Полный текст (4 941 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فَتَرُدُّ إِلَى التَّمْيِيزِ بِشَرْطِهِ. كَالْحَائِضِ، وَشَرْطُ تَمْيِيزِ النُّفَسَاءِ، أَنْ لَا يَزِيدَ الْقَوِيُّ عَلَى سِتِّينَ يَوْمًا. وَلَا ضَبْطَ فِي أَقَلِّهِ، وَلَا أَقَلِّ الضَّعِيفِ.
الْمُسْتَحَاضَةُ الرَّابِعَةُ: الْمُعْتَادَةُ الْمُمَيِّزَةُ. تَقَدَّمَ حُكْمُهَا هُنَا فِي الْمُعْتَادَةِ.
الْمُسْتَحَاضَةُ الْخَامِسَةُ: النَّاسِيَةُ لِعَادَةِ نِفَاسِهَا، فِيهَا الْقَوْلَانِ، كَنَاسِيَةِ الْحَيْضِ. فَعَلَى قَوْلٍ تَرُدُّ إِلَى مَرَدِّ الْمُبْتَدَأَةِ. وَرَجَّحَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ هُنَا.
وَعَلَى قَوْلٍ: تُؤْمَرُ بِالِاحْتِيَاطِ. وَعَلَى هَذَا، إِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً فِي الْحَيْضِ أَيْضًا، وَجَبَ الِاحْتِيَاطُ أَبَدًا.
وَكَذَا إِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً فِي الْحَيْضِ نَاسِيَةً عَادَتَهَا. وَإِنْ كَانَتْ ذَاكِرَةً لِعَادَةِ الْحَيْضِ، فَهِيَ كَنَاسِيَةِ وَقْتِ الْحَيْضِ، الْعَارِفَةِ بِقَدْرِهِ. وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا.
فَرْعٌ:
إِذَا انْقَطَعَ دَمُ النُّفَسَاءِ، فَلَهُ حَالَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يُجَاوِزَ سِتِّينَ، فَيُنْظَرُ، إِنْ لَمْ تَبْلُغْ مُدَّةُ النَّقَاءِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ أَقَلَّ الطُّهْرِ، بِأَنْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا، وَيَوْمًا نَقَاءً، فَأَزْمِنَةُ الدَّمِ نِفَاسٌ قَطْعًا. وَفِي النَّقَاءِ الْقَوْلَانِ كَالْحَيْضِ.
وَإِنْ بَلَغَتْهُ، بِأَنْ رَأَتْ عَقِبَ الْوِلَادَةِ دَمًا أَيَّامًا، ثُمَّ رَأَتِ النَّقَاءَ خَمْسَةَ عَشَرَ فَصَاعِدًا، ثُمَّ عَادَ الدَّمُ فَالْأَصَحُّ أَنَّ الْعَائِدَ دَمُ حَيْضٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ نِفَاسٌ.
وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ الدَّمَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَصَاعِدًا، ثُمَّ رَأَتْهُ، فَعَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ حَيْضًا فَلَا نِفَاسَ لَهَا أَصْلًا.
وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ: لَوْ نَقَصَ الْعَائِدُ فِي الصُّورَتَيْنِ عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ نِفَاسٌ لِتَعَذُّرِ جَعْلِهِ حَيْضًا. وَلَوْ زَادَ الْعَائِدُ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ. فَيُنْظَرُ، أَهِيَ مُعْتَادَةٌ، أَمْ مُبْتَدَأَةٌ؟ وَيَحْكُمُ بِمَا تَقْتَضِيهِ الْحَالُ.
وَإِنْ جَعْلَنَا الْعَائِدَ نِفَاسًا، فَمُدَّةُ النَّقَاءِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ
стр. 177
فِي التَّلْفِيقِ. إِنْ سَحَبْنَا فَنِفَاسٌ، وَإِنْ لَفَّقْنَا فَطُهْرٌ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. وَقِيلَ: هُوَ طُهْرٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ تُجَاوِزَ سِتِّينَ؛ فَإِنْ بَلَغَ زَمَنُ النَّقَاءِ فِي السِّتِّينَ أَقَلَّ الطُّهْرِ، ثُمَّ جَاوَزَ الْعَائِدَ، فَالْعَائِدُ حَيْضٌ قَطْعًا وَلَا يَجِئُ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ.
وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْهُ، فَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةٌ مُمَيِّزَةٌ، رَدَّتْ إِلَى التَّمْيِيزِ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُمَيِّزَةً فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُبْتَدَأَةِ. وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً رَدَّتْ إِلَى الْعَادَةِ.
وَفِي الْأَحْوَالِ يُرَاعَى قَوْلَا التَّلْفِيقِ. فَإِنْ سَحْبَنَا، فَالدِّمَاءُ فِي أَيَّامِ الْمَرَدِّ مَعَ النَّقَاءِ نِفَاسٌ. وَإِنْ لَفَّقْنَا فَتُلَفَّقُ مِنْ أَيَّامِ الْمَرَدِّ، أَمْ مِنْ أَيَّامِ السِّتِّينَ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَيْضِ.
قُلْتُ: وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي النِّفَاسِ، كَهِيَ فِي الْحَيْضِ وِفَاقًا وَخِلَافًا، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. وَبِهِ صَرَّحَ الْفَوْرَانِيُّ، وَالْبَغَوَيُّ، وَصَاحِبُ (الْعُدَّةِ) ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ: بِأَنَّهَا نِفَاسٌ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْوِلَادَةَ شَاهِدٌ لِلنِّفَاسِ، بِخِلَافِ الْحَيْضِ.
وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ النُّفَسَاءِ، وَاغْتَسَلَتْ، أَوْ تَيَمَّمَتْ حَيْثُ يَجُوزُ، فَلِلزَّوْجِ وَطْؤُهَا فِي الْحَالِ بِلَا كَرَاهَةٍ. حَتَّى قَالَ صَاحِبُ (الشَّامِلِ) وَ (الْبَحْرِ) : لَوْ رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ الْوِلَادَةِ سَاعَةً، وَانْقَطَعَ، لَزِمَهُ الْغُسْلُ، وَحَلَّ الْوَطْءُ. فَإِنْ خَافَتْ عَوْدَ الدَّمِ، اسْتُحِبَّ لَهُ التَّوَقُّفُ احْتِيَاطًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 178
كِتَابُ الصَّلَاةِ .
فِيهِ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ.
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْمَوَاقِيتِ.
أَمَّا وَقْتُ الظُّهْرِ، فَيَدْخُلُ بِالزَّوَالِ. وَهُوَ زِيَادَةٌ فِي الظِّلِّ بَعْدَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ أَوْ حُدُوثِهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ ظِلٌّ. وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ، كَمَكَّةَ، وَصَنْعَاءَ الْيَمَنِ، فِي أَطْوَلِ أَيَّامِ السَّنَةِ. وَيَخْرُجُ وَقْتُهَا إِذَا صَارَ ظِلُّ الشَّخْصِ مِثْلَهُ سِوَى الظِّلِّ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الزَّوَالِ إِنْ كَانَ ظِلٌّ وَمَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وَقْتُ اخْتِيَارٍ.
وَأَمَّا الْعَصْرُ فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِخُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ بِلَا خِلَافٍ، وَيَمْتَدُّ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ: يَخْرُجُ وَقْتُهَا إِذَا صَارَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ.
وَعَلَى الصَّحِيحِ: لَهَا أَرْبَعَةُ أَوْقَاتٍ، وَقْتُ فَضِيلَةٍ، وَهُوَ الْأَوَّلُ، وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ، إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ. وَبَعْدَهُ جَوَازٌ بِلَا كَرَاهَةٍ، إِلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ. وَمِنْ الِاصْفِرَارِ، إِلَى الْغُرُوبِ: وَقْتُ كَرَاهَةٍ، يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا إِلَيْهِ.
وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِغُرُوبِ الشَّمْسِ بِلَا خِلَافٍ. وَالِاعْتِبَارُ بِسُقُوطِ قُرْصِهَا، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الصَّحَارِي. وَأَمَّا فِي الْعُمْرَانِ، وَقُلَلِ الْجِبَالِ، فَالِاعْتِبَارُ، بِأَنْ لَا يُرَى شَيْءٌ مِنْ شُعَاعِهَا عَلَى الْجُدْرَانِ، وَيُقْبِلُ الظَّلَامُ مِنَ الْمَشْرِقِ. وَفِي آخِرِ
стр. 179
وَقْتِهَا قَوْلَانِ.
الْقَدِيمُ: أَنَّهُ يَمْتَدُّ إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ. وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ إِذَا مَضَى قَدْرَ وَضَوْءٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَخَمْسِ رَكَعَاتٍ انْقَضَى الْوَقْتُ. وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ، لَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوَقْتِ، فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ بَعْدَ الْغُرُوبِ بِقَدْرِ اشْتِغَالِهِ بِهَا. وَالِاعْتِبَارُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، بِالْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ. وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَكْلُ لُقَمٍ يَكْسِرُ بِهَا حِدَّةَ الْجُوعِ.
وَفِي وَجْهٍ: مَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوَقْتِ كَالطَّهَارَةِ وَالسِّتْرَةِ، يَسْقُطُ مِنْ الِاعْتِبَارِ. وَفِي وَجْهٍ: يُعْتَبَرُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ لَا خَمْسَ. وَهُمَا شَاذَّانِ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ.
ثُمَّ عَلَى الْجَدِيدِ: لَوْ شَرَعَ فِي الْمَغْرِبِ فِي الْوَقْتِ الْمَضْبُوطِ، فَهَلْ لَهُ اسْتَدَامَتُهَا إِلَى انْقِضَاءِ الْوَقْتِ؟ إِنْ قُلْنَا: الصَّلَاةُ الَّتِي يَقَعُ بَعْضُهَا فِي الْوَقْتِ، وَبَعْضُهَا بَعْدَهُ أَدَاءً وَأَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إِلَى أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْوَقْتِ بَعْضُهَا، فَلَهُ ذَلِكَ قَطْعًا. وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، فَفِي الْمَغْرِبِ وَجْهَانِ:
أَصَحُّهُمَا: يَجُوزُ مَدُّهَا إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ. وَالثَّانِي: مَنْعُهُ كَغَيْرِهَا. ثُمَّ الْأَظْهَرُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ الْجَدِيدُ.
وَاخْتَارَ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ الْقَدِيمَ، وَرَجَّحُوهُ، وَعِنْدَهُمُ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يُفْتَى فِيهِ عَلَى الْقَدِيمِ.
قُلْتُ: الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، مُصَرِّحَةٌ بِمَا قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ، وَتَأْوِيلُ بَعْضِهَا مُتَعَذَّرٌ، فَهُوَ الصَّوَابُ. وَمِمَّنِ اخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْخَطَابِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْغَزَالِيُّ فِي (الْإِحْيَاءِ) وَالْبَغَوَيُّ فِي (التَّهْذِيبِ) وَغَيْرُهُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْعِشَاءُ، فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِمَغِيبِ الشَّفَقِ. وَهُوَ الْحُمْرَةُ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: الْبَيَاضُ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَدْخُلُ وَقْتُهَا بِزَوَالِ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ. قَالَ: وَالشَّمْسُ إِذَا غَرَبَتْ، تَعْقُبُهَا حُمْرَةٌ، ثُمَّ تَرِقُّ حَتَّى تَنْقَلِبَ صُفْرَةً، ثُمَّ يَبْقَى الْبَيَاضُ. قَالَ: وَبَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، إِلَى زَوَالِ الصُّفْرَةِ، كَمَا بَيْنَ الصُّبْحِ الصَّادِقِ، وَطُلُوعِ قَرْنِ الشَّمْسِ. وَبَيْنَ زَوَالِ الصُّفْرَةِ، إِلَى انْمِحَاقِ الْبَيَاضِ، قَرِيبٌ مِمَّا بَيْنُ الصُّبْحِ الصَّادِقِ، وَالْكَاذِبِ. هَذَا قَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُعْظَمُ، وَيَدُلُّ
стр. 180
عَلَيْهِ نَصُّ الشَّافِعِيُّ ﵁ أَنَّهُ الْحُمْرَةُ.
ثُمَّ غُرُوبُ الشَّفَقِ، ظَاهِرٌ، فِي مُعْظَمِ النَّوَاحِي. أَمَّا السَّاكِنُونَ بِنَاحِيَةٍ تَقْصُرُ لَيَالِيهِمْ، وَلَا يَغِيبُ عَنْهُمُ الشَّفَقُ، فَيُصَلُّونَ الْعِشَاءَ إِذَا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ قَدْرَ مَا يَغِيبُ فِيهِ الشَّفَقُ فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِمْ.
وَأَمَّا وَقْتُ الِاخْتِيَارِ لِلْعِشَاءِ، فَيَمْتَدُّ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَإِلَى نِصْفِهِ عَلَى الثَّانِي. وَيَبْقَى وَقْتُ الْجَوَازِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: يَخْرُجُ الْوَقْتُ بِذَهَابِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ.
وَأَمَّا وَقْتُ الصُّبْحِ فَيَدْخُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ. وَيَتَمَادَى وَقْتُ الِاخْتِيَارِ إِلَى أَنْ يَسْفُرَ. وَالْجَوَازُ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَعِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ يَخْرُجُ وَقْتُ الْجَوَازِ بِالْإِسْفَارِ. فَعَلَى الصَّحِيحِ، لِلصُّبْحِ أَرْبَعَةُ أَوْقَاتٍ، فَضِيلَةٌ أَوَّلَهُ، ثُمَّ اخْتِيَارٌ إِلَى الْإِسْفَارِ، ثُمَّ جَوَازٌ بِلَا كَرَاهَةٍ إِلَى طُلُوعِ الْحُمْرَةِ، ثُمَّ كَرَاهَةٌ وَقْتَ طُلُوعِ الْحُمْرَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ.
قُلْتُ: مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ مِنْ صَلَوَاتِ النَّهَارِ. وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ عِشَاءٌ، وَأَنْ يُقَالَ لِلْعِشَاءِ عَتَمَةٌ. وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يُقَالَ لِلصُّبْحِ الْفَجْرُ أَوِ الصُّبْحُ، وَهُمَا أَوْلَى مِنَ الْغَدَاةِ. وَلَا تَقُولُ: الْغَدَاةُ مَكْرُوهٌ. وَيُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ، إِلَّا فِي خَيْرٍ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى. فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَالْأَصْحَابُ: أَنَّهَا الصُّبْحُ. وَقَالَ صَاحِبُ (الْحَاوِي) : نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا الصُّبْحُ. وَصَحَّتِ الْأَحَادِيثُ، أَنَّهَا الْعَصْرُ. وَمَذْهَبُهُ، إِتْبَاعُ الْحَدِيثِ، فَصَارَ مَذْهَبُهُ: أَنَّهَا الْعَصْرُ. قَالَ: وَلَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ. كَمَا وَهَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 181
فَصْلٌ
تَجِبُ الصَّلَاةُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَأْثَمُ بِتَأْخِيرِهَا إِلَى آخِرِهِ. فَلَوْ أَخَّرَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ، لَمْ يَأْثَمْ بِتَأْخِيرِهَا عَلَى الْأَصَحِّ، بِخِلَافِ الْحَجِّ.
وَلَوْ وَقَعَ بَعْضُ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ، وَبَعْضُهَا خَارِجَ الْوَقْتِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الْوَاقِعُ فِي الْوَقْتِ رَكْعَةً فَصَاعِدًا، فَالْأَصَحُّ: أَنَّ جَمِيعَ الصَّلَاةِ أَدَاءٌ.
