هَذَا إِذا عرفنَا أَنه كَانَ بِالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَة زمن أبي حنيفَة أَكثر من مائَة وَعشْرين صحابياً، وَإِذا عرفنَا انه أَخذ وَسمع من أَكثر من أَرْبَعَة وَسبعين من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء عدّ مِنْهُم الْحَافِظ الْمزي عددا وَمن أشهرهم: طَاوس بن كيسَان، وَالشعْبِيّ، وَعبد الله بن دِينَار، وَعبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، وَعَطَاء، وَقَتَادَة بن دعامة السدُوسِي، وَالزهْرِيّ، وَهِشَام بن عُرْوَة وَغَيرهم، وَإِذا عرفنَا أَيْضا أَنه كَانَ من تلاميذه كبار الْمُحدثين والحفاظ كَعبد الله بن الْمُبَارك، وَأبي يُوسُف، وَزفر بن الْهُذيْل وَغَيرهم: تَيَقنا أَن مذْهبه كَانَ نابعاً من الْأَثر، ومستقياً من السّنة بِوَاسِطَة هَذِه الروافد..
روى ابْن أبي رزمة أَنه كَانَ إِذا قدم الْكُوفَة أحد من الْمُحدثين يَقُول أَبُو حنيفَة لأَصْحَابه: "انْظُرُوا هَل عِنْده من الحَدِيث شَيْء لَيْسَ عندنَا؟ "١.
فَمن يتَصَوَّر مَعَ هَذَا أَن أَبَا حنيفَة فَقِيه لَا يحفظ الحَدِيث٢ وَكَيف يصير الرجل إِمَامًا فِي الْفِقْه وَهُوَ لَيْسَ بحافظ للْحَدِيث.. لذَلِك ترى الْمُحدثين مثل أبي دَاوُد وَابْن حجر لما ترجما لأبي حنيفَة ـ وَفِيه دارت الْأَقَاوِيل ـ اكتفيا بِالْإِشَارَةِ إِلَى إِمَامَته فَقَالَ أَبُو دَاوُد: "أَبُو حنيفَة إِمَام"، وَقَالَ ابْن حجر: "أَبُو حنيفَة الإِمَام الْمَشْهُور".
стр. 12
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة:
على كل متعلم أَن يعلم أَن رِوَايَة الحَدِيث يجب أَن يَنْضَم إِلَيْهَا الْفِقْه وَمَعْرِفَة اخْتِلَاف الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّة المرضيين وَإِلَّا مَا اسْتَطَاعَ أَن يدْرك شَيْئا من الْأَحْكَام، لِأَن الْمَعْنى الظَّاهِر وَحده لَيْسَ هُوَ الْفِقْه، بل الْفِقْه فِي الاستنباط وَمَعْرِفَة الْمَقَاصِد والعلل، والناسخ والمنسوخ بِجَمِيعِ أنواعهما، وَلذَلِك كَمَا سبق فِي الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة كَانَ كثير من كبار الْمُحدثين وَعُظَمَاء الْحفاظ غير مشهورين
стр. 13
بالفقه مَعَ شهرتهم فِي علم الحَدِيث وَرِوَايَته، وشأن الْعلمَاء المنصفين الِاعْتِرَاف لأهل كل اخْتِصَاص باختصاصهم فَهَذَا الشَّافِعِي ﵀ يبين هَذِه الاختصاصات فَيَقُول١: "من أَرَادَ أَن يتبحر فِي الْفِقْه فَهُوَ عِيَال على أبي حنيفَة كَانَ أَبُو حنيفَة مِمَّن وفْق لَهُ الْفِقْه، وَمن أَرَادَ أَن يتبحر فِي الشّعْر فَهُوَ عِيَال على زُهَيْر بن أبي سلمى، وَمن أَرَادَ أَن يتبحر فِي الْمَغَازِي فَهُوَ عِيَال على مُحَمَّد بن إِسْحَاق، وَمن أرد أَن يتبحر فِي النَّحْو فَهُوَ عِيَال على الْكسَائي، وَمن أَرَادَ أَن يتبحر فِي التَّفْسِير فَهُوَ عِيَال على مقَاتل بن سُلَيْمَان". اهـ.
وَقَالَ ابْن الْمَاجشون: "كَانُوا يَقُولُونَ لَا يكون إِمَامًا فِي الْفِقْه من لم يكن إِمَامًا فِي الْقُرْآن والْآثَار وَلَا يكون إِمَامًا فِي الْآثَار من لم يكن إِمَامًا فِي الْفِقْه. فَانْظُر كَيفَ توهم قوم بعد ذَلِك أَن الِاشْتِغَال بالرواية يَكْفِي لمعْرِفَة الْأَحْكَام وَكَيف فصلوا بَين الْفِقْه والأثر".
يجب على المتعلم مَعَ الِاشْتِغَال بِالْحَدِيثِ وَالرِّوَايَة أَن يعرف مَذَاهِب الْفُقَهَاء وَاخْتِلَافهمْ حَتَّى يكْسب ملكة الاستنباط..
قَالَ ﷺ : "رب حَامِل فقه غير فَقِيه، وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ". فَبين بذلك أَن الحَدِيث فقه وَأَن مُجَرّد حمله لَا يَعْنِي كَون حامله فَقِيها..
وَالنَّاس يتفاوتون فِي الْفِقْه نتيجة لاختلافهم فِي الأفهام، وَالْفِقْه هُوَ الْفَهم فبعض الْأَئِمَّة فِي الْجُمْلَة أفقه من بعض وَبَعْضهمْ فِي مَسْأَلَة أفقه من بعض وَمن أفقه الْأَئِمَّة أَبُو حنيفَة إِن لم يكن أفقههم، رُوِيَ عَن ابْن الْمُبَارك قَوْله: "إِن كَانَ الْأَثر قد عرف واحتيج إِلَى الرَّأْي فرأي مَالك وسُفْيَان الثَّوْريّ وَأبي حنيفَة. وَأَبُو حنيفَة أحْسنهم وأدقهم فطنة وأغوصهم على الْفِقْه وَهُوَ أفقه الثَّلَاثَة"٢. وَإِلَيْك مِثَالا يبين لَك كَيْفيَّة تفَاوت الْفُقَهَاء فِي فهم الْمَسْأَلَة الْوَاحِدَة:
стр. 14
رُوِيَ عَن إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد قَالَ: شَككت فِي طَلَاق امْرَأَتي فَسَأَلت شَرِيكا فَقَالَ: "طَلقهَا وَأشْهد على رَجعتهَا"، ثمَّ سَأَلت سُفْيَان الثَّوْريّ فَقَالَ: "اذْهَبْ فَرَاجعهَا فَإِن كنت قد طَلقتهَا فقد راجعتها"، ثمَّ سَأَلت زفر بن الْهُذيْل فَقَالَ لي: "هِيَ امْرَأَتك حَتَّى تتيقن طَلاقهَا"، فَأتيت أَبَا حنيفَة فَقَالَ: "أما سُفْيَان فأفتاك بالورع وَأما زفر فأفتاك بِعَين الْفِقْه وَأما شريك فَهُوَ كَرجل قلت لَهُ: لَا أَدْرِي أصَاب ثوبي بَوْل أم لَا؟ فَقَالَ لَك: بُلْ على ثَوْبك ثمَّ اغسله".اهـ
فَيَنْبَغِي على كل متعلم أَن يعتني بِمَعْرِِفَة الْوُجُوه الْمُخْتَلفَة والاستدلالات ويطلع على اخْتِلَاف الْمذَاهب وَلَا يَكْتَفِي بِوَجْه وَاحِد أَو يعْتَمد على عَالم وَاحِد فَإِن مثل من يعْتَمد على عَالم وَاحِد مثل الَّذِي لَهُ امْرَأَة وَاحِدَة إِن حَاضَت بَقِي١ وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُود من قَول الْأَئِمَّة بِأَن من لم يعرف الْخلاف لم يشم رَائِحَة الْفِقْه.
стр. 15
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة:
طَبَقَات النَّاس بِالنِّسْبَةِ للْعلم وَعَدَمه ثَلَاثَة كَمَا رُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁: "عَالم رباني، ومتعلم على سَبِيل نجاة، وهمج رعاع أَتبَاع كل ناعق لم يستضيئوا بِنور الْعلم وَلم يلجئوا إِلَى ركن وثيق".
أما الْعلمَاء الربانيون فَهَؤُلَاءِ هم المجتهدون من أمة مُحَمَّد ﷺ فِي كل زمَان وَمَكَان، بهم يقوم الدّين، وهم وَسِيلَة الْمُسلمين إِلَى معرفَة الْأَحْكَام وَفهم الْحَلَال وَالْحرَام وَلَيْسَ لنا مطمع فِي معرفَة الشَّرْع بدونهم وَلَا فِي إِدْرَاك الْكتاب وَالسّنة بِغَيْر واسطتهم فَتلك مزية كَانَت للصحابة وَلَيْسَت لغَيرهم٢. فَلَا بُد لكل من أَرَادَ أَن يفهم الشَّرْع وَيدْرك علم الْكتاب وَالسّنة أَن يتَوَصَّل إِلَى ذَلِك بهم، وَكلما كَانَ هَؤُلَاءِ المجتهدون إِلَى زمن الصَّحَابَة أقرب كَانَ الصَّوَاب لديهم أغلب.
стр. 16
فالمجتهدون من التَّابِعين لَا بدّ أَن يعرفوا مَذَاهِب الصَّحَابَة وَلَا يتجاوزونها والمجتهدون من تَابِعِيّ التَّابِعين لَا بُد أَن يعرفوا مَذَاهِب الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَهَكَذَا دواليك حَتَّى إِذا وصلنا إِلَى مجتهدي زَمَاننَا قُلْنَا: لَا بُد أَن يعرفوا مَذَاهِب جَمِيع السّلف الَّذين يعْتد بمذاهبهم..
أَلا ترى أَبَا حنيفَة ﵀ يَقُول: "إِذا لم أجد فِي كتاب الله وَلَا فِي سنة رَسُول الله ﷺ أخذت بقول أَصْحَابه آخذ بقول من شِئْت وأدع قَول من شِئْت وَلَا أخرج من قَوْلهم"١.
وكل من خَالف السّلف فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ وَأَجْمعُوا عَلَيْهِ أَو جَاءَ بِمَا لم يذكروه أَو يشيروا إِلَيْهِ اعتبروه شاذاً لَا يُؤْخَذ قَوْله وَلَا يعْتد بِرَأْيهِ..
وَمَا من مَسْأَلَة إِلَّا وَفِي الشَّرِيعَة حكمهَا إِمَّا على وَجه الْعُمُوم أَو على وَجه التَّفْصِيل وَمَا علينا فِيمَا يجدُّ علينا من أُمُور إِلَّا أَن نقيس النَّظَائِر والأشباه ونَرُدَّ الْفُرُوع إِلَى الْأُصُول ونستعين بِاجْتِهَاد السّلف وآرائهم..
قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن: "الْعلم على أَرْبَعَة أوجه: مَا كَانَ من كتاب الله النَّاطِق وَمَا أشبهه، وَمَا كَانَ فِي سنة رَسُول الله ﷺ وَمَا أشبههَا، وَمَا كَانَ فِيمَا أجمع عَلَيْهِ الصَّحَابَة ﵏ وَمَا أشبهه، وَكَذَلِكَ مَا اخْتلفُوا فِيهِ لَا يخرج عَن جَمِيعه فَإِن أوقع الِاخْتِيَار فِيهِ على قَول فَهُوَ علم تقيس عَلَيْهِ مَا أشبه وَمَا استحسنه عَامَّة فُقَهَاء الْمُسلمين وَمَا أشبهه وَكَانَ نظيراً لَهُ"٢.
قلت: وَالْعُلَمَاء الربانيون هم أهل الذّكر الَّذين ذكرهم الله فِي كِتَابه فَقَالَ: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ .
وهم أهل الاستنباط الَّذين ذكرهم فَقَالَ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ النِّسَاء ـ ٨٣.
стр. 17
وَلَيْسَ كل متعلم يقدر على الاستنباط حَتَّى يملك أدواته وَيحصل ملكته قَالَ ابْن الْقيم ﵀:
"الاستنباط اسْتِخْرَاج الْأَمر الَّذِي من شَأْنه أَن يخفى على غير مستنبطه وَمِنْه استنباط المَاء من الْبِئْر وَالْعين وَمن هَذَا قَول عَليّ بن أبي طَالب وَقد سُئِلَ: "هَل خصكم رَسُول الله ﷺ بِشَيْء دون النَّاس؟ ". قَالَ: "لَا، وَالَّذِي فلق الْحبَّة وبرأ النَّسمَة إِلَّا فهما يؤتيه الله عبدا فِي كِتَابه". وَمَعْلُوم أَن هَذَا الْفَهم قدر زَائِد على معرفَة مَوْضُوع اللَّفْظ وعمومه أَو خصوصه فَإِن هَذَا قدر مُشْتَرك بَين سَائِر من يعرف كَلَام الْعَرَب"١.
قلت: أما المتعلم على سَبِيل النجَاة الَّذِي لم يبلغ دَرَجَة الاستنباط فَيتبع الْعلمَاء ويتأمل أَقْوَالهم وفتاويهم، ويشتغل بالترجيح بَين أدلتهم إِن كَانَ من أهل التَّرْجِيح وَإِلَّا اتبعهم فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ وَلَا ينْتَظر حَتَّى يبلغ دَرَجَة مَا، إِذْ لَا مفر من أَن يلْتَزم المتعلم أحد الْمذَاهب الْمَشْهُورَة المعتد بهَا الَّتِي اعْترفت بهَا الْأمة تكون كمنطلق لَهُ فِي دراسته للشَّرْع الحنيف، فيعتني بِمَعْرِِفَة أصُول هَذَا الْمَذْهَب وفروعه، ويعتني بالأدلة ويحترس من التَّقْلِيد لِأَنَّهُ شَأْن الْعَوام، ويحذر من التعصب فَإِنَّهُ من طبائع أهل الْبدع والأهواء.
وَلَا يَنْبَغِي للمتعلم أَن يبْقى طليقاً يتتبع الرُّخص والشواذ ويخبط فِي الْأَحْكَام على غير بَصِيرَة وَعلم، فَإِن ذَلِك خطر جسيم عَلَيْهِ وعَلى النَّاس إِن كَانَ يُفتي لَهُم..
وَلكُل متعلم أَن يُقَلّد فِي الْمسَائِل الَّتِي قصرت همته عَن بحثها أَو خفيت عَلَيْهِ يُقَلّد من قبله من عُلَمَاء السّلف المرضيين أَو الإِمَام الَّذِي الْتزم مذْهبه وَذَلِكَ حَتَّى يَتَّضِح لَهُ الدَّلِيل، وَلَا مفر من ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ أَن يكف عَن الْعَمَل فِي كل مَسْأَلَة حَتَّى يَتَّضِح أَو يتَرَجَّح فِي ذهنه الْقَاصِر فِيهَا علم.. وَمَا رَأَيْت أحدا من أهل الْعلم إِلَّا وَهُوَ مقلد فِي بعض الْمسَائِل شعر بذلك أم لم يشْعر لِأَنَّهُ لَيْسَ بمقدور
стр. 18
أحد أَن يجْتَهد فِي كل مَسْأَلَة.. لَو تتبعت أَخْبَار السّلف لوجدتهم يعتمدون ويلجأون فِي الْمسَائِل الَّتِي تخفى عَلَيْهِم إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُم مِمَّن سبقهمْ أَو عاصرهم وَالشَّيْء الْمَحْذُور هُوَ التعصب الَّذِي يعمي قلب صَاحبه عَن النّظر ويمنعه من اتِّبَاع الْحق١. أما الْعَوام فيقلدون أهل الْعلم الْمَوْجُودين بَينهم وَلَيْسَ لوَاحِد مِنْهُم أَن يلْتَزم مذهبا أَو يَدعِي الانتماء إِلَى أحد..
لَكِن بتأمل معنى ـ العامية ـ نجد أَنَّهَا على نَوْعَيْنِ: فهناك الْعَاميّ الْمُطلق وهم الدهماء الَّذين لَا يملكُونَ من أدوات الْعلم شَيْئا أَو هم الْجُهَّال فَهَؤُلَاءِ يقلدون الْمُفْتِينَ..
وَقد ذكر الْعلمَاء أَنه عِنْد عدم الْمُفْتِي الْمُجْتَهد الَّذِي يطمئن الْإِنْسَان إِلَى علمه وورعه لَهُ أَن يُقَلّد لنَفسِهِ وَلَا يُفْتِي بِمَا قلد.
وَهَذَا هُوَ الْحق إِن شَاءَ الله وَإِلَّا لوقع النَّاس فِي أحد أَمريْن:
١ ـ فِي الْحَرج والشدة إِذا كلفنا كل مُسلم أَن ينظر فِي الْأَدِلَّة ويجتهد فيتخبط النَّاس فِي الْأَحْكَام مَا بَين مَحل ومحرم ويجترئون على الْفَتْوَى وَالِاجْتِهَاد بِغَيْر علم وَلَا بَصِيرَة، ويغلبهم علم الِاخْتِلَاف فيضلون لعدم معرفتهم لطريقه وإدراكهم لأسراره أَو قدرتهم على الغوص فِي بحاره..
٢ ـ أَو يتْرك النَّاس الْعَمَل بِكَثِير من الْأَحْكَام ويهملونها، تَحت وَطْأَة وهم الِانْتِظَار حَتَّى يتَرَجَّح الدَّلِيل وتتضح الْآثَار.. ونتيجة لعدم المبالاة بِمَا ذهب إِلَيْهِ السّلف وَقَالَهُ الْعلمَاء..
стр. 19
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة:
وَذكر الْعلمَاء أَن الْفَتْوَى وَالِاجْتِهَاد دَرَجَة من الْعلم يَنْبَغِي أَن تكون مَوْجُودَة فِي كل زمَان وَمَكَان فِي أمة مُحَمَّد ﷺ حَتَّى تقوم الْحجَّة
стр. 20
بِالدّينِ، ويستقيم أَمر الْمُسلمين، وَالله يقيض فِي كل عصر من يفصل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة ويستنبط للحوادث من الْكتاب وَالسّنة وَيرد الْفُرُوع إِلَى الْأُصُول.
وَلَو تتبعت عصور الْإِسْلَام لوجدت فِي كل عصر مصداق ذَلِك، ولوجدت أَنه فِي الْأَزْمَان الَّتِي كَانَ الِاجْتِهَاد فِيهَا مزدهراً كَانَت تعْتَبر عصور الْعلم الذهبية الَّتِي يبلغ الْمُسلمُونَ فِيهَا أوج قوتهم ونهضتهم، وَفِي العصور الَّتِي غلب عَلَيْهَا الكسل وتعطل فِيهَا الِاجْتِهَاد كَانَت تعْتَبر عصور الانحطاط الْمظْلمَة، والتخلف العلمي، وَلَك أَن تلحظ ذَلِك بِعَين الْمُشَاهدَة فِيمَا صنف فِي هَذِه العصور من متون وشروح وحواش..
لَكِن مَا هِيَ الأدوات الَّتِي تؤهل المتعلم لهَذِهِ الدرجَة الْعَظِيمَة، وَمَتى يجوز لَهُ الانتصاب لَهَا وادعاؤها، فلننظر إِلَى السّلف مَاذَا قَالُوا:
١ ـ الْأَثر: قَالُوا لَا بُد أَن يتضلع مِنْهُ بأكبر قدر مُمكن، وَمن حدده بِخَمْسِمِائَة حَدِيث أَو بِأَكْثَرَ أَو بِأَقَلّ فَإِنَّهُ لم يدقق فِي الْمَسْأَلَة وَإِنَّمَا أَرَادَ أَن يضْرب مثلا يقرب الْأَمر إِلَى الأذهان، وَقد سُئِلَ الإِمَام أَحْمد: "إِذا حفظ الرجل مائَة ألف حَدِيث يكون فَقِيها؟ ". قَالَ: "لَا". قيل: "فمائتي ألف؟ ". قَالَ: "لَا". قيل: "فثلاثمائة ألف؟ ". قَالَ: "لَا".. وَلَعَلَّ الإِمَام أَحْمد ﵀ أَرَادَ الْإِشَارَة إِلَى أَمريْن: أَحدهمَا أَن حفظ الحَدِيث وَحده لَا يَعْنِي الْفِقْه وَالْقُدْرَة على الْفَتْوَى، وَالْآخر أَنه يجب على الْفَقِيه الْمُفْتِي أَن يحْتَاط لنَفسِهِ وَلَا يستهين بِهَذَا الشَّأْن الْعَظِيم.
٢ ـ الرَّأْي: لَا بُد أَن يتفقه بمذاهب أهل الْفِقْه ويطلع على آرائهم قَالَ عَليّ ابْن شَقِيق: "سَمِعت ابْن الْمُبَارك يُسأل: "مَتى يسع الرجل أَن يُفْتِي؟ " قَالَ: "إِذا كَانَ عَالما بالأثر بَصيرًا بِالرَّأْيِ"١.
٣ ـ وَعَلِيهِ أَن يلم بعلوم الشَّرِيعَة وقواعدها الَّتِي تنبني عَلَيْهَا وَلَا تفهم الْأَحْكَام بِدُونِهَا فمثلاً:
стр. 21
قَالَ الشَّافِعِي: "لَا يحل لأحد أَن يُفْتِي فِي دين الله إِلَّا رجلا عَارِفًا بِكِتَاب الله، بناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، وَيعرف من الحَدِيث مَا عرف من الْقُرْآن، وَيكون بَصيرًا بالشعر بَصيرًا باللغة وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ من السّنة وَالْقُرْآن وَيسْتَعْمل مَعَ هَذَا الْإِنْصَاف وَيكون بعد هَذَا مشرفاً على اخْتِلَاف أهل الْأَمْصَار وَتَكون لَهُ قريحة بعد هَذَا، فَإِذا كَانَ هَكَذَا فَلهُ أَن يتَكَلَّم ويفتي فِي الْحَلَال وَالْحرَام وَإِذا لم يكن هَكَذَا فَلَيْسَ لَهُ أَن يُفْتِي"١.
وَقَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: "يَنْبَغِي للرجل إِذا حمل نَفسه على الْفتيا أَن يكون عَالما بِوُجُوه الْقُرْآن عَالما بِالْأَسَانِيدِ"٢.
وَقَالَ يحيى بن أَكْثَم: "لَيْسَ من الْعُلُوم كلهَا علم أوجب على الْعلمَاء والمتعلمين وعَلى كَافَّة الْمُسلمين من علم نَاسخ الْقُرْآن ومنسوخه".
وروى ابْن سِيرِين عَن حُذَيْفَة أَنه قَالَ: "إِنَّمَا يُفْتِي النَّاس أحد ثَلَاثَة: من يعلم مَا نسخ من الْقُرْآن، أَو أَمِير لَا يجد بدا، أَو أَحمَق متكلف". قَالَ ابْن سِيرِين: "فلست بِوَاحِد من هذَيْن وَلَا أحب أَن أكون الثَّالِث"٣.
قَالَ ابْن الْقيم ﵀: "مُرَاده وَمُرَاد السّلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تَارَة وَهُوَ اصْطِلَاح المتأخيرن، وَرفع دلَالَة الْعَام وَالْمُطلق وَالظَّاهِر وَغَيرهَا تَارَة إِمَّا بتخصيص أَو تَقْيِيد أَو حمل مُطلق على مُقَيّد وَتَفْسِيره وتبيينه حَتَّى إِنَّهُم ليسمون الاستثاء وَالشّرط وَالصّفة نسخا". اهـ.
قلت: وَيَنْبَغِي على كل متعلم أَن يعلم أَن مرتبَة الْفَتْوَى لم تكن لجَمِيع الصَّحَابَة رضوَان الله تَعَالَى عَلَيْهِم مَعَ أَن جَمِيعهم فِي اللُّغَة أفْصح من فصحاء عصرنا، هَذَا مَعَ كَونهم امتازوا بالصحبة وبمشاهدة التَّنْزِيل إِنَّمَا كَانَ الْمَشْهُور