← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 482

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

أبو طالب المكي

Полный текст (929 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الفصل الخامس عشر في ذكر ورد العبد من التسبيح والذكر والصلاة في اليوم والليلة وفضل صلاة الجماعة وذكر أفضل الأوقات المرجو فيها الإجابة وذكر صلاة التسبيح وما يستحب أن يكون شعاره ليكن للعبد في كل يوم وليلة ورد من التسبيح وأقل ذلك تسعمائة مرة من أنواع الأذكار التي وردت بها الأخبار، فليقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي، لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير مائة مرة، فإذا قال ذلك مائتي مرة لم يعمل أحد في يومه أفضل من عمله بأثر فيه عن رسول الله ﷺ ، وليقل سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وتبارك الله مائة مرة، وليقل: اللهم صلّ على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي مائة مرة، وليقل: أستغفر الله الحي القيوم، وأسأله التوبة مائة مرة، ليقل: سبحان الله العظيم وبحمده مائة مرة، وليقل: لا إله إلاّ الله الملك الحق المبين مائة مرة، وليقل: ما شاء الله لا قوة إلاّ بالله مائة مرة، يقول هذا في كل يوم وفي كل ليلة فإن رزق مزيداً عليه فهو فضل وإلا كان هذا معلومه وقد كان في الصحابة من ورده كل يومِ اثنا عشر ألف تسبيحة، وكان من التابعين من ورده في كل يوم ثلاثون ألفاً، وحدثونا عن إبراهيم بن أدهم عن بعض الأبدال أنه قام ذات ليلة يصلي على شاطئ البحر فسمع صوتاً عالياً بالتسبيح ولم يرَ أحداً فقال: من أنت أسمع صوتك ولا أرى شخصك، فقال أنا ملك من الملائكة موكل بهذا البحر أسبح الله هذا التسبيح منذخلقت قلت فما اسمك؟ قال مهيهيائيل، قلت: فما ثواب من قاله؟ قال: من قاله مائة مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له، وهو هذا التسبيح: سبحان الله العلي الديان، سبحان الله شديد الأركان، سبحان من يذهب بالليل ويأتي بالنهار سبحان من لا يشغله شأن عن شأن، سبحان اللّّه الحنان، المنان، سبحان الله المسبح في كل مكان، وإن كان للعبد من الصلاة أوراد معلومة فحسناً قد فعل كان من التابعين من ورده في كل يوم ثلاثمائة ركعة وأربعمائة ركعة وكان منهم من ورده ستمائة ركعة إلى ألف ركعة وأقل ما نقل عنه من الأوراد مائة ركعة في اليوم، وكان كرز بن وبرة مقيماً بمكة وكان

стр. 72

يطوف في كل يوم سبعين أسبوعاً وفي كل ليلة سبعين أسبوعاً، قال: فحسبنا ذلك فكان عشرة فراسخ، فلهذه الأسابيع مائتان وثمانون ركعة، قال: وكان يختم مع ذلك القرآن في اليوم والليلة مرتين، وقال هشام بن عروة: كان أبي يواظب على ورده من التسبيح كما يواظب على جزئه من القرآن، وروي عنه أيضاً: كان يواظب على جزئه من الدعاء كما يواظب على جزئه من القرآن ولا يدع العبد أن يسبح أدبار الصلوات الخمس مائة تسبيحة عند كل صلاة مكتوبة وكذلك عند النوم مائة وليواظب على أن يقول إذا أصبح وإذا أمسى ما جاء في تفسير قوله : (لَهُ مَقَاليدُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ) الزمر: ٦٣ فإن لذلك ثواباً عظيماً. وروينا عن عثمان ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن تفسير هذه الآية: له مقاليد السموات والأرض، فقال: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك هو لا إله إلاّ الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده ولا حول ولا قوة إلاّ بالله وأستغفر الله الأول والآخر والظاهر والباطن له الملك وله الحمد بيده الخير وهو على كل شيء قدير، من قالها عشراً حين يصبح وحين يمسي أعطي بها ست خصال فأول خصلة يحرس من إبليس وجنوده والثانية يعطى قنطاراً من الأجر والثالثة يرفع له درجة في الجنة والرابعة يزوجه الله من الحور العين والخامسة يحضرها اثنا عشر ملكاً والسادسة يكون له من الأجر كمن حج واعتمر وقد روينا في تفسيرها قولاً آخر من رواية أخرى واتصل به ذكر كنز أهل الجنة ما هو فإن ضم هذا إليه فقد جمع الروايتين واستوعب الفضيلتين، رواه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عثمان بن عفان ﵁ أنّه سأل النبي ﷺ مسائل فأجابه عنها فقال: ما مقاليد السموات والأرض؟ فقال: إن يقول العبد لا إله إلاّ الله محمد رسول الله وأما كنز أهل الجنة فيقول: سبحان من في السماء عرشه سبحان من في السماء موضع أثره سبحان من سبقت رحمته غضبه سبحان من لا ملجأ ولا مهرب إلاّ إليه يا عثمان من قالها كل يوم عشر مرات كتب له بها ست خصال ينجيه الله من إبليس وجنوده وإن مات مات شهيداً وبني له قصراً في الجنة وكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وكأنما اشترى ثمانية من ولد إسماعيل وأعتقهم ولا يدع قراءة هذه الآيات الست عند كل صلاة يصليها فريضة أو تطوع، ففي ذلك ثواب عظيم: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون) الصافات: ١٨٠ إلى آخر السورة وقوله: (فَسُبْحَانَ اللهِ حينَ تُمْسُونَ وَحينَ تُصْبِحُونَ) الروم: ١٧ إلى قوله: (وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ) الروم: ١٩ واستغفر للمؤمنين والمؤمنات في كل يوم خمسين مرة خمساً وعشرين إذا أصبح وخمساً وعشرين إذا أمسى فإنه يكتب من الأبدال بأثر في ذلك، رويناه من ذلك ولفظ الاستغفار الذي جاء في الخبر أن يقول: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات حيهم وميتهم شاهدهم وغائبهم قريبهم وبعيدهم إنك تعلم متقلبهم

стр. 73

ومثواهم وليقل هذا الاستغفار في تشهده أيضاً فقد جاء ذلك وليقل في كل عشر مرات اللهم أصلح أمة محمد اللهم ارحم أمة محمد اللهم فرج عن أمة محمد ﷺ يقال من قاله في كل يوم كتب له ثواب بدل من الأبدال وليقل إذا أصبح ثلاثاً وإذا أمسى ثلاثاً اللهم أنت خلقتني وأنت هديتني وأنت تطعمني وأنت تسقيني وأنت تميتني وأنت تحييني وأنت ربي لا ربّ لي سواك ولا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك فإن في ذكر شكر نعمة يومه ولا يدع أن يقول كلّما استيقظ من نومه وكلما أراد المنام هذه الكلمات بسم الله ما شاء الله لا قوة إلاّ بالله ما شاء الله كل نعمة من الله ما شاء الله الخير كله بيد الله ما شاء الله لا يصرف السوء إلا الله ففي هذا عصمة من الله وحرز له من الشيطان وقد جاء في الخبر من قالهن مائة مرة يوم عرفة قبل غروب الشمس ناداه الله من فوق عرشه قد أرضيتني وعلي رضاك سلني ما شئت أعطك ولا يدع أن يقول كل غداة وكل عشية فإن تولوا فقل: حسبي الله، لا إله إلاّ هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم، سبع مرات، وكذلك يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار سبعاً وكلما سمع الأذان قال كما يقول المؤذن، فإذا فرغ فليقل رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً، اللهم بهذه الدعوة التامة والكلمة الصادقة والصلاة القائمة صلِّ على محمد وآله وأعطه الوسيلة والفضيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، فإن كان الأذان لصلاة الصبح أو صلاة المغرب زاد في ذلك، اللهم هذا إدبار ليلك وإقبال نهارك وأصوات دعاتك وحضور صلاتك وشهود ملائكتك صلِّ على محمد وآله ثم ليدع بما أحب وليغتنم الصلاة والدعاء بين الأذان والإقامة فإنه يستحب، ولتكن هذه الكلمة هجيره وشعاره في الأوقات فإنها من دعاء الأبدال فيما بينهم وشعارهم في أوقاتهم: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، العفو الغفور، يا سلام، سلم، يارب، يا رب، يا ذا الجلال والإكرام، افتح بخير واختم بخير، فلا إله إلا الله الحي القيوم، سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً، يا رب، يا رب، يالله، يا الله، يا عزيز، يا عزيز، يا قريب، يا قريب، يا حليم، يا ستار، سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً، يا الله، يا الله، يا عزيز، يا عزيز، يا قريب، يا قريب، يا كريم، يا غفار، يا واسع المغفرة، اغفر لي عافناً، واعف عنا نسألك العفو والعافية، يا غياث المستغيثين، وفي جميع ما ذكرنا فضائل وردت بها الآثار عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعين لهم بإحسان طوينا نشر ذلك إذ لم يكن قصدنا ذكر فضائل الأعمال وإنما أردنا شرح أوراد العمال ولا يدع السواك كلما استيقظ من نوم النهار وبالليل فإنه يقال من خير خصال الصائم إلاّ بعد العصر فقد كره للصائم. إلا الله الحي القيوم، سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً، يا رب، يا رب، يالله، يا الله، يا عزيز، يا عزيز، يا قريب، يا قريب، يا حليم، يا ستار، سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً، يا الله، يا الله، يا عزيز، يا عزيز، يا قريب، يا قريب، يا كريم، يا غفار، يا واسع المغفرة، اغفر لي عافناً، واعف عنا نسألك العفو والعافية، يا غياث المستغيثين، وفي جميع ما ذكرنا فضائل وردت بها الآثار عن النبي ﷺ وعن الصحابة والتابعين لهم بإحسان طوينا نشر ذلك إذ لم يكن قصدنا ذكر فضائل الأعمال وإنما أردنا شرح أوراد العمال ولا يدع السواك كلما استيقظ من نوم النهار وبالليل فإنه يقال من خير خصال الصائم إلاّ بعد العصر فقد كره للصائم. وفي الخبر طيبوا طرق القرآن من أفواهكم بالسواك، وفي الحديث السواك مطهرة

стр. 74

للفم مرضاة للرب ، ويقال إن الصلاة بعد السواك تفضل على الصلاة بغير سواك سبعين ضعفاً وأوكد ما استعمل فيه السواك أربعة أوقات قبل الزوال للصائم ويوم الجمعة مع الغسل لها وفي قيام الليل وبالغداة عند الاستيقاظ من النوم وقد كانوا يستحبون أن لا يأتي على العبد يوم وليلة إلا تصدق فيه بصدقة وإن قل مثل لقمة أو ثمرة حتى كان بعضهم يتصدق ببصلة وبخيط لأنه جاء في الأثر كل امرئ يوم القيامة في ظل صدقته والله سبحانه يشكر القليل الدائم وهو أحب إليه من الكثير المنقطع ألم تر كيف ذم من أعطى وقطع في قوله تعالى: (وَأَعْطى قَليلاً وَأَكْدى) النجم: ٣٤ أي قطع ومدح فواكه الجنة يعيب بذلك فواكه الدنيا في تدبر الخطاب فقال: (وَفَاكِهَةٍ كَثيرَةٍ) (لاَ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ) الواقعة: ٣٢ - ٣٣ أي فازهدوا من فوكه الدنيا فإنها مقطوعة ممنوعة رغبة في هذه الدائمة وكان من أخلاق السلف أن لا يردوا سائلاً إلا بشيء وإن قل لقول رسول الله ﷺ : اتقوا النار ولو بشق تمرة ولقوله ﷺ : للسائل حق ولو جاء على فرس مطوّق بفضة ولقوله ﷺ لا ترد السائل ولو بظلف محترق ودفعت عائشة ﵂ إلى السائل عنبة واحدة قال فنظر بعضنا إلى بعض فقالت: ما لك إن فيها لمثاقيل ذرة كثيرة وقد كان من أخلاقهم أن لا يسأل أحد شيئاً أو يراد بأمر مباح فيقول لا لكراهتهم الخلاف ومحبتهم الائتلاف وكان من أخلاق رسول الله ﷺ ما سئل شيئاً قط فقال: لا، فإن لم يقدر عليه سكت وقد كانوا يجتمعون على الأمر الواحد بقلب واحد ولا يستبد بعضهم بأمر دون بعض ولا يستأثر أحدهم بشيء دون أخيه وبذلك وصفهم الله في قوله تعالى: (وَأمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) الشورى: ٣٨ أي أمورهم مشاعة فيما بينهم غير مقسومة هم فيها سواء، ويستحب للعبد أن يجمع بين هذه الأعمال الأربعة صوم وصدقة وعيادة مريض وشهود جنازة وقد كان هذا طريق المريدين يسارعون إليه ويحرصون عليه، وفي الخبر من جمع بين هذه الأربع في يوم غفر له، وفي بعضها دخل الجنة فإن اتفق له منها ثلاث أو اثنان فأعجزه ما بقي حسب له تمامها لحسن نيّته، ولا يدعنّ الجماعة سيما إذا سمع التأذين أو كان في جوار المسجد، وحد الجوار أن يكون بينه وبين المسجد ثلاث دور، وأولى المساجد أن يصلّي فيه أقربها منه إلا أن يكون له نية في الأبعد لكثرة الخطأ أو لفضل الإمام فيه والصلاة خلف العالم الفاضل أفضل أو يريد أن يعمر بيتاً من بيوت الله بالصلاة فيه وإن بعد، وقال سعيد بن المسيب: من صلّى الخمس في جماعة فقد ملأ البرين والبحرين عبادة وليتوضأ لكل صلاة قبل دخول وقتها فإنه من المحافظة عليها ومن حسن معاملتها، وقال أبو الدرداء: وحلف بالله وما سمعته حالفاً بالله قط قال: من أحب الأعمال إلى الله ثلاث: أمر بصدقة، وخطوة إلى صلاة جماعة، أو إصلاح بين الناس،

стр. 75

ويستحب له كلّما دخل المسجد أو منزله أن يصلي ركعتين فإن ذلك من عمل الأبرار وكلما خرج منه صلّى ركعتين وقد كان السلف لا يخرجون من منازلهم حتى يتوضؤوا ويستحب له كلما أحدث أن يتوضأ وكلما توضأ أن يصلّي ركعتين فإن ذلك من عمل الأبرار وهو لمن مات على هذا العمل شهادة وإذا خرج من منزله قال: بسم الله ما شاء الله حسبي الله توكلت على الله لا قوة إلاّ بالله اللهم إليك خرجت وأنت أخرجتني اللهم سلمني وسلم مني في ديني كما أخرجتني اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أضل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل عليّ عزّ جارك وجلّ ثناؤك ولا إله غيرك وليقرأ سورة الحمد والمعوذتين ولا يدع صلاة الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء الله إلى ثمان ركعات إلى اثنتي عشرة ركعة ولا يزيد على ذلك إن نشط أطالهن وإن فتر قصرهن وليجعل من قراءته فيهن والشمس وضحاها وسورة والضحى وآخر سورة البقرة وآخر سورة الحشر، ثم ليتنفل بعد ذلك بما شاء من غير أن تكون ورد الضحى فيلزمه المواظبة عليه، وفي حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يصلّي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله، وفي خبر عن الله : يا ابن آدم صلِّ لي أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره. ات في أول النهار أكفك آخره. وفي حديث أم هانئ بنت أبي طالب أن النبي ﷺ صلّى الضحى ثمان ركعات، وفي الخبر يصبح ابن آدم: وعلى كل سلامى من جسده صدقة يعني في كل مفصل وفي جسده ثلاثمائة وستون مفصلاً، فأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وحملك عن الضعيف صدقة، وهدايتك إلى الطريق صدقة، وإماطتك الأذى صدقة، حتى ذكر التسبيح والتهليل ثم قال: وركعتا الضحى تأتي على ذلك كله، أو قال: تجمعن لك ذلك، وقد كان من سيرة المتقدمين دخول المسجد سحراً قبل طلوع الفجر والقعود فيه إلى صلاة الصبح ويفضلون هذا الفعل، حدثونا عن رجل من التابعين قال: دخلت المسجد قبل طلوع الفجر فألفيت أبا هريرة قد سبقني فقال: يا ابن أخي لأي شيء خرجت من منزلك هذه الساعة؟ فقلت لصلاة الغداة، فقال: أبشر فإنا كنا نعد خروجنا وقعودنا في هذا المسجد هذه الساعة ننتظر الصلاة بمنزلة غزوة في سبيل الله ، أو قال مع رسول الله ﷺ : فأفضل الأوقات المرجو فيها الإجابة أربعة: عند السحر، وعند طلوع الشمس، وعند غروبها، وبين الأذان والإقامة، وأفضل أوقات الليل والنهار أوقات الصلوات المكتوبات، وإذا دعا الله وتعالى فليدعه بمعانى أسمائه فإنها صفاته وهو يحب ذلك وإنما أظهرها ليعرف بها الداعي وليدعُ بها مثل أن يقول: يا جبار اجبر قلبي، يا غفار اغفر ذنبي، يارحمن أصلحني، يارحيم ارحمني، يا تواب تب عليّ، يا سلام سلمني، واستحب أن يدعو الله بأسمائه التسعة والتسعين في كل يوم وليلة مرة، فإنه روى عن النبي ﷺ قال: من أحصاها دخل الجنة وهي متفرقة في جميع القرآن، فمن دعا الله بها موقناً كان كمن ختمه فإن تعذر عليه حفظها فإنها منشورة على غير ترتيب فليتطرق إليها من