وَالثَّانِي: جَمِيعُهَا قَضَاءٌ.
وَالثَّالِثُ: مَا فِي الْوَقْتِ أَدَاءٌ، وَمَا بَعْدَهُ قَضَاءٌ. وَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ فِي الْوَقْتِ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ، فَالْمَذْهَبُ الْجَزْمُ بِأَنَّ الْجَمِيعَ قَضَاءٌ.
وَقِيلَ: هُوَ كَالرَّكْعَةِ. وَحَيْثُ قُلْنَا: الْجَمِيعُ قَضَاءٌ، أَوِ الْخَارِجُ، لَمْ يَجُزْ لِلْمُسَافِرِ قَصْرُ تِلْكَ الصَّلَاةِ عَلَى قَوْلِنَا: لَا يَجُوزُ قَصْرُ الْمَقْضِيَّةَ.
وَلَوْ أَرَادَ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ إِلَى حَدٍّ يُخْرِجُ بَعْضَهَا عَنِ الْوَقْتِ، إِنْ قُلْنَا كُلُّهَا قَضَاءٌ أَوِ الْبَعْضُ لَمْ يَجُزْ قَطْعًا. وَإِنْ قُلْنَا: الْجَمِيعُ أَدَاءٌ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ. وَفِيهِ تَرْدِيدُ جَوَابٍ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ.
وَلَوْ شَرَعَ فِيهَا وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ جَمِيعَهَا، فَمَدُّهَا بِتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ، لَمْ يَأْثَمْ قَطْعًا. وَلَا يُكْرَهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
قُلْتُ: وَفِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَجْهٌ: أَنَّهُ يَأْثَمُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ، وَفِيمَا يَحْصُلُ بِهِ فَضِيلَةُ أَوَّلِهِ أَوْجُهٌ:
أَصَحُّهَا: يَحْصُلُ بِأَنْ يَشْتَغِلَ أَوَّلَ دُخُولِ الْوَقْتِ بِأَسْبَابِ الصَّلَاةِ، كَالطَّهَارَةِ وَالْأَذَانِ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ يُصَلِّي. وَلَا يُشْتَرَطُ عَلَى هَذَا تَقْدِيمُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، عَلَى الْأَصَحِّ. وَشَرَطَهُ
стр. 182
أَبُو مُحَمَّدٍ. وَلَا يَضُرُّ الشُّغْلُ الْخَفِيفُ، كَأَكْلِ لُقَمٍ، وَكَلَامٍ قَصِيرٍ. وَلَا يُكَلَّفُ الْعَجَلَةَ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَبْقَى وَقْتُ الْفَضِيلَةِ إِلَى نِصْفِ الْوَقْتِ. كَذَا أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِلَى نِصْفِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ. وَالثَّالِثُ: لَا يَحْصُلُ إِلَّا إِذَا قَدَّمَ قَبْلَ الْوَقْتِ مَا يُمْكِنُهُ تَقْدِيمُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ، لِتَنْطَبِقَ الصَّلَاةُ عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ. وَعَلَى هَذَا قِيلَ: لَا يَنَالُ الْمُتَيَمِّمُ فَضِيلَةَ الْأَوَّلِيَّةَ.
قُلْتُ: هَذَا الْوَجْهُ الثَّالِثُ، غَلَطٌ صَرِيحٌ. مُخَالِفٌ لِلسُنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَهَذَا الْمَذْكُورُ مِنْ فَضِيلَةِ التَّعْجِيلِ هُوَ فِي الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَأَمَّا الْعِشَاءُ فَتَعْجِيلُهَا أَيْضًا أَفْضَلُ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَعَلَى الثَّانِي: تَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ، مَا لَمْ يُجَاوَزْ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ، وَأَمَّا الظُّهْرُ، فَيُسْتَحَبُّ فِيهَا التَّعْجِيلُ، فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْحَرِّ بِلَا خِلَافٍ.
وَفِي شِدَّةِ الْحَرِّ، يُسْتَحَبُّ الْإِبْرَادُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ.
وَفِيهِ وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّ الْإِبْرَادَ رُخْصَةٌ. وَأَنَّهُ لَوْ تَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ، وَصَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، كَانَ أَفْضَلَ.
وَالصَّوَابُ: أَنَّ الْإِبْرَادَ سُنَّةٌ. وَهُوَ: أَنْ يُؤَخِّرَ إِقَامَةَ الْجَمَاعَةِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يَأْتِيهِ النَّاسُ مِنْ بَعْدُ، بِقَدْرِ مَا يُقْطَعُ لِلْحِيطَانِ ظَلَّ يَمْشِي فِيهِ طَالِبُ الْجَمَاعَةِ. وَلَا يُؤَخَّرُ عَنِ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الْوَقْتِ. فَلَوْ قَرُبَتْ مَنَازِلُهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ، أَوْ حَضَرَ جَمَاعَةٌ فِي مَوْضِعٍ لَا يَأْتِيهِمْ غَيْرُهُمْ، لَا يُبْرِدُونَ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَكَذَا لَوْ أَمْكَنَهُ الْمَشْيُ إِلَى الْمَسْجِدِ فِي ظِلٍّ، أَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا فَلَا إِبْرَادَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَيَخْتَصُّ بِاسْتِحْبَابِ الْإِبْرَادِ بِالْبِلَادِ الْحَارَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ، وَلَا تُلْحَقُ الْجُمُعَةُ بِالظُّهْرِ، فِي الْإِبْرَادِ عَلَى الْأَصَحِّ.
стр. 183
فَصْلٌ
إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ لِغَيْمٍ، أَوْ حَبْسٍ فِي مُظْلِمٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا، اجْتَهَدَ فِيهِ، وَاسْتَدَلَّ بِالدَّرْسِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَوْرَادِ وَشِبْهِهَا. وَمِنَ الْأَمَارَاتِ صِيَاحُ الدِّيكِ الْمُجَرَّبِ إِصَابَةُ صِيَاحِهِ الْوَقْتَ.
وَكَذَا أَذَانُ الْمُؤَذِّنِينَ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ إِذَا كَثُرُوا، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ - لِكَثْرَتِهِمْ - أَنَّهُمْ لَا يُخْطِئُونَ. وَالْأَعْمَى يَجْتَهِدُ فِي الْوَقْتِ كَالْبَصِيرِ. وَإِنَّمَا يَجْتَهِدَانِ، إِذَا لَمْ يُخْبِرْهُمَا ثِقَةٌ بِدُخُولِ الْوَقْتِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ. فَلَوْ قَالَ: رَأَيْتُ الْفَجْرَ طَالِعًا، أَوِ الشَّفَقَ غَارِبًا، لَمْ يَجُزْ الِاجْتِهَادُ، وَوَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ.
فَإِنْ أَخْبَرَ عَنِ اجْتِهَادٍ، لَمْ يَجُزْ لِلْبَصِيرِ الْقَادِرِ عَلَى الِاجْتِهَادِ تَقْلِيدُهُ، وَيَجُوزُ لِلْأَعْمَى عَلَى الْأَصَحِّ. وَالْمُؤَذِّنُ الثِّقَةُ الْعَالِمُ بِالْمَوَاقِيتِ فِي يَوْمِ الصَّحْوِ كَالْمُخْبِرِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ وَفِي الْغَيْمِ كَالْمُجْتَهِدِ.
وَحَكَى فِي (التَّهْذِيبِ) وَجْهَيْنِ فِي تَقْلِيدِ الْمُؤَذِّنِ، مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْبَصِيرِ وَالْأَعْمَى. وَقَالَ الْأَصَحُّ الْجَوَازُ. وَذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ سُرَيْجٍ. وَالتَّفْصِيلُ الْمُتَقَدِّمُ أَقْرَبُ وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ، مَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) . وَقَدْ نَقَلَهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ. وَصَحَّحَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَصَاحِبُ (الْعُدَّةِ) وَغَيْرُهُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَيْثُ لَزِمَ الِاجْتِهَادُ فَصَلَّى بِلَا اجْتِهَادٍ وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ وَإِنْ صَادَفَ الْوَقْتَ. وَإِذَا لَمْ تَكُنْ دَلَالَةٌ، أَوْ كَانَتْ فَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ شَيْءٌ، صَبَرَ إِلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى قَلْبِهِ دُخُولُ الْوَقْتِ. وَالِاحْتِيَاطُ: أَنْ يُؤَخِّرَ إِلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ خَرَجَ الْوَقْتُ، وَإِذَا قَدَرَ عَلَى الصَّبْرِ إِلَى اسْتِيقَانِ دُخُولِ الْوَقْتِ، جَازَ الِاجْتِهَادُ عَلَى الصَّحِيحِ كَالْأَوَانِي.
стр. 184
قُلْتُ: لَوْ عَلِمَ الْمُنَجِّمُ دُخُولَ الْوَقْتِ بِالْحِسَابِ. حَكَى صَاحِبُ (الْبَيَانِ) أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِهِ بِنَفْسِهِ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ غَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
حَيْثُ جَازَ الِاجْتِهَادُ فَصَلَّ ى بِهِ إِنْ لَمْ يَتَبَيَّنِ الْحَالَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ بَانَ وُقُوعُ صَلَاتِهِ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ. لَكِنَّ الْوَاقِعَةَ بَعْدَهُ قَضَاءٌ عَلَى الْأَصَحِّ. فَلَوْ كَانَ مُسَافِرًا وَقَصَرَهَا وَجَبَ إِعَادَتُهَا تَامَّةً. إِذَا قُلْنَا: لَا يَجُوزُ قَصْرِ الْقَضَاءِ. وَإِنْ بَانَ وُقُوعُهَا قَبْلَ الْوَقْتِ وَأَدْرَكَهُ وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ:
الْمَشْهُورُ وَجُوبُهَا وَمِثْلُ هَذَا الْخِلَافِ وَالتَّفْصِيلِ يَجْرِي فِيمَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ.
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ أَخْبَرَهُ ثِقَةٌ أَنَّ صَلَاتَهُ وَقَعَتْ قَبْلَ الْوَقْتِ، إِنْ أَخْبَرَهُ عَنْ عِلْمٍ وَمُشَاهَدَةٍ وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ عَنِ اجْتِهَادٍ فَلَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
فِي وَقْتِ أَصْحَابِ الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ وُجُوبِ الصَّلَاةِ:
وَهِيَ: الصِّبَا وَالْكُفْرُ وَالْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ. وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ.
الْأَوَّلُ: أَنْ تُوجَدَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَيَخْلُوَ عَنْهَا آخِرَهُ، بِأَنْ تَطْهُرَ عَنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ فِي آخِرِ الْوَقْتِ، فَيُنْظَرُ، إِنْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ قَدْرُ رَكْعَةٍ لَزِمَهَا فَرْضُ الْوَقْتِ. وَالْمُعْتَبَرُ فِي الرَّكْعَةِ أَخَفُّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ. وَشَرْطُ
стр. 185
الْوُجُوبِ: أَنْ تَمْتَدَّ السَّلَامَةُ مِنَ الْمَانِعِ قَدْرَ إِمْكَانِ الطِّهَارَةِ، وَتِلْكَ الصَّلَاةِ. فَإِنْ عَادَ مَانِعٌ قَبْلَ ذَلِكَ، لَمْ يَجِبْ.
مِثَالُهُ: بَلَغَ الصَّبِيُّ فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ جُنَّ، أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ ثُمَّ عَادَ جُنُونُهُ، أَوْ طَهُرَتْ ثُمَّ جُنَّتْ، أَوْ أَفَاقَتْ مَجْنُونَةٌ ثُمَّ حَاضَتْ، فَإِنْ مَضَى فِي حَالِ السَّلَامَةِ مَا يَسَعُ طَهَارَةً وَأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَجَبَتِ الْعَصْرُ، وَإِلَّا فَلَا.
هَذَا إِذَا كَانَ الْبَاقِي مِنَ الْوَقْتِ قَدْرَ رَكْعَةٍ. فَإِنْ كَانَ قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ، أَوْ فَوْقَهَا دُونَ رَكْعَةٍ، فَفِي وُجُوبِ الْفَرْضِ قَوْلَانِ.
الْأَظْهَرُ: الْوُجُوبُ بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الرَّكْعَةِ. وَيَسْتَوِي فِي الْوُجُوبِ بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ أَوْ مَا دُوْنَهَا جَمِيعُ الصَّلَوَاتِ. فَإِنْ كَانَتِ الْمُدْرَكَةُ صُبْحًا أَوْ ظُهْرًا أَوْ مَغْرِبًا قُصِرَ الْوُجُوبُ عَلَيْهَا. وَإِنْ كَانَتْ عَصْرًا أَوْ عِشَاءً وَجَبَ مَعَ الْعَصْرِ الظُّهْرُ، وَمَعَ الْعِشَاءِ الْمَغْرِبُ. وَبِمَاذَا يَجِبُ الظُّهْرُ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: يَجِبُ بِمَا يَجِبُ بِهِ الْعَصْرُ. وَهُوَ رَكْعَةٌ قَبْلَ الْغُرُوبِ عَلَى قَوْلٍ، وَتَكْبِيرَةٌ عَلَى قَوْلٍ. وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ إِلَّا بِإِدْرَاكِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ زَائِدَةٍ عَلَى مَا يَجِبُ بِهِ الْعَصْرُ، وَتَكُونُ الْأَرْبَعُ لِلظُّهْرِ، وَالرَّكْعَةُ أَوِ التَّكْبِيرَةُ لِلْعَصْرِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَقِيلَ: الْأَرْبَعُ لِلْعَصْرِ وَالرَّكْعَةُ أَوِ التَّكْبِيرَةُ لِلظُّهْرِ.
وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْوَجْهَيْنِ، فِي الْمَغْرِبِ مَعَ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ الْمَغْرِبَ مَعَهَا كَالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ. فَإِنْ قُلْنَا: بِالْأَظْهَرِ، وَجَبَتِ الْمَغْرِبُ بِمَا تَجِبُ الْعِشَاءُ. وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، وَقُلْنَا الرَّكَعَاتُ الْأَرْبَعُ الزَّائِدَةُ لِلظُّهْرِ، اعْتَبَرْنَا هُنَا ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ لِلْمَغْرِبِ مَعَ مَا تَلْزَمُ بِهِ الْعِشَاءُ، وَإِنْ قُلْنَا الْأَرْبَعُ لِلْعَصْرِ اعْتَبَرْنَا أَرْبَعًا لِلْعَشَاءِ.
وَهَلْ يُعْتَبَرُ مَعَ الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ لِلُزُومِ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ، أَوْ صَلَاتَيِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إِدْرَاكُ زَمَنِ الطَّهَارَةِ؟ قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَا. وَإِذَا جُمِعَتِ الْأَقْوَالُ، حَصَلَ فِيمَا يَلْزَمُ بِهِ كُلَّ صَلَاةٍ مِنْ إِدْرَاكِ آخِرِ وَقْتِهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ.
أَظْهَرُهَا: قَدْرُ تَكْبِيرَةٍ. وَالثَّانِي: تَكْبِيرَةٌ وَطَهَارَةٌ. وَالثَّالِثُ: رَكْعَةٌ. وَالرَّابِعُ: رَكْعَةٌ وَطَهَارَةٌ. وَفِيمَا يَلْزَمُ بِهِ الظُّهْرُ مَعَ الْعَصْرِ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ.
هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ. وَالْخَامِسُ: قَدْرُ
стр. 186
أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ وَتَكْبِيرَةٍ. وَالسَّادِسُ: هَذَا وَزَمَنُ طَهَارَةٍ. وَالسَّابِعُ: قَدْرُ خَمْسِ رَكَعَاتٍ. وَالثَّامِنُ: هَذَا وَزَمَنُ طَهَارَةٍ. وَفِيمَا يَلْزَمُ الْمَغْرِبَ مَعَ الْعِشَاءِ اثْنَا عَشَرَ قَوْلًا، هَذِهِ الثَّمَانِيَةُ. وَالتَّاسِعُ: ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ وَتَكْبِيرَةٌ. وَالْعَاشِرُ: هَذَا وَزَمَنُ طَهَارَةٍ. وَالْحَادِيَ عَشَرَ: أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ. وَالثَّانِيَ عَشَرَ: هَذَا وَزَمَنُ طَهَارَةٍ.
فَرْعٌ
جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ، هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ زَوَالُ الْعُذْرِ قَبْلَ أَدَاءِ صَلَاةِ الْوَقْتِ. وَهَذَا يَكُونُ حَالَ مَنْ سِوَى الصَّبِيِّ، مِنْ أَصْحَابِ الْأَسْبَابِ، فَإِنَّهَا كَمَا تَمْنَعَ الْوُجُوبَ تَمْنَعُ الصِّحَّةَ.
وَأَمَّا الصَّبِيُّ إِذَا صَلَّى وَظِيفَةَ الْوَقْتِ ثُمَّ بَلَغَ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُعِيدَهَا وَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَالثَّانِي: تَجِبُ. قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ: سَوَاءٌ قَلَّ الْبَاقِي مِنَ الْوَقْتِ، أَمْ كَثُرَ. وَالثَّالِثُ: قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ: إِنْ بَلَغَ، وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ تِلْكَ الصَّلَاةَ، وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ. وَإِلَّا فَلَا.
أَمَّا إِذَا بَلَغَ بِالسِّنِّ فِي أَثْنَائِهَا، فَالصَّحِيحُ، وَظَاهِرُ النَّصِّ، وَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ يَجِبُ إِتْمَامُهَا، وَيُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ.
وَالثَّانِي: يُسْتَحَبُّ الْإِتْمَامُ، وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ. وَالثَّالِثُ قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ: إِنْ بَقِيَ مَا يَسَعُ الصَّلَاةَ، وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ. وَإِلَّا فَلَا. هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ.
أَمَّا إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ بَلَغَ، وَأَمْكَنَتْهُ الْجُمُعَةُ. فَإِنْ قُلْنَا: فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ تَجِبُ الْإِعَادَةُ وَجَبَتِ الْجُمُعَةُ. وَإِلَّا فَالصَّحِيحُ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ كَالْمُسَافِرِ وَالْعَبْدِ إِذَا صَلَّيَا الظُّهْرَ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُمَا، وَأَمْكَنَتْهُمَا الْجُمُعَةُ، لَا تَلْزَمُهُمَا قَطْعًا.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَخْلُوَ أَوَّلُ الْوَقْتِ مِنَ الْأَعْذَارِ الْمَذْكُورَةِ، ثُمَّ يَطْرَأُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَطْرَأَ، وَهُوَ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَالْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ طَرَيَانُ الْكُفْرِ الْمُسْقِطِ لِلْإِعَادَةِ.
فَإِذَا حَاضَتْ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ، قَبْلَ أَنْ تُصَلِّيَ، نُظِرَ فِي
стр. 187
الْقَدْرِ الْمَاضِي مِنَ الْوَقْتِ. إِنْ كَانَ قَدْرًا يَسَعُ تِلْكَ الصَّلَاةَ، وَجَبَ الْقَضَاءُ، إِذَا طَهُرَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ قَوْلًا: أَنَّهُ لَا يَجِبُ إِلَّا إِذَا أَدْرَكَتْ جَمِيعَ الْوَقْتِ. ثُمَّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُعْتَبَرِ: أَخَفُّ مَا يُمْكِنُ مِنَ الصَّلَاةِ. حَتَّى لَوْ طَوَّلَتْ صَلَاتَهَا فَحَاضَتْ فِيهَا وَقَدْ مَضَى مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُهَا لَوْ خَفَّقَهَا وَجَبَ الْقَضَاءُ.
وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مُسَافِرًا فَطَرَأَ عَلَيْهِ جُنُونٌ أَوْ إِغْمَاءٌ، بَعْدَ مَا مَضَى مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْمَقْصُورَةِ مَا يَسَعُ رَكْعَتَيْنِ، لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَصَرَ أَمْكَنَهُ أَدَاؤُهَا. وَلَا يُعْتَبَرُ مَعَ إِمْكَانِ فِعْلِهَا، إِمْكَانُ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْوَقْتِ، إِلَّا إِذَا لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُ طَهَارَةِ صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ. كَالْمُتَيَمِّمِ وَالْمُسْتَحَاضَةِ.
قُلْتُ: ذَكَرَ فِي (التَّتِمَّةِ) فِي اشْتِرَاطِ زَمَنِ الطَّهَارَةِ، لِمَنْ يُمْكِنُهُ تَقْدِيمُهَا وَجْهَيْنِ، وَهُمَا كَالْخِلَافِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ. وَلَا فَرْقَ، فَإِنَّهُ وَإِنْ أَمْكَنَ التَّقْدِيمُ فَلَا يَجِبُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاضِي مِنَ الْوَقْتِ لَا يَسَعُ تِلْكَ الصَّلَاةَ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعُ الْجَمَاهِيرُ.
وَقَالَ أَبُو يَحْيَى الْبَلْخِيُّ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا: حُكْمُ أَوَّلِ الْوَقْتِ، حُكْمُ آخِرِهِ. فَيَجِبُ الْقَضَاءُ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ أَوْ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَغَلَّطَهُ الْأَصْحَابُ.
أَمَّا الْعَصْرُ فَلَا يَجِبُ بِإِدْرَاكِ الظُّهْرِ، وَلَا الْعِشَاءُ بِإِدْرَاكِ الْمَغْرِبِ. وَلَوْ أَدْرَكَ جَمِيعَ وَقْتِهَا عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ.
وَقَالَ الْبَلْخِيُّ إِذَا أَدْرَكَ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ طَرَأَ الْعُذْرُ، لَزِمَهُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ جَمِيعًا. كَمَا يَلْزَمُ الْأُولَى بِإِدْرَاكِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ غَلَطٌ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ، لَا يَصْلُحُ لِلْعَصْرِ، إِلَّا إِذَا صَلَّيْتَ الظُّهْرَ جَمْعًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ، إِذَا أَدْرَكَ مِنْ وَقْتِهَا مَا يَسَعُهَا، لَا يَخْتَصُّ بِأَوَّلِهِ. بَلْ لَوْ كَانَ الْمُدْرِكُ مِنْ وَسَطِهِ لَزِمَتِ الصَّلَاةُ، مِثْلُ إِنْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ وَعَادَ جُنُونُهُ فِي الْوَقْتِ، أَوْ بَلَغَ صَبِيٌّ ثُمَّ جُنَّ، أَوْ أَفَاقَتْ مَجْنُونَةٌ
стр. 188
ثُمَّ حَاضَتْ. وَقَدْ تَلْزَمُ الظُّهْرُ بِإِدْرَاكِ أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ، كَمَا تَلْزَمُ بِآخِرِهِ، بِأَنْ أَفَاقَ مُغْمًى عَلَيْهِ، بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ مَا يَسَعُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ.
فَإِنْ كَانَ مُقِيمًا، فَالْمُعْتَبِرُ قَدْرُ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ. وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا يَقْصِرُ، كَفَاهُ قَدْرُ أَرْبَعٍ. وَتُقَاسُ الْمَغْرِبُ مَعَ الْعِشَاءِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ، بِالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعُمَّ السَّبَبُ جَمِيعَ وَقْتِ الرَّفَاهِيَةِ، وَوَقْتِ الضَّرُورَةِ، وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ الْجَمْعُ. أَمَّا الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ. فَإِنَّهُ يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَجَوَازَهَا وَلَا قَضَاءَ.
وَأَمَّا الْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ فَهُوَ مُخَاطَبٌ بِالصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ فُرُوعِ الشَّرْعِ عَلَى الصَّحِيحِ.
لَكِنْ إِذَا أَسْلَمَ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ صَلَاةِ أَيَّامِ الْكُفْرِ بِلَا خِلَافٍ. وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ صَلَوَاتِ أَيَّامِ الرِّدَّةِ.
وَأَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ أَدَاءً وَلَا قَضَاءً. وَلَا يُؤْمَرُ أَحَدٌ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ بِفِعْلِهَا، إِلَّا الصَّبِيُّ وَالصِّبْيَةُ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِهَا إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا إِذَا بَلَغَ عَشْرًا.
قَالَ الْأَئِمَّةُ: فَيَجِبُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ تَعْلِيمُ الْأَوْلَادِ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ وَالشَّرَائِعَ بَعْدَ السَّبْعِ، وَالضَّرْبَ عَلَى تَرْكِهَا بَعْدَ الْعَشْرِ، وَيُؤْمَرُ بِالصَّوْمِ إِنْ أَطَاقَهُ كَمَا يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ.
وَأُجْرَةُ تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى الْأَبِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى الْأُمِّ. وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْأُجْرَةَ مَنْ مَالِ الصَّبِيِّ، عَلَى تَعْلِيمِ مَا سِوَى الْفَاتِحَةِ وَالْفَرَائِضِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْأَدَبِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ فِي مَالِ الصَّبِيِّ. وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الصَّبِيُّ وَالصِّبْيَةُ، مُمَيِّزِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِجُنُونٍ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ، وَلَا قَضَاؤُهَا، سَوَاءٌ قَلَّ الْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ أَوْ كَثُرَ إِذَا اسْتَغْرَقَ الْوَقْتَ.
وَلَوْ زَالَ عَقْلُهُ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ، كَشُرْبٍ مُسْكِرٍ أَوْ دَوَاءٍ مُزِيلٍ لِلْعَقْلِ، وَجَبَ
стр. 189
الْقَضَاءُ. هَذَا إِذَا تَنَاوَلَ الدَّوَاءَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَعَلِمَ أَنَّهُ يُزِيلُ الْعَقْلَ، وَعَلِمَ أَنَّ الشَّرَابَ مُسْكِرٌ.
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ كَوْنَ الشَّرَابِ مُسْكِرًا أَوْ كَوْنَ الدَّوَاءِ مُزِيلًا، فَلَا قَضَاءَ، كَالْإِغْمَاءِ. وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ جِنْسَهُ مُسْكِرٌ، وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ لَا يُسْكِرُ، وَجَبَ الْقَضَاءُ، لِتَقْصِيرِهِ. وَلَوْ وَثَبَ مِنْ مَوْضِعِ لِحَاجَةٍ فَزَالَ عَقْلُهُ، فَلَا قَضَاءَ. وَإِنْ فَعَلَهُ عَبَثًا وَجَبَ الْقَضَاءُ.
فَرْعٌ
لَوِ ارْتَدَّ ثُمَّ جُنَّ ثُمَّ أَفَاقَ وَأَسْلَمَ، وَجَبَ قَضَاءُ أَيَّامِ الْجُنُونِ وَمَا قَبْلَهَا، تَغْلِيطًا عَلَيْهِ. وَلَوْ سَكِرَ ثُمَّ جُنَّ وَجَبَ قَضَاءُ الْمُدَّةِ الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا السُّكْرُ. وَفِيمَا بَعْدَهَا مِنْ مُدَّةِ الْجُنُونِ وَجْهَانِ:
الْأَصَحُّ: لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَلَوِ ارْتَدَّتْ ثُمَّ حَاضَتْ، أَوْ سَكِرَتْ ثُمَّ حَاضَتْ لَمْ تَقْضِ أَيَّامَ الْحَيْضِ. وَلَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً حَتَّى حَاضَتْ، لَمْ يَلْزَمْهَا الْقَضَاءُ.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَرِبَتْ دَوَاءً حَتَّى أَلْقَتْ جَنِينًا وَنَفَسَتْ لَمْ يَجِبِ الْقَضَاءُ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ عَزِيمَةٌ.
وَالْحَاصِلُ، أَنَّ مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّرْكِ، لَا يَسْتَحِيلُ أَنْ يُؤْمَرَ بِالْقَضَاءِ. فَإِذَا لَمْ يُؤْمَرُ كَانَ تَخْفِيفًا. وَمَنْ أُمِرَ بِالتَّرْكِ، فَامْتَثَلَ الْأَمْرَ لَا يَتَوَجَّهُ أَمْرُهُ بِالْقَضَاءِ إِلَّا لِحَائِضٍ، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِتَرْكِ الصَّوْمِ وَبِقَضَائِهِ. وَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْقِيَاسِ لِلنَّصِّ.
стр. 190
فَصْلٌ
فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ.
وَهِيَ خَمْسَةٌ:
أَحَدُهَا: عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَتَّى تَرْتَفِعَ قَدْرَ رُمْحٍ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَعَلَى الشَّاذِّ: تَزُولُ الْكَرَاهَةُ، بِطُلُوعِ قُرْصِ الشَّمْسِ بِتَمَامِهِ.
وَالثَّانِي: اسْتِوَاءُ الشَّمْسِ.
وَالثَّالِثُ: عِنْدَ الِاصْفِرَارِ حَتَّى يَتِمَّ غُرُوبُهَا.
وَالرَّابِعُ: بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
وَالْخَامِسُ: بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ.
وَفِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ إِذَا قُدِّمَ الصُّبْحُ وَالْعَصْرُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، طَالَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ، وَإِذَا أَخَّرَهُمَا قَصَرَ. هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ لِأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: أَنَّ الْأَوْقَاتِ خَمْسَةٌ كَمَا ذَكَرْنَا، وَفِي الصُّبْحِ وَجْهَانِ آخَرَانِ:
أَحَدُهُمَا: تُكْرَهُ الصَّلَاةُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، سِوَى رَكْعَتِي سُنَّةِ الصُّبْحِ. سَوَاءٌ صَلَّى الصُّبْحَ وَسُنَّتَهَا أَمْ لَا.
قَالَ صَاحِبُ (الشَّامِلِ) هَذَا الْوَجْهُ: هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. وَقَطَعَ بِهِ صَاحِبُ (التَّتِمَّةِ) وَالثَّانِي: يُكْرَهُ ذَلِكَ لِمَنْ صَلَّى السُّنَّةَ، وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ الْفَرِيضَةَ. وَالصَّحِيحُ: مَا سَبَقَ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ الْجُمْهُورِ.
فَرْعٌ:
النَّهْيُ وَالْكَرَاهَةُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، إِنَّمَا هُوَ فِي صَلَاةٍ لَيْسَ لَهَا سَبَبٌ، فَأَمَّا مَا لَهَا سَبَبٌ فَلَا كَرَاهَةَ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ: صَلَاةٌ لَهَا سَبَبٌ، أَيْ: سَبَبٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَى هَذِهِ
стр. 191
الْأَوْقَاتِ، أَوْ مُقَارِنٌ لَهَا، وَالَّتِي لَا سَبَبَ لَهَا هِيَ الَّتِي لَيْسَ لَهَا سَبَبٌ مُتَقَدِّمٌ وَلَا مُقَارِنٌ.
