← Фикх шафии

Фикх шафии · id 499

روضة الطالبين وعمدة المفتين

النووي

Полный текст (4 941 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

أَفْتَى الْمَحْمُودِيُّ. وَالثَّانِي قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ: إِنْ قَصَدَ بِالشِّرَاءِ الْغَنَاءَ، بَطَلَ، وَإِلَّا فَلَا. وَالثَّالِثُ: صِحَّةُ الْبَيْعِ قَالَهُ الْأَوْدَنِيُّ، قَالَ: وَمَا سِوَى ذَلِكَ اسْتِحْسَانٌ. قُلْتُ: وَاخْتَارَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الصِّحَّةَ مُطْلَقًا، وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَلَوْ بِيعَتْ بِأَلْفٍ، فَالْبَيْعُ صَحِيحُ بِلَا خِلَافٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ أَصْدَقَ ذِمِّيٌّ خَمْرًا، ثُمَّ أَسْلَمَا وَتَرَافَعَا إِلَيْنَا، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَبْضِ، لَمْ نَحْكُمْ لَهَا بِشَيْءٍ. وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَقْبُوضَةٍ، حَكَمْنَا بِوُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ. وَلَوْ صَارَتِ الْخَمْرَةُ الْمُصْدَقَةُ فِي يَدِهِ خَلًّا، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ أَحَدَهُمَا، فَوَجْهَانِ. قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَا شَيْءَ لَهَا إِلَّا الْخَلَّ. وَأَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ الْقَفَّالُ: لَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ ; لِأَنَّ الْخَمْرَ لَا تَصْلُحُ صَدَاقًا، وَلَا عِبْرَةً بِذِكْرِهَا إِذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا قَبَضٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ. وَلَوْ أَصْدَقَهَا عَصِيرًا، فَتَخَمَّرَ فِي يَدِهِ، ثُمَّ عَادَ خَلًّا، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ تَرَافَعَا إِلَيْنَا، لَزِمَهُ قِيمَةُ الْعَصِيرِ. وَلَوْ قَبَضَتِ الذِّمِّيَّةُ الْخَمْرَ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ تَرَافَعَا إِلَيْنَا، فَلَا رُجُوعَ لِلزَّوْجِ لِعَدَمِ الْمَالِيَّةِ وَمَنْعِ إِمْسَاكِ الْخَمْرِ. وَلَوْ صَارَتْ خَلًّا عِنْدَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَهَلْ لِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ إِلَى نِصْفِهِ لِكَوْنِ الْعَيْنِ بَاقِيَةً وَإِنَّمَا تَغَيَّرَتْ صِفَتُهَا، أَمْ لَا تَرْجِعُ بِشَيْءٍ لِأَنَّ حَقَّ الرُّجُوعِ إِنَّمَا يَثْبُتُ إِذَا كَانَ الْمَقْبُوضُ مَالًا، وَهُنَا حَدَثَتِ الْمَالِيَّةُ فِي يَدِهَا فَهُوَ كَزِيَادَةٍ مُنْفَصِلَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ. فَعَلَى هَذَا لَوْ تَلِفَ الْخَلُّ أَوْ أَتْلَفَتْهُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَوَجْهَانِ. أَصَحَّهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الْخِضْرِيِّ: يَرْجِعُ بِمِثْلِ نِصْفِ الْخَلِّ. وَالثَّانِي وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِيهِ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْإِصْدَاقِ وَالْقَبْضِ،

стр. 2977

وَلَا قِيمَةَ لِهَذَا يَوْمَ الْإِصْدَاقِ وَالْقَبْضِ. وَلَوْ أَصْدَقَهَا جِلْدَ مَيْتَةٍ، فَقَبَضَتْهُ وَدَبَغَتْهُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَفِي رُجُوعِهِ فِي نِصْفِهِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ عَلَى تَخَلُّلِ الْخَمْرِ، وَأَوْلَى بِعَدَمِ الرُّجُوعِ ; لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ حَدَثَتْ بِفِعْلِهَا وَمَعَ التَّرْتِيبِ، فَالْأَصَحُّ الرُّجُوعُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ. فَعَلَى هَذَا: إِنْ هَلَكَ الْجِلْدُ عِنْدَهَا بَعْدَ الدِّبَاغِ، قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَا يَرْجِعُ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْجِعَ هُنَا بِلَا خِلَافٍ، بِخِلَافِ الْخَلِّ ; لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ وَالْجِلْدُ مُتَقَوَّمٌ، وَالنَّظَرُ فِي الْمُتَقَوَّمِ إِلَى وَقْتِ الْإِصْدَاقِ وَالْإِقْبَاضِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ حِينَئِذٍ. وَلَوِ ارْتَدَّتْ وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَالْقَوْلُ فِي كُلِّ الْخَلِّ وَكُلِّ الْجِلْدِ، كَالْقَوْلِ فِي النِّصْفِ عِنْدِ الطَّلَاقِ. فَصْلٌ كُلُّ عَمَلٍ جَازَ الِاسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ، جَازَ جَعْلُهُ صَدَاقًا، وَذَلِكَ كَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالصَّنَائِعِ، وَكَالْخِيَاطَةِ وَالْخِدْمَةِ وَالْبِنَاءِ وَغَيْرِهَا، وَفِيهِ مَسَائِلُ. إِحْدَاهَا: يُشْتَرَطُ فِي تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ لِيَصِحَّ صَدَاقًا شَرْطَانِ. أَحَدُهُمَا: الْعِلْمُ بِالْمَشْرُوطِ، تَعْلِيمُهُ بِأَحَدِ طَرِيقَيْنِ. الْأَوَّلُ: بَيَانُ الْقَدْرِ الَّذِي يَعْلَمُهُ بِأَنْ يَقُولَ: كُلُّ الْقُرْآنِ أَوِ السُّبْعُ الْأَوَّلُ أَوِ الْأَخِيرُ. وَحُكِيَ وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ السُّبْعِ. فَإِنْ عُيِّنَ بِالسُّورِ وَالْآيَاتِ، فَعَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْإِجَارَةِ، وَذَكَرْنَا هُنَاكَ الْخِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ قِرَاءَةِ نَافِعٍ وَأَبِي عَمْرٍو وَغَيْرِهِمَا. وَقَطَعَ ابْنُ كَجٍّ هُنَا بِعَدَمِ الِاشْتِرَاطِ قَالَ: فَلَوْ شَرَطَ حَرْفَ أَبِي عَمْرٍو، عَلَّمَهَا بِحَرْفِهِ، فَإِنْ عَلَّمَهَا بِحَرْفِ الْكِسَائِيِّ، فَهَلْ يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، أَمْ لَا شَيْءَ لَهُ؟ وَجْهَانِ. وَحَكَى قَوْلَيْنِ فِي أَنَّهَا تَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، أَمْ بِقَدَرِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ أُجْرَةِ التَّعْلِيمِ بِالْحَرْفِ الْمَشْرُوطِ وَالْآخَرِ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَفَاوُتٌ،

стр. 2978

لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ ثُمَّ قَالَ: وَلَا مَعْنَى لِهَذَا الِاخْتِلَافِ، بَلِ الْوَاجِبُ أَنْ يُقَالَ: يُعَلِّمُهَا بِحَرْفِ أَبِي عَمْرٍو وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ بِمَا عَلِمَ. ثُمَّ الْعِلْمُ بِهَذَا يُشْتَرَطُ فِي حَقِّ الزَّوْجِ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا قَدْرَ السُّوَرِ وَالْأَجْزَاءِ وَالْآيَاتِ، قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ: الطَّرِيقُ التَّوْكِيلُ، وَإِلَّا فَيُرَى الْمُصْحَفُ، وَيُقَالُ: تَعَلَّمْ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى هَذَا، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: لَا يَكْفِي هَذَا، إِذْ لَا يُعْرَفُ بِهِ صُعُوبَتُهُ وَسُهُولَتُهُ. قُلْتُ: الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا تَكْفِي الْإِشَارَةُ إِذَا لَمْ يُعَلِّمْهَا فَيَتَعَيَّنُ التَّوْكِيلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الطَّرِيقُ الثَّانِي: تَقْدِيرُهَا بِالزَّمَانِ، بِأَنْ يَصْدُقَهَا تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ شَهْرًا، وَيُعَلِّمُهَا فِيهِ مَا شَاءَتْ، كَمَا يَخِيطُ الْأَجِيرُ لِلْخِيَاطَةِ مَا شَاءَ الْمُسْتَأْجِرُ. فَلَوْ جَمَعَ الطَّرِيقَيْنِ فَقَالَ: تُعَلِّمُهَا فِي شَهْرٍ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ هَذَا الثَّوْبَ الْيَوْمَ، وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الْإِجَارَةِ. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُودُ عَلَى تَعْلِيمِهِ قَدْرًا فِي تَعْلِيمِهِ كُلْفَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، بِأَنْ شُرِطَ تَعْلِيمُ لَحْظَةٍ لَطِيفَةٍ، أَوْ قَدْرٍ يَسِيرٍ وَإِنْ كَانَ آيَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ نَظَرَ لَمْ يَصِحَّ الْإِصْدَاقُ وَهُوَ كَبَيْعِ حَبَّةِ حِنْطَةٍ. الثَّانِيَةُ: أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ الْفَاتِحَةِ وَهُوَ مُتَعَيَّنٌ لِلتَّعْلِيمِ، فَفِي صِحَّةِ الْإِصْدَاقِ وَجْهَانِ، كَنَظِيرِهِ فِي الْإِجَارَةِ. أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ. وَلَوْ نَكَحَهَا عَلَى أَدَاءِ شَهَادَةٍ لَهَا عِنْدَهُ، أَوْ نَكَحَ كِتَابِيَّةً عَلَى أَنْ يُلَقِّنَهَا كَلِمَةَ الشَّهَادَةِ، لَمْ يَصِحَّ الصَّدَاقُ، قَالَهُ الْبَغَوِيُّ.

стр. 2979

الثَّالِثَةُ: إِذَا كَانَ الزَّوْجُ لَا يُحْسِنُ مَا شُرِطَ تَعْلِيمُهُ، فَإِنِ الْتَزَمَ التَّعْلِيمَ فِي الذِّمَّةِ، جَازَ ثُمَّ يُأْمَرُ بِتَعْلِيمِهَا أَوْ يَتَعَلَّمُ وَيُعَلِّمُهَا. وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ أَنْ يُعْلِمَهَا بِنَفْسِهِ، فَهَلْ يَصِحُّ ثُمَّ يَتَعَلَّمُ وَيُعَلِّمُهَا، أَمْ لَا يَصِحُّ لِعَجْزِهِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَتَعَلَّمَ ثُمَّ يُعَلِّمَهَا، لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْعَمَلَ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِهِ، وَالْأَعْيَانُ لَا تَقْبَلُ التَّأْجِيلَ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: فَإِنْ صَحَّحْنَا فَأَمْهَلَتْهُ لِيَتَعَلَّمَ، فَذَاكَ، وَإِلَّا فَهُوَ مُعْسِرٌ بِالصَّدَاقِ. وَلَوْ أَرَادَ الزَّوْجُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ يُعَلِّمُهَا، جَازَ إِنْ كَانَ الْتَزَمَ فِي الذِّمَّةِ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ أَرَادَتْ أَنْ تُقِيمَ غَيْرَهَا مُتَعَلِّمًا، فَهَلْ يُجْبَرُ الزَّوْجُ كَالْمُسْتَأْجِرِ لِلرُّكُوبِ يَرْكَبُ غَيْرُهُ، أَمْ لَا لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْفَهْمِ وَالْحِفْظِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: الثَّانِي، وَخَالَفَهُمُ الْإِمَامُ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الْخِلَافَ فِي جَوَازِ الْإِبْدَالِ مَعَ التَّرَاضِي. وَلَوْ فُرِضَ عَقْدٌ مُجَدِّدٌ، فَأَبْدَلَتْ مَنْفَعَةً بِمَنْفَعَةٍ، جَازَ قَطْعًا. الرَّابِعَةُ: أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ وَلَدِهَا، لَمْ يَصِحَّ الصَّدَاقُ كَمَا لَوْ شَرَطَ الصَّدَاقَ لِوَلَدِهَا. وَإِنْ أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ غُلَامِهَا، قَالَ الْبَغَوِيُّ: لَا يَصِحُّ كَالْوَلَدِ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: يَصِحُّ، وَهَذَا أَصَحُّ. وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهَا تَعْلِيمُ الْوَلَدِ أَوْ خِتَانِ الْعَبْدِ، فَشَرَطَتْهُ صَدَاقًا، جَازَ. الْخَامِسَةُ: لَوْ تَعَذَّرَ التَّعْلِيمُ، بِأَنْ تَعَلَّمَتْ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ كَانَتْ بَلِيدَةً لَا تَتَعَلَّمُ، أَوْ لَا تَتَعَلَّمُ إِلَّا بِكُلْفَةٍ عَظِيمَةٍ وَيَذْهَبُ الْوَقْتُ فِي تَعْلِيمِهَا فَوْقَ الْعَادَةِ، أَوْ مَاتَتْ أَوْ مَاتَ الزَّوْجُ وَالشَّرْطُ أَنْ يُعَلِّمَ بِنَفْسِهِ، فَفِي الْوَاجِبِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ فِيمَا لَوْ تَلِفَ الصَّدَاقُ قَبْلَ الْقَبْضِ. فَعَلَى الْأَظْهَرِ: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَعَلَى الْآخَرِ: أُجْرَةُ التَّعْلِيمِ. السَّادِسَةُ: قَالَ: عَلَّمْتُكِ وَأَنْكَرَتْ، فَإِذَا لَمْ تُحْسِنْهُ، صَدَقَتْ، وَإِنْ أَحْسَنَتْهُ

стр. 2980

وَادَّعَتِ التَّعَلُّمَ مِنْ غَيْرِهِ، فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ؟ وَجْهَانِ لِتَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالظَّاهِرِ، أَصَحُّهُمَا: هِيَ. السَّابِعَةُ: أَصْدَقَهَا تَعَلُّمَ سُورَةٍ، فَعَلَمَّهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا، إِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَذَاكَ، وَإِلَّا، فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ أُجْرَةِ التَّعْلِيمِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ التَّعْلِيمِ، فَقَدِ اسْتَحَقَّتْ جَمِيعَ التَّعْلِيمِ إِنْ دَخَلَ، وَإِلَّا، فَتَعْلِيمُ النِّصْفِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يُعَلِّمُهَا وَرَاءَ حِجَابٍ بِغَيْرِ خَلْوَةٍ. وَأَصَحُّهُمَا وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : أَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ التَّعْلِيمُ ; لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً، وَلَا تُؤْمَنُ مُفْسِدَةٌ. فَعَلَى هَذَا: تَرْجِعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ عَلَى الْأَظْهَرِ إِنْ دَخَلَ، وَإِلَّا فَنَصِفُهُ، وَعَلَى الْآخَرِ: تَرْجِعُ بِأُجْرَةِ التَّعْلِيمِ أَوْ نِصْفِهَا. الثَّامِنَةُ: نَكَحَ كِتَابِيَّةً عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، فَإِنْ تَوَقَّعَ إِسْلَامَهَا، صَحَّ الصَّدَاقُ، وَإِلَّا فَسَدَ، وَمَالَ جَمَاعَةٌ إِلَى الْجَوَازِ مُطْلَقًا. وَلَوْ نَكَحَ مُسْلِمَةً أَوْ كِتَابِيَّةً عَلَى تَعْلِيمِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ يَجُوزُ الِاشْتِغَالُ بِهِ لِتَبْدِيلِهِ، وَالْوَاجِبُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَهْرُ الْمِثْلِ قَطْعًا، إِذْ لَا قِيمَةَ لِلْمُسَمَّى. وَلَوْ نَكَحَ ذِمِّيٌّ عَلَى تَعْلِيمِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ تَرَافَعَا بَعْدَ التَّعْلِيمِ، لَمْ نُوجِبْ شَيْئًا آخَرَ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّعْلِيمِ، أَوْجَبْنَا مَهْرَ الْمِثْلِ كَمَا فِي الْخَمْرِ. التَّاسِعَةُ: أَصْدَقَهَا تَعْلِيمَ فِقْهٍ، أَوْ أَدَبٍ أَوْ طِبٍّ أَوْ شِعْرٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، صَحَّ الصَّدَاقُ. وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا كَالْهَجْوِ وَالْفُحْشِ، لَمْ يَصِحَّ. الْعَاشِرَةُ: نَكَحَهَا عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَبْدَهَا الْآبِقَ، أَوْ جَمَلَهَا التَّائِهَ وَكَانَ الْمَوْضِعُ مَعْلُومًا، صَحَّ. وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا، فَقَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ كَالْجَعَالَةِ. وَالْمَشْهُورُ: الْمَنْعُ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، بِخِلَافِ الْجَعَالَةِ، فَإِنَّهَا عَقْدٌ جَائِزٌ احْتُمِلَتِ الْجَهَالَةُ فِيهَا لِلْحَاجَةِ.

стр. 2981

فَإِنْ رَدَّهُ، فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِ الرَّدِّ، وَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ. وَإِذَا صَحَّ الصَّدَاقُ، فَطَلَّقَهَا بَعْدَ رَدِّ الْعَبْدِ وَقَبْلَ الدُّخُولِ، اسْتَرَدَّ مِنْهَا نِصْفَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ. وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الرَّدِّ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَعَلَيْهِ الرَّدُّ. وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ، فَعَلَيْهِ الرَّدُّ إِلَى نِصْفِ الطَّرِيقِ، ثُمَّ يُسَلِّمُهُ إِلَى الْحَاكِمِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعًا يُمْكِنُ تَرْكُهُ فِيهِ، وَلَمْ يَتَبَرَّعْ بِالرَّدِّ إِلَيْهَا، قَالَ الْمُتَوَلِّي: يُؤْمَرُ بِرَدِّهِ إِلَيْهَا، وَلَهُ عَلَيْهَا نِصْفُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ. وَلَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ بِرَدِّ غَيْرِهِ، أَوْ رُجُوعُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَوْتِهِ، فَقَدْ فَاتَ الصَّدَاقُ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَتَرْجِعُ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَعَلَى الْآخَرِ: إِلَى أُجْرَةِ الرَّدِّ. الْحَادِيَةُ عَشْرَةُ: نَكَحَهَا عَلَى خِيَاطَةِ ثَوْبٍ مَعْلُومٍ، جَازَ، وَلَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِالْخِيَاطَةِ إِنِ الْتَزَمَ فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ نَكَحَ عَلَى أَنْ يَخِيطَ بِنَفْسِهِ، فَعَجَزَ بِأَنْ سَقَطَتْ يَدُهُ أَوْ مَاتَ، فَفِيمَا عَلَيْهِ؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: مَهْرُ الْمِثْلِ. وَالثَّانِي: أُجْرَةُ الْخِيَاطَةِ. وَلَوْ تَلِفَ ذَلِكَ الثَّوْبُ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: تَلَفُ الصَّدَاقِ فَيَعُودُ الْقَوْلَانِ فِي مَهْرِ الْمِثْلِ وَالْأُجْرَةِ. وَالثَّانِي: تَأْتِي بِثَوْبٍ مِثْلِهِ لِيَخِيطَهُ. وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْخِيَاطَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَهُ عَلَيْهَا نِصْفُ أُجْرَةِ الْمِثْلِ. وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْخِيَاطَةِ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا، فَعَلَيْهِ الْخِيَاطَةُ، وَإِلَّا خَاطَ نِصْفَهُ. فَإِنْ تَعَذَّرَ الضَّبْطُ، عَادَ الْقَوْلَانِ فِي أَنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ أَمِ الْأُجْرَةُ؟ الثَّانِيَةُ عَشْرَةُ: قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهَا قِصَاصٌ فَنَكَحَهَا، وَجَعَلَ النُّزُولَ عَنِ الْقِصَاصِ صَدَاقًا، جَازَ. وَلَوْ جَعَلَ النُّزُولَ عَنِ الشُّفْعَةِ، أَوْ حَدِّ الْقَذْفِ صَدَاقًا، لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّهُ لَا يُقَابَلُ بِمَالٍ، وَلَا يَجُوزُ جَعْلُ طَلَاقِ امْرَأَةٍ صَدَاقًا لِأُخْرَى، وَلَا بُضْعِ أَمَتِهِ صَدَاقُ الْمَنْكُوحَةِ.

стр. 2982

فَصْلٌ إِذَا أَثْبَتْنَا الْخِيَارَ لِلْمَرْأَةِ بِسَبَبِ زِيَادَةِ الصَّدَاقِ، أَوْ لَهُ بِنَقْصِهِ، أَوْ لَهُمَا بِهِمَا، لَمْ يَمْلِكِ الزَّوْجُ النِّصْفَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ الرُّجُوعَ إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لِأَحَدِهِمَا، وَقَبْلَ أَنْ يَتَوَافَقَا إِنْ كَانَ الْخِيَارُ لَهُمَا وَإِنْ قُلْنَا: الطَّلَاقُ يَشْطُرُ الصَّدَاقَ بِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ لَهَا الْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ، بَلْ هُوَ كَخِيَارِ الرُّجُوعِ عَلَى الْهِبَةِ، لَكِنْ إِذَا تَوَجَّهَتْ مُطَالَبَةُ الزَّوْجِ، لَا تُمَكَّنُ هِيَ مِنَ التَّأْخِيرِ، بَلْ تُكَلَّفُ اخْتِيَارَ أَحَدِهِمَا. وَإِذَا طَلَبَ الزَّوْجُ، فَلَا يُعَيِّنُ فِي طَلَبِهِ الْعَيْنَ وَلَا الْقِيمَةَ ; لِأَنَّ التَّعْيِينَ يُنَاقِضُ تَفْوِيضَ الْأَمْرِ إِلَيْهَا، لَكِنْ يُطَالِبُهَا بِحَقِّهِ عِنْدَهَا، فَإِنِ امْتَنَعَتْ، قَالَ الْإِمَامُ: لَا يَقْضِي الْقَاضِي بِحَبْسِهَا لِبَذْلِ الْعَيْنِ أَوِ الْقِيمَةِ، بَلْ يَحْبِسُ الْعَيْنَ عَنْهَا إِنْ كَانَتْ حَاضِرَةً، وَيَمْنَعُهَا مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا ; لِأَنَّ تَعَلُّقَ حَقِّ الزَّوْجِ بِالصَّدَاقِ فَوْقَ تَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِالْمَرْهُونِ وَالْغُرَمَاءِ بِالتَّرِكَةِ. فَإِنْ أَصَرَّتْ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَإِنْ كَانَ نِصْفُ الْقِيمَةِ الْوَاجِبَةِ دُونَ نِصْفِ الْعَيْنِ لِلزِّيَادَةِ الْحَادِثَةِ، بَاعَ مَا يَفِي بِالْوَاجِبِ مِنَ الْقِيمَةِ. فَإِنْ لَمْ يَرْغَبْ فِي شِرَاءِ الْبَعْضِ، بَاعَ الْكُلَّ وَصَرَفَ الْفَاضِلَ عَنِ الْقِيمَةِ الْوَاجِبَةِ إِلَيْهَا. وَإِنْ كَانَ نِصْفُ الْعَيْنِ مِثْلَ نِصْفِ الْقِيمَةِ الْوَاجِبَةِ، وَلَمْ تُؤَثِّرِ الزِّيَادَةُ فِي الْقِيمَةِ، فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ. أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ: تُسَلِّمُ نِصْفَ الْعَيْنِ إِلَيْهِ، إِذْ لَا فَائِدَةَ فِي الْبَيْعِ، فَإِذَا سُلِّمَ إِلَيْهِ، أَفَادَ قَضَاؤُهُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ لَهُ. وَالثَّانِي: لَا تُسَلِّمُ إِلَيْهِ الْعَيْنَ، بَلْ يَبِيعُهُ، فَلَعَلَّهُ يَجِدُ مَنْ يَشْتَرِيهِ بِزِيَادَةٍ.

стр. 2983

فَرْعٌ إِذَا وَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى الْقِيمَةِ بِهَلَاكِ الصَّدَاقِ، أَوْ خُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهَا، أَوْ زِيَادَةٍ فِيهِ أَوْ نَقْصٍ، فَالْمُعْتَبَرُ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ يَوْمِ الْإِصْدَاقِ، وَيَوْمِ الْقَبْضِ. لَكِنْ لَوْ تَلِفَ الصَّدَاقُ فِي يَدِهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ، وَقُلْنَا: إِنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهَا، اعْتُبِرَتْ قِيمَةُ يَوْمِ التَّلَفِ ; لِأَنَّهُ تَلِفَ مِلْكُهُ تَحْتَ يَدٍ مُضَمَّنَةٍ. الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِي بَيَانِ حُكْمِ التَّشَطُّرِ بَعْدَ تَصَرُّفِهَا فِي الصَّدَاقِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ. إِحْدَاهَا: إِذَا زَالَ مِلْكُهَا عَنْهُ بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ مَقْبُوضَةٍ، أَوْ إِعْتَاقٍ، فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ نَقْصُ تَصَرُّفِهَا لِطَلَاقِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، بَلْ زَوَالُ مِلْكِهَا كَالْهَلَاكِ، وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ إِلَى نِصْفٍ بَدَلُهُ وَهُوَ الْمِثْلُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلَّا فَالْقِيمَةُ. وَإِنْ لَمْ يَزُلِ الْمِلْكُ، بَلْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ لَازِمٍ، بِأَنْ أَوْصَتْ بِهِ، أَوْ وَهَبَتْهُ، أَوْ رَهَنَتْهُ وَلَمْ يَقْبِضْ، فَلِلزَّوْجِ الرُّجُوعُ فِي نِصْفِهِ. وَفِي «الشَّامِلِ» وَغَيْرِهِ، نَقْلُ قَوْلٍ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي نِصْفِ الْمَوْهُوبِ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ، لِئَلَّا يُبْطِلَ تَصَرُّفَهَا فِي مِلْكِهَا، وَحُقُّ هَذَا أَنْ يَطَّرِدَ فِي الرَّهْنِ وَالْوَصِيَّةِ. وَإِنْ بَاعَتْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ وَطَلَّقَهَا فِي مُدَّتِهِ، فَإِنْ جَعْلَنَا الْمِلْكَ لِلْبَائِعِ، فَهُوَ كَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ لِلْمُشْتَرِي، فَلَا رُجُوعَ فِي الْعَيْنِ. وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لَازِمًا، بِأَنْ رَهَنَتْهُ وَأَقْبَضَتْهُ، فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ إِلَى نِصْفِهِ. وَإِنْ أَجَّرَتْهُ، فَقَدْ نَقَصَ الصَّدَاقُ بِاسْتِحْقَاقِ الْمُسْتَأْجِرِ مَنْفَعِتِهِ، فَإِنْ شَاءَ الزَّوْجُ رَجَعَ إِلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ إِلَى نِصْفِ الْعَيْنِ مَسْلُوبَةَ

стр. 2984

الْمَنْفَعَةِ مُدَّةَ الْإِجَارَةِ. فَلَوْ قَالَ: أَنَا أَصْبِرُ إِلَى انْفِكَاكِ الرَّهْنِ وَانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، نُظِرَ، إِنْ قَالَ: أَتَسَلَّمُهُ ثُمَّ أُسَلِّمُهُ إِلَى الْمُرْتَهِنِ أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَلَيْسَ لَهَا الِامْتِنَاعُ. وَإِنْ قَالَ: لَا أَتَسَلَّمُهُ وَأَصْبِرُ، فَلَهَا الِامْتِنَاعُ، وَتَدْفَعُ إِلَيْهِ نِصْفَ الْقِيمَةِ لِمَا عَلَيْهَا مِنْ خَطَرِ الضَّمَانِ، هَذَا إِنْ قُلْنَا: الصَّدَاقُ فِي يَدِهَا مَضْمُونٌ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا ضَمَانَ أَوْ أَبْرَأَهَا عَنِ الضَّمَانِ وَصَحَّحْنَا الْإِبْرَاءَ، فَهَلْ عَلَيْهَا الْإِجَابَةُ، أَمْ لَا لِأَنَّهُ قَدْ يَبْدُو لَهُ فَيُطَالِبُهَا بِالْقِيمَةِ وَتَخْلُو يَدُهَا عَنْهَا؟ وَجْهَانِ، فَإِنْ لَمْ نُوجِبِ الْإِجَابَةَ وَلَمْ نُطَالِبْهَا حَتَّى انْفَكَّ الرَّهْنُ، وَانْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ، فَهَلْ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِالْعَيْنِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، أَمْ تَتَعَيَّنُ الْقِيمَةُ ; لِأَنَّ الْمَانِعَ نَقَلَ حَقَّهُ إِلَيْهَا؟ وَجْهَانِ. وَتَزْوِيجُ جَارِيَةِ الصَّدَاقِ كَالْإِجَارَةِ. وَلَوْ زَالَ مِلْكُهَا وَعَادَ ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَهَلْ يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بِالْعَيْنِ أَمْ بِالْقِيمَةِ؟ وَجْهَانِ سَبَقَتْ نَظَائِرُهُمَا فِي الْفَلَسِ وَالْهِبَةِ. أَصَحُّهُمَا هُنَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: التَّعَلُّقُ بِالْعَيْنِ ; لِأَنَّ حَقَّهُ يَخْتَصُّ بِالْعَيْنِ، بَلْ يَتَعَلَّقُ بِالْبَدَلِ، فَالْعَيْنُ الْعَائِدَةُ أَوْلَى مِنَ الْبَدَلِ، هَذَا إِذَا زَالَ الْمِلْكُ بِجِهَةٍ لَازِمَةٍ، فَإِنْ زَالَ بِغَيْرٍ لَا زِمٍ، بِأَنْ بَاعَ بِالْخِيَارِ، وَقُلْنَا: يَزُولُ الْمِلْكُ وَفُسِخَ الْبَيْعُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَالْخِلَافُ مُرَتَّبٌ فِي التَّعَلُّقِ بِالْعَيْنِ، وَأَوْلَى بِالثُّبُوتِ. وَلَوْ كَاتَبَتْ عِنْدَ الصَّدَاقِ وَعَجَزَ نَفْسُهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ إِجْرَاؤُهُ مَجْرَى الزَّوَالِ اللَّازِمِ. وَقَالَ الْإِمَامُ: هَذَا أَوْلَى بِالثُّبُوتِ ; لِأَنَّ الْمَكَاتَبَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ عُرُوضَ الرَّهْنِ وَزَوَالَهُ قَبْلَ الطَّلَاقِ لَا يُؤَثِّرُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَصْدَقَهَا عَبْدًا فَدَبَّرَتْهُ، ثُمَّ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِيهِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي «الْأُمِّ» أَيْضًا سِوَى جَعْلِ التَّدْبِيرِ وَصِيَّةَ الْأُمِّ تَعْلِيقًا بِصِفَةٍ ; لِأَنَّ التَّدْبِيرَ قُرْبَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا غَرَضٌ لَا يَتَقَاعَدُ عَنِ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ الَّتِي لَا تُؤَثِّرُ فِي الْقِيمَةِ. وَقِيلَ: فِي الرُّجُوعِ قَوْلَانِ، إِنْ قُلْنَا:

стр. 2985

التَّدْبِيرُ وَصِيَّةٌ، رَجَعَ، وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ: يَرْجِعُ قَطْعًا، وَهُوَ ضَعِيفٌ. ثُمَّ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَغَيْرُهُ: الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا كَانَتْ مُوسِرَةً تَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الْقِيمَةِ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ، رَجَعَ إِلَى نِصْفِ الْعَبْدِ قَطْعًا. وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْخِلَافِ فُرُوعٌ. [الْفَرْعُ] الْأَوَّلُ: إِنْ قُلْنَا بِالرُّجُوعِ، فَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْجُمْهُورِ أَنَّ الزَّوْجَ يَسْتَقِلُّ بِهِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى تَقَدُّمِ رُجُوعِ الْمَرْأَةِ. وَقَالَ الْحَنَّاطِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: تُجْبَرُ الْمَرْأَةُ عَلَى الرُّجُوعِ وَإِعْطَاءِ الزَّوْجِ النِّصْفَ. فَإِنِ امْتَنَعَتْ، قَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهَا فَفَسَخَهُ. الثَّانِي: لَوْ رَجَعَتْ عَنِ التَّدْبِيرِ بِالْقَوْلِ وَجَوَّزْنَاهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا، وَقُلْنَا: التَّدْبِيرُ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فَطَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِتَمَكُّنِهِ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى نِصْفِهِ ; لِأَنَّ الْمِلْكَ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَمَا لَوْ دَبَّرَتْهُ ثُمَّ بَاعَتْهُ ثُمَّ مَلَكَتْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَيَعُودُ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ فِي عَوْدِ الْمِلْكِ بَعْدَ زَوَالِهِ. أَصَحُّهُمَا: التَّمَكُّنُ، وَمَعَ هَذَا التَّمَكُّنِ لَوْ تَرَكَهُ وَطَلَبَ نِصْفَ الْقِيمَةِ، أُجِيبَ إِلَيْهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يَقْضِيَ قَاضٍ بِبُطْلَانِ الرُّجُوعِ وَالْبَيْعِ. وَلَوْ طَلَّقَهَا وَهُوَ مُدَبَّرٌ، وَقُلْنَا: حَقُّ الزَّوْجِ فِي الْقِيمَةِ، فَرَجَعَتْ عَنِ التَّدْبِيرِ بِاللَّفْظِ وَجَوَّزْنَاهُ، أَوْ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا قَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ، فَفِي الرُّجُوعِ إِلَى نِصْفِ الْعَبْدِ وَجْهَانِ يَجْرِيَانِ فِيمَا لَوْ طَلَّقَهَا كَالصَّدَاقِ نَاقِصٌ، ثُمَّ زَالَ نَقْصُهُ قَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ، وَفِيمَا إِذَا طَلَّقَهَا وَمِلْكُهَا زَائِلٌ عَنِ الصَّدَاقِ، ثُمَّ عَادَ قَبْلَ أَخْذِ الْقِيمَةِ. الثَّالِثُ: لَوْ عَلَّقَتْ عِتْقَ الْعَبْدِ عَلَى صِفَةٍ، فَهَلْ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ؟ قِيلَ: إِنْ قُلْنَا: التَّدْبِيرُ يَمْنَعُ، فَالتَّعْلِيقُ أَوْلَى، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ لِقُوَّةِ التَّعْلِيقِ. وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَمْنَعِ

стр. 2986

التَّدْبِيرُ، فَالتَّعْلِيقُ أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ ; لِأَنَّ التَّدْبِيرَ قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ، وَالتَّعْلِيقُ يُرَادُ بِهِ مَنْعٌ أَوْ حَثٌّ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَبِالْأَوَّلِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ وَقَالَ: الْمَذْهَبُ مَنْعُ الرُّجُوعِ. وَلَوْ أَوْصَتْ لِلْعَبْدِ بِعِتْقِهِ، فَهَلْ هُوَ كَالتَّدْبِيرِ فِي مَنْعِ الرُّجُوعِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا. الرَّابِعُ: إِذَا جَوَّزْنَا لِلزَّوْجِ الرُّجُوعَ فِي النِّصْفِ، فَرَجَعَ، بَقِيَ النِّصْفُ الْآخَرُ مُدَبَّرًا عَلَى الصَّحِيحِ. وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا، أَنَّهُ يَنْتَقِضُ التَّدْبِيرُ فِي جَمِيعِهِ. الْخَامِسُ: إِذَا قُلْنَا: التَّدْبِيرُ يَمْنَعُ التَّشَطُّرَ، فَهَلْ يَمْنَعُ رُجُوعَ الْبَائِعِ فِيمَا لَوْ بَاعَ عَبْدًا بِثَوْبٍ وَتَقَابَضَا، ثُمَّ دَبَّرَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ وَجَدَ الْبَائِعُ بِالثَّوْبِ عَيْبًا؟ وَكَذَا هَلْ يَمْنَعُ رُجُوعَ الْوَاهِبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا بَلْ يَرْجِعُ وَيَنْقَضُّ التَّدْبِيرُ لِقُوَّةِ الْفَسْخِ، وَلِهَذَا الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ تَمْنَعُ التَّشَطُّرَ دُونَ الْفَسْخِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: سَبَقَ فِي «كِتَابِ الْحَجِّ» خِلَافٌ فِي أَنَّ الْمُحْرِمَ هَلْ يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِالشِّرَاءِ وَالْهِبَةِ؟ وَهَلْ يَزُولُ مِلْكُهُ إِذَا أَحْرَمَ عَنْ صَيْدِهِ؟ وَهَلْ يَمْلِكُهُ بِالْإِرْثِ؟ فَلَوْ أَصْدَقَهَا صَيْدًا ثُمَّ أَحْرَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّتْ، عَادَ الصَّيْدُ إِلَى مِلْكِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِيهِ الْوَجْهُ الضَّعِيفُ الْمَذْكُورُ فِي الْإِرْثِ ; لِأَنَّهُ لَا اخْتِيَارَ لَهُ فِيهِ. وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ النِّصْفَ يَعُودُ إِلَيْهِ بِنَفْسِ الطَّلَاقِ أَمْ بِاخْتِيَارِهِ؟ إِنْ قُلْنَا: بِاخْتِيَارِهِ فَلَيْسَ لَهُ الِاخْتِيَارُ مَا دَامَ مُحْرِمًا، فَإِنْ فَعَلَ، كَانَ كَشِرَائِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: بِنَفْسِ الطَّلَاقِ، فَفِي عَوْدِ النِّصْفِ إِلَيْهِ فِي الْإِحْرَامِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا. وَيَنْتَقِلُ إِلَى الْقِيمَةِ ; لِأَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِاخْتِيَارِهِ، وَالطَّلَاقُ بِاخْتِيَارِهِ. وَأَصَحُّهُمَا: الْعَوْدُ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَنْشَأُ لِاجْتِلَابِ الْمِلْكِ، فَأَشْبَهَ الْإِرْثَ، ثُمَّ إِذَا عَادَ إِلَيْهِ الْكُلُّ بِالرِّدَّةِ، لَزِمَهُ إِرْسَالُهُ ; لِأَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ إِمْسَاكِ الصَّيْدِ، كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَغَيْرُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ وَجْهٌ ذَكَرْنَاهُ فِي «الْحَجِّ» ، تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ يَرِثُ الصَّيْدَ،

стр. 2987

وَحَكَيْنَا عَنْ بَعْضِهِمْ، أَنَّهُ يَزُولُ مِلْكُهُ بِمُجَرَّدِ الْإِرْثِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ. وَإِذَا عَادَ النِّصْفُ بِالطَّلَاقِ، وَقُلْنَا: يَجِبُ الْإِرْسَالُ وَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ، فَلَا يُمْكِنُ إِرْسَالُ النِّصْفِ إِلَّا بِإِرْسَالِ الْكُلِّ، فَخَرَّجَ مُخَرِّجُونَ وُجُوبَ الْإِرْسَالِ عَلَى الْأَقْوَالِ فِي ازْدِحَامِ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - وَحَقِّ الْآدَمِيِّ. إِنْ قَدَّمْنَا حَقَّ اللَّهِ، تَعَالَى، لَزِمَهُ الْإِرْسَالُ وَغُرِّمَ لَهَا نِصْفَ الْقِيمَةِ، وَإِنْ قَدَّمْنَا حَقَّ الْآدَمِيِّ، لَمْ يَجِبِ الْإِرْسَالُ. فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ أَوْ يَدِهَا، فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْجَزَاءِ. وَإِنْ سَوَّيْنَا، فَالْخِيرَةُ إِلَيْهِمَا. فَإِنِ اخْتَارَ الْإِرْسَالَ، غُرِّمَ لَهَا النِّصْفَ، وَإِلَّا بَقِيَ مُشْتَرِكًا بَيْنَهُمَا وَهُوَ ضَامِنٌ لِنِصْفِ الْجَزَاءِ، وَهَذَا التَّخْرِيجُ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي الِازْدِحَامِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، كَالتَّرِكَةِ إِذَا ازْدَحَمَ فِيهَا دَيْنٌ وَزَكَاةٌ، وَنَصِيبُ الْمَرْأَةِ لَا ازْدِحَامَ فِيهِ. وَإِذَا تَضَمَّنَ إِرْسَالُ الْمُحْرِمِ فَوَاتَ مِلْكِ غَيْرِهِ، وَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ، وَبِهَذَا قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، وَعَلَى التَّخْرِيجِ يَنْبَغِي أَنْ يَخُصَّ وُجُوبَ الْإِرْسَالِ بِالْمُوسِرِ كَسَرَايَةِ الْعِتْقِ. الطَّرَفُ الرَّابِعُ: فِيمَا إِذَا وَهَبَتْهُ الصَّدَاقَ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَنُصَدِّرُهُ بِقَاعِدَتَيْنِ مُسْتَمَدَّتَيْنِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ، تَعَالَى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [الْبَقَرَةِ: ٢٣٧] . وَمَعْنَى الْآيَةِ، أَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ يُنَصِّفُ الصَّدَاقَ، إِلَّا أَنْ تَعْفُوَ الزَّوْجَةُ وَتَتَبَرَّعَ بِحَقِّهَا، فَيَعُودُ جَمِيعُ الصَّدَاقِ إِلَى الزَّوْجِ. وَفِيمَنْ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ، قَوْلَانِ. الْقَدِيمُ: أَنَّهُ الْوَلِيُّ، وَالْمَعْنَى: إِلَّا أَنْ تَعْفُوَ الْمَرْأَةُ أَوْ وَلِيُّهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ هِيَ أَهْلًا لِلْعَفْوِ. وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ الزَّوْجُ، وَالْمَعْنَى: أَنْ يَعْفُوَ الزَّوْجُ عَنْ حَقِّهِ فَيَخْلُصَ لَهَا جَمِيعُ الصَّدَاقِ. الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: فِي أَلْفَاظِ التَّبَرُّعِ. فَالْوَاجِبُ عِنْدَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، دَيْنٌ أَوْ عَيْنٌ، وَالدَّيْنُ قَدْ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهَا بِأَنْ قَبَضَتْهُ وَتَلِفَ

стр. 2988

عِنْدَهَا، فَيُنْظَرُ، إِنْ تَبَرَّعَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ بِإِسْقَاطِهِ، نُفِّذَ بِلَفْظِ الْعَفْوِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْإِسْقَاطِ وَالتَّرْكِ. وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهَيْنِ فِي أَنَّ لَفْظَ التَّرْكِ، صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ؟ وَلَا حَاجَةَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إِلَى قَبُولِ مَنْ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُنَفَّذُ أَيْضًا بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ، وَفِيهِمَا وَجْهٌ حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَهَلْ يَفْتَقِرُ اللَّفْظَانِ إِلَى الْقَبُولِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ اعْتِمَادًا عَلَى حَقِيقَةِ التَّصَرُّفِ وَهُوَ الْإِسْقَاطُ. أَمَّا إِذَا تَبَرَّعَ مَنْ فِي ذِمَّتِهِ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ، فَالطَّرِيقُ أَنْ يَنْقِلَ وَيَمْلِكَهُ وَيَقْبَلَهُ صَاحِبُهُ وَيَقْبِضَهُ، فَإِنَّهُ ابْتِدَاءُ هِبَةٍ، وَلَا يَنْتَظِمُ لَفْظُ الْعَفْوِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْ جِهَتِهِ. لَكِنْ لَوْ كَانَ الصَّدَاقُ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ، وَقُلْنَا: لَا يُشْتَرَطُ إِلَّا بِاخْتِيَارِهِ، فَقَالَ: عَفَوْتُ، سَقَطَ اخْتِيَارُهُ كَعَفْوِهِ عَنِ الشُّفْعَةِ، وَيَبْقَى جَمِيعُ الصَّدَاقِ لَهَا فِي ذِمَّتِهِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الصَّدَاقُ عَيْنًا، فَالتَّبَرُّعُ فِيهَا هِبَةٌ. فَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُتَبَرِّعِ، اشْتُرِطَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَالْقَبْضُ. وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْآخَرِ، فَهُوَ هِبَةٌ لِمَنِ الْمَالُ فِي يَدِهِ، فَتُعْتَبَرُ مُدَّةُ إِمْكَانِ الْقَبْضِ. وَفِي افْتِقَارِهِ إِلَى إِذْنٍ جَدِيدٍ، فِي الْقَبْضِ بِهَذِهِ الْجِهَةِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي (كِتَابِ الرَّهْنِ) . وَإِنْ كَانَتِ الْعَيْنُ عِنْدَ الطَّلَاقِ فِي يَدِ الزَّوْجِ، فَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بَعْدَ قَبْضِهَا، وَقَدْ يَكُونُ بِاسْتِمْرَارِ يَدِهِ السَّابِقَةِ قَبْلَ الْإِصْدَاقِ. وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي، يَزِيدُ النَّظَرُ فِي أَنَّ تَبَرُّعَهَا كَهِبَةِ الْمَبِيعِ لِلْبَائِعِ قَبْلَ الْقَبْضِ إِذَا قُلْنَا: الصَّدَاقُ فِي يَدِهِ مَضْمُونٌ ضَمَانَ الْعُقُودِ، ثُمَّ التَّبَرُّعُ فِي الْعَيْنِ يُنَفَّذُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَالتَّمْلِيكِ، وَلَا يُنَفَّذُ بِلَفْظِ الْإِبْرَاءِ وَالْإِسْقَاطِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ فِيهِمَا وَجْهَيْنِ. وَيُنَفَّذُ بِلَفْظِ الْعَفْوِ عَلَى الْأَصَحِّ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، هَذَا فِي تَبَرُّعِهَا وَتَبَرُّعِهِ

