Полный текст (4 941 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
شَرْطِ الْقَطْعِ ; لِأَنَّ الْبِطِّيخَ مَعَ أُصُولِهِ مُتَعَرِّضٌ لِلْعَاهَةِ، بِخِلَافِ الشَّجَرَةِ مَعَ الثَّمَرَةِ. فَلَوْ بَاعَ الْبِطِّيخَ مَعَ الْأَرْضِ، اسْتُغْنِيَ عَنْ شَرْطِ الْقَطْعِ، وَالْأَرْضُ كَالشَّجَرِ. وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي بَيْعِ الْأُصُولِ وَحْدَهَا إِذَا لَمْ يَخَفِ الِاخْتِلَاطَ، أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى شَرْطِ الْقَطْعِ. وَالْبَاذِنْجَانُ وَنَحْوُهُ، كَالْبِطِّيخِ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ.
فَرْعٌ
لِابْنِ الْحَدَّادِ
لَوْ بَاعَ نِصْفَ الثِّمَارِ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ مَشَاعًا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، لَمْ يَصِحَّ. وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَفْتَقِرُ إِلَى شَرْطِ الْقَطْعِ، وَلَا يُمْكِنُ قَطْعُ النِّصْفِ إِلَّا بِقَطْعِ الْكُلِّ، فَيَتَضَرَّرُ الْبَائِعُ بِقَطْعِ غَيْرِ الْمَبِيعِ، فَأَشْبَهَ مَا إِذَا بَاعَ نِصْفًا مُعَيَّنًا مِنْ سَيْفٍ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ قَطْعَ النِّصْفِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِقَطْعِ الْجَمِيعِ، إِنَّمَا يَسْتَمِرُّ بِتَقْدِيرِ دَوَامِ الْإِشَاعَةِ وَامْتِنَاعِ الْقِسْمَةِ. أَمَّا إِذَا جَوَّزْنَا قِسْمَةَ الثِّمَارِ الرَّطْبَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا إِفْرَازٌ، فَيُمْكِنُ قَطْعُ النِّصْفِ مِنْ غَيْرِ قَطْعِ الْجَمِيعِ، بِأَنْ يُقَسَّمَ أَوَّلًا، فَلْيَكُنْ مَنْعُ الْبَيْعِ مَبْنِيًّا عَلَى الْقَوْلِ بِامْتِنَاعِ الْقِسْمَةِ، لَا مُطْلَقًا، وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ كَلَامُ ابْنِ الْحَدَّادِ.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَلَوْ بَاعَ نَصْفَهَا مَعَ نِصْفِ النَّخْلِ، صَحَّ وَكَانَتِ الثِّمَارُ تَابِعَةً. وَلَوْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ لِوَاحِدٍ، وَالشَّجَرَةُ لِآخَرَ، فَبَاعَ صَاحِبُ الثَّمَرَةِ صَاحِبَ الشَّجَرَةِ نِصْفَهَا، فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَطْعِ هُنَا. وَلَوْ كَانَتِ الْأَشْجَارُ وَالثِّمَارُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَاشْتَرَى أَحَدُهُمَا نَصِيبَ شَرِيكِهِ مِنَ الثَّمَرَةِ، لَمْ يَصِحَّ. وَلَوِ اشْتَرَى نَصِيبَ شَرِيكِهِ مِنَ الثَّمَرَةِ بِنَصِيبِهِ مِنَ الشَّجَرِ، لَمْ يَجُزْ مُطْلَقًا، وَيَجُوزُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ ; لِأَنَّ جُمْلَةَ الثِّمَارِ تَصِيرُ لِمُشْتَرِي الثَّمَرَةِ، وَجُمْلَةَ الشَّجَرِ لِلْآخَرِ، وَيَلْزَمُ مُشْتَرِيَ الثَّمَرَةِ قَطْعُ الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَةِ الْتَزَمَ قَطْعَ النِّصْفِ الْمُشْتَرَى، وَتَفْرِيغَ الْأَشْجَارِ لِصَاحِبِهِ. وَبَيْعُ الشَّجَرَةِ عَلَى أَنْ يُفَرِّغَهَا الْبَائِعُ، جَائِزٌ. وَكَذَا
стр. 1367
لَوْ كَانَتِ الْأَشْجَارُ لِأَحَدِهِمَا، وَالثَّمَرَةُ بَيْنَهُمَا، فَاشْتَرَى صَاحِبُ الشَّجَرِ نَصِيبَ صَاحِبِهِ مِنَ الثَّمَرِ بِنِصْفِ الشَّجَرِ عَلَى شَرْطِ الْقَطْعِ، جَازَ.
فَرْعٌ
لَا يَصِحُّ بَيْعُ الزَّرْعِ الْأَخْضَرِ إِلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ. فَإِنْ بَاعَهُ مَعَ الْأَرْضِ، جَازَ تَبَعًا. وَكَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْبُقُولِ فِي الْأَرْضِ دُونَ الْأَرْضِ إِلَّا بِشَرْطِ
[الْقِطَعِ أَوِ الْقِلْعِ] ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُجَزُّ مِرَارًا، أَوْ لَا يُجَزُّ إِلَّا مَرَّةً، هَكَذَا نَقَلَهُ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرُهُ فِي الْبُقُولِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: بَيْعُ أُصُولِ الْبُقُولِ لَا يَتَقَيَّدُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، إِذْ لَا تَتَعَرَّضُ لِلْآفَةِ. وَبِيعُ الزَّرْعِ بَعْدَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ كَبَيْعِ الثَّمَرِ بَعْدَ صَلَاحِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَرْطِ الْقَطْعِ.
فَرْعٌ
يُشْتَرَطُ ظُهُورُ الْمَقْصُودِ. فَإِذَا بَاعَ ثَمَرَةً لَا كِمَامَ لَهَا، كَالتِّينِ وَالْعِنَبِ وَالْكُمَّثْرَى، جَازَ، سَوَاءٌ بَاعَهَا عَلَى الشَّجَرَةِ، أَوْ عَلَى الْأَرْضِ. وَلَوْ بَاعَ الشَّعِيرَ أَوِ السُّلْتَ مَعَ سُنْبُلِهِ، جَازَ بَعْدَ الْحَصَادِ وَقَبْلَهُ ; لِأَنَّ حَبَّاتِهِ ظَاهِرَةٌ. وَلَوْ كَانَتْ لِلثَّمَرِ أَوِ لِلْحَبِّ كِمَامٌ لَا يُزَالُ إِلَّا عِنْدَ الْأَكْلِ، كَالرُّمَّانِ وَالْعَلَسِ، فَكَمِثْلٍ.
وَأَمَّا مَا لَهُ كِمَامَانِ يُزَالُ أَحَدُهُمَا، وَيَبْقَى الْآخَرُ إِلَى وَقْتِ الْأَكْلِ، كَالْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالْرَانِجِ، فَيَجُوزُ بَيْعُهُ فِي الْقِشْرِ الْأَسْفَلِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الْأَعْلَى، لَا عَلَى الشَّجَرِ، وَلَا عَلَى الْأَرْضِ. وَفِي قَوْلٍ: يَجُوزُ فِي الْقِشْرِ الْأَعْلَى مَا دَامَ رَطْبًا. وَبِيعُ الْبَاقِلَاءِ فِي الْقِشْرِ الْأَعْلَى، فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ. وَادَّعَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، أَنَّ الظَّاهِرَ فِيهِ الصِّحَّةُ ; لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁، أَمَرَ أَنْ يُشْتَرَى لَهُ الْبَاقِلَاءُ الرَّطْبُ.
стр. 1368
قُلْتُ: الْمَنْصُوصُ فِي «الْأُمِّ» : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ. قَالَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرُهُ: هُوَ الْأَصَحُّ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ «التَّنْبِيهِ» . هَذَا إِذَا كَانَ الْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَالْبَاقِلَاءُ رَطْبًا. فَإِنْ بَقِيَ فِي قِشْرِهِ الْأَعْلَى، فَيَبِسَ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ وَجْهًا وَاحِدًا إِذَا لَمْ نُجَوِّزْ بَيْعَ الْغَائِبِ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَصَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرُهُمَا. وَحَكَى فِيهِ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» وَجْهًا: أَنَّهُ يَصِحُّ وَإِنْ أَبْطَلْنَا
[بَيْعَ] الْغَائِبِ. وَيَصِحُّ بَيْعُ طَلْعِ النَّخْلِ مَعَ قِشْرِهِ فِي الْأَصَحِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مَا لَا يُرَى حَبُّهُ فِي سُنْبُلِهِ، كَالْحِنْطَةِ، وَالْعَدَسِ، وَالسِّمْسِمِ، فَمَا دَامَ فِي سُنْبُلِهِ، لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مُفْرَدًا عَنْ سُنْبُلِهِ قَطْعًا، وَلَا مَعَهُ عَلَى الْجَدِيدِ الْأَظْهَرِ، كَبَيْعِ تُرَابِ الصَّاغَةِ، وَكَبَيْعِ الْحِنْطَةِ فِي تَبْنِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ
[قَطْعًا] . وَفِي الْأُرْزِ، طَرِيقَانِ. الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَالشَّعِيرِ، فَيَصِحُّ بَيْعُهُ فِي سُنْبُلِهِ. وَقِيلَ: كَالْحِنْطَةِ. وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ الْجَزَرِ، وَالثُّومِ، وَالْبَصَلِ، وَالْفِجْلِ، وَالسَّلْقِ فِي الْأَرْضِ، لِتَسَتُّرِ مَقْصُودِهَا. وَيَجُوزُ بَيْعُ أَوْرَاقِهَا الظَّاهِرَةِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ. وَيَجُوزُ بَيْعُ الْقُنَّبِيطِ فِي الْأَرْضِ، لِظُهُورِهِ، وَكَذَا نَوْعٌ مِنَ السَّلْجَمِ يَكُونُ ظَاهِرًا. وَيَجُوزُ بَيْعُ اللَّوْزِ فِي الْقِشْرِ الْأَعْلَى قَبْلَ انْعِقَادِ الْأَسْفَلِ؛ لِأَنَّهُ مَأْكُولٌ كُلُّهُ كَالتُّفَّاحِ. وَهَلِ الْمَنْعُ فِي صُوَرِ الْفَرْعِ مَقْطُوعٌ بِهِ، أَمْ مُفَرَّعٌ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ الْغَائِبِ؟
قَالَ الْإِمَامُ: هُوَ مُفَرَّعٌ عَلَيْهِ. فَإِنْ جَوَّزْنَا بَيْعَ الْغَائِبِ صَحَّ الْبَيْعُ فِي جَمِيعِهَا. وَفِي «التَّهْذِيبِ» : أَنَّ الْمَنْعَ فِي بَيْعِ الْجَزَرِ وَنَحْوِهِ فِي الْأَرْضِ، لَيْسَ مُفَرَّعًا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ يُمْكِنُ رَدُّ الْمَبِيعِ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ بِصِفَتِهِ، وَهُنَا لَا يُمْكِنُ.
قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ، وَنَقَلَهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ. وَنَقَلَ عَنْ بَعْضِهِمْ كَقَوْلِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي الْجَزَرِ وَنَحْوِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ، فَبَاعَ الْجَوْزَ مَثَلًا فِي الْقِشْرِ الْأَعْلَى مَعَ الشَّجَرَةِ، أَوْ بَاعَ
стр. 1369
الْحِنْطَةَ فِي سُنْبُلِهَا مَعَ الْأَرْضِ، فَطَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَبْطُلُ فِي الْجَوْزِ وَالْحِنْطَةِ. وَفِي الشَّجَرَةِ وَالْأَرْضِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وَأَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِالْبُطْلَانِ فِي الْجَمِيعِ، لِلْجَهْلِ بِأَحَدِ الْمَقْصُودَيْنِ، وَتَعَذُّرِ التَّوْزِيعِ. وَلَوْ بَاعَ أَرْضًا مَبْذُورَةً مَعَ الْبَذْرِ، فَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الْبَذْرِ أَيْضًا تَبَعًا لِلْأَرْضِ. وَالْمَذْهَبُ: بُطْلَانُ الْبَيْعِ فِيهِ. ثُمَّ فِي الْأَرْضِ الطَّرِيقَانِ. وَمَنْ قَالَ بِالصِّحَّةِ فِي الْأَرْضِ لَا يَذْهَبُ إِلَى التَّوْزِيعِ، بَلْ يُوجِبُ جَمِيعَ الثَّمَنِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ بِأَخْذِ جَمِيعِ الثَّمَنِ.
فَصْلٌ
لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُحَاقَلَةِ، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ الْحِنْطَةَ فِي سُنْبُلِهَا بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ مِنَ الْحِنْطَةِ. وَلِبُطْلَانِهِ عِلَّتَانِ. إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ بَيْعُ حِنْطَةٍ وَتَبْنٍ بِحِنْطَةٍ، وَذَلِكَ رِبًا. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ بَيْعُ حِنْطَةٍ فِي سُنْبُلِهَا. فَلَوْ بَاعَ شَعِيرًا فِي سُنْبُلِهِ بِحِنْطَةٍ خَالِصَةٍ، وَتَقَابَضَا فِي الْمَجْلِسِ، أَوْ بَاعَ زَرْعًا قَبْلَ ظُهُورِ الْحَبِّ بِحَبٍّ، جَازَ ; لِأَنَّ الْحَشِيشَ غَيْرُ رِبَوِيٍّ.
فَصْلٌ
قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ بَيْعُ الْعَرَايَا، فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ رُطَبَ نَخْلَةٍ أَوْ نَخَلَاتٍ بِاعْتِبَارِ الْخَرْصِ بِقَدْرِ كَيْلِهَا مِنَ التَّمْرِ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْخَرْصِ. وَيُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ بِتَسْلِيمِ التَّمْرِ إِلَى الْبَائِعِ بِالْكَيْلِ، وَتَخْلِيَةِ الْبَائِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّخْلَةِ. فَإِنْ كَانَ التَّمْرُ غَائِبًا عَنْهُمَا، أَوْ كَانَا غَائِبَيْنِ عَنِ النَّخْلِ، فَأَحْضَرَاهُ أَوْ حَضَرَا عِنْدَ النَّخْلِ، جَازَ. ثُمَّ إِنْ لَمْ يَظْهَرْ تَفَاوُتٌ بَيْنَ التَّمْرِ الْمَجْعُولِ عِوَضًا، وَبَيْنَ مَا فِي الرُّطَبِ مِنَ التَّمْرِ، بِأَنْ أُكِيلَ الرُّطَبُ فِي الْحَالِ، فَذَاكَ. وَإِنْ ظَهَرَ، نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ قَدْرُ مَا يَقَعُ بَيْنَ الْكَيْلَيْنِ، لَمْ يَضُرَّ. وَإِنْ
стр. 1370
كَانَ أَكْثَرَ، فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ. وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: يَصِحُّ فِي قَدْرِ الْقَلِيلِ مِنَ الْكَثِيرِ، وَلِمُشْتَرِي الْكَثِيرِ الْخِيَارُ.
وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَرَايَا فِي الْعِنَبِ كَالرُّطَبِ، وَلَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَيَجُوزُ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ، لَا فِيمَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ قَطْعًا، وَلَا فِي خَمْسَةٍ عَلَى الْأَظْهَرِ. هَذَا إِذَا بَاعَ فِي صَفْقَةٍ. فَلَوْ بَاعَ قَدْرًا كَثِيرًا فِي صَفَقَاتٍ لَا تَزِيدُ كُلُّ وَاحِدَةٍ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، جَازَ. وَكَذَا لَوْ بَاعَ فِي صَفْقَةٍ لِرَجُلَيْنِ بِحَيْثُ يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ الْقَدْرُ الْجَائِزُ. فَلَوْ بَاعَ رَجُلَانِ لِرَجُلٍ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ كَبَيْعِ رَجُلٍ لِرَجُلَيْنِ. وَالثَّانِي: كَبَيْعِهِ لِرَجُلٍ صَفْقَةً. وَلَوْ بَاعَ رَجُلَانِ لِرَجُلَيْنِ صَفْقَةً، لَمْ يَجُزْ فِيمَا زَادَ عَلَى عَشْرَةِ أَوْسُقٍ، وَيَجُوزُ فِيمَا دُونَ الْعَشْرَةِ. وَفِي الْعَشْرَةِ الْقَوْلَانِ.
قُلْتُ: وَسَوَاءٌ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كَانَتِ الْعُقُودُ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ. حَتَّى لَوْ بَاعَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ أَلْفَ وَسَقٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ بِصَفَقَاتٍ، كُلُّ [وَاحِدَةٍ] دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، جَازَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، فَلَوْ بَاعَ رُطَبًا عَلَى النَّخْلِ، بِرُطَبٍ عَلَى النَّخْلِ خَرْصًا فِيهِمَا، أَوْ بِرُطَبٍ عَلَى الْأَرْضِ كَيْلًا فِيهِ، فَأَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: لَا يَجُوزُ، قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ. وَالثَّانِي: يَجُوزُ، قَالَهُ ابْنُ خَيْرَانَ. وَالثَّالِثُ: إِنِ اخْتَلَفَ نَوْعُهُمَا جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ. وَالرَّابِعُ: جَرَيَانُ هَذَا التَّفْصِيلِ إِنْ كَانَا عَلَى النَّخْلِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ، حُكِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. وَلَوْ بَاعَ الرُّطَبَ بِالرُّطَبِ عَلَى الْأَرْضِ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ الْقَفَّالُ: فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ الْبَيْعُ وَهُمَا عَلَى النَّخْلِ، وَاحْتُمِلَتْ جَهَالَةُ الْخَرْصِ، فَالْجَوَازُ مَعَ تَحَقُّقِ الْمُسَاوَاةِ بِالْكَيْلِ أُولَى.
стр. 1371
فَرْعٌ
يَجُوزُ بَيْعُ الْعَرَايَا لِلْمُحْتَاجِينَ، وَفِي الْأَغْنِيَاءِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الْجَوَازُ.
فَصْلٌ
إِذَا بَاعَ الثَّمَرَةَ بَعْدَ [بُدُوِّ] الصَّلَاحِ، لَزِمَهُ سَقْيُهَا قَبْلَ التَّخْلِيَةِ وَبَعْدَهَا بِقَدْرِ مَا تُنَمَّى بِهِ الثِّمَارُ وَتَسْلَمُ مِنَ التَّلَفِ وَالْفَسَادِ. فَلَوْ شَرَطَ كَوْنَ السَّقْيِ عَلَى الْمُشْتَرِي، بَطَلَ الْبَيْعُ، ثُمَّ الْمُشْتَرِي يَتَسَلَّطُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الثَّمَرَةِ بَعْدَ تَخْلِيَةِ الْبَائِعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. فَإِنْ عَرَضَتْ جَائِحَةٌ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، أَوْ جَرَادٍ، أَوْ حَرِيقٍ، أَوْ نَحْوِهَا قَبْلَ التَّخْلِيَةِ، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ. فَإِنْ تَلَفَ جَمِيعُ الثِّمَارِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ. وَإِنْ تَلَفَ بَعْضُهَا انْفَسَخَ فِيهِ. وَفِي الْبَاقِي قَوْلَا التَّفَرُّقِ. وَإِنْ عَرَضَتْ بَعْدَهَا، فَإِنْ كَانَ بَاعَهَا بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، فَقَوْلَانِ. الْجَدِيدُ الْأَظْهَرُ: أَنِ الْجَوَائِحَ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي. وَالْقَدِيمُ: أَنَّهَا مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ. وَلَا فَرْقَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَشْرُطَ الْقَطْعَ، أَمْ لَا. وَقِيلَ: إِنْ شَرَطَهُ، كَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي قَطْعًا، لِتَفْرِيطِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا عَلَقَةَ بَيْنَهُمَا، إِذْ لَا يَجِبُ السَّقْيُ عَلَى الْبَائِعِ هُنَا، وَحُكِيَ هَذَا عَنِ الْقَفَّالِ. وَقِيلَ: إِنْ شَرَطَهُ، كَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ قَطْعًا ; لِأَنَّ مَا شُرِطَ قَطْعُهُ، فَقَبْضُهُ بِالْقَطْعِ وَالنَّقْلِ، فَقَدْ تَلَفَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى كَوْنِهَا مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ فُرُوعٌ. أَحَدُهَا: أَنَّ الْمَحْكُومَ بِكَوْنِهِ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، مَا تَلَفَ قَبْلَ وَقْتِ الْجِدَادِ أَمَّا مَا تَلَفَ بَعْدَ وَقْتِ الْجِدَادِ وَإِمْكَانِ النَّقْلِ، فَمِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي عَلَى الْأَظْهَرِ. وَقِيلَ: عَلَى الْأَصَحِّ لِتَقْصِيرِهِ. وَعَلَى الثَّانِي: مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ، لِعَدَمِ التَّسْلِيمِ التَّامِّ. قَالَ
стр. 1372
الْإِمَامُ: وَهَذَا الْخِلَافُ إِذَا لَمْ يُعَدَّ مُقَصِّرًا مُضَيِّعًا بِتَأْخِيرِهِ، كَالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ. فَإِنْ عُدَّ، فَلَا مَسَاغَ لِلْخِلَافِ.
الثَّانِي: لَوْ تَلَفَ بَعْضُ الثَّمَرِ، فَالْحُكْمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَمَا لَوْ تَلَفَ قَبْلَ التَّخْلِيَةِ. وَلَوْ عَابَتِ الثَّمَرَةُ بِالْجَائِحَةِ، ثَبَتَ الْخِيَارُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، كَمَا
[لَوْ] عَابَتْ قَبْلَ التَّخْلِيَةِ. وَعَلَى الْجَدِيدِ: لَا يَثْبُتُ.
الثَّالِثُ: لَوْ ضَاعَتِ الثَّمَرَةُ بِغَصْبٍ أَوْ سَرِقَةٍ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهَا مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ. وَقِيلَ: عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَالْجَائِحَةُ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ.
قُلْتُ: إِذَا قُلْنَا بِالْقَدِيمِ، فَاخْتَلَفَا فِي الْفَائِتِ بِالْجَائِحَةِ، فَقَالَ الْبَائِعُ: رُبْعُ الثَّمَرَةِ. وَقَالَ الْمُشْتَرِي: نِصْفُهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ وَعَدَمُ الْهَلَاكِ.
قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : لَوِ اخْتَلَفَا فِي وُقُوعِ الْجَائِحَةِ، فَالْغَالِبُ أَنَّهَا لَا تَخْفَى، فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ أَصْلًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ بِلَا يَمِينٍ. وَإِنْ عُرِفَ وُقُوعُهَا عَامًّا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي بِلَا يَمِينٍ وَإِنْ أَصَابَتْ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ بِيَمِينِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْهَلَاكِ وَلُزُومُ الثَّمَنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ، هُوَ فِي الْجَوَائِحِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِي لَا تُنْسَبُ إِلَى الْبَائِعِ بِحَالٍ. فَأَمَّا إِنْ تَرَكَ السَّقْيَ وَعَرَضَتْ فِي الثِّمَارِ [آفَةٌ] بِسَبَبِ الْعَطَشِ. فَإِنْ تَلَفَتْ، فَالْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِانْفِسَاخِ الْعَقْدِ. وَقِيلَ فِيهِ الْقَوْلَانِ كَالسَّمَاوِيَّةِ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا انْفِسَاخَ، لَزِمَ الْبَائِعَ الضَّمَانُ بِالْقِيمَةِ أَوِ الْمِثْلِ. وَإِنَّمَا يَضْمَنُ مَا تَلَفَ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى مَا كَانَ يَنْتَهِي إِلَيْهِ لَوْلَا الْعَارِضُ. وَإِنْ تَعَيَّبَتْ، فَلِلْمُشْتَرَى الْخِيَارُ. وَإِنْ قُلْنَا: الْجَائِحَةُ مِنْ ضَمَانِهِ ; لِأَنَّ الشَّرْعَ أَلْزَمَ الْبَائِعَ تَنْمِيَةَ الثِّمَارِ بِالسَّقْيِ، فَالتَّعَيُّبُ الْحَادِثُ بِتَرْكِ
стр. 1373
السَّقْيِ، كَالْعَيْبِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْقَبْضِ. وَإِنْ أَفْضَى التَّعَيُّبُ إِلَى تَلَفٍ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ الْمُشْتَرِي حَتَّى تَلَفَ، عَادَ الْخِلَافُ فِي الِانْفِسَاخِ، وَلَزِمَ الْبَائِعَ الضَّمَانُ إِنْ قُلْنَا: لَا انْفِسَاخَ وَلَا خِيَارَ بَعْدَ التَّلَفِ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ. وَإِنْ شَعَرَ بِهِ وَلَمْ يَفْسَخْ حَتَّى تَلَفَ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَغْرُمُ الْبَائِعُ، لِعُدْوَانِهِ. وَالثَّانِي: لَا، لِتَقْصِيرِ الْمُشْتَرِي بِتَرْكِ الْفَسْخِ.
فَرْعٌ
بَاعَ الثَّمَرَ مَعَ الشَّجَرِ، فَتَلَفَ الثَّمَرُ بِجَائِحَةٍ قَبْلَ التَّخْلِيَةِ، بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ. وَفِي الشَّجَرِ الْقَوْلَانِ. وَإِنْ تَلَفَ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ، فَمِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِلَا خِلَافٍ.
قُلْتُ: وَلَوْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ لِرَجُلٍ، وَالشَّجَرُ لِآخَرَ، فَبَاعَهَا لِصَاحِبِ الشَّجَرَةِ، وَخَلَّى بَيْنَهُمَا، ثُمَّ تَلَفَتْ، فَمِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِلَا خِلَافٍ، لِانْقِطَاعِ الْعَلَائِقِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
اشْتَرَى طَعَامًا مُكَايَلَةً، وَقَبَضَهُ جُزَافًا، فَهَلَكَ فِي يَدِهِ، فَفِي انْفِسَاخِ الْبَيْعِ وَجْهَانِ، لِبَقَاءِ الْكَيْلِ بَيْنَهُمَا.
فَرْعٌ
مِنَ الْعَوَارِضِ، اخْتِلَاطُ الثِّمَارِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهَا لِتَلَاحُقِهَا. فَأَمَّا الِاخْتِلَاطُ الَّذِي يَبْقَى مَعَهُ التَّمْيِيزُ، فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ. وَأَمَّا غَيْرُهُ، فَإِذَا بَاعَ الثَّمَرَةَ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ وَالشَّجَرَةُ تُثْمِرُ فِي السَنَةِ مَرَّتَيْنِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَغْلُبُ التَّلَاحُقُ فِيهِ، وَعُلِمَ أَنَّ الْحَمْلَ الثَّانِيَ يَخْتَلِطُ بِالْأَوَّلِ، كَالتِّينِ وَالْبِطِّيخِ وَالْقِثَّاءِ وَالْبَاذِنْجَانِ، لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ،
стр. 1374
إِلَّا أَنْ يُشْرَطَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَقْطَعُ ثَمَرَتَهُ عِنْدَ خَوْفِ الِاخْتِلَاطِ. وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ: أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. فَإِنْ سَمَحَ الْبَائِعُ بِمَا حَدَثَ، تَبَيَّنَ انْعِقَادُ الْبَيْعِ، وَإِلَّا فَلَا. ثُمَّ إِذَا شَرَطَ الْقَطْعَ فَلَمْ يَتَّفِقْ حَتَّى اخْتَلَطَ، فَهُوَ كَالتَّلَاحُقِ فِيمَا يَنْدُرُ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْدُرُ فِيهِ التَّلَاحُقُ، وَعَلِمَ عَدَمَ الِاخْتِلَاطِ، أَوْ لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ، فَيَصِحُّ الْبَيْعُ مُطْلَقًا، وَبِشَرْطِ الْقَطْعِ وَالتَّبْقِيَةِ. ثُمَّ إِنْ حَصَلَ الِاخْتِلَاطُ، فَلَهُ حَالَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَحْصُلَ قَبْلَ التَّخْلِيَةِ، فَقَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، لِتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَأَظْهَرُهُمَا: لَا، لِبَقَاءِ عَيْنِ الْمَبِيعِ، فَعَلَى هَذَا، يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ. وَفِي قَوْلٍ ضَعِيفٍ: لَا خِيَارَ. وَالِاخْتِلَاطُ قَبْلَ الْقَبْضِ، كَهَوَ بَعْدَهُ. ثُمَّ إِنْ سَمَحَ الْبَائِعُ بِتَرْكِ الثَّمَرَةِ الْجَدِيدَةِ لِلْمُشْتَرِيِ، سَقَطَ خِيَارُهُ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا سَبَقَ فِي نَعْلِ الدَّابَّةِ. وَإِنْ بَاعَ الثَّمَرَةَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، فَلَمْ يَتَّفِقِ الْقَطْعُ حَتَّى اخْتَلَطَتْ، جَرَى الْقَوْلَانِ فِي الِانْفِسَاخِ، وَيَجْرِيَانِ فِيمَا إِذَا بَاعَ حِنْطَةً فَانْصَبَّ عَلَيْهَا مِثْلَهَا قَبْلَ الْقَبْضِ، وَكَذَا فِي الْمَائِعَاتِ. وَإِنِ اخْتَلَطَ الثَّوْبُ بِأَمْثَالِهِ، أَوِ الشَّاةُ الْمَبِيعَةُ بِأَمْثَالِهَا، فَالصَّحِيحُ الِانْفِسَاخُ. وَفِي وَجْهٍ: لَا، لِإِمْكَانِ تَسْلِيمِهِ بِتَسْلِيمِ الْجَمِيعِ. وَلَوْ بَاعَ جَزَّةً مِنَ الْقَتِّ بِشَرْطِ الْقَطْعِ، فَلَمْ يَقْطَعْهَا حَتَّى طَالَتْ، وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ، جَرَى الْقَوْلَانِ. وَقِيلَ: لَا يَنْفَسِخُ هُنَا قَطْعًا، تَشْبِيهًا لِطُولِهَا بِكِبَرِ الثَّمَرَةِ وَالشَّجَرَةِ، وَبِنَمَاءِ الْحَيَوَانِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْبَائِعَ يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ بِزِيَادَتِهَا، وَهُنَا لَا يُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِ مَا زَادَ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَحْصُلَ الِاخْتِلَاطُ بَعْدَ التَّخْلِيَةِ، فَطَرِيقَانِ
أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِعَدَمِ الِانْفِسَاخِ. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا انْفِسَاخَ، فَإِنْ تَصَالَحَا وَتَوَافَقَا عَلَى شَيْءٍ، فَذَاكَ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ فِي قَدْرِ حَقِّ الْآخَرِ. وَلِمَنِ الْيَدُ فِي صُورَةِ الثِّمَارِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ
أَحَدُهَا: لِلْبَائِعِ. وَالثَّانِي: لِلْمُشْتَرِي. وَالثَّالِثُ: لَهُمَا. وَفِي صُورَةِ الْحِنْطَةِ لِلْمُشْتَرِي، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَوْدَعَهُ الْحِنْطَةَ بَعْدَ الْقَبْضِ ثُمَّ اخْتَلَطَتْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ.
стр. 1375
فَرْعٌ
بَاعَ شَجَرَةً عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ لِلْبَائِعِ، وَهِيَ مِمَّا تُثْمِرُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَيَغْلُبُ تَلَاحُقُهَا، لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إِلَّا بِشَرْطِ قَطْعِ الْبَائِعِ ثَمَرَتَهُ عِنْدَ خَوْفِ الِاخْتِلَاطِ، وَيَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ هُوَ الثَّمَرَةَ. ثُمَّ إِذَا تَبَايَعَ بِهَذَا الشَّرْطِ، فَلَمْ يَتَّفِقِ الْقَطْعُ حَتَّى اخْتَلَطَا، أَوْ كَانَتِ الشَّجَرَةُ مِمَّا يَنْدُرُ فِيهَا التَّلَاحُقُ وَالِاخْتِلَاطُ، فَاتَّفَقَ وُقُوعُهُ، فَطَرِيقَانِ. قَالَ الْأَكْثَرُونَ: فِي الِانْفِسَاخِ الْقَوْلَانِ. وَقِيلَ: لَا انْفِسَاخَ قَطْعًا. فَإِنْ قُلْنَا: لَا انْفِسَاخَ، فَسَمَحَ الْبَائِعُ بِتَرْكِ الثَّمَرَةِ الْقَدِيمَةِ، أُجْبِرَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْقَبُولِ. وَإِنْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي بِتَرْكِ الثَّمَرَةِ الْحَادِثَةِ، أُجْبِرَ الْبَائِعُ عَلَى الْقَبُولِ وَأُقِرَّ الْعَقْدُ. وَيُحْتَمَلُ خِلَافٌ فِي الْإِجْبَارِ، فَإِنِ اسْتَمَرَّا عَلَى النِّزَاعِ، فَالْمُثْبِتُونَ لِلْقَوْلَيْنِ قَالُوا: يُفْسَخُ الْعَقْدُ. وَالْقَاطِعُونَ قَالُوا: لَا فَسْخَ، بَلْ أَيُّهُمَا كَانَتِ الثَّمَرَةُ وَالشَّجَرَةُ فِي يَدِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي قَدْرِ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْآخَرُ. قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ ; لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَرْفَعُ النِّزَاعَ، لِبَقَاءِ الثَّمَرَةِ الْحَادِثَةِ لِلْمُشْتَرِي. وَإِنْ قُلْنَا بِالِانْفِسَاخِ، اسْتَرَدَّ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ وَرَدَّ الشَّجَرَةَ مَعَ جَمِيعِ الثِّمَارِ، قَالَهُ فِي «التَّتِمَّةِ» .
بَابُ مُعَامَلَاتِ الْعَبِيدِ
الْعَبْدُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرِهِ. الْأَوَّلُ: الْمَأْذُونُ لَهُ، فَيَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْذَنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِالْإِجْمَاعِ. وَيَسْتَفِيدُ بِالْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ كُلُّ مَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ اسْمِهَا، وَمَا كَانَ مِنْ لَوَازِمِهَا وَتَوَابِعِهَا، كَالنَّشْرِ وَالطَّيِّ،
стр. 1376
وَحَمْلِ الْمَتَاعِ إِلَى الْحَانُوتِ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالْمُخَاصَمَةِ فِي الْعُهْدَةِ، وَنَحْوِهَا. وَلَا يَسْتَفِيدُ غَيْرَ ذَلِكَ، هَذَا جُمْلَةُ الْقَوْلِ فِيهِ. وَتَفْصِيلُهُ بِصُوَرٍ.
إِحْدَاهَا: لَيْسَ لِلْمَأْذُونِ فِي التِّجَارَةِ أَنْ يَنْكِحَ، كَمَا لَيْسَ لِلْمَأْذُونِ فِي النِّكَاحِ أَنْ يَتَّجِرَ.
الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ مَالَ التِّجَارَةِ كَعَبِيدِهَا وَثِيَابِهَا وَدَوَابِّهَا عَلَى الْأَصَحِّ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي نَوْعٍ، أَوْ شَهْرٍ، أَوْ سَنَةٍ، لَمْ يَتَجَاوَزِ الْمَأْذُونَ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ أَلْفًا وَقَالَ: اتَّجِرْ فِيهِ، فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِعَيْنِ الْأَلْفِ، وَبِقَدْرِهِ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا يَزِيدُ. وَلَوْ قَالَ: اجْعَلْهُ رَأْسَ مَالِكَ، وَتَصَرَّفْ أَوِ اتَّجِرْ، فَلَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْأَلْفِ.
الْخَامِسَةُ: لَيْسَ لِلْمَأْذُونِ أَنْ يَأْذَنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ. فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِيهِ السَّيِّدُ، جَازَ، ثُمَّ يَنْعَزِلُ الْمَأْذُونُ الثَّانِي بِعَزْلِ السَّيِّدِ، سَوَاءٌ انْتَزَعَهُ مِنْ يَدِ الْمَأْذُونِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا. وَهَلْ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ عَبْدَهُ فِي آحَادِ التَّصَرُّفَاتِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ: نَعَمْ. وَالثَّانِي: لَا، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ صَاحِبِ «التَّهْذِيبِ» .
قُلْتُ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ أَجْنَبِيًّا، كَالْوَكِيلِ لَا يُوَكِّلُ، بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لِنَفْسِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّادِسَةُ: لَا يَتَّخِذُ دَعْوَةً لِلْمُجَهَّزِينَ، وَلَا يَتَصَدَّقُ، وَلَا يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ السَّيِّدِ، وَلَا يُعَامِلُ سَيِّدَهُ بَيْعًا وَشِرَاءً.
السَّابِعَةُ: مَا كَسَبَهُ الْمَأْذُونُ بِالِاحْتِطَابِ وَالِاصْطِيَادِ وَالِاتِّهَابِ وَقَبُولِ الْوَصِيَّةِ وَالْأَخْذِ مِنَ الْمَعْدِنِ، هَلْ يُضَمُّ إِلَى مَالِ التِّجَارَةِ حَتَّى يَتَصَرَّفَ فِيهِ؟
стр. 1377
فِيهِ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا فِي «التَّهْذِيبِ» : نَعَمْ، لِأَنَّهَا مِنَ الْأَكْسَابِ. وَالثَّانِي: لَا، وَبِهِ قَطَعَ الْفُورَانِيُّ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ.
الثَّامِنَةُ: لَا يَنْعَزِلُ الْمَأْذُونُ بِالْإِبَاقِ، بَلْ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ، إِلَّا إِذَا خَصَّ السَّيِّدُ الْإِذْنَ بِهَذَا الْبَلَدِ.
قُلْتُ: وَفِي «التَّتِمَّةِ» وَجْهٌ ضَعِيفٌ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِي الْغَيْبَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التَّاسِعَةُ: لَهُ أَنْ يَأْذَنَ فِي التِّجَارَةِ لِمُسْتَوْلَدَتِهِ قَطْعًا. وَلَوْ أَذِنَ لَأَمَتِهِ ثُمَّ اسْتَوْلَدَهَا، لَمْ تَنْعَزِلْ عَلَى الصَّحِيحِ.
الْعَاشِرَةُ: لَوْ رَأَى عَبْدَهُ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي، فَسَكَتَ عَنْهُ، لَمْ يَصِرْ مَأْذُونًا.
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: لَوْ رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُ سَيِّدِهِ عَمَّا فِي يَدِهِ. فَلَوْ تَصَرَّفَ فِيهِ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ إِعْتَاقٍ بِإِذْنِ الْمَأْذُونِ وَالْغُرَمَاءِ، جَازَ، وَيَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ. وَإِنْ أَذِنَ الْعَبْدُ دُونَ الْغُرَمَاءِ، لَمْ يَجُزْ. وَإِنْ أَذِنُوا دُونَهُ، فَوَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَا يَجُوزُ. وَصَحَّحَهُ الْبَغَوَيُّ ; لِأَنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ وَلَمْ يَرْضَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إِقْرَارُ الْمَأْذُونِ بِدَيْنِ الْمُعَامَلَةِ مَقْبُولٌ، سَوَاءٌ أَقَرَّ لِأَبِيهِ أَوِ ابْنِهِ، أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ.
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ بِنَسِيئَةٍ، وَلَا بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ، وَلَا يُسَافِرُ بِمَالِ التِّجَارَةِ إِلَّا بِإِذْنِ السَّيِّدِ، وَلَا يَتَمَكَنُّ مِنْ عَزْلِ نَفْسِهِ، بِخِلَافِ الْوَكِيلِ.
قُلْتُ: وَلَوْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَبْدٌ، فَأَذِنَ لَهُ أَحَدُهُمَا فِي التِّجَارَةِ، لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يَأْذَنَ الْآخَرُ، كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي النِّكَاحِ، لَا يَصِحُّ حَتَّى يَأْذَنَ الْآخَرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1378
فَرْعٌ
قَالَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» : فِي جَوَازِ مُعَامَلَةِ مَنْ لَا يُعْرَفُ رِقُّهُ وَحُرِّيَّتُهُ، قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الْجَوَازُ. لِأَنَّ الْأَصْلَ وَالْغَالِبَ الْحُرِّيَّةُ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَجْرِ. وَقَطَعَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِالْجَوَازِ. وَمَنْ عَرَفَ رِقَّهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُعَامِلَهُ حَتَّى يَعْرِفَ إِذْنَ السَّيِّدِ. وَلَا يَكْفِي قَوْلُ الْعَبْدِ: أَنَا مَأْذُونٌ، كَمَا لَوْ زَعَمَ الرَّاهِنُ إِذْنَ الْمُرْتَهِنِ فِي بَيْعِ الْمَرْهُونِ، وَإِنَّمَا يُعَرَفُ كَوْنُهُ مَأْذُونًا بِسَمَاعِ الْإِذْنِ مِنَ السَّيِّدِ، أَوْ بِبَيِّنَةٍ. فَإِنْ شَاعَ فِي النَّاسِ كَوْنُهُ مَأْذُونًا، كَفَى عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِذَا عَلِمَ كَوْنَهُ مَأْذُونًا، فَقَالَ: حَجَرَ عَلَيَّ السَّيِّدُ، لَمْ تَجُزْ مُعَامَلَتُهُ. فَإِنْ قَالَ السَّيِّدُ: لَمْ أَحْجُرْ عَلَيْهِ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا يُعَامَلُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ الْعَاقِدُ، وَهُوَ يَقُولُ: الْعَقْدُ بَاطِلٌ. وَلَوْ عَامَلَ الْمَأْذُونَ مَنْ يَعْلَمُ رِقَّهُ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْإِذْنَ، فَبَانَ مَأْذُونًا، قَالَ الْأَئِمَّةُ: هُوَ كَمَنْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ فَبَانَ مَيِّتًا، وَمِثْلُهُ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْحَلِيمِيُّ فِيمَا إِذَا ادَّعَى الْوَكَالَةَ فَكَذَّبَهُ، فَعَامَلَهُ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ وَكِيلٌ.
قُلْتُ: وَلَوْ بَاعَ مَالًا يَظُنُّهُ لِنَفْسِهِ، فَبَانَ مَالَ أَبِيهِ وَكَانَ مَيِّتًا حَالَ الْعَقْدَ، صَحَّ بِلَا خِلَافٍ، كَذَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ شَيْخِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَوْ عَلِمَ كَوْنَهُ مَأْذُونًا فَعَامَلَهُ، ثُمَّ امْتَنَعَ مِنَ التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ حَتَّى يُشْهِدَ عَلَى الْإِذْنِ، فَلَهُ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ إِنْكَارِ السَّيِّدِ، كَمَا لَوْ صَدَّقَ مُدَّعِي الْوَكَالَةِ بِقَبْضِ الْحَقِّ، ثُمَّ امْتَنَعَ مِنَ التَّسْلِيمِ حَتَّى يَشْهَدَ الْمُوَكِّلُ عَلَى الْوَكَالَةِ.
стр. 1379
فَصْلٌ
إِذَا بَاعَ الْمَأْذُونُ سِلْعَةً وَقَبَضَ الثَّمَنَ، فَاسْتُحِقَّتْ وَقَدْ تَلَفَ الثَّمَنُ فِي يَدِ الْعَبْدِ، فَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ بِبَدَلِهِ عَلَى الْعَبْدِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ مُبَاشِرُ الْعَقْدِ. وَفِي وَجْهٍ: لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ يَدَهُ يَدُ السَّيِّدِ. وَفِي مُطَالَبَتِهِ السَّيِّدَ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: يُطَالَبُ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْعَقْدَ لَهُ. وَالثَّانِي: لَا. وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ فِي يَدِ الْعَبْدِ وَفَاءٌ، لَمْ يُطَالَبْ، وَإِلَّا فَيُطَالَبُ. وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: إِنْ كَانَ السَّيِّدُ دَفَعَ إِلَيْهِ عَيْنَ مَالٍ وَقَالَ: بِعْهَا وَخُذْ ثَمَنَهَا وَاتَّجِرْ فِيهِ، أَوْ قَالَ: اشْتَرِ هَذِهِ السِّلْعَةَ وَبِعْهَا وَاتَّجِرْ فِي ثَمَنِهَا، فَفَعَلَ، ثُمَّ ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ، فَطَالَبَهُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَ السَّيِّدَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ فِيهِ. وَإِنِ اشْتَرَى بِاخْتِيَارِهِ سِلْعَةً وَبَاعَهَا، ثُمَّ ظَهَرَ الِاسْتِحْقَاقُ، فَلَا. وَلَوِ اشْتَرَى الْمَأْذُونُ شَيْئًا لِلتِّجَارَةِ، فَفِي مُطَالَبَةِ السَّيِّدِ بِالثَّمَنِ هَذِهِ الْأَوْجُهُ. وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي جَارِيَانِ فِي رَبِّ الْمَالِ مَعَ عَامِلِ الْقِرَاضِ. وَلَوْ سَلَّمَ الرَّجُلُ إِلَى وَكِيلِهِ أَلْفًا، وَقَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا وَأَدِّ هَذَا الْأَلْفَ فِي ثَمَنِهِ، فَاشْتَرَى الْوَكِيلُ، فَفِي مُطَالَبَةِ الْمُوَكِّلِ طَرِيقَانِ. أَقْيَسُهُمَا: طَرْدُ الْوَجْهَيْنِ. وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْمُطَالَبَةِ، وَلَا حُكْمَ لِهَذَا التَّعْيِينِ. وَإِذَا تَوَجَّهَتِ الْمُطَالَبَةُ عَلَى الْعَبْدِ، لَمْ تَنْدَفِعْ بِعِتْقِهِ. وَفِي رُجُوعِهِ بِالْمَغْرُومِ بَعْدَ الْعِتْقِ عَلَى سَيِّدِهِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: لَا يَرْجِعُ.
فَصْلٌ
لَوْ سَلَّمَ إِلَى عَبْدِهِ أَلْفًا لِيَتَّجِرَ فِيهِ، فَاشْتَرَى بِعَيْنِهِ شَيْئًا، ثُمَّ تَلَفَ الْأَلْفُ فِي يَدِهِ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ. وَإِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ عَلَى عَزْمِ صَرْفِ الْأَلْفِ فِي الثَّمَنِ، فَأَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ. أَصَحُّهَا: لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ، بَلْ إِنْ أَخْرَجَ السَّيِّدُ أَلْفًا آخَرَ،
стр. 1380
أُمْضِيَ الْعَقْدُ، وَإِلَّا فَلِلْبَائِعِ فَسْخُهُ. وَالثَّانِي: يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ أَلْفٌ آخَرُ. وَالثَّالِثُ: يَجِبُ الثَّمَنُ فِي كَسْبِ الْعَبْدِ. وَالرَّابِعُ: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ. فَإِذَا قُلْنَا: عَلَى السَّيِّدِ أَلْفٌ آخَرُ، فَهَلْ يَتَصَرَّفُ الْعَبْدُ فِيهِ بِالْإِذْنِ السَّابِقِ، أَمْ يُشْتَرَطُ إِذْنٌ جَدِيدٌ؟ وَجْهَانِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَإِنَّمَا يُطَالِبُ بِالْأَلْفِ الْجَدِيدِ الْبَائِعَ دُونَ الْعَبْدِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى أَلْفٍ مِنْ مَالِ السَّيِّدِ، وَأَنَّهُ لَا يَتَصَرَّفُ فِيمَا يُسَلِّمُهُ الْبَائِعُ. وَإِنَّمَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْوَجْهَيْنِ، فِيمَا لَوِ ارْتَفَعَ الْعَقْدُ بِسَبَبٍ وَرَجَعَ الْأَلْفُ.
قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» : لَوِ اشْتَرَى الْمَأْذُونُ شَيْئًا بِعَرَضٍ، فَتَلَفَ الشَّيْءُ ثُمَّ خَرَجَ الْعَرَضُ مُسْتَحِقًّا، فَالْقِيمَةُ فِي كَسْبِهِ أَمْ عَلَى السَّيِّدِ؟ وَجْهَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
دُيُونُ مُعَامَلَاتِ الْمَأْذُونِ، تُؤَدَّى مِمَّا فِي يَدِهِ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ، سَوَاءٌ الْأَرْبَاحُ الْحَاصِلَةُ بِتِجَارَتِهِ وَرَأْسُ الْمَالِ. وَهَلْ تُؤَدَّى مِنْ أَكْسَابِهِ بِغَيْرِ التِّجَارَةِ كَالِاحْتِطَابِ وَالِاصْطِيَادِ؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا، كَسَائِرِ أَمْوَالِ السَّيِّدِ. وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ. كَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمَهْرُ وَمُؤَنُ النِّكَاحِ، ثُمَّ مَا فَضَلَ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يَعْتِقَ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ وَلَا بِذِمَّةِ السَّيِّدِ قَطْعًا، وَلَا بِمَا يَكْسِبُهُ الْمَأْذُونُ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِذَا بَاعَهُ السَّيِّدُ أَوْ أَعْتَقَهُ صَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَفِي قَضَاءِ دُيُونِهِ مِمَّا يَكْسِبُهُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِيمَا كَسَبَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَ لِلْمَأْذُونِ
[لَهَا] أَوْلَادٌ، لَمْ يَتَعَلَّقِ الدَّيْنُ بِهِمْ. وَلَوْ أَتْلَفَ السَّيِّدُ مَا فِي يَدِ الْمَأْذُونِ مِنْ مَالِ التِّجَارَةِ، لَزِمَهُ مَا أَتْلَفَ بِقَدْرِ الدَّيْنِ. وَلَوْ قَتَلَهُ السَّيِّدُ وَلَيْسَ فِي يَدِهِ مَالٌ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الدُّيُونِ.
стр. 1381
فَرْعٌ
لَوْ تَصَرَّفَ السَّيِّدُ فِيمَا فِي يَدِ الْمَأْذُونِ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ إِعْتَاقٍ، وَلَا دَيْنَ عَلَى الْمَأْذُونِ، جَازَ. وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: يُشْتَرَطُ أَنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِ حَجْرًا. وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَقَدْ سَبَقَ حُكْمُ تَصَرُّفِهِ.
فَرْعٌ
لَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ مُطْلَقًا، وَلَمْ يُعَيِّنْ مَالًا، فَعَنْ أَبِي طَاهِرٍ الزِّيَادَيِّ، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ هَذَا الْإِذْنُ. وَعَنْ غَيْرِهِ: أَنَّهُ يَصِحُّ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِي أَنْوَاعِ أَمْوَالِهِ. وَقَدْ بَقِيَتْ مِنْ أَحْكَامِ الْمَأْذُونِ مَسَائِلُ مَذْكُورَةٌ فِي مَوْضِعِهَا.
قُلْتُ: قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : لَوْ جُنِيَ عَلَى الْمَأْذُونِ، أَوْ كَانَتْ أَمَةً فَوُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، لَا تُقْضَى دُيُونُ التِّجَارَةِ مِنَ الْأَرْشِ وَالْمَهْرِ. وَلَوِ اشْتَرَى الْمَأْذُونُ مَنْ يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِهِ
[بِغَيْرِ إِذْنِهِ] ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَظْهَرِ. فَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَأْذُونِ دَيْنٌ، عَتَقَ عَلَى الْمَوْلَى. وَإِنْ كَانَ دَيْنٌ، فَفِي عِتْقِهِ قَوْلَانِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى بِإِذْنِ الْمَوْلَى. وَإِنِ اشْتَرَى بِإِذْنِهِ صَحَّ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَأْذُونِ دَيْنٌ، عَتَقَ. وَإِنْ كَانَ فَقَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَعْتِقُ. وَالثَّانِي: يَعْتِقُ وَيَغْرُمُ قِيمَتَهُ لِلْغُرَمَاءِ. وَلَوْ مَاتَ الْمَأْذُونُ وَعَلَيْهِ دُيُونٌ مُؤَجَّلَةٌ، وَفِي يَدِهِ أَمْوَالٌ، حَلَّتِ الْمُؤَجَّلَةُ، كَمَا تَحِلُّ بِمَوْتِ الْحُرِّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي الْفَتَاوَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1382
فَصْلٌ
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَأْذُونِ، فَقَدْ يَكُونُ مَأْذُونًا فِي غَيْرِ التِّجَارَةِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ مَأْذُونًا أَصْلًا. وَأَحْكَامُهُ مُفَرَّقَةٌ فِي أَبْوَابِهَا، لَكِنْ نُذْكُرُ مِنْهَا طَرَفًا، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ، وَهَكَذَا حُكْمُ كُلِّ تَصَرُّفٍ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ. فَإِنْ وُصِّيَ لَهُ، أَوْ وُهِبَ لَهُ، كَانَ وَصِيَّةً وَهِبَةً لِسَيِّدِهِ. وَفِي صِحَّةِ قَبُولِهِ فِيهِمَا بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، وَجْهَانِ. وَالْأَصَحُّ: الصِّحَّةُ، كَمَا لَوْ خَالَعَ، صَحَّ، وَدَخَلَ الْعِوَضُ فِي مِلْكِ سَيِّدِهِ قَهْرًا. وَفِي صِحَّةِ ضَمَانِهِ وَجْهَانِ مَذْكُورَانِ بِفُرُوعِهِمَا فِي بَابِهِ. وَفِي صِحَّةِ شِرَائِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِبُطْلَانِهِ. وَأَصَحُّهُمَا: عَلَى وَجْهَيْنِ. أَصَحُّهُمَا: الْبُطْلَانُ، فَإِنْ صَحَّحْنَاهُ، فَالثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ. وَذَكَرُوا وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمِلْكَ لِلسَّيِّدِ. ثُمَّ إِنْ عَلِمَ الْبَائِعُ رِقَّهُ، لَمْ يُطَالِبْهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَعْتِقَ، وَإِلَّا فَلَهُ الْخِيَارُ، إِنْ شَاءَ صَبَرَ إِلَى الْعِتْقِ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ وَرَجَعَ إِلَى عَيْنِ مَالِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمِلْكَ لِلْعَبْدِ، ثُمَّ السَّيِّدُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُقِرَّهُ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْهُ. وَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ إِلَى عَيْنِ الْمَبِيعِ مَا دَامَ فِي يَدِ الْعَبْدِ، لِتَعَذُّرِ الثَّمَنِ، كَالْإِفْلَاسِ. وَإِنْ تَلَفَ فِي يَدِهِ، فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الصَّبْرُ، إِلَى أَنْ يَعْتِقَ. وَإِنِ انْتَزَعَهُ السَّيِّدُ، فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ، كَمَا لَوْ زَالَتْ يَدُ الْمُفْلِسِ عَمَّا اشْتَرَاهُ. وَفِي وَجْهٍ: يَرْجِعُ فَيَأْخُذُهُ مِنَ السَّيِّدِ. وَأَمَّا إِذَا أَبْطَلْنَا شِرَاءَهُ، فَلِلْمَالِكِ اسْتِرْدَادُ الْعَيْنِ مَا دَامَتْ بَاقِيَةً، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي يَدِ السَّيِّدِ، أَوِ الْعَبْدِ. فَإِنْ تَلَفَتْ فِي يَدِ الْعَبْدِ، تَعَلَّقَ الضَّمَانُ بِذِمَّتِهِ. وَإِنْ تَلَفَتْ فِي يَدِ السَّيِّدِ، فَلِلْبَائِعِ مُطَالَبَتُهُ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ الْعَبْدِ بَعْدَ الْعِتْقِ. وَإِنْ أَدَّى الثَّمَنَ مِنْ مَالِ السَّيِّدِ، فَلَهُ اسْتِرْدَادُهُ، وَلَا يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ الضَّمَانُ إِذَا رَآهُ فَلَمْ يَأْخُذْهُ مِنْ يَدِ الْعَبْدِ. وَالِاسْتِقْرَاضُ كَالشِّرَاءِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
стр. 1383
فَرْعٌ
لِلْعَبْدِ إِجَارَةُ نَفْسِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَهُ بَيْعُهَا وَرَهْنُهَا عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوِ اشْتَرَى أَوْ بَاعَ لِغَيْرِهِ بِالْوَكَالَةِ بِغَيْرِ إِذَنِ السَّيِّدِ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، لِتَعَلُّقِ الْعُهْدَةِ بِالْوَكِيلِ.
فَصْلٌ
لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ بِتَمْلِيكِ غَيْرِ سَيِّدِهِ. وَفِي مِلْكِهِ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ، قَوْلَانِ. الْأَظْهَرُ الْجَدِيدُ: لَا يَمْلِكُ. فَعَلَى الْقَدِيمِ: لِلسَّيِّدِ الرُّجُوعُ فِيهِ مَتَى شَاءَ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ التَّصَرُّفُ فِيهِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ. فَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدَانِ، فَمَلَّكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَالْحُكْمُ لِلتَّمْلِيكِ الثَّانِي، وَهُوَ رُجُوعٌ عَنِ الْأَوَّلِ. فَإِنْ وَقَعَا مَعًا مِنْ وَكِيلَيْنِ، تَدَافَعَا. فَإِنْ مَلَّكَهُ جَارِيَةً، وَقُلْنَا بِالْقَدِيمِ، فَهَلْ لِلْعَبْدِ وَطْؤُهَا؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. الصَّحِيحُ: يَجُوزُ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِهِ. وَالثَّانِي: يَجُوزُ مُطْلَقًا. وَالثَّالِثُ: يَحْرُمُ مُطْلَقًا، لِضَعْفِ مِلْكِهِ.
قُلْتُ: قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : لَوْ أَوْلَدَهَا، فَالْوَلَدُ مَمْلُوكٌ لِلْعَبْدِ، وَلَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ، لِنُقْصَانِ مِلْكِهِ. فَإِذَا عَتَقَ، عَتَقَ الْوَلَدُ. قَالَ: وَالْمُدَبَّرُ، وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ عَلَى صِفَةٍ، كَالْقَنِّ، فَلَا يَحِلُّ لَهُمُ الْوَطْءُ عَلَى الْجَدِيدِ وَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ فِيهِ. وَفِي حِلِّهِ عَلَى الْقَدِيمِ مَا ذَكَرْنَا. وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، إِذَا مَلَكَ بِحُرِّيَّتِهِ مَالًا، فَاشْتَرَى جَارِيَةً، مَلَكَهَا، وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا عَلَى الْجَدِيدِ، وَيَحِلُّ فِي الْقَدِيمِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ، وَلَا يَحِلُّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ ; لِأَنَّ بَعْضَهُ مَمْلُوكٌ، فَلَمْ يَصِحَّ التَّسَرِّي. وَلَا يَحِلُّ لِلْمُكَاتَبِ التَّسَرِّي بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، وَبِإِذْنِهِ قَوْلَانِ، كَتَبَرُّعِهِ. وَقِيلَ: إِنْ حَرَّمْنَا التَّسَرِّيَ عَلَى الْعَبْدِ، فَالْمُكَاتَبُ أَوْلَى، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 1384
بَابُ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ [وَتَحَالُفِهِمَا]
إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، أَوْ جِنْسِهِ، أَوْ صِفَتِهِ، أَوْ شَرْطِ الْخِيَارِ أَوِ الْأَجَلِ، أَوْ قَدْرِهِمَا، أَوْ فِي شَرْطِ الرَّهْنِ أَوِ الْكَفِيلِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَقْدٍ صَحِيحٍ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، قُضِيَ بِهَا. فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ وَقُلْنَا بِالتَّسَاقُطِ، فَكَأَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ، وَإِلَّا، تَوَقَّفْنَا إِلَى ظُهُورِ الْحَالِ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ تَحَالَفَا، سَوَاءٌ كَانَتِ السِّلْعَةُ بَاقِيَةً أَوْ تَالِفَةً، وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ أَوْ وَرَثَتُهُمَا، وَكَذَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمَبِيعِ، فَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُكَ الْعَبْدَ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: بِعْتَنِيهِ مَعَ الْجَارِيَةِ بِأَلْفَيْنِ، تَحَالَفَا. فَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُكَ الْعَبْدَ، فَقَالَ: بَلِ الْجَارِيَةَ، وَاتَّفَقَا عَلَى الثَّمَنِ، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا، تَحَالَفَا. وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَتَحَالَفَانِ، قَالَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ. وَالثَّانِي: لَا، قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ، وَصَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» . فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَحَالُفَ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى نَفْيِ مَا ادَّعَى عَلَيْهِ فَقَطْ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِيَمِينَيْهِمَا فَسْخٌ وَلَا انْفِسَاخٌ. وَلَوْ كَانَتْ بِحَالِهَا وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً تُوَافِقُهُ، سُلِّمَتِ الْجَارِيَةُ لِلْمُشْتَرِي. وَأَمَّا الْعَبْدُ، فَقَدْ أَقَرَّ الْبَائِعُ بِبَيْعِهِ، وَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، أُقِرَّ عِنْدَهُ. وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْبَائِعِ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يُسَلَّمُ إِلَى الْمُشْتَرِي وَيُجْبَرُ عَلَى قَبُولِهِ. وَالثَّانِي: لَا يُجْبَرُ، بَلْ يَقْبِضُهُ الْحَاكِمُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ كَسْبِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ، وَرَأَى الْحَظَّ فِي بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ، فَعَلَ.
стр. 1385
فَرْعٌ
يَجْرِي التَّحَالُفُ فِي جَمِيعِ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، كَالسَّلَمِ، وَالْإِجَارَةِ وَالْقِرَاضِ، وَالْمُسَاقَاةِ، وَالْجَعَالَةِ، وَالصُّلْحِ عَنِ الدَّمِ، وَالْكِتَابَةِ. ثُمَّ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ يُفْسَخُ الْعَقْدُ بَعْدَ التَّحَالُفِ، أَوْ يَنْفَسِخُ وَيَتَرَادَّانِ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِي الصُّلْحِ عَنِ الدَّمِ، لَا يَعُودُ اسْتِحْقَاقُهُ، بَلْ أَثَرُ التَّحَالُفِ الرُّجُوعُ إِلَى الدِّيَةِ، وَكَذَا لَا يَرْجِعُ الْبِضْعُ، بَلْ فِي النِّكَاحِ تَرْجِعُ الْمَرْأَةُ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ. وَفِي الْخُلْعِ يَرْجِعُ إِلَيْهِ الزَّوْجُ.
قَالَ الْإِمَامُ: إِنْ قِيلَ: أَيُّ مَعْنَى لِلتَّحَالُفِ فِي الْقِرَاضِ، مَعَ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ فَسْخَهُ بِكُلِّ حَالٍ، وَقَدْ مَنَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ التَّحَالُفَ فِي الْبَيْعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، لِإِمْكَانِ الْفَسْخِ بِالْخِيَارِ؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّحَالُفَ مَا وُضِعَ لِلْفَسْخِ، بَلْ عُرِضَتِ الْأَيْمَانُ رَجَاءَ أَنْ يَنْكِلَ الْكَاذِبُ، فَيُقَرَّرُ الْعَقْدُ بِيَمِينِ الصَّادِقِ. فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ وَأَصَرَّا، فُسِخَ الْعَقْدُ لِلضَّرُورَةِ. وَنَازَعَ الْقَاضِيَ فِيمَا ذَكَرَهُ، ثُمَّ مَالَ إِلَى مُوَافَقَتِهِ، وَرَأَى فِي الْقِرَاضِ أَنْ يُفَصَّلَ فَيُقَالَ: التَّحَالُفُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ لَا مَعْنًى لَهُ، وَبَعْدَهُ يَؤُولُ النِّزَاعُ إِلَى مَقْصُودٍ مِنْ رِبْحٍ أَوْ أُجْرَةِ مِثْلٍ، فَيَتَحَالَفَانِ وَالْجِعَالَةُ كَالْقِرَاضِ.
فَرْعٌ
لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا بِأَلْفٍ، فَقَالَ: بَلْ وَهَبْتَنِيهِ، فَلَا تَحَالُفَ إِذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى عَقْدٍ، بَلْ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى نَفْيِ مَا يُدَّعَى عَلَيْهِ. فَإِذَا حَلَفَا، لَزِمَ مُدَّعِيَ الْهِبَةِ رَدُّهُ بِزَوَائِدِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَفِي قَوْلٍ: الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْهِبَةِ. وَشَذَّ صَاحِبُ
стр. 1386
«التَّتِمَّةِ» فَحَكَى وَجْهًا: أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ الصَّحِيحُ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَهُ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: وَهَبْتَنِيهِ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى نَفْيِ مَا ادُّعِيَ عَلَيْهِ، وَرَدَّ الْأَلْفَ، وَاسْتَرَدَّ الْعَيْنَ. وَلَوْ قَالَ: وَهَبْتَكَهُ بِأَلْفٍ اسْتَقْرَضْتَهُ، فَقَالَ: بَلْ بِعْتَنِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَرُدُّ الْأَلْفَ، وَلَا يَمِينَ عَلَى الْآخَرِ، وَلَا يَكُونُ رَهْنًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَّعِيهِ.
فَصْلٌ
وَإِنِ اخْتَلَفَا مِنْ غَيْرِ اتِّفَاقٍ عَلَى عَقْدٍ صَحِيحٍ، بِأَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَالْآخَرُ فَسَادَهُ. مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُكَ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: بَلْ بِأَلْفٍ وَزِقِّ خَمْرٍ، أَوْ قَالَ: شَرَطْنَا شَرْطًا مُفْسِدًا، فَأَنْكَرَ، فَلَا تَحَالُفَ. وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الصِّحَّةَ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ. كَمَا لَوْ قَالَ: هَذَا الَّذِي بِعْتَنِيهِ حُرُّ الْأَصْلِ، فَقَالَ: بَلْ هُوَ مَمْلُوكٌ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ. وَالثَّانِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْآخَرِ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: بَلْ بِخَمْرٍ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَقِيلَ: يُقْطَعُ بِالْفَسَادِ، فَإِذَا قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الصِّحَّةَ، فَقَالَ: بِعْتُكَ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: بَلْ بِخَمْسِمِائَةٍ وَزِقِّ خَمْرٍ، وَحَلَفَ الْبَائِعُ عَلَى نَفْيِ سَبَبِ الْفَسَادِ، صُدِّقَ، وَبَقِيَ النِّزَاعُ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، فَيَتَحَالَفَانِ.
فَصْلٌ
لَوِ اشْتَرَى شَيْئًا، فَقَبَضَهُ، ثُمَّ جَاءَ بِمَعِيبٍ لِيَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ، فَقَالَ الْبَائِعُ: لَيْسَ هَذَا هُوَ الَّذِي سَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ. فَلَوْ كَانَ
стр. 1387
ذَلِكَ فِي السَّلَمِ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي سَلَّمْتُ إِلَيْكَ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ، كَمَا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ. وَأَصَحُّهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ ; لِأَنَّ اشْتِغَالَ الذِّمَّةِ بِمَالِ السَّلَمِ مَعْلُومٌ، وَالْبَرَاءَةَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَيُخَالِفُ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى قَبْضِ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ الشِّرَاءُ، وَتَنَازَعَا فِي سَبَبِ الْفَسْخِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْعَقْدِ. وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي الثَّمَنِ فِي الذِّمَّةِ، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الدَّافِعِ أَمِ الْقَابِضِ؟ وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ وَجْهٌ ثَالِثٌ، يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَبْضِ وَمَا لَا يَمْنَعُ. فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ دَرَاهِمَ فِي الذِّمَّةِ، وَكَانَ مَا أَرَادَ الْبَائِعُ رَدَّهُ زُيُوفًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، لِإِنْكَارِهِ أَصْلَ الْقَبْضِ الصَّحِيحِ. وَإِنْ كَانَتْ وَرِقًا رَدِيئَةَ النَّوْعِ، لِخُشُونَةٍ، أَوِ اضْطِرَابِ سَكَّةٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. وَلَا يَخْفَى مِثْلُ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ. وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا، فَهُوَ كَالْمَبِيعِ، فَإِذَا وَقَعَ فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ. قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : لَكِنْ لَوْ كَانَ الْمُعَيَّنُ نُحَاسًا لَا قِيمَةَ لَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّادِّ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا صِحَّةَ الْعَقْدِ، وَالْآخَرُ فَسَادَهُ.
فَرْعٌ
اشْتَرَى طَعَامًا كَيْلًا، وَقَبَضَهُ بِالْكَيْلِ، أَوْ وَزْنًا، وَقَبَضَهُ بِالْوَزْنِ، أَوْ أَسْلَمَ فِيهِ وَقَبَضَهُ، ثُمَّ جَاءَ وَادَّعَى نَقْصًا، فَإِنْ كَانَ قَدْرًا يَنْفَعُ مِثْلُهُ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ قُبِلَ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى الْأَظْهَرِ.
فَرْعٌ
اخْتَلَفَا فِي الْقَبْضِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي.
стр. 1388
فَرْعٌ
بَاعَ عَصِيرًا وَأَقْبَضَهُ، وَوُجِدَ خَمْرًا، فَقَالَ الْبَائِعُ: تَخَمَّرَ فِي يَدِكَ، فَقَالَ: بَلْ سَلَّمْتَهُ خَمْرًا، فَيَكُونُ الْقَبْضُ فَاسِدًا، وَأَمْكَنَ صِدْقُهُمَا، فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ؟ قَوْلَانِ.
قُلْتُ: أَظْهَرُهُمَا تَصْدِيقُ الْبَائِعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: كَانَ خَمْرًا عِنْدَ الْبَيْعِ، فَهَذَا يَدَّعِي فَسَادَ الْعَقْدِ، وَالْآخَرُ يَدَّعِي صِحَّتَهُ، وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ. وَعَلَى هَذَا يُقَاسُ مَا لَوِ اشْتَرَى لَبَنًا، فَأَخَذَهُ الْمُشْتَرِي فِي ظَرْفٍ، ثُمَّ وُجِدَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ مَيِّتَةٌ، وَتَنَازَعَا فِي نَجَاسَتِهِ عِنْدَ الْبَيْعِ، أَوْ عِنْدَ الْقَبْضِ.
فَرْعٌ
قَالَ بِعْتَنِيهِ بِشَرْطِ أَنَّهُ كَاتِبٌ، وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ الشَّرْطَ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يَتَحَالَفَانِ، كَاخْتِلَافِهِمَا فِي الْأَجَلِ. وَالثَّانِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، كَاخْتِلَافِهِمَا فِي الْعَيْبِ. وَلَوْ كَانَ الثَّمَنُ مُؤَجَّلًا، فَاخْتَلَفَا فِي انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ.
فَصْلٌ
فِي كَيْفِيَّةِ التَّحَالُفِ
قَاعِدَتُهُ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى إِثْبَاتِ قَوْلِهِ وَنَفْيِ قَوْلِ صَاحِبِهِ. وَفِيمَنْ يُبْدَأُ بِيَمِينِهِ؟ طَرِيقَانِ.
أَحَدُهُمَا: الْبَائِعُ. وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ. أَظْهَرُهَا: الْبَائِعُ. وَالثَّانِي: الْمُشْتَرِي. وَالثَّالِثُ: يَتَسَاوَيَانِ. وَعَلَى هَذَا وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا:
стр. 1389
يَتَخَيَّرُ الْحَاكِمُ فَيَبْدَأُ بِمَنِ اتَّفَقَ. وَالثَّانِي: يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا. وَلَوْ تَحَالَفَ الزَّوْجَانِ فِي الصَّدَاقِ، فَعَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ يَبْدَأُ بِالزَّوْجِ. وَعَلَى الثَّانِي: إِنْ قَدَّمْنَا الْبَائِعَ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا وَأَقْرَبُهُمَا إِلَى النَّصِّ: يَبْدَأُ بِالزَّوْجِ. وَالثَّانِي: بِالْمَرْأَةِ. وَإِنْ قَدَّمْنَا الْمُشْتَرِيَ، فَالْقِيَاسُ انْعِكَاسُ الْوَجْهَيْنِ. وَلَا يَخْفَى مَنْ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْبَائِعِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ. ثُمَّ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الِاشْتِرَاطِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَصَاحِبَا «التَّتِمَّةِ» وَ «التَّهْذِيبِ» . وَتَقْدِيمُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مَخْصُوصٌ بِمَا إِذَا بَاعَ عَرَضًا بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ. فَأَمَّا إِذَا تَبَادَلَا عَرَضًا بِعَرَضٍ، فَلَا يَتَّجِهُ إِلَّا التَّسْوِيَةُ. قَالَهُ الْإِمَامُ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ مَاذَا؟
فَرْعٌ
الْمَذْهَبُ وَظَاهِرُ النَّصِّ: الِاكْتِفَاءُ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ - مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ - تَجْمَعُ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ، فَيَقُولُ الْبَائِعُ: مَا بِعْتُ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَإِنَّمَا بِعْتُ بِأَلْفٍ. وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: مَا اشْتَرَيْتُ بِأَلْفٍ، وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتُ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَفِيهِ قَوْلٌ ضَعِيفٌ مُخَرَّجٌ: أَنَّهُ يَحْلِفُ أَوَّلًا عَلَى مُجَرَّدِ النَّفْيِ. فَإِنِ اكْتَفَيْنَا بِيَمِينٍ تَجْمَعُ النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ، فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَنَكَلَ الْآخَرُ، قُضِيَ لِلْحَالِفِ، سَوَاءٌ نَكَلَ عَنِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ مَعًا، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا. وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ النَّفْيُ عَلَى الْإِثْبَاتِ ; لِأَنَّ النَّفْيَ هُوَ الْأَصْلُ. وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: يُقَدَّمُ الْإِثْبَاتُ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الِاسْتِحْبَابِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: فِي الِاسْتِحْقَاقِ. فَإِذَا قُلْنَا بِالْمُخَرَّجِ: إِنَّهُ يَحْلِفُ أَوَّلًا عَلَى مُجَرَّدِ النَّفْيِ، فَأَضَافَ إِلَيْهِ الْإِثْبَاتَ كَانَ لَغْوًا. فَإِذَا حَلَفَ مَنِ ابْتُدِئَ بِهِ، عَرَضْنَا الْيَمِينَ عَلَى الْآخَرِ. فَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الْأَوَّلُ يَمِينًا ثَانِيَةً عَلَى الْإِثْبَاتِ، وَقُضِيَ لَهُ، وَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْإِثْبَاتِ، لَمْ يُقْضَ لَهُ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَيَكُونُ كَمَا لَوْ تَحَالَفَا ; لَأَنَّ نُكُولَ الْمَرْدُودِ عَلَيْهِ عَنْ يَمِينِ الرَّدِّ، نَازِلٌ فِي الدَّعَاوَى
стр. 1390
مَنْزِلَةَ حَلِفِ النَّاكِلِ أَوَّلًا. وَلَوْ نَكَلَ الْأَوَّلُ عَنْ يَمِينِ النَّفْيِ أَوَّلًا، حَلَفَ الْآخَرُ عَلَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَقُضِيَ لَهُ. وَلَوْ حَلَفَا عَلَى النَّفْيِ فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: يَكْفِي ذَلِكَ، وَلَا حَاجَةَ بَعْدَهُ إِلَى يَمِينِ الْإِثْبَاتِ ; لِأَنَّ الْمُحْوِجَ إِلَى الْفَسْخِ جَهَالَةُ الثَّمَنِ وَقَدْ حَصَلَتْ. وَالثَّانِي: تُعْرَضُ يَمِينُ الْإِثْبَاتِ عَلَيْهِمَا. فَإِنْ حَلَفَا تَمَّ التَّحَالُفُ. وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا، قُضِيَ لِلْحَالِفِ. وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْمُخَرَّجِ فِي تَقْدِيمِ النَّفْيِ أَوِ الْإِثْبَاتِ كَمَا ذَكَرْنَا عَلَى الْمَذْهَبِ. فَلَوْ نَكَلَا جَمِيعًا فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَتَحَالُفِهِمَا. وَالثَّانِي: يُوقَفُ الْأَمْرُ وَكَأَنَّهُمَا تَرَكَا الْخُصُومَةَ.
قُلْتُ: هَذَانِ الْوَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ احْتِمَالَيْنِ لِنَفْسِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ أَئِمَّةَ الْمَذْهَبِ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ أَنَّهُ رَأَى التَّوَقُّفَ لِبَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْبَسِيطِ» : لَهُ حُكْمُ التَّحَالُفِ عَلَى الظَّاهِرِ. وَالْأَصَحُّ: اخْتِيَارُ التَّوَقُّفِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
إِذَا تَحَالَفَا، فَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِمُجَرَّدِ التَّحَالُفِ. وَفِي وَجْهٍ: يَنْفَسِخُ، حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْفَارِسِيِّ، فَإِنْ قُلْنَا: يَنْفَسِخُ، فَتَصَادَقَا بَعْدَهُ، لَمْ يَعُدِ الْبَيْعُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ عَقْدٍ. وَهَلْ يَنْفَسِخُ فِي الْحَالِ، أَوْ نَتَبَيَّنُ ارْتِفَاعَهُ مَنْ أَصْلِهِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ لِنُفُوذِ تَصَرُّفَاتِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الِاخْتِلَافِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ دَعَاهُمَا الْحَاكِمُ بَعْدَ التَّحَالُفِ إِلَى الْمُوَافَقَةِ، فَإِنْ دَفَعَ الْمُشْتَرِي مَا طَلَبَهُ الْبَائِعُ، أُجْبِرَ عَلَيْهِ الْبَائِعُ، وَإِلَّا فَإِنْ قَنَعَ بِمَا قَالَهُ الْمُشْتَرِي فَذَاكَ، وَإِلَّا فَيُفْسَخُ الْعَقْدُ. وَفِي مَنْ يَفْسَخُ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: الْحَاكِمُ. وَأَصَحُّهُمَا لِلْعَاقِدَيْنِ أَيْضًا أَنْ يَفْسَخَا، وَلِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ كَالْفَسْخِ بِالْعَيْبِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَإِذَا قُلْنَا: الْحَاكِمُ هُوَ الَّذِي يَفْسَخُ، فَذَاكَ إِذَا اسْتَمَرَّا عَلَى النِّزَاعِ وَلَمْ يَفْسَخَا،
стр. 1391
أَوِ الْتَمَسَا الْفَسْخَ. أَمَّا إِذَا أَعْرَضَا عَنِ الْخُصُومَةِ، وَلَمْ يَتَّفِقَا عَلَى شَيْءٍ، وَلَا فَسَخَا، فَفِيهِ تَرَدُّدٌ. ثُمَّ إِذَا فُسِخَ الْعَقْدُ ارْتَفَعَ فِي الظَّاهِرِ. وَفِي ارْتِفَاعِهِ فِي الْبَاطِنِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الْبَائِعُ صَادِقًا ارْتَفَعَ؛ لِتَعَذُّرِ وُصُولِهِ إِلَى حَقِّهِ. كَمَا لَوْ فُسِخَ بِإِفْلَاسِهِ. وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَلَا؛ لِتَمَكُّنِهِ بِالصِّدْقِ مِنْ حَقِّهِ. وَهَلْ يَجْرِي مِثْلُ هَذَا الْخِلَافِ إِذَا قُلْنَا: يَنْفَسِخُ بِمُجَرَّدِ التَّحَالُفِ، أَمْ يُقْطَعُ بِالِارْتِفَاعِ بَاطِنًا؟ وَجْهَانِ. فَإِذَا قُلْنَا: يَرْتَفِعُ بَاطِنًا، تَرَادَّا، وَتَصَرَّفَ كُلُّ وَاحِدٍ فِيمَا عَادَ إِلَيْهِ. وَإِنْ مَنَعْنَاهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُمَا التَّصَرُّفُ، لَكِنْ إِنْ كَانَ الْبَائِعُ صَادِقًا، فَقَدْ ظَفَرَ بِمَالِ مَنْ ظَلَمَهُ، وَهُوَ الْمَبِيعُ الَّذِي اسْتَرَدَّهُ، فَلَهُ بَيْعُهُ بِالْحَاكِمِ عَلَى وَجْهٍ، وَبِنَفْسِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَسْتَوْفِي حَقَّهُ مِنْ ثَمَنِهِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنْ صَدَرَ الْفَسْخُ مِنَ الْمُحِقِّ، فَالْوَجْهُ تَنْفِيذُهُ بَاطِنًا. وَإِنْ صَدَرَ مِنَ الْمُبْطِلِ، فَالْوَجْهُ مَنْعُهُ. وَإِنْ صَدَرَ مِنْهُمَا، فَلَا شَكَّ فِي الِانْفِسَاخِ بَاطِنًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْضِعَ الْخِلَافِ، وَيَكُونُ كَمَا لَوْ تَقَابَلَا. وَإِذَا صَدَرَ مِنَ الْمُبْطِلِ، وَلَمْ يُنْفِذْهُ بَاطِنًا فَطَرِيقُ الصَّادِقِ إِنْشَاءُ الْفَسْخِ إِنْ أَرَادَ الْمِلْكَ فِيمَا عَادَ إِلَيْهِ. وَإِنْ صَدَرَ مِنَ الْقَاضِي فَالظَّاهِرُ: الِانْفِسَاخُ بَاطِنًا لِيَنْتَفِعَ بِهِ الْمُحِقُّ.
فَرْعٌ
إِذَا انْفَسَخَ الْبَيْعُ بِالتَّحَالُفِ أَوْ فُسِخَ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ رَدُّ الْمَبِيعِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا بِحَالِهِ، وَيَبْقَى لَهُ الْوَلَدُ وَالثَّمَرَةُ وَالْكَسْبُ وَالْمَهْرُ. وَإِنْ كَانَ تَالِفًا لَزِمَهُ قِيمَتُهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ أَكَثَرَ مِنَ الثَّمَنِ الَّذِي يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ، أَمْ لَا.
قُلْتُ: وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ لِابْنِ خَيْرَانَ: لَا يَسْتَحِقُّ الْبَائِعُ زِيَادَةً عَلَى مَا ادَّعَاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي الْقِيمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ أَوْجُهٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ: أَقْوَالٌ. أَصَحُّهَا: قِيمَةُ يَوْمِ التَّلَفِ. وَالثَّانِي: يَوْمَ الْقَبْضِ. وَالثَّالِثُ: أَقَلُّهَا. وَالرَّابِعُ: أَكْثَرُ الْقِيَمِ مِنَ الْقَبْضِ إِلَى
стр. 1392
التَّلَفِ. وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ، فَتَلَفَ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ اخْتَلَفَا وَتَحَالَفَا، فَهَلْ يُرَدُّ الْعَبْدُ الْبَاقِي؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي مِثْلِهِ إِذَا وُجِدَ الْبَاقِي مَعِيبًا. إِنْ قُلْنَا: يُرَدُّ، فَيَضُمُّ قِيمَةَ التَّالِفِ إِلَيْهِ. وَفِي الْقِيمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ هَذِهِ الْأَوْجُهُ. وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ بَاقِيًا، لَكِنْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ، رَدَّهُ مَعَ الْأَرْشِ، وَهُوَ قَدْرُ مَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ ; لِأَنَّ الْكُلَّ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ الْقِيمَةِ، فَبَعْضُهُ بِبَعْضِهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْبَائِعِ، وَاقْتَضَى الْحَالُ الْأَرْشَ، يَجِبُ جُزْءٌ مِنَ الثَّمَنِ ; لِأَنَّ الْكُلَّ مَضْمُونٌ عَلَى الْبَائِعِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، فَبَعْضُهُ بِبَعْضِهِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: هَذَا أَصْلٌ مُطَّرِدٌ فِي الْمَسَائِلِ: أَنَّ مَا ضُمِنَ كُلُّهُ بِالْقِيمَةِ، فَبَعْضُهُ بِبَعْضِهَا كَالْمَغْصُوبِ وَغَيْرِهِ، إِلَّا فِي صُورَةٍ، وَهِيَ لَوْ عَجَّلَ زَكَاةَ مَالِهِ، فَتَلَفَ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَكَانَ مَا عَجَّلَهُ تَالِفًا، يَغْرُمُ الْقَابِضُ الْقِيمَةَ. وَلَوْ كَانَ مَعِيبًا، فَفِي الْأَرْشِ وَجْهَانِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الزَّكَاةِ وَمَيْلَ الشَّيْخِ إِلَى طَرْدِ الْأَصْلِ فِيهَا.
ثُمَّ التَّلَفُ قَدْ يَكُونُ حُكْمِيًّا، بِأَنْ وَقَفَ الْمَبِيعَ، أَوْ أَعْتَقَهُ، أَوْ بَاعَهُ، أَوْ وَهَبَهُ وَأَقْبَضَهُ، فَتَجِبُ الْقِيمَةُ، وَهَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ مَاضِيَةٌ عَلَى الصِّحَّةِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ الْفَارِسِيُّ: نَتَبَيَّنُ بِالتَّحَالُفِ فَسَادَهَا، وَتُرَدُّ الْعَيْنُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
وَالتَّعَيُّبُ أَيْضًا قَدْ يَكُونُ حَقِيقِيًّا، وَقَدْ يَكُونُ حُكْمِيًّا، بِأَنْ زَوَّجَ الْأَمَةَ، فَعَلَيْهِ مَا بَيْنَ قِيمَتِهَا مُزَوَّجَةً وَخَلِيَّةً، وَتَعُودُ إِلَى الْبَائِعِ، وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ. وَعَنِ الْفَارِسِيِّ: أَنَّهُ يَبْطُلُ النِّكَاحُ. وَمَهْمَا اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ أَوِ الْأَرْشِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ قَدْ أَبَقَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي حِينَ تَحَالَفَا، لَمْ يَمْتَنِعِ الْفَسْخُ، فَإِنَّ الْإِبَاقَ لَا يَزِيدُ عَلَى التَّلَفِ، وَيَغْرُمُ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهُ، لِتَعَذُّرِ حُصُولِهِ. وَكَذَا لَوْ كَاتَبَهُ كِتَابَةً صَحِيحَةً. وَإِنْ رَهَنَهُ فَالْبَائِعُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ صَبَرَ إِلَى فِكَاكِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الْقِيمَةَ. وَإِنْ آجَرَهُ، بُنِيَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُسْتَأْجَرِ. إِنْ مَنَعْنَاهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ رَهَنَهُ، وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فَلِلْبَائِعِ أَخْذُهُ، لَكِنَّهُ يُتْرَكُ عِنْدَ الْمُسْتَأْجِرِ إِلَى انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ، وَالْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ لِلْمُشْتَرِي، وَعَلَيْهِ لِلْبَائِعِ أُجْرَةُ
стр. 1393
الْمِثْلِ لِلْمُدَّةِ الْبَاقِيَةِ. وَإِنْ كَانَ آجَرَهُ لِلْبَائِعِ، فَلَهُ أَخْذُهُ قَطْعًا.
وَفِي انْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ وَجْهَانِ، كَمَا لَوْ بَاعَ الدَّارَ لِمُسْتَأْجِرِهَا. إِنْ قُلْنَا: لَا تَنْفَسِخُ، فَعَلَى الْبَائِعِ الْأُجْرَةُ الْمُسَمَّاةُ لِلْمُشْتَرِي، وَعَلَى الْمُشْتَرِي أُجْرَةُ مِثْلِ الْمُدَّةِ الْبَاقِيَةِ لِلْبَائِعِ. وَإِذَا غَرِمَ الْقِيمَةَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، ثُمَّ ارْتَفَعَ السَّبَبُ الْحَائِلُ، وَأَمْكَنَ الرَّدُّ، فَهَلْ يَرُدُّ الْعَيْنَ وَيَسْتَرِدُّ الْقِيمَةَ؟ يُبْنَى ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَبْلَ ارْتِفَاعِ الْحَائِلِ مِلْكٌ لِمَنْ؟ أَمَّا الْآبِقُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِلْكٌ لِلْمُشْتَرِي، وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ الْفَسْخُ، كَمَا لَا يُبَاعُ، وَإِنَّمَا هُوَ وَارِدٌ عَلَى الْقِيمَةِ.
وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ فِي إِبَاقِهِ مِلْكُ الْبَائِعِ، وَالْفَسْخُ وَارِدٌ عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا وَجَبَتِ الْقِيمَةُ لِلْحَيْلُولَةِ. وَأَمَّا الْمَرْهُونُ وَالْمُكَاتَبُ، فَفِيهِمَا طَرِيقَانِ
أَحَدُهُمَا: طَرْدُ الْوَجْهَيْنِ، وَأَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِبَقَاءِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي، وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ.
كَمَا إِذَا أَفْلَسَ وَالْمَبِيعُ آبِقٌ، يَجُوزُ لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ وَالرُّجُوعُ إِلَيْهِ. وَلَوْ كَانَ مُكَاتَبًا أَوْ مَرْهُونًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْمُسْتَأْجَرُ، فَإِنْ مَنَعْنَا بَيْعَهُ، فَهَلْ هُوَ كَالْمَرْهُونِ، أَمْ كَالْآبِقِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ. فَإِنْ قُلْنَا بِبَقَاءِ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي، فَالْفَسْخُ وَارِدٌ عَلَى الْقِيمَةِ كَمَا لَوْ تَلَفَ، فَلَا رَدَّ وَلَا اسْتِرْدَادَ. وَإِنْ قُلْنَا بِانْقِلَابِهِ إِلَى الْبَائِعِ، ثَبَتَ الرَّدُّ وَالِاسْتِرْدَادُ عِنْدَ زَوَالِ الْحَيْلُولَةِ.
فَصْلٌ
لَوِ اخْتَلَفَا، ثُمَّ حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ التَّحَالُفِ أَوْ قَبْلَهُ بِحُرِّيَّةِ الْعَبْدِ لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ، لَمْ يَعْتِقْ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْمُشْتَرِي وَهُوَ صَادِقٌ بِزَعْمِهِ، فَإِنْ عَادَ الْعَبْدُ إِلَى الْبَائِعِ بِالْفَسْخِ أَوْ بِغَيْرِهِ، عَتَقَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ كَاذِبٌ بِزَعْمِهِ، فَهُوَ كَمَنْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّتِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ. وَلَا يَعْتِقُ فِي الْبَاطِنِ إِنْ كَانَ الْبَائِعُ كَاذِبًا، وَيَعْتِقُ عَلَى الْمُشْتَرِي إِنْ كَانَ صَادِقًا. وَوَلَاءُ هَذَا الْعَبْدِ مَوْقُوفٌ لَا يَدَّعِيهِ الْبَائِعُ وَلَا الْمُشْتَرِي. وَلَوْ صَدَّقَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ، حُكِمَ بِعِتْقِهِ عَلَيْهِ، وَيُرَدُّ الْفَسْخُ إِنْ تَفَاسَخَا.
стр. 1394
كَمَا لَوْ رَدَّ الْعَبْدَ بِعَيْبٍ ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ أَعْتَقْتُهُ، يُرَدُّ الْفَسْخُ وَيُحْكَمُ بِعِتْقِهِ. فَلَوْ صَدَّقَ الْبَائِعُ الْمُشْتَرِيَ، نُظِرَ، إِنْ حَلَفَ الْبَائِعُ بِالْحُرِّيَّةِ أَوَّلًا، ثُمَّ الْمُشْتَرِي، فَإِذَا صَدَّقَهُ الْبَائِعُ بَعْدَ يَمِينِهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ، لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَذِّبِ الْمُشْتَرِيَ بَعْدَمَا حَلَفَ بِالْحُرِّيَّةِ حَتَّى يُجْعَلَ مُقِرًّا بِعِتْقِهِ. وَإِنْ حَلَفَ الْمُشْتَرِي بِحُرِّيَّتِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ حَلَفَ الْبَائِعُ، وَصَدَّقَهُ، عَتَقَ إِذَا عَادَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّ حَلِفَهُ بَعْدَ حَلِفِ الْمُشْتَرِي تَكْذِيبٌ لَهُ وَاعْتِرَافٌ بِالْحُرِّيَّةِ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَكِنَّ الْمَبِيعَ بَعْضُ الْعَبْدِ، فَإِذَا عَادَ إِلَى مِلْكِ الْبَائِعِ، عَتَقَ ذَلِكَ الْقَدْرُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُقَوَّمْ عَلَيْهِ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعِ الْعِتْقُ بِمُبَاشَرَتِهِ.
فَصْلٌ
لَوْ جَرَى الْعَقْدُ بَيْنَ وَكِيلَيْنِ، فَفِي تَحَالُفِهِمَا وَجْهَانِ ; لَأَنَّ فَائِدَةَ الْيَمِينِ الْإِقْرَارُ، وَإِقْرَارُ الْوَكِيلِ لَا يُقْبَلُ.
قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ التَّحَالُفَ. وَفَائِدَتُهُ الْفَسْخُ، أَوْ أَنْ يَنْكِلَ أَحَدُهُمَا، فَيَحْلِفَ الْآخَرُ، وَيُقْضَى لَهُ إِذَا قُلْنَا: حَلِفُهُ مَعَ النُّكُولِ كَالْبَيِّنَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً، فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي، ثُمَّ اخْتَلَفَا وَتَحَالَفَا، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مَعَ رَدِّهَا. وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا رَدَّهَا مَعَ أَرْشِ الْبَكَارَةِ؛ لِأَنَّهُ نُقْصَانُ جُزْءٍ. وَلَوْ تَرَافَعَ الْمُتَنَازِعَانِ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَلَمْ يَتَحَالَفَا بَعْدُ، فَهَلْ لِلْمُشْتَرِي وَطْءُ الْمَبِيعَةِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِبَقَاءِ مِلْكِهِ. وَفِي جَوَازِهِ بَعْدَ التَّحَالُفِ وَقَبْلَ الْفَسْخِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ.
стр. 1395
فَصْلٌ
لَوْ تَقَايَلَا، أَوْ رَدَّ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بَعْدَ قَبْضِ الْبَائِعِ الثَّمَنَ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ.
قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْتُكَ الشَّجَرَةَ بَعْدَ التَّأْبِيرِ، فَالثَّمَرَةُ لِي، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَلْ قَبْلَهُ فَلِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ. وَلَوِ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ، فَتَلَفَ أَحَدُهُمَا، وَوَجَدَ بِالْآخَرِ عَيْبًا فَرَدَّهُ، وَقُلْنَا: يَجُوزُ رَدُّ أَحَدِهِمَا، فَاخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ التَّالِفِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ عَلَى الْأَظْهَرِ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الثَّمَنَ، فَلَا يُزَالُ مِلْكُهُ إِلَّا عَمَّا يُقِرُّ بِهِ، وَالثَّانِي: قَوْلُ الْمُشْتَرِي كَالْغَارِمِ. وَذَكَرَ فِي «التَّتِمَّةِ» وَجْهًا: أَنَّهُمَا إِذَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْبَيْعِ، لَا يَتَحَالَفَانِ، بَلِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ ; لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمَشْرُوطَةَ تُلْحِقُهُ بِالْعَيْبِ، فَصَارَ كَدَعْوَاهُ عَيْبًا. وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي وَقْتِ وُجُودِ الْعَيْبِ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْبَائِعِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ كَمَا سَبَقَ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، حُكِيَ عَنْ نَصِّهِ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْبَائِعِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِي السَّلَمِ ; لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي السَّلَمِ حَقُّ الْبَائِعِ، فَإِذَا ادَّعَى [الْمُسْلِمُ] انْقِضَاءَهُ، فَقَدِ ادَّعَى اسْتِحْقَاقَ مُطَالَبَةٍ، وَالْبَائِعُ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ يُنْكِرُهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَلِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي انْقِضَاءِ الْأَجَلِ مَعَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى قَدْرِهِ، اخْتِلَافٌ فِي تَارِيخِ الْعَقْدِ، فَكَانَ الْمُسْلِمُ يَدَّعِي وُقُوعَهُ فِي شَهْرٍ، وَالْمُسْلَمُ إِلَيْهِ يُنْكِرُهُ. فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْعَقْدِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مُنْكِرِهِ، فَكَذَا هُنَا. وَأَمَّا فِي بَابِ الشِّرَاءِ، الْأَجَلُ حَقُّ الْمُشْتَرِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَّتَيْنِ. فَلَوْ بَاعَ شَيْئًا وَمَاتَ، فَظَهَرَ أَنَّ الْمَبِيعَ كَانَ لِابْنِ الْمَيِّتِ، فَقَالَ الْمُشْتَرِي: بَاعَهُ عَلَيْكَ أَبُوكَ
стр. 1396
فِي صِغَرِكَ لِحَاجَةٍ، وَصَدَّقَهُ الِابْنُ أَنَّ الْأَبَ بَاعَهُ فِي صِغَرِهِ، لَكِنْ قَالَ: لَمْ يَبِعْهُ عَلَيَّ، بَلْ بَاعَهُ لِنَفْسِهِ مُتَعَدِّيًا، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْفَتَاوَى: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي ; لِأَنَّ الْأَبَ نَائِبُ الشَّرْعِ، فَلَا يُتَّهَمُ إِلَّا بِحُجَّةٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ مِنْ وَكِيلِكَ، فَقَالَ: هُوَ وَكِيلِي، وَلَكِنْ بَاعَ لِنَفْسِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 1397
كِتَابُ السَّلَمِ
يُقَالُ: السَّلَمُ وَالسَّلَفُ، وَلَفْظَةُ السَّلَفِ تُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْقَرْضِ، وَيَشْتَرِكُ السَّلَمُ وَالْقَرْضُ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِثْبَاتُ مَالٍ فِي الذِّمَّةِ بِمَبْذُولٍ فِي الْحَالِ، وَذَكَرُوا فِي تَفْسِيرِ السَّلَمِ عِبَارَاتٍ مُتَقَارِبَةً. مِنْهَا: أَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ بِبَدَلٍ يُعْطَى عَاجِلًا. وَقِيلَ: إِسْلَامُ عِوَضٍ حَاضَرٍ فِي مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ. وَقِيلَ: إِسْلَافٌ عَاجِلٌ فِي عِوَضٍ لَا يَجِبُ تَعْجِيلُهُ. ثُمَّ السَّلَمُ: بَيْعٌ، كَمَا سَبَقَ، وَيَخْتَصُّ بِشُرُوطٍ:
الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: تَسْلِيمُ رَأْسِ الْمَالِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ. فَلَوْ تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِهِ، بَطَلَ الْعَقْدُ. وَلَوْ تَفَرَّقَا قَبْلَ قَبْضِ بَعْضِهِ، بَطَلَ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ، وَسَقَطَ بِقِسْطِهِ مِنَ الْمُسْلَمِ فِيهِ. وَالْحُكْمُ فِي الْمَقْبُوضِ، كَمَنِ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ فَتَلِفَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ. وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ رَأْسِ الْمَالِ عِنْدَ الْعَقْدِ، بَلْ لَوْ قَالَ: أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ دَيْنَارًا فِي ذِمَّتِي فِي كَذَا، ثُمَّ عُيِّنَ وَسُلِّمَ فِي الْمَجْلِسِ جَازَ، وَكَذَلِكَ فِي الصَّرْفِ لَوْ بَاعَ دَيْنَارًا بِدَيْنَارٍ، أَوْ بِدَرَاهِمَ فِي الذِّمَّةِ، عُيِّنَ وَسُلِّمَ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَوْ بَاعَ طَعَامًا بِطَعَامٍ فِي الذِّمَّةِ، ثُمَّ عُيِّنَ وَسُلِّمَ فِي الْمَجْلِسِ فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ: الْجَوَازُ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ فِيهِ يَطُولُ بِخِلَافِ الصَّرْفِ. فَلَوْ قَبَضَ رَأْسَ الْمَالِ ثُمَّ أَوْدَعَهُ عِنْدَ الْمُسْلَمِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ جَازَ. وَلَوْ رَدَّهُ إِلَيْهِ عَنْ دَيْنٍ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الرُّويَانِيُّ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفٌ قَبْلَ انْبِرَامِ مِلْكِهِ. فَإِذَا تَفَرَّقَا، فَعَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَصِحُّ السَّلَمُ لِحُصُولِ الْقَبْضِ وَانْبِرَامِ الْمِلْكِ، وَيَسْتَأْنِفُ إِقْبَاضَهُ لِلدَّيْنِ. وَلَوْ كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ دَرَاهِمَ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ الدَّرَاهِمَ الَّتِي لِي فِي ذِمَّتِكَ فِي كَذَا، فَإِنْ أَسْلَمَ مُؤَجَّلًا أَوْ حَالًّا وَلَمْ يَقْبِضِ الْمُسْلَمَ فِيهِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، فَهُوَ
стр. 1398
بَاطِلٌ، وَكَذَا إِنْ أَحْضَرَهُ وَسَلَّمَهُ فِي الْمَجْلِسِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَأَطْلَقَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّ تَسْلِيمَ الْمُسْلَمِ فِيهِ فِي الْمَجْلِسِ وَهُوَ حَالٌّ هَلْ يُغْنِي عَنْ تَسْلِيمِ رَأْسِ الْمَالِ؟ وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ.
فَرْعٌ
لَا يَجُوزُ أَنْ يُحِيلَ الْمُسْلِمُ بِرَأْسِ الْمَالِ عَلَى رَجُلٍ، وَإِنْ قَبْضَهُ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَجْلِسِ. فَلَوْ قَالَ لِلْمُحَالِ عَلَيْهِ: سَلِّمْهُ إِلَيْهِ، فَفَعَلَ، لَمْ يَكْفِ لِصِحَّةِ السَّلَمِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَانَ فِي إِزَالَةِ مِلْكِهِ لَا يَصِيرُ وَكِيلًا لِغَيْرِهِ، لَكِنْ يَصِيرُ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ وَكِيلًا عَنِ الْمُسْلِمِ فِي قَبْضِ ذَلِكَ. ثُمَّ السَّلَمُ يَقْتَضِي قَبْضًا آخَرَ، وَلَا يَصِحُّ قَبْضُهُ مِنْ نَفْسِهِ. وَلَوْ أَحَالَ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ بِرَأْسِ الْمَالِ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَتَفَرَّقَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ بَطَلَ الْعَقْدُ وَإِنْ جَعَلْنَا الْحَوَالَةَ قَبْضًا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي السَّلَمِ الْقَبْضُ الْحَقِيقِيُّ. وَلَوْ أَحْضَرَ رَأْسَ الْمَالِ، فَقَالَ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ: سَلِّمْهُ إِلَيْهِ، فَفَعَلَ، صَحَّ، وَيَكُونُ الْمُحْتَالُ وَكِيلًا عَنِ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ فِي الْقَبْضِ.
فَرْعٌ
لَوْ كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ فِي الذِّمَّةِ، فَصَالَحَ عَنْهَا عَلَى الْمَالِ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ قَبَضَ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَمْ يَصِحَّ إِنْ لَمْ يُصَحَّحْ إِعْتَاقُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَوْ نُفِّذَ، لَكَانَ قَبْضًا حُكْمًا، وَلَا يَكْفِي ذَلِكَ فِي السَّلَمِ، فَإِنْ صَحَّحْنَا مُتَفَرِّقًا قَبْلَ قَبْضِهِ، بَطَلَ الْعَقْدُ. وَإِلَّا فَيَصِحُّ. وَفِي نُفُوذِ الْعِتْقِ وَجْهَانِ.
стр. 1399
فَرْعٌ
مَتَى فُسِخَ السَّلَمُ بِسَبَبٍ يَقْتَضِيهِ، وَكَانَ رَأْسُ الْمَالِ مُعَيَّنًا فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ وَهُوَ بَاقٍ، رَجَعَ الْمُشْتَرِيَ بِعَيْنِهِ. وَإِنْ كَانَ تَالِفًا، رَجَعَ إِلَى بَدَلِهِ، وَهُوَ الْمِثْلُ فِي الْمِثْلِيِّ، وَالْقِيمَةُ فِي غَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ مَوْصُوفًا فِي الذِّمَّةِ، وَعُيِّنَ فِي الْمَجْلِسِ وَهُوَ بَاقٍ، فَهَلْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِعَيْنِهِ، أَمْ لِلْمُسْلَمِ إِلَيْهِ الْإِبْدَالُ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
فَرْعٌ
لَوْ وَجَدْنَا رَأْسَ الْمَالِ فِي يَدِ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ: أَقْبَضْتُكَهُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَقَالَ: بَلْ قَبْلَهُ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً عَلَى قَوْلِهِ، فَبَيِّنَةُ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ أَوْلَى. حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ.
فَرْعٌ
إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ فِي الذِّمَّةِ، اشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ، وَذِكْرُ صِفَتِهِ أَيْضًا إِنْ كَانَ عِوَضًا. فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا وَهُوَ مِثْلِيٌّ، فَهَلْ تَكْفِي مُعَايَنَتُهُ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ صِفَتِهِ وَقَدْرِهِ، كَيْلًا فِي الْمَكِيلِ، وَوَزْنًا فِي الْمَوْزُونِ، وَذَرْعًا فِي الْمَذْرُوعِ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الْأَوَّلُ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ حَالًّا كَفَتْ قَطْعًا. وَالْمَذْهَبُ: طَرَدُ الْقَوْلَيْنِ فِيهِمَا. وَإِنْ كَانَ مُتَقَوِّمًا وَضُبِطَتْ صِفَاتُهُ بِالْمُعَايَنَةِ، فَفِي اشْتِرَاطِ مَعْرِفَةِ قِيمَتِهِ طَرِيقَانِ. قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ بِعَدَمِ الِاشْتِرَاطِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقِيلَ: بِطَرَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَلَا فَرْقَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بَيْنَ السَّلَمِ الْحَالِّ وَالْمُؤَجَّلِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ فِي الْمُؤَجَّلِ، فَأَمَّا الْحَالُّ، فَتَكْفِي فِيهِ الْمُعَايِنَةُ قَطْعًا، كَمَا فِي الْبَيْعِ. ثُمَّ مَوْضِعُ الْقَوْلَيْنِ، إِذَا تَفَرَّقَا
стр. 1400
قَبْلَ الْعِلْمِ بِالْقَدْرِ وَالْقِيمَةِ. فَلَوْ عَلِمَا ثُمَّ تَفَرَّقَا، صَحَّ بِلَا خِلَافٍ. وَبَنَى كَثِيرٌ مِنَ الْأَصْحَابِ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ رَأْسُ الْمَالِ مَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ كَالْجَوْهَرَةِ؟ إِنْ قُلْنَا: بِالْأَظْهَرِ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَيْسَ هُوَ عَلَى هَذَا الْإِطْلَاقِ، بَلِ الْجَوْهَرَةُ الْمُثَمَّنَةُ إِذَا عَرَفَا قِيمَتَهَا وَبَالَغَا فِي وَصْفِهَا، وَجَبَ أَنْ يَجُوزَ جَعْلُهَا رَأْسَ مَالٍ؛ لِأَنَّ مَنْعَ السَّلَمِ فِيهِ سَبَبُهُ عِزَّةُ الْمَوْجُودِ، وَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ عُمُومِ الْوُجُودِ فِي رَأْسِ الْمَالِ. وَإِذَا جَوَّزْنَا السَّلَمَ وَرَأْسُ الْمَالِ جُزَافٌ، وَاتَّفَقَ فَسْخٌ، وَتَنَازَعَا فِي قَدْرِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ.
قُلْتُ: إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، حُمِلَ عَلَى غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ. فَلَوِ اسْتَوَتْ لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يُبَيَّنَ كَالثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الشَّرْطُ الثَّانِي: كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ دَيْنًا، فَلَوِ اسْتَعْمَلَ لَفْظَ السَّلَمِ فِي الْعَيْنِ فَقَالَ: أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ هَذَا الثَّوْبَ فِي هَذَا الْعَبْدِ، فَلَيْسَ هَذَا سَلَمًا. وَفِي انْعِقَادِهِ بَيْعًا قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا لِاخْتِلَالِ لَفْظِهِ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَهُ بِلَا ثَمَنٍ، أَوْ لَا ثَمَنَ لِي عَلَيْكَ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ، وَقَبَضَهُ، فَهَلْ يَكُونُ هِبَةً؟ فِيهِ مِثْلُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، وَهَلْ يَكُونُ الْمَقْبُولُ مَضْمُونًا؟ وَجْهَانِ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلثَّمَنِ أَصْلًا لَمْ يَكُنْ تَمْلِيكًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَالْمَقْبُوضُ مَضْمُونٌ. وَقِيلَ: فِيهِ الْوَجْهَانِ. وَلَوْ أَسْلَمَ بِلَفْظِ الشِّرَاءِ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ طَعَامًا أَوْ ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ، فَقَالَ: بِعْتُكَ انْعَقَدَ. وَهَلْ هُوَ سَلَمٌ اعْتِبَارًا بِالْمَعْنَى، أَمْ بَيْعٌ اعْتِبَارًا بِلَفْظِهِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. فَعَلَى هَذَا، لَا يَجِبُ تَسْلِيمُ الدَّرَاهِمِ فِي الْمَجْلِسِ، وَيَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ. وَفِي جَوَازِ الِاعْتِيَاضِ عَنِ الثَّوْبِ قَوْلَانِ، كَمَا فِي الثَّمَنِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِالْمَنْعِ. وَإِنْ قُلْنَا: الِاعْتِبَارُ بِالْمَعْنَى، وَجَبَ تَسْلِيمُ الدَّرَاهِمِ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ، وَلَمْ يَجُزِ الِاعْتِيَاضُ عَنِ الثَّوْبِ. وَلَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتُ
стр. 1401
ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا فِي ذِمَّتِكَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فِي ذِمَّتِي، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ سَلَمًا، وَجَبَ تَعْيِينُ الدَّرَاهِمِ وَتَسْلِيمُهَا فِي الْمَجْلِسِ. وَإِنْ قُلْنَا: بَيْعٌ لَمْ يَجِبْ.
فَصْلٌ
يَصِحُّ السَّلَمُ الْحَالُّ كَالْمُؤَجَّلِ. فَإِنْ صُرِّحَ بِحُلُولٍ أَوْ تَأْجِيلٍ فَذَاكَ، وَإِنْ أُطْلِقَ فَوَجْهَانِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: يَصِحُّ وَيَكُونُ حَالًّا. وَالثَّانِي لَا يَنْعَقِدُ. وَلَوْ أَطْلَقَا الْعَقْدَ ثُمَّ أَلْحَقَا بِهِ أَجَلًا فِي الْمَجْلِسِ، فَالنَّصُّ لُحُوقُهُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَيَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي سَائِرِ الْإِلْحَاقَاتِ. وَلَوْ صَرَّحَا بِالْأَجَلِ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ، ثُمَّ أَسْقَطَاهُ فِي الْمَجْلِسِ، سَقَطَ وَصَارَ الْعَقْدُ حَالًّا.
فَرْعٌ
الشَّرْطُ الْمُفْسِدُ لِلْعَقْدِ، إِذَا حَذَفَاهُ فِي الْمَجْلِسِ، هَلْ يَنْحَذِفُ وَيَنْقَلِبُ الْعَقْدُ صَحِيحًا؟ وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: لَا. وَفِي وَجْهٍ: لَوْ حَذَفَا الْأَجَلَ الْمَجْهُولَ فِي الْمَجْلِسِ، انْقَلَبَ الْعَقْدُ صَحِيحًا. وَاخْتَلَفُوا فِي جَرَيَانِ هَذَا الْوَجْهِ فِي سَائِرِ الْمُفْسِدَاتِ، كَالْخِيَارِ وَالرَّهْنِ الْفَاسِدَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. قَالَ الْإِمَامُ: الْأَصَحُّ تَخْصِيصُهُ بِالْأَجَلِ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ زَمَنَ الْخِيَارِ الْمَشْرُوطِ، هَلْ يَلْحَقُ بِالْمَجْلِسِ فِي حَذْفِ الْأَجَلِ الْمَجْهُولِ تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الضَّعِيفِ؟ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ.
فَصْلٌ
إِذَا أَسْلَمَ مُؤَجَّلًا، اشْتُرِطَ كَوْنُهُ مَعْلُومًا، فَلَا يَجُوزُ تَوْقِيتُهُ بِمَا يَخْتَلِفُ كَالْحَصَادِ، وَقُدُومِ الْحَاجِّ. وَلَوْ قَالَ: إِلَى الْعَطَاءِ لَمْ يَصِحَّ، إِنْ أَرَادَ وُصُولَهُ، فَإِنْ أَرَادَ وَقْتَ
стр. 1402
خُرُوجِهِ وَقَدْ عَيَّنَ السُّلْطَانُ لَهُ وَقْتًا جَازَ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: إِلَى وَقْتِ الْحَصَادِ، إِذْ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ. وَلَوْ قَالَ: إِلَى الشِّتَاءِ أَوِ الصَّيْفِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْوَقْتَ. وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ قَالَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يَجُوزُ التَّوْقِيتُ بِالْيَسَارِ.
فَرْعٌ
التَّوْقِيتُ بِشُهُورِ الْفُرْسِ وَالرُّومِ جَائِزٌ كَشُهُورِ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ، وَكَذَا التَّوْقِيتُ بِالنَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ جَائِزٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَفِي وَجْهٍ: لَا يَصِحُّ. قَالَ الْإِمَامُ: لِأَنَّهُمَا يُطْلَقَانِ عَلَى الْوَقْتَيْنِ اللَّذَيْنِ تَنْتَهِي الشَّمْسُ فِيهِمَا إِلَى أَوَائِلِ بُرْجَيِ الْحَمَلِ وَالْمِيزَانِ، وَقَدْ يَتَّفِقُ ذَلِكَ لَيْلًا، ثُمَّ يَنْحَبِسُ مَسِيرُ الشَّمْسِ كُلَّ سَنَّةٍ قَدْرَ رُبْعِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَلَوْ وَقَّتَ بِفِصْحِ النَّصَارَى، نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِظَاهِرِهِ اجْتِنَابًا لِمَوَاقِيتِ الْكُفَّارِ. وَقَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ: إِنِ اخْتَصَّ بِمَعْرِفَتِهِ الْكُفَّارُ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا اعْتِمَادَ عَلَى قَوْلِهِمْ، وَإِنْ عَرَفَهُ الْمُسْلِمُونَ، جَازَ كَالنَّيْرُوزِ. ثُمَّ اعْتَبَرَ جَمَاعَةٌ فِيهِمَا مَعْرِفَةَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ. وَقَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: يَكْفِي مَعْرِفَةُ النَّاسِ. وَسَوَاءٌ اعْتَبَرْنَا مَعْرِفَتَهُمَا أَمْ لَا. فَلَوْ عَرَفَا كَفَى عَلَى الصَّحِيحِ. وَفِي وَجْهٍ: يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ عَدْلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِوَاهُمَا ; لِأَنَّهُمَا قَدْ يَخْتَلِفَانِ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَرْجِعٍ. وَفِي مَعْنَى الْفِصْحِ سَائِرُ أَعْيَادِ أَهْلِ الْمِلَلِ، كَفَطِيرِ الْيَهُودِ وَنَحْوِهِ.
قُلْتُ: الْفِصْحُ، بِكَسْرِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَهُوَ عِيدٌ لَهُمْ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ لَفْظٌ عَرَبِيٌّ. وَالْفَطِيرُ، عِيدُ الْيَهُودِ لَيْسَ عَرَبِيًّا، وَقَدْ طَرَدَ صَاحِبُ الْحَاوِي الْوَجْهَ فِي الْفِصْحِ فِي شُهُورِ الْفُرْسِ وَشُهُورِ الرُّومِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَوْ وَقَّتَا بِنَفْرِ الْحَجِيجِ وَقَيَّدَا بِالْأَوَّلِ أَوِ الثَّانِي، جَازَ. وَإِنْ أَطْلَقَا فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ. وَالْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: صِحَّتُهُ، وَيُحْمَلُ عَلَى النَّفْرِ الْأَوَّلِ لِتَحَقُّقِ الِاسْمِ بِهِ
стр. 1403
وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي التَّوْقِيتِ بِشُهُورِ رَبِيعٍ، أَوْ جُمَادَى، أَوِ الْعِيدِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينِ السَّنَةِ إِذَا حَمَلْنَا الْمَذْكُورَ عَلَى الْأَوَّلِ. وَفِي «الْحَاوِي» وَجْهٌ: أَنَّ التَّوْقِيتَ بِالنَّفْرِ الْأَوَّلِ أَوِ الثَّانِي لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَعْرِفُونَهُ دُونَ غَيْرِهِمْ. وَذَكَرَ وَجْهَيْنِ فِي التَّوْقِيتِ بِيَوْمِ الْقَرِّ لِأَهْلِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا خَوَاصُّهُمْ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ضَعِيفٌ، لِأَنَّا إِنِ اعْتَبَرْنَا عِلْمَ الْعَاقِدَيْنِ فَلَا فَرْقَ، وَإِلَّا فَهِيَ مَشْهُورَةٌ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ عِنْدِ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ.
قُلْتُ: يَوْمُ الْقَرِّ، بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، وَهُوَ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، سُمِّيَ بِهِ ; لِأَنَّهُمْ يَقِرُّونَ فِيهِ بِمِنًى، وَيَنْفِرُونَ بَعْدَهُ النَّفْرَيْنِ، فِي الثَّانِي عَشَرَ، وَالثَّالِثَ عَشَرَ. وَهَذَا الْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي «الْحَاوِي» قَوِيٌّ. وَدَعْوَى الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ ﵀ شُهْرَتَهُ عِنْدَ غَيْرِ الْفُقَهَاءِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ لَا تُقْبَلُ، بَلْ رُبَّمَا لَا يَعْرِفُ الْقَرَّ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَفَقِّهِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَوْ أَجَّلَا إِلَى سَنَّةٍ أَوْ سِنِينَ مُطْلَقَةٍ، حُمِلَ عَلَى الْهِلَالِيَّةِ. فَإِنْ قُيِّدَ بِالرُّومِيَّةِ، أَوِ الْفَارِسِيَّةِ، أَوِ الشَّمْسِيَّةِ، أَوِ الْعَدَدِيَّةِ. وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا تَقَيَّدَ. وَكَذَا مُطْلَقُ الْأَشْهُرِ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَشْهُرِ الْهِلَالِيَّةِ. ثُمَّ إِنْ جَرَى الْعَقْدُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ، اعْتُبِرَ الْجَمِيعُ بِالْأَهِلَّةِ، تَامَّةً كَانَتْ أَوْ نَاقِصَةً. وَإِنْ جَرَى بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ الشَّهْرِ، عُدَّ بِاقِيهِ بِالْأَيَّامِ، وَاعْتُبِرَتِ الشُّهُورُ بَعْدَهُ بِالْأَهِلَّةِ، ثُمَّ يُتَمَّمُ الْمُنْكَسِرُ بِثَلَاثِينَ. وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ إِذَا انْكَسَرَ شَهْرٌ، اعْتُبِرَ جَمِيعُ الشُّهُورِ بِالْعَدَدِ. وَضَرَبَ الْإِمَامُ مَثَلًا لِلتَّأْجِيلِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مَعَ الِانْكِسَارِ فَقَالَ: عَقَدَا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ صَفَرٍ لَحْظَةٌ، وَنَقَصَ الرَّبِيعَانِ وَجُمَادَى، فَيُحْسَبُ الرَّبِيعَانِ بِالْأَهِلَّةِ، وَيُضَمُّ جُمَادَى إِلَى اللَّحْظَةِ مِنْ صَفَرٍ، وَيُكَمَّلُ جُمَادَى
стр. 1404
الْآخِرَةُ بِيَوْمٍ إِلَّا لَحْظَةً. ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ: كُنْتُ أَوَدُّ أَنَّ يُكْتَفَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِالْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنَّهَا جَرَتْ عَرَبِيَّةً كَوَامِلَ. وَمَا تَمَنَّاهُ الْإِمَامُ هُوَ الَّذِي نَقَلَهُ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» وَغَيْرُهُ، وَقَطَعُوا بِحُلُولِ الْأَجَلِ بِانْسِلَاخِ جُمَادَى الْأُولَى. قَالُوا: وَإِنَّمَا يُرَاعَى الْعَدَدُ إِذَا عُقِدَ فِي غَيْرِ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ.
فَرْعٌ
لَوْ قَالَ: إِلَى يَوْمِ الْجُمْعَةِ، أَوْ إِلَى رَمَضَانَ، حَلَّ بِأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ، لِتَحَقُّقِ الِاسْمِ. وَرُبَّمَا يُقَالُ: بِانْتِهَاءِ لَيْلَةِ الْجُمْعَةِ، وَبِانْتِهَاءِ شَعْبَانَ، وَهُمَا بِمَعْنًى، وَلَوْ قَالَ: مَحَلُّهُ فِي الْجُمْعَةِ، أَوْ فِي رَمَضَانَ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْيَوْمَ ظَرْفًا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فِي وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِهِ. وَالثَّانِي: يَصِحُّ وَيُحْمَلُ عَلَى الْأَوَّلِ.
قُلْتُ: كَذَا قَالَهُ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. إِذَا قَالَ فِي يَوْمِ كَذَا، أَوْ شَهْرِ كَذَا، أَوْ سَنَةِ كَذَا، لَا يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَسَوَّوْا بَيْنَهُمَا، وَحَكَى الطَّبَرِيُّ فِي الْعَدِّ وَجْهًا: أَنَّهُ يَصِحُّ فِي يَوْمِ كَذَا دُونَ الشَّهْرِ، وَجَعَلَ صَاحِبُ الْحَاوِي هَذِهِ الصُّوَرَ عَلَى مَرَاتِبَ، فَقَالَ: مِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: يَبْطُلُ فِي السَّنَةِ دُونَ الشَّهْرِ، قَالَ: فَأَمَّا الْيَوْمُ فَالصَّحِيحُ فِيهِ الْجَوَازُ لِقُرْبِ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ. وَالْأَصَحُّ الْمُعْتَمَدُ قَدَّمْنَاهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ: إِلَى أَوَّلِ رَمَضَانَ أَوْ آخِرِهِ بَطَلَ، كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى جَمِيعِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ أَوِ الْأَخِيرِ. قَالَ الْإِمَامُ وَالْبَغَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ كُلِّ نِصْفٍ، كَمَسْأَلَةِ النَّفَرِ، وَكَالْيَوْمِ وَالشَّهْرِ، يُحْمَلُ عَلَى أَوَّلِهِمَا، وَكَتَعْلِيقِ الطَّلَاقِ.
стр. 1405
فَرْعٌ
لَوْ أَسْلَمَ فِي جِنْسٍ إِلَى أَجَلَيْنِ، أَوْ جِنْسَيْنِ إِلَى أَجَلٍ، صَحَّ عَلَى الْأَظْهَرِ.
الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ، وَهَذَا الشَّرْطُ لَيْسَ مِنْ خَوَاصِّ السَّلَمِ، بَلْ يَعُمُّ كُلَّ بَيْعٍ كَمَا سَبَقَ، وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ عِنْدَ وُجُوبِهِ. وَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ وَالسَّلَمِ الْحَالِّ فِي الْحَالِ، وَفِي السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ عِنْدَ الْمَحَلِّ. فَلَوْ أَسْلَمَ فِي مُنْقَطِعٍ لَدَى الْمَحَلِّ، كَالرُّطَبِ فِي الشِّتَاءِ، أَوْ فِيمَا يَعِزُّ وُجُودُهُ كَالصَّيْدِ حَيْثُ يَعِزُّ لَمْ يَصِحَّ. فَلَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ وَجُودُهُ لَكِنْ لَا يُحَصِّلُهُ إِلَّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ، كَالْقَدْرِ الْكَثِيرِ فِي الْبَاكُورَةِ، فَوَجْهَانِ. أَقْرَبُهُمَا إِلَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ: الْبُطْلَانُ. وَلَوْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ لَا يُوجَدُ بِبَلَدِهِ وَيُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، قَالَ الْإِمَامُ: إِنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا، قَالَ: وَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَإِنَّمَا التَّقْرِيبُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ يُعْتَادُ نَقْلُهُ إِلَيْهِ فِي غَرَضِ الْمُعَامَلَةِ، لَا لِلتُّحَفِ وَالْمُصَادَرَاتِ صَحَّ السَّلَمُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَلَوْ كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَامَّ الْوُجُودِ عِنْدَ الْمَحَلِّ، فَلَا بَأْسَ بِانْقِطَاعِهِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ. وَإِنْ أَسْلَمَ فِيمَا يَعُمُّ، ثُمَّ انْقَطَعَ عِنْدَ الْمَحَلِّ لِجَائِحَةٍ فَقَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ. وَأَظْهَرُهُمَا: لَا، بَلْ يَتَخَيَّرُ الْمُسْلِمُ، فَإِنْ شَاءَ فَسَخَ، وَإِنْ شَاءَ صَبَرَ إِلَى وُجُودِهِ. وَلَا فَرْقَ فِي جَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ بَيْنَ أَنْ لَا يُوجَدَ عِنْدَ الْمَحَلِّ أَصْلًا، أَوْ وُجِدَ فَسَوَّفَ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ حَتَّى انْقَطَعَ. وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى. أَمَّا الثَّانِيَةُ فَلَا يَنْفَسِخُ فِيهَا قَطْعًا بِحَالٍ، فَإِنْ أَجَازَ ثُمَّ بَدَا لَهُ، مُكِّنَ مِنَ الْفَسْخِ كَزَوْجَةِ الْمَوْلَى إِذَا رَضِيَتْ ثُمَّ أَرَادَتِ الْمُطَالَبَةَ، كَانَ لَهَا ذَلِكَ.
قُلْتُ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَذَكَرَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» فِي بَابِ التَّفْلِيسِ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ هَذَا الْخِيَارَ عَلَى الْفَوْرِ أَمْ لَا؟ كَالْوَجْهَيْنِ فِي خِيَارِ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْمَبِيعِ بِالْإِفْلَاسِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →