Полный текст (929 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الأوّل الأزلي قبل الكون والمكان، من غير أوّل ولا بداية، الآخر الأبدي بعد فناء المكنونات والأزمان بغير آخر ولا غاية، الظاهر في علوّه بقهره عن غير بعد، والباطن في دنوّه بقربه من دون مسّ، الذي أحسن بلطفه كل شيء بدأه وأتقن صنع كل شيء أنشأه، ودبرت الأحكام حكمته وصرفت المحكومات مشيئته، فأظهر في الغيب والشهادة لطيف قدرته وعمّ في العاجل والآجل خلقه بنعمته، ونشر على مَن أحبّ منهم فضله، وبسط لجميعهم عدله، وأنعم عليهم بتعريفهم إياه، ، به ، وأحسن إليهم باجتبائه إياهم إليه، وأفضل عليهم بتيسير كلامه لهم، ومنَّ عليهم ببعثه رسولاً من أنفسهم إليهم، فنسأله الصلاة على النبي وآله، وأن يوزعنا بفضله وشكر نعمه، ويعرفنا خفيّ قدره، وصلّى الله ﵎ على سيّد الأوّلين والآخرين، رسوله المفضل بالشفاعة والحوض المورود، المخصوص بالوسيلة والمقام المحمود، وعلى إخوانه السالفين في الأزمان، وأنصاره التابعين بإحسان.
وبعد فهذا كتاب قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد، تصنيف الشيخ أبي طالب محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي ﵁ يشتمل على ثمانية وأربعين فصلاً هذا ذكرها: الفصل الأول: في ذكر الآي التي فيها المعاملات.
الفصل الثاني: في الآي التي فيها ذكر أوراد الليل والنهار.
الفصل الثالث: في ذكر عمل المريد في اليوم والليلة.
الفصل الرابع: في ذكر ما يستحب من الذكر وقراءة الآي المندوب إليها بعد التسليم من صلاة الصبح.
الفصل الخامس: في ذكر الأدعية المختارة بعد صلاة الصبح.
الفصل السادس: في ذكر عمل المريد بعد صلاة الصبح.
الفصل السابع: في ذكر أوراد النهار وهي سبعة أوراد.
الفصل الثامن: في ذكر أوراد الليل وهي خمسة أوراد.
стр. 2
الفصل التاسع: في ذكر وقت الفجر.
الفصل العاشر: فيه كتاب معرفة الزوال وزيادة الظل ونقصانه بالأقدام.
الفصل الحادي عشر: فيه كتاب فضل الصلاة في الأيام والليالي.
الفصل الثاني عشر: في ذكر الوتر وفضل الصلاة في الليل.
الفصل الثالث عشر: فيه كتاب جامع ما يستحب أن يقول العبد إذا استيقظ من نومه وفي يقظته عند الصباح.
الفصل الرابع عشر: في تقسيم قيام الليل ووصف القائمين.
الفصل الخامس عشر: في ذكر ورد العبد من التسبيح والذكر والصلاة في اليوم والليلة وفضل صلاة الجماعة وذكر فضل الأوقات المرجو فيها الإجابة وذكر صلاة التسبيح.
الفصل السادس عشر: في ذكر معاملة العبد في التلاوة ووصف التالين حقّ تلاوته بقيام الشهادة.
الفصل السابع عشر: فيه كتاب ذكر نوع من المفصل والموصل من الكلم ومدح العاملين به وذم الغافلين عنه وهو من تفسير غريب القرآن.
الفصل الثامن عشر: فيه كتاب ذكر الوصف المكروه من نعت الغافلين.
الفصل التاسع عشر: فيه كتاب ذكر الجهر بالقرآن وما في ذلك من النيات وتفصيل حكم الجهر والإخفات.
الفصل العشرون: في ذكر الليالي المرجوّ فيها الفضل المستحب إحياؤها وذكر مواصلة الأوراد في الأيام الفاضلة.
الفصل الحادي والعشرون: في كتاب الجمعة وهيئة آدابها وذكر المزيد في يوم الجمعة وليلتها.
الفصل الثاني والعشرون: فيه كتاب الصوم وترتيبه ووصف الصائمين.
الفصل الثالث والعشرون: في ذكر محاسبة النفس ومراعاة الوقت.
الفصل الرابع والعشرون: في ذكر ماهية الورد للمريد ووصف حال العارف بالمزيد.
الفصل الخامس والعشرون: في كتاب تعريف النفس وتصريف مواجيد العارفين.
الفصل السادس والعشرون: فيه كتاب ذكر مشاهدة أهل المراقبة.
الفصل السابع والعشرون: فيه كتاب أساس المريدين.
الفصل الثامن والعشرون: فيه كتاب مراقبة المقربين.
الفصل التاسع والعشرون: فيه ذكر أهل المقامات من المقربين وتمييزهم ونعت حال المتعبدين الموقنين وتمييز حال أهل الغفلة المبعدين.
стр. 3
الفصل الثلاثون: فيه كتاب ذكر خواطر القلب لأهل معاملات القلوب.
الفصل الحادي والثلاثون: فيه كتاب العلم وتفضيله وأوصاف العلماء، وذكر فضل علم المعرفة على سائر العلوم، وكشف طريق العلماء من السلف الصالح، وذكر بيان فضل علم الباطن على علم الظاهر، والفرق بين علماء الدنيا وعلماء الآخرة، وذكر علماء السوء الآكلين بعلومهم الدنيا، وذكر وصف العلم وطريق السلف، وما أحدث المتأخرون من القصص والكلام، وباب ذكر ما أحدث الناس من القول والفعل فيما بينهم مما لم يكن عليه السلف، وباب من تفضيل علم الإيمان واليقين على سائر العلوم والتحذير من الزلل فيه وبيان ما ذكرناه، وباب تفصيل الأخبار وبيان طريق الآثار.
الفصل الثاني والثلاثون: في شرح مقامات اليقين وأحكام الموقنين وأصل مقامات اليقين التي ترد إليها فروع أحوال اليقين وهي تسعة: أوّلها التوبة ثم الصبر ثم الشكر ثم الرجاء ثم الخوف ثم الزهد ثم التوكل ثم الرضا ثم المحبة.
الفصل الثالث والثلاثون: فيه شرح مباني الإسلام وهي خمسة: فالأول فرض شهادة التوحيد للمؤمنين ووصف فضائلها وهي شهادة المقربين وذكر شهادة الرسول ﷺ وفضلها للموقنين، والثاني شرح الصلاة فأوّلها فرض الاستنجاء وسننه وفرائض الوضوء وسننه وفضائله وفرائض الصلاة وسننها وأحكام المصلّي في فوت الصلاة ودركها وما يتعلق بها وهيئة الصلاة وآداب المصلّي فيها، والثالث شرح الزكاة ووقت أدائها وذكر فضائل الصدقة وآداب العطاء ووصف أحوال الفقراء، والرابع شرح صوم شهر رمضان، والخامس شرح كتاب الحج الذي به كمال الشريعة وتمام الملة.
الفصل الرابع والثلاثون: فيه كتاب تفصيل الإسلام والإيمان وعقود السنّة واعتقاد القلوب، وشرح معاملة الناس من العلم الظاهر، وذكر دعائم الإسلام وأركان الإيمان، واتصال الإيمان بالإسلام واقتران القلوب بالعمل وذكر بيان التفرقة بين الإيمان والإسلام، والاستثناء في الإيمان والإشفاق من النفاق وطريقة السلف في ذلك.
الفصل الخامس والثلاثون: فيه كتاب السنّة وشرح فضائلها وجمل من آداب الشريعة وذكر عقود القلوب من علم الظاهر وهي ستَّ عشْرَةَ خصلة: أولها أن تعتقد أن الإيمان قول وعمل، وأن القرآن كلام الله ﵎ غير مخلوق، وأن تسلم أخبار الصفات، وأن تعتقد وتعلم تفضيل أصحاب رسول الله ﷺ وأن تقدم من قدمه الله ورسوله ﷺ وأن تعتقد أن الإمامة في قريش عامة إلى أن تقوم الساعة، وأن لاتكفر أحداً من أهل القبلة، وأن تصدق بجميع أقدار الله خيرها وشرها، وأن مساءلة منكر ونكير حق، وأن عذاب القبر حق، وأن تؤمن بالميزان، وأن تعتقد أن الصراط حق، وأن تؤمن بالحوض المورود حوض محمد ﷺ وأن تؤمن بالنظر إلى الله ، وأن تعتقد إخراج الموحدين من النار، وأن تؤمن بوقوع الحساب وفيه فصل مستنبط من
стр. 4
معنى الإجماع بذكر أهل البدع وإخراجهم من الجماعة، وذكر فضائل السنة ووصف طرائق السلف التابعين بإحسان.
الفصل السادس والثلاثون: فيه ذكر جمل الشريعة وعز الإيمان، وذكر شرط المسلم الذي يكون به مسلماً، وذكر حسن إسلام المرء وعلامة محبة الله له وذكر حق المسلم على المسلم وهو وجوب حرمة الإسلام على المسلمين، وذكر سنن الجسد وذكر ما في اللحية من المعاصي والبدع، وذكر ما جاء في فضل بعض ذلك واستحسانه، وكتاب ما ذكر من نوافل الركوع وما يكره من النقصان منه.
الفصل السابع والثلاثون: فيه كتاب شرح الكبائر وتفصيلها ومسألة في محاسبة الكفّار.
الفصل الثامن والثلاثون: فيه كتاب الإخلاص وشرح البيان والأمر بتحسينها في تصرف الأحوال والتحذير من دخول الآفات عليها في الأفعال.
الفصل التاسع والثلاثون: فيه كتاب ترتيب الأقوات بالنقصان منها أو بزيادة الأقوات.
الفصل الأربعون: فيه كتاب الأطعمة وما يجمع الأكل من السنن والآداب وما يشتمل على الطعام من الكراهية والاستحباب.
الفصل الحادي والأربعون: فيه كتاب فرائض الفقر وفضائله ونعت عموم الفقراء وخصوصهم وتفصيل قبول العطاء ورده وطريق السلف فيه.
الفصل الثاني والأربعون: فيه كتاب حكم المسافر والمقاصد في الأسفار.
الفصل الثالث والأربعون: فيه كتاب حكم الإمام ووصف الإمامة والمأموم.
الفصل الرابع والأربعون: فيه كتاب الأخوّة في الله والصحبة ومحبة الإخوان فيه ﵎ وأحكام المؤاخاة وأوصاف المحبين.
الفصل الخامس والأربعون: فيه كتاب ذكر التزويج في فعله وتركه أيهما أفضل ومختصر أحكام النساء في ذلك.
الفصل السادس والأربعون: فيه كتاب ذكر دخول الحمام.
الفصل السابع والأربعون: فيه كتاب الصنائع والمعايش والبيع والشراء وما يجب على التاجر والصانع من شروط العلم في أحكام التصرف.
الفصل الثامن والأربعون: فيه كتاب تفصيل الحلال والحرام وما بينهما من الشبهات وفضل الحلال وذم الشبهة وتمثيل ذلك بصور الألوان.
стр. 5
الفصل الأول
في ذكر الآي التي فيها ذكر المعاملة
قال الله تعالى: (ومن أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) الإسراء: ١٩، وقال : (مَنْ كَانَ يُريدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُريدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ في الآخِرَةِ مِنْ نَصيبٍ (الشورى: ٢٠، وقال : (وَأَنْ لَيْسَ للإنْسَانِ إلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى (النجم: ٣٩و٠٤و٤١، وقال جلّت قدرته: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ في الأيَّامِ الْخَالِيَةِ) الحاقة: ٢٤، وقال عزّ من قائل: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) الأنعام: ١٣٢، وقال ﵎: (وَمَا أمْوَالُكُمْ وَلاَ أوْلاَدُكُمْ بِالَّتي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا) سبأ: ٣٧، وقال : (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون) الأعراف: ٤٣، وقال : (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) السجدة: ١٧، وقال : (نِعْمَ أَجْرُ العَامِلينَ الَّذِيْنَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) العنكبوت: ٥٨ - ٥٩، وقال سبحانه: (لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كانُوا يَعْمَلونَ) الأنعام: ١٢٧
стр. 6
الفصل الثاني
في ذكر الآي التي فيها أوراد الليل والنهار
قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً) الفرقان: ٦٢، وقال جلّ ثناؤه: (إِنَّ لَكَ في النَّهَارِ سَبْحاً طَويلاً واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتيلاً) المزمل: ٧ - ٨، وقال سبحانه: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأَصيلاً وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَويلاً) الدهر: ٢٥ - ٢٦، وقال تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) ق: ٣٩ - ٤٠، وقال تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ ربِّكَ حينَ تَقُومُ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإدْبَارَ النُّجُومِ) الطور: ٤٨ - ٤٩، وقال تعالى: (إنَّ نَاشِئِة اللَّيلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأ وَأَقْوَمُ قِيلاً) المزمل: ٦، وقال تعالى: (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) طه: ١٣٠، وقال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللََّيْلِ سَاجِداً وَقَائماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) الزمر: ٩، وقال تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعًا) السجدة: ٦١، وقال عزّ اسمه: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً) الفرقان: ٦٤، وقال : (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) الذاريات: ١٧ - ١٨، وقال تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرآنَ الْفَجْرِ إنَّ قُرآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ) الإسراء: ٧٨ - ٧٩، وقال: (وَأَقِمِ الصَّْلاَةَ طَرَفَيْ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) هود: ١١٤، وقال : (فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الحَمْدُ في السَّمَوَاتِ وَالأًرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ) الروم: ١٧ - ١٨.
стр. 7
الفصل الثالث
في ذكر عمل المريد في اليوم والليلة
من فرائض الأوامر وفضائل النوادب
فمن ذلك يستحب عند طلوع الفجر، وهو البياض المشتق من سواد الليل المعترض في قطر السماء الشرقي عند إدبار النجوم وإدبارها افتراقها وذهاب ضوئها لغلبة ضوء الفجر عليها، وهو الوقت الذي أمر الله تعالى فيه بذكره إذ يقول تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإدْبَارَ النُّجُومِ) الطور: ٤٩، فليصلِّ العبد ركعتَي الفجر، يقرأ فيهما: (قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ) الكافرون: ١ و (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) الإخلاص: ١، فهو أكثر ما روي أنّ النبي ﷺ قرأ فيهما، فإن شاء خافت وإن شاء جهر.