стр. 76

حروف المعجم فليذكر من كل حرف ما فيه كأن يبتدئ بالألف فينسق ما عليه من الأسماء ثم بالباء ثم بالتاء فيقول: يا الله، يا أول، يا آخر، يا بارئ، يا باطن، يا تواب، وقد يتعذّر عليه وجود بعضها في بعض الحروف كغيرها إلاّ أنها تخرج في سائر الحروف المتيسرة بالأسماء الظاهرة فإذا عد من الأحرف تسعة وتسعين إسماً أجزأه لأنه يجد في الحرف الواحد العشرة فأكثر ودون ذلك فلا يضره إن لم يعرف في بعض الحروف اسماً إذا أحصى العدد فقد حصل له الفضل للأثر في ذلك. ذكر صلاة التسبيح استحب له أن يصلّي صلاة التسبيح في الجمعة مرتين: مرة نهاراً ومرة ليلاً؛ وهي ثلاثمائة تسبيحة في أربع ركعات، إن صلاها نهاراً لم يفصل بينهن بتسليم، وإن صلاها ليلاً سلم فيها سلامين فقد كان الصالحون يصلونها ويتعرفون بركتها ويتذاكرون فضلها، وقد روينا فيها روايتين: إحداهما، حديث الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب: ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أحبوك بشيء، إذا أنت فعلته غفر الله لك ذنبك أوله وآخره، قديمه وحديثه، وخطأه وعمده، سره وعلانيته، تصلّي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم قلت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر خمس عشرة مرة، ثم تركع فتقولها عشراً، ثم ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشراً، ثم تسجد فتقولها عشراً، ثم ترفع من السجود فتقولها عشراً، ثم تسجد الثانية فتقولها عشراً، ثم ترفع من السجود ثم تجلس فتقولها عشراً، ثم تقوم فذلك خمسة وسبعون في كل ركعة تفعل ذلك في أربع ركعات إن استطعت أن تصلّيها في كل يوم مرة فافعل، فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، وإن لم تفعل ففي عمرك مرة، حدثناه عن أبي داود السجستاني فقال: ليس في صلاة التسبيح حديث أصح من هذا فذكر في هذه الرواية أنه يسبح في القيام خمس عشرة مرة بعد القراءة وأنه يسبح عشراً بعد السجدة الثانية في الركعة الأولى قبل القيام كأنه يجلس جلسة قبل أن ينهض، وفي الركعة الثانية أيضاً، كذلك قبل التشهد، وروينا في الخبر الآخر أنه يفتتح الصلاة فيتوجه ويقول سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، ثم يسبح خمس عشرة تسبيحة قبل القراءة ثم يقرأ الحمد وسورة ثم يسبح عشراً ثم يركع فيكون له في قيامه خمس وعشرون تسبيحة، ولا يسبح بعد السجود في الجلسة الأولى بين الركعتين ولا في جلسة التشهد شيئاً، وكذلك روينا في حديث عبد الله بن زياد بن سمعان عن معاوية بن عبد الله بن جعفر عن أبيه: أن النبي ﷺ علمه صلاة التسبيح قال فيها: يفتتح الصلاة مكبراً، ثم يقول فذكر الكلمات وزاد فيها ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم، وقال

стр. 77

فيه: يقول ذلك خمس عشرة مرة، ولم يذكر بعد السجدة الثانية عند القيام أن يقولها، وهذه الرواية أحب الوجهين إليّ وهو اختيار عبد الله بن المبارك، حدثونا عن سهل بن عاصم عن ابن وهب قال: سألت ابن المبارك عن الصلاة التي يسبح فيها فقال: يقول سبحان الله، والحمد لله، الكلمات خمس عشرة مرة، ثم يتعوّذ ويقرأ فاتحة الكتاب وسورة، ثم يقولها عشراً ثم يركع وذكرها قال: فذلك خمس وسبعون يصلّي أربع ركعات على هذا إن صلّيت ليلاً فأحب أن يسلّم في الركعتين وإن صلّيت نهاراً صلّيت أربعاً وإن شئت سلمت وإذا عدّ في الركوع فعد بإصبعه على ركبتيه وفي السجود بإصبعه على الأرض، وحدثونا عن محمد بن جابر قال: قلت لابن المبارك في صلاة التسبيح إذا رفعت رأسي للقيام من آخر السجدتين أسبح قبل أن أقوم، قال: لا تلك القعدة ليست من سنة الصلاة، وقال ابن أبي رزمة عن ابن المبارك: قلت له يقول: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، قال: نعم، قلت: فإن سها يسبح في السهو عشراً، قال: لا إنما هي ثلاثمائة تسبيحة، وأحب أن تكون السورة التي يقرأها في صلاة التسبيح مع الحمد فوق العشرين آية، فقد روينا في حديث عبد الله بن جعفر الذي رواه إسماعيل بن رافع أن النبي ﷺ قال في السورة التي بعد أم القرآن عشرين آية فصاعداً وكذلك أحب زيادة لا حول ولا قوة إلا بالله لما ذكرناه في الخبر الآخر فإن قرأ مع فاتحة الكتاب في كل ركعة عشر مرات قل هو الله أحد فقد ضاعف العدد واستكمل الأجر.

стр. 78

الفصل السادس عشر في ذكر معاملة العبد في التلاوة ووصف التالين للقرآن حق تلاوته بقيام الشهادة استحب للمريد أن يختم القرآن في كل أسبوع ختمتين؛ ختمة بالنهار وختمة بالليل، ويجعل ختمة النهار يوم الاثنين في ركعتي الفجر أو بعدهما، ويختم ختمة الليل ليلة الجمعة في ركعة المغرب أو بعدهما ليستقبل بختمته أوّل النهار وأوّل الليل فإن الملائكة تصلّي عليه إن كانت ختمته ليلاً حتى يصبح وتصلّي عليه إن كان ختمه نهاراً حتى يمسي فهذان الوقتان يستوعبان كلية الليل والنهار، وفي الخبر لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث، وأمر رسول الله ﷺ عبد الله بن عمر أن يقرأ القرآن في كل سبع وكذلك جماعة من الصحابة يختمون القرآن في كل جمعة، وروينا عن يحيى بن الحارث الديناري عن القاسم بن عبد الرحمن قال: كان عثمان بن عفان ﵁ يفتتح ليلة الجمعة بالبقرة إلى المائدة وليلة السبت بالأنعام إلى هود وليلة الأحد بيوسف إلى مريم وليلة الاثنين بطه إلى طسم موسى وفرعون وليلة الثلاثاء بالعنكبوت إلى صاد وليلة الأربعاء بتنزيل إلى الرحمن ويختم ليلة الخميس وكذلك كان زيد بن ثابت وأبي يختمان القرآن في كل سبع، روينا عن ابن مسعود أنه سبع القرآن في سبع ليال فكان يقرأ في كل ليلة بسبعه إلا أن تأليفة على غير ترتيب مصحفنا هذا فلم يذكره لأن الاعتبار لا يتبيّن به وجماعة يذكر عنهم ختم القرآن في كل يوم وليلة وقد كره ختمه في أقل من ثلاث طائفة والتوسط من ذلك ما ذكرناه وهو أن يختم في كل ثلاثة أيام. ذكر أحزاب القرآن وكيف حزبه الصحابة ﵃ وإن قرأ القرآن أحزاباً في كل يوم وليلة حزباً فحسن، وهو سنة فذلك أشد لمواطأة القلب وأقوم للترتيب وأدنى إلى الفهم وإن أحب قرأ في كل ركعة ثلث عشر القرآن أو نصف ذلك يكون الجزء من الأجزاء الثلاثين في كل ركعة أو ركعتين فإن قرأ في كل ورد حزباً أو حزبين أو دون ذلك فحسن وأحزاب القرآن سبعة: فالحزب الأول ثلاث سور، والحزب الثاني خمس سور، والحزب الثالث سبع سور، والرابع تسع سور، والخامس إحدى عشرة سورة، والسادس ثلاث عشرة سورة، والمفصل من ق، فهذه كانت أحزاب

стр. 79

القرآن ولذلك حزبه الصحابة ﵃ أجمعين، وكانوا يقرؤونه كذلك، وفي ذلك خبر عن رسول الله ﷺ وكأنه حزبه على عدد هذه الآي إذ عددها ستة آلاف ومائتان وست وثلاثون آية، وقد اعتبرت ذلك في كل حزب فرأيته يتقارب، وهذا قبل أن تعمل الأخماس والعواشر والأجزاء فما سوى هذا محدث يقال: إن الحجاج جمع قرّاء البصرة والكوفة منهم: عاصم الجحدري، ومطر الوراق، وشهاب بن شريفة فأمرهم بذلك، وقد كان الحسن وابن سيرين ينكران هذه الأخماس والعواشر والأجزاء، وروي عن الشعبي وإبراهيم كراهية النقط بالحمرة وأخذ الأجر على ذلك وكانوا يقولون جردوا القرآن، وقال الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير: كان القرآن مجرداً في المصاحف، فأول ما أحدثوا فيه النقط على الباء والتاء وقالوا: لا بأس به فإنه نور له ثم أحدثوا بعده نقطاً كباراً عند منتهى الآي فقالوا: لا بأس به يعرف به رأس الآي ثم أحدثوا بعد ذلك الخواتيم والفواتح وقالوا: لا بأس به لأنها علامة تعرف بها واعلم أنه لا يجد فهم القرآن الفهم الذي يكشف بمشاهدته ويظهر من الملكوت قدره عبد فيه إحدى هذه الخصال أدنى بدعة أو مصر على ذنب أو عبد في قلبه كبراً ومقارب لهوى قد استكن في قلبه أو محب الدنيا أو عبد غير متحقق بالإيمان أو ضعيف اليقين ولا من هو واقف مع مقراه ولا عبد مهتم يتبع حروفه واختياره ولا ناظر إلى قول مفسر ساكن إلى عمله الظاهر ولا راجع إلى معقوله ولا قاض بمذاهب أهل العربية واللغة في باطن الخطاب وسر المرء وهؤلاء كلهم محجوبون بعقولهم مردودون إلى ما يقدر في علومهم موقوفون مع ما تقرر في عقولهم مزيدهم على مقدار علومهم وغرائز عقولهم وهؤلاء مشركون بعقولهم ومعلومهم عند الموحدين فهذا داخل في الشرك الخفي الذي أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء، قال محمد بن علي بن سنانة إذ معقوله وعلمه عن عقل غير كامل لأن العقل الكامل ماعقل عن الله وفهم حكمه وكلامه، ويعقل به كلامه وقد قال الرسول صلوات الله عليه في صفة كمال العقل العاقل: من عقل عن الله أمره ونهيه، وفي الخبر أكثر منافقي أمتي قراؤها فهذا نفاق الوقوف مع سوى الله تعالى والنظر إلى غيره لإنفاق الشرك والإنكار لقدرة الله فهو لا ينتقل عن التوحيد ولكنه لا ينتقل إلى مقام المزيد فإذا كان العبد ملقياً السمع بين يدي سميعه مصغياً إلى سرّ كلامه شهيد القلب لمعاني صفات شهيده ناظراً إلى قدرته تاركاً لمعقوله ومعهود علمه متبرئاً من حوله وقوته معظماً للمتكلم واقفاً على حضوره مفتقراً إلى الفهم بحال مستقيم وقلب سليم وصفاء يقين وقوة علم وتمكين سمع فصل الخطاب وشهد علم غيب الجواب وأفضل القراءة الترتيل لأنه يجمع الأمر والندب وفيه التدبر والتذكر. روي عن علي ﵁ لا خير في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا تدبر فيها، وعن ابن عباس لأن

стр. 80

أقرأ البقرة وآل عمران أرتلهما وأتدبرهما أحب إليّ من أن أقرأ القرآن كله هذرمة، وروي عنه أيضاً لأن اقرأ إذا زلزلت والقارعة أتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذراً، وسئل مجاهد عن رجلين دخلا في صلاة فكان قيامهما واحد إلاّ أن أحدهما قرأ البقرة والآخر قرأ القرآن كله فقال هما في الأجر سواء لأن قيامهما كان واحداً وأفضل الترتيل والتدبر في القرآن ما كان في صلاة ويقال إن التفكر في الصلاة أفضل منه في غير الصلاة لأنهما عملان وهذا هو التفكر في معاني التدبر والفهم بخطاب الوعد والوعيد والزجر والأمر تعظيماً للمتوعد وإجلالاً للآمر، وسئل النبي ﷺ أي الصلاة أفضل؟ فقال: طول القنوت، وروي في خبر آخر من سجد لله سجدة رفعه الله بها درجة وأنه قال لأبي فاطمة خادمه وقد سأله مرافقته في الجنة فقال أعني بكثرة السجود، وروينا عن أبي ذر الغفاري ﵁ أنه قال إنه كثرة السجود بالنهار وإنه طول القيام بالليل ويقال إن العبد يحشر عند الموت من قبره على هيئته في صلاته من السكون والطمأنينة وتكون راحته في الموقف على قدر راحته وتنعمه بالصلاة، وروينا معنى هذا عن أبي هريرة وعلى هذا المعنى تأويل قول رسول الله ﷺ لبلال: أرحنا بالصلاة أي روحنا إليها نعمنا بها من الروح والراحة إليها ويقال أرحنا بالشيء أي روحنا وأرحنا منه أي أسقطه عنا وخفف عنا منه ولم يقل أرحنا منها كيف وقرة عينه فيها، وقال بعضهم: إني لأفتتح السورة فيوقفني بعض ما أشهد فيها عن الفراغ منها حتى يطلع الفجر وما قضيت منها وطري، وقال سليمان بن أبي سليمان الداراني إنه وعد ابن ثوبان أخاً له أن يفطر عنده فأبطأ عليه حتى طلع الفجر فلقيه أخوه من الغد، قال: وعدتني أن تفطر عندي فأخلفت، فقال: لولا ميعادك ما أخبرتك بالذي حبسني عنك إني لما صليت العتمة قلت أوتر قبل أن أجيئك لأني لا آمن ما يحدث من الموت، فلما كنت في الدعاء من الوتر رفعت لي روضة خضراء فيها أنواع الزهر من الجنة، فما زلت أنظر إليها حتى أصبحت، وقال : (كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) المجادلة: ٢٢، قيل: القرآن قوى إيمانهم بعلم القرآن، فالقرآن روح الإيمان، وتقويتهم استعمالهم به، وفي التفسير يا يحيى خذ الكتاب بقوة، قيل: بجد واجتهاد ومثله خذوا ما آتيناكم بقوّة، قيل: بعمل به، وقيل لبعضهم: إذا قرأت القرآن تحدث نفسك بشيء فقال أو شيء أحب إليّ من القرآن أحدث نفسي به؟ وهذه صفة قوي مكين، ويقال إن في القرآن ميادين وبساتين ومقاصير وعرائس وديابيج ورياضاً وخانات، فالميمات ميادين القرآن والراآت بساتين

стр. 81

القرآن والحاآت مقاصيره والمسبحات عرائس القرآن والحواميم ديباج القرآن والمفصل رياضه والخانات ما سوى ذلك، فإذا جال المريد في الميادين وقطف من البساتين ودخل المقاصير وشهد العرائس ولبس الديباج وتنزه في الرياض وسكن غرف الخانات اقتطعه وأوقفه ما يراه وشغله الشاهد به عما سواه. وروي عن النبي ﷺ أنه قرأ بسم الله الرحمن الرحيم فرددها عشرين مرة وكان له ﷺ في كل ورده فهم، ومن كل كلمة علم، فينبغي أن يكون قلب التالي بوصف كل كلمة يتلوها مشاهداً لمعناها إلى ما يفتح الله له من المزيد عليها من مجاورتها ومع ما يفهم بها من غيرها ويشهد غيرها منها فقد كان بعضهم يقول: كل آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لم أعد لها ثواباً، وكان بعض السلف إذا قرأ السورة ولم يكن قلبه فيها أعادها ثانية، فإذا مرّ بتسبيح وتكبير سبّح وكبّر، وإن مرّ بدعاء واستغفار دعا واستغفر، وإن مرّ بمخوف ومرجو استعاذ وسأل، فذلك معنى قوله : (يَتْلُونَهُ حقَّ تِلاَوَتِه) البقرة: ١٢١، وكذلك كان رسول الله ﷺ في تلاوته وعلى هذا المعنى ما روي في الخبر من أراد أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد أي على معنى تلاوته لأنه كان يقرأ بقلب شهيد وسمع عتيد وبصر حديد فكان يتلو القرآن على معاني الكلام وعلى شهادة وصف المتكلم الوعيد منه بالتحزين والوعد بالتشويق والوعظ بالتخويف والإنذار بالتشديد والتفسير بالترقيق والتبشير بالتوفيق لأنه كان عالماً بصفات المتكلم واجد الذوق الكلم، فمثل هذا العبد أحسن الناس صوتاً بالقرآن كما جاء في الخبر: أحسن الناس صوتاً بالقرآن من إذا قرأ رأيت أنه يخشى الله، ومن هذا قيل إذا قرأتم القرآن فابكوا وإن لم تبكوا فتباكوا، ومثل هذا أن القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فتحازنوا أي أن القرآن لما فيه من التهديد والوعيد والوثائق والعهود يوجب البكاء والحزن، فإن لم تحزنوا وجداً ولم تبكوا نفساً يقيناً فتباكوا وتحازنوا لفظاً لأجل التصديق والإقرار به، فندبهم إلى التحازن في التلاوة والتباكي ليجتمع همّ العبد في المتلو فيتدبر الكلام عسى أن يكون قلبه بمعناه فيكون التباكي والتحزين سبباً لجمع همّه وفراغ قلبه، لأن المتباكي الصادق مجتمع الهمّ فيما يبكيه والحزين حاضر القلب مجموع الفكر ومشغول عن سوى مبكيه، من ذلك ما روينا عن ابن عباس إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا، فإن لم تبكِ عين أحدكم فليبكِ قلبه فبكاء القلب حزنه وخشيته، أي فإن لم تبكوا بكاء العلماء عن الفهم فتحزن قلوبكم على فقد البكاء وليخشَ كيف لم يوجد فيكم وصف أهل العلم، وقد روينا في غرائب التفسير من معنى قوله تعالى: (وَإنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ) البقرة: ٧٤ قال: هي العين الكثيرة البكاء (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ

стр. 82

الْمَاءُ) البقرة: ٧٤ قال: هي العين القليلة البكاء (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله) البقرة: ٧٤ قال: هو بكاء القلب من غير دموع عين قال ثابت البناني: رأيت في النوم كأني أقرأ على رسول الله ﷺ القرآن، فلما فرغت قال هذه القراءة فأين البكاء؟ وكان الحسن يقول: والله ما أصبح اليوم عبد يتلو هذا القرآن يؤمن به إلا كثر حرنه وقل فرحه وكثر بكاؤه وقل ضحكه وكبر نصبه وشغله وقلت راحته وبطالته. والناس في التلاوة على ثلاث مقامات، أعلاهم من شهد أوصاف المتكلم في كلامه ويعرف أخلاقه بمعاني خطابه، وهذا مقام العارفين من المقربين، ومنهم من يشهد ربه تعالى يناجيه بألطافه ويخاطبه بإنعامه وإحسانه، فمقام هذا الحياء والتعظيم وحاله الإصغاء والفهم، وهذا للأبرار من أصحاب اليمين، ومنهم من يرى أنه يناجي ربّه فمقامه السؤال والتملّق وحاله الطلب والتعلّق، وهذا للمعترفين والمريدين وهم من خصوص أصحاب اليمين، وينبغي للعبد أن يشهد في التلاوة أن مولاه يخاطبه بالكلام لأنه سبحانه متكلّم بكلام نفسه وليس للعبد في كلامه كلام إنما جعل له حركة اللسان بوصفه وتيسير الذكر بلسانه بحكم ربه حداً للعبد ومكاناً له، كما كانت الشجرة وجهة لموسى ﵇ وكلمة الله منها، ويقال: إن كل حرف من كلام الله في اللوح المحفوظ أعظم من جبل قاف وإن الملائكة لو اجتمعت على الحرف الواحد أن يتلوه ما أطاقوه حتى يأتي إسرافيل وهو ملك اللوح المحفوظ فيرفعه فيقله بإذن الله ورحمته إذ كان الله تعالى أطاقه ذلك لما استعمله به، وقال جعفر بن محمد الصادق: والله لقد تجلّى الله لخلقه في كلامه ولكن لا يبصرون، وقال أيضاً: وقد سألوه عن شيء لحقه في الصلاة حتى خرّ مغشياً عليه فلما سُرِيَ عنه قيل له في ذلك فقال: ما زلت أردد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها فلم يثبت جسمي لمعاينة قدرته تعالى، وكذلك الخصوص يرددون الآية بقلوبهم على قلوبهم ويتحقّقون بها في مشاهدتهم بمدد من شهيدهم وسيدهم حتى يستغرقهم الفهم فيغرقون في بحر العلم، فإن قصرت مشاهدة التالي عن هذا المقام فيشهد أنه يناجيه بكلامه ويتملقه بمناجاته، فإن الله إنما خاطبه بلسانه وكلّمه بحركته وصوته ليفهم عنه بعلمه الذي جعل له ويعقل عنه بفهمه الذي قسم له حكمة منه ورحمة، إذ لو تكلم الجبار بوصفه الذي يدركه سمعه لما ثبت للكلام عرش ولا ثري لتلاشي ما بينهما من عظمة سلطانه وسبحات أنواره فحجب ذلك في غيب علمه عن العقول وستر بصنع قدرته عن القلوب وأظهر للقلوب علوم عقولها وأشهد للعقول عرف معقولها بلطفه وحنانه ورحمته وإحسانه. وبلغنا في الأخبار السالفة أن ولياً من أولياء الله من الصديقين ابتعثه في

стр. 83

الفترة إلى ملك من الجبابرة يدعو إلى التوحيد وإلى شريعة الأنبياء، فسأله الملك عن أشياء من معاني التوحيد فجعل الصديق يجيبه عنها بما يقرب من فهمه ويدركه عقله من ضروب الأمثال بما يستعمله الناس بينهم ويتعارفونه عندهم إلى أن قال له الملك: أفرأيت ما يأتي به الأنبياء إذا ادعيت أنه ليس بكلام الناس ولا رأيهم، أمن كلام الله هو؟ قال الحكيم: نعم قال الملك: فكيف يطيق الناس حمله؟ قال الصديق: إنّا رأينا الناس لما أرادوا أن يفهموا بعض الدواب والطير ما يريدون من تقديمها وتأخيرها وإقبالها وإدبارها لم يجدوا الدواب والطير تحمل كلامهم فوضعوا لها من النقر والصفير والزجر ما عرفوا أنها تطيق حمله، فكذلك الناس يعجزون أن يحملوا كلام الله ككنهه بكماله وصفته، فصاروا بما تراجعوا بينهم من الأصوات التي سمعوا بها الحكمة كصوت الزجر والنقر الذي سمعت به الدواب من الناس ولم يمنع ذلك معاني الحكمة المخبوءَة في تلك الأصوات من أن شرف الكلام بشرفها وعظم بتعظيمها فكان الصوت للحكمة جسداً ومسكناً والحكمة للصوت نفساً وروحاً، فكما أن أجساد البشر تكرّم وتعزّ لمكان الروح التي فيها وكذلك أصوات الكلام تشرّف وتكرّم للحكمة التي فيها، والكلام على المنزلة رفيع الدرجة قاهر السلطان نافذ الحكم في الحق والباطل وهو القاضي العادل والشاهد المرتضى يأمر وينهى ولا طاقة للباطل أن يقوم قدام كلام الحكمة كما لا يستطيع الظل أن يقوم قدام شعاع الشمس ولا طاقة للبشر أن ينفذوا غور الحكمة كما لا طاقة لهم أن ينفدوا بأبصارهم ضوء عين الشمس، ولكنهم ينالون من شعاع الشمس ما تحيا به أبصارهم ويستدلون به على حوائجهم، فالكلام كالملك المحجوب الغائب وجهه الشاهد أمره كالشمس الغزيرة الظاهرة مكنون عنصرها، وكالنجوم الزاهرة التي قد يهتدي بها من لا يقع على سرّها، فالكلام أعظم وأشرف من ذلك هو مفتاح الخزائن النفسية وباب المنازل العالية ومراقي الدرجات الشريفة وشراب الحياة الذي من شرب منه لم يمت، ودواء الأسقام التي من سقي منه لم يسقم إذا لبسه من لم يتسلّح به أبدى عورته وإذا تسلح به غير أهله لم يخرج إلاّ منهم نقلت هذا نقلاً من كلام الصديق الحكيم الذي خاطب به الملك فاستجاب له بإذن الله فهذا وصف كلام الله الذي جعله الله لنا آية وعبرة ونعمة علينا ورحمة، فانظر إلى الحكيم كيف جعل عقول البشر في فهم كلام الله العظيم بمنزلة فهم البهائم والطير بالنقر والصفير إلى عقول البشر وجعل النقر والصفير والإفهام من الناس للأنعام والهوام مثلاً لما أفهم الله تعالى به الأنام من معاني كلامه الجليل بما ألهم به من الكلام، إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم، فهذه قدرة لطيفة من قدرته التي لا تتناهى وحكمة محكمة من حكمه التي لا تضاهى، إنه حكيم عليم، ثم ليشهد العبد أنه مقصود بجميع القرآن من فاتحته إلى خاتمه مراد معنى به له

стр. 84

ضربت الأمثال به وفيه جميع ذكره وأوصافه لأن الله لما تكلم بهذا الكلام وخاطب به المؤمنين كان هو واجدهم وكان حاضراً معهم وقد سوى الله بين المؤمنين في تنزيل القرآن عليهم وبين النبي ﷺ بمعنى من المعاني فقال: (واذكروا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزل عَلَيْكُم مِنَ الكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ) البقرة: ٢٣١ كما قال: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا إليْكُمْ كِتَاباً فيهِ ذِكْرُكُمْ) الأنبياء: ١٠ وكذلك قال: (وَأَنْزَلْنَا إليْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلْنَّاسِ مَا نُزِّلَ إليْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل: ٤٤، وقال: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلْنَّاسِ أمْثَالَهُمْ) محمد: ٣ يعني صفاتهم وقال: ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات كما قال: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إليْكَ آياتٍ بَيِّنَاتٍ) البقرة: ٩٩، وقال : (وَاتَّبعْ مَا يُوحَى إليْكَ واصْبِرْ) يونس: ١٠٩ ثم قال: (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إليْكُمْ مِنْ رَبِّكُم) الأعراف: ٣ وقال: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ) هود: ١١٢ غير أنه سبحانه عمّ الجملة بالبصائر والبيان وخصّ بالهدى والرحمة أولي التقي والإيمان، فمن ذلك قوله : (هذا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) الجاثية: ٢٠: (هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلمُتَّقِينَ) آل عمران: ١٣٨، فالموقنون هم المتّقون، والمهديّون هم المرحومون وقد أمرنا بطلب فهم القرآن كما أمرنا بتلاوته. َائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) الجاثية: ٢٠: (هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلمُتَّقِينَ) آل عمران: ١٣٨، فالموقنون هم المتّقون، والمهديّون هم المرحومون وقد أمرنا بطلب فهم القرآن كما أمرنا بتلاوته. وروينا عن نبينا ﷺ أنه قال: اقرؤوا القرآن والتمسوا غرائبه، وقال ابن مسعود: من أراد علم الأوّلين والآخرين فليثوّر القرآن، ومن حديث علي ﵁ عن النبي ﷺ : والذي بعثني بالحق نبياً لتفترقنّ أمتي على أصل دينها وجماعتها على اثنين وسبعين فرقة كلها ضالّة مضلّة يدعون إلى النار، فإذا كان ذلك فعليكم بكتاب الله فإن فيه نبأ ما كان قبلكم ونبأ ما يأتي بعدكم وحكم ما بينكم وبين من خالفه من الجبابرة قصمه الله ومن ابتغى العلم من غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين ونوره المبين وشفاؤه النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن اتبعه لا يعوجّ فيقام ولا يزيغ فيستقيم ولا تنقضي عجائبه ولا يخلقه كثرة الرد، هو الذي سمعته الجن فلمّا قضى ولّوا إلى قومهم منذرين فقالوا: يا قومنا (إنا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد) الجن: ١ من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم، وروينا معناه في حديث حذيفة لما أخبره رسول الله ﷺ بالاختلاف والفرقة بعده قال: فقلت يا رسول الله فما تأمرني إن أدركت ذاك؟ فقال: تعلّم كتاب الله واعمل بما فيه فهو المخرج من ذلك، قال: فأعدت عليه فقال: تعلّم كتاب الله واعمل بما فيه فهو المخرج من ذلك، قال: فأعدت عليه فقال: تعلّم كتاب الله واعمل بما فيه ففيه النجاة ثلاثاً، وعن علي ﵁ قال: ما أسرّ إليّ رسول الله ﷺ شيئاً كتمه الناس إلاّ أن يؤتي الله عبداً فهماً في كتابه، وعنه ﵁ أنه قال: ومن فهم فسّر جمل العلم، وعن ابن عباس ﵄ وغيره في قوله : (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَة فَقَدْ

стр. 85

أُوتِيَ خَيْراً كَثيراً) البقرة: ٢٦٩، قال: الفهم في كتاب الله وقال أحسن القائلين: (فَفَهَّمْناهَا سُليْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً) الأنبياء: ٧٩ فرفع الفهم مقاماً فوق الحكم والعلم وأضافه إليه للتخصيص وجعله مقاماً عاماً فيهما فإذا فهم العبد الكلام وعامل به المولى تحقق بما يقول وكان من أصحابه ولم يكن حاكياً لقائله مثل أن يتلو منه: (إني أَخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظيمٍ) يونس: ١٥ ومثل أن يقول: (عليك توكلنا وإليك أَنَبْنَا) الممتحنة: ٤، ومثل قوله: (ولنصبرنّ على ما آذيتمونا) إبراهيم: ١٢ فيكون هو الخائف لليوم العظيم ويكون هو المتوكّل المنيب وهو الصابر على الأذى متوكل على المولى ولا يكون مخبراً عن قائل قاله فلا يجد حلاوة ذلك ولا ميراثه فإذا كان هو كذلك وجد حلاوة التلاوة وتحقق جزء الولاية، وكذلك إذا تلا الآي المذموم أهلها الممقوت فاعلها مثل قوله تعالى: (وَهُمْ في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) الأنبياء: ١ وقوله: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) النجم: ٢٩، ومثل قوله : (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الحجرات: ١١ فما أقبح من يعيب ذلك وهو من أهله وما أعظم أن يذم أهل ذلك وهو بوصفه فهذا من حجج القرآن عليه فلا يجد مع ذلك حلاوة المناجاة ولا يسمع خطاب المناجي لأن وصفه المذموم قد حجبه وهواه المردي عن حقيقة الفهم قد حرمه، ولأن قسوة قلبه عن الفهم صرفه وكذبه في حاله عن البيان وأخرسه، فإذا كان هو المتيقظ المقبل فهو التائب الصادق سمع فصل الخطاب ونظر إلى الداعي وله استجاب، وقد اشترط الله للإنابة التبصرة وحضور القلب للتذكرة فقال : (تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنيبٍ) ق: ٨ وقال وما يذكر إلا من ينيب وقال : (إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأََلْبَابِ) الزمر: ٩ الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، فالاستقامة على التوبة من الوفاء بالعهد وتعدّي الحدود من نقض الميثاق وقلة الصدق والإنابة هي التوبة والإقبال على الله ، والألباب هي العقول الزاكية والقلوب الطاهرة وينبغي للتالي الخائف الناصح لنفسه وللخلق السليم القلب إذا تلا آي الوعد والمدح ومحاسن الوصف ومقامات المقربين أن لا يشهد نفسه هناك ولا يراها مكاناً لذلك بل يشهد للمؤمنين فيها وينظر إلى الصديقين منها سلامةً ونصحاً، فإذا تلا الآي الممقوت أهلها المتهدّد عليها المذموم وصفها من مقامات الغافلين وأحوال الخاطئين شهد نفسه هناك وأنه هو المخاطب المقصود بذلك خوفاً منه وشفقاً، فبهذه المشاهدة يرجو للخلق ويخاف على نفسه ومن هذه الملاحظة يسلم قلبه للعباد ويمقت نفسه. موم وصفها من مقامات الغافلين وأحوال الخاطئين شهد نفسه هناك وأنه هو المخاطب المقصود بذلك خوفاً منه وشفقاً، فبهذه المشاهدة يرجو للخلق ويخاف على نفسه ومن هذه الملاحظة يسلم قلبه للعباد ويمقت نفسه. وروينا عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقول اللهم إني أستغفرك لظلمي وكفري قال: فقلت يا أمير المؤمنين هذا الظلم فما بال الكفر؟ فتلا قوله: (إنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) إبراهيم: ٣٤ فإن قلب هذان المعنيان على عبد حتى يشهد نفسه في المدح

стр. 86

والوصف ويشهد غيره في الذم والمقت انقلب قلبه عن وجهة الصادقين وتنكب بقصده عن صراط الخائفين فهلك وأهلك لأن من شهد البعد في القرب لطف به بالخوف، ومن شهد القرب في البعد مكر به في الأمن، وقال بعض العلماء: كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة حتى تلوته كأني أسمعه من رسول الله ﷺ يتلوه على أصحابه ثم رفعت إلى مقام فوقه فكنت أتلوه كأني أسمعه من جبريل ﵇ يلقيه على رسول الله ﷺ ، ثم جاء الله بمنزلة أخرى فأنا الآن أسمعه من المتكلم عزّ من قائل فعندها وجدت له نعيماً ولذة لا أصبر عنها، وقال عثمان ﵁: أو حذيفة لو طهرت القلوب لم تشبع من تلاوة القرآن، وقال ثابت البناني: كابدت القرآن عشرين سنة وتنعمت به عشرين سنة، وقال بعض علمائنا: لكل آية ستون ألف فهم وما بقي من فهمها أكثر، وعن علي ﵁: لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب، وعن أبي سليمان الداراني: إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال وذكر خمس ليال ولولا أني أقطع الفكر فيها لما جاوزتها إلى غيرها. وروينا عن بعض السلف أنه بقي في سورة هود ستة أشهر يكررها ولا يفرغ منها، وحدثنا عن بعض العارفين قال: لي في كل جمعة ختمة؛ وفي كل شهرختمة؛ وفي كل سنة ختمة؛ ولي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغت منها بعد، يعني ختمة التفهم والمشاهدة، وكان هذا يقول أقمت نفسي في العبودية مقام الأجراء فأنا أعمل مياومة ومجامعة ومشاهرة ومسانهة وإنما حجب الخلق عن فهم كنه الكلام ومعرفة سرّ المراد لأنه حجبهم عن حقيقة كنه معرفته وإنما أعطاهم من معرفة الكلام بقدر ما أعطاهم من معرفة المتكلم إذ بمعاني كلامه تعرف معاني صفاته وأفعاله وأحكامه ولأن معاني كلامه من معاني أوصافه وأخلاقه، فلذلك جاء فيه السهل اللطيف والشديد العسوف والمرجو والمخوف، لأن من أوصافه الرحمة واللطف والانتقام والبطش، فلما لم يصلح أن يعرفوه كعلمه بنفسه لم يصلح أن يعلم كنه كلامه إلا هو، ويعرف كنه صفاته إلا هو، فأعلم الخلق لمعاني كلامه أعرفهم لمعاني الصفات وأعرف العباد بمعاني الأوصاف والأخلاق وغوامض الأحكام أعرفهم بسرائر الخطاب ووجه الحروف ومعاني باطن الكلام، وأحقهم بذلك أخشاهم له أقربهم منه، وأقربهم منه من خصّه بأثرته وشمله بعنايته، فقد جاء في الخبر: أحسن الناس صوتاً بالقرآن من إذا قرأ رأيت أنه

стр. 87

يخشى الله، ولا يخشاه حتى يعرفه، ولا يعرفه حتى يعامله ولا يعامله حتى يقربه، ولا يقربه حتى يعني به، وينظر إليه، فعندها يعرف سرّ الخطاب ويطلع على باطن الكتاب، فإذا سجد العبد سجود القرآن فليدع في سجدته بمعاني الآية من الخير وليستعذ من معاني شرّها فإن ذلك فعل العلماء بالقرآن والله يحب ذلك، ولتلك المعاني أسجدهم له مثل أن يقرأ قوله : (خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ) السجدة: ١٥، فيقول اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك أو على أوليائك، ومثل هذا قوله : (وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزيدُهُمْ خُشُوعاً) الإسراء: ١٠٩، فليقل: اللهم اجعلني من الباكين إليك الخاشعين لك وعلى هذه المعاني ونحوها وليكن القرآن هو علمه وعمله وذكره ودعاؤه وهمّه وشغله فعنه يسأل وعليه يثاب ومقامه منه وذكره فيه وأحواله فيه مجموع له ذلك كله فيه، فبكلامه عرفه العارفون وبمخاطبته شهد أوصافه الموقنون فعلومهم من كلامه ومواجيدهم عن علومهم ومشاهدتهم عن معاني أوصافه وكلامهم عن مشاهدتهم لأن ضروب الكلام عن الله هي معاني الصفات: فمنه كلام راضٍ ومنه كلام غضبان ومنه كلام منعم وكلام منتقم وكلام جبّار متكبّر وحنّان متعطّف، فإذا كان العبد من أهل العلم بالله والفهم عنه والسمع من الله والمشاهدة له شهد ما غاب عن غيره وأبصر ما عمي عنه سواه، وقد قال : (فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ) (وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ) الحاقة: ٣٨ - ٣٩ وقال : (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولي الأَبْصَارِ) الحشر: ٢ معناه في الفهم أعبروا إليّ فقد أبصرتم فالتاء قد تكون بمعنى تاء التفعل تدخل للتحقيق والوصول بالوصف والمبالغة في الفعل فلما أعطاهم الأيدي والأبصار عبروا بقواهم إلى ما أبصروا ففروا إلى الله من الخلق حين ذكروه بما خلق فخرجوا على معيار حسن الابتلاء ولم ينقصهم البلاء شيئاً فكانوا كما أخبروا كالذي أمر في قوله : (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) الذاريات: ٤٩، ففروا إلى الله ثم قال: (وَلاَ تَجْعَلُوا مَعَ الله إِلهاً آخَرَ) الذاريات: ٥١ فكانوا هم الموحدون المخلصون له وكان هو المنفرد المستخلص لهم ثم جاوزوا التذكرة بالأشياء إليه فذكروه عنده به، فحينئذ هربوا إليه منه حين هللوه به فلم يتألهوا إلى ما سواه كما لم يعبدوا إلا إياه وكذلك رأيتها في مصحف عبد الله ففروا إلى الله منه إني لكم منه نذير مبين، وفي الخبر عن ابن مسعود وبعض الرواة يرفعه وقد روينا مسنداً من طريق وهو خصوص العارفين من المحبين والخالصين اطلعوا على السرّ وأوقفوا على الخبر فكانوا مقربين شاهدين أن للقرآن ظهراً وبطناً وحداً ومطلعاً فنقول فظهره لأهل العربية وباطنه لأهل اليقين وحده لأهل الظاهر ومطلعة لأهل الأشراف وهم العارفون المحبون

стр. 88

والخائفون اطلعوا على لطف المطلع بعد أن خافوا هول المطلع فأودعوا السرّ عند مقام أمين وأوقفوا على الخبر في حال مكين فكانوا لديه مقربين إذ كانوا به شاهدين، وقال النبي ﷺ : يرى الشاهد ما لا يرى الغائب فمن حضر شهد ومن شهد وجد ومن وجد وحد ومن وحد عزز ومن غاب عمي ومن عمي فقد ومن فقد نسي ومن نسي فقد نسي وقد قال الله : (كَذلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسيتَهَا وَكَذلِك الْيَوْمَ تُنْسى) طه: ١٢٦ أي تركتها فلم تعبأ بها ولم تنظر إليها وهكذا اليوم تترك فلا ينظر إليك برحمة ولا تكلم بلطف ولا تزلف بقرب.

стр. 89

الفصل السابع عشر كتاب ذكر نوع من المفصل والموصل من الكلام وفيه مدح العالمين وذم الغافلين عنه وتفسيرالغريب والمشكل من القرآن باختصار الأصول الدالة على المعنى فأما ظاهر الكلام فعلى معنيين عجيبين وهو مجمل مختصر وموصل مكرر فإجماله واختصاره للبلاغة والإيجاز قال تعالى: (إنَّ في هذاَ لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدين) الأنبياء: ١٠٦ ومكرره وتفصيله للإفهام والتذكار، قال الله تعالى: (ولَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون) القصص: ٥١، وقال في المبهم المجمل والتوحيد المفصل: (آلركِتابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكيمٍ خَبيرٍ) هود: ١ فهذه ثلاثة أسماء الله لطيف رحيم وقيل بل هي حروف من اسم وهو الرحمن ثم أظهر السبب فقال كتاب أحكمت آياته يعني بالتوحيد ثم فصلت أي بالوعد والوعيد ثم قال من لدن حكيم أي للأحكام خبير أي بالأحكام خبير بالتفصيل للحلال والحرام ألا تعبدوا إلا الله هذا هو التوحيد الذي أحكمه أنني لكم منه نذير وبشير هذا الوعد والوعيد الذي أعمله فمن المختصر للإيجاز قوله تعالى: (وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا) الإسراء: ٥٩، ففي هذا مختصر ومحذوفان فالمضمر قوله مبصرة المعنى آية مبصرة فأضمر ومحذوفاه قوله فظلموا بها المعنى ظلموا أنفسهم بالتكذيب بها فاختصرت كلمتان من كلمتين للإيجاز ومثله قوله: (وَهِيَ خَاويَةٌ عَلى عُرُوشِها) البقرة: ٢٥٩ الخواء الخلاء والعروش السقوف وهو جمع عرش فكيف تكون خاوية من العروش والعروش موجودة فيها، فهذا من المختصر المحذوف ومعناه وهي خاوية من ثمرها أو من أهلها واقعة على عروشها ومثله قوله تعالى: (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) البقرة: ١٧٧، حذف الفعل وأقيم الاسم مقامه فالمعنى فيه ولكن البرّ برّ من آمن بالله وقد يكون من المبدل فيكون المحذوف هو اسم أبدل الفعل مكانه ولكن البر من آمن بالله فلمّا كان البر وصفه أقيم مكانه وممثل معنى الأوّل قوله : (وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمِ العِجْلَ) البقرة: ٩٣ أي حب العجل، ومن ذلك قوله : (أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ) الكهف: ٧٤، ولم يذكر قتله والمعنى بغير نفس قتلها فحذف الفعل ومثله أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في

стр. 90

الأرض أضمر قوله بغير نفس قتلها أو بغير فساد في الأرض فاكتفى عنه بذكر غير الأولى وكذلك قوله: (مَنْ فِي السَّمَواتِ وَالأرْض) آل عمران: ٨٣ معناه ومن في الأرض وكذلك قوله: (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِينِ) التين: ٧ هو متصل بقوله سبحانه: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أحْسَنِ تَقْويمٍ) التين: ٤ وفصل بينهما النعت والاستثناء والمعنى فما يكذبك بعد هذا البيان أيها الإنسان بالديانة فأي شيء يحملك على التكذيب بأن تدين اللّّه تعالى وهو أحكم الحاكمين ومن المبدل المضمر أيضاً: (إذاً لأذَقنَاكَ ضِعْفَ الحَياةِ وَضِعْفَ المَماتِ) الإسراء: ٧٥ المعنى ضعف عذاب الأحياء وضعف عذاب الموتى فأضمر ذكر العذاب وأبدل الأحياء والموتى بذكر الحياة فأقام الوصف مقام الاسم، ويصلح أيضاً أن يترك الوصف على لفظه ويضمر أهل فيكون ضعف عذاب أهل الحياة وضعف عذاب أهل الممات كما أضمر أهل في ذكر القرية وذكر العير فقال: (وَسئَلِ القرْيَةَ التي كُنَّا فِيها والعَيْرَ التي أقبَلْنَا فيهَا) يوسف: ٨٢ والمعنى: واسأل أهل القرية وأسأل أهل العير، ومن هذا المعنى قوله تعالى: (ثَقُلَتْ في السَّمَواتِ وَالأَرْضِ) الأعراف: ١٨٧ هو من المبدل المضمر، فمبدله ثقلت ومعناه خفيت، أبدل بدلالة المعنى عليه لأن الشيء إذا خفي علمه ثقل وكذلك قوله في السموات معناه على ومضمر أهل والمعنى خفيت على أهل السموات وأهل الأرض لا تأتيكم إلا بغتة يعني فجأة، ومنه قوله : (تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُف) يوسف: ٨٥ فيه مضمر ومحذوف، فمحذوفه تزال؛ ومضمره لا التي هي جواب القسم، والمعنى: قالوا تاللّّه لا تزال تفتؤا تذكر يوسف فأضمرت لا وأبدلت تزال بقوله تفتؤا وهي من مختصر الكلام وفصيحه وبليغه وهي لغة لبعض العرب وفي القرآن من كل لغة. ومن هذا قوله : (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُون) الواقعة: ٨٢ وقوله سبحانه: (بَدَّلُوا نِعْمَتَ الله كُفْراً) إبراهيم: ٢٨ معناه تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون وكذلك بدلوا شكر نعمة الله كفراً بها ومثله (فَكَأيّن مِنْ قَرْيَةٍ أهْلَكْنَاهَا) الحج: ٤٥: (وَكَأيّن مِنْ قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَهَا) الحج: ٤٨ معناه أهل قرية مثل قوله: (وَسئَلِ العَيْرَ) يوسف: ٨٢ المعنى أهل العير والعير هي الإبل المجهولة وهذا الذي تسميه النحويون المجاز، وهكذا قوله: (إنَّ هَذَ القُرْآنَ يَهْدِي لِلًَّتي هِيَ أَقْوَمْ) الإسراء: ٩ معناه للطريقة التي هي أقوم، ومثل هذا قوله : (وَقُلْ لِعَبادي يَقُولُوا الَّتي هِي أَحَسَنُ) الإسراء: ٥٣ أي يقولوا الكلمة التي هي أحسن ومثل هذا قوله: (ادْفَعْ بِالَّتي هِي َ أَحْسَنُ السَيِّئَةَ) المؤمنون: ٩٦ أي بالكلمة أو بالفعلة التي هي أحسن ومثل قوله: (إِنَّ الذينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى) الأنبياء: ١٠١ أي الكلمة الحسنى والوجه الآخر أن الحسنى اسم لا نعت فمعناه الجنة وهكذا قوله: (عَلى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) البقرة: ١٠٢ أي على عهد

стр. 91

ملك سليمان فأضمر قوله عهد، ومثل قوله: (وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلى رُسُلِكَ) آل عمران: ١٩٤ أي على ألسنة رسلك فأضمر ألسنة ومن المكنّى المضمر قوله تعالى: (وَمَا أَنْسانِيهُ إلاّ الشَّيْطَانُ) سورة الكهف: ٦٣ أضمر الحوت وذكره واسم موسى للاختصار والمعنى، وما أنساني ذكر الحوت لك إلا الشيطان ومثله قوله: (إنَّا أَنْزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ الْقَدرِ) القدر: ١ أي أنزلنا القرآن فكنّي عنه ولم يتقدّم له ذكر وكذلك قوله: (حَتّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) ص: ٣٢ يعني توارت الشمس بحجاب الليل فكنِّي عنها ولم يجرِ لها ذكر ومثله وقوله : (وَمَا يُلَقَّاهَا إلاَّ الَّذينَ صَبَرُوا) فصلت: ٣٥ أي الكلمة الطيبة أو الفعلة التي هي أحسن وبمعناه قوله تعالى: (وَلاَ يُلَقَّاهَا إلاَّ الصَّابرُون) القصص: ٨٠ يعني كلمة الزهد في الدنيا ومقالة الترغيب والرغبة في الآخرة عائد على قوله تعالى: (وَيْلَكُمْ ثَوَابٌ الله خَيْرٌ) القصص: ٨٠ أي هذه المقالة ومن المبدل المختصر قوله : (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ الله أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بالإِثْم) البقرة: ٢٠٦ معناه حملته العزة على الإثم أي حمله التعزز والأنفة على الإثم ولم يبال فأخذته بمعنى حملته بالإثم بمعنى على الإثم. ومن هذا قوله: (لاَ تأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ) البقرة: ٢٥٥ أي لا تحمله سنة ولا نوم لأن السنة تحمل العبد أي تذهب به عن التيقظ ومن المنقول المنقلب قوله : (يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِِهِ) الحج: ١٣ اللام في لمن منقولة والمعنى يدعو من لضره أقرب من نفعه ومثله: (لَتَنُوأُ بِالعُصْبَة) القصص: ٧٦ معناه لتنوء العصبة بها أي لتثقل بحملها لثقلها عليهم ومثله قوله: (وَطُورٍ سِنِين) التين: ٢ سلام على آل ياسين وهو مما قلب اسمه لازدواج الكلم المعنى طورسينا وسلام على الياسين قيل إدريس لأن في حرف ابن مسعود سلام على إدريس ونحوه جعلوا القرآن عضين أي أعضاء كأنهم عضوه فآمنوا ببعض وكفروا ببعض وبمعناه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت المعني وجعل منهم عبد الطاغوت ويصلح أن يكون معطوفاً على قوله: (مَنْ لَعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ) المائدة ٦٠، ومن (عَبَدَ الطَّاغُوتَ) المائدة: ٦٠ ومن قرأ الطاغوت بالكسر فإنه يجعل عبد أسماً وأضافه إلى الطاغوت بمعنى وعبدة وعباد وفيه خمس لغات أخرى عباد الطاغوت وعبد الطاغوت وعبدة الطاغوت وعباد الطاغوت وعبد الطاغوت، وأما عبد الطاغوت نصباً فهو بمعنى الفعل من العبادة ومن المضمر المختصر أيضاً قوله : (أَلاَ إنَّ عَاداً كَفَروا رَبَّهُمْ) سورة هود: ٦٠ ضميره إحدى كلمتين كفروا نعمة ربهم كفروا توحيد ربهم فأضمر للاختصار وانتصاب الاسم لسقوط الخافض وفيها وجه غريب إلاّ أنه محمول على المعنى لأنه أي غطوا ربهم التغطية أي غطوا آياته وما دعا إليه من الحق والمعنى كفرهم أي غطى عليهم بما غطوا ربهم هكذا حقيقة في التوحيد إذ الأولية في كل فعل منه وهم ثوان فيما بعد فهو بمعنى قوله: (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) الأنعام: ٩ اللبس التغطية.

стр. 92

ومنه قوله: (الَّذينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ الله أَوْلِيَاءً) العنكبوت: ٤١، ما نعبدهم مضمره يقولون ما نعبدهم ومثله فظلتم تفكرون إنّا لمغرمون أي يقولون إنّا لمغرمون وعلى هذا المعنى وجه قوله: (فَمَالِ هؤُلاَء الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُون حَدِيثاً) النساء: ٧٨ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك، المعنى فيه يقولون: ما أصابك على معنى الإخبار عنهم والذم لهم فهلكت بذلك القدرية لجهلهم بعلم العربية فظنوا أنه ابتداء شرع وبيان من الله وقد أحكم الله ابتداء شرعه وبيانه بأوّل الآية في قوله: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ الله) النساء: ٧٨، وقد كان ابن عباس يقول إذا اشتبه عليكم شيء من القرآن فالتمسوه في كلام العرب فإن الرجل يتلو الآية فيعيا بوجهها فيكفره وقرأتها في مصحف عبد الله بن مسعود فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً قالوا ما أصابك من حسنة فهذا كما أنبأتك وقد رأيت في مصحف عبد الله والذين اتخذوا من دونه أولياء قالوا ما نعبدهم فهذا من ذلك، ومن المضمر قوله تعالى: (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً في الأَرْضِ يَخْلُفُونَ) الزخرف: ٦٠ ليس أنه يجعل من البشر ملائكة ولكن معناه لجعلنا بدلاً منكم ملائكة ويصلح لجعلنا بدلكم بمعنى منكم، ومن المبدل له قوله : (وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) المؤمنون: ٦١ اللام بدل من الباء المعنى وهم بها سابقون لأنهم لو سبقوها لفاتتهم، وعلى هذا المعنى قال بعضهم إن قوله : (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ) الأعراف: ١٤٣، أي بالجبل كان الجبل حجاباً لموسى فكشفه عنه فتجلّى به كما قال من الشجرة أن يا موسى إنني أنا الله فكانت الشجرة وجهة لموسى كلمه الله منها ومثله: (وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوعِ النَّخْلِ) طه: ٧١ معناه على جذوع، وكذلك: (فَلا تَجْعَلْني فِي القَوْمِ الظَّالِمين) المؤمنون: ٩٤ معناه أي مع القوم وبمعناه: (أمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فيه) الطور: ٣٨ أي عليه ويصلح به وكذلك قوله: (مُسْتَكْبرينَ بِهِ) المؤمنون: ٦٧ أي عنه يعني عن القرآن، فعلى هذا مجاز قوله تعالى: (فَاسْألْ بِهِ خَبيراً) الفرقان: ٥٩ أي سل عنه، فحروف العوامل يقوم بعضها مقام بعض، ومثله قوله: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بهِ) المزمل: ١٨ أي فيه يعني في اليوم مثله: (لَئِلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌْ إلاَّ الَّذينَ ظَلَمُوا) البقرة: ١٥٠ معناه ولا الذين ظلموا فأبدلت إلا بقوله ولا يجوز أن تكون إلا مستأنفة بمعنى لكن الذين ظلموا متصلة بخبرها من قوله: (فَلا تَخْشَوْهُمْ) البقرة: ١٥٠ فهو بمعنى قوله: (لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) (إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ) النمل: ١٠ - ١١، أي لكن من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء فيكون مبتدأ لذكر خبرها بعد وبمعناه قوله تعالى: (وَلاَ تأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُم) النساء: ٢، أي مع أموالكم وكذلك قوله: (وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرَافِقِ) المائدة: ٦ أي مع المرافق لأنها داخلة في الغسل والحروف العوامل تنوب بعضها عن بعض ولو أظهر مثل هذا المضمر ووصل مثل هذا المحذوف لكانت القراءة ضعيفة.

стр. 93

ومن الموصول المكرر للبيان والتوكيد قوله : (وَمَا يَتَّبعُ الَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ الله شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ) يونس: ٦٦ قوله له: (إنْ يَتَّبِعُونَ) يونس: ٦٦ مردود ردّه للتوكيد والإفهام كأنه لما طال الكلام أعيد ليقرب من الفهم والمعنى ما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء (إِلاَّ الظَّنَّ) يونس: ٦٦ أي أتباعهم الشركاء ظن منهم غير يقين ونحوه من المكرر المؤكد قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم اختصاره الذين استكبروا لمن آمن من الذين استضعفوا فلما قدم الذين استضعفوا وكان المراد بعضهم كرر المراد بإعادة ذكر من آمن منهم للبيان ومثله: (إلاَّ آلَ لُوطٍ إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أجْمَعينَ) الحجر: ٥٩ (إلاَّ امْرَأَتَهُ) الحجر: ٦٠، فأدخل الاستثناء على الاستثناء وهو يطول في كلامهم لأنه أراد بالنجاة بعض الآل فلما أجملهم أخرج مستثنى من مستثنى وفي هذا دليل أن الأزواج من الآل لأنه استثنى امرأته من آله ومن المكرر للتوكيد قوله تعالى: (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ) القصص: ١٩، مختصره فلما أراد يبطش وقد قيل أن هذا من المختصر المضمر مما أضمر فيه الاسم وحذف منه الفعل وهو غريب، فيكون تقديره فلما أن أراد الإسرائيلي أن يبطش موسى: (بِالَّذي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا) القصص: ١٩ فلم يفعلْ، (قَالَ يَا مُوسى أتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي) القصص: ١٩ فهذا حينئذ من أخصر الكلام وأوجزه ومن المكرر المؤكد قوله : (فَيَنْظُرُ كَيْفَ كان عَاقِبَةُ الَّذينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا همْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً) غافر: ٢١ مفهومه وجائزه فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشدّ منهم قوّة فوصل بمن ووكد فكان هم أشد، وقراءتها في مصحف ابن مسعود عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشدّ قوّة ليس فيها كانوا ولا قوله هم وبمعناه وإن قصر قوله تعالى: (لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ) الزخرف: ٣٣، هذا مما طول للبيان والمعنى لجعلنا البيوت من يكفر بالرحمن فلما قدم من وهي أسماء من يكفر أعيد ذكر البيوت مؤخراً ومن المكني المبهم المشتبه قوله : (ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْداً مَمْلوكاً لاَ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍٍ) النحل: ٧٥ الشيء في هذا الموضع الإنفاق مما رزق الله وقوله تعالى: (وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) النحل: ٧٦، فالشيء في هذا الموضع الأمر بالعدل والاستقامة على الهدى وكذلك قوله: (فَإِنْ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْني عَنْ شَيْءٍ) الكهف: ٧٠ الشيء في هذا الموضع وصف مخصوص من وصف الربوبية من العلم الذي علمه الخضر ﵇ من لدنه لا يصلح أن يسأل عنه حتى يبتدئ به فلذلك كني عنه وكذلك العلم على ضربين: ضرب لا يصلح أن يبتدأ به حتى يُسأل عنه وهو مما لا يضيق علمه فلذلك وسع جهله وحسن كتمه، وعلم لا ينبغي أن يُسأل عنه من معنى صفات التوحيد ونعوت الوحدانية لا يوكل إلى العقول بل يخص بها المراد المحمول فعلم الخضر الذي شرط على موسى ﵉ أن لا يسأل عنه حتى يبادئه به من هذا النوع والله

стр. 94

غالب على أمره وقوله : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ) الطور: ٣٥ يعني الله تعالى أي كيف يكون خلق من غير خالق، ففي وجودهم ثبوت خالق فهم دلالة عليه أنه خلقهم، وروينا ذلك عن ابن عباس وعن زيد بن علي ﵄ قالا في قوله : (مِنْ غَيْرِ شيْءٍ) النحل: ٧٦، أي من غير رب كيف يكون خلق من غير خالق وقوله : (وَالله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ) النحل: ٧١ فالبعض الأوّل المفضل في الرزق هم الأحرار والبعض الآخر المفضول هم المماليك ومثله قوله تعالى: (وَقَالَ قَرينُهُ هذَا مَا لَدَيَّ عَتيدٌ) ق: ٢٣ قرنه هذا هو الملك الموكل بعلمه أحضر ما عنده مما علمه من فعله، وقوله : (قَالَ قَرينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيتُهُ) ق: ٢٧ قرينه هذا هو شيطانه المقرون به ومثله قوله تعالى: (وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ في الْغَيّ ثُمَّ لاَ يُقْصِِرونَ) الأعراف: ٢٠٢ الهاء والميم المتصلة بإخوان أسماء الشياطين والهاء والميم المتصلة بِيَمُدُّونَ أسماء المشركين أي الشياطين إخوان المشركين يمدّون المشركين في الغيّ ولا يقصرون عنهم في الإمداد وبمعنى هذا قوله تعالى: (إنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّْذينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) النحل: ١٠٠ الهاء الأولى المتصلة بِيَتَوَلَّوْنَ كناية عن إبليس والهاء المتصلة بالباء من قوله هم به هي اسم الله وقد قيل أيضاً إنها عائدة على إبليس أيضاً فيكون المعنى هم به قد أشركوا في التوحيد أي أشركوه بعبادة الله ومثل هذا قوله : (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً) العاديات: ٤ - ٥، الهاء الأولى كناية عن الحوافر وهنّ الموريات قدحاً يعني الخيل تقدح بحوافرها فتوري النار فأثرن به أي بالحوافر النقع يعني التراب والهاء الثانية كناية عن الإغارة فوسطن أي توسطن به بالإغارة وهنّ المغيرات صبحاً وسطن جمع المشركين أغاروا عليهم بجمعهم والمشركون غارون وبهذا المعنى قوله : (فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَات) الأعراف: ٥٧ الهاء الأولى عائدة على السحاب أي أنزلنا بالسحابة الماء وفي قوله به مبدل ومكنى، فالمكنى هو ما ذكرناه من أسماء السحاب والمبدل أن به بمعنى منه ومثل هذا قوله: (يَشْرَبُ بِها عِبَادُ اللهِ) الإنسان: ٦ أي منها وهو صريح قوله في المفسر: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً) النبأ: ١٤ يعني السحاب وهو قوله: (سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) الأعراف: ٥٧ وقوله في الهاء الثانية أخرجنا به من كل الثمرات يعني بالماء فجمع بين اسم السحاب والماء بالهاء فأشكل ومن البيان الثاني والثالث للخطاب المجمل قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذي أُنْزِلَ فيهِ الْقُرآن) البقرة: ١٨٥ فلم يفهم إلا أن القرآن أنزل في شهر رمضان ولم يدر أنهاراً أنزل فيه أو ليلاً، فقال في البيان الثاني: (إنَّا أَنْزَلْنَاهُ في لَيْلَةٍ مبَارَكَةٍ) الدخان: ٣، فلم يفهم منه إلا أنه أنزل منه ليلاً في ليلة مباركة ولم يدر أي ليلة هي فقال في البيان الثالث: (إنَّا أَنْزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ) القدر: ١ فهذا غاية البيان وبمعناه قوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّه واستوى آتَيْنَاهُ) يوسف: ٢٢. شياطين إخوان المشركين يمدّون المشركين في الغيّ ولا يقصرون عنهم في الإمداد وبمعنى هذا قوله تعالى: (إنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّْذينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) النحل: ١٠٠ الهاء الأولى المتصلة بِيَتَوَلَّوْنَ كناية عن إبليس والهاء المتصلة بالباء من قوله هم به هي اسم الله وقد قيل أيضاً إنها عائدة على إبليس أيضاً فيكون المعنى هم به قد أشركوا في التوحيد أي أشركوه بعبادة الله ومثل هذا قوله : (فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً) (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً) العاديات: ٤ - ٥، الهاء الأولى كناية عن الحوافر وهنّ الموريات قدحاً يعني الخيل تقدح بحوافرها فتوري النار فأثرن به أي بالحوافر النقع يعني التراب والهاء الثانية كناية عن الإغارة فوسطن أي توسطن به بالإغارة وهنّ المغيرات صبحاً وسطن جمع المشركين أغاروا عليهم بجمعهم والمشركون غارون وبهذا المعنى قوله : (فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَات) الأعراف: ٥٧ الهاء الأولى عائدة على السحاب أي أنزلنا بالسحابة الماء وفي قوله به مبدل ومكنى، فالمكنى هو ما ذكرناه من أسماء السحاب والمبدل أن به بمعنى منه ومثل هذا قوله: (يَشْرَبُ بِها عِبَادُ اللهِ) الإنسان: ٦ أي منها وهو صريح قوله في المفسر: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً) النبأ: ١٤ يعني السحاب وهو قوله: (سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ) الأعراف: ٥٧ وقوله في الهاء الثانية أخرجنا به من كل الثمرات يعني بالماء فجمع بين اسم السحاب والماء بالهاء فأشكل ومن البيان الثاني والثالث للخطاب المجمل قوله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذي أُنْزِلَ فيهِ الْقُرآن) البقرة: ١٨٥ فلم يفهم إلا أن القرآن أنزل في شهر رمضان ولم يدر أنهاراً أنزل فيه أو ليلاً، فقال في البيان الثاني: (إنَّا أَنْزَلْنَاهُ في لَيْلَةٍ مبَارَكَةٍ) الدخان: ٣، فلم يفهم منه إلا أنه أنزل منه ليلاً في ليلة مباركة ولم يدر أي ليلة هي فقال في البيان الثالث: (إنَّا أَنْزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ) القدر: ١ فهذا غاية البيان وبمعناه قوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّه واستوى آتَيْنَاهُ) يوسف: ٢٢.

стр. 95

فهذا البيان الأوّل زيادة على الأشد وهو الوصف إلاّ أنه غير مفسر ثم قال في البيان الثاني: (حَتّى إذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعينَ سَنَةً) الأحقاف: ١٥، ففسّر الأشد بالأربعين إذا كانت الواو للمدح والوصف في أحد الوجهين ومعناه الجمع قوله تعالى: (وَالْعَصْرِ) (إنَّ الإنْسَانَ لَفي خُسْرٍ) العصر: ١ - ٢ معناه أن الناس لفي خسر أي لفي خسران لقوله: (إنَّ الَّذينَ آمنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) مريم: ٩٦ ولا يستثنى جماعة من واحد وإنما يستثنى جماعة من جماعة أكثر منهم وإنما وحد الاسم للجنس وكذلك قوله تعالى: (يَا أيُّهَا الإنْسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً) الانشقاق: ٦ معناه يا أيها الناس إنكم كادحون دل عليه قوله : (فَأمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ) الانشقاق: ٧ (وَأمَّا مَنْ أُوتِي كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِه) الانشقاق: ١٠ وإنما وحد النعت لتوحيد الاسم وكذلك قوله : (وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) الأحزاب: ٧٢ معناه حملها الناس كلهم وهذا أحب الوجهين إليّ لقوله : (لِيُعَذِّبَ الله الْمُنَافِقينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكينَ وَالْمُشْرِكَاتِ) الأحزاب: ٧٣ ومثله قوله : (وَإنَّا إذَا أَذَقْنَا الإنْسانَ منَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا) الشورى: ٤٨ معناه وإنا إذا أذقنا الناس منا رحمة فرحوا بها فلما وحد الاسم وحد نعته دل عليه قوله تعالى: (وَإنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِم) الشورى: ٤٨ فأظهر الجمع ومن الجمع المراد به الواحد قوله : (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلين) الشعراء: ١٠٥ يعني نوحاً وحده لأنه لم يرسل إلى قوم نوح غيره ودلّ عليه قوله تعالى: (إذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ) الشعراء: ١٠٦، فوحّد الجمع ومثله فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء يعني بذلك النبي ﷺ وحده يوم خيبر ومن الجمع المكني قوله : (لَخَلْقُ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) غافر: ٥٧ يعني في هذا الموضع الدجال ونزل ذلك في الذكر الدجال واستعظامهم لوصفه وكذلك قوله تعالى: (الَّذينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ) آل عمران: ١٧٣ يعني رجلاً واحداً قاله لهم وهو عروة بن مسعود الثقفي، فجمع لفظه لأجل جنسه والعرب تجمع الواحد للجنس، وكذلك قيل في أحد الوجوه إن قوله : (ثُمَّ أَفيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) البقرة: ١٩٩ يعني آدم ﷺ وحده وهو أوّل من طاف بالبيت وأتاه جبريل وأشعر له المناسك وقد قرأت في بعض حروف السلف من حيث أفاض آدم فهذا شاهد له ومن المقدم والمؤخر لحسن تأليف الكلم ومزيد البيان والإظهار قوله : (مَنْ كَفَرَ بالله مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإِيمَان وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْراً) النحل: ١٠٦ اختصاره ومؤخره من كفر بالله بعد إيمانه وشرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن وكد بقوله ولكن من شرح بالكفر صدراً لما استثنى المكره وقلبه مطمئن بإيمان ولم يجعل المكره آخر الكلام لئلا يليه قوله: (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ) النحل: ١٠٦ فيتوهم انه خبره وجعل آخر الكلام فعليهم غضب من الله وهو في

стр. 96

المعنى مقدم خبر الأوّل من قوله من كفر بالله من بعد إيمانه فأخر ليليه قوله تعالى: (ذلِكَ بأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ) النحل: ١٠٧ لأنه من وصفهم فيكون هذا أحسن في تأليف الكلام وسياق المعنى وكذلك قوله تعالى: (وَقيلِهِ يَا رَبِّ إنَّ هؤُلاَءِ قَوْمٌ) الزخرف: ٨٨، هذا من المعطوف المضمر ومن المقدم والمؤخر فعاطفه قوله وعنده علم الساعة وضميره قوله وعلم قيله والمعنى وعنده علم الساعة وعلم قيله يا ربّ هذا على حرف من كسر اللام فأما من نصبها فإنه مقدم أيضاً ومحمول على أن المعنى أي وعنده علم الساعة ويعلم قيله يا ربّ، فأما من رفع اللام فقرأ وقيله فتكون مستأنفة على الخبر وجوابها الفاء من قوله: (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ) الزخرف: ٨٩ أي قوله إن هؤلاء قوم لا يؤمنون فاصفح عنهم، وقد تكون الواو في قوله وقيله للجمع مضمومة إلى علم الساعة والمعنى وعنده علم الساعة وعنده قيله يا رب جمع بينهما بعند فهذا مجاز هذه المقارى الثلاث في العربية ومما حمل على المعنى قوله : (فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً) الأنعام: ٩٦ثم قال: (وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً) الأنعام: ٩٦ فلو لم يحمل على المعنى لكانت الشمس والقمر خفضاً إتباعاً للفظ قوله فالق وجاعل ولكن معناه وجعل الشمس والقمر حسباناً وهي على قراءة من قرأ وجعل الليل سكناً متبعة لجعل ظاهر أو بمعناه قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرجُلَكُمْ) المائدة: ٦ في قراءة من نصب اللام محمولاً على معنى الغسل من قوله : (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ) المائدة: ٦ أيضاً، ومن قرأ وأرجلكم خفضاً حمله على اتباع الإعراب من قوله : (بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) المائدة: ٦ فأتبع الإعراب بالإعراب قبله لأن مذهبه الغسل لا المسح واختيارنا نصب اللام في المقروء على نصب الغسل واتباع الوجه واليدين إلا أنه روي عن ابن عباس وأنس بن مالك نزل القرآن بغسلين ومسحين وسنّ رسول الله ﷺ غسل الأقدام فنحن نفعل كما فعل. وقيله للجمع مضمومة إلى علم الساعة والمعنى وعنده علم الساعة وعنده قيله يا رب جمع بينهما بعند فهذا مجاز هذه المقارى الثلاث في العربية ومما حمل على المعنى قوله : (فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً) الأنعام: ٩٦ثم قال: (وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً) الأنعام: ٩٦ فلو لم يحمل على المعنى لكانت الشمس والقمر خفضاً إتباعاً للفظ قوله فالق وجاعل ولكن معناه وجعل الشمس والقمر حسباناً وهي على قراءة من قرأ وجعل الليل سكناً متبعة لجعل ظاهر أو بمعناه قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرجُلَكُمْ) المائدة: ٦ في قراءة من نصب اللام محمولاً على معنى الغسل من قوله : (فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ) المائدة: ٦ أيضاً، ومن قرأ وأرجلكم خفضاً حمله على اتباع الإعراب من قوله : (بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) المائدة: ٦ فأتبع الإعراب بالإعراب قبله لأن مذهبه الغسل لا المسح واختيارنا نصب اللام في المقروء على نصب الغسل واتباع الوجه واليدين إلا أنه روي عن ابن عباس وأنس بن مالك نزل القرآن بغسلين ومسحين وسنّ رسول الله ﷺ غسل الأقدام فنحن نفعل كما فعل. وقوله : (وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزِاماً وَأَجَلٌ مُسَمّىً) طه: ١٢٩ من المقدم والمؤخر، فالمعنى فيه ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاماً وبه ارتفاع الأجل ولولا ذلك لكان نصباً كاللزام فأخر لتحسين اللفظ وبمعناه قوله : (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) الأعراف: ١٨٧ المعنى يسألونك عنها كأنك حفيّ بها أي ضنين بعلمها ومثله قوله تعالى: (أَوْ نُنْسِهَا نَأَتِ بخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) البقرة: ١٠٦ أي نأت منها بخير فقدم بخير وأخر منها فأشكل ومن المؤخر بعد توسط الكلام قوله : (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) الانشقاق: ١٩ في قراءة من وحد الفعل هو متصل بقوله : (يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ إنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً) الانشقاق: ٦ لتركبن طبقاً عن طبق أي حالاً بعد حال في البرزخ فأخر الأحوال

стр. 97

للقرار في الدار وكذلك هو في قراءة من جمع فقال لتركبن أيها الناس فيكون الإنسان في معنى الناس كما ذكرناه آنفا، ويكون الجمع عطفاً على المعنى وإنما وحد للجنس فكأنه قال يا أيها الناس لتركبن طبقاً عن طبق فأخر هذا الخبر لما توسطه من الكلام المتصل بالقصة ومعناه التقديم، ومثل هذا قوله : (وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشيْطَانَ) النساء: ٨٣ وقوله: (إلاَّ قَليلاً) النساء: ٨٣ هو متصل بقوله: (لَعَلِمَهُ الَّذينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ إلاَِ قَليلاً) النساء: ٨٣ وآخر الكلام: (لاََتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ) النساء: ٨٣، وقد قيل إن قوله إلا قليلاً مستثنى من الأول في قوله: (وَإذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوفِ أَذاعُوا بِهِ) النساء: ٨٣ إلاّ قليلاً منهم وفي هذا بعد والأول أحب إليّ، وعلى هذا المعنى قرأ ابن عباس في رواية عنه لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم جعله متصلاً بقوله تعالى: (مَا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) النساء: ١٤٧ إلا من ظلم وصار آخر الكلام لا يحب الله الجهر بالسوء من القول فاصلاً ومثل هذا قوله تعالى: (وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأَرْضِ) الأنفال: ٧٣ إنما هو من صلة قوله: (وَإن اسْتَنْصَرُوكمْ في الدّينِ فَعَلَيْكمُ النَّصْرُ) الأنفال: ٧٢ إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض. وكذلك قوله في أوّل السورة: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَريمٌ) الأنفال: ٧٤ كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ليس هذا من صلة الكلام إنما هو مقدم ومتصل في المعنى بقوله: (قُلِ الأَنْفَالُ لله والرَّسُول) الأنفال: ١ و (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالحَقِّ) الأنفال: ٥، أي فصارت أنفال الغنائم لك إذ أنت راضٍ بإخراجك وهم كارهون فاعترض بينهما الأمر بالتقوى والإصلاح والوصف بحقيقة الإيمان والصلاح فأشكل فهمه، وعلى هذا قوله : (حَتّى تُؤْمِنُوا بِالله وَحْدَهُ إلاّ قَوْلَ إبْراهيمَ لأبيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ) الممتحنة: ٤ إنما هو موصول بقوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهيمَ وَالََّذينَ مَعَهُ إلاّ قَوْلَ إبْراهيمً لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَك) الممتحنة: ٤ لأنها نزلت في قولهم فقد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك عند قوله: لأستغفر لك ربّي فقالوا: فهلاّ نستغفر لآبائنا المشركين، فنزلت هذه الآية ليستثني القدوة في إبراهيم في هذا ثم نزلت الآية الأخرى معذرة له أوعده إياه إلى أن علم موته على الكفر فقال وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه الآية، وكذلك قوله : (وَرَضيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ ديناً فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ) المائدة: ٣، وهذا متصل بقوله: (حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ) النحل: ١١٥ إلى آخر المحرمات، ثم قال: (فَمَنْ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ) المائدة: ٣ يعني مجاعة ومثل ما ذكرناه من علم القرآن كثير وإنما نبهنا بيسير على كثير ودللنا بنكت على جم غفير ليستدل بما ذكرناه على نحوه ويتطرق به إلى مثله وهذا كله على ضروب كلام العرب

стр. 98

ومعاني استعمالهم ووجوه استحسانهم أنه في كلامهم المطوّل للبيان والمختصر للحفظ والمقدم والمؤخر للتحسين وكله فصيح بليغ، لأن وصف البلاغة عندهم رد الكثير المنثور إلى القليل المجمل وبسط القليل المجمل إلى المبثوث المفسر فالمقصر من الكلام عندهم مع الحاجة إلى المعاني المتفرقة عجز والمطول منه مع الاكتفاء بالمعنى الجامع منه عيّ، فلما خاطبهم بكلامهم أفهمهم بعقولهم ومستعملاتهم ليحسن ذلك عندهم فيكون حجة عليهم من حيث يعقلون لأنه أمرهم بما يعلمون وما يستحسنون حكمة منه ولطفاً، فذلك أيضاً على هذه المعاني يفهم الخصوص من مكانهم ومشهدهم على علوّ مقامهم في مكان ما أظهر لهم من العلم به ونصيب ما قسم لهم من العقل عنه، فهم متفاوتون في الأشهاد والفهوم حسب تفاوتهم في الأنصبة من العقول والعلوم إذ القرآن عموم وخصوص ومحكم ومتشابه وظاهر وباطن؛ فعمومه لعموم الخلق، وخصوصه لخصوصهم وظاهره لأهل الظاهر وباطنه لأهل الباطن والله واسع عليم. فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فإذا صفا القلب بنور اليقين وأيد العقل بالتوفيق والتمكين وتجرد الهم من التعلق بالخلق وتأله السر بالعكوف على الخالق وخلت النفس من الهوى سرت الروح فجالت في الملكوت الأعلى كشف القلب بنور اليقين الثاقب ملكوت العرش عن معاني صفات موصوف وأحكام خلاق مألوف وباطن أسماء معروف وغرائب علم رحيم رؤوف فشهد عن الكشف أوصاف ماعرف فقام حينئذ بشهادة ما عرف فكان ممن قال سبحانه: (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) البقرة: ١٢١، فحق التلاوة للمؤمنين لأنه إذا أعطاه حقيقة من الإيمان أعطاه مثلها من معناه ومعدنها حقيقة من مشاهدة، فكانت تلاوته عن مشاهدة وكان مزيده عن معنى تلاوته وكان ذلك على معيار حقيقة من إيمانه كما قال: (وإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إيماناً) الأنفال: ٢، أولئك هم المؤمنون حقّاً فيكون العبد بوصف من نعت بالحضور والإنذار وخص بالمزيد والاستبشار في قوله : (فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرينَ) الأحقاف: ٢٩ وفي قوله : (فَزَادَتْهُمْ إيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) التوبة: ١٢٤ ويكون من نعت من مدحه بالعلم وأثنى عليه بالرجاء وصفه بالخوف في قوله تعالى: (يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذينَ لاَ يَعْلَمُونَ) الزمر: ٩، وقال : (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً) السجدة: ١٦ فكان هذا من أهل الله وخاصته ومن محبيه وخالصته. كما روينا عن رسول الله ﷺ أهل القرآن أهل الله وخاصته من خلقه وقال ابن مسعود لا على أحدكم أن يسأل عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله وإن لم يكن يحب القرآن فليس يحب الله وهذا كما قال لأنك إذا أحببت متكلماً أحببت كلامه وإذا كرهته كرهت مقاله، وقال أبو محمد سهل: من علامة الإيمان حب الله عزّ

стр. 99

وجلّ، ومن علامة حب الله حب القرآن ومن علامة حب القرآن حب النبي ﷺ ، وعلامة حب النبي ﷺ اتباعه، وعلامة اتباعه الزهد في الدنيا، وحدثونا عن بعض المريدين قال: كنت في جدة إرادتي قد لهجت بتلاوة القرآن ثم رهقتني فترة فبقيت أياماً لا أقرأ فهتف بي هاتف من قبل الله : إن كنت تحبني فلم جفوت كتابي أما ترى ما فيه من لطيف عتابي وقال بعض العارفين لا يكون المريد مريداً حتى يجد في القرآن كل ما يريد ويعرف منه النقصان والمزيد ويستغني بالمولى عن العبيد وأقل ما قيل في العلوم التي يحويها القرآن من ظواهر المعاني المجموعة فيه أربعة وعشرون ألف علم وثمانمائة علم إذ لكل آية علوم أربعة: ظاهر، وباطن، وحد، ومطلع، وقد يقال إنه يحوي سبعة وسبعين ألف علم ومائتين من علوم إذ لكل كلمة علم وكل علم وصف فكل كلمة تقتضي صفة وكل صفة موجبة أفعالاً حسنة وغيرها على معانيها فسبحان الفتّاح العليم.

стр. 100

الفصل الثامن عشر كتاب ذكر الوصف المكروه من نعت الغافلين فإذا خالف التالي هذا الوصف الذي شرحناه أو كان على ضد ذلك من السهو والغفلة والعمى والحيرة محدثاً لنفسه مصغياً إلى هواه ووسوسة عدوّه متوهماً للظنون عاكفاً على الأماني حقت عليه أن يكون بمعاني ما قال الله : (وَمِنْهُمْ أُمِيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلاّ أَمَانِيَّ) البقرة: ٧٨ يعني إلا تلاوة القرآن لا غير وإن هم إلا يظنون فوصفهم بالظن وهو ضد اليقين، كما أخبر عن الظانين في قولهم: إن نظن إلا ظنّاً وما نحن بمستيقنين وبمعنى ما قال: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ في السَّمَواتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) يوسف: ١٠٥، فالقرآن من أجل آيات الأرضين والسموات الدالة على فاطرهما ومنزله، وكان يوصف من يهدده بعلمه فيه عند استماعه لكلامه العزيز متهاوناً به مناجياً لغيره أن يقول تعالى: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى) الإسراء: ٤٧، وبمثل من يسمع وقلبه مشغول عن المسموع بما يضره عما ينفعه حتى إذا خرج عن الكلام سأل من حضر بقلبه ماذا فهم من الخطاب الذي كان هو عنه بغفلته قد غاب وقد كان حاضراً بجسمه حجة عليه فمن ذلك قوله : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إلَيْكَ حَتّى إِذاَ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً) محمد: ١٦، قال الله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذينَ طَبَعَ الله عَلى قُلُوبِهِمْ) محمد: ١٦ أي عن فقه الخطاب فلم تسمعه القلوب ولم تعه واتبعوا أهواءهم يعني أباطيلهم وظنونهم الكاذبة، ويقال: إن العبد إذا تلا القرآن واستقام نظر الله إليه برحمته فإذا قرأ القرآن وخلط ناداه الله ما لك ولكلامي وأنت معرض عني دع عنك كلامي إن لم تتب إليّ. وروينا في الإسرائيليات أوحى الله إلى نبيه موسى وداود ﵉ مر عصاة بني إسرائيل أن لا يذكروني فإني آليت على نفسي أن أذكر من ذكرني وإني أذكرهم بلعنة وكان بوصف من أخبر عنه إذ يقول تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الأَذْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا) الأعراف: ١٦٩ الآيَة، وهذا وصفهم الظن الكاذب والرجاء المختلف اللذان لم يفترقا إلى خوف وإشفاق عصوا خالقهم عاجلاً وتمنوا عليه

стр. 101

المغفرة آجلاً جهلاً منهم بحكمته وإعراضاً عن أحكامه، قال الله : (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ ميثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لاَ يَقُولُوا عَلَى الله إلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فيهِ) الأعراف: ١٦٩، ثم أخبر عن علمهم بذلك علم قول وخبر لا علم يقين ومعاينة، قال سبحانه: (وَدَرَسُوا مَا فِيهِ) الأعراف: ١٦٩ أي قرؤوا هذا وعلموه ولم يعملوا به فلم ينتفعوا بشيء منه، فكان هذا توبيخاً لهم وتقريعاً كقوله تعالى: (قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ) البقرة: ٩٣ وفيها وجه غريب ودرسوا ما فيه أي محوه بترك العمل به والفهم له من قولك: درست الريح الآثار إذا محتها وخط دارس وربع دارس إذا محي وعفي أثره وهذا المعنى مواطئ لقوله تعالى: (نَبَذَ فَريقٌ مِنَ الَّذينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ الله وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) البقرة: ١٠١ واتبعوا ما تتلو الشياطين أي ما تتبع وتهوى ومواطئ لقوله تعالى: (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرُوْا بِهِ ثَمَناً قَليلاً فَبِئسَ مَا يَشْتَروُنَ) آل عمران: ١٨٧ فسمي ترك العمل منهم به في كل حالة طرحاً له وإلقاء ونفياً له وبيعاً له وبالدنيا اشتراء وكل آية في التهدد والوعيد فللخائفين منها وعظ وتخويف وللغافلين عنها وصف وتعريف علمه من علمه كقوله تعالى في ذكر النار: (ذلِكَ يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّْقُونِ) الزمر: ١٦، وقال في خبرها أعدت للكافرين، وقال بعض السلف: إن العبد ليفتتح سورة فتصلّي عليه الملائكة حتى يفرغ منها وإن العبد ليفتتح سورة فتلعنه حتى يفرغ منها، فقيل: وكيف ذلك؟ قال إذا أحل حلالها وحرم حرامها صلت عليه وإلا لعنته، وقال بعض العلماء: إن العبد ليتلو القرآن فيلعن نفسه وهو لا يعلم يقول ألا لعنة الله على الظالمين وهو ظالم ألا لعنة الله على الكاذبين وهو منهم، وقال سفيان في قوله تعالى: (سَأَصرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) الأعراف: ١٤٦، قال: أصرف عنهم فهم القرآن، وفي الخبر عن رسول الله ﷺ إذا عظمت أمتي الدنيا والدرهم نزع منها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرموا بركة الوحي، قال الفضيل: حرموا فهم القرآن وفي الأخبار من ذم قراءة البطالين أكثر من أن تذكر، فمنها ما روي عن النبي ﷺ أنه قال أكثر منافقي أمتي قراؤها، وكان الحسن يقول: إنكم اتخذتم قراءة القرآن مراحل وجعلتم الليل جملاً فأنتم تركبونه فتقطعون به مراحله وإن من كان قبلكم رأوه رسائل أتتهم من ربّهم فكانوا يتدبرونها بالليل وينفذونها بالنهار، وكان ابن مسعود من قبله يقول أنزل عليهم القرآن ليعملوا به فاتخذوا دراسته

стр. 102

عملاً إن أحدهم ليتلو القرآن من فاتحته إلى خاتمته ما يسقط منه حرفاً وقد أسقط العمل به. وفي حديث ابن عمر وحديث جندب لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن فتنزل السورة على محمد ﷺ فنتعلم حلالها وحرامها وأمرها وزجرها وما ينبغي أن يقف عليه منها كما تعلمون أنتم القرآن، ثم بعد لقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرآ ما بين فاتحته إلى خاتمته لا يدري ما أمره ولا زجره ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه فينثره نثر الدقل وهذا كما قال لأن المراد والمقصود بالقرآن الائتمار لأوامره والانتهاء عن زواجره إذ حفظ حدوده مفترض ومسؤول عنه العبد ومعاقب عليه وليس حفظ حروفه فريضة ولا عقاب على العبد إذا لم يحفظ ما وسعه منه قال الله : (إنَّا سَنُلْقي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقيلاً) المزمل: ٥ أي العمل به ثقيل وإلا فقد يسره للذكرى، ومن ذلك الخبر المأثور عن رسول الله ﷺ اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم ولانت له جلودكم فإذا اختلفتم فلستم تقرؤونه وفي بعضها فإذا اختلفتم فقوموا عنه. وحدثني شيخ فاضل قرأت عليه القرآن قال: قرأت القرآن على شيخ لي فلما ختمت رجعت إليه لأقرأ فانتهرني وقال: جعلت القرآن عليّ عملاً اذهب فأقرأ على الله فانظر ماذا يسمعك منه ويفهمك عنه وقد كان من أصحاب رسول الله ﷺ من لا يحفظ إلا الجزئ والجزءَين والسور المعدودة وسورتين وكان من يحفظ الحزب منه وهو السبع أو البقرة والأنعام علماً فيهم، وقبض رسول الله ﷺ عن عشرين ألف صحابي لم يقرؤوا القرآن غير نظر فلم يحفظ القرآن كله منهم إلا ستة اختلف منهم في اثنين، وقال بعضهم: ولم يكن جمعه من الخلفاء الأربعة أحد، وختم ابن عباس على أبي بن كعب وقرأ عبد الرحمن ابن عوف على ابن عباس وقرأ عثمان بن عفان على زيد بن ثابت وقرأ أهل الصفة على أبي هريرة، وكلهم كان متبعاً لأوامره مجتنباً لزواجره عالماً به فقيهاً فيه، وقال يوسف بن أسباط: وقد قيل له إذا ختمت القرآن بأي شيء تدعو؟ فقال بأي شيء أدعو أستغفر الله مائة مرة من تلاوتي، وكان يقول: إني لأهم بقراءة القرآن فإذا ذكرت ما فيه خشيت المقت فأعدل إلى التسبيح والإستغفار وأعلم أن للعبد في قراءة القرآن بحسب ما له من تعظيمه والفهم له والمشاهدة منه والمعاملة به لأنه من أكبر شعائر الله في خلقه وأعظم آياته في أرضه الدالات عليه وأسبغ نعمه الكاملة علينا وللعبد من التعظيم له بقدر تقواه، وله من فهم الخطاب وتعظيم الكلام على نحو ما أعطي من معرفة المتكلم وهيبته وإجلاله فإذا عظم المتكلم في قلبه وكبر في فهمه أنعم تدبر كلامه وأطال الفكر في خطابه وأكثر ترداده وتكريره على قلبه وأسرع بذكره عند النازلة به والحاجة إليه فاتقى وحذى ولذلك قال سبحانه: (وَاذْكُرُوا مَا فيهِ لَعَلَكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة: ٦٣ وقال كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ولعلهم يتذكرون لأن كل

стр. 103

كلام موقوف على قائله يعظم بتعظيمه ويقع في القلب بعلو مكانه أو يهون بسهولة شأنه، قال الله : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيءْ) الشورى: ١١ في العظمة والسلطان وليس ككلامه كلام في الأحكام والبيان، وقرأت في سورة الحنين من التوراة: يا عبدي أما تستحي مني يأتيك كتاب من بعض إخوانك وأنت في الطريق تمشي فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرؤه وتتدبره حرفاً حرفاً حتى لا يفوتك شيء منه، وهذا كتابي أنزلته إليك أنظر كم وصلت لك فيه من القول وكم كررت عليك فيه فتأملت طوله وعرضه ثم أنت معرض عنه، أفكنت أهون عليك من بعض إخوانك أي عبدي يقعد إليك بعض إخوانك فتقبل عليه بكل وجهك وتصغي إلى حديثه بكل قلبك فإن تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه أومأت إليه أن كف وها أنا ذا مقبل عليك ومحدث لك وأنت معرض بقلبك عني فجعلتني أهون عندك من بعض إخوانك أو كما قال وإنما خف القيام على أهل الليل لفهم الخطاب وثقل على أهل النوم لانفصام القلوب عن الفقه وشدة الحجاب كما قال تعالى: (ثَقُلَتْ في السَّمَواتِ وَالأََرْضِ) الأعراف: ١٨٧ أى خفي علمها يعني الساعة فثقلت عليهم فسمي ما خفي علمه ثقيلاً والله أعلم.

стр. 104

الفصل التاسع عشر كتاب الجهر بالقرآن ما في ذلك من النيات وتفصيل حكم الجهر والإخفات روينا عن رسول الله ﷺ أنه قال: فضل قراءة السرّ على قراءة العلانية كفضل صدقة السرّ على صدقة العلانية، وفي لفظ آخر الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر به كالمسر بالصدقة، وفي الخير العام يفضل عمل السرّ على عمل العلانية بسبعين ضعفاً، وفي مثله من العموم خير الرزق ما يكفي وخير الذكر الخفي، وفي الخبر لا يجهر بعضكم على بعض في القراءة بين المغرب والعشاء، وسمع سعيد بن المسيب ذات ليلة في مسجد رسول الله ﷺ عمر بن عبد العزيز يجهر بالقرآن في صلاته وكان حسن الصوت فقال لغلامه برد اذهب إلى هذا المصلي فمره أن يخفض من صوته، فقال الغلام: إن المسجد ليس لنا وإن للرجل فيه نصيباً فرفع سعيد صوته فقال: يا أيها المصلي إن كنت تريد الله بصلاتك فاخفض صوتك وإن كنت تريد الناس فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً، قال: فسكت عمر وخفف ركعته فلما سلم أخذ نعليه وانصرف، وهو يومئذٍ أمير المدينة، وعلى ذلك فقد كان رسول الله ﷺ يسمع جماعة من أصحابه يجهرون بالقراءة في صلاة الليل فيصّوب ذلك لهم ويسمع إليهم وقد أمر بالجهر. فيما روي عنه إذا قام أحدكم من الليل يصلي فليجهر بقراءته فإن الملائكة وعمار الدار يستمعون إلى قراءته ويصلون بصلاته ومرّ رسول الله ﷺ على ثلاثة من أصحابه في الليل مختلفي الأحوال؛ منهم من كان يخافت وهو أبو بكر ﵁ فسأله عن ذلك فقال: إن الذي أناجيه هو يسمعني ومنهم من كان يجهر وهو عمر ﵁ فسأله عن ذلك فقال: أوقظ الوسنان وأزجر الشيطان، ومنهم من كان يقرأ آياً من هذه السورة ومن هذه السورة وهو بلال فسأله عن ذلك فقال: أخلط الطيب بالطيب فقال: كلكم قد أحسن وأصاب فنقول: والله أعلم إن المخافتة بالقراءة أفضل إذا لم تكن للعبد نية في الجهر أو كان ذاهباً عن المهمة والمعاملة بذلك لأنه أقرب إلى السلامة وأبعد من دخول الآفة وإن الجهر أفضل لمن كان له نية في الجهر ومعاملته مولاه به لأنه قد قام بسنة قراءة الليل لأن المخافت نفعه لنفسه والجهر نفعه له ولغيره وخير الناس من ينفع الناس

стр. 105

والنفع بكلام الله أفضل المنافع ولأنه قد أدخل عملاً ثانياً يرجو به قربة ثانية على عمله الأول فكان في ذلك أفضل وليجعل العبد مفتاح درسه أن يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، رب أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون، وليقرأ (قُلْ أعُوذُ برَبِّ النَّاس) الناس: ١، وسورة: الحمد قبلها، وليقل عند فراغه من كل سورة: صدق الله، وبلغ رسول الله، اللهم انفعنا به، وبارك لنا فيه، الحمد لله رب العالمين، أستغفر الله الحي القيوم، ومن حفظ جوارحه وقلبه عن المنهي فقد عمل بالقرآن إلى خاتمه لأنه مقسط على جملة العبد وجوارحه جملة، وفي الجهر بالقراءة سبع نيات منها الترتيل الذي أمر به، ومنها تحسين الصوت بالقرآن الذي ندب إليه في قوله ﷺ زينوا القرآن بأصواتكم، وفي قوله: ليس منا من لم يتغن بالقرآن أي يحسن به صوته وهو أحد الوجهين وأحبهما إلى أهل العربية، والوجه الآخر أي من لم يستغن به من الغنية والاكتفاء، وقد يقال: من هذا الوجه يتغانى به ومنها أن يسمع أذنيه ويوقظ قلبه ليتدبّر الكلام ويتفهم المعاني ولا يكون ذلك كله إلا في الجهر؛ ومنها أن يطرد الشيطان والنوم عنه برفع صوته، ومنها أن يرجو بجهره يقظة نائم فيذكر الله ، فيكون هو سبب إحيائه؛ ومنها أن يراه بطال غافل فينشط للقيام ويشتاق إلى الخدمة فيكون معاوناً له على البرّ والتقوى؛ ومنها أن يكثر بجهره تلاوته ويدوم قيامه على حسب عادته للجهر، ففي ذلك كثرة عمله، فإذا كان العبد معتقداً لهذه النيات طالباً لها ومتقرباً إلى الله عالماً بنفسه مصححاً لقصده ناظراً إلى مولاه الذي استعمله فيما يرضاه فجهره أفضل لأن له فيه أعمالاً وإنما يفضل العمل بكثرة النيات فيه وارتفع العلماء وفضلت أعمالهم بحسن معرفتهم بنيات العمل واعتقادهم لها فقد يكون في العمل الواحد عشر نيّات يعلم ذلك العلماء فيعملون بها فيعطون عشرة أجور وأفضل الناس في العمل أكثرهم نية فيه وأحسنهم قصداً وأدباً وفي بعض التفاسير في قوله (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) الضحى: ١١، قال: قراءة القرآن. وفي الخبر من استمع إلى آية من كتاب الله كانت له نوراً يوم القيامة، وفي خبر آخر كتب له عشر حسنات والتالي شريك المستمع في الأجر لأنه أكسبه ذلك، وقال بعضهم: للقارئ أجر وللمستمع أجران، وقال آخر: للمستمع تسعة أجور وكلاهما صحيح، لأن كل واحد منهما على قدر إنصاته ونيته، فإذا كان التالي مكسباً لغيره هذه الأجور فإن له بكل أجر أكسبه إياه أجراً يكتسبه لقوله ﷺ الدال على الخير كفاعله سيما إذا كان عالماً بالقرآن فقيهاً فيه فيكون مقراه ووقوفه حجة وعلماً لسامعه، وفي الخبر أن رسول الله ﷺ كان ينتظر عائشة ﵂ فأبطأت عليه، فقال: ماحبسك؟ فقالت: يارسول الله كنت أستمع قراءة رجل ماسمعت صوتاً أحسن منه، فقام ﷺ حتى استمع إليه طويلاً ثم رجع فقال: هذا سلام مولى أبي حذيفة الحمد لله

стр. 106

الذي جعل في أمتي مثله واستمع أيضاً ذات ليلة إلى قراءة عبد الله بن مسعود ومعه أبو بكر وعمر ﵃ فوقفوا طويلاً ثم قال: من أراد أن يقرأ القرآن غضاً كما أنزل فليقرأ على قراءة ابن أم عبد، وقال رسول الله ﷺ لابن مسعود: اقرأ فقال يارسول الله أقرأ وعليك أنزل، فقال إني أحب أن أسمعه من غيري فكان يقرأ وعينا رسول الله ﷺ تفيضان وذلك عند قوله: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً، واستمع رسول الله ﷺ إلى قراءة أبي موسى فقال: لقدأوتي هذا مزماراً من مزامير داود فبلغ ذلك أبا موسى فقال: يا رسول الله لو علمت أنك تسمع إليّ لحبرت لك تحبيراً، وكان ابن مسعود يأمر علقمة بن قيس أن يقرأ بين يديه فيقول له: رتل فداك أبي وأمي، وكان حسن الصوت بالقرآن، وفي الخبر كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا اجتمعوا أمروا أحدهم أن يقرأ سورة من القرآن. وقد كان عمر يقول لأبي مسعود ﵄: ذكرنا ربنا فيقرأ عنده حتى كاد وقت الصلاة أن يتوسط فيقال: ياأمير المؤمنين الصلاة الصلاة، فيقول: أولسنا في صلاة؟ فكأنه يتأول قوله ، ولذكر الله أكبر، وقال بعض عباد البصريين لما وضع بعض البغدادين كتاباً في معاني الرياء ودقائق آفات النفوس، قال: لقد كنت أمشي بالليل أسمع أصوات المتهجدين كأنها أصوات الميازيب، فكان في ذلك أنس وحث على الصلاة والتلاوة حتى جاء البغداديون بدقائق الرياء وخفايا الآفات فسكت المتهجدون فلم يزل ذلك ينقص حتى ذهب وانقطع وترك إلى اليوم، فإن لم يكن للتالي نية في شيء مما ذكرناه وكان ساهياً غافلاً عن ذلك وكان واقفاً مع شيء من الآفات أو لمح في قلبه شخص أو ساكن ذكرى هوى فقد اعتل فعليه أن يحتمي الجهر فإن جهر على ثقل قلبه فسد عمله لاستكنان الداء فيه وكان إلى النقصان أقرب ومن الإخلاص أبعد فعليه حينئذ بالإخلاص فهو دواؤه يعالج به حاله فإنه أصلح لقلبه وأسلم لعمله وأحمد في عاقبته، وقد يكون العبد واجداً لحلاوة الهوى في الصلاة والتلاوة وهو يظن أن ذلك حلاوة الإخلاص وهذا من دقيق شأن الشهوة الخفية ولطيف الانتقاص، وقد يلتبس ذلك على الضعفاء ولا يفطن له إلا العلماء، وإنما يجد حلاوة الإخلاص الزاهدون في الدنيا وفي مدح الناس لهم به ويتلذذون بنصح المعاملة وصدق الخدمة المحبون لله الخائفون منه واعتبار فقد ذلك بأحد شيئين: سقوط النفس باستواء المدح والذم وهذا حال في مقام الزهد، أو الخلو من القلب بشهادة اليقين وهذا في مقام المعرفة، وفي هذين المقامين يستوي السر والعلانية وقد تكون العلانية أفضل لأئمة التقوى والعدل. وحدثت عن رجل من أهل الخير قال: كنت أقرأ في السحر في غرفة لي شارعة

стр. 107

سورة طه فلما ختمتها غفوت بعدها فرأيت شخصاً نزل من السماء بيده صحيفة بيضاء فنشرها بين يدي فإذا فيها سورة طه وإذا تحت كل كلمة عشر حسنات مثبتة إلا كلمة واحدة فإني رأيت مكانها محواً ولم أرَ تحتها شيئاً فغمني ذلك فقلت: قد والله قرأت هذه الكلمة ولم أرَ لها ثواباً ولا أراها أثبتت فقال الشخص صدقت قد قرأتها وكتبناها لك الا أنا سمعنا منادياً ينادي امحوها وأسقطوا ثوابها فمحوناها فبكيت في منامي وقلت: لم فعلتم ذلك قالوا: مرّ رجل فرفعت صوتك بها لأجله فمحوناها. وقد روينا أن النبي ﷺ سمع رجلاً يجهر بقراءته فناداه: يافلان أسمع الله ولا تسمعني واعلم أن السمعة مقرونة بالرياء ومحكوم لها بحكمه من فساد العمل ونقصان العامل وهي مأخوذة من السمع، كان العبد يسمع بعمله غير الله ويحب أن يسمع به مخلوقاً ليمدحه به لغلبة هواه وضعف نفسه فيكون قد أشرك في عمله غير الله فيبطل عمله لجهله بالتوحيد إذ لو علم يقيناً أن لا نافع إلا الله ولاضار ولا معطي ولا مانع إلا إياه خلص له توحيد من الشرك فخلص له عمله من الرياء، وكذلك الرياء مأخوذ من رأي العين فالسمعة هي بمعناه، وفي الخبر: لايقبل الله من مسمع ولا مراء، وفي خبر آخر: من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به وصغره وحقره، فأما من كانت له نية صالحة في أن يسمع أخاه كلام الله ليتعظ به ويتدبره أو ينتفع باستماعه ويتذكر به فليس داخلاً في السمعة لوجود حسن النية وصحة القصد ولفقد اقتران الآفة لإرادة طمع عاجل من مدح أو غرض دنيا، كماقال أبو موسى لرسول الله ﷺ : لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيراً، فلم ينكر عليه لأنه ذو نية في الخير وحسن قصد به، وقال الآخر الذي رفع صوته بالآية أسمع الله ولاتسمعني فأنكر عليه لما شهد السمعة فيه. وقد روينا أنه ﷺ مرّ برجل يظهر التأوّه والوجل فقال: من كان معه يارسول الله؟ أتراه مرائياً؟ فقال: لابل أوّاه منيب واعلم أن الأكل والنوم على السلامة والصدق أفضل في الحال وأرفع في المقام وأحمد في المآل من القيام والصيام على يسير من التصنع والتزين للخلق، ومعرفة هذا والقيام به هو موضع علم العلماء بالله ، وحدثنا عن الحسن البصري قال: تفقد الحلاوة في ثلاث: فإن وجدتها فابشر وامض لقصدك وإن لم تجدها فاعلم أن بابك مغلق عند تلاوة القرآن وعند الذكر وفي السجود وزاد غيره وعند الصدقة وبالأسحار وقراءة القرآن في المصحف أفضل من قراءته عن ظهر قلب، يقال: الختمة بسبع ختم لأن النظر في المصحف عبادة وكان كثير من الصحابة والتابعين يقرؤون في المصحف ويستحبون أن لا يخرجوا يوماً إلا نظروا فيه وخرق عثمان مصحفين من كثرة درسه فيهما.

стр. 108

الفصل العشرون في ذكر أحياء الليالي المرجوّ فيها الفضل المستحب إحياؤها وذكر مواصلة الأوراد في الأيام الفاضلة ويستحب إحياء خمس عشرة ليلة في السنة خمس منها في شهر رمضان وهي وتر ليالي العشر الأخير منه وليلة سبع عشرة من رمضان هي صبيحة يوم الفرقان يوم التقى الجمعان فيه كانت وقعة بدر وكان ابن الزبير يذهب إلى أنها ليلة القدر وأما التسعة الأخر فأوّل ليلة من شهر المحرم وليلة عاشوراء وأوّل ليلة من شهر رجب وليلة النصف منه وليلة سبع وعشرين منه وفيه أسري برسول الله ﷺ ليلة المعراج وليلة عرفة وليلة العيدين وليلة النصف من شعبان وقد كانوا يصلون في هذه الليلة مائة ركعة بألف مرة: قل هو الله أحد عشراً في كل ركعة ويسمون هذه الصلاة صلاة الخير ويتعرفون بركتها ويجتمعون فيها وربما صلوها جماعة. وروينا عن الحسن قال: حدثني ثلاثون من أصحاب النبي ﷺ أن من صلّى هذه الصلاة في هذه الليلة نظر الله إليه سبعين نظرة وقضى له بكل نظرة سبعين حاجة أدناها المغفرة، وقد قيل: إن هذه الليلة هي التي قال الله فيها (فيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكيمٍ) الدخان: ٤، وأنه ينسخ فيها أمر السنة وتدبير الأحكام إلى مثلها من قابل والله أعلم، والصحيح من ذلك عندي أنه في ليلة القدر وبذلك سميت لأن التنزيل يشهد له إذ في أوّل الآية إنا أنزّلناه في ليلة مباركة ثم وصفها فقال: فيها يفرق كل أمر حكيم، فالقرآن انما أنزل في ليلة القدر فكانت هذه الآية بهذا الوصف في هذه الليلة مواطئة لقوله : (إنَّا أَنْزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ) القدر: ١. ذكر مواصلة الأوراد في الأيام الفاضلة وهي تسعة عشر يوماً تستحب فيها مواصلة الأوراد والدأب في العبادة يوم عاشوراء ويوم عرفة ويوم سبعة وعشرين من رجب ويوم سبعة عشر من شهر رمضان ويوم النصف من شعبان ويوم الجمعة ويوم العيد والأيام المعلومات وهي عشر ذي الحجة والأيام المعدودات وهي أيام التشريق، وفي الخبر صوم يوم عرفة يكفر سنتين سنة ماضية وسنة مستقبلة، وصوم يوم عاشوراء كفارة سنة.

стр. 109

وقد روينا عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ : إذا سلم يوم الجمعة سلمت الأيام وإذا سلم شهر رمضان سلمت السنة وقال بعض علمائنا: من أخذ مهناه في هذه الأيام الخمسة في الدنيا لم ينل مهناه في الآخرة وقال هذه الأيام يرجى فيها الفضل من الله والمزيد، فإذا اشتغلت فيها بهواك وعاجل الدنيا فمتى ترجو الفضل والمزيد يعني بالأيام الخمسة العيدين ويوم الجمعة ويوم عرفة ويوم عاشوراء، ومن فواضل الأيام بعد هذه يوم الاثنين ويوم الخميس يومان ترفع فيهما الأعمال إلى الله ، ومن الفاضل الشهور الأربعة الحرم وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب خصهن الله بالنهي عن الظلم فيهن لعظم حرمتهن، فكذلك الأعمال لها فيهن فضل على غيرها وأفضلها ذو الحجة لوقوع الحج فيه ولما خصّ به من الأيام المعلومات والأيام المعدودات ثم ذو القعدة لجمعه الوصفين معاً وهو من الأشهر الحرم ومن أشهر الحج فأما المحرم ورجب فليسا من أشهر الحج، وأما شوّال فليس من أشهر الحرم ولكنه من أشهر الحج وأفضل الأيام في الشهر العشران العشر الآخر والعشر الأوّل من ذي الحجة وبعدهما عشر المحرم من أوله فالأعمال في هذه الأيام لها فضل ومزيد على سائر الشهور. وروينا عن رسول الله ﷺ : من صام ثلاثة أيام من شهر حرام بعده الله من النار سبعمائة عام يوم الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت، وفي خبر آخر صوم يوم من شهر حرام يعدل صوم ثلاثين يوماً من غيره، وصوم يوم من شهر رمضان يعدل صوم ثلاثين يوماً من شهر حرام، ثم إن أفضل الأوقات في جملة الأيام أوقات الصلوات الخمس. وروينا أن رسول الله ﷺ كان إذا دخلت العشر الأواخر من شهر رمضان طوى الفراش وشد المئزر، وفي حديث آخر: إذا دخلت العشر الأواخر دأب وأدأب أهله يعني أدام وأداموا التعب والنصب في العبادة، وفي الخبر عن رسول الله ﷺ ما من أيام العمل فيهن أفضل وأحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة، إن صوم يوم منه يعدل صيام سنة وقيام ليلة منه يعدل قيام ليلة القدر، قيل: ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع منهما بشيء، وفي لفظٍ آخر إلا من عقر جواده وأُهْرِقَ دمه، واذا أحب الله عبداً استعمله في الأوقات الفاضلة بأفضل الأعمال ليثيبه أفضل الثواب وإذا مقت عبداً استعمله بأسوأ الأعمال في أفاضل الأوقات ليضاعف له السيّئات بانتقاص حرمات الشعائر وانتهاك المحرمات في الحرمات، ويقال من علامات التوفيق ثلاث: دخول أعمال البرّ عليك من غير قصد لها، وصرف المعاصي عنك مع الطلب لها، وفتح باب اللجا والافتقار إلى الله في الشدة والرخاء، ومن علامات الخذلان ثلاث: تعسر الخيرات عليك مع الطلب لها، وتيسر المعاصي لك مع الرهب منها وغلق باب اللجا والافتقار إلى الله ، في كل حال فنسأل الله تعالى بفضله حسن التوفيق والاختيار ونعوذ به من سوء القضاء والأقدار.

стр. 110

الفصل الحادي والعشرون كتاب الجمعة وذكر هيئاتها وآدابها وذكر مايستحب للمريد في يوم الجمعة وليلتها صلاة الجمعة واجبة بأوصاف وساقطة بأوصاف فوجوبها يكون بالإقامة والاستطاعة وحضور وقت الظهر وتكملة عدة أربعين رجلاً أحراراً وسقوطها بالسفر ودخول وقت العصر ونقصان العدد ووقوع العذر وهي من أعمال الأمراء تصلي خلف كل من أقام بها منهم إلا اني أحب إعادتها ظهراً إذا صلّيت خلف مبتدع فإن اجتمع في بلد كبير جامعان صليت خلف الأفضل من إماميهما، فإن استويا في الفضل صلّيت في القديم من الجامعين، فإن تساويا صلّيت في الأقرب منهما إلا أن تكون له نيّة في الأبعد لاستماع علم أو نشره أو تعلّمه، فصلاتها في الجامع الأعظم وحيث يكون المسلمون أكثر وأفضل، ومن صلّى في أيهما أحب حسبت صلاته، قال ابن جريج: قلت لعطاء إذا كان في المصر جامعان أو ثلاثة في أيها أصلّي؟، قال: صلِّ حيث جمع المسلمون فإنها جمعة وهو يوم عظم الله تعالى به الإسلام وزينه وشرف به المسلمين وفضلهم قال : (يَاأَيُّهَا الَّذين آمَنُوا إذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُوا الْبَيْع) الجمعة: ٩ الآية، فالبيع والشراء محرم بعد الأذان للجمعة عند طائفة من العلماء لعموم النهي عنه، ومنهم من قال: يرد البيع لأنه فاسد إلا أني أحسب أن ذلك يحرم عند الأذان الثاني وهو مع خروج الإمام إذا قعد على المنبر لأن هذا كان هو الأذان على عهد رسول الله ﷺ وعهد أبي بكر وعمر ﵄، والأذان الأوّل أحدثه عثمان ﵁ لما كثر الناس، وقال الله : (فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا في الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله) الجمعة: ٠١ الآية، فأمر عباده المؤمنين في يوم الجمعة بالذكر له ونهاهم عن البيع وأمرهم فيه بطلب الفضل منه ووعدهم الخير والفلاح وهما اسمان جامعان لغنيمة الدنيا والآخرة. وروي عن رسول الله ﷺ : أن الله فرض عليكم الجمعة في يومي هذا في مقامي هذا وروي عنه ﷺ من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر طبع الله على قلبه، وفي لفظ حديث آخر فقد نبذ الإسلام وراء ظهره واختلف رجل إلى ابن عباس فسأله عن
следующие страницы →