وَقَدْ يُفَسَّرُ قَوْلُهُمْ: لَا سَبَبَ لَهَا، بِأَنَّ الشَّارِعَ لَمْ يَخُصَّهَا بِوَضْعٍ وَشَرْعِيَّةٍ، بَلْ هِيَ الَّتِي يَأْتِي بِهَا الْإِنْسَانُ ابْتِدَاءً. فَمِنْ ذَوَاتِ الْأَسْبَابِ الْفَائِتَةُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، قَضَاءُ الْفَرَائِضِ، وَالسُّنَنِ، وَالنَّوَافِلِ الَّتِي اتَّخَذَهَا الْإِنْسَانُ وِرْدًا لَهُ.
وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ وَسُجُودُ الشُّكْرِ وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ. وَلَوْ تَطَهَّرَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. وَلَا تُكَرَهُ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ فِيهَا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَعَلَى الثَّانِي: تُكْرَهُ كَصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ. وَقَدْ يَمْنَعُ الْأَوَّلَ الْكَرَاهَةُ فِي صَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ. وَيُكْرَهُ رَكْعَتَا الْإِحْرَامِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَأَمَّا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ، فَإِنِ اتَّفَقَ دُخُولُهُ لِغَرَضٍ، كَاعْتِكَافٍ أَوْ دَرْسِ عِلْمٍ أَوِ انْتِظَارِ صَلَاةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ تُكْرَهْ. وَإِنْ دَخَلَ لَا لِحَاجَةٍ، بَلْ لِيُصَلِّيَ التَّحِيَّةَ فَقَطْ، فَوَجْهَانِ:
أَقْيَسُهُمَا: الْكَرَاهَةُ. كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْفَائِتَةَ لِيَقْضِيَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ. وَمِنَ الْأَصْحَابِ، مَنْ لَمْ يُفْصِّلْ، وَيَجْعَلْ فِي التَّحِيَّةِ وَجْهَيْنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَيُنْسَبُ الْقَوْلُ بِالْكَرَاهَةِ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ.
قُلْتُ: هَذِهِ الطَّرِيقَةُ غَلَطٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ فَاتَتْهُ رَاتِبَةٌ أَوْ نَافِلَةٌ اتَّخَذَهَا وِرْدًا فَقَضَاهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، فَهَلْ لَهُ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى مَثَلِهَا فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ؟ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاتَهُ رَكْعَتَا الظُّهْرِ، فَقَضَاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَدَاوَمَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ. وَأَصَحُّهُمَا:
لَا، وَتِلْكَ الصَّلَاةُ مِنْ خَصَائِصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
стр. 192
فَصْلٌ
الصَّلَاةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ يُسْتَثْنَى مِنْهَا زَمَانٌ وَمَكَانٌ؛ أَمَّا الزَّمَانُ فَعِنْدَ الِاسْتِوَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةَ، وَلَا يَلْحَقُ بِهِ بَاقِي الْأَوْقَاتِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَإِنْ أَلْحَقْنَا جَازَ التَّنَفُّلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ لِكُلِّ أَحَدٍ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ، فَهَلْ يَجُوزُ التَّنَفُّلُ لِكُلِّ أَحَدٍ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ؟ وَجْهَانِ:
أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ. وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ لِمَنْ لَيْسَ فِي الْجَامِعِ. وَأَمَّا مَنْ فِي الْجَامِعِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَالثَّانِي: يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يُبَكِّرَ ثُمَّ يَغْلِبُهُ النُّعَاسُ. وَقِيلَ: يَكْفِي النُّعَاسُ بِلَا تَبْكِيرٍ.
وَأَمَّا الْمَكَانُ فَمَكَّةُ - زَادَهَا اللَّهُ شَرَفًا - لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا فِي شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ سَوَاءٌ صَلَاةُ الطَّوَافِ وَغَيْرِهَا.
وَقِيلَ: إِنَّمَا يُبَاحُ رَكْعَتَا الطَّوَافِ. وَالصَّوَابُ، الْأَوَّلُ. وَالْمُرَادُ بِمَكَّةَ، جَمِيعُ الْحَرَمِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا يُسْتَثْنَى نَفْسُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَالصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ هُوَ الْأَوَّلُ.
فَرْعٌ:
مَتَّى ثَبَتَتِ الْكَرَاهَةُ فَتَحْرُمُ بِالصَّلَاةِ الْمَكْرُوهَةِ لَمْ تَنْعَقِدْ عَلَى الْأَصَحِّ. كَصَوْمِ الْعِيدِ، وَتَنْعَقِدُ عَلَى الثَّانِي كَالصَّلَاةِ فِي الْحَمَّامِ، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، فَإِنْ قُلْنَا: تَنْعَقِدُ الصَّلَاةُ صَحَّ نَذْرُهُ وَإِلَّا فَلَا.
وَإِذَا صَحَّ نَذْرُهُ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُصَلِّيَ فِي وَقْتٍ آخَرَ، كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُضَحِّيَ بِشَاةٍ يَذْبَحُهَا بِسِكِّينٍ مَغْصُوبٍ يَصِحُّ نَذْرُهُ، وَيَذْبَحُهَا بِغَيْرِ مَغْصُوبٍ.
وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةً مُطْلَقَةً فَلَهُ فِعْلُهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ قَطْعًا، فَإِنَّ لَهَا سَبَبًا.
стр. 193
قُلْتُ: النَّهْيُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ حَيْثُ أَثْبَتْنَاهُ مَكْرُوهًا، كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ عَلَى الْأَصَحِّ. وَبِهِ قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي (الْإِقْنَاعِ) وَصَاحِبُ (الذَّخَائِرِ) وَآخَرُونَ: وَهُوَ مُقْتَضَى النَّهْيِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.
وَالثَّانِي: كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَبِهِ قَطَعَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ شَاذٌّ مَتْرُوكٌ، عِلَّتُهُ [أَنَّهُ] مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ كَثِيرُونَ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبَاقِينَ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي الْأَذَانِ.
الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ سُنَّتَانِ عَلَى أَصَحِّ الْأَوْجُهِ، وَفَرْضَا كِفَايَةٍ عَلَى الثَّانِي. وَالثَّالِثُ: هُمَا سُنَّةٌ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، وَفَرْضَا كِفَايَةٍ فِيهَا.
فَإِذَا قُلْنَا: سُنَّةٌ، فَاتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهَا، لَمْ يُقَاتَلُوا عَلَى الْأَصَحِّ، كَسَائِرِ السُّنَنِ. وَإِذَا قُلْنَا: فَرْضُ كِفَايَةٍ، قُوتِلُوا عَلَى تَرْكِهَا بِلَا خِلَافٍ.
وَإِنَّمَا يَسْقُطُ الْإِثْمُ عَنْهُمْ، بِإِظْهَارِهَا فِي الْبَلْدَةِ، أَوِ الْقَرْيَةِ، بِحَيْثُ يَعْلَمُ جَمِيعُ أَهْلِهَا، أَنَّهُ قَدْ أُذِّنَ فِيهَا لَوْ أَصْغَوْا. فَفِي الْقَرْيَةِ الصَّغِيرَةِ، يَكْفِي فِي مَوْضِعٍ، وَفِي الْبَلَدِ الْكَبِيرِ، لَا بُدَّ مِنْهُ فِي مَوَاضِعَ.
وَإِذَا قُلْنَا: الْأَذَانُ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي الْجُمُعَةِ، فَقِيلَ: الْوَاجِبُ، هُوَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ. وَقِيلَ: يَسْقُطُ الْوُجُوبُ بِالْأَذَانِ الْمَأْتِيِّ بِهِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ.
أَمَّا مَا يُؤَذِّنُ لَهُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلْجَمَاعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَوَاتِ الرِّجَالِ فِي كُلِّ مَكْتُوبَةٍ مُؤَدَّاةٍ. فَإِنْ فَقَدَ بَعْضَ هَذِهِ الْقُيُودِ، فَفِيهِ تَفْصِيلٌ.
أَمَّا الْمُنْفَرِدُ فِي الصَّحْرَاءِ،
стр. 194
أَوْ بَلَدٍ، فَيُؤَذِّنُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ فِي الْجَدِيدِ. وَقِيلَ: لَا يُؤَذِّنُ فِي الْقَدِيمِ. وَفِي وَجْهٍ: إِنْ رَجَا حُضُورَ جَمَاعَةٍ أَذَّنَ وَإِلَّا فَلَا.
هَذَا إِذَا لَمْ يَبْلُغُ الْمُنْفَرِدُ أَذَانَ الْمُؤَذِّنِينَ، فَإِنْ بَلَغَهُ، فَالْخِلَافُ مُرَتَّبٌ، وَأَوْلَى بِأَنْ لَا يُؤَذِّنَ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُؤَذِّنُ، فَهَلْ يُقِيمُ؟ وَجْهَانِ:
أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ. وَإِنْ قُلْنَا: يُؤَذِّنُ، فَهَلْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ؟ نُظِرَ، إِنْ صَلَّى فِي مَسْجِدٍ أُقِيمَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ وَانْصَرَفُوا لَمْ يَرْفَعْ، لِئَلَّا يُوهِمَ دُخُولَ وَقْتِ صَلَاةٍ أُخْرَى. وَإِلَّا فَوَجْهَانِ:
الْأَصَحُّ: يَرْفَعُ. وَالثَّانِي: إِنْ رَجَا جَمَاعَةً رَفَعَ، وَإِلَّا فَلَا. أَمَّا إِذَا أُقِيمَتْ جَمَاعَةٌ فِي مَسْجِدٍ، فَحَضَرَ قَوْمٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِمَامٌ رَاتِبٌ لَمْ يُكْرَهْ لَهُمْ إِقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ كُرِهَتْ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِذَا أَقَامُوا جَمَاعَةً مَكْرُوهَةً أَوْ غَيْرَ مَكْرُوهَةٍ، فَقَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يُسَنُّ لَهُمُ الْأَذَانُ. وَأَظْهَرُهُمَا: يُسَنُّ، وَلَا يُرْفَعُ فِيهِ الصَّوْتُ، لِخَوْفِ اللَّبْسِ. وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَسْجِدُ مَطْرُوقًا أَوْ غَيْرَ مَطْرُوقٍ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: حَيْثُ قُلْنَا فِي الْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ، فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي أُقِيمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ، وَأَذَانُ الرَّاتِبِ: لَا يَرْفَعُ الصَّوْتَ، لَا نَعْنِي بِهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ الرَّفْعُ، بَلْ نَعْنِي بِهِ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَرْفَعَ.
وَإِذَا قُلْنَا: الْمُنْفَرِدُ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَلَا نَعْنِي بِهِ أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَرْفَعَ، فَإِنَّ الرَّفْعَ أَوْلَى فِي حَقِّهِ. وَلَكِنْ نَعْنِي، أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِأَذَانِهِ دُونَ الرَّفْعِ.
أَمَّا جَمَاعَةُ النِّسَاءِ، فَفِيهَا أَقْوَالٌ: الْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ فِي (الْأُمِّ) وَ (الْمُخْتَصَرِ) : يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الْإِقَامَةُ، دُونَ الْأَذَانِ. فَلَوْ أَذَّنَتْ عَلَى هَذَا، وَلَمْ تَرْفَعْ صَوْتَهَا، لَمْ يُكْرَهْ. وَكَانَ ذِكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: لَا أَذَانَ وَلَا إِقَامَةَ. وَالثَّالِثُ: يُسْتَحَبَّانِ مَعًا. وَلَوْ صَلَّتِ امْرَأَةٌ مُنْفَرِدَةً. إِنْ قُلْنَا: الرَّجُلُ الْمُنْفَرِدُ. لَا يُؤَذِّنُ فَهِيَ أَوْلَى. وَإِلَّا فَعَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِحَالٍ، فَوْقَ مَا تُسْمِعُ صَوَاحِبَهَا. وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ. أَمَّا غَيْرُ الْفَرَائِضِ الْخَمْسِ فَلَا أَذَانَ لَهَا وَلَا إِقَامَةَ. سَوَاءٌ كَانَتْ مَنْذُورَةً أَوْ سُنَّةً، سَوَاءٌ سُنَّ لَهَا الْجَمَاعَةُ كَالْعِيدَيْنِ وَالْكُسُوفَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، أَمْ لَمْ يُسَنَّ كَالضُّحَى. لَكِنْ يُنَادَى لِلْعِيدِ
стр. 195
وَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. وَكَذَا يُنَادَى لِلتَّرَاوِيحِ، إِذَا صُلِّيَتْ جَمَاعَةً. وَفِي اسْتِحْبَابِ هَذَا النِّدَاءِ فِي الْجِنَازَةِ، وَجْهَانِ:
قُلْتُ: الْأَصَحُّ، لَا يُسْتَحَبُّ. وَبِهِ قَطَعَ كَثِيرُونَ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي (الْأُمِّ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا الْفَرِيضَةُ الْفَائِتَةُ، فَيُقِيمُ لَهَا بِلَا خِلَافٍ. وَفِي الْأَذَانِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
الْجَدِيدُ الْأَظْهَرُ لَا يُؤَذِّنُ، وَالْقَدِيمُ يُؤَذِّنُ، وَالثَّالِثُ نَصُّهُ فِي (الْإِمْلَاءِ) إِنْ رَجَا اجْتِمَاعَ جَمَاعَةٍ يُصَلُّونَ مَعَهُ أَذَّنَ، وَإِلَّا فَلَا. قَالَ الْأَئِمَّةُ: الْأَذَانُ فِي الْجَدِيدِ، حَقُّ الْوَقْتِ. وَفِي الْقَدِيمِ، حَقُّ الْفَرِيضَةِ. وَفِي (الْإِمْلَاءِ) حَقُّ الْجَمَاعَةِ.
قُلْتُ: الْأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَصَحَّحَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا أُقِيمَتِ الْفَائِتَةُ جَمَاعَةً سَقَطَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ، وَلَوْ قَضَى فَوَائِتَ، فَعَلَى التَّوَالِي أَقَامَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ قَطْعًا بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يُؤَذِّنُ لِغَيْرِ الْأُولَى قَطْعًا.
وَفِي الْأُولَى هَذِهِ الْأَقْوَالُ، وَلَوْ وَالَى بَيْنَ فَرِيضَةِ الْوَقْتِ وَمَقْضِيَّةٍ، فَإِنْ قَدَّمَ فَرِيضَةَ الْوَقْتِ أَذَّنَ لَهَا وَأَقَامَ لِلْمَقْضِيَّةِ، وَإِنْ قَدَّمَ الْمَقْضِيَّةَ أَقَامَ لَهَا.
وَفِي الْأَذَانِ لَهَا الْأَقْوَالُ، وَأَمَّا فَرِيضَةُ الْوَقْتِ، فَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِنْ قُلْنَا: يُؤَذِّنُ لِلْمَقْضِيَّةِ، لَمْ يُؤَذِّنْ لِفَرِيضَةِ الْوَقْتِ وَإِلَّا أُذِّنَ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ لِفَرِيضَةِ الْوَقْتِ بَعْدَ الْمَقْضِيَّةِ بِكُلِّ حَالٍ.
قُلْتُ: إِلَّا أَنْ يُؤَخِّرَهَا عَنِ الْمَقْضِيَّةِ، بِحَيْثُ يَطُولُ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لِلْحَاضِرَةِ قَطْعًا بِكُلِّ حَالٍ. كَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيِ الْجَمْعِ بِسَفَرٍ أَوْ مَطَرٍ، فَإِنْ قَدَّمَ الثَّانِيَةَ إِلَى وَقْتِ الْأُولَى أَذَّنَ لِلْأُولَى وَأَقَامَ لِلثَّانِيَةِ، وَإِنْ أَخَّرَ الْأُولَى إِلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ
стр. 196
أَقَامَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ وَلَا يُؤَذِّنُ لِلثَّانِيَةِ، وَفِي الْأَذَانِ لِلْأُولَى الْأَقْوَالُ فِي الْفَائِتَةِ.
وَالْأَظْهَرُ: لَا يُؤَذِّنُ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَيَنْقَدِحُ أَنْ يُقَالَ: يُؤَذِّنُ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنْ لِلْفَائِتَةِ.
قُلْتُ: بَلِ الْأَظْهَرُ، أَنَّهُ يُؤَذِّنُ. فَفِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) عَنْ جَابِرٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ. بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى رِوَايَةِ أُسَامَةَ، وَابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ صَلَّاهُمَا بِإِقَامَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةُ ثِقَةِ حَفِظَ مَا لَمْ يَحْفَظْ غَيْرَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَخَرَّجَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجْهًا: أَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ صَلَاتَيِ الْجَمْعِ، قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ.
قُلْتُ: قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا سَبِيلَ إِلَى تَوَالِي أَذَانَيْنِ، إِلَّا فِي صُورَةٍ عَلَى قَوْلٍ، وَهِيَ إِذَا صَلَّى فَائِتَةً قُبَيْلَ الزَّوَالِ، وَأَذَّنَ لَهَا عَلَى قَوْلٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا، زَالَتِ الشَّمْسُ، فَأَرَادَ إِقَامَةَ الظُّهْرِ، أَذَّنَ لَا مَحَالَةَ. هَذَا كَلَامُ الْإِمَامِ، وَيُتَصَوَّرُ التَّوَالِي قَطْعًا فِيمَا لَوْ أَخَّرُوا الْمُؤَدَّاةَ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، فَأَذَّنُوا لَهَا، وَصَلَّوْهَا، ثُمَّ دَخَلَتْ فَرِيضَةٌ أُخْرَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
فِي صِفَةِ الْأَذَانِ.
فِيهِ مَسَائِلٌ:
الْأُولَى: الْأَذَانُ، مَثْنَى، وَالْإِقَامَةُ فُرَادَى، وَالْمُرَادُ: مُعْظَمُ الْأَذَانِ مَثْنَى، وَإِلَّا، فَقَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فِي آخِرِهِ مَرَّةً، وَالتَّكْبِيرُ فِي أَوَّلِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. فَكَذَا الْمُرَادُ مُعْظَمَ الْإِقَامَةِ، فَإِنَّ التَّكْبِيرَ فِي أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا، وَلَفْظُ الْإِقَامَةِ بِالتَّثْنِيَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ فِي الْجَدِيدِ.
وَقَالَ: فِي الْقَدِيمِ يَقُولُ هَذِهِ
стр. 197
الْكَلِمَاتِ مَرَّةً، وَقِيلَ: إِنَّمَا أَفْرَدَ فِي الْقَدِيمِ الْإِقَامَةَ دُونَ التَّكْبِيرِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ: أَنَّهُ إِنْ رَجَعَ فِي الْأَذَانِ، ثَنَّى جَمِيعَ كَلِمَاتِ الْإِقَامَةِ، وَإِلَّا أَفْرَدَهَا، وَاخْتَارَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا.
الثَّانِيَةُ: يُسْتَحَبُّ تَرْتِيلُ الْأَذَانِ، وَإِدْرَاجُ الْإِقَامَةِ. فَالتَّرْتِيلُ: تَبْيِينُ كَلِمَاتِهِ بِلَا بُطْءٍ يُجَاوِزُ الْحَدَّ، وَالْإِدْرَاجُ: أَنْ يَحْدُرَهَا بِلَا فَصْلٍ.
الثَّالِثَةُ: يُرَجِّعُ فِي أَذَانِهِ، وَهُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، بِصَوْتٍ مَخْفُوضٍ ثُمَّ يَرْفَعُهُ، وَيَأْتِي بِهِمَا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَالتَّرْجِيعُ سُنَّةٌ. لَوْ تَرَكَهُ لَمْ يَفْسُدْ أَذَانُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: الْمَشْهُورُ.
الرَّابِعَةُ: التَّثْوِيبُ: أَنْ يَقُولَ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ سُنَّةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ:
الْقَدِيمُ الَّذِي يُفْتَى بِهِ: أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَالْجَدِيدُ: لَيْسَ سُنَّةً. ثُمَّ ظَاهَرُ إِطْلَاقِ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ التَّثْوِيبَ يَشْمَلُ الْأَذَانَ الَّذِي قَبْلَ الْفَجْرِ وَالَّذِي بَعْدَهُ، وَصَرَّحَ فِي (التَّهْذِيبِ) بِأَنَّهُ إِذَا ثُوِّبَ فِي الْأَذَانِ الْأَوَّلِ، لَا يُثَوَّبُ فِي الثَّانِي عَلَى الْأَصَحِّ.
ثُمَّ إِنَّ التَّثْوِيبَ لَيْسَ بِشَرْطٍ. هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: فِي اشْتِرَاطِهِ احْتِمَالٌ، وَهُوَ بِالْخِلَافِ، أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيعِ.
الْخَامِسَةُ: يَنْبَغِي أَنْ يُؤْذِّنَ وَيُقِيمَ قَائِمًا مُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةِ. فَلَوْ تَرَكَ الْقِيَامَ وَالِاسْتِقْبَالَ مَعَ الْقُدْرَةِ، صَحَّ أَذَانُهُ وَإِقَامَتُهُ، عَلَى الْأَصَحِّ، لَكِنْ يُكْرَهُ، إِلَّا إِذَا كَانَ مُسَافِرًا، فَلَا بَأْسَ بِأَذَانِهِ رَاكِبًا، وَعَلَى الثَّانِي: لَا يُعْتَدُّ بِهِمَا.
قُلْتُ: أَذَانُ الْمُضْطَجِعِ، كَالْقَاعِدِ. إِلَّا أَنَّهُ أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: لَا يَصِحُّ وَإِنْ صَحَّ أَذَانُ الْقَاعِدِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّادِسَةُ: يُسَنُّ الِالْتِفَاتُ فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ يَمِينًا وَشَمَالًا، فَيَلْوِي رَأْسَهُ وَعُنُقَهُ، وَلَا يُحَوِّلْ صَدْرَهُ عَنِ الْقِبْلَةِ، وَلَا يُزِيلُ قَدَمَهُ عَنْ مَكَانِهَا، وَفِي كَيْفِيَّةِ
стр. 198
الِالْتِوَاءِ، ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
أَصَحُّهَا، يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ، فَيَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَيَقُولُ: حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ، وَالثَّانِي: يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ، فَيَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ، فَيَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَيَقُولُ: حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ يَلْتَفِتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَيَقُولُ: حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ، وَالثَّالِثُ، قَوْلُ الْقَفَّالِ: يَقْسِمُ كُلَّ حَيْعَلَةٍ عَلَى الْجِهَتَيْنِ، فَيَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، مَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ مَرَّةً عَنْ يَسَارِهِ. ثُمَّ حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ، مَرَّةً عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ مَرَّةً عَنْ يَسَارِهِ.
وَيُسْتَحَبُّ الِالْتِفَاتُ فِي الْإِقَامَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا يُسْتَحَبُّ عَلَى الثَّانِي، إِلَّا أَنْ يَكْبُرَ الْمَسْجِدُ وَيَحْتَاجَ إِلَيْهِ.
قُلْتُ: وَإِذَا شَرَعَ فِي الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعٍ، تَمَّمَهَا فِيهِ، وَلَا يَمْشِي فِي أَثْنَائِهَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّابِعَةُ: يَنْبَغِي أَنْ يُبَالِغَ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ مَا لَمْ يُجْهِدْهُ، وَأَمَّا الْإِجْزَاءُ، فَإِنْ كَانَ يُؤَذِّنُ لِنَفَسِهِ، أَجْزَأَهُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الِاقْتِصَارُ عَلَى إِسْمَاعِ النَّفْسِ، يَمْنَعُ كَوْنَ الْمَأْتِيِّ بِهِ أَذَانًا وَإِقَامَةً، فَلْيَزِدْ عَلَيْهِ قَدْرَ مَا يُسْمِعُ مَنْ عِنْدَهُ.
وَالْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْمُنْفَرِدِ، أَنَّهُ هَلْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ؟ هُوَ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ، فِي أَنَّهُ هَلْ يُسْتَحَبُّ الرَّفْعُ؟ وَعَلَى قَوْلِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ: هَلْ يُعْتَدُّ بِهِ بِلَا رَفْعٍ؟ .
أَمَّا إِذَا أَذَّنَ لِجَمَاعَةٍ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا: لَا يُجْزِئُ الْإِسْرَارُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، لِفَوَاتِ الْإِعْلَامِ، وَالثَّانِي: لَا بَأْسَ بِالْإِسْرَارِ. كَالْإِسْرَارِ بِقِرَاءَةِ صَلَاةٍ جَهْرِيَّةٍ، وَالثَّالِثُ: لَا بَأْسَ بِالْإِسْرَارِ بِالْكَلِمَةِ، وَالْكَلِمَتَيْنِ، وَلَا يُجْزِئُ الْإِسْرَارُ بِالْجَمِيعِ.
وَأَمَّا الْإِقَامَةُ، فَلَا يَكْفِي فِيهَا إِسْمَاعُ النَّفْسِ عَلَى الْأَصَحِّ أَيْضًا. لَكِنَّ الرَّفْعَ فِيهَا أَخْفَضُ مِنَ الْأَذَانِ.
стр. 199
الثَّامِنَةُ: تَرْتِيبُ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ شَرْطٌ فَلَوْ عَكَسَ لَمْ يَصِحَّ أَذَانُهُ. لَكِنْ يُبْنَى عَلَى الْمُنْتَظِمِ مِنْهُ، وَلَوْ تَرَكَ بَعْضَ الْكَلِمَاتِ فِي خِلَالِهِ، أَتَى بِالْمَتْرُوكِ، وَأَعَادَ مَا بَعْدَهُ.
التَّاسِعَةُ: الْمُوَالَاةُ بَيْنَ كَلِمَاتِهِ مَأْمُورٌ بِهَا، فَإِنْ سَكَتَ بَيْنِهِمَا يَسِيرًا، لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ طَالَ فَفِي بُطْلَانِ أَذَانِهِ قَوْلَانِ.
وَلَوْ تَكَلَّمَ بَيْنِهَا كَلَامًا يَسِيرًا، لَمْ يَضُرَّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَتَرَدَّدَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي تَنْزِيلِ الْكَلَامِ الْيَسِيرِ - إِذَا رَفَعَ بِهِ الصَّوْتَ - مَنْزِلَةَ السُّكُوتِ الطَّوِيلِ. وَإِنْ تَكَلَّمَ طَوِيلًا، فَقَوْلَانِ مُرَتَّبَانِ عَلَى السُّكُوتِ الطَّوِيلِ، وَأَوْلَى بِالْبُطْلَانِ.
وَلَوْ خَرَجَ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ عَنْ أَهْلِيَّتِهِ بِإِغْمَاءٍ أَوْ نَوْمٍ، فَإِنْ زَالَ عَنْ قُرْبٍ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ طَالَ فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِرَاقِيِّينَ جَوَّزُوا الْبِنَاءَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ، مَعَ طُولِ الْفَصْلِ، وَحَكَوْهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵀. لَكِنَّ الْأَشْبَهَ وُجُوبُ الِاسْتِئْنَافِ عِنْدَ الْفَصْلِ الطَّوِيلِ، وَحُمِلَ النَّصُّ عَلَى الْفَصْلِ الْيَسِيرِ، وَمَعَ الطُّولِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ يُسْتَحَبُّ الِاسْتِئْنَافُ.
وَكَذَا يُسْتَحَبُّ فِي السُّكُوتِ وَالْكَلَامِ الْكَثِيرِينَ إِذَا لَمْ نُوجِبْهُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَا يَسِيرَيْنِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي أَذَانِهِ بِشَيْءٍ أَصْلًا فَلَوْ عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى فِي نَفْسِهِ وَيَبْنِي.
وَلَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ أَوْ عَطَسَ لَمْ يَجُبْهُ وَلَمْ يُشَمِّتْهُ حَتَّى يَفْرُغَ. فَإِنْ أَجَابَهُ أَوْ شَمَّتْهُ أَوْ تَكَلَّمَ بِمَصْلَحَةٍ لَمْ يُكْرَهْ، وَكَانَ تَارِكًا لِلْمُسْتَحَبِّ، وَلَوْ رَأَى أَعْمَى يَخَافُ وُقُوعَهُ فِي بِئْرٍ وَجَبَ إِنْذَارُهُ.
فَرْعٌ:
إِذَا لَمْ نَحْكُمُ بِبُطْلَانِ الْأَذَانِ بِالْفَصْلِ الْمُتَخَلِّلِ، فَلَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ أَوِ الْمَشْهُورِ.
стр. 200
فَرْعٌ:
لَوِ ارْتَدَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْأَذَانِ، ثُمَّ أَسْلَمَ، وَأَقَامَ، جَازَ. لَكِنَّ الْمُسْتَحَبَّ، أَنْ لَا يُصَلِّيَ بِأَذَانِهِ وَإِقَامَتِهِ، بَلْ يُعِيدَهُمَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ رِدَّتَهُ تُورِثُ شُبْهَةً فِي حَالِهِ، وَلَوِ ارْتَدَّ فِي خِلَالِ الْأَذَانِ، لَمْ يَصِحَّ بِنَاؤُهُ عَلَيْهِ فِي الرِّدَّةِ.
فَإِنْ أَسْلَمَ وَبَنَى عَلَيْهِ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَطُلِ الْ فَصْلُ جَازَ الْبِنَاءُ، وَإِلَّا فَقَوْلَانِ: وَقِيلَ: قَوْلَانِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: وَجْهَانِ.
وَإِذَا جَوَّزْنَا لَهُ الْبِنَاءَ، فَفِي بِنَاءِ غَيْرِهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْفَرْعِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ فِي خِلَالِ الْأَذَانِ.
فَصْلٌ
فِي صِفَةِ الْمُؤَذِّنِ وَآدَابِهِ.
وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا عَاقِلًا ذِكْرًا، وَإِذَا نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ فِي الْأَذَانِ إِنْ كَانَ عِيسَوِيًّا لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ.
وَلَا يَصِحُّ أَذَانُ السَّكْرَانِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَصِحُّ أَذَانُ مَنْ هُوَ فِي أَوَّلِ النَّشْوَةِ، وَلَا يَصِحُّ أَذَانُ الْمَرْأَةِ، وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ، لِلرِّجَالِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ.
وَأَمَّا أَذَانُهَا لِنَفْسِهَا، أَوْ جَمَاعَةِ نِسَاءٍ، فَتَقَدَّمَ حُكْمُهُ، وَيَصِحُّ أَذَانُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ فِي الْمَذْهَبِ.
قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ (الشَّامِلِ) وَ (الْعُدَّةِ) وَغَيْرِهِمَا: يُكْرَهُ أَذَانُ الصَّبِيِّ، مَا لَمْ يَبْلُغْ. كَمَا يُكْرَهُ أَذَانُ الْفَاسِقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا آدَابُهُ: فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا، فَإِنْ أَذَّنَ أَوْ أَقَامَ مُحْدِثًا، أَوْ
стр. 201
جُنُبًا، كُرِهَ، وَصَحَّ أَذَانُهُ، وَالْكَرَاهَةُ فِي الْجُنُبِ أَشَدُّ، وَفِي الْإِقَامَةِ أَشَدُّ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ صَيِّتًا، حَسَنَ الصَّوْتِ، وَأَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ. مِنْ مَنَارَةٍ أَوْ سَطْحٍ، وَنَحْوِهِمَا، وَأَنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي صِمَاخَيْ أُذُنَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ عَدْلًا وَهُوَ: الثِّقَةُ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَوْلَادِ مَنْ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوْ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الْأَذَانَ فِيهِمْ، إِذَا وُجِدَ، وَكَانَ عَدْلًا صَالِحًا لَهُ، وَأَنْ يُصَلِّيَ الْمُؤَذِّنُ، وَمَنْ سَمِعَ الْأَذَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الْأَذَانِ.
ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتٍ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ، وَالْفَضِيلَةَ، وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، وَأَنْ يُجِيبَ كُلَّ مِنْ سَمِعَ الْأَذَانَ، وَإِنْ كَانَ جُنُبًا، أَوْ حَائِضًا، فَيَقُولُ: مِثْلَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ فِي جَمِيعِ الْأَذَانِ، وَالْإِقَامَةِ، إِلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَإِلَّا فِي كَلِمَتِيِ الْإِقَامَةِ. فَيَقُولُ: أَقَامَهَا اللَّهُ، وَأَدَامَهَا، وَجَعَلَنِي مِنْ صَالِحِي أَهْلِهَا، وَإِلَّا فِي التَّثْوِيبِ، فَيَقُولُ: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ، وَفِي وَجْهٍ، يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ.
فَإِنْ كَانَ فِي قِرَاءَةٍ، أَوْ ذِكْرٍ، اسْتُحِبَّ قَطْعُهُمَا لِيُجِيبَ، وَلَوْ كَانَ فِي صَلَاةٍ، لَمْ يُجِبْ حَتَّى يَفْرُغَ، فَإِنْ أَجَابَ، كُرِهَ عَلَى الْأَظْهَرِ، لَكِنْ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ إِنْ أَجَابَ بِمَا اسْتَحْبَبْنَاهُ؛ لِأَنَّهَا أَذْكَارٌ. فَلَوْ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، أَوِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ.
قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ قَالَ: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ، تَبْطُلُ. صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَغَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ أَجَابَ فِي خِلَالِ الْفَاتِحَةِ، وَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا؛ لِأَنَّ الْإِجَابَةَ فِي الصَّلَاةِ غَيْرُ مَحْبُوبَةٍ.
قُلْتُ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُجِيبِ، أَنْ يُجِيبَ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ عَقِبَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ مَنْ سَمِعَ أَذَانَ الْمَغْرِبِ: اللَّهُمَّ هَذَا إِقْبَالُ لَيْلِكَ،
стр. 202
وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتُ دَعَاتِكَ: فَاغْفِرْ لِي، وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَأَنْ يَتَحَوَّلَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ لِلْإِقَامَةِ.
فَرْعٌ:
الْأَذَانُ وَالْإِمَامَةُ كِلَاهُمَا فِيهِ فَضْلٌ، وَأَيُّهُمَا أَفْضَلُ فِيهِ أَوْجُهٌ:
أَصَحُّهَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: الْإِمَامَةُ أَفْضَلُ.
وَالثَّانِي: الْأَذَانُ، وَالثَّالِثُ: هُمَا سَوَاءٌ، وَالرَّابِعُ: إِنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْقِيَامَ بِحُقُوقِ الْإِمَامَةِ، وَجَمَعَ خِصَالَهَا، فَهِيَ أَفْضَلُ، وَإِلَّا، فَالْأَذَانُ. قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ، وَالْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَالْمَسْعُودِيُّ.
قُلْتُ: كَذَا رَجَّحَ الرَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي كِتَابِهِ (الْمُحَرَّرِ) الْإِمَامَةَ، وَالْأَصَحُّ: تَرْجِيحُ الْأَذَانِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي (الْأُمِّ) عَلَى كَرَاهَةِ الْإِمَامَةِ، فَقَالَ: أُحِبُّ الْأَذَانَ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ) وَأَكْرَهُ الْإِمَامَةَ لِلضَّمَانِ وَمَا عَلَى الْإِمَامِ فِيهَا، هَذَا نَصُّهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْجَمْعُ فبَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِمَامَةِ فَلَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ، وَأَغْرَبَ ابْنُ كَجٍّ، فَقَالَ: الْأَفْضَلُ لِمَنْ صَلَحَ لَهُمَا الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الْأَذَانَ لِقَوْمٍ وَالْإِمَامَةَ لِآخَرِينَ.
قُلْتُ: صَرَّحَ بِكَرَاهَةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْبَغَوَيُّ، وَصَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِ جَمْعِهِمَا أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، فَحَصَلَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ:
الْأَصَحُّ: اسْتِحْبَابُهُ، وَفِيهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ فِي التِّرْمِذِيِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 203
فَرْعٌ:
يُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ التَّطَوُّعُ بِالْأَذَانِ، فَإِنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ رَزَقَةُ الْإِمَامُ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ، وَهُوَ خُمُسُ خُمُسِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ، وَكَذَا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ، إِذَا قُلْنَا: إِنَّهَا لِلْمَصَالِحِ، وَإِنَّمَا يَرْزُقُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَعَلَى قَدْرِهَا.
وَلَوْ وَجَدَ فَاسِقًا يَتَطَوَّعُ وَأَمِينًا لَا يَتَطَوَّعُ، فَلَهُ أَنْ يَرْزُقَ الْأَمِينَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَوْ وَجَدَ أَمِينًا يَتَطَوَّعُ وَأَمِينًا أَحْسَنَ مِنْهُ صَوْتًا لَا يَتَطَوَّعُ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَرْزُقَهُ؟ وَجْهَانِ:
قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: نَعَمْ، وَالْقَفَّالُ: لَا.
قُلْتُ: قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ أَصَحُّ إِنْ رَآهُ الْإِمَامُ مَصْلَحَةً، لِظُهُورِ تَفَاوُتِهِمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ مَسَاجِدُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ جَمْعُ النَّاسِ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، رَزَقَ عَدَدًا مِنَ الْمُؤَذِّنِينَ، يَحْصُلُ بِهِمِ الْكِفَايَةُ، وَيَتَأَدَّى الشِّعَارُ، وَإِنْ أَمْكَنَ، فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجْمَعُ وَيَرْزُقُ وَاحِدًا.
وَالثَّانِي، يَرْزُقُ الْجَمِيعَ، لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ الْمَسَاجِدُ.
قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي أَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ سَعَةٌ، بَدَأَ بِالْأَهَمِّ، وَهُوَ رِزْقُ مُؤَذِّنِ الْجَامِعِ وَأَذَانُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَهَمُّ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَرْزُقَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَيَجُوزُ لِلْوَاحِدِ مِنَ الرَّعِيَّةِ، وَحِينَئِذٍ، لَا حَجْرَ فَيُرْزَقُ كَمْ شَاءَ، وَمَتَى شَاءَ، وَأَمَّا الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الْأَذَانِ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ:
أَصَحُّهَا: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَمِنْ مَالِ نَفْسِهِ، وَلِآحَادِ النَّاسِ مَنْ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ الِاسْتِئْجَارُ مُطْلَقًا، وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ، وَمَنْ أَذَّنَ لَهُ: وَلَا يَجُوزُ لِآحَادِ النَّاسِ: وَإِذَا
стр. 204
جَوَّزْنَا لِلْإِمَامِ الِاسْتِئْجَارَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنَّمَا يَجُوزُ حَيْثُ يَجُوزُ الرِّزْقُ خِلَافًا وَوِفَاقًا. قَالَ فِي (التَّهْذِيبِ) وَإِذَا اسْتَأْجَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى بَيَانِ الْمُدَّةِ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتُؤَذِّنَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا.
وَلَوِ اسْتَأْجَرَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، أَوِ اسْتَأْجَرَ وَاحِدٌ مِنَ الرَّعِيَّةِ، فَفِي اشْتِرَاطِ بَيَانِ الْمُدَّةِ وَجْهَانِ:
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الِاشْتِرَاطُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْإِقَامَةُ تَدْخُلُ فِي الِاسْتِئْجَارِ لِلْأَذَانِ، وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ لِلْإِقَامَةِ إِذْ لَا كُلْفَةَ فِيهَا، بِخِلَافِ الْأَذَانِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّوَرُ بِصَافِيَةٍ عَنِ الْإِشْكَالِ.
فَرْعٌ:
يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنَانِ، وَمِنْ فَوَائِدِهِمَا: أَنْ يُؤَذِّنَ أَحَدُهُمَا لِلصُّبْحِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَالْآخَرُ بَعْدَهُ، وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى اثْنَيْنِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُزَادَ عَلَى أَرْبَعَةٍ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنِ اسْتِحْبَابِ عَدَمِ الزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعَةٍ، قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ، وَأَنْكَرَهُ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَقَالُوا: إِنَّمَا الضَّبْطُ بِالْحَاجَةِ وَرُؤْيَةِ الْمَصْلَحَةِ. فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى أَرْبَعَةٍ فَعَلَهُ، وَإِنْ رَأَى الِاقْتِصَارَ عَلَى اثْنَيْنِ لَمْ يَزِدْ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا تَرَتَّبَ الْأَذَانَ اثْنَانِ فَصَاعِدًا فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَتَرَاسَلُوا، بَلْ إِنِ اتَّسَعَ الْوَقْتُ تَرَتَّبُوا فِيهِ، فَإِنْ تَنَازَعُوا الِابْتِدَاءَ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ، وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ، فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ كَبِيرًا أَذَّنُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي أَقْطَارِهِ.
وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا وَقَفُوا مَعًا وَأَذَّنُوا، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُؤَدِّ اخْتِلَافُ الْأَصْوَاتِ إِلَى تَهْوِيشٍ. فَإِنْ أَدَّى، لَمْ
стр. 205
يُؤَذِّنْ إِلَّا وَاحِدٌ. فَإِنْ تَنَازَعُوا، أُقْرِعَ، وَأَمَّا الْإِقَامَةُ، فَإِنْ أَذَّنُوا عَلَى التَّرْتِيبِ، فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِهَا، إِنْ كَانَ هُوَ الْمُؤَذِّنُ الرَّاتِبُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُؤَذِّنٌ رَاتِبٌ. إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ غَيْرَ الرَّاتِبِ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّ الرَّاتِبَ أَوْلَى، وَالثَّانِي: الْأَوَّلُ أَوْلَى.
وَلَوْ أَقَامَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ غَيْرُ مِنْ لَهُ وِلَايَةِ الْإِقَامَةِ اعْتُدَّ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ، وَعَلَى الشَّاذِّ: لَا يُعْتَدُّ بِالْإِقَامَةِ مِنْ غَيْرِ السَّابِقِ بِالْأَذَانِ تَخْرِيجًا مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀: لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْطُبَ وَاحِدٌ وَيُصَلِّيَ آخَرُ.
أَمَّا إِذَا أَذَّنُوا مَعًا، فَإِنِ اتَّفَقُوا عَلَى إِقَامَةِ وَاحِدٍ، وَإِلَّا أُقْرِعَ، وَلَا يُقِيمُ فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ إِلَّا وَاحِدٌ، إِلَّا إِذَا لَمْ تَحْصُلِ الْكِفَايَةُ بِوَاحِدٍ.
وَقِيلَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُقِيمُوا مَعًا إِذَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى التَّهْوِيشِ.
فَرْعٌ:
وَقْتُ الْأَذَانِ مَنُوطٌ بِنَظَرِ الْمُؤَذِّنِ، لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى مُرَاجَعَةِ الْإِمَامِ، وَوَقْتُ الْإِقَامَةِ مَنُوطٌ بِالْإِمَامِ، وَإِنَّمَا يُقِيمُ الْمُؤَذِّنُ بِإِشَارَتِهِ.
فَرْعٌ.
ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ، وَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ هُنَا أَنْسَبُ.
قَالَ: صَلَاةُ الصُّبْحِ تَخْتَصُّ بِالْأَذَانِ بِأُمُورٍ؛ مِنْهَا: أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ أَذَانِهَا عَلَى دُخُولِ الْوَقْتِ، وَذَكَرَ فِي (الْبَيَانِ) وَجْهًا: أَنَّهُ إِنْ جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدٍ بِالْأَذَانِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَمْ يُقَدَّمْ أَذَانُهَا؛ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ، وَهَذَا غَرِيبٌ.
ثُمَّ فِي وَقْتِ جَوَازِ التَّقْدِيمِ أَوْجُهٌ:
أَصَحُّهَا: يُقَدَّمُ فِي الشِّتَاءِ لِسَبْعٍ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ، وَفِي الصَّيْفِ: لِنِصْفِ سَبْعٍ، وَهَذَا الضَّبْطُ، تَقْرِيبٌ لَا تَحْدِيدٌ.
وَالثَّانِي: يَدْخُلُ بِذَهَابِ وَقْتِ
стр. 206
الِاخْتِيَارِ لِلْعِشَاءِ، وَهُوَ ثُلْثُ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفُهُ.
وَالثَّالِثُ: وَقْتُهُ النِّصْفُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ.
وَالرَّابِعُ: جَمِيعُ اللَّيْلِ وَقْتٌ لَهُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ صَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَاعْتَبَرَ السَّبْعَ مُطْلَقًا تَقْرِيبًا.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْوَجْهُ الثَّالِثُ، وَاعْتَمَدَ مَنْ رَجَّحَ الْأَوَّلَ حَدِيثًا بَاطِلًا مُحَرَّفًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا الْإِقَامَةُ لِلصُّبْحِ، فَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِلَا خِلَافٍ، وَيُسَنُّ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلصُّبْحِ مَرَّتَيْنِ، فَيُؤَذِّنَ أَحَدُ الْمُؤَذِّنِينَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالْآخَرُ بَعْدَهُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَرَّةٍ قَبْلَ الصُّبْحِ أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ قَبْلَ الصُّبْحِ وَبَعْضِهَا بَعْدَهُ، وَإِذَا اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّةٍ، فَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الصُّبْحِ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ.
قُلْتُ: بَقِيَتْ فُرُوعٌ تَتَعَلَّقُ بِالْأَذَانِ. يُكْرَهُ التَّثْوِيبُ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ. قَالَ فِي (التَّهْذِيبِ) : لَوْ زَادَ فِي الْأَذَانِ ذِكْرًا، أَوْ زَادَ فِي عَدَدِهِ، لَمْ يَفْسُدْ أَذَانُهُ. قَالَ غَيْرُهُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْمَعَ الْمُؤَذِّنُ كُلَّ تَكْبِيرَتَيْنِ بِنَفَسِ وَاحِدٍ، وَأَمَّا بَاقِي الْأَلْفَاظِ، فَيُفْرِدُ كُلَّ كَلِمَةٍ بِصَوْتٍ لِطُولِ لَفْظِهَا بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ.
قَالَ صَاحِبُ (الْعُدَّةِ) : وَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ مَطِيرَةٌ، أَوْ ذَاتُ رِيحٍ وَظُلْمَةٍ، يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: إِذَا فَرَغَ مِنْ أَذَانِهِ: أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ. فَإِنْ قَالَهُ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ بَعْدَ الْحَيْعَلَةِ فَلَا بَأْسَ.
وَكَذَا قَالَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَاسْتَبْعَدَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَوْلَهُ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ، وَلَيْسَ هُوَ بِبَعِيدٍ، بَلْ هُوَ الْحَقُّ وَالسُّنَّةُ.
فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي آخِرِ أَبْوَابِ الْأَذَانِ، فِي (الْأُمِّ) : وَقَدْ ثَبَتَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ. إِذَا قُلْتَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَلَا تَقُلْ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَقُلْ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، وَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ. فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا؟ ! فَقَدَ
стр. 207
فَعَلَ ذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي؛ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْأَعْمَى مُؤَذِّنًا وَحْدَهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ، لَمْ يُكْرَهْ.
وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ بِقُرْبِ الْمَسْجِدِ، وَيُكْرَهُ قَوْلُهُ: حَيَّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَلَوْ لُقِّنَ الْأَذَانُ صَحَّ، وَلَوْ أَذَّنَ بِالْعَجَمِيَّةِ وَهُنَاكَ مَنْ يُحْسِنُ بِالْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِلَّا فَيَصِحُّ.
وَلَوْ قَالَ: اللَّهُ الْأَكْبَرُ صَحَّ، وَتَرْكُهُ فِي السَّفَرِ أَخَفُّ مِنَ الْحَضَرِ، وَتَرْكُ الْمَرْأَةِ الْإِقَامَةَ أَخَفُّ مِنْ تَرْكِ الرَّجُلِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ.
وَهُوَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْفَرِيضَةِ، إِلَّا فِي شِدَّةِ خَوْفِ الْقِتَالِ الْمُبَاحِ، وَسَائِرِ وُجُوهِ الْخَوْفِ، وَشَرْطٌ لِصِحَّةِ النَّافِلَةِ، إِلَّا فِي الْخَوْفِ، وَالسَّفَرِ الْمُبَاحِ.
وَالْعَاجِزُ كَالْمَرِيضِ لَا يَجِدُ مَنْ يُوَجِّهُهُ، وَالْمَرْبُوطُ عَلَى خَشَبَةٍ، يُصَلِّي حَيْثُ تَوَجَّهَ، وَلَا يَجُوزُ فِعْلُ الْفَرِيضَةِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَإِنْ خَافَ انْقِطَاعًا عَنْ رُفْقَتِهِ لَوْ نَزَلَ لَهَا، أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ، فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَهَا عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ، وَلَا تَصِحُّ الْمَنْذُورَةُ، وَلَا الْجِنَازَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِمَا، وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُمَا فِي التَّيَمُّمِ.
فَرْعٌ:
شَرْطُ الْفَرِيضَةِ أَنْ يَكُونَ مُصَلِّيهَا مُسْتَقِرًّا. فَلَا تَصِحُّ مِنَ الْمَاشِي الْمُسْتَقْبِلِ، وَلَا مِنَ الرَّاكِبِ الْمُخِلِّ بِقِيَامٍ أَوِ اسْتِقْبَالٍ، فَإِنِ اسْتَقْبَلَ وَأَتَمَّ الْأَرْكَانَ فِي
стр. 208
هَوْدَجٍ أَوْ سَرِيرٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا عَلَى دَابَّةٍ وَاقِفَةٍ، صَحَّتِ الْفَرِيضَةُ، عَلَى الْأَصَحِّ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ صَاحِبَا (الْمُعْتَمِدِ) وَ (التَّهْذِيبِ) ، وَصَاحِبَا (التَّتِمَّةِ) ، وَ (الْبَحْرِ) ، وَغَيْرُهُمْ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ.
وَبِهِ قَطَعَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ. فَإِنْ كَانَتِ الدَّابَّةُ سَائِرَةً لَمْ تَصِحَّ الْفَرِيضَةُ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ، وَتَصِحُّ الْفَرِيضَةُ فِي السَّفِينَةِ الْجَارِيَةِ وَالزَّوْرَقِ الْمَشْدُودِ عَلَى السَّاحِلِ قَطْعًا.
وَكَذَا فِي السَّرِيرِ الَّذِي يَحْمِلُهُ رِجَالٌ، وَفِي الْأُرْجُوحَةِ الْمَشْدُودَةِ بِالْحِبَالِ، وَالزَّوْرَقِ الْجَارِي، لِلْمُقِيمِ بِبَغْدَادَ وَنَحْوِهِ، عَلَى الْأَصَحِّ فِي الثَّلَاثَةِ.
فَصْلٌ
يَجُوزُ التَّنَفُّلُ مَاشِيًا، وَعَلَى الرَّاحِلَةِ سَائِرَةً إِلَى جِهَةِ مَقْصِدِهِ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ، وَكَذَا الْقَصِيرِ، عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَلَا يَجُوزُ فِي الْحَضَرِ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ لَهَا فِيهِ حُكْمُ الْفَرِيضَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الْقِيَامَ، وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: يَجُوزُ لِلرَّاكِبِ وَالْمَاشِي فِي الْحَضَرِ مُتَرَدِّدًا فِي جِهَةِ مَقْصِدِهِ.
وَاخْتَارَ الْقَفَّالُ الْجَوَازَ، بِشَرْطِ الِاسْتِقْبَالِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ، وَحَيْثُ جَازَتِ النَّافِلَةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَجَمِيعُ النَّوَافِلِ سَوَاءٌ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ.
وَعَلَى الضَّعِيفِ: لَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ. أَمَّا رَاكِبُ السَّفِينَةِ فَلَا يَجُوزُ تَنَفُّلُهُ فِيهَا إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ لِتَمَكُّنِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁.
وَكَذَا مِنْ تَمَكَّنَ فِي هَوْدَجٍ عَلَى دَابَّةٍ، عَلَى الصَّحِيحِ.
وَاسْتَثْنَى صَاحِبُ (الْعُدَّةِ) مَلَّاحَ السَّفِينَةِ الَّتِي يُسَيِّرُهَا، وَجَوَّزَ تَنَفُّلَهُ حَيْثُ تَوَجَّهَ لِحَاجَةٍ.
قُلْتُ: وَاسْتَثْنَاهُ أَيْضًا صَاحِبُ (الْحَاوِي) وَغَيْرُهُ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 209
فَرْعٌ:
إِذَا لَمْ يَتَمَكَنِ الْمُتَنَفِّلُ رَاكِبًا مِنْ إِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاسْتِقْبَالِ فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، فَفِي وُجُوبِ الِاسْتِقْبَالِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ أَوْجُهٌ:
أَصَحُّهَا: إِنْ سَهُلَ، وَجَبَ، وَإِلَّا فَلَا.
فَالسَّهْلُ: بِأَنْ تَكُونَ [الدَّابَّةُ] وَاقِفَةً وَأَمْكَنَ انْحِرَافُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَحْرِيفُهَا، أَوْ كَانَتْ سَائِرَةً وَبِيَدِهِ زِمَامُهَا، وَهِيَ سَهْلَةٌ.
وَغَيْرُ السَّهْلِ أَنْ تَكُونَ مَقْطُورَةً أَوْ صَعْبَةً، وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ أَصْلًا وَالثَّالِثُ: يَجِبُ مُطْلَقًا.
فَإِنْ تَعَذَّرَ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَالرَّابِعُ: إِنْ كَانَتِ الدَّابَّةُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ مُتَوَجِّهَةً إِلَى الْقِبْلَةِ أَوْ إِلَى طَرِيقِهِ أَحْرَمَ كَمَا هُوَ، وَإِنْ كَانَتْ إِلَى غَيْرِهِمَا، لَمْ يَجُزِ الْإِحْرَامُ إِلَّا إِلَى الْقِبْلَةِ، وَالِاعْتِبَارُ بِاسْتِقْبَالِ الرَّاكِبِ دُونَ الدَّابَّةِ، فَلَوِ اسْتَقْبَلَ عِنْدَ التَّحَرُّمِ، أَجْزَأَهُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ كَانَتِ الدَّابَّةُ مُنْحَرِفَةً عَنِ الْقِبْلَةِ وَاقِفَةً أَوْ سَائِرَةً.
وَإِذَا شَرَطْنَا الِاسْتِقْبَالَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، لَمْ نَشْتَرِطْهُ عِنْدَ السَّلَامِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيمَا سِوَاهُمَا مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ لُزُومُ جِهَةِ الْمَقْصِدِ فِي جَمِيعِهَا، إِذَا لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ.
وَتَتَبَّعَ مَا يَعْرِضُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ مَعَاطِفَ، وَلَا يُشْتَرَطُ سُلُوكُهُ فِي نَفْسِ الطَّرِيقِ، بَلِ الشَّرْطُ جِهَةُ الْمَقْصِدِ.
فَرْعٌ:
لَيْسَ لِرَاكِبِ التَّعَاسِيفِ تَرْكُ الِاسْتِقْبَالِ فِي شَيْءٍ مِنْ نَافِلَتِهِ، وَهُوَ الْهَائِمُ الَّذِي يَسْتَقْبِلُ تَارَةً، وَيَسْتَدْبِرُ تَارَةً، وَلَيْسَ لَهُ مَقْصِدٌ مَعْلُومٌ. فَلَوْ كَانَ لَهُ مَقْصِدٌ
стр. 210
مَعْلُومٌ، لَكِنْ لَمْ يَسِرْ فِي طَرِيقٍ مُعَيَّنٍ، فَلَهُ التَّنَفُّلُ مُسْتَقْبِلًا جِهَةَ مَقْصِدِهِ عَلَى الْأَظْهَرِ.
وَعَلَى الثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقًا مَضْبُوطًا، فَقَدْ لَا يُؤَدِّي سَيْرُهُ إِلَى مَقْصِدِهِ.
فَرْعٌ:
إِذَا انْحَرَفَ الْمُصَلِّي عَلَى الْأَرْضِ عَنِ الْقِبْلَةِ، نُظِرَ، إِنِ اسْتَدْبَرَهَا أَوْ تَحَوَّلَ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا، أَوْ عَادَ إِلَى الِاسْتِقْبَالِ عَلَى قُرْبٍ، لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ عَادَ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ، بَطَلَتْ عَلَى الْأَصَحِّ. كَكَلَامِ النَّاسِي.
وَإِنْ أَمَالَهُ غَيْرُهُ عَنِ الْقِبْلَةِ قَهْرًا، فَعَادَ إِلَى الِاسْتِقْبَالِ بَعْدَ الطُّولِ، بَطَلَتْ، وَكَذَا عَلَى الْقُرْبِ، عَلَى الْأَصَحِّ، لِنُدُورِهِ.
كَمَا لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْكَلَامِ، فَإِنَّهَا تَبْطُلُ عَلَى الصَّحِيحِ، لِنُدُورِهِ.
وَلَوِ انْحَرَفَ الْمُتَنَفِّلُ مَاشِيًا عَنْ مَقْصِدِهِ، أَوْ حَرَّفَ دَابَّتَهُ، فَإِنْ كَانَ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، لَمْ يَضُرَّهُ.
وَإِنْ كَانَ إِلَى غَيْرِهَا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ غَالِطًا، ظَنَّ أَنَّ الَّذِي تَوَجَّهَ إِلَيْهِ طَرِيقَهُ وَعَادَ عَلَى قُرْبٍ لَمْ تَبْطُلْ.
وَإِنْ طَالَ بَطَلَتْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوِ انْحَرَفَ بِجِمَاحِ الدَّابَّةِ، وَطَالَ الزَّمَانُ، بَطَلَتْ عَلَى الصَّحِيحِ كَالْإِمَالَةِ قَهْرًا. وَإِنْ قَصَرَ لَمْ تَبْطُلْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ؛ لِعُمُومِ الْجِمَاحِ. وَإِذَا لَمْ تَبْطُلْ فِي صُورَةِ النِّسْيَانِ، فَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ، سَجَدَ لِلسَّهْوِ. وَإِنْ قَصَرَ، فَوَجْهَانِ:
الْمَنْصُوصُ: لَا يَسْجُدُ، وَفِي صُورَةِ الْجِمَاحِ أَوْجُهٌ:
أَصَحُّهَا: يَسْجُدُ، وَالثَّانِي: لَا، وَالثَّالِثُ: إِنْ طَالَ سَجَدَ وَإِلَّا فَلَا، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ النَّفْلَ يَدْخُلُهُ سُجُودُ السَّهْوِ.
فَرْعٌ:
هَذَا الَّذِي قَدَّمْنَاهُ هُوَ فِي اسْتِقْبَالِ الرَّاكِبِ عَلَى سَرْجٍ وَنَحْوِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى عُرْفِ الدَّابَّةِ، وَلَا عَلَى السَّرْجِ وَالْإِكَافِ، بَلْ يَنْحَنِي
стр. 211
لِلرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنَ الرُّكُوعِ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ التَّمَكُّنِ مَحْتُومٌ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ تَبْلُغَ غَايَةَ وُسْعِهِ فِي الِانْحِنَاءِ، وَأَمَّا سَائِرُ الْأَرْكَانِ، فَكَيْفِيَّتُهَا ظَاهِرَةٌ.
وَأَمَّا الرَّاكِبُ فِي مَرْقَدٍ وَنَحْوِهِ، مِمَّا يَسْهُلُ فِيهِ الِاسْتِقْبَالُ، وَإِتْمَامُ الْأَرْكَانِ، فَعَلَيْهِ الِاسْتِقْبَالُ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ، وَإِتْمَامُ الْأَرْكَانِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَصَحِّ كَرَاكِبِ السَّفِينَةِ، وَالثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ، وَهُوَ مَنْصُوصٌ.
وَأَمَّا الْمَاشِي فَفِيهِ أَقْوَالٌ. أَظْهَرُهَا: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَرْكَعَ، وَيَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ وَلَهُ التَّشَهُّدُ مَاشِيًا، وَالثَّانِي: يُشْتَرَطُ التَّشَهُّدُ أَيْضًا قَاعِدًا وَلَا يَمْشِي إِلَّا حَالَةَ الْقِيَامِ.
وَالثَّالِثُ: لَا يُشْتَرَطُ اللُّبْثُ بِالْأَرْضِ فِي شَيْءٍ، وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَالرَّاكِبِ، وَأَمَّا اسْتِقْبَالُهُ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الثَّانِي وَجَبَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَفِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ غَيْرَ الْقِيَامِ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ اسْتَقْبَلَ فِي الْإِحْرَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَلَا يَجِبُ عِنْدَ السَّلَامِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّالِثِ لَمْ يُشْتَرَطِ الِاسْتِقْبَالُ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْإِحْرَامِ. وَالسَّلَامُ وَحُكْمُهُ فِيهِمَا حُكْمُ رَاكِبٍ بِيَدِهِ الزِّمَامُ.
وَإِذَا لَمْ نُوجِبِ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ شَرَطْنَا مُلَازِمَةَ جِهَةِ مَقْصِدِهِ.
فَرْعٌ:
يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مَا يُلَاقِي بَدَنَ الْمُصَلِّي عَلَى الرَّاحِلَةِ وَثِيَابِهِ مِنَ السَّرْجِ وَغَيْرِهِ طَاهِرًا، وَلَوْ بَالَتِ الدَّابَّةُ أَوْ وَطِئَتْ نَجَاسَةً أَوْ كَانَ عَلَى السَّرْجِ نَجَاسَةٌ فَسَتَرَهَا، وَصَلَّى عَلَيْهِ لَمْ يَضُرَّ.
وَلَوْ أَوْطَأَهَا الرَّاكِبُ نَجَاسَةً لَمْ يَضُرَّ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ وَطِئَ مُصَلٍّ مَاشِيًا نَجَاسَةً عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ التَّحَفُّظُ وَالِاحْتِيَاطُ فِي الْمَشْيِ.
وَلَوِ انْتَهَى إِلَى نَجَاسَةٍ يَابِسَةٍ، وَلَمْ يَجِدْ عَنْهَا مَعْدِلًا، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هَذَا فِيهِ احْتِمَالٌ؛ فَإِنْ كَانَتْ رَطِبَةً فَمَشَى عَلَيْهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ.
стр. 212
فَرْعٌ:
يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ النَّفْلِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا دَوَامُ السَّفَرِ، فَلَوْ بَلَغَ الْمَنْزِلَ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ، اشْتُرِطَ إِتْمَامُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ مُتَمَكِّنًا، وَيَنْزِلُ إِنْ كَانَ رَاكِبًا.
وَلَوْ دَخَلَ بَلَدَ إِقَامَتِهِ، فَعَلَيْهِ النُّزُولُ، وَإِتْمَامُ الصَّلَاةِ مُسْتَقْبِلًا بِأَوَّلِ دُخُولِهِ الْبُنْيَانَ، إِلَّا إِذَا جَوَّزْنَا لِلْمُقِيمِ التَّنَفُّلَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَكَذَا لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ بِقَرْيَةٍ.
وَلَوْ مَرَّ بِقَرْيَةٍ مُجْتَازًا فَلَهُ إِتْمَامُ الصَّلَاةِ رَاكِبًا، فَإِنْ كَانَ لَهُ بِهَا أَهْلٌ، فَهَلْ يَصِيرُ مُقِيمًا بِدُخُولِهَا؟ قَوْلَانِ. إِنْ قُلْنَا: يَصِيرُ، وَجَبَ النُّزُولُ وَالْإِتْمَامُ مُسْتَقْبِلًا؛ قُلْتُ: الْأَظْهَرُ، لَا يَصِيرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحَيْثُ أَمَرْنَاهُ بِالنُّزُولِ، فَذَلِكَ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْبِنَاءِ عَلَى الدَّابَّةِ، فَلَوْ أَمْكَنَ الِاسْتِقْبَالُ، وَإِتْمَامُ الْأَرْكَانِ عَلَيْهَا وَهِيَ وَاقِفَةٌ، جَازَ.
وَيُشْتَرَطُ الِاحْتِرَازُ عَنِ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا. فَلَوْ رَكَّضَ الدَّابَّةَ لِلْحَاجَةِ فَلَا بَأْسَ، وَلَوْ أَجْرَاهَا بِلَا عُذْرٍ أَوْ كَانَ مَاشِيًا، فَعَدَا بِلَا عُذْرٍ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَصْلٌ
فِي اسْتِقْبَالِ الْمُصَلِّي عَلَى الْأَرْضِ:
وَلَهُ أَحْوَالٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُصَلِّيَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ فَتَصِحَّ الْفَرِيضَةُ وَالنَّافِلَةُ.
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالنَّفْلُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْهُ خَارِجَهَا، وَكَذَا الْفَرْضُ إِنْ لَمْ يَرْجُ جَمَاعَةً فَإِنْ رَجَاهَا فَخَارِجُهَا أَفْضَلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 213
ثُمَّ لَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَيَّ جِدَارٍ شَاءَ، وَلَهُ اسْتِقْبَالُ الْبَابِ، إِنْ كَانَ مَرْدُودًا، أَوْ مَفْتُوحًا، وَلَهُ عَتَبَةٌ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ تَقْرِيبًا. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْعَتَبَةِ، أَنْ تَكُونَ بِقَدْرِ قَامَةِ الْمُصَلِّي طُولًا وَعَرْضًا، وَوَجْهٌ: أَنَّهُ يَكْفِي شُخُوصُهَا بِأَيِّ قَدْرٍ كَانَ.
الْحَالُ الثَّانِي: لَوِ انْهَدَمَتِ الْكَعْبَةُ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - وَبَقِيَ مَوْضِعُهَا عَرْصَةً فَوَقَفَ خَارِجَهَا وَصَلَّى إِلَيْهَا جَازَ. فَإِنْ صَلَّى فِيهَا فَلَهُ حُكْمُ السَّطْحِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يَقِفَ عَلَى سَطْحِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ شَاخِصٌ لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَإِنْ كَانَ شَاخِصٌ مِنْ نَفْسِ الْكَعْبَةِ فَلَهُ حُكْمُ الْعَتَبَةِ. إِنْ كَانَ ثُلْثَيْ ذِرَاعٍ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِيهِ الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ.
وَلَوْ وَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَتَاعًا، وَاسْتَقْبَلَهُ، لَمْ يَكْفِ، وَلَوِ اسْتَقْبَلَ بَقِيَّةَ حَائِطٍ أَوْ شَجَرَةٍ ثَابِتَةٍ جَازَ، وَلَوْ جَمَعَ تُرَابَ الْعَرْصَةِ وَاسْتَقْبَلَهُ أَوْ حَفَرَ حُفْرَةً وَوَقَفَ فِيهَا، أَوْ وَقَفَ فِي آخِرِ السَّطْحِ، أَوِ الْعَرْصَةِ، وَتَوَجَّهَ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ وَهُوَ مُرْتَفِعٌ عَنْ مَوْقِفِهِ جَازَ.
وَلَوِ اسْتَقْبَلَ حَشِيشًا نَابِتًا عَلَيْهَا أَوْ خَشَبَةً أَوْ عَصًا مَغْرُوزَةً غَيْرَ مُسَمَّرَةٍ، لَمْ يَكْفِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ كَانَتِ الْعَصَا مُثَبَّتَةً، أَوْ مُسَمَّرَةً، كَفَتْ قَطْعًا. لَكِنْ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إِنْ خَرَجَ بَعْضُ بَدَنِهِ عَنْ مُحَاذَاتِهَا، كَانَ عَلَى الْخِلَافِ الْآتِي، فِيمَنْ خَرَجَ بَعْضُ بَدَنِهِ عَنْ مُحَاذَاةِ الْكَعْبَةِ.
قُلْتُ: لَمْ يَجْزِمْ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى ذَلِكَ الْخِلَافِ. بَلْ قَالَ: فِي هَذَا، تَرَدُّدٌ ظَاهِرٌ عِنْدِي.
وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ: الْقَطْعُ بِالصِّحَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الْعَصَا؛ لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُسْتَقْبِلًا، بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ طَرَفِ الرُّكْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَالُ الرَّابِعُ: أَنْ يُصَلِّيَ عِنْدَ طَرَفِ رُكْنِ الْكَعْبَةِ، وَبَعْضُ بَدَنِهِ يُحَاذِيهِ، وَبَعْضُهُ يَخْرُجُ عَنْهُ، فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ وَقَفَ الْإِمَامُ بِقُرْبِ الْكَعْبَةِ عِنْدَ الْمَقَامِ، أَوْ غَيْرِهِ، وَوَقَفَ الْقَوْمُ خَلْفَهُ مُسْتَدِيرِينَ بِالْبَيْتِ، جَازَ، وَلَوْ وَقَفُوا
стр. 214
فِي أُخْرَيَاتِ الْمَسْجِدِ، وَامْتَدَّ صَفٌّ طَوِيلٌ، جَازَ، وَإِنْ وَقَفُوا بِقُرْبِهِ، وَامْتَدَّ الصَّفُّ، فَصَلَاةُ الْخَارِجِينَ عَنْ مُحَاذَاةِ الْكَعْبَةِ بَاطِلَةٌ.
الْحَالُ الْخَامِسُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِمَكَّةَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ. فَإِنْ عَايَنَ الْكَعْبَةَ، كَمَنْ يُصَلِّي عَلَى [جَبَلِ] أَبِي قُبَيْسٍ، صَلَّى إِلَيْهَا، وَلَوْ بَنَى مِحْرَابَهُ عَلَى الْعِيَانِ صَلَّى إِلَيْهِ أَبَدًا، وَلَا يَحْتَاجُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ إِلَى الْمُعَايَنَةِ، وَفِي مَعْنَى الْمُعَايِنِ مَنْ نَشَأَ بِمَكَّةَ وَتَيَقَّنَ إِصَابَةَ الْكَعْبَةِ وَإِنْ لَمْ يُشَاهِدْهَا حَالَ الصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ يُعَايِنْ وَلَا تَيَقَّنِ الْإِصَابَةَ فَلَهُ اعْتِمَادُ الْأَدِلَّةِ وَالْعَمَلِ بِالِاجْتِهَادِ إِنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ حَائِلٌ أَصْلِيٌّ كَالْجَبَلِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ الْحَائِلُ طَارِئًا كَالْبِنَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِلْمَشَقَّةِ فِي تَكْلِيفِ الْمُعَايَنَةِ.
الْحَالُ السَّادِسُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِالْمَدِينَةِ، فَمِحْرَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، نَازِلٌ مَنْزِلَةَ الْكَعْبَةِ. فَمَنْ يُعَايِنْهُ، يَسْتَقْبِلْهُ، وَيُسَوِّي مِحْرَابَهُ عَلَيْهِ، بِنَاءً عَلَى الْعِيَانِ، أَوِ الِاسْتِدْلَالِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْكَعْبَةِ، وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ بِالِاجْتِهَادِ بِحَالٍ.
وَفِي مَعْنَى الْمَدِينَةِ، سَائِرُ الْبِقَاعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ضَبَطَ الْمِحْرَابَ، وَكَذَا الْمَحَارِيبُ الْمَنْصُوبَةُ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي الطَّرِيقِ الَّتِي هِيَ جَادَّتُهُمْ يَتَعَيَّنُ اسْتِقْبَالُهَا وَلَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ.
وَكَذَا الْقَرْيَةُ الصَّغِيرَةُ، إِذَا نَشَأَ فِيهَا قُرُونٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا اعْتِمَادَ عَلَى عَلَامَةٍ بِطَرِيقٍ يَنْدُرُ مُرُورُ النَّاسِ بِهِ، أَوْ يَسْتَوِي مُرُورُ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ بِهِ أَوْ بِقَرْيَةٍ خَرِبَةٍ، لَا يُدْرَى، بَنَاهَا الْمُسْلِمُونَ أَوِ الْكُفَّارُ؟ بَلْ يَجْتَهِدُ.
ثُمَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعُ الَّتِي مَنَعْنَا الِاجْتِهَادَ فِيهَا فِي الْجِهَةِ، هَلْ يَجُوزُ فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ إِنْ كَانَ مِحْرَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ.
وَلَوْ تَخَيَّلَ حَاذِقٌ فِي مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ فِيهِ تَيَامُنًا أَوْ تَيَاسُرًا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَخَيَالُهُ بَاطِلٌ، وَأَمَّا سَائِرُ الْبِلَادِ، فَيَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ، وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ، وَالثَّالِثُ: لَا يَجُوزُ فِي الْكُوفَةِ خَاصَّةً، وَالرَّابِعُ: لَا يَجُوزُ فِي الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، لِكَثْرَةِ مَنْ دَخَلَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃.
стр. 215
الْحَالُ السَّابِعُ: إِذَا كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا يَقِينَ فِيهِ.
اعْلَمْ أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى يَقِينِ الْقِبْلَةِ، لَا يَجُوزُ لَهُ الِاجْتِهَادُ، وَفِيمَنِ اسْتَقْبَلَ حَجَرَ الْكَعْبَةِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهَا، وَجْهَانِ:
الْأَصَحُّ: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنَ الْبَيْتِ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ بَلْ هُوَ مَظْنُونٌ.
ثُمَّ الْيَقِينُ، قَدْ يَحْصُلُ بِالْمُعَايَنَةِ، وَبِغَيْرِهَا. كَالنَّاشِئِ بِمَكَّةَ، الْعَارِفِ يَقِينًا بِأَمَارَاتٍ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْيَقِينِ، لَا يَجُوزُ اعْتِمَادُ قَوْلِ غَيْرِهِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْقَادِرِ عَلَى الْيَقِينِ، فَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُخْبِرُهُ بِالْقِبْلَةِ عَنْ عِلْمٍ، اعْتَمَدَهُ، وَلَمْ يَجْتَهِدْ، بِشَرْطِ عَدَالَةِ الْمُخْبِرِ، يَسْتَوِي فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ، وَلَا يُقْبَلُ كَافِرٌ قَطْعًا، وَلَا فَاسِقٌ وَلَا صَبِيٌّ، وَلَا مُمَيِّزٌ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا.
ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الْخَبَرُ صَرِيحَ لَفْظٍ، وَقَدْ يَكُونُ دَلَالَةً، كَالْمِحْرَابِ الْمُعْتَمَدِ، وَسَوَاءٌ فِي الْعَمَلِ بِالْخَبَرِ، أَهْلُ الِاجْتِهَادِ وَغَيْرُهُمْ. حَتَّى الْأَعْمَى يَعْتَمِدُ الْمِحْرَابَ إِذَا عَرَفَهُ بِاللَّمْسِ حَيْثُ يَعْتَمِدُهُ الْبَصِيرُ، وَكَذَا الْبَصِيرُ فِي الظُّلْمَةِ.
وَقَالَ صَاحِبُ (الْعُدَّةِ) : إِنَّمَا يَعْتَمِدُ الْأَعْمَى عَلَى الْمَسِّ، فِي مِحْرَابٍ رَآهُ قَبْلَ الْعَمَى. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاهَدَهُ، لَمْ يَعْتَمِدْهُ، وَلَوِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مَوَاضِعُ لَمْسِهَا فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَصْبِرُ حَتَّى يُخْبِرَهُ غَيْرُهُ صَرِيحًا.
فَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَأَعَادَ. هَذَا كُلُّهُ إِذَا وَجَدَ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ عِلْمٍ، وَهُوَ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَجِدِ الْعَاجِزُ مَنْ يُخْبِرُهُ فَتَارَةً يَقْدِرُ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَتَارَةً لَا يَقْدِرُ.
فَإِنْ قَدِرَ، لَزِمَهُ وَاسْتَقْبَلَ مَا ظَنَّهُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَصِحُّ الِاجْتِهَادُ إِلَّا بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ فِيهَا كُتُبٌ مُصَنَّفَةٌ، وَأَضْعَفُهَا الرِّيَاحُ لِاخْتِلَافِهَا.
وَأَقْوَاهَا الْقُطْبُ، وَهُوَ نَجْمٌ صَغِيرٌ فِي بَنَاتِ نَعْشٍ الصُّغْرَى، بَيْنَ الْفَرْقَدَيْنِ وَالْجَدْيِ إِذَا جَعَلَهُ الْوَاقِفُ خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى، كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ إِنْ كَانَ بِنَاحِيَةِ الْكُوفَةِ وَبَغْدَادَ وَهَمْدَانَ وَقَزْوِينَ وَطَبَرِسْتَانَ وَجُرْجَانَ، وَمَا وَالَاهَا.
следующие страницы →