فقد روي حديثان أحدهما يدل على المخافتة؛ وهو حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يخفف ركعتي الفجر حتى أقول قرأ فيهما بفاتحة الكتاب أم لا، والآخر يدل على الجهر، وهو حديث ابن عمر: رمقت النبي ﷺ عشرين يوماً فسمعته يقرأ في ركعتي الفجر (قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ) الكافرون: ١ و (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) الإخلاص: ١، وفي حديث أبي هريرة وابن عباس أنه قرأ في الركعة الأولى الآية التي في سورة البقرة (قُوْلُوا آمَنّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلى إبْرَاهيمَ وَإسْمََاعيلَ) البقرة: ٦٣١، إلى آخرها، وفي الركعة الثانية (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِِينَ) آل عمران: ٥٣، فليقرأ بذلك أحياناً، ثم يستغفر الله تعالى سبعين مرة يقول في كلّ مرة: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأسأله التوبة ثم يسبح الله ويهلّله مائة مرة بالكلمات الأربع الجامعات المختصرات التي في القرآن وليست
стр. 8
بقرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وأستغفر الله وتبارك الله مرة واحدة، وليدع بهذا الدعاء فإن رسول الله ﷺ كان يدعو به بعد ركعتي الفجر.
روينا عن ابن أبي ليلى عن داود عن علي عن أبيه عن ابن عباس قال: بعثني العباس إلى رسول الله ﷺ وعلى آله فأتيته ممسياً وهو في بيت خالتي ميمونة فقام يصلّي من الليل فلما صلّى الركعتين قبل صلاة الفجر قال: اللهم إني أسألك رحمةً من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها شملي، وتلم بها شعثي، وتردّ بها أُلفَتي، وتصلح بها علانيتي، وتقضي بها ديني، وتحفظ بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتبيض بها وجهي، وتلقني بها رشدي، وتعصمني بها من كل سوء، اللهم أعطني إيماناً صادقاً، ويقيناً ليس بعده كفر، ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك الفوز عند القضاء ومنازل الشهداء وعيش السعداء ومرافقة الأنبياء والنصر على الأعداء، اللهم إني أنزلُ بك حاجتي وإن قصر رأيي، وضعف عملي، وافتقرت إلى رحمتك فأسألك يا قاضي الأمور ويا شافي الصدور كما تجير بين البحور أن تجيرني من عذاب السعير، ومن دعوة الثبور ومن فتنة القبور، اللهم ما قصر عنه رأيي، وضعف عنه عملي، ولم تبلغه نيتي، ومنيتي من خير وعدته أحداً من خلقك أو خير أنت معطيه أحداً من عبادك، فإني أرغب إليك فيه وأسألك يا ربّ العالمين اللهم اجعلنا هادين مهديين غير ضالين، ولا مضلين، حرباً لأعدائك، وسلماً لأوليائك، نحب بحبك الناس ونعادي بعداوتك من خالفك من خلقك، اللهم هذا الدعاء وعليك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله ذي الحبل الشديد، والأمر الرشيد، أسألك الأمن يوم الوعيد والجنة يوم الخلود، مع المقرّبين الشهود، والركّع السجود، والموفين بالعهود، إنك رحيم ودود، أنت تفعل ما تريد، سبحان الذي تعطف بالعز وقال به، سبحان الذي لبس المجد وتكرم به، سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلاّ له، سبحان ذي الفضل والنعم، سبحان ذي القدرة والكرم، سبحان الذي أحصى كل شيء بعلمه، اللهم اجعل لي نوراً في قلبي، ونوراً في قبري، ونوراً في سمعي، ونوراً في بصري، ونوراً في شعري، ونوراً في بشري، ونوراً في لحمي، ونوراً في دمي، ونوراً في عظامي، ونوراً من بين يدي، ونوراً من خلفي، ونوراً عن يميني، ونوراً عن شمالي، ونوراً من فوقي، ونوراً من تحتي، اللهم زدني نوراً، وأعطني نوراً، واجعل لي نوراً هذه الأنوار التي سألها رسول الله ﷺ وعلى آله في كل جزء من أجزائه، إنما هو دوام النظر من نور النور يشاهد القيومية في كل سكون وحركة، منه يكلؤه بنظره، ويتولاه بحيطته، فينظر إليه بدوام نظره ليستقيم له بتولي حفظه فلا يزيغ بصره ولا يطغى ولا
стр. 9
تستهويه النفس بهوى، فليدع العبد بهذا الدعاء بعد ركعتي الفجر، لكن يقدم على دعائه المسألة لله ﵎ في الصلاة على محمد ﷺ وعلى آله فيستجيب دعوته ولا يرده، لقول الرسول ﷺ إذا سألتم الله تعالى حاجة فابدؤوا بالصلاة عليّ فإن الله تعالى أكرم من أن يُسأل في حاجتين فيعطي إحداهما ويرد الأخرى، ثم ليصلّ العبد صلاة الغداة في جماعة ليكون في ذمة الله وجواره، وفي الحديث صلاة الغداة في جماعة أفضل من قيام ليلة وصلاة العشاء الآخرة في جماعة أفضل من قيام نصف ليلة وليكن قائماً في صلاته بإلقاء سمع، وشهود قلب، وحضور عقل، وجمع هم، وصحة تيقّظ، وحسن إقبال، وتدبر للكلام، وترتيل وتفهم بالتماس غرائب التنزيل.
فإذا سلم من صلاته قال ما يستحب من الذكر.
стр. 10
الفصل الرابع
في ذكر ما يُستحبّ من الذكر
وقراءة الآي المندوب إليها بعد التسليم من صلاة الصبح
استخرجناها من الآثار، اللهم صلّ على محمد وآله، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وإليك يعود السلام، فحيّنا ربّنا بالسلام، وأدخلنا دار السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم ليقل سبحان الله العظيم ويحمده ثلاثاً، ثم يستغفر الله ثلاثاً، ثم يقول: اللهم لا مانع لما أَعطيت ولا معطي لما منَعت ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ، ثم ليقل وهو ثانٍ رجِلَه من قبل أن يتكلم هذه الكلمات عشر مرات: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلك وله الحمد، يُحيي ويُميت وهو حي لا يموت، بيده الخير كلّه وهو على كل شيء قدير، ثم ليقرأ وهو كذلك: قل هو الله أحد عشراً، ويقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ربّ أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك ربّ أن يحضرون عشر مرات، وليقل: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يصِفُون الصافات: ١٨٠ إلى آخر السورة ثلاث مرات، وليقل: (فَسُبْحَانَ اللهِ حينَ تُمْسُونَ وَحينَ تُصْبِحُون) الروم: ٧١ إلى آخر الثلاث آيات ثلاث مرات، ثم يسبح ثلاثاً وثلاثين ويحمد كذلك، ويكبّر أربعاً وثلاثين، فتلك مائة مرة وإن أحب جعلها خمساً وعشرين زاد فيها التهليل، وإن قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمساً وعشرين مرة استوعب ذلك مائة تسبيحة وكان أيسر عليه لأجل المداومة، ثم يقرأ سورة الحمد وآية الكرسي وخاتمة البقرة من قوله: (آمَنَ الرَّسُولُ) البقرة: ٢٨٥، و (شَهِدَ اللهُ) آل عمران: ١٨ الآية، و (قل اللهم مالك الملك) آل عمران: ٦٢، الآيتين ثم يقرأ: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُم) التوبة: ١٢٨ إلى آخرها، ثم يقرأ: (وَقُلِ الحَمْدُ للهِ الذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً) الإسراء: ١١١ الآية، ثم يقرأ: (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا) الفتح: ٢٧ إلى آخر السورة، ثم يقرأ خمساً من أول سورة الحديد وثلاثاً من آخر سورة الحشر، ثم ليقل: اللهم إني أسألك بكرم وجهك الصلاة على محمد وآله؛ وأسألك الجنة وأعوذ بك من النار سبع مرات،
стр. 11
وقال قبيصة بن مخارق للنبي ﷺ : علّمني كلمات ينفعني الله بها وأوجز فقد كبر سنّي وعجزت عن أشياء كنت أعملها، فقال: أما لدنياك فإذا صليت الغداة فقل ثلاث مرات سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وبحمده لا حول ولا قوة لا بالله فإنك إذا قلتهن أمِنْتَ من عمى وجذام وبرص وفالج، أما لآخرتك فقل: اللهمّ صلّ على محمد وآل محمد واهدني من عندك وأفِضْ عليّ من فضلك وانشر عليّ من رحمتك وأنزل عليّ من بركاتك، ثم قال رسول الله ﷺ : أما أنه إذا وافى بهن يوم القيامة لم يدعهن فتح له أربعة أبواب من الجنة يدخل من أيّها شاء وإن قال المسبعات العشر التي أهداها الخضر ﵇ إلى إبراهيم التيمي ووصاه أن يقولها غدوة وعشية وقال له الخضر: أعطانيها محمد ﷺ وذكر من فضلها وعظَّم شأنها ما يجل عن الوصف وإنه لا يداوم على ذلك إلا عبد سعيد قد سبقت له من الله الحسنى وحذفنا ذكر فضائلها اختصاراً، فإن قال ذلك فقد استكمل الفضل والمداومة عليهن تجمع له جميع ما فرّقناه من الأدعية، روى ذلك سعيد بن سعيد عن أبي طيبة عن كرز بن وبرة قال: وكان من الأبدال، قال: أتاني أخ لي من الشام فأهدى لي هدية، وقال: يا كرز اقبل مني هذه الهدية فإنها نعم الهدية، فقلت: يا أخي من أهدى لك هذه الهدية؟ قال: أعطانيها إبراهيم التيمي، قلت: أفلم تسأل إبراهيم من أعطاه؟ قال: بلى، قال: كنت جالساً في فناء الكعبة، وأنا في التهليل والتسبيح والتحميد فجاءني رجل فسلّم عليّ وجلس عن يميني فلم أرَ في زماني أحسن منه وجهاً ولا أحسن منه ثياباً ولا أشدّ بياضاً ولا أطيب ريحاً، فقلت: يا عبد الله من أنت ومن أين جئت؟ فقال: أنا الخضر، فقلت: في أي شيء جئتني؟ قال: جئتك للسلام عليك، وحباً لك في الله ، وعندي هدية أريد أن أهديها إليك، فقلت: ما هي؟ قال: هي أن تقرأ قبل طلوع الشمس وتبسط على الأرض، وقبل أن تغرب سورة الحمد سبع مرات، وقل أعوذ برب الناس سبع مرات، وقل أعوذ برب الفلق سبع مرات، وقل هو الله أحد سبع مرات، وقل أيها الكافرون سبع مرات، وآية الكرسي سبع مرات، وتقول سبحان الله والحمد لله ولا إليه إلا الله والله أكبر سبع مرات
وتصلي على النبي ﷺ سبع مرات، وتستغفر لنفسك ولوالديك وما توالدا ولأهلك وللمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات سبع مرات، وتقول اللهم يا ربّ افعل بي وبهم عاجلاً وآجلاً في الدين والدنيا والآخرة ما أنت له أهل ولا تفعل بنا يا مولاي ما نحن له أهل، إنك غفور حليم، جوّاد كريم رؤوف، رحيم سبع مرات، وانظر أن لا تدع ذلك غدوةً وعشية، فقلت: أحب أن تخبرني من أعطاك هذه العطية، فقال: أعطانيها محمد ﷺ ، فقلت: أخبرني
стр. 12
بثواب ذلك، فقال لي: إذا لقيت محمّداً ﷺ فسله عن ثوابه فإنه سيخبرك، فذكر إبراهيم التيمي ﵀ أنه رأى ذات ليلة في منامه أن الملائكة جاءته فاحتملته حتى أدخلوه الجنة فرأى ما فيها، ووصف وصفاً عظيماً مما رأى في صفة الجنة، قال: فسألت الملائكة فقلت: لمن هذا كله؟ فقالوا: للذي عمل مثل عملك وذكر أنّه أكل من ثمرها وسقوه من شرابها فأتاني النبي ﷺ ومعه سبعون نبياً وسبعون صفاً من الملائكة، كل صف مثل ما بين المشرق والمغرب فسلّم عليّ وأخذ بيدي، فقلت: يا رسول الله إن الخضر أخبرني أنه سمع منك هذا الحديث، فقال: صدّق الخضر وكل ما يحكيه فهو حق وهو عالم أهل الأرض وهو رئيس الأبدال وهو من جنود الله في الأرض، فقلت: يا رسول الله فمن فعل هذا ولم يرَ مثل الذي رأيت في منامي، هل يعطى ممّا أعطيته؟ قال: والذي بعثني بالحق إنه ليعطي العامل بهذا وإن لم يرني ولم يرَ الجنة إنه ليغفر له جميع الكبائر التي عملها ويرفع الله عنه غضبه ومقته ويؤمر صاحب الشمال أن لا يكتب عليه شيئاً من السيّئات إلى سنة والذي بعثني بالحق نبياً ما يعمل بهذا إلا من خلقه الله تعالى سعيداً ولا يتركه إلا من خلقه شقياً، وقد كان إبراهيم التيمي ﵀ مكث أربعة أشهر لم يطعم طعاماً ولم يشرب شراباً فلعله بعد الرؤيا والله تعالى أعلم ذكره الأعمش عنه فهذا من جمل ما أتى ممّا يُستحبّ أن يقرأ ويقال بعد صلاة الغداة، ولذلك فضائل جمة وردت بها الأخبار حذفنا ذكرها للاختصار.
стр. 13
الفصل الخامس
في ذكر الأدعية المختارة بعد صلاة الصبح
الجامعة المختصرة المأثورة في الأخبار المتفرقة رُويَ أن النبي ﷺ كان إذا افتتح دعاء افتتحه بقوله سبحان ربي العلي الأعلى الوهاب، وأنه كان يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلك وله الحمد، يُحيي ويُميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله أهل النعمة والفضل والثناء الحسن لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، وروينا أن رسول الله ﷺ قال لعائشة ﵂: عليك بالجوامع الكوامل، قولي: اللهم إني أسألك الصلاة على محمد وآله، وأسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم، وأسألك الجنة، وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار، وما قرب إليها من قول وعمل، وأسألك من الخير ما سألك به عبدك ورسولك محمد ﷺ وأستعيذك مما استعاذك منه عبدك ورسولك محمد ﷺ وأسألك ما قضيت لي من أمر أن تجعل عاقبته رشداً برحمتك يا أرحم الراحمين.
وعن أنس بن مالك قال، قال: رسول الله ﷺ : يا فاطمة ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به أن تقولي يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث فأغثني ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين وأصلح لي شأني كله، وعلّم رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق ﵁ هذا الدعاء فقال: قل اللهم إني أسألك بمحمد نبيك وإبراهيم خليلك وموسى نجيّك وكليمك وعيسى روحك وكلمتك وبكلام موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وفرقان محمد ﷺ وكل وحي أوحيته أو قضاء قضيته أو سائل أعطيته أو غني أقنيته أو فقير أغنيته أو ضال هديته وأسألك باسمك
стр. 14
الذي أنزلته على موسى وأسألك باسمك الذي ثبت به أرزاق العباد وأسألك باسمك الذي وضعته على الأرض فاستقرّت وأسألك باسمك الذي وضعته على السموات فاستقلّت وأسألك باسمك الذي وضعته على الجبال فأرست وأسألك باسمك الذي استقلّ به عرشك وأسألك باسمك الطهر الطاهر الأحد الصمد الوتر المنزل في كتابك من لدنك من النور المبين وأسألك باسمك الذي وضعته على النهار فاستنار وعلى الليل فأظلم وبعظمتك وكبريائك وبنور وجهك أن تصلي على محمد نبيك وعلى آله وأن ترزقني القرآن والعم وتخلطه بلحمي ودمي وسمعي وبصري وتستعمل به جسدي بحولك وقوّتك فإنه لا حول لي ولا قوّة إلا بك يا أرحم الراحمين.
وروينا عن ابن عمر أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فعلمه هذا الدعاء: يا نور السموات والأرض يا جمال السموات والأرض يا عماد السموات والأرض يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا صريخ المستصرخين يا غوث المستغيثين يا منتهى رغبة الراغبين والمفرج عن المكروبين والمروّح عن المغمومين ومجيب دعوة المضطرين وكاشف السوء وأرحم الراحمين وإله العالمين منزول بك كل حاجة يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين.
وعن ابن عمر ﵄ قال: لم يكن النبي ﷺ يدع أن يدعو بهؤلاء الكلمات حين يصبح، وحين يمسي: اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، وأسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وفي أهلي ومالي، اللهم استر عورتي وآمن روعاتي، وأقلني عثراتي، اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بك أن أغتال من تحتي.
وقال بريد الأسلمي: قال لي رسول الله ﷺ : يا بريد ألا أعلمك كلمات من أراد الله به خيراً علمهن إياه ثم لم ينسهن إياه أبداً، قال: قلت بلى يا رسول الله صلّى الله عليك، قال: قل اللهم إني ضعيف فقوّ في رضاك ضعفي، وخذ إلى الخير بناصيتي، واجعل الإسلام منتهى رضاي، اللهم إني ضعيف فقوّني وإني ذليل فأعزني وإني فقير فأغنني برحمتك يا أرحم الراحمين.
وروينا عن أبي مالك الأشجعي قال: حدثني أبي قال كنا نغدو إلى النبي ﷺ فيجيء الرجل أو تجيء المرأة فيقول كيف أقول يا سول الله إذا أصبحت؟ قال: تقول اللهم صلّ على محمد وآله واغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني وأجبرني فقد جمعن لك خير دنياك وآخرتك.
وروينا عن أبي زرعة قال: كتب إليّ أبو هريرة فيما أكاتبه وشافهني به فيما ألقاه أن الشيطان لا يطيف بإنسان يقول حين يصبح وحين يمسي اللهم إني أعوذ باسمك وكلمتك التامة من شر السامة والهامة وأعوذ باسمك وكلمتك التامة من شر عذابك وشر عبادك وأعوذ باسمك وكلمتك التامة من شر الشيطان الرجيم، اللهم إني أسألك بأسمائك وكلمتك التامة أن تصلي على نبيك محمد وآله وأسألك من خير ما تعطي وما تسأل ومن خير ما تخفي وخير ما تبدي، اللهم إني أعوذ باسمك وكلمتك التامة من شر ما يجري به
стр. 15
النهار إن ربّي الله الذي لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم وإن كان مساء قال ومن شر ما جاء به الليل يقول ذلك ثلاثاً.
وروينا عن عمر بن عبد العزيز عن محمد بن عبيد الله قال: أتى أبو الدرداء فقيل له احترقت دارك، فقال: ما كان الله ليفعل، ثم أتاه آتٍ فقال: يا أبا الدرداء إن النار حيث دنت من دارك طفئت، فقال: قد علمت، فقيل له: ما ندري أي قوليك أعجب، قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول من قال هؤلاء الكلمات في ليل أو نهار لم يضره شيء وقد قلتهن، وهي اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت ربّ العرش العظيم لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ما شاء الله ربي كان وما لم يشأ لم يكن أعلم أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً، اللهم إني أعوذ بك من شرّ نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها إن ربّي على صراط مستقيم.
وقد روينا عن أبي الدرداء أنه قال: من قال في كل يوم سبع مرات فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم كفاه الله ما يهمه من أمر آخرته صادقاً كان أو كاذباً، وروينا عن النبي ﷺ أنه قال: ما أصاب أحداً همّ ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماضٍ فيّ حكمك عدل فيّ قضاؤك أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تصلي على نبيك وحبيبك محمد وآله وأن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه، وحزنه وأبدله مكانه فرحاً، قال: قيل يا رسول الله ألا تتعلمها؟ فقال ﷺ : بل ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها، وروينا في الأخبار أن إبراهيم الخليل كان يقول إذا أصبح: اللهم هذا خلق جديد فافتحه عليّ بطاعتك واختمه لي بمغفرتك ورضوانك وارزقني فيه حسنة تقبلها مني وزكها وضعفها لي وما عملت فيه من سيئة فاغفرها لي إنك غفور رحيم ودود كريم، قال: ومن دعا بهذا الدعاء إذا أصبح فقد أدى شكر يومه وكذلك إذا أمسى، وروينا عن رسول الله ﷺ : من قال إذا أصبح وإذا أمسى ثلاث مرات رضيت بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبيّاً كان حقاً على الله أن يرضيه يوم القيامة، وروينا عن معمر عن جعفر بن برقان أن عيسى بن مريم ﷺ كان يقول: اللهم إني أصبحت لا أستطيع دفع ما أكره ولا أملك نفع ما أرجو وأصبح الأمر بيدك لا بيد غيرك وأصبحت مرتهناً بعملي فلا فقير أفقر مني، اللهم لا تشمت بي عدوي ولا تُسِيء بي صديقي ولا تجعل مصيبتي في ديني ولا تجعل الدنيا أكبر همي ولا مبلغ علمي ولا غاية أملي ولا تسلط عليّ من لا يرحمني.
وروينا عن عطاء عن ابن عباس قال: يلتقي الخضر وإلياس في كل موسم فيفترقان
стр. 16
عن هذه الكلمات: بسم الله ما شاء الله لا حول ولا قوّة إلا بالله ما شاء الله كل نعمة من الله ما شاء الله الخير كله بيد الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، فمن قالها إذا أصبح ثلاث مرات أمن الحرق والغرق والسرق، ويقال: إن هذا من استغفار الخضر ﵇: اللهم إني أستغفرك من كلّ ذنب تبت إليك منه ثم عدت فيه اللهم إني أستغفرك من كل عقبد عقدته لك ثم لم أفِ لك به اللهم إني أستغفرك من كل نعمة أنعمت بها علي فقويت بها على معصيتك اللهم إني أستغفرك من كل عمل عملته لوجهك خالطه ما ليس لك.
وحكى سعيد بن أبي الروحاء الجمال وكان من أهل الخير أنه توحد ذات ليلة في أرض قفرة فاستوحش وفزع فظهر له شخص قال: فاشتد جزعي منه حتى سمعته يقرأ القرآن ثم قال: ألا أدلك على شيء إذا أنت قلته أنست إذا استوحشت واهتديت إذا ضللت ونمت إذا أرقت، قلت: علمني رحمك الله قال، قل: " بسم الله ذي الشأن عظيم البرهان شديد السلطان كل يوم هو في شأن لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم ".
وحدثونا عن يعقوب بن عبد الرحمن الدعاء قال: سمعت محمد بن حسان يقول: قال لي معروف الكرخي ﵀ ألا أعلمك عشر كلمات خمسة للدنيا وخمسة للآخرة من دعا الله بهن وجد الله عندهن قلت: اكتبها، قال: لا ولكن أرددها عليك كما رددها عليّ بكر بن حبيش: حسبي الله ﵎ لديني، حسبي الله لدنياي، حسبي الله الكريم لما أهمني، حسبي الله الحكيم القوي لمن بغى علّي، حسبي الله الشديد لمن كادني بسوء، حسبي الله الرحيم عند الموت، حسبي الله الرؤوف عند المسألة في القبر، حسبي الله الكريم عند الحساب، حسبي الله اللطيف عند الميزان، حسبي الله القدير عند الصراط، حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، وادع بهؤلاء الكلمات: اللهم يا هادي المضلين وراحم المذنبين ومقيل عثرات العاثرين ارحم عبدك ذا الخطر العظيم المسلمين كلهم أجمعين واجعلنا من الأحياء المرزوقين الذي أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين يا ربّ العالمين، يقال إن عتبة الغلام رئي في المنام فقال: دخلت الجنة بهذه الدعوات، وليقل بعد ذلك هذا الدعاء: اللهم عالم الخفيات رفيع الدرجات ذا العرش تلقي الروح من أمرك على من تشاء من عبادك غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذا الطول لا إله إلا أنت إليك المصير، رُئي إبراهيم الصائغ في النوم فقيل له: بأي شيء نجوت؟ فقال: بهذه الدعوات وليقل هذا الدعاء: يا من لا يشغله سمع عن سمع ولا تشتبه عليه الأصوات يا من لا تغلطه المسائل ولا تختلف عليه اللغات يا من لا يتبرم بإلحاح الملحين أذقني برد عفوك وحلاوة رحمتك، يقال إن الخضر ﵇ علم علي بن أبي طالب ﵇ هذا الدعاء وليسبح تسبيحات أبي المعتمر وهو سليمان التيمي فقد روى من فضلها
стр. 17
أن يونس بن عبيد رأى رجلاً كان قد قتل شهيداً ببلاد الروم فقال له: ما أفضل ما رأيت ثم من الأعمال قال: رأيت تسبيحات أبي المعتمر من الله بمكان.
وقال المعتمر بن سليمان: رأيت عبد الملك بن خالد بعد موته فقلت: ما صنعت؟ قال: خيراً، قلت: نرجو للخاطئ شيئاً، قال: يلتمس تسبيحات أبي المعتمر فإنها نعم الشيء، وهذه هي التسبيحات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلا بالله عدد ما خلق الله وعدد ما هو خالق وزنة ما خلق وزنة ما هو خالق وملء ما خلق وملء ما هو خالق وملء سمواته وملء أرضه ومثل ذلك وأضعاف ذلك وعدد خلقه وزنة عرشه ومنتهى رحمته ومداد كلماته ومبلغ علمه ورضاه وحتى يرضى وإذا رضي وعدد ما ذكره به خلقه في جميع ما مضى وعدد ما هم ذاكروه فيما بقي في كل سنة وشهر وجمعة ويوم وليلة وساعة من الساعات ونسمة وشم ونفس ولمحة وطرفة من الأبد إلى الأبد أبد الدنيا وأبد الآخرة وأكثر من ذلك لا ينقطع أولاه ولا ينفد أخراه وليدعُ بهذا الدعاء فإنه دعاء التوبة مرجوّ فيه الإجابة.
روينا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: لما أراد الله أن يتوب على آدم طاف سبعاً بالبيت وهو يومئذ ليس بمبنى ربوة حمراء ثم قام فصلى ركعتين ثم قال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنّه لا يصيبني إلا ما كتبت لي والرضا بما قسمت لي يا ذا الجلال والإكرام فأوحى الله إليه إني قد غفرت لك ولن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني به إلا غفرت له وكشفت غمومه وهمومه ونزعت الفقر من بين عينيه وأتجرت له من وراء كل تاجر وجاءته الدنيا وهي راغمة وإن كان لا يريدها وليقل هذه الكلمات المنثورة فإنها ممّا روى في اسم الله الأعظم بأخبار في ذلك مأثورة: اللهم إني أسألك بأن الحمد لك لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد يا حي يا قيوم ياحي حين لا حي في ديمومية ملكه وبقائه يا حي محيي الموتى يا حي مميت الأحياء وارث أهل الأرض والسماء اللهم إني أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم وباسمك الذي لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم اللهم إني أسألك باسمك الأعظم الأجل الأعز الأكرم الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت يا نور النور يا مدبر الأمور يا عالم ما في الصدور يا سميع يا قريب يا مجيب الدعاء يا لطيفاً لما يشاء يا رؤوف يا رحيم يا كبير يا عظيم يا الله يارحمن يا ذا الجلال والإكرام الله لا إله إلا هو الحي القيوم وعنت الوجوه للحي القيوم يا إلهي وإله كل شيء إلهاً واحداً لا إله إلا أنت،
стр. 18
اللهم إني أسألك باسمك الله الله الله الله الذي لا إله إلا هو ربّ العرش العظيم فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو ربّ العرش الكريم أنت الأول الآخر الظاهر الباطن وسعت كل شيء رحمة وعلماً كهيعص حمعسق الر حم ن يا واحد، يا قهار، يا عزيز، يا جبار، يا أحد، يا صمد، يا ودود، يا غفور، هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، هو الرحمن الرحيم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين اللهم إني أدعوك باسمك المكنون المخزون المنزل السلام، الطهر الطاهر، القدس المقدس، يا دهر، يا ديهور، يا ديهار، يا أبد يا أزل، يا من لم يزل، ولا يزول، هو يا هو، لا إله إلا هو، يا من لا هو إلا هو، يا من لا يعلم ما هو إلا هو، يا كان يا كينان يا روح يا كائن قبل كل كون يا كائن بعد كل كون يا مكنون لكل كون اهيا شر اهيا أدناي أصباؤت يا مجلي عظائم الأمور فإن تولّوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو ربّ العرش العظيم ليس كمثله شيء وهو السميع البصير اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صلّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وليقل هذه الأدعية المأثورة اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك اللهم يا ربّ قلباً سليماً ولساناً صادقاً وعملاً متقبلاً وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شرّ ما تعلم وأستغفرك لما تعلم فإنك تعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد واغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أعلنت وما أسررت فإنك أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير وعلى كل غيب شهيد اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتد ونعيماً لا ينفد وقرة عين الأبد ومرافقة نبيّك محمد ﷺ في أعلى جنة الخلد اللهم إني أسألك الطيبات وفعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين أسألك اللهم يا ربّ الصلاة على محمد وعلى آله أجمعين وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حبك وأن تتوب عليّ وتغفر لي وترحمني، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون يا أرحم الراحمين اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي أسألك اللهم يا ربّ خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة العدل في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر ولذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك وأعوذ بك من ضراء مضرة
وفتنة مضلة اللهم يا ربّ زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد واقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تدخلنا به جنتك ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد وارزقنا حزن خوف الوعيد وسرور رجاء الموعود حتى نجد لذة ما نطلب وغم ما منه نهرب اللهم صلّ على محمد وعلى آل
стр. 19
محمد سيد الأولين والآخرين وصلّ على محمد وعلى آله أجمعين وألبس وجوهنا منك الحياء واملأ قلوبنا بك فرحاً، وأسكن في نفوسنا من عظمتك، وذلل جوارحنا لخدمتك واجعلك أحب إلينا ممّا سواك واجعلنا أخشى لك ممّا سواك اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد وأعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد وأسألك تمام النعمة بتمام التوبة ودوام العافية بدوام العصمة وأداء الشكر بحسن العبادة اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد وأعوذ بك من فتنة الغنى وفتنة الفقر وأعوذ بك من ضيق الصدر وشتات الأمر وعذاب القبر وأعوذ بك من غنى مطغي ومن فقر منسي ومن هوى مردي وقرين مغوي اللهم إني أسألك الصلاة على محمد وعلى آله وأسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى اللهم صلّ على محمد نبيّك وصفيك ولا تقدمني لعذاب ولا تؤخرني لسيء الفتن أعوذ بك يا الله من الفتن ما ظهر منها وما بطن وأعوذ بك من المحن ما خفي منها وما علن. وفتنة مضلة اللهم يا ربّ زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد واقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تدخلنا به جنتك ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصائب الدنيا اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد وارزقنا حزن خوف الوعيد وسرور رجاء الموعود حتى نجد لذة ما نطلب وغم ما منه نهرب اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد سيد الأولين والآخرين وصلّ على محمد وعلى آله أجمعين وألبس وجوهنا منك الحياء واملأ قلوبنا بك فرحاً، وأسكن في نفوسنا من عظمتك، وذلل جوارحنا لخدمتك واجعلك أحب إلينا ممّا سواك واجعلنا أخشى لك ممّا سواك اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد وأعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد وأسألك تمام النعمة بتمام التوبة ودوام العافية بدوام العصمة وأداء الشكر بحسن العبادة اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد وأعوذ بك من فتنة الغنى وفتنة الفقر وأعوذ بك من ضيق الصدر وشتات الأمر وعذاب القبر وأعوذ بك من غنى مطغي ومن فقر منسي ومن هوى مردي وقرين مغوي اللهم إني أسألك الصلاة على محمد وعلى آله وأسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى اللهم صلّ على محمد نبيّك وصفيك ولا تقدمني لعذاب ولا تؤخرني لسيء الفتن أعوذ بك يا الله من الفتن ما ظهر منها وما بطن وأعوذ بك من المحن ما خفي منها وما علن.
اللهم إني أسألك الصلاة على نبيّك محمد وعلى آله وأسألك خير هذا اليوم وخير ما فيه وأعوذ بك من شرّه وشرّ ما فيه أعوذ بك اللهم يا ربّ من شرّ طوارق الليل والنهار ومن بغتات الأمور وفجأة الأقدار ومن شرّ كل طارق يطرق إلا طارقاً يطرق منك بخير يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما اللهم صلّ على محمد وعلى آله واجعل يومنا هذا أوّله صلاحاً وأوسطه فلاحاً وآخره نجاحاً اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد واجعل أوّله رحمة وأوسطه نعمة وآخرة تكرمة اللهم صلّ على محمد نبيّك وعلى آله وأعوذ بك أن أزلّ أو أُزل أو أضل أو أُضل أو أظلم أو أُظلم أو أجهل أو يجهل عليّ عزّ جارك وجلّ ثناؤك وتبارك أسماؤك ولا إله غيرك اللهم صلّ على محمد وعلى آله وأعوذ بك من عذاب جهنم وعذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح والدجال وإذا أردت بقوم سوءًا أو فتنة فاقبضني إليك غير مبدل ولا مفتون اللهم صلّ على محمد وعلى آله اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي وأسألك خير الحياة وبركة الحياة وأعوذ بك من شرّ الوفاة، وأسألك خير ما بينهما وخير ما بعد ذلك أحيني حياة السعداء حياة من تحب بقاءه وتوفني وفاة الشهداء وفاة من تحب لقاءه يا خير الرازقين، ويا أحسن التوّابين ويا أحكم الحاكمين ويا أرحم الراحمين ويا ربّ العالمين، أعوذ بك من شر ما يلج في الأرض وما يخرج منها ومن شرّ ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، الحمد لله الذي تواضع كل شيء لعظمته وذلّ كل شيء لعزته وخضع كل شيء لملكه واستسلم كل شيء لقدرته، والحمد لله الذي سكن كل شيء لهيبته والحمد لله الذي أظهر كل شيء بحكمته وتصاغر كل شيء لكبريائه اللهم صلّ على نبيّك محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته
стр. 20
في العالمين إنك حميد مجيد كريم، اللهم صلّ على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي الرسول الأمين وأعطه المقام المحمود يوم الدين، اللهم إني أعوذ بك من حدة الحرص وشدة الطمع وسورة الغضب وسنة الغفلة وتعاطي الذلة، أعوذ بك من مباهاة المكثرين والإزراء على المقلين وأن أنصر ظالماً أو أخذل مظلوماً وأن أقول في العلم بغير العلم وأعمل في الدين بغير يقين، اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم، اللهم إني أعوذ بك من اتباع خطوات الشيطان وشركه في المال والأهل وقبول أمره في السوء والفحشاء، اللهم إني أسألك الصلاة على نبيّك محمد، وعلى آله وأسألك حسن الاختيار وصحة الاعتبار وصدق الافتقار، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، وافتح بخير واختم بخير وأنت الفتاح العليم، اللهم صلّ على نبيك محمد وعلى آل محمد، وارحم ما خلقت واغفر ما قدرت وطيّب مارزقت وتمّم ما أنعمت وتقبّل ما استعملت واحفظ ما استحفظت ولا تهتك ما سترت فإنّه لا إله لنا إلا أنت، أستغفرك من كل لذة بغير ذكرك ومن كل راحة بغير خدمتك ومن كل سرور بغير قربك ومن كل فرح بغير مجالستك ومن كل شغل بغير معاملتك، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، واجعلنا من أوليائك المتقين وحزبك المفلحين وعبادك الصالحين، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، واستعملنا بمرضاتك عنّا ووفقنا لمحابك منّا وصرفنا بحسن اختيارك لنا، اللهم صلّ على نبيك محمد وعلى آله، ونسألك جوامع الخير وفواتحه وخواتمه ونعوذ بك من جوامع الشرّ وفواتحه وخواتمه، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، واحفظنا فيما أمرتنا واحفظنا عمّا نهيتنا واحفظ لنا ما أعطيتنا يا حافظ الحافظين ويا ذاكر الذاكرين ويا شاكر الشاكرين، بحفظك حفظوا وبذكرك ذكروا وبفضلك شكروا، يا غوث يا مغيث يا مستغاث يا غياث المستغيثين لا تكلني إلى نفسي يا ربّ طرفةَ عين فأهلك ولا تكلني إلى الخلق فأضيع اكلأني كلاءة الوليد ولا تخلّ عني وتولني بما تتولّى به عبادك الصالحين، اللهم صلّ على نبيك محمد وعلى آله وبقدرتك عليّ تب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم، وبحلمك عني اعفُ عني إنك أنت الغفار وبعلمك بي ارفق بي إنك أنت الرحمن الرحيم وبملكك لي ملكني نفسي ولا تسلطها علي إنك أنت الملك الجبار سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت، عملت سوءًا وظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي إنك أنت ربّي لا إله إلا أنت، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، وألهمني رشدي وقني شرّ نفسي، اللهم صلّ على
محمد، وعلى آل محمد وارزقني حلالاً لا تعاقبني عليه وقنعني بما رزقتني واستعملني به صالحاً تقبله مني، اللهم إني أسألك أن تصلّي على نبيك محمد وعلى آل محمد، وأسألك العفو والعافية وحسن اليقين والمعافاة في الدنيا والآخرة،
стр. 21
اللهم صلّ على نبيك محمد وعلى آل محمد وأعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك أبوء بنعمتك إليك وأبوء بذنوبي إليك، هذه يداي بما كسبت أنا عبدك ابن عبدك ناصيتي بيدك، جارٍ فيّ حكمك نافذ فيّ قضاؤك، عدل في مشيئتك إن تعذب فأهل ذلك أنا، وإن ترحم فأهل ذلك أنت فافعل. حمد، وعلى آل محمد وارزقني حلالاً لا تعاقبني عليه وقنعني بما رزقتني واستعملني به صالحاً تقبله مني، اللهم إني أسألك أن تصلّي على نبيك محمد وعلى آل محمد، وأسألك العفو والعافية وحسن اليقين والمعافاة في الدنيا والآخرة، اللهم صلّ على نبيك محمد وعلى آل محمد وأعوذ بعفوك من عقابك وأعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك أبوء بنعمتك إليك وأبوء بذنوبي إليك، هذه يداي بما كسبت أنا عبدك ابن عبدك ناصيتي بيدك، جارٍ فيّ حكمك نافذ فيّ قضاؤك، عدل في مشيئتك إن تعذب فأهل ذلك أنا، وإن ترحم فأهل ذلك أنت فافعل.
اللهم يا مولاي يا الله ياربّ، افعل بي ما أنت له أهل، ولا تفعل اللهم يا ربّ يا الله بي ما أنا له أهل، فإنك أهل التقوى وأهل المغفرة، يا من لا تضره الذنوب ولا تنقصه المغفرة هب لي اللهم يا ربّ ما لا يضرك وأعطني ما لا ينقصك، أفرغ اللهم علينا يا ربّ صبراً وتوفَّنا مسلمين وألحقنا بالصالحين أنت وليّنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة إنّا هدنا إليك، ربّنا عليك توكّلنا وإليك أنبنا وإليك المصير، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربّنا إنك أنت العزيز الحكيم، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، ربّنا آتنا من لدنك رحمة وهيّئ لنا من أمرنا رشداً، ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم إني أسألك أن تصلي على نبيك محمد وعلى آل محمد، وأسألك الصيانة والعون على الطاعة والعصمة من المعصية وإفراغ الصبر في الخدمة وإيزاع الشكر على النعمة، وأسألك يا مولاي يا الله يا ربّ الصلاة على نبيك محمد وعلى آل محمد وحسن الخاتمة اللهم إني أسألك أن تصليّ على نبيك محمد وعلى آل محمد، وأسألك اليقين وحسن المعرفة بك وأسألك المحبة وحسن التوكّل عليك وأسألك الرضا وحسن المنقلب إليك، ربّنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أنْ آمنوا بربّكم فآمنا ربّنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيّئاتنا وتوفنا مع الأبرار، ربّنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تُخزِنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، ربّنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربّنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا إلى آخرها.
اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد وطهّر قلوبنا في قلوب الأبرار، وزكِّ أعمالنا في عمل الأخيار وصلّ على أرواحنا في أرواح الشهداء يا أكرم الأكرمين ويا أجود الأجودين ويا أرحم الراحمين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وعلماً وزهداً وعبادة وأمناً ورزقاً من حلال وفي الآخرة حسنة رضوانك والجنة، وقنا برحمتك عذاب النار وعذاب القبر، وقنا سخطك وغضبك وعذابك وأهواله عاجلاً وآجلاً في الدين والدنيا والآخرة برحمتك يا أرحم الراحمين، وإن تمجد الله تعالى غدوة وعشية بما مجد به نفسه ، فقد روي من ثواب ذلك ما هو غاية الطالبين، روينا عن علي ﵇ عن النبي ﷺ قال: إن الله ﵎ يمجد نفسه في كل يوم، يقول : إني أنا الله رب العالمين، إني أنا الله لا إله إلا أنا الحي
стр. 22
القيوم، إني أنا الله لا إله إلا أنا العلي العظيم، إني أنا الله لا إله إلا أنا العفو الغفور، إني أنا الله لا إله إلا أنا مبدئ كل شيء وإليّ يعود، إني أنا الله لا إله إلا أنا لم ألد ولم أولد، إني أنا الله لا إله إلا أنا العزيز الحكيم، إني أنا الله لا إله إلا أنا مالك يوم الدين، إني أنا الله لا إله إلا أنا الرحمن الرحيم، إني أنا الله لا إله إلا أنا خالق الخير والشر، إني أنا الله لا إله إلا أنا خالق الجنة والنار، إني أنا الله الذي لا إله إلا أنا الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يتّخذ صاحبة ولا ولداً، إني أنا الله لا إله إلا أنا الفرد الوتر، إني أنا الله لا إله إلا أنا عالم الغيب والشهادة، إني أنا الله لا إله إلا أنا الملك القدوس، إني أنا الله لا إله إلا أنا السلام المؤمن المهيمن، إني أنا الله لا إله إلاّ أنا العزيز الجبار المتكبر، إني أنا الله لا إله إلا أنا الخالق البارئ، إني أنا الله لا إله إلا أنا الأحد المصور، إني أنا الله لا إله إلا أنا الكبير المتعال، إني أنا الله لا إله إلا أنا المقتدر القهار، إني أنا الله لا إله إلا أنا الحكيم الكبير، إني أنا الله لا إله إلا أنا القادر الرزاق، إني أنا الله لا إله إلا أنا أهل الثناء والمجد، إني أنا الله لا إله إلا أنا أعلم السر وأخفى، إني أنا الله لا إله إلا أنا فوق الخلق والخليقة، إني أنا الله لا إله إلا أنا الجبار المتكبر، فيختم ويقول فسبحان الله ربّ العرش العظيم، فمن دعا بهذه الكلمات فليقل أنت الله كذا وأنت الله كذا، ومن دعا بهذه الأسماء كتب من الشاكرين الساجدين المخبتين الذين يجاورون محمداً ﷺ وإبراهيم وموسى وعيسى والنبيين صلوات الله عليهم أجمعين في دار الجلال وله ثواب العابدين في السموات والأرضين، وليقل اللهم صلّ على محمد وآل محمد صلاة تكون لك رضاء ولحقّه أداء، وأعطه الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته وأجزه عنا ما هو أهله وأجزه أفضل ما جازيت نبياً عن أمته وأعطه الشرف والشفاعة يوم الدين، اللهم صلّ على محمد نبي الرحمة وسيد الأمة وعلى جميع إخوانه النبيين وصلّ على أبينا آدم وأمنا حواء ومن ولدا بينهما من الصالحين والمسلمين، وصلّ على ملائكتك أجمعين من أهل السموات والأرضين، وصلّ علينا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين، واغفر لي ولوالدي وما توالدا، وارحمهما كما ربياني صغيراً واغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، ربّ اغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم وأنت الأعز الأكرم وأنت خير الراحمين وخير الغافرين، وإنا لله وإنّا إليه راجعون ولا حوْل ولا قوّة إلا بالله العليّ العَظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وحسبنا الله وحده لا شريك له، فهذا جامع ما جاء من فضائل ما يقال من الدعاء عن المصطفى ﷺ وعن الصحابة وعن أئمة الهدى، وحذفنا ذكر فضائل ذلك وما جاء فيه من الروايات إيجازاً، يقول هذا الدعاء بعد صلاة الغداة وقبل غروب الشمس في كل يوم، فإن قاله بعد صلاة مكتوبة فقد استكمل الفضل بفضل الله ورحمته.
стр. 23
الفصل السادس
في ذكر عمل المريد بعد صلاة الغداة
وهو أنه يأخذ في تلاوة القرآن وفي أنواع الذكر من التسبيح والحمد والثناء وفي التفكر في عظمة الله وآلائه وفي تواتر إحسانه ونعمائه، من حيث يحتسب العبد ومن حيث لا يحتسب وفيما يعلم العبد وفيما لا يعلم، ويتفكّر في تقصيره عن الشكر في ظواهر النعم وبواطنها وعجزه عن القيام بما أمره به من حسن الطاعة ودوام الشكر على النعمة، أو يتفكّر فيما عليه من الأوامر والنوادب فيما يستقبل، أو يتفكّر في كثيف ستر الله ﵎ عليه ولطيف صنعه به وخفيّ لطفه له وفيما اقترف وفرط فيه من الزلل وفي فوت الأوقات الخالية من صالح العمل، أو يتفكّر في حكم الله تعالى في الملك وقدرته في الملكوت وآياته وآلائه فيهما، أو يتفكر في عقوبات الله وبلائه الظاهرة والباطنة فيهما ومن ذلك قوله : (وَذَكِّرْهُمْ بأَيَّامِ اللهِ) إبراهيم: ٥، قيل بنعمه وقيل بعقوباته ومنه قوله : (فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) الأعراف: ٦٩، ومثله (فَبأيّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) الرحمن: ٢٥ أي بأي نعمة تكذبان يا معشر الجن والإنس إن استطعتم وهما الثقلان، ففي أي نوع من هذه المعاني أخذ فيه فهو ذكر، والذكر عبادة، وهو يخرج إلى الفكر والفكر يدخل في الخوف، والذكر إذا قوي صار مشاهدة، كما قال : (يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً) آل عمران: ١٩١، ثم قالَ: (وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّمَواتِ والأَرْضِ) آل عمران: ١٩١ ثم قال: (سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) آل عمران: ١٩١ ولا يكون مشاهدة إلا عن يقين واليقين روح الإيمان ومزيده وفن المؤمن، وقال بعض العلماء في تفسير الخبر تفكُّر ساعة خير من عبادة سنة، وهو التفكر الذي ينقل أي من المكاره إلى المحاب ومن الرغبة والحرص إلى القناعة والزهد، وقيل هو التفكر الذي يظهر مشاهدة وتقوى ويحدث ذكراً وهدى، كقوله تعالى: (وَاذْكُرُوا مَا فيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة: ٦٣، ولقوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) الزمر: ٢٨، أو يحدث لهم ذكراً ومثله: (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) البقرة: ٢١٩ في الدنيا والآخرة أي يفعلون لما يبقى ويرغبون فيما يدوم ويزهدون فيما يفنى وقد جعل الله البيان
стр. 24
يعلمنا اقتضاء الشكر عليه فقال: (يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة: ٨٩ وكما قال تعالى: (وَاذْكُرُوا مَا فيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة: ٦٣ وقد وصف أعداءه بعد ذلك فقال: (الَّذينَ كَانَتْ أعْيُنُهُمْ في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِى) الكهف: ١٠١، وقالت أم الدرداء كانت أكثر عبادة أبي الدرداء التفكر، وقد كان يقول: ما يسرني أن أريح في كل يوم ثلاثمائة دينار أنفقها في سبيل اللّّه ، قيل: ولم ذلك؟ قال: يشغلني ذلك عن التفكّر، أو يعتقد حسن النيات وينوي جميل الطويات فيما بينه وبين الخالق تعالى وفيما بينه وبين الخلق أو يستغفر الله تعالى، ويجدد التوبة لما مضى من عمره ولما يأتنف من مستقبله، أو يخلص الدعاء بتمسكن وتضرع وتملّق وتخشع ووجل وإخبات إلى أن يعصمه من جميع المنهى، وأن يوفقه لصالح الأعمال ويتفضل عليه برغائب الأفضال وهو في ذلك فارغ القلب مجرد الهم موقن بالإجابة راض بالقسم، أو يتكلم بمعروف وخير ويدعو به إلى الله تعالى وينفع به أخاه، ويعلم من هو دونه في العلم، فهذه كانت أذكار المتقدمين وأفكار السالفين، وقد كان الذكر والفكر من أفضل عبادة العابدين وهو طريق مختصر إلى ربِّ العالمين ففي أي هذه المعاني أخذ فهو ذاكر لله ، فلا يزال كذلك وهو في جميع ذلك مستقبل القبلة في مصلاه، ولا يُستحب له أن يتكلم أو يعمل غير ما ذكرناه من الأذكار، وقد كانوا يكرهون الكلام بغير معروف وتقوى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ومنهم من شدّد في ذم الكلام من الفجر إلى صلاة الغداة بغير ذكر وبر، وهذه سنة قد خملت فمن عمل بها فقد ذكرها.
стр. 25
الفصل السابع
في ذكر أوراد النهار
وهي سبعة أوراد، وهذا هو الورد الأول من النهار، وفي النهار سبعة أوراد أولها من طلوع الفجر، الثاني إلى طلوع الشمس وهو كما ذكرناه من الأذكار وهو الذي أقسم الله به فقال: (وَالصُّبْحِ إذَا تَنَفَّس) التكوير: ١٨، فتنفسه من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وهو الظل الذي أمده الله تعالى لعباده ثم قبضه إليه ببسطه الشمس عليه وأظهر من آياته وجعل الشمس كشفاً له ودليلاً عليه فقال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) الفرقان: ٤٥، يعني بسطه ولو شاء لجعله ساكناً يعني مقيماً على حاله لا يتجوّل، (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَليلاً) الفرقان: ٤٥ يقول كشفناه بها ففيه أن الدليل هو الذي يكشف المشكل ويرفع المشتبه (ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إلَيْنَا قَبْضاً يَسيراً) الفرقان: ٤٦ يعني أن الظل من تحت الشمس قبض قبضاً يسيراً أي خفيفاً لا يفطن له ولا يرى فاندرج الظل في الشمس بقدرته اندراج الظلمة في النور إذا دخل عليها بحكمته وهو الإصباح والفلق الذي يُمدح الله بخلقه وأمرنا بالتنزيه له عنده والاستعاذة من شرّ ما خلق فيه فقال : (فَالِقُ الإِصْبَاحِ) الأنعام: ٩٦ وقال: (فَسُبْحَانَ اللهِ حينَ تُمْسُونَ وَحينَ تُصْبِحُونَ) الروم: ١٧، أي فسبحوه بالصلاة عندهما وقال: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَق مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) الفلق: ١ - ٢ يعني فلق الصبح فإذا أمن العبد الفتنة والكلام فيما لا يعنيه والاستماع إلى شبهة من القول وأمن النظر إلى ما يكره أو يشغله عن الذكر أو يذكره الدنيا أمن من دخول الآفة عليه من التزين والتصنع للناس ورُزق الشغل بمولاه والإخلاص له بالإعراض عمّن سواه فقال ما ذكرناه من الذكر في مصلاه في مسجد الجماعة فهو أفضل، فلذلك أمر الله برفع المساجد في قوله : (في بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ) النور: ٣٦، وإن لم يأمن الفتنة وخشي دخول الآفة عليه من لقاء من يكره، ومن يلجئه إلى تقية ومداراة أو خاف الكلام فيما لا يعنيه أو الاستماع إلى ما لا يندب إليه انصرف إذا صلّى الغداة إلى منزله أو إلى موضع خلوة بعد أن يقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، عشر مرات في مصلاه، وهو ثانٍ رجله قبل أن يقوم، ويقرأ بعدها (قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ) الإخلاص: ١
стр. 26
عشراً قبل أن يتكلم، فقد اشترط ترك الكلام في هذين الحديثين اللذين وردا فيهما، ثم أتى ببقية ورده في بيته أو في خلوته، وهو في ذلك مستقبل القبلة وهذا حينئذ أفضل له وأجمع لقلبه، ولا يقدم على التسبيح لله والذكر له بعد صلاة الغداة، وقبل طلوع الشمس إلا أحد معنيين معاونة على برّ وتقوى فرض عليه أو ندب إليه ما يختص به لنفسه أو يعود نفعه على غيره، ويكون ذلك أيضاً ممّا يخاف فوته بفوت وقته، والمعنى الآخر يكون إلى تعلم علم أو استماعه ممّا يقرّبه إلى الله تعالى في دينه وآخرته ويزهده في الدنيا، والهويّ من العلماء بالله الموثوق بعلمهم وهم علماء الآخرة أولو اليقين والهدى، الزاهدون في فضول الدنيا، ويكون في طريقه ذاكراً لله أو متفكراً في أفكار العقلاء عن الله فإن اتفق له هذان فالغدوّ إليهما أفضل من جلوسه في مصلاه لأنهما ذكر الله وعمل له، وطريق إليه على وصف مخصوص مندوب إليه، قال الله : (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغَداةَ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) الأنعام: ٥٢، وقال النبي ﷺ : من غدا من بيته في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع.
وقال ابن مسعود: اغدُ عالماً أو متعلماً أو مستمعاً ولا تكن الرابع فتهلك والغدوّ والغداة تكون قبل طلوع الشمس، وفي الخبر من خرج من بيته في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع، ومن خرج من منزله يلتمس علماً وضعت له الملائكة أجنحتها رضا بما صنع، واستغفر له دواب الأرض وملائكة السماء وطير الهواء وحيتان الماء، وفي حديث أبي ذر الغفاري ﵀ حضور مجلس علم أفضل من صلاة ألف ركعة وأفضل من شهود ألف جنازة ومن عيادة ألف مريض، قيل: ومن قراءة القرآن؟ فقال: وهل تنفع قراءة القرآن إلا بعلم، فإن لم يتفق له أحد هذه المعنيين فقعوده في مصلاه أو في مسجد جماعته أو في بيته أو في خلوته ذاكراً الله بأنواع الأذكار أو متفكراً فيما فتح له بمشاهدة هذه الأفكار في مثل هذه الساعة أفضل له ممّا سواها، روينا عن رسول الله ﷺ : لأن أقعد في مسجد أذكر الله فيه من صلاة الغداة إلى طلوع الشمس أحب إليّ من أن أعتق أربع رقاب، وروينا أن النبي ﷺ كان إذا صلّى الغداة قعد في مصلاه حتى تطلع الشمس، وفي بعضها، ويصلي ركعتين، وقد ندب إلى ذلك في غير حديث، وجاء من فضل الجلوس بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس وفي صلاة ركعتين بعد ذلك ما يجل وصفه، اختصرناه.
روينا عن الحسن أن النبي ﷺ كان يذكر من رحمة ربه أنه قال يا ابن آدم اذكرني من بعد صلاة الفجر ساعة وبعد صلاة العصر ساعة أكفك ما بينهما، فإذا ارتفعت الشمس وابيضت صلّى الضحى ثماني ركعات وهذا الوقت هو الذي ذكره الله في قوله (يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّي وَالإِشْرَاقِ) ص: ١٨ ثم ينظر، فإن علم مريضاً عاده، وإن حضرت جنازة شيعها، وإن كانت معونة على برّ وتقوى سعى فيها، وإن كانت حاجة لأخ من إخوانه
стр. 27
قضاها، وإن كانت فرضاً يلزمه القيام به سارع إليه، وإن لاح له فضل ندب إليه انتهزه قبل فوته، فهذا أفضل شيء يعمله بعد الأذكار والأفكار من بعد طلوع الشمس.
فإذا فرغ من ذلك ولم يتفق له ما ذكرناه من القربات أخذ في الصلاة أو تلاوة القرآن أو صنوف الأذكار ممّا أمر به أو ندب إليه أو المحاسبة لنفسه فيما سلف أو المطالبة لها والاستخراج منها فيما يأتنف أو المراقبة لربه في كل حال إلى أن تنبسط الشمس وترمض الفصال ويرتفع النهار، هذا هو الورد الثاني من النهار وهو الضحى الأعلى الذي أقسم الله تعالى به فقال: (وَالضُّحَى) الضحى: ١، أي إذا أضحت الأقدام بحرّ الشمس، وإذا كان العبد على ذلك فقد اتبع ما أنزل إليه ربّه ، وقد سمع قوله : (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) الأعراف: ٣، لأنه قال: (إنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الّذي حَرَّمَها) النمل: ٩١، ثم قال: (وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ) النمل: ٩٢، كما قال تعالى: (أُتْلُ مَا أوْحِيَ إلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إن الصّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أكْبَرُ) العنكبوت: ٤٥ وصلاة الضحى في هذا الوقت أفضل وهو حقيقة وقتها وجود اسمها، قال النبي ﷺ صلاة الضحى إذا رمضت الفصال، وخرج على أصحابه ﵊ يوماً وهم يصلون عند الإشراق فنادى بأعلى صوته ألا إنَّ صلاة الأوّابين إذا رمضت الفصال، وقوله الأوّابين يعني التوابين إلى الله في كل وقت، ثم ليأخذ العبد بعد ذلك فيما ندب إليه وأبيح له من التصرف في معاش إن كان من تجارة بصدق أو صناعة بنصح إن أحوج إلى ذلك وليكتف إن كفى، وأدنى أحواله الصمت والنوم ففيهما سلامة من الآثام ومخالطة الأنام فقد جاء في العلم يأتي على الناس زمان يكون أفضل علمهم الصمت وأفضل أعمالهم النوم، ومن الناس من يكون أحسن أحواله النوم وليت العبد يكون في اليقظة كالنوم إذ في نومه سلامة والسلامة متعذرة في يقظته وإنما الفضائل للأفاضل الذين زادوا على السلامة والعدل بالإحسان والفضل، هذا لدخول المشكلات في الكلام ووجود الآفات في الأحوال وخروج الإخلاص من الأعمال.
وكان سفيان الثوري يقول: كان يعجبهم إذا تفرغوا أن يناموا طلباً للسلامة، فمن الناس من يكون أحسن أحواله النوم وليت العبد يكون يقظته كالنوم إذ في نومه السلامة وأفضل أعماله في هذا الوقت السلامة، وإنما الفضائل لأهل الأفضال الذين زادوا على السلامة والعدل بالإحسان، والفضل، فإن نام في هذا الوقت فهو حينئذ نوم القائلة وما تسبب فيه من المعايش يصنعه في هذا الوقت من الضحى الأعلى إلى زوال الشمس، وهذا هو الورد الثالث من النهار، ثم يتوضأ للصلاة قبل دخول وقتها وكذلك ويستحب وهو من المحافظة عليها والإقامة لها فإن حصلت كفايته في يومه وقوته في وقت من النهار ترك السوق ودخل بيته أو قعد في
стр. 28
بيت مولاه تعالى واشتغل بخدمته متزوداً لعاقبته، وقد كان الصالحون كذلك يفعلون، كان يقال لا يوجد المؤمن إلا في ثلاث مواطن: مسجد يعمره، أو بيت يستره، أو حاجة لا بدّ له منها، فإذا زالت الشمس فإن أبواب السماء تفتح للمصلين والذاكرين ويستجاب الدعاء للمؤمنين، فهذا هو الورد الرابع من النهار، فليصل بعد الزوال أربع ركعات يقرأ فيهن بمقدار سورة البقرة أو سورتين من المائتين أو أربع من المثاني يطيلهنّ ويحسنهن ولا يفصل بينهن بتسليم هذه الصلاة وحدها من بين صلاة النهار أربع ركعات بتسليمة واحدة، وهذا الورد هو الإظهار الذي ذكر الله الحمد فيه فقال: (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحينَ تُظْهِرُونَ) الروم: ١٨، وليتق العبد الصلاة عند استواء الشمس في كبد السماء وهو قبل زوالها عند تقلص الظل وقيام ظل كل شيء تحته، فإذا زال الظل فقد زالت وقد خفي استواؤها في الشتاء لقصر النهار ولعدول الشمس في سيرها عن وسط الفلك فتقطع عرضاً فيكون أقرب لغروبها فليقدر ذلك تقريباً ومقدار استوائها قبل الزوال نحو أربع ركعات بجزء من القرآن أو قدر جزء وهو آخر الورد الثالث، وإنما فيه ورد القراءة والتسبيح والتفكر وهو أحد الأوقات الخمسة التي نهى النبي ﷺ عن الصلاة فيهن والأربعة الأخر عند طلوع الشمس حتى ترتفع قيد رمحين في عين الناظر وعند تدليها للغروب حتى تحتجب وبعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر وأحب له الإحياء ما بين الأذان والإقامة بالركوع، لأنها ساعة مستجاب فيها الدعاء وتفتح فيها أبواب السماء وتزكو فيها الأعمال، وأفضل أوقات النهار أوقات الفرائض فإن لم يقرأ بين الأذانين من درسه فاستحب له أن يقرأ في تنفله الآي التي فيها الدعاء مثل آخر سورة آل عمران ومن تضاعيف السور الاثنين والثلاث مثل قوله تعالى: (أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْلَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الغَافِرينَ) الأعراف: ١٥٥، ومثل قوله: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) آل عمران: ٨، وقوله: (رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإلَيْكَ أَنَبْنَا وَإلَيْكَ المَصِيرُ) الممتحنة: ٤، وإن قرأ الآي التي فيها التعظيم والتسبيح والأسماء الحسنى فحسن، مثل أول سورة الحديد وآخر سورة الحشر ومثل آية الكرسي وقل هو الله أحد ليكون بذلك جامعاً بين التلاوة والدعاء وبين الصلاة والتعظيم والمدح بالأسماء، ثم ليصل الظهر في جماعة ولا يدع أن يصلِي قبلها أربعاً وبعدها أربعاً بعد ركعتين، وهذا آخر الورد الرابع من النهار وهو أقصر الأوراد وأفضلها، فإن كان قد رقد قبل الزوال فلا يرقد في هذا الورد فإنه يكره له نومتان في يوم كما يكره له نوم النهار من غير سهر بالليل.
وروينا عن بعض العلماء، ثلاث يمقت الله عليها: الضحك من غير عجب، والأكل من غير جوع، ونوم النهار من غير سهر بالليل، وإن لم يكن قد رقد فأحب أن ينام بين
стр. 29
الظهر والعصر ليتقوى بذلك على قيام الليل فلينم، فإن نومه بعد الظهر لليلة المستقبلة ونومه قبل الظهر لليلة الماضية، فإن دام سهره بالليل واتصلت أوراده بالنهار حسن أن ينام قبل الظهر لما سلف من ليله، وينام بعد الظهر لما غبر من الأخرى، إلا أنه لا يستحب له أن يزيد في اليوم والليلة أكثر من نوم ثمان ساعات، ومن الناس من يقول إنه إن نقص من نوم هذا المقدار في اليوم والليلة اضطرب بدنه لأن النوم قوت الجسم وراحته، قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً) النبأ: ٩، أي راحة كما قال: (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً) النبأ: ١١، إلا أن يكون السهر عادة فإن العادة قد تعمل عمل الطبع وتنقل عن العرف فلا يقال عليها، وإحياء ما بين الظهر والعصر وهو صلاة الغفلة وهو يشبَّه بقيام الليل، ويستحب العكوف في المسجد بين الأولى والعصر للصلاة والذكر ليجمع بين الاعتكاف والانتظار للصلاة فقد كان ذلك من سنة السلف، قال: كان الداخل يدخل المسجد بين الظهر والعصر فيسمع للمصلين دوياً كدويّ النحل من التلاوة إلا أن يكون بيته أسلم لدينه وأجمع لقلبه فالأسلم هو الأفضل،، كذلك إحياء الورد الثالث الذي هو بين الضحى الأعلى إلى زوال الشمس فوق هذا الفضل يدرك به العبد فوت قيام الليل لأن الناس في هذين الوقتين مشغولون بطلب الدنيا وخدمة الهوى والقلب المتيقظ لربه يفرغ في هذين الوقتين ويسكن، ويجد العامل للعمل حلاوة وللإقبال والتفرغ لذة ويكون لفراغه من الخلق وشغله بالخالق تعالى مزيد وبركة، وهذا أحد الوجهين في قوله تعالى: (وَهُوَ الذي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرَادَ شُكُوراً) الفرقان: ٦٢ أي جعلهما خلفتين يتعاقبان في الفضل فيخلف أحدهما الآخر، فمن فاته شيء من الليل قضاه في هذين الوردين من النهار، أحدهما من الضحى الأعلى إلى الزوال، والثاني ما بين الأولى والعصر، والوجه الثاني أن النهار كله خلفة من الليل فمن فاته شيء من عمل الليل قضاه بالنهار فكان منه بدَلاً، ومن فاته شيء من أوراد النهار كان الليل خلفاً إذ لكل واحد منهما خلف من صاحبه، ففيه درك ما فات، وخلف ما سلف من الذكر والشكر، والذكر اسم جامع لأعمال القلوب كلها من مقامات اليقين، ومشاهدة العلوم من الغيب، والشكر أيضاً يستعمل على جمل أعمال الجوارح من شرائع الإسلام، وهذان جملة عمل العبد وكنه خدمته، وهذان المعنيان اللذان هما ذكرهما الكليم للجليل في قوله تعالى: (كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثيراً) (وَنَذْكُرَكَ كَثيراً) طه: ٣٣ - ٣٤، انتظم التسبيح والذكر في جمل تصرف الجسم وتصرف القلب، وهذا الورد الخامس الذي هو ما بين العصرين من أطول الأوراد وأمتعها للعبادة وهو يضاهي الورد الثالث في الطول وهو أصيل النهار وأحد الآصال التي ذكر الله فيه سجود كلّ شيء، وقرنه بالغدوّ فقال: (وَللهِ يَسْجُدُ مَنْ في السَّمَواتِ وَالأرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالغُدُوِّ والأَصَالِ) الرعد: ١٥، فما أقبح أن تكون الأشياء الموات لربها
стр. 30
ساجدات ذاكرات والمؤمن الحي عن ربه معرض ذو غفلات، ثم ليصلّ قبل صلاة العصر أربعاً ويغتنم الصلاة بين الأذان والإقامة كما ذكرنا آنفاً فإنها ساعة مرجوة فيها الإجابة فإذا دخل وقت العصر دخل العبد في الورد السادس من النهار وقد أقسم الله به في قوله: (وَالْعَصْرِ) العصر: ١، وهذا أحد المعنيين في الآية وهو أحد الوجهين من الوقت في الآصال الذي ذكره الله ، وهو العشي الذي ذكر الله التسبيح فيه والتنزيه والحمد له فقال: (وَعَشِيّّاً وَحينَ تُظْهِرُونَ) الروم: ١٨، وقال بالعشي والإشراق وليس في هذا الورد صلاة إلا ما كان بين الأذانين ثم ينتقل بعد العصر فيما شاء من ذكر أو فكر من أعمال القلوب والجوارح فيما فرض عليه أو ندب إليه، وأفضل ذلك تلاوة القرآن بتدبر وترتيل وتفهّم وحسن تأويل، فإذا اصفرّت الشمس ومات حرها وارتفعت إلى أطراف الجدر ورؤوس الشجر فكانت مثلها حين تطلع دخل في الورد السابع من النهار، فهذا للتسبيح والذكر والتلاوة والاستغفار إلى
غروب الشمس، ومن أفضل ما قيل في هذا الوقت وفي مثله من أول النهار أن يقال: أستغفر الله لذنبي وسبحان الله بحمد ربي، لجمعه بين الاستغفار والتسبيح في الكلام بلفظ الأمر بهما في القرآن لقوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ) غافر: ٥٥، وإن قال أستغفر الله الحي القيوم وأسأله التوبة سبحان الله العظيم وبحمده، فقد جاء فضل ذلك في الأثر والأفضل الاستغفار على الأسماء كما في القرآن مثل أن يقول أستغفر الله إنّه كان غفّاراً أستغفر الله إنّه كان تواباً أستغفر الله إنّ الله غفور، أستغفر اللّّه التّواب الرحيم رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين، فاغفر لنا وارحمنا، وأنت خير الغافرين، وهذا الورد في الفضل مثل الورد الأول من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وهو المساء الذي ذكر الله تعالى التنزيه فيه فقال: (فَسُبْحَانَ الله حينَ تُمْسُونَ وَحينَ تُصْبِحُونَ) الروم: ٧١، أي سبحوا الله ، فأقام الاسم مقام الفعل وهو الطرف الثاني من النهار الذي أمر الله فيه بالتسبيح بقوله : (فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضى) طه: ١٣٠، ويستحب أن يقرأ قبل غروب الشمس (وَالشمْسِ وَضُحَاهَا) الشمس: ١ (وَالليلِ إذَا يَغْشَى) الليل: ١ والمعوّذتين وأن تغرب الشمس عليه وهو في الاستغفار فذلك مما أمر به في هذا الوقت من الأذكار، وكل ما يستحب من التسبيح والحمد والدعاء والذكر في أوّل النهار قبل طلوع الشمس فإنه يستحب في هذا الورد قبل غروب الشمس لأن الله تعالى قرنهما في الذكر فقال تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الّشمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِبهَا) طه: ٠٣١، وقال تعالى: (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضى) طه: ٠٣١، وقال تعالى: (بالْعشِيِّ وَالإبْكَارِ) غافر: ٥٥، وقال تعالى: (قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) ، (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) (وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إذَا وَقَبَ) الفلق: ١ - ٢ - ٣،
стр. 31
أي من شر الليل إذا دخل، فليعد العبد ما ذكرناه في الورد الأول من الأدعية والتسبيح وليقل عند أذان المغرب: اللْهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك وحضور صلاتك وشهود ملائكتك، صلّ على محمد وعلى آله وأعطه الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، ثم ليقل: رضيت بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً؛ ثلاثاً، ففي هذا أثر وفضل، وكذلك فليقل مثله إذا سمع أذان الفجر إلا أنه يقول: عند إدبار ليلك وإقبال نهارك والنص بهذا في صلاة المغرب، وكان الحسن البصري يقول: كانوا أشد تعظيماً للعشي منهم لأول النهار، وقال بعض السلف: كانوا يجعلون أول النهار للدنيا وآخره للآخرة، فإذا توارت بالحجاب انقضت أوراد النهار السبعة، فانظر أيها المسكين ماذا انقضى لك معها وماذا انقضى منك عندها وماذا قضى عليك فيها، فقد قطعت من عمرك مرحلة ونقصت من أيامك يوماً، فماذا قطعت في سفرك بقطع مرحلتك وماذا ازددت في غدك بما نقصت من يومك، قال النبي ﷺ : الناس غاديان: فغاد لنفسه فمعتقها أو راهن نفسه فموبقها، وقد قال الله في تصديق قول رسول الله ﷺ : (إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى) الليل: ٤، وقال في معناه: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَاكَسَبَتْ رَهينَةٌ) (إلاّ أصْحَابَ اليَمين) المدثر: ٨٣ - ٩٣، وجاء في الخبر: لا بورك لي في يوم لا أزداد فيه خيراً، وجاء في الأثر: من استوى يوماه فهو مغبون ومن كان يومه شراً من أمسه فهو محروم، ثم دخلت أوراد الليل الخمس فتدارك الآن رحمك الله تعالى فيما يستقبل من الليل ما فات فيما مضى من النهار، فقد روى أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : أن الله يبغض كل جعظريّ جوّاظ أي سمين كثير الأكل سخاب بالأسواق جيفة بالليل حمار بالنهار عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة.
стр. 32
الفصل الثامن
في ذكر أوراد الليل الخمسة
وفي الليل خمسة أوراد أوّلها أن يصلي بعد المغرب ست ركعات، ويستحب ذلك قبل أن يكلم أحداً، يقرأ في الأوليين: (قُلْ يَا أيُّهَا الكَافِرُونَ) الكافرون: ١ (قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ) الإخلاص: ١ وليسرع بهما بعد صلاة المغرب من قبل أن يتكلم ويشتغل بشيء، وفي الخبر: أسرعوا بركعتين بعد المغرب فإنهما يرفعان معها: فإن كان منزله قريباً من مسجده فلا بأس أن يركعهما في بيته وليطل الأربعة الأخر، وكان أحمد بن حنبل ﵀ يستحب أن يصليهما الرجل في بيته، وكذلك كان يفعل ويقول: هو سنة، لأنه روي أن النبي ﷺ كان يصليهما في بيته، ولكن بيت رسول الله ﷺ كان في مؤخر المسجد، وقد صلاهما في المسجد، ثم ليصل بين العشاءين ما تيسر إلى أن يغيب الشفق الثاني وهو البياض الذي يكون بعد ذهاب الحمرة وبعد غسق الليل وظلمته لأنه آخر مابقي من شعاع الشمس في القطر الغربي إذا قطعت الأرض العليا ودارت من وراء جبل قاف مصعدة تطلب المشرق فهذا هو الوقت المستحب لصلاة العشاء الآخرة، وهذا آخر الورد الأول من أوراد الليل، والصلاة فيه ناشئة الليل أي ساعاته لأنه أول نشوء ساعاته، وهو آن من الآناء التي ذكرها الله في قوله: (وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ) طه: ٠٣١، فالآناء جمع آن أي وقت منه فصل وقيل ناشئة الليل قيام الليل، هذا وافق لسان الحبشة تقول نشا إذا قام، وقد أقسم الله تعالى به فقال: (فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ) الانشقاق: ٦١ والشفق ما بين العشاءين، وهي صلاة الأوّابين ويقال أيضاً صلاة الغفلة، قال يونس بن عبيد عن الحسن في قوله : (تَتَجَافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجعِ) السجدة: ٦١، قال الصلاة بين العشاءين، حتى قال أنس بن مالك ﵁ وقد سئل عمن نام بين المغرب والعشاء، فقال لاتفعل فإنها هي الساعة التي وصف الله المؤمنين بالقيام فيها فقال : (تَتَجَاْفَى جُنُوبُهُمْ عَن الْمَضَاجعِ) السجدة: ٦١، يعني الصلاة بين المغرب والعشاء وقد أسند ابن أبي الدنيا إلى النبي ﷺ أنه سئل عن هذه الآية (تَتَجَافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجع) السجدة: ٦١، قال الصلاة فيما بين العشاءين، ثم قال عليكم بالصلاة فيما بين العشاءين
стр. 33
فإنها تذهب بملاغاة أول النهار وتهذب آخره، قوله الملاغاة: جمع ملغاة من اللغو أي تسقط اللغو أي تطرح المطرح عن العبد من الباطل واللهو وتهذب له آخره أي تصفيه وتجوده، ويستحب العكوف في المسجد بين العشاءين للصلاة وتلاوة القرآن، فقد روي فضل ذلك لا أن يكون بيته أسلم له لدخول آفة عليه فما سلم فيه فضل به، ثم ليصل قبل العشاء الآخرة أربعاً وبعدها ركعتين ثم أربعاً ويقال إن الأربع بعد صلاة العشاء في بيته يعدلن مثلهن من ليلة القدر، وكان رسول الله ﷺ يصليهن في بيته أول ما يدخل قبل أن يجلس، وكان ابن مسعود يكره أن يصلي بعد كل صلاة مثلها وكانوا يستحبون أن يصلّي بعد المكتوبة ركعتين ثم أربعاً، وإن قرأ في الأربع في الأولى آية الكرسي والآيتين اللتين بعدها وفي الثانية (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّه) البقرة: ٥٨٢، والآية قبلها وفي الثالثة أول الحديد إلى قوله : (وَهُوَ عَليمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) الحديد: ٦، وفي الرابعة آخر الحشر من قوله تعالى: (هُوَ الله لاَ إلهَ إلاّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ) الحشر: ٢٢، فقد أحسن وأصاب، فإن صلّى بعد الأربع ثلاث عشرة ركعة آخرهن الوتر إن أحب، فإن هذا العدد أكثر ما روي أن النبي ﷺ صلّى به من الليل إلا في خبر مقطوع وهو سبعة عشر ركعة، والمشهور أنه كان يصلي إحدى عشْرة ركعة وثلاث عشرة ركعة وربما حسبوا فيها ركعتي الفجر واستحب له أنه يقرأ في ركوعه هذا ثلاثمائة آية فصاعداً فإذا فعل ذلك لم يكتب من الغافلين ودخل في أحوال العابدين، فقد قيل إنّ الأكياس يأخذون أوقاتهم من أول الليل والأقوياء يأخذون أورادهم من آخر الليل، فإن قرأ في ركوعه هذا سورة الفرقان وسورة الشعراء ففيهما ثلاثمائة آية فإن لم يحسنهما قرأ خمساً من المفصل فيهن ثلاثمائة آية سورة الواقعة، وسورة نون، وسورة الحاقة، وسورة المدثر، وسورة سأل سائل، فإن لم يحسنهن قرأ من سورة الطارق إلى آخر القرآن
ثلاثمائة آية، ولا يستحب للعبد أن ينام حتى يقرأ هذا المقدار من الآي في هذا العدد من الركوع بعد صلاة العشاء الآخرة، فإن قرأ في هذا الورد الثاني أعني بعد صلاة العشاء الآخرة وقبل أن ينام ألف آية فقد استكمل الفضل وكتب له قنطار من الأجر وكتب من القانتين، وأفضل الآي أطولها لكثرة الحروف وإن اقتصر على قصار الآي عند فتوره أدرك الفضل لحصول العدد، ومن سورة الملك إلى آخر القرآن ألف آية فإن لم يحسن قرأ: (قُلْ هُوَ اللهُ أحَدْ) الإخلاص: ١ مائتي وخمسين مرة في ثلاث عشرة ركعة فإن فيها ألف آية فهذا فضل عظيم وفي الخبر من قرأها عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة. ئة آية، ولا يستحب للعبد أن ينام حتى يقرأ هذا المقدار من الآي في هذا العدد من الركوع بعد صلاة العشاء الآخرة، فإن قرأ في هذا الورد الثاني أعني بعد صلاة العشاء الآخرة وقبل أن ينام ألف آية فقد استكمل الفضل وكتب له قنطار من الأجر وكتب من القانتين، وأفضل الآي أطولها لكثرة الحروف وإن اقتصر على قصار الآي عند فتوره أدرك الفضل لحصول العدد، ومن سورة الملك إلى آخر القرآن ألف آية فإن لم يحسن قرأ: (قُلْ هُوَ اللهُ أحَدْ) الإخلاص: ١ مائتي وخمسين مرة في ثلاث عشرة ركعة فإن فيها ألف آية فهذا فضل عظيم وفي الخبر من قرأها عشر مرات بنى الله له قصراً في الجنة.
وروينا عن النبي ﷺ في السور التي لم يكن يدعها في كل ليلة ثلاثة أحاديث أشهرها أنه لم يكن ينام حتى يقرأ سورة السجدة، وتبارك الملك والذي بعده أنه كان يقرأ في كل
стр. 34
ليلة بني إسرائيل والزمر، والقريب منها أنه كان يقرأ المسبحات في كل ليلة ويقول فيها إنه أفضل من ألف آية، قال: وكان العلماء يجعلونها ستاً ويزيدون فيها (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى) الأعلى: ١ وفي الخبر: كان رسول الله ﷺ يحب (سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى) الأعلى: ١ فهذا يدل على أنه كان يكثر قراءتها ولا يدع أن يقرأ هذه الأربع سور في كل ليلة سورة يس، وسورة لقمان، وسورة الدخان، وتبارك الملك فإن ضم إليها سورة الواقعة، وسورة الصف، والحاقة، والزمر، فقد أكثر وأحسن فإن لم يكن من عبادته القيام من الليل قدم الوتر بنية الخبر المروي عن أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني رسول الله ﷺ أن لا أنام إلا على وتر، وإن كان معتاداً لصلاة الليل فالأفضل تأخير الوتر إلى آخر صلاته من تهجده أو إلى السحر على حديث ابن عمر ﵁: صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة، وفي حديث عائشة ﵂: أوتر رسول الله ﷺ من أول الليل ومن أوسطه ومن آخره وانتهى وتره إلى السحر، فإن نام على وتر ورزق القيام لم يوتر بعده وكفاه وتره الأول على الخبر الذي جاء: لا وتران في ليلة، وقد قال بعض العلماء: يصلي ركعة واحدة يشفع بها وتره من أول الليل ثم يصلي صلاته من الليل ويوتر آخر صلاته، وقد روي في هذا أثر عن عثمان وعلي ﵄، وإن كان قد صلّى ركعتين من جلوس بعد وتره الأول ثم استيقظ للصلاة شفعتا وتره الركعة الواحدة لأنهما بمنزلة ركعة واحدة يشفع بها ركعة الوتر التي صلاها قبلها، ثم ليصل من الليل مستأنفاً ما بدا له ثم يوتره بركعة واحدة في آخر صلاته فيكون له في ذلك ثلاثة أعمال: قصر الأمل، وتحصيل الوتر، والوتر من آخر الليل، وكذلك كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين جالساً بعد وتره والله تعالى أعلم، فليقرأ فيهما جالساً بسورة الزلزلة وسورة ألهاكم التكاثر فقد جاء ذلك في حديثين: أن النبي ﷺ كان يقرأ فيهما بذلك لما في الزلزلة والتكاثر من التخويف والوعظ، وفي رواية قل يا أيها الكافرون لما في سورة الكافرون من التنزيه من عبادة سوى المعبود وإفراد العبادة لله سبحانه فيها بالتوحيد، وكان رسول الله ﷺ يقرأ بها عند النوم وأوصى رجلاً بقراءتها عند منامه وتقديم الوتر مستحب لمن لم يكن عادته قيام الليل ولمن كان الأغلب عليه النوم وتأخير الوتر يكون لمن أخر صلاته قبل طلوع الفجر أفضل وليقل بعد التسليم من الوتر: سبحان الملك القدوس رب الملائكة والروح جللت السموات والأرض بالعظمة والجبروت وتعززت بالقدرة وقهرت العباد بالموت، يقول هذا ثلاث مرات وهذا هو الورد الثاني من الليل أعني الصلاة بعد العشاء الآخرة إلى حد نومة الناس فقد أقسم الله في قوله: (وَالليْلِ وَمَا وَسَقَ) الانشقاق: ٧١، أي وما جمع من ظلمته وذكره الله في قوله: (إلى غَسَقِ اللَّيْلِ) الإسراء: ٨٧، فهناك يغسق الليل وتستوسق ظلمته ثم ينام إن أحب وهو على طهارة وعن ذكر،
стр. 35
وقد كان الصالحون لاينامون إلا عن غلبة ويكرهون التعمد للنوم وهو التهيؤ للعادة وقد كان منهم من يمهد لنفسه بالنوم ليتقوّى بذلك على صلاة أوسط الليل وآخره للفضل في ذلك ومن غلبه النوم حتى شغله عن الصلاة والذكر فإن السنة أن ينام حتى يعقل ما يقول وينشط في خدمته، وقد كان ابن عباس يكره النوم قاعداً، وفي الخبر لا تكابدوا الليل، وقيل لرسول الله ﷺ : إن فلانة تصلي من الليل فإذا غلبها النوم تعلقت بحبل فنهى عن ذلك وقال ليصلّ أحدكم من الليل ما تيسر فإذا غلبه النوم فليرقد، وقال: اكفلوا من العمل ما تطيقون فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا، وقيل له: إن فلاناً يصلّي الليل لاينام ويصوم الدهر لا يفطر، فقال ﷺ : خير هذا الدين أيسره، ثم قال: لكني أنا أصلي وأنام وأصوم وأفطر فهذه سنتي، فمن رغب عن سنتي، فليس مني، وقال ﷺ : لا تشادوا هذا الدين فإنه متين فمن يشاده يغلبه ولا
تبغض إلى نفسك عبادة الله ، والورد الثالث يكون بعد نومة الناس وهو التهجد الذي ذكره الله في قوله: (وَمِنَ الليلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ) الإسراء: ٩٧ ولا يكون التهجد إلا بعد النوم وتلك النومة هي الهجوع الذي قال الله من القائمين آنَاء اللّيْل فقال تعالى: (كَانوا قَليلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) الذاريات: ٧١، فالهجوع النوم والتهجد القيام وقد يقال الهجود أيضاً وهذا يكون نصف الليل، فهذا أوسط الأوراد وهو يشبه الورد الأوسط من النهار في أفضل أوراده وهو أفضل الأوراد وأمتعها للعبادة، وقد أقسم الله به في قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إذَا سَجى) الضحى: ٢، قيل إذا سكن وسكونه هدوه وسنة كل عين فيه وغفلتها إلا عين الله ﵎ فإنه الحي الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وقيل إذا سجى إذا امتد وطال ويقال إذا أظلم وسئل رسول الله ﷺ : أي الليل أسمع فقال: جوف الليل الغابر. ض إلى نفسك عبادة الله ، والورد الثالث يكون بعد نومة الناس وهو التهجد الذي ذكره الله في قوله: (وَمِنَ الليلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ) الإسراء: ٩٧ ولا يكون التهجد إلا بعد النوم وتلك النومة هي الهجوع الذي قال الله من القائمين آنَاء اللّيْل فقال تعالى: (كَانوا قَليلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) الذاريات: ٧١، فالهجوع النوم والتهجد القيام وقد يقال الهجود أيضاً وهذا يكون نصف الليل، فهذا أوسط الأوراد وهو يشبه الورد الأوسط من النهار في أفضل أوراده وهو أفضل الأوراد وأمتعها للعبادة، وقد أقسم الله به في قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إذَا سَجى) الضحى: ٢، قيل إذا سكن وسكونه هدوه وسنة كل عين فيه وغفلتها إلا عين الله ﵎ فإنه الحي الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، وقيل إذا سجى إذا امتد وطال ويقال إذا أظلم وسئل رسول الله ﷺ : أي الليل أسمع فقال: جوف الليل الغابر.
وروينا في أخبار داود ﵇: إلهي إني أحب أن أتعبد لك فأي وقت تقبل؟ فأوحى الله إليه: ياداود لا تقم أول الليل ولا آخره، فإنه من نام أوله نام آخره ومن قام آخره لم يقم أوله ولكن قم وسط الليل حتى تخلو بي وأخلو بك وارفع إليّ حوائجك، والورد الرابع يكون بين الفجرين أحدهما الفجر الأول وهو بدو سلطان شعاع الشمس إذا ظهرت من وراء الأرض الخامسة وسطع ضوءُها في وسط السماء حتى يقطعها بمقدار طلوع الفجر الأول ثم تغرب في الفلك الأسفل المتجانف وتحجبها الأرض السادسة فيذهب الضوء ويعود سواد الليل كما كان لغيبة الشمس وهو الثلث الأخير وفيه وردت الأخبار باهتزاز العرش وانتشار الرياح من جنات عدن ومن نزول الجبار إلى سماء الدنيا وفيه الخبر الذي جاء أن النبي ﷺ سئل أي الليل أفضل؟ فقال: نصف الليل الغابر يعني الباقي وهذا هو الورد الرابع من نصف الليل إلى وقت السحر الأول، ثم يدخل الورد الخامس وهو السحر الأخير وفيه يستحب السحور، فمن لم يتسحر في أوله بغته الفجر وهو قبل طلوع الفجر الثاني بمقدار قراءة جزء من القرآن،
стр. 36
في هذا الورد الخامس الاستغفار وقراءة القرآن وقد ذكره الله في قوله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) الإسراء: ٨٧، قيل تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار لتوسط هذا الورد بينهما، ومن ذلك ذهب أهل الحجاز إلى أن الصلاة الوسطى التي نص الله تعالى على المحافظة عليها هي صلاة الفجر تعظيماً لهذا الوقت وتشريفاً له لتوسطه بين آخر الليل وأول النهار، فهذا الورد هو أقصر الأوراد ومن أفضلها وهو من السحر الأول إلى طلوع الفجر الثاني إلا ما كان من صلاة نصف الليل فذلك هو أفضل شيء من الليل، وهو أوسط الأوراد لأنه هو الورد الثالث، ويصلح في هذا الورد الخامس من السحر الأخير الصلاة لمن استيقظ من ساعته أو لمن تمم به صلاته، فالصلاة فيه لها فضل وشرف وهو بمنزلة الصلاة في أول الليل بين العشاءين، ولأن معنى قوله عند بعض المفسرين: (وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) الذاريات: ٨١، أي يصلون وكذلك قوله : (وَقُرْآنَ الْفَجْر) الإسراءِ: ٨٧ يعني به الصلاة فكنى بذلك القرآن والاستغفار عن الصلاة لأنهما وصفان منها، كما قيل للصلاة تسبيح وسبحة لأن فيها التسبيح، وكذلك يقال للصلاة استغفار لأنه يطلب بها المغفرة وتكون هذه الصلاة في السحر بدلاً من السحور إلى طلوع الفجر الثاني وقد أمر بها سلمان أخاه أبا الدرداء ليلة زاره في حديث طويل قال في آخره: فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم فقال له سلمان: نم، فنام ثم ذهب ليقوم فقال له: نم، فنام فلما كان عند الصبح قال له سلمان: قم الآن فقاما، فصليا، فقال: إن لنفسك عليك حقاً وإن لأهلك عليك حقاً وإن لربك عليك حقّاً وإن لضيفك عليك حقّاً فأعط كل ذي حق حقه، وذلك أن امرأة أبي الدرداء أخبرت سلمان أنه لاينام الليل، قال: فأتيا النبي ﷺ فذكرا ذلك له فقال: صدق سلمان، وهذا الورد الخامس يشبه الورد السابع من النهار قبل الغروب في فضل وقتيهما وهذا قبل الفجر الثاني، والفجر الثاني هو انشقاق شفق الشمس وهو بدو بياضها الذي تحته الحمرة وهو الشفق الثاني على ضد غروبها، لأن شفقها الأول من العشاء وهو الحمرة بعد الغروب وبعد الحمرة البياض وهو الشفق الثاني من أول الليل وهو آخر سلطان الشمس، وبعد البياض سواد الليل وغسقه، ثم ينقلب ذلك إلى الضد فيكون بدو طلوعها الشفق الأول وهو البياض وبعده الحمرة وهو شفقها الثاني وهو أول سلطانها من آخر الليل وبعده طلوع قرص الشمس، والفجر هو انفجار شعاع الشمس من الفلك الأسفل إذا ظهرت على وجه الأرض الدنيا يستر عينها الجبال والبحار والأقاليم المسروقة العالية ويظهر شعاعها منتشراً إلى وسط السماء عرضاً مستطيراً فهذا آخر الورد الخامس وعنده يكون الوتر فإذا طلع الفجر فقد انقضت أوراد الليل الخمسة ودخلت أوراد النهار، فانظر هل دخلت في دخوله عليك في جملة العابدين أم خرج عنك وأنت فيه من الغافلين وتفكر أي لبسة ألبسك فإن الليل جعل لباساً هل ألبست فيه حلة النور بتيقظك فتربح تجارة لن
стр. 37
تبور أم ألبسك الليل ثوب ظلمته فتكون ممن مات قلبه بموت جسده بغفلتك، ثم يقوم العبد حينئذ فيصلي ركعتي الفجر
وهما معنى قوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإدبَارَ النُّجُومِ) الطور: ٩٤، قيل ركعتي الفجر ثم يقرأ: نعوذ بالله من سخطه وبعده شهد الله أنه لا إله إلا هو إلى آخرها ويقول: أنا أشهد بما شهد الله به لنفسه وشهدت به ملائكته وأولو العلم من خلقه، وأستودع الله العظيم هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة حتى يؤديها وأسأله حفظها حتى يتوفاني الله عليها، اللّم احطط بها عني وزراً، واجعل لي بها عندك ذخراً، واحفظني بها واحفظها علي، وتوفني عليها حتى ألقاك بها غير مبدل تبديلاً، وأفضل ما عمل العبد في ورد من أوراد الليل والنهار بعد القيام بفرض يلزمه أو قضاء حاجة لأخيه المؤمن يعينه الصلاة بتدبر الخطاب، ومشاهدة المخاطب، فإن ذلك يجمع العبادة كلها ثم بعد ذلك التلاوة بتيقظ عقل وفراغ هم ثم أي عمل فتح له فيه من فكر أو ذكر برقة قلب وخشوع جوارح ومشاهدة غيب فإن ذلك أفضل أعماله في وقته.
стр. 38
الفصل التاسع
فيه ذكر وقت الفجر وحكم ركعتيه
الأداء والقضاء وحكم الوتر ووقت القضاء له والأداء، وفي الشهر ليلتان يعتبر بهما وقت الفجر: إحداهما يطلع القمر فيها عند طلوع الفجر الأول وهي ليلة ست وعشرين، والأخرى يغيب القمر فيها عند طلوع الفجر وهي ليلة اثنتي عشرة من الشهر، ومن طلوع الفجر إلى طلوع الشمس مقدار ثلثي سبع تلك الليلة، وهذ يكون في الصيف، ويكون في الشتاء أقل من ذلك، لأنه يكون نصف سدس تلك الليلة، وهذا الورد الأول من النهار ووقت الأداء للوتر من بعد صلاة العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر الثاني، فإذا طلع الفجر الثاني فقد ذهب وقت الأداء وهو وقت القضاء للوتر فليصلِّ الوتر حينئذ من لم يكن أداه إلى قبل صلاة الصبح، فإذا صلّى الصبح ذهب وقت قضاء الوتر أيضاً ووقت الأداء لركعتي الفجر إذا طلع الفجر الثاني، فالمستحب له أن يصليهما في منزله وقبل صلاة الغداة والسنة أن يخففهما فإذا صلّى الصبح ولم يكن صلاهما فقد ذهب وقت الأداء وبقي له وقت القضاء، فليمهل حتى تطلع الشمس وتحل الصلاة فليقدمها على سبحة الضحى، وهذا وقت القضاء لركعتي الفجر إلى صلاة الظهر، فإذا صلّى الظهر ولم يكن صلاهما فقد ذهب وقت قضائهما أيضاً، ومن فاته ورد من الأوراد فاستحب له فعل مثله في وقته أو قبله إذا ذكره لا على وجه القضاء، فإنه لا يقضي إلا الفرائض ولكن على وجه التدارك ورياضةَ النفس بذلك ليأخذ بالعزائم كيلا يعتاد التراخي والترخص، ولأجل الخبر المأثور أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل كيف، وفي حديث عائشة ﵂ الوعيد على ترك العادة في العبادة روت عن النبي ﷺ من عبد الله تعالى عبادة ثم تركها ملالة مقته الله تعالى وقالت: كان رسول الله ﷺ إذا غلبه النوم أو عاقه مرض فلم يقم في تلك الليلة صلّى من النهار اثنتي عشرة ركعة، ومن دخل المسجد لصلاة الصبح ولم يكن صلّى ركعتي الفجر في منزله صلاهما
стр. 39
وأجزأتا عنه تحية المسجد، ومن كان قد صلاهما في بيته نظر، فإن كان دخوله المسجد بغلس عند طلوع الفجر واشتباك النجوم صلّى ركعتين تحية المسجد، وإن كان دخوله عند انمحاق النجوم ومسفراً عند الإقامة قعد ولم يصلِّ ركعتين لئلا يكون جامعاً بين صلاة الصبح وبين صلاة قبلها، ولا يصلّي بعد طلوع الفجر الثاني شيئاً إلا ركعتي الفجر فقط، ومن دخل المسجد ولم يكن صلّى ركعتي الفجر، فإن كان قبل الإقامة صلاهما وإن دخل وقت الإقامة وقد افتتح الإمام الصلاة فلا يصليهما وليدخل في الصلاة المكتوبة فإنه أفضل والنهي فيه.
روينا عن رسول الله ﷺ إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة وليقل من قعد في المسجد من غير صلاة ركعتين تحية المسجد: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هذه الأربع كلمات يقولها أربع مرات فإنها عدل ركعتين في الفضل وكذلك من دخله وكان على غير وضوء أو مر في المسجد عابر طريق ومن دخل مسجداً فلا يقعد حتى يصلّي ركعتين وأكره له دخول المسجد والقعود فيه على غير وضوء.
стр. 40
الفصل العاشر
كتاب معرفة الزوال
وزيادة الظل ونقصانه بالأقدام واختلاف ذلك في الصيف والشتاء، قال الله جلت قدرته: (أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَليلاً) الفرقان: ٤٥ وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيلَ وَالنَّهارَ آيَتَينِ) الإسراء: ١٢، الآية إلى قوله عدد السنين والحساب، وقال سبحانه: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) الرحمن: ٥، وفي حديث أبي الدرداء وكعب الأحبار في صفة هذه الأمة يراعون الظلال لإقامة الصلاة وأحب عباد الله إلى الله الذين يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر الله ، وقال بعض العلماء بالحساب والأثر من أهل الحديث: إن الليل والنهار أربع وعشرون ساعة وإن الساعة ثلاثون شعيرة يأخذ كل واحد منهما من صاحبه في كل يوم شعيرة حتى تستكمل الساعة في الشهر، وبين أول الشهر وآخره ثلاثون درجة، الشمس كل يوم في درجة، قال: وتفسير ذلك أنه إذا مضى من أيلول سبعة عشر يوماً استوى الليل والنهار، ثم يأخذ الليل من النهار من ذلك اليوم في كل يوم شعيرة حتى يستكمل ثلاثين يوماً فيزيد ساعة حتى يصير سبعة عشر يوماً من كانون الأول فينتهي طول الليل وقصر النهار وكانت تلك الليلة أطول ليلة في السنة وهي خمس عشرة ساعة وكان ذلك اليوم أقصر يوم في السنة وهو تسع ساعات، ثم يأخذ النهار من الليل كل يوم شعيرة حتى إذا مضى سبع عشرة ليلة من آذار استوى الليل والنهار وكان كل واحد منهما اثنتي عشْرةَ ساعة ثم يأخذ النهار من الليل كل يوم شعيرة حتى إذا مضى سبعة عشر يوماً من حزيران كان نهاية طول النهار وقصر الليل فيكون النهار يومئذ خمسَ عشْرَةَ ساعة والليل تسع ساعات ثم ينقص من النهار كل يوم شعيرة حتى إذا مضى سبع عشرة ليلة من أيلول استوى الليل والنهار ثم يعود الحساب على ذلك، قال: فمواقيت الصلاة من ذلك أن الشمس إذا وقفت فهو قبل الزوال فإذا زالت بأقل القليل فذلك أول وقت الظهر، فإذا زادت على سبعة أقدام بعد الزوال فذلك أول وقت العصر؛ وهو آخر وقت الظهر، قال: والذي جاء في الحديث أن الشمس إذا زالت بمقدار شراك فذلك وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله فذلك آخر وقت الظهر
следующие страницы →