← Фикх шафии

Фикх шафии · id 499

روضة الطالبين وعمدة المفتين

النووي

Полный текст (4 941 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

السَّبَبُ السَّابِعُ: الْمُخَالَفَةُ فِي الْحِفْظِ. فَإِذَا أَمَرَهُ بِحِفْظِهَا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، فَعَدَلَ إِلَى وَجْهٍ آخَرَ وَتَلِفَتْ، فَإِنْ كَانَ التَّلَفُ بِسَبَبِ الْجِهَةِ الْمَعْدُولِ إِلَيْهَا، ضَمِنَ، وَكَانَتِ الْمُخَالَفَةُ تَقْصِيرًا. وَإِنْ تَلِفَتْ بِسَبَبٍ آخَرَ، فَلَا ضَمَانَ. هَذِهِ جُمْلَةُ السَّبَبِ، وَلِتَفْصِيلِهَا صُوَرٌ. إِحْدَاهَا: أَوْدَعَهُ مَالًا فِي صُنْدُوقٍ وَقَالَ: لَا تَرْقُدْ، فَرَقَدَ عَلَيْهِ، نُظِرَ، إِنْ خَالَفَ بِالرُّقُودِ، بِأَنِ انْكَسَرَ رَأْسُ الصُّنْدُوقِ بِثِقَلِهِ، أَوْ تَلِفَ مَا فِيهِ، ضَمِنَ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ فِي بَيْتٍ مُحْرَزٍ، أَوْ فِي صَحْرَاءَ فَأَخَذَهُ لِصٌّ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ زَادَهُ خَيْرًا. وَإِنْ كَانَ فِي صَحْرَاءَ وَأَخَذَهُ لِصٌّ مِنْ جَانِبِ الصُّنْدُوقِ، ضَمِنَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِنَّمَا يَظْهَرُ هَذَا، إِذَا سُرِقَ مِنْ جَانِبٍ لَوْ لَمْ يَرْقُدْ عَلَيْهِ لَرَقَدَ هُنَاكَ، وَقَدْ تَعَرَّضَ بَعْضُهُمْ لِهَذَا الْقَيْدِ. وَلَوْ قَالَ: لَا تُقْفِلْ عَلَيْهِ، فَأَقْفَلَ، أَوْ لَا تُقْفِلْ إِلَّا قُفْلًا، فَأَقْفَلَ قُفْلَيْنِ، أَوْ لَا تُغْلِقْ بَابَ الْبَيْتِ، فَأَغْلَقَهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ أَمَرَهُ بِدَفْنِهَا فِي بَيْتِهِ وَقَالَ: لَا تَبْنِ، فَبَنَى، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: لَا تَرْقُدْ عَلَيْهِ، فَرَقَدَ، ثُمَّ هُوَ عِنْدَ الِاسْتِرْدَادِ مَنْقُوصٌ غَيْرُ مَغْرُومٍ عَلَى الْمَالِكِ، كَمَا لَوْ نَقَلَ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لَا يَرْجِعُ بِالْأُجْرَةِ عَلَى الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي ((عُيُونِ الْمَسَائِلِ)) . [الصُّورَةُ] الثَّانِيَةُ: أَوْدَعَهُ دَرَاهِمَ أَوْ غَيْرَهَا وَقَالَ: ارْبُطْهَا فِي كُمِّكَ، فَأَمْسَكَهَا، نَقَلَ الْمُزَنِيُّ: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ. وَنَقَلَ الرَّبِيعُ: أَنَّهُ يَضْمَنُ. وَلِلْأَصْحَابِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ: أَحَدُهَا: إِطْلَاقُ قَوْلَيْنِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَرْبِطْهَا فِي الْكُمِّ وَاقْتَصَرَ عَلَى الْإِمْسَاكِ، ضَمِنَ، وَإِنْ أَمْسَكَ بِالْيَدِ بَعْدَ الرَّبْطِ، لَمْ يَضْمَنْ، وَالثَّالِثُ - وَهُوَ أَصَحُّهَا: إِنْ تَلِفَتْ بِأَخْذِ غَاصِبٍ، فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّ الْيَدَ أَحْرَزُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ. وَإِنْ سَقَطَتْ بِنَوْمٍ أَوْ نِسْيَانٍ، ضَمِنَ؛ لِأَنَّهَا

стр. 2627

لَوْ كَانَتْ مَرْبُوطَةً لَمْ تَضِعْ بِهَذَا السَّبَبِ، فَالتَّلَفُ حَصَلَ بِالْمُخَالَفَةِ. وَلَفْظُ النَّصِّ فِي ((عُيُونِ الْمَسَائِلِ)) مُصَرِّحٌ بِهَذَا التَّفْصِيلِ. وَلَوْ لَمْ يَرْبِطْهَا فِي الْكُمِّ وَجَعَلَهَا فِي جَيْبِهِ، لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَزُ، إِلَّا إِذَا كَانَ وَاسِعًا غَيْرَ مَزْرُورٍ. وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: يَضْمَنُ، وَبِالْعَكْسِ يَضْمَنُ قَطْعًا. أَمَّا إِذَا امْتَثَلَ فَرَبَطَهَا فِي كُمِّهِ، فَلَا يُكَلَّفُ مَعَهُ الْإِمْسَاكَ بِالْيَدِ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِنْ جَعَلَ الْخَيْطَ الرَّابِطَ خَارِجَ الْكُمِّ فَأَخَذَهَا الطَّرَّارُ، ضَمِنَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِظْهَارَ الْوَدِيعَةِ وَتَنْبِيهَ الطَّرَّارِ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ عَلَيْهِ فِي قَطْعِهِ وَحَلِّهِ. وَإِنْ ضَاعَ بِالِاسْتِرْسَالِ وَانْحِلَالِ الْعُقْدَةِ، لَمْ يَضْمَنْ إِذَا كَانَ قَدِ احْتَاطَ فِي الرَّبْطِ؛ لِأَنَّهَا إِذَا انْحَلَّتْ بَقِيَتِ الدَّرَاهِمُ فِي الْكُمِّ. وَإِنْ جَعَلَ الْخَيْطَ الرَّابِطَ دَاخِلَ الْكُمِّ، انْعَكَسَ الْحُكْمُ. فَإِنْ أَخَذَهَا الطَّرَّارُ، لَمْ يَضْمَنْ. وَإِنْ ضَاعَتْ بِالِاسْتِرْسَالِ، ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْعُقْدَةَ إِذَا انْحَلَّتْ تَنَاثَرَتِ الدَّرَاهِمُ، هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مُطْلَقُ الرَّبْطِ. فَإِذَا أَتَى بِهِ، وَجَبَ أَنْ لَا يَنْظُرَ إِلَى جِهَاتِ التَّلَفِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا عَدَلَ عَنِ الْمَأْمُورِ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ فَحَصَلَ بِهِ التَّلَفُ. فَرْعٌ لَوْ أَوْدَعَهُ دَرَاهِمَ فِي سُوقٍ أَوْ طَرِيقٍ، وَلَمْ يَقُلْ: ارْبُطْهَا فِي كُمِّكَ، وَلَا أَمْسِكْهَا فِي يَدِكَ، فَرَبَطَهَا فِي الْكُمِّ وَأَمْسَكَهَا بِالْيَدِ، فَقَدْ بَالَغَ فِي الْحِفْظِ. وَكَذَا لَوْ جَعَلَهَا فِي جَيْبِهِ وَهُوَ ضَيِّقٌ، أَوْ [وَاسِعٌ] مَزْرُورٌ. فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا غَيْرَ مَزْرُورٍ، ضَمِنَ، لِسُهُولَةِ تَنَاوُلِهَا بِالْيَدِ. وَلَوْ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ وَلَمْ يَرْبُطْهَا، لَمْ يَضْمَنْ إِنْ تَلِفَتْ بِأَخْذِ غَاصِبٍ، وَيَضْمَنُ إِنْ تَلِفَتْ بِغَفْلَةٍ أَوْ نَوْمٍ. فَلَوْ رَبَطَهَا وَلَمْ يُمْسِكْهَا بِيَدِهِ، فَقِيَاسُ مَا سَبَقَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى كَيْفِيَّةِ الرَّبْطِ وَجِهَةِ التَّلَفِ. وَلَوْ وَضَعَهَا فِي الْكُمِّ وَلَمْ يَرْبُطْهَا فَسَقَطَتْ، فَإِنْ كَانَتْ خَفِيفَةً لَا يَشْعُرُ بِهَا،

стр. 2628

ضَمِنَ؛ لِتَفْرِيطِهِ فِي الْإِحْرَازِ، وَإِنْ كَانَتْ ثَقِيلَةً يَشْعُرُ بِهَا، لَمْ يَضْمَنْ، ذَكَرَهُ فِي ((الْمُهَذَّبِ)) وَقِيَاسُ هَذَا يُلْزِمُ طَرْدَهُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ صُوَرِ الِاسْتِرْسَالِ كُلِّهَا. وَلَوْ وَضَعَهَا فِي كَوْرِ عِمَامَتِهِ وَلَمْ يَشُدَّ، ضَمِنَ. فَرْعٌ أَوْدَعَهُ فِي سُوقٍ وَقَالَ: احْفَظْهَا فِي بَيْتِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَمْضِيَ إِلَى بَيْتِهِ وَيَحْفَظَهَا فِيهِ. فَإِنْ أَخَّرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، ضَمِنَ. وَإِنْ أَوْدَعَهُ فِي الْبَيْتِ وَقَالَ: احْفَظْهَا فِي الْبَيْتِ فَرَبَطَهَا فِي الْكُمِّ وَخَرَجَ بِهَا، صَارَتْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ. وَكَذَا لَوْ لَمْ يَخْرُجْ بِهَا وَرَبَطَهَا فِي الْكُمِّ مَعَ إِمْكَانِ إِحْرَازِهَا فِي الصُّنْدُوقِ وَنَحْوِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِقُفْلٍ تَعَذَّرَ فَتْحُهُ وَنَحْوُهُ. لَمْ يَضْمَنْ. قَالَ فِي الْمُعْتَمَدِ: وَإِنْ شَدَّهَا فِي عَضُدِهِ وَخَرَجَ بِهَا، فَإِنْ كَانَ الشَّدُّ مِمَّا يَلِي الْأَضْلَاعَ، لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ أَحْرَزُ مِنَ الْبَيْتِ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْبَيْتَ أَحْرَزُ مِنْهُ. وَفِي تَقْيِيدِهِمُ الصُّورَةَ بِمَا إِذَا قَالَ: احْفَظْهَا فِي الْبَيْتِ، إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ لَوْ أَوْدَعَهُ فِي الْبَيْتِ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِهَا مَرْبُوطَةً، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ إِلَى الْعَادَةِ. الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا عَيَّنَ لِلْوَدِيعَةِ مَكَانًا فَقَالَ: احْفَظْهَا فِي هَذَا الْبَيْتِ أَوْ فِي هَذِهِ الدَّارِ، فَإِمَّا أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَيْهِ، وَإِمَّا أَنْ يَنْهَاهُ مَعَ ذَلِكَ عَنِ النَّقْلِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَنَقَلَهَا إِلَى مَا دُونَهُ فِي الْحِرْزِ، ضَمِنَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ الْمَنْقُولُ إِلَيْهِ حِرْزًا لِمِثْلِهَا. وَإِنْ نَقَلَهَا إِلَى بَيْتٍ مِثْلَ الْأَوَّلِ، لَمْ يَضْمَنْ، إِلَّا أَنْ يَتْلَفَ بِسَبَبِ النَّقْلِ، كَانْهِدَامِ الْبَيْتِ الْمَنْقُولِ إِلَيْهِ، فَيَضْمَنُ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِالْمُخَالَفَةِ. وَالسَّرِقَةُ مِنَ الْمَنْقُولِ إِلَيْهِ كَالِانْهِدَامِ، قَالَهُ الْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي. وَفِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ مَا يَقْتَضِي إِلْحَاقَ السَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ بِالْمَوْتِ، وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ. وَإِنْ نَهَاهُ فَقَالَ: احْفَظْ فِي هَذَا الْبَيْتِ وَلَا تَنْقُلْهَا، فَإِنْ نَقَلَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، ضَمِنَ؛ لِصَرِيحِ الْمُخَالَفَةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، سَوَاءٌ كَانَ

стр. 2629

الْمَنْقُولُ إِلَيْهِ أَحْرَزَ أَوْ لَمْ يَكُنْ. قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: إِنْ كَانَ أَحْرَزَ مِنَ الْأَوَّلِ أَوْ مِثْلَهُ، لَمْ يَضْمَنْ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَإِنْ نَقَلَ لِضَرُورَةِ غَارَةٍ، أَوْ غَرَقٍ، أَوْ حَرِيقٍ، أَوْ غَلَبَةِ لُصُوصٍ، لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ كَانَ الْمَنْقُولُ إِلَيْهِ حِرْزًا لِمِثْلِهَا. وَلَا بَأْسَ بِكَوْنِهِ دُونَ الْأَوَّلِ إِذَا لَمْ يَجِدْ أَحْرَزَ مِنْهُ. وَلَوْ تَرَكَ النَّقْلَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، ضَمِنَ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّهْيِ تَحْصِيلَ الِاحْتِيَاطِ. وَلَوْ قَالَ: لَا تَنْقُلْهَا وَإِنْ حَدَثَتْ ضَرُورَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَنْقُلْهَا، لَمْ يَضْمَنْ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَتْلِفْ مَالِي، فَأَتْلَفَهُ، لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ نَقَلَ لَمْ يَضْمَنْ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الصِّيَانَةَ. وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا يَجُوزُ النَّقْلُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، فَاخْتَلَفَا فِي وُقُوعِهَا، فَإِنْ عُرِفَ هُنَاكَ مَا يَدَّعِيهِ الْمُودَعُ، صَدَقَ بِيَمِينِهِ، وَإِلَّا طُولِبَ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، صَدَقَ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ. وَحَكَى أَبُو الْفَرَجِ الزَّازِ وَجْهًا، أَنَّ ظَاهِرَ الْحَالِ يُغْنِيهِ عَنِ الْيَمِينِ، ثُمَّ ذَكَرَ الْأَئِمَّةُ أَنَّ جَمِيعَ هَذَا فِيمَا إِذَا كَانَ الْبَيْتُ أَوِ الدَّارُ الْمُعَيَّنَةُ لِلْمُودَعِ. أَمَّا إِذَا كَانَ لِلْمَالِكِ، فَلَيْسَ لِلْمُودَعِ إِخْرَاجُهَا مِنْ مِلْكِهِ بِحَالٍ، إِلَّا أَنْ تَقَعَ ضَرُورَةٌ. الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: إِذَا نَقَلَهَا مِنْ ظَرْفٍ إِلَى ظَرْفٍ، كَخَرِيطَةٍ إِلَى خَرِيطَةٍ، وَصُنْدُوقٍ إِلَى صُنْدُوقٍ، فَالْمُتَلَخِّصُ مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ عَلَى اضْطِرَابِهِ، أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَجْرِ فَتْحُ قُفْلٍ وَلَا فَضُّ خَتْمٍ وَلَا خَلْطٌ، وَلَمْ يُعَيِّنِ الْمَالِكُ ظَرْفًا، فَلَا ضَمَانَ لِمُجَرَّدِ النَّقْلِ، سَوَاءٌ كَانَتِ الصَّنَادِيقُ لِلْمُودَعِ أَوْ لِلْمَالِكِ. وَإِذَا كَانَتْ لِلْمَالِكِ، فَحُصُولُهَا فِي يَدِ الْمُودَعِ قَدْ يَكُونُ بِجِهَةِ كَوْنِهَا وَدِيعَةً أَيْضًا. إِمَّا فَارِغَةً، وَإِمَّا مَشْغُولَةً بِالْوَدِيعَةِ، وَقَدْ تَكُونُ بِجِهَةِ الْعَارِيَةِ. وَإِنْ جَرَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَالْفَضُّ وَالْفَتْحُ وَالْخَلْطُ سَبَقَ أَنَّهَا مُضَمَّنَةٌ. وَإِنْ عَيَّنَ ظَرْفًا، نُظِرَ، إِنْ كَانَتِ الظُّرُوفُ لِلْمَالِكِ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا لِأَنَّهُمَا وَدِيعَتَانِ، وَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا حِفْظُ أَحَدِهِمَا فِي حِرْزٍ وَالْأُخْرَى فِي آخَرَ. فَعَلَى هَذَا إِنْ نَقَلَ إِلَى مَا دُونَ الْأَوَّلِ، ضَمِنَ، وَإِلَّا، فَلَا. وَإِنْ كَانَتِ الظُّرُوفُ لِلْمُودَعِ، فَهِيَ كَالْبُيُوتِ بِلَا خِلَافٍ.

стр. 2630

الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ: احْفَظْ وَدِيعَتِي فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَلَا تُدْخِلْ إِلَيْهَا أَحَدًا، أَوْ لَا تَسْتَعِنْ عَلَى حِفْظِهَا بِالْحَارِسِينَ، فَخَالَفَ، فَإِنْ حَصَلَ التَّلَفُ بِسَبَبِ الْمُخَالَفَةِ، بِأَنْ سَرَقَهَا الَّذِينَ أَدْخَلَهُمْ، أَوِ الْحَارِسُونَ، ضَمِنَ. وَإِنْ سَرَقَ غَيْرُهُمْ أَوْ وَقَعَ حَرِيقٌ، فَلَا ضَمَانَ. [الصُّورَةُ] السَّادِسَةُ: أَوْدَعَهُ خَاتَمًا وَقَالَ: اجْعَلْهُ فِي خِنْصَرِكَ، فَجَعَلَهُ فِي بِنْصَرِهِ، فَهُوَ أَحْرَزُ، لَكِنْ لَوِ انْكَسَرَ لِغِلَظِهَا، أَوْ جَعَلَهُ فِي الْأُنْمُلَةِ الْعُلْيَا، ضَمِنَ. وَإِنْ قَالَ: اجْعَلْهُ فِي الْبِنْصَرِ، فَجَعَلَهُ فِي الْخِنْصَرِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَنْتَهِي إِلَى أَصْلِ الْبِنْصَرِ، فَالَّذِي فَعَلَهُ أَحْرَزُ، وَلَا ضَمَانَ. وَإِنْ كَانَ يَنْتَهِي إِلَيْهِ، ضَمِنَ. وَإِنْ أَوْدَعَهُ الْخَاتَمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، فَإِنْ جَعَلَهُ فِي غَيْرِ الْخِنْصَرِ، لَمْ يَضْمَنْ، إِلَّا أَنَّ غَيْرَ الْخِنْصَرِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ كَالْخِنْصَرِ. وَإِنْ جَعَلَهُ فِي الْخِنْصَرِ، فَفِيهِ احْتِمَالَانِ عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَغَيْرِهِ. أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ. وَالثَّانِي: إِنْ قَصَدَ الْحِفْظَ، لَمْ يَضْمَنْ. وَإِنْ قَصَدَ الِاسْتِعْمَالَ، ضَمِنَ وَفِي ((الرَّقْمِ)) لِلْعَبَّادِيِّ: أَنَّهُ إِنْ جَعَلَ فَصَّهُ إِلَى ظَهْرِ الْكَفِّ، ضَمِنَ. وَإِلَّا فَلَا. قُلْتُ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَضْمَنُ مُطْلَقًا، إِلَّا إِذَا قَصَدَ الْحِفْظَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [الصُّورَةُ] السَّابِعَةُ: أَوْدَعَهُ وَقَالَ: لَا تُخْبِرْ بِهَا، فَخَالَفَ، فَسَرَقَهَا مَنْ أَخْبَرَهُ، أَوْ مَنْ أَخْبَرَهُ مَنْ أَخْبَرَهُ، ضَمِنَ. وَلَوْ تَلِفَتْ بِسَبَبٍ آخَرَ، لَمْ يَضْمَنْ. وَقَالَ الْعَبَّادِيُّ: لَوْ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكَ لِفُلَانٍ وَدِيعَةٌ؟ فَأَخْبَرَهُ، ضَمِنَ؛ لِأَنَّ كَتْمَهَا مِنْ حِفْظِهَا. السَّبَبُ الثَّامِنُ: التَّضْيِيعُ؛ لِأَنَّ الْمُودَعَ مَأْمُورٌ بِحِفْظِهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا بِالتَّحَرُّزِ عَنْ أَسْبَابِ التَّلَفِ. فَلَوْ أَخَّرَ إِحْرَازَهَا مَعَ التَّمَكُّنِ، أَوْ جَعَلَهَا فِي مُضَيِّعِهَا، أَوْ فِي غَيْرِ حِرْزِ مِثْلِهَا، ضَمِنَ. وَلَوْ جَعَلَهَا فِي أَحْرَزَ [مِنْ حِرْزِ] مِثْلِهَا، ثُمَّ نَقَلَهَا إِلَى حِرْزِ مِثْلِهَا، فَلَا ضَمَانَ. ثُمَّ هُنَا صُوَرٌ.

стр. 2631

[الصُّورَةُ] الْأُولَى: إِذَا أَعْلَمَ بِالْوَدِيعَةِ مَنْ يُصَادِرُ الْمَالِكَ وَيَأْخُذُ أَمْوَالَهُ، ضَمِنَهَا. بِخِلَافِ مَا إِذَا أَعْلَمَهُ غَيْرُ الْمُودَعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمِ الْحِفْظَ. وَلَوْ أَعْلَمَ الْمُودَعُ اللُّصُوصَ بِالْوَدِيعَةِ، فَسَرَقُوهَا، إِنْ عَيَّنَ الْمَوْضِعَ، ضَمِنَ، وَإِلَّا، فَلَا. كَذَا فَصَّلَهُ الْبَغَوِيُّ. [الصُّورَةُ] الثَّانِيَةُ: ضَيَّعَ بِالنِّسْيَانِ، ضَمِنَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُؤَيِّدُهُ نَصُّ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، أَنَّهُ لَوْ أَوْدَعَهُ إِنَاءً مِنْ قَوَارِيرَ، فَأَخَذَهُ الْمُودَعُ بِيَدِهِ لِيُحْرِزَهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَأَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ فَانْكَسَرَ، لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ أَصَابَهُ بِفِعْلِهِ مُخْطِئًا أَوْ عَامِدًا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْبَيْتِ أَوْ بَعْدَمَا وَصَلَهُ، فَهُوَ ضَامِنٌ. وَالْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ يَجْرِيَانِ مَجْرًى وَاحِدًا؛ وَلِأَنَّهُمْ قَالُوا: [لَوِ] انْتَفَعَ بِوَدِيعَةٍ ثُمَّ ادَّعَى غَلَطًا وَقَالَ: ظَنَنْتُهُ مِلْكِي، لَا يُصَدَّقُ مَعَ أَنَّهُ احْتِمَالٌ قَرِيبٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْغَلَطَ لَا يَدْفَعُ الضَّمَانَ. [الصُّورَةُ] الثَّالِثَةُ: إِذَا أَخَذَ الظَّالِمُ الْوَدِيعَةَ قَهْرًا، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُودَعِ، كَمَا لَوْ سُرِقَتْ مِنْهُ. وَإِنْ أَكْرَهَهُ حَتَّى يُسَلِّمَهَا بِنَفْسِهِ، فَلِلْمَالِكِ مُطَالَبَةُ الظَّالِمِ بِالضَّمَانِ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ إِذَا غُرِّمَ، وَلَهُ أَيْضًا مُطَالَبَةُ الْمُودَعِ عَلَى الْأَصَحِّ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الظَّالِمِ، وَهُمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّ الْمُكْرَهَ عَلَى إِتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ، هَلْ يُطَالَبُ؟ وَمَهْمَا طَالَبَهُ الظَّالِمُ بِالْوَدِيعَةِ، لَزِمَهُ دَفْعُهُ بِالْإِنْكَارِ وَالْإِخْفَاءِ وَالِامْتِنَاعِ مَا قَدَرَ. فَإِنْ تَرَكَ الدَّفْعَ مَعَ الْقُدْرَةِ، ضَمِنَ. وَإِنْ أَنْكَرَ فَحَلَّفَهُ، جَازَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ لِمَصْلَحَةِ حِفْظِ الْوَدِيعَةِ، ثُمَّ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَإِنْ أَكْرَهَهُ عَلَى الْحَلِفِ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتَاقٍ، فَحَاصِلُهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْحَلِفِ وَبَيْنَ الِاعْتِرَافِ وَالتَّسْلِيمِ. فَإِنِ اعْتَرَفَ وَسَلَّمَ، ضَمِنَ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ فَدَى زَوْجَتَهُ بِالْوَدِيعَةِ. وَ [إِنْ] حَلَفَ بِالطَّلَاقِ، طُلِّقَتْ زَوْجَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ فَدَى الْوَدِيعَةَ بِزَوْجَتِهِ. السَّبَبُ التَّاسِعُ: الْجُحُودُ. فَإِذَا قَالَ الْمُوَدَعُ: لَا وَدِيعَةَ لِأَحَدٍ عِنْدِي، إِمَّا ابْتِدَاءً، وَإِمَّا جَوَابًا لِسُؤَالِ غَيْرِ الْمَالِكِ، فَلَا ضَمَانَ، سَوَاءٌ جَرَى ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الْمَالِكِ أَوْ فِي غَيْبَتِهِ؛ لِأَنَّ إِخْفَاءَهَا أَبْلَغُ فِي حِفْظِهَا. وَإِنْ طَلَبَهَا الْمَالِكُ فَجَحَدَهَا، فَهُوَ خَائِنٌ ضَامِنٌ.

стр. 2632

وَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهَا، بَلْ قَالَ: لِي عِنْدَكَ وَدِيعَةٌ، فَسَكَتَ، لَمْ يَضْمَنْ. وَإِنْ أَنْكَرَ، لَمْ يَضْمَنْ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْإِخْفَاءِ غَرَضٌ صَحِيحٌ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الطَّلَبِ. فَلَوْ جَحَدَ ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ غَلَطْتُ أَوْ نَسِيتُ، لَمْ يَبْرَأْ، إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمَالِكُ. فَرْعٌ مَنْ أَنْكَرَ وَدِيعَةً ادُّعِيَتْ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. فَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً بِالْإِيدَاعِ، أَوِ اعْتَرَفَ بِهَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، طُولِبَ بِهَا. فَإِنِ ادَّعَى رَدَّهَا أَوْ تَلَفَهَا قَبْلَ الْجُحُودِ أَوْ بَعْدَهُ، نُظِرَ فِي صِيغَةِ جُحُودِهِ، فَإِنْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْإِيدَاعِ، لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ الرَّدَّ؛ لِتَنَاقُضِ كَلَامِهِ وَظُهُورِ خِيَانَتِهِ. وَأَمَّا فِي دَعْوَى التَّلَفِ، فَيُصَدَّقُ، لَكِنَّهُ كَالْغَاصِبِ فَيَضْمَنُ. وَهَلْ يَتَمَكَّنُ مِنْ تَحْلِيفِ الْمَالِكِ؟ وَهَلْ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ مِنَ الرَّدِّ أَوِ التَّلَفِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ نَسِيَ فَصَارَ كَمَنِ ادَّعَى وَقَالَ: لَا بَيِّنَةَ لِي، ثُمَّ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ تُسْمَعُ. فَعَلَى هَذَا، لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالرَّدِّ أَوِ الْهَلَاكِ قَبْلَ الْجُحُودِ، سَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ. وَإِنْ قَامَتْ بِالْهَلَاكِ بَعْدَ الْجُحُودِ، ضَمِنَ، لِخِيَانَتِهِ. وَقَدْ حَكَيْنَا فِي أَلْفَاظِ الْمُرَابَحَةِ إِذَا قَالَ: اشْتَرَيْتُ بِمِائَةٍ، ثُمَّ قَالَ: بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، أَنَّ الْأَصْحَابَ فَرَّقُوا بَيْنَ أَنْ لَا يَذْكُرَ وَجْهًا مُحْتَمَلًا فِي الْغَلَطِ، وَبَيْنَ أَنْ يَذْكُرَهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِمِثْلِهِ هُنَا، وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا مُتَّجِهَةٌ. وَإِنْ كَانَتْ صِيغَةُ جُحُودِهِ: لَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيْكَ، أَوْ مَا لَكَ عِنْدِي وَدِيعَةٌ أَوْ شَيْءٌ، صُدِّقَ فِي دَعْوَى الرَّدِّ وَالتَّلَفِ؛ لِأَنَّهَا لَا تُنَاقِضُ كَلَامَهُ الْأَوَّلَ. فَإِنِ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ كَانَ بَاقِيًا يَوْمَ الْجُحُودِ، لَمْ يُصَدَّقْ فِي دَعْوَى الرَّدِّ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَإِنِ ادَّعَى الْهَلَاكَ، فَكَالْغَاصِبِ إِذَا ادَّعَاهُ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ وَيَضْمَنُ. الْحُكْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَحْكَامِ الْوَدِيعَةِ: رَدَّهَا عِنْدَ بَقَائِهَا، فَإِذَا كَانَتِ الْوَدِيعَةُ بَاقِيَةً، لَزِمَ الْمُودَعَ رَدُّهَا إِذَا طَلَبَهَا الْمَالِكُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ الرَّدِّ وَتَحَمُّلُ

стр. 2633

مُؤْنَتِهِ، بَلْ ذَلِكَ عَلَى الْمَالِكِ، وَإِنَّمَا عَلَى الْمُودَعِ رَفْعُ الْيَدِ وَالتَّخْلِيَةُ بَيْنَ الْمَالِكِ وَمَالِهِ، فَإِنْ أَخَّرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، دَخَلَتِ الْوَدِيعَةُ فِي ضَمَانِهِ. وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ يَعْسُرُ قَطْعُهُ، بِأَنْ طَالَبَهُ فِي جُنْحِ اللَّيْلِ وَالْوَدِيعَةُ فِي خِزَانَةٍ لَا يَتَأَتَّى فَتْحُ بَابِهَا فِي الْوَقْتِ، أَوْ كَانَ مَشْغُولًا بِصَلَاةٍ أَوْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، أَوْ فِي حَمَّامٍ أَوْ عَلَى طَعَامٍ فَأَخَّرَ حَتَّى يَفْرَغَ، أَوْ كَانَ مُلَازِمًا لِغَرِيمٍ يَخَافُ هَرَبَهُ، أَوْ كَانَ الْمَطَرُ وَاقِعًا وَالْوَدِيعَةُ فِي الْبَيْتِ فَأَخَّرَ حَتَّى يَنْقَطِعَ وَيَرْجِعَ إِلَى الْبَيْتِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَهُ التَّأْخِيرُ قَطْعًا. فَلَوْ تَلِفَتِ الْوَدِيعَةُ فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَقَطَعَ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ لَا ضَمَانَ؛ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ، وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْبَغَوِيِّ أَيْضًا. وَلَفْظُ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ يُشْعِرُ بِتَفْصِيلٍ، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ التَّأْخِيرُ لِتَعَذُّرِ الْوُصُولِ إِلَى الْوَدِيعَةِ، فَلَا ضَمَانَ. وَإِنْ كَانَ لِعُسْرٍ يَلْحَقُهُ، أَوْ غَرَضٍ يَفُوتُهُ، ضَمِنَ. قُلْتُ: الرَّاجِحُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مُطْلَقًا، وَصَرَّحَ بِهِ كَثِيرُونَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ قَالَ الْمُودَعُ: لَا أَرُدُّ حَتَّى تُشْهِدَ أَنَّكَ قَبَضْتَهَا، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ؟ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ سَبَقَ ذِكْرُهَا فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ وَوَجْهٌ رَابِعٌ، أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَالِكُ أَشْهَدَ بِالْوَدِيعَةِ عِنْدَ دَفْعِهَا، فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِلَّا، فَلَا. فَرْعٌ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَرْدُودِ عَلَيْهِ أَهْلًا لِلْقَبْضِ. فَلَوْ حُجِرَ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، أَوْ كَانَ نَائِمًا فَوَضَعَهَا فِي يَدِهِ، لَمْ يَجُزْ.

