Полный текст (929 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
فرأيت ذات لية فقيراً يطوف بالكعبة في طلمة الليل، حسن الهدى والسمت، قال: فكنت أتتبع آثار قدمه وأمشي خلفه من حيث لا يشعر، فلما قضى أسبوعه وقف في الملتزم بين الباب والحجر، فسمعته يدعو دعاء خفياً، فأصغيت إليه، فإذا هو يقول: جائع كما ترى، عريان كما ترى، فما نرى فيما ترى يا من يرى ولا يرى، قال: فنظرت فإذا عليه خلقان رثاث، لا تكاد أن تواريه فقلت في نفسي: لا أجد لتلك الدراهم موضعاً خير من هذا، قال: فتبعته حتى انصرف إلى ناحية قبة زمزم يصلّي ركعتي الطواف، وذهبت إلى منزلي فجئت بالدراهم فدفعتها إليه وقلت: رحمك الله أنت في مثل هذا الموضع، وعلى مثل هذه الحالة، فخذ هذه تنفقها، قال: وصببتها في طرف إزاره بين يديه على الأرض، فنظر إليها ثم أخذ منها خمسة دراهم فقال: أربعة ثمن مئزرين ودرهم أتفوّت به ثلاثاً، ثم قال: لاحاجة لي بسائرها، قال: فرأيته الليلة الثانية وعليه مئزران جديدان قد لبسهما، قال: فهجس في نفسي من أمره شيء، فقبض على يدي فأطافني معه أسبوعاً كل شوط منها في جوهر من معادن الأرض تتخشخش تحت أقدامنا إلى الكعبين، منها ذهب وفضة وياقوت ولؤلؤ وجوهر، لم يظهر للناس، فقال: هذا كله قد أعطيناه فزهدنا فيه، ونأخذ من أيدي الخلق أحبّ إلينا لأنه أحبّ إلى الله، وأخف علينا في المطالبة؛ وهذه أثقال وفتنة، وذاك للعباد فيه رحمة ونعمة، وروينا في خبر: البلاد بلاد الله والخلق عباده، فأينما وجدت رزقاً فأقم واحمد الله.
وروينا عن ابن عباس: اختلف الناس في كل شيء إلاّ في الرزق والأجل، أجمعوا على أنّ لا رازق إلاّ الله ولا مميت إلاّ الله، وقال: إنّ الله لما خلق الأرزاق أمر الرياح أن تمزقها في أقطار الأرض ففرقها، فمن الناس من وقع رزقه في مائة ألف موضع، ومنهم من وقع رزقه في عشرة آلاف موضع، ومنهم من ألف موضع، ومنهم من مائة موضع، ومنهم في موضع وأقل وأكثر، ومنهم من وقع رزقه على باب منزله يغدو ويروم إليه، وكل عبد يسعى بأثره الذي كتب له حتى يستوفي رزقه الذي قسم له، فإذا فني أثره واستوفى رزقه جاءه ملك الموت فقبض روحه، واعلم أنّ العبد لا ينقطع رزقه أبداً منذ أظهرت خلقته كان في بطن أمه، غذاؤه مما تفيض الأرحام من دم الحيض، يعيش بذلك جسمه من ظاهره، ومعاه المستطيل من سرّته متصل بمعي أمه، يصل من بطنها مخ الطعام إلى بطنه، فيعيش بذلك؛ فإذا أذن الله بخروجه بعث إليه الملك، فقطع ذلك المعي من موضع اتصاله بمعي أمه؛ فإذا دخل إلى الدنيا جعل رزقه من الدنيا؛ فإذا خرج منها فآخر رزقه من الدنيا أول رزقه من الآخرة؛ فإذا دخل في الآخرة كان رزقه من البرزخ كما كان في الدنيا بتلك المعاني لمعاينته المختلفة المحتملة؛ لذلك فإذا خرج من البرزخ ودخل في القيامة كان رزقه في الموقف على قدر حاله هناك؛ فإذا خرج من الموقف دخل أحد الدارين انتقل رزقه إليها فكان منها
стр. 772
إلى أبد الأبد؛ فإذا شهد العبد هذا بيقين إيمانه اطمأن قلبه فاستوى عنده الرزق والأجل فعلم يقيناً أنّ لا بدّ من رزق كما لابدّ من أجل، فلم يكن عليه إلاّ مراعاة الأحكام فيه، وشهد من هذه الشهادة أنّ خلقاً لا يقدر أن يزيد في عمره ساعة ولا ينقص منه ساعة؛ فإذا أيقن بهذا كان مشغولاً بالمخالصة لمولاه فيما تعبده به وولاه، ثم أنّ الرزق على وجهين؛ عن معان لا تحصى وبأسباب لا تعدّ ولا تضبط، فمن الرزق ما يأتي العبد بسكونه وقعوده فيكون الرزق هو الذي تحرك إليه ويأتيه، ومنه ما يأتي العبد بحركته وقيامه فيكون يتسبب إليه ويطلبه، والرزق فيهما واحد والرازق بهما واحد، الحكمة والقدرة في المتحرّك القائم وفي الساكن القاعد واحد، إلاّ إنّ الأحكام فيهما متفاوتة، ثم إنّ الأشياء كلها على ضربين: مسخّر لك ومسلّط عليك، فما سخر لك سلطت عليه وهو نعمة عليك وعليك الشكر عليه؛ وهذا مقام الشكر على معنى الرزق، وما سلط عليك فقد سخرت له أنت وهو بلاء عليك وعليك الصبر فيه؛ وهذا مقام الصبر عن معنى الابتلاء، فمن شهد ما ذكرناه عرف حاله من مقامه فقام بحكم ما عرف، ومن لم يشهده جهل حاله ولم يدر مقامه فاضطرب فيه فضيّع حكم الله عليه والمستحبّ لمن لا معلوم له أن لا يأخذ مما آتاه إلاّ قدر الحاجة، وعلامة حاجته هو أن لا يأخذ إلاّ ما يحتاج أن يشتريه فهو حاجته في وقته؛ فذاك رزق من الله تعالى ومعونة له، فأخذ هذا أفضل وما آتاه مما لا يحتاج أن يشتريه أو عنده مثله فهو اختبار له وابتلاء لينظر كيف زهده في فضول حاجته، وكيف رغبته في الاستكثار، لأنه إذا ملك الشيء فكأنه قد كان له فيعلم الآن بمعرفته أنّ هذا ابتلاء من الله، وفيه حكمان؛ أحدهما أن يأخذه في العلانية ويخرجه في السرّ إلى من هو أحوج إليه منه؛ هذا طريق الأقوياء، ومن أشد الأشياء على النفس وهو الذي أمر به النبي ﷺ عمر وغيره؛ وهذا حال علماء الزاهدين، والحكم الآخر أن لا يأخذه ليصرفه صاحبه إلى من هو أحوج إليه منه لأن الله تعالى له عليه فيه أحكام؛ وهذا هو الطريق الأوسط من طرق الزهاد، فإما أن يأخذه من غير حاجة ليتكثر به ويدّخره فلا أعلم في هذا طريقاً إلى الله تعالى، وما لم يكن طريقاً إلى الله فهو من طرقات الهوى إلى العدوّ، ثم ينظر الآخذ فيما آتاه من الله إلى أحكامه فيه، فإن كان ما يأتيه من الزكاة المفروضة على أربابها المشترط له الأوصاف الستة المنصوص عليها في الكتاب؛ فذلك أضيق عليه وألزم له في الاحتياط لأخيه أن يضعه في حقيقة موضعه عند أخيه نصحاً لله تعالى في دينه ونصحاً لإخوانه في ربه فإنّ الأفضل في ذلك أن لا يضعه إلاّ في أربعة أشياء: مطعم، وملبس، ومسكن، ودين في قضائه عنه؛ فهذا من أفضل ما صرفت فيه الواجبات.
وقد روينا عن ابن عباس: من اشترى ما لا يحتاج إليه باع ما يحتاج إليه، وفضول
стр. 773
الدنيا وهو الزيادة على الكفاية لا يحتاج إليه، والدين يحتاج إليه، فلا ينبغي للعاقل أن يبيع ما يحتاج إليه من دينه بشراء ما لا يحتاج إليه من دنياه، فتكون صفقته خاسرة وتجارته بائرة، والشهوات لا حدّ لها لأنه لا غاية ينتهي إليها فيها، والقوت له حدّ وغاية ينتهي إليه فيها، وقد جاء عن النبي ﷺ : لا حقّ لابن آدم إلاّ في ثلاث؛ طعام يقيم صلبه، وثوب يواري عورته، وبيت يكنّه، فما زاد فهو حساب؛ وهذه الثلاث مع ابن آدم في بطن أمه، وفي قبره، وبين ذلك في دنياه، وبعد ذلك في عقباه، فالأخذ لمصالح هذه الثلاث مأجور عليه العبد والردّ لما زاد عليها هو أفضل من الأخذ، وينبغي أن يكون العبد الذي لا معلوم له عارفاً بأحكام العطاء؛ فإن العطاء من الله لعبده على أربعة أنواع: نوعان محمودان، ونوعان مكروهان، فالمحمودان ما كان بمعنى الرفق والمعونة، والمكروهان ما يكون بمعنى الاختبار والابتلاء، وبين الرفق والمعونة فتفصيل ذلك أنّ الابتلاء ما جاءه من الأسباب قبل الحاجة إليه أو جاءه وله غنية عنه أو عنده مثله؛ فهذا ابتلاء من الله تعالى له لينظر عمله فيه، فالأفضل في هذا أن يخرجه فيكون معاملاً لله تعالى به في السرّ مسقطاً لمنزلته عند الناس في العلانية، فإن لم يقوَ على هذا الثقل وحمله على النفس فالأفضل بعده أن لا يأخذه ليحكم الله فيه ما يشاء ونصحاً لأخيه في ما له - سيما إن كان من الواجب والاختيار - أن يكون الفقير قد نوى ترك أكل شيء أو اعتقد التقلّل في شيء قربه إلى ربّه تعالى لمخالفة هوى نفسه وعملاً في صلاح قلبه يتباعد به مما يدخله في الكثرة ويحلّ عليه عقده، فردّ هذا أفضل وهو من الزهد والرعاية للعهد، فإن أخذه ثم أخرجه إلى محتاج؛ فهذا هو زهد الزهد، وله في هذا معاملات؛ منها أنّ العبد مندوب إلى الإيثار، فإذا كان فقيراً وملك شيئاً فأخرجه كان في ميزانه، ومنها موافقة السنّة في أنه قد أمر بأخذه أو دفعه إلى من هو أحوج إليه منه، ومنها إنّ أخذ هذا في العلانية من الناس وردّه في السرّ إلى الله تعالى كبيرة على النفوس إلاّ على الخاشعين لأنّ النفس تسقط في منزلتها، ثم لا ينال به سعتها فلا يصبر على هذا إلاّ الموقنون؛ وهذا مقام الزاهدين في النفس؛ وهو حال أغنياء الفقراء، وعلماء الزهاد، وهم أهل الطبقة العليا الذين قدمنا ذكرهم: والوجهان الآخران من العطاء هو الرفق وصورته أن يأتيه الرزق عند حاجته أو مع شهوته للشيء الذي لا يقدر عليه، فيعلم الله ذلك منه فيبعث به إليه من غير طمع في خلق، أو يأتيه ما يصلح أن يشتريه ليرتفق بمنافعه، فهذا النوع من العطاء رفق الله سبحانه، الأفضل للعبد أن يأخذه وربما خيف من ردّ مثل هذا عقوبة من زوال عقل أو رد إلى غلبة طبع أو ابتلاء بطمع خلق أو دخول في دنيء من مكسب.
стр. 774
وقال بعض العلماء: من أعطى ولم يأخذ سأل ولم يعط، وهذا من النوع الذي قال رسول الله ﷺ : ما المعطي من سعة بأعظم أجراً من الآخذ إذا كان محتاجاً، فأخذ هذا مشاركة لمعطيه في الأجر من حيث استويا على المعاونة في التقوى والبرّ المأمور بهما، ولا يضرّ هذا العطاء آخذه، وقد كان سري السقطي يوصل إلى أحمد ابن حنبل شيئاً فيرده فقال له سري: يا أحمد إحذر آفة الردّ فإنها أشدّ من آفة الأخذ، فقال له أحمد: أعد علي ما قلت فأعاده، فقال أحمد: ما رددت عليك إلاّ لأن عندي قوت شهر فأحبسه لي عندك، فإذا كان بعد شهر فأنفذه إلىّ، والرابع من العطاء هو المعونة؛ وهذا يكون مخصوصاً لأهله هو أن يكون في خلق هذا الفقير البذل والإفضال وفي غريزته السخاء والاتساع من إطعام الطعام وإيثار الفقراء، فلا يتسع لذلك حاله وتضيق عنه يده فيبعث الله إليه بالعطاء معونة له على أخلاقه ليبلغه به مراده، وينفذ له من المعروف والبرّ عادته، ويعينه على خلقه ومروءته؛ فهذا النوع من العطاء هو الاختبار عند العارفين والأفضل أخذه وإمضاؤه في سبله من المروءات والأخلاق؛ وهذا كان طريقة كثير من السلف، وقد غلط في هذا الطريق قوم لم يكن لهم زهد وقد كانت فيهم رغبة وهمم دنيئة، فاقتنعوا في قبول هذا العطاء لنفوسهم وتملكوه واستأثروا به وزعموا أنّ هذا هو الاختبار، فخالفوا السلف في معرفة الابتلاء من الاختبار لأن هذا عند العارفين، إذا لم ينفذ ويؤثر به ابتلاء ووافقوا أهواءهم في التوسع منه والتكثر به، وتملكوه بالدعوى فأخطؤوا في العلم لإحالة المعنى وغلطوا في طريق الحال لوجود الهوى، وقد كان بعض القاعدين من الصادقين يدان على الله لحسن ظنه به، فإذا رزقه قضاه، فإن مات هذا على هذه النية فلا تبعة عليه فيه في دينه، على مولاه قضاؤه، وأن يرضى عنه غرماءه، وقد كان فيما سلف يقضي دين مثل هذا من بيت مال المسلمين، وكان آخرون لا يقترضون حتى يبيع أحدهم أحد ثوبيه أو فضل ما يحتاج إليه؛ وهذا أحد الوجوه في قوله تعالى: (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ الله) الطلاق: ٧، قال: من ضيقّ عليه معاشه فليبع أحد ثوبيه، وقد قيل: فليستقرض بجاهه فذلك آتاه الله .
وقال بعضهم: لله عباد ينفقون على قدر بضائعهم، وله عباد ينفقون على قدر حسن الظن به، ومات بعض السلف فأوصى بماله أن يفرّق على ثلاث طوائف: الأقوياء والأسخياء والأغنياء فقيل: من هؤلاء؟ قال: أما الأقوياء فهم أهل التوكل على الله، وأما الأسخياء فهم أهل حسن الظن بالله، وأما الأغنياء فهم أهل الانقطاع إلى الله، وينبغي لمن لامعلوم له من الأسباب أن يتورع في أخذها ويتحرّى المعطين لها، كما يتحرى أهل المكاسب في الاكتساب؛ لأن الله له في كل شيء حكم، والقعود عن المكاسب لا يسقط أحكامها، والقاعد عن الطلب لا تسقط عنه أحكام الطالب، لأنّ ترك
стр. 775
العمل عمل يحتاج إلى عمل، ولم تكن سيرة الفقراء الصالحين أن يأخذوا من كل أحد، ولا في كل وقت، ولا يأخذون كلما يعطون مما زاد على كفايتهم إلاّ أنْ يكونوا ممن يخرجه إلى غيرهم، وإنما كانوا يقبلون ممن يخف على قلوبهم القبول منه وممن يرتفع الوحشة والحشمة فيما بينهم وبينه؛ لأنّ ذلك هو الذي يفرح بقولك ويرى نعمة الله تعالى عليه في أخذك ومن يثقل على قلبك معروفه فهو الذي يثقل على قلبه إخراج ما في يده ولا يغتم بردك عليه.
وقال بعض العارفين ما تواخى اثنان في الله فاحتشم أحدهما من صاحبه أو استوحش منه إلاّ من علّة في أحدهما، فلا يستحبّ للفقير أن يأخذ إلاّ من صديق، ولا يقبل إلاّ ممن يحبّ لأن لأهل المعرفة بالله أن يحكموا في الأسباب بما أراهم الله تعالى من الردّ أو من القبول، فإن اعتلّ معتلّ بما رويناه آنفاً من جاءه شيء من غير مسألة فردّه فإنما يردّه على الله تعالى، وبأن أهل المعرفة يشهدون أن العطاء من الله فلا يصلح أن يردوا عليه، قيل له: إنّ من يشهد العطاء من الله تعالى هو الذي يشهد الردّ أيضاً منه، فإن يردّ إليه له أو ردّ إليه به لمعرفته باختباره وابتلاء حسن الردّ منه وشكر الفعل له، فهو أيضاً إذا شهد تصريف الخلق بالعطاء فعل الله ، كان يشهد فعل نفسه بالردّ، فعل الله ﵎ بالمنح؛ فالحالان سواء عند من علم الأحكام، ولم يتّبع الهوى، وقام بحكم ما منه يقتضي، فليس في هذا حجة إلاّ لعالم مستكثر، أو لعابد جاهل غير مستبصر، على أنّ في القبول من بعض الناس دون بعض، وفي ردّ بعض الهدية سنّة، أهدي إلى النبي ﷺ سمن وإقط وكبش فقبل السمن والإقط وردّ الكبش، وقد كان النبي ﷺ يقبل من بعض الناس ويردّ على بعض، وقال: لقد هممت مراراً أن لا أتهب إلاّ من قرشي أو ثقفي أو دوسي وفعل هذا جماعة من التابعين.
جاءت صرّة إلى فتح الموصلي فيها خمسون درهماً فقال: حدثنا عطاء أن النبي ﷺ قال: من أتاه رزق من غير مسألة فردّه، فإنما يردّه على الله ، ثم فتح الصرّة فأخذ منها درهماً وردّ سائرها، وقد كان الحسن البصري يروي هذا الحديث أيضاً، ثم حدثنا عنه أنّ رجلاً أهدى إليه كيساً فيه مال ورزمة فيها من دق خراسان، فردّ ذلك، فقال له بعض أصحابه في ذلك فقال: من جلس مثل مجلسي هذا وقبل من الناس مثل هذا لقي الله يوم القيامة، وليس له عند الله خلاق، وقد كان الحسن يقبل من أصحابه، وكان إبراهيم التيمي يسأل أصحابه الدرهم ونحوه، ويعرض عليه غيرهم المائتين فلا يأخذ، وقد كان بشر بن الحارث لا يقبل من الناس شيئاً، وكان بعضهم يقول:
стр. 776
أحبّ أن أعلم من أين يأكل؟ فقال له: من يخبر أمره؟ أنا أدري من أين يأكل، له صديق عاقل يعني نظيره في العقل والدين، لأنّ بعضهم كان لا يقبل إلاّ من نظرائه، لا من الأتباع، وهذا الصديق العاقل الذي كان يقوم بكفايته، ولم يكن يظهر أمره، ولا يلتقي معه؛ هو سري بن المغلس السقطي، لأنّا حدثنا عن بشر أنه قال: ما سألت أحد قط شيئاً من الدنيا إلاّ سريّاً السقطي، لأنه قد صحّ عندي زهده في الدنيا، فهو يفرح بخروج الشيء من يده، ويتبرم ببقائه عنده، فأكون أعينه على ما يحبّ.
وقد كان سري يوجه إلى أحمد بن حنبل في حاجاته فيقبل منه، وكان إذا ذكر عند أحمد يقول: ذاك الغني المعروف بطيب الغنى أنه ليعجبني أمره، وكان بعض العباد إذا دفع إليه بعض أبناء الدنيا الشيء يقول: دعه عندك، وأعرض على قلبك كيف أنا عندك بعد الأخذ أفضل أو دون ذلك وأصدقني، فإن قال له: أنت عندي الآن أفضل منك قبل ذلك قبل، وإن أخبره بنقصانه في قلبه لم يقبل منه، وكان بعضهم يردّ على أكثر الناس صلته فعوتب في ذلك فقال: ماأردّ إلاّ إشفاقاً عليهم ونصحاً لهم، يذكرون ذلك ويحبون أن يعلم به فتذهب أموالهم وتحبط أجورهم، وممن ذهب إلى هذا سفيان الثوري، وقد كان يشترط على بعض من يأخذ منه أن لا يذكره إشفاقاً عليه من ذهاب أجره، لأنه قيل في معنى قوله : (لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذى) البقرة: ٢٦٤ قال: المنّ أن يذكره والأذى أن يظهره، وقال الجنيد للخراساني الذي جاءه بمال وسأله أن يأكله فقال الجنيد: بل أفرقه على الفقراء، فقال: أنا أعلم بالفقراء منك ولم أختر هذا، فقال الجنيد: أنا أؤمل أن أعيش حتى آكل هذا، فقال: إني لم أقل لك أنفقه في الخل والكامخ والبقل، إنما أريد أن تنفقه في الطيبات وألوان الحلاوة فكل ما نفد أسرع كان أحب إلي فقال الجنيد مثلك لا يحل أنْ يرد عليه، فقبله، فقال الرجل: ما ببغداد أحد أعطم منة عليّ منك، فقال الجنيد: وما ينبغي لأحد أن يقبل منه إلاّ من كان مثلك؛ فهذه كانت طرائق أهل الحقائق، ولا ينبغي للقاعد عن المكاسب إلاّ أن يكون تاركاً ذلك لأجل الله سبحانه، عالماً في قعوده بأحكام الله ، قائماً بعلم حاله، فيحسن يومئذ قعوده عن الأسباب ثقة منه بالمسبّب الوهاب، ويحلّ تركه للمعلوم يقيناً منه بالعالم.
وقد كان بعض العلماء يقول: لا تأكل إلاّ عند من يعلم أنك أكلت رزقك، ولا تشكر عليه إلاّ ربك، ودعا بعض الناس شقيقاً البلخي وكان في طبقة من أصحابه نحو الخمسين رجلاً، فوضع الرجل طعاماً واسعاً وأنفق نفقة كثيرة، فلما قعدوا قال لهم شقيق: إنّ هذا الرجل يقول: من لم يرني صنعت هذا الطعام وأنا أقدمه إليه فطعامي عليه حرام، قال: فقاموا كلهم خرجوا إلاّ شاباً كان فيهم نقصت مشاهدته عنهم، فقال صاحب
стр. 777
المنزل لشقيق: رحمك الله ماأردت إليّ هذا؟ فقال: أردت أن أجرّب توحيد أصحابي أي كلهم، لا يراه فيما صنع ولا ينظرون إليه فيما قدّم إلاّ ذلك الغلام وحده.
وحدثونا عن موسى ﷺ أنه قال: ياربّ جعلت رزقي هكذا على أيدي بني إسرائيل يغديني يوماً هذا ويعشّيني هذا الليلة، فأوحى الله إليه: هكذا أصنع بأوليائي أجري أرزاقهم على أيدي الطالبين من عبادي ليؤجروا فيهم، والعالم القاعد عندهم أفضل من الجاهل المتصرف، والعالم المتكسّب أفضل من القاعد الجاهد، والقوي التارك للتصرف أفضل عندهم من الضعيف المتصرف، والقوي المتصرّف أفضل من الضعيف التارك للتصرف.
وقد جعل الله المستحقين للعطاء ستة، ذكرهم في آيات ثلاث، فقال في الآية الأولى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) التوبة: ٦٠ وقال في الثانية: (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) الذاريات: ١٩، وقال في الثالثة: (فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر) الحج: ٣٦، فمن لامعلوم له من تكسّب أو تصرّف فهو أدخل شيء في هذه الآيات وأحوج أحد إلى الإعطاء، ومن كان ذا معلوم يحتاج إلى أكثر منه لفضل عيلة أو كثرة نفقة فإنه يدخل بمعنى من أوصافهم، وكان ابن عباس ﵁ يقول في الآية: إنما الصدقات للفقراء والمساكين نزلت في أهل الصفة، ومن كان في معناهم إلى يوم القيامة، وكانوا أربعمائة وخمسين رجلاً لم تكن لهم عشائر بالمدينة ولا أموال كالمهاجرين والأنصار، وكانوا نزاع القبائل، أسكنهم رسول الله ﷺ صفّة المسجد، وقسم اللّّه لهم الأموال، ثم إنّ الله أفرد طبقة سابعة عن جمل هؤلاء الستة، ووصفهم بأحسن الصفات، وفضّل أجور المتّقين بطيب الاكتساب عليهم الطالبين وجه الله فقال: (يَاأَيُّهَا الذَّينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُمْ) البقرة: ٢٦٧ وقال: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إليْكُمْ) البقرة: ٢٧٢، وكل هذا متصل متعلق بقوله : (للفُقَراءِ الَّذينَ أُحْصِرُوا في سَبيلِ الله لاَ يَسْتَطيعُونَ ضَرْباً في الأَرْضِ) البقرة: ٣٧٢، إلى آخر أوصافهم، فوصفهم بالإحصار في سبيله وبالعفة عن الدنيا وأبنائها، وأنهم لا يلتحفونها التحافاً لزهدهم فيها وسمى من لا يعرف أوصافهم جاهلاً؛ فهذه الطائفة فوق الطبقات الموسومة بالصدقات المقسوم عليها الزكوات، بل أمر المؤمنين بالإنفاق عليهم من الاكتساب للطيّبات من بعد وصف أحسن الخالقين لهم، والله ﵎ لا يحبّ عبداً إلاّ وصفه، فإذا مدحه بوصف وأثنى عليه ثبتت محبته له في المدح والوصف، دليل على الحبّ والمحبّة، تدل على الفضل العظيم، كما قال تعالى في آخر وصف المحبين: (ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) المائدة: ٥٤ وقد قال بعض الصوفية في معنى قول النبي ﷺ : يد المعطي هي العليا ويد المعطى
стр. 778
هي السفلى، إنّ المعطى هو الفقير وإنّ المعطي هو الغني، ويصلح أن يستدلّ له بأن حقيقة الإعطاء هو النصيب من الآخرة وعطاؤه منها، فصار هو المعطى وصار الغني هو المعطي، ويكون دليل هذا القول الخبرين الآخرين قوله: إنّ الصدقة تقع بيد الله قبل أن تقع بيد السائل وهو يضعها في يد السائل، فقد صارت يد الفقير هي العليا، والخبر الآخر: يد الله العليا ويد المعطي الوسطى فهذا يصحح أنّ الفقير هو المعطى إذا كان يد الله ﵎ فوقه لأنها هي التي تضع في يده العطاء فكانت يده هي الوسطى.
فإن قيل: قد رتب الأيدي بقوله تعالى: يد الله هي العليا ويد المعطي هي الوسطى ويد المعطى هي السفلى، فينبغي أن يكون المعطي هو الغني إذا كان العطاء يظهر عندنا على الترتيب، قيل له: إنّ يد الله ﵎ فوقهما معاً وهي لا تدخل تحت الترتيب، فيده العليا عليهما جميعاً، قال ﵎: يد الله فوق أيديهم وقد علمنا أنّ أيديهم بعضها فوق بعض، ثم أخبر مع ذلك أنها فوق الكل ولأنه هو المعطي الأوّل لهما جميعاً، فكما لا أول؛ أول منه في العطاء، فكذلك لا يد فوق يده في الإعطاء، وإنما الترتيب بين الغني والفقير أيهما المعطي بعد يد الله تعالى فقلنا: إنّ المعطي في الحقيقة إذ كان العطاء الحقيقي هو ما يبقى ويدوم لا ما يفنى ويزول؛ وذلك هو العطاء من الآخرة الباقية، فصار الفقير هو المعطي للغني في الدنيا نصيبه من الآخرة لأنه عمارة منازله فيها، والغني رفق بالفقير من الدنيا وعمارة دنياه الفانية، والدنيا موصوفة بلا شيء، فأي شيء يعطي منها؟ فأما يد الله تعالى فإنها فوقهما، والذي أعطاهما جميعاً، لأنّ يده فوق الفوق وفوق التحت لا يوصف بتحت ولا بأسفل، تعالت أوصافه العليا عن نعوت الخلق السفلى، وهو لا يدخل تحت القياس والتشبيه، فقد حدثنا بعض إخواننا عن شيخ له فقال: رأيت أبا الحسن النوري يمد يده ويسأل الناس في بعض المواطن قال: فأعظمت ذلك واستقبحته، فأتيت الجنيد فأخبرته فقال: لا يعظم هذا عليك، فإن النوري لم يسأل الناس إلاّ ليعطيهم إنماسأل لهم ليثيبهم من الآخرة فيؤجرون من حيث لا يضرّه، ثم قال: هات الميزان قال: فوزن مائة درهم ثم قبض قبضة فألقاها على المائة، ثم قال: احملها إليه، قال: قلت في نفسي إنمايوزن الشيء ليعرف مقداره فهذا قد خلط منه شيئاً آخر فصار مجهولاً وهو رجل حكيم فاستحييت أن أسأله عن ذلك، قال: فذهبت بالصرّة إلى النوري فقال: هات الميزان، قال: فوزن مائة درهم وقال: ردّها عليه، وقل آه: أنا لا أقبل منك أنت شيئاً، وأخذ مازاد على المائة،
стр. 779
قال: فقلت هذا أعجب فسألته: لم فعلت هذا؟ فقال: الجنيد رجل حكيم يريد أن يأخذ الحبل بطرفيه وزن هذه المائة لنفسه للثواب من الآخرة، وطرح عليها قبضة بلا وزن لله ، فأخذت ماكانت لله ، ورردت ما كان جعله لنفسه، قال: فرددتها إلى الجنيد فبكى، وقا حلب أخذ ماله ورد مالنا والله أعلم.
ذكر اختلافهم في إخفاء العطاء وإظهاره ومن رأى أنّ الإظهار أفضل وتفضيل ذلك:
قد اختلف فعل المخلصين في ذلك فرأى بعضهم أن يخفي ما يأخذ من العطاء، لأنه أدخل في التعفف وأقرب إلى التصوّن، وأنه أسلم لقلوب الغير وأصلح لنفوس العامة، وأنّ فيه النصرة لإخوانه من الغيبة والتهمة بمثل ذلك أو بأكثر منه، وفيه الاحتياط لأخيه وعون له على البرّ والتقوى في قوله : (إنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) البقرة: ٢٧١، وللخير الذي جاء: أفضل الصدقة جهد المقلّ إلى فقير في سرّ، ولأنّ عمل السرّ يفضّل على عمل العلانية بسبعين ضعفاً فإذا لم يعاونه هذا على إخفاء عطائه، ولم يساعده على كتم معروفه فلم يتم له ذلك بنفسه، لأنه سرّ بين اثنين إن أفشاه أحدهما أو لم يتفقا على كتمه فقد ظهر من أيها كان الخبر كيف، وقدروي عن النبي ﷺ : استعينوا على أموركم بالكتمان، فإنّ كل ذي نعمة محسود، وهذا مذهب القرّاء من العابدين، وقال أيوب السجستاني: إني لأترك لبس الثوب الجديد خشية أن يحدث في جيراني حسد، وقال بعض الزاهدين: ربما تركت استعمال الشيء لأجل إخواني يقولون من أين، هذا وحدثونا عن إبراهيم التيمي أنّه رأى صاحباً له عليه قميص جديد فقال: من أين للك هذا؟ قال: كسانيه أخي خيثمة ولو علمت أنّ أهله علموا به ما قبلته، ودفع رجل إلى بعض العلماء شيئاً ظاهراً فردّه ودفع إليه آخر شيئاً في السرّ فقبله، فقيل له في ذلك فقال: إنّ هذا أخفى معروفه وعمل بالأدب في معاملته فقبلنا عمله، والذي أظهر معروفه أساء في الأدب في المعاملة فرددنا عمله عليه، ودفع بعض الناس إلى بعض الصوفية شيئاً بين الملاء فردّه فقيل له: لم تردّ على الله ما أعطاك؟ فقال: إنك أشركت غير الله فيما لله، ولم تقنع بعين الله فرددت عليك شركك، وقد كان بعض العلماء لا يقبل في العلانية ويأخذ في السرّ سئل عن ذلك فقال: إنّ في إظهار الصدقة إذلالاً للعلم وامتهاناً لأهله وما كنت بالذي أرفع شيئاً من الدنيا بوضع العلم وإذلال أهله، وكذلك حدثنا أنّ رجلاً دفع إلى بعض العارفين شيئاً علانية فردّه ثم
стр. 780
دفعه إليه في السرّ فقبله، فقيل له: رددت في الجهر وقبلت في السرّ؟ فقال: لأنك أطعت الله تعالى في السرّ فأعنتك على برّك بقبوله، وعصيته بالجهر فلم أكن عوناً لك على المصية، وقد كان سفيان الثوري يقول لو علمت أنّ أحدهم لا يذكر صلته ولا يتحدث بها لقبلت صلته، وفي هذا لعمري مواطأة لما ندب الله تعالى إليه من الإخفاء ولما أمر به رسول الله ﷺ وفضله من أعمال السرّ، وهو أيضاً لا يدخل الآخذ في نهي رسول الله ﷺ من قوله: من أهدي له هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها، وقال في الحديث الآخر: أفضل ما أهدى الرجل إلى أخيه ورقاً أو يطعمه خبزاً، فجعل الورق هدية كالهدايا، وهو من أفضلها، كما قال: لأنه قيّم الأشياء، فهذا الآخذ للهدية جهراً يلزمه الإشراك للحاضرين فيها إلاّ أنْ يهبوا ذلك له، فإن لم يفعل لم يعجبني ذلك.
وذهب آخرون من أهل المعرفة الموصوفين بالتوحيد إلى أنّ الإظهار للآخذ أفضل، لأنه أسلم له، وأدخل في الإخلاص والصدق، وأخرج من الثبات والقدر والمنزلة والجاه بالردّ والزهد، وقد قال الله سبحانه: (لاَتُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ) النساء: ٨٤، قالوا: فليس علينا إذ علمنا في سلامتنا وحكم حالنا من إسقاط جاهنا بالأخذ علانية ما وراء ذلك من أقوال الناس، بتولى الله من ذلك من به ابتلاه، وقالوا: ولأن في التوحيد أنّ الظاهر والباطن هو المعطي فلا معنى للردّ عليه في الظاهر، وقد قال بعضهم: سرّ العارف وعلانيته واحد، لأن المعبود فيهما واحد، فاختلاف فعل أحدهما شرك في التوحيد، وقال بعض العارفين: كنا لا نعبأ بدعاء من يأخذ في السرّ فرفع يده به علانية، ثم قال: هذا من الدنيا والعلانية في أمور الدنيا أفضل والسرّ في أمور الآخرة أفضل، وقال بعض المريدين: سألت أستاذي وكان أحد العارفين عن إظهار السبب أو إخفائه فقال: أظهر الأخذ على كل حال إنْ كنت آخذاً، فإنك لا تخلو من أحد رجلين، رجل تسقط من قلبه إذا فعلت ذلك فذلك هو الذي تريد، لأنه أسلم لدينك وأقلّ لآفات نفسك، وينبغي أن تعمل في ذلك، فقد جاءك بلا تكلّف، ورجل تزداد وترتفع في قلبه فذاك هو الذي يريد أخوك لأنه يزداد ثواباً بزيادة حبه لك وتعظيمه إياك فتؤجر أنت إذ كنت سبب مزيده، وينبغي أن تعمل في ذلك، وقال بعض العارفين: إذا أخذت فأظهر فإنها نعمة من الله إظهارها أفضل، وإذا رددت فأخف فإنه عمل لك وإسراره أفضل، وهذا لعمري قول فصل، وهو طريق العارفين، وقال بعض علمائنا: إظهار العطاء من الآخذ آخرة وكتمانه دنيا وإظهار الأعمال من الدنيا وكتمها آخرة، وكان هذا لا يكره الإظهار، وهذاكما قال الله تعالى: (وَأَمَّا بِنعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) الضحى: ١١ وقد ذمّ الله ﵎ من كتم ما أتاه الله من فضله وقرنه بالبُخْلِ؛ والبخل باب كبير من الدنيا فقال تعالى: (الَّذينَ يَبْخَلُونَ وَيَأمُرُونَ النَّاسَ بالبُخْلِ وَيَكْتُمونَ مَا آتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ) النساء: ٣٧، وقال النبي ﷺ : إذا أنعم الله على عبد نعمة أحبّ أن ترى عليه، وهذا هو الأقرب إلى قلوب الموحدين من العارفين، لأنه مقتضى حالهم وموجب مشاهدتهم
стр. 781
لاستواء ظروف الأيدي عندهم من العبيد ونفاد نظرهم إلى المعطي الأول، فاستوى سرهم وعلانيتهم في الأخذ من يده، وفصل الخطاب في هذا الباب عندي أنه يحتاج إلى تفصيل فنقول والله أعلم: إنّ الخلق مبتلي بعضه ببعض، وفرض كل عبد القيام بحكم حاله ليفضل بقيامه ويسلم في حاله، فعلى المعطي أن يخفي ويسرّ جهده، فإن أظهر ترك علم حاله فنقص بذلك، فكانت هذه آفة من آفات نفسه وباباً من أبواب دنياه، وعلى المعطي أن يذكر وينشر، فإن أخفى وكتم فقد ترك الإخلاص في عمله ونقص لذلك، وكانت آفة من آفات نفسه وباباً من دنياه مثله.
وروينا أنّ رسول الله ﷺ قيل له: إنّ فلاناً أعطيته ديناراً فأثنى بذلك وشكر، فقال: لكن فلان أعطيته ما بين الثلاثة إلى العشرة فما أثنى ولا شكر، فكان رسول الله ﷺ مريداً أن يشكره أو يثني عليه وهو يقول لابن الحمامة الشاعر وغيره: أما ما مدحتني به فألقه عنك، وأما مامدحت به ربك فهاته، فإنه يحبّ المدح لكنه أراد منه القيام بحكم حاله لعلمه أنّ في الشكر والثناء حضّاً وتحريضاً على المعروف والعطاء، وأنه خلق من أخلاق الربوبية، أحبه الله من نفسه فشكره للمنفقين وهو الرازق، وأحبّ من أوليائه أن يشكروا للأواسط ويثنوا به عليهم، وإنْ شهدوا فيه الأول، وكذلك لما قالت المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا خيراً من قوم نزلنا عليهم قاسمونا الأموال حتى خفنا أن يذهبوا بالأجر كلّه، فقال كلاماً شكرتم لهم وأثنيتم به عليهم، ولذلك أمر به ﷺ في الحديث الآخر فقال: من أسدي إليه معروف فيلكافئ به، فإن لم يستطع فليثن به، وفي لفظ آخر: من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تستطيعوا فأثنوا به خيراً وادعوا له حتى يعلم أن قد كافأتموه، والخبر العام بمعنى ذلك: من لم يشكر الناس لم يشكر الله،
стр. 782
وقد روينا في معنى الحدث لفظة غريبة جاءت من طريقين، وهو: من لم يذكر الناس لم يذكر الله أن يذكرهم في العطاء ويثني عليهم به، والنوع الثاني من التفضيل أنّ على المعطي أن لا يحبّ أن يذكر معروفه ولا يشكر فإن علمت من يقصد ذلك ويحبه منك فهذا يدل على نقصان علمه وقوة آفات نفسه، فترك الثناء على مثل هذا والكتم من الفقير أفضل، فإن شكر له فأظهر عطاءه فقد ظلمه لإعانته إياه على ظلم نفسه، وقد قوى آفات نفسه، وهذا إذا فعله به من المعاونة على الإثم والعدوان فقد كان ينبغي للمعطي أن ينصره إذا كان ظالماً من حيث لا يعلم بأن يخفي عليه ما يعمل والله أعلم بالصواب.
نوع آخر من التفضيل في الآخذ للفقير:
إنّ من الناس من يستوي عنده إظهاره للعطاء وإخفاؤه لصحة يقينه بذلك وإخلاص نيته فيه ونفاد مشاهدته بدوام نظره إلى المنعم الأول، فهذا إن قبلت منه علانيته صلح وإن أثنيت عليه بذلك جاز لقوة معرفته وكمال عقله وسبق نظره إلى مولاه فيما وفقه به وتولاه، فيشكر له ذلك ويراه نعمة منه، ولمثل هذا جاء الخبر المشهور: إذا مدح المؤمن ربا الإيمان في قلبه،، وقال بعض العارفين: يمدح الرجل علي قدر عقله، وقال الثوري: من عرف نفسه لم يضرّه مدح الناس له.
النوع الرابع من التفضيل
من الناس من إذا أظهر معروفه فسد قصده بذلك واعتورته الآفات من التزين والتصنع، فمثل هذا لايصلح أن يقبل منه ما أعلن به لأنه يكون معيناً له على معصيته، وهذا أيضاً لا يصلح أن يثني عليه، فإن ذكر بمعروفه أو مدح به، كان ذلك مفسدة له واغتراراً منه لقوة نظره إلى نفسه ونقصان معرفته بربه، فمن مدح هذا فقد قبله ومن ذكره بمعروفه فقد أعانه على شركه، ومدح رجل رجلاً عند النبي ﷺ فقال: ضربت عنقه، لو سمعها ما أفلح وقد كان هو ﷺ يثني على قوم في وجوههم ومن حيث يسمعون لثقته بيقينهم وعلمه أنّ ذلك مزيداً لهم، وقال لرجل أقبل إليه: هذا سيّد أهل الوبر، وقال لآخر من حيث يسمع: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، وتكلم رجل بكلام فصل فأعجبه فقال النبي ﷺ : إنّ من البيان سحراً، وقد كان يخفي الثناء على آخرين إذا علم أنّ ذلك خير لهم، وقال الثوري ليوسف بن أسباط: إذا أوليتك معروفاً فكنت أنا أسرّ به منك ورأيت ذلك نعمة من الله تعالى عليّ وكنت أشدّ حياء منك فاشكر، وإلاّ فلا، فجملة ذلك أنّ المعطي حاله الإخفاء وأنّ الآخذ حلاه الإظهار، فمن خالف ذلك فارق حاله، وإن فرض المعطي أن يكره المدح ولا يحبّ الثناء والذكر، فمن علمت منه ذلك فعليك أن تثني وتشكر وتنشر، ومن علمت منه بحبِ الإظهار ويقتضي منك الاشتهار
стр. 783
فحالك أن تعاونه على ظلمه لنفسه، فترك الثناء لمثل هذا أفضل له وأسلم لك فهذا تفصيل ما أجمله الصادقون ثم اختلفوا في الأخذ من الواجب أفضل أم التطوع؟ فرأى بعضهم أن يأخذ من الواجب ولا يقبل من التطوع، أي لأنّ الواجب يؤخذ بإذن الله تعالى عن قسمه، وإنّ الله تعالى أوجب عليه أن يأخذه من حيث أوجب الزكاة، لأن الفقراء والمساكين لو تواطؤوا على أن لايقبلوا الزكوات أثموا أجمعون ولعصوا كلهم بذلك لإسقاطهم فرض الله من الأموال بالزكوات، قالوا: ولأنّ هذا أدخل له في جملة الضعفاء والمساكين وأقرب إلى التواضع والذلة، قالوا: ولا منّة لأحد علينا فيه ولا حق يلزمنا عليه إذ كنا نستحق ذلك منه، قالوا: ولأنه أسلم لديننا لئلايدخل علينا الأكل بالدين لأنّا إنما نستوجبه بالحاجة وحرمة الإسلام فقط، ونخاف أن يكون أخذنا التطوع أكلاً بديننا أو أنّا أعطينا لصلاحنا واعتقاد فضلنا فلا نحبّ أن نخصّ بشيء دون الفقراء، وهذا مذهب القراء من العابدين، ومن ينظر إلى صلاحه ونفسه في الدين هو مقتضى حالهم وموجب شهادتهم، واختارت طائفة أن يأخذوا من النوافل دون الفرائض أجروه مجرى الهدية وقالوا: قد أمر بقبولها وندب إلى التهادي للتآلف والتحبّب، قالوا: ولانزاحم المساكين في حقوقهم ولعلنا لانكمل أوصافهم، ونخاف أن لايوجد فينا ما شرط الله لواجبه، ولانضعه في حقيقة موضعه، أو لا نحتاط لمن يسقط عنه الواجب به، فالتطوع أوسع علينا، ومع هذا فإنهم يشهدون النعمة من الله تعالى وأنّ الدين إنما هو لله ، كا قال: (ألاّ لله الدين الخالص) الزمن: ٣، وأنهم مستعملون بأنفسهم من حيث كانوا منعماً عليهم لا منعمين على أنفسهم، وهذه طريقة بعض أهل المعرفة، وممن ذهب إلى هذا إبراهيم الخواص وأبو القاسم الجنيد ومن وافقهما، والأمر في ذلك عندي أنّ من لم يأخذ من كلا إنسان ولا في كل أوان، ولم يقبل إلاّ عند الحاجة، وما لابدّ له منه، ثم قام بحكم الله تعالى في الواجب وحكمه في التطوع أنّ الحالين يتقاربان، لأنّ الواجب أمر الله ﵎ فيه حكم، والتطوع ندب، وله فيه حكم، فعلى العبد أن ينظر لدينه ويحتاط لأخيه فيعمل بما يوجب الوقت من الحكم من أيهما كان فسواء ذلك، ولا ينظر بظلمة في هوى الحظ ففي ذلك سلامته.
стр. 784
الفصل الثاني والأربعون
كتاب حكم المسافر والمقاصد في الأسفار
فإن سنح لهذا المريد سفر ففي الحديث: البلاد بلاد الله والخلق عباده، فحيث ما وجدت رزقاً فأقم واحمد الله ، والخبر المشهور: سافروا تغنموا، فغنيمة أبناء الآخرة ريح تجارة الآخرة، وقد قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: (أَلمْ تَكُنَ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فيهَا) النساء: ٩٧، وقال : (قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فَانْظَرُوا) العنكبوت: ٢٠ وقال تعالى: (وَفي الأرْضِ آيَاتٌ للمُوقِنينَ) الذاريات: ٢٠ وقال جلّ وعلا: (وَفي أَنْفُسِكُمْ أفَلا تُبْصِرُونَ) الذاريات: ٢١، فمن جعلت آياته في نفسه تبصر ففطن، ومن جعلت له الآيات في الآفاق سرب وسري، وكذلك قال الله : (وَإنَّكُمْ لَتَمُروُّنَ عَلَيْهِمْ مُصبْحِينَ وَبالَّليْلِ أَفلا تَعْقِلُونَ) الصافات: ١٣٧ - ١٣٨ ومثله: (وَكأَيِّنْ مِنْ آيَة فِي السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعرِضُونَ) يوسف: ١٠٥ فمن سار فكانت له بصيرة اعتبر وعقل، ومن مرّ على الآيات فنظر إليها منها تذكر وأقبل، ومن أمر الله بالمشي في مناكب بساطه والأكل من رزقه بعد إظهار نعمته بتذليل مهاده فقال : (هُوَ الَّذي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا في مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) الملك: ١٥، قيل: في أسواقها، وقيل: قراها، وقيل: جبالها، وهو أحبّ إلى أحداب الأرض قراها ومناكبها جبالها لأنها أعاليها، وكان بشر الحافي يقول: يا معشر القراء سيحوا تطيبوا فإن الماء إذا كثر مقامه في موضع تغيّر، وقيل: إنما سمي سفراً لأنه يسفر عن أخلاق النفس، وأيضاً يسفر عن آيات الله سبحانه وقدره وحكمه في أرضه، فإذا عزم على السفر فليصلّ ركعتي الاستخارة وليعقد التوكّل على الله ، فكفى ناظراً وساكناً إليه ﵎ واثقاً به ومعتمداً عليه مستوراً حاله راضياً عنه في تقلّبه ومثواه، ولينو في سفره الاعتبار بالآثار والنظر إلى الآيات بالاستبصار والابتغاء من فضل الله سبحانه فيما ندبه إليه من الأسباب، ويقال: إنّ الله ﵎ وكّل بالمسافرين ملائكة ينظرون إلى مقاصدهم فيعطي كل واحد على نحو نيته، فمن كانت نيته طلب الدنيا أعطي منها ونقص من آخرته أضعافه وفرق عليه همه وكثر بالحرص والرغبة شغله، ومن كانت
стр. 785
نيته طلب الآخرة وأهلها أعطي من البصيرة والفطنة، وفتح له من التذكرة والعبرة بقدر نيته، وجمع له همه وملك من الدنيا بالقناعة والزهد شغله، ودعت له الملائكة واستغفرت له، فلتكن نية هذا المسافر استصلاح قلبه ورياضة نفسه واستكشاف حاله وامتحان أوصافه، لأنّ النفس إنما أظهرت الإذعان والانقياد في الحضر، وربما استكانت وأجابت في السفر، فإذا وقعت علها أثقال الأسفار ولزمتها حقائق الاستخبار خرجت عن معتاد ذلك المعيار فأسفرت حقيقتها وانكشفت دواعيها، فيكون المسافر في علوم وبصائر يعرف بها خفايا نفسه ومكامنها، ويكون هذا من خبء الأرض الذي يخرجه الله لمحبيه متى شاء، كما قال جلّ وعلا: (يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّمَواتِ وَالأرْضِ) النمل: ٢٥، فإن خرج سائحاً في طلب العلم فقد جاء ذلك في تفسير قوله السائحون قيل: في طلب العلم، وقيل: هم طلبة العلم، وقد كان سعيد بن المسيب يسافر الأيام في طلب الحديث الواحد، وقال الشعبي: لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في كلمة تدل على هدى، ما رأيت أنّ سفره كان ضائعاً، ورحل جابر بن عبد الله من المدينة وغيره من الصحابة إلى مصر فساروا شهراً في حديث بلغه عن عبد الله بن أنيس الأنصاري يحدثه عن رسول الله ﷺ حتى سمعوه، ومن سافر في طلب العلم من عهد الصحابة إلى يومنا هذا أكثر من أنْ يحصى، وفي الخبر: من خرج من بيته في طلب العلم، فهو في سبيل الله حتى يرجع.
وفي خبر آخر: من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، ويقال: إنّ النفقة في العلم كالنفقة في سبيل الله، الدرهم بسبعمائة، وإن سافر في لقاء الصالحين فقد جاء في الأثر: كانوا يحجون للقاء، والحجّ من أفضل الأسفار فجعلوه سبباً للقاء الأخيار، فإن نوى القرب من الأمصار طمعاً في سلامة دينه وبعداً من تعلّق النفس بما في الحضر من حظّ دنياه فحسن، وربما خرج طلباً للخمول والذلة، خشية الفتنة بالشهرة، ورجاء صلاح قلبه، واستقامة حاله في البعد من الناس، ورياضة بالتفرق والتوحّد إلى أن يقوّي يقينه ويطمئن قلبه، فيستوي عنده الحضر والسفر، ويعتدل عنده وجود الخلق وعدمهم بإسقاط الاهتمام بهم، وقد قال الثوري: هذا زمان سوء لايؤمن فيه على الخامل فكيف بالمشهورين، وهذا زمان رجل ينتقل من بلد إلى بلد كلما عرف في موضع تحول إلى غيره، وقال أبو نعيم: رأيت الثوي وقد علق قلّته بيده، ووضع جرابه على ظهره، فقلت له: إلى أين يا
стр. 786
أبا عبد الله؟ فقال: قد بلغني عن قرية فيها رخص، فأنا أريد أن أقيم بها، فقلت: وتفعل هذا يا أبا عبد الله؟ قال: نعم إذا بلغك عن قرية فيها رخص فأقم بها، فإنه أسلم لدينك، وأقلّ لهمّك، وقد كان سري السقطي يقول للصوفية: إذا خرج الشتاء ودخل آذار وأورقت الأشجار طاب الانتشار، ومن أفضل الأسفار ما خرج له في سبيل الله من الجهاد والحجّ والرباط وزيارة قبر النبي ﷺ ، ثم زيارة أصحابه، محتسباً بذلك ما عند الله ، والسفر في زيارة الأخ في اللهّ مستحبّ مندوب إليه، روينا في خبر عن بعض أهل البيت ﵈ وقيل: مكتوب في التوراة سرْ ميلاً عد مريضاً، سرْ ميلين شيّع جنازة، سرْ ثلاثة أميال أجب دعوة، سرْ أربعة أميال زر أخاً في الله تعالى، وفي الخبر: أنّ رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ملكاً، فقال: أين تريد؟ فقال: أخاً لي في هذه القرية أزوره، قال: أبينك وبينه رحم تصلها؟ قال: لا، قال: فله عليك نعمة تردها، قال: لا إلا ّ أني أحببته في الله ، قال: فإني رسول الله إليك يبشرك بالجنة ويخبرك أنه قد غفر لك بزيارة أخيك، وإن سافر إلى بعض الثغور ناوياً رباط أربعين يوماً أو ثلاثة أيام فحسن، وإن قصد عبادان فرابط فيها ثلاثاً فقد أسابها ثلاثمائة من العلماء والعباد للرباط فيها ما يجله وصفه.
روي عن عليّ ﵇ أنه سأل رجلاً بالبصرة أن يرابط بعبادان ثلاثاًِ ويشركه في صحبته، وقال بعض العارفين: كوشفت بالأمصار فرأيت الثغور كلها تسجد لعبادان، ومن قصد في سفره أحد المساجد الثلاث المندوب إليها لشدّ الرحال فهو أفضل، أولاها المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد بيت المقدس، فيقال: من جمع الصلاة في هذه المساجد الثلاث من سنته غفرت له ذنوبه كلها، ومن أهل بحج أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وخرج ابن عمر من المدينة قاصداً إلى بيت المقدس حتى صلّى فيه الصلوا ت الخمس، ثم كرّ راجعاً من الغد إلى المدينة، وسأل سليمان ﵇ ربه تعالى: إنّ من قصد هذا المسجد لا يهمه إلاّ الصلاة فيه أن لا تصرف نظرك عنه ما دام مقيماً فيه حتى يخرج منه، وأن تخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه فأعطاه الله تعالى ذلك، وأما فضائل المسجدين في الحرمين حرم الله وحرم رسوله ﷺ فأكثر من أن نذكرها، وإن سافر طلباً للحلال وهويأمن طعمة الحرام فذانك له قربتان، وقد فعله صالحو السلف في كل زمان، وليكن العبد في سفره مراعياً لهمه، حافطاً لقلبه من التشتّت والطمع
стр. 787
في الخلق، والتعرّض للمسألة، فإن لم يكن ذا معلوم معهود كان معلومه العلام الودود، وكان طريقه إليه صدق التوكّل، وزاده في طريقه حسن التقوى له بصحة الأياس من الناس، وعليه حينئذ الصبر على بلائه، والرضا بتصريفه في قضائه، ولاشكر على لطائف نعمائه من منع أو عطاء أو شدة أو رخاء، لأنه في يد الوكيل يقلبه كيف يشاء، والتوكّل عند المتوكّلين هو في الصبر للصبور وتسليم الحكم للحاكم، ومنه قوله تعالى: (الَّذينَ صبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) العنكبوت: ٥٩ وقوله: (إنْ الحُكْمُ إلاَّ لله علَيْهِ تَوَكَّلتُ) يوسف: ٦٧.
وقال رجل لبشر بن الحارث: إني أريد سفراً ولكني منعني أنه ليس عندي شيء، فقال: لا يمنعك العدم من سفرك واخرج لقصدك، فإن لم يعطك ما لغيرك لم يمنعك ما لك، وكان إبراهيم الخواص يقول: كفّ فارغ وقلب طيب ومرّ حيث شئت، ومن طرقته فاقة أو رهقته حاجة لم يخرجه من التوكّل أن يسأل إذا عدم القوة والصبر، لأنه حينئذ يسأل لربه لا لنفسه، يحركه العلم لا الهوى لإقامة فرضه وحفظ عقله الذي هو مكان تكليفه، وفي الأثر: من جاع فلم يسأل فمات دخل النار، لأن ّ ترك السؤال عند خوف رهق الموت، ومع عدم الصبر سبب التلف، إن كان الجوع أحد الحنوف القاتلة، وقد تأوّل بعض متأخّري الصوفية قول النبي ﷺ : أحلّ ما أكل العبد من كسب يده قال: المسألة عند الفاقة وأنا بريء من عهدة هذا التأويل، وقد كان جعفر الخلدي يحكي هذا عن شيخ من الصوفية وكان هو يستحسنه، ولكن قد كان أبو سعيد الخراز يمدّ يده عند الفاقة ويقول: ثم شيء لله.
وحدثونا عن أبي جعفر الحداد، وكان شيخاً للجنيد، له علم في التوكلّ وحال من الزهد، كان يقتات بخروجه بين العشاءين فيسأل من باب أو بابين، فيكون ذلك معلومة إلى بعض حاجاته من يوم أو يومين، ولم يعب هذا عليه أحد من الخصوص، وقد رأى بعض الناس رجلاً من الصوفية دفع إليه كيس فيه مئون دراهم في أول النهار ففرقه كله، ثم سأل قوتاً في يده بعد عشاء الآخرة فعاتبه على ذلك وقال: دفع إليك شيء أخرجته كله، فلو تركت منه لعشائك شيئاً؟ فقال: ما ظننت أني أعيش إلى المساء، ولو علمت ذلك فعلت، وكان هذا زاهد قصير الأمل إلاّ أنّ السؤال للمتوكّل عند الخواص يخرجه من التوكّل، وقد كان سهل يقول: المتوكّل لا يسأل ولا يردّ ولا يحتكر، وليس يخرجه عندي من التوكّل المسألة عند الفاقة، بل عدم الصبر والقوة، ففقد ذينك وجود الإذن من الله له في السؤال إذا كان ناظراً إلى تصريف والوكيل في كل حال، ولأنّ الوليّ الحميد يقلب وليّه في جميع الأحوال، ألم ترَ إلى إمامي أهل الظاهر والكتاب وأهل الباطن والقلوب، استطعما أهلها، لأن المسلم يستحقّ على إخوانه سدّ جوعته لحرمة الإسلام، وقال النبي ﷺ : ليلة الضيف واجبة، وقال ﵊: الضيافة حقّ، وفي الخبر: ولك أن تأخذ
стр. 788
من ماله مقدار ليلة، وفي الحديث: أيما أهل عرضة أو قرية بات فيهم رجل من المسليمين جائعاً فقد برئت منهم الذمة، وكان الثوري يسأل في البوادي من الحجاز إلى صنعاء اليمن، فقال: كنت أذكرهم حديث عبد الله هذا في الضيافة، قال: فيخرجون إليّ طعاماً فآكل شبعي وأترك ما بقي، والمسافر هو ابن السبيل الذي أوجب الله حقه في الأموال، لأن السبيل هو الطريق، وراكبها ابنها، لأنه صاحب طريق وسالكه، وليس عليه أيضاً في الثواء عن أخيه المسلم ثلاثة أيام شيء، لأنه مقيم على ما أبيح له.
وقال رسول الله ﷺ : الضيافة ثلاثة، فما زاد فهو صدقة، فلا يقيمنّ فوق ثلاث، فقد نهى رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: ولايقم فوق ثلاث فيحوجه أن يضيق عليه، وتأويل قوله عندي فما زاد فهو صدقة، أي مروه لامندوب إليه، ولا مأمور به، فإن اختار الصدقة ولم ينزّه نفسه عنها فهو أعلم، أي وما كان في الثلاث فهو حقّ له وواجب على مضيفه، فإن سألوه الأقامة فوق ثلاث أو علم أنهم يحبون الإقامة فلا بأس بذلك، وقد تأول بعض الصوفية قول النبي ﷺ : فما زاد فوق ثلاث فهوصدقة، إنه صدقة على أصحاب المنزل من الضيف، تصدّق عليهم لإقامته، لأنه مثوبة لهم، ولا يعجبني هذا التأويل، وليحافظ على صلاته في أوقاتها بحسن طهارة وجميل أداء، وليحفظ قلبه أن يتشتت، فإن السفر قد يشتّت همّ المريد، ويجمع همّ العارفين، ويشغل قلوب الضعفاء، ويروح قلوب الأقوياء، وهو محنة وكشف لأخلاق العبد، وقال عمر بن الخطاب ﵁ للرجل الذي زكّى عنده رجلاً لما سأله عنه ليقبل شهادته فقال له: هل صحبته في السفر الذي يستدلّ به على مكارم الأخلاق؟ فقال: لا، قال: ما أراك تعرفه، وعن بعض السلف: إذا أثنى على الرجل معاملوه في الحضر ورفقاؤه في السفر فلا تشكّوا في صلاحه إذ ذاك، لأنّ السفر يسيء الأخلاق، ويكثر الضحر، ويخرج مكامن النفس من الشحّ والشره، وكل من صلحت صحبته في السفر صلحت صحبته في الحضر، وليس كل من صحب في الحضر صلح أن يصحب في السفر، وقال بعض السلف: ثلاثة لا يلامون على الضجر، الصائم، والمريض والمسافر، ولا ينبغي أن يفارقه من الأسباب أربعة، الركوة، والحبل، والإبرة بخيوطها والمقراض، وكان الخواص من المتوكلين، ولم تكن هذه الأربعة تفارقه، وكان يقول: ليست من الدنيا، وبعض الصوفية كان يقول: إذا لم يكن مع الفقير ركوة وحبل دلّ ذلك على نقصان دينه، وكان جماعة من أرباب القلوب وأهل المعاينة بالأحوال إذا استوطنت نفوسهم مصر أو سكنت إلى موضع عملوا في الغربة لرفع العادة وإيثاراً للقلة والذلة، وقالوا: لا يخلو المؤمن من قلّة أو علّة أو ذلّة، وكانوا إذا خافوا الاستشراف إلى الخلق خرجوا في
стр. 789
الأسفار لقطع ذلك وحسمه من الأذكار، وقد كان الخواص لا يقيم في بلد أكثر من أربعين يوماً ويرى إنّ ذلك علّة في توكله فيعمل في اختبار نفسه وكشف حاله.
وحدثنا عن بعض الشيوخ قال: لبثت في البرية أحد عشر يوماً لم أطعم شيئاً،، وتطّلعت نفسي أن تعرّج على حشيش البرية، فرأيت الخضر مقبلاً نحوي فهربت منه، فلما ولّيت عنه هارباً التفتّ إليه، فإذا هو قد رجع عني، فانظروا إلى وليّ الله كيف لم يفسد على توكلّي، فقيل له: لِمَ هربت منه؟ قال: تشوّفت نفسي أن يقيتني، وعلى المسافر من أهل القلوب أن يفرّق بين سكون القلب إلى الوطن والسفر، وبين سكون النفس إليهما، فإنّ ذلك قد يلتبس فيحسب من لا بصيرة له، ولا تفتيش لحاله، ولا صدق في أحواله، أنّ سكون النفس هو سكون القلب فينقص بذلك ولا يفطن لنقصانه، فإن كان قلبه يسكن إلى أحدهما وفيه صلاح دينه وعمارة آخرته ومحبة ربه، فهذا سكون القلب لأنه يسكن إلى أخلاق الإيمان وماورد العلم به وإن كانت نفسه تسكن إلى أحدهما مما فيه عاجل حظوظ وعمارة دنياه وموافقة هواه، فهذا سكون نفس، لأنها تسكن إلى معاني الهوى، فليتحوّل من الوطن إلى الغربة، وليرجع من الغربة إلى المصر، ومن كان في سفر على غير هذا النعت من التفقد لحاله وحسن القيام بأحكامه فهو على هوى وفتنة، وسفره بلاء عليه ومحنة، وفصل الخطاب أنّ من لم يكن له في سفره حال يشغله، وهمّ يجمعه، ووقت يحبسه، ومأوى يظلّه، ومسكن يؤنسه، وزاد من باطنه، وعلم من عالمه، فإنّ الحضر أرفق لحاله، وأصلح لقلبه، وأسكن لنفسه من السفر، لأنه يكون في السفر مشتّت السرّ، مفرق الهمّ، تارة بوجود معلوم يخاف عليه، ومرة بفقد معتاد يحنّ إليه، مرة باستشراف إلى خلق يطمع فيه، فمرة يضعف قلبه مع العدم، وتارة يقوى بالاستطلاع إلى البشر، ومرة يفزع بفقد ما عنده قد حضر، فمثل هذا يكون في السفر نقصان ما ادعى، والسفر يجمع همّ الأقوياء، ويشتّت قلوب الضعفاء، ويذهب أحوال أهل الابتداء، ثم إن لم يصلح قلبه ولم يستقم حاله في الحضر فإنه لايصلح حاله ولا يستقيم قلبه في السفر، وأنشدوا لبعض السائحين في التغرّب:
ألفت التفرّد والغربه ... ففي كل يوم أطي تربه
فيوم مقيم على نعمه ... ويوم مطلّ على نكبه
ومما يطلب نفس الغري ... ب حبيب تطيب به الصحبه
وقد نهى رسول الله ﷺ أن يسافر الرجل وحده فقال: الثلاثة نفر، وقال: إذا كنتم في سفر ثلاثة فأمروا أحدكم، قال: فكانوا يفعلون ذلك، ويقولون ذاك أمير أمر رسو ل الله ﷺ وكذلك يستحبّ.
وقد جاء في الخبر: خير الأصحاب أربعة، والأسفار، والنزه لا تطيب إلاّ في
стр. 790
جماعة، وأقل الجماعة اثنان، والثلاثة والأربعة أفضل، والسياحة لا تحسن إلا على الانفراد والوحدة، فإن اتفق ثلاثة في سياحة بقلب واحد، وهمّ واحد، على حال واحد، فهم كعبد واحد، فهو حسن وفيه معاونة على البرّ والتقوى، قال الله فيمن منعه النصرة وحرمه منه الصحبة: (لاَ يَسْتَطيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مِنَّا يُصْحَبْونَ) الأنبياء: ٤٣، فمن نصره الله على نفسه فقد صحبه، ومن لم يصحبه سلَّط عليه نفسه وسخّره لها، وجمله الأمر أنّ السفر عمل من الأعمال يحتاج إلى نية وإخلاص، فمنه فرض وهو ما هرب به من معصية، ومنه فضل وهو ما طلب به طاعة، ومنه مباح وهو ما ضرب به في تجارة، ومنه معصية وهو ما سعى به في فساد.
стр. 791
الفصل الثالث والأربعون
فيه كتاب حكم الإمام ووصف الإمام والمأموم
فإن كان هذا المريد إماماً لحيّه كان عليه أن يقوم بحكم الإمامة حتى يتمّها، فيستحق الإمام بأن يكون له مثل أجر من صلّى خلفه بأن يكون داعياً إلى الله ، قائماً بين الله تعالى وبين عباده هو وجهتهم وطريقتهم إليه، وفي الخبر: إنما الإمام أمير، فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا، وفي الحديث فإن تمّ فله ولهم، وإن نقص فعليه ولا عليهم، وفي الخبر: أئمتكم وفدكم إلى الله ، فإن أردتم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم، وفي الخبر المشهور: الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين، وفي الحديث: ثلاثة لا تقبل لهم صلاة، وفي لفظ آخر: لا تجاورصلاتهم رؤوسهم: العبد الآبق، وامرأة زوجها عليهاساخط، وإمام قوم وهم له كارهون، فأوّل ما عليه من الشروط أن يكون مجتنباً للفسوق والكبائر وغير مصرِّ على الصغائر، قارئاً لكتاب الله ، أو لما يحسن منه بغير لحن ولا إحالة معنى، عالماً بفرائض الصلاة وسننها، وما يفسدها وما يوجب السهو وما لا يوجبه منها، وإنْ حدثت عليه حادثة في الصلاة، أو ذكر أنه على غير وضوء ورع واتقى اللهّ ، وخرج من صلاته وأخذ بيد أقرب الناس منه، فاستخلفه في مقامه، وقد أصاب ذلك رسول الله ﷺ إمام الأمة في الصلاة فخرج منها، وذلك أنه ذكر أنه كان جنباً فاغتسل، ثم رجع فدخل في الصلاة، فإن كانت الحادثة في الصلاة فعل ذلك، وإن كان ذكر أنه دخل في الصلاة على غير طهارة خرج ولم يستخلف وابتدأ القوم صلاتهم، فليكن الإمام مأموناً على طهارته بإكمالها، مأموناً في صلاته بإقامتها، مخلصاً بالإمامة، يريد بها وجه الله تعالى وما عنده، ولايحلّ له أن يأخذ على الصلاة أجراً ولا على الأذان الذي هوطريق إليها، أمر رسول الله ﷺ عثمان بن أبي العاص الثقفي فقال: واتخذ مؤذناً لا يأخذ على الأذان أجراً، فهذا الداعي إلى الصلاة لا يحلّ له أن يأخذ على دعائه أجراً فكيف المصلّي القائم بين الله وبين عباده؟ وقد كان بعض السلف يقول: ليس بعد الأنبياء أفضل من العلماء، ولا بعد العلماء
стр. 792
أفضل من أئمة المصلّين، لأنّ هؤلاء قاموا بين الله ﵎ وبين خلقه، هذا بالنبوّة، وهذا بالعلم، وهذا بعماد الدين، وهي الصلاة، وبهذه الحجة احتّج على عليّ ﵁ في تقدمة أبي بكر رضي الله تعالى عنه للخلافة لما أهله رسول الله ﷺ لديننا قال: فنظرنا فإذا الصلاة عماد الدين، فاخترنا لدنيانا من رضيه رسول الله ﷺ لديننا، وقال ورجل: يارسول الله دلّني على عمل يدخلني الجنة، فقال: كن مؤذناً، قال: لا أستطيع، قال: كن إماماً، قال: لا أستطيع، قال: فصلِّ بإزاء الإمام، وقد كان بعض الورعين يتورع عن الإمامة لما فيها ولما على الإمام من ثقلها وتحملها، وكانوا يختارون الأذان على الإمامة ويفضلونه عليها، منهم كثير من الصحابة، وعليه أن يراعي أوقات الصلوات ليصلّي في أوائلها، فيدرك رضوان الله ، وبيّن فضل الصلاة في أول وقتها على الصلاة في آخر وقتها كفضل الآخرة على الدنيا، كذلك روي عن رسول الله ﷺ ، وفي حديث آخر: أنّ العبد ليصلِي الصلاة في آخر وقتها ولم يفته ولما فاته من أول وقتها خير له من الدنيا وما فيها، وليتمّ الركوع والسجود والاعتدال والقعود بنيهما، فيكون ذلك قريباً من السواء، معتدلاً كله، حتى يدرك مَنْ وراءه من الضعفاء والمرضى، فتلك كانت صلاة رسول الله ﷺ ، وينبغي أن يكون له ثلاث سكتات.
كذلك روى سمرة بن جندب وعمران بن حصين عن رسول الله ﷺ ، أولهن: إذا كبر وهي الطولى منها مقدار ما يقرأ من خلفه فاتحة الكتاب لئلا يقرؤوا في قراءته، فيكون عليه ما نقص من صلاتهم، فإن لم يقرؤوا فاتحة الكتاب في سكوته واشتغلوا بغيرها، فذلك حينئذ عليهم، وقد فعل هو ما عليه، والسكتة الثانية إذا فرغ هو من قراءة الحمد ليتمم من بقى علي شيء من فاتحة الكتاب في هذه السكتة وهي على النصف من السكتة الأولى، والسكتة الثالثة إذا فرغ من قراءة السورة قبل أن يركع وهي أخفهّن على النصف من السكتة الثانية لئلا يكون مواصلاً في صلاته بأن يصل التكبيرة بالقراءة ويصل القراءة بالركوع فقد نهى عن ذلك، وعلى المأموم أيضاً أن لا يصل تكبيره الإحرام ولا تسليمه بتسليم الإمام، وعليهما أن لا يصلا التسليمتين ليفصلا بينهما، فقد نهى عن المواصلة في الصلاة وهي في هذه الخمس، وعلى المأموم أن يكبر ويركع ويسجد ويرفع ويضع بعد الإمام ولا يخرّون سجّداً حتى تقع جبهة الإمام على الأرض وهم قيام ثم يخرّون بعده، كذلك كانت صلاة الصحابة خلف رسول الله ﷺ ، ولا يكبر حتى يعتدل الصف وراءه، وليلتفت يميناً وشمالاً، فإن كان أعوج أشار بيده، وإن رأى خللاً أمر بسدّه فإن تسوية الصف من تمام الصلاة، وكانوا يحذون بين المناكب ويتضامون في الكعاب، وقد قيل: إنّ الناس يخرجون من الصلاة على ثلاثة أقسام، طائفة بخمس وعشرين
стр. 793
صلاة وهم الذي يتمون صلاتهم بعد ركوع الإمام وسجوده، وطائفة بصلاة واحدة وهم الذين يكبرون ويركعون ويسجدون معه مواصلة له ومبادرة، وطائفة تخرج بغير صلاة وهم الذين يرفعون ويضعون قبله فيسابقون إمامهم، وليقرأ في صلاة الغداة بسورتين من المثاني وهي مادون المائة، فإن الإطالة في قراءة الفجر والتغليس سنّة، ولا يضرّه خروجه منها مسفراً إذا كان قد دخل فيها مغلساً، ولا أكره أن يقرأ في الركعة الثانية منها بأواخر السور من نحو الثلاثين أو العشرين إلى أن يختمها لأن في ذلك مزيد تذكرة وفضل تبصرة، لأنه يبعد طروقه على الأسماع لكثرة الاعتياد لتلاوة السور القصار فهي أدنى إلى الانقطاع والتفكّر، وإنما كره أن يقرأ من أوّلها كذلك، ثم يقطع أو يقرأ من وسطها، ثم يركع قبل أن يختمها هذا الذي كرهه بعض العلماء.
وقد روينا أنّ النبي ﷺ قرأ بعض سوررة يونس فلما انتهى إلى ذكر موسى وفرعون قطع فركع، وروينا حديثاً أشهر منه أنّ النبي ﷺ قرأ في ركعتي الفجر مائة مرة من سورة البقرة قوله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِالله) البقرة: ١٣٦ الآية، وفي الثانية: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ) آل عمران: ٥٣، وفي رواية أنه قرأ فيهما: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ) آل عمران: ١٨، وأنه سمع بلالاً يقرأ من ههنا وههنا فسأله عن ذلك فقال: أخلط الطيب بالطيب، فقال: أحسنت أو أًصبت، والخبر المشهور عن أبي بكر الصديق قال الصنابحي: صلّيت خلفه المغرب فأصغيت إليه في الركعة الثالثة، فإذا هو يقرأ هذه الآية: (رَبَّنَا لاَ تُزِغ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا) آل عمران: ٨ الآية، فكذلك يستحبّ أن يقرأ بهذه الآية خاصة في الثالثة من صلاة المغرب، وروينا عن ابن مسعود أنه أمّ الناس في صلاة العشاء الآخرة فقرأ في الركعة الثانية بالعشر الأواخر من سورة آل عمران، وأنه قرأ أيضاً في هذه الصلاة بآخر سورة الفرقان من قوله ﵎: (تبارك الذي جعل في السماء بُرُوجاً) الفرقان: ٦١ وقد قال الفقهاء في المستحبّ من القراءة بعد سورة الحمد من الزيادة عليها أن يقرأ ثلاث آيات من سورة، وبعضهم يقول: آيتين من سورة، فإن اكتفى بسور الحمد أجزأه.
وقد روينا عن جابر بن زيد فقيه أهل البصرة وكان ابن عباس يستخلفه في الفتيا ويأمر أن يستفتي أنه افتتح الصلاة ثم قرأ الحمد ثم قال: (مدهامتان) الرحمن: ٦٤ وركع، وهذه أقصر آىة في كتاب الله وبعدها، ثم نظر وقد رأيت بعض الأئمة في جامع عظيم من جوامع المسلمين قرأ في الركعة الثانية من صلاة العشاء الاخرة بآخر سورة يونس وخلفه العلماء والأشهاد، فما أنكر عليه أحد، وليقرأ في صلاة الظهر بطوال المفصل إلى الثلاثين آية، في صلاة العصر بوسط المفصل على نصف صلاة الظهر، في المغرب بأواخر المفصل وآخر صلاة صلاّها رسول الله ﷺ المغرب قرأ فيها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 794
سورة والمرسلات ما صلِّى بعدها حتى قبض ﷺ ، وقال أنس: كان رسول الله ﷺ من أخفّ الناس صلاة في تمام ثم قال أيضاً: كان رسول الله ﷺ يأمر بالتخفيف في الصلاة وإن كان ليؤمنّا بسورة والصافات.
وقد روينا عن رسول الله ﷺ في الرخص إذا صلّى أحدكم بالناس فليخفّف فإن فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة، وإذا صلّى لنفسه فليطول ما شاء، وقد كان معاذ بن جبل يصلِي بقومه صلاة عشاء الآخرة فافتتح بسورة البقرة، فخرج رجل من الصلاة وأتّم لنفسه، ثم انصرف فقالوا: نافق الرجل، ثم تشاكيا إلى رسول الله ّ ﷺ فأشكى الرجل وزر معاذ وقال: أفتّان أنت؟ اقرأ بسورة سبّح والسماء والطارق والشمس وضحاها، وليسبّح في ركوعه وسجوده سبعاً أو خمساً ليدرك من وراءه ثلاثاً ثلاثاً لأنهم يركعون ويسجدون بعده.
وروينا أنّ أنس بن مالك لما صلّى خلف عمر بن عبد العزيزكان أميراً بالمدينة قال: ما صلِت بعد رسول الله ﷺ مثل صلاة هذا الشاب قال: وكنا نسبّح وراءه في الركوع والسجود عشراً عشراً، وقد روينا مجهلاً عن رسول الله ﷺ قال: كنا نسبح وراءه في الركوع والسجود عشراً عشراًً، فإن قرأ في الأخيرتين من الظهر والعصر وعشاء الاخرة بعد الحمد بسورة قصيرة أو آيتين من سورة فحسن ليدرك مَنْ وراءه قراءة الحمد على مهل، وقد اختلف مذهب السلف في الإمام يكون راكعاً فيسمع خفق النعال هل ينتظر في ركوعه ويتوقّف حتى يدخلوا في الركعة أو لا يباليهم؟ فقال بعضهم: ينتظر حتى يلحقوا معه وممن اختاره الشعبي، وقال آخرون: لا ينتظرهم فإن حرمة من معه في الصلاة أعظم من حرمة من تأخر عنها، وقال بهذا إبراهيم النخعي، وكذلك قال فقهاء الحجاز: لا ينتظرهم فإنه زيادة في الصلاة، ومن الإخلاص بها ترك التوقف بها لأجلهم، وقال بعض فقهاء الكوفة إن انتظرهم فحسن ليدركوا معه الجماعة فيكون له فضل إدراكهم، وقد قدم عثمان القنوت قبل الركوع في صلاة الغداة ليدركوا الناس الركوع، والذي عندي في هذا التوسط وهو أنه ينتظر فإن سمع خفق نعالهم في أوّل ركوعه فلا بأس أن يمدّ حتى يلحقوا، وإن سمعها في آخر ركوعه عند رفع رأسه لم أحبّ أن لا يزيد في الصلاة لأجلهم فليرفع ولا يبالي، وأفضل التشهد عندي الذي رواه ابن مسعود وجابر، وقد اختلفت الروايات في ألفاظ التشهد والذي اختاره، وأقوله ما رويناه عن عبد اللهّ بإثبات الواوات، وبتقديم اسم الله في أوله، وبزيادة المباركات، فأكون بذلك جامعاً بين جميع الروايات لأن في حديث عمر ذكر المباركات وتأخير قوله لله ، ومن رواية ابن عمر ذكر التسمية.
стр. 795
وقد روينا ذلك في حديث الثوري عن أيمن بن وائل عن أبي الزبير عن جابر أنّ رسول الّه ﷺ كان يقول: بسم الله، وبالله، التحيّات لله، والصلوات والطّيبات لله ، فهذا هو الأفضل عندي لأنه هو الأحوط ولدخول روايات الجماعات فيه، ثم اختلفوا في مواجهة النبي ﷺ بالإشارة إليه في السلام، أو تركها، فالذي اختاره السلام على النبي ﷺ إلى ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد اللهّ الصالحين لأنه قد جاء في بعض الأخبار كالتفسير لما ذكرناه، قال: كنا نقول إذا كان رسول الله ﷺ بين أظهرنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فلما قبض ﷺ صرنا نقول: السلام على النبي، وفي كل الروايات قوله: وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، فكذلك اختار إلا في رواية عمر، فإنه ذكره رسول الله ﷺ ، وحدثني بعض العلماء عن بعض الصالحين قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فقلت: يا رسول الله قد اختلف العلماء علينا في التشهد فيم نأخذ فقال: التشهد هو الذي رواه ابن أم عبد، ولا يدع أن يستعيذ في تشهده بالكلمات الخمس فيقول: أعوذ بك من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيّا، والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، قد فعله رسول اللهّ ﷺ وأمر به، والمسيح بنصب الميم مع التخفيف لأنه قيل سمّي كذلك معدول به من ماسح، أي يمسح الأرض مسحاً، لأنه قيل: تطوى له الأرض، وبعض أهل اللغة يقول: عدل به عن ممسوح العين أي مطموسها، والتكبير والتسليم جزم والأذان جزم، قد قيل ذلك واستحبّ أنْ يكون المؤذن غير الإمام.
وقد روينا في الخبر أنّ رسول الله ﷺ كره أن يكون الإمام مؤذناً، وقد كان عمر ﵁ إذا ذكر فضل الأذان يقول لولا الإمامة لأذنت.
وروينا عن النبي ﷺ : الأذان إلى المؤذن والإقامة إلى الإمام؛ أي هو أملك بها، وللمؤذن أنْ ينتظر الإمام، وليس على الإمام والمأموم انتظار المؤذن إذا دخل الوقت، ولا على المؤذن انتظار أحد إذا انتظر الإمام ودخل الوقت، والصلاة في أول وقتها أفضل من انتظار الجماعة لها، وأفضل من قراءة طوال السور فيها، وقيل: قد كانوا إذا حضر اثنان في الصلاة لم ينتظروا الثالث، وإذا حضر أربعة في الجنازة لم ينتظروا الخامس، وقيل: انتظار المأموم مع شهود الإمام مكروه والنعي بالميت والإيذان به بدعة، وقد تأخر رسول الله ﷺ من صلاة الفجر وكانوا في سفر، وإنما تأخر لطهارة، فلم ينتظر، وقدموا عبد الرحمن بن عوف فصلّى بهم حتى فاتت رسول الله ﷺ ركعة فقام يقضيها، قال: فأشفقنا من ذلك فقال: أحسنتم هكذا فافعلوا، وقد تأخر في صلاة الظهر فقدموا أبا بكر ﵁ حتى جاء وهم في الصلاة، فقام إلى جانبه، ليدخل في الصلاة مكبّراً إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، ويكون الناس قد قاموا إذا
стр. 796
قال المؤذن: حيّ على الصلاة، كذلك السنة وعليه كان السلف.
وروينا عن عليّ ﵇ وعبد الله وكانوا إذا قال المؤذن: حيّ على الصلاة قام الناس للدعوة، فإذا قال: قد قامت الصلاة كبّر الإمام، ويبقى المؤذن وحده يتم الإقامة، ثم يدخل في الصلاة والإمام يقرأ سورة الحمد، لأنّ حقيقة قوله قد قامت الصلاة أي قد قام الناس للصلاة، وقد قام المصلّون لأنّ الصلاة لا تقوم، فإذا قاموا عند قوله: قد قامت الصلاة كان المؤذن صادقاً في قوله، وإن كان جائزاً على المجاز لقرب الوقت وظهور سبب القيام، ولذلك كره أن يكون الإمام مؤذناً لأنه حينئذ يحتاج أن يكبّر ويدخل الناس في الصلاة عند قوله: قد قامت الصلاة، وكذلك جاء عن السلف من السنّة أن يكون الأذان في المنارة والإقامة في المسجد ليقرب على المؤذن الدخول في الصلاة، وكذلك قال بلال لرسول الله ﷺ : لا تسبقني بآمين؛ أي تمهّل حتى أدرك النامين معك لفضله إذ قد علم أنه يسبقه بافتتاح الحمد، وفي هذا دليل على صحة اختيارنا فيما ذكرنا من انتظار الإمام لمن سمع خفق نعله إذا كان في أول الركوع لقول بلال: لا تسبقني بآمين ولم يقل: لا تسبقني بالحمد ولا أستحبّ للإمام الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وإن كانت آية من سورة الحمد فأكثر الروايات وأثبتها عن رسول الله ﷺ ترك الجهير بها، وأنه الآخر من فعله فقد كانوا يأخذون بالآخر فالآخر من أفعاله ﷺ ولأنه مذهب أكثر العلماء.
وروينا عن ابن مسعود أنه قال: من السنّة أن لا يخفي الإمام أربعاً؛ سبحانك اللهم، والاستعاذة، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم، والتأمين، وقد روينا عن عليّ كرّم الله وجهه: الجهر بها، وعن ابن عباس: ليس من السنّة الجهر بها ولا أكره القنوت في صلاة الغداة بالكلمات الثمانية التي رويت عن الحسن عن رسول الله ﷺ أن يقولها سرّاً ولا يرفع يديه، لأنها تجري مجرى الدعاء، وإن ترك ذلك فحسن، قد تركه أكثر الفقهاء واستحبّ أن يقرأ في ليلة الجمعة وغداتها من السور ما روينا عن رسول الله في حديثين؛ المشهور منهما: أنه كان يقر في صلاة الغداة يوم الجمعة بسورة السجدة (هَل أَتى) الدهر: ١، والحديث الآخر، أنه كان يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة (قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ وقُلْ هُوَ الله أحَدٌ) الكافرون: ١، الإخلاص: ١، وفي عشاء الآخرة بسورة الجمعة وسورة المنافقين، واستحبّ أن يقول في تشهّده من الدعاء ما علم رسول الله ﷺ عائشة من الجوامع والكوامل: اللهم إني سألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، أسألك مما سألك منه محمد ﷺ ، وأعوذ بك ما استعاذك منه محمد ﷺ ، أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم ما قضيت لي من أمر فاجعل عاقبته رشداً،
стр. 797
ثم يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ويقول: (رَبَّنا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا) آل عمران: ٨ الآية، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وَقنا عذاب النار، وليس بعد هذا دعاء مفضل ولا كلام مأثور سوى ما ذكرناه آنفاً من الاستعاذة بالكلمات الخمس، وإنْ اقتصر عليها أجزأته ويكره للإمام أن يخصّ نفسه بدعاء دون من خلفه فإن دعا في صلاته فليجمع بالنون فيقول نسألك ونستعيذك وهو ينوي بذلك نفسه ومن خلفه.
وفي الخبر: من أمّ قوماً فلا يخصّ نفسه بدعوة دونهم فإن اختار المريد التأذين على الإمامة فقد قال بعض السلف من العلماء: إنّ الأذان أفضل من الإمامة، وإنّ المؤذن أعظم أجراً لقول النبي ﷺ : الإمام أمير، ولقوله: الإمام ضامن، فشبهها بالإمارة والضمان، ثم قال: فإن نقص فعليه لا عليهم، فالأذان أسلم، ولعله لا يقوم بحكم الإمامة، ولا يتمّ وصف الإمام فيكون عليه بعض صلاة المصلّين كما يكون له أيضاً في الإتمام أجورهم، وأيضاً فإن رسول الله ﷺ دعا للمؤذنين دعاء هو أمدح من دعائه للإمام بقوله: اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين وبقوله: يغفر للمؤذن مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس، ووصفه أيضاً بوصف هو أبلغ فقال: المؤذن مؤتمن، وفي لفظ آخر: مؤذنوكم وأئمتكم ضمناؤكم، فالأمين أرفع حالاً من الضامن لأنّ الضامن غارم، وقد لا يكون أميناً، والأمين مكيناً، ولا ضمان عليه؛ ومن هذا كره سهل بن سعد الساعدي الإمامة، قال أبو حازم: قلت لسهل بن سعد وكان يقدم فيتان قومه يصلّون به، فقلت: أنت صاحب رسول الله ﷺ ولك من السابقة والفضل لو تقدّمت فصلّيت بقومك، فقال: يا ابن أخي سمعت رسول الله ﷺ يقول: الإمام ضامن فأكره أنْ أكون ضامناً، وفي الخبر: من أذّن في مسجد سبع سنين وجبت له الجنة، ومن أذّن أربعين عاماً دخل الجنة بغير حساب، وفي الخبر عن رسول الله ﷺ : ثلاثة يوم القيامة على كثيب من مسك يفزع الناس ولا يفزعون حتى يقضي بين الخلائق؛ رجل قرأ القرآن فأدّاه إلى الله بما فيه، ورجل أذّن في مسجد ابتغاء وجه الله تعالىى، ورجل ابتلى بالرق في الدنيا فأطاع الله وأطاع مواليه.
وروينا في تفسير قوله تعالى: (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله) فصلت: ٣٣؟ قال: نزلت في المؤذنين وعمل صالحاً قال: الصلاة بين الأذان والإقامة يستجب إذا فرغ المؤذن من الأذان أن يقول: وأنا من المسلمين الحمد لله رب العالمين، وتلا قوله وعمل صالحاً، وقال: إنني من المسلمين، وقوله مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين، فاستحب أنْ يصلّي المؤذن بين الأذان والإقامة أربعاً، وأنْ يجهد في الدعاء، قال: وكان السلف يكرهون أربعاً ويتدافعونها عنهم: الإمامة والفتيا والوصية والوديعة، وقال بعضهم: ما شيء أحب إليّ من الصلاة في جماعة، وأكون مأموماً فأكفى سهوهاً ويتحمل غيري ثقلها، ولكن إذا أقمت الصلاة فليتقدم من أمر بالتقدم ولا يتدافعونها، فقد جاء في العلم
стр. 798
أنّ قوماً تدافعوا الإمامة بعد إقامة الصلاة فخسف بهم، ولكن لا يقيم المؤذن حتى يحضر الإمام، ولا ينتظروا الإمام قياماً فإنه مكروه، وقال رسول الله ﷺ : لا تقوموا حتى تروني، وكان بشر بن الحارث يقول: من أراد سلامة الدنيا وعزّ الآخرة فليجتنب أربعاً: لا يحدث ولا يشهد ولا يؤم ولا يفتي، وفي بعضها ولا يجيب دعوة، وقال مرة: ولا يقبل هدية وهذا من تشديده، والذي اختار من التأذين والإقامة مذهب أهل الحجاز بتثنية الأذان، بالترجيع وإفراد الإقامة، وأنْ يزيد في أذان الفجر الصلاة خير من النوم مرتين، وأنْ يؤذن لها قبل دخول الوقت، خاصة ليتأهب لها المصلّون وإنما هي الصلاة الوسطى إلاّ أنْ يتفقوا على صحة الحديث شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، فليدع الاختيار للآثار، وإنْ يمدّ المؤذن صوته ويرفعه جهده ويترسل أذانه، وقيل كانوا يستحبون خفض الصوت في كل موطن إلاّ في موضعين: في الأذان وعند التلبية.
وفي الخبر: يتمهل المؤذن بين أذانه وإقامته قدر ما يفرغ الأكل من طعامه، والمعتصر من اعتصاره، فهذا توقيت من مقدار المصلّين بين الأذانين، فمن كانت به حاجة إلى هذين فليقدم ذلك قبل دخوله في الصلاة لئلا يشغله شيء عن صلاته، ونهى رسول الله ﷺ عن مدافعة الأخبثين في الصلاة، وأمر بتبدئة العشاء في قوله: إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء، ذلك ليكون القلب فارغاً لربه خالياً من نوائبه، فذلك من إقامة الصلاة وتمامها، وأكره الإمامة لمن كثر سهوه في الصلاة، أو دام اشتغال قلبه عن فهم المناجاة، أو لمن علم أنّ وراءه من هو أقرأ منه أو أفقه في الدين والعلم وإنْ كان هو عابداً صالحاً، أو لفقيه بالعلم إذا كان وراءه أتقى منه وأصلح وأروع بعد أنْ يكون مؤدّياً لفرض التلاوة، ولا يؤم الأمي القراء ولا الأعجمي الفصحاء ولا المتيممون المتوضئين، وإنْ اتّفق أميّون قدم أقرؤهم وإنْ حضر أئمة قرّاء فليتقدم بالعلم، وإنْ اتّفق رجلان أحدهما قد جمع كل القرآن إلاّ أنّ الآخر أحسن تجويداً وتثقيفاً لما يقرأ منه، وليس يحفظ جميعه فليقدم أقومهم قراءة إذا كان عالماً بالصلاة، وفي الخبر: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة سواء فأفقههم في الدين، فإن كانوا في الفقه سواء فأكبرهم سنّاً، فلذلك الأمر الرجل أحق بالإمامة إذا كان في منزله إلاّ أنْ يأذن، واستحب للإمام إذا سلم أنْ يسرع الانفتال بوجهه إلى الناس، وأكره للمأموم القيام قبل انفتال إمامه، فقد روينا في ذلك سنّة حسنة عن طلحة والزبير، أنهما صلّيا في البصرة خلف إمام، فلما سلّما قالا للإمام: ما أحسن صلاتك وأتمّها، كما كنا نصلّي الأشياء، واحداً أنك لما سلمت لم تنفتل بوجهك، ثم قالوا للناس: ما أحسن ما صلّيتم إلاّ أنكم انصرفتم قبل أنْ ينفتل إمامكم، ومن كرهه جيرانه
стр. 799
أو كرهه مَنْ وراءه من المأمومين فلا يحل له أنْ يتقدم، فإن اختلفوا فكرهه قوم وأحبه آخرون، نظر إلى أهل الدين والعلم منهم فحكم بقولهم ولا يعتبر الأكثر إذا كان الأقلون هو الأخير، ولا يصلّي خلف مبتدع، فمن صلّى خلف مبتدع ولا يعلم فليعد، ومن سمع الأذان من مسجد وهو في طريق يمشي فليدخل فليصلِّ، ولا يؤخر إلى مسجد آخر إلاّ لأحد معنيين: أنْ يكون على يقين من لحوق إمام آخر أفضل من هذا، أو يكون يعرف هذا ببدعة أو فسوق، وإلاّ فالصلاة مع أوّل من قام بها من المسلمين أفضل.
وفي الخبر: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، وفي جار المسجد قولان: أحدهما من سمع الأذان وروي هذا عن عليّ ﵇، والثاني من كان بينه وبين المسجد ثلاث دور وهو الرابع، والتشديد في ترك الجماعة على من سمع التأذين، ومن كان في جنبه مسجدان فأولاهما بالصلاة فيه أقربهما منه، وهذا مذهب الحسن إلاّ أنْ يكون له نية في كثرة الخطا إلى الأبعد، أو يكون إمام الأبعد هو الأفضل، وقيل: أقدمهما، وروي هذا عن أنس بن مالك وبعض الصحابة، أنهم كانوا يجاوزون المساجد المحدثة إلى العتق، ومن كان مأموماً فلا يقرأ سورة مع الحمد فيما يجهر به الإمام أصلاً ولا يقرأ الحمد أيضاً إلاّ في سكتات الإمام وإنْ قطعها، فإن لم يكن للإمام سكتات قرأ الحمد فقط فيما يجهر به الإمام، وكان ما عليه من وزر قراءته في قراءة الإمام على إمامه، لأنه قد نقص صلاته وترك ما عليه، فالله حسيبه، فإذا أسر الإمام فليقرأ الحمد وسورة إذا أمكنه ولا بدّ من قراءة الحمد وحدها، واستحب للإمام أنْ يتحول إذا صلّى المكتوبة فلا يصلّي في موضعه نافلة، ففي الخبر: أن النبي ﷺ كان إذا سلم وثب، وكان أبو بكر ﵁ إذا سلم وثب، وكان عمر ﵁ إذا سلم وثب، وفي الخبر المشهور أنه لم يكن يقعد إلاّ قدر قوله: اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، ثم ينصرف، وإنْ تحول المأموم فصلّى النافلة في غير مكان الفريضة ولو بقدم فحسن، ففي ذلك أثر، فإن جلسا قليلاً للتسبيح والدعاء فلا بأس، وهذا آخر كتاب الإمامة.
стр. 800
الفصل الرابع والأربعون
كتاب الأخوة في الله
﵎، والصحبة والمحبة للإخوان فيه، وأحكام المؤاخاة وأوصاف المحبين:
ذكر الله عباده المؤمنين نعمته عليهم في الدين، إذ ألف بين قلوبهم بعد أن كانوا متفرقين، فأصبحوا بنعمته إخواناً بالألفة متفقين، وعلى البرّ والتقوى مضطجعين، ثم ضم التذكرة بالنعمة عليهم إلى تقواه، وأمر بالاعتصام بحبله وهداه، ونهى عن التفرق إذ جمعتهم الدار، وقرن ذلك بالمنة منه عليهم، إذا أنقذهم من شفا حفرة النار، وقد جعل ذلك كله من آياته الدالة عليه وسيله الواصلة بالهداية إليه، فقال في جمل ما شرحناه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) آل عمران: ١٠٢ (ولا تفرقوا) (ولعلكم تهتدون) آل عمران١٠٣ وقد كانت المؤاخاة في الله تعالى والصحبة لأجله والمحبة له في الحضر والسفر طرائق للعاملين، في كل طريق فريق، لما في ذلك من الفضل، ولما جاء فيه من الأمر والندب، إذ كان الحبّ في الله من أوثق عرى الإيمان، وكانت الألفة والصحبة لأجله والمحبة والتزاور من أحسن أسباب المتّقين، وقد كثرت الأخبار في تفضيل ذلك والحث عليه، وليس قصدنا الجمع لما روي لميلنا إلى الإيجاز في كل فن، ولكن نذكر الأفعال المستحسنة وما تعلّق بها مما لا بد منه، على أنّ رأي التابعين قد اختلف في التعريف، فمنهم من كان يقول أقلل من المعارف، فإنه أسلم لدينك وأقل غدا لفضيحتك، وأخف لسقوط الحقوق عنك، لأنه يقال: كلما كثرت المعارف كثرت الحقوق، وكلما طالت الصحبة توكدت المراعاة، وقال بعضهم: هل رأيت شرّاً إلا ممن تعرف، فكلما نقص من هذا فهو خير، وقال بعضهم: أنكر من تعرف ولا تتعرف إلى من لا تعرف، وممن مال إلى هذا الرأي: سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم، وداود الطائي والفضيل بن عياض، وسليمان الخواص ويوسف بن أسباط، وحذيفة المرعشي وبشر الحافي، وقال أكثر التابعين باستحباب كثرة الإخوان في الله ، بالتأليف والتحبب إلى المؤمنين، لأن ذلك زين في الرخاء، وعون في الشدائد، وتعاون على البرّ والتقوى، وألفة في الدين، وقال بعضهم: استكثر
стр. 801
من الإخوان، فإن لكل مؤمن شفاعة، فلعلك تدخل في شفاعة أخيك، وكانوا يأمرون بالأخوة ويتحاضون على الألفة، ويقال: إذا غفر للعبد شفع في إخوانه، وروينا عن رسول الله ﷺ حديثاً غريباً في تفسير قوله تعالى: (وَيَسْتَجيبُ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) الشورى: ٢٦، قال: يشفعهم في إخوانهم فيدخلهم الجنة معهم، وممن مال إلى هذا الطريق: ابن المسيب والشعبي، وابن أبي ليلى وهشام بن عروة، وابن شبرمة وشريح وشريك بن عبد الله، وابن عيينة وابن المبارك، والشافعي وأحمد بن حنبل، ومن وافقهم، وقد روينا عن رسول الله ﷺ : أنّ أقربكم مني مجلساً أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون.
وروينا عنه ﷺ : المؤمن مألوف ولا خير فيمن يألف ولا يؤلف، وقد قيل: أول ما يرفع من هذه الأمة، الخشوع ثم الورع ثم الأمانة ثم الألفة، وفي الخبر: من أراد الله به خيراً رزقه خليلاً صالحاً، إنْ نسي ذكره وإنْ ذكر أعانه، وروينا في خبر مثل الأخوين: إذا التقيا مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى، وما التقى مؤمنان إلاّ أفاد الله أحدهما من صاحبه خيراً، وروينا في خبر عن رسول الله ﷺ : من آخى أخاً في الله ، رفعه الله درجة في الجنة لا ينالها بشيء من عمله، ويقال إنّ الأخوين في الله إذا كان أحدهما أعلى مقاماً من الآخر، رفع الآخر معه إلى مقامه، وأنه يلحق به كما تلحق الذرية بالأبوين، والأهل بعضهم ببعض، لأن الأخوة عمل كالولادة، وقد قال الله سبحانه بعد قوله: (أَلَحقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّاتَهُمْ وَمَا ألتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيءٍ) الطور: ٢١، أي وما نقصناهم، وقال تعالى مخبراً عمن لا صديق له حميم تنفعه شفاعته: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعينَ وَلاَ صَديقٍ حَمِيمٍ) الشعراء: ١٠٠ - ١٠١ ومعنى حميم أي هميم، أبدلت الحاء هاء لتقاربهما، مأخوذ من الاهتمام أي مهتم بأمره، ففيه دليل أنّ الصديق لك هو المهتم بك، وإنّ الاهتمام حقيقة الصداقة، وروينا عن النبي ﷺ : المؤمن كثير بأخيه، وعن عمر بن الخطاب ﵁: ما أعطى عبد بعد الإسلام خيراً من أخ صالح، وقال أيضاً: إذا رأى أحدكم ودّاً من أخيه فليتمسك به، فقلما تصيب ذلك، وقد قال بعض الحكماء في معناه كلاماً منظوماً شعراً:
ما نالت النفس على بغية ... ألذّ من ودّ صديق أمين
مَنْ فاتَه ودّ أخ صالح ... فذلك المقطوع منه الوتين
وقد يروي هذا المصراع الثاني فذلك المغبون حقّاً يقين، وروينا في الأخبار السابقة إنّ الله ﵎ أوحى إلى موسى ﵇: يا ابن عمران كن يقظان وارتد لنفسك إخواناً، وكل خدن وصاحب لا يوازرك على مسرتي فهو لك عدو، وفي خبر غيره عن داود ﵇ أنّ الله أوحى إليه: يا داود ما لي أراك منتبذاً وحداناً،
стр. 802
قال: إلهي قليت الخلق من أجلك، فأوحى الله إليه: يا داود كن يقظان مرتاداً لنفسك إخواناً، فكل خذن لا يوافقك على مسرّتي فلا تصحبه، فإنه لك عدو ويقسي قلبك ويباعدك مني، وقد روينا عن رسول الله ﷺ : كونوا مؤلفين ولا تكونوا منفرين، وفي الحديث: إنّ أحبكم إلى الله الذين يألفون ويؤلفون، وإنّ أبغضكم إلى الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الإخوان، وفي أخبار داود ﷺ أنه قال: يا ربّ كيف لي أنْ يحبني الناس كلهم وأسلم فيما بيني وبينك، قال: خالق الناس بأخلاقهم وأحسن فيما بيني وبينك، وفي بعضها: خالق أهل الدنيا بأخلاق الدنيا، وخالق أهل الآخرة بأخلاق الآخرة، قال الشعبي عن صعصعة بن صوجان أنه قال لابن أخيه زيد: أنا كنت أحبّ إلى أبيك منك، وأنت أحبّ إليّ من ابني، خصلتان أوصيك بهما فاحفظهما: خالص المؤمن مخالصة وخالق الفاجر مخالقة، فإن الفاجر يرضى منك بالخلق الحسن وأنه لحق عليك أنْ تخالص المؤمن، وقد قال أبو الدرداء قبله: إنّا لنشكر في وجوه أقوام وإنّ قلوبنا لتلعنهم، فمعنى هذا على الثقة والمداراة ليدفع بذلك شره وأذاه، كما جاء في تفسير قوله تعالى: (إدْفَعْ بالتي هِيَ أَحْسَنُ) فصلت: ٣٤، قيل السلام: (فَإذَا الَّذي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداَوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَميمٌ) فصلت: ٣٤ وكان ابن عباس يقول في معنى قوله : (وَيَدْرَؤُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) الرعد: ٢٢، قال: يدفعون الفحش والأذى وهو السيّئة بالسلام، والمداراة وهو الحسنة، وقد كان أفضل الحسنات إكرام الجلساء، ومنه قوله : (وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) البقرة: ٢٥١، قيل بالرغبة والرهبة والحياء والمداراة، وكذلك معنى قولهم: خالص المؤمن وخالق الفاجر فالمخالصة بالقلوب من المودة واعتقاد المؤاخاة في الله ، والمخالفة المخالطة في المعاملة والمبايعة، وعند اللقاء، وكذلك جاء مفسراً: خالطوا الناس بأعمالهم وزايلوهم في القلوب، وقد قال محمد بن الحنفية بن عليّ بن أبي طالب ﵃: ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدّاً، حتى يجعل الله له منه فرجاً، فمعاملة غير تقي ومكالمته من أحوال الإضطرار، ومعاشرة التقي ومصافاته من حسن الاختيار.
وفي أخبار موسى ﵇ فيما أوحى الله إليه، إنْ أطعتني فما أكثر إخوانك من المؤمنين، المعنى: إنْ واسيت الناس وأشفقت عليهم وسلم قلبك لهم ولم تحسدهم، كثر إخوانك، ويقال إنّ أحد الأخوين في الله إذا مات قبل صاحبه.
وقيل له: ادخل الجنة سأل عن منزل أخيه، فإن كان دونه لم يدخل الجنة حتى يعطي أخوه مثل منازله، قال: ولا يزال يسأل له من كذا وكذا، فيقال إنه لم يكن يعمل مثل عملك
стр. 803
فيقول: إني كنت أعمل لي وله، قال: فيعطي جميع ما سأل له ويرفع أخوه إلى درجته معه، فقد كانوا يتواخون ويتعارفون المنافع الآخرة الباقية، لا لمرافقة الدنيا الفانية وأفضل الأخوة، كما قال بعض العلماء: المحبة الدائمة والألفة اللازمة من قبل، أنّ الأخوة والمحبة عمل، وكل عمل يحتاج إلى حسن خاتمة به ليتم العمل، فيكمل أجره، فإن لم يختم له بالآخرة ولم يحسن عاقبة الصحبة والمحبة، فقد أدركه سوء الخاتمة، بطل عنه ما كان قبل ذلك، فقد يصطحب الاثنان ويتواخى الرجلان عشرين سنة، ثم لا يختم لهما بحسن الأخوة فيحبط بذلك ما سلف من الصحبة، فلذلك شرط العالم المحبة الدائمة والألفة اللازمة إلى الوفاة ليختم له به، ويقال: ما حسد العدو ومتعاونين على برّ حسده، متواخيين في الله ومتحابين فيه، فإنه يجهد نفسه ويحث قبيله على إفساد ما بينهما، وقد قال الصادق : (وقل لعبادي يقولوا: التي هي أحسن إنّ الشيطان يَنْزَغُ بينهم) الإسراء: ٥٣ يعني يقولون الكلمة الحسنة بعد نزغ الشيطان، وقال مخبراً عن يوسف ﵇ من: (بَعْدِ أنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْني وَبَيْنَ إخْوتي) يوسف: ١٠٠ وقد يقال: ما تواخى اثنان في الله ففرق بينهما، إلاّ بذنب يرتكبه أحدهما، فقال بشر: إذا قصر العبد في طاعة الله ﵎، سلبه الله من يؤنسه، ويقال للعدو شيطان، قد وكله بالتفريق بين المتواخيين، ليس له عمل إلاّ ذلك، قد تفرغ له، ومن علامة التقى حسن المقال عند التفرق، وجميل البشر عند التقاطع، أنشدنا بعض العلماء الحكماء في معناه:
إنّ الكريم إذا تقضى وده ... يخفي القبيح ويظهر الإحسانا
وترى اللئيم إذا تصرم حبله ... يخفي الجميل ويظهر البهتانا
فوصف الكريم في هذا المعنى التخلق بخلق الربوبية، ألم تسمع إلى الدعاء المأثور عن رسول الله ﷺ في أوله: يا من أظهر الجميل وستر القبيح، ولم يؤاخذ بالجريرة ولم يهتك الستر، فكذلك صفات المؤمنين على معاني أخلاق المؤمن الأعلى، وقد كان أبو الدرداء يقول: معاتبة الصديق خير من فقده، ومن لك بأخيك كله هن لأخيك، ولن له ولا تطع الشيطان في أمره، غداً يوافيه الموت فيكفيك فقده، كيف تبكيه بعد الموت وفي الحياة تركت وصله، وقد روينا عن عليّ ﵇: أحبب حبيبك هوناً ما عسى أنْ يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أنْ يكون حبيبك يوماً ما، وقد روينا عن عمر بن الخطاب ﵁ معناه: لا يكن حبك كلفاً وبغضك تلفاً، قال: اسلم، قلت: وكيف ذاك، قال: إذا أحببت فلا تكلف كما يكلف الصبي بالشيء يحبه، وإذا أبغضت فلا تبغض بغضاً تحب أنْ يتلف صاحبك ويهلك، وفي وصية
стр. 804
عمر بن الخطاب ﵁ التي رويناها عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب، قال: قال عمر ﵁: عليك بإخوان الصدق تعش في أكمافهم، فإنهم زينة في الرخاء وعدة في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يحبك ما يغلبك منه، واعتزل عدوك واحذر صديقك من القوم إلاّ الأمين، ولا أمين إلاّ من خشي الله ، ولا تصحب الفاجر فتعلم فجوره، ولا تطلعه على سرك واستشر في أمرك الذين يخشون الله ﵎، وحدثونا عن إبراهيم بن سعيد قال: حدثنا يحيى بن أكثم قال: حدثت المأمون أمير المؤمنين فقلت له: حدثني سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن أبجر قال: لما حضرت علقمة العطاردي الوفاة دعا بابنه فقال: يا بني، إنْ عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك، وإنْ قعدت بك مؤونة مانك، اصحب من إذا مددت يدك بخير مدّها، وإنْ رأى منك حسنة عدّها، وإنْ رأى منك سيئّة سدّها، اصحب من إذا سألته أعطاك، وإنْ سكت ابتداك، وإنْ نزلت بك نازلة واساك، اصحب من إذا قلت صدق قولك، وإذا حاولت أمراً أمرك، وإنْ تنازعتما آثرك، قال ابن أكثم: فقال المأمون: وأين هذا؟، وقيل للأحنف بن قيس: أي إخوانك أحبّ إليك فقال: من يسد خللي، ويستر زللي، ويقبل عللي، وحدثونا عن الأصمعي قال: حدثنا العلاء بن جرير عن أبيه قال: قال الأحنف: من حقّ الصديق أنْ يحتمل له ثلاث: أنْ يجاوز عن ظلم الغضب وظلم الهفوة وظلم الدالة، وقال: الإخاء جوهرة رقيقة، فهي ما لم توق عليها وتحرسها كانت معرضة للآفات، فارض الإخاء بالذلة حتى تصل إلى فوقه، وبالكظم حتى تعتذر إلى مَنْ ظلمك، وبالرضا حتى لا تستكثر من نفسك الفضل ولا من أخيك التقصير، ويقال: مَنْ لم يظلم نفسه للناس ويتظالم لهم ويتغافل عنهم، لم يسلم منهم، وكان أسماء بن خارجة الفزاري يقول: ما سئمت أحداً قط لأنه إنما يسأمني أحد رجلين: كريم كانت منه زلة وهفوة، فأنا أحق من غفرها وآخذ عليها بالفضل فيها، أو لئيم فلم أكن أجعل عرضي له غرضاً ثم تمثل شعراً:
واغفر عوراء الكريم اصطناعه ... وأعرض عن ذات اللئيم تكرما
وأنشدونا لمحمد بن عامر في الإخوان شعراً:
فلا تعجل على أحد بظلم ... فإن الظلم مرتعه وخيم
ولا تفحش وإن ملئت غيظاً ... على أحد فإن الفحش لوم
ولا تقطع أخاً لك عند ذنب ... فإن الذنب يغفره الكريم
ولكن داو عورته برقع ... كما قد يرقع الخلق القديم
ولا تجزع لريب الدهر واصبر ... فإن الصبر في العقبى سليم
وأنشدونا في معناه عن أحمد بن يحيى بن ثعلب، قال: أنشدني عبد الله بن شبيب:
стр. 805
إخاء الناس ممتزج ... وأكثر فعلهم سمج
فإنّ بدهتك مقطعة ... فليس وراءهم فرج
فقوّمهم بوصلهم ... فإن لم يوصلوا اعتوجوا
صروف الدهر دائبة ... تقطع دونها المهج
وروينا عن عكرمة عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال: لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعداً فتخلفه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط وجوه وحسن خلق، وعن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله : خذ العفو وأمر بالعرف، قال: خذ من أخلاق الناس ومن أعمالهم ما ظهر من غير تحسس، وقد أنشدنا بعض الحكماء في ذلك:
خذ من خليلك ما صفا ... وذر الذي فيه الكدر
فالعمر أقصر من معا ... تبة الخليل على الغير
ومن عرف فضل الإخوة في الله ، وعلم درجة المحبة لله تعالى، صبر لأخيه وشكر له وحلم عنه وإحتمل له، لينال ما أمله من مؤمله فيه ويبلغ ما طلبه من طالبه به، فإنّ الصبر يحتاج إليه ليتمْ العمل والشكر، لا بدّ له منه لدوام النعمة، ومن طلب نفيساً خاطر بنفيس ومن رغب في رغبة بذل لها مرغوباً، والله الموفق من يحب لما يحب، وروينا في حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : المتحابون في الله على عمود من ياقوتة حمراء، في رأس العمود سبعون ألف غرفة، مشرفون على أهل الجنة، يضيء حسنهم لأهل الجنة كما تضيء الشمس لأهل الدنيا، عليهم ثياب سندس خضر، مكتوب على جباههم: هؤلاء المتحابون في الله ، وروينا في حديث معاذ، وقد قال له أبو إدريس الخولاني: إني لأحبك في الله ، فقال له: أبشر ثم أبشر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ينصب لطائفة من الناس كراسي حول العرش يوم القيامة، ووجوههم كالقمر ليلة البدر، يفزع الناس وهم لا يفزعون، ويخاف الناس ولا يخافون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فقيل: من هؤلاء يا رسول الله، قال: هم المتحابون في الله ، ورواه أبو هريرة فقال فيه: إنّ حول العرش منابر من نور، عليها قوم لباسهم نور ووجوههم نور، ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء، فقالوا: يا رسول الله حلّهم لنا، فقال: هم المتحابون في الله ، والمتجالسون في الله تعالى، والمتزاورون في الله تعالى.
وروينا في حديث عبادة بن الصامت، يقول الله : حقّت محبتي للمتحابين فيّ، والمتزاورين فيّ والمتباذلين والمتصادقين فيّ، وكان ابن مسعود يقول في قوله : (لَوْ أَنْفَقْتَ ما في الأرض جمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلِكنَّ الله ألف بَيْنَهُمْ)
стр. 806
الأنفال: ٦٣، قال: نزلت هذه الآية في المتحابين في الله ، وأبو بشر عن مجاهد قال: المتحابون في الله إذا التقوا فكشر بعضهم إلى بعض، تتحات عنهم الخطايا كما يتحات ورق الشجر في الشتاء إذا يبس، وروينا عن رسول الله ﷺ : سبعة يظلهم الله في ظل عرشه، يوم لا ظل إلا ظله، منهم كذا، واثنان تواخيا في الله ، اجتمعا على ذلك وتفرّقا، وكان الفضيل بن عياض وغيره يقول: نظر الأخ إلى وجه أخيه على المودة والرحمة عبادة، فلا تصح المحبة في الله إلاّ بما شرط فيها من الرحمة في الاجتماع، والخلطة عند الافتراق بظهور النصيحة، واجتناب الغيبة، وتمام الوفاء، ووجود الأنس، وفقد الجفاء، وإرتفاع الوحشة، ووجد الانبساط، وزوال الاحتشام، وكان الفضيل يقول: إذا وقعت الغيبة، ارتفعت الأخوة وقال الجنيد: ما تواخى اثنان في الله فاستوحش أحدهما من صاحبه واحتشم منه إلاّ لعلّة في أحدهما، ومن ذلك ما روي عن النبي ﷺ : ما تحاب اثنان في الله إلاّ كان أحبهما إلى الله أشدهما حبَّا لصاحبه، وفي خبر: كان أفضلهما وفي الخبر الآخر أحب الإخوان إلى الله عزّ وجله أرفقهما بصاحبه.
وفي الخبر المشهور: لا يذوق العبد طعم الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلاّ لله، وقال ابن عباس في وصيته لمجاهد: ولا تذكر أخاك إذا تغيب عنك إلاّ بمثل ما تحب أنْ تذكر به إذا غبت، وأعفه بما تحب أنْ تعفى به، وكان بعضهم يقول: ما ذكر أخي عندي في غيب إلاّ تمثلته جالساً، فقلت فيه ما يحب أنْ يسمع في حضوره، وقال آخر: ما ذكر أخ لي في غيبة إلاّ تصورت نفسي في صورته، فقلت فيه ما أحب أنْ يقال فيّ، فهذا حقيقة في صدق الإسلام، لا يكون مسلماً حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه ويكره له ما يكره لنفسه، وقال بعض الأدباء: من اقتضى من إخوانه ما لا يقتضون منه ظلمهم، ومن اقتضى منهم ما يقتضون منه فقد أتعبهم، ومن لم يقتضهم فقد تفضل عليهم، وبمعناه روينا عن بعض الحكماء: من جعل نفسه فوق قدره عند الإخوان أثم وأثموا، ومن جعل نفسه في قدره تعب وأتعبهم، ومن جعلها دون قدره سلم وسلموا، فلذلك عزز الناس الأخوة في الله قديماً، لأن هذا حقيقتها، فروى في الأخبار، إثنان عزيزان ولا يزدادان، إلاّ عزة درهم من حلال وأخ تسكن إليه، وقيل تأنس به، وقال يحيى بن معاذ ﵀: ثلاثة عزيزة في وقتنا هذا، ذكر منها حسن الإخاء مع الوفاء، يعني بالوفاء أنْ يكون له في غيبته، ومن حيث لا يعلم ولا يبلغه، مثل ما كان له في شهوده ومعاشرته، ويكون له بعد موته ولأهلّه من بعده كما كان له في حياته، فهذا هو الوفاء، وهو الذي شرطه النبي ﷺ للمؤاخاة في قوله: اجتمعا على ذلك أو تفرّقا، وجعل جزاءه أظلال العرش يوم القيامة.
стр. 807
وكذلك قال بعض الأدباء: قليل الوفاء بعد الوفاة خير من كثيره في حال الحياة، وكذلك كان السلف فيما ذكره الحسن وغيره، قالوا: كان أحدهم يخلف أخاه في عياله بعد موته أربعين سنة، لا يفقدون إلاّ وجهه، ويقال إنّ مسروقاً أدان ديناً ثقيلاً، وكان على أخيه خيثمة دين، قال: فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهولا يعلم، وذهب خيثمة فقضي دين مسروق سرّاً وهو لا يعلم، فمن حقيقة المؤاخاة في الله إخلاص المودة له بالغيب، والشهادة واستواء القلب مع اللسان، واعتدال السرّ مع العلانية في الجماعة والخلوة، فإذا لم يختلف ذلك فهو إخلاص الأخوة، وإنْ اختلف ذلك ففيه مداهنة في الأخوة، وممازقة في المودة، وذلك دخل في الدين، ووليجة في طريق المؤمنين، ولا يكون ذلك مع حقيقة الإيمان، وقد سأل أبو رزين العقيلي النبي ﷺ ، فشرط له أشياء منها: أنْ يحب غير ذي نسب لا يحبه إلاّ لله ، ومن شرط المحبة في الله تعالى أنْ لا يكون لرحم يصلها أو لنعمة يربها، كما جاء في الأثر عن رسول الله ﷺ ، أنّ رجلاً زار أخاً في الله تعالى في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكاً، فقال: أين تريد، قال: أردت أخاً لي في هذه القرية، قال: هل بينك وبينه رحم تصلها أو له عليك نعمة تربها، قال: لا، إلاّ أني أحببته في الله تعالى، قال: فإني رسول الله إليك، إنّ الله ﵎ قد أحبك كما أحببته فيه.
وقد روينا عن عمر بن الخطاب ﵁، وعن ابنه عبد الله ﵄: لو أن رجلاً صام النهار لا يفطر، وقام الليل وجاهد، ولم يحب في الله ويبغض في الله ما نفعه ذلك شيئاً، وقد روينا عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَأنه قال لأصحابه: أي عرى الإيمان أوثق؟ قال: الصلاة، قال: حسنة وليس به، قالوا: الحج والجهاد، قال حسنة وليس به، قالوا: فأخبرنا يا رسول الله، قال: أوثق عرى الإيمان الحب في الله تعالى، والبغض فيه، وقد اختلف مذهب الصحابة في الأخ بحب أخاه في الله ، ثم ينقلب الآخر عمّا كان عليه ويتغير، هل يبغضه بعد ذلك أم لا؟ فكان أبو ذر يقول: إذا انقلب عمّا كان عليه وتغير، فأبغضه من حيث أحببته، وروينا عن أبي الدرداء أنّ شاباً غلب على مجلسه حتى أحبه أبو الدرداء، فكان يقدمه على الأشياخ ويقربه فحسدوه، وأنّ الشاب وقع في كبيرة من الكبائر، فجاؤوا إلى أبي الدرداء فحدثوه، وقالوا له: لو أبعدته، قال: سبحان الله لا نترك صاحبنا لشيء من الأشياء، وروينا عن بعض التابعين وعن الصحابة في مثل ذلك، وقد قيل له فيه، فقال: إنما أبغض عمله وإلاّ فهو أخي، وكذلك قال الله لنبيّه في عشيرته: فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون، ولم يقل: قل إني بريء منكم للحمة النسب، وقد قيل للصداقة لحمة كلحمة النسب، وقيل لحكيم بن مرة: أيما أحب إليك:
стр. 808
أخوك أو صديقك؟ فقال إنما أحب أخي إذا كان صديقاً، وكان الحسن يقول: كم من أخ لك لم تلده أمك، ولذلك قيل: القرابة تحتاج إلى مودة، والمودة لا تحتاج إلى قرابة، وفي حديث النبي ﷺ ، لما شتم القوم الرجل الذي أتى فاحشة فقال: مه وزبرهم لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم، وفي أثر عن بعض العلماء في مثل زلات الإخوان، قال: ودّ الشيطان أنْ يلقي على أخيكم مثل هذا حتى تقطعوه وتهجروه، فماذا بغيتم من محبة عدوّكم؟ وقد كان أبو الدرداء يقول: إذا تغير أخوك وحال عمّا كان، فلا تدعه لأجل ذلك، فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى، وكان يقول: داوِ أخاك ولا تطع فيه حاسداً، فتكون مثله وقال الحسن: أي الرجال المهذب وقال إبراهيم النخعي: لا تقطع أخاك ولا تهجره عند الذنب، فإنه يركبه اليوم ويتركه غداً، وقال أيضاً: لا تحدثوا الناس بزلة العالم، فإن العالم يزل الزلة ثم يتركها، وفي الخبر: اتّقوا زلة العالم ولا تقطعوه وانتظروا فيئته، وعن رسول الله ﷺ : شرار عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبرآء الغيب، وقال سعيد بن المسيب إني لأكره أنْ أفرق بين المتألفين وقال مرة بين المتحابين.
وفي حديث عمر، وقد سأل عن أخ كان آخاه فخرج إلى الشام فسأل عنه بعض من قدم عليه، فقال: ذاك أخو الشيطان قال: مه قال: إنه قارف الكبائر حتى وقع في الخمر فقال: إذا أردت الخروج فأذني قال: فكتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم، حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، غافر الذنب وقابل التوب الآية، ثم عاتبه تحت ذلك وعذله، فلما قرأ الكتاب قال: صدق الله ونصح لي عمر قال: فتاب ورجع، ومن أفضل فضيلة الحب في الله تعالى أنه جعل علماً لوجود الإيمان، وقرن بحب الله تعالى ورسوله ﷺ كما في الخبر: لا يؤمن عبدي حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ثم جاء مثله: لا يجد العبد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لله ، فمن مقتضى الحب في الله تعالى ما ذكرناه آنفاً من التزاور والتباذل والتصافي لله ، وفي حديث عبادة بن الصمامت وقال موسى بن عقبة: كنت ألقى الأخ من إخواني مرّة فأقيم عاقلاً بلقائه أياماً، وقال جعفر بن سليمان: كمن إذا وجدت في نفسي فترة، نظرت، إلى محمد بن واسع، فأعمل على ذلك جمعة، وكان محمد بن واسع يقول: ما بقي في الدنيا شيء ألذه إلاّ ثلاث: الصلاة في جماعة، والتهجد من الليل، ولقاء الإخوان، وكان بعضهم يقول: لقاء الإخوان مسلاة للهمّ ومذهبة للأحزان، وكان الحسن وأبو قلابة يقولان: إخواننا أحب إلينا من أهلينا وأولادنا، لأن أهلينا يذكرونا الدنيا وأخواننا يذكرونا الآخرة، وقال أحدهما: لأن الأهل والولد من الدنيا والإخوان في الله من آلة الآخرة، وقيل لسفيان بن عيينة: أي الأشياء ألذّ فقال: مجالسة الإخوان والانقلاب إلى
стр. 809
كفاية، وفي الخبر: ما زار رجل أخاه في الله شوقاً إليه ورغبة في لقائه، إلاّ ناداه ملك من خلفه: طبت وطابت لك الجنة، وقال الحسن: من شيّع أخاً له في الله بعث الله ملائكة من تحت عرشه يوم القيامة يشيعونه إلى الجنة، وعن عطاء قال: كان يقول: تفقدوا إخوانكم بعد ثلاث، فإن كانوا مرضى فعودوهم، وإن كانوا مشاغيل فأعينوهم، وإنْ كانوا نسوا فذكروهم، وكان الشعبي يقول: في الرجل يجالس الرجل فيقول: أعرف وجهه ولا أعرف اسمه ذلك معرفة التوكل.
وقد روينا عن النبي ﷺ ، أنه رأى عمر يلتفت يميناً وشمالاً فسأله، فقال: يا رسول الله أحببت رجلاً فأنا أطلبه ولا أراه، فقال: يا أبا عبد الله إذا أحببت أحداً فسله عن اسمه واسم أبيه، وعن منزله فإن كان مريضاًً عدته، وإنْ كان مشغولاً أعنته، وعن الضحاك عن ابن عباس قيل له: من أحب الناس إليك، قال: جليسي، وكان يقول: ما اختلف رجل إلى مجلسي ثلاثاً من غير حاجة تكون له إليّ، فعلمت مكافأته من الدنيا.
وكان سعيد بن العاص يقول: لجليسي عليّ ثلاث: إذا دنا رحبت به وإذا حدث أقبلت عليه وإذا جلس أوسعت له، وقال الأحنف بن قيس: الإنصاف يثبت المودة، ومع كرم العشرة تطول الصحبة، وكان يقول: ثلاث خلال تجلب بهن المحبة: الإنصاف في المعاشرة، والمواساة في الشدة والانطواء على المودة، وقال أكثم بن صيفي لبنيه: يا بني، تقاربوا في المودة ولا تتكلوا على القرابة، وقد قيل لأبي حازم: ما القرابة، قال: المودة، فأول ما تصح له المحبة في الله أنْ لا يكون لضد ذلك من صحبة لأجل معصية، ولا على حظ من دنياه، ولا لسبب موافقته على هواه، ولا لأجل ارتفاقه به اليوم لمنافعه ومصالحه في أحواله، ولا يكون ذلك مكافأة على إحسان أحسن به إليه، ولا لنعمة ويد يجزيه عليها، فهذه ليس فيها طريق إلى الله ولا للآخرة، لأنها طرقات الدينا ولأسباب الهوى، فإذا سلم من هذه المعاني، فهذه أول المحبة لله ، ولا يقدح في الأخوة لله ﵎ لأن هذه شبهة ثانية فيه مثل أنْ يحبه لحسن خلقه، وفضل أدبه، وحسن حلمه، وكمال عقله، وكثرة احتماله وصبره، أو لوجود الأنس به وارتفاع الوحشة منه، أو للألفة التي جعل الله بينه وبينه، وإنما يخرجه عن حقيقة الحب في الله ، أنْ يحبه لما يكون دخلا في الدين ووليجة في طرائق المؤمنين، ولما انفصل عنه ولم يكن متصلاً به، مثل الأنعام والأفضال ووجود الارتفاق، فهذا الحب لا يمنع القلب وجده، لما جبل الطبع عليه، ولبغض من كان بضده، ممن أساء إليه وليس يأثم ولا يعصى بوجود هذه المحبة لأجل هذه الأسباب المعروقة، كما أنه إذا أساء إليه ووجد بغضه لا يأثم ما لم يخرجه البغض إلى مجاوزة حد بإيجاب حكم، إلاّ أنْ هذه محبة النفس بالطبع، وإنما يفضل المرء بمحبة القلب لأجل الله ، والبغض فيه شيء، وإنْ كان مباحاً لأنها تحول وتزول، وكل محبة تكون
стр. 810
عن عوض، إذا ذهب العوض زالت المحبة، وصحة الحب في الله والبغض فيه لا ينقلب لسبب حب جعل في الطبع لمنافع الدنيا، ولا لأجل بغض في النفس لمضارها، وحقيقة الحب في الله أنْ لا يحسده عى دين ولا دنيا، كما لا يحسد نفسه عليهما، وأن يؤثره بالدين والدنيا إذا كان محتاجاً إليهما كنفسه، وهذا شرطا الحب في الله اللذان ذكرهما الله تعالى في قوله: (يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إلَيْهِمْ) الحشر: ٩، ثم وصف محبتهم، إذ كان يصف حقًّا ويمدح محقًّا، فقال: (ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاَجةً مِمّا أُوتُوا) الحشر: ٩، يعين: من دين ودنيا، والحاجة في هذا الموضع: الحسد، أي كما لا يجدون في صدورهم حاجة لأنفسهم حسداً، ثم قال في الشرط الثاني: (وَيُؤثِرُون على أنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) الحشر: ٩، فهذا فصل الخطاب، وجملة نعت الأحباب، فينبغي أنْ يؤثر أخاه بنفسه وماله إنْ إحتاج إلى ذلك، فإن لم يكن في هذه المنزلة وهو مقام الصدّيقين فيساويه في حاله، وهذا من مقام الصادقين، وهذا أقل منازل الأخوة، وهو من أخلاق المؤمنين، وإنما آخى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَبين الغني والفقير ليساوي الغني الفقير فيعتدلان، وينبغي أنْ يقدمه على أهله وولده، وأنْ يحبه فوق محبتهم لأن محبة أولئك من الدنيا والنفس والهوى، ومحبة الإخوان من الآخرة ولله ﵎، وفي الدين وأمور الدين والآخرة مقدم عند المتّقين، وكان عبد الله بن الحسن البصري يصرف إخوان الحسن إذا جاؤوه، لطول لبثهم عنده ولشدة شغله بهم، فيقول لهم: لا تملّوا الشيخ، فكان الحسن إذا علم ذلك يقول: دعهم يا لكع، فإنهم أحب إلي منكم، فؤلاء يحبوني لله وأنتم تريدوني للدنيا، وقال أبو معاوية الأسود: إخواني كلهم خير مني، قيل: وكيف ذاك قال كلهم يرى الفضل لي عليه، ومن فضلني على نفسه فهو خير مني، وقد روينا عن رسول الله ﷺ : المرء على دين خليله، ولا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه، وكان الأعمش يقول: من أخفى عنا بدعته لم يخف عنا ألفته، أي ينظر إلى إخوانه الذين يألفهم، فيستدل عليه بهم، وقد روى الأصمعي عن مجاهد عن الشعبي قال: قال عليّ بن أبي طالب: كرم الله وجهه لرجل وكره له صحبة رجل رهق فقال شعراً:
لا تصحب أخا الجهل ... وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى ... حليماً حين آخاه
يقاس المرء بالمرء ... إذا ما هوّ ما شاه
وللشيء من الشيء ... مقاييس وأشباه
وللقلب على القلب ... دليل حين يلقاه
وأنشد محمد بن جامع الفقيه شعراً:
следующие страницы →