← Фикх шафии

Фикх шафии · id 499

روضة الطالبين وعمدة المفتين

النووي

Полный текст (4 941 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

قُلْتُ: وَالْمُخْتَارُ فِي تَفْسِيرِ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ أَنَّهُ الْمُغَفَّلُ فِي عَقْلِهِ الَّذِي لَا يَكْتَرِثُ لِلنِّسَاءِ وَلَا يَشْتَهِيهِنَّ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَأَمَّا الْمَجْبُوبُ الَّذِي بَقِيَ أُنْثَيَاهُ، وَالْخَصِيُّ الَّذِي بَقِيَ ذَكَرُهُ، وَالْعِنِّينُ، وَالْمُخَنَّثُ وَهُوَ الْمُشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ، وَالشَّيْخُ الْهِمُّ، فَكَالْفَحْلِ، كَذَا أَطْلَقَ الْأَكْثَرُونَ. وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: لَا يَحِلُّ لِلْخَصِيِّ النَّظَرُ، إِلَّا أَنْ يَكْبُرَ وَيَهْرَمَ وَتَذْهَبَ شَهْوَتُهُ، وَكَذَا الْمُخَنَّثُ. وَأَطْلَقَ أَبُو مُخَلَّدٍ الْبَصْرِيُّ الْمُتَأَخِّرُ فِي الْخَصِيِّ وَالْمُخَنَّثِ وَجْهَيْنِ. قُلْتُ: هَذَا الْمَذْكُورُ عَنِ الشَّامِلِ قَالَهُ شَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، وَصَرَّحَ بِأَنَّ الشَّيْخَ الَّذِي ذَهَبَتْ شَهْوَتُهُ، يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ) . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الثَّالِثَةُ: مَمْلُوكُ الْمَرْأَةِ مَحْرَمٌ لَهَا عَلَى الْأَصَحِّ (عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ) . قُلْتُ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَظَاهِرُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٍ: فَإِنْ كَاتَبَتْهُ، فَلَيْسَ بِمَحْرَمٍ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الرَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ الْمَنْظُورُ إِلَيْهَا أَمَةً، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا فِيمَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَلَا يَحْرُمُ مَا سِوَاهُ، لَكِنْ يُكْرَهُ. وَالثَّانِي: يَحْرُمُ مَا لَا يَبْدُو حَالَ الْمِهْنَةِ دُونَ غَيْرِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا كَالْحُرَّةِ، وَهَذَا غَرِيبٌ لَا يَكَادُ يُوجَدُ لِغَيْرِ الْغَزَالِيِّ. قُلْتُ: قَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ (الْبَيَانِ) وَغَيْرُهُ، بِأَنَّ الْأَمَةَ كَالْحُرَّةِ وَهُوَ مُقْتَضَى إِطْلَاقِ كَثِيرِينَ، وَهُوَ أَرْجَحُ دَلِيلًا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

стр. 2697

الْخَامِسَةُ: فِي النَّظَرِ إِلَى الصَّبِيَّةِ، وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ. وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عَوْرَتِهَا وَغَيْرِهَا، لَكِنْ لَا يَنْظُرُ إِلَى الْفَرْجِ. قُلْتُ: جَزَمَ الرَّافِعِيُّ، بِأَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إِلَى فَرْجِ الصَّغِيرَةِ. وَنَقَلَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ الِاتِّفَاقَ عَلَى هَذَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ بِجَوَازِ النَّظَرِ إِلَى فَرْجِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَا تُشْتَهَى، وَالصَّغِيرِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الصَّغِيرِ إِبْرَاهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ. وَذَكَرَ الْمُتَوَلِّي فِيهِ وَجْهَيْنِ، وَقَالَ: الصَّحِيحُ الْجَوَازُ، لِتَسَامُحِ النَّاسِ بِذَلِكَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَأَنَّ إِبَاحَةَ ذَلِكَ تَبْقَى إِلَى بُلُوغِهِ سِنَّ التَّمْيِيزِ، وَمَصِيرُهُ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ سَتْرُ عَوْرَتِهِ عَنِ النَّاسِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَأَمَّا الْعَجُوزُ، فَأَلْحَقَهَا الْغَزَالِيُّ بِالشَّابَّةِ، لِأَنَّ الشَّهْوَةَ لَا تَنْضَبِطُ، وَهِيَ مَحَلُّ الْوَطْءِ. وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: إِذَا بَلَغَتْ مَبْلَغًا يُؤْمَنُ الِافْتِتَانُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا، جَازَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ) الْآيَةَ [النُّورِ: ٦] . السَّادِسَةُ: الْمَحْرَمُ لَا يَنْظُرُ إِلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَلَهُ النَّظَرُ إِلَى مَا سِوَاهُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَفِي وَجْهٍ: أَنَّهُ يُبَاحُ مَا يَبْدُو عِنْدَ الْمِهْنَةِ. وَهَلِ الثَّدْيُ زَمَنَ الْإِرْضَاعِ مِمَّا يَبْدُو؟ وَجْهَانِ. وَسَوَاءٌ الْمُحَرَّمُ بِالنَّسَبِ وَالْمُصَاهَرَةِ وَالرَّضَاعِ، وَقِيلَ: لَا يَنْظُرُ بِالْمُصَاهَرَةِ وَالرَّضَاعِ إِلَّا إِلَى الْبَادِي فِي الْمِهْنَةِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. قُلْتُ: وَيَجُوزُ لِلْمَحْرَمِ الْخَلْوَةُ وَالْمُسَافَرَةُ بِهَا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الضَّرْبُ الثَّانِي: نَظَرُ الرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ، إِلَّا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، لَكِنْ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَى الْأَمْرَدِ وَغَيْرِهِ بِالشَّهْوَةِ، وَكَذَا النَّظَرُ إِلَى الْمَحَارِمِ وَسَائِرِ الْمَذْكُورَاتِ فِي الضَّرْبِ السَّابِقِ بِالشَّهْوَةِ حَرَامٌ قَطْعًا. وَلَا يَحْرُمُ

стр. 2698

النَّظَرُ إِلَى الْأَمْرَدِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ إِنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً، وَإِنْ خَافَهَا، حَرُمَ عَلَى الصَّحِيحِ وَقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ. قُلْتُ: أَطْلَقَ صَاحِبُ (الْمُهَذَّبِ) وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَى الْأَمْرَدِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَنَقَلَهُ الدَّارَكِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵀. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الضَّرْبُ الثَّالِثُ: نَظَرُ الْمَرْأَةِ إِلَى الْمَرْأَةِ كَالرَّجُلِ إِلَى الرَّجُلِ إِلَّا فِي شَيْئَيْنِ. أَحَدُهُمَا: حَكَى الْإِمَامُ وَجْهًا: أَنَّهَا كَالْمَحْرَمِ، وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ. الثَّانِي: فِي نَظَرِ الذِّمِّيَّةِ إِلَى الْمُسْلِمَةِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْغَزَالِيِّ: كَالْمُسْلِمَةِ. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ: الْمَنْعُ. فَعَلَى هَذَا، لَا تَدْخُلُ الذِّمِّيَّةُ الْحَمَّامَ مَعَ الْمُسْلِمَاتِ، وَمَا الَّذِي تَرَاهُ مِنَ الْمُسْلِمَةِ؟ قَالَ الْإِمَامُ: هِيَ كَالرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ. وَقِيلَ: تَرَى مَا يَبْدُو فِي الْمِهْنَةِ، وَهَذَا أَشْبَهُ. قُلْتُ: مَا صَحَّحَهُ الْبَغَوِيُّ هُوَ الْأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ، وَسَائِرُ الْكَافِرَاتِ كَالذِّمِّيَّةِ فِي هَذَا، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الضَّرْبُ الرَّابِعُ: نَظَرُ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُلِ، وَفِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: لَهَا النَّظَرُ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ إِلَّا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ. وَالثَّانِي: لَهَا نَظَرُ مَا يَبْدُو مِنْهُ فِي الْمِهْنَةِ فَقَطْ. وَالثَّالِثُ: لَا تَرَى مِنْهُ إِلَّا مَا يَرَى مِنْهَا. قُلْتُ: هَذَا الثَّالِثُ، هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ جَمَاعَةٍ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ (الْمُهَذَّبِ) وَغَيْرُهُ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) وَلِقَوْلِهِ ﷺ : «أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا، أَلَيْسَ تُبْصِرَانِهِ» الْحَدِيثَ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

стр. 2699

وَأَمَّا نَظَرُهَا إِلَى مَحْرَمِهَا، فَلَا يَحْرُمُ إِلَّا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُحَقِّقُونَ. وَقِيلَ: هُوَ كَنَظَرِهِ إِلَيْهَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا النَّظَرُ إِلَى الرَّجُلِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ قَطْعًا. وَحَدِيثُ أَفَعَمْيَاوَانِ، يُحْمَلُ عَلَى هَذَا أَوْ عَلَى الِاحْتِيَاطِ. فَرْعٌ مَا لَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهِ مُتَّصِلًا كَالذَّكَرِ وَسَاعِدِ الْحُرَّةِ وَشَعْرِ رَأْسِهَا وَشَعْرِ عَانَةِ الرَّجُلِ وَمَا أَشْبَهَهَا، يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهِ بَعْدَ الِانْفِصَالِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: لَا، وَقَالَ الْإِمَامُ احْتِمَالًا لِنَفْسِهِ: إِنْ لَمْ يَتَمَيَّزِ الْمُبَانُ مِنَ الْمَرْأَةِ بِصُورَتِهِ وَشَكْلِهِ عَمَّا لِلرَّجُلِ: كَالْقُلَامَةِ، وَالشَّعْرِ، وَالْجِلْدَةِ، لَمْ يَحْرُمْ. وَإِنْ تَمَيَّزَ، حَرُمَ. قُلْتُ: مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، ضَعِيفٌ، إِذْ لَا أَثَرَ لِلتَّمْيِيزِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ جُزْءٌ يَحْرُمُ نَظَرُهُ. وَعَلَى الْأَصَحِّ: يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَى قُلَامَةِ رِجْلِهَا دُونَ قُلَامَةِ يَدِهَا، وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

стр. 2700

وَيَنْبَغِي لِمَنْ حَلَقَ عَانَتَهُ، أَنْ يُوَارِيَ الشَّعْرَ، لِئَلَّا يَنْظُرَ إِلَيْهِ أَحَدٌ. وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ: أَنَّهُ لَوْ أُبِينَ شَعْرُ الْأَمَةِ أَوْ ظُفُرُهَا، ثُمَّ عَتَقَتْ، يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ النَّظَرُ إِلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْمُبَانَ كَالْمُتَّصِلِ، لِأَنَّهُ حِينَ انْفَصَلَ لَمْ يَكُنْ عَوْرَةً، وَالْعِتْقُ لَا يَتَعَدَّى إِلَى الْمُنْفَصِلِ. فَرْعٌ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ النَّظَرُ إِلَى جَمِيعِ بَدَنِ زَوْجَتِهِ غَيْرَ الْفَرْجِ. وَفِي الْفَرْجِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا، لَكِنْ يُكْرَهُ. وَبَاطِنُ الْفَرْجِ أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَيُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ نَظَرُهُ إِلَى فَرْجِ نَفْسِهِ بِلَا حَاجَةٍ، وَنَظَرُ السَّيِّدِ إِلَى أَمَتِهِ الَّتِي يَجُوزُ اسْتِمْتَاعُهُ بِهَا كَنَظَرِ الزَّوْجِ إِلَى زَوْجَتِهِ، سَوَاءً كَانَتْ قِنَّةً، أَوْ مُدَبَّرَةً، أَوْ مُسْتَوْلَدَةً، أَوْ عَرَضَ مَانِعٌ قَرِيبُ الزَّوَالِ كَالْحَيْضِ وَالرَّهْنِ، فَإِنْ كَانَتْ مُرْتَدَّةً، أَوْ مَجُوسِيَّةً، أَوْ وَثَنِيَّةً، أَوْ مُزَوَّجَةً، أَوْ مُكَاتَبَةً، أَوْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، حَرُمَ نَظَرُهُ إِلَى مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَلَا يَحْرُمُ مَا زَادَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَزَوْجَتُهُ الْمُعْتَدَّةُ عَنْ وَطْءِ أَجْنَبِيٍّ بِشُبْهَةٍ، كَالْمُكَاتَبَةِ. وَنَظَرُ الزَّوْجَةِ إِلَى زَوْجِهَا كَنَظَرِهِ إِلَيْهَا. وَقِيلَ: يَجُوزُ نَظَرُهَا إِلَى فَرْجِهِ قَطْعًا. قُلْتُ: وَنَظَرُهَا إِلَى سَيِّدِهَا كَنَظَرِهِ إِلَيْهَا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ حَيْثُ حَرُمَ النَّظَرُ، حَرُمَ الْمَسُّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ لَذَّةً، فَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ دَلْكُ فَخِذِ رَجُلٍ بِلَا حَائِلٍ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَوْقَ إِزَارٍ جَازَ إِذَا لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً.

стр. 2701

وَقَدْ يَحْرُمُ الْمَسُّ دُونَ النَّظَرِ، فَيَحْرُمُ مَسُّ وَجْهِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَإِنْ جَازَ النَّظَرُ، وَمَسُّ كُلِّ مَا جَازَ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَحَارِمِ وَالْإِمَاءِ، بَلْ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ مَسُّ بَطْنِ أُمِّهِ وَلَا ظَهْرِهَا، وَلَا أَنْ يَغْمِزَ سَاقَهَا وَلَا رِجْلَهَا، وَلَا أَنْ يُقَبِّلَ وَجْهَهَا، حَكَاهُ الْعَبَّادِيُّ عَنِ الْقَفَّالِ. قَالَ: وَكَذَا لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْمُرَ ابْنَتَهُ أَوْ أُخْتَهُ بِغَمْزِ رِجْلِهِ. وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْعَجَائِزُ اللَّاتِي يُكَحِّلْنَ الرِّجَالَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مُرْتَكِبَاتٌ لِلْحَرَامِ. فَرْعٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَاجِعَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، وَلَا الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي جَانِبٍ مِنَ الْفِرَاشِ، وَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوِ الصَّبِيَّةُ عَشْرَ سِنِينَ، وَجَبَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ وَأَبِيهِ وَأُخْتِهِ وَأَخِيهِ فِي الْمَضْجَعِ. فَرْعٌ يُسْتَحَبُّ مُصَافَحَةُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ، وَالْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَتُكْرَهُ الْمُعَانَقَةُ وَالتَّقْبِيلُ، إِلَّا تَقْبِيلَ الْوَلَدِ شَفَقَةً. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ: لَا بَأْسَ أَنْ يُقَبِّلَ الرَّجُلُ رَأْسَ الرَّجُلِ وَمَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ سَفَرِهِ أَوْ تَبَاعُدِ لِقَائِهِ. قُلْتُ: الْمُخْتَارُ أَنَّ تَقْبِيلَ يَدِ غَيْرِهِ إِنْ كَانَ لِزُهْدِهِ وَصَلَاحِهِ أَوْ عِلْمِهِ أَوْ شَرَفِهِ وَصِيَانَتِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ. وَإِنْ كَانَ لِغِنَاهُ وَدُنْيَاهُ وَشَوْكَتِهِ وَوَجَاهَتِهِ عِنْدَ أَهْلِ الدُّنْيَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَمَكْرُوهٌ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ: لَا يَجُوزُ. وَتَقْبِيلُ الصِّغَارِ شَفَقَةً سُنَّةٌ، سَوَاءٌ وَلَدُهُ وَوَلَدُ غَيْرِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِشَهْوَةٍ. وَالسُّنَّةُ مُعَانَقَةُ الْقَادِمِ مِنْ سَفَرٍ وَتَقْبِيلُهُ. وَلَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِ وَجْهِ الْمَيِّتِ الصَّالِحِ، وَيُكْرَهُ حَنْيُ الظَّهْرِ فِي كُلِّ حَالٍ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَا بَأْسَ بِالْقِيَامِ لِأَهْلِ الْفَضْلِ،

стр. 2702

بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ لِلِاحْتِرَامِ، لَا لِلرِّيَاءِ وَالْإِعْظَامِ، وَقَدْ ثَبَتَتْ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ بِكُلِّ مَا ذَكَرْتُهُ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهَا مَبْسُوطَةً فِي (كِتَابِ السَّلَامِ) مِنْ (كِتَابِ الْأَذْكَارِ) ، وَهُوَ مِمَّا لَا يَسْتَغْنِي مُتَدَيِّنٌ عَنْ مِثْلِهِ، وَفِي (كِتَابِ التَّرْخِيصِ فِي الْقِيَامِ) . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فِيهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْأَخْذُ بِالْأَشَدِّ، فَيُجْعَلُ مَعَ النِّسَاءِ رَجُلًا، وَمَعَ الرِّجَالِ امْرَأَةً. وَالثَّانِي: الْجَوَازُ، قَالَهُ الْقَفَّالُ، اسْتِصْحَابًا لِحُكْمِ الصِّغَرِ. قُلْتُ: قَطَعَ الْفُورَانِيُّ وَالْمُتَوَلِّي بِالثَّانِي، وإِبْرَاهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ، وَنَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ عَنِ الْقَاضِي. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الْحَالُ الثَّانِي: إِذَا احْتَاجَ إِلَى النَّظَرِ، وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ. مِنْهَا: أَنْ يُرِيدَ نِكَاحَهَا، فَلَهُ النَّظَرُ كَمَا سَبَقَ. وَمِنْهَا: أَنْ يُرِيدَ شِرَاءَ جَارِيَةٍ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَيْعِ. وَمِنْهَا: إِذَا عَامَلَ امْرَأَةً بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ تَحَمَّلَ شَهَادَةً عَلَيْهَا، جَازَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِهَا فَقَطْ لِيَعْرِفَهَا. وَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا وَتَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ، كُلِّفَتِ الْكَشْفَ عَنْ وَجْهِهَا عِنْدَ الْأَدَاءِ. فَإِنِ امْتَنَعَتْ، أُمِرَتِ امْرَأَةٌ بِكَشْفِهِ. وَمِنْهَا: يَجُوزُ النَّظَرُ وَالْمَسُّ لِلْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ وَمُعَالَجَةِ الْعِلَّةِ، وَلْيَكُنْ ذَلِكَ بِحُضُورِ مَحْرَمٍ أَوْ زَوْجٍ، وَيُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ نَظَرِ الرَّجُلِ إِلَى الْمَرْأَةِ لِهَذَا أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ امْرَأَةٌ تُعَالِجُ، وَفِي جَوَازِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الرَّجُلِ، أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ رَجُلٌ يُعَالِجُ، كَذَا قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاصِّ خِلَافُهُ.

стр. 2703

قُلْتُ: الْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي. قَالَا أَيْضًا: وَلَا يَكُونُ ذِمِّيًّا مَعَ وُجُودِ مُسْلِمٍ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. ثُمَّ أَصْلُ الْحَاجَةِ كَافٍ فِي النَّظَرِ إِلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَفِي النَّظَرِ إِلَى سَائِرِ الْأَعْضَاءِ يُعْتَبَرُ تَأَكُّدُ الْحَاجَةِ، وَضَبَطَهُ الْإِمَامُ فَقَالَ: مَا يُجَوِّزُ الِانْتِقَالَ مِنَ الْمَاءِ إِلَى التَّيَمُّمِ وِفَاقًا أَوْ خِلَافًا كَشِدَّةِ الضَّنَى وَمَا فِي مَعْنَاهَا، يَجُوزُ النَّظَرُ بِسَبَبِهِ، وَفِي النَّظَرِ إِلَى السَّوْءَتَيْنِ، يُعْتَبَرُ مَزِيدُ تَأَكُّدٍ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْحَاجَةُ بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ التَّكَشُّفُ بِسَبَبِهَا هَتْكًا لِلْمُرُوءَةِ وَيُعْذَرُ فِي الْعَادَةِ. وَمِنْهَا: يَجُوزُ لِلرِّجَالِ النَّظَرُ إِلَى فَرْجِ الزَّانِيَيْنِ لِتَحَمُّلِ شَهَادَةِ الزِّنَا، وَإِلَى فَرْجِ الْمَرْأَةِ لِلشَّهَادَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ، وَإِلَى ثَدْيِ الْمُرْضِعَةِ لِلشَّهَادَةِ عَلَى الرَّضَاعِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَقَالَ الِاصْطَخْرِيُّ: لَا يَجُوزُ كُلُّ ذَلِكَ. وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي الزِّنَا دُونَ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: عَكْسُهُ. الْفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي الْخِطْبَةِ - بِكَسْرِ الْخَاءِ -، قَالَ الْغَزَالِيُّ: هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ لَهُ بِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَا جَرَى عَلَيْهِ النَّاسُ، وَلَكِنْ لَا ذِكْرَ لِلِاسْتِحْبَابِ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا الْجَوَازَ. ثُمَّ الْمَرْأَةُ إِنْ كَانَتْ خَلِيَّةً عَنِ النِّكَاحِ وَالْعِدَّةَ، جَازَتْ خِطْبَتُهَا تَعْرِيضًا وَتَصْرِيحًا، وَإِنْ كَانَ مُعْتَدَّةً، حَرُمَ التَّصْرِيحُ بِخِطْبَتِهَا مُطْلَقًا. وَأَمَّا التَّعْرِيضُ، فَيَحْرُمُ فِي عِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ، وَلَا يَحْرُمُ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ عِدَّةُ الْوَفَاةِ بِالْحَمْلِ، لَمْ تُخْطَبْ، خَوْفًا مِنْ تَكَلُّفِ إِلْقَاءِ وَلَدِهَا. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَالْبَائِنُ بِطَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ، يَحِلُّ التَّعْرِيضُ بِخِطْبَتِهَا عَلَى الْأَظْهَرِ. وَالَّتِي لَا تَحِلُّ لِمَنْ مِنْهُ الْعِدَّةُ بِلِعَانٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ طَلَاقِ الثَّلَاثِ، كَالْمُعْتَدَّةِ عَنِ الْوَفَاةِ. وَقِيلَ: كَالْفَسْخِ. ثُمَّ سَوَاءً كَانَتِ الْعِدَّةُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ بِالْإِقْرَاءِ أَمْ بِالْأَشْهُرِ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ بِالْإِقْرَاءِ، حَرُمَ قَطْعًا. وَالصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: أَنْ لَا فَرْقَ.

стр. 2704

وَفِي الْمُعْتَدَّةِ عَنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ، طَرِيقَانِ. الْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ. وَالثَّانِي: طَرْدُ الْخِلَافِ. وَالتَّصْرِيحُ، كَقَوْلِهِ: أُرِيدُ نِكَاحَكِ، أَوْ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُكِ نَكَحْتُكِ. وَالتَّعْرِيضُ بِمَا يَحْتَمِلُ الرَّغْبَةَ فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهَا، كَقَوْلِهِ: رُبَّ رَاغِبٍ فِيكِ، مَنْ يَجِدُ مِثْلَكِ؟ أَنْتِ جَمِيلَةٌ، إِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي، لَا تَبْقَيْنَ أَيِّمًا، لَسْتِ بِمَرْغُوبٍ عَنْكِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَسَائِقٌ إِلَيْكِ خَيْرًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَحُكْمُ جَوَابِ الْمَرْأَةِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ تَصْرِيحًا وَتَعْرِيضًا حُكْمُ الْخِطْبَةِ. وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ، فِيمَا إِذَا خَطَبَهَا غَيْرُ صَاحِبِ الْعِدَّةِ. فَأَمَّا صَاحِبُهَا الَّذِي يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا، فَلَهُ التَّصْرِيحُ بِخِطْبَتِهَا. فَرْعٌ تَحْرُمُ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَةِ غَيْرِهِ بَعْدَ صَرِيحِ الْإِجَابَةِ، إِلَّا إِذَا أَذِنَ الْغَيْرُ أَوْ تَرَكَ. وَصَرِيحُ الْإِجَابَةِ أَنْ تَقُولَ: أَجَبْتُكَ إِلَى ذَلِكَ، أَوْ تَأْذَنَ لِوَلِيِّهَا (فِي) أَنْ يُزَوِّجَهَا إِيَّاهُ، وَهِيَ مُعْتَبَرَةُ الْإِذْنِ. فَلَوْ لَمْ تُصَرِّحْ بِالْإِجَابَةِ، لَكِنْ وُجِدَ مَا يُشْعِرُ بِهَا، كَقَوْلِهَا: لَا رَغْبَةَ عَنْكِ، فَقَوْلَانِ. الْقَدِيمُ، تَحْرِيمُ الْخِطْبَةِ. وَالْجَدِيدُ، الْجَوَازُ. وَلَوْ رَدَّتْهُ، فَلِلْغَيْرِ خِطْبَتُهَا قَطْعًا. وَلَوْ لَمْ يُوجَدْ إِجَابَةٌ وَلَا رَدٌّ، فَقِيلَ: يَجُوزُ قَطْعًا. وَقِيلَ بِالْقَوْلَيْنِ. وَالْمُعْتَبَرُ، رَدُّ الْوَلِيِّ وَإِجَابَتُهُ إِنْ كَانَتْ مُجْبَرَةً، وَإِلَّا فَرَدُّهَا وَإِجَابَتُهَا، وَفِي الْأَمَةِ رَدُّ السَّيِّدِ وَإِجَابَتُهُ، وَفِي الْمَجْنُونَةِ رَدُّ السُّلْطَانِ وَإِجَابَتُهُ. ثُمَّ الْمَفْهُومُ مِنْ إِطْلَاقِ الْأَكْثَرِينَ، أَنَّ سُكُوتَ الْوَلِيِّ عَنِ الْجَوَابِ، فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ، وَخَصَّ بَعْضُهُمُ الْخِلَافَ بِسُكُوتِهَا وَقَالَ: سُكُوتُ الْوَلِيِّ لَا يَمْنَعُ قَطْعًا. وَعَنِ الدَّارَكِيِّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي سُكُوتِ الْبِكْرِ، وَلَا يَمْنَعُ سُكُوتُ الثَّيِّبِ بِحَالٍ.

стр. 2705

فَرْعٌ يَجُوزُ الْهُجُومُ عَلَى الْخِطْبَةِ لِمَنْ لَمْ يَدْرِ أَخُطِبَتْ أَمْ لَا، وَلَمْ يَدْرِ أُجِيبَ خَاطِبُهَا أَمْ رُدَّ، لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ. فَرْعٌ سَوَاءٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ الْخَاطِبُ الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ إِذَا كَانَتْ كِتَابِيَّةً. وَقِيلَ: يَخْتَصُّ الْمَنْعُ بِالْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ الْمُسْلِمِ. قُلْتُ: قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: لَوْ خَطَبَ خَمْسَ نِسْوَةٍ دَفْعَةً فَأَذِنَّ، لَمْ يَحِلَّ لِأَحَدٍ خِطْبَةُ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَتَّى يَتْرُكَهَا الْأَوَّلُ، أَوْ يَعْقِدَ عَلَى أَرْبَعٍ فَتَحِلَّ الْخَامِسَةُ. وَإِنْ خَطَبَ كُلَّ وَاحِدَةٍ وَحْدَهَا، فَأَذِنَّ، حَلَّتِ الْخَامِسَةُ دُونَ غَيْرِهَا. هَذَا كَلَامُهُ، وَالْمُخْتَارُ تَحْرِيمُ الْجَمِيعِ، إِذْ قَدْ يَرْغَبُ فِي الْخَامِسَةِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُكْرَهُ التَّعْرِيضُ بِالْجِمَاعِ لِلْمَخْطُوبَةِ، وَلَا يُكْرَهُ التَّعْرِيضُ وَالتَّصْرِيحُ بِهِ لِزَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ يَجُوزُ الصِّدْقُ فِي ذِكْرِ مَسَاوِئِ الْخَاطِبِ لِيُحْذَرَ، وَكَذَا مَنْ أَرَادَ نَصِيحَةَ غَيْرِهِ لِيَحْتَرِزَ عَنْ مُشَارَكَتِهِ وَنَحْوِهَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ.

стр. 2706

قُلْتُ: الْغَيْبَةُ تُبَاحُ بِسِتَّةِ أَسْبَابٍ قَدْ أَوْضَحْتُهَا بِدَلَائِلِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا وَطُرُقِ مَخَارِجِهَا فِي آخِرِ (كِتَابِ الْأَذْكَارِ) . أَحَدُهَا: التَّظَلُّمُ، فَيَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَتَظَلَّمَ إِلَى السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَهُ وَلَايَةٌ أَوْ قُدْرَةٌ عَلَى إِنْصَافِهِ مِمَّنْ ظَلَمَهُ، فَيَقُولُ: ظَلَمَنِي فُلَانٌ وَفَعَلَ بِي كَذَا. الثَّانِي: الِاسْتِعَانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَرَدِّ الْعَاصِي إِلَى الصَّوَابِ، فَيَقُولُ لِمَنْ يَرْجُو قُدْرَتَهُ عَلَى إِزَالَةِ الْمُنْكَرِ: فُلَانٌ يَعْمَلُ كَذَا فَازْجُرْهُ عَنْهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. الثَّالِثُ: الِاسْتِفْتَاءُ. بِأَنْ يَقُولَ لِلْمُفْتِي: ظَلَمَنِي فُلَانٌ أَوْ أَبِي أَوْ أَخِي بِكَذَا، فَهَلْ لَهُ ذَلِكَ، أَمْ لَا؟ وَمَا طَرِيقِي فِي الْخَلَاصِ (مِنْهُ) وَدَفْعِ ظُلْمِهِ عَنِّي؟ وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَكَذَا قَوْلُهُ: زَوْجَتِي تَفْعَلُ مَعِي كَذَا، وَزَوْجِي يَضْرِبُنِي وَيَقُولُ لِي كَذَا، فَهَذَا جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ. وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَقُولَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَوْ زَوْجٍ أَوْ وَالِدٍ مِنْ أَمْرِهِ كَذَا، وَمَعَ ذَلِكَ فَالتَّعْيِينُ جَائِزٌ، لِحَدِيثِ هِنْدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ شَحِيحٌ. . . الْحَدِيثَ. الرَّابِعُ: تَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ، وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ. مِنْهَا: جَرْحُ الْمَجْرُوحِينَ مِنَ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ وَالْمُصَنِّفِينَ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ وَاجِبٌ، صَوْنًا لِلشَّرِيعَةِ. وَمِنْهَا: الْإِخْبَارُ بِعَيْبِهِ عِنْدَ الْمُشَاوَرَةِ فِي مُوَاصَلَتِهِ.

стр. 2707

وَمِنْهَا: إِذَا رَأَيْتَ مَنْ يَشْتَرِي شَيْئًا مَعِيبًا، أَوْ عَبْدًا سَارِقًا، أَوْ زَانِيًا، أَوْ شَارِبًا، تَذْكُرُهُ لِلْمُشْتَرِي - إِذَا لَمْ يَعْلَمْهُ - نَصِيحَةً، لَا بِقَصْدِ الْإِيذَاءِ وَالْإِفْسَادِ. وَمِنْهَا: إِذَا رَأَيْتَ مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّدُ إِلَى فَاسِقٍ أَوْ مُبْتَدِعٍ يَأْخُذُ عَنْهُ عَلِمًا، وَخِفْتَ عَلَيْهِ ضَرَرَهُ، فَعَلَيْكَ نَصِيحَتُهُ بِبَيَانِ حَالِهِ قَاصِدًا النَّصِيحَةَ. وَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَايَةٌ لَا يَقُومُ بِهَا عَلَى وَجْهِهَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ أَوْ فِسْقِهِ، فَتَذْكُرُهُ لِمَنْ عَلَيْهِ وَلَايَةٌ لِيَسْتَبْدِلَ بِهِ، أَوْ يَعْرِفَ حَالَهُ فَلَا يَعْتَبِرَ بِهِ أَوْ يُلْزِمَهُ الِاسْتِقَامَةَ. الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ، كَالْخَمْرِ، وَمُصَادَرَةِ النَّاسِ، وَجِبَايَةِ الْمُكُوسِ، وَتَوَلِّي الْأُمُورِ الْبَاطِلَةِ، فَيَجُوزُ ذِكْرُهُ بِمَا يُجَاهِرُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِهِ إِلَّا بِسَبَبٍ آخَرَ. السَّادِسُ: التَّعْرِيفُ، فَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِلَقَبٍ، كَالْأَعْمَشِ وَالْأَعْرَجِ وَالْأَزْرَقِ وَالْقَصِيرِ وَنَحْوِهَا، جَازَ تَعْرِيفُهُ بِهِ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِهِ تَنَقُّصًا، وَلَوْ أَمْكَنَ التَّعْرِيفُ بِغَيْرِهِ، كَانَ أَوْلَى. هَذَا مُخْتَصَرُ مَا تُبَاحُ بِهِ الْغَيْبَةُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الْفَصْلُ الْخَامِسُ: فِي الْخُطْبَةِ، بِضَمِّ الْخَاءِ. يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَخْطُبُ امْرَأَةً أَنْ يُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْ خِطْبَتِهِ خُطْبَةً، فَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَيُوصِي بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ يَقُولُ: جِئْتُكُمْ رَاغِبًا فِي كَرِيمَتِكُمْ، وَيَخْطُبُ الْوَلِيُّ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَقُولُ: لَسْتَ بِمَرْغُوبٍ عَنْكَ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ. وَتُسْتَحَبُّ الْخُطْبَةُ أَيْضًا عِنْدَ الْعَقْدِ، وَيَحْصُلُ الِاسْتِحْبَابُ سَوَاءٌ خَطَبَ الْوَلِيُّ أَوِ الزَّوْجُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ. وَإِذَا قَالَ الْوَلِيُّ:

стр. 2708

الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، زَوَّجْتُكَ، فَقَالَ الزَّوْجُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، قَبِلْتُ نِكَاحَهَا، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ، لِلْفَصْلِ، وَالصَّحِيحُ صِحَّتُهُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَقَالُوا: لِلنِّكَاحِ خُطْبَتَانِ مَسْنُونَتَانِ، إِحْدَاهُمَا تَتَقَدَّمُ الْعَقْدَ، وَالثَّانِيَةُ تَتَخَلَّلُهُ، وَهِيَ أَنْ يَقُولَ الْوَلِيُّ: بِسْمِ اللَّهِ، وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، زَوَّجْتُكَ فُلَانَةً، ثُمَّ يَقُولُ الزَّوْجُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَقُولُ: قَبِلْتُ. ثُمَّ قَالَ الْأَصْحَابُ: مَوْضِعُ الْوَجْهَيْنِ إِذَا لَمْ يَطُلِ الذِّكْرُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ طَالَ، فَالْعَقْدُ بَاطِلٌ قَطْعًا. وَلَوْ تَخَلَّلَ كَلَامٌ يَسِيرٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعَقْدُ وَلَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ، بَطَلَ الْعَقْدُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنْ يَقُولَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَهَا عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ الْعَظِيمُ، مِنْ إِمْسَاكٍ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ تَسْرِيحٍ بِإِحْسَانٍ. وَهَذَا إِنْ ذَكَرَاهُ قَبْلَ الْعَقْدِ، فَذَاكَ. وَإِنْ قَيَّدَ الْوَلِيُّ الْإِيجَابَ بِهِ، وَقَبِلَ الزَّوْجُ مُطْلَقًا أَوْ ذَاكِرًا لَهُ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَبْطُلُ النِّكَاحُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، لِأَنَّهُ شَرْطُ الطَّلَاقِ عَلَى أَحَدِ التَّقْدِيرَيْنِ. وَأَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ، لِأَنَّ كُلَّ زَوْجٍ مَأْخُوذٌ بِهِ بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ، فَهُوَ ذِكْرٌ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ. وَفَصَلَ الْإِمَامُ فَقَالَ: إِنْ أَجْرَيَاهُ شَرْطًا مُلْزِمًا، فَالْوَجْهُ الْبُطْلَانُ. وَإِنْ قَصَدَا الْوَعْظَ دُونَ الْإِلْزَامِ، لَمْ يَضُرَّ. وَإِنْ أَطْلَقَا، احْتَمَلَ وَاحْتَمَلَ، وَقَرِينَةُ الْحَالِ تَقْتَضِي الْوَعْظَ. فَرْعٌ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لِلزَّوْجَيْنِ بَعْدَ الْعَقْدِ، فَيُقَالُ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ.

стр. 2709

قُلْتُ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: بِالرَّفَاءِ وَالْبَنِينَ، لِحَدِيثٍ وَرَدَ بِالنَّهْيِ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِآدَابِ الْعَقْدِ، أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إِحْضَارُ جَمْعٍ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ زِيَادَةً عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، وَأَنْ يَنْوِيَ بِالنِّكَاحِ الْمَقَاصِدَ الشَّرْعِيَّةَ، كَإِقَامَةِ السُّنَّةِ، وَصِيَانَةِ دِينِهِ وَغَيْرِهِمَا، وَيُسْتَحَبُّ لِلْوَلِيِّ عَرْضُ مُوَلِّيَتِهِ عَلَى أَهْلِ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ، لِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁ فِي الصَّحِيحَيْنِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الْبَابُ الثَّالِثُ فِي أَرْكَانِ النِّكَاحِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ. [الرُّكْنُ] الْأَوَّلُ: الصِّيغَةُ إِيجَابًا وَقَبُولًا، فَيَقُولُ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ، أَوْ أَنَكَحْتُكَ، وَيَقُولُ الزَّوْجُ: تَزَوَّجْتُ، أَوْ نَكَحْتُ، أَوْ قَبِلْتُ تَزْوِيجَهَا أَوْ نِكَاحَهَا. أَوْ يَقُولُ الزَّوْجُ أَوَّلًا: تَزَوَّجْتُهَا، أَوْ نَكَحْتُهَا، فَيَقُولُ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ أَوْ أَنَكَحْتُكَ، وَلَا يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ لَفْظِ التَّزْوِيجِ وَالْإِنْكَاحِ. وَفِي انْعِقَادِهِ بِمَعْنَى اللَّفْظَيْنِ بِالْعَجَمِيَّةِ مِنَ الْعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: الِانْعِقَادُ. وَالثَّالِثُ: إِنْ لَمْ يُحْسِنِ الْعَرَبِيَّةَ انْعَقَدَ، وَإِلَّا، فَلَا. وَإِذَا صَحَّحْنَاهُ، فَذَاكَ إِذَا فَهِمَ كُلٌّ مِنْهُمَا كَلَامَ الْآخَرِ. فَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ، فَأَخْبَرَهُ ثِقَةٌ عَنْ مَعْنَى لَفْظِهِ، فَفِي الصِّحَّةِ وَجْهَانِ. وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُ اللَّفْظَيْنِ مِنْهُمَا.

стр. 2710

فَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ، فَقَالَ الزَّوْجُ: نَكَحْتُ، أَوْ قَالَ: أَنَكَحْتُكَ، فَقَالَ: تَزَوَّجْتُ صَحَّ، وَلَا يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ. فَرْعٌ إِذَا قَالَ: زَوَّجْتُكَهَا، فَلْيَقُلْ: قَبِلْتُ نِكَاحَهَا أَوْ تَزْوِيجَهَا، أَوْ قَبِلْتُ هَذَا النِّكَاحَ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَبِلْتُ، لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَقِيلَ: قَطْعًا. وَقِيلَ: يَنْعَقِدُ قَطْعًا. وَإِنْ قَالَ: قَبِلْتُ النِّكَاحَ أَوْ قَبِلْتُهَا، فَخِلَافٌ مُرَتَّبٌ، وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ. وَلَوْ قَالَ: زَوِّجْنِي أَوْ أَنْكِحْنِي، فَقَالَ الْوَلِيُّ: قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ، أَوْ نَعَمْ، أَوْ قَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَهَا أَوْ أَنْكَحْتُكَهَا، أَقَبِلْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَوْ قَالَ: نَعَمْ، مِنْ غَيْرِ قَوْلِ الْوَلِيِّ: أَقَبِلْتَ، فَقِيلَ بِالْمَنْعِ قَطْعًا. وَقِيلَ بِطَرْدِ الْخِلَافِ، وَهُوَ أَقْيَسُ. وَفِي نَظَائِرِ هَذِهِ الصُّوَرِ مِنَ الْبَيْعِ، يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ. وَكَذَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ كَذَا، فَقَالَ: قَبِلْتُ، يَنْعَقِدُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ فِيهِ وَجْهًا. فَرْعٌ إِذَا كَتَبَ بِالنِّكَاحِ إِلَى غَائِبٍ أَوْ حَاضِرٍ، لَمْ يَصِحَّ. وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الْغَائِبِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَلَا يَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَاتِ. وَلَوْ خَاطَبَ غَائِبًا بِلِسَانِهِ، فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي، ثُمَّ كَتَبَ، فَبَلَغَهُ الْكِتَابُ أَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ، وَبَلَغَهُ الْخَبَرُ، فَقَالَ: قَبِلْتُ نِكَاحَهَا، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِذَا صَحَّحْنَا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَشَرْطُهُ الْقَبُولُ فِي مَجْلِسِ بُلُوغِ الْخَبَرِ، وَأَنْ يَقَعَ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيِ الْإِيجَابِ.

стр. 2711

قُلْتُ: لَا يَكْفِي الْقَبُولُ فِي الْمَجْلِسِ، بَلْ يُشْتَرَطُ الْفَوْرُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ إِذَا اسْتَخْلَفَ الْقَاضِي فَقِيهًا فِي تَزْوِيجِ امْرَأَةٍ، لَمْ يَكْفِ الْكِتَابُ، بَلْ يُشْتَرَطُ اللَّفْظُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهَيْنِ، وَلَيْسَ لِلْمَكْتُوبِ إِلَيْهِ اعْتِمَادُ الْخَطِّ عَلَى الصَّحِيحِ. فَرْعٌ إِذَا قَالَ (لِلْوَلِيِّ) : زَوِّجْنِي، قَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ. فَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ بَعْدَهُ: قَبِلْتُ، صَحَّ النِّكَاحُ قَطْعًا، وَإِلَّا، فَالْمَذْهَبُ وَالنَّصُّ صِحَّتُهُ أَيْضًا. وَقِيلَ بِطَرْدِ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي الْبَيْعِ فِي مِثْلِهِ. وَالْخُلْعُ، وَالصُّلْحُ عَنِ الدَّمِ، وَالْإِعْتَاقُ عَلَى مَالٍ، يَنْعَقِدُ بِالِاسْتِيجَابِ وَالْإِيجَابِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ. فَإِذَا قَالَتْ: طَلِّقْنِي أَوْ خَالِعْنِي عَلَى أَلْفٍ، فَأَجَابَهَا الزَّوْجُ، طَلَقَتْ وَلَزِمَهَا الْأَلْفُ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى قَبُولٍ بَعْدَهُ. وَكَذَا لَوْ قَالَ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ: أَعْتِقْنِي عَلَى كَذَا، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ، أَوْ قَالَ: مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ: صَالِحْنِي عَلَى كَذَا، فَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ: صَالَحْتُكَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ بِطَرْدِ الطَّرِيقَيْنِ فِي كُلِّ هَذِهِ الْعُقُودِ كَالنِّكَاحِ. وَأَمَّا الْكِتَابَةُ فَكَالْعِتْقِ، وَقِيلَ: كَالنِّكَاحِ. هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَتْ صِيغَتُهُ: زَوِّجْنِي أَوْ خَالِعْنِي وَأَعْتِقْنِي وَنَحْوَهَا. فَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: قُلْ: زَوَّجْتُكَهَا، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: لَيْسَ هُوَ بِاسْتِيجَابٍ، لِأَنَّهُ اسْتَدْعَى اللَّفْظَ دُونَ التَّزْوِيجِ، فَإِذَا تَلَفَّظَ اقْتَضَى الْقَبُولَ. وَلَوْ قَالَ الْوَلِيُّ أَوَّلًا:

стр. 2712

تَزَوَّجِ ابْنَتِي، فَقَالَ: تَزَوَّجْتُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ الزَّوْجُ: زَوِّجْنِي، فَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ، هَكَذَا قَالُوهُ. وَقَدْ حَكَيْنَا عَنْ بَعْضِهِمُ الْمَنْعَ فِي الْبَيْعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِمِثْلِهِ هُنَا. وَلَوْ قَالَ: أَتُزَوِّجُنِي ابْنَتَكَ؟ فَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ، هَكَذَا قَالُوهُ. وَقَدْ حَكَيْنَا عَنْ بَعْضِهِمُ الْمَنْعَ فِي الْبَيْعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِمِثْلِهِ هُنَا. وَلَوْ قَالَ: أَتُزَوِّجُنِي ابْنَتَكَ؟ فَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَ، لَمْ يَنْعَقِدْ إِلَّا أَنْ يَقُولَ الْخَاطِبُ بَعْدَهُ: تَزَوَّجْتُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ الْوَلِيُّ: أَتَتَزَوَّجُ بِنْتِي، أَوْ تَزَوَّجْتَهَا؟ فَقَالَ: تَزَوَّجْتُ، لَا يَنْعَقِدُ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ الْوَلِيُّ بَعْدَهُ: زَوَّجْتُكَ، لِأَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ. وَلَوْ قَالَ الْمُتَوَسِّطُ لِلْوَلِيِّ: زَوَّجْتَهُ ابْنَتَكَ؟ فَقَالَ: زَوَّجْتُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الزَّوْجِ فَقَالَ: قَبِلْتَ نِكَاحَهَا؟ فَقَالَ: قَبِلْتُهُ، صَحَّ عَلَى الْأَصَحِّ، لِوُجُودِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مُتَرَابِطَيْنِ، وَمَنَعَهُ الْقَفَّالُ، لِعَدَمِ التَّخَاطُبِ. فَرْعٌ تُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ. وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو سَعْدٍ الْهَرَوِيُّ: أَنَّ أَصْحَابَنَا الْعِرَاقِيِّينَ اكْتَفَوْا بِوُقُوعِ الْقَبُولِ فِي مَجْلِسِ الْإِيجَابِ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ اشْتِرَاطُ الْقَبُولِ عَلَى الْفَوْرِ، فَلَا يَضُرُّ الْفَصْلُ الْيَسِيرُ، وَيَضُرُّ الطَّوِيلُ، وَهُوَ مَا أَشْعَرَ بِإِعْرَاضِهِ عَنِ الْقَبُولِ، فَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي طَرِيقَتَيِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ. وَمَا ادَّعَاهُ الْهَرَوِيُّ عَنِ الْعِرَاقِيِّينَ جُمْلَةً لَا يُقْبَلُ، وَالْمُشَاهَدَةُ تَدْفَعُهُ، وَالدَّلِيلُ يُبْطِلُهُ، فَلَا اغْتِرَارَ بِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ إِذَا وُجِدَ أَحَدُ شِقَّيِ الْعَقْدِ مِنْ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِصْرَارِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يُوجَدَ الشِّقُّ الْآخَرُ، فَلَوْ رَجَعَ عَنْهُ، لَغَا الْعَقْدُ. وَكَذَا لَوْ أَوْجَبَ ثُمَّ جُنَّ

стр. 2713

أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، لَغَا إِيجَابُهُ، وَامْتَنَعَ الْقَبُولُ. وَكَذَا لَوْ أَذِنَتِ الْمَرْأَةُ فِي تَزْوِيجِهَا حَيْثُ يُعْتَبَرُ إِذْنُهَا، ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهَا قَبْلَ الْعَقْدِ، بَطَلَ إِذْنُهَا. فَصْلٌ النِّكَاحُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيقَ، كَقَوْلِهِ: إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، فَقَدْ زَوَّجْتُكَ. فَلَوْ أُخْبِرَ بِمَوْلُودٍ، فَقَالَ لِجَلِيسِهِ: إِنْ كَانَتْ بِنْتًا، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، أَوْ قَالَ: إِنْ كَانَتْ بِنْتِي طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، أَوْ مَاتَ عَنْهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، أَوْ لَوْ كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنْ كَانَتْ مَاتَتْ إِحْدَاهُنَّ فَقَدْ زَوَّجْتُكَ بِنْتِي، أَوْ قَالَ: إِنْ مَاتَ أَبِي وَوَرِثْتُ هَذِهِ الْجَارِيَةَ، فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، وَبَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَدَّرَ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ كَمَنْ بَاعَ مَالَ أَبِيهِ ظَانًّا حَيَاتَهُ فَبَانَ مَيِّتًا. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَوْ بُشِّرَ بِبِنْتٍ، فَقَالَ: إِنْ صَدَقَ الْمُخْبِرُ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا، صَحَّ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَعْلِيقًا، بَلْ هُوَ تَحْقِيقٌ، كَقَوْلِهِ: إِنْ كُنْتِ زَوْجَتِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَتَكُونُ «إِنْ» بِمَعْنَى «إِذْ» . قَالَ: وَكَذَا لَوْ أُخْبِرَ مَنْ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ بِمَوْتِ إِحْدَاهُنَّ، فَقَالَ لِرَجُلٍ: إِنْ صَدَقَ الْمُخْبِرُ فَقَدْ تَزَوَّجْتُ بِنْتَكَ، فَقَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: زَوَّجْتُكَهَا، صَحَّ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبَغَوِيُّ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَفْرُوضًا فِيمَا إِذَا تَيَقَّنَ صِدْقَ الْمُخْبِرِ، وَإِلَّا، فَلَفْظُ «إِنْ» لِلتَّعْلِيقِ. فَرْعٌ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ، عَلَى أَنْ يَكُونَ بُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقًا لِلْأُخْرَى، فَقَبِلَ الْآخَرُ، أَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي وَتَزَوَّجْتُ بِنْتَكَ أَوْ أُخْتَكَ،

стр. 2714

عَلَى أَنْ يَكُونَ بُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقًا لِلْأُخْرَى، فَقَالَ الْمُخَاطَبُ: تَزَوَّجْتُ وَزَوَّجْتُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ، فَهَذَا نِكَاحُ الشِّغَارِ، وَهُوَ بَاطِلٌ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَلِمَعْنَى الِاشْتِرَاكِ فِي الْبُضْعِ. وَقَالَ الْقَفَّالُ: لِلتَّعْلِيقِ وَالتَّوَقُّفِ. وَلَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ، وَقَبِلَ الْآخَرُ، وَلَمْ يَجْعَلَا الْبُضْعَ صَدَاقًا، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا شَرْطُ عَقْدٍ فِي عَقْدٍ، وَذَلِكَ لَا يُفْسِدُ النِّكَاحَ. فَعَلَى هَذَا، يَصِحُّ النِّكَاحَانِ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَهْرُ الْمِثْلِ. وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ لِمَعْنَى التَّعْلِيقِ وَالتَّوَقُّفِ. وَخَصَّ الْإِمَامُ الْوَجْهَيْنِ بِمَا إِذَا كَانَتِ الصِّيغَةُ هَذِهِ، وَلَمْ يَذْكُرَا مَهْرًا، وَقَطَعَ بِالصِّحَّةِ فِيمَا لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ. فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ، وَبُضْعُ بِنْتِكَ صَدَاقٌ لِبِنْتِي، فَقَبِلَ، صَحَّ الْأَوَّلُ، وَبَطَلَ الثَّانِي. وَلَوْ قَالَ: وَبُضْعُ بِنْتِي صَدَاقٌ لِبِنْتِكَ، بَطَلَ الْأَوَّلُ، وَصَحَّ الثَّانِي، وَهَذَا نَظَرٌ إِلَى مَعْنَى التَّشْرِيكِ. وَلَوْ سَمَّيَا لَهُمَا أَوْ لَإِحْدَاهُمَا مَهْرًا مَعَ جَعْلِ الْبُضْعِ صَدَاقًا، بِأَنْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ بِأَلْفٍ، وَبُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقٌ لِلْأُخْرَى، أَوْ قَالَ: عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ، وَبُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقٌ لِلْأُخْرَى، أَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ وَيَكُونُ بُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ وَأَلْفُ دِرْهَمٍ صَدَاقًا لِلْأُخْرَى، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْمُخْتَصَرِ: الصِّحَّةُ. وَأَصَحُّهُمَا: الْبُطْلَانُ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْإِمْلَاءِ.

стр. 2715

فَرْعٌ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي بِمُتْعَةِ جَارِيَتِكَ، صَحَّ النِّكَاحُ، وَفَسَدَ الصَّدَاقُ. وَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ جَارِيَتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَكَ، وَتَكُونَ رَقَبَةُ جَارِيَتِي صَدَاقًا لِبِنْتِكَ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: صَحَّ النِّكَاحَانِ، لِأَنَّهُ لَا تَشْرِيكَ فِيمَا يَرِدُ عَلَيْهِ عَقْدُ النِّكَاحِ، وَيَفْسُدُ الصَّدَاقُ، وَيَجِبُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَيَجِيءُ عَلَى مَعْنَى التَّعْلِيقِ وَالتَّوَقُّفِ أَنْ يُحْكَمَ بِبُطْلَانِ النِّكَاحَيْنِ. وَلَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ صَاحِبُهُ بِنْتَهُ، وَيَكُونُ بُضْعُ امْرَأَتِهِ صَدَاقًا لَهَا، وَزَوَّجَهُ صَاحِبُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَهَلْ يَبْطُلُ النِّكَاحُ، أَمْ يَصِحُّ وَيَفْسُدُ الصَّدَاقُ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ عَنِ ابْنِ الْقَطَّانِ. قُلْتُ: أَفْقَهُهُمَا: الثَّانِي. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ عَلَى أَنْ يَعْتِقَ صَاحِبُهُ عَبْدَهُ، وَيَكُونَ طَلَاقُ امْرَأَتِهِ عِوَضًا عَنْ عِتْقِهِ، قَالَ الْحَنَّاطِيُّ: يَقَعُ الطَّلَاقُ وَلَا رُجُوعَ بِالْمَهْرِ عَلَى أَحَدٍ. وَفِي عِتْقِ الْعَبْدِ وَجْهَانِ. إِنْ عَتَقَ، فَلَا رُجُوعَ بِقِيمَتِهِ وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: عِنْدِي يَقَعُ الطَّلَاقُ وَيَحْصُلُ الْعِتْقُ، وَيَرْجِعُ الْمُطَلِّقُ عَلَى الْمُعْتِقِ بِمَهْرِ امْرَأَتِهِ، وَالْمُعْتِقُ عَلَى الْمُطَلِّقِ بِقِيمَةِ عَبْدِهِ. فَصْلٌ النِّكَاحُ الْمُوَقَّتُ بَاطِلٌ، سَوَاءٌ قَيَّدَهُ بِمُدَّةٍ مَجْهُولَةٍ أَوْ مَعْلُومَةٍ، وَهُوَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ. وَإِذَا وَطِئَ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ جَاهِلًا بِفَسَادِهِ، فَلَا حَدَّ. وَإِنْ عَلِمَ، فَلَا حَدَّ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ. وَحَيْثُ لَا حَدَّ، يَجِبُ الْمَهْرُ وَالْعِدَّةُ، وَيَثْبُتُ النَّسَبُ. وَلَوْ قَالَ: نَكَحْتُهَا مُتْعَةً، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، حَكَى الْحَنَّاطِيُّ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ وَجْهَيْنِ.

стр. 2716

قُلْتُ: الْأَصَحُّ، الْبُطْلَانُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمَنْكُوحَةُ، وَيُشْتَرَطُ خُلُوُّهَا مِنْ مَوَانِعِ النِّكَاحِ. وَالْكَلَامُ فِي الْمَوَانِعِ مَبْسُوطٌ فِي مَوَاضِعِهَا، لَا سِيَّمَا بَابُ الْمَوَانِعِ، فَيُقْتَصَرُ هُنَا عَلَى عَدِّ تَرَاجِمِهَا. فَمِنَ الْمَوَانِعِ أَنْ تَكُونَ مَنْكُوحَةً أَوْ مُعْتَدَّةً عَنْ غَيْرِهِ، أَوْ مُطَلَّقَتَهُ بِالثَّلَاثِ مَا لَمْ تُحَلَّلْ، أَوْ مُلَاعَنَتَهُ، أَوْ مُرْتَدَّةً، أَوْ مَجُوسِيَّةً، أَوْ وَثَنِيَّةً، أَوْ زِنْدِيقَةً، أَوْ كِتَابِيَّةً دَخَلَتْ فِي دِينِهِمْ بَعْدَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ بَعْدَ تَبْدِيلِهِمْ عَلَى الْأَظْهَرِ، أَوْ تَكُونَ أَمَةً وَالنَّاكِحُ حُرٌّ وَاجِدٌ طَوْلَ حُرَّةٍ، أَوْ غَيْرُ خَائِفٍ عَنَتًا، أَوْ يَكُونَ بَعْضُهَا أَوْ كُلُّهَا مِلْكًا لِلنَّاكِحِ، أَوْ تَكُونَ مَحْرَمًا لَهُ، أَوْ خَامِسَةً، أَوْ يَكُونَ فِي نِكَاحِهِ أُخْتُهَا وَغَيْرُهَا مِمَّنْ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا، أَوْ تَكُونَ مُحْرِمَةً بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ ثَيِّبًا صَغِيرَةً، أَوْ تَكُونَ يَتِيمَةً لَا جَدَّ لَهَا. فَصْلٌ يُشْتَرَطُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا. فَلَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ إِحْدَى بِنْتَيَّ، أَوْ زَوَّجْتُ بِنْتِي أَحَدَكُمَا، أَوْ أَحَدَ ابْنَيْكَ، لَمْ يَصِحَّ. وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي، صَحَّ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهَا. وَلَوْ كَانَتْ حَاضِرَةً فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ هَذِهِ، أَوْ كَانَتْ فِي الدَّارِ فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ الَّتِي فِي الدَّارِ، وَلَيْسَ فِيهَا غَيْرُهَا، صَحَّ. وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتٌ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فُلَانَةً، وَسَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، صَحَّ النِّكَاحُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الْبِنْتِيَّةَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ مُمَيِّزَةٌ، فَاعْتُبِرَتْ وَلَغَا الِاسْمُ، كَمَا لَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا وَسَمَّاهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ قَطْعًا. وَقَدْ يَمْنَعُ هَذِهِ الصُّورَةَ الْقَائِلُ الْآخَرُ، وَالْأَصَحُّ

стр. 2717

الصِّحَّةُ فِيهِمَا، حَتَّى لَوْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ هَذَا الْغُلَامَ، وَأَشَارَ إِلَى بِنْتِهِ، نَقَلَ الرُّويَانِيُّ عَنِ الْأَصْحَابِ صِحَّةَ النِّكَاحِ، تَعْوِيلًا عَلَى الْإِشَارَةِ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ دَارِي هَذِهِ، وَحَدَّدَهَا وَغَلِطَ فِي حُدُودِهَا، صَحَّ الْبَيْعُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ الدَّارَ الَّتِي فِي الْمَحَلَّةِ الْفُلَانِيَّةِ، وَحَدَّدَهَا وَغَلِطَ، لِأَنَّ التَّعْوِيلَ هُنَا عَلَى الْإِشَارَةِ. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ دَارِي، وَلَمْ يَقُلْ: هَذِهِ، وَحَدَّدَهَا وَغَلِطَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ دَارٌ سِوَاهَا، وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ تَفْرِيعًا عَلَى الْأَصَحِّ فِي قَوْلِهِ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فُلَانَةً وَغَلِطَ فِي اسْمِهَا. وَأَمَّا إِذَا كَانَ اسْمُ بِنْتِهِ (الْوَاحِدَةِ) فَاطِمَةَ، فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ فَاطِمَةَ، وَلَمْ يَقُلْ: بِنْتِي، فَلَا يَصِحُّ النِّكَاحُ لِكَثْرَةِ الْفَوَاطِمِ، لَكِنْ (لَوْ) نَوَاهَا، صَحَّ. كَذَا قَالَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ، وَاعْتَرَضَ ابْنُ الصَّبَّاغِ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ، وَالشُّهُودُ لَا يَطَّلِعُونَ عَلَى النِّيَّةِ، وَهَذَا قَوِيٌّ، وَلِهَذَا الْأَصْلِ مَنَعْنَا النِّكَاحَ بِالْكِنَايَاتِ. وَلَوْ كَانَ لَهُ بِنْتَانِ فَصَاعِدًا، اشْتُرِطَ تَمْيِيزُ الْمَنْكُوحَةِ بِاسْمٍ أَوْ إِشَارَةٍ أَوْ صِفَةٍ، كَقَوْلِهِ: فَاطِمَةُ، أَوْ هَذِهِ، أَوِ الْكُبْرَى. قَالَ الْمُكْتَفُونَ بِالنِّيَّةِ: أَوْ بِأَنْ يَنْوِيَا وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَفْظٌ مُمَيِّزٌ. وَلَوْ قَالَ: بِنْتِي الْكُبْرَى وَسَمَّاهَا بِاسْمِ الصُّغْرَى، صَحَّ النِّكَاحُ عَلَى الْكُبْرَى عَلَى الْوَصْفِ. وَيَجِيءُ عَلَى قِيَاسِ الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فِي الْوَاحِدَةِ أَنْ يَبْطُلَ النِّكَاحُ. وَإِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْكِبَرِ وَالصِّغَرِ، بَلْ قَالَ: زَوَّجْتُكَ بِنْتِي فُلَانَةً، وَذَكَرَ اسْمَ الْكَبِيرَةِ وَقَصَدَ تَزْوِيجَهُ الصَّغِيرَةَ، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَقَصَدَ الزَّوْجُ الَّتِي قَصَدَهَا الْوَلِيُّ، صَحَّ النِّكَاحُ عَلَى الَّتِي قَصَدَاهَا، وَلَغَتِ التَّسْمِيَةُ. وَفِي الِاعْتِمَادِ عَلَى النِّيَّةِ الْإِشْكَالُ السَّابِقُ. وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: قَصَدْنَا الْكَبِيرَةَ، فَالنِّكَاحُ فِي الظَّاهِرِ مُنْعَقِدٌ عَلَى الْكَبِيرَةِ. وَإِنْ صَدَّقَ الْوَلِيَّ

стр. 2718

فِي أَنَّهُ قَصَدَ الصَّغِيرَةَ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ قَبِلَ غَيْرَ مَا أَوْجَبَ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ الْمُعْتَبِرُونَ لِلنِّيَّةِ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَسْأَلَةً مَنْقُولَةً، وَهِيَ أَنَّ زَيْدًا خَطَبَ إِلَى قَوْمٍ، وَعَمْرًا إِلَى آخَرِينَ، ثُمَّ جَاءَ زَيْدٌ إِلَى الْآخَرِينَ، وَعَمْرٌو إِلَى الْأَوَّلِينَ، وَزَوَّجَ كُلُّ فَرِيقٍ مَنْ جَاءَهُ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: وَقَعَتْ فِي أَيَّامِ أَبِي السَّائِبِ بِبَغْدَادَ، فَأَفْتَى الْفُقَهَاءُ بِصِحَّةِ النِّكَاحَيْنِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ وَلِيٍّ أَوْجَبَ لِغَيْرِ مَنْ قَبِلَ. قُلْتُ: لَيْسَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِثْلَهَا، وَالْفَرْقُ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ. وَمِنْ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ، زَوَّجُ رَجُلٌ رَجُلًا إِحْدَى بِنْتَيْهِ، فَمَاتَ الْأَبُ، وَادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ عَلَيْهِ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، أَوِ ادَّعَى هُوَ عَلَى إِحْدَاهُمَا، وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْبَابِ الثَّانِيَ عَشَرَ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الشَّهَادَةُ، فَلَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ إِلَّا بِحَضْرَةِ رَجُلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ مُكَلَّفَيْنِ حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ سَمِيعَيْنِ بَصِيرَيْنِ مُتَيَقِّظَيْنِ عَارِفَيْنِ لِسَانَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ. وَقِيلَ: يَصِحُّ بِالْأَعْمَيَيْنِ، وَحَكَى أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ ﵀ وَجْهًا أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِمَنْ لَا يَعْرِفُ لِسَانَ الْمُتَعَاقِدَيْنَ، لِأَنَّهُ يَنْقُلُهُ إِلَى الْحَاكِمِ. وَأَمَّا الْمُغَفَّلُ الَّذِي لَا يَضْبِطُ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ، وَيَنْعَقِدُ بِمَنْ يَحْفَظُ وَيَنْسَى عَنْ قَرِيبٍ. وَفِي الْأَخْرَسِ وَذِي الْحِرْفَةِ الدَّنِيَّةِ، وَالصَّبَّاغِ، وَالصَّائِغِ، وَجْهَانِ. وَفِي عَدُوَّيِ الزَّوْجَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْأُمِّ: الِانْعِقَادُ. وَالثَّالِثُ: يَنْعَقِدُ بِعَدُوَّيْ أَحَدِهِمَا دُونَ عَدُوَّيْهِمَا، وَاخْتَارَهُ الْعِرَاقِيُّونَ.

стр. 2719

وَفِي ابْنَيْهِمَا وَابْنَيْ أَحَدِهِمَا وَابْنِهِ وَابْنِهَا هَذِهِ الْأَوْجُهُ. وَقِيلَ: يَخْتَصُّ الْخِلَافُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، وَيَنْعَقِدُ فِي الْعَدُوَّيْنِ قَطْعًا، لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ قَدْ تَزُولُ. وَقِيلَ: يَنْعَقِدُ بِابْنَيْهَا وَعَدُوَّيْهِ دُونَ ابْنَيْهِ وَعَدُوَّيْهَا، لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى الْإِثْبَاتِ دُونَهَا، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي جَدِّهِ وَجَدِّهَا، وَأَبِيهِ مَعَ جَدِّهَا. وَأَمَّا أَبُوهَا، فَوَلِيٌّ عَاقِدٌ، فَلَا يَكُونُ شَاهِدًا. وَلَوْ وَكَّلَ، لَمْ يَنْعَقِدْ بِحُضُورِهِ، لِأَنَّ الْوَكِيلَ نَائِبُهُ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَ غَيْرَ الْأَبِ وَحَضَرَ مَعَ شَاهِدٍ آخَرَ، لَمْ يَنْعَقِدْ. قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي «الْفَتَاوَى» : لَوْ كَانَ لَهَا إِخْوَةٌ، فَزَوَّجَ أَحَدُهُمْ، وَحَضَرَ آخَرَانِ مِنْهُمْ شَاهِدَيْنِ، فَفِي صِحَّةِ النِّكَاحِ جَوَابَانِ. وَجْهُ الْمَنْعِ: أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْمُبَاشِرَ نَائِبًا عَنِ الْبَاقِينَ فِيمَا تَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: الرَّاجِحُ مِنْهُمَا، الصِّحَّةُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَنْعَقِدُ بِحَضْرَةِ ابْنَيْهِ مَعَ ابْنَيْهَا، أَوْ عَدُوَّيْهِ مَعَ عَدُوَّيْهَا بِلَا خِلَافٍ، لِإِمْكَانِ إِثْبَاتِ شِقَّتِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِشَهَادَةِ الْمَسْتُورَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ الِاصْطَخْرِيُّ: لَا. وَالْمَسْتُورُ: مَنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُهُ ظَاهِرًا، لَا بَاطِنًا. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: لَا يَنْعَقِدُ بِمَنْ لَا تُعْرَفُ عَدَالَتُهُ ظَاهِرًا، وَهَذَا كَأَنَّهُ مُصَوَّرٌ فِيمَنْ لَا يُعْرَفُ إِسْلَامُهُ، وَإِلَّا، فَظَاهِرٌ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ الِاحْتِرَازُ مِنْ أَسْبَابِ الْفِسْقِ. قُلْتُ: الْحَقُّ، قَوْلُ الْبَغَوِيِّ، وَأَنَّ مُرَادَهُ مَنْ لَا يُعَرَفُ ظَاهِرُهُ بِالْعَدَالَةِ، وَقَدْ صَرَّحَ

стр. 2720

الْبَغَوِيُّ بِهَذَا، وَقَالَهُ شَيْخُهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَنَقَلَهُ إِبْرَاهِيمُ الْمَرُّوذِيُّ عَنِ الْقَاضِي وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَا يَنْعَقِدُ بِمَنْ لَا يَظْهَرُ إِسْلَامُهُ وَحُرِّيَّتُهُ، بِأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ يَخْتَلِطُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ بِالْكُفَّارِ وَالْأَحْرَارُ بِالْعَبِيدِ وَلَا غَالِبَ. وَتَرَدَّدَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مَسْتُورِ الْحُرِّيَّةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، بَلْ لَا يُكْتَفَى بِظَاهِرِ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ بِالدَّارِ حَتَّى يُعْرَفَ حَالُهُ فِيهِمَا بَاطِنًا. هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِ، وَفَرَّقُوا بِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ يَسْهُلُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الْعَدَالَةِ وَالْفِسْقِ. وَلَوْ أَخْبَرَ عَدْلٌ بِفِسْقِ الْمَسْتُورِ، فَهَلْ يَزُولُ السِّتْرُ فَلَا يَنْعَقِدُ بِحُضُورِهِ، وَإِنْ زَالَ فَيُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكُ الرِّوَايَةِ؟ أَمْ يُقَالُ: هُوَ شَهَادَةٌ فَلَا يَقْدَحُ إِلَّا قَوْلُ مَنْ يُجْرَحُ عِنْدَ الْقَاضِي؟ تَرَدَّدَ فِيهِمَا الْإِمَامُ. قُلْتُ: لَوْ تَرَافَعَ الزَّوْجَانِ إِلَى حَاكِمٍ، وَأَقَرَّا بِنِكَاحِ عَقْدٍ بِمَسْتُورَيْنِ، وَاخْتَصَمَا فِي حَقِّ زَوْجَتِهِ، كَنَفَقَةٍ وَنَحْوِهَا، حَكَمَ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَنْظُرُ فِي حَالِ الشَّاهِدَيْنِ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ فِسْقَهُمَا فَلَا يَحْكُمَ. فَإِنْ جَحَدَ أَحَدُهُمَا النِّكَاحَ، فَأَقَامَ الْمُدَّعِي مَسْتُورَيْنِ، لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّتِهِ وَلَا فَسَادِهِ، بَلْ يَتَوَقَّفُ حَتَّى يَعْلَمَ بَاطِنَهُمَا، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ لَوْ بَانَ الشَّاهِدُ فَاسِقًا حَالَ الْعَقْدِ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، كَمَا لَوْ بَانَ كَافِرًا أَوْ عَبْدًا، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ الْفِسْقُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِتَصَادُقِ الزَّوْجَيْنِ أَنَّهُمَا كَانَا فَاسِقَيْنِ وَلَمْ نَعْلَمْهُمَا، أَوْ نَسِينَا فِسْقَهُمَا. فَأَمَّا لَوْ قَالَا: عَلِمْنَا (فِسْقَهُمَا) حِينَئِذٍ، أَوْ عَلِمَهُ أَحَدُنَا، فَقَالَ الْإِمَامُ: نَتَبَيَّنُ الْبُطْلَانَ بِلَا خِلَافٍ، لِأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا مَسْتُورَيْنِ عِنْدَ الزَّوْجَيْنِ، وَعَلَيْهِمَا التَّعْوِيلُ،

стр. 2721

وَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ: كُنَّا فَاسِقَيْنِ يَوْمَئِذٍ، كَمَا لَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِهِمَا: كُنَّا فَاسِقَيْنِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمَا، وَكَذَا لَوْ تَقَارَّ الزَّوْجَانِ أَنَّ النِّكَاحَ وَقَعَ فِي الْإِحْرَامِ أَوِ الْعِدَّةِ أَوِ الرِّدَّةِ، نَتَبَيَّنُ بُطْلَانَهُ، وَلَا مَهْرَ إِلَّا إِذَا كَانَ دَخَلَ بِهَا، فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ. فَلَوْ نَكَحَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، مَلَكَ ثَلَاثَ طَلَقَاتٍ. وَلَوِ اعْتَرَفَ الزَّوْجُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْكَرَتْ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَيْهَا فِي الْمَهْرِ، فَيَجِبُ نِصْفُ الْمُسَمَّى إِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَكُلُّهُ إِنْ كَانَ بَعْدَهُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ. وَفِي سَبِيلِ هَذَا التَّفْرِيقِ خِلَافٌ. قَالَ أَصْحَابُ الْقَفَّالِ: هُوَ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ، فَلَوْ نَكَحَهَا يَوْمًا، عَادَتْ بِطَلْقَتَيْنِ. قَالُوا: وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵁، أَنَّهُ لَوْ نَكَحَ أَمَةً، ثُمَّ قَالَ: نَكَحْتُهَا وَأَنَا وَاجِدٌ طَوْلَ حُرَّةٍ، بَانَتْ بِطَلْقَةٍ. وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْعِرَاقِيِّينَ: أَنَّهَا فُرْقَةُ فَسْخٍ لَا تُنْقِصُ عَدَدَ الطَّلَاقِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ الزَّوْجُ بِالرَّضَاعِ. وَإِلَى هَذَا مَالَ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ، وَهَؤُلَاءِ أَنْكَرُوا نَصَّهُ فِي مَسْأَلَةِ الْأَمَةِ، وَلِإِنْكَارِهِ وَجْهٌ ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ نَصَّ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ أَنَّهُ إِذَا نَكَحَ أَمَةً، ثُمَّ قَالَ: نَكَحْتُهَا وَأَنَا أَجِدُ طَوْلًا، فَصَدَّقَهُ مَوْلَاهَا، فُسِخَ النِّكَاحُ بِلَا مَهْرٍ، فَإِنْ كَانَ دَخَلَ، فَعَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا. وَإِنْ كَذَّبَهُ، فُسِخَ النِّكَاحُ بِإِقْرَارِهِ، وَلَمْ يُصَدَّقْ عَلَى الْمَهْرِ، دَخَلَ أَمْ لَمْ يَدْخُلْ. هَذَا لَفْظُهُ وَهُوَ يُوَافِقُ قَوْلَ الْعِرَاقِيِّينَ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ، قَوْلُ الْعِرَاقِيِّينَ. وَحَكَى الْعِرَاقِيُّونَ وَجْهًا: أَنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْمَهْرِ، فَلَا يَلْزَمُهُ. وَعَلَى هَذَا قَالُوا: إِنْ كَانَ اعْتِرَافُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَعَلَيْهِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْمُسَمَّى وَمَهْرِ الْمِثْلِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا إِذَا مَاتَتْ لَا يَرِثُهَا. وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهَا، فَإِنْ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُهُ وَلَمْ يَكُنْ حَلَفَ، فَيَحْلِفُ وَارِثُهُ: لَا يَعْلَمُهُ تَزَوَّجَهَا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ، وَلَا إِرْثَ لَهَا. وَإِنْ قُلْنَا: الْقَوْلُ قَوْلُهَا، حَلَفَتْ أَنَّهُ عَقَدَ بِعَدْلَيْنِ وَوَرِثَتْ. وَلَوْ قَالَتْ: عَقَدْنَا بِفَاسِقَيْنِ، فَقَالَ: بَلْ بِعَدْلَيْنِ. فَأَيُّهُمَا يُقْبَلُ؟ وَجْهَانِ. الْأَصَحُّ: قَوْلُهُ. فَإِنْ مَاتَ، لَمْ تَرِثْهُ، وَإِنْ مَاتَ

стр. 2722

أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ، لِإِنْكَارِهَا، وَبَعْدَ الدُّخُولِ لَهَا أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْمُسَمَّى وَمَهْرِ الْمِثْلِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ اسْتِتَابَةُ الْمَسْتُورَيْنِ قَبْلَ الْعَقْدِ، احْتِيَاطٌ وَاسْتِظْهَارٌ، وَتَوْبَةُ الْمُعْلِنِ بِالْفِسْقِ حِينَئِذٍ، هَلْ تُلْحِقُهُ بِالْمَسْتُورِ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ. وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ. فَإِنْ أَلْحَقْنَا فَعَادَ إِلَى فُجُورِهِ عَلَى قُرْبٍ، قَالَ الْإِمَامُ: فَالظَّاهِرُ أَنَّ تِلْكَ التَّوْبَةَ تَكُونُ سَاقِطَةً، قَالَ: وَفِيهِ احْتِمَالٌ. فَرْعٌ الِاحْتِيَاطُ، الْإِشْهَادُ عَلَى رِضَى الْمَرْأَةِ حَيْثُ يُشْتَرَطُ رِضَاهَا، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ. قُلْتُ: وَمِنْ مَسَائِلِ الْفَصْلِ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ إِحْضَارُ الشَّاهِدَيْنِ، بَلْ إِذَا حَضَرَا بِأَنْفُسِهِمَا، وَسَمِعَا الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ، صَحَّ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعَا الصَّدَاقَ. وَلَوْ عَقَدَ بِشَهَادَةِ خُنْثَيَيْنِ، ثُمَّ بَانَا رَجُلَيْنِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفُتُوحِ: احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فِي انْعِقَادِهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَهُ فَبَانَ رَجُلًا. هَذَا كَلَامُهُ. وَالِانْعِقَادُ هُنَا هُوَ الْأَصَحُّ، لِأَنَّ عَدَمَ جَزْمِ النِّيَّةِ يُؤَثِّرُ فِي الصَّلَاةِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

стр. 2723

الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْعَاقِدَانِ، وَهُمَا الْمُوجِبُ، وَالْقَابِلُ. فَالْقَابِلُ: هُوَ الزَّوْجُ وَمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ. وَالْمُوجِبُ: هُوَ الْوَلِيُّ أَوْ وَكِيلُهُ، وَلَا تَصِحُّ عِبَارَةُ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ إِيجَابًا وَقَبُولًا. فَلَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا بِإِذْنِ الْوَلِيِّ وَلَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَا غَيْرَهَا، لَا بِوَلَايَةٍ وَلَا وِكَالَةٍ، (وَلَا يُقْبَلُ النِّكَاحُ لَا بِوَلَايَةٍ وَلَا وِكَالَةٍ) . وَلَوْ وَكَّلَ بِنْتَهُ بِأَنْ تُوَكِّلَ رَجُلًا بِتَزْوِيجِهَا، فَوَكَّلَتْ، نَظَرٌ، إِنْ قَالَ: وَكِّلِي عَنْ نَفْسِكِ، لَمْ يَصِحَّ. وَإِنْ قَالَ: وَكِّلِي عَنِّي، أَوْ أُطَلِّقُ، فَوَجْهَانِ. فَرْعٌ رَوَى يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ قَالَ: إِذَا كَانَ فِي الرُّفْقَةِ امْرَأَةٌ لَا وَلِيَّ لَهَا، فَوَلَّتْ أَمْرَهَا رَجُلًا حَتَّى يُزَوِّجَهَا، جَازَ، وَلَيْسَ هَذَا قَوْلًا فِي صِحَّةِ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ، لِأَنَّ أَبَا عَاصِمٍ الْعَبَّادِيَّ حَكَى هَذَا النَّصَّ فِي طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَنْكَرَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَهُ، وَقَالَ: إِنَّهُ تَحْكِيمٌ، وَالْمُحَكَّمُ قَامَ مَقَامَ الْحَاكِمِ. قُلْتُ: ذَكَرَ صَاحِبُ (الْحَاوِي) فِيمَا إِذَا كَانَتِ امْرَأَةٌ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ وَلِيٌّ وَلَا حَاكِمٌ، ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: لَا تُزَوِّجُ. وَالثَّانِي: تُزَوِّجُ نَفْسَهَا لِلضَّرُورَةِ. وَالثَّالِثُ: تُوَلِّي أَمْرَهَا رَجُلًا يُزَوِّجُهَا. وَحَكَى الشَّاشِيُّ أَنَّ صَاحِبَ (الْمُهَذَّبِ) كَانَ يَقُولُ فِي هَذَا: تُحَكِّمُ فَقِيهًا مُجْتَهِدًا، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي التَّحْكِيمِ صَحِيحٌ بِنَاءً عَلَى الْأَظْهَرِ فِي جَوَازِهِ فِي النِّكَاحِ، وَلَكِنَّ شَرْطَ الْحَكَمِ أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِلْقَضَاءِ، وَهَذَا يُعْتَبَرُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ. فَالَّذِي نَخْتَارُهُ، صِحَّةُ النِّكَاحِ إِذَا وَلَّتْ أَمْرَهَا عَدْلًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ الَّذِي نَقَلَهُ يُونُسُ، وَهُوَ ثِقَةٌ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

стр. 2724

فَرْعٌ إِذَا وَطِئَ فِي نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ، وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَلَا حَدَّ سَوَاءٌ صَدَرَ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ أَوْ إِبَاحَتَهُ بِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ أَوْ حُسْبَانٍ مُجَرَّدٍ، لِشُبْهَةِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، وَلَكِنَّ مُعْتَقِدَ التَّحْرِيمِ يُعَزَّرُ. وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ وَالصَّيْرَفِيُّ: يُحَدُّ مُعْتَقِدُ التَّحْرِيمِ، وَلَا مَهْرَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَلَوْ رُفِعَ النِّكَاحُ بِلَا وَلِيٍّ إِلَى قَاضٍ يُصَحِّحُهُ، فَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَيْنَا، لَمْ نَنْقُضْ قَضَاءَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ: نَنْقُضُهُ، وَلَوْ طَلَّقَ فِيهِ، لَمْ يَقَعْ، فَلَوْ طَلَّقَ ثَلَاثًا، لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى مُحَلِّلٍ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يَقَعُ وَيَفْتَقِرُ إِلَى مُحَلِّلٍ احْتِيَاطًا لِلْإِبْضَاعِ، وَهَذَا كَوَجْهَيْنِ ذَكَرَهُمَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ عَنِ الْقَفَّالِ، أَنَّهَا إِذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا، هَلْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُزَوِّجَهَا قَبْلَ تَفْرِيقِ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: وَبِالْمَنْعِ أَجَابَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ، لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْفِرَاشِ، وَهُوَ تَخْرِيجُ ابْنِ سُرَيْجٍ. فَرْعٌ إِذَا أَقَرَّتْ حُرَّةٌ مُكَلَّفَةٌ بِالنِّكَاحِ، فَقَوْلَانِ. الْجَدِيدُ الْأَظْهَرُ: يُقْبَلُ إِقْرَارُهَا مَعَ تَصْدِيقِ الزَّوْجِ بِلَا بَيِّنَةٍ، لِأَنَّ النِّكَاحَ حَقُّهُمَا، فَثَبَتَ بِتَصَادُقِهِمَا، كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، وَلَا فَرْقَ عَلَى هَذَا بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، وَلَا بَيْنَ الْغَرِيبَيْنِ وَالْبَلَدِيَّيْنِ. وَالْقَدِيمُ: أَنَّهُمَا إِنْ كَانَا غَرِيبَيْنِ، ثَبَتَ النِّكَاحُ، وَإِلَّا، طُولِبَا بِالْبَيِّنَةِ، لِسُهُولَتِهَا عَلَيْهِمَا، وَلِلِاحْتِيَاطِ، فَعَلَى الْجَدِيدِ: هَلْ يَكْفِي إِطْلَاقُ الْإِقْرَارِ، أَمْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُفَصِّلَ فَيَقُولَ: زَوَّجَنِي بِهِ وَلِيِّي بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ وَرِضَايَ؟ إِنْ كَانَتْ مُعْتَبَرَةَ الرِّضَى، وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. ثُمَّ إِذَا أَقَرَّتْ وَكَذَّبَهَا الْوَلِيُّ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَصَحُّهَا: يُحْكَمُ بِقَوْلِهَا، لِأَنَّهَا

стр. 2725

تُقِرُّ عَلَى نَفْسِهَا، قَالَهُ ابْنُ الْحَدَّادِ وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ. وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهَا كَالْمُقِرَّةِ عَلَى الْوَلِيِّ، قَالَهُ الْقَفَّالُ، وَالثَّالِثُ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْعَفِيفَةِ وَالْفَاسِقَةِ، قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ. وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا الْخِلَافِ بَيْنَ أَنْ تُفَصِّلَ الْإِقْرَارَ وَتُضِيفَ التَّزْوِيجَ إِلَى الْوَلِيِّ فَيُكَذِّبَهَا، وَبَيْنَ أَنْ تُطْلِقَ إِذَا قَبِلْنَا الْإِقْرَارَ الْمُطْلَقَ فَقَالَ الْوَلِيُّ: لَا وَلِيَّ لَكِ غَيْرِي، وَمَا زَوَّجْتُكِ. وَيَجْرِي الْخِلَافُ أَيْضًا فِي تَكْذِيبِ الشَّاهِدَيْنِ إِذَا كَانَتْ قَدْ عَيَّنَتْهُمَا. وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ تَكْذِيبُهُمَا، لِاحْتِمَالِ النِّسْيَانِ وَالْكَذِبِ. فَإِنْ قُلْنَا: تَكْذِيبُ الْوَلِيِّ يَمْنَعُ قَبُولَ إِقْرَارِهَا، فَكَانَ غَائِبًا، لَمْ يُنْتَظَرْ حُضُورُهُ، بَلْ تُسَلَّمُ إِلَى الزَّوْجِ فِي الْحَالِ لِلضَّرُورَةِ، فَإِنْ عَادَ وَكَذَّبَهَا، فَهَلْ يُحَالُ بَيْنَهُمَا لِزَوَالِ الضَّرُورَةِ، أَمْ يُسْتَدَامُ؟ وَجْهَانِ، رَجَّحَ الْغَزَالِيُّ الْأَوَّلَ، وَغَيْرُهُ الثَّانِيَ. وَإِذَا قُلْنَا بِالْقَدِيمِ، فَجَرَى الْإِقْرَارُ فِي الْغُرْبَةِ، ثُمَّ رَجَعَا إِلَى الْوَطَنِ، فَفِي الْحِوَالَةِ بَيْنَهُمَا الْوَجْهَانِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ قَضَى قَاضٍ بِالْإِقْرَارِ، لَمْ يُنْقَضْ. فَرْعٌ أَقَرَّ الْوَلِيُّ بِإِنْكَاحِهَا، إِنْ كَانَ لَهُ إِنْشَاءُ النِّكَاحِ الْمُقَرِّ بِهِ عِنْدَ الْإِقْرَارِ بِغَيْرِ رِضَاهَا، قُبِلَ إِقْرَارُهُ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْإِنْشَاءِ. وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ حَتَّى تُوَافِقَهُ الْبَالِغَةُ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْإِنْشَاءُ بِغَيْرِ رِضَاهَا، لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُجْبِرٍ، أَوِ الْحَالُ غَيْرُ حَالِ الْإِجْبَارِ، أَوِ الزَّوْجُ لَيْسَ بِكُفْءٍ، لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ. وَلَوْ قَالَ وَهِيَ ثَيِّبٌ: كُنْتُ زَوَّجْتُهَا فِي بَكَارَتِهَا، لَمْ يُقْبَلْ، وَاعْتُبِرَ وَقْتُ الْإِقْرَارِ، كَذَا أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَيُمْكِنُ جَعْلُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ أَقَرَّ مَرِيضٌ لِوَارِثِهِ بِهِبَةٍ فِي الصِّحَّةِ.

стр. 2726

فَرْعٌ أَقَرَّتْ لِزَوْجٍ، وَأَقَرَّ وَلِيُّهَا الْمَقْبُولُ إِقْرَارُهُ لِآخَرَ، فَهَلِ الْمَقْبُولُ إِقْرَارُهُ، أَمْ إِقْرَارُهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ وَالْحَلِيمِيُّ عَنِ الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ وَالْأَوْدَنِيِّ. فَرْعٌ قَالَ الْخَاطِبُ لِوَلِيِّ الْمَرْأَةِ: زَوَّجْتُ نَفْسِي بِنْتَكَ، فَقَبِلَ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: يُبْنَى انْعِقَادُ النِّكَاحِ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ بَقَاءَهُمَا شَرْطٌ لِبَقَاءِ الْعَقْدِ كَالْعِوَضَيْنِ فِي الْبَيْعِ، أَمِ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ فَقَطْ لِأَنَّ الْعِوَضَ مِنْ جِهَتِهِ الْمَهْرُ لَا نَفْسُهُ، وَلِأَنَّهُ لَا حَجْرَ عَلَيْهِ فِي نِكَاحِ غَيْرِهَا مَعَهَا؟ فِيهِ خِلَافٌ. فَعَلَى الثَّانِي: لَا يَنْعَقِدُ. وَعَلَى الْأَوَّلِ: وَجْهَانِ. قَالَ أَبُو عَاصِمٍ وَأَبُو سَهْلٍ الْأَبِيوَرْدِيُّ: يَنْعَقِدُ كَمَا لَوْ أَضَافَ إِلَيْهَا، وَمَنَعَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْهُودٍ. الْبَابُ الرَّابِعُ فِي بَيَانِ الْأَوْلِيَاءِ وَأَحْكَامِهِمْ وَفِيهِ ثَمَانِيَةُ أَطْرَافٍ. [الطَّرَفُ] الْأَوَّلُ: فِي أَسْبَابِ الْوَلَايَةِ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ. [السَّبُبُ] الْأَوَّلُ: الْأُبُوَّةُ، وَفِي مَعْنَاهَا الْجُدُودَةُ، وَهِيَ أَقْوَى الْأَسْبَابِ، لِكَمَالِ الشَّفَقَةِ، فَلِلْأَبِ تَزْوِيجُ الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا، وَيُسْتَحَبُّ اسْتِئْذَانُ

стр. 2727

الْبَالِغَةِ. وَلَوْ أَجْبَرَهَا، صَحَّ النِّكَاحُ. فَلَوْ كَانَ بَيْنَ الْأَبِ وَبَيْنَهَا عَدَاوَةٌ ظَاهِرَةٌ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَيْسَ لَهُ إِجْبَارُهَا، وَكَذَا نَقَلَهُ الْحَنَّاطِيُّ عَنِ ابْنِ الْمَرْزُبَانِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ جَوَازُهُ. فَأَمَّا الثَّيِّبُ، فَلَا يُزَوِّجُهَا الْأَبُ إِلَّا بِإِذْنِهَا فِي حَالِ الْبُلُوغِ، وَالْجَدُّ كَالْأَبِ فِي كُلِّ هَذَا، وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ قَوْلًا: أَنَّ الْجَدَّ لَا يُجْبِرُ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَاصِّ وَأَبُو الطِّيبِ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ. وَسَوَاءٌ حَصَلَتِ الثُّيُوبَةُ بِوَطْءٍ مُحْتَرَمٍ أَوْ زِنًا. وَحُكِيَ عَنِ الْقَدِيمِ: أَنَّ الْمُصَابَةَ بِالزِّنَا كَالْبِكْرِ. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ زَالَتْ بَكَارَتُهَا بِسَقْطَةٍ، أَوْ أُصْبَعٍ، أَوْ حِدَّةِ الطَّمْثِ، أَوْ طُولِ التَّعْنِيسِ، أَوْ وُطِئَتْ فِي دُبُرِهَا، فَبِكْرٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ وُطِئَتْ مَجْنُونَةٌ، أَوْ مُكْرَهَةٌ، أَوْ نَائِمَةٌ، فَثَيِّبٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ خَطَبَ الْبِكْرَ رَجُلٌ، فَمَنَعَهَا أَبُوهَا، فَذَهَبَتْ وَزَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِهِ، ثُمَّ زَوَّجَهَا الْأَبُ غَيْرَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهَا، إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ يَطَأْهَا، صَحَّ تَزْوِيجُ الْأَبِ، وَإِلَّا، فَلَا، لِأَنَّهَا ثَيِّبٌ بِوَطْءِ شُبْهَةٍ. قُلْتُ: إِنَّمَا يَصِحُّ تَزْوِيجُ الْأَبِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ حَكَمَ بِصِحَّةِ نِكَاحِهَا بِنَفْسِهَا حَنَفِيٌّ وَنَحْوُهُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ إِذَا الْتَمَسَتِ الْبِكْرُ الْبَالِغَةُ التَّزْوِيجَ وَقَدْ خَطَبَهَا كُفْءٌ، لَزِمَ الْأَبَ وَالْجَدَّ إِجَابَتُهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ، زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ. وَفِي وَجْهٍ: لَا تَلْزَمُهُ الْإِجَابَةُ، وَلَا يَأْثَمُ بِالِامْتِنَاعِ، لِأَنَّ الْغَرَضَ يَحْصُلُ بِتَزْوِيجِ السُّلْطَانِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَلَوِ الْتَمَسَتْ صَغِيرَةٌ بَلَغَتْ إِمْكَانَ الشَّهْوَةِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: لَزِمَهُ إِجَابَتُهَا.

стр. 2728

قُلْتُ: هَذَا ضَعِيفٌ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ عَيَّنَتْ كُفْئًا، وَأَرَادَ الْأَبُ تَزْوِيجَهَا بِكُفْءٍ آخَرَ، كَانَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ. قُلْتُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: اسْتُحِبَّ لِلْأَبِ أَنْ لَا يُزَوِّجَ الْبِكْرَ حَتَّى تَبْلُغَ وَيَسْتَأْذِنَهَا. قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: فَإِنْ قَارَبَتِ الْبُلُوغَ، وَأَرَادَ تَزْوِيجَهَا، اسْتُحِبَّ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا ثِقَاتٍ يَنْظُرْنَ مَا فِي نَفْسِهَا. قَالَ الصَّيْمَرِيُّ: وَلَوْ خُلِقَتِ الْمَرْأَةُ بِلَا بَكَارَةٍ، فَهِيَ بِكْرٌ. وَلَوِ ادَّعَتِ الْبَكَارَةَ أَوِ الثُّيُوبَةَ، فَقَطَعَ الصَّيْمَرِيُّ وَصَاحِبُ «الْحَاوِي» : بِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا، وَلَا يُكْشَفُ حَالُهَا، لِأَنَّهَا أَعْلَمُ. قَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : وَلَا تُسْأَلُ عَنِ الْوَطْءِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لَهَا زَوْجٌ. قَالَ الشَّاشِيُّ: وَفِي هَذَا نَظَرٌ، لِأَنَّهَا رُبَّمَا أَذْهَبَتْ بَكَارَتَهَا بِأُصْبَعِهَا، فَلَهُ أَنْ يَسْأَلَهَا. فَإِنِ اتَّهَمَهَا، حَلَّفَهَا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. السَّبَبُ الثَّانِي: عُصُوبَةُ مَنْ عَلَى حَاشِيَةِ النَّسَبِ، كَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَبَنِيهِمَا، فَلَا تُزَوَّجُ بِهَا الصَّغِيرَةُ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا. وَأَمَّا الْبَالِغَةُ، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، فَلَهُمْ تَزْوِيجُهَا بِإِذْنِهَا الصَّرِيحِ. وَإِنْ زُوِّجَتْ بِغَيْرِ رِضَاهَا، لَمْ يَنْعَقِدْ. وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا، فَلَهُمْ تَزْوِيجُهَا إِذَا اسْتَأْذَنُوهَا. وَهَلْ يَكْفِي سُكُوتُهَا، أَمْ يُشْتَرَطُ صَرِيحُ نُطْقِهَا؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ. وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلِاسْتِئْذَانِ أَصْلًا، بَلْ إِذَا عَقَدَ بَيْنَ يَدَيْهَا وَلَمْ تُنْكِرْ، كَانَ رِضًى. وَالصَّحِيحُ الِاشْتِرَاطُ. وَإِذَا اكْتَفَيْنَا بِالسُّكُوتِ، حَصَلَ الرِّضَى، ضَحِكَتْ، أَمْ بَكَتْ، إِلَّا إِذَا بَكَتْ مَعَ الصِّيَاحِ وَضَرْبِ الْخَدِّ، فَلَا يَكُونُ رِضًى.

стр. 2729

وَإِذَا أَرَادَ الْأَبُ تَزْوِيجَ الْبِكْرِ بِغَيْرِ كُفْءٍ، فَاسْتَأْذَنَهَا، فَهَلْ يَكْفِي السُّكُوتُ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ. قُلْتُ: وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ «كِتَابِ النِّكَاحِ» عَنْ فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ الْجَزْمَ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ إِذَا اسْتَأْذَنَهَا وَلِيٌّ فِي تَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ فَسَكَتَتْ. قَالَ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» : قَالَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ: إِذَا اسْتَأْذَنَ الْوَلِيُّ الْبِكْرَ فِي أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، أَوْ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، لَمْ يَكُنْ سُكُوتُهَا إِذْنًا فِي ذَلِكَ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ قَالَ: أُزَوِّجُكِ بِشَخْصٍ؟ فَسَكَتَتْ، قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: الْأَلْيَقُ بِمَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ رِضًى، لِأَنَّ الرِّضَا بِالْمَجْهُولِ لَا يُتَصَوَّرُ. وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: هَذَا يُخَرَّجُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الزَّوْجِ فِي الْإِذْنِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ، فَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ إِذَا اكْتَفَيْنَا بِالسُّكُوتِ. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي أَوْرَدَهُ الرَّافِعِيُّ، هُوَ الصَّوَابُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ قَالَ: أَيَجُوزُ أَنْ أُزَوِّجَكِ؟ فَقَالَتْ: لِمَ لَا يَجُوزُ؟ أَوْ قَالَ: أَتَأْذَنِينَ؟ فَقَالَتْ: لِمَ لَا آذَنُ؟ حَكَى بَعْضُهُمْ: أَنَّهُ لَيْسَ بِإِذْنٍ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: هَذَا مُشْعِرٌ بِرِضَاهَا، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ سُكُوتِهَا. قُلْتُ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ إِذْنٌ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

стр. 2730

فَرْعٌ قَالَتْ: وَكَّلْتُكَ بِتَزْوِيجِي، فَالَّذِي لَقِينَاهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ لَا يَعُدُّونَهُ إِذْنًا، لِأَنَّ تَوْكِيلَ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ بَاطِلٌ، لَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ مَسْطُورَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَدَّ بِهِ إِذْنًا، كَمَا إِذَا فَسَدَتِ الْوَكَالَةُ، نَفَذَ التَّصَرُّفُ بِالْإِذْنِ. قُلْتُ: هَذَا عَجَبٌ مِنَ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ، وَالْمَسْأَلَةُ مَنْصُوصَةٌ لِلشَّافِعِيِّ. قَالَ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» : يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْذَنَ لِوَلِيِّهَا غَيْرِ الْمُجْبِرِ بِلَفْظِ (الْإِذْنِ) ، وَيَجُوزُ بِلَفْظِ الْوَكَالَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀، لِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ، فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ نَقْلًا وَدَلِيلًا. وَلَوْ أَذِنَتْ لَهُ، ثُمَّ رَجَعَتْ، لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهَا، كَالْمُوَكِّلِ إِذَا عَزَلَ الْوَكِيلَ، فَإِنْ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ بَعْدَ الْعَزْلِ قَبْلَ الْعِلْمِ، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى بَيْعِ الْوَكِيلِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ فِي «فَتَاوَى» الْبَغَوِيِّ: أَنَّ الَّتِي يُعْتَبَرُ إِذْنُهَا فِي تَزْوِيجِهَا إِذَا قَالَتْ لِوَلِيِّهَا وَهِيَ فِي نِكَاحٍ أَوْ عِدَّةٍ: أَذِنْتُ لَكَ فِي تَزْوِيجِي إِذَا فَارَقَنِي زَوْجِي أَوِ انْقَضَتْ عِدَّتِي، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ الْإِذْنُ، كَمَا لَوْ قَالَ الْوَلِيُّ لِلْوَكِيلِ: زَوِّجْ بِنْتِي إِذَا فَارَقَهَا زَوْجُهَا أَوِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا. وَفِي هَذَا التَّوْكِيلِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْوَكَالَةِ. وَفِيهَا أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لِلْبِكْرِ: رَضِيتِ بِمَا تَفْعَلُهُ أُمُّكِ؟ وَهِيَ تَعْرِفُ أَنَّهُمْ يَعْنُونَ النِّكَاحَ، فَقَالَتْ: رَضِيتُ، لَمْ يَكُنْ إِذْنًا، لِأَنَّ الْأُمَّ لَا تَعْقِدُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَتْ: رَضِيتُ بِمَا يَفْعَلُ الْوَلِيُّ. وَلَوْ قَالَتْ: رَضِيتُ بِالتَّزْوِيجِ بِمَنْ تَخْتَارُهُ أُمِّي، جَازَ. وَلَوْ قَالَتْ:

стр. 2731

رَضِيتُ إِنْ رَضِيَتْ أُمِّي، لَا يَجُوزُ. وَلَوْ قَالَتْ: رَضِيتُ إِنْ رَضِيَ وَلِيِّي. فَإِنْ أَرَادَتِ التَّعْلِيقَ، لَمْ يَجُزْ. وَإِنْ أَرَادَتْ: إِنِّي رَضِيتُ بِمَا يَفْعَلُهُ الْوَلِيُّ، كَانَ إِذْنًا. وَفِيهَا: لَوْ أَذِنَتْ فِي التَّزْوِيجِ بِأَلْفٍ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا عِنْدَ الْعَقْدِ: بِخَمْسِمِائَةٍ، فَسَكَتَتْ وَهِيَ بِكْرٌ، كَانَ سُكُوتُهَا إِذْنًا فِي تَزْوِيجِهَا بِخَمْسِمِائَةٍ. وَلَوْ قِيلَ ذَلِكَ لِأُمِّهَا وَهِيَ حَاضِرَةٌ، فَسَكَتَتْ، لَمْ يَكُنْ إِذْنًا. السَّبَبُ الثَّالِثُ: الْإِعْتَاقُ، فَالْمُعْتِقُ وَعَصَبَتُهُ يُزَوِّجُونَ كَالْأَخِ. السَّبَبُ الرَّابِعُ: السَّلْطَنَةُ، فَيُزَوِّجُ السُّلْطَانُ بِالْوَلَايَةِ الْعَامَّةِ الْبَوَالِغَ بِإِذْنِهِنَّ، وَلَا يُزَوِّجُ الصِّغَارَ. ثُمَّ السُّلْطَانُ يُزَوِّجُ فِي مَوَاضِعَ. أَحَدُهَا: عَدَمُ الْوَلِيِّ الْخَاصِّ. الثَّانِي: عِنْدَ غَيْبَتِهِ. الثَّالِثُ: عِنْدَ إِرَادَتِهِ تَزَوُّجَهَا لِنَفْسِهِ. الرَّابِعُ: عَضْلُهُ، فَإِذَا عَضَلَهَا وَلِيُّهَا بِقَرَابَةٍ أَوْ إِعْتَاقٍ، وَاحِدًا كَانَ، أَوْ جَمَاعَةً مُسْتَوِينَ، زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ. وَهَلْ تَزْوِيجُهُ فِي هَذَا الْحَالِ بِالْوَلَايَةِ، أَمِ النِّيَابَةِ عَنِ الْوَلِيِّ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ فِيهِ وَفِي جَمِيعِ صُوَرِ تَزْوِيجِ السُّلْطَانِ مَعَ وُجُودِ أَهْلِيَّةِ الْوَلِيِّ الْخَاصِّ. ثُمَّ إِنَّمَا يَحْصُلُ الْعَضْلُ إِذَا دَعَتِ الْبَالِغَةُ الْعَاقِلَةُ إِلَى تَزْوِيجِهَا بِكُفْءٍ فَامْتَنَعَ. فَأَمَّا إِذَا دَعَتْ إِلَى غَيْرِ كُفْءٍ، فَلَهُ الِامْتِنَاعُ، وَلَا يَكُونُ عَضْلًا. وَإِذَا حَصَلَتِ الْكَفَاءَةُ، فَلَيْسَ لَهُ الِامْتِنَاعُ لِنُقْصَانِ الْمَهْرِ، لِأَنَّهُ مَحْضُ حَقِّهَا. وَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ الْعَضْلِ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِيُزَوِّجَهَا. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَا يَتَحَقَّقُ الْعَضْلُ حَتَّى يَمْتَنِعَ بَيْنَ يَدَيِ الْقَاضِي، وَذَلِكَ بِأَنْ يَحْضُرَ الْخَاطِبُ وَالْمَرْأَةُ وَالْوَلِيُّ، وَيَأْمُرَهُ الْقَاضِي بِالتَّزْوِيجِ فَيَقُولُ: لَا أَفْعَلُ، أَوْ يَسْكُتُ، فَحِينَئِذٍ يُزَوِّجُهَا الْقَاضِي. وَكَانَ هَذَا فِيمَا إِذَا تَيَسَّرَ إِحْضَارُهُ عِنْدَ الْقَاضِي. فَأَمَّا إِذَا تَعَذَّرَ بِتَعَزُّزٍ أَوْ تَوَارٍ، فَيَجِبُ أَنْ يَجُوزَ الْإِثْبَاتُ بِالْبَيِّنَةِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. وَفِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ الْحُضُورِ لَا مَعْنَى لِلْبَيِّنَةِ، فَإِنَّهُ إِنْ زَوَّجَ، وَإِلَّا فَعَضَلَ.

стр. 2732

فَرْعٌ سَيَأْتِي خِلَافٌ فِي أَنَّ السَّيِّدَ يُزَوِّجُ أَمَتَهُ بِالْمِلْكِ، أَمْ بِالْوَلَايَةِ؟ إِنْ قُلْنَا: بِالْوَلَايَةِ، صَارَتِ الْأَسْبَابُ خَمْسَةً. الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي تَرْتِيبِ الْأَوْلِيَاءِ، فَتُقَدَّمُ جِهَةُ الْقَرَابَةِ، ثُمَّ الْوَلَاءِ، ثُمَّ السَّلْطَنَةِ. وَيُقَدَّمُ مِنَ الْقَرَابَةِ الْأَبُ، ثُمَّ أَبُوهُ، ثُمَّ أَبُوهُ، إِلَى حَيْثُ يَنْتَهِي، ثُمَّ الْأَخُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ مِنَ الْأَبِ، ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ الْعَمُّ مِنَ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ مِنَ الْأَبِ، ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ سَائِرُ الْعَصَبَاتِ. وَالتَّرْتِيبُ فِي التَّزْوِيجِ، كَالتَّرْتِيبِ فِي الْإِرْثِ، إِلَّا فِي مَسَائِلَ. إِحْدَاهَا: الْجَدُّ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَخِ هُنَا. [الْمَسْأَلَةُ] الثَّانِيَةُ: الْأَخُ لِلْأَبَوَيْنِ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ فِي الْإِرْثِ، وَهُنَا قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا وَهُوَ الْجَدِيدُ: يُقَدَّمُ أَيْضًا. وَالْقَدِيمُ: يَسْتَوِيَانِ، وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي ابْنَيِ الْأَخِ وَالْعَمَّيْنِ وَابْنَيِ الْعَمِّ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْأَبَوَيْنِ وَالْآخَرُ مِنَ الْأَبِ. وَلَوْ كَانَ ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخُوهَا مِنَ الْأُمِّ، أَوِ ابْنَا ابْنِ عَمٍّ أَحَدُهُمَا ابْنُهَا، فَقَالَ الْإِمَامُ: هُمَا سَوَاءٌ. وَطَرَدَ الْجُمْهُورُ الْقَوْلَيْنِ وَقَالُوا: الْجَدِيدُ: يُقَدَّمُ الْأَخُ وَالِابْنُ. وَلَوْ كَانَ ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا مِنَ الْأَبَوَيْنِ، وَالْآخَرُ مِنَ الْأَبِ، لَكِنَّهُ أَخُوهَا مِنَ الْأُمِّ، فَالثَّانِي هُوَ الْوَلِيُّ، لِأَنَّهُ يُدْلِي بِالْجَدِّ وَالْأُمِّ، وَالْأَوَّلُ بِالْجَدِّ وَالْجَدَّةِ. وَلَوْ كَانَ ابْنَا ابْنِ عَمٍّ أَحَدُهُمَا ابْنُهَا، وَالْآخَرُ أَخُوهَا مِنَ الْأُمِّ، فَالِابْنُ هُوَ الْمُقَدَّمُ، لِأَنَّهُ أَقْرَبُ. وَلَوْ كَانَ ابْنَا مُعْتِقٍ أَحَدُهُمَا ابْنُهَا، فَهُوَ الْمُقَدَّمُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ، لَكِنَّهُ ذَكَرَ فِي التَّفْرِيعِ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْمُعْتِقُ نِكَاحَ عَتِيقَتِهِ وَلَهُ ابْنٌ مِنْهَا وَابْنٌ مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّهَا تَسْتَحِقُّ الْحُرِّيَّةَ بِسَبَبِهِ، زَوَّجَهُ ابْنُهُ مِنْهَا دُونَ ابْنِهِ مِنْ غَيْرِهَا، وَهَذَا غَلَطٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّ ابْنَ الْمُعْتِقِ لَا يُزَوِّجُ فِي حَيَاةِ الْمُعْتِقِ، وَإِنَّمَا يُزَوِّجُهُ السُّلْطَانُ، وَإِنَّمَا يُزَوِّجُ

стр. 2733

ابْنُ الْمُعْتِقِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى الْجَدِيدِ. وَأَمَّا عَلَى الْقَدِيمِ، فَيُسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الصُّوَرِ. قُلْتُ: وَلَوْ كَانَ ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا مُعْتِقٌ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ، أَوِ ابْنَا عَمٍّ أَحَدُهُمَا خَالٌ، فَهُمَا سَوَاءٌ بِلَا خِلَافٍ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. (الْمَسْأَلَةُ) الثَّالِثَةُ: الِابْنُ لَا يُزَوِّجُ بِالْبُنُوَّةِ، فَإِنْ شَارَكَهَا فِي نَسَبٍ كَابْنٍ هُوَ ابْنُ ابْنِ عَمِّهَا، فَلَهُ الْوَلَايَةُ بِذَلِكَ. وَكَذَا إِنْ كَانَ مُعْتِقًا أَوْ قَاضِيًا، أَوْ تَوَلَّدَتْ قَرَابَةٌ مِنْ أَنْكِحَةِ الْمَجُوسِ، أَوْ وَطْءِ الشُّبْهَةِ، بِأَنْ كَانَ ابْنُهَا أَخَاهَا، أَوِ ابْنَ أَخِيهَا، أَوِ ابْنَ عَمِّهَا، وَلَا تَمْنَعُهُ الْبُنُوَّةُ التَّزْوِيجَ بِالْجِهَةِ الْأُخْرَى. فَصْلٌ وَأَمَّا الْوَلَاءُ، فَمَنْ لَا عَصَبَةَ لَهَا بِنَسَبٍ، وَعَلَيْهَا وَلَاءٌ، فَيُنْظَرُ، إِنْ أَعْتَقَهَا رَجُلٌ، فَوَلَايَةُ تَزْوِيجِهَا لَهُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِصِفَةِ الْوَلَايَةِ، فَلِعَصَبَاتِهِ، ثُمَّ لِمُعْتِقِهِ، ثُمَّ لِعَصِبَاتِ مُعْتِقِهِ، وَهَكَذَا عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الْإِرْثِ. وَتَرْتِيبُ عَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ فِي التَّزْوِيجِ، كَتَرْتِيبِ عَصَبَاتِ النَّسَبِ، إِلَّا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ. إِحْدَاهَا: جَدُّهَا أَوْلَى مِنْ أَخِيهَا، وَفِي جَدِّ الْمُعْتِقِ وَأَخِيهِ قَوْلَانِ كَإِرْثِهِمَا بِالْوَلَاءِ. أَظْهَرُهُمَا: تَقْدِيمُ الْأَخِ، وَالثَّانِي: يَسْتَوِيَانِ. وَلَوِ اجْتَمَعَ جَدُّ الْمُعْتِقِ وَابْنُ أَخِيهِ، فَإِنْ قَدَّمْنَا الْأَخَ عَلَى الْجَدِّ، قَدَّمْنَا ابْنَهُ، وَإِلَّا فَيُقَدَّمُ الْجَدُّ. وَقَدْ حَكَيْنَا فِي الْإِرْثِ تَفْرِيعًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَجْهًا أَنَّهُمَا يَسْتَوِيَانِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَطَّرِدَ هُنَا. (الْمَسْأَلَةُ) الثَّانِيَةُ: ابْنُ الْمَرْأَةِ لَا يُزَوِّجُهَا، وَابْنُ الْمُعْتِقِ يُزَوِّجُ، وَيُقَدَّمُ عَلَى أَبِيهِ، لِأَنَّ التَّعْصِيبَ لَهُ. (الْمَسْأَلَةُ) الثَّالِثَةُ: إِذَا اجْتَمَعَ أَخُو الْمُعْتِقِ لِأَبَوَيْهِ وَأَخُوهُ لِأَبِيهِ،

стр. 2734

فَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِتَقْدِيمِ الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ. وَقِيلَ بِطَرْدِ الْقَوْلَيْنِ كَالنَّسَبِ. وَقِيلَ: يَسْتَوِيَانِ قَطْعًا. أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُعْتِقُ امْرَأَةً، فَلَا وَلَايَةَ لَهَا، لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهَا، فَإِنْ كَانَتْ حَيَّةً، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا قَالَهُ صَاحِبُ «التَّلْخِيصِ» : يُزَوِّجُهَا السُّلْطَانُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُزَوِّجُهَا مَنْ يُزَوِّجُ مُعْتِقَهَا، فَيُزَوِّجُهَا أَبُو الْمُعْتِقَةِ ثُمَّ جَدُّهَا عَلَى تَرْتِيبِ الْأَوْلِيَاءِ، وَلَا يُزَوِّجُهَا ابْنُ الْمُعْتِقَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِي تَزْوِيجِهَا رِضَاهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَى الْمُعْتِقَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، إِذْ لَا وَلَايَةَ لَهَا. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ، فَإِنْ عَضَلَتْ، نَابَ السُّلْطَانُ عَنْهَا فِي الْإِذْنِ، وَيُزَوِّجُ الْوَلِيُّ. فَإِنْ كَانَتِ الْمُعْتِقَةُ مَيِّتَةً، زَوَّجَهَا مَنْ لَهُ الْوَلَاءُ مِنْ عَصَبَاتِ الْمُعْتِقَةِ، وَيُقَدَّمُ الِابْنُ عَلَى الْأَبِ. وَتَعُودُ الصُّوَرُ الْمَذْكُورَةُ فِي مُفَارَقَتِهِمْ عَصَبَاتِ النَّسَبِ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُعْتِقُ رَجُلًا. وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّ الْأَبَ يُقَدَّمُ عَلَى الِابْنِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُعْتِقَةِ، وَوَجْهٌ: أَنَّ الِابْنَ يُقَدَّمُ عَلَى الْأَبِ فِي حَيَاتِهَا، وَهُمَا شَاذَّانِ. فَرْعٌ مَتَى اجْتَمَعَ عَدَدٌ مِنْ عَصَبَاتِ الْمُعْتِقِ فِي دَرَجَةٍ، كَالْبَنِينَ وَالْإِخْوَةِ، فَهُمْ كَالْإِخْوَةِ فِي النَّسَبِ. فَإِذَا زَوَّجَهَا أَحَدُهُمْ بِرِضَاهَا صَحَّ، وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَى الْآخَرِينَ. وَلَوْ أَعْتَقَ الْأَمَةَ اثْنَانِ، اشْتُرِطَ رِضَاهُمَا، فَيُوكِّلَانِ، أَوْ يُوكِّلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، أَوْ يُبَاشِرَانِ الْعَقْدَ مَعًا. وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُ الْمُعْتِقَيْنِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، اشْتُرِطَ مُوَافَقَةُ السُّلْطَانِ لِلْآخَرِ. وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا عَنِ ابْنَيْنِ أَوْ أَخَوَيْنِ، كَفَى مُوَافَقَةُ أَحَدِهِمَا لِلْمُعْتِقِ الْآخَرِ. وَلَوْ مَاتَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ ابْنَيْنِ، كَفَى مُوَافَقَةُ أَحَدِ ابْنَيْ هَذَا أَحَدَ ابْنَيْ ذَاكَ. وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَوَارِثُهُ الْآخَرُ، اسْتَقَلَّ بِتَزْوِيجِهَا.

стр. 2735

فَرْعٌ كَانَ الْمُعْتِقُ خُنْثَى مُشْكِلًا، يَنْبَغِي أَنْ يُزَوِّجَهَا أَبُوهُ بِإِذْنِهِ، فَيَكُونَ وَلِيًّا أَوْ وَكِيلًا إِنْ كَانَ الْخُنْثَى ذَكَرًا. فَصْلٌ فِيمَنْ بَعْضُهَا حُرٌّ، خَمْسَةُ أَوْجُهٍ. أَصَحُّهَا: يُزَوِّجُهَا مَالِكُ الْبَعْضِ وَمَعَهُ وَلِيُّهَا الْقَرِيبُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَمُعْتِقُ بَعْضِهَا، وَإِلَّا، فَالسُّلْطَانُ. وَالثَّانِي: يَكُونُ مَعَهُ مُعْتِقُ الْبَعْضِ. وَالثَّالِثُ: مَعَهُ السُّلْطَانُ. وَالرَّابِعُ: يَسْتَقِلُّ مَالِكُ الْبَعْضِ. وَالْخَامِسُ: لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا أَصْلًا، لِضَعْفِ الْمِلْكِ وَالْوَلَايَةِ بِالتَّبْعِيضِ. الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِي مَوَانِعِ الْوَلَايَةِ، وَهِيَ خَمْسَةٌ. (الْمَانِعُ) الْأَوَّلُ: الرِّقُّ، فَلَا وَلَايَةَ لِرَقِيقٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ فِي قَبُولِ النِّكَاحِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ قَطْعًا، وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُهُ فِي الْإِيجَابِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي الْوَكَالَةِ. (الْمَانِعُ) الثَّانِي: مَا يَسْلُبُ النَّظَرَ وَالْبَحْثَ عَنْ حَالِ الزَّوْجِ، وَفِيهِ صُوَرٌ سِتٌّ. إِحْدَاهَا: الصِّبَا وَالْجُنُونُ الْمُطْبِقُ يَمْنَعَانِ الْوَلَايَةَ وَيَنْقُلَانِهَا إِلَى الْأَبْعَدِ. وَفِي الْجُنُونِ الْمُنْقَطِعِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ كَالْمُطْبِقِ، وَيُزَوِّجُهَا الْأَبْعَدُ يَوْمَ جُنُونِهِ، لِبُطْلَانِ أَهْلِيَّتِهِ. وَالثَّانِي: لَا يُزِيلُ وَلَايَتَهُ كَالْإِغْمَاءِ، فَعَلَى هَذَا يُنْتَظَرُ حَتَّى يُفِيقَ عَلَى الصَّحِيحِ وَقِيلَ: يُزَوِّجُهَا الْحَاكِمُ كَالْغَيْبَةِ، وَالْخِلَافُ جَارٍ فِي الثَّيِّبِ الْمُنْقَطِعِ جُنُونُهَا. فَعَلَى رَأْيٍ: تُزَوَّجَ فِي حَالِ جُنُونِهَا. وَعَلَى رَأْيٍ: يُنْتَظَرُ إِفَاقَتُهَا لِتَأْذَنَ. وَلَوْ وَكَّلَ هَذَا الْوَلِيُّ فِي إِفَاقَتِهِ، اشْتُرِطَ عَقْدُ وَكِيلِهِ قَبْلَ عُودِ الْجُنُونِ، وَكَذَا إِذَا أَذِنَتِ الثَّيِّبُ، يُشْتَرَطُ
следующие страницы →