стр. 2989

إِذَا مَلَّكْنَاهُ بِنِصْفِ الطَّلَاقِ، فَأَمَّا إِذَا قُلْنَا: لَهُ خِيَارُ التَّمَلُّكِ، فَيُعْتَبَرُ لَفْظُ الْعَفْوِ فِي إِسْقَاطِ الْخِيَارِ وَيَبْقَى الْجَمِيعُ لَهَا. الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: هَلْ لِلْوَلِيِّ الْعَفُوُّ عَنْ صَدَاقِهَا؟ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ؟ الْجَدِيدُ: الْمَنْعُ، وَالْقَدِيمُ: الْجَوَازُ بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ. أَنْ يَكُونَ أَبًا أَوْ جَدًّا، وَأَنْ تَكُونَ بِكْرًا عَاقِلَةً صَغِيرَةً، وَأَنْ يَكُونَ بَعْدَ الطَّلَاقِ، وَأَنْ يَكُونَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَأَنْ يَكُونَ الصَّدَاقُ دَيْنًا، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَدِيمِ. وَفِي وَجْهٍ: لَهُ الْعَفْوُ فِي الثَّيِّبِ وَالْمَجْنُونَةِ وَالْبَالِغَةِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهَا وَالرَّشِيدَةِ، وَقَبْلَ الطَّلَاقِ إِذَا رَآهُ مَصْلَحَةً، وَعَنِ الْعَيْنِ أَيْضًا. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَلَوْ زَوَّجَهَا الْأَبُ وَمَاتَ، فَفِي صِحَّةِ عَفْوِ الْجَدِّ وَجْهَانِ ; لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ لَكِنَّهُ وَلِيٌّ. وَلَوْ خَلَعَهَا الْوَلِيُّ عَلَى نِصْفِ الصَّدَاقِ وَجَوَّزْنَا الْعَفْوَ، صَحَّتِ الْمُخَالَعَةُ، قَالَهُ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ. وَفِي الْوَسِيطِ فِي صِحَّةِ الْخُلْعِ مَعَ صِحَّةِ الْعَفْوِ وَجْهَانِ. وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ. فَصْلٌ وَهَبَتْ لِزَوْجِهَا الصَّدَاقَ الْمُعَيَّنَ، فَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، فَقَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْقَدِيمُ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الْجَدِيدِ وَالرَّاجِحُ [عِنْدَ الْبَغَوِيِّ] أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، مِنْهُمُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَالْإِمَامُ، وَالرُّويَانِيُّ: يَرْجِعُ بِنِصْفِ بَدَلِهِ الْمِثْلِ [أَ] وَالْقِيمَةِ. وَقِيلَ: إِنْ وَهَبَتْهُ قَبْلَ الْقَبْضِ، لَمْ

стр. 2990

يَرْجِعْ قَطْعًا. وَالْمَذْهَبُ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ، سَوَاءٌ قَبَضَتْهُ أَمْ لَا. وَلَوْ كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا فَأَبْرَأَتْهُ مِنْهُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ وَهَبَتْ لَهُ الدَّيْنَ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَالْإِبْرَاءِ. وَقِيلَ: كَهِبَةِ الْعَيْنِ. وَلَوْ قَبَضَتْ مِنْهُ الدَّيْنَ ثُمَّ وَهَبَتْهُ لَهُ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَكَهِبَةِ الْعَيْنِ. وَقِيلَ: لَهُ الرُّجُوعُ قَطْعًا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيمَا دُفِعَ عَنِ الدَّيْنِ لَوْ طَلَّقَهَا وَهُوَ بَاقٍ عِنْدَهَا. وَلَوْ وَهَبَتِ الصَّدَاقَ، ثُمَّ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ فَسَخَ أَحَدُهُمَا بِعَيْبٍ، فَفِي الرُّجُوعِ بِالْجَمِيعِ مِثْلُ الْخِلَافِ فِي النِّصْفِ إِذَا طَلَّقَ. وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا بِجَارِيَةٍ، وَوَهَبَ الْجَارِيَةَ لِبَائِعِهَا، ثُمَّ وَجَدَ بَائِعُهَا بِالْعَبْدِ [عَيْبًا] فَأَرَادَ رَدَّهُ بِالْعَيْبِ، فَفِي تَمَكُّنِهِ مِنْهُ وَمِنَ الْمُطَالَبَةِ بِقِيمَةِ الْجَارِيَةِ وَجْهَانِ مَأْخُوذَانِ مِنْ هِبَةِ الصَّدَاقِ، وَيَجْرِيَانِ فِي تَمَكُّنِهِ [مِنْ] طَلَبِ الْأَرْشِ لَوْ رَأَى عَيْبًا بَعْدَ هَلَاكِ الْعَبْدِ، أَوْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ يَمْنَعُ الرَّدَّ. وَفِيمَا لَوْ أَبْرَأَ الْمَكَاتَبُ عَنِ النُّجُومِ وَعَتَقَ، هَلْ [لَهُ] مُطَالَبَةُ السَّيِّدِ بِالْإِيتَاءِ؟ وَلَوْ وَهَبَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ لِلْبَائِعِ، ثُمَّ أَفْلَسَ بِالثَّمَنِ، فَلِلْبَائِعِ الْمُضَارَبَةُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ غَيْرُ الْمُسْتَحِقِّ وَهُوَ الثَّمَنُ. وَفِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ، الْمَوْهُوبُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ، فَالْهِبَةُ تَعْجِيلٌ عَلَى قَوْلٍ. وَطَرَدَ الْحَنَّاطِيُّ الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ الْفَلَسِ. وَلَوِ ادَّعَى عَيْنًا وَأَخَذَهَا بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ وَهَبَهَا لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعَ الشُّهُودُ وَقُلْنَا بِتَغْرِيمِ شُهُودِ الْمَالِ، فَهَلْ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ تَغْرِيمُ الشُّهُودِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: عَلَى وَجْهَيْنِ أَخْذًا مِنْ هِبَةِ الصَّدَاقِ. وَالثَّانِي:

стр. 2991

الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ ; لِأَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَقُولُ بِحُصُولِ الْمِلْكِ بِالْهِبَةِ، بَلْ يَزْعُمُ دَوَامَ الْمِلْكِ السَّابِقِ، وَفِي الصَّدَاقِ زَالَ الْمِلْكُ حَقِيقَةً وَعَادَ بِالْهِبَةِ. قُلْتُ: هَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّحِيحُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ وَهَبَتِ الصَّدَاقَ لِلزَّوْجِ، عَلَى أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَهَا كَانَ ذَلِكَ عَنْ مُسْتَحَقِّهِ بِالطَّلَاقِ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: فَسَادُ الْهِبَةِ وَيَبْقَى الصَّدَاقُ مِلْكًا لَهَا. فَإِنْ طَلَّقَ، تَشَطَّرَ. وَالثَّانِي: يَصِحُّ وَلَا رُجُوعَ بِالطَّلَاقِ، كَمَا لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ، وَلْيَكُنِ الْوَجْهَانِ مَبْنِيَيْنِ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ الْمُطْلَقَةَ هَلْ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ؟ إِنْ قُلْنَا: تَمْنَعُ، فَهَذَا تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضَاهَا، فَيَصِحُّ وَلَا رُجُوعَ، وَإِلَّا فَتَفْسَدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ. فَرْعٌ وَهَبَتْهُ نِصْفَ الصَّدَاقِ، فَطَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ. فَإِنْ قُلْنَا: هِبَةُ الْكُلِّ لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فَهُنَا أَوْلَى وَإِلَى مَاذَا يَرْجِعُ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. أَظْهَرُهَا: إِلَى نِصْفِ الْبَاقِي وَرُبْعِ بَدَلِ الْجُمْلَةِ. وَالثَّانِي: إِلَى نِصْفِ الْبَاقِي. وَالثَّالِثُ: يَتَخَيَّرُ، إِنْ شَاءَ أَخَذَ بَدَلَ نِصْفِ الْجُمْلَةِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ نِصْفَ الْبَاقِي وَرُبْعَ بَدَلِ الْجُمْلَةِ. وَإِنْ قُلْنَا:

стр. 2992

هِبَةُ الْكُلِّ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فَهَلْ يَرْجِعُ بِالنِّصْفِ الْبَاقِي، أَمْ بِنِصْفِ الْبَاقِي، أَمْ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. أَظْهَرُهَا: الثَّالِثُ وَهُوَ نَصُّهُ فِي (الْمُخْتَصَرِ) ، فَحَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ. وَلَوْ كَانَ الصَّدَاقُ دَيْنًا وَأَبْرَأَتْهُ مِنْ نِصْفِهِ ثُمَّ طَلَّقَهَا، قَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ قُلْنَا: لَوْ أَبْرَأَتْ عَنِ الْجَمِيعِ يَرْجِعُ، فَهُنَا يَسْقُطُ عَنْهُ النِّصْفُ الْبَاقِي. وَ [أَيْضًا] إِنْ قُلْنَا: لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ، فَهُنَا وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يُحْسَبُ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: يَسْقُطُ عَنْهُ النِّصْفُ الْبَاقِي. وَلَوْ أَبْرَأَ الْمُشْتَرِي عَنْ نِصْفِ الثَّمَنِ، ثُمَّ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ عَيْبًا وَأَرَادَ رَدَّهُ، فَحُكْمُهُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْإِبْرَاءِ عَنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ. وَلَوْ أَبْرَأَهُ عَنْ عُشْرِ الثَّمَنِ، وَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ، وَحَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ، وَأَرْشُ الْعَيْبِ الْقَدِيمِ الْعُشْرُ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُطَالِبُ بِالْأَرْشِ. فَصْلٌ خَالَعَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى غَيْرِ الصَّدَاقِ، فَلَهُ الْمُسَمَّى وَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ. وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى جَمِيعِ الصَّدَاقِ، فَقَدْ خَالَعَ عَلَى مَالِهِ وَمَالِهَا، لِعَوْدِ النِّصْفِ إِلَيْهِ بِالْخُلْعِ، فَتَقَعُ الْبَيْنُونَةُ وَتَبْطُلُ التَّسْمِيَةُ فِي نَصِيبِهِ، وَفِي نَصِيبِهَا قَوْلًا تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ. إِنْ لَمْ نُصَحِّحْ، بَقِيَ لَهَا عَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ. وَفِيمَا لَهُ عَلَيْهَا قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: مَهْرُ الْمِثْلِ. وَالثَّانِي: مِثْلُ الصَّدَاقِ أَوْ قِيمَتُهُ. وَإِنْ صَحَّحْنَا التَّسْمِيَةَ فِي نَصِيبِهَا، قَالَ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ: يَثْبُتُ لِلزَّوْجِ الْخِيَارُ إِنْ كَانَ جَاهِلًا بِالتَّشْطِيرِ وَالتَّفْرِيقِ. فَإِنْ فَسَخَ، عَادَ الْقَوْلَانِ فِي أَنَّ الرُّجُوعَ بِمَهْرِ الْمِثْلِ أَمْ بَدَلِ الْمُسَمَّى. وَإِنْ جَازَ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ

стр. 2993

الْمَذْكُورِينَ فِي الْبَيْعِ، أَنْ يُجْبِرَ مَا صَحَّ الْعَقْدُ فِيهِ بِكُلِّ الثَّمَنِ، أَمْ بِالْقِسْطِ إِنْ قُلْنَا: بِالْكُلِّ، فَلَا شَيْءَ لَهُ سِوَى النِّصْفِ الَّذِي صَحَّ الْخُلْعُ فِيهِ. وَإِنْ قُلْنَا: بِالْقِسْطِ، رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَهْرِ الْمِثْلِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَعَلَى الْآخَرِ: بِمِثْلِ نِصْفِ الصَّدَاقِ أَوْ قِيمَتِهِ. وَإِنْ خَالَعَهَا عَلَى نِصْفِ الصَّدَاقِ، نُظِرَ، إِنْ قَالَ: بِالنِّصْفِ الْبَاقِي لَكِ بَعْدَ الْفِرَاقِ، صَحَّ وَبَرِئَ عَنْ جَمِيعِ الصَّدَاقِ إِنْ كَانَ دَيْنًا، وَيَعُودُ إِلَيْهِ الْمِلْكُ فِي جَمِيعِهِ إِنْ كَانَ عَيْنًا. وَإِنْ أَطْلَقَ، فَقَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَصَرُّفَ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ فِي النِّصْفِ الْمُطْلَقِ مِنَ الْعَيْنِ الْمُشْتَرَكَةِ نِصْفَيْنِ، هَلْ يُنَزَّلُ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي لَهُ، أَمْ يَشِيعُ أَحَدُهُمَا يُنَزَّلُ عَلَى نَصِيبِهِمَا وَيَكُونُ كَمَا لَوْ قَيَّدَ بِنِصْفِهَا؟ وَأَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: يَشِيعُ لِإِطْلَاقِ اللَّفْظِ، وَكَأَنَّهُ خَالَعَ عَلَى نِصْفِ نَصِيبِهَا وَنِصْفِ نَصِيبِهِ، فَيَبْطُلُ فِي نِصْفِ نَصِيبِهِ، وَفِي نَصِيبِهَا الْقَوْلَانِ. إِنْ لَمْ يَصِحَّ، بَقِيَ لَهَا عَلَيْهِ نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَلَهُ عَلَيْهَا مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَمِثْلُ نِصْفِ الصَّدَاقِ أَوْ قِيمَتِهِ فِي الْآخَرِ. وَإِنْ صَحَّ فِي نِصْفِ نَصِيبِهَا، فَلَهَا عَلَيْهِ رُبْعُ الصَّدَاقِ وَيَسْقُطُ الْبَاقِي بِحُكْمِ التَّشَطُّرِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ، ثُمَّ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ لِعِوَضِ الْخُلْعَ إِلَّا الرُّبْعَ الَّذِي صَحَّ الْخُلْعُ فِيهِ. وَأَظْهَرُهُمَا: أَنَّ لَهُ مَعَ ذَلِكَ نِصْفَ مَهْرِ الْمِثْلِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَرُبْعَ مِثْلِ الصَّدَاقِ أَوْ قِيمَتِهِ عَلَى قَوْلٍ. وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يَقُولُ: كُلُّ الصَّدَاقِ لَهَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا، فَيَصِحُّ أَنْ نَجْعَلَهُ أَوْ بَعْضَهُ عِوَضًا، ثُمَّ إِذَا تَفَرَّقَا بِالْخُلْعِ، سَقَطَ النِّصْفُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ خَالَعَهَا عَلَى عَيْنٍ وَتَلِفَ نِصْفُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ، فَيَرْجِعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فِي قَوْلٍ، وَبَدَلِ التَّالِفِ فِي قَوْلٍ.

стр. 2994

فَرْعٌ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ، قَالَتْ خَالِعْنِي عَلَى أَنْ لَا تَبِعَةَ لَكَ عَلَيَّ فِي الْمَهْرِ صَحَّ. وَمَعْنَاهُ: عَلَى مَا سَلَّمَ [لِي] مِنَ الْمَهْرِ. الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْمُتْعَةِ. هِيَ اسْمٌ لِلْمَالِ الَّذِي يَدْفَعُهُ الرَّجُلُ إِلَى امْرَأَتِهِ لِمُفَارَقَتِهِ إِيَّاهَا، وَالْفُرْقَةُ ضَرْبَانِ. فُرْقَةٌ تَحْصُلُ بِالْمَوْتِ، فَلَا تُوجِبُ مُتْعَةً بِالْإِجْمَاعِ، وَفُرْقَةٌ تَحْصُلُ فِي الْحَيَاةِ كَالطَّلَاقِ. فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَشْطُرِ الْمَهْرَ، فَلَهَا الْمُتْعَةُ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى الْمَشْهُورِ. وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَلَهَا الْمُتْعَةُ عَلَى الْجَدِيدِ الْأَظْهَرِ. وَكُلُّ فُرْقَةٍ مِنَ الزَّوْجِ لَا بِسَبَبٍ فِيهَا، أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، فَكَالطَّلَاقِ، مِثْلَ إِنِ ارْتَدَّ أَوْ أَسْلَمَ أَوْ لَاعَنَ، أَوْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَفَارَقَ بَعْضَهُنَّ، أَوْ وَطِئَ أَبُوهُ أَوِ ابْنُهُ زَوْجَتَهُ بِشُبْهَةٍ، أَوْ أَرْضَعَتْ أَمُّهُ أَوْ بِنْتُهُ زَوْجَتَهُ الصَّغِيرَةَ، وَالْخُلْعُ كَالطَّلَاقِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ فَوَّضَ الطَّلَاقَ إِلَيْهَا فَطَلَّقَتْ فَكَتَطْلِيقِهِ. وَلَوْ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِفِعْلِهَا، فَفَعَلَتْ، أَوْ آلَى مِنْهَا، ثُمَّ طَلَّقَ بَعْدَ الْمُدَّةِ بِطَلَبِهَا، فَكَالطَّلَاقِ عَلَى الصَّحِيحِ. قُلْتُ: وَيَجِيءُ هَذَا الْوَجْهُ فِي تَطْلِيقِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 2995

وَلَوِ ارْتَدَّا مَعًا، فَلَا مُتْعَةَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَكُلُّ فُرْقَةٍ مِنْهَا أَوْ لِسَبَبٍ فِيهَا، لَا مُتْعَةَ فِيهَا، كَرِدَّتِهَا وَإِسْلَامِهَا، وَفَسْخِهَا بِإِعْسَارِهِ، أَوْ عِتْقِهَا، أَوْ تَغْرِيرِهِ، أَوْ عَيْبِهِ، أَوْ فَسْخِهِ بِعَيْبِهَا. وَنَقَلَ الْمُزَنِيُّ إِثْبَاتَ الْمُتْعَةِ إِذَا فَسَخَتْ بِالتَّعْيِينِ، فَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ قَوْلًا آخَرَ، وَأَنْكَرَهُ الْجُمْهُورُ. وَلَوْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً صَغِيرَةً تَحْتَ ذِمِّيٍّ، فَأَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيْهَا وَانْفَسَخَ النِّكَاحُ، فَلَا مُتْعَةَ كَمَا لَوْ أَسْلَمَتْ بِنَفْسِهَا. وَلَوِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ، فَلَا مُتْعَةَ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: إِنِ اسْتَدْعَاهُ الزَّوْجُ، وَجَبَ، وَإِنِ اسْتَدْعَاهُ السَّيِّدُ فَلَا. فَرْعٌ يُسَوَّى فِي الْمُتْعَةِ، الْمُسْلِمُ، وَالذِّمِّيُّ، وَالْحُرُّ، وَالْعَبْدُ، وَالْحُرَّةُ، وَالذِّمِّيَّةُ، وَهِيَ فِي كَسْبِ الْعَبْدِ، وَلِسَيِّدِ الْأَمَةِ كَالْمَهْرِ. فَصْلٌ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُمَتِّعَهَا ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» . وَفِي الْقَدِيمِ: ثَوْبًا قِيمَتُهُ ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا. وَفِي نَصٍّ آخَرَ: يُمَتِّعُهَا خَادِمًا، وَإِلَّا فَمِقْنَعَةً، وَإِلَّا فَبِقَدْرِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا، وَلَيْسَ هُوَ اخْتِلَافًا، بَلْ نَزَّلَهَا الْأَصْحَابُ عَلَى دَرَجَاتِ الِاسْتِحْبَابِ وَقَالُوا: أَقَلُّ الْمُسْتَحَبِّ ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا. وَفِي نَصٍّ آخَرَ: يُمَتِّعُهَا بِخَادِمٍ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَبِمِقْنَعَةٍ إِنْ كَانَ مُعْسِرًا. وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا، فَبِقَدْرِ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا. وَأَمَّا الْوَاجِبُ، فَإِنْ تَرَاضَيَا بِشَيْءٍ، فَذَاكَ. وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ وَجْهًا: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُحَلِّلَ كُلٌّ مِنْهُمَا

стр. 2996

صَاحِبَهُ. فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا، لَمْ يَبْرَأِ الزَّوْجُ، وَلَهَا رَفْعُ الْأَمْرِ إِلَى الْقَاضِي لِيُقَدِّرَهَا. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَإِنْ تَنَازَعَا، فَهَلْ يَكْفِي أَقَلُّ مَا يُتَمَوَّلُ، أَمْ يُقَدِّرُهُ الْحَاكِمُ بِاجْتِهَادِهِ؟ وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ الثَّانِي. وَهَلْ يُعْتَبَرُ بِحَالِهِ، أَمْ بِحَالِهَا، أَمْ بِحَالِهِمَا؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: الثَّالِثُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْمُخْتَصَرِ. وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تُزَادَ الْمُتْعَةُ عَلَى نِصْفِ مَهْرِهَا، أَمْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَزِيدَ، أَمْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَبْلُغَ نِصْفَهُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: الْأَوَّلُ، لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ. الْبَابُ السَّادِسُ فِي النِّزَاعِ فِي الصَّدَاقِ. وَفِيهِ مَسَائِلُ. الْأُولَى: إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ أَوْ صِفَتِهِ، كَالصِّحَّةِ وَالتَّكَسُّرِ، وَالْأَجَلِ وَقَدْرِهِ، تَحَالَفَا كَالْبَيْعِ، سَوَاءٌ اخْتَلَفَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الزَّوْجِيَّةِ، أَوِ اخْتَلَفَ وَارِثَاهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَارِثُ الْآخَرِ، وَيَحْلِفُ الزَّوْجَانِ عَلَى الْبَتِّ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَيَحْلِفُ الْوَارِثُ فِي الْإِثْبَاتِ عَلَى الْبَتِّ، وَفِي النَّفْيِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَقِيلَ: يَحْلِفُ فِيهِ عَلَى الْبَتِّ؛ لِأَنَّ مَنْ قَطَعَ بِأَنَّ النِّكَاحَ جَرَى بِخَمْسِمِائَةٍ، فَهُوَ قَاطِعٌ بِأَنَّهُ مَا جَرَى بِأَلْفٍ. فَإِذَا ثَبَتَ جَرَيَانُهُ بِخَمْسِمِائَةٍ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ: لَا أَعْلَمُهُ نَكَحَ بِأَلْفٍ. وَكَيْفِيَّةُ الْيَمِينِ وَمَنْ يَبْدَأُ بِهِ، كَمَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ. فَإِذَا تَحَالَفَا، فُسِخَ الصَّدَاقُ وَرَجَعَتْ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَيْعِ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ التَّحَالُفِ، فَلْيَجِئْ هُنَا مِثْلُهُ، وَلْيَكُنْ

стр. 2997

الْقَوْلُ فِيمَنْ يَتَوَلَّى الْفَسْخَ وَفِي الِانْفِسَاخِ بَاطِنًا عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ. وَقَدْ صَرَّحَ بِجَمِيعِ هَذَا الْحَنَّاطِيُّ، وَسَوَاءٌ فِي الرُّجُوعِ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، زَادَ عَلَى مَا تَدَّعِيهِ الْمَرْأَةُ أَمْ لَا. وَقَالَ ابْنُ خَيْرَانَ وَابْنُ الْوَكِيلِ: إِنْ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ زَائِدًا فَلَيْسَ لَهَا إِلَّا مَا ادَّعَتْهُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. هَذَا فِي الظَّاهِرِ، أَمَّا فِي الْبَاطِنِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْفَسِخُ، لَمْ يَخْفَ مَا يَحِلُّ لَهَا. الثَّانِيَةُ: ادَّعَتْ مُسَمًّى، فَأَنْكَرَ الزَّوْجُ أَصْلَ التَّسْمِيَةِ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: الْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ. وَأَصَحُّهُمَا: يَتَحَالَفَانِ لِأَنْ يَقُولَ: الْوَاجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ، وَهِيَ تَدَّعِي الْمُسَمَّى، فَحَاصِلُهُ الِاخْتِلَافُ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ، فَيَتَحَالَفَانِ. وَإِنَّمَا يَحْسُنُ وَضْعُ الْمَسْأَلَةِ إِذَا كَانَ مَا تَدَّعِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ. وَلَوْ أَنْكَرَتْ تَسْمِيَةَ مَهْرٍ وَادَّعَاهَا الزَّوْجُ، فَهَلِ الْقَوْلُ قَوْلُهَا، أَمْ يَتَحَالَفَانِ؟ الْقِيَاسُ مَجِيءُ الْوَجْهَيْنِ. وَلَوِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا التَّفْوِيضَ، وَالْآخَرُ التَّسْمِيَةَ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْمَهْرَ فِي التَّفْوِيضِ بِالْعَقْدِ، فَهُوَ كَمَا لَوِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا السُّكُوتَ، وَالْآخَرُ التَّسْمِيَةَ، وَإِلَّا فَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّسْمِيَةِ مِنْ جَانِبٍ، وَعَدَمُ التَّفْوِيضِ مِنْ جَانِبٍ. وَلَوِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا التَّفْوِيضَ وَالْآخَرُ أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْمَهْرِ ذِكْرٌ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ الثَّانِي. الثَّالِثَةُ: إِذَا حَكَمْنَا بِالتَّحَالُفِ، فَحَلَفَ أَحَدُهُمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ، حَكَمْنَا لِلْحَالِفِ. وَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً، حَكَمْنَا بِهَا. وَلَوْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يُحْكَمُ بِبَيِّنَةِ الْمَرْأَةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الزِّيَادَةِ. وَالثَّانِي: يَتَعَارَضَانِ إِذَا قُلْنَا بِالتَّسَاقُطِ، فَكَأَنَّ لَا بَيِّنَةَ، فَيَتَحَالَفَانِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْقُرْعَةِ، فَهَلْ يَحْتَاجُ مَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ إِلَى الْيَمِينِ؟ وَجْهَانِ. الرَّابِعَةُ: ادَّعَتِ النِّكَاحَ وَمَهْرَ الْمِثْلِ، وَاعْتَرَفَ الزَّوْجُ بِالنِّكَاحِ وَأَنْكَرَ الْمَهْرَ، أَوْ سَكَتَ عَنْهُ وَلَمْ يَدَّعِ التَّفْوِيضَ وَلَا إِخْلَاءَ النِّكَاحِ عَنْ ذِكْرِ الْمَهْرِ، حَكَى

стр. 2998

الْغَزَالِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا وَيُنْسَبُ إِلَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ: يَثْبُتُ لَهَا الْمَهْرُ إِذَا حَلَفَتْ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا، فَإِنَّ النِّكَاحَ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ إِذَا لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَةٌ صَحِيحَةٌ. وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْغَزَالِيِّ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ مَهْرُ مِثْلِهَا بِيَمِينِهَا، بَلْ يَتَحَالَفَانِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْكِحُهَا بِأَقَلِّ مَا يُتَمَوَّلُ، وَهَذَا الَّذِي فَرَضَهُ لَا يَكَادُ يُتَصَوَّرُ، فَإِنَّ التَّحَالُفَ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى إِثْبَاتِ مَا يَزْعُمُهُ، وَنَفْيِ مَا زَعَمَهُ صَاحِبُهُ. وَالْمَفْرُوضُ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ إِنْكَارٌ مُطْلَقٌ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّحَالُفِ. وَلَمْ يَذْكُرِ الرُّويَانِيُّ الْخِلَافَ هَكَذَا، بَلْ قَالَ: قَالَ مَشَايِخُ طَبَرِسْتَانَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ وَعَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُسْمَعُ إِنْكَارُهُ لِاعْتِرَافِهِ بِمَا يَقْتَضِي الْمَهْرَ، وَلَكِنْ يُكَلَّفُ الْبَيَانَ. فَإِنْ ذَكَرَ قَدْرًا وَادَّعَتْ زِيَادَةً، تَحَالَفَا. وَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْإِنْكَارِ، رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهَا وَقُضِيَ لَهَا بِهَا. قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَرَأَيْتُ جَمَاعَةً مِنَ الْمُحَقِّقِينَ بِخُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ يُفْتُونَ بِهَذَا، وَهُوَ الْقَدِيمُ. وَلَوِ ادَّعَتْ زَوْجِيَّةً وَمَهْرًا مُسَمًّى يُسَاوِي مَهْرَ الْمِثْلِ، وَقَالَ الزَّوْجُ: لَا أَدْرِي، أَوْ سَكَتَ، قَالَ الْإِمَامُ: ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا لِمَا سَبَقَ أَنَّ النِّكَاحَ اقْتَضَى مَهْرَ الْمِثْلِ. قَالَ: وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، أَنَّ دَعْوَاهَا مُتَوَجِّهَةٌ بِذَلِكَ الْقَدْرِ، وَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ التَّرَدُّدُ، بَلْ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ مَا تَدَّعِيهِ. فَإِنْ نَكَلَ، رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهَا وَقُضِيَ بِيَمِينِهَا. ثُمَّ حُكِيَ عَنِ الْقَاضِي عَلَى قِيَاسِ الْوَجْهِ الْمَنْسُوبِ إِلَيْهِ، أَنَّهُ لَوْ قَالَ: هَذَا ابْنِي مِنْ فُلَانَةَ، اسْتَحَقَّتْ عَلَيْهِ مَهْرَ الْمِثْلِ إِذَا حَلَفَتْ؛ لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ بِالْوَطْءِ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّ اسْتِدْخَالَ الْمَاءِ بَعِيدٌ، وَالْوَطْءَ الْمُحَرَّمَ [هُوَ] الَّذِي يَحْصُلُ مِنْهُ الْوَلَدُ النَّسِيبُ ظَاهِرًا، وَهُوَ يَقْتَضِي الْمَهْرَ. وَقِيَاسُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ إِذَا أَنْكَرَ مَا ادَّعَتْهُ. فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى الْإِنْكَارِ، رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهَا.

стр. 2999

فَرْعٌ قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَوْ مَاتَ الزَّوْجُ وَادَّعَتْ عَلَى الْوَارِثِ أَنَّ الزَّوْجَ سَمَّى لَهَا أَلْفًا، فَقَالَ الْوَارِثُ: لَا أَعْلَمُ كَمْ سَمَّى، لَمْ يَتَحَالَفَا، بَلْ يَحْلِفُ الْوَارِثُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ. فَإِذَا حَلَفَ، قُضِيَ لَهَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ مُشْكِلٌ عَلَى قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، قَالَ: وَالْقِيَاسُ أَنْ يُحْكَمَ بِانْقِطَاعِ الْخُصُومَةِ، يَحْلِفُ الْوَارِثُ، وَالْقَدْرُ الثَّابِتُ عَلَى قَطْعٍ هُوَ أَقَلُّ مَا يُتَمَوَّلُ، وَالْمُخْتَارُ بَلِ الصَّوَابُ قَوْلُ الْمُتَوَلِّي وَالْقَاضِي، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ قَبْلَهُمَا الْقَفَّالُ شَيْخُ طَرِيقَةِ خُرَاسَانَ، وَقَدْ حَكَاهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ «الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ» ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خِلَافًا، وَلَمْ أَرَ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَصْحَابِ خِلَافًا، وَدَلِيلُهُ أَنَّ تَعَذُّرَ مُعَرَّفَةِ الْمُسَمَّى، كَعَدَمِهِ مِنْ أَصْلِهِ، وَلِهَذَا نُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ فِي التَّحَالُفِ وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مُسَمًّى زَائِدٌ أَوْ نَاقِصٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْخَامِسَةُ: اخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَوَلِيُّ الصَّغِيرَةِ أَوِ الْمَجْنُونَةِ، فَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتُكَهَا بِأَلْفَيْنِ، فَقَالَ: بَلْ بِأَلْفٍ. فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ: يَتَحَالَفَانِ. وَالثَّانِي: لَا، فَعَلَى هَذَا تُوقَفُ إِلَى بُلُوغِهَا فَيَتَحَالَفَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ الزَّوْجُ، وَيُوقَفَ يَمِينُهَا إِلَى بُلُوغِهَا. وَإِذْ قُلْنَا: يَحْلِفُ الْوَلِيُّ، فَذَلِكَ إِذَا ادَّعَى زِيَادَةً عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَالزَّوْجُ مُعْتَرِفٌ بِمَهْرِ الْمِثْلِ. وَأَمَّا إِذَا ادَّعَى الزَّوْجُ نِكَاحَهَا بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَلَا تَحَالُفَ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَإِنْ نَقَصَ الْوَلِيُّ. وَلَوْ ذَكَرَ الزَّوْجُ قَدْرًا يَزِيدُ عَلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، وَادَّعَى الْوَلِيُّ زِيَادَةً عَلَيْهِ، لَمْ يَتَحَالَفَا كَيْلَا يَرْجِعَ الْوَاجِبُ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ، بَلْ يَأْخُذُ الْوَلِيُّ مَا يَقُولُهُ الزَّوْجُ. وَلَوِ ادَّعَى الْوَلِيُّ مَهْرَ الْمِثْلِ أَوْ

стр. 3000

أَكْثَرَ، وَذَكَرَ الزَّوْجُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَهَلْ يَتَحَالَفَانِ، أَمْ يُؤْخَذُ بِمَا قَالَهُ الزَّوْجُ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْحَنَّاطِيُّ، وَهَذَا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي اخْتِلَافِ الزَّوْجِ وَوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ، يَجْرِي فِي اخْتِلَافِ الْمَرْأَةِ وَوَلِيِّ الزَّوْجِ الصَّغِيرِ، وَفِيمَا إِذَا اخْتَلَفَ وَلِيَّا الزَّوْجَيْنِ الصَّغِيرَيْنِ. وَلَوْ بَلَغَتِ الصَّغِيرَةُ قَبْلَ التَّحَالُفِ، حَلَفَتْ هِيَ وَلَا يَحْلِفُ الْوَلِيُّ. وَادَّعَى الْبَغَوِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ. وَلَوِ اخْتَلَفَ وَلِيُّ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ وَزَوْجُهَا، فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَحْلِفُ. وَقِيلَ: يَحْلِفُ الْوَلِيُّ لِأَنَّهُ الْعَاقِدُ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَغَيْرُهُ. وَمَنْ قَالَ بِهَذَا لَا يُسَلِّمُ فِي الصَّغِيرَةِ إِذَا بَلَغَتْ أَنَّ الْيَمِينَ عَلَيْهَا. وَالْخِلَافُ فِي حَلِفِ الْوَلِيِّ يَجْرِي فِي الْوَكِيلِ فِي النِّكَاحِ، وَفِي وَكِيلِ الْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي، وَوَكِيلِ الْمُشْتَرِي مَعَ الْبَائِعِ، وَفِي وَكِيلَيْهِمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ رَتَّبَ وَقَالَ: إِنْ لَمْ يَحْلِفِ الْوَلِيُّ، فَالْوَكِيلُ أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ لِقُوَّةِ الْوِلَايَةِ. فَرْعٌ إِذَا قُلْنَا: يَحْلِفُ الْوَلِيُّ فَنَكَلَ، فَهَلْ يُقْضَى بِيَمِينِ صَاحِبِهِ، أَمْ يُوقَفُ حَتَّى تَبْلُغَ الصَّبِيَّةُ وَتَفِيقَ الْمَجْنُونَةُ فَلَعَلَّهَا تَحْلِفُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ نَقَلَهُمَا الْحَنَّاطِيُّ. فَرْعٌ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، هُوَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِإِنْشَاءِ الْوَلِيِّ، أَمَّا مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، بِأَنِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ أَتْلَفَ مَالَ الطِّفْلِ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَنَكَلَ، فَهَلْ يَحْلِفُ الْيَمِينَ الْمَرْدُودَةَ إِتْمَامًا لِلْخُصُومَةِ وَاسْتِخْلَاصًا لِحَقِّ الصَّبِيِّ، أَمْ لَا لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِإِنْشَائِهِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. وَعَلَى هَذَا لَا يُقْضَى بِالنُّكُولِ، بَلْ يَتَوَقَّفُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّبِيُّ. وَفِي وَجْهٍ: لَا تُعْرَضُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيُتَوَقَّفُ فِي أَصْلِ

стр. 3001

الْخُصُومَةِ. وَأَفْتَى الْقَفَّالُ فِيمَا إِذَا ادَّعَى الْوَلِيُّ عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا وَرِثَهُ الصَّبِيُّ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِهِ، فَقَالَ الْخَصْمُ: كُنْتُ قَضَيْتُهُ، أَوْ أَبْرَأَنِي مُوَرِّثُهُ، أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ الْوَلِيُّ، بَلْ يَحْلِفُ الصَّبِيُّ إِذَا بَلَغَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ. وَلَوْ أَقَرَّ الْقَيِّمُ بِمَا قَالَهُ الْخَصْمُ، انْعَزَلَ وَأَقَامَ الْقَاضِي غَيْرَهُ. وَلَوِ ادَّعَى أَنَّ هَذَا الْقَيِّمَ قَبَضَهُ وَأَنْكَرَ، حَلَفَ. السَّادِسَةُ: ادَّعَتْ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ نَكَحَهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ بِأَلْفٍ، وَنَكَحَهَا يَوْمَ السَّبْتِ بِأَلْفٍ، وَطَلَبَتِ الْأَلْفَيْنِ، سُمِعَتْ دَعْوَاهَا لِإِمْكَانِ ثُبُوتِ الْأَلْفَيْنِ بِأَنْ يَطَأَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَخْلَعَهَا ثُمَّ يَنْكِحَهَا يَوْمَ السَّبْتِ، وَإِذَا ثَبَتَ الْعَقْدَانِ بِالْبَيِّنَةِ، أَوْ بِإِقْرَارِهِ، أَوْ بِيَمِينِهَا بَعْدَ نُكُولِهِ، لَزِمَهُ الْأَلْفَانِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّعَرُّضِ لِتَخَلُّلِ الْفُرْقَةِ، وَلَا لِحُصُولِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِقْدٍ مِنْهُمَا ثَبَتَ مُسَمَّاهُ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ. فَإِنِ ادَّعَى أَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ كَانَ إِظْهَارًا لِلْأَوَّلِ لَا إِنْشَاءً، لَمْ يُقْبَلْ. وَهَلْ لَهُ تَحْلِيفُ الْمَرْأَةِ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا فِي «الْعُدَّةِ» أَصَحُّهُمَا: لَهُ. فَإِنِ ادَّعَى عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهَا فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَلَا يُطَالَبُ مِنَ الْمَهْرِ الْأَوَّلِ إِلَّا بِالنِّصْفِ، وَتَكُونُ مَعَهُ بِطَلْقَتَيْنِ. وَلَوِ ادَّعَى فِي النِّكَاحِ الثَّانِي الطَّلَاقَ قَبْلَ الْإِصَابَةِ، صُدِّقَ بِيَمِينٍ، وَقُنِعَ مِنْهُ بِنِصْفِ الْمَهْرِ الثَّانِي أَيْضًا. وَلَوِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ كَذَا يَوْمَ الْخَمِيسِ بِأَلْفٍ، ثُمَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِأَلْفٍ، وَطَالَبَهُ بِالثَّمَنَيْنِ، لَزِمَهُ الثَّمَنَانِ إِذَا ثَبَتَ الْعَقْدَانِ كَمَا فِي الْمَهْرَيْنِ. السَّابِعَةُ: رَجُلٌ يَمْلِكُ أَبَوَيْ حُرَّةٍ، فَنَكَحَهَا عَلَى أَحَدِهِمَا مُعَيِّنًا، ثُمَّ اخْتَلَفَا، فَقَالَ:

стр. 3002

أَصْدَقْتُكِ أَبَاكِ فَقَالَتْ: بَلْ أُمِّي، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَتَحَالَفَانِ. وَالثَّانِي: يُصَدَّقُ الزَّوْجُ بِيَمِينِهِ فِي أَنَّهُ لَمْ يَصْدُقْهَا أُمَّهَا، وَتَحْلِفُ هِيَ أَنَّهُ لَمْ يَصْدُقْهَا الْأَبَ، وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَيُعْتَقُ الْأَبُ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ أَنَّهُ أَصْدَقَهَا الْأَبَ لِتَضَمُّنِهِ الْإِقْرَارَ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهَا وَلَا غُرْمَ عَلَى الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُفَوِّتْ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: بِعْتُكَ أَبَاكَ فَأَنْكَرَ، عَتَقَ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ. إِنْ قُلْنَا بِالتَّحَالُفِ فَحَلَفَا، عَتَقَ الْأَبُ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ، وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَلَيْسَ عَلَيْهَا قِيمَةُ الْأَبِ، وَوَلَاؤُهُ مَوْقُوفٌ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَقُولُ: هُوَ لَهَا، وَهِيَ تُنْكِرُهُ. وَإِنْ حَلَفَتْ دُونَهُ، عَتَقَ الْأَبَوَانِ. أَمَّا الْأَبُ، فَبِإِقْرَارِهِ، وَأَمَّا الْأُمُّ، فَلِأَنَّا حَكَمْنَا بِكَوْنِهَا صَدَاقًا، وَلَيْسَ عَلَيْهَا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا. وَإِنْ حَلَفَ دُونَهَا، رَقَّتِ الْأُمُّ، وَعَتَقَ الْأَبُ، وَوَلَاؤُهُ مَوْقُوفٌ. وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، عَتَقَ الْأَبُ، وَلَا تَتَمَكَّنُ هِيَ مِنْ طَلَبِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ مَنِ ادَّعَى شَيْئًا وَنَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ بَعْدَ الرَّدِّ، كَانَ كَمَنْ لَمْ يَدَّعِ شَيْئًا. وَلَوْ قَالَ الزَّوْجُ: أَصْدَقْتُكِ أَبَاكِ وَنِصْفَ أُمِّكِ وَقَالَتْ: بَلْ أَصْدَقْتَنِي كِلَيْهِمَا، تَحَالَفَا بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ هُنَا فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ. فَإِذَا حَلَفَا، فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ وَتُعْتِقُ، وَعَلَيْهَا قِيمَتُهُ لِاتِّفَاقِهِمَا أَنَّهُ عَتَقَ عَلَيْهَا بِحُكْمِ الصَّدَاقِ، فَلَمَّا تَحَالَفَا بَطَلَ الصَّدَاقُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى رَدِّ الْعِتْقِ فَوَجَبَتِ الْقِيمَةُ، كَمَا لَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الثَّمَنِ وَتَحَالَفَا. وَأَمَّا الْأُمُّ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهَا نِصْفُهَا. فَإِنْ كَانَتْ مُوسِرَةً، عَتَقَ الْبَاقِي بِالسِّرَايَةِ وَعَلَيْهَا قِيمَةُ مَا يُعْتَقُ مِنْهَا، وَيَجِيءُ التَّقَاصُّ. وَلَوْ حَلَفَ الزَّوْجُ دُونَهَا، عَتَقَ الْأَبُ وَنِصْفُ الْأُمِّ، وَلَا سِرَايَةَ إِنْ كَانَتْ مُعْسِرَةً، وَلَا شَيْءَ لَهَا وَلَا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِيَمِينِهِ أَنَّ الصَّدَاقَ هُوَ الْأَبُ وَنِصْفُ الْأُمِّ. وَلَوْ حَلَفَتْ دُونَهُ، حُكِمَ بِكَوْنِهِمَا صَدَاقًا وَعِتْقًا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا. وَلَوْ قَالَتْ: أَصْدَقْتَنِي الْأُمَّ وَنِصْفَ الْأَبِ، فَقَالَ: لَا بَلِ الْأَبَ وَنِصْفَ الْأُمِّ، تَحَالَفَا. فَإِذَا حَلَفَا،

стр. 3003

فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ، وَيُعْتَقُ مِنَ الْأَبِ نِصْفُهُ لِاتِّفَاقِهِمَا، وَنِصْفُهُ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ وَعَلَيْهَا قِيمَةُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْأُمُّ، فَيُعْتَقُ نِصْفُهَا بِاتِّفَاقِهِمَا، وَيَسْرِي إِلَى الْبَاقِي إِنْ كَانَتْ مُوسِرَةً، وَعَلَيْهَا قِيمَةُ مَا عَتَقَ مِنْهَا. الثَّامِنَةُ: اخْتَلَفَا فِي أَدَاءِ الْمَهْرِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا بِيَمِينِهَا، سَوَاءٌ اخْتَلَفَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ. فَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى قَبْضِ مَالٍ، فَقَالَ: دَفَعْتُهُ صَدَاقًا وَقَالَتْ: بَلْ هَدِيَّةٌ. فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ تَلَفَّظَ وَاخْتَلَفَا، هَلْ قَالَ: خُذِي هَذَا صَدَاقًا أَمْ قَالَ: هَدِيَّةٌ؟ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ. وَإِنِ اتَّفَقَا أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لَفْظٌ، وَاخْتَلَفَا فِيمَا نَوَى، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ أَيْضًا. وَقِيلَ: بِلَا يَمِينٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ أَمْ غَيْرِهِ، طَعَامًا أَمْ غَيْرَهُ. فَإِذَا حَلَفَ الزَّوْجُ، فَإِنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ مِنْ جِنْسِ الصَّدَاقِ، وَقَعَ عَنْهُ، وَإِلَّا فَإِنْ رَضِيَا بِبَيْعِهِ بِالصَّدَاقِ، فَذَاكَ، وَإِلَّا اسْتَرَدْهُ وَأَدَّى الصَّدَاقَ. فَإِنْ كَانَ تَالِفًا، فَلَهُ الْبَدَلُ عَلَيْهَا وَقَدْ يَقَعُ فِي التَّقَاصِّ. [وَلَوْ] بَعَثَ إِلَى بَيْتِ مَنْ لَا دَيْنَ لَهُ عَلَيْهِ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: بَعَثْتُهُ بِعِوَضٍ، وَأَنْكَرَ الْمَبْعُوثُ إِلَيْهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَبْعُوثِ إِلَيْهِ. التَّاسِعَةُ: ادَّعَى دَفْعَ الصَّدَاقِ إِلَى وَلِيِّ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ، أَوِ السَّفِيهَةِ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ. وَإِنِ ادَّعَى دَفْعَهُ إِلَى وَلِيِّ الْبَالِغَةِ الرَّاشِدَةِ، لَمْ يُسْمَعِ الدَّعْوَى عَلَيْهَا، إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ إِذْنَهَا، وَسَوَاءٌ الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ. وَفِي الْبِكْرِ وَجْهٌ، [وَ] الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ، هَلْ يَمْلِكُ قَبْضَ مَهْرِ الْبِكْرِ الرَّشِيدَةِ؟ وَالْمَذْهَبُ مَنْعُهُ. وَفِيهِ قَوْلٌ أَوْ وَجْهٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُثْبِتْهُ وَقَطَعَ بِالْأَوَّلِ. وَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ، فَاسْتَأْذَنَهَا

стр. 3004

فَسَكَتَتْ، لَمْ يَسْتَفِدْ بِسُكُوتِهَا الْإِذْنَ فِي الْقَبْضِ، وَقِيَاسُ الْقَوْلِ أَوِ الْوَجْهِ الضَّعِيفِ، أَنْ يَسْتَفِيدَهُ وَإِنْ نَهَتْ عَنْهُ كَتَزْوِيجِهَا. الْعَاشِرَةُ: وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي غَيْرِ الْمَنْكُوحَةِ، فَهُوَ اخْتِلَافٌ فِي عَقْدَيْنِ، الْقَوْلُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا قَوْلُ النَّافِي. وَإِنْ قَالَ: نَكَحْتُ هَاتَيْنِ بِأَلْفٍ، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا أَوْ وَلِيُهِمَّا: بَلْ نَكَحْتَ هَذِهِ فَقَطْ بِأَلْفٍ، فَهَذَا اخْتِلَافٌ فِي قَدْرِ مَهْرِ الْمُتَّفَقِ عَلَى نِكَاحِهَا. وَأَمَّا الْأُخْرَى، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ. فَصْلٌ يَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ الصَّدَاقِ. أَصْدَقَهَا جَارِيَةً، ثُمَّ وَطِئَ الْجَارِيَةَ عَالِمًا بِالْحَالِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهَا مَلَكَتْهَا بِالدُّخُولِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ. وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا حَدَّ. وَعَلَّلُوهُ بِشَيْئَيْنِ. أَحَدُهُمَا: لَا يَبْعُدُ أَنْ يَخْفَى مِثْلُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ عَنِ الْعَوَامِّ. وَالثَّانِي: اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: لَا تَمْلِكُ قَبْلَ الدُّخُولِ إِلَّا نِصْفَ الصَّدَاقِ. فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّهَا تَمْلِكُ جَمِيعَ الصَّدَاقِ بِالْعَقْدِ، فَعَلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ يُحَدُّ. وَعَلَى الثَّانِي، لَا وَحَيْثُ قُلْنَا: يُحَدُّ، فَأَوْلَدَهَا، فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ إِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً. وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا يُحَدُّ، فَالْوَلَدُ نَسِيبٌ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ سُقُوطِهِ.

стр. 3005

فَصْلٌ خَالَعَ زَوْجَتَهُ الْمَدْخُولَ بِهَا، ثُمَّ نَكَحَهَا فِي الْعِدَّةِ، وَطَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي، يَتَشَطَّرُ الْمَهْرُ عِنْدَنَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَجِبُ جَمِيعُهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. بَابُ الْوَلِيمَةِ . هِيَ عَامَّةٌ عَلَى مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، تَقَعُ عَلَى كُلِّ دَعْوَةٍ تُتَّخَذُ بِسُرُورٍ حَادِثٍ، مِنْ نِكَاحٍ أَوْ خِتَانٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. لَكِنَّ الْأَشْهَرَ اسْتِعْمَالُهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي النِّكَاحِ، وَتُقَيَّدُ فِي غَيْرِهِ، فَيُقَالُ: وَلِيمَةُ الْخِتَانِ وَغَيْرِهِ، وَيُقَالُ لِدَعْوَةِ الْخِتَانِ: إِعْذَارٌ، وَلِدَعْوَةِ الْوِلَادَةِ: عَقِيقَةٌ، وَلِسَلَامَةِ الْمَرْأَةِ مِنَ الطَّلْقِ: خُرْسٌ. وَقِيلَ: الْخُرْسُ لِطَعَامِ الْوِلَادَةِ، وَلِقُدُومِ الْمُسَافِرِ: نَقِيعَةٌ، وَلِإِحْدَاثِ الْبِنَاءِ: وَكِيرَةٌ، وَلِمَا يُتَّخَذُ لِلْمُصِيبَةِ: وَضِيمَةٌ، وَلِمَا يُتَّخَذُ بِلَا سَبَبٍ: مَأْدُبَةٌ. قُلْتُ: الْإِعْذَارُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. وَالْخُرْسُ، بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَيُقَالُ: بِالصَّادِ. الْمَأْدُبَةُ، بِضَمِّ الدَّالِ وَفَتْحِهَا. وَالْوَضِيمَةُ، بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ. وَقَوْلُ الْأَصْحَابِ: النَّقِيعَةُ لِقُدُومِ الْمُسَافِرِ، لَيْسَ فِيهِ بَيَانُ مَنْ يَتَّخِذُهَا أَهْوَ الْقَادِمُ أَوِ الْمَقْدُومُ عَلَيْهِمْ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ لِأَهْلِ اللُّغَةِ. فَنَقَلَ الْأَزْهَرِيُّ عَنِ الْفَرَّاءِ، أَنَّهُ الْقَادِمُ. وَقَالَ صَاحِبُ «الْمُحْكَمِ» : هُوَ طَعَامٌ يُصْنَعُ لِلْقَادِمِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 3006

وَفِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ قَوْلَانِ، أَوْ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ كَالْأُضْحِيَةِ وَسَائِرِ الْوَلَائِمِ، وَالْحَدِيثُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَقَطَعَ الْقَفَّالُ بِالِاسْتِحْبَابِ، وَأَمَّا سَائِرُ الْوَلَائِمِ، فَمُسْتَحَبَّةٌ، لَيْسَ بِوَاجِبَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَلَا يَتَأَكَّدُ تَأَكُّدَ وَلِيمَةِ النِّكَاحِ. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَخَرَّجَ بَعْضُهُمْ فِي وُجُوبِ سَائِرِ الْوَلَائِمِ قَوْلًا؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهَا: وَلَا أُرَخِّصُ فِي تَرْكِهَا. فَرْعٌ أَقَلُّ الْوَلِيمَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ، لِلْمُتَمَكِّنِ شَاةٌ وَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ، اقْتَصَرَ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. فَرْعٌ وَأَمَّا الْإِجَابَةُ إِلَى الدَّعْوَةِ، فَفِي وَلِيمَةِ الْعُرْسِ تَجِبُ الْإِجَابَةُ إِنْ أَوْجَبْنَا الْوَلِيمَةَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ نُوجِبْهَا عَلَى الْأَظْهَرِ. وَقِيلَ: عَلَى الْأَصَحِّ، صَحَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ، لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ «مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا» . وَالثَّانِي: أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ. وَأَمَّا غَيْرُ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْإِجَابَةَ فِيهَا مُسْتَحَبَّةٌ. وَقِيلَ: بِطَرْدِ الْخِلَافِ فِي الْوُجُوبِ. وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْإِجَابَةَ، فَهِيَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ. ثُمَّ إِنَّمَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ أَوْ تُسْتَحَبُّ بِشُرُوطٍ. مِنْهَا: أَنْ يَعُمَّ عَشِيرَتَهُ أَوْ جِيرَانَهُ، أَوْ أَهْلَ حِرْفَتِهِ، أَغْنِيَاءَهُمْ وَفُقَرَاءَهُمْ، دُونَ مَا إِذَا خَصَّ الْأَغْنِيَاءَ. وَمِنْهَا: أَنْ يَخُصَّهُ بِالدَّعْوَةِ بِنَفْسِهِ، أَوْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ شَخْصًا. فَأَمَّا إِذَا فَتَحَ بَابَ دَارِهِ وَقَالَ: لِيَحْضُرْ مَنْ أَرَادَ، أَوْ بَعَثَ شَخْصًا لِيُحْضِرَ مَنْ شَاءَ، أَوْ قَالَ لِشَخْصٍ: احْضَرْ وَأَحْضِرْ

стр. 3007

مَعَكَ مَنْ شِئْتَ، فَقَالَ لِغَيْرِهِ: احْضَرْ، فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ وَلَا تُسْتَحَبُّ. وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ إِحْضَارُهُ لِخَوْفٍ مِنْهُ، أَوْ طَمَعٍ فِي جَاهِهِ، أَوْ لِيُعَاوِنَهُ عَلَى بَاطِلٍ، بَلْ تَكُونُ لِلتَّقَرُّبِ، أَوِ التَّوَدُّدِ. وَمِنْهَا، أَنْ يَدْعُوَهُ مُسْلِمٌ. فَإِنْ دَعَاهُ ذِمِّيٌّ فَهَلْ هُوَ كَالْمُسْلِمِ أَمْ لَا تَجِبُ قَطْعًا؟ طَرِيقَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي. وَلَا يَكُونُ الِاسْتِحْبَابُ فِي إِجَابَتِهِ كَالِاسْتِحْبَابِ فِي دَعْوَةِ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْغَبُ عَنْ طَعَامِهِ لِنَجَاسَتِهِ وَتَصَرُّفِهِ الْفَاسِدِ، وَتُكْرَهُ مُخَالَطَةُ الذِّمِّيِّ وَمُوَادَّتُهُ. وَمِنْهَا: أَنْ يَدْعُوَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ. فَلَوْ أَوْلَمَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَالْإِجَابَةُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مَكْرُوهَةٌ، وَفِي الثَّانِي لَا تَجِبُ قَطْعًا، وَلَا يَكُونُ اسْتِحْبَابُهَا كَالِاسْتِحْبَابِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ. فَرْعٌ إِذَا اعْتَذَرَ الْمَدْعُوُّ إِلَى صَاحِبِ الدَّعْوَةِ، فَرَضِيَ بِتَخَلُّفِهِ، زَالَ الْوُجُوبُ وَارْتَفَعَتْ كَرَاهَةُ التَّخَلُّفِ. فَرْعٌ دَعَاهُ جَمَاعَةٌ، أَجَابَ الْأَسْبَقَ، فَإِنْ جَاءَا مَعًا، أَجَابَ الْأَقْرَبَ رَحِمًا، ثُمَّ الْأَقْرَبَ دَارًا كَالصَّدَقَةِ. وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يَتَأَذَّى بِحُضُورِهِ، وَلَا يَلِيقُ بِهِ مُجَالَسَتُهُ. فَإِنْ كَانَ، فَهُوَ مَعْذُورٌ فِي التَّخَلُّفِ. وَأَشَارَ فِي «الْوَسِيطِ» إِلَى وَجْهٍ فِيهِ. وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مُنْكَرٌ كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْمَلَاهِي. فَإِنْ كَانَ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ الشَّخْصُ مِمَّنْ إِذَا حَضَرَ رُفِعَ الْمُنْكَرُ، فَلْيَحْضُرْ إِجَابَةً لِلدَّعْوَةِ وَإِزَالَةً لِلْمُنْكَرِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: الْأَوْلَى أَنْ لَا يَحْضُرَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَحْضُرَ وَلَا يَسْتَمِعْ وَيُنْكِرُ بِقَلْبِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ يُضْرَبُ الْمُنْكَرُ فِي جِوَارِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ التَّحَوُّلُ وَإِنْ

стр. 3008

بَلَغَهُ الصَّوْتُ، وَعَلَى هَذَا جَرَى الْعِرَاقِيُّونَ. وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ: يَحْرُمُ الْحُضُورُ لِأَنَّهُ كَالرِّضَى بِالْمُنْكَرِ وَإِقْرَارِهِ. قُلْتُ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ غَلَطٌ، وَلَا يَثْبُتُ عَنْ كُلِّ الْعِرَاقِيِّينَ، وَإِنَّمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ خَطَأٌ، وَلَا يُغْتَرُّ بِجَلَالَةِ صَاحِبِ «التَّنْبِيهِ» وَنَحْوِهِ مِمَّنْ ذَكَرَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِذَا قُلْنَا بِالثَّانِي، فَلَمْ يَعْلَمْ حَتَّى حَضَرَ، نَهَاهُمْ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا، فَلْيَخْرُجْ. وَفِي جَوَازِ الْقُعُودِ وَجْهَانِ. قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: التَّحْرِيمُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ، بِأَنْ كَانَ فِي اللَّيْلِ وَيَخَافُ مِنَ الْخُرُوجِ، قَعَدَ كَارِهًا وَلَا يَسْتَمِعُ. وَلَوْ كَانُوا يَشْرَبُونَ النَّبِيذَ الْمُخْتَلَفَ فِي إِبَاحَتِهِ، لَمْ يُنْكِرْهُ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ. فَإِنْ كَانَ حَاضِرُهُ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، فَكَالْمُنْكَرِ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَقِيلَ: لَا. فَرْعٌ وَمِنَ الْمُنْكَرَاتِ، فَرْشُ الْحَرِيرِ وَصُوَرُ الْحَيَوَانَاتِ عَلَى السُّقُوفِ وَالْجُدْرَانِ، وَالثِّيَابِ الْمَلْبُوسَةِ، وَالسُّتُورِ الْمُعَلَّقَةِ، وَالْوَسَائِدِ الْكِبَارِ الْمَنْصُوبَةِ، وَلَا بَأْسَ بِمَا عَلَى الْأَرْضِ، وَالْبِسَاطِ الَّذِي يُدَاسُ، وَالْمَخَادِّ الَّتِي يُتَّكَأُ عَلَيْهَا، وَلْيَكُنْ فِي مَعْنَاهَا الطَّبَقُ وَالْخُوَانُ، وَالْقَصْعَةُ. وَلَا بَأْسَ بِصُوَرِ الْأَشْجَارِ، وَالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ. وَفِي وَجْهٍ: يُكْرَهُ صُورَةُ الشَّجَرِ. وَلَوْ كَانَتْ صُوَرُ الْحَيَوَانَاتِ مَقْطُوعَةَ الرُّءُوسِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَنَعَهُ الْمُتَوَلِّي. وَهَلْ دُخُولُ الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ الْمَمْنُوعَةُ حَرَامٌ

стр. 3009

أَمْ مَكْرُوهٌ؟ وَجْهَانِ. وَبِالتَّحْرِيمِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَبِالْكَرَاهَةِ قَالَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» وَالصَّيْدَلَانِيُّ، وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي «الْوَسِيطِ» . وَلَوْ كَانَتِ الصُّورَةُ فِي الْمَمَرِّ دُونَ مَوْضِعِ الْجُلُوسِ، فَلَا بَأْسَ بِالدُّخُولِ وَالْجُلُوسِ، وَلَا يَتْرُكُ إِجَابَةَ الدَّعْوَةِ بِهَذَا السَّبَبِ. وَكَذَا لَا بَأْسَ بِدُخُولِ الْحَمَّامِ الَّذِي عَلَى بَابِهِ صُوَرٌ، كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ. فَرْعٌ يَحْرُمُ عَلَى الْمُصَوِّرِ التَّصْوِيرَ عَلَى الْحِيطَانِ وَالسُّقُوفِ، وَلَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةً. وَفِي نَسْجِ الثِّيَابِ الْمُصَوَّرَةِ وَجْهَانِ، جَوَّزَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ لِأَنَّهَا قَدْ لَا تُلْبَسُ، وَرَجَّحَ الْمَنْعَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ تَمَسُّكًا بِالْحَدِيثِ لَعَنَ اللَّهُ الْمُصَوِّرِينَ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ التَّحْرِيمُ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَطَرَدَ الْمُتَوَلِّي الْوَجْهَيْنِ فِي التَّصْوِيرِ عَلَى الْأَرْضِ وَنَحْوِهَا، وَكَأَنَّ مَنْ قَالَ بِالْمَنْعِ. قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَوِّرَ، لَكِنْ إِنِ اتَّفَقَ يُسَامَحُ بِهِ وَلَا يَجِبُ طَمْسُهُ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ تَحْرِيمُ التَّصْوِيرِ عَلَى الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ الصَّوْمُ لَيْسَ عُذْرًا فِي تَرْكِ إِجَابَةِ الدَّعْوَةِ. فَإِذَا حَضَرَ الصَّائِمُ، إِنْ كَانَ صَوْمَ

стр. 3010

فَرْضٍ مُضَيَّقَ الْوَقْتِ، حَرُمَ الْفِطْرُ. وَإِنْ كَانَ مُوَسَّعًا كَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ وَقَضَاءِ رَمَضَانَ، فَإِنْ لَمْ نُجَوِّزِ الْخُرُوجَ مِنْهُ، حَرُمَ الْفِطْرُ، وَإِلَّا [فَقِيلَ] هُوَ كَصَوْمِ النَّفْلِ. وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ كَرَاهَةُ الْخُرُوجِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ مَشْغُولَةٌ. وَإِنْ كَانَ صَوْمَ نَفْلٍ، فَإِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَى صَاحِبِ الدَّعْوَةِ إِمْسَاكُهُ، اسْتُحِبَّ إِتْمَامُ صَوْمِهِ، وَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ، اسْتُحِبَّ الْفِطْرُ. أَمَّا الْمُفْطِرُ، فَفِي أَكْلِهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَجِبُ وَأَقَلُّهُ لُقْمَةٌ، وَأَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ. فَصْلٌ دَعَاهُ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ، كُرِهَتْ إِجَابَتُهُ كَمَا تُكْرَهُ مُعَامَلَتُهُ. فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ عَيْنَ الطَّعَامِ حَرَامٌ، حَرُمَتْ إِجَابَتُهُ. فَصْلٌ الْمَرْأَةُ إِذَا دَعَتِ النِّسَاءَ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الرِّجَالِ. فَإِنْ دَعَتْ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا، وَجَبَتِ الْإِجَابَةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ خَلْوَةٌ مُحَرَّمَةٌ. قُلْتُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيُّ: لَوْ دَعَتْهُ أَجْنَبِيَّةٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَحْرَمٌ لَهُ وَلَا لَهَا، وَلَمْ يُخْلَ بِهِ، بَلْ جَلَسَتْ فِي بَيْتٍ، وَبَعَثَتِ الطَّعَامَ مَعَ خَادِمٍ إِلَيْهِ إِلَى بَيْتٍ آخَرَ مِنْ دَارِهَا، لَمْ يُجِبْهَا مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 3011

فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالضِّيَافَةِ. إِحْدَاهَا: لِلضَّيْفِ أَنْ يَأْكُلَ إِذَا قُدِّمَ إِلَيْهِ الطَّعَامُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْذَنَ صَاحِبُ الطَّعَامِ لَفْظًا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَنْتَظِرُ حُضُورَ غَيْرِهِ، فَلَا يَأْكُلْ حَتَّى يَحْضُرَ أَوْ يَأْذَنَ الْمُضِيفُ لَفْظًا. وَفِي «الْوَسِيطِ» أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ، وَالصَّحِيحُ الِاكْتِفَاءُ بِقَرِينَةِ التَّقْدِيمِ، وَلِلْقَرِينَةِ أَثَرٌ ظَاهِرٌ فِي مِثْلِ هَذَا الْبَابِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ الشُّرْبُ مِنَ الْحَبَابِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى الطُّرُقِ، وَكَانَ السَّلَفُ يَأْكُلُونَ مِنْ بُيُوتِ إِخْوَانِهِمْ لِلِانْبِسَاطِ وَهُمْ غُيَّبٌ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: تَقْدِيمُ الطَّعَامِ، إِنَّمَا يَكْفِي إِذَا دَعَاهُ إِلَى بَيْتِهِ. فَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ دَعْوَةً، فَلَا بُدَّ مِنَ الْإِذْنِ لَفْظًا، إِلَّا إِذَا جَعَلْنَا الْمُعَاطَاةَ بَيْعًا، وَقَرِينَةُ التَّقْدِيمِ لَا تَخْتَلِفُ لِسَبْقِ الدَّعْوَةِ وَعَدَمِهِ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ بِتَقْدِيمِ الطَّعَامِ أَنَّهُ يَجُوزُ الْأَكْلُ بِلَا لَفْظٍ، سَوَاءٌ دَعَاهُ أَمْ لَا، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ مُنْتَظِرًا غَيْرَهُ كَمَا سَبَقَ. وَأَمَّا الْأَكْلُ مِنْ بَيْتِ الصَّدِيقِ وَبُسْتَانِهِ وَنَحْوِهَا فِي حَالِ غَيْبَتِهِ فَجَائِزٌ، بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ مِنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِيَةُ: هَلْ يَمْلِكُ الضَّيْفُ مَا يَأْكُلُهُ؟ وَجْهَانِ. قَالَ الْقَفَّالُ: لَا بَلْ هُوَ إِتْلَافٌ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَلِلْمَالِكِ أَنْ يَرْجِعَ مَا لَمْ يَأْكُلْ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: نَعَمْ. وَبِمَ يَمْلِكُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. قِيلَ: بِالْوَضْعِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقِيلَ: بِالْأَخْذِ، وَقِيلَ: بِوَضْعِهِ

стр. 3012

فِي الْفَمِ، وَقِيلَ: بِالِازْدِرَادِ يَتَبَيَّنُ حُصُولُ الْمِلْكِ قُبَيْلَهُ. وَضَعَّفَ الْمُتَوَلِّي مَا سِوَى الْوَجْهِ الْأَخِيرِ. وَعَلَى الْأَوْجُهِ يَنْبَنِي التَّمَكُّنُ مِنَ الرُّجُوعِ. قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» : إِذَا قُلْنَا: يَمْلِكُهُ بِالْأَخْذِ أَوْ بِالْوَضْعِ فِي الْفَمِ، فَهَلْ لِلْآخِذِ إِبَاحَتُهُ لِغَيْرِهِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ؟ وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ [وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ] لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يُعِيرُ الْمُسْتَعَارَ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ مِنَ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: هَذَا لَا يَجِيءُ عَلَى أَصْلِهِمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةُ: لَيْسَ لِلضَّيْفِ التَّصَرُّفُ فِي الطَّعَامِ بِمَا سِوَى الْأَكْلِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ مِنْهُ شَيْئًا، إِلَّا إِذَا أَخَذَ مَا يَعْلَمُ رِضَى الْمَالِكِ بِهِ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِقَدْرِ الْمَأْخُوذِ وَجِنْسِهِ، وَبِحَالِ الْمُضِيفِ وَالدَّعْوَةِ. فَإِنْ شَكَّ فِي وُقُوعِهِ فِي مَحَلِّ الْمُسَامَحَةِ، فَالصَّحِيحُ التَّحْرِيمُ، وَلَيْسَ لِلضَّيْفِ إِطْعَامُ السَّائِلِ وَالْهِرَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُلْقِمَ الْأَضْيَافُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، إِلَّا إِذَا فَاوَتَ بَيْنَهُمْ فِي الطَّعَامِ، فَلَيْسَ لِمَنْ خُصَّ بِنَوْعٍ أَنْ يُطْعِمُوا مِنْهُ غَيْرَهُمْ، وَيُكْرَهَ لِلْمُضِيفِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. الرَّابِعَةُ: يَحْرُمُ التَّطَفُّلُ، وَاسْتَثْنَى الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ فَقَالُوا: إِذَا كَانَ فِي الدَّارِ ضِيَافَةٌ، جَازَ لِمَنْ بَيْنُهُ وَبَيْنَ صَاحِبِ الطَّعَامِ انْبِسَاطٌ أَنْ يَدْخُلَ وَيَأْكُلَ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ.

стр. 3013

فَصْلٌ فِي آدَابِ الْأَكْلِ مِنْهَا: أَنْ يَقُولَ أَوَّلًا: بِاسْمِ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ قَالَ إِذَا تَذَكَّرَ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَأَنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ قَبْلَ الْأَكْلِ وَبَعْدَهُ، وَأَنْ يَأْكُلَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ، وَأَنْ يَدْعُوَ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ إِنْ كَانَ ضَيْفًا، وَيَقُولَ: «أَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ، وَأَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ. وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ» وَيُكْرَهُ أَنْ يَأْكُلَ مُتَّكِئًا، وَأَنْ يَأْكُلَ مِمَّا يَلِي آكِلِيهِ، وَأَنْ يَأْكُلَ مِنْ وَسَطِ الْقَصْعَةِ وَأَعْلَى الثَّرِيدِ وَنَحْوَهُ، وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الْفَوَاكِهِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَعِيبَ الطَّعَامَ، وَأَنْ يَقْرِنَ بَيْنَ تَمْرَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا، وَأَنْ يَأْكُلَ بِشِمَالِهِ، وَأَنْ يَتَنَفَّسَ فِي الْإِنَاءِ، وَأَنْ يَنْفُخَ فِيهِ. وَلَا يُكْرَهُ الشُّرْبُ قَائِمًا، وَحَمَلُوا النَّهْيَ الْوَارِدَ عَلَى حَالَةِ السَّيْرِ. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ مِنْ تَأْوِيلِ النَّهْيِ عَلَى حَالَةِ السَّيْرِ، قَدْ قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَالْمُتَوَلِّي، وَقَدْ تَأَوَّلَهُ آخَرُونَ بِخِلَافِ هَذَا. وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الشُّرْبَ قَائِمًا بِلَا عُذْرٍ خِلَافَ الْأَوْلَى، لِلْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» . وَأَمَّا الْحَدِيثَانِ الصَّحِيحَانِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَرِبَ قَائِمًا، فَمَحْمُولَانِ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ. وَقَدِ اعْتُرِضَ عَلَى أَحَادِيثِ النَّهْيِ بِأَشْيَاءَ بَاطِلَةٍ، أَوْضَحْتُ جَوَابَهَا فِي شَرْحِ «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» . وَيُكْرَهُ الشُّرْبَ مِنْ فَمِ الْقِرْبَةِ. وَمِنْ آدَابِ الْأَكْلِ: حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى فِي آخِرِهِ. وَكَذَلِكَ فِي آخِرِ الشُّرْبِ فَيَقُولُ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مَكْفُورٍ وَلَا مُوَدَّعٍ، وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبَّنَا» . ثَبَتَ ذَلِكَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهُ، وَقَدْ جَاءَتْ فِي هَذَا أَذْكَارٌ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ جَمَعْتُ

стр. 3014

مَقَاصِدَهَا فِي كِتَابِ أَذْكَارِ الطَّعَامِ مِنْ كِتَابِ «الْأَذْكَارِ» ، وَشَرَحْتُ فِيهِ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ أَحْسَنَ شَرْحٍ وَأَوْجَزَهُ، مَعَ جُمَلٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَطْعِمَةِ. وَقَوْلُهُ: رَبَّنَا، يَجُوزُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَبِالنَّصْبِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ أَوِ النِّدَاءِ، وَبِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَإِذَا أَكَلَ جَمَاعَةٌ، فَمِنَ الْأَدَبِ أَنْ يَتَحَدَّثُوا عَلَى طَعَامِهِمْ بِمَا لَا إِثْمَ فِيهِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَمَخَّطَ وَيَبْصُقَ فِي حَالِ أَكْلِهِمْ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَرِّبَ فَمَهُ مِنَ الْقَصْعَةِ بِحَيْثُ يَرْجِعُ مِنْ فَمِهِ إِلَيْهَا شَيْءٌ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَلْعَقَ الْقَصْعَةَ، وَأَنْ يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ، وَأَنْ يَأْكُلَ اللُّقْمَةَ السَّاقِطَةَ مَا لَمْ تَتَنَجَّسْ وَيَتَعَذَّرْ تَطْهِيرُهَا؛ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ. وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَأْكُلَ الشَّخْصُ وَحْدَهُ، وَأَنْ لَا يَرْتَفِعَ عَنْ مُؤَاكَلَةِ الْغُلَامِ وَالصِّبْيَانِ وَالزَّوْجَةِ، وَأَنْ لَا يَتَمَيَّزَ عَلَى جُلَسَائِهِ بِنَوْعٍ إِلَّا لِحَاجَةٍ، كَدَوَاءٍ، وَنَحْوِهِ، وَأَنْ يَمُدَّ الْأَكْلَ مَعَ رُفْقَتِهِ مَا دَامَ يَظُنُّ لَهُمْ حَاجَةً إِلَى الْأَكْلِ، وَأَنْ يُؤْثِرَهُمْ بِفَاخِرِ الطَّعَامِ، كَقِطْعَةِ لَحْمٍ وَخُبْزٍ لَيِّنٍ، أَوْ طَيِّبٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَقَدْ سَبَقَ اسْتِحْبَابُ التَّسْمِيَةِ فِي أَوَّلِ الطَّعَامِ، وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ لِكُلِّ آكِلٍ، حَتَّى الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْهَرَ بِهَا جَهْرًا يَسْمَعُهُ رُفْقَتُهُ سَمَاعًا مُحَقَّقًا؛ لِيُقْتَدَى بِهِ فِيهَا، وَلِيَتَنَبَّهَ غَيْرُهُ لَهَا وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ أَنْ يُسَمِّيَ. فَإِنْ سَمَّى وَاحِدٌ مِنَ الْجَمْعِ، أَجَزَأَ عَنِ الْبَاقِينَ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي كِتَابِ «الْأَذْكَارِ» وَفِي «طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ» فِي تَرْجَمَةِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِرَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، فَإِنَّهُ يَكْفِي قَوْلُ أَحَدِ الْجَمَاعَةِ. وَمَنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا أَوْ مُكْرَهًا، أَوْ لِعَارِضٍ آخَرَ، ثُمَّ تَمَكَّنَ فِي أَثْنَاءِ أَكْلِهِ، سَمَّى، كَمَا لَوْ نَسِيَهَا، وَسَبَقَ مِثْلُهُ فِي الْوُضُوءِ، وَالتَّسْمِيَةِ فِي الْمَشْرُوبِ كَالْمَأْكُولِ. وَلَا بَأْسَ

стр. 3015

بِقَوْلِهِ: لَا أَشْتَهِي هَذَا الطَّعَامَ، أَوْ مَا اعْتَدْتُ أَكْلَهُ، لِحَدِيثِ الضَّبِّ. وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَضَرَ وَهُوَ صَائِمٌ وَلَمْ يَأْكُلْ أَنْ يَدْعُوَ لِأَهْلِ الطَّعَامِ، وَيُسْتَحَبُّ التَّرْحِيبُ بِالضَّيْفِ وَحَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حُصُولِهِ ضَيْفًا عِنْدَهُ، وَسُرُورُهُ بِهِ، وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ لِجَعْلِهِ أَهْلًا لِتَضْيِيفِهِ. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ يَجُوزُ نَثْرُ الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ وَالتَّمْرِ وَالسُّكَّرِ وَنَحْوِهَا فِي الْإِمْلَاكَاتِ. وَهَلْ يُكْرَهُ أَمْ يُسْتَحَبُّ، أَمْ لَا يُسْتَحَبُّ وَلَا يُكْرَهُ، بَلْ تَرْكُهُ أَوْلَى؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا الثَّالِثُ. وَالْتِقَاطُ النِّثَارِ جَائِزٌ، لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ، إِلَّا إِذَا عُرِفَ أَنَّ النَّاثِرَ لَا يُؤْثِرُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَمْ يَقْدَحِ الِالْتِقَاطُ فِي مُرُوءَتِهِ، ثُمَّ مَنِ الْتَقَطَ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ. وَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لَفْظُ تَمْلِيكٍ لِمُعَيَّنٍ وَالثَّانِي: يَمْلِكُ اعْتِبَارًا بِالْعَادَةِ، وَالْأَئِمَّةُ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ أَمْيَلُ، وَهُوَ مُقْتَضَى إِطْلَاقِ أَكْثَرِهِمْ. فَعَلَى الْأَوَّلِ، لِلنَّاثِرِ الِاسْتِرْجَاعُ. قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَهُ الِاسْتِرْجَاعُ مَا لَمْ يَخْرُجِ الْمُلْتَقِطُ مِنَ الدَّارِ، وَعَلَيْهِ الْغُرْمُ إِنْ أَتَلَفَهُ. وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ فَهَلْ يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ النَّاثِرِ بِالنَّثْرِ، أَمْ بِأَخْذِ الْمُلْتَقِطِ، أَمْ بِإِتْلَافِهِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَمْلِكُ بِالْأَخْذِ كَسَائِرِ الْمُبَاحَاتِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →