدني الشيخ الإمام الأوحد أبو عبد الله محمد بن راشد، رحمه لله تعالى، قال: أنشدني لنفسه معين الدين ابن تولواء التوزى، رحمه الله تعالى ورضى عنه:
يا أهل مصر رأيت أيديكم ... عن بسطها للنوال منقبضة
لما فقدت القرى بأرضكم ... أكلت كتبي كأنني أرضة
وأنشدني لغيره:
لحا الله مصر وسكانها ... وفتت أكبادهم بالحسد
متى يرتجى مفلس عندهم ... غني، وعلى كل فلس أسد
وأنشدني الشيخ المحدث الفاضل فتح الدين بن عمر بن سيد الناس رحمه الله تعالى:
بالله ان جزت بواد الأراك ... وقبلت عيدانه الخضر فاك
فأبعث إلى المملوك من بعضها ... فأنني والله مالي سواك
وأنشدني لبعضهم:
جعلت هديتي لكم سواكا ... ولم أقصد به أحد سواك
بعثت إليك عودا من أراك ... رجاء أن أعود وأن أراكا
وأنشدني قال أنشدني الشيخ الإمام الأوحد ناصر الدين أبو علي منصور بن عبد الحق المشذلى ﵀، قال أنشدني أبو عبد الله بن أبى الفضل السلمى المرسي لنفسه:
عابوا الجهالة وازدروا بحقوقها ... وتهاونوا بحديثها في المجلس
وهي التي ينقاد في يدها الغنى ... وتجيئها الدنيا برغم المعطس
ان الجهالة للغنى جذابة ... جذب الحديد حجارة المغنطس
وأنشدني له أيضا:
تنقل فلذات الهوى في التنقل ... ورد كل صاف لا تقف عند منهل
وان سار من تهوى فسر عن جنابه ... ولا تسكبن دمعا على مترحل
стр. 21
ولا تلتفت قول امرئ القيس انه ... ضليل ومن ذا يهتدي بمضل
ففي الأرض أحباب وفيها منازل ... فلا تبك من ذكرى حبيب ومنزل
وأنشدني للقاضي الخطيب العالم أبى عمر بن إدريس، أخي بني بحر صفوان بن إدريس. في أبى العباس الفضل بن أحمد بن الفضل، أحد علماء مرسية ووزرائها، وكان أوحد زمانه في حسن الصورة.
أطاع فؤادي حبه وعصى العدلا ... وذاق الهوى مرا، ولكنه استحلا
يقولون أقصر، وأنس فضلا ولم اكن ... لا فعل هذا، ساء قولهم فعلا
يكلفني العذال ما لا يحل لي ... أأنسى؟ وقال الله لا تنسوا الفضلا
وأنشدني له أيضا:
واغيد حظي منه ما اختلس الطرف ... يميل بقلبي نحوه الحسن والظرف
غزال ضعيف اللحظ ويحي وإنما ... جنى ضعف صبري في الهوى ذلك الضعف
هو الخشف إلا أنه كلما رنا ... جزعت وفي المعتاد أن يجزع الخشف
أرى هجره وقفا علي فهل غدا ... جزاء على أني على حبه وقف
سلوه برفق هل جنيت جناية ... فان قال أي فاسألوه عسى يعفو
ويصرفني من جوره نحو عدله ... فها أنا لا عدل على ولا صرف
سأتنيه نحوي بالقوافي فأنها ... نسيم ويحكي الغصن لي ذلك العطف
قنعت بأن يهدى إلى سلامه ... إذا لم يكن زهر من الروض فالعرف
وأنشدني لابن الربيع سليمان بن أحمد اليبنى، أندلسي استوطن المشرق ومدح الملك الكامل:
لولا تحديه بآية سحره ... ما كنت ممتثلا شريعة أمره
رشأ أصدقه وكاذب وعده ... يبرى لعاشقه أدلة عذره
ظهرت نبوة حسنه في فترة ... من جفنه وضلالة من شعره
وأنشدني عند الوداع لعلي بن هاشم المروزي:
يا موقد النار يدكيها فيحمدها ... قر الشتاء بأرواح وأمطار
قم فاصطلي النار من قلبي مضرمة ... بالشوق من مهجتي، يا موقد النار
ويا أخا الذود قد طال الظلماء بها ... ما يعرف الرى من جذب واقفار
رد بالعطاش على عيني ومحجرها ... تروي العطاش بدمع وأكب جار
يا مزمع البين لا كان الرحيل فان ... كان الرحيل فأني غير صبار
ان غاب شخصك عن عيني فلم تره ... فان ذكرك مقرون باضمار
стр. 22
ثم تهيأ زادي، وكمل للسفر استعدادي، وخرجت بعد الاستخارة المشهورة، ومن حضرة تونس المذكورة في صبيحة يوم السبت السابع عشر شهر ربيع الثاني عام سبعة وثلاثين وسبعمائة، وقد نثر المركب بنوده، وقلد شراعه وأحكم شدوده، فركبت في اليوم المذكور، ثم أحصى الراكبون فكمل في المركب منهم نحو ألف راكب، ثم رفع الشراع وسرنا خارجين من المرسى إلى ان جزنا جزيرة) قوسرة (ووصلنا إلى جزيرة) ملطة (، ثم هبت ريح اقتلعتنا واسرعتنا، واشتدت وحامت فروعتنا وأزعجتنا، حتى أدخلتنا مرسى جزيرة) أفريطش (فأقمنا فيها خمسة أيام، وهي جزيرة للروم، وطولها نحو ثلاثمائة ميل ثم خرجنا منها فلما توسطنا المواسط اشتدت الريح المختلفة، وعظمت الأمواج المضطربة، وأتت الأنواء من كل جانب، وجاءنا الموج من كل مكان أمثال الجبال السائرة، فاظلم الجو وتراكم النوء، وارتفع الصحو، وتبدل بالكدر الصفو، واهتاج البحر اهتياجا، واربدت الآفاق سوادا، وانتشرت الرياح عصوفا، وتدفقت الأمواج، وعظم الارتجاج، وهمى الغمام، واستشعر الحمام، وأرسلت شئاييب الأمطار كأنها السهام، وكان ذلك الخطب أعظم من ان يحيط به الوصف، فرجفت القلوب، وخرست الألسن، وجرت الرياح بما لا تشتهيه السفن، واتصلت الحال في الزيادة إلى أن قربنا) من جزر الرومانية (، وتفاقم الأمر وتعاظم حتى انتهينا إلى جزيرة) أشقرباطة (فركبنا إلى مرساها، وأرسينا به فتزايد الأمر وعظم، حتى قطع المراسي جملة واحدة، وخرج المركب رغما على الأنواف واستقبل عظيم تلك البحار فأيقنا بالهلاك، وغلب اليأس على الأمل، وقلت) أنا الغريق فما خوفي من البلل (وكم يسير بنا في غير طريق، والهول يزيد ويعظم، حتى تفتح المركب من جميع جهاته وصار الماء يدخله من كل جانب حتى ملاء الجو الأسفل واستوى على ظهر الطبقة الثانية من المركب، وتزايد فيها حتى قرب من الطبقة العليا، فاستغاث الناس ولم يبق شك في الهلاك، وإذا بالرئيس والبحريين قد أقبلوا عليهم وقالوا ما بقي في الحياة من طمع إلا ان قدرتم على ميح الماء ورمى الوسق، فقام الخلق بأجمعهم كبيرا وصغيرا وذلك بين العشائين، وأقبلوا على الميح والرمى، فلما رجع أحد عن رمي ما قام في وجهه شيء كان، ما عدا النفس خاصة، والقليل من الشدائد يصير عند المشاهدة له كثيرا، كما ان الكثير من الشدائد يصير عند سماعه قليلا، وأهوال البحر لا تحصى ولا تحصر، والشيء يسمع فيحقر حتى يبصر:
هو البحر حدث عنه غير مكذب ... فما تنقضي آياته وعجائبه
فأقاموا كذلك حتى ظهرت) جزيرة قبرس (وهي جزيرة كبيرة معمورة بالنصارى كالجزر التي قبلها، فما انفصلنا عنها إلا وقد أدركهم الجهد والإعياء، ولحقهم العطش الشديد والعناء، وقد كانوا رموا جميع ما كان بقي لهم من الماء المعد للشرب فطلبت قطرة من الماء توجد، فما رض ضلوعي ولا فض دموعي إلا أطفال يضطربون بالبكاء ويستغيثون من العطش ومن الماء حتى أشرف الناس على الهلاك بالعطش، وتجزع بعضهم من ماء البحر فكنت أراهم مطروحين يعالجون سكرات الموت، فعند ذلك قام صاحب المركب إلى شيء يسير كان بقى له ولرجاله من الماء لشربهم، وحضره إلى ناحية وأحصى جميع ما كان في المركب اسما وعينا بالزمام، وصار يدفع لهم جرعة واحدة ظهر كل يوم قدرها نحو ثلاث أواقى، فبينما يتمسكون بتلك العلالة، ويترمقون بتلك المصة والبلالة، التي كان الناس يتجرعونها، كرها، والعطش أشهى للنفس منها، إذ أمر الله تعالى الرياح ان تسكن. والبحار أن تبيض، فلم تتحرك فيها للنسيم حركة:
وقد كان بحرا قبل ذلك زاخرا ... فغدا بذلك، وهو بر مقفر
стр. 23
فتمكن اليأس، وعظم البأس، وسقط في أيدي الناس، فضجوا بالدعاء، ونقص لهم النصف من تلك الجرعة التي كانوا يأخذونها من الماء، واختلفت إليهم أنواع الهلاك والبلاء، فلما رأيت تلك الشدة، جمعت الأصحاب من قراء القرآن فاجتمع منهم نحو الثلاثين رجلا، فقلت لهم ما لنا إلا اللجوء إلى الله عزل وجل، وأتوسل إليه بكتابه وبرسوله فصلينا العشاء الأخيرة وقسمت عليهم القرآن مجزئا، وأقمنا على التلاوة والقراءة ليلتنا تلك فلم يكن إلا أمد يسير وشفع الله فينا كتابه العظيم، ونبيه الكريم، وهبت ريح سرنا بها حتى أنعم الله سبحانه وظهر منار الإسكندرية فأعلم الناس بذلك، فضجوا سرورا بالدعاء والبكاء، وأعلنوا بالحمد والشكر لله تعالى والثناء، وكادوا أن يقضي عليهم ذلك الأمل ومن فرح النفس ما يقتل.
خفقت قلوبهم سرورا بعدما ... باتوا بأفئدة يراع خوافق
فما رأيت قبلها بشارة أحلى في النفوس، أوقع في القلوب، ولا أعظم سرورا من سرور الخلق بها في تلك الساعة، وما ظنك بساعة أعلنت بالكرم والجود، وأعلمت بالخروج من العدم إلى الوجود، وفيها نطق لسان الشكر بما تيسير على الفكر فقلت:
بشراكم لاح المنار إلا سعد ... ودنا على اليأس المرام إلا بعد
وتنفس الكرب الذي كنا به ... في حالة البلوى نقوم ونقعد
وافتر من إسكندرية ثغرها ... قد أخصب المرعى وطاب المورد
واستقبلوا النعم العظام بشكرها ... فبشكرها أبدا لكم تتزيد
ما خاب قصدكم وطبية قصدكم ... وشفيعكم خير الأنام محمد
فوصلنا وجفن الظلام قد انطلق على عين الشمس، ومضى اليوم مضي الأمس، ودخلنا المرسى بقرب المنار، في ليلة الجمعة الثالث عشر لجمادى الأخرى من عام سبعة وثلاثين المذكور، ولما بدأ من الفجر سفور، ونثر الصبح كافور، وركبت إلينا زوارق المدينة، وخرج الناس لمشاهدتنا في أحسن الزينة، نزلنا البر لا نلوي على جريج ولا نصبر ريثما يسكن البحر من ماء وريح، وأقبلنا الساحل قاصدين تائبين من ركوب البحر أبد الآبدين فلما وطيئنا الرمل وسلمنا على الأخوان احتضنا بالشرط والاهوان، وحملنا بأجمعنا إلى الديوان هناك شاهدنا الحساب وأرينا العذاب، وملئوا منا البيوت والرحاب ثم أمرت اليد على القليل الكثير، والحقير والنقير، والدفتر والقطمير، والرفيع الوضيع والغني والفقير، وفتشت الأوساط، وعم الزحام والاختلاط، وكثر الهياط والمياط، حتى خرج المخزون والموزن، وبرز المعكوم والمختوم، وعند الله تجمع الخصوم، فأخذ من كل عشرة دنانير ديناران ومن كل عشرة دراهم درهمان، ظلما وعدوانا وجورا وطغيانا فاستشعرت الأسف، ونسيت كل رزء سلف، وودت للنزر الحاضر لو كان مع الشيء الآخر ذهب وتلف وجعلت أنشد:
رمى بي البحر درا في بلادكم ... لكنني لم أصادف فيكم صدفا
أصبحت بين أناس ضعت بينهم ... كالزهر في كف مزكزم فوا أسفا
وبعد مرارة تلك المواقف المهينة، أعقبت حلاوة تلك المدينة:
فنسينا ما لقينا ... وكأنا ما شقينا
وخلصت من حجر الأسى لمسرة ... فتنت بها الأبصار والأسماع
وظفرت من زمني بحظ لم يزل ... بيني وبين الدهر فيه نزاع
فانتظم الشمل بقصر الموضوع، بديع المجموع، يعجب بقطعه المتجاورات، وحدائق فيها من كل الثمرات ونخل كالكتائب قابلت الكتائب، والعذارى أرخين الذوائب، فيها قنوان من البسر وألوان تعدى على العسر، وتهدى إلى اليسر فلم أر مدينة أحسن منها وضعا ولا أبدع ربعا، ولا أسع مسالك ولا أعلى مباني ولا أسمى مراقى، ولا أجمل مراسم، ولا أوضح معالم، ولا أملح أزقة، ولا أعجب رونقا ورقة، ولا أحسن تفصيلا وجملة.
هي القصور البيض لا ما حدثوا ... عن أرم وغيرها من البنا
تخطف الأبصار من لالائها ... والليل قد ألقى القناع الادكنا
стр. 24
فكأن محاسن الدنيا فيها مفروشة، وصورة الجنة فيها منقوشة، كوكبها يقظان، وجوها عريان، وحصاها جوهر ونسيمها عطر، وترابها مسك أذفر، ويومها غداة، وليلها سحر، وكفاها ان ليلها كالنهار في تصرف العباد، وإعادة مسائها كصباحها، وهو غير المعتاد، وهل هي الاذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، ذكر المفسرون عن أبى ابن كعب في قوله تعالى أرم ذات العماد: إنها الإسكندرية، فهي من أعجب البلدان، وفيها بنيان عجيب، ذكر صاحب الجغرافيا أنها بنيت في ثلاثمائة سنة، وان أهلها مكثوا سبعين سنة ألا يمشون فيها بالنهار إلا معصبين الأعين بخرق سود، خوفا على أبصارهم من شدة بياضها، وعلى منارها سرطان من رخام، والمنار على أربعة أساطين، وطوله ثلاثمائة ذراع وحيطان المدينة وسورها من رخام، فيها قبة كانت لفرعون، وفيها قصر سليمان قد نهدم وبقيت أثاره، وبها أسطوانة تستدير الدهر كله، وكان في القديم على منارها مرآة كبيرة، صنعها الحكماء، يتطلع بها على القسطنطينية وبلاد الروم حتى احتيل في إنزالها، فلم يستطع أحد على صرفها بهذا انتهى، ومن عجيب صنعها أن بناءها تحت الأرض كبنائها فوقها، بل أعتق وأمتن، لان الماء من النيل يخترق جميع ديارها ويتخلل جميع أزقتها تحت الأرض، فتتصل الآبار بعضها ببعض ويمد بعضها بعضا، وعاينت فيها من سوارى الرخام وألواحه كثرة وعلوا واسعا وحسنا ما لا يتخيل بالوهم، ولقد نلقي فيها سوارى يقصد الجو بها لا يدري معناها، ولا لما كان أصل وضعها، ويذكر انه كان عليها في الزمن القديم مبان الفلاسفة ولأهل الرياسة والله اعلم، ومن أعجبها وأعظمها عمود السوارى، له قاعدة مربعة هو عليها، عددت في أحد جوانبها نيفا على أحد عشر شبرا، وطالعت في بعض التآليف أنه أعظم عمود على وجه الأرض واقف على كنز من الكنوز، وان طوله تسع وأربعون ذارعا بالذراع الكبيرة التي فيها ذراعان، وانه لا يتزحزح عن موضعه ولو تساقطت عليه الجبال الشم، ومن عجائب الإسكندرية أيضا المنار، وهو بخارجها قد صعد كالبرج الأعظم في عنان السماء أساسه كله معقود بالرصاص، وبنيانه بالحجر المنجور الجافي يزاحم السماء سموا وارتفعا قد وضعه الله تعالى على يد من سخره لذلك آية للمتوسمين، وهداية للمسافرين يهتدون به في البحر إلى بر الإسكندرية، ويظهر على أزيد من سبعين ميلا، عرض أحد جوانبه الأربع ينيف على خمسين باعا، ويذكر أن في طوله أزيد من مائة وخمسين قامة، وألفيت في بعض التآليف المعتمدة ما نصه: وذكر من عبد الله بن عمرو ابن العاص أنه قال عجائب الدنيا أربعة مرآة منار الإسكندرية كان الناس يجلسون تحتها فيرون من القسنطينة وبينهما عرض البحر، وفرس من نحاس بأرض الأندلس باسط يديه مقابل بكفييه أي، ليس خلفي مسلك فلا مسلك فلا يطأ أحد تلك الأرض إلا ابتلعته النمل، ومنارة من نحاس عليها راكب من نحاس بأرض عاد، فإذا كانت الأشهر الرحم هطل منها الماء فشرب الناس واستقوا وصبوا في الحياض فان انقطعت الأشهر الحرم انقطع ذلك الماء إلى آخر، وشجرة من نحاس بأرض رومة عليها زرزور من نحاس سودانية فإذا كان أوان الزيتون صفرت تلك السودانية من النحاس فيعصر أهل رومة ما يكفيهم من الزيت لادمهم وسرجهم في كنائسهم إلى عام قابل، هذا الذي ذكره عبد الله بن عمرو بن العاص خبر مشهور موجود في كتب الحكماء، والمرآة التي كانت بمنار الإسكندرية صح خبرها بالتواتر خاصة، وإنما عمل الروم في إفسادها خوفا منها، ولهذه المدينة من المدارس والمساجد ما لا يستوفيه وصف ذكر الهروى في بعض تآليفه أن مدينة الإسكندرية احتوت على أثني عشر ألف مسجد، وذكر أبو الربيع بن سالم الكلاعي في كتاب الاكتفاء له قال: كتب عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب ﵁ حين فتح الإسكندرية، أما بعد فأني فتحت مدينة لا أصف ما فيها غير أني أصبت فيها أربعة آلاف منية بأربعة آلاف حمام، وأربعين ألف يهودي عليهم الجزية، وأربعمائة حلة للملوك، وعن أبى قبيل، ان عمرو بن العاص لما فتح الإسكندرية وجد فيها أثنى عشر ألف بقال يبيعون البقل الأخضر) انتهى (، إلى غير ذلك من المعاهد والمفاخر والمشاهد والمآثر، وفيها تربة بعض الأنبياء ﵈، وتربة بعض التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، استوفيت زيارة جميعهم وتردد إلى مبارك بقيعهم، ثم عدت إلى لقاء العلماء والأخذ
стр. 25
عن الفضلاء فأول من لقيته بها من الأئمة وحاملي الآثار والسنة الشيخ الفقيه الإمام قاضي المالكية الأحق بالرتبة السامية السنية، وجيه الدين أبو زكرياء يحيى بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن الأمان بن خليفة بن أبى أرضين ابن تقين بن تامشت بن علي بن رجاء بن عبد المؤمن بن ذي حي الصنهاجي اليزيدي المالكي، هكذا أملى علينا نسبه ومولده في الثالث من شهر ربيع الأول سنة سبع وستين وستمائة إمام الفروع والأحكام، والعالم بالحلال والحرام، والمهتم بطلب العلم أعظم الاهتمام له رحلة قديمة وعي فيها الكثير ولقى الصدور الأكابر، وحج نحو العشر حجج وجاور سنين وشغل زمانه بالعلم فاستفاد وأفاد، فيه يقول صاحبنا ورفيقنا الكاتب البليغ الحافل الفاضل أبو إسحاق ابن الحاج وأنشده إياهما بمحضري:
أضحى وجيه الدين أسبق سابق ... في العلم والعلياء والخلق النزيه
عجب الورى من سبقه وتعجبوا ... فأجبتهم لا تنكروا سبق الوجيه
وهو رجل قد أجزل الله تعالى له الحظين: كمال الخلقة ووفور القوة، وسعة الدنيا، ومتانة الدين، سرى وسيم، مسكي النسيم، زكي المناسم في المبدأ والقسيم، طلق أسرة الوجه دمث جناب البر رقيق حاشية الطبع، حسن الأخلاق، وحسن الهيئة، جميل اللباس، سمح اللقاء مليح التأنيس، حلو المحاضرة، ذكي المعاني، نبيل المقاصد، سهل الحجاب، لين الجانب، يقظ، حاضر الذهن كأن خاطره جمرة تقد، سمعت عليه تآليف كثيرة بمنزله من الإسكندرية وأجازني الإجازة التامة المطلقة العامة وكتب لي بخطه. . . وجرت المحاضرة عنده فأجرى خيله، وجر الحديث على المذكرة ذيله فأخبرته ان في كتاب سحر الشعر. . . من لا يجد انفعالا عند سماع قول ابن عبد ربه القرطبي.
أشكو إليك قلا دعائي يسمع ... يا من يضر بناظريه وينفع
للورد حين ليس يطلع دونه ... وأراه عندك كل حين يطلع
من لي باحور ما يلين كلامه ... خجلا وسيف جفونه ما يقلع
منع الكلام سوى إشارة لحظه ... منها يخاطبني وعنها يسمع
فليتهم مزاجه وليبادر علاجه " وفي كتاب " الأشعار بهزات الأشعار " قول ابن عبد ربه ":
يا لؤلؤا يسبي العقول أنيقا ... ورشا بتعذيب القلوب خليقا
ما ان رأيت ولا سمعت بمثله ... درا يعود من الحياء عقيقا
وإذا نظرت إلى محاسن وجهه ... أبصرت وجهك في سناه غريقا
يا من تقطع خصره من ورقة ... ما بال قلبك لا يكون رقيقا
وفي كتاب " المطمح " ان أبا الوليد بن عتال لما انصرف من الحج اجتمع بأبي الطيب في مسجد عمرو بن العاص بمصر ففاوضه قليلا ثم قال له أنشدني لمليح الأندلس، يعني ابن عبد ربه فأنشده هذه الأبيات، فلما أكمل إنشادها استعادها ثم صفق بيده وقال: يا ابن عبد ربه لقد تأتيك العراق حبوا فتناقلتها عني بالألسن الأقلام، وكانت سببا لتأنيسى بأولئك الجلة الأعلام.
стр. 26
وممن لقيته بها من الأمجاد، والعلماء النقاد، الشيخ العدل شرف الدين أبو البركات محمد بن الشيخ الإمام العدل المرحوم فخر الدين أبو بكر محمد بن الشيخ الإمام العالم المصنف شهاب الدين أبى محمد عبد الكريم ابن عطاء الله الجذامى الإسكندري، له حسب صميم، وسلف في العلم قديم ومنهج على السنة قويم، وبيت له للعلم والدين تعظيم وتفخيم، فلله ما هنالك من خيم، ومنادى لا يدخله ترخيم، ومنتهى لا يعرف نحوه إلا منطق دلق ولفظ رخيم. فهو كريم النجار، كبير الكبار، خير الأخيار، طاهر اللذات، فاضل الذات، كامل الأدوات، كثير الآيات، عالي الروايات، عالم بالشرعيات، واقف على الطبيعيات، عف السريرة، حسن الصورة والسيرة، طريف المنازع، ذكي المبادئ والمقاطع، سهل العبارة نبيه التنبيه والإشارة، كأنه لطيمة مسك أو شهدة مشتارة. ذاكر الحديث والفروع، سالك على ألسن المشروع، عارف بعقد الشروط ناظم لتلك السموط، عاقد مجيد، باحث مفيد، إمام مفتي عالم مدرك عدل مبرز.
من معشر أوصافهم ... كالمسك لذ لمن نشق
فحديث آخرهم زكا ... وحديث أولهم عبق
لقيته بدكانه من الشهود بالإسكندرية، وجالسته كثيرا مغتنما لفوائد مجالسته، متنعما في حدائق مؤانسته، وسمعت عليه وأجازني إجازة تامة مطلقة عامة، وكتب لي بخطه.
وممن لقيته بها من العلماء المسندين والأولياء المهتدين: الشيخ العالم شرف الدين أبو العباس أحمد بن أبى الحسن علي) بن عبد العزيز ابن عبد الله الكتامى الشافعي، الشهير بابن المصفى أرضاه الله تعالى: شيخ المعارف والفضائل وإمام الأكابر، وصدر المجالس والمحافل، بدر الإشارة لسرى القوافل، له المناقب الثواقب والمواهب السواكب، والفوائد الفرائد، والمناهج المباهج وله بالعلم عناية، تكشف العماية، ونباهة تكشف النزاهة، دراية تعضد الرواية فكلامه تنثر طرفه وتتهادى تحفه فارق لين المهاد، ورافق العبادة والاجتهاد، وانعطفت قناته وهبت بحركاته سكناته، ذو خشبة لله ومراقبة له كثير الدعاء دائم الصبرة شديد التواضع عالم صالح فاضل.
محامد فاز في الدنيا بعاجلها ... وفي القيامة أجر غير ممنون
لقيته بمنزلة من الإسكندرية، فسمعت عليه تصانيف جملة، وتلقيت منه فوائد جمة، وقرأت عليه بلفظي جميع كتاب الشهاب للقضاعي رحمه الله تعالى، وحدثني به عن شيخه سعد الدين عبد الرحمن بن حسن بن حمزة لجميعه من لفظه وسنده في برنامج روايتي وحدثني به أيضا عن الشيخ أبى البركات هبة الله بن زوير الأزدي الإسكندري إجازة ان لم يكن سماعا قال أخبرنا الشيخ أبو القاسم بن حمزة بن موقى السعدي الأنصاري سماما عليه من المدارك سماعا عن المؤلف سماعا، وسمعت عليه جزءا وافرا من كتاب موطأ الإمام مالك بن أنس ﵁، وتناولته أجمع من يده المباركة، وله فيه علو زائد، وألبسني خرقة التصوف، وأخبرني انه لبسها عن الشيخ الإمام القدرة شمس الدين أبى عبد الله محمد بن موسى بن النعمان الهذلي بسنده فيها، وقرأت عليه بلفظي جميع الجزء المسمى تنبيه المذنب بالطير والحوت قبل ان يموت تأليف شمس الدين أبى عبد الله بن النعمان المذكور، وحدثني به عنه سماعا عليه، ومما انفرد بالعلو فيه سماعه غير مرة لجميع القصيدة الفقهية في الحجة والزورة المحمدية على ناظمها الشيخ الإمام الصالح مجد الدين أبى عبد الله محمد بن أبى بكر البغدادي الواعظ رحمه الله تعالى وأولها:
أيا عذبات البان من أيمن الحمى ... رعى الله عيشا في حماك رعيناه
سرقناه من ريب الزمان وصرفه ... ولما سرقنا العيش منه سرقناه
وجاءت جيوش البين يقدمها القضا ... فبدد شملا بالحجاز نظمناه
وسماعه كذلك لجميع القصائد الوترية المضمنة مدح أشرف البرية لناظمها مجد الديد وأولها:
أصلي صلاة تملأ والسماء ... على من له أعلى العلا متبوأ
أقيم مقاما لم يقم فيه مرسل ... وأمست له حجب الجلال توطأ
إلى العرش والكرسي أحمد قد دنا ... ونورهما من نوره يتلألأ
وقد قرأت جميع ذلك كله عليه بلفظي بمنزله المذكور، وقرأت وسمعت عليه ذلك وأجازني وكتب لي بخطه ومولده في شعبان سنة تسع وأربعين وستمائة، وأنشدني في غير مرة، وقال: أنشدني الشيخ أبو عبد الله محمد بن أبى بكر الواعظ المذكور لنفسه:
стр. 27
حضرت فكنت في بصري مقيما ... وغبت فكنت في أقصى الفؤاد
وما شطت بنا دار ولكن ... نقلت من السواد إلى السواد
وممن لقيته بها من أهل المجادة، والعلم والعبادة، الشيخ العالم، المسند سديد الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ العدل المرحوم عز الدين أبى القاسم عبد الرحمن بن الشيخ شهاب الدين أبى محمد عبد الوهاب بن الشيخ رضي الدين أبى عبد الله محمد بن الشيخ الإمام الأوحد مفتي المسلمين جمال الدين أبى الماضي عطية بن المسلم بن رجا بن منصور بن جامع بن الحسن بن علي التنوخي اللخمى الإسكندري المالكي، المشهور بابن عطية، أوحد من برع في العبادة والزهد، وفرع ذروة العلم والمجد فجمع الله له بين العلم والعمل، ومنحه من كل فضل بلوغ الغاية التي لا يقال معها لشيء كمل لو أن ذا كمل، ووهبه شرف الخلال لجميع خلال الشرف، وجعل سرفه في الخير حجة على من قال لا خير في السرف.
بيته أحد البيوت الرفيعة بالإسكندرية، وله بها مزية الرفعة المزية، عمر بالحسنات إناءه، وتتبع بالقربات آباءه بانيا كما بنوا، بل زائدا على ما أتوا، وبادئا من حيث انتهوا، فهو حبر الأكارم، وبحر المكارم، وتاج المفاخر، وحجة المفاخر، فقد رأى وشاهد، وحمد ذلك المجد المشاهد، ويا طالما لازمته فاجتليت شمسه العلية طالعة من شرقها، وأنوارها الجلية ساطعة في أفقها، ولكم أقمت بها خطيبا وأرجت من ثنائها طيبا:
فآنثنى والثناء بأرج من عطفيه ... طيبا لم يرض بالند ندا
لقيته بمنزله من الإسكندرية، وسمعت منه حديث) الرحمة (المسلسل بشرطه، وحدثني فيه في غير هذا، وقد أخذت، حديث) الرحمة (هذا عن جماعة كبيرة من أهل الأندلس وغرب العدوة وغيرهم، وخرجت سندي فيه عنهم في مجموع كبير. سمعت عليه حديث رسول الله ﷺ أجزاء كثيرة منها جزء فيه مجلس من أمالى الحافظ أبى القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي، وجزء فيه ثلاثة عشر حديثا مخرجه من كتاب للترمذي، وجميع ما تضمنته الأربعون الكبرى الصحابية، للحافظ أبى الحسن المقدسي من الأحاديث النبوية بأسانيدها والكلام عليها، وهي سبعة أجزاء يجمعها مجلد واحد، وجميع الأربعين حديثا على أربعين شيخا، في أربعين بابا، لأربعين صحابيا، وقد استوفيت جميع أسانيد ذلك كله في برنامج روايتي فذلك موضوعها. وأجازني إجازة تامة مطلقة عامة، وكتب لي بخطه، ومولده ﵁ خمسين وستمائة.
ومنن لقيته بها من كبار المقرئين، وخيار عباد الله الصالحين، الشيخ المقري الصالح فخر الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبى الحسين يحيى بن السيورى أبقى الله بركته فخر السنة والملة، وإمام الأئمة الجلة، ولي الله الكريم عليه، المنقطع إليه، المشفع بالقراءة والتلاوة بين يديه، مجد في الزهادة، متفرغ للعبادة متوكف ما وعد الله سبحانه للذين أحسنوا من الحسنى والزيادة، نشأ على عفة وصيانة، وأمانة وديانة، فعظم الله شأنه، ورفع بالعلم والعمل مكانته ومكانه، وأعلى منار الهداية ورزق الناس الانتفاع به في البداية والنهاية، فازدحموا على مورده والمورد العذب كثير الزحام، والتأموا بمعهده، وحيث الحب يزدحم الحمام، وأنشدوا لدى يديه:
لقد حسنت بك الأوقات حتى ... كأنك في فم الزمن ابتسام
стр. 28
وللجمهور بالانسياح إليه والانسياب، لهج الغياب بالإياب، وطرب الشيب لذكر الشباب، أخذ القراءة عن جماعة جلة وسمع الحديث على رجال بأسانيد علية، حتى انتهى رتبة أوائلها، وانتهج طرق اعتنائها واعتلائها، وفضائله كالصبح جلا الأفاق، والنجم أعقب الإخفاق لقيته بموضوع إقرائه من الإسكندرية فسمعت عليه من الحديث كثيرا، وترددت إليه فانتفعت به انتفاعا كبيرا، ومما سمعت عليه جزأ فيه ستة أحاديث منتحبة من رباعيات الترمذي، وفيها حديث واحد ثلاثي تخريج السيد الشريف تاج الدين أبى الحسن علي بن أبى الحسن علي ابن أبى العباس أحمد القرافي الحسنى بسماعه له قراءة مخرجه المذكور على الشيخ شرف الدين أبى عبد الله محمد بن عبد الخالق بن طرخان القرشى الأمورى بسماعه بجميع كتاب الترمذي من أبى الحسن علي بن أبى المكرم نصر بن المبارك المعروف بابن البناء قال أخبرنا أبو الفتح عبد المالك بن أبى القاسم عبد الله بن أبى سهل بن أبى القاسم الكردوخى سماعا عليه، قال: أخبرنا المشائخ الثلاثة أبو عامر محمود بن أبى القاسم الأزدي وأبو بكر أحمد بن عبد الصمد الغوجي وأبو نصر عبد العزيز بن محمد الترياقى قالوا: أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن عبد الله بن أبى الجراح الجراحي قال: أخبرنا أبو عباس محمد ابن أحمد بن محبوب المحبوبى المروزي قال: أخبرنا أبو عيسى الترمذي، ومما قرأت عليه بلفظي جميع الجزء المسمى " بقضاء حوائج الأخوان وإغاثة اللهفان " تأليف الحافظ أبى الغنائم محمد بن علي بن ميمون النسري الكوفي، بحق سماعه على الشريف أبى الحسن علي بن أبى العباس أحمد القرافى المذكور، بسنده المرسوم على ظهر الجزء المذكور المنتسخ بخطى، المصحح على هذا الشيخ الفاضل جهدي، وإجازني إجازة تامة مطلقة عامة، وكتب لي بخطه، ومولده سنة ثلاث وخمسين وستمائة بمصر بالفسطاط وأشياخه جملة منهم: أبو عبد الله بن طرخان المذكور، ومنهم الإمام أبو عبد الله محمد بن الدهان، والشيخ المقرئ صالح مكين الدين عبد الله الأسمر بن منصور العمري، ومنهم الشيخ كمال الدين أبو الذكر بن عبد القادر الدحراوى، وغيرهم ممن يطول ذكرهم، رضي الله عن جميعهم، ونفع بحبهم والترحم عليهم. وممن لقيته من العلماء المتجرين والحفاظ المصنفين: الشيخ المصنف نور الدين أبو الحسن علي بن يونس بن عبد الله الهواري التونسي حل كتف العلم والعلاء، وجل قدره في الجلة الفضلاء، ولم يزل على كد الطلب أصبر من عود يجنيه جلب فقطع الليالي ساهرا، وقطف من العلم ازاهر، حتى ارتوى من المعارف سجله، وعرف مكانه من العلم وفضله، فأثمروا وأورق، وغرب وشرق، وجمع وفرق، وتوغل في فنون العلم واستغرق، طلع على الأبصار هلالا لأن الغرب مطلعه، وسما في النفوس موضعه وموقعه، وأدرك غاية المجد بقدمه، وأفصح عن سر فضله لسان قلمه، فجمع أشتات الفضائل، ورفع ألوية الفواضل واجتلى شمس العلى بتلك الآفاق، وشاهد في طلوعها من مشرقها ما لها من الإشراق، فلله دره بحرا لدرره الأسماع ملتقطة، وروضا بزهره الأجفان مغتبطة، فلا أزين من لقائه ولا أحسن من إلقائه، ولا أفضل من معاملته، ولا اجمل من مجاملته، ولا أحلى من محادثته، ولا أجلى من مناقشته، لقي الشيوخ الأكابر، وبقي حمده متعرفا من بطون الكتب والسنة الأقلام وأفواه المحابر كثيرا ما كنت أذكر بأوصافه، وأفكر في حمد يقوم بأوصافه ولم ادر أرد أم أرود، وافد بقلمي على مجالس جود أو مجال سجود، فأحشر إليه الألفاظ، وأقوم بها في مدحه أخطب من قس أياد بعكاظ لقيته بالإسكندرية فسمعت من لفظه جملة من تخميس أبى مهيب لعشرينيات أبى زيد الفزارى وتناولت جميع التخميس من يده، وحدثني به عن الأستاذ أبى العباس النيلى سماعا لجميعه عليه، حدثه به عن الناظم ابن مهيب المذكور وسمعت عليه تفقها بعض كتاب التنقيح للإمام شهاب الدين القرافى، وحدثني به عن المؤلف شهاب الدين المذكور عرضا مني لجميعه عليه وتفقها، وسمعت منه بعض شرحه لكتاب ابن الحاجب الأصلي وبعض شرحه للتنقيح وأجازهما لي، وأذن لي في روايتهما عنه، وأجازني سائر تئاليفه وجميع ما يعلمه ويرويه إجازة تامة مطلقة عامة وكتب بخطه، ومولده في ذي الحجة من عام ثمانية وستين وستمائة، وممن نفته بها من الرواة المتقين الله حق الثقاة الشيخ الفقيه العدل شمس الدين أبو عبد الله بن الشيخ الإمام العلامة مفتي
стр. 29
المسلمين كمال الدين أبى عبد الله محمد بن محمد عبد الرحمن القرشي الإسكندري حامي المجيزيين، وحامل لواء العدول المبرزين، ومجدد ملابس الثناء الثمين، ومحرز عرائس الألفاظ لحفظ ذمم العالمين، ذخر الدهر، فخر القطر، وسر العدا، وآفة الجزر، ومالك بيض الطروس وسمر السطور، وبالبيض والسمر، وقار ما مثله وقار، ومآثر كأنها علم في رأسه نار، مفاخر طوالعها صبح ونهار، وشيم تتضاءل لها قطع الرياض، وتحدث ولا حرج عن بحر الكرم الفياض، وسجايا عريقة المجد، ما جدة الأعراق، خليقة بالمجد حميدة الأخلاق، قد سقته العلوم زلالها، ومدت عليه العدالة ظلالها، وأحلته الجلالة جلالها، وأرشفته الأصالة عذبها وسلسالها فعلا قدرا ولاح في سماء السناء بدرا، وصار لأولئك الصدور صدرا، وحق لمن أعلقت بهذا الشرف حبالته ان توارى أنوار الغزالة ذبالته:
شرف يطل على السماك وسؤد ... كالصبح لا يسع العدا إنكاره
لقيته بالإسكندرية بحانوت الوثيقة، وحيث تأثلت معارفه تأثل الروضة الأنيقة، فسمعت عليه أجزاء كثيرة وكبيرة، ومنها جزء انتقى من الأخبار لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري وسنده فيه مقيد في أوله ومن أصله نقلته، وعليه صححته، وقد قرأته على غيره وسمعته، وأذن لي هو في روايته وأجازني جميع ما يحمله ويرويه إجازة تامة مطلقة عامة، وكتب لي بخطه، ومولده أول ساعة يوم الأربعاء ثاني جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وستمائة، وأنشدني لأمير المؤمنين علي بن أبى طالب ﵁:
إنما للناس منا ... حسن خلق ومزاح
ولنا ما كان فينا ... من فساد وصلاح
وممن تدمجت معه وتمتعت به فيها صاحبنا الشيخ الفقيه المحدث تقي الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبى بكر بن عوام الربعي الشافعي، سبط الشيخ الولي الشهير أبى الحسن الشاذلي نفع الله تعالى به، هو من كبار الطلبة الفضلاء، وخيار السادة الفقهاء، وسليل الكرام والأكابر والأولياء صالح أراك سيرة سلفه، وأعفاك من كبره وصلفه، واقتفى سنن مجده، واقتدى في حمل الفضائل بأبيه وجده، إمام مدرسا وعدلا مبرزا، ذاكرا للعرب وأنسابها، حافظا لغاتها وآدابها، جذب من العربية أوفر نصيب، وضرب في الحديث والفروع بسهم مصيب، وشارك في جمل فضائل وجمل مسائل، وحصل من كرم الطبع وطبع الكرم على طائل، مع إفادته طلبته في تدريسه، ونصيحته لمستفيده وجليسه، فلا فضيلة إلا وفضل بحملها وحمل فضلها، وكان أحق بها وأهلها، وأخاني وصافاني فتجاذبنا المذاكرة، وتعاهدنا المراوحة للشيوخ والمباكرة، وأفاد كل واحد منا صاحبه بما تجلبه المذاكرة من وجه الإفادات وتفضل من المشاركة المباركة وبذل الجد والمياسرة في لقاء أولئك الأفاضل، والأخذ عنهم بما أوجب على ذكره معهم وإلحاقه بهم وإضافته إلى جملتهم:
حفظا على السؤدد الممنوع جانبه ... من أن يضام وإشفاقا على الكرم
وسمعت عليهم بقراءته كثيرا، وتحصل لي منهم بدلالته حفظا كبيرا، وأجازني الإجازة التامة وكتب لي بخطه وأنشدني أناشيد كثيرة تقيدت في غير هذا، ومن ذلك ما أنشدني، وقال: أنشدنا شيخنا بخطه: أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف بن حيان بلفظه، قال: أنشدنا الفقيه الإمام الأديب البارع، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن ختام الدين دانيال بن يوسف بن معتوق الخزاعي الموصلي لنفسه:
ألا أن أرض الغرب أفضل موطن ... تساق إليه الواخذات النجائب
стр. 30
ولو لم يكن في الغرب كل فضيلة ... لما حركت شوقا إليه الكواكب
وأنشدني وقال: أنشدنا شيخنا السيد الشريف عز الدين أبو إسحاق إبراهيم بن نور الدين، أبو العباس أحمد بن عبد المحسن القرافى الحسنى قال: أنشدنا المحدث: أبو إسحاق عبد الرحمن بن مكي بن حمزة بن موقى الإسكندري الحافظ إجازة قال: أنشدنا الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن بن مكي بن حمزة بن موقى السعدي الأنصاري من لفظه قال: أنشدني الشيخ أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الرازي إجازة. قال: أنشدني الشيخ أبو القاسم عبد الرحمن بن المظفر ابن عبد الرحمن السلمي النحوي المعروف بالكمال لنفسه:
أسهرتني شجنا عليك ... ونمت عن شجني ووجدي
وجعلتني متقسما ... ما بين أعراض وصد
لا تقتلني هجرة ... فيكون قتلى قتل عمد
واصل فان لام العذول ... فقل له واصلت عبدي
وأنشدني قال: أنشدنا شيخنا عز الدين المذكور قال: أنشدنا الشيخ بهاء الدين أبو الحسن علي بن أبى الفضائل هبة الله بن سلامة ابن مسلم الشافعي اللخمي سبط الشيخ أبى الفوارس الحميدى قال: أنشدني الشريف الكوفي في قدمته علينا بمصر قال: حضرت درس الشيخ محيي الدين محمد بن يحيى قال: فلما قضى درسه قام رجل غريب ليس من الفقهاء فأنشده بيتين وهما:
رفاه الدين والإسلام تحيى ... بمحيي الدين مولانا بن يحيى
كان الله رب العرش يلقى ... عليه حين يلقى الدرس وحيا
قال فنزع قميصه الأعلى وأعطاه إياه وأنشدني قال: أنشدني عز الدين المذكور قال: أنشدني الشيخ بهاء الدين أبو الحسن علي المذكور قال: أنشدنا الشيخ بهاء الدين الطوسي قال: أنشدنا شيخنا محيي الدين محمد بن يحيى لنفسه:
وقالوا يصير الشعر في الماء حية ... إذا الشمس لاقته فما خلته صدقا
فلما التقى صدغاه في ماء وجهه ... وقد لسعا قلبي تيقنته حقا
ثم قال لي، أنشدني من شعر الأندلسيين ما آخذه عنك واستفيده منك فأنشدته لابن بكر بن مجبر:
دع العين تجني الحب من موقع النظر ... وتغرس ورد الحسن في روضة الخفر
أمتعها فيه فان تك لوعة ... صبرت وما ذم العواقب من صبر
فتور العيون النجل يطلب بالهوى ... وان غفل التفتير لم يغفل الحور
وزائرة والليل مرخ رواقه ... ومن أين للظلماء أن تكتم القمر
حدرت قناع الصون عن صفح خدها ... فيا حسن ما انشق الكمام عن الزهر
وراودتها عن لتمه فتمنعت ... وما عادة الأغصان ان تمنع الثمر
رشأ كلما أدمت جفوني خده ... أشار إلى قلبي بعينيه فانتصر
يطالبني قلبي بتقبيل ثغره ... لقد غاص في بحر الجمال على الدرر
وأنشدني لأبى الحسين علي بن سعيد:
ما بين ملتف الأراك غزال ... تجري بجنة خده الجريال
رشا كلما أدمت جفوني خذه ... ويميل قلبي قده الميال
يملي علينا السحر من ألحاظه ... ويسيل في ألفاظه السلسال
قولوا له يا راحما عشاقه ... ما هاجني إلا لها البلبال
ولحاظه رسل إلى عشاقه ... أو ليس يعلم أنهن نبال
وأنشدني لأبى محمد عبد الجليل بن وهبون:
ومهفهف بادي العذار كأنما ... عقد الغرام به على كتابا
لما استراب بما رأى من خضرة ... في خده جعل الصدود نقابا
ملك إذا كلمته بضراعة ... صرف اللحاظ على الكلام جوابا
وإذا نظرت إلى محاسن وجهه ... ألفيت فيها رحمة وعذابا
ما كان أصبرني لسيف لحاظه ... لو أنه يسقى الجريح رضابا
وأنشدته لأبى الحسن بن الزقاق:
وأغيد طاف بالكؤس ضحى ... وحثها والصباح قد وضحا
والروض أهدى لنا شقائقه ... وآسه العنبرى قد نفحا
قلنا وأين الاقاح قال لنا ... أودعته ثغر من سقى القدحا
فظل ساقي المدام يجحد ما ... قال فلما تبسم افتضحا
وأنشدته لأبى الحسن بن حريق:
كلمته فاحمر من خجل ... حتى اكتسى بالعسجد الورق
وسألته تقبيل راحته ... فأبى وقال أخاف تحترق
حتى زفيري عاق عن أملي ... ان الشقي بريقه شرق
وأنشدته لأبى إسحاق إبراهيم بن سهل الاشبيلي الإسلامي:
يا لائمي ان مت فيه أتئد ... أو ما إلى أجفانه تحتكم
стр. 31
غرقت في بحر هواه وذا ... ك الردف منه موجه الملتطم
وأنشدته من نظمي بديها:
شكوت هواه إلى ردفه ... وهل يسمع الموج شكوى الغريق
وآرخصت لؤلؤ دمعي به ... ولم ادر كيف يباع العقيق
فقال لي الآن حصص الحق، وها أنا أعترف للأندلسيين بالسبق، فقلت له ليس المشارقة لاعترافك بمنكرين ولتجدن أكثرهم شاكرين.
وفي صبيحة يوم الثلاثاء أول يوم من رجب الفرد المبارك من عام سبعة وثلاثين المذكور اجتمعت به مع أخي أبي بكر محمد وكان خروجه من بلدنا قتورية المذكور أولا في ضحوة يوم السبت أول صفر خمسة وثلاثين وسبعمائة فلما قضى الله تعالى حاجته وحجته، وبلغه منها مراده وبغيته، كر راجعا إلى بلاد الصعيد والديار المصرية فقيض الله سبحانه من أوقع خبري عليه، وألقى جملته إليه، فما راعني إلا دخول البشير على بقدومه، واجتلاء غرته مع تسليمه، فتلاقينا بالتحية وتلافينا وبكينا حتى أبكيناه ووالينا بحمد الله تعالى وأتنينا وكم لله من نعمة علينا، وأنشدته على البديهة بيتي منصور الفقيه وهما:
على خير أوقات الزمان آيات ... على الطائر الميمون والبركات
قدمت فقرت بالقدوم عيوننا ... وقد كن أيام النوى قرحات
ولم نزل نسرح في روض من ذلك الاجتماع، ونشرح ما وجدناه من البعد والانقطاع، إلى أن تهيأ نفرنا، وتأتي في البر سفرنا، فخرجنا من الإسكندرية في يوم الثلاثاء ثامن يوم من رجب المذكور، وسرنا في بسيط من الأرض عريض مرداه لا يخترقه النسيم بمسراه، ويكاد البصر يقف عند مداه، بين مدائن عليها نضره النعيم وبساتين اعتمارها من التعميم، وسرحات مونقة، ودوحات مورقة، ونخلات طلع، وخامات زرع، تموج بدائعها موج البحر، وتلوح طلائعها بين كتائب الزهر من لم ير أرض مصر في أوان ربيعها، وأبان زروعها، لم ير منظرا نضيرا إلى أن وصلنا إلى مدينة) القاهرة (فدخلناها في آخر يوم الأحد الثالث عشر لرجب من العام المذكور فنزلنا منها بقرب الجامع الأعظم المشهور بجامع ابن طولون الذي بناه ابن طولون فيما يذكر على مثال المسجد الحرام بمكة المشرفة طولا وعرضا، ولما أنبت كافور الفجر من المسك الغياهب، وظهرت الشمس المنيرة على النجم الثواقب:
حمدت السرى إذ أنزلتني ربوعها ... وأيقنت أني في اغترابي موفق
وسرنا في أقطار تلك الحضرة التي أرضها سندسية اللباس، وروضها متنوع الجناس، وروائحها عنبرية الأنفاس، ومنظرها يجلب أنواع الإيناس، فهي بغية النفس، وغاية الأنس، ومنية الطرف، ومسرح الظرف وسلوة الفكر، ونبعة العلم والذكر، وشغل الخاطر والذهن، ومحل الهناء والأمن:
ما عداها من جنة الخلد إلا ... أننا لا ننال فيها الخلودا
رياضها تشرق، وأطيارها تنطق، وكأن بكل عود عودا يخفق:
وما كنت أدري قبل ذلك والهوى ... فنون، بأن الروض يهوى ويعشق
стр. 32
وفتحت لي راحة القلب أبواب النزهة، فأطلقت عنان طرف الطرف نحو الجهة فرأيت فيها من المباني الهائلة والأسواق الحفلة والمساجد العتيقة والمدارس الأنيقة والمرابع البارعة والمصانع الناصعة والأزهار والأشجار الباهرة والآثار العامرة والجنود الوافرة والأمم المتكاثرة ما تحار في ذلك الأوهام وتكل دون وصفه الألسن والأقلام، القاهرة وما أدراك ما القاهرة الظلال الوارفة والمياه الهامرة والأرض الأريضة والروضات العاطرة منابر قام السرور في منبر دوحها خطيبا، ومشاهد بذت مغاني الشعب طيبا، إلى أغصان عقدت الجداول خلاخل بسوقها، ولئالئ مثلت من الرياض بسوقها، فمن حيث استقبلت تلك المدينة أشرقت وكيفما لمحت أساريرها برقت ومعلوم أنها قاعدة المشرق وأم المدائن ومقر الملوك ودار الطمأنينة، قد كمل الله حضرتها، وجمل نضرتها بأن قلد بها أمور المسلمين، وخلد فيها العزو والتمكين للسلطان الناصر الدنيا والدين أبى المعالي محمد بن السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحي قسيم الملك أمير المؤمنين أبى الربيع سليمان بن الخلفاء العباسيين فاستمرت سلطنته الآن مدة من خمسين سنة فجاءت الدنيا في أيامه غضة، وزهرة الأيام بهجة، لما منح الله على يديه من الأمن والسكون والدعة وظلال المسرة والهدنة فانسحب ذيل العز، وأنضرب رواق الأمن، وانسدل ستر العافية على الملأ والكافة والأقطار النازحة والغريبة وخصوصا على هذه المدينة وما ظنك بمدينة عذب فيها البحر وفاض عليها من الجنة واستقبل بها النهي والأمر وانحشر الناس إليها فخيل لرائيها الحشر:
وافي إليها النيل من بعد غاية ... كما زار مشغوف يروم وصالا
وعانقها من فرط شوق بحسنها ... فمد يمينا نحوها وشمالا
ركبت بحر نيلها العذب في جملة وافرة من الصحب أخلاقهم أعذب من مائه وشمائلهم أرق من صفائه، فاستوينا على جارية من تلك الجواري المنشئات وسابحة فوق لجة الماء العذب الفرات وتحسبها جامدة وهي تمرمر السحاب وتنساب في الحباب كالحباب ولما ضمت إلينا، ودخلناها وقلنا اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها ولا فرش غير ريحان منضد، ولا سقف غير كتان ممدد، تمخر البحر، فامتطينا بأجوقتها مطاه، وتذلل فصفعنا بأجنحتها قفاه وسرنا في منزهات تلك الأقطار الرفيعة إلى أن قضينا أجمل الاوطار وتمتعنا من تلك المنازل الرفيعة بالحدائق الغضة والنسيم المعطار، بحيث تضاحك الورد والبهار، وتفاوح الروض والعرار، وأرضها مخضر نبت صاغ النور تاجه، وحاك القطر ديباجه، وسماؤنا ملتف أيك سال الماء لجينا بين أكنافه، وحاك الزهر وشيا بين أعطافه، فماء الندى مسكوب، ورواق الظل مضروب، والريح تصفق والغصن يتثنى، والقبر يصرصر والبلبل يتغنى، والطير قد تكلم، والعود قد ترنم وقد خيم السرور، وتضاعف بتضاعف النيل الحبور، وبدا لنا يوم حسن، وحسن يوم تمنت حسنه البدور.
يوم لنا والنيل مختصر ... ولكل يوم مسرة قصر
والسفن تغدو في الفرات بنا ... والماء مرتفع ومنحدر
فكأنما أمواجه عكن ... وكأنما دارته سرر
стр. 33
أخبرني هناك من أثقه من العلماء، قال أخبرني أحد كتاب السلطان أنهم كتبوا وأحصوا المراكب الجارية في هذا النيل المعدة لا يساق الزرع خاصة، فألفوها تنيف على مائة ألف مركب ماعدا الزواريق الصغار التي للصيد والركوب، وغير ذلك فكأنها أكثر من أن تحصى واخبرني الشيخ الإمام القدوة شمس الدين الكركي قال عد الصاحب الوزير الملك الطاهر وأحصى الجمال الداخلة إلى القاهرة بالماء في كل يوم فبلغت مائتي ألف جمل ما عدا البغال والحمير والسقائين الذين بالزقزق وغيرهم فان ذلك شيء لا ينضبط ولا ينحصر وهذه الجمال المذكورة تحط بالمدينة في كل يوم من أيام الصيف سبع آلاف وفي الشتاء أقل من ذلك، قال وأحصى دكاكين السقائين المعدة للسقي بالقاهرة فبلغت ستين ألف دكان ما عدا السقائين الذين بالأكواز والأكواب في الطريق والأسواق وغيرها، ولو لم يكن للقاهرة ما تذكر به إلا) المارستان (وحده وهو قصر عظيم من القصور الرائقة حسنا وجمالا واتساعا ما لم يعهد مثله بقطر من الأقطار أحسن بناء ولا أبدع إنشاء ولا اكمل انتهاء في الحسن والجمال وانتماء من قد نعمت أدواحه وخبت على خضر الأغصان وزرق العدران أرواحه فلا غرو أن أمن ورقى، ثم لما كسا وأطعم سقى، آية نعمى وفت بالميعاد، وحسنا مثلها يعد للمعاد قد رويت جوانحه الصادية، وجمعت في شرعته السارية والغادية، فها هو فخره بادي الغرر والأوضاح، منبجس بالماء القراح.
متماثل بالحسن كيف لحظته ... ما شئت من أرض به وسماء
ينساب رونقه فتحسب أنه ... متسربل بنسيجه من ماء
لما رأى فيض الزلال أديمه ... طلب الغئور به من استيحاء
فأراك دمعة ضاحك لم تنحدر ... وتحيرت في مقلة حواء
أو ثغر باسمة تهلل ظلمه ... وبه مجاجة ريقة شنباء
ليس الذي يجري هنالك سلسلا ... لكن ذلك ترقرق الأهواء
أخبرني الشيخ العالم المؤرخ شمس الدين الكركي المذكور أنه يكمل في كل يوم من المرضى الداخلين إليه والناقهين الخارجين منه أربعة آلاف نفس وتارات يزيدون وينقصون ولا يخرج منه كل من يبرأ فيه من مرض حتى يعطي إحسانا إليه، وإنعاما إليه كسوة للباسه ودراهم لنفقاته، وأما ما يعالج به المرضى من قناطير الأشربة المقنطرة والأكحال الرفيعة الطيبة التي تسحق فيها دنانير الذهب والإبريز وفصوص الياقوت النفيس وأنواع اللؤلؤ الثمين فشيء يهول السماع ويعم ذلك الجمع إلى ما يضاف إلى ذلك كله من لحوم الطيور والأغنام على اختلافها وتباين أصنافها مع ما يحتاج إليه كل واحد ممن يوافيه ويحل فيه لفرشه وعرشه من غطاء ووطاء ومشموم ومذرور وشبه ذلك مما هو معد على أكمله هنالك وما ليس مثله إلا في منزل أمير أو خليفة، وقد رتب على ذلك كله من الأطباء الماهرين والشهود المبرزين، والنظام العارفين، والخدام المتصرفين، كل ما هو في معالجته موثوق بعدالته مسلم له في معرفته غير مقصر في تصرفه وخدمته، ولو استقصيت الكلام في هذا المارستان وحده لكان مجلدا مستقلا بنفسه إذ في مبانيه الرائعة وصناعاته وتواريخه المذهبة ونقوشه العجيبة المنتخبة التي ترفل في ملابس الإعجاب، وتسحر العقول والألباب، ما يفتن النفوس ويكسف أنواع البدور والشموس، وتعجز عن وصف بعضها خطى الأقلام في ساحة الطروس، فما وقعت عين على مثله ولا سمعت بشبهه وشكله:
تجاوز حد الوهم واللحظ والمنى ... وأعشى الحجا لالاؤه المتضاوئ
فتنعكس الأفكار وهو خواسر ... وتنقلب الأبصار وهي خواسئ
وفي مصر مارستان آخر على مثاله ولكن ليست حاله كحاله فما كل صهباء خمرة، ولا كل سوداء ثمرة، ولا كل حيوان إنسان، ولا كل مارستان:
وما كل دار أقفرت دارة الحما ... ولا كل بيضاء الترائب زينت
стр. 34
وبها الأهرام القديمة المعجزة البناء الغريبة المنظر البديعة الإنشاء كأنها القباب المضروبة قامت في جو السماء، ولا سيما الاثنان منها يقصر الجو بهما سموا واتساعا ارتفاعها مائة ذراع بالذراع الكبيرة من أحد أركانها إلى الركن الثاني ثلاثمائة خطوة وست وستون خطوة وأقيمت من الصخر العظام تركيبها بديع الإلصاق، وهي محدودة الأطراف لا سبيل إلى الصعود إليها إلا على خطر ومشقة فتلقى أطرافها المحدودة كأوسع ما يكون بين الرحاب لو رام أهل الأرض بناءها لا عجزهم ذلك وبها كان يجعل الطعام في أيام يوسف ﵇، وعلى النيل رجل مبني من صخرة فيه علامات لخروج النيل في زيادته ونقصانه وقد وكل به قوم يتعاهدونه فإذا خرج سقى جميع ضياعهم ومزارعهم وهم يزرعون على ذلك السقي ولا يحتاج زرعهم إلى سقي آخر بقدرة السميع العليم، ومخرج النيل من جبل القمر ولا يكاد يتوصل إليه أحد لبعد المشقة وطول المسافة وفي كتاب الاكتفاء ما نصه، وكان عمرو بن العاص يقول ولآية مصر جامعة تعدل الخلافة وقال نيل مصر سيد الأنهار سخر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب فإذا أراد الله أن يجريه أمر الأنهار فأمدته بمائها وفجر له الأرض عيونا فإذا انتهت جريته إلى ما أراد الله سبحانه أوحى كل ماء ان يرجع إلى عنصره انتهى، ثم جلنا من مصر في أعظم المصر، وحللنا منها اكرم المحل واسنى القطر، واجتليناها أوضح من البدر عند الفجر وأعطر من الزهر غب القطر فنسي كل ذي غربة وطنه وود ان لو قطع فيها عمره وزمنه وكفاك منها قول القائل:
لعمرك ما مصر بمصر وإنما ... هي الجنة الدنيا لمن يتبصر
فأولادها الولدان والحور عينها ... وروضتها الفردوس والنيل كوثر
стр. 35
كنت أتردد بها إلى المسجد العتيق الحافل الذي بناه عمرو بن العاص ﵁ وإليه ينسب اليوم فأرى جامعا منيرا ومسجدا كبيرا له صحن فسيح وسوار حافلة ومقاصر من العود عجيبة وتواريخ مكتوبة بالخط الحافل المذهب كثيرة فمنها ما كان مكتوبا على المحراب ونصه بسم الله الرحمن الرحيم إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر النصر والتمكين والفتح المبين لمولانا وسيدنا الإمام المستضيء بأمر الله أبى محمد الحسن أمير المؤمنين أمر بتجديده الملك الزاهد الناصر المجاهد صلاح الدنيا والدين أبو المظفر يوسف وفقه الله تعالى لطاعته في سنة ثمان وخمسمائة، وفي داخل القاهرة شاهدت المشهد العظيم حيث رأس الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ وهو تابوت فضة قد بني عليه بنيان محتفل يقصر الوصف ويقف الطرف فيه ولا يحيط الإدراك به مجلد بأنواع الديباج محفوف بأمثال السواري الكبار من الشمع الأبيض موضوعة في قواعد فضة خالصة، ومنها مذهبة وقد علق عليه قناديل الفضة وصفف أعلاه كله بأمثال التفافيح ذهبا في مصنع شبيه الروضة يقيد الأبصار حسنا وجمالا، فيه من أنواع الرخام المجزع الغريب الصنعة البديع الترصيع ما لا يتخيله المتخيلون ولا يلحق أدنى وصفه الواصفون، والمدخل إلى هذه الروضة المباركة على مسجد مثلها في الحسن والغرابة والترصيع البديع والأمثال البديعة الصنعة من الديباج معلقة على الجميع والناس من لازدحام على هذا المشهد الكريم والإحداق به والانكباب عليه والتبرك به والتضرع لديه كل مرئ هائل عظيم والأمر فيه كبير يفوت التقدير ولكنا اختصرنا القليل من الكثير، ووقفنا موقف العجز والتقصير،) وبداخل القاهرة (أيضا شاهدت المشهد العظيم مشهد السيدة نفيسة ﵂ فرأيت مسجدا عظيم الاحتفال قائما في الحسن فيه من الذهب وأنواع الصنعة به يحصره العد ولا يجمع إلا ذلك النضد ينتهي إليه الداخل بعد ثلاثة أبواب هائلة بديعة بين كل وباب فضاء واتساع يجري بينها مياه غزيرة عذبة وفي قبلة المسجد باب من المسجد حافل فوقه مكتوب بالذهب هذا مشهد السيدة نفيسة بنت الحسين بن زيد بن الحسين بن علي بن أبى طالب ﵃، وفي داخله مسجد آخر أصغر منه جرما وأتم حسنا وأعظم إتقانا وصنعة، وفي قبلته باب بديع إلى قبة عجيبة تتوقد ذهبا وتلألأ جمالا تكل الإفهام، وتحار الأوهام في تخييلها وتمثيلها. فمنها مشتبهات في النقوش، ومؤتلفات ومختلفات في الرقوش، وقد أنارت بالمضاوي أبهاؤها فتساوي صباحها ومساؤها، وتحت هذه القبة الضريح المبارك حوله من الرخام البديع المجزع الغريب الترصيع وشبابيك العود البديعة التخريم وكواكب الفضة والذهب وقناديل التبر الخالص الإبريز واستار الديباج الغريبة التطريز وسواري الشمع الأبيض المتناهية الغلظ الرائعة الصنعة على قواعد الذهب والفضة، ما يستوقف الأحداق حسنا وجمالا ويختبل الأذهان الثاقبة اختبالا وتزف ظلاله على المشهد الكريم أموالا وشاهدت) بداخل القاهرة (أيضا المسجد المعظم حيث مشد السيدة زينب ﵂ وهو على هيئة هذا المتقدم الذكر ونوعه وعلى بابه مكتوب هذا مشهد السيدة زينب أبنة الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵄ ودخلت بخارج القاهرة المشهد العظيم المقدس حيث تربة زيد بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵄ وهو مثل ما تقدم من الصفة والترتيب ولهذا في جملة أبوابه دفة من الحجر الصلد المنحوت لوحا واحدا أعددت في طولها تسعة أشبار وفي عرضها خمسة أشبار، ثم قصدت القرافة وهي ما بين مصر والقاهرة بلدة كبيرة منفردة بنفسها مستقلة بأسواقها ومساجدها وهي إحدى العجائب بما تحتوي عليه من مشاهد الأنبياء صلوات الله عليهم وأهل البيت رضوان الله عليهم والصحابة والتابعين والعلماء والزهاد والأولياء ذوي الكرامات الشهيرة والأنباء الغريبة نفعنا الله تعالى بحبهم وأفاض علينا من بركاتهم بمنه، ومما رأيت فيها قبر أبى النبي صالح ﵇ وقبر يعقوب أخي يوسف ﵈ وقبر آسية وقبر جماعة من أهل البيت ﵃ على كل واحد منها بناء حفيل بديع الإتقان عجيب البنيان عليها تواريخهم مكتوبة بأسمائهم منها قبر علي السجاد زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللهم عنهم وقبر القاسم بن محمد بن جعفر الصادق بن محمد بن
стр. 36
زين العابدين المذكور وقبر أبنه عبد الله القاسم ﵄ وقبر معاد بن جبل ﵁ وقبر عقبة بن عامر الجهنى حامل راية النبي ﷺ . وقبر أبى الحسن صانع مولى حديفة بن اليماني ﵁ وقبر عبد الله بن حذافة السهمى ﵁ وقبر حليمة التي كانت رضيع رسول الله ﷺ وقبر محمد بن أبى الصديق ﵄ وقبر أشهب وأبى القاسم صاحبي مالك ﵄ وعنه وقبر محمد بن مسعود بن محمد بن هارون الرشيد المعروف بالسبتي ﵁ وقبر الرجل الصالح المعروف بالأقطع المغربي ﵁، وقبر بنان العابد ﵁ وقبر القاضي عبد الوهاب والقاضي الأنباري وقبر ورش المقري وقبر شيبان الراعي وقبر الطبري وقبر الرودبادي وقبر ذي النوى بن إبراهيم المصري وقبر شيخه شقران ﵃ وقبر الرجل الصالح الزاهد المعروف بصاحب الإبريق وقصته عجيبة في الكرامة ﵁، وقبر الناطق الذي سمع عند وضعه يقول في لحده يقول: اللهم أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين، ﵁ وقبر الصامت الذي يحكى عنه أنه لم يتكلم أربعين سنة ﵁ وقبر الجوهري الواعظ ﵁ وقبور أصحابه بازائه ﵃، وقبر أصبغ بن الفرج ﵁ وقبر المزني صاحب الإمام الشافعي ﵄، وقبر عبد الله بن الحكم وابنه محمد ﵄، وقبور جلة لا يحصى عددهم إلا الله تعالى، وبقبلي القرافة المذكورة بسيط متسع يعرف بقبور الشهداء وهم الذين استشهدوا مع سارية ﵃ أجمعين.
وقفنا على رسم الديار فسلمنا ... وقلنا له يا رسم أين نأوا عنا
وجدنا بدمع كالرذاذ على الثرى ... فصم المنادى وانصرفنا كما كنا
وما ذلك إلا أن ربع ديارهم ... به كالذي نلقى فقد زادنا حزنا
فلما يئسنا من جواب ديارهم ... نزلنا فقبلنا الثرى قبل أن رحنا
стр. 37
ومما شهدت من المواضع المعظمة مشهد الإمام أبو عبد الله الشافعي ﵁ وهو مسجد عظيم القدر ومتناهى الاحتفال، مفرط الاتساع، يصل داخله إليه بعد دخول أربعة أبواب هائلة حافلة بين كل باب وباب فضاء واسع، ومدى بعيد، والمسجد كله قبة كبيرة فائقة الحسن، فائقة الصنعة، نادرة الاختراع فيها من الذهب الخالص والتبر المسبوك ما يغشى الأبصار ويذهل الألباب ويفوت وصف الواصفين قد حار فيها أهل حران وأربت على مباني سجستان ونجران، وصارت غاية السمو والإتقان وانعطفت بما يفضل معاطف التيجان الفائتة باقترانها لاقتران حواجب القيان، وتحتها في وسط المسجد المبارك الضريح المكرم له من الرخام المجزع، الموضع والشبابيك المفضضة المذهبة الأستار، المدبجة المطرزة، والشمع الأبيض أمثال السواري العظام على قواعد الذهب والفضة ما يقصر عنه الوصف، ويحار فيه العقل، وبازائه قبور جله كرام، وعند رأس المشهد المكرم سارية من الرخام الأبيض منقوش بالخط الحسن ما نصه وان ليس للإنسان إلا ما سعى، وان سعيه سوف يرى، ثم يجزيه الجزاء الأوفى هذا قبر السيد الإمام أبى عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد زيد بن هشام بن المطلب ابن عبد المناف جد النبي ﷺ ولد ﵁ سنة خمسين ومائة وعاش إلى سنة أربع ومائتين ومات يوم الجمعة آخر يوم رجب من السنة المذكورة ودفن من يومه بعد العصر ﵁ وأرضاه آمين وعند منتهى القبلة من داخلها مكتوب في الدائرة بالخط العجيب والذهب الرائق ما نصه بسم الله الرحمن الرحيم:
الشافعي أمام الناس كلهم ... في العلم والحلم والعلياء والبأس
أصحابه خير أصحاب ومذهبه ... خير المذاهب عند الله والناس
له الإمامة في الدنيا مسلمة ... كما الخلافة في أولاد عباس
والسلام، ومما كتب في القبة المذكورة من نظم شرف الدين ابن عبد الله الدلاصي البوصيري:
بقبر الإمام الشافعي سفينة ... رست من بناء محكم فوق جلمود
وقد غاض طوفان العلوم بقبره ... فقل استوي فلك الضريح على الجودي
ومما أنشدني هناك بعض الفضلاء لبعضهم ﵃ أجمعين:
زرت الإمام الشافعي ولم أكن ... يوما زيارة قبره بالتارك
ووجدت مولاي الحبيب يزوره ... وظفرن عند الشافعي بمالك
وبازاء هذا المسجد العظيم مدرسة مختلفة الصنعة سامية المنية أعظم المدارس اتساعا وأعلاها سموا وارتفاعا فيها من المنازل الرفيعة والرواتب الموقفة، والمياه الجارية، ما يقر بالعين ويملأ اليد بالمين ويريك ذوائب الذهب في سبابيك اللجين، قرأت بها وبالمسجد الأعظم المذكور وسمعت من كتب الحديث النبوي تآليف جملة على إمام ذلك المقام الشافعي المعظم ولي الله تعالى الكريم عليه المتوجه إليه الشيخ العالم الصالح تقي الدين أبى التقى صالح بن مختار بن صالح بن أبى الوارس الأسندي ﵁ هو من أحد المتقين وعباد الله المخلصين قد سما بجلالة قدره ونبذ الدنيا وراء ظهره، ووضع الله له البركة في عمله وعمره، فظل يقطع ليله مستعبرا، ويهش للجميل مبتدرا، عالما انه سيحمد عند صباحه السرى فحافظ على السنن وانتهج أقوم السنن، واعتصم من الطاعة باوقى الجنن، حتى كأنه أبو حازم، أبو الحسن، له علو ومعرفة في الرواية، وإمامة كبيرة في العلم والدراية، ومراتب علية في الزهد والولاية، وكرامتها عند الخالق أعظم الدرجات وأكرم العناية، وقد حيل الله النفوس على مودته والقلوب على محبته وأنشدني:
وإذا أحب الله يوما عبده ... ألقى عليه محبة الناس
стр. 38
فما رمقه طرف إلا وأحب أن يفديه بسواده، ولا نال أحد دعوته إلا ورأى بركتها في نفسه وماله وأولاده، نفعنا الله تعالى به، وبالصالحين من عباده بمنه وقد أثبت سماعي عليه واستوفيته في غير هذا، وأجازني الإجازة التامة، ومولده ﵁ في شهر رمضان المعظم من عام اثنين وأربعين وستمائة بمدينة إعزاز) بالعين المهملة والزاي قبل الألف وبعده (وهي من أعمال حلب، ومن جملة ما قرأت عليه بلفظي بحيث ذكر وهو عال جميع الأربعين حديثا لأبى بكر محمد بن الحسين الآجري وحدثني أنه سمع جميعها على الشيخ أبى العباس بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي يوم الجمعة العاشر لربيع الأول سنة خمسين وستمائة بحق سماعه لها من الثقى بسماعه من أبى علي الحداد بسماعه من الحافظ أبى نعيم بسماعه من المؤلف أبى بكر الآجري، ومن جملة ما سمعت عليه جميع الأربعين حديثا البلدانية للحافظ أبى طاهر السلفى ﵀، وحدثني بها إجازة عن الشيخ أبى عبد الله محمد بن عبد الهادي بن قدامة بإجازته من السلفى ان لم يكن سماعاه ولنطرز ذكر هذا القطر باسم سيده ووحيده شيخ الشيوخ إمام الأئمة، قدوة الفقهاء نخبة النحاة والأدباء ودرة العلماء الفضلاء، وحجة العرب العرباء، أثير الدين أبى الحيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان النفرى الأندلسي الغرناطي، هو من سفر عن بدر الكمال الزاهر، وسجر ببحر الكلام الزاخر، وحسر عن ساعد الجد في اقتناء المعالي والمفاخر، فشأى كل ذي شأو ومغرب، وأوتي منه زمانه بكل بديع مغرب، تبلج منه الأفق الأندلسي الغرناطي عن غرة غار منها فلق الصباح المشرق، واشتمل منه الجو المصري والمجلس السلطاني على نحرير، أقرت بفضله صناديد المشرق، فكيف يوصف هطل غمام، أو ينصف أفضل إمام، لا يدانيه لقس اياد، ولا موئل منه لسبحان وائل، وايم الله ان المسرف في وصفه لمقتصد، وغير الرامي في تعريضه لمقتصد، نجم نجم سعوده الموذن بإنجاز وعوده، وإبراز موعده، فتنقل في سماء السعادة بدر أوحل في ذروة الإجادة صدرا، وبلغ من فنون العلم وضروب الأدب إلى أعلى المنازل وأسنى الرتب حتى طار ذكره في الأفاق، وسار متواترا على السن الرفاق، وضربت إليه أباط الإبل واجياد العتاق، وشدت إلى لقائه الرحال من أقاليم الشام وأقاصي العراق، فروى من بحوره العذبة ظماء الأكباد، وغذى بأسرار علومه قلب الحاضر والباد، وغير كثير، في وصف الأثير، نثر الدر المنظوم، ونظم الدر النثير، دخلت عليه منتزهه الذي دنا له النيل، فالزمان يخوله فيه يناء وينيل والدهر قد سفر له عن محياه، والزهر قد تبسم له وحياه، والطير بين يديه يخاطب إياها وتخاطب إياه، فاقبل علي بالبشر والترحيب، ومهد إلى أرجاء جانبه، وأراني بشاشة المحب عند لقاء الحبيب، وتتبع أخبار الأندلس وأهلها، وأعرب عن سيرها الحميدة وفضلها، وأنشدني من أبيات له:
وبيننا نسب ترعى وان بعدت ... لكوننا ننتمي فيها لأندلس
стр. 39
قرأت عليه بعض القرآن العظيم بالقراءات السبع بقراءة الإمام أبى عمرو الداني وبالإدغام الكبير لابن عمرو بن العلاء وبقراءات يعقوب الحضومي جمعا بين روايتي روح ورويس عنه، وأخبرني أنه قرأ بحرفي الحرمين جمعا ما عدا من أول سورة مريم إلى آخر القرآن على أبي جعفر أحمد بن سعيد بن أحمد بن بشير الأنصاري شهر بالفزاز بسنده المشهور، وقرأ عليه جميع كتاب التيسير ثم سمعه ثانيا عليه، وأخبرني أيضا أنه قرأ بالقراءات السبع على الشيخ أبى العباس أحمد بن علي بن عيسى بن عباس الرعينى الشهير بالطباع، وأخبره أنه قرأ بها على الخطيب الجليل المجاب الدعوة أبى محمد عبد الله بن محمد بن حسين العبدري الشهير بالكواب، وقرأ أبو محمد الكواب على الأستاذ الجليل أبى بكر محمد بن علي بن حسون الحميدي على شريح بن محمد ابن شريح بسنده،) وقرأ أيضا (بالقراءات السبع جمعا في ختمة واحدة على الشيخ أبى الطاهر إسماعيل بن هبة الله بن المليخى بقرائته للسبع على أبى الجود غياث بن فارس بن مكي اللخمي المنذري، وقرأ أبو الجود على أبى الفتوح ناصر بن الحسين الزيدي الخطيب بمصر، وقرأ أبو الفتوح على أبى الحسن علي بن أحمد الأبهري الصيني الضرير، وقرأ على الاهوزى، وقرأ أبو الفتوح أيضا على أبى الحسن بن يحيى ابن الفرج بن الخشاب المصري، وقرأ على أبى العباس بن النفيس، وأخبرني أنه قرأ بالقراءات الثمان على الشيخ رشيد الدين أبى محمد عبد النصير بن علي بن يحيى الهمداني عرف بالمريوطي وقرأ على جعفر الهمداني وعلي الصفراوي وقرأ على بن خلف الله، وقرأ ابن خلف الله على ابن الفحام صاحب كتاب) التجريد (بأسانيده وهذا كله إسناد عال في القراءات وقرأت عليه بعض كتاب التيسير للحافظ أبى عمر الداني، وناولنيه ثم قرأت جميعه عليه بعيد ذلك وحدثني به بأسانيده فيه في هذا، وسمعت من لفظه حديث الرحمة المسلسل بشرطه، وقرأت عليه جميع الأرجوزة الألفية في علم العربية نظم أبى زكرياء يحيى بن معط بن عبد النور وحدثني بها قراءة عن الشيخ رضي الدين أبى بكر بن عجن بن علي القسنطيني الشافعي عن ناظمها قراءة، وقرأت عليه جميع القصيدة البائية الشهيرة التي من نظم الإمام شمس الدين أبى عبد الله محمد بن محمد بن المنعم الأنصاري محمد الخيمي وأولها:
يا مطلبا ليس لي في غيره أرب ... إليك آل التقصى، وانتهى الطلب
وحدثني بها عن ناظمها المذكور سماعا عليه، وقرأت عليه جميع ثلاثيات الإمام أبى عبد الله البخارى ﵁ في أصله منها الذي بخط يده، ووهبه لي أثر القراءة وجميع أسانيده فيها مسطورة فيه بخطه وتخريجه وقد قرأت جميع الثلاثيات هذه، وسمعتها على جماعة كثيرة من أهل الأندلس وغرب العدوة وغيرهم وأفردت لأسانيدي فيها كتابا مجموعا، وقرأت عليه جميع قصيدته اللامية التي سماها) بعقد اللئالى (في القراءات السبع العوالي، وقرأت عليه بعض تآليفه اختصر فيه نهاية ابن رشد ﵀، وسمعت عليه جميع الجزء الذي أملاه في الفوائد والفرائد المنتقاة والغرائب عن الشيوخ العوالي، ونقلته من أصله وصححت بقرائتي عليه بعض تآليفه المسمى بالبحر المحيط في تفسير القرآن العظيم، وبعض تآليفه المسمى بارتشاف الضرب، من لسان العرب في النحو، وجميع المقدمة في النحو التي سماها الشذرة، وتناولت جميع هذه الكتب من يده وقرأت عليه كثيرا من ديوان شعره ومن رسائله ونثره، ونقلت من نظمه جملة فوائد فريدة، وصححتها بقراءتي عليه، وسمعت عليه مروياته، وسمعت غير ما رسمت هنا وذكرت، وأجازني إجازة تامة وكتب لي بخطه، ومولده بغرناطة في آخر شعبان من عام أربعة وخمسين وستمائة وأنشدني لنفسه:
لم أؤخر عمن أحب كتابي ... لقلى فيه أو لترك هواه
غير أني إذا كتبت كتابا ... غلب الدمع مقلتي ومحاه
وأنشدني لنفسه أيضا:
سبق الدمع بالمسير المطايا ... إذ نوى من أحب عني نقله
وأجاد السطور في صفحة الخ ... د ولم لا يجيد، وهو ابن مقله
وأنشدني لنفسه أيضا:
عداتي لهم فضل علي ومنة ... فلا أبعد الرحمان عني إلا عاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
стр. 40
وجمعت الضيافة في منزله المذكور بيني وبين نائبه في التدريس، الشيخ الفقيه الإمام برهان الدين أبى إسحاق إبراهيم بن الشيخ الإمام القدوة المرحوم نور الدين أبى الحسن علي المالكي، فعرفني الشيخ ﵁ بجلالة قدره ورسوخ قدمه في العلم وطهارة فجره ثم تمادى المجلس، فشهدت فيه على العيان، ورأيت منه إمام العصر واحد الزمان، عالما من علماء القاهرة وفقيها من فقهائهم، وصدرا في آبائهم، ومتقدما في علمائهم، حافظا للغة العربية، بصيرا بالغريب والنادر، قيما بالشاهد والمثل، عالما بالخبر والآثار، تام العناية بالفقه والسنة ان فاتحته في هذه الجهة فجرت منه بحرا زاخرا، وان عدلت به إلى الأدب ظننت أنه لا يحسن سواه فصيح اللسان، حسن البيان، صحيح الألفاظ واضح المعاني ناصع البراعة جيد البلاغة شاعرا مطبوعا أبرز ذلك الميدان منه فارسا مجلا وكان يوما أغر محجلا:
حيث الغدير وقد أجادت نقشه ... كف النسيم ومرها في جوشن
وغصون دوح النيرين يهزها ... نغم القمارى بالغناء المحسن
من كل لدن كالقوام يميل من ... شرخ الشباب إلى الدلال فينثني
ما بين ثغر بالأقاح مفلج ... وجبين نهربا لنسيم مغصن
ووجوه هاتيك الرياض سوافر ... غيد تزان من المياه باعين
والأرض تجلى في رداء أخضر ... والجو يبرز في قناع أدكن
وأمره الشيخ أن يسمعني ويجيزني فامتثل أمره، وأسعف رغبته، وهو أعزه الله أهل لذلك، وجاز من طريق الشيخ على أهدى المسالك وما ظنك بخليفة ابن حيان ولم يقعد في موضعه غيره لا فلان ولا فلان سمعت منه بمحضر الشيخ وأجازني إجازة تامة وأستنشدته لي من شعره فأنشدني لنفسه من قصيدة:
أراك النقاهل يبلغ الجزع آعله؟ ... وهل آئب يوما إلى الحي راحله؟
وهل لي وجد في دارك مقيله ... أناشده عن أهله وأسائله
وهل عائد عهدي بمنعرج اللوى ... يغازلني ظبي النقا وأغازله
غزال ومكنون الصدور كناسه ... هلال واحناء الضلوع منازله
فلا خمر إلا من سلافة ريقه ... ولا سحر إلا بين جفنيه بابله
ولا ليل إلا ما أجن جبينه ... ولا صبح إلا ما محياه شامله
ولا الغصن المياس إلا قوامه ... ولا الزهر المرموق إلا شمائله
ومن يك موليه الصبابة والضنى ... فما عادل في شرعة الحب عاذله
وأنشدني في غير ذلك مما كتبته في غير هذا، فلما فرغ من إنشاده جعل مجاوبتي إياه من اعتماده فقال لي أنت قد جبت كل مخوفة وجلبت كل أطروفة، فأنشدنا من طرف ما لديك وإلا حاكمناك إلى مولانا الشيخ فيحكم عليك، فقلت السمع والطاعة ولم أجد إلى العذر من استطاعة وأنشدته من شعر الإمام الشريف أبى القاسم علي ن الحسن الملقب بالمرتضى أخي الشريف الرضي قوله من قصيدة طويلة يفخر فيها:
لو لم تعالجه النوى لتحيرا ... وقصاره وقد انتأوا أن يقصرا
أو كلما راح الخليط تصوبت ... عبرات عين لم تقل فتكثرا
قد أوقدت حرق الفراق صبابة ... لم تستعر، وجرين دمعا قد جرى
شغف يكتمه الحياء ولوعة ... خفيت، وحق لمثلها أن يظهرا
وأنى الركائب لم يكن ما خلته ... صبرا ولكن كان ذاك تصبرا
لبين داعية النوى فأريننا ... بين القباب البيض موتا أحمرا
وبعدين بالبين المشتت ساعة ... فكأنهن بعدن عنا أشهرا
عاجوا على ثمد البطاح وحبهم ... أجرى العيون غداة بانوا أبحرا
وتنكبوا وعر الطريق وخلفوا ... ما في الجوانح من هواهم أوعرا
أما السلوى فانه لا يهتدي ... قصد القلوب وقد خشين تذكرا
قد رمت ذاك فلم أجده وحق من ... فقد السبيل إلى الهوى ان يعذرا
أهلا بطيف خيال مانعة لنا ... يقظى ومفضلة علينا في الكرا
ما كان أنعمنا بها من زورة ... لو باعدت وقت الورود المصدرا
جزعت لو خطأت المشيب وإنما ... بلغ الشباب مدى الكمال فنورا
والشيب ان فكرت فيه مورد ... لابد يورده الفتى ان عمرا
يبيض بعد سواده الشعر الذي ... ان لم يزره الشيب واراه الثرا
ومن الشبيبة لأعدتك تحية ... وسناك منهمر الحيا ما استغزرا
فلطالما أضحى ردائي ساحبا ... في ظلك الوافي وعودي اخضرا
следующие страницы →