стр. 2634

فَرْعٌ أَوْدَعَهُ جَمَاعَةٌ مَالًا، وَذَكَرَ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ جَاءَ بَعْضُهُمْ يَطْلُبُهُ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُودَعِ الْقِسْمَةُ وَلَا تَسْلِيمُ الْجَمِيعِ، بَلْ يُرْفَعُ الْأَمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ لِيُقَسِّمَهُ وَيَدْفَعَ إِلَيْهِ نَصِيبَهُ. فَرْعٌ قَالَ لَهُ: رُدَّهَا عَلَى فُلَانٍ وَكِيلِي، فَطَلَبَ الْوَكِيلُ فَلَمْ يَرُدَّ، فَهُوَ كَمَا لَوْ طَلَبَ الْمَالِكُ فَلَمْ يَرُدَّ، لَكِنْ لَهُ التَّأْخِيرُ لِيَشْهَدَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ عَلَى الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَإِنْ لَمْ يَطْلُبِ الْوَكِيلُ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الرَّدِّ، لَمْ تَصِرْ مَضْمُونَةً، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ إِلَى وَكِيلِهِ، عَزَلَهُ، فَيَصِيرُ مَا فِي يَدِهِ كَالْأَمَانَةِ الشَّرْعِيَّةِ، مِثْلَ الثَّوْبِ تُطَيِّرُهُ الرِّيحُ إِلَى دَارِهِ. وَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: تَمْتَدُّ إِلَى الْمُطَالَبَةِ. وَأَصَحُّهُمَا: تَنْتَهِي بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الرَّدِّ. قَالَ ابْنُ كَجٍّ: وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَنْ وَجَدَ ضَالَّةً وَهُوَ يَعْرِفُ مَالِكَهَا. وَذَكَرَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْأَسَالِيبِ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ: رُدَّ الْوَدِيعَةَ عَلَى مَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ وُكَلَائِي هَؤُلَاءِ وَلَا تُؤَخِّرْ، فَقَدَرَ عَلَى الرَّدِّ عَلَى بَعْضِهِمْ، وَأَخَّرَ لِيَرُدَّ عَلَى غَيْرِهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ عَاصٍ بِالتَّأْخِيرِ، وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقُلْ: وَلَا تُؤَخِّرْ، يَضْمَنُ بِالتَّأْخِيرِ، وَفِي الْعِصْيَانِ وَجْهَانِ. وَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: رُدَّهَا عَلَى مَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَى وَاحِدٍ لِيَرُدَّ عَلَى آخَرَ، لَا يَعْصِي، وَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ. فَرْعٌ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُودَعِ الْإِشْهَادُ عِنْدَ الدَّفْعِ إِلَى الْوَكِيلِ؟ وَجْهَانِ جَارِيَانِ فِيمَا لَوْ دَفَعَ إِلَيْهِ مَالًا ابْتِدَاءً وَأَمَرَهُ بِإِيدَاعِهِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ: يَجِبُ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِقَضَاءِ

стр. 2635

دَيْنِهِ يَلْزَمُهُ الْإِشْهَادُ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْغَزَالِيِّ: لَا؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْمُودَعِ مَقْبُولٌ فِي الرَّدِّ وَالتَّلَفِ، فَلَا يُغْنِي الْإِشْهَادُ؛ لِأَنَّ الْوَدَائِعَ حَقُّهَا الْإِخْفَاءُ، بِخِلَافِ قَضَاءِ الدَّيْنِ. فَإِذَا قُلْنَا: يَجِبُ، فَالْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْوَكَالَةِ: أَنَّهُ إِنْ دَفَعَ فِي غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ مِنْ غَيْرِ إِشْهَادٍ، ضَمِنَ. وَإِنْ دَفَعَ بِحَضْرَتِهِ، لَمْ يَضْمَنْ عَلَى الْأَصَحِّ. فَصْلٌ طَالَبَهُ الْمَالِكُ بِرَدِّهَا، فَادَّعَى التَّلَفَ بِسَبَبٍ خَفِيٍّ كَالسَّرِقَةِ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَإِنِ ادَّعَاهُ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ كَالْحَرِيقِ وَالْغَارَةِ وَالسَّيْلِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَا ادَّعَاهُ بِتِلْكَ الْبُقْعَةِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الْهَلَاكِ بِهِ. وَإِنْ عُرِفَ بِالْمُشَاهَدَةِ أَوِ الِاسْتِفَاضَةِ، نُظِرَ، إِنْ عُرِفَ عُمُومُهُ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ. وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ عُمُومُهُ، وَاحْتُمِلَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبِ الْوَدِيعَةَ، صُدِّقَ بِالْيَمِينِ. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ التَّلَفِ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَلَا يُكَلَّفُ بَيَانُ سَبَبِهِ. وَإِذَا نَكَلَ الْمُودَعُ عَنِ الْيَمِينِ، حَلَفَ الْمَالِكُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالتَّلَفِ وَاسْتَحَقَّ، وَعَدَّ الْمُتَوَلِّي مَوْتَ الْحَيَوَانِ وَالْغَصْبِ مِنَ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ. وَفِي ((التَّهْذِيبِ)) إِلْحَاقُ الْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ. فَصْلٌ إِذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ عَلَى الَّذِي ائْتَمَنَهُ وَهُوَ الْمَالِكُ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْحَلِفِ، نَابَ عَنْهُ وَارِثُهُ وَانْقَطَعَتِ الْمُطَالَبَةُ بِحَلِفِهِ. وَإِنِ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى غَيْرِ مَنِ ائْتَمَنَهُ، لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَتَفْصِيلُهُ بِصُوَرٍ. إِحْدَاهَا: إِذَا مَاتَ الْمَالِكُ، لَزِمَ الْمُودَعَ الرَّدُّ عَلَى وَرَثَتِهِ. حَتَّى لَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ

стр. 2636

بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنَ الرَّدِّ، ضَمِنَ عَلَى الْأَصَحِّ. فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْوَرَثَةَ، رَدَّ إِلَى الْحَاكِمِ. وَقَيَّدَ فِي الْعُدَّةِ هَذَا الْجَوَابَ بِمَا إِذَا لَمْ تَعْلَمِ الْوَرَثَةُ بِالْوَدِيعَةِ، أَمَّا إِذْ عَلِمُوا، فَلَا يَجِبُ الرَّدُّ إِلَّا بَعْدَ طَلَبِهِمْ. وَلَوْ طَالَبَهُ الْوَارِثُ فَقَالَ: رَدَدْتُهُ عَلَى الْمَالِكِ، أَوْ تَلِفَ فِي يَدِي فِي حَيَاتِهِ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَإِنْ قَالَ: رَدَدْتُهُ عَلَيْكَ، فَأَنْكَرَ، فَالْمُصَدَّقُ الْوَارِثُ. وَإِنْ قَالَ: تَلِفَ فِي يَدِي قَبْلَ تَمَكُّنِي مِنَ الرَّدِّ، فَهَلِ الْمُصَدَّقُ الْوَارِثُ كَدَعْوَى الرَّدِّ؟ أَمِ الْمُودَعُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ؟ وَجْهَانِ. قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الثَّانِي أَصَحَّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [الصُّورَةُ] الثَّانِيَةُ: مَاتَ الْمُودَعُ، فَعَلَى وَارِثِهِ رَدُّهَا. فَإِنْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ، ضَمِنَ عَلَى الْأَصَحِّ. فَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ غَائِبًا، سَلَّمَهَا إِلَى الْحَاكِمِ. فَلَوْ تَنَازَعَا، فَقَالَ وَارِثُ الْمُودَعِ: رَدَّ عَلَيْكَ مُوَرِّثِي، أَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، وَهُوَ الْوَجْهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ حُصُولِهَا فِي يَدِهِ. وَلَوْ قَالَ: رَدَدْتُهَا عَلَيْكَ، فَالْمُصَدَّقُ الْمَالِكُ. وَلَوْ قَالَ: تَلِفَتْ فِي يَدِي قَبْلَ التَّمَكُّنِ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ. [الصُّورَةُ] الثَّالِثَةُ: [لَوْ] قَالَ مَنْ طَيَّرَتِ الرِّيحُ ثَوْبًا إِلَى دَارِهِ: رَدَدْتُ عَلَى الْمَالِكِ، وَادَّعَاهُ الْمُلْتَقِطُ، لَمْ يُصَدَّقْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ. [الصُّورَةُ] الرَّابِعَةُ: إِذَا أَرَادَ الْمُودَعُ سَفَرًا، فَأَوْدَعَهَا أَمِينًا، فَادَّعَى الْأَمِينُ تَلَفَهَا، صُدِّقَ. وَإِنِ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى الْمَالِكِ، لَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنْهُ. وَإِنِ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى الْمُودَعِ، صُدِّقَ؛ لِأَنَّهُ أَمِينُهُ. كَذَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْمُتَوَلِّي، وَهَذَا ذَهَابٌ إِلَى أَنَّ لِلْمُودَعِ إِذَا عَادَ مِنَ السَّفَرِ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا، وَبِهِ صَرَّحَ الْعَبَّادِيُّ وَغَيْرُهُ. وَحُكِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَنَّ اللَّائِقَ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀، مَنْعُهُ مِنَ الِاسْتِرْدَادِ، بِخِلَافِ الْمُودَعِ يَسْتَرِدُّ مِنَ الْغَاصِبِ

стр. 2637

عَلَى وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْحِفْظِ الْمَأْمُورِ بِهِ. وَلَوْ كَانَ الْمَالِكُ عَيَّنَ أَمِينًا فَقَالَ: إِذَا سَافَرْتُ فَاجْعَلْهَا عِنْدَ فُلَانٍ، فَفَعَلَ، فَالْحُكْمُ بِالْعَكْسِ، إِنِ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى الْمَالِكِ، صُدِّقَ. وَإِنِ ادَّعَاهُ عَلَى الْمُودَعِ الْأَوَّلِ، لَمْ يُصَدَّقْ. [الصُّورَةُ] الْخَامِسَةُ: قَالَ الْمُودَعُ لِلْمَالِكِ: أَوْدَعْتُهَا عِنْدَ وَكِيلِكَ فُلَانٍ بِأَمْرِكَ، فَلِلْمَالِكِ أَحْوَالٌ: أَحَدُهَا: يُنْكِرُ الْإِذْنَ، فَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ. فَإِذَا حَلَفَ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ فُلَانٌ مُقِرًّا بِالْقَبْضِ وَالْوَدِيعَةُ بَاقِيَةٌ، رَدَّهَا عَلَى الْمَالِكِ. فَإِنْ غَابَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ، فَلِلْمَالِكِ تَغْرِيمُ الْمُودَعِ. فَإِذَا قَدِمَ، أَخَذَهَا وَرَدَّهَا عَلَى الْمَالِكِ وَاسْتَرَدَّ الْبَدَلَ، وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً، فَلِلْمَالِكِ تَغْرِيمُ أَيِّهِمْ شَاءَ، وَلَيْسَ لِمَنْ غَرِمَ الرُّجُوعُ عَلَى صَاحِبِهِ لِزَعْمِهِ أَنَّ الْمَالِكَ ظَالِمٌ بِمَا أَخَذَ. وَإِنْ كَانَ فُلَانٌ مُنْكِرًا، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَاخْتَصَّ الْغُرْمُ بِالْمُودَعِ. [الْحَالَةُ] الثَّانِيَةُ: يَعْتَرِفُ بِالْإِذْنِ وَيُنْكِرُ الدَّفْعَ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُصَدَّقُ الْمُودَعُ وَتُجْعَلُ دَعْوَى الرَّدِّ عَلَى وَكِيلِ الْمَالِكِ كَدَعْوَاهُ عَلَى الْمَالِكِ، وَأَصَحُّهُمَا: تَصْدِيقُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الرَّدَّ عَلَى مَنْ لَمْ يَأْتَمِنْهُ. وَلَوْ وَافَقَ فُلَانٌ الْمُودَعَ وَقَالَ: تَلِفَتْ فِي يَدِي، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى الْمَالِكِ، بَلْ يَحْلِفُ الْمَالِكُ وَيُغَرَّمُ الْمُودَعُ. [الْحَالَةُ] الثَّالِثَةُ: يَعْتَرِفُ بِالْإِذْنِ وَالدَّفْعِ مَعًا، لَكِنَّهُ يَقُولُ: لَمْ تَشْهَدْ، وَالْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ مُنْكَرٌ، فَيُبْنَى عَلَى وُجُوبِ الْإِشْهَادِ عَلَى الْإِيدَاعِ. فَإِنْ لَمْ نُوجِبْهُ، فَلَيْسَ لَهُ تَغْرِيمُهُ. وَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، فَعَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي الْوَكَالَةِ فِي نَظِيرِ هَذِهِ الصُّورَةِ. وَلَوِ اتَّفَقُوا جَمِيعًا عَلَى الدَّفْعِ إِلَى الْأَمِينِ، وَادَّعَى الْأَمِينُ رَدَّهَا عَلَى الْمَالِكِ، أَوْ تَلَفَهَا فِي يَدِهِ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. هَذَا إِذَا عَيَّنَ الْمَالِكُ الْأَمِينَ، أَمَّا لَوْ قَالَ: أَوْدَعَهَا أَمِينًا، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، فَادَّعَى الْأَمِينُ التَّلَفَ، صُدِّقَ. وَإِنِ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى الْمَالِكِ، فَالْمُصَدَّقُ الْمَالِكُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنْهُ، كَذَا ذَكَرُوهُ. وَلَوْ قِيلَ: أَمِينُ أَمِينِهِ أَمِينُهُ، كَمَا تَقُولُ عَلَى رَأْيٍ: وَكِيلُ وَكِيلِهِ وَكِيلُهُ، لَمْ يَبْعُدْ.

стр. 2638

قُلْتُ: بَلْ هُوَ بَعِيدٌ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ. فَصْلٌ فِي يَدِهِ مَالٌ، جَاءَ رَجُلَانِ ادَّعَى كُلٌّ أَنَّهُ مُودِعُهُ، فَجَوَابُهُ يُفْرَضُ بِصِيَغٍ. إِحْدَاهَا: أَنْ يُكَذِّبَهُمَا وَيَقُولَ: الْمَالُ لِي، فَيَحْلِفُ لِكُلٍّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ إِلَيْهِ. [الصِّيغَةُ] الثَّانِيَةُ: أَنْ يُقِرَّ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، فَيُعْطَاهُ، وَهَلْ يَحْلِفُ لِلْآخَرِ؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لِزَيْدٍ بِشَيْءٍ، ثُمَّ أَقَرَّ بِهِ لِعَمْرٍو، هَلْ يُغَرَّمُ لِعَمْرٍو؟ إِنْ قُلْنَا: لَا، فَلَا، وَإِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، عُرِضَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ. فَإِنْ حَلَفَ، سَقَطَتْ دَعْوَى الْآخَرِ. وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْآخَرُ. ثُمَّ هَلْ يُوقَفُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا إِلَى أَنْ يَصْطَلِحَا، أَمْ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُمَا، أَمْ يُغَرَّمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْقِيمَةَ لَهُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: الْمَذْهَبُ هُوَ الثَّالِثُ. [الصِّيغَةُ] الثَّالِثَةُ: قَالَ: هُوَ لَكُمَا، فَهُوَ كَمَالٌ فِي يَدِ شَخْصَيْنِ يَتَدَاعَيَانِهِ. فَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا، قُضِيَ لَهُ، وَلَا خُصُومَةَ لِلْآخَرِ مَعَ الْمُودَعِ؛ لِنُكُولِهِ. وَإِنْ نَكَلَا أَوْ حَلَفَا، جُعِلَ بَيْنَهُمَا، وَحُكْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ الْآخَرِ كَالْحُكْمِ فِي الْجَمِيعِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُقِرِّ لَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ. [الصِّيغَةُ] الرَّابِعَةُ: قَالَ: هُوَ لِأَحَدِكُمَا وَقَدْ نَسِيتُ عَيْنَهُ، فَإِنْ ضَمِنَا الْمُودَعَ بِالنِّسْيَانِ، فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِلَّا، نُظِرَ، إِنْ صَدَّقَاهُ، فَلَا خُصُومَةَ لَهُمَا مَعَهُ، وَإِنَّمَا الْخُصُومَةُ بَيْنَهُمَا. فَإِنِ اصْطَلَحَا فِي شَيْءٍ، فَذَاكَ، وَإِلَّا، فَيُجْعَلُ الْمَالُ كَأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمَا يَتَدَاعَيَانِهِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَقِيلَ: هُوَ كَمَالٌ فِي يَدِ ثَالِثٍ يَتَدَاعَيَانِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِأَحَدِهِمَا يَدٌ. فَعَلَى الْأَوَّلِ، لَوْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً [أَوْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا، فَهُوَ بَيْنَهُمَا. وَإِنْ

стр. 2639

أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَوْ حَلَفَ، وَنَكَلَ صَاحِبُهُ، قُضِيَ لَهُ. وَعَلَى الثَّانِي، لَوْ أَقَامَ كُلٌّ بَيِّنَةً] ، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ. وَإِنْ نَكَلَا أَوْ حَلَفَا، وُقِفَ الْمَالُ بَيْنَهُمَا. وَسَوَاءٌ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ أَمْ بِالثَّانِي، هَلْ يُتْرَكُ الْمَالُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَى أَنْ تَنْفَصِلَ خُصُومَتُهُمَا، أَمْ يُنْزَعُ مِنْهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا الثَّانِي، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَالْقَوْلَانِ فِيمَا إِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا الِانْتِزَاعَ وَالْآخَرُ التَّرْكَ، أَمَّا إِذَا اتَّفَقَا عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، فَيَتَّبِعُ الْحَاكِمُ رَأْيَهُمَا. أَمَّا إِذَا كَذَّبَاهُ فِي دَعْوَى النِّسْيَانِ وَادَّعَيَا عِلْمَهُ، فَهُوَ الْمُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، وَيَكْفِيهِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ عِلْمُهُ. وَهَلْ لِلْحَاكِمِ تَحْلِيفُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ إِذَا لَمْ يَدَّعِهِ الْخَصْمَانِ؟ وَجْهَانِ. ثُمَّ إِذَا حَلَفَ، فَالْحُكْمُ كَمَا إِذَا صَدَّقَاهُ فِي النِّسْيَانِ. وَقِيلَ: يُنْتَزَعُ الْمَالُ مِنْ يَدِهِ هُنَا وَإِنْ لَمْ يُنْتَزَعْ هُنَاكَ؛ لِأَنَّهُ خَائِنٌ عِنْدَهُمَا بِدَعْوَى النِّسْيَانِ، وَإِنْ نَكَلَ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِمَا. فَإِنْ نَكَلَا، فَالْمَالُ مَقْسُومٌ بَيْنَهُمَا أَوْ مَوْقُوفٌ حَتَّى يَصْطَلِحَا عَلَى مَا سَبَقَ. وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ، قُضِيَ لَهُ. وَإِنْ حَلَفَا، فَقَوْلَانِ. وَيُقَالُ: وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يُوقَفُ حَتَّى يَصْطَلِحَا. وَأَظْهَرُهُمَا: يُقَسَّمُ؛ لِأَنَّهُ فِي أَيْدِيهِمَا. وَعَلَى هَذَا، يُغَرَّمُ الْقِيمَةَ وَتُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَثْبَتَ بِيَمِينِ الرَّدِّ كُلَّ الْعَيْنِ، وَلَمْ يَأْخُذْ إِلَّا نِصْفَهَا. هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْأَشْهَرُ فِيمَا إِذَا نَكَلَ الْمُودَعُ. وَقِيلَ: لَا يُغَرَّمُ الْقِيمَةَ مَعَ الْعَيْنِ إِذَا حَلَفَا. وَقِيلَ: لَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَيْهِمَا بِنُكُولِهِ، بَلْ يُوقَفُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمَا لَوْ حَلَفَا وُقِفَ الْمَالُ بَيْنَهُمَا، فَلَا مَعْنَى لِعَرْضِ الْيَمِينِ. وَإِذَا رَدَدْنَا الْيَمِينَ، فَهَلْ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا؟ أَمْ يَبْدَأُ الْحَاكِمُ بِمَنْ رَأَى؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا الثَّانِي، حَكَاهُ السَّرَخْسِيُّ فِي الْأَمَالِي. وَإِذَا حَلَفَا وَقَسَّمَ بَيْنَهُمَا الْعَيْنَ وَالْقِيمَةَ، فَإِنْ لَمْ يُنَازِعْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَلَا كَلَامَ. وَإِنْ نَازَعَهُ وَأَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّ جَمِيعَ الْعَيْنِ لَهُ، سَلَّمْنَاهَا إِلَيْهِ وَرَدَدْنَا الْقِيمَةَ إِلَى الْمُودَعِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَنَكَلَ صَاحِبُهُ عَنِ الْيَمِينِ فَحَلَفَ وَاسْتَحَقَّ الْعَيْنَ، رَدَّ نِصْفَ الْقِيمَةِ

стр. 2640

الَّذِي أَخَذَهُ، وَلَا يَرُدُّ النَّاكِلُ مَا أَخَذَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ بِيَمِينِهِ عَلَى الْمُودَعِ، وَلَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ الْمُبْدَلُ، وَنُكُولُهُ كَانَ مَعَ صَاحِبِهِ، لَا مَعَ الْمُودَعِ. وَصَرَّحَ فِي الْوَسِيطِ بِأَنَّ النَّاكِلَ لَا يَرُدُّ، سَوَاءٌ سُلِّمَتِ الْعَيْنُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْيَمِينِ. فَرْعٌ ادَّعَى اثْنَانِ غَصْبَ مَالٍ فِي يَدِهِ، كُلٌّ يَقُولُ: غَصَبْتَهُ مِنِّي، فَقَالَ: غَصَبْتُهُ مِنْ أَحَدِكُمَا وَلَا أَعْرِفُهُ، حَلَفَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى الْبَتِّ أَنَّهُ لَمْ يَغْصِبْهُ. فَإِذَا حَلَفَ لِأَحَدِهِمَا، تَعَيَّنَ الْمَغْصُوبُ لِلثَّانِي، فَلَا يَحْلِفُ لَهُ. [الْحَالَةُ] الْخَامِسَةُ: قَالَ: هُوَ وَدِيعَةٌ عِنْدِي وَلَا أَدْرِي أَهُوَ لَكُمَا، أَمْ لِأَحَدِكُمَا، أَمْ لِغَيْرِكُمَا؟ وَادَّعَيَا عِلْمَهُ، فَحَلَفَ عَلَى نَفْيِ عِلْمِهِ، تُرِكَ فِي يَدِهِ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا تَحْلِيفُ الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدٌ وَلَا اسْتِحْقَاقٌ، بِخِلَافِ الصُّورَةِ السَّابِقَةِ. فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ: إِحْدَاهَا: تَعَدَّى فِي الْوَدِيعَةِ، ثُمَّ بَقِيَتْ فِي يَدِهِ مُدَّةً، لَزِمَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهَا. [الْمَسْأَلَةُ] الثَّانِيَةُ: فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ، أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ حِمَارَهُ فِي صَحْنِ خَانٍ وَقَالَ لِلْخَانِيِّ: احْفَظْهُ كَيْلَا يَخْرُجَ، فَكَانَ الْخَانِيُّ يَنْظُرُهُ، فَخَرَجَ فِي بَعْضِ غَفَلَاتِهِ، فَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ فِي الْحِفْظِ الْمُعْتَادِ. [الْمَسْأَلَةُ] الثَّالِثَةُ: الْمُودَعُ إِذَا وَقَعَ فِي خِزَانَتِهِ حَرِيقٌ، فَبَادَرَ إِلَى نَقْلِ الْأَمْتِعَةِ، وَقَدَّمَ أَمْتِعَتَهُ

стр. 2641

عَلَى الْوَدِيعَةِ، فَاحْتَرَقَتِ الْوَدِيعَةُ، لَمْ يَضْمَنْ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلَّا وَدَائِعُ فَأَخَذَ فِي نَقْلِهَا فَاحْتَرَقَ مَا تَأَخَّرَ نَقْلُهُ. [الْمَسْأَلَةُ] الرَّابِعَةُ: لَوِ ادَّعَى ابْنُ الْمَالِكِ مَوْتَ أَبِيهِ، وَعَلِمَ الْمُودَعُ بِذَلِكَ، وَطَلَبَ الْوَدِيعَةَ، فَلَهُ تَحْلِيفُ الْمُودَعِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ. فَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ الْمُدَّعِي. [الْمَسْأَلَةُ] الْخَامِسَةُ: مَاتَ الْمَالِكُ وَطَلَبَ الْوَارِثُ الْوَدِيعَةَ، فَامْتَنَعَ الْمُودَعُ لِيَفْحَصَ هَلْ فِي التَّرِكَةِ وَصِيَّةٌ؟ فَهُوَ مُتَعَدٍّ ضَامِنٌ. [الْمَسْأَلَةُ] السَّادِسَةُ: مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً وَعَلِمَ مَالِكَهَا فَلَمْ يُخْبِرْهُ حَتَّى تَلِفَتْ، ضَمِنَ، وَكَذَا قَيِّمُ الصَّبِيِّ وَالْمَسْجِدِ إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ مَالٌ فَعَزَلَ نَفْسَهُ وَلَمْ يُخْبِرِ الْحَاكِمَ حَتَّى تَلِفَ الْمَالُ فِي يَدِهِ، ضَمِنَ، وَهَذَا كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّهُ يَجِبُ الرَّدُّ عِنْدَ التَّمَكُّنِ أَوْ هُوَ هُوَ. [الْمَسْأَلَةُ] السَّابِعَةُ: مِنْ صُوَرِ تَعَدِّي الْأُمَنَاءِ، أَنْ لَا يَبِيعَ قَيِّمُ الصَّبِيِّ أَوْرَاقَ فِرْصَادِهِ حَتَّى يَمْضِيَ وَقْتُهَا، فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، وَلَيْسَ مِنَ التَّعَدِّي أَنْ يُؤَخِّرَ لِتَوَقُّعِ زِيَادَةٍ، فَيَتَّفِقُ رُخْصٌ، وَكَذَا قَيِّمُ الْمَسْجِدِ فِي أَشْجَارِهِ، وَهَذَا شَبِيهٌ بِتَعْرِيضِ الثَّوْبِ الَّذِي يُفْسِدُهُ الدُّودُ لِلرِّيحِ، وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ سِوَى الْأُولَى فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ. [الْمَسْأَلَةُ] الثَّامِنَةُ: بَعَثَ رَسُولًا إِلَى حَانُوتِهِ، وَدَفَعَ خَاتَمَهُ مَعَهُ عَلَامَةً وَقَالَ: رُدَّهُ عَلَيَّ إِذَا قَبَضْتَ الْمَأْمُورَ بِقَبْضِهِ، فَقَبَضَهُ وَلَمْ يَرُدَّ الْخَاتَمَ، وَوَضَعَهُ فِي حِرْزِهِ، فَلَا ضَمَانَ، ذَكَرَهُ الْعَبَّادِيُّ فِي الزِّيَادَاتِ، كَأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ الرَّدُّ وَلَا مُؤْنَتُهُ وَإِنَّمَا التَّخْلِيَةُ. [الْمَسْأَلَةُ] التَّاسِعَةُ: فِي ((فَتَاوَى)) الْقَاضِي حُسَيْنٍ، أَنَّ الثِّيَابَ فِي مَسْلَخِ الْحَمَّامِ إِذَا سُرِقَتْ، وَالْحَمَّامِيُّ جَالِسٌ فِي مَكَانِهِ مُسْتَيْقِظٌ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَإِنْ نَامَ أَوْ قَامَ مِنْ مَكَانِهِ، وَلَا نَائِبَ لَهُ هُنَاكَ، ضَمِنَ. وَيَجِبُ عَلَى الْحَمَّامِيِّ الْحِفْظُ إِذَا اسْتُحْفِظَ. وَإِنْ لَمْ يُسْتَحْفَظْ، حَكَى الْقَاضِي عَنِ الْأَصْحَابِ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحِفْظُ، قَالَ: وَعِنْدِي يَجِبُ، لِلْعَادَةِ.

стр. 2642

[الْمَسْأَلَةُ] الْعَاشِرَةُ: عَنْ بَعْضِهِمْ: لَوْ أَوْدَعَهُ قَبَالَةً وَقَالَ لَهُ: لَا تَدْفَعْهَا إِلَى زَيْدٍ حَتَّى يُعْطِيَكَ دِينَارًا، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ، فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْقَبَالَةِ مَكْتُوبَةً، الْكَاغَدُ وَأُجْرَةُ الْوَرَّاقِ. قُلْتُ: وَمِنْ مَسَائِلِ الْبَابِ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى قَبُولِ وَدِيعَةٍ وَحِفْظِهَا، فَأَخَذَهَا، لَمْ تَكُنْ مَضْمُونَةً عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قَبَضَهَا مُخْتَارًا وَأَوْلَى. وَلَوْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَبُولُ وَدِيعَةٍ، فَلَمْ يَقْبَلْهَا، وَتَلِفَتْ، فَهُوَ عَاصٍ، وَلَا ضَمَانَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمِ الْحِفْظَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2643

كِتَابُ قِسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ الْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنَ الْكُفَّارِ، مُنْقَسِمٌ إِلَى مَا يُحَصَّلُ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَإِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ، وَإِلَى حَاصِلٍ بِذَلِكَ، وَيُسَمَّى الْأَوَّلُ: فَيْئًا. وَالثَّانِي: غَنِيمَةً. ثُمَّ ذَكَرَ الْمَسْعُودِيُّ وَطَائِفَةٌ أَنَّ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالَيْنِ يَقَعُ عَلَى الْآخَرِ إِذَا أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ، فَإِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا، افْتَرَقَا؛ كَاسْمَيِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيُّ وَغَيْرُهُ: اسْمُ الْفَيْءِ يَشْمَلُ الْمَالَيْنِ، وَاسْمُ الْغَنِيمَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْأَوَّلَ. وَفِي لَفْظِ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي الْمُخْتَصَرِ مَا يُشْعِرُ بِهِ. وَبَيَانُ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ يَقَعُ فِي بَابَيْنِ: [الْبَابُ] الْأَوَّلُ فِي الْفَيْءِ فَمِنْهُ مَا جَلَا عَنْهُ الْكُفَّارُ خَوْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا سَمِعُوا خَبَرَهُمْ أَوْ لِضُرٍّ أَصَابَهُمْ، وَجِزْيَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَمَا صُولِحَ عَلَيْهِ أَهْلُ بَلَدٍ مِنَ الْكُفَّارِ، وَعُشُورُ تِجَارَاتِهِمُ الْمَشْرُوطَةُ عَلَيْهِمْ إِذَا دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ، وَمَالُ مَنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ، وَمَالُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عِنْدَنَا، وَلَا وَارِثَ لَهُ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُخَمَّسٌ عَلَى مَا سَنُفَصِّلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. وَحُكِيَ عَنِ الْقَدِيمِ: أَنَّ مَالَ الْمُرْتَدِّ لَا يُخَمَّسُ. فَقِيلَ: يَخْتَصُّ هَذَا الْقَوْلُ بِالْمُرْتَدِّ، وَيُخَمَّسُ مَا سِوَاهُ قَطْعًا؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ يَسْتَصْحِبُ بِهِ حُكْمَ الْإِسْلَامِ، كَمَا يُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَوَاتِ وَتَلْزَمُهُ الْحُدُودُ. وَقِيلَ: مَا تَرَكُوهُ خَوْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُخَمَّسُ قَطْعًا، وَفِيمَا سِوَاهُ يَطَّرِدُ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ. وَمِنْهُمْ مَنْ طَرَدَ فِي جَمِيعِ مَالِ الْفَيْءِ قَوْلَيْنِ: الْجَدِيدُ: يُخَمَّسُ كَالْغَنِيمَةِ. وَالْقَدِيمُ: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَاتِلْ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ صُولِحُوا عَلَى الضِّيَافَةِ، فَإِنَّهُ لَا حَقَّ لِأَهْلِ الْخُمُسِ فِي مَالِ الضِّيَافَةِ، بَلْ يَخْتَصُّ بِهِ الطَّارِقُونَ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا يُخَمَّسُ،

стр. 2644

فَحُكْمُ جَمِيعِ الْمَالِ حُكْمُ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى قَوْلِنَا بِالتَّخْمِيسِ، وَفِي مَصْرِفِهَا خِلَافٌ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي ((الْحِلْيَةِ)) : لَوْ صَالَحُونَا عَلَى مَالٍ عِنْدَ الْقِتَالِ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ. فَصْلٌ مَالُ الْفَيْءِ يُقَسَّمُ خَمْسَةَ أَسْهُمٍ، فَأَرْبَعَةٌ يَأْتِي بَيَانُ مَصْرِفِهَا، وَالْخُمُسُ الْآخَرُ يُقَسَّمُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ مُتَسَاوِيَةٍ: أَحَدُهَا: السَّهْمُ الْمُضَافُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَصَالِحِهِ، وَمَا فَضَلَ جَعَلَهُ فِي السِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي سَائِرِ الْمَصَالِحِ. وَأَمَّا بَعْدَهُ ﷺ ، فَيُصْرَفُ هَذَا السَّهْمُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، كَسَدِّ الثُّغُورِ، وَعِمَارَةِ الْحُصُونِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ، وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْأَئِمَّةِ، وَيُقَدَّمُ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ. وَنَقَلَ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ هَذَا السَّهْمَ يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ: أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ جَعَلَ هَذَا قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحْسَنَهُ. وَحَكَى فِي الْوَسِيطِ وَجْهًا: أَنَّ هَذَا السَّهْمَ يُصْرَفُ إِلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهَذَانِ النَّقْلَانِ شَاذَّانِ مَرْدُودَانِ. السَّهْمُ الثَّانِي: لِذَوِي الْقُرْبَى، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، يَشْتَرِكُ فِيهِ فَقِيرُهُمْ وَغَنِيُّهُمْ وَكَبِيرُهُمْ وَصَغِيرُهُمْ وَذَكَرَهُمْ وَأُنْثَاهُمْ، بِشَرْطِ كَوْنِ الِانْتِسَابِ بِالْآبَاءِ، فَلَا يُعْطَى أَوْلَادُ الْبَنَاتِ. قُلْتُ: وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ كَجٍّ وَجْهًا فِي اخْتِصَاصِهِ بِفُقَرَائِهِمْ، وَهُوَ شَاذٌّ مَتْرُوكٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2645

وَلَا يُفَضَّلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا بِالذُّكُورَةِ، فَلِلذَّكَرِ سَهْمَانِ، وَلِلْأُنْثَى سَهْمٌ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: يُسَوَّى بَيْنَهُمَا. وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: الْمُدْلِي بِجِهَتَيْنِ يُفَضَّلُ عَلَى الْمُدْلِي بِجِهَةٍ. فَرْعٌ يُعَمُّ بِالْعَطَاءِ الْحَاضِرُ فِي مَوْضِعِ حُصُولِ الْفَيْءِ وَالْغَائِبُ عَنْهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: مَا حَصَلَ فِي إِقْلِيمٍ، دُفِعَ إِلَى مَنْ فِيهِ، لِمَشَقَّةِ النَّقْلِ. وَاحْتَجُّوا لِلصَّحِيحِ بِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْإِرْثِ. وَأَمَّا الْمَشَقَّةُ، فَيَأْمُرُ الْإِمَامُ أُمَنَاءَهُ فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ بِضَبْطِ مَنْ فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ نَقْلُ مَا فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ إِلَى جَمِيعِ الْأَقَالِيمِ، بَلِ الْحَاصِلُ فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ يُضْبَطُ، يُفَرَّقُ عَلَى سَاكِنِيهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَعْضِهَا شَيْءٌ، أَوْ لَمْ يَفِ بِمَنْ فِيهِ، نُقِلَ قَدْرُ الْحَاجَةِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ كَانَ الْحَاصِلُ قَدْرًا لَوْ وُزِّعَ لَمْ يَسُدَّ مَسَدًّا، قُدِّمَ الْأَحْوَجُ، وَلَا يَسْتَوْعِبُ لِلضَّرُورَةِ. السَّهْمُ الثَّالِثُ: لِلْيَتَامَى. وَالْيَتِيمُ: الصَّغِيرُ الَّذِي لَا أَبَ لَهُ، قِيلَ: وَلَا جَدَّ. وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْفَقْرُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيلَ: عَلَى الصَّحِيحِ. السَّهْمُ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ: الْمَسَاكِينُ وَابْنُ السَّبِيلِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُمَا فِي الزَّكَاةِ. فَرْعٌ فِي تَعْمِيمِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَتَخْصِيصِ الْحَاصِلِ فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ وَنَاحِيَةٍ بِأَهْلِهِ، الْخِلَافُ فِي أَهْلِ الْقُرْبَى، حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ.

стр. 2646

فَرْعٌ سَبَقَ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ: أَنَّ عِنْدَ الِانْفِرَادِ يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ فِي اسْمِ الْمَسَاكِينِ، وَعَكْسِهِ، وَلَفْظُ الْمَسَاكِينِ هُنَا مُفْرَدٌ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الْفُقَرَاءُ، وَحِينَئِذٍ مُقْتَضَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ تَعْمِيمِ مَسَاكِينِ الْإِقْلِيمِ أَوِ الْعَالَمِ تَنَاوَلَ الْفُقَرَاءَ أَيْضًا، وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ بَعْضِهِمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَى الْفُقَرَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ حَاجَةً، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي تَنَاوُلَهُمْ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَأَنَّهُمَا دَاخِلَانِ فِي الِاسْمِ. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ يَجُوزُ أَنْ يُفَاوِتَ بَيْنَ الْيَتَامَى، وَكَذَا فِي الْمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَسْتَحِقُّونَ بِالْحَاجَةِ، فَتُرَاعَى حَاجَاتُهُمْ، بِخِلَافِ ذَوِي الْقُرْبَى، فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ بِالْقَرَابَةِ. فَرْعٌ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافُ الثَّلَاثَةُ مِنَ الْمُرْتَزِقَةِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ. وَعَنِ الْقَفَّالِ: اخْتِصَاصُهُ بِيَتَامَى الْمُرْتَزِقَةِ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ مِثْلَهُ فِي الْمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ.

стр. 2647

فَرْعٌ إِذَا فُقِدَ بَعْضُ الْأَصْنَافِ، وُزِّعَ نَصِيبُهُ عَلَى الْبَاقِينَ كَالزَّكَاةِ، إِلَّا سَهْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّهُ لِلْمَصَالِحِ كَمَا ذَكَرْنَا. فَرْعٌ لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَى كَافِرٍ. فَرْعٌ لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى إِعْطَاءِ ثَلَاثَةٍ مِنَ الْيَتَامَى، وَلَا مِنَ الْمَسَاكِينِ، وَلَا مِنْ أَبْنَاءِ السَّبِيلِ، كَمَا قُلْنَا فِي الزَّكَاةِ إِذَا فَرَّقَهَا الْإِمَامُ. قُلْتُ: لَا يَجُوزُ دَفْعُ شَيْءٍ مِنْ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى إِلَى مَوَالِيهِمْ، قَالَ صَاحِبُ ((التَّلْخِيصِ)) : لَوِ ادَّعَى أَنَّهُ مِسْكِينٌ أَوِ ابْنُ سَبِيلٍ، قُبِلَ بِلَا بَيِّنَةٍ، وَلَا يُقْبَلُ الْيُتْمُ وَالْقَرَابَةُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ وَأَمَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ، فَفِي مَصْرِفِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَظْهَرُهَا: أَنَّهَا لِلْمُرْتَزِقَةِ الْمُرْصَدِينَ لِلْجِهَادِ. وَالثَّانِي: لِلْمَصَالِحِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تُقَسَّمُ كَمَا يُقَسَّمُ الْخُمُسُ، فَيُقَسَّمُ جَمِيعُ الْفَيْءِ عَلَى الْخَمْسَةِ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ، وَهَذَا غَرِيبٌ. فَعَلَى الثَّانِي: نَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ

стр. 2648

فَالْأَهَمِّ. وَأَهَمُّهَا تَعَهُّدُ الْمُرْتَزِقَةِ. وَكَذَا حُكْمُ خُمُسُ الْخُمْسِ. فَالْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ الْمَصْرِفَ الْمُرْتَزِقَةُ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِيمَا فَضَلَ عَنْهُمْ. فَرْعٌ وَلِلْإِمَامِ فِي الْقِسْمَةِ عَلَى الْمُرْتَزِقَةِ وَظَائِفُ: إِحْدَاهَا: يَضَعُ دِيوَانًا. قَالَ فِي الشَّامِلِ: وَهُوَ الدَّفْتَرُ الَّذِي يُثْبَتُ فِيهِ الْأَسْمَاءُ. فَيُحْصِي الْمُرْتَزِقَةَ بِأَسْمَائِهِمْ، وَيَنْصِبُ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ أَوْ عَدَدٍ يَرَاهُ عَرِّيفًا لِيَعْرِضَ عَلَيْهِ أَحْوَالَهُمْ، وَيَجْمَعَهُمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَيُثْبِتُ [فِيهِ] قَدْرَ أَرْزَاقِهِمْ. قُلْتُ: نَصْبُ الْعَرِّيفِ مُسْتَحَبٌّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِيَةُ: يُعْطِي كُلَّ شَخْصٍ قَدْرَ حَاجَتِهِ، فَيَعْرِفُ حَالَهُ وَعَدَدَ مَنْ فِي نَفَقَتِهِ وَقَدْرَ نَفَقَتِهِمْ وَكُسْوَتِهِمْ وَسَائِرَ مَؤُنَتِهِمْ، وَيُرَاعِي الزَّمَانَ وَالْمَكَانَ، وَمَا يَعْرِضُ مِنْ رُخْصٍ وَغَلَاءٍ، وَحَالَ الشَّخْصِ فِي مُرُوءَتِهِ وَضِدِّهَا، وَعَادَةَ الْبَلَدِ فِي الْمَطَاعِمِ، فَيَكْفِيهِ الْمَئُونَاتِ لِيَتَفَرَّغَ لِلْجِهَادِ، فَيُعْطِيهِ لِأَوْلَادِهِ الَّذِينَ هُمْ فِي نَفَقَتِهِ أَطْفَالًا كَانُوا أَوْ كِبَارًا، وَكُلَّمَا زَادَتِ الْحَاجَةُ بِالْكِبَرِ، زَادَ فِي حِصَّتِهِ. وَهَلْ يَدْفَعُ إِلَيْهِ مَا يَتَعَهَّدُ مِنْهُ الْأَوْلَادَ؟ أَمْ يَتَوَلَّى الْإِمَامُ تَعَهُّدَهُمْ بِنَفْسِهِ؟ أَوْ بِنَائِبٍ لَهُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الْأَوَّلُ. وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَأَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُعْطِي الْأَوْلَادَ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ، وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَإِذَا كَانَ لَهُ عَبْدٌ يَقْتَنِيهِ لِلزِّينَةِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ، لَمْ يُعْطَ لَهُ. وَإِنْ كَانَ يُقَاتِلُ مَعَهُ أَوْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْغَزْوِ لِسِيَاسَةِ الدَّوَابِّ وَنَحْوِهَا، أُعْطِيَ لَهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَبْدٌ يَخْدُمُهُ وَهُوَ مِمَّنْ يُخْدَمُ، بَلْ لَوْ لَمْ يَكُنْ [لَهُ] عَبْدٌ وَاحْتَاجَ إِلَيْهِ، أَعْطَاهُ الْإِمَامُ عَبْدًا، وَلَا يُعْطِي إِلَّا لِعَبْدٍ وَاحِدٍ. وَفِي الزَّوْجَاتِ، يُعْطِي لِلْجَمَاعَةِ.

стр. 2649

وَإِذَا نَكَحَ جَدِيدَةً، زَادَ فِي الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّ نِهَايَتَهُنَّ أَرْبَعٌ، وَالْعَبِيدُ لَا حَصْرَ لَهُمْ، وَكَأَنَّ هَذَا فِي عَبِيدِ الْخِدْمَةِ. فَأَمَّا الَّذِينَ يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مَصْلَحَةُ الْجِهَادِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْطِيَ لَهُمْ وَإِنْ كَثُرُوا. قُلْتُ: كَذَا هُوَ مَنْقُولٌ، وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُ فِي عَبِيدِ الْخِدْمَةِ عَلَى وَاحِدٍ إِذَا حَصَلَتْ بِهِ الْكِفَايَةُ. فَأَمَّا مَنْ لَا تَحْصُلُ كِفَايَتُهُ إِلَّا بِخِدْمَةِ عَبِيدٍ، فَيُعْطِي لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْوَجْهُ الشَّاذُّ فِي الْأَوْلَادِ يَجْرِي فِي الزَّوْجَاتِ وَالْعَبِيدِ. فَرْعٌ يُعْطَى الْمُرْتَزِقُ مُؤْنَةَ فَرَسِهِ، بَلْ يُعْطَى الْفَرَسَ إِذَا كَانَ يُقَاتِلُ فَارِسًا وَلَا فَرَسَ لَهُ، وَلَا يُعْطَى لِلدَّوَابِّ الَّتِي يَتَّخِذُهَا زِينَةً وَنَحْوَهَا. فَرْعٌ يُعْطَى كُلٌّ مِنْهُمْ بِقَدْرِ حَاجَتِهِمْ، وَلَا يُفَضَّلُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِشَرَفِ نَسَبٍ أَوْ سَبْقٍ فِي الْإِسْلَامِ أَوِ الْهِجْرَةِ وَسَائِرِ الْخِصَالِ الْمَرْضِيَّةِ، بَلْ يَسْتَوُونَ كَالْإِرْثِ وَالْغَنِيمَةِ. وَفِي وَجْهٍ: يُفَضَّلُ إِذَا اتَّسَعَ الْمَالُ. الثَّالِثَةُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقَدِّمَ فِي الْإِعْطَاءِ وَفِي إِثْبَاتِ الِاسْمِ فِي الدِّيوَانِ قُرَيْشًا عَلَى سَائِرِ النَّاسِ، وَهُمْ وَلَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، بْنِ خُزَيْمَةَ، بْنِ مُدْرِكَةَ، بْنِ إِلْيَاسَ، بْنِ مُضَرَ، بْنَ نِزَارِ، بْنِ مَعَدِّ، بْنِ عَدْنَانَ. قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ: هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ النَّسَّابِينَ،

стр. 2650

وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا قِيلَ. وَقِيلَ: هُمْ وَلَدُ إِلْيَاسَ. وَقِيلَ: وَلَدُ مُضَرَ. وَقِيلَ: وَلَدُ فِهْرَ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ. ثُمَّ يُقَدِّمُ مِنْ قُرَيْشٍ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ: مُحَمَّدُ، بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ، بْنِ عَبْدِ مُنَافِ، بْنِ قُصَيٍّ، بْنِ كِلَابٍ، بْنِ مُرَّةٍ، بْنِ كَعْبِ، بْنِ لُؤَيِّ، بْنِ غَالِبِ، بْنِ فِهْرِ، بْنِ مَالِكِ، بْنِ النَّضْرِ، بْنِ كِنَانَةَ، فَيُقَدِّمُ بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ عَلَى سَائِرِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ أَخَوَيْ هَاشِمٍ، وَيُقَدِّمُ مِنْهُمَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ؛ لِأَنَّهُ أَخُو هَاشِمٍ لِأَبَوَيْهِ، وَنَوْفَلٌ أَخُوهُ لِأَبِيهِ، ثُمَّ بَنِي عَبْدِ الْعُزَّى وَبَنِي عَبْدِ الدَّارِ ابْنَيْ قُصَيٍّ يُقَدِّمُ مِنْهُمَا بَنِي عَبْدِ الْعُزَّى؛ لِأَنَّهُمْ أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ خَدِيجَةَ ﵂ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، ثُمَّ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ أَخِي قُصَيٍّ، ثُمَّ بَنِي تَيْمٍ وَبَنِي مَخْزُومٍ أَخَوَيْ كِلَابٍ، وَيُقَدِّمُ مِنْهُمَا بَنِي تَيْمٍ، لِمَكَانِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ وَعَائِشَةَ ﵂ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ بَنِي جُمَحٍ وَبَنِي سَهْمٍ، وَهُمَا [مِنْ] وَلَدِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ، وَبَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ - وَهُصَيْصٌ وَعَدِيٌّ أَخَوَا مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ - وَقَدَّمَ عُمَرُ ﵁ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَبَائِلِ الثَّلَاثِ بَنِي جُمَحٍ، وَسَوَّى بَيْنَ بَنِي سَهْمٍ وَبَنِي عَدِيٍّ، كَمَا يُسَوَّى بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: وَقَدَّمَ الْمَهْدِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي زَمَانِهِ بَنِي عَدِيٍّ عَلَى بَنِي جُمَحٍ وَبَنِي سَهْمٍ؛ لِمَكَانِ عُمَرَ ﵁، وَالَّذِي فَعَلَهُ عُمَرُ ﵁ كَانَ تَوَاضُعًا مِنْهُ. ثُمَّ يُقَدِّمُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، ثُمَّ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ. فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قُرَيْشٍ، بَدَأَ بِالْأَنْصَارِ، ثُمَّ يُعْطِي سَائِرَ الْعَرَبِ. هَكَذَا رَتَّبَ الْأَصْحَابُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵀. وَفِي ((أَمَالِي)) السَّرَخْسِيِّ: أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الَّذِينَ هُمْ أَبْعَدُ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَمَّا سَائِرُ الْعَرَبِ الَّذِينَ هُمْ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَيُقَدَّمُونَ عَلَيْهِمْ. وَمَتَى اسْتَوَى اثْنَانِ فِي الْقُرْبِ، قُدِّمَ أَسَنُّهُمَا، فَإِنِ اسْتَوَيَا فِي السِّنِّ، فَأَقْدَمُهُمَا إِسْلَامًا وَهِجْرَةً.

стр. 2651

قُلْتُ: قَدْ عَكَسَ أَقَضَى الْقُضَاةِ الْمَاوَرْدِيُّ هَذَا، فَقَالَ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: يُقَدِّمُ بِالسَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ. فَإِنْ تَقَارَبَا فِيهِ، قَدَّمَ بِالدِّينِ. فَإِنْ تَقَارَبَا فِيهِ، قَدَّمَ بِالسِّنِّ، فَإِنْ تَقَارَبَا، قَدَّمَ بِالشَّجَاعَةِ. فَإِنْ تَقَارَبَا فِيهِ، فَوَلِيُّ الْأَمْرِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُرَتِّبَهُمْ بِالْقُرْعَةِ، أَوْ بِرَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الْمُخْتَارُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ بَعْدَ الْعَرَبِ، يُعْطِي الْعَجَمَ. وَفِي ((الْمُهَذَّبِ)) وَ ((التَّهْذِيبِ)) : أَنَّ التَّقْدِيمَ فِيهِمْ بِالسِّنِّ وَالْفَضَائِلِ، وَلَا يُقَدَّمُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالنَّسَبِ، وَفِيهِ كَلَامَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْعَجَمَ قَدْ يَعْرِفُ نَسَبَهُمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتَبِرَ فِيمَنْ عَرَفَ نَسَبَهُ الْقُرْبَ وَالْبُعْدَ أَيْضًا. الثَّانِي: أَنَّا قَدَّمَنَا فِي صِفَةِ الْأَئِمَّةِ فِي الصَّلَاةِ عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ: أَنَّ الظَّاهِرَ رِعَايَةُ كُلِّ نَسَبٍ يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ، وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّ نَسَبَ الْعَجَمِ مَرْعِيٌّ فِي الْكَفَاءَةِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ، فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ هُنَا. قُلْتُ: قَدْ أَشَارَ الْمَاوَرْدِيُّ إِلَى اعْتِبَارِ نَسَبِ الْعَجَمِ فَقَالَ: إِنْ كَانُوا عَجَمًا لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى نَسَبٍ، جَمَعَهُمْ بِالْأَجْنَاسِ، كَالتُّرْكِ، وَالْهِنْدِ، وَبِالْبُلْدَانِ. ثُمَّ إِنْ كَانَتْ لَهُمْ سَابِقَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، تَرَتَّبُوا عَلَيْهَا، وَإِلَّا، فَبِالْأَقْرَبِ مِنْ وَلِيِّ الْأَمْرِ. فَإِنْ تَسَاوَوْا، فَبِالسَّبْقِ إِلَى طَاعَتِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْأَئِمَّةُ: وَجَمِيعُ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْوَظِيفَةِ، مُسْتَحَبٌّ لَا مُسْتَحَقٌّ. الرَّابِعَةُ: لَا يُثْبِتُ فِي الدِّيوَانِ اسْمَ صَبِيٍّ، وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَا عَبْدٍ، وَلَا ضَعِيفٍ لَا يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ، كَالْأَعْمَى، وَالزَّمِنِ، وَإِنَّمَا هُمْ تَبَعٌ لِلْمُقَاتِلِ إِذَا كَانُوا فِي عِيَالِهِ، يُعْطِي لَهُمْ كَمَا سَبَقَ، وَإِنَّمَا يُثْبِتُ فِي الدِّيوَانِ الرِّجَالَ الْمُكَلَّفِينَ الْمُسْتَعِدِّينَ لِلْغَزْوِ، وَإِذَا طَرَأَ عَلَى الْمُقَاتِلِ مَرَضٌ أَوْ جُنُونٌ، فَإِنْ رُجِيَ زَوَالُهُ، أُعْطِيَ وَلَمْ يُسْقِطِ اسْمَهُ،

стр. 2652

وَإِلَّا أَسْقَطَ اسْمَهُ. وَفِي إِعْطَائِهِ الْخِلَافُ الْآتِي فِي زَوْجَةِ الْمُقَاتِلِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَأَوْلَى بِالْإِعْطَاءِ. قُلْتُ: تَرَكَ مِنْ شُرُوطِ مَنْ يُثْبِتُهُ فِي الدِّيوَانِ الْإِسْلَامَ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ شَرْطًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِقْدَامٌ عَلَى الْقِتَالِ وَمَعْرِفَةٌ بِهِ. فَإِنِ اخْتَلَّ ذَلِكَ، لَمْ يَجُزْ إِثْبَاتُهُ؛ لِعَجْزِهِ عَمَّا هُوَ مُرْصَدٌ لَهُ. قَالَ: وَلَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ الْأَقْطَعِ، وَيَجُوزُ إِثْبَاتُ الْأَعْرَجِ إِنْ كَانَ فَارِسًا. وَإِنْ كَانَ رَاجِلًا، فَلَا. وَيَجُوزُ إِثْبَاتُ الْأَخْرَسِ وَالْأَصَمِّ. قَالَ: وَإِذَا كَتَبَهُ فِي الدِّيوَانِ، فَإِنْ كَانَ مَشْهُورَ الِاسْمِ، لَمْ يَحْسُنْ تَحْلِيَتُهُ. وَإِنْ كَانَ مَغْمُورًا وُصِفَ وَحُلِّيَ، فَيَذْكُرُ سِنَّهُ وَقَدَّهُ وَلَوْنَهُ وَحُلِّيَ وَجْهُهُ، بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ عَنْ غَيْرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ مَنْ مَاتَ مِنَ الْمُرْتَزِقَةِ، هَلْ يَنْقَطِعُ رِزْقُ زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ لِزَوَالِ الْمَتْبُوعِ؟ أَمْ يَسْتَمِرُّ تَرْغِيبًا لِلْمُجَاهِدِينَ؟ قَوْلَانِ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الثَّانِي. فَعَلَى هَذَا، تُرْزَقُ الزَّوْجَةُ إِلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَالْأَوْلَادُ إِلَى أَنْ يَبْلُغُوا وَيَسْتَقِلُّوا بِالْكَسْبِ، أَوْ يَرْغَبُوا فِي الْجِهَادِ فَيُثْبَتُ اسْمُهُمْ فِي الدِّيوَانِ. وَمَنْ بَلَغَ مِنْهُمْ وَهُوَ أَعْمَى أَوْ زَمِنٌ، رُزِقَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَمَا كَانَ يُرْزَقُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، هَذَا فِي ذُكُورِ الْأَوْلَادِ. وَأَمَّا الْإِنَاثُ، فَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْوَسِيطِ أَنَّهُنَّ يُرْزَقْنَ إِلَى أَنْ يَتَزَوَّجْنَ. الْخَامِسَةُ: يُفَرِّقُ الْأَرْزَاقَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، وَيَجْعَلُ لَهُ وَقْتًا مَعْلُومًا لَا يَخْتَلِفُ. وَإِذَا رَأَى مَصْلَحَةً أَنْ يُفَرِّقَ مُشَاهَرَةً وَنَحْوَهَا، فَعَلَ. وَإِذَا اقْتَصَرَ فِي السَّنَةِ عَلَى مَرَّةٍ، فَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: يَجْتَهِدُ، فَمَا اقْتَضَتْهُ الْحَالُ وَتَمَكَّنَ فِيهِ مِنَ الْإِعْطَاءِ

стр. 2653

فِي أَوَّلِ السَّنَةِ أَوْ آخِرِهَا، فَعَلَهُ، وَعَلَى هَذَا يُنَزَّلُ قَوْلُهُ فِي ((الْوَجِيزِ)) : يُفَرِّقُ فِي أَوَّلِ كُلِّ سَنَةٍ، وَقَوْلُ الْآخَرِينَ: يُفَرِّقُ فِي آخِرِ كُلِّ سَنَةٍ. فَرْعٌ إِذَا مَاتَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُرْتَزِقَةِ بَعْدَ جَمْعِ الْمَالِ وَانْقِضَاءِ الْحَوْلِ، صَرَفَ نَصِيبَهُ إِلَى وَرَثَتِهِ وَلَا يَسْقُطُ هَذَا الْحَقُّ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ عَلَى الظَّاهِرِ، كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ. وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ جَمْعِ الْمَالِ وَقَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ، فَقَوْلَانِ. وَيُقَالُ: وَجْهَانِ. أَظْهَرُهُمَا: يَصْرِفُ قِسْطَ مَا مَضَى إِلَى وَرَثَتِهِ كَالْأُجْرَةِ. وَالثَّانِي: لَا شَيْءَ لَهُمْ، كَالْجُعْلِ فِي الْجَعَالَةِ، لَا يُسْتَحَقُّ قَبْلَ تَمَامِ الْعَمَلِ. وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ جَمْعِ الْمَالِ وَبَعْدَ الْحَوْلِ، فَظَاهِرُ النَّصِّ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْوَرَثَةِ، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَآخَرُونَ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: يَصْرِفُ نَصِيبَهُ مِمَّا سَيَحْصُلُ إِلَى وَرَثَتِهِ. وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ جَمْعِ الْمَالِ وَقَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِذَا مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ لَا يَسْتَحِقُّ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا، فَفِي قِسْطِ مَا مَضَى الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا مَاتَ قَبْلَ الْحَوْلِ وَبَعْدَ جَمْعِ الْمَالِ. هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الْعَطَاءُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ. فَإِنْ رَأَى الْإِعْطَاءَ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ فَصَاعِدًا، فَالِاعْتِبَارُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ. فَصْلٌ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَنْقُولَاتِ مِنْ أَمْوَالِ الْفَيْءِ. فَأَمَّا الدُّورُ وَالْأَرْضُ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: هِيَ وَقْفٌ لِلْمُسْلِمِينَ تُسْتَغَلُّ وَتُقَسَّمُ غَلَّتُهَا فِي كُلِّ عَامٍ كَذَلِكَ أَبَدًا. هَذَا نَصُّهُ. فَأَمَّا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ، فَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يَقُولُ: الْحُكْمُ بِأَنَّهَا وَقْفٌ عَلَى أَنَّهَا لِلْمَصَالِحِ، فَأَمَّا إِنْ جَعَلْنَاهَا لِلْمُرْتَزِقَةِ، فَتُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ كَالْمَنْقُولَاتِ

стр. 2654

وَكَالْغَنِيمَةِ. وَالْأَصَحُّ جَرَيَانُ هَذَا الْحُكْمِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: لِلْمَصَالِحِ أَوْ لِلْمُرْتَزِقَةِ، لِتَبْقَى الرَّقَبَةُ مُؤَبَّدَةً، وَيَنْتَفِعُ بِغَلَّتِهَا الْمُسْتَحِقُّ كُلَّ عَامٍ، بِخِلَافِ الْمَنْقُولَاتِ، فَإِنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِلْهَلَاكِ، وَالْغَنِيمَةُ بَعِيدَةٌ عَنْ نَظَرِ الْإِمَامِ وَاجْتِهَادِهِ، لِتَأَكُّدِ حَقِّ الْغَانِمِينَ. فَإِذَا قُلْنَا بِالْوَقْفِ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمُرَادُ بِهِ التَّوَقُّفُ عَنْ قِسْمَةِ الرَّقَبَةِ، دُونَ الْوَقْفِ الشَّرْعِيِّ. وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ الْوَقْفُ الشَّرْعِيُّ لِلْمَصْلَحَةِ. فَعَلَى هَذَا، وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الْحُصُولِ، كَمَا يَرِقُّ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِالْأَسْرِ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا، لَكِنَّ الْإِمَامَ يَقِفُهَا. وَإِنْ رَأَى قِسْمَتَهَا أَوْ بَيْعَهَا وَقِسْمَةَ ثَمَنِهَا، فَلَهُ ذَلِكَ. وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀: هِيَ وَقْفٌ، أَيْ: تُجْعَلُ وَقْفًا. وَأَمَّا خُمُسُهُ، فَسَهْمُ الْمَصَالِحِ لَا سَبِيلَ إِلَى قِسْمَتِهِ، بَلْ يُوقَفُ وَتُصْرَفُ غَلَّتُهُ فِي الْمَصَالِحِ، أَوْ يُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ إِلَيْهَا، وَالْوَقْفُ أَوْلَى وَيَجِيءُ الْوَجْهُ السَّابِقُ، أَنَّهُ يَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الْحُصُولِ. وَسَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ، تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّهَا لِلْمُرْتَزِقَةِ. وَسَهْمُ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ يُرَتَّبُ عَلَى سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى. إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ وَقْفٌ، فَهُنَا أَوْلَى، وَلِأَنَّ ذَوِي الْقُرْبَى مُتَعَيِّنُونَ، وَإِلَّا، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ وَقْفٌ. وَقِيلَ: لَا. وَإِذَا تَأَمَّلْتَ هَذِهِ الِاخْتِلَافَاتِ فِي الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ، ثُمَّ فِي الْخُمُسِ، عَلِمْتَ أَنَّ الْمَذْهَبَ؛ أَنَّ الْجَمِيعَ وَقْفٌ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁. فَصْلٌ إِذَا زَادَتِ الْأَخْمَاسُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى حَاجَاتِ الْمُرْتَزِقَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا لِلْمُرْتَزِقَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، صُرِفَ الْفَاضِلُ إِلَيْهِمْ أَيْضًا عَلَى قَدْرِ مَئُونَاتِهِمْ. وَفِي جَوَازِ صَرْفِ شَيْءٍ مِنْهُ إِلَى إِصْلَاحِ الْحُصُونِ وَإِلَى الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ لِيَكُونَ عُدَّةً لَهُمْ، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ. فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهَا لِلْمَصَالِحِ، صُرِفَ الْفَاضِلُ إِلَى بَاقِي الْمَصَالِحِ، كَإِصْلَاحِ الْحُصُونِ

стр. 2655

وَالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ. وَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ، فَفِي جَوَازِ صَرْفِهِ إِلَيْهِمْ وَجْهَانِ. وَيَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَيْهِمْ عَنْ كِفَايَةِ السَّنَةِ الْقَابِلَةِ بِلَا خِلَافٍ. فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ إِحْدَاهَا: جَاءَ رَجُلٌ فَطَلَبَ إِثْبَاتَ اسْمِهِ فِي الدِّيوَانِ، أَجَابَهُ الْإِمَامُ: إِنْ وَجَدَ فِي الْمَالِ سَعَةً وَفِي الطَّالِبِ أَهْلِيَّةً، وَإِلَّا، فَلَا. [الْمَسْأَلَةُ] الثَّانِيَةُ: لَا يُحْبَسُ شَيْءٌ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ خَوْفًا أَنْ يَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ، بَلْ يُفْرِغُ الْجَمِيعَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ. ثُمَّ إِنْ نَزَلَتْ نَازِلَةٌ، فَعَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامُ بِأَمْرِهَا. فَإِنْ غَشِيَهُمُ الْعَدُوُّ، فَعَلَى جَمِيعِهِمْ أَنْ يَنْفِرُوا. [الْمَسْأَلَةُ] الثَّالِثَةُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: يُرْزَقُ مِنْ مَالِ الْفَيْءِ الْحُكَّامُ وَوُلَاةُ الْأَحْدَاثِ وَالصَّلَاةِ، وَكُلُّ مَنْ قَامَ بِأَمْرِ الْفَيْءِ مِنْ وَالٍ وَكَاتِبٍ وَجُنْدِيٍّ لَا يَسْتَغْنِي أَهْلُ الْفَيْءِ عَنْهُمْ. وَالْمُرَادُ بِالْحُكَّامِ: الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بَيْنَ أَهْلِ الْفَيْءِ فِي مَغْزَاهِمْ. وَوُلَاةُ الْأَحْدَاثِ، قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ أَحْدَاثَ أَهْلِ الْفَيْءِ الْفُرُوسِيَّةَ وَالرَّمْيَ، وَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يُنَصَّبُونَ فِي الْأَطْرَافِ لِتَوْلِيَةِ الْقُضَاةِ وَسُعَاةِ الصَّدَقَاتِ وَعَزْلِهِمْ وَتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ إِلَى الثُّغُورِ وَحِفْظِ الْبِلَادِ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ. وَوُلَاةُ الصَّلَاةِ: الَّذِينَ يُقِيمُونَ لَهُمُ الْجُمُعَاتِ وَالْجَمَاعَاتِ، وَكَذَلِكَ يُرْزَقُ عُرَفَاءُ أَهْلِ الْفَيْءِ. وَإِذَا وُجِدَ مَنْ يَتَطَوَّعُ بِهَذِهِ الْأَعْمَالِ، لَمْ يُرْزَقْ عَلَيْهَا غَيْرُهُ. [الْمَسْأَلَةُ] الرَّابِعَةُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامِلُ الْفَيْءِ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ ﵀: عَامِلُ الْفَيْءِ إِنْ وُلِّيَ وَضْعَ أَمْوَالِ الْفَيْءِ وَتَقْدِيرَهَا وَتَقْرِيرَهَا اشْتُرِطَ كَوْنُهُ مُسْلِمًا حُرًّا مُجْتَهِدًا عَارِفًا بِالْحِسَابِ وَالْمِسَاحَةِ. وَإِنْ وُلِّيَ جِبَايَةَ أَمْوَالِهِ بَعْدَ تَقْرِيرِهَا، سَقَطَ

стр. 2656

الشَّرْطُ الثَّالِثُ. وَإِنْ وُلِّيَ جِبَايَةَ نَوْعٍ خَاصٍّ مِنَ الْفَيْءِ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَسْتَغْنِ فِيهِ عَنِ اسْتِنَابَةٍ، اشْتُرِطَ إِسْلَامُهُ وَحُرِّيَّتُهُ وَاطِّلَاعُهُ بِشَرْطِ مَا وَلِيَ مِنْ حِسَابٍ وَمِسَاحَةٍ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الْوِلَايَةِ. وَإِنِ اسْتَغْنَى عَنِ الِاسْتِنَابَةِ، جَازَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا؛ لِأَنَّهُ كَالرَّسُولِ الْمَأْمُورِ. وَأَمَّا تَوْلِيَةُ الذِّمِّيِّ، فَإِنْ كَانَتْ جِبَايَةٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ كَالْجِزْيَةِ وَعُشْرِ التُّجَّارِ، جَازَتْ. وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَفِي جَوَازِهَا وَجْهَانِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْمَنْعُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا فَسَدَتْ وِلَايَةُ الْعَامِلِ، وَقَبَضَ الْمَالَ مَعَ فَسَادِهَا، بَرِئَ الدَّافِعُ، لِبَقَاءِ الْإِذْنِ. فَلَوْ نُهِيَ عَنِ الْقَبْضِ بَعْدَ فَسَادِهَا لَمْ يَبْرَأَ الدَّافِعُ إِلَيْهِ إِنْ عَلِمَ النَّهْيَ، وَإِنْ جَهِلَهُ، فَوَجْهَانِ، كَالْوَكِيلِ. قُلْتُ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا تَأَخَّرَ الْعَطَاءُ عَنِ الْمُثْبَتِينَ فِي الدِّيوَانِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِهِمْ، وَكَانَ الْمَالُ حَاصِلًا، فَلَهُمُ الْمُطَالَبَةُ كَالدُّيُونِ. وَإِنْ أَعْوَزَ بَيْتُ الْمَالِ، كَانَتْ أَرْزَاقُهُمْ دَيْنًا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَلَيْسَ لَهُمْ مُطَالَبَةُ وَلِيِّ الْأَمْرِ بِهِ. قَالَ: وَإِذَا أَرَادَ وَلِيُّ الْأَمْرِ إِسْقَاطَ بَعْضِهِمْ لِسَبَبٍ، جَازَ، وَبِغَيْرِ سَبَبٍ، لَا يَجُوزُ. وَإِذَا أَرَادَ بَعْضُهُمْ إِخْرَاجَ نَفْسِهِ مِنَ الدِّيوَانِ، جَازَ إِنِ اسْتَغْنَى عَنْهُ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ الْحَاجَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا. قَالَ: وَإِذَا جُرِّدَ الْجَيْشُ لِلْقِتَالِ، فَامْتَنَعُوا وَهُمْ أَكْفَاءُ مَنْ حَارَبَهُمْ، سَقَطَتْ أَرْزَاقُهُمْ. وَإِنْ ضَعُفُوا عَنْهُ، لَمْ تَسْقُطْ. وَإِذَا جُرِّدَ أَحَدُهُمْ لِسَفَرٍ، أُعْطِيَ نَفَقَةَ سَفَرِهِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي تَقْدِيرِ عَطَائِهِ، وَلَمْ يُعْطَ إِنْ دَخَلَ فِيهِ. وَإِذَا تَلِفَ سِلَاحُهُ فِي الْحَرْبِ، أُعْطِيَ عِوَضَهُ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي تَقْدِيرِ عَطَائِهِ، وَإِلَّا، فَلَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2657

الْبَابُ الثَّانِي فِي الْغَنِيمَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا، أَنَّهَا الْمَالُ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْكُفَّارِ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: سَوَاءٌ مَا أَخَذْنَاهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ قَهْرًا وَمَا اسْتَوْلَيْنَا عَلَيْهِ بَعْدَمَا هَزَمْنَاهُمْ فِي الْقِتَالِ وَتَرَكُوهُ. وَحِلُّ الْغَنِيمَةِ مُخْتَصٌّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، زَادَهَا اللَّهُ شَرَفًا، وَكَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً، يَصْنَعُ فِيهَا مَا يَشَاءُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ إِعْطَاؤُهُ ﷺ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، فَجُعِلَ خُمُسُهَا مَقْسُومًا خَمْسَةَ أَسْهُمٍ كَالْفَيْءِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الْأَنْفَالِ: ٤١] وَجُعِلَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلْغَانِمِينَ. وَيَعْرِضُ فِي أَمْوَالِ الْغَنِيمَةِ النَّفَلُ وَالرَّضَخُ وَالسَّلَبُ وَالْقِسْمَةُ، وَيَحْصُلُ بَيَانُهَا فِي أَرْبَعَةِ أَطْرَافٍ. الْأَوَّلُ: النَّفَلُ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْفَاءِ، وَهُوَ زِيَادَةُ مَالٍ عَلَى سَهْمِ الْغَنِيمَةِ، يَشْرُطُهُ الْإِمَامُ أَوْ أَمِيرُ الْجَيْشِ لِمَنْ يَقُومُ بِمَا فِيهِ نِكَايَةٌ زَائِدَةٌ فِي الْعَدُوِّ، أَوْ تَوَقُّعُ ظَفَرٍ، أَوْ دَفْعُ شَرٍّ، وَذَلِكَ كَالتَّقَدُّمِ عَلَى طَلِيعَةٍ، أَوِ التَّهَجُّمِ عَلَى قَلْعَةٍ، أَوِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهَا، وَكَحِفْظِ مَكْمَنٍ، وَتَجَسُّسِ حَالٍ وَشِبْهِهَا. وَإِنَّمَا يُنَفِّلُ إِذَا مَسَّتْ حَاجَةٌ لِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ وَقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَاقْتَضَى الْحَالُ بَعْثَ السَّرَايَا وَحِفْظَ الْمَكَامِنِ، وَلِذَلِكَ نَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ دُونَ بَعْضٍ. ثُمَّ الْكَلَامُ فِيمَنْ شَرَطَ لَهُ، وَفِي مَحَلِّ الْمَشْرُوطِ وَقَدْرِهِ.

стр. 2658

أَمَّا الْأَوَّلُ، فَيَجُوزُ كَوْنُهُ شَخْصًا مُعَيَّنًا وَجَمَاعَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يُطْلِقَ فَيَقُولُ: مَنْ فَعَلَ كَذَا فَلَهُ كَذَا. وَأَمَّا مَحَلُّهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَشْرُطَ النَّفَلَ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ الْمُرْصَدَةِ بِبَيْتِ الْمَالِ، وَحِينَئِذٍ يَشْتَرِطُ كَوْنَهُ مَعْلُومًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْرُطَهُ مِمَّا سَيُغْنَمُ وَيُؤْخَذُ مِنَ الْكُفَّارِ فِي هَذَا الْقِتَالِ، وَحِينَئِذٍ يَذْكُرُ جُزْءًا كَثُلُثٍ أَوْ رُبُعٍ وَغَيْرِهِمَا، وَيَحْتَمِلُ الْجَهَالَةَ لِلْحَاجَةِ. وَإِذَا نَفَّلَ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَمِمَّ يُنَفِّلُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، وَيُقَالُ: أَقْوَالٌ. أَصَحُّهَا: مِنْ خُمُسِ خُمُسِهَا. وَالثَّانِي: مِنْ أَصْلِهَا. وَالثَّالِثُ: مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا. وَأَمَّا قَدْرُهُ، فَلَيْسَ لَهُ حَدٌّ مَضْبُوطٌ، فَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ وَيَجْعَلُهُ بِقَدْرِ الْعَمَلِ وَخَطَرِهِ، وَقَدْ صَحَّ فِي كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُنَفِّلُ فِي الْبَدْأَةِ الرُّبُعَ، وَفِي الرَّجْعَةِ الثُّلُثَ، وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ((الْقُفُولُ)) بَدَلَ ((الرَّجْعَةِ)) ، وَقِيلَ: الْبَدْأَةُ: السَّرِيَّةُ الْأُولَى، وَالرَّجْعَةُ: الثَّانِيَةُ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: الْبَدْأَةُ: السَّرِيَّةُ الَّتِي يَبْعَثُهَا الْإِمَامُ قَبْلَ دُخُولِهِ دَارَ الْحَرْبِ مُقَدِّمَةً لَهُ، وَالرَّجْعَةُ: الَّتِي يَأْمُرُهَا بِالرُّجُوعِ بَعْدَ تَوَجُّهِ الْجَيْشِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. وَنُقِصَ الْبَدْأَةُ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْتَرِيحُونَ لَمْ يَطُلْ بِهِمُ السَّفَرُ، وَلِأَنَّ الْكُفَّارَ فِي غَفْلَةٍ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ مِنْ وَرَائِهِمْ يَسْتَظْهِرُونَ بِهِ، وَالرَّجْعَةُ بِخِلَافِهِمْ فِي كُلِّ ذَلِكَ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالْحَدِيثِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَحَلِّ النَّفَلِ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ، ثُلُثُ خُمُسِ الْخُمُسِ، أَوْ رُبُعُهُ. وَقِيلَ: ثُلُثُ الْجَمِيعِ، أَوْ رُبُعُهُ. وَقِيلَ: ثُلُثُ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا، أَوْ رُبُعُهَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ: أَنَّهُ يُزَادُ نَصِيبُ كُلُّ شَخْصٍ مِنَ الْغَنِيمَةِ مِثْلَ ثُلُثِهِ أَوْ رُبُعِهِ، وَيَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثُّلُثِ، وَالنَّقْصُ عَنِ الرُّبُعِ بِالِاجْتِهَادِ.

стр. 2659

فَرْعٌ إِذَا قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ، لَمْ يَصِحَّ شَرْطُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ. فَرْعٌ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ فِي الْحَرْبِ مُبَارَزَةٌ وَحُسْنُ إِقْدَامٍ وَأَثَرٌ مَحْمُودٌ، أُعْطِيَ سَهْمُهُ، وَزِيدَ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ مَا يَلِيقُ بِالْحَالِ. الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي الرَّضْخِ. فَالصَّبِيُّ، وَالْعَبْدُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْخُنْثَى، وَالزَّمِنُ، وَالذِّمِّيُّ، لَا يُسْهِمُ لَهُمْ، لَكِنْ يَرْضَخُ لَهُمْ، وَهَذَا الرَّضْخُ مُسْتَحَقٌّ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَفِي قَوْلٍ: مُسْتَحَبٌّ. وَيَجْتَهِدُ الْإِمَامُ فِي قَدْرِهِ، وَلَا يَبْلُغُ بِهِ سَهْمَ رَاجِلٍ إِنْ كَانَ مَنْ يَرْضَخُ لَهُ رَاجِلًا. وَإِنْ كَانَ فَارِسًا، فَوَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ تَعْزِيرُ الْحُرِّ حَدَّ الْعَبِيدِ؟ وَبِالْمَنْعِ قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ. وَسَوَاءٌ حَضَرَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَالصَّبِيُّ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَالْمَرْأَةُ بِإِذْنِ زَوْجِهَا، أَمْ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ. وَإِنْ حَضَرَ الذِّمِّيُّ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يُعَزِّرُهُ الْإِمَامُ آنَ ذَلِكَ. وَإِنْ حَضَرَ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ كَانَ اسْتَأْجَرَهُ، فَلَهُ الْأُجْرَةُ فَقَطْ، وَإِلَّا، فَلَهُ الرَّضْخُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: لَا شَيْءَ لَهُ. وَقِيلَ: إِنْ قَاتَلَ، اسْتَحَقَّ، وَإِلَّا، فَلَا. وَإِذَا حَضَرَ نِسَاءُ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، فَلَهُنَّ الرَّضْخُ عَلَى الْأَصَحِّ. فَرْعٌ يُفَاوِتُ الْإِمَامُ بَيْنَ أَهْلِ الرَّضْخِ بِحَسَبِ نَفْعِهِمْ، فَيُرَجِّحُ الْمُقَاتِلَ وَمَنْ قِتَالُهُ

стр. 2660

أَكْثَرُ عَلَى غَيْرِهِ، وَالْفَارِسَ عَلَى الرَّاجِلِ، وَالْمَرْأَةَ الَّتِي تُدَاوِي الْجَرْحَى وَتَسْقِي الْعِطَاشَ عَلَى الَّتِي تَحْفَظُ الرِّجَالَ، بِخِلَافِ سَهْمِ الْغَنِيمَةِ، فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُقَاتِلُ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ. وَالرَّضْخُ بِالِاجْتِهَادِ، كَدِيَةِ الْحُرِّ وَقِيمَةِ الْعَبْدِ. فَرْعٌ فِي مَحَلِّ الرَّضْخِ لِلْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ، ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَظْهَرُهَا: مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ. وَالثَّانِي: مِنْ أَصْلِهَا. وَالثَّالِثُ: مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ كَالْعَبِيدِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: يَرْضَخُ لَهُمْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ قَطْعًا. وَحَيْثُ رَضَخْنَا مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ يُبْدَأُ بِهِ كَالسَّلَبِ، ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي خُمُسًا وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ. فَرْعٌ إِذَا انْفَرَدَ الْعَبِيدُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِغَزْوَةٍ وَغَنِمُوا، خُمِّسَتْ. وَفِي الْبَاقِي أَوْجُهٍ. أَصَحُّهَا: يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ كَمَا يُقَسَّمُ الرَّضْخُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الرَّأْيُ مِنْ تَسْوِيَةٍ وَتَفْضِيلٍ. وَالثَّانِي: يُقَسَّمُ كَالْغَنِيمَةِ، لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ. وَالثَّالِثُ: يُرْضَخُ لَهُمْ مِنْهُ، وَيُجْعَلُ الْبَاقِي لِبَيْتِ الْمَالِ. وَخَصَّصَ الْبَغَوِيُّ هَذَا الْخِلَافَ بِالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ، وَقَطَعَ فِي الْعَبِيدِ بِكَوْنِهِ لِسَادَتِهِمْ، وَحَكَى أَنَّهُ لَوْ سَبَى مُرَاهِقُونَ أَوْ مَجَانِينُ صِغَارًا، حُكِمَ بِإِسْلَامِهِمْ تَبَعًا لَهُمْ. أَمَّا إِذَا كَانَ مَعَ أَهْلِ الرَّضْخِ وَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ، فَيُرْضَخُ لَهُمْ، وَالْبَاقِي لِذَلِكَ الْوَاحِدِ.

стр. 2661

فَرْعٌ لَا يُخَمَّسُ مَا أَخَذَهُ الذِّمِّيُّونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الْخُمُسَ حَقٌّ يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَالزَّكَاةِ. فَرْعٌ مَنْ قَاتَلَ مِنْ أَهْلِ الْكَمَالِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، رُضِخَ لَهُ مَعَ السَّهْمِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْمَسْعُودِيُّ وَالْبَغَوِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنَازِعُ كَلَامَهُ فِيهِ. وَقِيلَ: يُزَادُ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ مَا يَلِيقُ بِالْحَالِ. فَرْعٌ لَوْ زَالَ نَقْصُ أَهْلِ الرَّضْخِ، فَعَتَقَ الْعَبْدُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ قَبْلَ انْقِضَاءِ دَارِ الْحَرْبِ، أَسْهَمَ لَهُمْ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، فَقَدْ أَطْلَقَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ إِلَّا الرَّضْخُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فِيمَا بَيْنَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ وَحِيَازَةِ الْمَالِ، الْخِلَافُ الْآتِي فِيمَنْ حَضَرَ فِي هَذَا الْحَالِ. الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِي السَّلَبِ. هُوَ لِلْقِتَالِ، وَالْكَلَامُ فِي سَبَبِ اسْتِحْقَاقِهِ وَمُسْتَحِقِّهِ وَنَفْسِهِ وَكَيْفِيَّةِ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ. أَمَّا سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ، فَقَالَ فِي ((الْوَسِيطِ)) فِي ضَبْطِهِ: هُوَ رُكُوبُ الْغَرَرِ فِي قَهْرِ كَافِرٍ مُقْبِلٍ عَلَى الْقِتَالِ بِمَا يَكْفِي شَرُّهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَفِيهِ قُيُودٌ: أَحَدُهَا: رُكُوبُ الْغَرَرِ. فَلَوْ رَمَى مِنْ حِصْنٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ الصَّفِّ كَافِرًا، وَقَتَلَهُ، لَمْ يَسْتَحِقَّ سَلَبَهُ، وَكَذَا لَوْ رَمَى مِنْ صَفِّ الْمُسْلِمِينَ إِلَى صَفِّ الْكُفَّارِ، فَقَتَلَ رَجُلًا.

стр. 2662

[الْقَيْدُ] الثَّانِي: إِقْبَالُ الْكَافِرِ عَلَى الْقِتَالِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ اشْتِغَالَهُ بِالْقِتَالِ حِينَ قَتَلَهُ؛ لِأَنَّهُمَا لَوْ تَقَاتَلَا زَمَانًا ثُمَّ هَرَبَ فَقَتَلَهُ الْمُسْلِمُ فِي إِدْبَارِهِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ. وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ مُقَاتَلَتُهُ مَعَ قَاتِلِهِ، بَلْ لَوْ قَصَدَ كَافِرٌ مُسْلِمًا، فَجَاءَ مُسْلِمٌ آخَرُ مِنْ وَرَائِهِ فَقَتَلَهُ، اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ، بَلِ الْمَرْعِيُّ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ، أَنْ يَقْتُلَهُ مُقْبِلًا أَوْ مُدْبِرًا وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، فَأَمَّا إِذَا انْهَزَمَ جَيْشُ الْكُفَّارِ فَاتَّبَعَهُمْ فَقَتَلَ كَافِرًا، فَلَا يَسْتَحِقُّ سَلَبَهُ؛ لِأَنَّ بِهَزِيمَتِهِمُ انْدَفَعَ شَرُّهُمْ، وَمَا دَامَتِ الْحَرْبُ قَائِمَةً فَالشَّرُّ مُتَوَقَّعٌ، وَالْمُوَلِّي لَا تُؤْمَنُ كَرَّتُهُ. وَلَوْ قَتَلَ كَافِرًا وَهُوَ أَسِيرٌ فِي يَدِهِ، أَوْ نَائِمٌ، أَوْ مَشْغُولٌ بِأَكْلٍ أَوْ نَحْوِهِ، أَوْ مُثْخَنٌ زَائِلُ الِامْتِنَاعِ، لَمْ يَسْتَحِقَّ سَلَبَهُ. الْقَيْدُ الثَّالِثُ: قَهَرَهُ بِمَا يَكْفِي شَرَّهُ بِالْكُلِّيَّةِ [بِقَتْلٍ] ، أَوْ إِثْخَانٍ، أَوْ إِزَالَةِ امْتِنَاعٍ، بِأَنْ يُعْمِيَهُ، أَوْ يَقْطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. وَلَا يَلْحَقُ بِهِ قَطْعُ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ. فَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ، أَوْ يَدًا وَرِجْلًا، فَهُوَ إِثْخَانٌ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاعَةٌ. وَلَوِ اشْتَرَكَ جَمَاعَةٌ فِي قَتْلِهِ أَوْ إِثْخَانِهِ، فَالسَّلَبُ لَهُمْ. وَفِي وَجْهٍ: أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ بَيْنَ جَمَاعَةٍ لَا يُرْجَى نَجَاتُهُ مِنْهُمْ، لَمْ يَخْتَصَّ قَاتِلُهُ بِسَلَبِهِ؛ لِأَنَّهُ زَالَ شَرُّهُ بِالْوُقُوعِ بَيْنَهُمْ. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازِ: لَوْ أَمْسَكَهُ وَاحِدٌ وَقَتَلَهُ آخَرُ، فَالسَّلَبُ بَيْنَهُمَا؛ لِانْدِفَاعِ شَرِّهِ بِهِمَا، وَكَأَنَّ هَذَا فِيمَا إِذَا مَنَعَهُ الْهَرَبَ وَلَمْ يَضْبِطْهُ. فَأَمَّا الْإِمْسَاكُ الضَّابِطُ، فَإِنَّهُ أَسْرٌ، وَقَتْلُ الْأَسِيرِ لَا يُسْتَحَقُّ بِهِ السَّلَبُ. وَلَوْ أَثْخَنَهُ، فَقَتَلَهُ آخَرُ، فَالسَّلَبُ لِلْمُثْخِنِ. وَلَوْ جَرَحَهُ فَلَمْ يُثْخِنْهُ، فَقَتَلَهُ آخَرُ، فَالسَّلَبُ لِلثَّانِي. وَلَوْ أَسَرَهُ، فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ سَلَبَهُ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ كُلَّ شَرِّهِ. وَأَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ أَصْعَبُ مِنَ الْقَتْلِ وَأَبْلَغُ فِي الْقَهْرِ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الْقَتْلِ وَغَيْرِهِ. ثُمَّ الْإِمَامُ يَتَخَيَّرُ فِي الْأَسِيرِ الَّذِي لَيْسَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ بَيْنَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ كَمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْ أَرَقَّهُ، فَهَلْ لِمَنْ أَسَرَهُ رَقَبَتُهُ؟

стр. 2663

أَوْ فَادَاهُ، هَلْ لَهُ مَالُ الْفِدَاءِ؟ اطَّرَدَ فِيهِ الْقَوْلَانِ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْأَظْهَرُ هُنَا الْمَنْعَ؛ لِأَنَّ اسْمَ السَّلَبِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ. فَرْعٌ لَوْ كَانَ الْكَافِرُ الْمَقْتُولُ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا، إِنْ كَانَ لَا يُقَاتِلُ، لَمْ يَسْتَحِقَّ سَلَبَهُ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُ حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ يُقَاتِلُ، اسْتَحَقَّ سَلَبَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْعَبْدُ كَالصَّبِيِّ. وَقِيلَ: بِالِاسْتِحْقَاقِ قَطْعًا. فَصْلٌ فَأَمَّا اسْتِحْقَاقُ السَّلَبِ، فَكُلُّ مَنْ يَسْتَحِقُّ سَهْمَ الْغَنِيمَةِ، يَسْتَحِقُّ السَّلَبَ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْعَبْدَ وَالْمَرْأَةَ وَالصَّبِيَّ يَسْتَحِقُّونَهُ، وَلَا يَسْتَحِقُّهُ الذِّمِّيُّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِذَا قُلْنَا: لَا تَسْتَحِقُّ الْمَرْأَةُ، فَكَانَ الْقَاتِلُ خُنْثَى، وُقِفَ السَّلَبُ حَتَّى يُتَبَيَّنَ. وَإِذَا حَضَرَ الذِّمِّيُّ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ، فَلَا سَلَبَ لَهُ قَطْعًا، وَلَا سَلَبَ لِلْمُخَذِّلِ قَطْعًا. وَالتَّاجِرُ إِذَا قُلْنَا: لَا سَهْمَ لَهُ، كَالصَّبِيِّ. فَصْلٌ وَأَمَّا نَفْسُ السَّلَبِ، فَمَا عَلَيْهِ مِنْ ثِيَابِ بَدَنِهِ وَالْخُفِّ وَالرَّانَيْنِ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ، كَالدِّرْعِ وَالْمِغْفَرِ وَالسِّلَاحِ، وَمَرْكُوبِهِ الَّذِي يُقَاتِلُ عَلَيْهِ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ سَرْجٍ وَلِجَامٍ وَمِقْوَدٍ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ مُمْسِكًا عِنَانَهُ وَهُوَ يُقَاتِلُ رَاجِلًا.

стр. 2664

وَفِيمَا عَلَيْهِ مِنَ الزِّينَةِ، كَالطَّوْقِ، وَالسُّوَارِ، وَالْمِنْطَقَةِ، وَالْخَاتَمِ، وَالْهِمْيَانِ، وَمَا فِيهِ مِنَ النَّفَقَةِ، فَقَوْلَانِ. وَيُقَالُ: وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَيْسَتْ سَلَبًا، كَثِيَابِهِ وَأَمْتِعَتِهِ الْمُخَلَّفَةِ فِي خَيْمَتِهِ. وَأَظْهَرُهُمَا: أَنَّهَا سَلَبٌ؛ لِأَنَّهَا مَسْلُوبَةٌ. وَالْجَنِيبَةُ الَّتِي تُقَادُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فِيهَا هَذَا الْخِلَافُ. وَقِيلَ بِالْمَنْعِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا سَلَبٌ، صَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازِ: فَعَلَى هَذَا، لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا جَنِيبَةً وَاحِدَةً، فَعَلَى هَذَا يَبْقَى النَّظَرُ إِذَا قَادَ جَنَائِبَ فِي أَنَّ السَّلَبَ أَيَّتُهَا، يَرْجِعُ إِلَى تَعْيِينِ الْإِمَامِ، أَمْ يَقْرَعُ؟ قُلْتُ: تَخْصِيصُ أَبِي الْفَرَجِ بِجَنِيبَةٍ فِيهِ نَظَرٌ. وَإِذَا قِيلَ بِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَخْتَارَ الْقَاتِلُ جَنِيبَةَ قَتِيلِهِ، فَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ بَلِ الصَّوَابُ، بِخِلَافِ مَا أَبْدَاهُ الرَّافِعِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْحَقِيبَةُ الْمَشْدُودَةُ عَلَى فَرَسِهِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالْأَمْتِعَةِ لَيْسَتْ سَلَبًا عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: كَالْمِنْطَقَةِ. فَصْلٌ وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ إِخْرَاجِ السَّلَبِ، فَفِي تَخْمِيسِهِ قَوْلَانِ. الْمَشْهُورُ: لَا يُخَمَّسُ. وَالثَّانِي: يُخَمَّسُ، فَيُدْفَعُ خُمُسُهُ لِأَهْلِ الْخُمُسِ، وَبَاقِيهِ لِلْقَاتِلِ، ثُمَّ يُقَسَّمُ بَاقِي الْغَنِيمَةِ. فَرْعٌ لَا فَرْقَ فِي اسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ، بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَ كَافِرًا مُبَارَزَةً، وَبَيْنَ أَنْ يَنْغَمِرَ فِي

стр. 2665

صَفِّ الْعَدُوِّ فَيَقْتُلَهُ، وَلَا بَيْنَ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ: مَنْ قَتَلَ فَلَهُ السَّلَبُ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَقُولَ. الطَّرَفُ الرَّابِعُ: فِي قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ. مِنْ أَحْكَامِ قِسْمَتِهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ، وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ السِّيَرِ. فَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ، أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ أَوْ أَمِيرُ الْجَيْشِ الْقِسْمَةَ، بَدَأَ بِالسَّلَبِ فَأَعْطَاهُ لِلْقَاتِلِ تَفْرِيعًا عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ السَّلَبَ لَا يُخَمَّسُ، ثُمَّ يُخْرِجُ الْمُؤَنَ اللَّازِمَةَ، كَأُجْرَةِ حَمَّالٍ وَحَافِظٍ وَغَيْرِهَا، ثُمَّ يَجْعَلُ الْبَاقِيَ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ مُتَسَاوِيَةٍ، وَيَأْخُذُ خَمْسَ رِقَاعٍ، فَيَكْتُبُ عَلَى وَاحِدَةٍ: لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْمَصَالِحِ، وَعَلَى أَرْبَعٍ: لِلْغَانِمِينَ، وَيُدْرِجُهَا فِي بَنَادِقَ مُتَسَاوِيَةٍ وَيُجَفِّفُهَا، وَيُخْرِجُ لِكُلِّ قِسْمٍ رُقْعَةً، فَمَا خَرَجَ عَلَيْهِ: سَهْمُ اللَّهِ تَعَالَى، جَعَلَهُ بَيْنَ أَهْلِ الْخُمُسِ عَلَى خَمْسَةِ [أَسْهُمٍ] ، وَمِنْهُ يَكُونُ النَّفَلُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيُقَسِّمُ الْبَاقِيَ عَلَى الْغَانِمِينَ، وَيُقَدِّمُ الْقِسْمَةَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ عَلَى قِسْمَةِ الْخُمُسِ؛ لِأَنَّهُمْ حَاضِرُونَ مَحْصُورُونَ، وَمِنْهَا يَكُونُ الرَّضْخُ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَسَوَاءٌ فِي الْقِسْمَةِ الْمَنْقُولُ وَالْعَقَارُ، لِعُمُومِ الْآيَةِ. وَلَا تُكْرَهُ قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ. قُلْتُ: هَذِهِ الْعِبَارَةُ نَاقِصَةٌ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: يُسْتَحَبُّ قِسْمَتُهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَمَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا، بَلْ قَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ ((الْمُهَذَّبِ)) وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →