Полный текст (4 941 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
عَنْ غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْحَدَثُ. وَلَوْ صَلَّى فَرِيضَةً، ثُمَّ أَحْدَثَ، تَوَضَّأَ لِلنَّافِلَةِ، وَلَا يَتَيَمَّمَ. وَكَذَا حُكْمُ الْفَرَائِضِ كُلِّهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ تَطَهَّرُ الْعَلِيلُ كَمَا ذَكَرْنَا فَبَرُأَ، وَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ، غَسَلَ مَوْضِعَ الْعُذْرِ، جُنُبًا كَانَ أَوْ مُحْدِثًا، وَيَغْسِلُ الْمُحْدِثُ مَا بَعْدَ الْعَلِيلِ بِلَا خِلَافٍ. وَفِي اسْتِئْنَافِهِمَا الْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ، الْقَوْلَانِ فِي نَازِعِ الْخُفِّ. وَلَوْ تَحَقَّقَ الْبُرْءُ بَعْدَ الطَّهَارَةِ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، وَوَجَبَ غَسْلُ الْمَوْضِعِ. وَحُكْمُ الِاسْتِئْنَافِ مَا ذَكَرْنَا. وَلَوْ تَوَهَّمَ الِانْدِمَالَ، فَرَفَعَ اللُّصُوقَ، فَرَآهُ لَمْ يَنْدَمِلْ، لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، بِخِلَافِ تَوَهُّمِ وُجُودِ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ، لِأَنَّ تَوَهُّمَ الْمَاءِ يُوجِبُ طَلَبَهُ. وَتَوَهُّمُ الِانْدِمَالِ، لَا يُوجِبُ الْبَحْثَ عَنْهُ. كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَتَوَقَّفَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي قَوْلِهِمْ: لَا يَجِبُ الْبَحْثُ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
الْبَابُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ
لَهُ سَبْعَةُ أَرْكَانٍ.
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: التُّرَابُ. وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا خَالِصًا، غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ. فَالتُّرَابُ مُتَعَيَّنٌ، وَيَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أَنْوَاعِهِ، مِنَ الْأَحْمَرِ، وَالْأَسْوَدِ، وَالْأَصْفَرِ، وَالْأَغْبَرِ، وَطِينِ الدَّوَاةِ، وَطِينِ الْأَرْمَنِيِّ الَّذِي يُؤْكَلُ تَدَاوِيًا وَسَفَهًا، وَالْبَطْحَاءِ وَهُوَ التُّرَابُ الَّذِي فِي مَسِيلِ الْمَاءِ، وَالسَّبَخُ الَّذِي لَا يُنْبِتُ دُونَ الَّذِي يَعْلُوهُ مِلْحٌ. وَلَوْ ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى ثَوْبٍ، أَوْ جِدَارٍ، وَنَحْوِهِمَا، وَارْتَفَعَ غُبَارٌ، كَفَى. وَالتُّرَابُ الَّذِي أَخْرَجَتْهُ الْأَرَضَةُ مِنْ مَدَرٍ، يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، كَالتُّرَابِ الْمَعْجُونِ بِالْخَلِّ إِذَا جَفَّ، يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، وَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِالنُّورَةِ، وَالْجِصِّ، وَالزَّرْنِيخِ،
стр. 107
وَسَائِرِ الْمَعَادِنِ، وَالذَّرِيرَةِ، وَالْأَحْجَارِ الْمَدْقُوقَةِ، وَالْقَوَارِيرِ الْمَسْحُوقَةِ، وَشِبْهِهَا. وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي وَجْهٍ بِجَمِيعِ ذَلِكَ وَهُوَ غَلَطٌ، وَلَوْ أَحْرَقَ التُّرَابَ حَتَّى صَارَ رَمَادًا، أَوْ سَحَقَ الْخَزَفَ، فَصَارَ نَاعِمًا، لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ بِهِ. وَلَوْ شَوَى الطِّينَ وَسَحَقَهُ، فَفِي التَّيَمُّمِ بِهِ وَجْهَانِ. وَكَذَا لَوْ أَصَابَ التُّرَابَ نَارٌ، فَاسْوَدَّ، وَلَمْ يَحْتَرِقْ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ فِي الْأُولَى، الْجَوَازُ. وَالصَّحِيحُ فِي الْأَخِيرَةِ الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الرَّمْلُ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ خَشِنًا لَا يَرْتَفِعُ مِنْهُ غُبَارٌ، لَمْ يَكْفِ ضَرْبُ الْيَدِ عَلَيْهِ. وَإِنِ ارْتَفَعَ، كَفَى. وَقِيلَ: قَوْلَانِ مُطْلَقًا. وَأَمَّا كَوْنُهُ طَاهِرًا، فَلَا بُدَّ مِنْهُ، فَلَا يَصِحُّ بِنَجِسٍ مُطْلَقًا. فَإِنْ كَانَ عَلَى ظَهْرِ كَلْبٍ تُرَابٌ، فَإِنْ عَلِمَ الْتِصَاقَهُ بِرُطُوبَةٍ عَلَيْهِ، مِنْ مَاءٍ، أَوْ عَرَقٍ، أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ بِهِ. وَإِنْ عَلِمَ انْتِفَاءَ ذَلِكَ جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي اجْتِمَاعِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ.
قُلْتُ: كَذَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: فِيمَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ، أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْطَعَ بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ بِهِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ، وَلَيْسَ هَنَا ظَاهِرٌ يُعَارِضُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ خَالِصًا، فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَشُوبُ بِزَعْفَرَانٍ، وَدَقِيقٍ، وَنَحْوِهِمَا. وَإِنْ كَثُرَ الْمُخَالِطُ، لَمْ يَجُزْ بِلَا خِلَافٍ. وَكَذَا إِنْ قَلَّ عَلَى الصَّحِيحِ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْكَثِيرُ: مَا يَظْهَرُ فِي التُّرَابِ. وَالْقَلِيلُ: مَا لَا يَظْهَرُ. وَلَمْ أَرَ لِغَيْرِهِ فِيهِ ضَبْطًا. وَلَوِ اعْتُبِرَتِ الْأَوْصَافُ الثَّلَاثَةُ كَمَا فِي الْمَاءِ، لَكَانَ مَسْلَكًا.
وَأَمَّا كَوْنُهُ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ، فَلَا بُدَّ مِنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالْمُسْتَعْمَلُ: مَا لَصَقَ بِالْعُضْوِ. وَكَذَا مَا تَنَاثَرَ عَنْهُ، عَلَى الْأَصَحِّ.
стр. 108
الرُّكْنُ الثَّانِي: قَصْدُ التُّرَابِ. فَلَا بُدَّ مِنْهُ. فَلَوْ وَقَفَ فِي مَهَبِّ رِيحٍ، فَسَفَتْ عَلَيْهِ تُرَابًا، فَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ بِنِيَّةِ التَّيَمُّمِ، إِنْ كَانَ وَقَفَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، لَمْ يُجْزِئْهُ. وَإِنْ قَصَدَ تَحْصِيلَ التُّرَابِ، لَمْ يُجْزِئْهُ أَيْضًا، عَلَى الْأَصَحِّ، أَوِ الْأَظْهَرِ. وَلَوْ يَمَّمَهُ غَيْرُهُ. إِنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَكَالْوُقُوفِ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ. وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ لِعُذْرٍ، كَقَطْعٍ، وَغَيْرِهِ، جَازَ. وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، جَازَ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: نَقْلُ التُّرَابِ الْمَمْسُوحِ بِهِ إِلَى الْعُضْوِ. فَإِنْ كَانَ عَلَى الْوَجْهِ تُرَابٌ، فَرَدَّدَهُ عَلَيْهِ، لَمْ يُجْزِئْهُ. وَإِنْ نَقَلَهُ مِنْهُ إِلَى الْيَدِ، أَوْ مِنَ الْيَدِ إِلَيْهِ، أَوْ أَخَذَهُ مِنَ الْوَجْهِ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَيْهِ، أَوْ سَفَتِ الرِّيحُ تُرَابًا عَلَى كُمِّهِ، فَمَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ، أَوْ أَخَذَ التُّرَابَ مِنَ الْهَوَاءِ بِإِثَارَةِ الرِّيحِ، جَازَ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِنْ نَقَلَهُ مِنْ عُضْوٍ غَيْرِ أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ إِلَيْهَا جَازَ بِلَا خِلَافٍ. وَإِنْ تَمَعَّكَ فِي التُّرَابِ لِعُذْرٍ، جَازَ. وَكَذَا لِغَيْرِ عُذْرٍ عَلَى الْأَصَحِّ.
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: النِّيَّةُ. فَلَا بُدَّ مِنْهَا، فَإِنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ، أَوْ نَوَى الْجُنُبُ رَفْعَ الْجَنَابَةِ، لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ، فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ مَعًا، فَيَسْتَبِيحُهُمَا، وَلَهُ التَّنَفُّلُ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ وَبَعْدَهَا فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ، وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: لَا يَتَنَفَّلُ بَعْدَ الْوَقْتِ إِنْ كَانَتِ الْفَرِيضَةُ مُعَيَّنَةً. وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الْفَرِيضَةِ عَلَى الْأَصَحِّ. فَعَلَى هَذَا لَوْ نَوَى الْفَرْضَ مُطْلَقًا، صَلَّى أَيَّةَ فَرِيضَةٍ شَاءَ. وَلَوْ نَوَى مُعَيَّنَةً، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ غَيْرَهَا.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَنْوِيَ الْفَرِيضَةَ، سَوَاءً كَانَتْ إِحْدَى الْخَمْسِ، أَوْ مَنْذُورَةً وَلَا تَخْطُرُ لَهُ النَّافِلَةُ، فَتُبَاحُ الْفَرِيضَةُ. وَكَذَا النَّافِلَةُ قَبْلَهَا عَلَى الْأَظْهَرِ، وَبَعْدَهَا عَلَى
стр. 109
الْمَذْهَبِ فِي الْوَقْتِ، وَكَذَا بَعْدَهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ تَيَمَّمَ لِفَائِتَتَيْنِ، أَوْ مَنْذُورَتَيْنِ، اسْتَبَاحَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأَصَحِّ. وَعَلَى الثَّانِي: لَا يَسْتَبِيحُ شَيْئًا. وَلَوْ تَيَمَّمَ لِفَائِتَةٍ فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ. أَوْ لِفَائِتَةِ الظُّهْرِ، فَكَانَتِ الْعَصْرَ، لَمْ تَصِحَّ.
قُلْتُ: فَلَوْ ظَنَّ عَلَيْهِ فَائِتَةً، وَلَمْ يَجْزِمْ بِهَا، فَتَيَمَّمَ لَهَا، ثُمَّ ذَكَرَهَا، قَالَ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: لَا يَصِحُّ. وَصَحَّحَهُ الشَّاشِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَنْوِيَ النَّفْلَ، فَلَا يَسْتَبِيحُ بِهِ الْفَرْضَ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيلَ: قَطْعًا. فَإِنْ أَبَحْنَاهُ، فَالنَّفْلُ أَوْلَى، وَإِلَّا اسْتَبَاحَ النَّفْلَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ نَوَى مَسَّ الْمُصْحَفِ، أَوْ سُجُودَ التِّلَاوَةِ، أَوِ الشُّكْرَ، أَوْ نَوَى الْجُنُبُ الِاعْتِكَافَ، أَوْ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، فَهُوَ كَنِيَّةِ النَّفْلِ، فَلَا يَسْتَبِيحُ الْفَرْضَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَيَسْتَبِيحُ مَا نَوَى عَلَى الصَّحِيحِ. وَعَلَى الْآخَرِ يَسْتَبِيحُ الْجَمِيعَ. وَلَوْ تَيَمَّمَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، فَهُوَ كَنِيَّةِ النَّفْلِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ تَيَمَّمَتْ مُنْقَطِعَةُ الْحَيْضِ لِاسْتِبَاحَةِ الْوَطْءِ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَكُونُ كَالتَّيَمُّمِ لِلنَّافِلَةِ.
الْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ فَحَسْبُ، فَلَهُ حُكْمُ التَّيَمُّمِ لِلنَّفْلِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَعَلَى الثَّانِي: هُوَ كَمَنْ نَوَى النَّفْلَ وَالْفَرْضَ مَعًا. أَمَّا إِذَا نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ، أَوْ إِقَامَةَ التَّيَمُّمِ الْمَفْرُوضِ، فَلَا يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ.
قُلْتُ: وَلَوْ نَوَى التَّيَمُّمَ وَحْدَهُ، لَمْ يَصِحَّ قَطْعًا. ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. وَلَوْ تَيَمَّمَ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ، ظَانًّا أَنَّ حَدَثَهُ أَصْغَرُ، فَكَانَ أَكْبَرَ، أَوْ عَكْسَهُ، صَحَّ قَطْعًا، لِأَنَّ مُوجِبَهُمَا وَاحِدٌ. وَلَوْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ، لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ. ذَكَرُهُ الْمُتَوَلِّي. وَلَوْ أَجْنَبَ فِي سَفَرِهِ وَنَسِيَ، وَكَانَ يَتَيَمَّمُ وَقْتًا، وَيَتَوَضَّأُ وَقْتًا، أَعَادَ صَلَوَاتِ الْوُضُوءِ فَقَطْ، لِمَا ذَكَرْنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ تَتَأَخَّرَ النِّيَّةُ عَنْ أَوَّلِ فِعْلٍ مَفْرُوضٍ فِي التَّيَمُّمِ.
стр. 110
وَأَوَّلُ أَفْعَالِهِ الْمَفْرُوضَةِ نَقْلُ التُّرَابِ. وَلَوْ قَارَنَتْهُ وَعَزَبَتْ قَبْلَ مَسْحِ شَيْءٍ مِنَ الْوَجْهِ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ تَقَدَّمَتْ عَلَى أَوَّلِ فِعْلٍ مَفْرُوضٍ، فَهُوَ كَمِثْلِهِ فِي الْوُضُوءِ.
الرُّكْنُ الْخَامِسُ: مَسْحُ الْوَجْهِ. وَيَجِبُ اسْتِيعَابُهُ. وَلَا يَجِبُ إِيصَالُ التُّرَابِ إِلَى مَنَابِتِ الشُّعُورِ الَّتِي يَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَيْهَا فِي الْوُضُوءِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَيَجِبُ إِيصَالُهُ إِلَى ظَاهِرِ مَا اسْتَرْسَلَ مِنَ اللِّحْيَةِ عَلَى الْأَظْهَرِ، كَمَا فِي الْوُضُوءِ.
الرُّكْنُ السَّادِسُ: مَسْحُ الْيَدَيْنِ. وَيَجِبُ اسْتِيعَابُهُمَا إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا هَذَا، وَالْقَدِيمُ يَمْسَحُهُمَا إِلَى الْكُوعَيْنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَكَرَّرَ لَفْظُ الضَّرْبَتَيْنِ فِي الْإِخْبَارِ، فَجَرَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ عَلَى الظَّاهِرِ، فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ النَّقْصُ مِنْ ضَرْبَتَيْنِ، وَيَجُوزُ الزِّيَادَةُ. وَالْأَصَحُّ مَا قَالَهُ آخَرُونَ: أَنَّ الْوَاجِبَ إِيصَالُ التُّرَابِ، سَوَاءٌ حَصَلَ بِضَرْبَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى ضَرْبَتَيْنِ، وَلَا يَنْقُصُ. وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ ثَلَاثُ ضَرَبَاتٍ. ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَتَانِ لِلْيَدَيْنِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: وُجُوبُ الضَّرْبَتَيْنِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَطَعَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ. وَصُورَةُ الِاقْتِصَارِ عَلَى ضَرْبَةٍ بِخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَصُورَةُ الضَّرْبِ لَيْسَتْ مُتَعَيِّنَةً. فَلَوْ وَضَعَ الْيَدَ عَلَى تُرَابٍ نَاعِمٍ وَعَلَقَ بِهَا غُبَارٌ، كَفَى. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِأَعْلَى الْوَجْهِ. وَأَمَّا الْيَدَانِ، فَيَضَعُ أَصَابِعَ الْيُسْرَى سِوَى الْإِبْهَامِ، عَلَى ظُهُورِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى سِوَى الْإِبْهَامِ، بِحَيْثُ لَا تَخْرُجُ أَنَامِلُ الْيُمْنَى عَنْ مُسَبِّحَةِ الْيُسْرَى، وَيُمِرُّهَا عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُمْنَى، فَإِذَا بَلَغَتِ الْكُوعَ، ضَمَّ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ إِلَى حَرْفِ الذِّرَاعِ. وَيُمِرُّهَا إِلَى الْمِرْفَقِ، ثُمَّ يُدِيرُ كَفَّهُ إِلَى بَطْنِ الذِّرَاعِ فَيُمِرُّهَا عَلَيْهِ وَإِبْهَامُهُ مَرْفُوعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَ الْكُوعَ، مَسَحَ بِبَطْنِ إِبْهَامِ الْيُسْرَى ظَهَرَ إِبْهَامِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَضَعُ أَصَابِعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فَيَمْسَحُهَا كَذَلِكَ. وَهَذِهِ الْكَيْفِيَّةُ لَيْسَتْ وَاجِبَةً، لَكِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: غَيْرُ مُسْتَحَبَّةٍ.
стр. 111
وَأَمَّا تَفْرِيقُ الْأَصَابِعِ، فَيَفْعَلُهُ فِي الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ. وَأَمَّا الْأُولَى، فَالْأَصَحُّ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُونَ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّفْرِيقُ فِيهَا. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُسْتَحَبُّ. ثُمَّ قَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ: هُوَ جَائِزٌ، حَتَّى لَوْ لَمْ يُفَرِّقْ فِي الثَّانِيَةِ، كَفَاهُ التَّفْرِيقُ فِي الْأُولَى بَيْنَ الْأَصَابِعِ. وَقَالَ قَلِيلُونَ، مِنْهُمُ الْقَفَّالُ: لَا يَجُوزُ: وَلَوْ فَعَلَهُ، لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ. ثُمَّ إِذَا فَرَّقَ فِي الضَّرْبَتَيْنِ وَجَوَّزْنَاهُ، أَوْ فِي الثَّانِيَةِ وَحْدَهَا، يُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ بَعْدَ مَسْحِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَوْ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهِمَا، وَفَرَّقَ فِي الْأُولَى وَحْدَهَا، وَجَبَ التَّخْلِيلُ، ثُمَّ يَمْسَحُ إِحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى. وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَوَاجِبٌ عَلَى الْآخَرِ. وَالْوَاجِبُ إِيصَالُ التُّرَابِ إِلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ كَيْفَ كَانَ، سَوَاءٌ حَصَلَ بِيَدٍ، أَوْ خِرْقَةٍ، أَوْ خَشَبَةٍ. وَلَا يُشْتَرَطُ إِمْرَارُ الْيَدِ عَلَى الْعُضْوِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ كَانَ يَمْسَحُ بِيَدِهِ فَرَفَعَهَا فِي أَثْنَاءِ الْعُضْوِ، ثُمَّ رَدَّهَا، جَازَ، وَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى أَخْذِ تُرَابٍ جَدِيدٍ فِي الْأَصَحِّ.
الرُّكْنُ السَّابِعُ: التَّرْتِيبُ. فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الْوَجْهِ عَلَى الْيَدَيْنِ. فَلَوْ تَرَكَهُ نَاسِيًا لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ، كَمَا فِي الْوُضُوءِ. وَلَا يُشْتَرَطُ التَّرْتِيبُ فِي أَخْذِ التُّرَابِ لِلْعُضْوَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ. فَلَوْ ضَرَبَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَمْكَنَهُ مَسْحُ الْوَجْهِ بِيَمِينِهِ، وَيَمِينُهُ بِيَسَارِهِ، جَازَ.
فَرْعٌ
لَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ أَخْذِ التُّرَابِ قَبْلَ مَسْحِ وَجْهِهِ، بَطَلَ أَخْذُهُ، وَعَلَيْهِ النَّقْلُ ثَانِيَةً. وَلَوْ يَمَّمَهُ غَيْرُهُ حَيْثُ يَجُوزُ، فَأَحْدَثَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ أَخْذِ التُّرَابِ قَبْلَ الْمَسْحِ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: لَا يَضُرُّ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ الْأَخْذُ بِحَدَثِ الْآمِرِ. وَلَوْ ضَرَبَ
стр. 112
يَدَهُ عَلَى بَشَرَةِ امْرَأَةٍ يَنْقُضُ وَعَلَيْهَا تُرَابٌ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا يَمْنَعُ الْتِقَاءَ الْبَشَرَتَيْنِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ. وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ، لَمْ يَصِحَّ. وَقِيلَ: يَصِحُّ أَخْذُهُ لِلْوَجْهِ. فَإِنْ ضَرَبَ بَعْدَهُ لِلْيَدِ، بَطَلَ. وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ.
فَرْعٌ
لِلتَّيَمُّمِ سُنَنٌ سَبَقَ بَعْضُهَا فِي كَيْفِيَّةِ مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَبَقِيَ مِنْهَا التَّسْمِيَةُ، وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَإِمْرَارُ التُّرَابِ عَلَى الْعَضُدِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْمُوَالَاةُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَتَخْفِيفُ التُّرَابِ الْمَأْخُوذِ إِذَا كَانَ كَثِيرًا، وَأَنْ لَا يُكَرِّرَ الْمَسْحَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَأَنْ لَا يَرْفَعَ الْيَدَ عَنِ الْعُضْوِ الْمَمْسُوحِ حَتَّى يَتِمَّ مَسْحُهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَعَلَى الثَّانِي: هُوَ وَاجِبٌ. وَقَدْ سَبَقَ. وَأَنْ يَنْزِعَ خَاتَمَهُ فِي الضَّرْبَةِ الْأُولَى.
قُلْتُ: وَأَمَّا الضَّرْبَةُ الثَّانِيَةُ، فَيَجِبُ نَزْعُهُ فِيهَا، وَلَا يَكْفِي تَحْرِيكُهُ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، لِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ. ذَكَرُهُ صَاحِبُ (الْعُدَّةِ) وَغَيْرُهُ. وَمِنْ مَنْدُوبَاتِهِ: اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ. وَيَنْبَغِي اسْتِحْبَابُ الشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَهُ، كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ. وَلَوْ كَانَتْ يَدُهُ نَجِسَةً، وَضَرَبَ بِهَا عَلَى تُرَابٍ وَمَسَحَ وَجْهَهُ، جَازَ فِي الْأَصَحِّ. وَلَا يَجُوزُ مَسْحُ النَّجِسَةِ قَطْعًا، كَمَا لَا يَصِحُّ غَسْلُهَا عَنِ الْوُضُوءِ مَعَ بَقَاءِ النَّجَاسَةِ. وَلَوْ تَيَمَّمَ، ثُمَّ وَقَعَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ، لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْإِمَامُ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: هُوَ كَرِدَّةِ الْمُتَيَمِّمِ. وَلَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الرُّويَانِيُّ، كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 113
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِ التَّيَمُّمِ
هِيَ ثَلَاثَةٌ.
الْأَوَّلُ: أَنَّهُ يَبْطُلُ بِمَا يَبْطُلُ بِهِ الْوُضُوءُ. ثُمَّ هُوَ قِسْمَانِ. أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، كَتَيَمُّمِ الْمَرِيضِ. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ إِلَّا مَعَ عَدَمِهِ، أَوِ الْخَوْفِ فِي تَحْصِيلِهِ، أَوِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا. فَالْأَوَّلُ: لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ رُؤْيَةُ الْمَاءِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَيَبْطُلُ بِتَوَهُّمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، كَمَا إِذَا رَأَى سَرَابًا فَتَوَهَّمَهُ مَاءً، أَوْ أَطْبَقَتْ بِقُرْبِهِ غَمَامَةٌ، أَوْ طَلَعَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ مَاءٌ، هَذَا إِذَا لَمْ يُقَارِنِ التَّوَهُّمَ مَانِعٌ مِنَ الْقُدْرَةِ، فَإِنْ قَارَنَهُ، لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ، كَمَا إِذَا رَأَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْعَطَشِ، أَوْ دُونَهُ حَائِلٌ، مِنْ سَبُعٍ، أَوْ عَدُوٍّ، أَوْ قَعْرِ بِئْرٍ يَعْلَمُ حَالَ رُؤْيَتِهِ تَعَذُّرَ تَحْصِيلِهِ، أَوْ سَمِعَ إِنْسَانًا يَقُولُ: أَوْدَعَنِي فُلَانٌ مَاءً وَهُوَ يَعْلَمُ غَيْبَةَ فُلَانٍ، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا.
أَمَّا إِذَا رَأَى الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُغْنِيَةً عَنِ الْقَضَاءِ، كَصَلَاةِ الْحَاضِرِ بِالتَّيَمُّمِ، بَطَلَتْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَعَلَى الثَّانِي: يُتِمُّهَا وَيُعِيدُ. وَإِنْ كَانَتْ مُغْنِيَةً كَصَلَاةِ الْمُسَافِرِ، فَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَا تَيَمُّمُهُ. فَلَوْ نَوَى فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ الْإِقَامَةَ بَعْدَ وِجْدَانِ الْمَاءِ، أَوْ نَوَى الْقَصْرَ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ، ثُمَّ نَوَى الِائْتِمَامَ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا. وَحَيْثُ لَمْ تَبْطُلْ وَكَانَتْ فَرِيضَةً، هَلْ يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهَا لِيَتَوَضَّأَ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: الْخُرُوجُ أَفْضَلُ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ الْخُرُوجُ، لَكِنَّ الِاسْتِمْرَارَ أَفْضَلُ.
وَالثَّالِثُ: إِنْ قَلَبَهَا نَفْلًا وَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، فَهُوَ أَفْضَلُ. وَإِنْ أَرَادَ إِبْطَالَهَا مُطْلَقًا، فَالِاسْتِمْرَارُ أَفْضَلُ. وَالرَّابِعُ: يَحْرُمُ قَطْعُهَا مُطْلَقًا.
стр. 114
وَالْخَامِسُ: إِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ، حَرُمَ الْخُرُوجُ، وَإِلَّا لَمْ يَحْرُمْ. قَالَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَطَرَدَهُ فِي كُلِّ مُصَلٍّ، سَوَاءً الْمُتَيَمِّمُ وَغَيْرُهُ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ اخْتِيَارٌ لَهُ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ بِهِ أَحَدٌ، وَاعْتَرَفَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِهَذَا، وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ، وَخِلَافُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵀، فَقَدْ نَصَّ فِي (الْأُمِّ) وَنَقَلَهُ صَاحِبُ (التَّتِمَّةِ) وَالْغَزَالِيُّ فِي (الْبَسِيطِ) عَنِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِالْفَرِيضَةِ فِي أَوْلِ وَقْتِهَا، قَطَعَهَا بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ نَقْلَهُ، وَدَلَائِلَهُ فِي شَرْحِ (الْمُهَذَّبِ) . . . . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا أَتَمَّ الْفَرِيضَةَ بِالتَّيَمُّمِ، وَبَقِيَ الْمَاءُ الَّذِي رَآهُ إِلَى أَنْ سَلَّمَ، بِطَلَ تَيَمُّمُهُ، فَلَا يَسْتَبِيحُ بِهِ نَافِلَةً، حَتَّى حَكَى الرُّويَانِيُّ عَنْ وَالِدِهِ: أَنَّهُ لَا يُسَلِّمُ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ.
قُلْتُ: وَفِيمَا حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ نَظَرٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَلِّمَ الثَّانِيَةَ، لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الصَّلَاةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا إِذَا فَنِيَ الْمَاءُ قَبْلَ سَلَامِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى يَسْتَبِيحَ النَّافِلَةَ أَيْضًا، وَإِنْ عَلِمَ بِفَنَائِهِ قَبْلَ سَلَامِهِ، فَفِي بُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ وَمَنْعِهِ النَّافِلَةَ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: مَنْعُهُ النَّافِلَةَ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ. . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا إِذَا رَأَى الْمَاءَ وَهُوَ فِي نَافِلَةٍ، فَأَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: إِنْ كَانَ نَوَى عَدَدًا، أَتَمَّهُ وَلَمْ يَزِدْ، وَإِلَّا اقْتَصَرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ. وَالثَّانِي: لَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ نَوَاهُ. وَالثَّالِثُ: لَهُ أَنْ يَزِيدَ مَا شَاءَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ. وَالرَّابِعُ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
الْحُكْمُ الثَّانِي - فِيمَا يُؤَدَّى بِالتَّيَمُّمِ - لَا يُصَلِّي بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ إِلَّا فَرِيضَةً وَاحِدَةً، وَسَوَاءً كَانَتِ الْفَرِيضَتَانِ مُتَّفِقَتَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَتَيْنِ، كَصَلَاتَيْنِ، وَطَوَافَيْنِ، أَوْ صَلَاةٍ وَطَوَافٍ. أَوْ مُتَّفِقَيْنِ، كَظَهْرَيْنِ، أَوْ مَكْتُوبَةٍ وَمَنْذُورَةٍ، أَوْ مَنْذُورَتَيْنِ،
стр. 115
فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِتَيَمُّمٍ. وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ: يَجُوزُ فِي مَنْذُورَتَيْنِ، وَفِي مَنْذُورَةٍ وَمَكْتُوبَةٍ، وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: يَجُوزُ فِي فَوَائِتَ وَفَائِتَةٍ وَمُؤَدَّاةٍ. وَالصَّبِيُّ كَالْبَالِغِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. الثَّانِي: يَجْمَعُ بَيْنَ مَكْتُوبَتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بِتَيَمُّمٍ بَيْنَ فَرِيضَةٍ وَنَوَافِلَ. وَأَمَّا رَكْعَتَا الطَّوَافِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ: إِنَّهُمَا سُنَّةٌ، فَلَهُمَا حُكْمُ النَّوَافِلِ. وَإِنْ قُلْنَا: وَاجِبَتَانِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الطَّوَافِ الْوَاجِبِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَكَذَا لَا يَجْمَعُ بَيْنَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَصَلَاتِهَا عَلَى الْأَصَحِّ. إِذَا شَرَطْنَا الطَّهَارَةَ فِي الْخُطْبَةِ. وَأَمَّا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ، فَفِيهَا ثَلَاثَةُ طُرُقٍ. أَحَدُهَا: فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: لَهَا حُكْمُ النَّافِلَةِ مُطْلَقًا، فَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ صَلَوَاتِ الْجَنَائِزِ، وَبَيْنَ جَنَائِزَ وَمَكْتُوبَةٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ. وَيَجُوزُ صَلَاتُهَا قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، وَيَجُوزُ عَلَى الرَّاحِلَةِ. وَالثَّانِي: لَهَا حُكْمُ الْفَرَائِضِ. فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: إِنْ تَعَيَّنَتْ، فَكَالْفَرَائِضِ، وَإِلَّا فَكَالنَّوَافِلِ. وَالثَّالِثُ: لَهَا حُكْمُ النَّوَافِلِ مُطْلَقًا، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقُعُودُ فِيهَا، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بِتَيَمُّمٍ بِكُلِّ حَالٍ. وَلَوْ صَلَّى عَلَى جِنَازَتَيْنِ صَلَاةً وَاحِدَةً، فَقِيلَ: يَجُوزُ قَطْعًا، وَقِيلَ: عَلَى الْخِلَافِ.
فَرْعٌ
إِذَا نَسِيَ صَلَاةً مِنْ صَلَوَاتٍ، نُظِرَ، إِنْ كَانَتْ مُتَّفِقَةً، كَظُهْرٍ مِنْ أُسْبُوعٍ، لَزِمَهُ ظُهْرٌ وَاحِدَةٌ بِتَيَمُّمٍ. وَإِنْ نَسْيَ صَلَاةً مِنَ الْخَمْسِ، لَزِمَهُ الْخَمْسُ، وَكَفَاهُ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ لِلْجَمِيعِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَعَلَى الثَّانِي: يَجِبُ خَمْسَةُ تَيَمُّمَاتٍ. ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: الْخِلَافُ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ تَعْيِينَ الْفَرِيضَةِ الَّتِي تَيَمَّمَ لَهَا غَيْرُ وَاجِبٍ، فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، لَزِمَهُ خَمْسُ تَيَمُّمَاتٍ قَطْعًا. وَيُحْتَمَلُ خِلَافُ مَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ.
قُلْتُ: هَذَا الْمَحْكِيُّ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ، قَدْ حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ الْمَرْزُبَانِ،
стр. 116
وَاخْتَارَ الدَّارِمِيُّ طَرْدَ الْخِلَافِ وَإِنْ أَوْجَبْنَا التَّعْيِينَ. وَهَذَا أَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ نَسِيَ صَلَاتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ مِنَ الْخَمْسِ، لَزِمَهُ الْخَمْسُ. فَإِنْ قُلْنَا: فِي الْوَاحِدَةِ يَلْزَمُهُ خَمْسُ تَيَمُّمَاتٍ. فَكَذَا هَاهُنَا. وَإِنْ قُلْنَا يَكْفِيهِ تَيَمُّمٌ وَاحِدٌ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: يَتَيَمَّمُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، وَيَقْتَصِرُ عَلَى الْخَمْسِ. وَقَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: يَقْتَصِرُ عَلَى تَيَمُّمَيْنِ، وَيَزِيدُ فِي الصَّلَوَاتِ، فَيُصَلِّي بِالْأَوَّلِ الصُّبْحَ وَالظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ. وَبِالثَّانِي: الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. قَالَ الْأَكْثَرُونَ: وَهُوَ مُخَيَّرٌ، إِنْ شَاءَ عَمِلَ بِقَوْلِ ابْنِ الْقَاصِّ، وَإِنْ شَاءَ
[عَمِلَ] بِقَوْلِ ابْنِ الْحَدَّادِ. فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقَاصِّ فِي «التَّلْخِيصِ» : أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ. وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ تَيَمُّمَيْنِ، وَيُصَلِّي بِكُلِّ وَاحِدٍ الْخَمْسَ، وَهُوَ شَاذٌّ. وَالْمُسْتَحْسَنُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ: طَرِيقَةُ ابْنِ الْحَدَّادِ. وَعَلَيْهَا يُفَرِّعُونَ مَا زَادَ مِنَ الْمَنْسِيِّ. وَلَهَا ضَابِطٌ، وَشَرْطٌ. فَضَابِطُهَا: أَنْ تَزِيدَ عَلَى قَدْرِ الْمَنْسِيِّ فِيهِ عَدَدًا لَا يَنْقُصُ عَمَّا تَبَقَّى مِنَ الْمَنْسِيِّ فِيهِ بَعْدَ إِسْقَاطِ الْمَنْسِيِّ، وَيَنْقَسِمُ الْمَجْمُوعُ صَحِيحًا عَلَى الْمَنْسِيِّ.
مِثَالُهُ: مَسْأَلَتُنَا، الْمَنْسِيُّ صَلَاتَانِ، وَالْمَنْسِيُّ فِيهِ خَمْسٌ، تَزِيدُهُ ثَلَاثَةً، لِأَنَّهُ لَا تَنْقُصُ عَمَّا يَبْقَى مِنَ الْخَمْسِ بَعْدَ إِسْقَاطِ الِاثْنَيْنِ بَلْ تُسَاوِيهِ. وَالْمَجْمُوعُ: وَهُوَ ثَمَانِيَةٌ، يَنْقَسِمُ عَلَى الِاثْنَيْنِ صَحِيحًا. وَلَوْ صَلَّى عَشْرًا كَمَا قَالَهُ الْوَجْهُ الشَّاذُّ، أَجْزَأَهُ، وَكَانَ قَدْ زَادَ خَيْرًا لِدُخُولِهِ فِي الضَّابِطِ.
وَأَمَّا شَرْطُهَا: فَإِنْ يَبْتَدِئْ مِنَ الْمَنْسِيِّ فِيهِ بِأَيَّةِ صَلَاةٍ شَاءَ، وَيُصَلِّي بِكُلِّ تَيَمُّمٍ مَا تَقْتَضِيهِ الْقِسْمَةُ، وَيَتْرُكُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مَا ابْتَدَأَ بِهِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَيَأْتِي فِي الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ بِمَا بَقِيَ مِنَ الصَّلَوَاتِ. وَلَوْ نَسِيَ ثَلَاثَ صَلَوَاتٍ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَعَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الْقَاصِّ، يُصَلِّي كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْخَمْسِ بِتَيَمُّمٍ، وَعَلَى الْوَجْهِ الشَّاذِّ: يَتَيَمَّمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يُصَلِّي بِكُلِّ وَاحِدٍ الْخَمْسَ، وَعَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ الْحَدَّادِ، يَقْتَصِرُ عَلَى ثَلَاثِ تَيَمُّمَاتٍ، وَيُصَلِّي بِالْأَوَّلِ: الصُّبْحَ وَالظُّهْرَ وَالْعَصْرَ. وَبِالثَّانِي: الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ
стр. 117
وَالْمَغْرِبَ. وَبِالثَّالِثِ: الْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. وَلَهُ مُخَالَفَةُ هَذَا التَّرْتِيبِ إِذَا وَفَّى بِالشَّرْطِ.
أَمَّا إِذَا نَسِيَ صَلَاتَيْنِ مُتَّفِقَتَيْنِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْخَمْسِ مَرَّتَيْنِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الضَّعِيفِ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ: يَجِبُ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَيَمُّمٌ، فَيَتَيَمَّمُ عَشْرَ تَيَمُّمَاتٍ. وَعَلَى الصَّحِيحِ: يَكْفِيهِ تَيَمُّمَانِ يُصَلِّي بِكُلِّ وَاحِدٍ الْخَمْسَ، وَلَا يَكْتَفِي بِثَمَانِ صَلَوَاتٍ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمَنْسِيَّيْنِ، صُبْحَيْنِ أَوْ عِشَاءَيْنِ، وَمَا صَلَّاهُمَا إِلَّا مَرَّةً مَرَّةً. أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ، هَلِ الْفَائِتَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، أَمْ مُتَّفِقَتَانِ؟ فَيَلْزَمُهُ الْأَحْوَطُ، وَهُوَ أَنَّهُمَا مُتَّفِقَتَانِ. أَمَّا إِذَا تَرَكَ صَلَاةً مَفْرُوضَةً، أَوْ طَوَافًا مَفْرُوضًا، وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ، فَيَأْتِي بِطَوَافٍ، وَبِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ عَلَى الصَّحِيحِ. وَعَلَى الضَّعِيفِ: بِسِتِّ تَيَمُّمَاتٍ، وَلَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا بِتَيَمُّمٍ، ثُمَّ أَرَادَ إِعَادَتَهَا مَعَ جَمَاعَةٍ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ، جَازَ إِنْ قُلْنَا: الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ. وَكَذَا إِنْ قُلْنَا: الْفَرْضُ إِحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا عَلَى الصَّحِيحِ، كَالْمَنْسِيَّةِ. وَلَوْ صَلَّى الْفَرْضَ بِالتَّيَمُّمِ عَلَى وَجْهٍ، يَجِبُ مَعَهُ الْقَضَاءُ، وَأَرَادَ الْقَضَاءَ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ. فَإِنْ قُلْنَا: الْفَرْضُ الْأَوَّلُ جَازَ. وَإِنْ قُلْنَا: الثَّانِي أَوْ كِلَاهُمَا فَرْضٌ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ قُلْنَا: أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ، جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي إِذَا قُلْنَا: الثَّانِيَةُ فَرْضٌ أَنْ يَجُوزَ، لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَافِلَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِفَرِيضَةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا، فَلَوْ فَعَلَ، لَمْ يَصِحَّ لِلْفَرْضِ، وَلَا لِلنَّفْلِ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالتَّيَمُّمِ، جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَكُونُ وَقْتُ الْأُولَى وَقْتًا لِلثَّانِيَةِ. وَلَوْ تَيَمَّمَ لِلظُّهْرِ فَصَلَّاهَا، ثُمَّ تَيَمَّمَ لِلْعَصْرِ لِيَجْمَعَهَا، فَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ قَبْلَ فِعْلِهَا، بَطَلَ الْجَمْعُ وَالتَّيَمُّمُ. وَوَقْتُ الْفَائِتَةِ
стр. 118
بِتَذَكُّرِهَا. وَلَوْ تَيَمَّمَ لِمُؤَدَّاةٍ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، وَصَلَّاهَا بِهِ فِي آخِرِهِ، جَازَ قَطْعًا. نَصَّ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: وَفِيهِ وَجْهٌ مَشْهُورٌ فِي (الْحَاوِي) وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّأْخِيرُ إِلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، كَالْمُسْتَحَاضَةِ. وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ تَيَمَّمَ لِفَائِتَةٍ ضَحْوَةً، فَلَمْ يُصَلِّهَا حَتَّى دَخَلَتِ الظُّهْرُ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ الظُّهْرَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِلظُّهْرِ، ثُمَّ تَذَكَّرَ فَائِتَةً، قِيلَ: يَسْتَبِيحُهَا بِهِ قَطْعًا.
وَقِيلَ: عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ. هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْأَصَحِّ أَنَّ تَعْيِينَ الْفَرِيضَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ. فَإِنْ شَرَطْنَاهُ، لَمْ يَصِحَّ غَيْرُ مَا نَوَاهُ.
أَمَّا النَّوَافِلُ: فَمُؤَقَّتَةٌ وَغَيْرُهَا. أَمَّا الْمُؤَقَّتَةُ: فَكَالرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرَائِضِ، وَصَلَاةِ الْعِيدِ، وَالْكُسُوفِ. وَأَوْقَاتُهَا مَعْرُوفَةٌ. وَوَقْتُ الِاسْتِسْقَاءِ، الِاجْتِمَاعُ لَهَا فِي الصَّحْرَاءِ. وَوَقْتُ الْجِنَازَةِ: انْقِضَاءُ الْغُسْلِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْمَوْتُ، عَلَى الثَّانِي، فَإِنْ تَيَمَّمَ لِمُؤَقَّتَةٍ قَبْلَ وَقْتِهَا، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. وَإِنْ تَيَمَّمَ لَهَا فِي وَقْتِهَا، اسْتَبَاحَهَا، وَفِي اسْتِبَاحَةِ الْفَرْضِ، الْقَوْلَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ. فَإِنِ اسْتَبَاحَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ تَيَمُّمُهُ فِي وَقْتِ الْفَرِيضَةِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ لِفَائِتَةِ ضَحْوَةٍ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُؤَقَّتَةِ، فَيَتَيَمَّمُ لَهَا كُلَّ وَقْتٍ، إِلَّا وَقْتَ الْكَرَاهَةِ، فَلَا يَصِحُّ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ. هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، فِي أَنَّ التَّيَمُّمَ لِلنَّافِلَةِ وَحْدَهَا صَحِيحٌ. وَفِيهِ الْوَجْهُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الرُّكْنِ الرَّابِعِ مِنَ الْبَابِ الثَّانِي.
قُلْتُ: وَلَوْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ لَا سَبَبَ لَهَا قَبْلَ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، لَمْ تَبْطُلْ بِدُخُولِ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، بَلْ يَسْتَبِيحُهَا بَعْدَهُ بِلَا خِلَافٍ. وَلَوْ أَخَذَ التُّرَابَ قَبْلَ وَقْتِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ مَسَحَ الْوَجْهَ فِي الْوَقْتِ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّ أَخْذَ التُّرَابِ مِنْ وَاجِبَاتِ
стр. 119
التَّيَمُّمِ، فَلَا يَصِحُّ قَبْلَ الْوَقْتِ، وَلَوْ تَيَمَّمَ شَاكًّا فِي الْوَقْتِ، وَصَادَفَهُ، لَمْ يَصِحَّ. وَكَذَا لَوْ طَلَبَ شَاكًّا فِي دُخُولِ الْوَقْتِ، لَمْ يَصِحَّ الطَّلَبُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحُكْمُ الثَّالِثُ: قَضَاءُ الصَّلَاةِ لَعُذْرٍ ضَرْبَانِ: عَامٌّ، وَنَادِرٌ.
فَالْعَامُّ: لَا قَضَاءَ مَعَهُ، كَصَلَاةِ مُسَافِرٍ مُحْدِثٍ، أَوْ جُنُبٍ بِالتَّيَمُّمِ - لِعَدَمِ مَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ. وَفِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ أَوْجُهٌ. الْأَصَحُّ: يَجِبُ التَّيَمُّمُ وَالْقَضَاءُ. وَالثَّانِي: يَتَيَمَّمُ وَلَا يَقْضِي. وَالثَّالِثُ: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ.
وَقَصِيرُ السَّفَرِ كَطَوِيلِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ مَعَهُ قَوْلَانِ - وَكَصَلَاةِ الْمَرِيضِ بِالتَّيَمُّمِ، أَوْ قَاعِدًا، أَوْ مُضْطَجِعًا، وَالصَّلَاةُ بِالْإِيمَاءِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ.
وَأَمَّا النَّادِرُ: فَقِسْمَانِ. قِسْمٌ يَدُومُ غَالِبًا، وَقِسْمٌ لَا يَدُومُ. فَمَا يَدُومُ يَمْنَعُ الْقَضَاءَ، كَالِاسْتِحَاضَةِ، وَسَلَسِ الْبَوْلِ، وَالْمَذْيِ، وَالْجُرْحِ السَّائِلِ، وَاسْتِرْخَاءِ الْمَقْعَدِ، وَدَوَامِ خُرُوجِ الْحَدَثِ، سَوَاءً كَانَ لَهُ بَدَلٌ، أَمْ لَا.
وَمَا لَا يَدُومُ نَوْعَانِ. نَوْعٌ مَعَهُ بَدَلٌ، وَنَوْعٌ لَا بَدَلَ مَعَهُ، فَمَا لَا بَدَلَ مَعَهُ يُوجِبُ الْقَضَاءَ، وَذَلِكَ صُوَرٌ.
مِنْهَا: مَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً، وَلَا تُرَابًا. وَفِيهِ أَقْوَالٌ. الْمَشْهُورُ: وُجُوبُ الصَّلَاةِ بِحَسَبِ حَالِهِ، وَوُجُوبُ الْقَضَاءِ. وَالثَّانِي: تَحْرُمُ الصَّلَاةُ. وَالثَّالِثُ: تُسْتَحَبُّ، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى هَذَيْنِ. وَالرَّابِعُ: تَجِبُ الصَّلَاةُ بِلَا قَضَاءٍ، وَإِذَا قُلْنَا: يُصَلِّي، لَا يَجُوزُ مَسُّ الْمُصْحَفِ، وَلَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ، وَلَا وَطْءُ الْحَائِضِ، وَإِذَا قَدَرَ عَلَى مَاءٍ أَوْ تُرَابٍ فِي الصَّلَاةِ، بَطَلَتْ.
وَمِنْهَا: الْمَرْبُوطُ عَلَى خَشَبَةٍ، وَمَنْ شُدَّ وَثَاقُهُ بِالْأَرْضِ، يُصَلِّي بِالْإِيمَاءِ وَيُعِيدُ. وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ. إِنْ صَلَّى مُسْتَقْبَلًا الْقِبْلَةَ، لَمْ يُعِدْ، وَإِلَّا عَادَ. قَالَ: وَكَذَا الْغَرِيقُ يُصَلِّي عَلَى خَشَبَةٍ بِالْإِيمَاءِ. وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ نَحْوَهُ.
وَمِنْهَا: مَنْ عَلَى جُرْحِهِ نَجَاسَةٌ يَخَافُ التَّلَفَ مِنْ غَسْلِهَا، أَوْ حُبِسَ فِي
стр. 120
مَوْضِعٍ وَصَلَّى فِيهِ عَلَى النَّجَاسَةِ لِلضَّرُورَةِ، فَتَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَفِي الْقَدِيمِ: لَا يَجِبُ إِعَادَةُ صَلَاةٍ وَجَبَتْ فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلَّةً.
وَأَمَّا مَا مَعَهُ بَدَلٌ فَصُوَرٌ:
مِنْهَا: الْمُقِيمُ إِذَا تَيَمَّمَ لِعَدَمِ الْمَاءِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لَإِنَّ فَقْدَ الْمَاءِ فِي الْإِقَامَةِ نَادِرٌ، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْمُسَافِرِ، لَإِنَّ فَقْدَ الْمَاءِ فِيهِ يَعُمُّ. هَذَا هُوَ الضَّابِطُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَلَيْسَ مَخْصُوصًا بِالسَّفَرِ، أَوِ الْإِقَامَةِ، حَتَّى لَوْ أَقَامَ فِي مَفَازَةٍ، أَوْ مَوْضِعٍ يُعْدَمُ فِيهِ الْمَاءُ غَالِبًا، وَطَالَتْ إِقَامَتُهُ وَصَلَاتُهُ بِالتَّيَمُّمِ، فَلَا إِعَادَةَ. وَلَوْ دَخَلَ الْمُسَافِرُ فِي طَرِيقِهِ قَرْيَةً، وَعُدِمَ الْمَاءُ وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَ حُكْمُ السَّفَرِ بَاقِيًا. وَأَمَّا قَوْلُ الْأَصْحَابِ: الْمُقِيمُ يَقْضِي، وَالْمُسَافِرُ لَا يَقْضِي، فَمُرَادُهُمْ: الْغَالِبُ مِنْ حَالِ الْمُسَافِرِ وَالْمُقِيمِ، وَحَقِيقَتُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ.
وَمِنْهَا: التَّيَمُّمُ لِعُذْرٍ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعُضْوِ سَاتِرٌ مِنْ جَبِيرَةٍ، أَوْ لُصُوقٍ، فَلَا إِعَادَةَ. وَإِنْ كَانَ سَاتِرٌ مِنْ جَبِيرَةٍ وَنَحْوِهَا، فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
الْأَظْهَرُ: أَنَّهُ إِنْ وَضَعَهَا عَلَى طُهْرٍ، فَلَا إِعَادَةَ، وَإِلَّا وَجَبَتْ. وَالثَّانِي: لَا يُعِيدُ مُطْلَقًا. وَالثَّالِثُ: يُعِيدُ.
وَقَالَ ابْنُ الْوَكِيلِ مِنْ أَصْحَابِنَا: الْخِلَافُ إِذَا لَمْ يَتَيَمَّمْ. أَمَّا إِذَا قُلْنَا: يَجِبُ التَّيَمُّمُ، فَتَيَمَّمَ، فَلَا إِعَادَةَ قَطْعًا. وَالْمَذْهَبُ طَرْدُ الْخِلَافِ مُطْلَقًا. هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ تَكُنِ الْجَبِيرَةُ عَلَى مَحَلِّ التَّيَمُّمِ، فَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ، أَعَادَ بِلَا خِلَافٍ. وَمِنْهَا: التَّيَمُّمُ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ، وَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُوجِبُ الْإِعَادَةَ. وَالثَّانِي: لَا. وَالثَّالِثُ: يَجِبُ عَلَى الْحَاضِرِ دُونَ الْمُسَافِرِ.
أَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، فَفِيهِ قَوْلَانِ وَوَجْهٌ. وَقِيلَ: ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَصَحُّهَا: يُصَلِّي قَائِمًا وَيُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، وَالثَّانِي: يُصَلِّي قَاعِدًا. وَهَلْ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ أَمْ يُومِئُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ: وَالثَّالِثُ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ حُبِسَ فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ، لَوْ سَجَدَ لَسَجَدَ عَلَى نَجَاسَةٍ. وَفِيمَا لَوْ
стр. 121
وَجَدَ ثَوْبًا طَاهِرًا لَوْ فَرَشَهُ عَلَى النَّجَاسَةِ، لَبَقِيَ عَارِيًا. وَفِيمَا لَوْ وَجَدَ الْعَارِي ثَوْبًا نَجِسًا، هَلْ يُصَلِّي فِيهِ، أَمْ عَارِيًا؟ ثُمَّ إِنْ قُلْنَا: الْعُرْيَانُ لَا يُتِمُّ الْأَرْكَانَ، أَعَادَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ خِلَافُ مَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا. وَإِنْ قُلْنَا: يُتِمُّهَا، فَلَا إِعَادَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ. سَوَاءً كَانَ فِي السَّفَرِ أَوِ الْحَضَرِ مِمَّنْ يَعْتَادُ الْعُرْيَ، أَوْ مِمَّنْ لَا يَعْتَادُ الْعُرْيَ. وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَى مَنْ لَا يَعْتَادُ الْعُرْيَ.
قُلْتُ: وَلَوْ لَمْ يَجِدِ الْمَرِيضُ مَنْ يُحَوِّلُهُ لِلْقِبْلَةِ، لَزِمَهُ الصَّلَاةُ بِحَسَبِ حَالِهِ، وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ. قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَقِيلَ: قَوْلَانِ. وَهُوَ شَاذٌّ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ: ثُمَّ مَا حَكَمْنَا مِنَ الْأَعْذَارِ: بِأَنَّهُ دَائِمٌ، وَأَسْقَطْنَا بِهِ الْفَرْضَ فَزَالَ بِسُرْعَةٍ، فَهُوَ كَدَائِمٍ، وَمَا حَكَمْنَا أَنَّهُ لَا يَدُومُ فَدَامَ، فَلَهُ حُكْمُ مَا لَمْ يَدُمْ إِلْحَاقًا لِشَاذِّ الْجِنْسِ بِالْجِنْسِ. ثُمَّ كُلُّ صَلَاةٍ أَوْجَبْنَاهَا فِي الْوَقْتِ، وَأَوْجَبْنَا إِعَادَتَهَا، فَهَلِ الْفَرْضُ الْأُولَى، أَمِ الثَّانِيَةُ، أَمْ كِلَاهُمَا، أَمْ إِحْدَاهُمَا لَا بِعَيْنِهَا؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ. أَظْهَرُهَا: عِنْدَ الْجُمْهُورِ: الثَّانِيَةُ. وَعِنْدَ الْقَفَّالِ وَالْفُورَانِيِّ وَابْنِ الصَّبَّاغِ: كِلَاهُمَا، وَهُوَ أَفْقَهُ، فَإِنَّهُ مُكَلَّفٌ بِهِمَا - وَهَذِهِ مَسَائِلُ مَنْثُورَةٌ لَا يُسْتَحَبُّ (فِيهَا) تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ عَلَى الْمَذْهَبِ - وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَفِي الْمُسْتَظْهَرِيِّ: وَجْهَانِ. وَيُتَصَوَّرُ فِي مَرِيضٍ وَجَرِيحٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ تَيَمَّمَ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ، إِذَا تَيَمَّمَ وَصَلَّى فَرْضًا ثُمَّ أَرَادَ نَفْلًا، وَيُتَصَوَّرُ فِي مُتَيَمِّمٍ لِعَدَمِ الْمَاءِ إِذَا صَلَّى فَرْضًا وَلَمْ يُفَارِقْ مَوْضِعَهُ، وَلَمْ نُوجِبْ طَلَبًا لِتَحَقُّقِهِ الْعَدَمَ أَوْ لَمْ نُوجِبْهُ ثَانِيًا. وَحُكْمُ الْيَدِ الْمَقْطُوعَةِ كَهُوَ فِي الْوُضُوءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، اسْتُحِبَّ مَسْحُ الْعَضُدِ. قَالَ الدَّارِمِيُّ: وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِرْفَقٌ، اسْتَطْهَرَ حَتَّى يَعْلَمَ. وَلَوْ وَجَدَ الْمُسَافِرُ عَلَى الطَّرِيقِ خَابِيَةَ مَاءٍ مُسَبَّلَةٍ، تَيَمَّمَ، وَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْهَا، لِأَنَّهَا إِنَّمَا تُوضَعُ لِلشُّرْبِ. ذَكَرُهُ الْمُتَوَلِّي، وَنَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنِ الْأَصْحَابِ. وَلَوْ مُنِعَ مِنَ الْوُضُوءِ إِلَّا مَنْكُوسًا، فَهَلْ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى التَّيَمُّمِ، أَمْ عَلَيْهِ غَسْلُ الْوَجْهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْهُ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِيمَنْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ، حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ وَالِدِهِ.
стр. 122
قَالَ: وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ الصَّلَاةِ إِذَا امْتَثَلَ الْمَأْمُورُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وَفِي الْقَضَاءِ نَظَرٌ، لِنُدُورِهِ، لَكِنَّ الرَّاجِحَ مَا ذَكَرَهُ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَنْ غُصِبَ مَاؤُهُ وَلَا قَضَاءَ. قَالَ صَاحِبُ (الْحَاوِي) وَ (الْبَحْرِ) : لَوْ مَاتَ رَجُلٌ مَعَهُ مَاءٌ لِنَفْسِهِ لَا يَكْفِيهِ لِبَدَنِهِ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا اسْتِعْمَالَ النَّاقِصِ، لَزِمَ رُفْقَتَهُ غُسْلُهُ بِهِ، وَإِلَّا يَمَّمُوهُ. فَإِنْ غَسَّلُوهُ بِهِ، ضَمِنُوا قِيمَتَهُ لِوَارِثِهِ. وَلَوْ تَيَمَّمَ لِمَرَضٍ فَبَرُأَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، فَكَرُؤْيَةِ الْمَاءِ فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ. وَلَوْ تَيَمَّمَ عَنْ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ، ثُمَّ أَحْدَثَ، حُرُمَ مَا يَحْرُمُ عَلَى مُحْدِثٍ. وَلَا يَحْرُمُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَاللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ. وَلَوْ تَيَمَّمَ جُنُبٌ فَرَأَى مَاءً، حَرُمَتِ الْقِرَاءَةُ، وَكُلُّ مَا كَانَ حَرَامًا، حَتَّى يَغْتَسِلَ. قَالَ الْجُرْجَانِيُّ: لَيْسَ أَحَدٌ يَصِحُّ إِحْرَامُهُ بِصَلَاةِ فَرْضٍ دُونَ نَفْلٍ، إِلَّا مَنْ عُدِمَ مَاءً وَتُرَابًا، أَوْ سُتْرَةً طَاهِرَةً، أَوْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ عَجَزَ عَنْ إِزَالَتِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابٌ
مَسْحُ الْخُفِّ
وَهُوَ جَائِزٌ بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لُبْسُهُ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ. فَلَوْ غَسَلَ رِجْلًا فَلَبِسَ خُفَّهَا، ثُمَّ غَسَلَ الْأُخْرَى، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ، فَلَوْ نَزَعَ الْأُولَى ثُمَّ لَبِسَهَا، كَفَاهُ، وَجَازَ الْمَسْحُ بَعْدَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَعَلَى الثَّانِي: لَا بُدَّ مِنْ نَزْعِهِمَا. وَلَوْ أَدْخَلَ الرِّجْلَيْنِ سَاقَيِ الْخُفَّيْنِ بِلَا غَسْلٍ، ثُمَّ غَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَهُمَا قَرَارَ الْخُفِّ، صَحَّ لُبْسُهُ، وَجَازَ الْمَسْحُ. وَلَوْ لَبِسَ مُتَطَهِّرًا، ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ وُصُولِ الرِّجْلِ قَدَمَ الْخُفِّ، أَوْ مَسَحَ بِشَرْطِهِ، ثُمَّ أَزَالَ الْقَدَمَ مِنْ مَقَرِّهَا وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضُ شَيْءٌ، فَفِي الصُّورَتَيْنِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. الصَّحِيحُ: جَوَازُ الْمَسْحِ فِي الثَّانِيَةِ، وَمَنْعُهُ فِي الْأُولَى. وَالثَّانِي: يَجُوزُ
стр. 123
فِيهِمَا. وَالثَّالِثُ: لَا يَجُوزُ فِيهِمَا. وَلَوْ لَبِسَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ عَلَى وُضُوئِهَا، ثُمَّ أَحْدَثَتْ بِغَيْرِ الِاسْتِحَاضَةِ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ مَسْحُهَا لِضَعْفِ طَهَارَةِ لُبْسِهَا. وَالصَّحِيحُ: الْمَنْصُوصُ جَوَازُهُ. فَعَلَى هَذَا لَوِ انْقَطَعَ دَمُهَا، وَشُفِيَتْ قَبْلَ الْمَسْحِ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: فِيهِ الْوَجْهَانِ. وَحَيْثُ جَوَّزْنَا، فَإِنَّمَا يَسْتَبِيحُ بِلُبْسِهَا الْمَسْحَ لِمَا شَاءَتْ مِنَ النَّوَافِلِ، وَلِفَرِيضَةٍ إِنْ لَمْ تَكُنْ صَلَّتْ بِوُضُوءِ اللُّبْسِ فَرِيضَةً، بِأَنْ أَحْدَثَتْ بَعْدَ وُضُوئِهَا وَلُبْسِهَا قَبْلَ أَنْ تُصَلِّيَ تِلْكَ الْفَرِيضَةَ وَلَا غَيْرَهَا مِنَ الْفَرَائِضِ، فَإِنْ أَحْدَثَتْ بَعْدَ فِعْلِ الْفَرِيضَةِ، مَسَحَتْ، وَاسْتَبَاحَتِ النَّوَافِلَ، وَلَا تَسْتَبِيحُ فَرِيضَةً مَقْضِيَّةً، وَلَا مُؤَدَّاةً تَحْضُرُ. فَإِنْ أَرَادَتْ فَرِيضَةً، وَجَبَ نَزْعُ الْخُفِّ، وَاسْتِئْنَافُ اللُّبْسِ بِطَهَارَةٍ. وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهَا تَسْتَوْفِي مُدَّةَ الْمَسْحِ يَوْمًا وَلَيْلَةً حَضَرًا، وَثَلَاثَةً سَفَرًا، وَلَكِنْ تُعِيدُ الْوُضُوءَ وَالْمَسْحَ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ. وَفِي مَعْنَى طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ، طَهَارَةُ سَلَسِ الْبَوْلِ، وَكُلُّ مَنْ بِهِ حَدَثٌ دَائِمٌ، وَكَذَا الْوُضُوءُ الْمَضْمُومُ إِلَيْهِ التَّيَمُّمُ لِجِرَاحَةٍ أَوْ كَسْرٍ، فَحُكْمُهُمْ حُكْمُهَا بِلَا فَرْقٍ. وَأَمَّا مَنْ مَحَّضَ التَّيَمُّمَ بِلَا وُضُوءٍ، فَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ غَيْرِ إِعْوَازِ الْمَاءِ، فَهُوَ كَالْمُسْتَحَاضَةِ. وَإِنْ كَانَ لِلْإِعْوَازِ، فَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: هُوَ كَهِيَ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ الْمَسْحَ أَصْلًا.
الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَلْبُوسُ صَالِحًا لِلْمَسْحِ، وَصَلَاحِيَّتُهُ بِأُمُورٍ:
الْأَوَّلُ: أَنْ يَسْتُرَ مَحَلَّ فَرْضِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، فَلَوْ قَصُرَ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، لَمْ يَجُزْ قَطْعًا، وَفِي الْمَخْرُوقِ قَوْلَانِ. الْقَدِيمُ: جَوَازُ الْمَسْحِ مَا لَمْ يَتَفَاحَشِ الْخَرْقُ، بِأَنْ لَا يَتَمَاسَكَ فِي الرِّجْلِ، وَلَا يَتَأَتَّى الْمَشْيُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: التَّفَاحُشُ: أَنْ يَبْطُلَ اسْمُ الْخُفِّ. وَالْجَدِيدُ: الْأَظْهَرُ لَا يَجُوزُ إِذَا ظَهَرَ شَيْءٌ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَإِنْ قَلَّ. وَلَوْ تَخَرَّقَتِ الْبِطَانَةُ أَوِ الظِّهَارَةُ، جَازَ الْمَسْحُ إِنْ كَانَ الْبَاقِي صَفِيقًا، وَإِلَّا فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَيُقَاسُ عَلَى هَذَا مَا إِذَا تَخَرَّقَ مِنَ الظِّهَارَةِ مَوْضِعٌ، وَمِنَ الْبِطَانَةِ مَوْضِعٌ آخَرُ لَا يُحَاذِيهِ. أَمَّا الْخُفُّ الْمَشْقُوقُ الْقَدَمِ إِذَا شُدَّ مَحَلُّ الشَّقِّ بِالشَّرَجِ، فَإِنْ ظَهَرَ
стр. 124
شَيْءٌ مَعَ الشَّدِّ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ. وَإِلَّا جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ. فَلَوْ فَتَحَ الشَّرَجَ، بَطَلَ الْمَسْحُ فِي الْحَالِ وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ شَيْءٌ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ قَوِيًّا، بِحَيْثُ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسَافِرُ فِي حَوَائِجِهِ عِنْدَ الْحَطِّ وَالتِّرْحَالِ، فَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى اللَّفَائِفِ وَالْجَوَارِبِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ صُوفٍ وَلِبْدٍ، وَكَذَا الْجَوَارِبُ الْمُتَّخَذَةُ مِنَ الْجِلْدِ الَّذِي يُلْبَسُ مَعَ الْمُكَعَّبِ، وَهِيَ جَوَارِبُ الصُّوفِيَّةِ، لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا حَتَّى يَكُونَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهَا، وَيَمْنَعُ نُفُوذَ الْمَاءِ إِنْ شَرَطْنَاهُ، إِمَّا لِصَفَاقَتِهَا، وَإِمَّا لِتَجْلِيدِ الْقَدَمَيْنِ وَالنَّعْلِ عَلَى الْأَسْفَلِ، أَوِ الْإِلْصَاقِ عَلَى الْمُكَعَّبِ. وَقِيلَ: فِي اشْتِرَاطِ تَجْلِيدِ الْقَدَمِ مَعَ صَفَاقَتِهَا قَوْلَانِ. وَلَوْ تَعَذَّرَ الْمَشْيُ فِيهِ لِسَعَتِهِ الْمُفْرِطَةِ، أَوْ ضِيقِهِ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ تَعَذَّرَ لِغِلَظِهِ، أَوْ ثِقَلِهِ، كَالْخَشَبِ وَالْحَدِيدِ، أَوْ لِتَحْدِيدِ رَأْسِهِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَقِرُّ عَلَى الْأَرْضِ، لَمْ يَجُزْ. وَلَوِ اتَّخَذَ لَطِيفًا مِنْ خَشَبٍ، أَوْ حَدِيدٍ يَتَأَتَّى الْمَشْيُ فِيهِ، جَازَ قَطْعًا. وَلَوْ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ اسْمُ الْخُفِّ، بِأَنْ لَفَّ عَلَى رِجْلِهِ قِطْعَةَ أَدَمٍ وَشَدَّهَا، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ.
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: - فِي أَوْصَافَ مُخْتَلَفٍ فِيهَا - فَالْخُفُّ الْمَغْصُوبُ، وَالْمَسْرُوقُ، وَخُفُّ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَالْخُفُّ مِنْ جِلْدِ كَلْبٍ أَوْ مَيْتَةٍ قَبْلَ الدِّبَاغِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ قَطْعًا، لَا لِمَسِّ مُصْحَفٍ وَلَا لِغَيْرِهِ. وَلَوْ وُجِدَتْ فِي الْخُفِّ شَرَائِطُهُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ نُفُوذَ الْمَاءِ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَاخْتَارَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ الْجَوَازَ.
قُلْتُ: وَلَوْ لَبِسَ وَاسِعَ الرَّأْسِ يَرَى مِنْ رَأْسِهِ الْقَدَمَ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَجُوزُ عَلَى خُفٍّ زُجَاجٍ قَطْعًا إِذَا أَمْكَنَ مُتَابِعَةُ الْمَشْيِ عَلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 125
فَرْعٌ
الْجُرْمُوقُ: هُوَ الَّذِي يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ غَالِبًا. فَإِذَا لَبِسَ خُفًّا فَوْقَ خُفٍّ، فَلَهُ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْأَعْلَى صَالِحًا لِلْمَسْحِ عَلَيْهِ دُونَ الْأَسْفَلِ، لِضَعْفِهِ، أَوْ لِخَرْقِهِ، فَالْمَسْحُ عَلَى الْأَعْلَى خَاصَّةً.
الثَّانِي: عَكْسُهُ، فَالْمَسْحُ عَلَى الْأَسْفَلِ خَاصَّةً. فَلَوْ مَسَحَ الْأَعْلَى فَوَصَلَ الْبَلَلُ إِلَى الْأَسْفَلِ، فَإِنْ قَصَدَ مَسْحَ الْأَسْفَلِ، أَجْزَأَهُ. وَكَذَا إِنْ قَصْدَهُمَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِنْ قَصَدَ الْأَعْلَى، لَمْ يَجُزْ. وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ وَاحِدًا، بَلْ قَصَدَ الْمَسْحَ فِي الْجُمْلَةِ، أَجْزَأَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِقَصْدِهِ إِسْقَاطَ فَرَضِ الرِّجْلِ بِالْمَسْحِ.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَصْلُحَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَيَتَعَذَّرُ الْمَسْحُ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَصْلُحَا كِلَاهُمَا، فَفِي الْمَسْحِ عَلَى الْأَعْلَى وَحْدَهُ قَوْلَانِ: الْقَدِيمُ جَوَازُهُ، وَالْجَدِيدُ: مَنْعُهُ.
قُلْتُ: الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ الْجَدِيدُ، وَصَحَّحَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي شَرْحِ (الْفُرُوعِ) الْقَدِيمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ جَوَّزْنَا الْمَسْحَ عَلَى الْجُرْمُوقِ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سُرَيْجٍ فِيهِ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ. أَظْهَرُهَا: أَنَّ الْجُرْمُوقَ بَدَلٌ عَنِ الْخُفِّ، وَالْخُفُّ بَدَلٌ عَنِ الرِّجْلِ. وَالثَّانِي: الْأَسْفَلُ كَلِفَافَةٍ، وَالْأَعْلَى هُوَ الْخُفُّ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمَا كَخُفٍّ وَاحِدٍ، فَالْأَعْلَى ظِهَارَةٌ، وَالْأَسْفَلُ بِطَانَةٌ. وَتَتَفَرَّعُ عَلَى الْمَعَانِي مَسَائِلُ. مِنْهَا: لَوْ لَبِسَهُمَا مَعًا عَلَى طَهَارَةٍ فَأَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَسْحِ الْأَسْفَلِ، جَازَ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ دُونَ الْآخَرَيْنِ. وَمِنْهَا: لَوْ لَبِسَ الْأَسْفَلَ عَلَى طَهَارَةٍ، وَالْأَعْلَى عَلَى حَدَثٍ، فَفِي جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَى الْأَعْلَى طَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ. وَأَصَحُّهُمَا فِيهِ وَجْهَانِ. إِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ
стр. 126
وَالثَّانِي: لَمْ يَجُزْ. وَبِالثَّالِثِ: يَجُوزُ. فَلَوْ لَبِسَ الْأَسْفَلَ بِطَهَارَةٍ، ثُمَّ أَحْدَثَ وَمَسَحَهُ، ثُمَّ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ، فَهَلْ يَجُوزُ مَسْحُهُ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: يُبْنَى عَلَى الْمَعَانِي إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ أَوِ الثَّالِثِ جَازَ. وَبِالثَّانِي: لَا يَجُوزُ. وَقِيلَ: يُبْنَى الْجَوَازُ عَلَى هَذَا الثَّانِي، عَلَى أَنَّ مَسْحَ الْخُفِّ يَرْفَعُ الْحَدَثَ، أَمْ لَا؟ إِنْ قُلْنَا: يَرْفَعُ، جَازَ، وَإِلَّا فَلَا.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْبِنَاءِ عَلَى رَفْعِ الْحَدَثِ. وَإِذَا جَوَّزْنَا مَسْحَ الْأَعْلَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ إِحْدَاثِ أَوَّلِ لُبْسِهِ الْأَسْفَلَ، وَفِي جَوَازِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَسْفَلِ الْخِلَافُ السَّابِقُ. وَمِنْهَا: لَوْ لَبِسَ الْأَسْفَلَ عَلَى حَدَثٍ، وَغَسَلَ رِجْلَهُ فِيهِ، ثُمَّ لَبِسَ الْأَعْلَى عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ، فَلَا يَجُوزُ مَسْحُ الْأَسْفَلِ قَطْعًا، وَلَا مَسْحُ الْأَعْلَى إِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، أَوِ الثَّالِثِ. وَبِالثَّانِي يَجُوزُ. وَمِنْهَا: لَوْ تَخَرَّقَ الْأَعْلَى مِنَ الرِّجْلَيْنِ جَمِيعًا، أَوْ نَزَعَهُ مِنْهُمَا بَعْدَ مَسْحِهِ وَبَقِيَ الْأَسْفَلُ بِحَالِهِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، لَمْ يَجِبْ نَزْعُ الْأَسْفَلِ، بَلْ يَجِبُ مَسْحُهُ، وَهَلْ يَكْفِيهِ مَسْحُهُ أَمْ يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي نَازِعِ الْخُفَّيْنِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، وَجَبَ نَزْعُ الْأَسْفَلِ أَيْضًا وَغَسْلُ الْقَدَمَيْنِ. وَفِي اسْتِئْنَافِ الْوُضُوءِ الْقَوْلَانِ، فَحَصَلَ مِنَ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ. أَحَدُهَا: لَا يَجِبُ شَيْءٌ. وَالثَّانِي: يَجِبُ مَسْحُ الْأَسْفَلِ فَقَطْ. وَالثَّالِثُ: يَجِبُ الْمَسْحُ وَاسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ. وَالرَّابِعُ: يَجِبُ نَزْعُ الْخُفَّيْنِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ. وَالْخَامِسُ: يَجِبُ ذَلِكَ مَعَ اسْتِئْنَافِ الْوُضُوءِ. وَمِنْهَا: لَوْ تَخَرَّقَ الْأَعْلَى مِنْ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ أَوْ نَزَعَهُ. فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، وَجَبَ نَزْعُ الْأَسْفَلِ أَيْضًا مِنْ هَذِهِ الرِّجْلِ، وَوَجَبَ نَزْعُهُمَا مِنَ الرِّجْلِ الْأُخْرَى، وَغَسْلُ الْقَدَمَيْنِ. وَفِي اسْتِئْنَافِ الْوُضُوءِ الْقَوْلَانِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ نَزْعُ الْأَعْلَى مِنَ الرِّجْلِ الْأُخْرَى؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا نَعَمْ، كَمَنْ نَزَعَ إِحْدَى الْخُفَّيْنِ. فَإِذَا نَزَعَهُ، عَادَ الْقَوْلَانِ: فِي أَنَّهُ (هَلْ) يَجِبُ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ، أَمْ يَكْفِيهِ مَسْحُ الْأَسْفَلِ؟ وَالثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُ نَزْعُ الثَّانِي.
стр. 127
وَفِي وَاجِبِهِ الْقَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: مَسْحُ الْأَسْفَلِ الَّذِي نَزَعَ أَعْلَاهُ. وَالثَّانِي اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ، وَمَسْحُ هَذَا الْأَسْفَلِ، وَالْأَعْلَى مِنَ الرِّجْلِ الْأُخْرَى. وَمِنْهَا: لَوْ تَخَرَّقَ الْأَسْفَلُ مِنْهُمَا، لَمْ يَضُرَّ عَلَى الْمَعَانِي كُلِّهَا. فَإِنْ تَخَرَّقَ مِنْ إِحْدَاهُمَا، فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، وَجَبَ نَزْعُ وَاحِدٍ مِنَ الرِّجْلِ الْأُخْرَى، لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ، قَالَهُ فِي (التَّهْذِيبِ) وَغَيْرِهِ. وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِيمَا إِذَا تَخَرَّقَ الْأَعْلَى مِنْ إِحْدَى الرِّجْلَيْنِ، وَقَدْ حَكُوا وَجْهَيْنِ فِي وُجُوبِ نَزْعِهِ مِنَ الْأُخْرَى، فَلْيُحْكَمْ بِطَرْدِهِمَا هُنَا. ثُمَّ إِذَا نَزَعَ، فَفِي وَاجِبِهِ الْقَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: مَسْحُ الْخُفِّ الَّذِي نُزِعَ الْأَعْلَى مِنْ فَوْقِهِ. وَالثَّانِي: اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ وَالْمَسْحِ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَعْلَى الَّذِي تَخَرَّقَ الْأَسْفَلُ تَحْتَهُ. وَمِنْهَا: لَوْ تَخَرَّقَ الْأَسْفَلُ وَالْأَعْلَى مِنَ الرِّجْلَيْنِ، أَوْ مِنْ إِحْدَاهُمَا، لَزِمَ نَزْعُ الْجَمِيعِ عَلَى الْمَعَانِي كُلِّهَا، لَكِنْ إِنْ قُلْنَا بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ، وَكَانَ الْخَرْقَانِ فِي مَوْضِعَيْنِ غَيْرِ مُتَحَاذِيَيْنِ، لَمْ يَضُرَّ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَمِنْهَا: لَوْ تَخَرَّقَ الْأَعْلَى مِنْ رِجْلٍ، وَالْأَسْفَلُ مِنَ الْأُخْرَى، فَإِنْ قُلْنَا بِالثَّالِثِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، نَزَعَ الْأَعْلَى الْمُتَخَرِّقَ، وَأَعَادَ مَسْحَ مَا تَحْتَهُ. وَهَلْ يَكْفِيهِ ذَلِكَ، أَمْ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْنَافِ الْوُضُوءِ مَاسِحًا عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَعْلَى مِنَ الرِّجْلِ الْأُخْرَى؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ. هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى جَوَازِ مَسْحِ الْجُرْمُوقِ. فَإِنْ مَنَعْنَاهُ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ بَيْنَهُمَا وَمَسَحَ الْخُفَّ الْأَسْفَلَ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ تَخَرَّقَ الْأَسْفَلَانِ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ التَّخَرُّقِ عَلَى طَهَارَةِ لُبْسِهِ الْأَسْفَلَ، مَسَحَ الْأَعْلَى، لِأَنَّهُ صَارَ أَصْلًا لِخُرُوجِ الْأَسْفَلِ عَنْ صَلَاحِيَّتِهِ لِلْمَسْحِ. وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا، لَمْ يَجُزْ مَسْحُ الْأَعْلَى، كَاللُّبْسِ عَلَى حَدَثٍ. وَإِنْ كَانَ عَلَى طَهَارَةِ مَسْحٍ، فَوَجْهَانِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي التَّفْرِيعِ عَلَى الْقَدِيمِ. أَمَّا إِذَا لَبِسَ جُرْمُوقًا فِي رِجْلٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الْخُفِّ فِي الْأُخْرَى، فَعَلَى الْجَدِيدِ: لَا يَجُوزُ مَسْحُ الْجُرْمُوقِ. وَعَلَى الْقَدِيمِ: يُبْنَى عَلَى الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ فِي خُفٍّ، وَغَسْلُ الرِّجْلِ الْأُخْرَى. وَعَلَى الثَّالِثِ يَجُوزُ، وَكَذَا عَلَى الثَّانِي عَلَى الْأَصَحِّ.
стр. 128
قُلْتُ: وَإِذَا جَوَّزْنَا الْمَسْحَ عَلَى الْجُرْمُوقِ، فَكَذَا إِذَا لَبِسَ ثَانِيًا وَثَالِثًا. وَلَوْ لَبِسَ الْخُفَّ فَوْقَ الْجَبِيرَةِ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
فِي كَيْفِيَّةِ الْمَسْحِ
أَمَّا أَقَلُّهُ، فَمَا يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ مِنْ مَحَلِّ فَرْضِ الْغَسْلِ فِي الرِّجْلِ، إِلَّا أَسْفَلَهَا، فَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ قَطْعًا، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. وَإِلَّا الْعَقِبَ، فَلَا يُجْزِئُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: هُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنَ الْأَسْفَلِ، وَقِيلَ: أَوْلَى بِالْمَنْعِ.
قُلْتُ: وَحَرْفُ الْخُفِّ كَأَسْفَلِهِ. قَالَهُ فِي (التَّهْذِيبِ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْأَكْمَلُ: فَمَسْحُ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ اسْتِيعَابُ جَمِيعِهِ سُنَّةً عَلَى الْأَصَحِّ. وَيُسْتَحَبُّ مَسْحُ الْعَقِبِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَقِيلَ: الْأَصَحُّ، وَقِيلَ: قَطْعًا.
وَلَوْ كَانَ عِنْدَ الْمَسْحِ عَلَى أَسْفَلِهِ نَجَاسَةٌ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. وَيُجْزِئُ غَسْلُ الْخُفِّ عَنْ مَسْحِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، لَكِنْ يُكْرَهُ. وَيُكْرَهُ أَيْضًا تَكْرَارُ الْمَسْحِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَعَلَى الثَّانِي: يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُهُ ثَلَاثًا كَالرَّأْسِ.
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تَتَعَيَّنُ الْيَدُ لِلْمَسْحِ، بَلْ يَجُوزُ بِخِرْقَةٍ وَخَشَبَةٍ وَغَيْرِهِمَا. وَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ الْمُبْتَلَّةَ وَلَمْ يُمِرَّهَا، أَوْ قَطَّرَ الْمَاءَ عَلَيْهِ، أَجْزَأَهُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرَّأْسِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 129
فَصْلٌ
فِي حُكْمِ الْمَسْحِ
يُبَاحُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ لِلصَّلَاةِ، وَسَائِرِ مَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْوُضُوءِ. وَلَهُ الْمَسْحُ إِلَى إِحْدَى غَايَاتٍ أَرْبَعٍ:
الْأُولَى: مُضِيُّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِلْمُقِيمِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ عَلَى الْمَشْهُورِ الْجَدِيدِ. وَفِي الْقَدِيمِ: يَجُوزُ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ. وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الْجَدِيدِ. وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ. وَأَكْثَرُ مَا يُمْكِنُ الْمُقِيمُ أَنْ يُصَلِّيَ مِنَ الْفَرَائِضِ الْمُؤَدَّاةِ، سِتُّ صَلَوَاتٍ إِنْ لَمْ يَجْمَعْ. فَإِنْ جَمَعَ لِمَطَرٍ، فَسَبْعٌ، وَالْمُسَافِرُ سِتَّ عَشْرَةَ، وَبِالْجَمْعِ سَبْعَ عَشْرَةَ. وَأَمَّا الْمَقْضِيَّاتُ فَلَا تَنْحَصِرُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُسَافِرَ إِنَّمَا يَمْسَحُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِذَا كَانَ سَفَرُهُ طَوِيلًا، وَغَيْرَ مَعْصِيَةٍ، فَإِنْ قَصُرَ سَفَرُهُ، مَسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَإِنْ كَانَ مَعْصِيَةً، مَسَحَ يَوْمًا وَلَيْلَةً عَلَى الْأَصَحِّ. وَعَلَى الثَّانِي: لَا يَمْسَحُ شَيْئًا. وَيُجْزِئُ الْوَجْهَانِ فِي الْعَاصِي بِالْإِقَامَةِ، كَالْعَبْدِ الْمَأْمُورِ بِالسَّفَرِ إِذَا أَقَامَ.
فَرْعٌ
إِذَا لَبِسَ الْخُفَّ فِي الْحَضَرِ، ثُمَّ سَافَرَ، وَمَسَحَ فِي السَّفَرِ، مَسَحَ مَسْحَ مُسَافِرٍ، سَوَاءً كَانَ أَحْدَثَ فِي الْحَضَرِ، أَمْ لَا، وَسَوَاءً سَافَرَ بَعْدَ الْحَدَثِ وَخُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، أَمْ لَا، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: إِنْ أَحْدَثَ فِي الْحَضَرِ، مَسَحَ مَسْحَ مُقِيمٍ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: إِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ فِي الْحَضَرِ وَلَمْ يُصَلِّ، ثُمَّ سَافَرَ، مَسَحَ مَسْحَ مُقِيمٍ. أَمَّا إِذَا مَسَحَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ، فَيُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ. وَالِاعْتِبَارُ فِي الْمَسْحِ بِتَمَامِهِ، فَلَوْ مَسَحَ إِحْدَى الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ، ثُمَّ سَافَرَ وَمَسَحَ الْآخَرَ فِي السَّفَرِ، فَلَهُ مَسْحُ مُسَافِرٍ، لِأَنَّهُ تَمَّ مَسْحُهُ فِي السَّفَرِ.
стр. 130
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ ﵀ فِي مَسْأَلَةِ الْمَسْحِ عَلَى أَحَدِ الْخُفَّيْنِ فِي الْحَضَرِ، هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) . لَكِنَّ الصَّحِيحَ الْمُخْتَارَ، مَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ (التَّتِمَّةِ) وَاخْتَارَهُ الشَّاشِيُّ: أَنَّهُ يَمْسَحُ مَسْحَ مُقِيمٍ، لِتَلَبُّسِهِ بِالْعِبَادَةِ فِي الْحَضَرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا إِذَا مَسَحَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَأَكْثَرَ، فَقَدِ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ، وَيُجْزِئُهُ مَا مَضَى. وَإِنْ كَانَ قَبْلَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، تَمَّمَهَا. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: يَمْسَحُ ثُلْثَ مَا بَقِيَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ مُطْلَقًا. وَلَوْ شَكَّ الْمَاسِحُ فِي السَّفَرِ أَوِ الْحَضَرِ فِي انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ، وَجَبَ الْأَخْذُ بِانْقِضَائِهَا. وَلَوْ شَكَّ الْمُسَافِرُ هَلِ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ فِي الْحَضَرِ، أَمِ السَّفَرِ؟ أَخَذَ بِالْحَضَرِ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَلَوْ مَسَحَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي شَاكًّا، وَصَلَّى بِهِ، ثُمَّ عَلِمَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَنَّهُ كَانَ ابْتَدَأَ فِي السَّفَرِ، لَزِمَهُ إِعَادَةُ مَا صَلَّى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي. وَلَهُ الْمَسْحُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَإِنْ كَانَ مَسَحَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى الطَّهَارَةِ فَلَمْ يُحْدِثْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الثَّالِثِ بِذَلِكَ الْمَسْحِ، لِأَنَّهُ صَحِيحٌ. فَإِنْ كَانَ أَحْدَثَ فِي الثَّانِي، وَمَسَحَ شَاكًّا، وَبَقِيَ عَلَى تِلْكَ الطَّهَارَةِ، لَمْ يَصِحَّ مَسْحُهُ، فَيَجِبُ إِعَادَةُ الْمَسْحِ. وَفِي وُجُوبِ اسْتِئْنَافِ الْوُضُوءِ الْقَوْلَانِ فِي الْمُوَالَاةِ. وَقَالَ صَاحِبُ (الشَّامِلِ) يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ مَعَ الشَّكِّ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
الْغَايَةُ الثَّانِيَةُ: نَزْعُ الْخُفَّيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةِ مَسْحٍ، لَزِمَهُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، وَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَاخْتُلِفَ فِي أَصْلِ الْقَوْلَيْنِ، فَقِيلَ: بِنَفْسَيْهِمَا، وَقِيلَ: مَبْنِيَّانِ عَلَى تَفْرِيقِ الْوُضُوءِ، وَضَعَّفَهُ الْأَصْحَابُ. وَقِيلَ: عَلَى أَنَّ بَعْضَ الطَّهَارَةِ هَلْ يَخْتَصُّ بِالِانْتِقَاضِ، أَمْ يَلْزَمُهُ مِنَ انْتِقَاضِ بَعْضِهَا انْتِقَاضُ جَمِيعِهَا؟ وَقِيلَ: مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الْخُفِّ يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَنِ الرِّجْلِ، أَمْ لَا؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَرْفَعُ، اقْتَصَرَ عَلَى غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، وَإِلَّا اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّ مَسْحَ الْخُفِّ يَرْفَعُ الْحَدَثَ عَنِ الرِّجْلِ، كَمَسْحِ
стр. 131
الرَّأْسِ. وَلَوْ خَرَجَ الْخُفُّ عَنْ صَلَاحِيَةِ الْمَسْحِ، لِضَعْفِهِ، أَوْ تَخَرُّقِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ كَنَزْعِهِ. وَلَوِ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، أَوْ ظَهَرَتِ الرِّجْلَ وَهُوَ فِي صَلَاةٍ، بَطَلَتْ. فَلَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْمُدَّةِ إِلَّا مَا يَسَعُ رَكْعَةً، فَافْتَتَحَ رَكْعَتَيْنِ، فَهَلْ يَصِحُّ الِافْتِتَاحُ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، أَمْ لَا تَنْعَقِدُ؟ وَجْهَانِ فِي (الْبَحْرِ) أَصَحُّهُمَا: الِانْعِقَادُ. وَفَائِدَتُهُمَا: أَنَّهُ لَوِ اقْتَدَى بِهِ إِنْسَانٌ عَالِمٌ بِحَالِهِ، ثُمَّ فَارَقَهُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، أَمْ لَا تَنْعَقِدُ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ، وَفِيمَا لَوْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى رَكْعَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْغَايَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَلْزَمَ الْمَاسِحَ غُسْلُ جَنَابَةٍ، أَوْ حَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، فَيَجِبُ اسْتِئْنَافُ اللُّبْسِ بَعْدَهُ.
الْغَايَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا نُجِّسَتْ رِجْلُهُ فِي الْخُفِّ وَلَمْ يُمْكِنْ غَسْلُهَا فِيهِ، وَجَبَ النَّزْعُ لِغَسْلِهَا. فَإِنْ أَمْكَنَ غَسْلُهَا فِيهِ فَغَسَلَهَا، لَمْ يَبْطُلِ الْمَسْحُ.
فَرْعٌ
سَلِيمُ الرِّجْلَيْنِ إِذَا لَبِسَ خُفًّا فِي إِحْدَاهُمَا، لَا يَصِحُّ مَسْحُهُ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا رِجْلٌ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَى خُفِّهَا، وَلَوْ بَقِيَتْ مِنَ الرِّجْلِ الْأُخْرَى بَقِيَّةٌ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ حَتَّى يُوَارِيَهَا بِمَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: لَوْ كَانَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلِيلَةً، بِحَيْثُ لَا يَجِبُ غَسْلُهَا، فَلَبِسَ الْخُفَّ فِي الصَّحِيحَةِ، قَطَعَ الدَّارِمِيُّ بِصِحَّةِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ. وَصَاحِبُ (الْبَيَانِ) بِالْمَنْعِ. وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّهُ يَجِبُ التَّيَمُّمُ عَنِ الرِّجْلِ الْعَلِيلَةِ، فَهِيَ كَالصَّحِيحَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 132
كِتَابُ الْحَيْضِ
فِيهِ خَمْسَةُ أَبْوَابٍ.
الْأَوَّلُ: فِي حُكْمِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ. أَمَّا سِنُّ الْحَيْضِ، فَأَقَلُّهُ اسْتِكْمَالُ تِسْعِ سِنِينَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَا رَأَتْهُ قَبْلَهُ دَمُ فَسَادٍ. وَالثَّانِي: بِالطَّعْنِ فِي أَوَّلِ التَّاسِعَةِ. وَالثَّالِثُ: مُضِيُّ نِصْفِ التَّاسِعَةِ. وَالْمُرَادُ: السُّنُونَ الْقَمَرِيَّةُ عَلَى الْأَوْجُهِ كُلِّهَا. وَهَذَا الضَّبْطُ لِلتَّقْرِيبِ عَلَى الْأَصَحِّ. فَلَوْ كَانَ بَيْنَ رُؤْيَةِ الدَّمِ وَاسْتِكْمَالِ التِّسْعِ عَلَى الصَّحِيحِ مَا لَا يَسَعُ حَيْضًا وَطُهْرًا، كَانَ ذَلِكَ الدَّمُ حَيْضًا، وَإِلَّا فَلَا. وَسَوَاءٌ فِي سِنِّ الْحَيْضِ الْبِلَادُ الْحَارَّةُ، وَغَيْرُهَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: فِي الْبَارِدَةِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْوَجْهُ الَّذِي حَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ: هُوَ أَنَّهُ إِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ الَّتِي لَا يُعْهَدُ ذَلِكَ فِي مِثْلِهَا، فَلَيْسَ بِحَيْضٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ التَّفْرِيعُ. وَأَكْثَرُهُ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَغَالِبُهُ: سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ. وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَغَالِبُهُ: تَمَامُ الشَّهْرِ بَعْدَ الْحَيْضِ، وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ. وَلَوْ وَجَدْنَا امْرَأَةً تَحِيضُ عَلَى الِاطِّرَادِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ، أَوْ بِطُهْرٍ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. الْأَصَحُّ: لَا عِبْرَةَ بِهِ. وَالثَّانِي: يَتْبَعُهُ. وَالثَّالِثُ: إِنْ وَافَقَ ذَلِكَ مَذْهَبَ بَعْضِ السَّلَفِ، أَتْبَعْنَاهُ. وَإِلَّا فَلَا. وَالْأَوَّلُ: هُوَ الْمُعْتَمَدُ: وَعَلَيْهِ تَفْرِيعُ مَسَائِلِ
стр. 133
الْحَيْضِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهَا لَوْ رَأَتِ النَّقَاءَ يَوْمًا، وَالدَّمَ يَوْمًا عَلَى الِاسْتِمْرَارِ، لَا نَجْعَلُ كُلَّ نَقَاءٍ طُهْرًا كَامِلًا.
فَصْلٌ
يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ. وَلَوْ أَرَادَتِ الْعُبُورَ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ لِعَدَمِ إِحْكَامِهَا الشَّدَّ، أَوْ لِغَلَبَةِ الدَّمِ، حَرُمَ الْعُبُورُ عَلَيْهَا، وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِهَا، بَلِ الْمُسْتَحَاضَةُ، وَالسَّلَسُ، وَمَنْ بِهِ جِرَاحَةٌ نَضَّاخَةٌ، يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الْعُبُورُ إِذَا خَافُوا التَّلْوِيثَ. فَإِنْ أَمِنَتِ الْحَائِضُ التَّلْوِيثَ، جَازَ الْعُبُورُ عَلَى الصَّحِيحِ، كَالْجُنُبِ وَمَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَا يَخَافُ تَلْوِيثَهَا. وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ، وَيَجِبُ قَضَاؤُهُ. وَهَلْ يُقَالُ: إِنَّهُ وَاجِبٌ حَالَ الْحَيْضِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَالْجَمَاهِيرُ: أَنَّهُ لَيْسَ وَاجِبًا، بَلْ يَجِبُ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الِاسْتِمْتَاعُ بِالْحَائِضِ، فَضَرْبَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْجِمَاعُ فِي الْفَرْجِ، فَيَحْرُمُ وَيَبْقَى تَحْرِيمُهُ إِلَى أَنْ يَنْقَطِعَ الْحَيْضُ، وَتَغْتَسِلَ، أَوْ تَتَيَمَّمَ عِنْدَ عَجْزِهَا عَنِ الْغُسْلِ. فَلَوْ لَمْ تَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا، صَلَّتِ الْفَرِيضَةَ، وَحَرُمَ وَطْؤُهَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَمَتَى جَامَعَ فِي الْحَيْضِ مُتَعَمِّدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، فَقَوْلَانِ. الْمَشْهُورُ الْجَدِيدُ: لَا غُرْمَ عَلَيْهِ، بَلْ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَيَتُوبُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ إِنْ جَامَعَ فِي إِقْبَالِ الدَّمِ، أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ إِنْ جَامَعَ فِي إِدْبَارِهِ. وَالْقَدِيمُ: يَلْزَمُهُ غَرَامَةٌ. وَفِيهَا قَوْلَانِ. الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا مَا قَدَّمْنَا اسْتِحْبَابَهُ فِي الْجَدِيدِ. وَالثَّانِي: عِتْقُ رَقَبَةٍ بِكُلِّ حَالٍ. ثُمَّ الدِّينَارُ الْوَاجِبُ، أَوْ
стр. 134
الْمُسْتَحَبُّ، مِثْقَالُ الْإِسْلَامِ مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِصِ، يُصْرَفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. وَيَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى وَاحِدٍ. وَعَلَى قَوْلِ الْوُجُوبِ: يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ دُونَ الزَّوْجَةِ. وَفِي الْمُرَادِ بِإِقْبَالِ الدَّمِ وَإِدْبَارِهِ: وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ: أَنَّ إِقْبَالَهُ: أَوَّلُهُ وَشَدَّتُهُ. وَإِدْبَارُهُ: ضَعْفُهُ وَقُرْبُهُ مِنَ الِانْقِطَاعِ. وَالثَّانِي: قَوْلُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيِّ: إِقْبَالُهُ: مَا لَمْ يَنْقَطِعْ، وَإِدْبَارُهُ: إِذَا انْقَطَعَ وَلَمْ تَغْتَسِلْ. أَمَّا إِذَا وَطِئَهَا نَاسِيًا، أَوْ جَاهِلًا التَّحْرِيمَ، أَوِ الْحَيْضَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَطْعًا. وَقِيلَ: يَجِيءُ وَجْهٌ عَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ: أَنَّهُ يَجِبُ الْغُرْمُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: الِاسْتِمْتَاعُ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ. وَهُوَ نَوْعَانِ.
أَحَدُهُمَا: الِاسْتِمْتَاعُ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ حَرَامٌ. وَالثَّانِي: لَا يَحْرُمُ. وَالثَّالِثُ: إِنْ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ التَّعَدِّي إِلَى الْفَرْجِ لِوَرَعٍ، أَوْ لِقِلَّةِ شَهْوَةٍ، لَمْ يَحْرُمْ، وَإِلَّا حَرُمَ. وَحُكِيَ الثَّانِي قَوْلًا قَدِيمًا.
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا فَوْقَ السُّرَّةِ وَتَحْتَ الرُّكْبَةِ، وَهُوَ جَائِزٌ، أَصَابَهُ دَمُ الْحَيْضِ، أَمْ لَمْ يُصِبْهُ. وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: يَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِالْمَوْضِعِ الْمُتَلَطِّخِ بِالدَّمِ. وَمِنْ أَحْكَامِ الْحَيْضِ: أَنَّهُ يَجِبُ الْغُسْلُ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ، وَأَنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الطَّهَارَةِ مَا دَامَ الدَّمُ مُسْتَمِرًّا، إِلَّا الْأَغْسَالَ الْمَشْرُوعَةَ، لِمَا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى طَهَارَةٍ، كَالْإِحْرَامِ، وَالْوُقُوفِ، فَإِنَّهَا تُسْتَحَبُّ لِلْحَائِضِ، وَإِذَا قُلْنَا بِالضَّعِيفِ: إِنَّ الْحَائِضَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَلَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ إِذَا أَجْنَبَتْ لِتَقْرَأَ.
وَمِنْ أَحْكَامِ الْحَيْضِ: أَنَّهُ يُوجِبُ الْبُلُوغَ، وَتَتَعَلَّقُ بِهِ الْعِدَّةُ وَالِاسْتِبْرَاءُ، وَيَكُونُ الطَّلَاقُ فِيهِ بِدْعِيًّا، وَحُكْمُ النِّفَاسِ حُكْمُ الْحَيْضِ إِلَّا فِي إِيجَابِ الْبُلُوغِ وَمَا بَعْدَهُ.
قُلْتُ: وَمِنْ أَحْكَامِهِ: مَنْعُ وُجُوبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ، وَمَنْعُ قَطْعِ التَّتَابُعِ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ: وَحُكْمُ النِّفَاسِ حُكْمُ الْحَيْضِ إِلَّا فِي إِيجَابِ الْبُلُوغِ، وَمَا بَعْدَهُ، يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ الطَّلَاقُ فِيهِ بِدْعِيًّا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ بِدْعِيٌّ، لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِيَ بِدْعِيَّتَهُ فِي الْحَيْضِ مَوْجُودٌ فِيهِ، وَقَدْ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي كِتَابِ (الطَّلَاقِ) بِكَوْنِهِ بِدْعِيًّا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 135
وَإِذَا انْقَطَعَ الْحَيْضُ، ارْتَفَعَ تَحْرِيمُ الصَّوْمِ وَإِنْ لَمْ تَغْتَسِلْ، وَكَذَا الطَّلَاقُ، وَسُقُوطُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الِاسْتِمْتَاعِ وَمَا يَفْتَقِرُ إِلَى الطَّهَارَةِ.
قُلْتُ: وَمِمَّا يَزُولُ بِانْقِطَاعِ الْحَيْضِ، تَحْرِيمُ الْعُبُورِ فِي الْمَسْجِدِ إِذَا قُلْنَا بِتَحْرِيمِهِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ، وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ فِي (الْحَاوِي) وَ (النِّهَايَةِ) أَنَّهُ لَا يَزُولُ تَحْرِيمُهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
فِي الِاسْتِحَاضَةِ
الِاسْتِحَاضَةُ: قَدْ تُطْلَقُ عَلَى كُلِّ دَمٍ تَرَاهُ الْمَرْأَةُ غَيْرَ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ. سَوَاءً اتَّصَلَ بِالْحَيْضِ الْمُجَاوِزِ أَكْثَرَهُ أَمْ لَمْ يَتَّصِلْ، كَالَّذِي تَرَاهُ لِسَبْعِ سِنِينَ مَثَلًا. وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْمُتَّصِلِ بِهِ خَاصَّةً، وَيُسَمَّى غَيْرُهُ: دَمُ فَسَادٍ، وَلَا تَخْتَلِفُ الْأَحْكَامُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَالْخَارِجُ حَدَثٌ دَائِمٌ، كَسَلَسِ الْبَوْلِ، فَلَا يَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ، وَيَجُوزُ وَطْؤُهَا، وَإِنَّمَا أَثَرُ الْحَدَثِ الدَّائِمِ: الِاحْتِيَاطُ فِي الطَّهَارَةِ، وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ، فَتَغْسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ فَرْجَهَا قَبْلَ الْوُضُوءِ أَوِ التَّيَمُّمِ، وَتَحْشُوهُ بِقُطْنَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ دَفْعًا لِلنَّجَاسَةِ وَتَقْلِيلًا. فَإِنِ انْدَفَعَ بِهِ الدَّمُ، وَإِلَّا شَدَّتْ مَعَ ذَلِكَ خِرْقَةً فِي وَسَطِهَا، وَتَلَجَّمَتْ بِأُخْرَى مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَيْنِ، فَكُلُّ هَذَا وَاجِبٌ، إِلَّا أَنْ تَتَأَذَّى بِالشَّدِّ أَوْ تَكُونَ صَائِمَةً فَتَتْرُكُ الْحَشْوَ وَتَقْتَصِرُ عَلَى الشَّدِّ. وَسَلَسُ الْبَوْلِ يُدْخِلُ قُطْنَةً فِي إِحْلِيلِهِ، فَإِنِ انْقَطَعَ، وَإِلَّا عَصَبَ مَعَ ذَلِكَ رَأْسَ الذَّكَرِ. ثُمَّ تَتَوَضَّأُ الْمُسْتَحَاضَةُ بَعْدَ الِاحْتِيَاطِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَيَلْزَمُهَا تَقْدِيمُ هَذَا الِاحْتِيَاطِ عَلَى الْوُضُوءِ، وَيَجِبُ الْوُضُوءُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ، وَلَهَا مَا شَاءَتْ مِنَ النَّوَافِلِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ طَهَارَتُهَا بَعْدَ الْوَقْتِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: تُجْزِئُهَا الطَّهَارَةُ قَبْلَ الْوَقْتِ إِذَا انْطَبَقَ آخِرُهَا عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ. وَيَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُبَادِرَ بِالصَّلَاةِ عَقِبَ طَهَارَتِهَا. فَإِنْ تَطَهَّرَتْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَصَلَّتْ فِي
стр. 136
آخِرَهُ أَوْ بَعْدَهُ. فَإِنْ كَانَ تَأْخِيرُهَا لِسَبَبِ الصَّلَاةِ، كَالْأَذَانِ، وَالِاجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَانْتِظَارِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَنَحْوِهَا، لَمْ يَضُرَّ، وَإِلَّا فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. الصَّحِيحُ: الْمَنْعُ. وَالثَّانِي: الْجَوَازُ. وَالثَّالِثُ: الْجَوَازُ مَا لَمْ يَخْرُجِ الْوَقْتُ. أَمَّا تَجْدِيدُ غَسْلِ الْفَرْجِ، وَحَشْوِهِ، وَشَدِّهِ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ، فَإِنْ زَالَتِ الْعِصَابَةُ عَنْ مَوْضِعِهَا زَوَالًا لَهُ وَقْعٌ، أَوْ ظَهَرَ الدَّمُ فِي جَوَانِبِهَا، وَجَبَ التَّجْدِيدُ. وَإِنْ لَمْ تَزَلْ، وَلَا ظَهَرَ الدَّمُ، أَوْ زَالَتْ زَوَالًا يَسِيرًا، وَجَبَ التَّجْدِيدُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: الْأَظْهَرُ. كَمَا يَجِبُ تَجْدِيدُ الْوُضُوءِ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوْ أَحْدَثَتْ بِرِيحٍ وَنَحْوِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلِّيَ، فَلَوْ بَالَتْ، وَجَبَ التَّجْدِيدُ قَطْعًا. وَلَوْ خَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ بَعْدَ الشَّدِّ لِغَلَبَةِ الدَّمِ، لَمْ يَبْطُلْ وُضُوؤُهَا. وَإِنْ كَانَ لِتَقْصِيرِهَا فِي الشَّدِّ، بَطَلَ، وَكَذَا لَوْ زَالَتِ الْعِصَابَةُ عَنْ مَوْضِعِهَا لَضَعْفِ الشَّدِّ، وَزَادَ خُرُوجُ الدَّمِ بِسَبَبِهِ. وَلَوِ اتَّفَقَ ذَلِكَ فِي صَلَاةٍ، بَطَلَتْ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ فَرِيضَةٍ، حَرُمَ النَّفْلُ بَعْدَهَا.
فَرْعٌ
طَهَارَةُ الْمُسْتَحَاضَةِ تَبْطُلُ بِالشِّفَاءِ، وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: لَوِ اتَّصَلَ الشِّفَاءُ بِآخِرِ الْوُضُوءِ، لَمْ يَبْطُلْ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَلَوْ شُفِيَتْ فِي صَلَاةٍ، بَطَلَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَمَتَى انْقَطَعَ دَمُهَا وَهِيَ تَعْتَادُ الِانْقِطَاعَ وَالْعَوْدَ، أَوْ لَا تَعْتَادُهُ، لَكِنْ أَخْبَرَهَا بِهِ مَنْ يُعْتَمَدُ مِنْ أَهْلِ الْبَصَرِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الِانْقِطَاعِ يَسِيرَةً لَا تَسَعُ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ الَّتِي تَطَهَّرَتْ لَهَا، فَلَهَا الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ. فَلَوِ امْتَدَّ الِانْقِطَاعُ، بَانَ بُطْلَانُ الطَّهَارَةِ، وَوَجَبَ قَضَاءُ الصَّلَاةِ. وَإِنْ كَانَتْ مُدَّةُ الِانْقِطَاعِ تَسَعُ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ، لَزِمَهَا إِعَادَةُ الْوُضُوءِ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ. فَلَوْ عَادَ الدَّمُ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ، قَبْلَ الْإِمْكَانِ، لَمْ يَجِبْ إِعَادَةُ الْوُضُوءِ عَلَى الْأَصَحِّ. لَكِنْ لَوْ شَرَعَتْ فِي الصَّلَاةِ بَعْدَ هَذَا الِانْقِطَاعِ، وَلَمْ تُعِدِ الْوُضُوءَ، فَعَادَ الدَّمُ قَبْلَ الْفَرَاغِ، وَجَبَ إِعَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَصَحِّ. أَمَّا إِذَا انْقَطَعَ
стр. 137
دَمُهَا وَهِيَ لَا تَعْتَادُ الِانْقِطَاعَ وَالْعَوْدَ، وَلَمْ يُخْبِرْهَا أَهْلُ الْبَصَرِ بِالْعَوْدِ، فَيَجِبُ إِعَادَةُ الْوُضُوءِ. فَلَوْ عَادَ الدَّمُ قَبْلَ إِمْكَانِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّ وُضُوءَهَا السَّابِقَ يَبْقَى عَلَى صِحَّتِهِ. وَالثَّانِي: يَجِبُ إِعَادَتُهُ. وَلَوْ خَالَفَتْ أَمْرَنَا، وَشَرَعَتْ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ الْوُضُوءِ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ، فَإِنْ لَمْ يَعُدِ الدَّمُ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهَا، لِظُهُورِ الشِّفَاءِ. وَكَذَا إِنْ عَادَ بَعْدَ مُضِيِّ إِمْكَانِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ، لِتَمَكُّنِهَا مِنَ الصَّلَاةِ بِلَا حَدَثٍ، وَكَذَا إِنْ عَادَ قَبْلَ الْإِمْكَانِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِتَرَدُّدِهَا عِنْدَ الشُّرُوعِ. وَلَوْ تَوَضَّأَتْ عِنْدَ انْقِطَاعِ دَمِهَا وَهِيَ لَا تَدْرِي أَنَّهُ شِفَاءٌ، أَمْ لَا؟ فَسَبِيلُهَا أَنْ تَنْظُرَ هَلْ تَعْتَادُ الِانْقِطَاعَ، وَتَجْرِيَ عَلَى مُقْتَضَى الْحَالَيْنِ كَمَا بَيَّنَّا.
قُلْتُ: وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَا تَسْتَبِيحُ النَّفْلَ بِحَالٍ. وَإِنَّمَا اسْتَبَاحَتِ الْفَرِيضَةَ مَعَ الْحَدَثِ الدَّائِمِ لِلضَّرُورَةِ. وَالصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ أَنَّهَا تَسْتَبِيحُ النَّوَافِلَ مُسْتَقِلَّةً، وَتَبَعًا لِلْفَرِيضَةِ مَا دَامَ الْوَقْتُ بَاقِيًا، وَبَعْدَهُ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ طَهَارَتَهَا تُبِيحُ الصَّلَاةَ وَلَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ. وَالثَّانِي: تَرْفَعُهُ. وَالثَّالِثُ: تَرْفَعُ الْمَاضِيَ دُونَ الْمُقَارَنِ وَالْمُسْتَقْبَلِ. وَإِذَا كَانَ دَمُهَا يَنْقَطِعُ فِي وَقْتٍ، وَيَسِيلُ فِي وَقْتٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ تُصَلِّيَ وَقْتَ سَيَلَانِهِ، بَلْ عَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ وَتُصَلِّيَ فِي وَقْتِ انْقِطَاعِهِ، إِلَّا أَنْ تَخَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ، فَتَتَوَضَّأُ وَتُصَلِّي فِي سَيَلَانِهِ. فَإِنْ كَانَتْ تَرْجُو انْقِطَاعَهُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، فَهَلِ الْأَفْضَلُ أَنْ تُعَجِّلَ الصَّلَاةَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، أَمْ تُؤَخِّرُهَا إِلَى آخِرِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَذْكُورَانِ فِي (التَّتِمَّةِ) ، بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي مِثْلِهِ فِي التَّيَمُّمِ. قَالَ صَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) لَوْ كَانَ سَلَسُ الْبَوْلِ، بِحَيْثُ لَوْ صَلَّى قَائِمًا سَالَ بَوْلُهُ، وَلَوْ صَلَّى قَاعِدًا، اسْتَمْسَكَ، فَهَلْ يُصَلِّي قَائِمًا، أَمْ قَاعِدًا؟ وَجْهَانِ. الْأَصَحُّ: قَاعِدًا حِفْظًا لِلطَّهَارَةِ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 138
الْبَابُ الثَّانِي فِي الْمُسْتَحَاضَاتِ
هُنَّ أَرْبَعٌ:
الْأُولَى: الْمُبْتَدَأَةُ الْمُمَيِّزَةُ وَهِيَ: الَّتِي تَرَى الدَّمَ عَلَى نَوْعَيْنِ، أَوْ أَنْوَاعٍ، أَحَدُهَا أَقْوَى، فَتُرَدُّ إِلَى التَّمْيِيزِ، فَتَكُونُ حَائِضًا فِي أَيَّامِ الْقَوِيِّ، مُسْتَحَاضَةً فِي أَيَّامِ الضَّعِيفِ. وَإِنَّمَا يُعْمَلُ بِالتَّمْيِيزِ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ. أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَزِيدَ الْقَوِيُّ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِيُمْكِنَ جَعْلُهُ حَيْضًا. وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَنْقُصَ الضَّعِيفُ عَنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لِيُمْكِنَ جَعْلُهُ طُهْرًا بَيْنَ حَيْضَتَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ الضَّعِيفِ، أَنْ لَا تَكُونَ مُتَّصِلَةً فَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا أَسْوَدَ، وَيَوْمَيْنِ أَحْمَرَ، وَهَكَذَا أَبَدًا، فَجُمْلَةُ الضَّعِيفِ فِي الشَّهْرِ تَزِيدُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، لَكِنْ لَا يُعَدُّ هَذَا تَمْيِيزًا لِعَدَمِ اتِّصَالِهِ. هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ الشُّرُوطَ ثَلَاثَةٌ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ. وَلَنَا وَجْهَانِ شَاذَّانِ بِاشْتِرَاطِ شَرْطٍ رَابِعٍ. أَحَدُهُمَا قَالَهُ صَاحِبُ (التَّتِمَّةِ) : أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَلَّا يَزِيدَ الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، عَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا. فَإِنْ زَادَ، سَقَطَ التَّمْيِيزُ. وَالثَّانِي: مَذْكُورٌ فِي (النِّهَايَةِ) : أَنَّ الدَّمَيْنِ إِنْ كَانَا تِسْعِينَ يَوْمًا فَمَا دُونَهَا، عَمَلْنَا بِالتَّمْيِيزِ، فَإِنْ جَاوَزَ تِسْعِينَ، ابْتَدَأَتْ حَيْضَةٌ أُخْرَى بَعْدَ التِّسْعِينَ. وَجُعِلَ دَوْرُهَا تِسْعِينَ أَبَدًا. وَفِي الْمُعْتَبَرِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا هُوَ قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، أَنَّ الْقُوَّةَ تَحْصُلُ بِإِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: اللَّوْنُ، وَالرَّائِحَةُ، وَالثَّخَانَةُ. فَالْأَسْوَدُ أَقْوَى مِنَ الْأَشْقَرِ. وَالْأَشْقَرُ أَقْوَى مِنَ الْأَصْفَرِ وَمِنَ الْأَكْدَرِ إِذَا جَعَلْنَاهُمَا حَيْضًا. وَمَا لَهُ رَائِحَةٌ أَقْوَى مِمَّا لَا رَائِحَةَ لَهُ. وَالثَّخِينُ أَقْوَى مِنَ الرَّقِيقِ. وَلَوْ كَانَ دَمُهَا بَعْضُهُ مَوْصُوفًا بِصِفَةٍ مِنَ الثَّلَاثِ، وَبَعْضُهُ خَالِيًا عَنْ جَمِيعِهَا، فَالْقَوِيُّ
стр. 139
هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالصِّفَةِ. وَلَوْ كَانَ لِلْبَعْضِ صِفَةٌ، وَلِلْبَعْضِ صِفَتَانِ، فَالْقَوِيُّ مَا لَهُ صِفَتَانِ. فَإِنْ كَانَ لِلْبَعْضِ صِفَتَانِ، وَلِلْبَعْضِ ثَلَاثٌ، فَالْقَوِيُّ مَا لَهُ الثَّلَاثُ. وَإِنْ وُجِدَ لِبَعْضِهِ صِفَةٌ، وَلِبَعْضِهِ أُخْرَى، فَالْقَوِيُّ: السَّابِقُ مِنْهُمَا. كَذَا ذَكَرَهُ فِي (التَّتِمَّةِ) وَهُوَ مَوْضِعُ تَأَمُّلٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْقُوَّةِ اللَّوْنُ وَحْدَهُ، وَادَّعَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ اتِّفَاقَ الْأَصْحَابِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَيْضًا الْغَزَالِيُّ. وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ.
فَرْعٌ
إِذَا وُجِدَتْ شُرُوطُ التَّمْيِيزِ، فَتَارَةً يَتَقَدَّمُ الدَّمُ الْقَوِيُّ، وَتَارَةً الضَّعِيفُ. فَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَوِيُّ، نُظِرَ. فَإِنِ اسْتَمَرَّ بَعْدَهُ ضَعِيفٌ وَاحِدٌ، بِأَنْ رَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا، ثُمَّ حُمْرَةً مُسْتَمِرَّةً، فَحَيْضُهَا السَّوَادُ. وَالْحُمْرَةُ طُهْرٌ وَإِنْ طَالَ زَمَانُهَا، وَفِيهِ الْوَجْهَانِ الشَّاذَّانِ الْمُتَقَدِّمَانِ عَنِ (التَّتِمَّةِ) وَ (النِّهَايَةِ) وَإِنْ وُجِدَ بَعْدَهُ ضَعِيفَانِ، وَأَمْكَنَ جَعْلُ أَوَّلِهِمَا مَعَ الْقَوِيِّ حَيْضًا، بِأَنْ رَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا، ثُمَّ خَمْسَةً حُمْرَةً، ثُمَّ صُفْرَةً مُطْبِقَةً، فَطَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِأَنَّ الْقَوِيَّ مَعَ الضَّعِيفِ الْأَوَّلِ حَيْضٌ. وَالثَّانِي: وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: هَذَا. وَالثَّانِي: حَيْضُهَا الْقَوِيُّ وَحْدَهُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ جَعْلُهُمَا، بِأَنْ رَأَتْ خَمْسَةً سَوَادًا، ثُمَّ أَحَدَ عَشَرَ حُمْرَةً، ثُمَّ صُفْرَةً مُطْبِقَةً، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّ حَيْضَهَا السَّوَادُ. وَقِيلَ: فَاقِدَةُ التَّمْيِيزِ، فَكَأَنَّهَا رَأَتْ سِتَّةَ عَشَرَ أَسْوَدَ. أَمَّا إِذَا تَقَدَّمَ بَعْدَ الْقَوِيِّ أَضْعَفُ الضَّعِيفَيْنِ، فَرَأَتْ سَوَادًا، ثُمَّ صُفْرَةً، ثُمَّ حُمْرَةً، فَإِنَّهُ يُبْنَى عَلَى مَا إِذَا تَوَسَّطَتِ الْحُمْرَةُ. فَإِنْ أَلْحَقْنَاهَا بِمَا بَعْدَهُ، وَقُلْنَا: الْحَيْضُ هُوَ السَّوَادُ وَحْدَهُ، فَهُنَا أَوْلَى. وَإِنْ أَلْحَقْنَاهَا بِالسَّوَادِ، فَحُكْمُهَا كَمَا إِذَا رَأَتْ سَوَادًا، ثُمَّ حُمْرَةً، ثُمَّ عَادَ السَّوَادُ. وَذَلِكَ يُعْلَمُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ شُرُوطِ التَّمْيِيزِ. أَمَّا إِذَا تَقَدَّمَ الضَّعِيفُ أَوَّلًا، فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَمَا تَقَدَّمَهُ، بِأَنْ رَأَتْ خَمْسَةً حُمْرَةً، ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا، ثُمَّ حُمْرَةً مُطْبِقَةً، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. الصَّحِيحُ: أَنَّ الْحُكْمَ لِلَّوْنِ، فَحَيْضُهَا السَّوَادُ، وَأَمَّا مَا قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، فَطُهْرٌ
стр. 140
وَالثَّانِي: يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا، فَحَيْضُهَا السَّوَادُ وَمَا قَبْلَهُ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا فَاقِدَةٌ لِلتَّمْيِيزِ. وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ، بِأَنْ رَأَتْ خَمْسَةً حُمْرَةً، ثُمَّ أَحَدَ عَشَرَ سَوَادًا، فَإِنْ قُلْنَا فِي حَالَةِ الْإِمْكَانِ، حَيْضُهَا السَّوَادُ، فَهُنَا أَوْلَى. وَإِنْ قُلْنَا بِالْآخَرَيْنِ، فَفَاقِدَةٌ لِلتَّمْيِيزِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ. وَقِيلَ: حَيْضُهَا الْحُمْرَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ مُرَاعَاةً لِلْأَوَّلِيَّةِ. فَلَوْ صَارَ السَّوَادُ سِتَّةَ عَشَرَ، فَفَاقِدَةٌ لِلتَّمْيِيزِ بِالِاتِّفَاقِ، إِلَّا عَلَى الشَّاذِّ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ الْأَوَّلِيَّةَ. وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ تَقْدِيمُ اللَّوْنِ، فَرَأَتِ الْمُبْتَدَأَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ حُمْرَةً، ثُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ سَوَادًا، تَرَكَتِ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ. فَإِنْ زَادَ السَّوَادُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، فَقَدْ فَاتَ التَّمْيِيزُ، فَيُرَدُّ إِلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي قَوْلٍ، وَإِلَى سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ، فَتَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ أَيْضًا بَعْدَ الشَّهْرِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، أَوْ سِتًّا، أَوْ سَبْعًا. وَلَا يُتَصَوَّرُ مُسْتَحَاضَةٌ تُؤْمَرُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ أَحَدًا وَثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ، إِلَّا هَذِهِ.
فَرْعٌ
وَإِذَا بَلَغَتِ الْمَرْأَةُ سِنَّ الْحَيْضِ، فَرَأَتْ دَمًا، لَزِمَهَا تُرْكُ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْوَطْءِ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ الدَّمِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: لَا يُتْرُكُ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ حَتَّى تَرَى الدَّمَ يَوْمًا وَلَيْلَةً. فَعَلَى الصَّحِيحِ لَوِ انْقَطَعَ لِدُونِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بَانَ أَنَّهُ لَيْسَ حَيْضًا، فَتَقْضِي الصَّلَاةَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُبْتَدَأَةَ الْمُمَيِّزَةَ لَا تَشْتَغِلُ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ عِنْدَ انْقِلَابِ الدَّمِ مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الضَّعْفِ، لِاحْتِمَالِ انْقِطَاعِ الضَّعِيفِ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَيَكُونُ الْجَمِيعُ حَيْضًا، فَتَتَرَبَّصُ إِلَى انْقِضَاءِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ. فَإِنِ انْقَضَتْ وَالدَّمُ مُسْتَمِرٌّ، عَرَفْنَا أَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ، فَتَقْضِي صَلَوَاتِ مَا زَادَ عَلَى الدَّمِ الْقَوِيِّ. هَذَا حُكْمُ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ، فَبِانْقِلَابِ الدَّمِ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ، وَلَا يَخْرُجُ ذَلِكَ عَلَى
стр. 141
الْخِلَافِ فِي ثُبُوتِ الْعَادَةِ بِمَرَّةٍ، فَلَوِ اتَّفَقَ الشِّفَاءُ فِي بَعْضِ الْأَدْوَارِ، فَانْقَطَعَ الدَّمُ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ، فَالضَّعِيفُ حَيْضٌ مَعَ الْقَوِيِّ، كَالشَّهْرِ الْأَوَّلِ. وَسَوَاءٌ فِي كَوْنِ جَمِيعِهِ حَيْضًا إِذَا لَمْ يُجَاوِزْ، وَتَقَدَّمَ الضَّعِيفُ أَوِ الْقَوِيُّ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ. وَعَلَى الشَّاذِّ إِنْ تَقَدَّمَ الْقَوِيُّ، فَالْجَمِيعُ حَيْضٌ، وَإِنْ تَقَدَّمَ الضَّعِيفُ، وَبَعْدَهُ قَوِيٌّ وَحْدَهُ، أَوْ قَوِيٌّ، ثُمَّ ضَعِيفٌ آخَرُ، كَمَنْ رَأَتْ خَمْسَةً حُمْرَةً، ثُمَّ خَمْسَةً سَوَادًا، ثُمَّ خَمْسَةً حُمْرَةً، فَحَيْضُهَا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى: السَّوَادُ. وَفِي الثَّانِيَةِ: السَّوَادُ وَمَا بَعْدَهُ.
فَرْعٌ
مَفْهُومُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَمَا صَرَّحَ بِهِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: أَنَّ الْمُرَادَ بِانْقِلَابِ الدَّمِ الْقَوِيِّ ضَعِيفًا، أَنْ تَتَمَحَّضَ ضَعِيفًا، حَتَّى لَوْ بَقِيَتْ خُطُوطٌ مِنَ السَّوَادِ، وَظَهَرَتْ خُطُوطٌ مِنَ الْحُمْرَةِ، لَا يَنْقَطِعُ حُكْمُ الْحَيْضِ، وَإِنَّمَا يَنْقَطِعُ إِذَا لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنَ السَّوَادِ أَصْلًا.
الْمُسْتَحَاضَةُ الثَّانِيَةُ: مُبْتَدَأَةٌ لَا تَمْيِيزَ لَهَا بِأَنْ يَكُونَ جَمِيعُ دَمِهَا بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ يَكُونَ قَوِيًّا وَضَعِيفًا، وَفُقِدَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ التَّمْيِيزِ، فَيُنْظَرُ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ وَقْتَ ابْتِدَاءِ الدَّمِ، فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْمُتَحَيِّرَةِ - وَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ عَرَفَتْهُ، فَقَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: تَحِيضُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالثَّانِي: سِتًّا أَوْ سَبْعًا وَعَلَى هَذَا فِي السِّتِّ أَوِ السَّبْعِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لِلتَّخْيِيرِ، فَتَحِيضُ إِنْ شَاءَتْ سِتًّا وَإِنْ شَاءَتْ سَبْعًا، وَأَصَحُّهُمَا لَيْسَ لِلتَّخْيِيرِ، بَلْ إِنْ كَانَتْ عَادَةُ النِّسَاءِ سِتًّا، تَحَيَّضَتْ سِتًّا، وَإِنْ كَانَتْ سَبْعًا، فَسَبْعًا. وَفِي النِّسَاءِ الْمُعْتَبَرَاتِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: نِسَاءُ عَشِيرَتِهَا مِنَ الْأَبَوَيْنِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَشِيرَةٌ، فَنِسَاءُ بَلَدِهَا. وَالثَّانِي: نِسَاءُ الْعَصَبَاتِ خَاصَّةً. وَالثَّالِثُ: نِسَاءُ بَلَدِهَا وَنَاحِيَتِهَا، فَإِنْ كَانَتِ الْمُعْتَبَرَاتُ يَحِضْنَ كُلُّهُنَّ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، أَخَذَتْ بِهِ. وَإِنْ
стр. 142
نَقَصَتْ عَادَتَهُنَّ كُلُّهُنَّ عَنْ سِتٍّ، أَوْ زَادَتْ عَلَى سَبْعٍ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: تُرَدُّ إِلَى سِتٍّ فِي صُورَةِ النَّقْصِ، وَسَبْعٍ فِي الزِّيَادَةِ. وَالثَّانِي: تُرَدُّ إِلَى عَادَتِهِنَّ. وَلَوِ اخْتَلَفَتْ عَادَتُهُنَّ، فَحَاضَ بَعْضُهُنَّ سِتًّا، وَبَعْضُهُنَّ سَبْعًا، رُدَّتْ إِلَى الْأَغْلَبِ. فَإِنِ اسْتَوَى الْبَعْضَانِ، أَوْ حَاضَ بَعْضُهُنَّ دُونَ سِتٍّ، وَبَعْضُهُنَّ فَوْقَ سَبْعٍ، رُدَّتْ إِلَى السِّتِّ.
هَذَا بَيَانُ مَرَدِّهَا فِي الْحَيْضِ. أَمَّا الطُّهْرُ: فَإِنْ قُلْنَا: تُرَدُّ فِي الْحَيْضِ إِلَى غَالِبِهِ، فَكَذَا فِي الطُّهْرِ، فَتُرَدُّ إِلَى ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ أَوْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. وَإِنْ رَدَدْنَاهَا فِي الْحَيْضِ إِلَى الْأَقَلِّ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ طُهْرَهَا تِسْعٌ وَعِشْرُونَ تَتِمَّةُ الشَّهْرِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ، أَوْ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ، وَقِيلَ: عَلَى هَذَا يَتَعَيَّنُ الْأَرْبَعُ وَالْعِشْرُونَ. وَالصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ تَرْدِيدُهُ بَيْنَ الْأَرْبَعِ وَالْعِشْرِينَ وَالثَّلَاثِ وَالْعِشْرِينَ كَمَا ذَكَرْنَا. وَالثَّالِثُ: وَهُوَ نَصٌّ غَرِيبٌ لِلشَّافِعِيِّ ﵀: أَنَّهُ أَقَلُّ الطُّهْرِ. فَعَلَى هَذَا دَوْرُهَا سِتَّةَ عَشَرَ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ ابْتِدَاءَ مَرَدِّهَا فِي الْحَيْضِ فِي حِينِ رَأَتِ الدَّمَ، سَوَاءٌ كَانَ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ، أَمْ مُتَمَيِّزًا فُقِدَ مِنْهُ شَرْطُ التَّمْيِيزِ. وَلَنَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ ﵀: أَنَّهُ إِذَا ابْتَدَأَ الضَّعِيفُ، وَجَاوَزَ الْقَوِيُّ بَعْدَهُ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، فَابْتِدَاءُ حَيْضِهَا مِنْ أَوَّلِ الْقَوِيِّ.
فَرْعٌ
غَيْرُ الْمُمَيِّزَةِ كَالْمُمَيِّزَةِ فِي تَرْكِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ إِلَى تَمَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنْ جَاوَزَهَا الدَّمُ، تَبَيَّنَّا الِاسْتِحَاضَةَ، فَإِنْ رَدَدْنَاهَا إِلَى أَقَلِّ الْحَيْضِ، قَضَتْ صَلَوَاتِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَإِنْ رَدَدْنَاهَا إِلَى السِّتِّ أَوِ السَّبْعِ، قَضَتْ صَلَوَاتِ تِسْعَةِ أَيَّامٍ أَوْ ثَمَانِيَةٍ. وَأَمَّا الشَّهْرُ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ، فَإِنْ وَجَدَتْ فِيهِ تَمْيِيزًا بِشَرْطِهِ قَبْلَ تَمَامِ الْمَرَدِّ أَوْ بَعْدَهُ، فَهِيَ فِي ذَلِكَ الدَّوْرِ: مُبْتَدَأَةٌ مُمَيِّزَةٌ. وَإِنِ اسْتَمَرَّ فَقْدُ التَّمْيِيزِ، وَجَبَ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الْمَرَدِّ، الْغُسْلُ، وَالصَّوْمُ، وَالصَّلَاةُ. فَإِنْ شُفِيَتْ فِي بَعْضِ الشُّهُورِ، قَبْلَ مُجَاوَزَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ، بَانَ أَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَحَاضَةٍ فِي ذَلِكَ
стр. 143
الشَّهْرِ، وَجَمِيعُ دَمِهَا فِيهِ حَيْضٌ، فَتَقْضِي مَا صَامَتْهُ فِي أَيَّامِ الدَّمِ. وَتَبَيَّنَّا أَنَّ غُسْلَهَا لَمْ يَصِحَّ، وَلَا تَأْثَمُ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْوَطْءِ، فِيمَا وَرَاءَ الْمَرَدِّ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ فِي الْحَيْضِ لِجَهْلِهَا. وَإِنْ لَمْ تُشْفَ، فَهَلْ يَلْزَمُهَا الِاحْتِيَاطُ فِيمَا وَرَاءَ الْمَرَدِّ إِلَى تَمَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ، أَمْ تَكُونُ طَاهِرًا كَسَائِرِ الْمُسْتَحَاضَاتِ الطَّاهِرَاتِ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الثَّانِي. فَإِنْ قُلْنَا: تَحْتَاطُ، لَمْ تَحِلَّ لِلزَّوْجِ، إِلَّا بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَلَا تَقْضِي فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَوَائِتَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ. وَيَلْزَمُهَا أَدَاءُ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَتَقْضِي الصَّوْمَ كُلَّهُ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ. وَإِذَا قُلْنَا: لَا تَحْتَاطُ، صَامَتْ وَصَلَّتْ، وَلَا تَقْضِيهِمَا، وَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا، وَلَهَا قَضَاءُ الْفَوَائِتِ. وَيُبَاحُ وَطْؤُهَا.
الْمُسْتَحَاضَةُ الثَّالِثَةُ: الْمُعْتَادَةُ غَيْرُ الْمُمَيِّزَةِ، فَتُرَدُّ إِلَى عَادَتِهَا. وَلَهَا حَالَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا تَخْتَلِفَ عَادَتُهَا، فَإِنْ تَكَرَّرَتْ عَادَةُ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا مِرَارًا، رُدَّتْ إِلَيْهَا فِي قَدْرِ الْحَيْضِ، وَالطُّهْرِ، وَوَقْتِهَا. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ عَادَتُهَا، أَنْ تَحِيضَ أَيَّامًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، أَوْ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، وَأَكْثَرَ. وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ الدَّوْرُ عَلَى تِسْعِينَ يَوْمًا، وَسَنُعِيدُ الْمَسْأَلَةَ فِي النِّفَاسِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ لَمْ تَتَكَرَّرْ. فَالْأَصَحُّ: أَنَّ الْعَادَةَ تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ. وَالثَّانِي: لَا بُدَّ مِنْ مَرَّتَيْنِ. وَالثَّالِثُ: لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ. فَلَوْ كَانَتْ تَحِيضُ خَمْسًا، فَحَاضَتْ فِي شَهْرٍ سِتًّا، ثُمَّ اسْتُحِيضَتْ بَعْدَهُ، فَإِنْ أَثْبَتْنَا الْعَادَةَ بِمَرَّةٍ، رُدَّتْ إِلَى السِّتِّ، وَإِلَّا، فَإِلَى الْخَمْسِ. ثُمَّ الْمُعْتَادَةُ فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ مِنْ شُهُورِ اسْتِحَاضَتِهَا، تَتَرَبَّصُ كَالْمُبْتَدَأَةِ، لِجَوَازِ انْقِطَاعِ دَمِهَا عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، فَإِنْ جَاوَزَهَا، قَضَتْ صَلَوَاتِ مَا وَرَاءَ الْعَادَةِ. وَأَمَّا الشَّهْرُ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ، فَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ عِنْدَ مُضِيِّ الْعَادَةِ. وَلَا يَجِيءُ هُنَا قَوْلُ الِاحْتِيَاطِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ، لِقُوَّةِ الْعَادَةِ.
стр. 144
الْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَخْتَلِفَ عَادَتُهَا، وَلَهَا صُوَرٌ.
مِنْهَا: أَنْ تَسْتَمِرَّ لَهَا عَادَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ مُنْتَظِمَةٌ بِأَنْ كَانَتْ تَحِيضُ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَةً، ثُمَّ فِي شَهْرٍ خَمْسَةً، وَفِي شَهْرٍ سَبْعَةً، ثُمَّ فِي الرَّابِعِ ثَلَاثَةً، ثُمَّ فِي الْخَامِسِ خَمْسَةً، وَفِي السَّادِسِ سَبْعَةً، وَهَكَذَا أَبَدًا، فَهَلْ تُرَدُّ بَعْدَ الِاسْتِحَاضَةِ إِلَى هَذِهِ الْعَادَةِ؟
وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: تُرَدُّ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ، سَوَاءً كَانَتْ عَادَتُهَا مُنْتَظِمَةً عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، أَمْ عَلَى تَرْتِيبٍ آخَرَ، بِأَنْ كَانَتْ تَرَى خَمْسَةً، ثُمَّ ثَلَاثَةً، ثُمَّ سَبْعًا، ثُمَّ تَعُودُ الْخَمْسَةُ.
وَسَوَاءٌ رَأَتْ كُلَّ قَدْرٍ مَرَّةً، كَمَا ذَكَرْنَا، أَمْ مَرَّتَيْنِ، بِأَنْ تَرَى فِي شَهْرَيْنِ ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً. وَفِي شَهْرَيْنِ بَعْدَهُمَا خَمْسَةً خَمْسَةً، وَفِي شَهْرَيْنِ بَعْدَهُمَا سَبْعَةً سَبْعَةً. ثُمَّ مَحَلُّ الْوَجْهَيْنِ إِذَا تَكَرَّرَتِ الْعَادَةُ الدَّائِرَةُ. فَأَمَّا إِذَا رَأَتِ الْأَقْدَارَ الثَّلَاثَةَ، فِي ثَلَاثَةِ أَدْوَارٍ، ثُمَّ اسْتُحِيضَتْ فِي الرَّابِعِ، فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تُرَدُّ إِلَى الْأَقْدَارِ، لِأَنَّا إِنْ أَثْبَتْنَا الْعَادَةَ بِمَرَّةٍ، فَالْأَخِيرُ يَنْسَخُ مَا قَبْلَهُ، وَإِنْ لَمْ نُثْبِتْهَا بِمَرَّةٍ، فَلِأَنَّهُ لَمْ تَتَكَرَّرِ الْأَقْدَارُ لِتَصِيرَ عَادَةً، وَلِهَذَا قَالَ الْأَئِمَّةُ: أَقَلُّ مَا تَسْتَقِيمُ فِيهِ الْعَادَةُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَإِنْ رَأَتْ هَذِهِ الْأَقْدَارَ مَرَّتَيْنِ، فَأَقَلُّهُ سَنَةٌ. ثُمَّ إِذَا قُلْنَا: تُرَدُّ إِلَى هَذِهِ الْعَادَةِ، فَاسْتُحِيضَتْ عَقِبَ شَهْرِ الثَّلَاثَةِ، رُدَّتْ فِي أَوَّلِ شُهُورِ الِاسْتِحَاضَةِ إِلَى الْخَمْسَةِ. وَفِي الثَّانِي: إِلَى السَّبْعَةِ. وَفِي الثَّالِثِ: إِلَى الثَّلَاثَةِ. وَإِنِ اسْتُحِيضَتْ بَعْدَ شَهْرِ الْخَمْسَةِ، رُدَّتْ إِلَى السَّبْعَةِ، ثُمَّ الثَّلَاثَةِ، ثُمَّ الْخَمْسَةِ. وَإِنِ اسْتُحِيضَتْ بَعْدَ شَهْرِ السَّبْعَةِ، رُدَّتْ إِلَى الثَّلَاثَةِ، ثُمَّ الْخَمْسَةِ، ثُمَّ السَّبْعَةِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا تُرَدُّ إِلَيْهَا، فَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: تُرَدُّ إِلَى مَا قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ أَبَدًا. وَالثَّانِي: إِلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ لِلِاسْتِحَاضَةِ. فَإِنِ اسْتُحِيضَتْ بَعْدَ شَهْرِ الْخَمْسَةِ، رُدَّتْ إِلَى الثَّلَاثَةِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا كَالْمُبْتَدَأَةِ. وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الْأَوْجُهَ بَعْدَ الْبَحْثِ لِغَيْرِهِ، وَلَا لِشَيْخِهِ، بَلِ الْمَذْهَبُ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ، أَنَّهَا تُرَدُّ إِلَى الْقَدْرِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الِاسْتِحَاضَةِ. وَعَلَى هَذَا، هَلْ يَجِبُ عَلَيْهَا
стр. 145
الِاحْتِيَاطُ فِيمَا بَيْنَ أَقَلِّ الْعَادَاتِ وَأَكْثَرِهَا؟ وَجْهَانِ:
أَصَحُّهُمَا: لَا. كَصَاحِبَةِ الْعَادَةِ الْوَاحِدَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَحْتَاطُ بَعْدَ الْرَدِّ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ. فَعَلَى هَذَا، يَجْتَنِبُهَا الزَّوْجُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ إِلَى انْقِضَاءِ السَّبْعَةِ.
ثُمَّ إِنِ اسْتُحِيضَتْ بَعْدَ شَهْرِ الثَّلَاثَةِ، تَحَيَّضَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وَتُصَلِّي، وَتَصُومُ. وَتَغْتَسِلُ مَرَّةً أُخْرَى فِي آخِرِ الْخَمْسَةِ، وَمَرَّةً أُخْرَى فِي آخِرِ السَّبْعَةِ. وَتَقْضِي صَوْمَ السَّبْعَةِ دُونَ صَلَاتِهَا.
وَإِنِ اسْتُحِيضَتْ بَعْدَ شَهْرِ الْخَمْسَةِ، تَحَيَّضَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةً. ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وَتُصَلِّي، وَتَصُومُ، وَتَغْتَسِلُ مَرَّةً أُخْرَى فِي آخِرِ السَّابِعِ، وَتَقْضِي صَوْمَ السَّبْعَةِ، وَتَقْضِي صَلَوَاتِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ؛ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ الْحَيْضِ فِيهِمَا، وَلَمْ تُصَلِّ فِيهِمَا.
وَإِنِ اسْتُحِيضَتْ بَعْدَ شَهْرِ السَّبْعَةِ، تَحَيَّضَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ سَبْعَةً، وَاغْتَسَلَتْ فِي آخِرِ السَّابِعِ، وَقَضَتْ صِيَامَ السَّبْعَةِ، وَصَلَوَاتِ الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ وَالسَّادِسِ وَالسَّابِعِ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا ذَكَرَتِ الْعَادَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ. فَإِنْ نَسِيَتْهَا، تَحَيَّضَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي وَتَصُومُ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ فِي آخِرِ الْخَامِسِ، وَآخِرِ السَّابِعِ. وَتَتَوَضَّأُ فِيمَا بَيْنَهُمَا لِكُلِّ فَرِيضَةٍ. سَوَاءٌ قُلْنَا: تَرُدُّ إِلَى الْعَادَةِ الدَّائِرَةِ، أَمْ لَا؟ هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هَذَا مَخْصُوصٌ بِقَوْلِنَا: تَرُدُّ إِلَى الدَّائِرَةِ فَأَمَّا إِنْ قُلْنَا: تَرُدُّ إِلَى مَا قَبْلَ الِاسْتِحَاضَةِ، فَقِيلَ: هُنَا تَرُدُّ إِلَى أَقَلِّ الْعَادَاتِ. وَقِيلَ: هِيَ كَمُبْتَدَأَةٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلَانِ فِي أَمْرِهَا بِالِاحْتِيَاطِ إِلَى آخِرِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ.
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ. أَنْ لَا تَكُونَ تِلْكَ الْعَادَاتُ مُنْتَظِمَةً. بَلْ تَتَقَدَّمُ هَذِهِ مَرَّةً، وَهَذِهِ مَرَّةً.
فَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ: إِنْ لَمْ نَرُدَّهَا فِي حَالِ الِانْتِظَامِ إِلَى الْعَادَةِ الدَّائِرَةِ، فَهُنَا أَوْلَى، وَتَرَدُّ إِلَى مَا تَقَدَّمَ عَلَى الِاسْتِحَاضَةِ.
وَإِنْ رَدَدْنَا الْمُنْتَظِمَةَ إِلَى الدَّائِرَةِ، فَغَيْرُ الْمُنْتَظِمَةِ كَنَاسِيَةِ النَّوْبَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَتَحْتَاطُ كَمَا سَبَقَ.
وَذَكَرَ غَيْرُهُمَا أَوْجُهًا، أَصَحَّهَا: الرَّدُّ
следующие страницы →