← Фикх шафии

Фикх шафии · id 499

روضة الطالبين وعمدة المفتين

النووي

Полный текст (4 941 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

الْمَالِكِ، جَازَ، وَإِلَّا، فَلَا. وَإِذَا مَنَعْنَاهَا فَرَضِيَ الْمُرْتَهِنُ، فَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْجُمْهُورِ صِحَّتُهَا. قَالَ الْإِمَامُ: لَا يَصِحُّ وَإِنْ رَضِيَ ; لِأَنَّ رِضَاهُ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي فَكِّ الرَّهْنِ. فَأَمَّا فِي بَيْعِهِ بِمَا لَيْسَ بِرَهْنٍ لِيَصِيرَ رَهْنًا، فَلَا. وَهَذَا إِشْكَالٌ قَوِيٌّ. قُلْتُ: لَيْسَ بِقَوِيٍّ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ، وَلَا يُسَلَّمُ الْحُكْمُ الَّذِي ادَّعَاهُ، فَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَرَادَ الرَّاهِنَانِ الْقِسْمَةَ قَبْلَ انْفِكَاكِ شَيْءٍ مِنَ الرَّهْنِ، فَعَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي بَيَّنَاهُ. وَلَوْ رَهَنَ وَاحِدٌ عِنْدَ اثْنَيْنِ، وَقَضَى نَصِيبَ أَحَدِهِمَا، ثُمَّ أَرَادَ الْقِسْمَةَ لِيَمْتَازَ مَا بَقِيَ رَهْنًا، فَفِي اشْتِرَاطِ رِضَى الَّذِي بَقِيَ رَهْنُهُ مَا ذَكَرْنَا. الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الِاخْتِلَافِ التَّنَازُعُ فِي الرَّهْنِ يُفْرَضُ فِي أُمُورٍ. الْأَوَّلُ: أَصْلُ الْعَقْدِ. فَإِذَا قَالَ: رَهَنْتَنِي، فَأَنْكَرَ الْمَالِكُ، أَوْ رَهَنْتَنِي ثَوْبَكَ، فَقَالَ: بَلْ عَبْدِي. أَوْ بِأَلْفَيْنِ، فَقَالَ: بَلْ بِأَلْفٍ. أَوْ رَهَنْتَنِي الْأَرْضَ بِأَشْجَارِهَا، فَقَالَ: بَلْ وَحْدَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ. وَلَوْ قَالَ: رَهَنْتَنِي الْأَشْجَارَ مَعَ الْأَرْضِ يَوْمَ رَهْنِ الْأَرْضِ، فَقَالَ: لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأَشْجَارُ أَوْ بَعْضُهَا يَوْمَ رَهْنِ الْأَرْضِ، بَلْ أَحْدَثْتُهَا بَعْدُ، نُظِرَ، فَإِنْ كَانَتِ الْأَشْجَارُ بِحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهَا يَوْمَ الرَّهْنِ، فَالْمُرْتَهِنُ كَاذِبٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ بِلَا يَمِينٍ. وَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ حُدُوثُهَا بَعْدَهُ، فَالرَّاهِنُ كَاذِبٌ، فَإِنِ اعْتَرَفَ فِي مُفَاوَضَتِهَا أَنَّهُ رَهَنَ الْأَرْضَ بِمَا فِيهَا، كَانَتِ الْأَشْجَارُ مَرْهُونَةً، وَلَا حَاجَةَ إِلَى يَمِينِ الْمُرْتَهِنِ، وَإِنْ زَعَمَ رَهْنَ الْأَرْضِ وَحْدَهَا، أَوْ مَا سِوَى الْأَشْجَارِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَاقْتَصَرَ عَلَى نَفْيِ الْوُجُودِ،

стр. 1507

فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَذِبِهِ فِي إِنْكَارِ الْوُجُودِ كَوْنُهَا مَرْهُونَةً، فَيُطَالَبُ بِجَوَابِ دَعْوَى الرَّهْنِ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى إِنْكَارِ الْوُجُودِ، فَقَدْ جُعِلَ نَاكِلًا، وَرُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ. فَإِنْ رَجَعَ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِالْوُجُودِ، وَأَنْكَرَ رَهْنَهَا، قَبِلْنَا إِنْكَارَهُ، وَحَلَفَ لِجَوَازِ صِدْقِهِ فِي نَفْيِ الرَّهْنِ. وَإِنْ كَانَ الشَّجَرُ بِحَيْثُ يَحْتَمِلُ الْوُجُودَ يَوْمَ رَهْنِ الْأَرْضِ، وَالْحُدُوثَ بَعْدَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ. فَإِذَا حَلَفَ، فَهِيَ كَالشَّجَرَةِ الْحَادِثَةِ بَعْدَ الرَّهْنِ فِي الْقَلْعِ وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا. هَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى الِاكْتِفَاءِ مِنْهُ بِإِنْكَارِ الْوُجُودِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي وَجْهٍ: لَا بُدَّ مِنْ إِنْكَارِ الرَّهْنِ صَرِيحًا. وَالْحُكْمُ بِتَصْدِيقِ الرَّاهِنِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، مَفْرُوضٌ فِيمَا إِذَا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي رَهْنِ تَبَرُّعٍ. فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي رَهْنٍ مَشْرُوطٍ فِي بَيْعٍ، تَحَالَفَا كَسَائِرِ صِفَاتِ الْبَيْعِ إِذَا اخْتُلِفَ فِيهَا. فَصْلٌ لَوِ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلَيْنِ أَنَّهُمَا رَهَنَاهُ عَبَدَهُمَا بِمِائَةٍ، وَأَقْبَضَاهُ، فَأَنْكَرَا الرَّهْنَ، أَوِ الرَّهْنَ وَالدَّيْنَ جَمِيعًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا مَعَ الْيَمِينِ. وَإِنْ صَدَّقَهُ أَحَدُهُمَا، فَنُصِيبُهُ رَهْنٌ بِخَمْسِينَ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكَذِّبِ فِي نَصِيبِهِ مَعَ يَمِينِهِ. فَلَوْ شَهِدَ الْمُصَدِّقِ لِلْمُدَّعِي عَلَى شَرِيكِ الْمُكَذِّبِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، فَإِنْ شَهِدَ مَعَهُ آخَرُ، وَحَلَفَ الْمُدَّعِي، ثَبَتَ رَهْنُ الْجَمِيعِ. وَلَوْ زَعَمَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ مَا رَهَنَ نَصِيبَهُ، وَأَنَّ شَرِيكَهُ رَهَنَ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ، فَوَجْهَانِ. وَيُقَالُ: قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَزْعُمُ أَنَّ صَاحِبَهُ كَاذِبٌ ظَالِمٌ بِالْجُحُودِ. وَطَعْنُ الْمَشْهُودِ لَهُ فِي الشَّاهِدِ، يَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَتِهِ لَهُ. وَأَصَحُّهُمَا: تُقْبَلُ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا نَسِيَا. فَإِنْ تَعَمَّدَا، فَالْكِذْبَةُ الْوَاحِدَةُ لَا تُوجِبُ الْفِسْقَ. وَلِهَذَا، لَوْ تَخَاصَمَ رَجُلَانِ فِي شَيْءٍ، ثُمَّ شَهِدَا فِي حَادِثَةٍ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا فِي ذَلِكَ التَّخَاصُمِ. فَعَلَى هَذَا، إِذَا حَلَفَ مَعَ

стр. 1508

كُلِّ وَاحِدٍ، أَوْ أَقَامَ شَاهِدًا آخَرَ، ثَبَتَ رَهْنُ الْجَمِيعِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: الَّذِي شَهِدَ أَوَّلًا يُقْبَلُ، دُونَ الْآخَرِ ; لِأَنَّهُ انْتَهَضَ خَصْمًا مُنْتَقِمًا. فَرْعٌ ادَّعَى رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ رَهَنَهُمَا وَأَقْبَضَهُمَا، فَإِنْ صَدَّقَهُمَا أَوْ كَذَّبَهُمَا لَمْ يَخْفَ الْحُكْمُ. وَإِنْ صَدَّقَ أَحَدَهُمَا، فَنِصْفُ الْعَبْدِ رَهْنٌ عِنْدِهِ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ. وَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُصَدِّقِ لِلْمُكَذِّبِ؟ قَالَ ابْنُ كَجٍّ: نَعَمْ. وَقَالَ الْآخَرُونَ: لَا. وَحَكَى الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرِيكَيْنِ إِذَا ادَّعَيَا حَقًّا أَوْ مَلِكًا بِابْتِيَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَصُدِّقَ أَحَدُهُمَا، هَلْ يَسْتَبِدُّ بِالنِّصْفِ، أَمْ يُشَارِكُهُ الْآخَرُ فِيهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. إِنْ قُلْنَا: يَسْتَبِدُّ، قُبِلَتْ، وَإِلَّا، فَلَا ; لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ لَمْ يُنْكِرْ إِلَّا الرَّهْنَ، قُبِلَ. وَإِنْ أَنْكَرَ الرَّهْنَ وَالدَّيْنَ، فَحِينَئِذٍ يُفَرِّقُ بَيْنَ دَعْوَاهُمَا الْإِرْثُ وَغَيْرُهُ. وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُفْتَى بِهِ، الْقَبُولُ إِنْ كَانَتِ الْحَالُ لَا تَقْتَضِي الشَّرِكَةَ، وَالْمَنْعُ إِنِ اقْتَضَتْ ; لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ. فَرْعٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ ادَّعَى زَيْدٌ وَعَمْرٌو عَلَى ابْنَيْ بَكْرٍ، أَنَّهُمَا رَهَنَا عِنْدَهُمَا عَبَدَهُمَا الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهُمَا بِمِائَةٍ، فَصَدَّقَا أَحَدَ الْمُدَّعِيَيْنِ، ثَبَتَ مَا ادَّعَاهُ، وَكَانَ لَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رُبُعُ الْمِائَةِ، وَنِصْفُ نَصِيبِ كَلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَرْهُونٌ بِهِ. وَإِنْ صَدَّقَ أَحَدُ الِابْنَيْنِ زَيْدًا، وَالْآخِرُ عَمْرًا، ثَبَتَ الرَّهْنُ فِي نِصْفِ الْعَبْدِ، لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُدَّعِيَيْنِ فِي رُبُعِهِ بِرُبُعِ الْمِائَةِ. فَلَوْ شَهِدَ

стр. 1509

أَحَدُ الِاثْنَيْنِ عَلَى أَخِيهِ، قُبِلَتْ. وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُ الْمُدَّعِيَيْنِ لِلْآخَرِ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ. فَرْعٌ مَنْصُوصٌ فِي الْمُخْتَصَرِ ادَّعَى رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ: رَهَنْتَنِي عَبْدَكَ هَذَا وَأَقْبَضْتَنِيهِ، فَإِنْ كَذَّبَهُمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا. وَإِنْ كَذَّبَ أَحَدَهُمَا، وَصَدَّقَ الْآخَرَ، قُضِيَ بِالرَّهْنِ لِلْمُصَدَّقِ. وَفِي تَحْلِيفِهِ لِلْمُكَذِّبِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا. فَإِنْ قُلْنَا: يَحْلِفُ، فَنَكَلَ، فَحَلَفَ الْمُكَذِّبِ يَمِينَ الرَّدِّ، فَفِيمَا يَسْتَفِيدُ بِهَا وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يُقْضَى لَهُ بِالرَّهْنِ وَيُنْزَعُ مِنَ الْأَوَّلِ. وَأَصَحُّهُمَا: يَأْخُذُ الْقِيمَةَ مِنَ الْمَالِكِ، لِيَكُونَ رَهْنًا عِنْدَهُ. وَإِنْ صَدَّقَهُمَا جَمِيعًا، نُظِرَ، فَإِنْ لَمْ يَدَّعِيَا السَّبْقَ، أَوِ ادَّعَاهُ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لَا أَعْرِفُ السَّابِقَ، وَصَدَّقَاهُ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ تَنَازَعَا شَيْئًا فِي يَدِ ثَالِثٍ فَاعْتَرَفَ لَهُمَا، وَأَصَحُّهُمَا: يُحْكَمُ بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ، كَمَا لَوْ زَوَّجَ وَلِيَّانِ وَلَمْ يُعْرَفِ السَّابِقُ. وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ السَّبْقَ، وَأَنَّ الرَّاهِنَ عَالِمٌ بِصِدْقِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. فَإِنْ نَكَلَ، رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِمَا. فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، قُضِيَ لَهُ. وَإِنْ حَلَفَا، أَوْ نَكَلَا، تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ السَّابِقِ، وَعَادَ الْوَجْهَانِ. وَإِنْ صُدِّقَ أَحَدُهُمَا فِي السَّبْقِ، وَكُذِّبَ الْآخَرُ، قُضِيَ لِلْمُصَدَّقِ. وَهَلْ يُحَلِّفُهُ الْمُكَذَّبُ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ. وَحَيْثُ قُلْنَا: مُقْتَضَى الصِّدْقِ، فَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْعَبْدُ فِي يَدِ الْمُكَذَّبِ. فَإِنْ كَانَ، فَقَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: يُقْضَى لِصَاحِبِ الْيَدِ. وَأَظْهَرُهُمَا: الْمُصَدَّقُ يُقَدَّمُ ; لِأَنَّ الْيَدَ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى الرَّهْنِ. وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ فِي أَيْدِيهِمَا،

стр. 1510

فَالْمُصَدَّقُ مُقَدَّمٌ فِي النِّصْفِ الَّذِي فِي يَدِهِ، وَفِي النِّصْفِ الْآخَرِ، الْقَوْلَانِ. وَالِاعْتِبَارُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ بِسَبْقِ الْقَبْضِ، لَا الْعَقْدِ. حَتَّى لَوْ صَدَقَ هَذَا فِي سَبْقِ الْعَقْدِ، وَهَذَا فِي سَبْقِ الْقَبْضِ، قُدِّمَ الثَّانِي. قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: رَهَنْتُهُ عِنْدَ أَحَدِكُمَا، وَنَسِيْتُ، حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ. فَإِنْ نَكَلَ، رُدَّتْ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ حَلَفَا، أَوْ نَكَلَا، انْفَسَخَ الْعَقْدُ عَلَى الْمَذْهَبِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجَمَاهِيرُ فِي الطُّرُقِ، وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ عَنِ الْأَصْحَابِ. وَخَرَجَ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخُ، بَلْ يَفْسَخُهُ الْحَاكِمُ، وَبِهَذَا الْوَجْهِ قَطَعَ صَاحِبُ الْوَسِيطِ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ. وَإِنْ حَلَفَ الرَّاهِنُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، تَحَالَفَا عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا لَوْ نَكَلَ. وَفِي وَجْهٍ: انْتَهَتِ الْخُصُومَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ دَفَعَ مَتَاعًا إِلَى رَجُلٍ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى غَيْرِهِ لِيَسْتَقْرِضَ مِنْهُ لِلدَّافِعِ وَيَرْهَنَ الْمَتَاعَ، فَفَعَلَ، ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِ: اسْتَقْرَضَ مِائَةً وَرَهْنَهُ بِهَا، وَقَالَ الْمُرْسِلُ: لَمْ آذَنْ إِلَّا فِي خَمْسِينَ، نُظِرَ، إِنْ صَدَّقَ الرَّسُولُ الْمُرْسِلَ، فَالْمُرْسَلُ إِلَيْهِ مُدَّعٍ عَلَى الْمُرْسِلِ بِالْإِذْنِ، وَعَلَى الرَّسُولِ بِالْأَخْذِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمَا فِي نَفْيِ دَعْوَاهُ. وَإِنْ صَدَّقَ الْمُرْسَلَ إِلَيْهِ، فَالْقَوْلُ فِي نَفِي الزِّيَادَةِ قَوْلُ الْمُرْسَلِ، وَلَا يَرْجِعُ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِ عَلَى الرَّسُولِ بِالزِّيَادَةِ إِنْ صَدَّقَهُ فِي الدَّفْعِ إِلَى الْمُرْسِلِ ; لِأَنَّهُ مَظْلُومٌ بِزَعْمِهِ. وَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ، رَجَعَ عَلَيْهِ. هَكَذَا ذَكَرَهُ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الرَّسُولِ وَإِنْ صِدَّقَهُ فِي الدَّفْعِ إِلَى الْمُرْسِلِ. الْأَمْرُ الثَّانِي: الْقَبْضُ. فَإِذَا تَنَازَعَا فِي قَبْضِ الْمَرْهُونِ، فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ النِّزَاعِ فِي يَدِ الرَّاهِنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَقَالَ:

стр. 1511

قَبَضْتُهُ عَنِ الرَّهْنِ، وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ، فَقَالَ: بَلْ غَصَبْتَنِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ. وَإِنْ قَالَ الرَّاهِنُ: بَلْ قَبْضَتَهُ عَنْ جِهَةٍ أُخْرَى مَأْذُونٍ فِيهَا، بِأَنْ قَالَ: أَوْدَعْتُكَهُ، أَوْ أَعَرْتُ، أَوْ أَكْرَيْتُ، أَوْ أَكْرَيْتُهُ لِفُلَانٍ فَأَكْرَاكَهُ، فَهَلِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ، لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى قَبْضٍ مَأْذُونٍ فِيهِ، أَوْ قَوْلُ الرَّاهِنِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا ادَّعَاهُ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ. وَيَجْرِي مِثْلُ هَذَا التَّفْصِيلِ، فِيمَا إِذَا اخْتَلَفَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، حَيْثُ كَانَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الْحَبْسِ، وَصَادَفَنَا الْمَبِيعُ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، فَادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ أَعَارَهُ، أَوْ أَوْدَعَهُ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ هُنَا حُصُولُ الْقَبْضِ، لِقُوَّةِ يَدِهِ بِالْمِلْكِ. وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ حَقُّ الْحَبْسِ بِالْإِعَارَةِ وَالْإِيدَاعِ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ. وَلَوْ صَدَّقَهُ الرَّاهِنُ فِي إِذْنِهِ فِي الْقَبْضِ عَلَى جِهَةِ الرَّهْنِ، وَلَكِنْ قَالَ: رَجَعْتُ قَبْلَ قَبْضِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِي عَدَمِ الرُّجُوعِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ. وَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ: لَمْ يَقْبِضْهُ بَعْدُ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قَبَضْتُهُ، فَمَنْ كَانَ الْمَرْهُونُ فِي يَدِهِ مِنْهُمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ، وَعَلَيْهِ حَمَلُوا النَّصَّيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِي «الْأُمِّ» . فَرْعٌ إِقْرَارُ الرَّاهِنِ بِإِقْبَاضِ الْمَرْهُونِ، مَقْبُولٌ مُلْزِمٌ، لَكِنْ بِشَرْطِ الْإِمْكَانِ. حَتَّى لَوْ قَالَ: رَهَنْتُهُ الْيَوْمَ دَارِي بِالشَّامِ، وَأَقْبَضْتُهُ إِيَّاهَا وَهُمَا بِمَكَّةَ، فَهُوَ لَاغٍ. وَلَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْإِقْبَاضِ فِي مَوْضِعِ الْإِمْكَانِ، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ إِقْرَارِي عَنْ حَقِيقَةٍ، فَحَلَّفُوهُ أَنَّهُ قَبَضَ، نُظِرَ، إِنْ ذَكَرَ لِإِقْرَارِهِ تَأْوِيلًا، بِأَنْ قَالَ: كُنْتُ أَقَبَضْتُهُ بِالْقَوْلِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْفِي قَبْضًا، أَوْ وَقْعَ إِلَيَّ كِتَابٌ عَلَى لِسَانِ وَكِيلِي بِأَنَّهُ أَقْبَضَ وَكَانَ مُزَوَّرًا، أَوْ قَالَ: أَشْهَدْتُ عَلَى رَسْمِ الْقُبَالَةِ قَبْلَ حَقِيقَةِ الْقَبْضِ، فَلَهُ تَحْلِيفُهُ. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ تَأْوِيلًا، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ: يُحَلِّفُهُ، وَبِهِ قَالَ:

стр. 1512

ابْنُ خَيْرَانَ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْمَرَاوِزَةِ: لَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ. قُلْتُ: طَرِيقَةُ الْعِرَاقِيِّينَ أَفْقَهُ وَأَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ حَكَى فِي «الْوَسِيطِ» وَجْهًا: أَنَّهُ لَا يُحَلِّفُهُ مُطْلَقًا وَإِنْ ذَكَرَ تَأْوِيلًا. وَهَذَا الْوَجْهُ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِمَا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ. وَلَوْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً عَلَى إِقْرَارِهِ، بَلْ أَقَرَّ فِي مَجْلِسِ الْقَضَاءِ بَعْدَ تَوَجُّهِ الدَّعْوَى عَلَيْهِ، فَوَجْهَانِ. قَالَ الْقَفَّالُ: لَا يُحَلِّفُهُ وَإِنْ ذَكَرَ تَأْوِيلًا ; لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يُقِرُّ عِنْدَ الْقَاضِي إِلَّا عَنْ تَحْقِيقٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا فَرْقَ، لِشُمُولِ الْإِمْكَانِ. وَلَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى نَفْسِ الْقَبْضِ، فَلَيْسَ لَهُ التَّحْلِيفُ بِحَالٍ، وَكَذَا لَوْ شَهِدُوا عَلَى إِقْرَارِهِ، فَقَالَ: مَا أَقْرَرْتُ ; لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلشُّهُودِ. فَرْعٌ لَوْ كَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ، فَقَالَ الْمُشْتَرِيَ: أَقْبَضْتُ، ثُمَّ تَلِفَ الرَّهْنُ، فَلَا خِيَارَ لَكَ فِي الْبَيْعِ، وَأَقَامَ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْقَبْضِ حُجَّةً، فَأَرَادَ الْمُرْتَهِنُ تَحْلِيفَهُ، فَهُوَ كَمَا ذَكَرْنَا فِي إِقْرَارِ الرَّهْنِ وَطَلَبِ الرَّاهِنِ يَمِينَ الْمُرْتَهِنِ. وَيُقَاسُ عَلَى هَذَا، مَا إِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِإِقْرَارِهِ لِزَيْدٍ بِأَلْفٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَقْرَرْتُ وَأَشْهَدْتُ لِيُقْرِضَنِي، ثُمَّ لَمْ يُقْرِضْنِي، وَكَذَا سَائِرُ نَظَائِرِهَا. الْأَمْرُ الثَّالِثُ: الْجِنَايَةُ، وَهِيَ ضَرْبَانِ. الْأَوَّلُ: جُنِيَ عَلَى الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ، فَأَقَرَّ رَجُلٌ أَنَّهُ الْجَانِي، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُتَرَاهِنَانِ أَوْ كَذَّبَاهُ لَمْ يَخْفَ حُكْمُهُ. وَإِنْ صَدَّقَهُ الرَّاهِنُ فَقَطْ، أَخَذَ الْأَرْشَ وَفَازَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلْمُرْتَهَنِ التَّوَثُّقُ بِهِ. وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ فَقَطْ، أَخَذَ الْأَرْشَ وَكَانَ مَرْهُونًا.

стр. 1513

فَإِنْ قَضَى الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ أَبْرَأَهُ الْمُرْتَهِنُ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ يَرُدُّ الْأَرْشَ إِلَى الْمُقِرِّ. وَالثَّانِي: يُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ مَالٌ ضَائِعٌ لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ. الضَّرْبُ الثَّانِي: جِنَايَةُ الْمَرْهُونِ، وَالنِّزَاعُ فِي جِنَايَتِهِ، يَقَعُ تَارَةً بَعْدَ لُزُومِ الرَّهْنِ، وَتَارَةً قَبْلَهُ. الْحَالُ الْأَوَّلُ: بَعْدَهُ، فَإِذَا أَقَرَّ الْمُرْتَهِنُ بِأَنَّهُ جَنَى، وَوَافَقَهُ الْعَبْدُ أَمْ لَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ. وَإِذَا بِيعَ فِي دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُ الثَّمَنِ إِلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ السَّابِقِ. وَلَوْ أَقَرَّ الرَّاهِنُ بِجِنَايَتِهِ، وَأَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. وَإِذَا بِيعَ فِي الدَّيْنِ، فَلَا شَيْءَ لِلْمُقَرِّ لَهُ عَلَى الرَّاهِنِ. وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا: أَنَّهُ يُقْبَلُ إِقْرَارُ الرَّاهِنِ، وَيُبَاعُ الْعَبْدُ فِي الْجِنَايَةِ، وَيُغَرَّمُ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ. الْحَالُ الثَّانِي: تَنَازَعَا فِي جِنَايَتِهِ قَبْلَ لُزُومِ الرَّهْنِ، فَأَقَرَّ الرَّاهِنُ بِأَنَّهُ كَانَ أَتْلَفَ مَالًا، أَوْ جَنَى جِنَايَةً تُوجِبُ الْمَالَ، فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنَ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ، أَوْ عَيَّنَهُ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، أَوْ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ، فَالرَّهْنُ مُسْتَمِرٌّ بِحَالِهِ. وَإِنْ عَيَّنَهُ وَادَّعَاهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، نُظِرَ، إِنْ صَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ، بِيعَ فِي الْجِنَايَةِ، وَالْمُرْتَهِنُ بِالْخِيَارِ إِنْ كَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ. وَإِنْ كَذَّبَهُ، فَقَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ، صِيَانَةً لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ. وَالثَّانِي: يُقْبَلُ ; لِأَنَّهُ مَالِكٌ. وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِيمَا لَوْ قَالَ: كُنْتُ غَصَبْتُهُ، أَوِ اشْتَرَيْتُهُ شِرَاءً فَاسِدًا، أَوْ بِعْتُهُ، أَوْ وَهَبْتُهُ وَأَقْبَضْتُهُ وَأَعْتَقْتُهُ. وَلَا حَاجَةَ فِي صُورَةِ الْعِتْقِ إِلَى تَصْدِيقِ الْعَبْدِ وَدَعْوَاهُ، بِخِلَافِ الْمُقَرِّ لَهُ فِي بَاقِي الصُّوَرِ. وَفِي الْإِقْرَارِ بِالْعِتْقِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، نُفِّذَ، وَإِلَّا، فَلَا، كَالْإِعْتَاقِ. وَنَقَلَ الْإِمَامُ هَذَا الْقَوْلَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ الرَّاهِنِ، فَالْقَوْلُ فِي بَقَاءِ الرَّهْنِ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْجِنَايَةِ. وَإِذَا حَلَفَ وَاسْتَمَرَّ الرَّهْنُ، فَهَلْ يَغْرَمُ الرَّاهِنُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؟ قَوْلَانِ. قَالَ الْأَئِمَّةُ أَظْهَرُهُمَا: يُغَرَّمُ كَمَا لَوْ قَبِلَهُ ; لِأَنَّهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَقِّهِ، وَهُمَا كَالْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ أَقَرَّ بِالدَّارِ لِزَيْدٍ، ثُمَّ لِعَمْرٍو،

стр. 1514

هَلْ يَغْرَمُ لِعَمْرٍو؟ وَيُعَبَّرُ عَنْهُمَا بِقَوْلَيِ الْغُرْمُ لِلْحَيْلُولَةِ ; لِأَنَّهُ بِإِقْرَارِهِ الْأَوَّلِ حَالَ بَيْنَ مَنْ أَقَرَّ لَهُ ثَانِيًا وَبَيْنَ حَقِّهِ. فَإِنْ قُلْنَا: يَغْرَمُ، طُولِبَ فِي الْحَالِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا. وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَإِذَا أَيْسَرَ. وَفِيمَا يَغْرَمُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؟ طَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ. أَظْهَرُهُمَا: الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ. وَثَانِيهِمَا: الْأَرْشُ بَالِغًا مَا بَلَغَ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ: يَغْرَمُ الْأَقَلُّ قَطْعًا، كَأُمِّ الْوَلَدِ، لِامْتِنَاعِ الْبَيْعِ بِخِلَافِ الْقِنِّ. وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَغْرَمُ الرَّاهِنُ، فَإِنْ بِيعَ فِي الدَّيْنِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. لَكِنْ لَوْ مَلَكَهُ، لَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ فِي الْجِنَايَةِ، وَكَذَا لَوِ انْفَكَّ رَهْنُهُ. هَذَا كُلُّهُ إِذَا حَلَفَ الْمُرْتَهِنُ، فَإِنْ نَكَلَ، فَعَلَى مَنْ تُرَدُّ الْيَمِينُ؟ قَوْلَانِ. وَيُقَالُ: وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: عَلَى الرَّاهِنِ ; لِأَنَّهُ مَالِكُ الْعَبْدِ، وَالْخُصُومَةُ تَجْرِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُرْتَهِنِ. وَأَظْهَرُهُمَا: عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، وَالرَّاهِنُ لَا يَدَّعِي لِنَفْسِهِ شَيْئًا. فَإِذَا حَلَفَ الْمَرْدُودُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا، بِيعَ الْعَبْدُ فِي الْجِنَايَةِ، وَلَا خِيَارَ لِلْمُرْتَهَنِ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ ; لِأَنَّ فَوَاتَهُ حَصَلَ بِنُكُولِهِ. ثُمَّ إِنْ كَانَ يَسْتَغْرِقُ الْوَاجِبُ قِيمَتَهُ، بِيعَ كُلُّهُ، وَإِلَّا فَبِقَدْرِ الْأَرْشِ. وَهَلْ يَكُونُ الْبَاقِي رَهْنًا؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا ; لِأَنَّ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ كَالْبَيِّنَةِ، كَالْإِقْرَارِ بِأَنَّهُ كَانَ جَانِيًا فِي الِابْتِدَاءِ، فَلَا يَصِحُّ رَهْنُ شَيْءٍ مِنْهُ. وَإِذَا رَدَدْنَا عَلَى الرَّاهِنِ، فَنَكَلَ، فَهَلْ يُرَدُّ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؟ قَوْلَانِ. وَيُقَالُ: وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: نَعَمْ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا ; لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا تُرَدُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. فَعَلَى هَذَا، نُكُولُ الرَّاهِنِ كَحَلِفِ الْمُرْتَهِنِ فِي تَقْرِيرِ الرَّهْنِ. وَهَلْ يَغْرَمُ الرَّاهِنُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ. وَإِنْ رَدَدْنَاهُ عَلَى الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فَنَكَلَ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: تَسْقُطُ دَعْوَاهُ، وَانْتَهَتِ الْخُصُومَةُ. وَطَرَدَ الْعِرَاقِيُّونَ فِي الرَّدِّ مِنْهُ عَلَى الرَّاهِنِ الْخِلَافَ الْمَذْكُورَ فِي عَكْسِهِ. وَإِذَا لَمْ تُرَدَّ، لَا يَغْرَمُ لَهُ الرَّاهِنُ، قَوْلًا وَاحِدًا، وَتُحَالُ الْحَيْلُولَةُ عَلَى نُكُولِهِ، هَذَا تَمَامُ التَّفْرِيعِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ أَنَّ الرَّاهِنَ لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ. فَإِنْ قَبِلْنَاهُ، فَهَلْ يَحْلِفُ، أَمْ يَقْبَلُ بِلَا يَمِينٍ؟ قَوْلَانِ، أَوْ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا:

стр. 1515

لَا يَحْلِفُ ; لِأَنَّ الْيَمِينَ لِلزَّجْرِ لِيَرْجِعَ الْكَاذِبُ. وَهُنَا لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَمَنْ وَافَقَهُ: يَحْلِفُ لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ، وَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ. وَسَوَاءٌ حَلَّفْنَاهُ، أَمْ لَا، فَيُبَاعُ الْعَبْدُ فِي الْجِنَايَةِ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ عَلَى مَا سَبَقَ، وَلِلْمُرْتَهَنِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ. وَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الْمُرْتَهِنُ، لِأَنَّا إِنَّمَا حَلَّفْنَا الرَّاهِنَ لِحَقِّهِ. وَفِي فَائِدَةِ حَلِفِهِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الصَّيْدَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ. أَظْهَرُهُمَا: أَنَّ فَائِدَتَهُ: تَقْدِيرُ الرَّهْنِ فِي الْعَبْدِ عَلَى مَا هُوَ قِيَاسُ الْخُصُومَاتِ. وَالثَّانِي: فَائِدَتُهُ: أَنْ يَغْرَمَ الرَّاهِنُ قِيمَتَهُ، لِيَكُونَ رَهْنًا مَكَانَهُ، وَيُبَاعُ الْعَبْدُ فِي الْجِنَايَةِ بِإِقْرَارِ الرَّاهِنِ. فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَهَلْ يَغْرَمُ الرَّاهِنُ لِلْمُقَرِّ لَهُ لِكَوْنِهِ حَالَ بِنُكُولِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَقِّهِ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، فَهَلْ لِلْمُرْتَهَنِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِفَوَاتِ الْعَيْنِ الْمَشْرُوطَةِ. وَالثَّانِي: لَا، لِحُصُولِ الْوَثِيقَةِ بِالْقِيمَةِ. وَإِنْ نَكَلَ الْمُرْتَهِنُ، بِيعَ الْعَبْدُ فِي الْجِنَايَةِ، وَلَا خِيَارَ لَهُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ، لَا غُرْمَ عَلَى الرَّاهِنِ. وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ مَبْنِيُّ عَلَى أَنَّ رَهْنَ الْجَانِي لَا يَصِحُّ، فَإِنْ صَحَّحْنَاهُ، فَقِيلَ: يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ قَطْعًا، فَيَغْرَمُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، وَيَسْتَمِرُّ الرَّهْنُ. وَقَالَ آخَرُونَ: بِطَرْدِ الْقَوْلَيْنِ. وَوَجْهُ الْمَنْعِ: أَنَّهُ يَحُلُّ بِلُزُومِ الرَّهْنِ ; لِأَنَّ الْمَجْنِيَّ عَلَيْهِ يَبِيعُ الْمَرْهُونَ لَوْ عَجَزَ عَنْ تَغْرِيمِ الرَّاهِنِ. فَرْعٌ لَوْ أَقَرَّ السَّيِّدُ عَلَيْهِ بِجِنَايَةٍ تُوجِبُ الْقِصَاصَ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ عَلَى الْعَبْدِ، فَلَوْ قَالَ، ثُمَّ عَفَا عَلَى مَالٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ الْمَالَ. فَرْعٌ لَوْ أَقَرَّ بِالْعِتْقِ وَقُلْنَا: لَا يُقْبَلُ، فَالْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّهُ يُجْعَلُ كَإِنْشَاءِ الْإِعْتَاقِ.

стр. 1516

وَفِيهِ الْأَقْوَالُ ; لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ إِنْشَاءَ أَمْرٍ، قُبِلَ إِقْرَارُهُ بِهِ. وَنَقَلَ الْإِمَامُ فِي نُفُوذِهِ وَجْهَيْنِ، مَعَ قَوْلِنَا: يُنَفَّذُ الْإِنْشَاءُ. فَرْعٌ رَهْنُ الْجَارِيَةِ الْمَوْطُوءَةِ جَائِزٌ، وَلَا يُمْنَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ، لِاحْتِمَالِ الْحَمْلِ. فَإِذَا رَهَنَ جَارِيَةً، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، فَإِنْ كَانَ الِانْفِصَالُ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْوَطْءِ، أَوْ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، فَالرَّهْنُ بِحَالِهِ، وَالْوَلَدُ مَمْلُوكٌ لَهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ. وَإِنْ كَانَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ إِلَى أَرْبَعِ سِنِينَ، فَقَالَ الرَّاهِنُ: هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي، وَكُنْتُ وَطِئْتُهَا قَبْلَ لُزُومِ الرَّهْنِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُرْتَهِنُ، أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ، فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، وَالرَّهْنُ بَاطِلٌ، وَلِلْمُرْتَهَنِ فَسْخُ الْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ رَهْنُهَا. وَإِنْ كَذَّبَهُ وَلَا بَيِّنَةَ، فَفِي قَبُولِ إِقْرَارِهِ لِثُبُوتِ الِاسْتِيلَادِ، قَوْلَانِ، كَإِقْرَارِهِ بِالْعِتْقِ وَنَظَائِرِهِ، وَالتَّفْرِيعُ كَمَا سَبَقَ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَالْوَلَدُ حُرٌّ ثَابِتُ النَّسَبِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ. وَلَوْ لَمْ يُصَادِفْ وَلَدًا فِي الْحَالِ، وَزَعْمَ الرَّاهِنُ أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ قَبْلَ الرَّهْنِ، فَفِيهِ التَّفْصِيلُ السَّابِقُ وَالْخِلَافُ، وَحَيْثُ قُلْنَا: يَحْلِفُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ، تَحْلِفُ الْمُسْتَوْلِدَةُ، فَإِنَّهَا فِي مَرْتَبَتِهِ، وَفِي الْعِتْقِ يَحْلِفُ الْعَبْدُ. قُلْتُ: وَلَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا بَعْدَ لُزُومِ الرَّهْنِ، فَإِنْ لَمْ يُنَفَّذِ اسْتِيلَادُهُ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ، وَإِلَّا، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي إِقْرَارِهِ بِالْعِتْقِ، أَصَحُّهُمَا: يُقْبَلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ لَوْ بَاعَ عَبْدًا، ثُمَّ أَقَرَّ بِأَنَّهُ كَانَ غَصَبَهُ، أَوْ بَاعَهُ، أَوِ اشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِدًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ أَقَرَّ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَهُوَ مَرْدُودٌ ظَاهِرًا، وَيُخَالِفُ إِقْرَارَ الرَّاهِنِ،

стр. 1517

فَإِنَّهُ فِي مِلْكِهِ. وَقِيلَ بِطَرْدِ الْخِلَافِ، وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ. وَعَلَى هَذَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. فَإِنْ نَكَلَ فَهَلِ الرَّدُّ عَلَى الْمُدَّعِي، أَمْ عَلَى الْمُقِرِّ الْبَائِعِ؟ قَوْلَانِ وَلَوْ أَجَّرَ عَبْدًا، ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ بِعْتُهُ، أَوْ أَجَّرْتُهُ، أَوْ أَعْتَقْتُهُ، فَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الرَّهْنِ، كَبَقَاءِ الْمِلْكَ. وَلَوْ كَاتَبَهُ، ثُمَّ أَقَرَّ بِمَا لَا يَصِحُّ مَعَهُ كِتَابَةً، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: فِيهِ الْخِلَافُ. وَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ ; لِأَنَّ الْمَكَاتَبَ كَمَنْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ. الْأَمْرُ الرَّابِعُ: مَا يُفَكُّ بِهِ الرَّهْنُ. فَإِذَا أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ، فَبَاعَ الرَّاهِنُ، وَرَجَعَ الْمُرْتَهِنُ عَنِ الْإِذْنِ، ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَالَ: رَجَعْتُ قَبْلَ الْبَيْعِ، فَلَمْ يَصِحَّ، وَبَقِيَ رَهْنًا كَمَا كَانَ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: بَلْ رَجَعْتَ بَعْدَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَقِيلَ: قَوْلُ الرَّاهِنِ. وَقَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : إِنْ قَالَ الرَّاهِنُ أَوَّلًا: تَصَرَّفْتُ بِإِذْنِكَ، ثُمَّ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: كُنْتُ رَجَعْتُ قَبْلَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ. وَإِنْ قَالَ: رَجَعْتُ، ثُمَّ قَالَ الرَّاهِنُ: كُنْتُ بِعْتُ قَبْلَ رُجُوعِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ. وَلَوْ أَنْكَرَ الرَّاهِنُ أَصْلَ الرُّجُوعِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ. فَصْلٌ عَلَيْهِ دَيْنَانِ، أَحَدُهُمَا حَالٌّ، وَبِهِ رَهْنٌ، أَوْ كَفِيلٌ، أَوْ هُوَ ثَمَنُ مَبِيعٍ مَحْبُوسٍ بِهِ، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ أَلْفًا، وَقَالَ: أَعْطَيْتُكَ عَنْهُ، وَقَالَ الْقَابِضُ: بَلْ عَنِ الدَّيْنِ الْآخَرِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ، سَوَاءٌ اخْتَلَفَا فِي نِيَّتِهِ أَوْ لَفْظِهِ. قَالَ الْأَئِمَّةُ: فَالِاعْتِبَارُ فِي أَدَاءِ الدَّيْنِ، بِقَصْدِ الْمُؤَدِّي. حَتَّى لَوْ ظَنَّ الْمُسْتَحِقُّ أَنَّهُ يُودِعُهُ عِنْدَهُ، وَنَوَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَدَاءَ الدَّيْنِ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ، وَصَارَ الْمَدْفُوعُ مِلْكًا لِلْقَابِضِ. فَرْعٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنَانِ، فَأَدَّى عَنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، وَقَعَ عَنْهُ. وَإِنِ أَدَّى عَنْهُمَا، قَسَّطَ

стр. 1518

عَلَيْهِمَا. وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ فِي الْحَالِ شَيْئًا، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يُرَاجَعُ، فَيَصْرِفُهُ إِلَيْهِمَا أَوْ إِلَى مَا شَاءَ مِنْهُمَا. وَالثَّانِي: يَقَعُ عَنْهُمَا. وَعَلَى هَذَا تَرَدَّدَ الصَّيْدَلَانِيُّ فِي حِكَايَتِهِ، أَنَّهُ يُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا بِالتَّسْوِيَةِ، أَمْ بِالتَّقْسِيطِ؟ وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ نَظَائِرُ الْمَسْأَلَةِ، كَمَا إِذَا تَبَايَعَ مُشْرِكَانِ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ، وَسَلَّمَ الزِّيَادَةَ مَنِ الْتَزَمَهَا، ثُمَّ أَسْلَمَا، فَإِنْ قَصَدَ تَسْلِيمَهُ عَنِ الزِّيَادَةِ، لَزِمَهُ الْأَصْلُ، وَإِنْ قَصَدَ تَسْلِيمَهُ عَنِ الْأَصْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ قَصَدَ تَسْلِيمَهُ عَنْهُمَا، وُزِّعَ عَلَيْهِمَا، وَسَقَطَ مَا بَقِيَ مِنَ الزِّيَادَةِ. وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ. وَلَوْ كَانَ لِزَيْدٍ عَلَيْهِ مِائَةٌ، وَلِعَمْرٍو مِثْلُهَا، فَوَكَّلَا وَكِيلًا بِالِاسْتِيفَاءِ، فَدَفَعَ الْمَدْيُونُ إِلَى الْوَكِيلِ لِزَيْدٍ أَوْ لِعَمْرٍو، فَذَاكَ، وَإِنْ أَطْلَقَ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَلَوْ قَالَ: خُذْهُ وَادْفَعْهُ إِلَى فُلَانٍ، أَوْ إِلَيْهِمَا، فَهَذَا تَوْكِيلٌ مِنْهُ بِالْأَدَاءِ، وَلَهُ التَّغْيِيرُ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْمُسْتَحِقِّ. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ، اقْتِصَارٌ عَلَى الْأَصَحِّ. فَقَدْ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِذَا قَالَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ لِهَذَا الْوَكِيلِ: خُذِ الْأَلْفَ وَادْفَعْهُ إِلَى فُلَانٍ، فَوَجْهَانِ. أَفْقَهُهُمَا أَنَّهُ بِالْقَبْضِ يَنْعَزِلُ عَنْ وَكَالَةِ الْمُسْتَحِقِّ، وَصَارَ وَكِيلًا لِلْمَدْيُونِ. وَالثَّانِي: يَبْقَى وَكِيلًا لِلْأَوَّلِ. فَعَلَى هَذَا، لَوْ تَلِفَ فِي يَدِ الْوَكِيلِ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ، فَمِنْ ضَمَانِ صَاحِبِ الدَّيْنِ وَقَدْ بَرِئَ الدَّافِعُ. وَعَلَى الْأَوَّلِ: هُوَ مِنْ ضَمَانِ الدَّافِعِ، وَالدَّيْنُ بَاقٍ عَلَيْهِ. وَإِنْ قَصَّرَ الْوَكِيلُ، فَعَلَيْهِ الضَّمَانُ. وَأَيُّهُمَا يُطَالِبُهُ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِي جَرَيَانِ الْوَجْهَيْنِ قَبُولُ الْوَكِيلِ صَرِيحًا بِالْقَوْلِ، بَلْ مُجَرَّدُ قَوْلِهِ: ادْفَعْ إِلَى فُلَانٍ، فِيهِ الْوَجْهَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَبْرَأَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنَيْنِ الْمَدْيُونَ عَنْ مِائَةٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةً، فَإِنْ قَصَدَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا، فَهُوَ لِمَا قَصَدَ. وَإِنْ أَطْلَقَ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَإِنِ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْمُبَرِّئُ: أَبْرَأْتُ عَنِ الدَّيْنِ الْخَالِي عَنِ الرَّهْنِ وَالْكَفِيلِ، فَقَالَ الْمَدْيُونُ: بَلْ عَنِ الْآخَرِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُبَرِّئِ مَعَ يَمِينِهِ.

стр. 1519

فَصْلٌ اخْتَلَفَا فِي قِدَمِ عَيْبِ الْمَرْهُونِ وَحُدُوثِهِ، فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ. وَلَوْ رَهَنَهُ عَصِيرًا، ثُمَّ بَعْدَ قَبْضِهِ اخْتَلَفَا، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: قَبَضْتُهُ وَقَدْ تَخَمَّرَ، فَلِيَ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: بَلْ صَارَ عِنْدَكَ خَمْرًا، فَالْأَظْهَرُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الرَّاهِنِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ لُزُومِ الْبَيْعِ. وَالثَّانِي: قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ قَبْضٍ صَحِيحٍ. وَلَوْ زَعَمَ الْمُرْتَهِنُ أَنَّهُ كَانَ خَمْرًا يَوْمَ الْعَقْدِ، وَكَانَ شَرْطُهُ فِي الْبَيْعِ شَرْطَ رَهْنٍ فَاسِدٍ، فَقِيلَ بِطَرْدِ الْقَوْلَيْنِ. وَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ قَطْعًا. وَلَوْ سَلَّمَ الْعَبْدَ الْمَشْرُوطَ رَهْنُهُ مُلْتَفًّا بِثَوْبٍ، ثُمَّ وُجِدَ مَيِّتًا، فَقَالَ الرَّاهِنُ: مَاتَ عِنْدَكَ، فَقَالَ: بَلْ أَعْطَيْتَنِيهِ مَيِّتًا، فَأَيُّهُمَا يُقْبَلُ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ. وَلَوِ اشْتَرَى مَائِعًا، وَجَاءَ بِظَرْفٍ فَصَبَّهُ الْبَائِعُ فِيهِ، فَوُجِدَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ مَيْتَةٌ، فَقَالَ الْبَائِعُ: كَانَتْ فِي ظَرْفِكَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: قَبَضْتُهُ وَفِيهِ الْفَأْرَةُ، فَفِيمَنْ يُصَدَّقُ؟ الْقَوْلَانِ. وَلَوْ زَعَمَ الْمُشْتَرِي كَوْنَهَا فِيهِ حَالَ الْبَيْعِ، فَهَذَا اخْتِلَافٌ فِي جَرَيَانِ الْعَقْدِ صَحِيحًا، أَمْ فَاسِدًا؟ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ. فَصْلٌ لَيْسَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَقُولَ: أَحْضِرِ الْمَرْهُونَ وَأَنَا أَقْضِي دَيْنَكَ مِنْ مَالِي، [بَلْ] لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْضَارُ بَعْدَ قَضَائِهِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ التَّمْكِينُ كَالْمُودِعِ. وَالْإِحْضَارُ، وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مُؤْنَةٍ عَلَى رَبِّ الْمَالِ. وَلَوِ احْتِيجَ إِلَى بَيْعِهِ فِي الدَّيْنِ، فَمُؤْنَةُ الْإِحْضَارِ عَلَى الرَّاهِنِ. قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ «الْمُعَايَاةِ» : إِذَا رَهَنَ شَيْئًا وَلَمْ يَشْرُطْ جَعْلَهُ فِي يَدِ عَدْلٍ، أَوِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ كَانَ جَارِيَةً، صَحَّ قَطْعًا، وَكَذَا غَيْرُهَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَالْفَرْقُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَغَيْرُهَا قَدْ يَكُونُ، فَيَتَنَازَعَانِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ كَانَ

стр. 1520

بِالْمَرْهُونِ عَيْبٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ الْمُرْتَهِنُ حَتَّى مَاتَ، أَوْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ فِي يَدِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَسْخُ الْبَيْعِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ، كَمَا لَوْ جَرَى ذَلِكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِالْأَرْشِ لِيَكُونَ مَرْهُونًا، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ رَهَنَ عَبْدَيْنِ، وَسَلَّمَ أَحَدَهُمَا فَمَاتَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَامْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ تَسْلِيمِ الْآخَرِ لَمْ يَكُنْ لَهُ خِيَارٌ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنْهُ رَدُّهُ عَلَى حَالِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1521

كِتَابُ التَّفْلِيسِ التَّفْلِيسُ فِي اللُّغَةِ: النِّدَاءُ عَلَى الْمُفْلِسِ، وَشَهْرُهُ بِصِفَةِ الْإِفْلَاسِ. وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ، فَقَالَ الْأَئِمَّةُ الْمُفْلِسُ: مَنْ عَلَيْهِ دُيُونٌ لَا يَفِي بِهَا مَالُهُ. وَمِثْلُ هَذَا الشَّخْصِ يَحْجُرُ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِالشَّرَائِطِ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ، ثَبَتَ حُكْمَانِ. أَحَدُهُمَا: تَعَلُّقُ الدَّيْنِ بِمَالِهِ حَتَّى لَا يُنَفَّذَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِمَا يَضُرُّ بِالْغُرَمَاءِ، وَلَا تُزَاحِمُهَا الدُّيُونُ الْحَادِثَةُ، كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالثَّانِي: أَنَّ مَنْ وَجَدَ عِنْدَ الْمُفْلِسِ عَيْنَ مَالِهِ، كَانَ أَحَقَّ بِهِ مَنْ غَيْرِهِ. فَلَوْ مَاتَ مُفْلِسًا قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، تَعَلَّقَتِ الدُّيُونُ بِتَرِكَتِهِ كَمَا سَبَقَ فِي الرَّهْنِ. وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُفْلِسِ وَغَيْرِهِ، وَلَكِنْ يَثْبُتُ الْحُكْمُ الثَّانِي، وَيَكُونُ مَوْتُهُ مُفْلِسًا كَالْحَجْرِ عَلَيْهِ. وَلَوْ كَانَ مَالُ الْمَيِّتِ وَافِيًا بِدُيُونِهِ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ، كَمَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ، لِتَيَسُّرِ الثَّمَنِ. وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: يَرْجِعُ. وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعَلُّقَ الْمَانِعَ مِنَ التَّصَرُّفِ، يَفْتَقِرُ إِلَى حَجْرِ الْقَاضِي عَلَيْهِ قَطْعًا. وَكَذَا الرُّجُوعُ إِلَى عَيْنِ الْمَبِيعِ. هَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْأَصْحَابِ تَعْرِيضًا وَتَصْرِيحًا. وَقَدْ يُشْعِرُ بَعْضُ كَلَامِهِمْ بِالِاسْتِغْنَاءِ فِيهِ عَنْ حَجْرِ الْقَاضِي، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ الْأَوَّلُ. فَصْلٌ يَحْجُرُ الْقَاضِي عَلَى الْمُفْلِسِ بِالْتِمَاسِ الْغُرَمَاءِ الْحَجْرَ عَلَيْهِ بِالدُّيُونِ الْحَالَّةِ الزَّائِدَةِ عَلَى قَدْرِ مَالِهِ، فَهَذِهِ قُيُودٌ. الْأَوَّلُ: الِالْتِمَاسُ، فَلَا بُدَّ مِنْهُ. فَلَيْسَ لِلْقَاضِي الْحَجْرُ بِغَيْرِ الْتِمَاسٍ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ. فَلَوْ

стр. 1522

كَانَتِ الدُّيُونُ لِمَجَانِينَ أَوْ صِبْيَانٍ، أَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، حَجَرَ لِمَصْلَحَتِهِمْ بِلَا الْتِمَاسٍ، وَلَا يَحْجُرُ لِدَيْنِ الْغَائِبِينَ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي مَالَهُمْ فِي الذِّمَمِ، إِنَّمَا يَحْفَظُ أَعْيَانَ أَمْوَالِهِمْ. قُلْتُ: وَإِذَا وَجَدَ الِالْتِمَاسَ مَعَ بَاقِي الشُّرُوطِ الْمُجَوِّزَةِ لِلْحَجْرِ، وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ الْحَجْرُ، صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا كَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَأَصْحَابِ «الْحَاوِي» وَ «الشَّامِلِ» وَ «الْبَسِيطِ» وَآخَرِينَ. وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ عِبَارَةَ كَثِيرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا: «فَلِلْقَاضِي الْحَجْرُ» ، وَلَيْسَ مُرَادُهُمْ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْقَيْدُ الثَّانِي: كَوْنُ الِالْتِمَاسِ مِنَ الْغُرَمَاءِ، فَلَوِ الْتَمَسَ بَعْضُهُمْ وَدَيْنُهُ قَدْرٌ يَجُوزُ الْحَجْرُ بِهِ، حَجَرَ، وَإِلَّا، فَلَا، عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِذَا حَجَرَ، لَا يَخْتَصُّ أَثَرُهُ بِالْمُلْتَمِسِ، بَلْ يَعُمُّهُمْ كُلُّهُمْ. قُلْتُ: أَطْلَقَ أَبُو الطِّيبِ وَأَصْحَابُ «الْحَاوِي» وَ «التَّتِمَّةِ» وَ «التَّهْذِيبِ» : أَنَّهُ إِذَا عَجَزَ مَالُهُ عَنْ دُيُونِهِ، فَطَلَبَ الْحَجْرَ بَعْضُ الْغُرَمَاءِ، حَجَرَ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا قَدْرَ دَيْنِ الطَّالِبِ، وَهَذَا قُوِّيَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ لَمْ يَلْتَمِسْ أَحَدٌ عَنْهُمْ، وَالْتَمَسَهُ الْمُفْلِسُ، حَجَرَ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ لَهُ غَرَضًا. الْقَيْدُ الثَّالِثُ: كَوْنُ الدَّيْنِ حَالًّا، فَلَا حَجْرَ بِالْمُؤَجَّلِ وَإِنْ لَمْ يَفِ الْمَالُ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ فِي الْحَالِ. فَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ حَالًّا، فَإِنْ كَانَ قَدْرًا يَجُوزُ الْحَجْرُ لَهُ [حَجَرَ] وَإِلَّا، فَلَا. فَرْعٌ إِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ، لَا يَحُلُّ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ عَلَى الْمَشْهُورِ ; لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقٌّ مَقْصُودٌ لَهُ فَلَا يَفُوتُ. وَفِي قَوْلٍ: يَحُلُّ كَالْمَوْتِ. فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ، لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلَّا مُؤَجَّلٌ هَلْ يُحْجَرُ عَلَيْهِ؟ وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ: لَا. وَلَوْ جُنَّ وَعَلَيْهِ مُؤَجَّلٌ،

стр. 1523

حَلَّ عَلَى الْمَشْهُورِ. فَإِنْ قُلْنَا بِالْحُلُولِ، قُسِّمَ الْمَالُ بَيْنَ أَصْحَابِ هَذِهِ الدُّيُونِ. وَأَصْحَابِ الْحَالَّةِ مِنَ الِابْتِدَاءِ، كَمَا لَوْ مَاتَ. وَإِنْ كَانَ فِي الْمُؤَجَّلِ ثَمَنُ مَتَاعٍ مَوْجُودٍ عِنْدَ الْمُفْلِسِ، فَلِبَائِعِهِ الرُّجُوعُ إِلَى عَيْنِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ حَالًّا فِي الِابْتِدَاءِ. وَفِي وَجْهٍ: أَنَّ فَائِدَةَ الْحُلُولِ، أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ الْمَتَاعِ حَقُّ غَيْرِ بَائِعِهِ، فَيَحْفَظُهُ إِلَى مُضِيِّ الْمُدَّةِ. فَإِنْ وُجِدَ وَفَاءً، فَذَاكَ، وَإِلَّا فَحِينَئِذٍ يَنْفَسِخُ. وَقِيلَ: لَا فَسْخَ حِينَئِذٍ أَيْضًا. بَلْ لَوْ بَاعَ بِمُؤَجَّلٍ وَحَلَّ الْأَجَلُ، ثُمَّ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَحَجَرَ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الْفَسْخُ وَالرُّجُوعُ. وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ. وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ الْحُلُولِ، بِيعَ مَالُهُ، وَقُسِّمَ عَلَى أَصْحَابِ الْحَالِّ، وَلَا يَدَّخِرُ لِأَصْحَابِ الْمُؤَجَّلِ شَيْءٌ، وَلَا يُدَامُ الْحَجْرُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ لِأَصْحَابِ الْمُؤَجَّلِ، كَمَا لَا يَحْجُرُ بِهِ ابْتِدَاءً. وَهَلْ تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ الْأَمْتِعَةُ الْمُشْتَرَاةُ بِمُؤَجَّلٍ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَلَيْسَ لِبَائِعِهَا تَعَلُّقٌ بِهَا ; لِأَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ فِي الْحَالِ عَلَى هَذَا. فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقْ بَيْعُهَا وَقِسْمَتُهَا حَتَّى حَلَّ الْأَجَلُ، فَفِي جَوَازِ الْفَسْخِ الْآنَ وَجْهَانِ. قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الْجَوَازُ، قَالَهُ فِي «الْوَجِيزِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تُبَاعُ، فَإِنَّهَا كَالْمَرْهُونَةِ بِحُقُوقِ بَائِعِهَا، بَلْ تُوقَفُ إِلَى انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، فَإِنِ انْقَضَى وَالْحَجْرُ بَاقٍ، ثَبَتَ حَقُّ الْفَسْخِ. وَإِنْ فُكَّ، فَكَذَلِكَ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى إِعَادَةِ الْحَجْرِ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ عَزْلُهَا وَانْتِظَارُ الْأَجَلِ كَبَقَاءِ الْحَجْرِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمَبِيعِ. الْقَيْدُ الرَّابِعُ: كَوْنُ الدُّيُونِ زَائِدَةً عَلَى أَمْوَالِهِ. فَلَوْ كَانَتْ مُسَاوِيَةً وَالرَّجُلُ كَسُوبٌ يُنْفِقُ مِنْ كَسْبِهِ، فَلَا حَجْرَ. وَإِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ الْإِفْلَاسِ، بِأَنَّ لَمْ يَكُنْ كَسُوبًا، وَكَانَ يُنْفِقْ مِنْ مَالِهِ، أَوْ لَمْ يَفِ كَسْبُهُ بِنَفَقَتِهِ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ: لَا حَجْرَ، وَاخْتَارَ الْإِمَامُ الْحَجْرَ. وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ، فِيمَا إِذَا كَانَتِ

стр. 1524

الدُّيُونُ أَقَلَّ، وَكَانَتْ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَصِيرُهَا إِلَى النَّقْصِ أَوِ الْمُسَاوَاةِ، لِكَثْرَةِ النَّفَقَةِ. وَهَذِهِ الصُّورَةُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ. وَإِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ فِي صُورَةِ الْمُسَاوَاةِ، فَهَلْ لِمَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ الرُّجُوعُ؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ. وَالثَّانِي: لَا، لِتَمَكُّنِهُ مِنَ اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ بِكَمَالِهِ. وَهَلْ تَدْخُلُ هَذِهِ الْأَعْيَانُ فِي حِسَابِ أَمْوَالِهِ، وَأَثْمَانُهَا فِي حِسَابِ دُيُونِهِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْإِدْخَالُ. فَصْلٌ وَإِذَا حَجَرَ عَلَيْهِ، اسْتُحِبَّ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِ، لِيَحْذَرَ النَّاسُ مُعَامَلَتَهُ. وَإِذَا حَجَرَ، امْتَنَعَ مِنْهُ كُلُّ تَصَرُّفٍ مُبْتَدَأٍ يُصَادِفُ الْمَالَ الْمَوْجُودَ عِنْدَ الْحَجْرِ، فَهَذِهِ قُيُودٌ. الْأَوَّلُ: كَوْنُ التَّصَرُّفِ مُصَادِفًا لِلْمَالِ. وَالتَّصَرُّفُ ضَرْبَانِ. إِنْشَاءٌ، وَإِقْرَارٌ. الْأَوَّلُ: الْإِنْشَاءُ، وَهُوَ قِسْمَانِ. أَحَدُهُمَا: يُصَادِفُ الْمَالَ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى تَحْصِيلٍ، كَالِاحْتِطَابِ وَالِاتِّهَابِ، وَقَبُولِ الْوَصِيَّةِ، وَلَا مَنْعَ مِنْهُ قَطْعًا ; لِأَنَّهُ كَامِلُ الْحَالِ. وَغَرَضُ الْحَجْرِ: مَنْعُهُ مِمَّا يَضُرُّ الْغُرَمَاءَ وَإِلَى تَفْوِيتٍ، فَيُنْظَرُ، إِنْ تَعَلَّقْ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ التَّدْبِيرُ وَالْوَصِيَّةُ، صَحَّ، فَإِنْ فَضَلَ الْمَالُ، نُفِّذَ، وَإِلَّا، فَلَا. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْرِدُهُ عَيْنَ مَالٍ، وَإِمَّا فِي الذِّمَّةِ، فَهُمَا نَوْعَانِ. الْأَوَّلُ: كَالْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، وَالرَّهْنِ، وَالْإِعْتَاقِ، وَالْكِتَابَةِ، وَفِيهَا قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ، إِنْ فَضَلَ مَا يَصْرِفُ فِيهِ عَنِ الدَّيْنِ لِارْتِفَاعِ الْقِيمَةِ، أَوْ إِبْرَاءٌ، نَفَّذْنَاهُ، وَإِلَّا، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ لَغْوًا. وَأَظْهَرُهُمَا: لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِالْأَعْيَانِ، كَالرَّهْنِ. ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي مَحَلِّ الْقَوْلَيْنِ، فَقِيلَ: هُمَا فِيمَا إِذَا اقْتَصَرَ الْحَاكِمُ عَلَى الْحَجْرِ، وَلَمْ يَجْعَلْ مَالَهُ لِغُرَمَائِهِ حَيْثُ وَجَدُوهُ. فَإِنْ جَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُنَفَّذْ تَصَرُّفُهُ قَطْعًا، وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁: إِذَا جَعَلَ مَالَهُ لِغُرَمَائِهِ، فَلَا

стр. 1525

زَكَاةَ عَلَيْهِ وَطَرَدَهُمَا آخَرُونَ فِي الْحَالَيْنِ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ، قَالَ هَؤُلَاءِ: وَتَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْأَظْهَرِ مَا دَامَ مِلْكُهُ بَاقِيًا، وَالنَّصُّ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا بَاعَهُ لَهُمْ. فَإِنْ نَفَّذْنَاهُ بَعْدَ الْحَجْرِ، وَجَبَ تَأْخِيرُ مَا تَصَرَّفَ فِيهِ، وَقَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِهِ، فَلَعَلَّهُ يَفْضُلُ، فَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ، نَقَصْنَا مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ الْأَضْعَفَ فَالْأَضْعَفَ، وَالْأَضْعَفُ الرَّهْنُ وَالْهِبَةُ، لِخُلُوِّهِمَا عَنِ الْعِوَضِ، ثُمَّ الْبَيْعُ، ثُمَّ الْكِتَابَةُ، ثُمَّ الْعِتْقُ، قَالَ الْإِمَامُ: فَلَوْ لَمْ يُوجَدْ رَاغِبٌ فِي أَمْوَالِ الْمُفْلِسِ إِلَّا فِي الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ، فَقَالَ الْغُرَمَاءُ: بِيعُوهُ وَنَجِّزُوا حَقَّنَا، فَفِيهِ احْتِمَالٌ. وَغَالِبُ الظَّنِّ أَنَّهُمْ يُجَابُونَ. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ فَسْخِ الْأَضْعَفِ فَالْأَضْعَفِ، هُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ عَنِ الْأَصْحَابِ. ثُمَّ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَفْسَخَ الْآخِرَ فَالْآخِرَ، كَمَا قُلْنَا فِي تَبَرُّعَاتِ الْمَرِيضِ إِذَا عَجَزَ عَنْهَا الثُّلْثُ، وَالْمُخْتَارُ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ. فَعَلَى هَذَا، لَوْ كَانَ وَقَفَ وَعَتَقَ، فَفِي الشَّامِلِ أَنَّ الْعِتْقَ يُفْسَخُ، ثُمَّ الْوَقْفُ. وَقَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: يَنْبَغِي أَنْ يُفْسَخَ الْوَقْفُ أَوَّلًا ; لِأَنَّ الْعِتْقَ لَهُ قُوَّةٌ وَسِرَايَةٌ، وَهَذَا أَصَحُّ. وَلَوْ تَعَارَضَ الرَّهْنُ وَالْهِبَةُ، فُسِخَ الرَّهْنُ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ بِهِ الْعَيْنَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي بَيْعِهِ لِغَيْرِ الْغُرَمَاءِ، فَإِنْ بَاعَهُمْ، فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. النَّوْعُ الثَّانِي: مَا يُرَدُّ عَلَى الذِّمَّةِ بِأَنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ، أَوْ بَاعَ طَعَامًا سَلَمًا، فَيَصِحُّ وَيَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ. وَفِي قَوْلٍ شَاذٍّ: لَا يَصِحُّ. الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا يُصَادِفُ الْمَالَ، فَلَا مَنْعَ مِنْهُ، كَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْخُلْعِ، وَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، وَالْعَفْوِ عَنْهُ، وَاسْتِلْحَاقِ النَّسَبِ، وَنَفْيِهِ بِاللِّعَانِ.

стр. 1526

الضَّرْبُ الثَّانِي: الْإِقْرَارُ. فَإِنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ لَزِمَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ عَنْ مُعَامَلَةٍ، أَوْ إِتْلَافٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا، لَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ. وَهَلْ يُقْبَلُ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ؟ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا. لِئَلَّا يَضُرُّهُمْ بِالْمُزَاحَمَةِ. وَأَظْهَرُهُمَا: يُقْبَلُ، كَمَا لَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ. وَكَإِقْرَارِ الْمَرِيضِ بِدَيْنٍ يَزْحَمُ غُرَمَاءَ الصِّحَّةِ، وَلِعَدَمِ التُّهْمَةِ الظَّاهِرَةِ. وَإِنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ لَزِمَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ، فَإِنْ قَالَ: عَنْ مُعَامَلَةٍ لَمْ تُقْبَلْ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ. وَإِنْ قَالَ: عَنِ إِتْلَافٍ أَوْ جِنَايَةٍ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَمَا قَبْلَ الْحَجْرِ، وَقِيلَ: كَدَيْنِ الْمُعَامَلَةِ بَعْدَهُ. وَإِنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ وَلَمْ يَنْسُبْهُ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: التَّنْزِيلُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَجَعْلُهُ كَإِسْنَادِهِ إِلَى مَا قَبْلَ الْحَجْرِ. قُلْتُ: هَذَا ظَاهِرٌ إِنْ تَعَذَّرَتْ مُرَاجَعَةُ الْمُقِرِّ. فَإِنْ أَمْكَنَتْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُرَاجَعَ ; لِأَنَّهُ يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا إِذَا أَقَرَّ بِعَيْنِ مَالٍ لِغَيْرِهِ، فَقَالَ: غَصَبْتُهُ، أَوِ اسْتَعَرْتُهُ، أَوْ أَخَذْتُهُ سَوْمًا، فَقَوْلَانِ كَمَا لَوْ أَسْنَدَ الدَّيْنَ إِلَى مَا قَبْلَ الْحَجْرِ، أَظْهَرُهُمَا: الْقَبُولُ. لَكِنْ إِذَا قَبِلْنَا، فَفَائِدَتُهُ هُنَاكَ مُزَاحَمَةُ الْمُقِرِّ لَهُ الْغُرَمَاءُ، وَهُنَا تُسَلَّمُ إِلَيْهِ الْعَيْنُ، وَإِنْ لَمْ يُقْبَلْ، فَإِنْ فَضَلَ، سُلِّمَ إِلَيْهِ، وَإِلَّا، فَالْغُرْمُ فِي ذِمَّتِهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْإِنْشَاءِ، حَيْثُ أَبْطَلْنَاهُ فِي الْحَالِّ قَطْعًا وَكَذَا عِنْدَ زَوَالِ الْحَجْرِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَبَيْنَ الْإِقْرَارِ حَيْثُ قَبِلْنَاهُ فِي الْمُفْلِسِ قَطْعًا، وَفِي الْغُرَمَاءِ عَلَى الْأَظْهَرِ، أَنَّ مَقْصُودَ الْحَجْرِ، مَنْعُهُ التَّصَرُّفَ، فَأَبْطَلْنَاهُ. وَالْإِقْرَارُ إِخْبَارٌ عَنْ مَاضٍ، وَالْحَجْرُ لَا يَسْلُبُهُ الْعِبَارَةَ. فَرْعٌ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ تُوجِبُ الْقَطْعَ، قُطِعَ. وَفِي رَدِّ الْمَسْرُوقِ، الْقَوْلَانِ. وَالْقَبُولُ هُنَا أَوْلَى، لِبُعْدِهِ عَنِ التُّهْمَةِ. وَلَوْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، فَعَفَا عَلَى مَالٍ، فَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّهُ كَالْإِقْرَارِ بِدَيْنِ الْجِنَايَةِ. وَقَطَعَ بَعْضُهُمْ بِالْقَبُولِ، لِانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ.

стр. 1527

فَرْعٌ ادُّعِيَ عَلَيْهِ مَالٌ لَزِمَهُ قَبْلَ الْحَجْرِ، فَأَنْكَرَ وَنَكَلَ، فَحَلَفَ الْمُدَّعِي، إِنْ قُلْنَا: النُّكُولُ وَرَدُّ الْيَمِينِ كَالْبَيِّنَةِ، زَاحَمَ، وَإِنْ قُلْنَا: كَالْإِقْرَارِ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ. الْقَيْدُ الثَّانِي: كَوْنُهُ مُصَادِفًا لِلْمَالِ الْمَوْجُودِ عِنْدَ الْحَجْرِ. فَلَوْ تَجَدَّدَ بَعْدَهُ بِاصْطِيَادٍ، أَوِ اتِّهَابٍ، أَوْ قَبُولِ وَصِيَّةٍ، فَفِي تَعَدِّي الْحَجْرِ إِلَيْهِ وَمَنْعِهِ التَّصَرُّفَ فِيهِ، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: التَّعَدِّي. وَلَوِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ، فَفِي تَصَرُّفِهِ، هَذَانِ الْوَجْهَانِ. وَهَلْ لِلْبَائِعِ الْخِيَارُ وَالتَّعَلُّقُ بِعَيْنِ مَتَاعِهِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: الثَّالِثُ، وَهُوَ إِثْبَاتُهُ لِلْجَاهِلِ دُونَ الْعَالِمِ. فَإِنْ لَمْ نُثْبِتْهُ، فَهَلْ يُزَاحِمُ الْغُرَمَاءَ بِالثَّمَنِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا ; لِأَنَّهُ حَادِثٌ بِرِضَى مُسْتَحِقِّهِ، وَالْمُزَاحَمَةُ بِالدَّيْنِ الْحَادِثِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ. أَحَدُهَا: مَا لَزِمَ بِرِضَى مُسْتَحِقِّهِ. فَإِنْ كَانَ فِي مُقَابَلَتِهِ شَيْءٌ، كَثَمَنِ الْمَبِيعِ، فَفِيهِ هَذَانَ الْوَجْهَانِ، وَإِلَّا، فَلَا مُزَاحَمَةَ بِلَا خِلَافٍ، بَلْ يَصِيرُ إِلَى انْفِكَاكِ الْحَجْرِ. الثَّانِي: مَا لَزِمَ بِغَيْرِ رِضَى الْمُسْتَحِقِّ، كَالْجِنَايَةِ وَالْإِتْلَافِ، فَيُزَاحَمُ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ، لِتَعَلُّقِ حُقُوقِ الْأَوَّلِينَ، كَمَا لَوْ جَنَى وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا عَبْدٌ مَرْهُونٌ، لَا يُزَاحِمُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنَ. الثَّالِثُ: مَا يَتَجَدَّدُ بِسَبَبِ مُؤْنَةِ الْمَالُ، كَأُجْرَةِ الْكَيَّالِ، وَالْوَزَّانِ، وَالْحَمَّالِ وَالْمُنَادِي، وَالدَّلَّالِ، وَكَرَّاءِ الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ الْمَتَاعُ، فَهَذِهِ الْمُؤَنُ تُقَدَّمَ عَلَى حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ ; لِأَنَّهَا لِمَصْلَحَةِ الْحَجْرِ. هَذَا إِنْ لَمْ نَجِدْ مُتَبَرِّعًا. فَإِنْ وُجِدَ، أَوْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ سِعَةٌ لَمْ يُصْرَفْ مَالُ الْمُفْلِسِ إِلَيْهَا. قُلْتُ: لَوْ تَجَدَّدَ دَيْنٌ بَعْدَ الْحَجْرِ، وَأَقَرَّ بِسَابِقٍ وَقُلْنَا: لَا مُزَاحَمَةَ بِهِمَا، فَهُمَا سَوَاءٌ، وَمَا فَضَلَ، قُسِّمَ بَيْنَهُمَا، قَالَهُ فِي «التَّتِمَّةِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1528

الْقَيْدُ الثَّالِثُ: كَوْنُ التَّصَرُّفِ مُبْتَدَأً، فَلَوِ اشْتَرَى شَيْئًا قَبْلَ الْحَجْرِ، فَوَجَدَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ مَعِيبًا، فَلَهُ رَدُّهُ إِنْ كَانَ فِي الرَّدِّ غِبْطَةٌ ; لِأَنَّ الْحَجْرَ لَا يَنْعَطِفُ عَلَى مَاضٍ، فَإِنْ مُنِعَ مِنَ الرَّدِّ عَيْبٌ حَادِثٌ، لَزِمَهُ الْأَرْشُ، وَلَمْ يَمْلِكِ الْمُفْلِسُ إِسْقَاطَهُ. وَإِنْ كَانَتِ الْغِبْطَةُ فِي بَقَائِهِ لَمْ يَمْلِكْ رَدَّهُ ; لِأَنَّهُ تَفْوِيتٌ بِغَيْرِ عِوَضٍ. وَلِهَذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁، عَلَى أَنَّهُ لَوِ اشْتَرَى فِي صِحَّتِهِ شَيْئًا، ثُمَّ مَرِضَ، وَوَجَدَهُ مَعِيبًا، فَأَمْسَكَهُ وَالْغِبْطَةُ فِي رَدِّهِ، كَانَ الْقَدْرُ الَّذِي نَقَصَهُ الْعَيْبُ مَحْسُوبًا مِنَ الثُّلُثِ، وَكَذَلِكَ الْوَلِيُّ إِذَا وَجَدَ مَا اشْتَرَاهُ لِلطِّفْلِ مَعِيبًا، لَا يَرُدُّهُ إِذَا كَانَتِ الْغِبْطَةُ فِي بَقَائِهِ، وَلَا يَثْبُتُ الْأَرْشُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ; لِأَنَّ الرَّدَّ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا الْمَصْلَحَةُ تَقْتَضِي الِامْتِنَاعَ. فَرْعٌ لَوْ تَبَايَعَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ، فَفَلَّسَا أَوْ أَحَدُهُمَا، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا إِجَازَةُ الْبَيْعِ وَرَدُّهُ بِغَيْرِ رِضَى الْغُرَمَاءِ، هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁. وَفِيهِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ. أَصَحُّهَا: الْأَخْذُ بِظَاهِرِهِ، فَيَجُوزُ الْفَسْخُ وَالْإِجَازَةُ عَلَى وَفْقِ الْغِبْطَةِ، وَعَلَى خِلَافِهَا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُمْنَعُ مِنَ ابْتِدَاءِ تَصَرُّفٍ. وَالثَّانِي: تَجْوِيزُهُمَا بِشَرْطِ الْغِبْطَةِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَالثَّالِثُ: إِنْ وَقَعَا عَلَى وَفْقِ الْغِبْطَةِ، صَحَّ، وَإِلَّا، فَيُبْنَى عَلَى أَقْوَالِ الْمِلْكِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ، وَيُنْظَرُ مَنْ أَفْلَسَ. فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي، وَقُلْنَا: الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ، فَلِلْمُشْتَرِي الْإِجَازَةُ وَالْفَسْخُ. وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمُشْتَرِي، فَلَهُ الْإِجَازَةُ ; لِأَنَّهَا اسْتِدَامَةُ مِلْكٍ، وَلَا فَسْخَ ; لِأَنَّهُ إِزَالَةٌ. وَإِنْ أَفْلَسَ الْبَائِعُ، وَقُلْنَا: الْمِلْكُ لَهُ، فَلَهُ الْفَسْخُ ; لِأَنَّهُ اسْتِدَامَةٌ، وَلَيْسَ لَهُ الْإِجَازَةُ. وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمُشْتَرِي، فَلِلْبَائِعِ الْفَسْخُ وَالْإِجَازَةُ.

стр. 1529

فَصْلٌ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَادَّعَى وَارِثُهُ دَيْنًا لَهُ عَلَى رَجُلٍ، وَأَقَامَ شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ، ثَبَتَ الْحَقُّ وَجُعِلَ فِي تَرِكَتِهِ. فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَمْ تُرَدَّ الْيَمِينُ عَلَى الْغُرَمَاءِ عَلَى الْجَدِيدِ. وَلَوِ ادَّعَى الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِالْفَلَسِ دَيْنًا وَالتَّصْوِيرُ كَمَا ذَكَرْنَا لَمْ يَحْلِفِ الْغُرَمَاءُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ. وَحَكَى الْإِمَامُ عَنْ شَيْخِهِ طَرْدَ الْخِلَافِ فِي ابْتِدَاءِ الدَّعْوَى مِنَ الْغُرَمَاءِ. وَعَنِ الْأَكْثَرِينَ، الْقَطْعُ بِمَنْعِ الدَّعْوَى ابْتِدَاءً، وَتَخْصِيصُ الْخِلَافِ بِالْيَمِينِ بَعْدَ دَعْوَى الْوَارِثِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَالْمُفْلِسِ فِي الثَّانِيَةِ. قُلْتُ: وَطَرَدَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ الْقَوْلَيْنِ فِي الدَّعْوَى مِنْ غَرِيمِ الْمَيِّتِ إِذَا تَرَكَهَا وَارِثُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعَى عَيْنًا أَوْ دَيْنًا، قَالَهُ ابْنُ كَجٍّ: وَفَرَّعَ عَلَى قَوْلِنَا: يَحْلِفُ الْغُرَمَاءُ، أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ فَقَطْ، اسْتَحَقَّ الْحَالِفُونَ بِالْقِسْطِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ. قَالَ: وَلَوْ حَلَفُوا ثُمَّ أَبْرَئُوا مِنْ دُيُونِهِمْ، فَهَلْ يَكُونُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ لَهُمْ وَيَبْطُلُ الْإِبْرَاءُ؟ أَمْ يَكُونُ لِلْمُفْلِسِ؟ أَمْ يَسْقُطُ عَنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَا يُسْتَوْفَى أَصْلًا؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَصَحُّهَا: كَوْنَهُ لِلْمُفْلِسِ. وَيَجِيءُ مِثْلُهُ فِي غُرَمَاءِ الْمَيِّتِ، وَهَذَا الْمَذْكُورُ عَنِ ابْنِ كَجٍّ فِي حَلِفِ بَعْضِهِمْ، قَالَهُ آخَرُونَ، مِنْهُمْ صَاحِبُ «الْحَاوِي» . وَلَوِ ادَّعَى الْمُفْلِسُ عَلَى رَجُلٍ مَالًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَاهِدٌ، وَنَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ الْمُفْلِسُ، فَفِي حَلِفَ الْغُرَمَاءِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ مَعَ الشَّاهِدِ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَصَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» . وَلَا يَحْلِفُ الْغَرِيمُ إِلَّا عَلَى قَدْرِ دَيْنِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1530

فَصْلٌ إِذَا أَرَادَ السَّفَرَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَإِنْ كَانَ حَالًّا، فَلِصَاحِبِهِ مَنْعُهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَقَّهُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَيْسَ هَذَا مَنْعًا مِنَ السَّفَرِ، كَمَا يَمْنَعُ عَبْدَهُ وَزَوْجَتَهُ السَّفَرَ، بَلْ يَشْغَلُهُ عَنِ السَّفَرِ بِرَفْعِهِ إِلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي وَمُطَالَبَتِهِ حَتَّى يُوَفِّيَ. وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ السَّفَرُ مَخُوفًا، فَلَا مَنْعَ، إِذْ لَا مُطَالَبَةَ، وَلَيْسَ لَهُ طَلَبُ رَهْنٍ وَلَا كَفِيلٍ قَطْعًا، وَلَا يُكَلِّفْهُ الْإِشْهَادَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَسَوَاءٌ كَانَ الْأَجَلُ قَرِيبًا أَمْ بَعِيدًا، فَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ مَعَهُ لِيُطَالِبَهُ عِنْدَ حُلُولِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُلَازِمَهُ. فَإِنْ كَانَ السَّفَرُ مَخُوفًا، كَالْجِهَادِ، وَرُكُوبِ الْبَحْرِ، فَلَا مَنْعَ عَلَى الْأَصَحِّ مُطْلَقًا. وَفِي وَجْهٍ: يُمْنَعُ إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الْحَقَّ، أَوْ يُعْطِيَ كَفِيلًا، قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ. وَفِي وَجْهٍ: إِنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً، مَنَعَهُ. وَفِي وَجْهٍ: إِنْ كَانَ الْمَدْيُونُ مِنَ الْمُرْتَزَقَةِ لَمْ يُمْنَعِ الْجِهَادَ، وَإِلَّا، مُنِعَ، وَاخْتَارَ الرُّويَانِيُّ مَذْهَبَ مَالِكٍ ﵁ فَقَالَ: لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالْكَفِيلِ فِي السَّفَرِ الْمَخُوفِ، وَفِي السَّفَرِ الْبَعِيدِ عِنْدَ قُرْبِ الْحُلُولِ. فَصْلٌ إِذَا ثَبَتَ إِعْسَارُ الْمَدْيُونِ لَمْ يَجُزْ حَبْسُهُ، وَلَا مُلَازَمَتُهُ، بَلْ يُمْهَلُ إِلَى أَنْ

стр. 1531

يُوسِرَ. وَأَمَّا الَّذِي لَهُ مَالٌ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَيَجِبُ أَدَاؤُهُ إِذَا طُلِبَ. فَإِذَا امْتَنَعَ، أَمْرَهُ الْحَاكِمُ بِهِ. فَإِنِ امْتَنَعَ، بَاعَ الْحَاكِمُ مَالَهُ وَقَسَّمَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ. قُلْتُ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْأَصْحَابُ: إِذَا امْتَنَعَ، فَالْحَاكِمُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ بَاعَ مَالَهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَكْرَهَهُ عَلَى بَيْعِهِ، وَعَزَّرَهُ بِالْحَبْسِ وَغَيْرِهِ حَتَّى يَبِيعَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنِ الْتَمَسَ الْغُرَمَاءُ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، حُجِرَ عَلَى الْأَصَحِّ كَيْلَا يُتْلِفَ مَالَهُ. فَإِنْ أَخْفَى مَالَهُ، حَبَسَهُ الْقَاضِي حَتَّى يَظْهِرَهُ. فَإِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ بِالْحَبْسِ. زَادَ فِي تَعْزِيرِهِ بِمَا يَرَاهُ مِنَ الضَّرْبِ وَغَيْرِهِ. وَإِنْ كَانَ مَالُهُ ظَاهِرًا، فَهَلْ يَحْبِسُهُ لِامْتِنَاعِهِ؟ قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : فِيهِ وَجْهَانِ. الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ، الْحَبْسُ. فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ تَلِفَ وَصَارَ مُفْلِسًا، فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ. ثُمَّ إِنْ شَهِدُوا عَلَى التَّلَفِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَلَمْ تُعْتَبَرْ فِيهِمِ الْخِبْرَةُ مُطْلَقًا. وَإِنْ شَهِدُوا بِإِعْسَارِهِ، قُبِلَتْ بِشَرْطِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ. قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: وَيُحْمَلُ قَوْلُهُمْ: مُعْسِرٌ، عَلَى أَنَّهُمْ وَقَفُوا عَلَى تَلَفِ الْمَالِ. فَرْعٌ إِذَا ادَّعَى الْمَدْيُونُ أَنَّهُ مُعْسِرٌ، أَوْ قَسَّمَ مَالَ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَبَقِيَ بَعْضُ الدَّيْنِ، فَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا آخَرَ، وَأَنْكَرَ الْغُرَمَاءُ، نُظِرَ، إِنْ لَزِمَهُ الدَّيْنُ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ، بِأَنِ اشْتَرَى، أَوِ اقْتَرَضَ، أَوْ بَاعَ سَلَمًا، فَهُوَ كَمَا لَوِ ادَّعَى هَلَاكَ الْمَالِ، فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ. وَإِنْ لَزِمَهُ لَا فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَصَحُّهَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ. وَالثَّانِي: يَحْتَاجُ إِلَى الْبَيِّنَةِ. وَالثَّالِثُ: إِنْ لَزِمَهُ بِاخْتِيَارِهِ كَالصَّدَاقِ وَالضَّمَانِ لَمْ يُقْبَلْ، وَاحْتَاجَ إِلَى الْبَيِّنَةِ، إِنْ لَزِمَهُ لَا بِاخْتِيَارِهِ كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ وَغَرَامَةِ الْمُتْلَفِ، قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَشْغَلُ ذِمَّتَهُ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. فَرْعٌ

стр. 1532

الْبَيِّنَةُ عَلَى الْإِعْسَارِ مَسْمُوعَةٌ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالنَّفْيِ لِلْحَاجَةِ، كَشَهَادَةِ أَنْ لَا وَارِثَ غَيْرَهُ، وَتُسْمَعُ وَإِنْ أَقَامَهَا فِي الْحَالِ. وَيُشْتَرَطُ فِي الشُّهُودِ مَعَ شُرُوطِ الشُّهُودِ، الْخِبْرَةُ الْبَاطِنَةُ كَطُولِ الْجِوَارِ أَوِ الْمُخَالَطَةِ. فَإِنْ عَرَفَ الْقَاضِي أَنَّهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَذَاكَ، وَإِلَّا، فَلَهُ اعْتِمَادُ قَوْلِهِمْ: إِنَّا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ. وَيَكْفِي شَاهِدَانِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. وَقَالَ الْفُورَانِيُّ: يُشْتَرَطُ ثَلَاثَةٌ، وَهَذَا شَاذٌّ. وَفِيهِ حَدِيثٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الِاسْتِظْهَارِ وَالِاحْتِيَاطِ. وَأَمَّا صِيغَةُ شَهَادَتِهِمْ، فَأَنْ يَقُولُوا: هُوَ مُعْسِرٌ لَا يَمْلِكُ إِلَّا قُوتَ يَوْمِهِ وَثِيَابَ بَدَنِهِ. وَلَوْ أَضَافُوا إِلَيْهِ: وَهُوَ مِمَّنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ، جَازَ وَلَا يُشْتَرَطُ. قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : وَلَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ، حَتَّى لَا تَتَمَحَّضَ شَهَادَتُهُمْ نَفْيًا، لَفْظًا وَمَعْنًى، وَيَحْلِفُ الْمَشْهُودُ لَهُ مَعَ الْبَيِّنَةِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ فِي الْبَاطِنِ. وَهَلْ هَذَا التَّحْلِيفُ وَاجِبٌ، أَمْ مُسْتَحَبٌّ؟ قَوْلَانِ. وَيُقَالُ: وَجْهَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الْوُجُوبُ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، هَلْ يُتَوَقَّفُ عَلَى اسْتِدْعَاءِ الْخَصْمِ؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا، كَمَا لَوِ ادُّعِيَ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ. فَعَلَى هَذَا هُوَ مِنْ آدَابِ الْقَضَاءِ. وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ. كَيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. قَالَ الْإِمَامُ: الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا سَكَتَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: لَسْتُ أَطْلُبُ يَمِينَهُ، وَرَضِيْتُ بِإِطْلَاقِهِ، فَلَا يَحْلِفُ بِلَا خِلَافٍ. فَرْعٌ حَيْثُ قَبِلْنَا قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ، فَيُقْبَلُ فِي الْحَالِ كَالْبَيِّنَةِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَتَأَنَّى الْقَاضِي وَيَسْأَلَ عَنْ بَاطِنِ حَالِهِ، بِخِلَافِ الْبَيِّنَةِ. وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَادَّعَى أَنَّ الْغُرَمَاءَ يَعَرِفُونَ إِعْسَارَهُ، فَلَهُ تَحْلِيفُهُمْ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ، فَإِنْ نَكَلُوا، حَلَفَ وَثَبَتَ إِعْسَارُهُ. وَإِنْ حَلَفُوا، حُبِسَ. وَمَهْمَا ادَّعَى ثَانِيًا وَثَالِثًا أَنَّهُ بَانَ لَهُمْ

стр. 1533

إِعْسَارُهُ، فَإِنَّ لَهُ تَحْلِيفَهُمْ، قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ لِلْقَاضِي أَنَّهُ يَقْصِدُ الْإِيذَاءَ وَاللَّجَاجَ. فَرْعٌ إِذَا حَبَسَهُ، لَا يَغْفُلُ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ. فَلَوْ كَانَ غَرِيبًا لَا يَتَأَتَّى لَهُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُوَكِّلَ بِهِ الْقَاضِي مَنْ يَبْحَثُ عَنْ وَطَنِهِ وَمُنْقَلَبِهِ، وَيَتَفَحَّصُ عَنْ أَحْوَالِهِ بِحَسْبِ الطَّاقَةِ، فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِعْسَارُهُ، شَهِدَ بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي لِئَلَّا يَتَخَلَّدَ فِي الْحَبْسِ، وَمَتَى ثَبَتَ الْإِعْسَارُ، وَخَلَّاهُ الْحَاكِمُ، فَعَادَ الْغُرَمَاءُ وَادَّعَوْا بَعْدَ أَيَّامٍ أَنَّهُ اسْتَفَادَ مَالًا، وَأَنْكَرَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَعَلَيْهِمُ الْبَيِّنَةُ. فَإِنْ أَتَوْا بِشَاهِدَيْنِ فَقَالَا: رَأَيْنَا فِي يَدِهِ مَالًا يَتَصَرَّفُ فِيهِ، أَخَذَهُ الْغُرَمَاءُ. فَإِنْ قَالَ: أَخَذْتُهُ مِنْ فُلَانٍ وَدِيعَةً أَوْ قَرَاضًا، وَصَدَّقَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، فَهُوَ لَهُ وَلَا حَقَّ فِيهِ لِلْغُرَمَاءِ. وَهَلْ لَهُمْ تَحْلِيفُهُ: أَنَّهُ لَمْ يُوَاطِئِ الْمُقَرَّ لَهُ، وَأَقَرَّ عَنْ تَحْقِيقٍ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا ; لِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ لَمْ يُقْبَلْ. وَإِنْ كَذَّبَهُ الْمُقَرُّ لَهُ، صُرِفَ إِلَى الْغُرَمَاءِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى إِقْرَارِهِ الْآخَرِ. وَإِنْ كَانَ الْمُقَرُّ لَهُ غَائِبًا، تَوَقَّفَ حَتَّى يَحْضُرَ، فَإِنْ صَدَّقَهُ، أَخَذَهُ، وَإِلَّا، فَيَأْخُذُهُ الْغُرَمَاءُ. فَرْعٌ فِي حَبْسِ الْوَالِدَيْنِ بِدَيْنِ الْوَلَدِ، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْغَزَالِيِّ: يُحْبَسُ. وَأَصَحُّهُمَا فِي التَّهْذِيبِ وَغَيْرِهِ، لَا يُحْبَسُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ دَيْنِ النَّفَقَةِ وَغَيْرِهِ، وَلَا بَيْنَ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ.

стр. 1534

قُلْتُ: وَإِذَا حُبِسَ الْمُفْلِسُ لَمْ يَأْثَمْ بِتَرْكِ الْجُمْعَةِ إِذَا كَانَ مُعْسِرًا. قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ اسْتِئْذَانُ الْغَرِيمِ حَتَّى يَمْنَعَهُ، فَيَسْقُطُ الْحُضُورُ. وَالنَّفَقَةُ فِي الْحَبْسِ فِي مَالِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَحَكَى الصَّيْمَرِيُّ، وَالشَّاشِيُّ، وَصَاحِبُ «الْبَيَانِ» فِيهَا وَجْهَيْنِ ثَانِيهِمَا أَنَّهَا عَلَى الْغَرِيمِ. فَإِنْ كَانَ الْمُفْلِسُ ذَا صَنْعَةٍ، مُكِّنَ مِنْ عَمَلِهَا فِي الْحَبْسِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَالثَّانِي: يُمْنَعُ إِنْ عُلِمَ مِنْهُ مُمَاطَلَةٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ، حَكَاهُمَا الصَّيْمَرِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَصَاحِبُ «الْبَيَانِ» . وَرَأَيْتُ فِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ ﵀، أَنَّهُ سُئِلَ، هَلْ يُمْنَعُ الْمَحْبُوسُ مِنَ الْجُمْعَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ بِزَوْجَتِهِ وَمُحَادَثَةِ أَصْدِقَائِهِ؟ فَقَالَ: الرَّأْيُ إِلَى الْقَاضِي فِي تَأْكِيدِ الْحَبْسِ بِمَنْعِ الِاسْتِمْتَاعِ وَمُحَادَثَةِ الصَّدِيقِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنَ الْجُمْعَةِ إِلَّا إِذَا ظَهَرَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي مَنْعِهِ. وَفِي فَتَاوَى صَاحِبِ «الشَّامِلِ» أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَمَّ الرَّيَاحِينِ فِي الْحَبْسِ، إِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يُمْنَعْ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُحْتَاجٍ بَلْ يُرِيدُ التَّرَفُّهَ، مُنِعَ. وَأَنَّهُ يُمْنَعُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِالزَّوْجَةِ، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ دُخُولِهَا لِحَاجَةٍ كَحَمْلِ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ. وَأَنَّ الزَّوْجَةَ إِذَا حُبِسَتْ فِي دَيْنٍ اسْتَدَانَتْهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ، فَإِنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ لَمْ يُسْقِطْ نَفَقَتَهَا مُدَّةَ الْحَبْسِ ; لِأَنَّهُ بِغَيْرِ رِضَاهَا فَأَشْبَهَ الْمَرَضَ. وَإِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ، سَقَطَتْ، هَكَذَا قَالَ، وَالْمُخْتَارُ سُقُوطُهَا فِي الْحَالَيْنِ، كَمَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَاعْتَدَتْ، فَإِنَّهَا تَسْقُطُ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْذُورَةً. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَوْ حُبِسَ فِي حَقِّ رَجُلٍ، فَجَاءَ آخَرُ وَادَّعَى عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فَسَمِعَ الدَّعْوَى، ثُمَّ يَرُدُّهُ. قَالَ فِي الْبَيَانِ لَوْ مَرِضَ فِي الْحَبْسِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَخْدِمُهُ فِيهِ، أُخْرِجَ. فَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَخْدِمُهُ، فَفِي وُجُوبِ إِخْرَاجِهِ، وَجْهَانِ. فَإِنْ جُنَّ، أُخْرِجَ قَطْعًا. وَإِذَا حُبِسَ لِحَقِّ جَمَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ إِخْرَاجُهُ، حَتَّى يَجْتَمِعُوا عَلَى إِخْرَاجِهِ وَلَوْ حُبِسَ لِحَقِّ غَرِيمٍ، ثُمَّ

стр. 1535

اسْتَحَقَّ آخِرُ حَبْسَهُ، جَعْلَهُ الْقَاضِي مَحْبُوسًا لِلِاثْنَيْنِ، فَلَا يَخْرُجُ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا. قَالَ: وَإِذَا ثَبَتَ إِعْسَارُهُ، أَخْرَجَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْغَرِيمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ إِذَا حَجَرَ الْحَاكِمُ عَلَى الْمُفْلِسِ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُبَادِرَ بِبَيْعِ مَالِهِ وَقِسْمَتِهِ، لِئَلَّا يَطُولَ زَمَنُ الْحَجْرِ، وَلَا يُفَرِّطَ فِي الِاسْتِعْجَالِ، لِئَلَّا يُبَاعَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبِيعَ بِحَضْرَةِ الْمُفْلِسِ، أَوْ وَكِيلِهِ، وَكَذَا يَفْعَلُ إِذَا بَاعَ الْمَرْهُونَ، وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا إِحْضَارُ الْغُرَمَاءِ، وَيُقَدَّمُ بَيْعُ الْمَرْهُونِ وَالْجَانِي، لِيَتَعَجَّلَ حَقُّ مُسْتَحِقِّيهِمَا. فَإِنْ فَضَلَ عَنْهُمَا شَيْءٌ ضُمَّ إِلَى سَائِرِ الْأَمْوَالِ. وَإِنْ بَقِيَ مِنْ دَيْنِ الْمُرْتَهِنِ شَيْءٌ، ضَارَبَ بِهِ. قُلْتُ: وَيُقَدَّمُ أَيْضًا الْمَالُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ عَامِلِ الْقِرَاضِ، وَيُقَدَّمُ بِالرِّبْحِ الْمَشْرُوطِ، صَرَّحَ بِهِ الْجُرْجَانِيُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَبِيعُ أَوَّلًا مَا يَخَافُ فَسَادَهُ، ثُمَّ الْحَيَوَانَ، ثُمَّ سَائِرَ الْمَنْقُولَاتِ، ثُمَّ الْعَقَارَ، وَيُبَاعُ كُلُّ شَيْءٍ فِي سُوقِهِ. قُلْتُ: بَيْعُ كُلِّ شَيْءٍ فِي سُوقِهِ، مُسْتَحَبٌّ. فَلَوْ بَاعَ فِي غَيْرِهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، صَحَّ، قَالَهُ أَصْحَابُنَا. وَهَذَا الْمَذْكُورُ مِنْ تَقْدِيمِ بَيْعِ الْمَرْهُونِ وَالْجَانِي، وَهُوَ إِذَا لَمْ يَخَفْ تَلَفَ مَا يُسْرِعُ فَسَادُهُ. فَإِنْ خِيفَ، قُدِّمَ بَيْعُهُ عَلَيْهِمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1536

وَيَجِبُ أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ حَالًّا مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ. فَإِنْ كَانَتِ الدُّيُونُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ النَّقْدِ، وَلَمْ يَرْضَ الْمُسْتَحِقُّونَ إِلَّا بِجِنْسِ حَقِّهِمْ، صَرَفَهُ إِلَيْهِ. وَإِلَّا فَيَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَلَمًا. فَرْعٌ لَا يُسَلَّمُ الْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁. وَقَدْ سَبَقَ أَقْوَالُهُ، فِيمَا إِذَا تَنَازَعَ الْمُتَبَايِعَانِ فِي الْبُدَاءَةِ بِالتَّسْلِيمِ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: نَصُّهُ هُنَا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِنَا يُبْدَأُ بِالْمُشْتَرِي، وَيَجِيءُ عِنْدَ النِّزَاعِ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُمَا يُجْبَرَانِ مَعًا، وَلَا يَجِيءُ قَوْلُنَا لَا يُجْبَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ; لِأَنَّ الْحَالَّ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ، وَلَا قَوْلُنَا: الْبُدَاءَةُ بِالْبَائِعِ ; لِأَنَّ مِنْ تَصَرَّفَ لِغَيْرِهِ، لَزِمَهُ الِاحْتِيَاطُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: تَجِبُ الْبُدَاءَةُ هُنَا بِتَسْلِيمِ الثَّمَنِ، بِلَا خِلَافٍ. ثُمَّ لَوْ خَالَفَ الْوَاجِبَ وَسَلَّمَ قَبْلَ قَبْضِ الثَّمَنِ، ضَمِنَ، وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَيْفِيَّةَ الضَّمَانِ. فَرْعٌ مَا يَقْبِضُهُ الْحَاكِمُ مِنْ أَثْمَانِ أَمْوَالِهِ عَلَى التَّدْرِيجِ إِنْ كَانَ يَسْهُلُ قِسْمَتُهُ عَلَيْهِمْ، فَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُؤَخَّرَ. وَإِنْ كَانَ يَعْسُرُ لِقِلَّتِهِ وَكَثْرَةِ الدُّيُونِ. فَلَهُ التَّأْخِيرُ لِتَجْتَمِعَ، فَإِنْ أَبَوُا التَّأْخِيرَ، فَفِي «الِنِهَايَةِ» إِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُجِيبُهُمْ. وَالظَّاهِرُ، خِلَافُهُ وَإِذَا تَأَخَّرَتِ الْقِسْمَةُ، فَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ إِيَّاهُ، فَعَلَ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَمَانَةُ وَالْيَسَارُ. وَلْيُودَعْ عِنْدَ مَنْ يَرْضَاهُ الْغُرَمَاءُ، فَإِنِ اخْتَلَفُوا أَوْ عَيَّنُوا غَيْرَ عَدْلٍ، فَالرَّأْيُ لِلْحَاكِمِ، وَلَا يُقْنَعُ بِغَيْرِ عَدْلٍ. وَلَوْ تَلِفَ شَيْءٌ فِي يَدِ الْعَدْلِ، فَهُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمُفْلِسِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي حَيَاةِ الْمُفْلِسِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ.

стр. 1537

فَرْعٌ لَا يُكَلَّفُ الْغُرَمَاءُ عِنْدَ الْقِسْمَةِ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا غَرِيمَ سِوَاهُمْ، وَيَكْفِي بِأَنَّ الْحَجْرَ قَدِ اسْتَفَاضَ. فَلَوْ كَانَ غَرِيمٌ، لَظَهَرَ وَطَلَبَ حَقَّهُ، هَكَذَا نَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنْ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ الْقِسْمَةِ عَلَى الْغُرَمَاءِ وَبَيْنَ الْقِسْمَةِ عَلَى الْوَرَثَةِ. فَإِذَا قُلْنَا: فِي الْوَرَثَةِ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ بِأَنْ لَا وَارِثَ غَيْرَهُمْ، فَكَذَا الْغُرَمَاءُ. وَالْفَارِقُ أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الْوَرَثَةَ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَضْبَطُ مِنَ الْغُرَمَاءِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: قَوْلُ صَاحِبِ «التَّقْرِيبِ» وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ. وَيُفَرَّقُ أَيْضًا، بِأَنِ الْغَرِيمَ الْمَوْجُودَ، تَيَقَّنَا اسْتِحْقَاقَهُ لِمَا يَخُصُّهُ، وَشَكَكْنَا فِي مُزَاحِمٍ. ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ مُزَاحِمٌ لَمْ يَخْرُجْ هَذَا عَنْ كَوْنِهِ يَسْتَحِقُّ هَذَا الْقَدْرَ فِي الذِّمَّةِ، وَلَيْسَتْ مُزَاحَمَةُ الْغَرِيمِ مُتَحَتِّمَةٌ، فَإِنَّهُ لَوْ أَبْرَأَ أَوْ أَعْرَضَ، سَلَّمْنَا الْجَمِيعَ إِلَى الْآخَرِ، وَالْوَارِثُ يُخَالِفُهُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا جَرَتِ الْقِسْمَةُ، ثُمَّ ظَهَرَ غَرِيمٌ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْقِسْمَةَ لَا تُنْقَضُ، وَلَكِنْ يُشَارِكُهُمْ بِالْحِصَّةِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ. وَفِي وَجْهٍ، يُنْقَضُ فَيُسْتَأْنَفُ. فَعَلَى الصَّحِيحِ، لَوْ قَسَّمَ مَالَهُ وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ عَلَى غَرِيمَيْنِ، لِأَحَدِهِمَا عِشْرُونَ، وَلِلْآخَرِ عَشْرَةٌ، فَأَخَذَ الْأَوَّلُ عَشْرَةً، وَالْآخَرُ خَمْسَةً، فَظَهْرَ غَرِيمٌ لَهُ ثَلَاثِينَ، اسْتَرَدَّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفَ مَا أَخَذَهُ. وَلَوْ كَانَ دَيْنُهُمَا عَشْرَةً وَعَشْرَةً، فَقَسَّمَ الْمَالَ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ ظَهَرَ غَرِيمٌ بِعَشَرَةٍ، رَجَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِثُلْثِ مَا أَخَذَهُ. فَإِنْ أَتْلَفَ أَحَدُهُمَا، مَا أَخَذَ وَكَانَ مُعْسِرًا لَا يُحَصَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَأْخُذُ الْغَرِيمُ الثَّالِثُ مِنَ الْآخَرِ نِصْفَ مَا أَخَذَهُ، وَكَأَنَّهُ كُلُّ مَالٍ ثُمَّ إِذَا أَيْسَرَ الْمُتْلِفُ أَخَذَ مِنْهُ ثُلُثَ مَا أَخَذَهُ وَقَسَّمَاهُ بَيْنَهُمَا. وَالثَّانِي: لَا يَأْخُذُ مِنْهُ إِلَّا ثُلُثَ مَا أَخَذَهُ، وَلَهُ

стр. 1538

ثُلُثُ مَا أَخَذَ الْمُتْلِفُ دَيْنٌ عَلَيْهِ. وَلَوْ ظَهَرَ الْغَرِيمُ الثَّالِثُ، وَظَهَرَ لِلْمُفْلِسِ مَالٌ عَتِيقٌ، أَوْ حَادِثٌ بَعْدَ الْحَجْرِ، صُرِفَ مِنْهُ إِلَى مَنْ ظَهَرَ بِقِسْطِ مَا أَخَذَهُ الْأَوَّلَانِ. فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ قُسِّمَ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي ظُهُورِ غَرِيمٍ بِدَيْنٍ قَدِيمٍ. فَإِنْ كَانَ بِحَادِثٍ بَعْدَ الْحَجْرِ، فَلَا مُشَارَكَةَ فِي الْمَالِ الْقَدِيمِ. وَإِنْ ظَهْرَ مَالٌ قَدِيمٌ، وَحَدَثَ مَالٌ بِاحْتِطَابِ وَغَيْرِهِ، فَالْقَدِيمُ لِلْقُدَمَاءِ خَاصَّةٌ، وَالْحَادِثُ لِلْجَمِيعِ. فَرْعٌ لَوْ خَرَجَ شَيْءٌ مِمَّا بَاعَهُ الْمُفْلِسُ قَبْلَ الْحَجْرِ مُسْتَحَقًّا، وَالثَّمَنُ غَيْرُ بَاقٍ، فَهُوَ كَدَيْنٍ ظَهَرَ، وَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ. وَإِنْ بَاعَ الْحَاكِمُ مَالَهُ، فَظَهَرَ مُسْتَحِقًّا بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ وَتَلَفِهِ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي فِي مَالِ الْمُفْلِسِ، وَلَا يُطَالِبُ الْحَاكِمَ بِهِ. وَلَوْ نَصَّبَ أَمِينًا فَبَاعَهُ، فَفِي كَوْنِهِ طَرِيقًا، وَجْهَانِ. كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْعَدْلِ الَّذِي نَصَّبَهُ الْقَاضِي لِيَبِيعَ الْمَرْهُونَ. قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَا يَكُونُ، قَالَهُ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا رَجَعَ الْمُشْتَرِي أَوِ الْأَمِينُ إِذَا جَعَلْنَاهُ طَرِيقًا، وَغَرِمَ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ، قُدِّمَا عَلَى الْغُرَمَاءِ عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِ الْبَيْعِ كَأُجْرَةِ الْكَيَّالِ لِئَلَّا يَرْغَبَ عَنِ الشِّرَاءِ مِنْ مَالِهِ. وَفِي قَوْلٍ، يُضَارِبَانِ. وَقِيلَ: إِنْ رَجَعَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ، قُدِّمَا. وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَاسْتِئْنَافِ حَجْرٍ بِسَبَبِ مَالٍ تَجَدَّدَ، ضَارَبَا. فَصْلٌ فِيمَا يُبَاعُ مِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ فِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: يُنْفِقُ الْحَاكِمُ عَلَى الْمُفْلِسِ إِلَى فَرَاغِهِ مِنْ بَيْعِ مَالِهِ وَقِسْمَتِهِ، وَكَذَا

стр. 1539

يُنْفِقُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ مِنَ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ ; لِأَنَّهُ مُوسِرٌ مَا لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ. وَكَذَلِكَ يَكْسُوهُمْ بِالْمَعْرُوفِ. هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ يُصْرَفُ إِلَى هَذِهِ الْجِهَاتِ. وَأَمَّا قَدْرُ نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ، فَقَالَ الْإِمَامُ: لَا شَكَّ أَنَّ نَفَقَتَهُ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِينَ. وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: نَفَقَةُ الْمُوسِرِينَ. وَهَذَا قِيَاسُ الْبَابِ، إِذْ لَوْ كَانَ نَفَقَةُ الْمُعْسِرِ، لَمَا أُنْفِقَ عَلَى الْقَرِيبِ. قُلْتُ: يُرَجَّحُ قَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ بِنَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁، إِذْ قَالَ فِي الْمُخْتَصَرِ: أُنْفِقَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ كُلَّ يَوْمٍ أَقَلَّ مَا يَكْفِيهِمْ مِنْ نَفَقَةٍ وَكُسْوَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِيَةُ: يُبَاعُ مَسْكَنُهُ وَخَادِمُهُ. وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى مَنْ يَخْدِمُهُ لِزَمَانَةٍ، أَوْ كَانَ مَنْصِبُهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ. وَفِي وَجْهٍ، يَبْقَيَانِ إِذَا كَانَا لَائِقَيْنِ بِهِ بِدُونِ النَّفِيسَيْنِ. وَفِي وَجْهٍ، يَبْقَى الْمَسْكَنُ فَقَطْ. الثَّالِثَةُ: يُتْرَكُ لَهُ دَسْتُ ثِيَابٍ تَلِيقُ بِهِ، مِنْ قَمِيصِ، وَسَرَاوِيلَ، وَمِنْعَلٍ، وَمُكَعَّبٍ. وَإِنْ كَانَ فِي الشِّتَاءِ زَادَ جُبَّةً. وَيُتْرَكُ لَهُ عِمَامَةٌ، وَطَيْلَسَانٌ، وَخُفٌّ وَدُرَّاعَةٌ يَلْبَسُهَا فَوْقَ الْقَمِيصِ، إِنْ كَانَ يَلِيقُ بِهِ لُبْسُهَا. وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ فِي الْخُفِّ وَالطَّيْلَسَانِ وَقَالَ: تَرْكُهُمَا لَا يَخْرِمُ الْمُرُوءَةَ. وَذَكَرَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِحَالِهِ فِي إِفْلَاسِهِ، لَا فِي بَسْطَتِهِ وَثَرْوَتِهِ. لَكِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، أَنَّهُمْ لَا يُوَافِقُونَهُ وَيُمْنَعُونَ قَوْلَهُ: تَرْكُهُمَا لَا يَخْرِمُ الْمُرُوءَةَ. وَلَوْ كَانَ يَلْبَسُ قَبْلَ إِفْلَاسِهِ فَوْقَ مَا يَلِيقُ بِمِثْلِهِ رَدَدْنَاهُ إِلَى مَا يَلِيقُ، وَلَوْ كَانَ يَلْبَسُ دُونَ اللَّائِقِ تَقْتِيرًا لَمْ يُرَدَّ إِلَيْهِ. وَيُتْرَكُ لِعِيَالِهِ مِنَ الثَّوْبِ، كَمَا يُتْرَكُ لَهُ. وَلَا يُتْرَكُ الْفَرْشُ وَالْبُسُطُ، لَكِنْ يُسَامَحُ بِاللُّبَدِ وَالْحَصِيرَ الْقَلِيلِ الْقِيمَةِ. الرَّابِعَةُ: يُتْرَكُ قُوتُ يَوْمِ الْقِسْمَةِ لَهُ وَلِمَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ ; لِأَنَّهُ مُوسِرٌ فِي أَوَّلِهِ.

стр. 1540

وَلَا يُزَادُ عَلَى نَفَقَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ، أَنَّهُ يُتْرَكُ لَهُ سُكْنَى ذَلِكَ الْيَوْمِ أَيْضًا، فَاسْتَمَرَّ عَلَى قِيَاسِ النَّفَقَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ غَيْرُهُ. الْخَامِسَةُ: كُلُّ مَا قُلْنَا يُتْرَكُ لَهُ، إِنْ لَمْ نَجِدْهُ فِي مَالِهِ، اشْتُرِيَ لَهُ. قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» يُبَاعُ عَلَيْهِ مَرْكُوبُهُ، وَإِنْ كَانَ ذَا مُرُوءَةٍ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا مَاتَ الْمُفْلِسُ، قُدِّمَ كَفَنُهُ، وَحَنُوطُهُ، وَمُؤْنَةُ غُسْلِهِ وَدَفْنِهِ عَلَى الدُّيُونِ، وَكَذَلِكَ مَنْ مَاتَ مِنْ عَبِيدِهِ، وَأُمِّ وَلَدِهِ، وَزَوْجَتِهِ إِنْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ كَفَنَهَا، وَكَذَلِكَ أُقَارِبُهُ الَّذِينَ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ. قَالَ فِي «الْبَيَانِ» وَتُسَلَّمُ إِلَيْهِ النَّفَقَةُ يَوْمًا بِيَوْمٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْبَابِ، أَنَّ الْمُفْلِسَ لَا يُؤْمَرُ بِتَحْصِيلِ مَا لَيْسَ بِحَاصِلٍ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ تَفْوِيتِ مَا هُوَ حَاصِلٌ. فَلَوْ جُنِيَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى عَبْدِهِ، فَلَهُ الْقِصَاصُ. وَلَا يَلْزَمُهُ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ. فَلَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ، فَلَيْسَ لَهُ وَلَا لِوَارِثِهِ الْعَفْوُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْغُرَمَاءِ. وَلَوْ كَانَ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْبِضَهُ مُسَامِحًا بِبَعْضِ الصِّفَاتِ الْمَقْصُودَةِ الْمَشْرُوطَةِ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ. وَلَوْ كَانَ وَهَبَ هِبَةً تَقْتَضِي الثَّوَابَ، وَقُلْنَا: يَتَقَدَّرُ الثَّوَابُ بِمَا يَرْضَى بِهِ الْوَاهِبُ، فَلَهُ أَنْ يَرْضَى بِمَا شَاءَ. وَلَا يُكَلِّفْهُ طَلَبُ زِيَادَةٍ ; لِأَنَّهُ تَحْصِيلٌ. وَإِنْ قُلْنَا: يَتَقَدَّرُ الْمِثْلُ لَمْ يَجُزِ الرِّضَى بِمَا دُونَهُ. وَلَوْ زَادَ عَلَى الْمِثْلِ لَمْ يَجِبِ الْقَبُولُ. وَلَيْسَ عَلَى الْمُفْلِسِ أَنْ يَكْتَسِبَ، وَيُؤَاجِرَ نَفْسَهُ لِيَصْرِفَ الْكَسْبَ، وَالْأُجْرَةَ فِي الدُّيُونِ أَوْ بَقِيَّتِهَا. وَلَوْ كَانَ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ أَوْ صِيغَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ، فَهَلْ يُؤَاجَرَانِ عَلَيْهِ؟ وَجْهَانِ. مَيْلُ الْإِمَامِ إِلَى الْمَنْعِ. وَفِي تَعَالِيقِ الْعِرَاقِيِّينَ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيجَارَ أَصَحُّ. فَعَلَى هَذَا، يُؤَجَّرُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى إِلَى أَنْ يَفْنَى الدَّيْنُ. وَمُقْتَضَى هَذَا، إِدَامَةُ الْحَجْرِ إِلَى فَنَاءِ الدَّيْنِ، وَهَذَا كَالْمُسْتَبْعَدِ.

стр. 1541

قُلْتُ: الْإِيجَارُ أَصَحُّ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ. وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْفَتَاوَى» أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى إِجَارَةِ الْوَقْفِ مَا لَمْ يَظْهَرْ تَفَاوُتٌ بِسَبَبِ تَعْجِيلِ الْأُجْرَةِ إِلَى حَدٍّ لَا يَتَغَابَنُ بِهِ النَّاسُ فِي عَرْضِ قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَالتَّخَلُّصِ مِنَ الْمُطَالَبَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ إِذَا قَسَّمَ الْحَاكِمُ مَالَ الْمُفْلِسِ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، فَهَلْ يَنْفَكُّ الْحَجْرُ بِنَفْسِهِ، أَمْ يَحْتَاجُ إِلَى فَكِّ الْحَاكِمِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَحْتَاجُ كَحَجْرِ السَّفَهِ. هَذَا إِنِ اعْتَرَفَ الْغُرَمَاءُ أَنْ لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ. فَإِنِ ادَّعَوْا مَالًا آخَرَ، فَأَنْكَرَ، فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ. وَلَوِ اتَّفَقَ الْغُرَمَاءُ عَلَى دَفْعِ الْحَجْرِ، فَهَلْ يَرْتَفِعُ كَالْمَرْهُونِ، أَمْ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا بِالْحَاكِمِ لِاحْتِمَالِ غَرِيمٍ آخَرَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَلَوْ بَاعَ الْمُفْلِسُ مَالَهُ لِغَرِيمِهِ بِدَيْنِهِ وَلَا غَرِيمَ سِوَاهُ، أَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ لِجَمَاعَةٍ، فَبَاعَهُمْ أَمْوَالَهُ بِدُيُونِهِمْ، فَهَلْ يَصِحُّ بِغَيْرِ إِذْنِ الْقَاضِي؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا بُدَّ مِنْ إِذْنِهِ. وَلَوْ بَاعَهُ لِغَرِيمِهِ بِعَيْنٍ أَوْ بِبَعْضِ دَيْنِهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَهُ لِأَجْنَبِيٍّ ; لَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَضَمَّنُ ارْتِفَاعَ الْحَجْرِ عَنْهُ، بِخِلَافِ مَا إِذَا بَاعَ بِكُلِّ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ الدَّيْنُ، وَإِذَا سَقَطَ، ارْتَفَعَ الْحَجْرُ. وَلَوْ بَاعَ لِأَجْنَبِيٍّ بِإِذْنِ الْغُرَمَاءِ لَمْ يَصِحَّ. وَقَالَ الْإِمَامُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَصِحَّ كَبَيْعِ الْمَرْهُونِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ. الْحُكْمُ الثَّانِي: الرُّجُوعُ فِي عَيْنِ الْمَالِ، وَنُقْدِمُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ. إِحْدَاهَا: مَنْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِإِفْلَاسٍ، وَوَجَدَ مَنْ بَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضِ الثَّمَنَ مَتَاعَهُ عِنْدَهُ، فَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ وَيَأْخُذَ عَيْنَ مَالِهِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّ هَذَا الْخِيَارَ عَلَى الْفَوْرِ، كَخِيَارِ الْعَيْبِ وَالْخُلْفِ. فَإِنْ عَلِمَ فَلَمْ يَفْسَخْ، بَطَلَ حَقُّهُ مِنَ الرُّجُوعِ فِي الْعَيْنِ. وَفِي وَجْهٍ: يَدُومُ كَخِيَارِ الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ. وَفِي وَجْهٍ: يَدُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.

стр. 1542

الثَّانِيَةُ: فِي افْتِقَارِ هَذَا الْفَسْخِ إِلَى إِذْنِ الْحَاكِمِ، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا يَفْتَقِرُ، لِثُبُوتِ الْحَدِيثِ فِيهِ، كَخِيَارِ الْعِتْقِ. وَلِوُضُوحِ الْحَدِيثِ، قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: لَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِمَنْعِ الْفَسْخِ، نَقَضْنَا حُكْمَهُ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ: أَنْ لَا يُنْقَضَ، لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةُ: لَا يَحْصُلُ هَذَا الْفَسْخُ بِبَيْعِ الْبَائِعِ، وَإِعْتَاقِهِ، وَوَطْئِهِ الْمَبِيعَةَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَتَلْغُو هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ. الرَّابِعَةُ: صِيغَةُ الْفَسْخِ، كَقَوْلِهِ: فَسَخْتُ الْبَيْعَ، أَوْ نَقَضْتُهُ، أَوْ رَفَعْتُهُ، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى رَدَدْتُ الثَّمَنَ، أَوْ فَسَخْتُ الْبَيْعَ فِيهِ، حَصَلَ الْفَسْخُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَوَجْهُ الْمَنْعِ: أَنَّ مُقْتَضَى الْفَسْخِ، إِضَافَتُهُ إِلَى الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ. فَصْلٌ حَقُّ الرُّجُوعِ، إِنَّمَا يَثْبُتُ بِشُرُوطٍ، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْمَبِيعِ، بَلْ يَجْرِي فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمُعَاوَضَاتِ، وَيَحْصُلُ بَيَانُهُ بِالنَّظَرِ فِي الْعِوَضِ الْمُتَعَذَّرِ تَحْصِيلُهُ، وَالْمُعَوَّضِ الْمُسْتَرْجَعِ، وَالْمُعَاوَضَةِ الَّتِي انْتَقَلَ الْمِلْكُ بِهَا إِلَى الْمُفْلِسِ. أَمَّا الْعِوَضُ وَهُوَ الثَّمَنُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَعْوَاضِ، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ وَصْفَانِ. أَحَدُهُمَا: تَعَذُّرُ اسْتِئْنَافِهِ بِالْإِفْلَاسِ، وَفِيهِ صُوَرٌ. إِحْدَاهَا: إِذَا كَانَ مَالُهُ وَافِيًا بِالدُّيُونِ وَجَوَّزْنَا الْحَجْرَ، فَحُجِرَ، فَفِي ثُبُوتِ الرُّجُوعِ، وَجْهَانِ. وَقَطَعَ الْغَزَالِيُّ بِالْمَنْعِ ; لِأَنَّهُ يَصِلُ إِلَى الثَّمَنِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ قَالَ الْغُرَمَاءُ: لَا نَفْسَخُ لِتَقَدُّمِكَ بِالثَّمَنِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّ فِيهِ مِنَّةً وَقَدْ يَظْهَرُ مُزَاحِمٌ. وَلَوْ قَالُوا: نُؤَدِّي الثَّمَنَ مِنْ خَالِصِ أَمْوَالِنَا، أَوْ تَبَرَّعَ بِهِ أَجْنَبِيٌّ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَبُولُ. وَلَوْ أَجَابَ، ثُمَّ ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ لَمْ يُزَاحِمْهُ

стр. 1543

فِي الْمَأْخُوذِ. وَلَوْ مَاتَ الْمُشْتَرِي، فَقَالَ الْوَارِثُ: لَا تَرْجِعْ فَأَنَا أُقَدِّمُكَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَبُولُ. فَلَوْ قَالَ: أُؤَدِّي مِنْ مَالِي، فَوَجْهَانِ. وَقَطَعَ فِي التَّتِمَّةِ بِلُزُومِ الْقَبُولِ ; لِأَنَّ الْوَارِثَ خَلِيفَةُ الْمَيِّتِ. الثَّالِثَةُ: لَوِ امْتَنَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ مَعَ الْيَسَارِ، أَوْ هَرَبَ، أَوْ مَاتَ مَلِيئًا، وَامْتَنَعَ الْوَارِثُ مِنَ التَّسْلِيمِ، فَلَا فَسْخَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِعَدَمِ عَيْبِ الْإِفْلَاسِ، وَإِمْكَانِ الِاسْتِيفَاءِ بِالسُّلْطَانِ. فَإِنْ فُرِضَ عَجْزٌ، فَنَادِرٌ لَا عِبْرَةَ بِهِ. وَلَوْ ضَمِنَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَرْجِعُ كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ بِالثَّمَنِ. وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ صَارَ فِي ذِمَّتِهِ، وَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ، بِخِلَافِ الْمُتَبَرِّعِ. وَلَوْ أُعِيرَ لِلْمُشْتَرِي شَيْءٌ، فَرَهَنَهُ عَلَى الثَّمَنِ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَلَوِ انْقَطَعَ جِنْسُ الثَّمَنِ، فَإِنْ جَوَّزْنَا الِاعْتِيَاضَ عَنْهُ، فَلَا تَعَذُّرَ فِي اسْتِيفَاءِ عِوَضٍ عَنْهُ، فَلَا فَسْخَ، وَإِلَّا فَكَانْقِطَاعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، فَيَثْبُتُ حَقُّ الْفَسْخِ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَعَلَى الثَّانِي: يَنْفَسِخُ. الْوَصْفُ الثَّانِي: كَوْنُ الثَّمَنِ حَالًّا. فَلَوْ كَانَ مُؤَجَّلًا، فَلَا فَسْخَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَفِيهِ وَجْهٌ سَبَقَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ. وَلَوْ حَلَّ الْأَجَلُ قَبْلَ انْفِكَاكِ حَجْرِهِ، فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ هُنَاكَ وَأَمَّا الْمُعَاوَضَةُ، فَيُعْتَبَرُ فِيمَا مَلَكَ بِهِ الْمُفْلِسُ، شَرْطَانِ. أَحَدُهُمَا: كَوْنُهُ مُعَاوَضَةً مُخْتَصَّةً، فَيَدْخُلُ فِيهِ أَشْيَاءُ، وَيَخْرُجُ مِنْهُ أَشْيَاءُ. فَمَا يَخْرُجُ أَنَّهُ لَا فَسْخَ بِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ عِوَضِ الصُّلْحِ عَنِ الدَّمِ، وَلَا يَتَعَذَّرُ عِوَضُ الْخُلْعِ قَطْعًا. وَأَنَّهُ لَا فَسْخَ لِلزَّوْجِ بِامْتِنَاعِهَا مِنْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا. وَفِي فَسْخِهَا بِتَعَذُّرِ الصَّدَاقِ، خِلَافٌ مَعْرُوفٌ. وَأَمَّا الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ، فَمِنْهُ السَّلَمُ، وَالْإِجَارَةُ. أَمَّا السَّلَمُ، فَإِذَا أَفْلَسَ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ قَبْلَ أَدَاءِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، فَلِرَأْسِ الْمَالِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ. الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا، فَلِلْمُسْلِمِ فَسْخُ الْعَقْدِ وَالرُّجُوعُ إِلَى رَأْسِ الْمَالِ كَالْبَيْعِ. فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُضَارِبَ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ، فَسَنَذْكُرُ كَيْفِيَّةَ الْمُضَارَبَةِ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ تَالِفًا، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَهُ الْفَسْخُ وَالْمُضَارَبَةُ بِرَأْسِ الْمَالِ ;

стр. 1544

لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إِلَى تَمَامِ حَقِّهِ، فَأَشْبَهَ انْقِطَاعَ جِنْسَ الْمُسْلَمِ فِيهِ. فَعَلَى هَذَا قِيلَ: يَجِيءُ قَوْلٌ بِانْفِسَاخِ السَّلَمِ، كَمَا جَاءَ فِي الِانْقِطَاعِ. وَقِيلَ: لَا ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَصَلَ بِاسْتِقْرَاضٍ وَغَيْرِهِ، بِخِلَافِ صُورَةِ الِانْقِطَاعِ. وَأَصَحُّهُمَا: لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ، كَمَا لَوْ أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ وَالْمَبِيعُ تَالِفٌ. وَيُخَالِفُ الِانْقِطَاعَ ; لِأَنَّ هُنَاكَ إِذَا فَسَخَ، رَجَعَ إِلَى رَأْسِ الْمَالِ بِتَمَامِهِ، وَهُنَا لَيْسَ إِلَّا الْمُضَارَبَةُ، وَلَوْ لَمْ يَفْسَخْ لَضَارَبَ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ وَهُوَ أَنْفَعُ غَالِبًا، فَعَلَى هَذَا يَقُومُ الْمُسْلَمُ فِيهِ وَيُضَارِبُ الْمُسْلِمُ بِقِيمَتِهِ، فَإِذَا عَرَفَ حِصَّتَهُ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ فِي الْمَالِ مِنْ جِنْسِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، صَرَفَهُ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَيَشْتَرِي بِحِصَّتِهِ مِنْهُ وَيُعْطَاهُ ; لِأَنَّ الِاعْتِيَاضَ عَنْهُ لَا يَجُوزُ. هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ جِنْسُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مُنْقَطِعًا. فَإِنْ كَانَ، فَقِيلَ: لَا فَسْخَ، إِذْ لَا بُدَّ مِنَ الْمُضَارَبَةِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. وَالصَّحِيحُ: ثُبُوتُ الْفَسْخِ ; لِأَنَّهُ يَثْبُتُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُفْلِسِ، فَفِي حَقِّهِ أَوْلَى، وَكَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ. وَفِيهِ فَائِدَةٌ، فَإِنَّ مَا يَخُصُّهُ بِالْفَسْخِ، يَأْخُذُهُ فِي الْحَالِ عَنْ رَأْسِ الْمَالِ. وَمَا يَخُصُّهُ بِلَا فَسْخٍ، لَا يُعْطَاهُ، بَلْ يُوقَفُ إِلَى عَوْدِ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَيَشْتَرِي بِهِ. فَرْعٌ لَوْ قَوَّمْنَا الْمُسْلَمَ فِيهِ، فَكَانَتْ قِيمَتُهُ عِشْرِينَ، فَأَفْرَزْنَا لِلْمُسْلَمِ فِيهِ مِنَ الْمَالِ عَشَرَةً، لِكَوْنِ الدَّيْنِ مِثْلَ الْمَالِ، فَرَخَّصَ السِّعْرَ قَبْلَ الشِّرَاءِ، فَوُجِدَ بِالْعَشَرَةِ جَمِيعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ فِي «الشَّامِلِ» : يُرَدُّ الْمَوْقُوفُ إِلَى مَا يَخُصُّهُ بِاعْتِبَارِ قِيمَتِهِ آخِرًا، فَيُصْرَفُ إِلَيْهِ خَمْسَةٌ، وَالْخَمْسَةُ الْبَاقِيَةُ تُوَزَّعُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْغُرَمَاءِ ; لِأَنَّ الْمَوْقُوفَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمُفْلِسِ، وَحَقُّ الْمُسْلِمِ فِي الْحِنْطَةِ، فَإِذَا صَارَتِ الْقِيمَةُ عَشْرَةً، فَهِيَ دَيْنُهُ. وَالثَّانِي وَبِهِ قَطَعَ فِي «التَّهْذِيبِ» وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ عَنِ الْجَمَاهِيرِ: يَشْتَرِي بِهِ جَمِيعَ حَقِّهِ وَيُعْطَاهُ، اعْتِبَارًا بِيَوْمِ الْقِسْمَةِ. وَهُوَ إِنْ لَمْ يَمْلِكِ الْمَوْقُوفَ،

стр. 1545

فَهُوَ كَالْمَرْهُونِ بِحَقٍّ، وَانْقَطَعَ بِهِ حَقُّهُ مِنَ الْحِصَصِ، حَتَّى لَوْ تَلِفَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِشَيْءٍ مِمَّا عِنْدَ الْغُرَمَاءِ وَبَقِيَ حَقُّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ. وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ فَضَلَ الْمَوْقُوفُ عَنْ جَمِيعِ حَقِّ الْمُسْلَمِ، كَانَ الْفَاضِلُ لِلْغُرَمَاءِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: الزَّائِدُ لِي. وَلَوْ وَقَفْنَا فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ عَشْرَةً، فَغَلَا السِّعْرُ، وَلَمْ نَجِدِ الْقَدْرَ الْمُسْلَمَ فِيهِ إِلَّا بِأَرْبَعِينَ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ بَانَ أَنَّ الدَّيْنَ أَرْبَعُونَ، فَيُسْتَرْجَعُ مِنَ الْغُرَمَاءِ مَا يَتِمُّ بِهِ حِصَّتَهُ أَرْبَعِينَ. وَعَلَى الثَّانِي: لَا يُزَاحِمُهُمْ، وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا مَا وُقِفَ لَهُ. فَرْعٌ لَوْ تَضَارَبُوا، وَأَخَذَ الْمُسْلِمُ مَا يَخُصُّهُ قَدْرًا مِنَ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَارْتَفَعَ الْحَجْرُ عَنْهُ، ثُمَّ حَدَثَ لَهُ مَالٌ وَأُعِيدَ الْحَجْرُ، وَاحْتَاجُوا إِلَى الْمُضَارَبَةِ ثَانِيًا، قَدَّمْنَا الْمُسْلَمَ فِيهِ. فَإِنْ وَجَدْنَا قِيمَتَهُ كَقِيمَتِهِ أَوَّلًا فَذَاكَ. وَإِنْ زَادَتْ فَالتَّوْزِيعُ الْآنَ يَقَعُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ الزَّائِدَةِ، وَإِنْ نَقَصَتْ، فَهَلِ الِاعْتِبَارُ بِالْقِيمَةِ الثَّانِيَةِ، أَمْ بِالْقِيمَةِ الْأُولَى؟ وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا أَعْرِفُ لِلثَّانِي وَجْهًا. وَلَوْ كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا، فَحِصَّةُ الْمُسْلِمِ يُشْتَرَى بِهَا شِقْصٌ مِنْهُ لِلضَّرُورَةِ. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، فَلِلْمُسْلِمِ الْفَسْخُ. الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ بِعْضُ رَأْسِ الْمَالِ بَاقِيًا، وَبَعْضُهُ تَالِفًا، وَهُوَ كَتَلَفِ بَعْضِ الْمَبِيعِ، وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا الْإِجَارَةُ، فَنَتَكَلَّمُ فِي إِفْلَاسِ الْمُسْتَأْجِرِ، ثُمَّ الْمُؤَجِّرِ. الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْمُسْتَأْجِرُ، وَالْإِجَارَةُ نَوْعَانِ. أَحَدُهُمَا: إِجَارَةُ عَيْنٍ. فَإِذَا أَجَّرَ أَرْضًا، أَوْ دَابَّةً، وَأَفْلَسَ الْمُسْتَأْجِرُ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْأُجْرَةِ وَمُضِيِّ الْمُدَّةِ، فَلِلْمُؤَجِّرِ فِيهِ فَسْخُ الْإِجَارَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، تَنْزِيلًا لِلْمَنَافِعِ مَنْزِلَةَ
следующие страницы →