Полный текст (4 941 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
الرُّويَانِيُّ: وَعَلَى هَذَا لَوْ أَوْصَى لَعَبْدٍ نَفْسَهُ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ، وَعَنِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ بَعْدَ الْوَصِيَّةِ، صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ، وَيَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ لِلْمُشْتَرِي، وَإِذَا صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لَهَا، فَإِنْ أَقْسَمَ السَّيِّدُ ثُمَّ مَاتَ فَالْقِيمَةُ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يُقْسِمْ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ نُكُولٌ، أَقْسَمَ الْوَرَثَةُ، وَتَكُونُ الْقِيمَةُ لَهَا بِالْوَصِيَّةِ، وَإِنَّمَا أَقْسَمَ الْوَرَثَةُ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ لِلْمُسْتَوْلَدَةِ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقَتْلِ كَانَ لِلسَّيِّدِ، وَالْقَسَامَةُ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُعَلَّقَةِ بِالْقَتْلِ، فَيَرِثُونَهَا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَتَثْبُتُ الْقِيمَةُ لَهُ، ثُمَّ يَصْرِفُونَهَا إِلَى الْمُسْتَوْلَدَةِ بِمُوجِبِ وَصِيَّتِهِ، وَلَهُمْ غَرَضٌ ظَاهِرٌ فِي تَنْفِيذِ وَصِيَّتِهِ وَتَحْقِيقِ مُرَادِهِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّهُمْ يَقْضُونَ دَيْنَهُ، وَلَيْسَ سَبِيلُهُمْ فِيهِ سَبِيلَ سَائِرِ النَّاسِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَا تَرِكَةَ لَهُ، فَقَضَاهُ الْوَرَثَةُ مِنْ مَالِهِمْ، لَزِمَ الْمُسْتَحِقَّ قَبُولُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ تَبَرَّعَ بِهِ أَجْنَبِيٌّ، قَالَ الْإِمَامَ: وَغَالِبُ ظَنِّي أَنِّي رَأَيْتُ فِيهِ خِلَافًا، قَالَ: وَلَوْ أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِمَالٍ وَمَاتَ، فَجَاءَ مَنِ ادَّعَى اسْتِحْقَاقَهُ هَلْ يَحْلِفُ الْوَارِثُ لِتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَسَامَةَ تَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ احْتِيَاطًا لِلدِّمَاءِ.
وَلَوْ نَكَلَ الْوَرَثَةُ عَنِ الْقَسَامَةِ، فَهَلْ لِلْمُسْتَوْلَدَةِ أَنْ تُقْسِمَ وَتَأْخُذَ الْقِيمَةَ؟ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لَهَا، وَأَظْهَرُهُمَا: لَا ; لِأَنَّ الْقَسَامَةَ لِإِثْبَاتِ الْقِيمَةِ، وَهِيَ تَثْبُتُ لِلسَّيِّدِ ثُمَّ تَنْتَقِلُ بِالْوَصِيَّةِ إِلَيْهَا، وَلَا يَقُومُ مَقَامَ السَّيِّدِ إِلَّا وَارِثُهُ، وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي الْمَدْيُونِ إِذَا لَمْ يُقْسِمْ وَرَثَتُهُ، هَلْ يُقْسِمُ غُرَمَاؤُهُ؟ وَلَا خِلَافَ أَنَّ لِلْوَرَثَةِ الدَّعْوَى، وَطَلَبَ الْيَمِينِ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يُقْسِمُوا، وَأَمَّا الْمُسْتَوْلَدَةُ، فَهَلْ لَهَا الدَّعْوَى وَطَلَبُ الْيَمِينِ؟ قِيلَ: إِنْ قُلْنَا: لَهَا أَنْ تُقْسِمَ، فَلَهَا ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا، وَالْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ أَنَّ لَهَا ذَلِكَ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا تُقْسِمُ ; لِأَنَّهَا صَاحِبَةُ الْقِيمَةِ، وَأَمَّا الْقَسَامَةُ فَلِلْوَرَثَةِ، فَلَوْ نَكَلَ الْخَصْمُ رُدَّتِ الْيَمِينُ عَلَيْهَا، قَالَ الْإِمَامُ: وَعَلَى هَذَا لَا يَفْتَقِرُ طَلَبُهَا وَدَعْوَاهَا إِلَى إِعْرَاضِ الْوَرَثَةِ عَنِ الطَّلَبِ.
стр. 3957
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَرَثَةَ وَإِنْ كَانَ لَهُمُ الْقَسَامَةُ، لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانُوا مُتَيَقِّنِينَ، فَالْأَيْمَانُ لَا تَجِبُ قَطُّ.
فَرْعٌ
لَوْ قَطَعْتَ يَدَ عَبْدٍ، فَعَتِقَ وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الدِّيَةُ، وَذَكَرْنَا قَوْلَيْنِ، أَظْهَرُهُمَا: لِلسَّيِّدِ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ نِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَكَمَالِ الدِّيَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَقَلُّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ كَمَالِ الْقِيمَةِ وَكَمَالِ الدِّيَةِ، فَلَوْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْجِنَايَةُ فِي مَحَلِّ لَوْثٍ وَكَانَ الْوَاجِبُ قَدْرَ مَا يَأْخُذُهُ السَّيِّدُ وَلَا يَفْضُلُ شَيْءٌ لِلْوَرَثَةِ، فَهَلْ يُقْسِمُ؟ يُبْنَى عَلَى مَا لَوْ مَاتَ رَقِيقًا، إِنْ قُلْنَا: يُقْسِمُ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: يُقْسِمُ أَيْضًا ; لِأَنَّ الْقَتِيلَ حُرٌّ، وَالْوَاجِبُ دِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ يَفْضُلُ عَنِ الْوَاجِبِ شَيْءٌ لِلْوَرَثَةِ، أَقْسَمَ الْوَرَثَةُ قَطْعًا، وَفِي قَسَامَةِ السَّيِّدِ الْخِلَافُ، إِنْ قُلْنَا: لَا يُقْسِمُ، أَقْسَمَ الْوَرَثَةُ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَإِلَّا فَالسَّيِّدُ مَعَ الْوَارِثِ كَالْوَارِثِينَ، فَيَعُودُ الْقَوْلَانِ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا، أَمْ تُوَزَّعُ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمَا بِحَسَبِ مَا يَأْخُذَانِ.
فَرْعٌ
إِذَا ارْتَدَّ وَلِيُّ الْقَتِيلِ بَعْدَ مَا أَقْسَمَ، فَالدِّيَةُ ثَابِتَةٌ، وَلَهَا حُكْمُ سَائِرِ أَمْوَالِهِ الَّتِي ارْتَدَّ عَلَيْهَا، وَإِنِ ارْتَدَّ قَبْلَ أَنْ يُقْسِمَ، قَالَ الْأَصْحَابُ: الْأَوْلَى أَنْ لَا يَعْرِضَ الْحَاكِمُ الْقَسَامَةَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَوَرَّعُ عَنِ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، فَإِذَا عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَقْسَمَ، وَلَوْ أَقْسَمَ فِي الرِّدَّةِ، فَالْمَذْهَبُ صِحَّةُ الْقَسَامَةِ، وَاسْتِحْقَاقُ الدِّيَةِ بِهَا، وَهِيَ كَمَالُ كَسْبِهِ بَعْدَ الرِّدَّةِ بِاحْتِطَابٍ وَاصْطِيَادٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلَوِ ارْتَدَّ الْوَلِيُّ قَبْلَ مَوْتِ الْمَجْرُوحِ، وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ وَالْوَلِيُّ مُرْتَدٌّ، لَمْ يُقْسِمْ ; لِأَنَّهُ لَا يَرِثُ بِخِلَافِ مَا إِذَا قَتَلَ الْعَبْدَ، وَارْتَدَّ
стр. 3958
السَّيِّدُ، لَا يَفْرُقُ بَيْنَ أَنْ يَرْتَدَّ قَبْلَ مَوْتِ الْعَبْدِ أَمْ بَعْدَهُ، بَلْ يُقْسِمُ إِذَا قُلْنَا بِالْقَسَامَةِ فِي بَدَلِ الْعَبْدِ ; لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ بِالْمِلْكِ لَا بِالْإِرْثِ.
فَرْعٌ
قَتَلَ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ بِجِهَةٍ خَاصَّةٍ وَهُنَاكَ لَوْثٌ، فَلَا قَسَامَةَ لِعَدَمِ الْمُسْتَحَقِّ الْمُعَيَّنِ، لَكِنْ يُنَصِّبُ الْقَاضِي مَنْ يَدَّعِي عَلَيْهِ وَيُحَلِّفُهُ، فَإِنْ نَكَلَ، فَهَلْ يَقْضِي عَلَيْهِ بِنُكُولِهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ يَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَصْلٌ
فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ:
يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ لَا يُحَلِّفَ السَّكْرَانَ مُدَّعِيًا كَانَ وَلَا مُدَّعًى عَلَيْهِ، حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقُولُ وَمَا يُقَالُ لَهُ، وَيَنْزَجَرَ عَنِ الْيَمِينِ الْكَاذِبَةِ، فَإِنْ حَلَّفَهُ فِي السُّكْرِ، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ السَّكْرَانَ كَالصَّاحِي أَمْ كَالْمَجْنُونِ.
وَالْأَصَحُّ: الْأَوَّلُ، وَلَوْ قُتِلَ رَجُلٌ وَكَانَ اللَّوْثُ عَلَى عَبْدِهِ، فَأَرَادَ وَارِثُهُ أَنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ، فَلَهُ ذَلِكَ إِنْ أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ بِالْقَسَامَةِ لِيُقْتَصَّ مِنْهُ، وَإِلَّا فَلَا يُقْسِمُ ; لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ فِي رَقَبَةِ عَبْدِهِ مَالٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَرْهُونًا، فَيَسْتَفِيدَ بِالْقَسَامَةِ فَكَّ الرَّهْنِ وَبَيْعَهُ، وَقِسْمَةَ ثَمَنِهِ عَلَى الْغُرَمَاءِ، وَلَوِ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهُ عَمْدًا، فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: قَتَلْتُهُ وَلَكِنْ خَطَأً، أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَوْثٌ، صَدَقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ بِأَنْ شَهِدَ عَبِيدٌ أَوْ نِسْوَةٌ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْعَمْدِيَّةِ، فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْمُدَّعِي، وَبِهِ قَطَعَ الْإِمَامُ وَالْمُتَوَلِّي، فَإِنْ حَلَّفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يَحْلِفْ؟ يُبْنَى عَلَى مَا لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْقَتْلِ إِنْ قُلْنَا: يَمِينًا وَاحِدَةً، فَكَذَا هُنَا وَإِنْ قُلْنَا: خَمْسِينَ، فَكَذَا هُنَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يَمِينًا ; لِأَنَّ إِنْكَارَ الصِّفَةِ أَخَفُّ مِنْ إِنْكَارِ الْأَصْلِ، وَإِذَا حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَهَلْ لِلْمُدَّعِي
стр. 3959
طَلَبُ الدِّيَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ ابْتِدَاءً أَمْ تَجِبُ عَلَى الْجَانِي وَهُمْ يَحْمِلُونَ، إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، لَيْسَ لَهُ الطَّلَبُ ; لِأَنَّهُ ادَّعَى حَقًّا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ اعْتَرَفَ بِوُجُوبِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْخَلْفَ فِي الصِّفَةِ هَلْ هُوَ كَالْخَلْفِ فِي الْمَوْصُوفِ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ سَبَقَا فِي مَسَائِلِ خِيَارِ النِّكَاحِ، إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، فَكَأَنَّهُ ادَّعَى مَالًا فَاعْتَرَفَ بِمَالٍ آخَرَ لَا يَدَّعِيهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا، طَالَبَ بِالدِّيَةِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ الْأَكْثَرُونَ، وَتَكُونُ الدِّيَةُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُخَفَّفَةً مُؤَجَّلَةً إِلَّا أَنْ تُصَدِّقَهُ الْعَاقِلَةُ، فَتَكُونَ عَلَيْهِمْ، وَلَوِ ادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ أَبَاهُ خَطَأً، فَقَالَ: قَتَلْتُهُ عَمْدًا، فَلَا قِصَاصَ، وَهَلْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِدِيَةٍ مُخَفَّفَةٍ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي: فِيهِ الْوَجْهَانِ، وَلَوْ نَكَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الصُّورَةِ الْأَوْلَى، حَلَفَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ كَانَ عَمْدًا وَيَكُونُ عَدَدُ يَمِينِهِ بِعَدَدِ يَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَيَثْبُتُ لَهُ بِيَمِينِهِ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ فِي مَالِهِ.
فَرْعٌ
ادَّعَى جُرْحًا لَا يُوجِبُ قِصَاصًا كَجَائِفَةٍ، وَأَقَامَ بِهَا شَاهِدًا، وَحَلَفَ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً لِيَسْتَحِقَّ الْمَالَ، ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ بِالسِّرَايَةِ، قَالَ ابْنُ الْحَدَّادِ: لَا يُعْطَى الْوَرَثَةُ شَيْئًا إِلَّا بِخَمْسِينَ يَمِينًا ; لِأَنَّهَا صَارَتْ نَفْسًا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبُ: تَصْوِيرُ ابْنِ الْحَدَّادِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ دَعْوَى الْجُرْحِ وَالْبَيِّنَةِ بِهِ تُسْمَعَانِ قَبْلَ انْدِمَالِهِ، وَفِيهِ خِلَافٌ، وَمُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّ الْأَيْمَانَ لَا تَتَعَدَّدُ فِي الْجِرَاحَاتِ، فَإِنْ قُلْنَا: تَتَعَدَّدُ، وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ خَمْسِينَ، وَإِنْ قُلْنَا: بِالتَّوْزِيعِ عَلَى قَدْرِ الدِّيَةِ، حَلَفَ لِلْجَائِفَةِ مَعَ الشَّاهِدِ ثُلُثَ الْخَمْسِينَ، ثُمَّ إِذَا مَاتَ الْمَجْرُوحُ، وَصَارَتِ الْجِرَاحَةُ نَفْسًا، أَقْسَمَ الْوَرَثَةُ وَاللَّوْثُ حَاصِلٌ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ الَّذِي أَقَامَهُ مُورِثُهُمْ، وَلَا تُحْسَبُ يَمِينُهُ لَهُمْ، وَقَالَ الْخِضْرِيُّ: تُحْسَبُ حَتَّى لَوْ حَلَفَ خَمْسِينَ عَلَى قَوْلِنَا بِالتَّكْمِيلِ، فَلَا يَمِينَ عَلَى الْوَرَثَةِ، وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ.
стр. 3960
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الدَّمِ
صِفَاتُ الشُّهُودِ، وَنَصْبُ الشَّهَادَاتِ، وَشُرُوطُهَا تُسْتَوْفَى فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، لَكِنْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ ﵁ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الْجِنَايَةِ، فَرَاعَى مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ تَرْتِيبَهُ، فَكُلُّ قَتْلٍ أَوْ جَرْحٍ يُوجِبُ الْقِصَاصَ، لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى نَفْسِ الْقَتْلِ أَوِ الْجَرْحِ، أَوْ إِقْرَارِ الْجَانِي بِهِ، وَمَا لَا يُوجِبُ إِلَّا الدِّيَةَ، كَالْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ، وَجِنَايَةِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَمُسْلِمٍ عَلَى ذَمِّيٍ، وَحُرٍّ عَلَى عَبْدٍ، وَأَبٍ عَلَى ابْنٍ، يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَبِرَجُلٍ وَيَمِينٍ، وَلَوْ كَانَتِ الْجِنَايَةُ الْمَدَّعَاةُ بِحَيْثُ تُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَقَالَ الْمُدَّعِي: عَفَوْتُ عَنِ الْقِصَاصِ فَاقْبَلُوا مِنِّي رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ شَاهِدًا وَيَمِينًا لِأَخْذِ الْمَالِ، فَهَلْ يُقْبَلُ وَيَثْبُتُ الْمَالُ؟ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: الْمَنْعُ ; لِأَنَّهَا فِي نَفْسِهَا مُوجِبَةٌ لِلْقِصَاصِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِهَذَا، وَمِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، مُوضِحَةٌ تُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَمِنَ الثَّانِي، هَاشِمَةٌ وَمَأْمُومَةٌ وَجَائِفَةٌ تَجَرَّدَتْ عَنِ الْإِيضَاحِ، فَلَوْ كَانَتْ هَاشِمَةٌ مَسْبُوقَةٌ بِإِيضَاحٍ، فَهَلْ يَثْبُتُ أَرْشُ الْهَاشِمَةِ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَبِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ؟ النَّصُّ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ، وَنَصَّ فِيمَا لَوْ رَمَى سَهْمًا إِلَى زَيْدٍ، فَمَرَقَ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، أَنَّهُ يَثْبُتُ الْخَطَأُ الْوَارِدُ عَلَى الثَّانِي بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَبِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
وَفِيهِمَا طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: عَلَى قَوْلَيْنِ، ثُبُوتُ الْهَشْمِ وَالْجِنَايَةِ عَلَى الثَّانِي بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَبِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، وَالْمَذْهَبُ تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْهَشْمَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى الْإِيضَاحِ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِذَا اشْتَمَلَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، احْتِيطَ لَهَا، وَلَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِحُجَّةٍ كَامِلَةٍ، وَفِي صُورَةِ مُرُوقِ السَّهْمِ حَصَلَ جِنَايَتَانِ لَا تَتَعَلَّقُ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي: أَصَابَ سَهْمُهُ الرَّجُلَ
стр. 3961
الَّذِي قَصَدَهُ، وَنَفَذَ مِنْهُ إِلَى أَبِي فَقَتَلَهُ، وَلَمْ تَكُنِ الْجِنَايَةُ الْأُولَى مُتَعَلَّقُ حَقِّ الْمُدَّعِي، وَجَبَ الْقَطْعُ بِثُبُوتِ الْخَطَأِ بِالْبَيِّنَةِ النَّاقِصَةِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ الْأُولَى مُتَعَلَّقُ حَقِّ الْمُدَّعِي، قَالَ: وَفِيهِ احْتِمَالٌ، قَالَ: وَلَوِ ادَّعَى أَنَّهُ أَوْضَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ عَادَ وَهَشَّمَهُ، يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ أَرْشُ الْهَاشِمَةِ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَتَّصِلْ بِالْمُوضِحَةِ، وَلَمْ تَتَّحِدِ الْجِنَايَةُ، قَالَ: وَلَوِ ادَّعَى مَعَ الْقِصَاصِ مَالًا مِنْ جِهَةٍ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْقِصَاصِ، وَأَقَامَ عَلَى الدَّعْوَيَيْنِ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، فَالْمَذْهَبُ ثُبُوتُ الْمَالِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَأَبْعَدَ بَعْضُهُمْ فَخَالَفَ فِيهِ، وَفِي «الْوَسِيطِ» أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى قَتْلَ عَمْرٍو خَطَأً، فَشَهِدُوا، وَذَكَرُوا مُرُوقَ السَّهْمِ إِلَيْهِ مِنْ زَيْدٍ لَا يَقْدَحُ فِي الشَّهَادَةِ ; لِأَنَّ زَيْدًا لَيْسَ مَقْصُودًا بِهَا، فَإِذَا أَثْبَتْنَا الْهَاشِمَةَ الْمَسْبُوقَةَ بِإِيضَاحٍ، وَأَوْجَبْنَا أَرْشَهَا، قَالَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» : فِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْمُوضِحَةِ وَجْهَانِ، وَجْهُ الْوُجُوبِ التَّبَعِيَّةُ لِلْهَاشِمَةِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَالْأَئِمَّةُ: لَا قِصَاصَ فِي الْمُوضِحَةِ، وَفِي أَرْشِهَا وَجْهَانِ ; لِأَنَّا وَجَدْنَا مُتَعَلَّقًا لِثُبُوتِ الْمَالِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَسْتَتْبِعَ مَالٌ مَالًا.
فَصْلٌ
لِتَكُنِ الشَّهَادَةُ عَلَى الْجِنَايَةِ مُفَسِّرَةً مُصَرِّحَةً بِالْغَرَضِ، فَيُشْتَرَطُ أَنْ يُضِيفَ الْهَلَاكَ إِلَى فِعْلِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، فَلَوْ قَالَ: ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، لَمْ يَثْبُتْ بِهِ شَيْءٌ، وَلَوْ قَالَ: ضَرَبَهُ فَأَنْهَرَ الدَّمَ، أَوْ قَالَ: جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَأَنْهَرَ الدَّمَ، أَوْ فَمَاتَ، لَمْ يَثْبُتْ بِهِ شَيْءٌ أَيْضًا لِاحْتِمَالِ الْمَوْتِ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَلَوْ قَالَ: جَرَحَهُ، فَقَتَلَهُ، أَوْ فَمَاتَ مِنْ جِرَاحَتِهِ، أَوْ أَنْهَرَ دَمَهُ فَمَاتَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ثَبَتَ الْقَتْلُ، وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ: جَرَحَهُ أَوْ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَأَنْهَرَ دَمَهُ وَمَاتَ مَكَانَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْمُخْتَصَرِ» وَجَعَلَ قَوْلَهُ: وَمَاتَ مَكَانَهُ، كَقَوْلِهِ: وَمَاتَ مِنْ جِرَاحَتِهِ، وَفِي لَفْظِ الْإِمَامِ مَا يُشْعِرُ بِنِزَاعٍ فِيهِ، ثُمَّ الشَّاهِدُ
стр. 3962
يُعَرِّفُ حُصُولَ الْقَتْلِ بِقَرَائِنَ يُشَاهِدُهَا، فَإِنْ لَمْ يَرَ إِلَّا الْجُرْحَ وَإِنْهَارَ الدَّمِ، وَحُصُولَ الْمَوْتِ، فَلِلْإِمَامِ تَرَدُّدٌ فِي جَوَازِ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ بِهِ، قَالَ: وَالْوَجْهُ: الْمَنْعُ، وَلَوْ قَالَ: ضَرَبَ رَأْسَهُ فَأَدْمَاهُ، أَوْ أَسَالَ دَمَهُ، ثَبَتَتِ الدَّامِيَةُ وَلَوْ قَالَ: فَسَالَ دَمُهُ، لَمْ تَثْبُتْ، لِاحْتِمَالِ حُصُولِ السَّيَلَانِ بِغَيْرِهِ، وَلَوْ قَالَ: ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ، فَأَوْضَحَ رَأَسَهُ، أَوْ فَاتَّضَحَ مِنْ ضَرْبِهِ أَوْ بِجُرْحِهِ، ثَبَتَتِ الْمُوضِحَةُ، وَلَوْ قَالَ: ضَرَبَهُ، فَوَجَدْنَا رَأْسَهُ مُوضَحًا، أَوْ فَاتَّضَحَ، لَمْ تَثْبُتْ، وَحَكَى الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِوُضُوحِ الْعَظْمِ، وَلَا يَكْفِي إِطْلَاقُ الْمُوضِحَةِ، فَإِنَّهَا مِنَ الْإِيضَاحِ، وَلَيْسَتْ مَخْصُوصَةً بِإِيضَاحِ الْعَظْمِ، وَتَنْزِيلُ لَفْظِ الشَّاهِدِ عَلَى أَلْقَابٍ اصْطَلَحَ الْفُقَهَاءُ عَلَيْهَا لَا وَجْهَ لَهُ، فَلَوْ كَانَ الشَّاهِدُ فَقِيهًا، وَعَلِمَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُطْلِقُ الْمُوضِحَةَ إِلَّا عَلَى مَا يُوضِحُ الْعَظْمَ، فَفِيهِ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ، قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يُكْتَفَى بِهِ، لِفَهْمِ الْمَقْصُودِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْتَبِرَ الْكَشْفَ لَفْظًا ; لِأَنَّ لِلشَّرْعِ تَعَبُّدًا فِي لَفْظِ الشَّهَادَاتِ وَإِنْ أَفْهَمَ غَيْرُهَا الْمَقْصُودَ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ مَحَلِّ الْمُوضِحَةِ وَبَيَانِ مِسَاحَتِهَا لِيَجِبَ الْقِصَاصُ، فَلَوْ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ مَوَاضِحُ، وَعَجَزُوا عَنْ تَعْيِينِ مُوضِحَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، فَلَا قِصَاصَ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ إِلَّا مُوضِحَةٌ، وَشَهِدُوا أَنَّهُ أَوْضَحَ رَأْسَهُ، فَلَا قِصَاصَ أَيْضًا، لِجَوَازِ أَنَّهَا كَانَتْ مُوضِحَةً صَغِيرَةً فَوَسَّعَهَا، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ إِذَا قَالُوا: أَوْضَحَ هَذِهِ الْمُوضِحَةَ، وَهَلْ يَجِبُ الْأَرْشُ إِذَا أَطْلَقُوا أَنَّهُ أَوْضَحَ مُوضِحَةً، وَعَجَزُوا عَنْ تَعْيِينِهَا؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ ; لِأَنَّ الْأَرْشَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مَحَلِّهَا وَقَدْرِهَا، وَإِنَّمَا تَعَذُّرُ الْقِصَاصَ لِتَعَذُّرِ الْمُمَاثَلَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ نَصُّهُ فِي «الْأُمِّ» أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا أَنَّهُ قَطَعَ يَدَ فُلَانٍ، وَلَمْ يُعَيِّنْهَا، وَالْمَشْهُودُ لَهُ مَقْطُوعُ الْيَدَيْنِ، لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَتَجِبُ الدِّيَةُ، وَلَوْ كَانَ مَقْطُوعَ يَدٍ وَاحِدَةٍ وَالصُّورَةُ هَذِهِ، فَهَلْ تَنْزِلُ شَهَادَتُهُمْ هَذِهِ عَلَى مَا نُشَاهِدُهَا مَقْطُوعَةً أَمْ يُشْتَرَطُ تَنْصِيصُهُمْ؟ يَجُوزُ أَنْ يُقَدَّرَ فِيهِ خِلَافٌ.
стр. 3963
قُلْتُ: الصَّوَابُ الْجَزْمُ هُنَا بِالتَّنْزِيلِ عَلَى الْمَقْطُوعَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ شَهِدَا بِمُوضِحَةٍ شَهَادَةً صَحِيحَةً، وَرَأَيْنَا رَأَسَ الْمَشْجُوجِ سَلِيمًا لَا أَثَرَ عَلَيْهِ، وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ بِالشَّهَادَةِ، فَالشَّهَادَةٌ مَرْدُودَةٌ.
فَصْلٌ
سَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ مِنْ شَرْطِ الشَّاهِدِ أَنْ يَنْفَكَّ عَنِ التُّهْمَةِ، وَمِنَ التُّهْمَةِ أَنْ يَجُرَّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا، أَوْ يَدْفَعَ ضُرًّا، وَمِنْ صُوَرِ الْجَرِّ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى جُرْحِ مُورِثِهِ، فَإِذَا ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ أَنَّهُ جَرَحَهُ، وَشَهِدَ لِلْمُدَّعِي وَإِرْثِهِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ مِنَ الْأُصُولِ أَوِ الْفُرُوعِ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ لِلْبَعْضِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ وَشَهِدَ بَعْدَ الِانْدِمَالِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ شَهِدَ قَبْلَهُ، فَلَا، وَإِنْ شَهِدَ بِمَالٍ آخَرَ لِمُورِثِهِ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلَوْ شَهِدَ بِالْجُرْحِ مَحْجُوبَانِ، ثُمَّ صَارَا وَارِثَيْنِ، فَالشَّهَادَةُ فِي الْأَصْلِ مَقْبُولَةٌ، فَإِنْ صَارَا وَارِثَيْنِ قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا، لَمْ يُقْضَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ قَضَائِهِ، لَمْ يَنْقَضِ الْقَضَاءُ، كَمَا لَوْ شَهِدَ الشَّاهِدُ ثُمَّ فَسَقَ، وَقِيلَ: فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ، أحَدُهُمَا: هَذَا، وَالثَّانِي: الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الشَّهَادَةِ، وَلَوْ شَهِدَ وَارِثَانِ ظَاهِرًا، ثُمَّ وُلِدَ ابْنٌ يَحْجُبُهُمَا، فَالشَّهَادَةُ مَرْدُودَةٌ لِلتُّهْمَةِ عِنْدَ أَدَائِهَا، وَقِيلَ بِطَرْدِ الْقَوْلَيْنِ، وَلَوْ شَهِدَ بِجُرْحِهِ وَارِثَاهُ فَبَرَأَ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ الْجِرَاحَةُ لِلتُّهْمَةِ عِنْدَ الْأَدَاءِ.
وَمِنْ صُوَرِ دَفْعِ الضَّرَرِ: أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِقَتْلٍ خَطَأٍ، فَيَشْهَدُ اثْنَانِ مِنَ الْعَاقِلَةِ الَّذِينَ يَتَحَمَّلُونَ الدِّيَةَ عَلَى فِسْقِ بَيِّنَةِ الْقَتْلِ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا ; لِأَنَّهُمَا يَدْفَعَانِ عَنْهُمَا، فَلَوْ كَانَ الشَّاهِدَانِ مِنْ فُقَرَاءِ الْعَاقِلَةِ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ كَانَا مِنَ الْأَبَاعِدِ، وَفِي عَدَدِ الْأَقْرَبِينَ وَفَاءٌ بِالْوَاجِبِ، فَالنَّصُّ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا، فَقِيلَ: قَوْلَانِ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ،
стр. 3964
فَالْغِنَى غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، فَتَحْصُلُ التُّهْمَةُ، وَمَوْتُ الْقَرِيبِ كَالْمُسْتَبْعَدِ فِي الِاعْتِقَادِ، فَلَا تَتَحَقَّقُ فِيهِ تُهْمَةٌ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَاقِلَةِ عَلَى فِسْقِ بَيِّنَةِ قَتْلِ الْعَمْدِ وَبَيِّنَةِ الْإِقْرَارِ بِالْخَطَأِ ; لِأَنَّ الدِّيَةَ لَا تَلْزَمُهُمْ، فَلَا تُهْمَةَ.
فَرْعٌ
شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلَيْنِ أَنَّهُمَا قَتَلَا زَيْدًا، فَشَهِدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا عَلَى الْأَوَّلَيْنِ أَنَّهُمَا قَتْلَاهُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ﵏: يُسْأَلُ الْوَلِيُّ، فَإِنْ صَدَّقَ الْأَوَّلَيْنِ دُونَ الْآخَرَيْنِ، ثَبَتَ الْقَتْلُ عَلَى الْآخَرَيْنِ، وَإِنْ صَدَّقَ الْآخَرَيْنِ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ، أَوْ صَدَّقَ الْجَمِيعَ، أَوْ كَذَّبَ الْجَمِيعَ، بَطَلَتْ شَهَادَةُ الْجَمِيعِ ; لِأَنَّ الْآخَرَيْنِ يَدْفَعَانِ عَنْ أَنْفُسِهِمَا ضَرَرًا، وَلِأَنَّهُمَا عَدُوَّانِ لِلْأَوَّلَيْنِ، وَاعْتُرِضَ عَلَى تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُسْمَعُ إِلَّا بَعْدَ تَقَدُّمِ دَعْوَى عَلَى مُعَيَّنٍ، وَأُجِيبَ بِأَوْجُهٍ، أَحَدُهَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: إِنَّ تَقَدُّمَ الدَّعْوَى إِنَّمَا يُشْتَرَطُ إِذَا كَانَ الْمُدَّعِي يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ قَبْلَ الدَّعْوَى لِمَنْ لَا يُعَبِّرُ، كَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ، وَالشَّهَادَةُ هُنَا لِلْقَتِيلِ، وَلِهَذَا تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ وَوَصَايَاهُ، وَهَذَا ذَهَابٌ إِلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الْحِسْبَةِ فِي الدِّمَاءِ، وَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ.
الثَّانِي: عَنِ الْمَاسَرْجِسِيِّ وَالْأُسْتَاذِ أَبِي طَاهِرٍ: أَنَّ صُورَتَهَا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْوَلِيُّ الْقَاتِلَ، وَتُسْمَعُ الشَّهَادَةُ قَبْلَ الدَّعْوَى وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَهَذَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّ شَهَادَةَ الْحِسْبَةِ تُقْبَلُ إِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِهَا الْمُسْتَحِقُّ.
الثَّالِثُ: قَالَهُ الْجُمْهُورُ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُقْبَلُ إِلَّا بَعْدَ تَقْدِيمِ الدَّعْوَى، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَصُورَتُهَا أَنْ يَدَّعِيَ الْوَلِيُّ الْقَتْلَ عَلَى رَجُلَيْنِ، وَيَشْهَدُ لَهُ شَاهِدَانِ، فَيُبَادِرُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا، وَيَشْهَدَانِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ بِأَنَّهُمَا الْقَاتِلَانِ، وَذَلِكَ يُورِثُ رِيبَةً لِلْحَاكِمِ، فَيُرَاجِعَ الْوَلِيَّ، وَيَسْأَلُهُ احْتِيَاطًا، وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي وَكِيلَ الْوَلِيِّ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ عَيَّنَ الْآخَرَيْنِ وَأَمَرَهُ بِالدَّعْوَى عَلَيْهِمَا، فَفَعَلَ، وَأَقَامَ بِهَا شَاهِدَيْنِ، فَشَهِدَ
стр. 3965
الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، فَإِنِ اسْتَمَرَّ الْوَكِيلُ عَلَى تَصْدِيقِ الْأَوَّلَيْنِ، ثَبَتَ الْقَتْلُ عَلَى الْآخَرَيْنِ، وَإِنْ صَدَّقَهُمْ جَمِيعًا، أَوْ صَدَّقَ الْآخَرَيْنِ، انْعَزَلَ عَنِ الْوَكَالَةِ، وَلَا تَبْطُلُ دَعْوَى الْمُوَكِّلِ عَلَى الْآخَرَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنِ الْوَكِيلُ أَحَدًا، بَلْ قَالَ: ثَأْرِي عِنْدَ اثْنَيْنِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ، فَادْعُ عَلَيْهِمَا وَاطْلُبْ ثَأْرِي مِنْهُمَا، فَفِي صِحَّةِ التَّوْكِيلِ هَكَذَا وَجْهَانِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَعَلَى تَصْحِيحِهِ عَمَلُ الْحُكَّامِ، وَعَلَى الصَّحِيحِ يَنْطَبِقُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» وَأَبُو يَعْقُوبَ الْأَبِيوَرْدِيُّ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنْ أَصْلِهَا فِيمَنْ وَكَّلَ اثْنَيْنِ فِي الدَّمِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى رَجُلَيْنِ، وَالْآخِرُ عَلَى آخَرَيْنِ، وَشَهِدَ كُلُّ اثْنَيْنِ عَلَى الْآخَرَيْنِ، وَلَوْ عَيَّنَ الْوَكِيلُ شَخْصَيْنِ، وَالتَّوْكِيلُ مِنْهُمْ كَمَا صَوَّرْنَا، وَأَقَامَ عَلَيْهِمَا شَاهِدَيْنِ، فَشَهِدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، وَاسْتَمَرَّ الْوَكِيلُ عَلَى تَصْدِيقِ الْأَوَّلَيْنِ، ثَبَتَ الْقَتْلُ عَلَى الْآخَرَيْنِ، وَإِنْ صَدَّقَ الْآخَرَيْنِ، جَازَ، أَوْ صَدَّقَ الْجَمِيعَ، انْعَزَلَ عَنِ الْوَكَالَةِ، ثُمَّ إِنْ صَدَّقَ الْمُوَكِّلُ الْأَوَّلَيْنِ، ثَبَتَ الْقَتْلُ عَلَى الْآخَرَيْنِ، وَإِنْ صَدَّقَ الْآخَرَيْنِ، جَازَ، وَلَهُ الدَّعْوَى عَلَى الْأَوَّلَيْنِ إِذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُ مَا يُنَاقِضُ ذَلِكَ، لَكِنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْآخَرَيْنِ، وَإِذَا قُلْنَا: تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ قَبْلَ الدَّعْوَى، فَابْتَدَرَ أَرْبَعَةٌ إِلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي، فَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى الْآخَرَيْنِ أَنَّهُمَا قَتَلَا فُلَانًا، وَشَهِدَ الْآخَرَانِ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ أَنَّهُمَا الْقَاتِلَانِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ الشَّهَادَتَانِ لِتَضَادِّهِمَا، وَالثَّانِي: يُسْأَلُ الْوَلِيُّ، فَإِنْ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنْ صَدَّقَ اثْنَيْنِ، تَأَيَّدَتْ شَهَادَتُهُمَا بِالتَّصْدِيقِ، فَيَقْضِي بِهَا، وَقِيلَ: يَعْمَلُ بِشَهَادَةِ الْأَوَّلَيْنِ، وَتُرَدُّ شَهَادَةُ الْآخَرَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا عَدُوَّانِ وَدَافِعَانِ.
فَرْعٌ
شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلَيْنِ بِالْقَتْلِ، فَشَهِدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا بِذَلِكَ الْقَتْلِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ أَوْ أَجَانِبَ فَالنَّظَرُ فِي كَوْنِ الشَّهَادَةِ وَاقِعَةً بَعْدَ الدَّعْوَى أَوْ
стр. 3966
قَبْلَهَا، وَفِي تَصْدِيقِ الْوَلِيِّ الصِّنْفَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا عَلَى مَا سَبَقَ، وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي وَكِيلَ الْوَلِيِّ، وَلَمْ يَكُنِ الْوَلِيُّ عَيَّنَ أَحَدًا، ثُمَّ إِنَّهُ صَدَّقَ الْآخَرَيْنِ، كَانَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ مِنْهُ مَا يُنَاقِضُهُ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْآخَرَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا مُتَّهَمَانِ بِالدَّفْعِ، وَعَنِ الصَّيْدَلَانِيِّ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُجْعَلَا مُتَّهَمَيْنِ.
فَرْعٌ
شَهِدَ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلَيْنِ عَلَى التَّصْوِيرِ الْمُتَقَدِّمِ، فَشَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُمَا الْقَاتِلَانِ، عَادَ التَّفْصِيلُ، فَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ ادَّعَى بِنَفْسِهِ وَكَذَّبَ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَلَوْ صَدَّقَهُمَا، أَوْ صَدَّقَ الْجَمِيعَ، بَطَلَتِ الشَّهَادَاتُ لِلتَّنَاقُضِ، وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي الْوَكِيلَ، وَلَمْ يُعَيِّنِ الْمُوَكَّلُ أَحَدًا، فَلِلْمُوَكَّلِ الدَّعْوَى عَلَى الْأَوَّلَيْنِ، وَالْأَجْنَبِيَّانِ لَيْسَا دَافِعَيْنِ، وَلَكِنَّهُمَا مُبَادِرَانِ إِلَى الشَّهَادَةِ قَبْلَ الِاسْتِشْهَادِ، فَإِنِ ادَّعَى عَلَيْهِمَا، وَشَهِدَ الْأَجْنَبِيَّانِ، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ الْمُعَادَةِ مِنَ الْمُبَادِرِ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنِ ادَّعَى، وَأَعَادَ الشَّهَادَةَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، قُبِلَتْ قَطْعًا، وَإِنِ ادَّعَى، وَشَهِدَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، فَوَجْهَانِ.
فَرْعٌ
ادَّعَى عَلَى اثْنَيْنِ أَلْفًا، وَشَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ، ثُمَّ شَهِدَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِمَا، أَوْ أَجْنَبِيَّانِ بِأَنَّ لِلْمُدَّعِي عَلَى الشَّاهِدَيْنِ أَلْفًا، وَصَدَّقَ الْمُدَّعِي الْآخَرَيْنِ أَيْضًا، لَمْ تَبْطُلْ دَعْوَاهُ الْأُولَى وَلَا شَهَادَةُ الْأَوَّلَيْنِ عَلَى الْآخَرَيْنِ، وَلَهُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى الْآخَرَيْنِ أَيْضًا، لِإِمْكَانِ اجْتِمَاعِ الْأَلْفَيْنِ، وَشَهَادَةُ الْآخَرَيْنِ عَلَى الْأَوَّلَيْنِ شَهَادَةٌ قَبْلَ الدَّعْوَى وَالِاسْتِشْهَادِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: فَلَوِ ادَّعَى، وَشَهِدَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، قُبِلَتْ، وَإِنْ جَرَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، فَوَجْهَانِ.
стр. 3967
فَصْلٌ
أَقَرَّ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِعَفْوِ أَحَدِهِمْ عَنِ الْقِصَاصِ، وَعَيَنَّهُ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْهُ، سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَأَمَّا الدِّيَةُ، فَإِنْ لَمْ يُعَيَّنِ الْعَافِي، فَلِلْوَرَثَةِ كُلِّهِمُ الدِّيَةُ، وَإِنْ عَيَّنَهُ، وَأَنْكَرَ، فَكَذَلِكَ، وَيُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ فِي كَوْنِهِ لَمْ يُعْفَ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالْعَفْوِ، فَلِغَيْرِ الْعَافِي حَقُّهُمْ مِنَ الدِّيَةِ، وَالْعَافِي وَإِنْ عَفَا عَلَى الدِّيَةِ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْعَفْوَ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ بِالْعَفْوِ الْمُطْلَقِ، وَلَوْ شَهِدَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِعَفْوِ أَحَدِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فَاسِقًا أَوْ لَمْ يُعَيَّنِ الْعَافِي، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْإِقْرَارِ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا وَعَيَّنَ الْعَافِي، وَشَهِدَ بِأَنَّهُ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ جَمِيعًا، فَلِلْجَانِي أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ، وَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ، أَمَّا الْقِصَاصُ، فَبِالْإِقْرَارِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الشَّهَادَةُ، وَأَمَّا الدِّيَةُ، فَلِأَنَّ الْعَفْوَ عَنِ الْمَالِ يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِنَ الْوَرَثَةِ.
وَإِذَا حَلَفَ الْجَانِي، فَيَحْلِفُ: لَقَدْ عَفَا عَنِ الدِّيَةِ، وَقِيلَ: يَحْلِفُ: لَقَدْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَالنَّصُّ مُؤَوَّلٌ ; لِأَنَّ الْقِصَاصَ سَقَطَ بِالْإِقْرَارِ، وَإِذَا ادَّعَى الْجَانِي عَلَى الْوَرَثَةِ أَوْ بَعْضِهِمُ الْعَفْوَ عَنِ الْقِصَاصِ عَلَى الدِّيَةِ، فَأَنْكَرُوهُ، فَهُمُ الْمُصَدَّقُونَ بِالْيَمِينِ، فَإِنْ نَكَلُوا، حَلَفَ، وَثَبَتَ الْعَفْوُ بِيَمِينِ الرَّدِّ، وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى الْعَفْوِ، لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا رَجُلَانِ، وَلَوْ آلَ الْأَمْرُ إِلَى الْمَالِ، فَادَّعَى عَلَى بَعْضِهِمْ عَفْوَهُ عَنْ حِصَّتِهِ مِنَ الدِّيَةِ فَلَهُ إِثْبَاتُهُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
فَصْلٌ
إِذَا اخْتَلَفَ شَاهِدَا الْقَتْلِ فِي زَمَانٍ، بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَتَلَهُ بُكْرَةً، وَقَالَ الْآخَرُ: عَشِيَّةً، أَوْ مَكَانٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: فِي الْبَيْتِ، وَالْآخَرُ: فِي
стр. 3968
السُّوقِ، أَوْ آلَةٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَتَلَهُ بِسَيْفٍ، وَالْآخَرُ: بِرُمْحٍ أَوْ عَصًا، أَوْ هَيْئَةٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: حَزَّهُ، وَالْآخَرُ: قَدَّهُ، لَمْ يَثْبُتِ الْقَتْلُ، وَهَكَذَا حُكْمُ مَا يَشْهَدَانِ بِهِ، وَيَخْتَلِفَانِ فِيهِ مِنَ الْأَفْعَالِ وَالْأَلْفَاظِ الْمُنْشَأَةِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ لَوْثًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْقَتْلِ عَمْدًا، أَوْ خَطَأً يَوْمَ السَّبْتِ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِهِ يَوْمَ الْأَحَدِ، ثَبَتَ الْقَتْلُ ; لِأَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِي الْقَتْلِ وَصِفَتِهِ، وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: أُقِرُّ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِمَكَّةَ يَوْمَ كَذَا، وَقَالَ الْآخَرُ: أُقِرُّ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِمِصْرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، سَقَطَ قَوْلُهُمَا، وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ، لَمْ يَثْبُتِ الْقَتْلُ، وَلَكِنَّهُ لَوْثٌ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى قَتْلَ عَمْدٍ، وَأَقْسَمَ الْوَلِيُّ، تَرَتَّبَ عَلَى الْقَسَامَةِ حُكْمُهَا، وَإِنْ كَانَ قَتْلَ خَطَأٍ، حَلَفَ مَعَ أَيِّ الشَّاهِدَيْنِ شَاءَ، وَتَعَدُّدُ الْيَمِينِ وَاتِّحَادُهَا عَلَى مَا سَبَقَ، فَإِنْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِ الْقَتْلِ، فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِنْ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِ الْإِقْرَارِ، فَفِي مَالِ الْجَانِي، وَإِنِ ادَّعَى قَتْلَ عَمْدٍ، فَشَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى إِقْرَارِهِ بِقَتْلِ عَمْدٍ، وَالْآخَرُ عَلَى إِقْرَارِهِ بِقَتْلٍ مُطْلَقٍ أَوْ أَحَدُهُمَا بِقَتْلِ عَمْدٍ، وَالْآخِرُ بِقَتْلٍ مُطْلَقٍ، ثَبَتَ أَصْلُ الْقَتْلِ، لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَيْهِ، حَتَّى لَا يُقْبَلَ مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنْكَارُهُ، وَيُسْأَلَ عَنْ صِفَةِ الْقَتْلِ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى إِنْكَارِ أَصْلِهِ، قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: إِنْ لَمْ تُبَيِّنْ صِفَتَهُ، جَعَلْتُكَ نَاكِلًا، وَرَدَدْتُ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي أَنَّكَ قَتَلَتْ عَمْدًا، وَحَكَمْتُ عَلَيْكَ بِالْقِصَاصِ، فَإِنْ بَيَّنَ صِفَتَهُ، فَقَالَ: قَتَلْتُهُ عَمْدًا، أَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَهُ، وَإِنْ قَالَ: قَتَلْتُهُ خَطَأً، وَكَذَّبَهُ الْوَلِيُّ، فَأَطْلَقَ مُطْلِقُونَ أَنَّهُ يُصَدَّقُ فِي نَفْيِ الْعَمْدِيَّةِ، فَيَحْلِفُ وَتَجِبُ دِيَةُ خَطَأٍ فِي مَالِهِ ; لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ نَكَلَ، حَلَفَ، وَوَجَبَ الْقِصَاصُ، وَاسْتَدْرَكَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، فَقَالَا: يُصَدَّقُ فِي نَفْيِ الْعَمْدِيَّةِ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ لَوْثٌ، فَإِنْ كَانَ، أَقْسَمَ الْمُدَّعِي وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَوْثَ الْعَمْدِيَّةِ، وَإِلَّا فَأَصْلُ اللَّوْثِ حَاصِلٌ بِأَصْلِ الْقَتْلِ لِاتِّفَاقِ الشَّاهِدَيْنِ، وَقَدْ سَبَقَ خِلَافٌ فِي أَنَّهُ لَوْ ظَهَرَ لَوْثٌ بِأَصْلِ الْقَتْلِ دُونَ كَوْنِهِ خَطَأً أَوْ عَمْدًا، هَلْ تَثْبُتُ الْقَسَامَةُ؟ وَهَذَا نَازِعٌ إِلَيْهِ.
стр. 3969
فَرْعٌ
شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَتَلَهُ عَمْدًا، وَالْآخَرُ أَنَّهُ قَتَلَهُ خَطَأً، وَالدَّعْوَى بِقَتْلِ عَمْدٍ، فَفِي ثُبُوتِ أَصْلِ الْقَتْلِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: يَثْبُتُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَثْبُتُ، فَحُكْمُهُ كَمَا سَبَقَ فِي صُوَرِ التَّكَاذُبِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَثْبُتُ، سُئِلَ الْجَانِي، فَإِنْ أَقَرَّ بِالْعَمْدِ، ثَبَتَ، أَوْ بِخَطَأٍ وَصَدَّقَهُ الْوَلِيُّ، ثَبَتَ، وَإِنْ كَذَّبَهُ، فَلِلْوَلِيِّ أَنْ يُقْسِمَ ; لِأَنَّ مَعَهُ شَاهِدًا، وَذَلِكَ لَوْثٌ هُنَا قَطْعًا، فَإِنْ أَقْسَمَ الْوَلِيُّ، حُكِمَ بِمُقْتَضَى الْقَسَامَةِ، وَإِلَّا فَيَحْلِفُ الْجَانِي، فَإِنْ حَلَفَ، فَالدِّيَةُ مُخَفَّفَةٌ فِي مَالِهِ، وَإِنْ نَكَلَ، فَفِي رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعِي قَوْلَانِ سَبَقَا، فَإِنْ رُدَّتْ، وَحَلَفَ، ثَبَتَ مُوجَبُ الْعَمْدِ، فَإِنْ لَمْ تَرِدْ، أَوْ رُدَّتْ، وَامْتَنَعَ مِنَ الْحَلِفِ، تَثْبُتُ دِيَةُ الْخَطَأِ فِي مَالِهِ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ كَانَ الْمُدَّعَى قَتْلَ عَمْدٍ، فَشَهَادَةُ الْخَطَأِ لَغْوٌ، وَيَحْلِفُ الْوَلِيُّ مَعَ شَاهِدِ الْعَمْدِ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَيَثْبُتُ مُقْتَضَى الْقَسَامَةِ، وَإِنْ كَانَ قَتْلَ خَطَأٍ، فَشَهَادَةُ الْعَمْدِ لَغْوٌ، وَيَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِ الْخَطَأِ، وَتَجِبُ دِيَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ، قَالَ: وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ عَمْدًا، وَالْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِقَتْلِهِ خَطَأً، فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ مَعَ شَاهِدِ الْخَطَأِ، فَالدِّيَةُ عَلَى الْجَانِي إِلَّا أَنْ تُصَدِّقَهُ الْعَاقِلَةُ.
فَرْعٌ
شَهِدَا أَنَّهُ ضُرِبَ مَلْفُوفًا فِي ثَوْبٍ، فَقَدَّهُ نِصْفَيْنِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِحَيَاتِهِ وَقْتَ الضَّرْبِ، لَمْ يَثْبُتِ الْقَتْلُ بِشَهَادَتِهِمَا، فَلَوِ اخْتَلَفَ الْوَلِيُّ وَالْجَانِي فِي حَيَاتِهِ حِينَئِذٍ، فَأَيُّهُمَا يُصَدَّقُ؟ فِيهِ قَوْلَانِ سَبَقَا، أَظْهَرُهُمَا: الْوَلِيُّ، وَفِي مَوْضِعِ الْقَوْلَيْنِ ثَلَاثُ طُرُقٍ، أَصَحُّهُمَا: إِطْلَاقُهُمَا، وَالثَّانِي قَالَهُ أَبُو إِسْحَاقَ: يُنْظَرُ إِلَى الدَّمِ السَّائِلِ، فَإِنْ قَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ: هُوَ دَمٌ حَيٌّ، صُدِّقَ الْوَلِيُّ، وَإِنْ قَالُوا: دَمٌ مَيِّتٌ، صُدِّقَ الْجَانِي، وَإِنِ اشْتَبَهَ، فَفِيهِ
стр. 3970
الْقَوْلَانِ، وَالثَّالِثُ قَالَهُ أَبُو الْحَسَنِ الطِّيبِيُّ، بِكَسْرِ الطَّاءِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَلْفُوفًا فِي ثِيَابِ الْأَحْيَاءِ، صُدِّقَ الْوَلِيُّ، وَإِنْ كَانَ فِي الْكَفَنِ، صُدِّقَ الْجَانِي، وَإِنِ اشْتَبَهَ، فَفِيهِ الْقَوْلَانِ، فَإِنْ صَدَّقْنَا الْجَانِيَ، فَحَلَفَ، بَرِئَ، وَإِنْ صَدَّقْنَا الْوَلِيَّ، فَلَهُ الدِّيَةُ، وَفِي الْقِصَاصِ وَجْهَانِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لَا، لِلشُّبْهَةِ وَقَالَ الْمَاسَرْجِسِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبُ وَغَيْرُهُمَا: يَجِبُ الْقِصَاصُ ; لِأَنَّهُ مُقْتَضَى تَصْدِيقِهِ.
فَرْعٌ
شَهِدَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ قَتَلَ زَيْدًا، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ قَتَلَ عَمْرًا، حَصَلَ اللَّوْثُ فِي حَقِّهِمَا جَمِيعًا، فَيُقْسِمُ الْوَلِيَّانِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْأُمِّ» ﵁ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 3971
كِتَابُ الْإِمَامَةِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِ
فِيهِ بَابَانِ:
الْأَوَّلُ فِي الْإِمَامَةِ، وَفِيهِ فُصُولٌ:
الْأَوَّلَ: فِي شُرُوطِ الْإِمَامَةِ وَهِيَ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا مُسْلِمًا عَدْلًا، حُرًّا ذَكَرًا عَالِمًا، مُجْتَهِدًا شُجَاعًا، ذَا رَأْيٍ وَكِفَايَةٍ، سَمِيعًا بَعِيدًا، نَاطِقًا قُرَشِيًّا، فِي اشْتِرَاطِ سَلَامَةِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ، كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ وَالْأُذُنِ خِلَافٌ، جَزَمَ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ، وَجَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ بِاشْتِرَاطِ سَلَامَتِهِ مِنْ نَقْصٍ يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْحَرَكَةِ وَسُرْعَةَ النُّهُوضِ، وَهَذَا أَصَحُّ.
قُلْتُ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: عَشَا الْعَيْنِ لَا يَمْنَعُ مِنِ انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ ; لِأَنَّهُ مَرَضٌ فِي زَمَنِ الِاسْتِرَاحَةِ، وَيُرْجَى زَوَالُهُ، وَضَعْفُ الْبَصَرِ إِنْ كَانَ يَمْنَعُ مَعْرِفَةَ الْأَشْخَاصِ، مَنَعَ انْعِقَادَ الْإِمَامَةِ وَاسْتَدَامَتَهَا، وَإِلَّا فَلَا، وَفَقْدُ الشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَقَطْعُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، لَا يُؤَثِّرُ قَطْعًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قُرَشِيٌّ مُسْتَجْمِعٌ الشُّرُوطَ، فَكِنَانِيٌّ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ، فَرَجُلٌ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ ﷺ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْتَجْمِعٌ الشَّرَائِطَ، فَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّهُ يُوَلَّى رَجُلٌ مِنَ الْعَجَمِ، وَفِي «التَّتِمَّةِ» أَنَّهُ يُوَلَّى جُرْهُمِيٌّ، وَجُرْهُمٌ أَصْلُ الْعَرَبِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ جُرْهُمِيٌّ، فَرَجُلٌ مِنْ وَلَدِ إِسْحَاقَ ﷺ ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ هَاشِمِيًّا، وَلَا كَوْنُهُ مَعْصُومًا، وَفِي جَوَازِ تَوْلِيَةِ الْمَفْضُولِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ، فَإِنْ لَمْ تَتَّفِقِ الْكَلِمَةُ إِلَّا عَلَيْهِ، جَازَتْ تَوْلِيَتُهُ بِلَا خِلَافٍ، لِتَنْدَفِعَ الْفِتْنَةُ، وَلَوْ نَشَأَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَفْضُولِ، لَمْ يُعْدَلْ إِلَى النَّاشِئِ بِلَا خِلَافٍ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي وُجُوبِ الْإِمَامَةِ وَبَيَانِ طُرُقِهَا، لَا بُدَّ لِلْأُمَّةِ مِنْ إِمَامٍ يُقِيمُ الدِّينَ، وَيَنْصُرُ السُّنَّةَ، وَيَنْتَصِفُ لِلْمَظْلُومِينَ، وَيَسْتَوْفِي الْحُقُوقَ وَيَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا.
стр. 3972
قُلْتُ: تَوَلِّيِ الْإِمَامَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَصْلُحُ إِلَّا وَاحِدًا، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَلَزِمَهُ طَلَبُهَا إِنْ لَمْ يَبْتَدِئُوهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَتَنْعَقِدُ الْإِمَامَةُ بِثَلَاثَةِ طُرُقٍ، أَحَدُهَا: الْبَيْعَةُ، كَمَا بَايَعَتِ الصَّحَابَةُ أَبَا بَكْرٍ ﵃، وَفِي الْعَدَدِ الَّذِي تَنْعَقِدُ الْإِمَامَةُ بِبَيْعَتِهِمْ سِتَّةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: أَرْبَعُونَ، وَالثَّانِي: أَرْبَعَةٌ، وَالثَّالِثُ: ثَلَاثَةٌ، وَالرَّابِعُ: اثْنَانِ، وَالْخَامِسُ: وَاحِدٌ، فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْوَاحِدِ مُجْتَهِدًا.
وَعَلَى الْأَوْجُهِ الْأَرْبَعَةِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ مُجْتَهِدٌ لِيُنْظَرَ فِي الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ مُجْتَهِدِينَ، وَالسَّادِسُ وَهُوَ الْأَصَحُّ: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ بَيْعَةُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَسَائِرِ وُجُوهِ النَّاسِ الَّذِينَ يَتَيَسَّرُ حُضُورُهُمْ، وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ وَالْأَصْقَاعِ، بَلْ إِذَا وَصَلَهُمْ خَبَرُ أَهْلِ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ، لَزِمَهُمُ الْمُوَافَقَةُ وَالْمُتَابَعَةُ، وَعَلَى هَذَا لَا يَتَعَيَّنُ لِلِاعْتِبَارِ عَدَدٌ، بَلْ لَا يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ، حَتَّى لَوْ تَعَلَّقَ الْحَلُّ وَالْعَقْدُ بِوَاحِدٍ مُطَاعٍ، كَفَتْ بَيْعَتُهُ ; لِانْعِقَادِ الْإِمَامَةِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ يُبَايِعُونَ بِصِفَةِ الشُّهُودِ، وَذُكِرَ فِي «الْبَيَانِ» فِي اشْتِرَاطِ حُضُورِ شَاهِدَيْنِ الْبَيْعَةَ، وَجْهَيْنِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: لَا يُشْتَرَطُ إِنْ كَانَ الْعَاقِدُونَ جَمْعًا، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا، اشْتُرِطَ الْإِشْهَادُ، وَقَدْ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ الْإِرْشَادِ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُشْتَرَطُ حُضُورُ الشُّهُودِ لِئَلَّا يُدَّعَى عَقْدٌ سَابِقٌ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَةَ لَيْسَتْ دُونَ النِّكَاحِ، لَكِنَّ اخْتِيَارَ الْإِمَامِ انْعِقَادُهَا بِوَاحِدٍ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْعَاقِدِينَ: الْعَدَالَةُ وَالْعِلْمُ وَالرَّأْيُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيُشْتَرَطُ ; لِانْعِقَادِ الْإِمَامَةِ أَنْ يُجِيبَ الْمُبَايِعُ، فَإِنِ امْتَنَعَ، لَمْ تَنْعَقِدْ إِمَامَتُهُ، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهَا.
стр. 3973
قُلْتُ: إِلَّا أَنْ لَا يَكُونَ مَنْ يَصْلُحُ إِلَّا وَاحِدٌ، فَيُجْبَرُ بِلَا خَوْفٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: اسْتِخْلَافُ الْإِمَامِ مِنْ قَبْلُ، وَعَهْدُهُ إِلَيْهِ، كَمَا عَهِدَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عُمَرَ ﵄، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهِ، وَالِاسْتِخْلَافُ أَنْ يَعْقِدَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ، فَإِنْ أَوْصَى لَهُ بِالْإِمَامَةِ، فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيُّ، وَلَوْ جَعَلَ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا بَعْدَهُ، كَانَ كَالِاسْتِخْلَافِ، إِلَّا أَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ، فَيَتَشَاوَرُونَ، وَيَتَّفِقُونَ عَلَى أَحَدِهِمْ، كَمَا جَعَلَ عُمَرُ ﵁ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ، فَاتَّفَقُوا عَلَى عُثْمَانَ ﵁، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمَعْهُودِ إِلَيْهِ شُرُوطُ الْإِمَامَةِ مِنْ وَقْتِ الْعَهْدِ إِلَيْهِ حَتَّى لَوْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ فَاسِقًا عِنْدَ الْعَقْدِ، بَالِغًا عَدْلًا عِنْدَ مَوْتِ الْعَاهِدِ، لَمْ يَكُنْ إِمَامًا، إِلَّا أَنَّ يُبَايِعَهُ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي هَذَا.
قُلْتُ: لَا تَوَقُّفَ فِيهِ، فَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَصِيِّ ظَاهِرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ إِذَا عُهِدَ إِلَى غَائِبٍ مَجْهُولِ الْحَيَاةِ، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومَ الْحَيَاةِ، صَحَّ، فَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَخْلَفُ وَهُوَ بَعْدُ غَائِبٌ، اسْتَقْدَمَهُ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ، فَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ وَتَضَرَّرَ الْمُسْلِمُونَ بِتَأْخِيرِ النَّظَرِ فِي أُمُورِهِمْ، اخْتَارَ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ نَائِبًا لَهُ يُبَايِعُونَهُ بِالنِّيَابَةِ دُونَ الْخِلَافَةِ، فَإِذَا قَدِمَ انْعَزَلَ النَّائِبُ، وَأَنَّهُ إِذَا عَزَلَ الْخَلِيفَةُ نَفْسَهُ، كَانَ كَمَا لَوْ مَاتَ، فَتَنْتَقِلُ الْخِلَافَةُ إِلَى وَلِيِّ الْعَهْدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: الْخِلَافَةُ بَعْدَ مَوْتِي لِفُلَانٍ، أَوْ بَعْدَ خِلَافَتِي.
стр. 3974
قُلْتُ: تَوَقَّفَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِهِ «الْإِرْشَادِ» فِي انْعِزَالِ الْإِمَامِ بِعَزْلِهِ نَفْسَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعَهْدُ إِلَى الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ، وَفِيهِ مَذْهَبَانِ آخَرَانِ، أَحَدُهُمَا: الْمَنْعُ، كَالتَّزْكِيَةِ وَالْحُكْمِ لَهُمَا، وَالثَّانِي: يَجُوزُ لِلْوَالِدِ دُونَ الْوَلَدِ، لِشِدَّةِ الْمَيْلِ إِلَيْهِ، وَأَنَّ وَلِيَّ الْعَهْدِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَنْقُلَ مَا إِلَيْهِ مِنَ الْعَهْدِ إِلَى غَيْرِهِ، لَمْ يَجُزْ، وَأَنَّهُ لَوْ عَهِدَ إِلَى جَمَاعَةٍ مُرَتَّبِينَ، فَقَالَ الْخَلِيفَةُ: بَعْدَ مَوْتِي فُلَانٌ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ فُلَانٌ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ فُلَانٌ، جَازَ، وَانْتَقَلَتِ الْخِلَافَةُ إِلَيْهِمْ عَلَى مَا رَتَّبَ، كَمَا رَتَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَرَاءَ جَيْشِ مُؤْتَةَ، وَأَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْأَوَّلُ فِي حَيَاةِ الْخَلِيفَةِ، فَالْخِلَافَةُ لِلثَّانِي، وَلَوْ مَاتَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فِي حَيَاتِهِ، فَهِيَ لِلثَّالِثِ، وَأَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْخَلِيفَةُ وَبَقِيَ الثَّلَاثَةُ أَحْيَاءً، فَانْتَصَبَ الْأَوَّلُ لِلْخِلَافَةِ، ثُمَّ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَعْهَدَ بِهَا إِلَى غَيْرِ الْآخَرِينَ، فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀ جَوَازُهُ ; لِأَنَّهَا لَمَّا انْتَهَتْ إِلَيْهِ صَارَ أَمْلَكَ بِهَا بِخِلَافِ مَا إِذَا مَاتَ وَلَمْ يَعْهَدْ إِلَى أَحَدٍ، فَلَيْسَ لِأَهْلِ الْبَيْعَةِ أَنْ يُبَايِعُوا غَيْرَ الثَّانِي، وَيُقَدَّمَ عَهْدُ الْأَوَّلِ عَلَى اخْتِيَارِهِمْ وَأَنَّهُ لَيْسَ لِأَهْلِ الشُّورَى أَنْ يُعَيِّنُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ فِي حَيَاةِ الْخَلِيفَةِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ خَافُوا انْتِشَارَ الْأَمْرِ بَعْدَهُ اسْتَأْذَنُوهُ، فَإِنْ أَذِنَ، فَعَلُوهُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يَنُصَّ عَلَى مَنْ يُخْتَارُ خَلِيفَةً بَعْدَهُ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَعْهَدَ إِلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ لَا يَصِحُّ إِلَّا اخْتِيَارُ مَنْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُخْتَارُ، كَمَا لَا يَصِحُّ إِلَّا تَقْلِيدُ مَنْ عَهِدَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ إِذَا عَهِدَ إِلَى غَيْرِهِ بِالْخِلَافَةِ، فَالْعَهْدُ مَوْقُوفٌ عَلَى قَبُولِ الْمَعْهُودِ إِلَيْهِ، وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ قَبُولِهِ، فَقِيلَ: بَعْدَ مَوْتِ الْخَلِيفَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ وَقْتَهُ مَا بَيْنَ عَهْدِ الْخَلِيفَةِ وَمَوْتِهِ، قَالَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» : وَإِذَا امْتَنَعَ الْمَعْهُودُ إِلَيْهِ مِنَ الْقَبُولِ بُويِعَ غَيْرُهُ، وَكَأَنَّهُ لَا عَهْدَ، وَكَذَا إِذَا جَعَلَ الْأَمْرَ شُورَى، فَتَرَكَ الْقَوْمُ الِاخْتِيَارَ لَا يُجْبَرُونَ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الْأَمْرَ إِلَيْهِمْ.
стр. 3975
قُلْتُ: وَمِمَّا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ مِنْ هَذَا، أَنَّهُ لَوْ جَمَعَ شُرُوطَ الْإِمَامَةِ اثْنَانِ، اسْتُحِبَّ لِأَهْلِ الْعَقْدِ أَنْ يَعْقِدُوهَا لِأَسَنِّهِمَا، فَإِنْ عَقَدُوهَا لِلْآخَرِ، جَازَ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ، وَالْآخِرُ أَشْجَعَ، رُوعِيَ فِي الِاخْتِيَارِ مَا يُوجِبُهُ حُكْمُ الْوَقْتِ، فَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى زِيَادَةِ الشَّجَاعَةِ لِظُهُورِ الْبُغَاةِ وَأَهْلِ الْفَسَادِ، كَانَ الْأَشْجَعُ أَحَقَّ، وَإِنْ دَعَتْ إِلَى زِيَادَةِ الْعِلْمِ لِسُكُونِ الْفِتَنِ، وَظُهُورِ الْبِدَعِ، كَانَ الْأَعْلَمُ أَحَقَّ، وَأَنَّهُ لَوْ تَنَازَعَهَا اثْنَانِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: يَقْدَحُ ذَلِكَ فِيهِمَا فَيَعْدِلُ إِلَى غَيْرِهِمَا، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ ; لِأَنَّ طَلَبَ الْخِلَافَةِ لَيْسَ مَكْرُوهًا، ثُمَّ هَلْ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ التَّسَاوِي، أَمْ يُقَدِّمُ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ مَنْ شَاءُوا بِلَا قُرْعَةٍ؟ فِيهِ خِلَافٌ، وَأَنَّ الْخَلِيفَةَ إِذَا أَرَادَ الْعَهْدَ، لَزِمَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْأَصْلَحِ، فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ وَاحِدٌ، جَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعَقْدِ بَيْعَتِهِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ غَيْرِهِ، وَلَا مُشَاوَرَةِ أَحَدٍ، وَأَنَّ الْمَعْهُودَ إِلَيْهِ إِذَا اسْتَعْفَى، لَمْ يُبْطَلْ عَهْدُهُ حَتَّى يُعْفَى، فَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ، جَازَ اسْتِعْفَاؤُهُ، وَخَرَجَ مِنَ الْعَهْدِ بِاجْتِمَاعِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، لَمْ يَجُزْ إِعْفَاؤُهُ وَلَا اسْتِعْفَاؤُهُ، وَيَبْقَى الْعَقْدُ لَازِمًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
وَأَمَّا الطَّرِيقُ الثَّالِثُ، فَهُوَ الْقَهْرُ وَالِاسْتِيلَاءُ، فَإِذَا مَاتَ الْإِمَامُ، فَتَصَدَّى لِلْإِمَامَةِ مَنْ جَمَعَ شَرَائِطَهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِخْلَافٍ وَلَا بَيْعَةٍ، وَقَهَرَ النَّاسَ بِشَوْكَتِهِ وَجُنُودِهِ، انْعَقَدَتْ خِلَافَتُهُ لِيَنْتَظِمَ شَمْلُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَامِعًا لِلشَّرَائِطِ بِأَنْ كَانَ فَاسِقًا، أَوْ جَاهِلًا، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: انْعِقَادُهَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا بِفِعْلِهِ.
فَرْعٌ
لَوْ تَفَرَّدَ شَخْصٌ بِشُرُوطِ الْإِمَامَةِ فِي وَقْتِهِ، لَمْ يَصِرْ إِمَامًا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ الطُّرُقِ.
стр. 3976
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِ الْإِمَامِ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
إِحْدَاهَا: تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ مَا لَمْ يُخَالِفْ حُكْمَ الشَّرْعِ، سَوَاءٌ كَانَ عَادِلًا أَوْ جَائِرًا.
الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ نَصْبُ إِمَامَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَإِنْ تَبَاعَدَ إِقْلِيمَاهُمَا، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: يَجُوزُ نَصْبُ إِمَامَيْنِ فِي إِقْلِيمَيْنِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْإِمَامِ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ، فَإِنْ عُقِدَتِ الْبَيْعَةُ لِرَجُلَيْنِ مَعًا، فَالْبَيْعَتَانِ بَاطِلَتَانِ، وَإِنْ تَرَتَّبَتَا فَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ، ثُمَّ إِنْ جَهِلَ الثَّانِي وَمُبَايِعُوهُ بَيْعَةَ الْأَوَّلِ، لَمْ يُعَزَّرُوا، وَإِلَّا فَيُعَزَّرُونَ، وَلَوْ عُرِفَ سَبْقُ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَتَعَيَّنْ، أَوْ شَكَكْنَا فِي مَعِيَّتِهِمَا وَتَعَاقُبِهِمَا، فَلْيَكُنْ كَمَا سَبَقَ فِي الْجُمُعَتَيْنِ، وَلَوْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا وَتَعَيَّنَ، وَاشْتَبَهَ، وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَظْهَرَ، فَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ، وَلَمْ يَكُنْ الِانْتِظَارُ، فَقَدْ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ تَبْطُلُ الْبَيْعَتَانِ، وَتُسْتَأْنَفُ بَيْعَةٌ لِأَحَدِهِمَا، وَفِي جَوَازِ الْعُدُولِ إِلَى غَيْرِهِمَا خِلَافٌ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْمَنْعُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَلَوِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ الْأَسْبَقُ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، وَلَمْ يَحْلِفِ الْآخَرُ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ قَطَعَا التَّنَازُعَ، وَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا الْأَمْرَ لِلْآخَرِ، لَمْ تَثْبُتِ الْإِمَامَةُ لَهُ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ بِسَبْقِهِ، قَالَ: وَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِسَبْقِ صَاحِبِهُ، خَرَجَ مِنْهَا الْمُقِرُّ، وَلَا تَثْبُتُ لِلْآخَرِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ شَهِدَ لَهُ الْمُقِرُّ مَعَ آخَرَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إِنْ كَانَ يَدَّعِي اشْتِبَاهَ الْأَمْرِ قَبْلَ الْإِقْرَارِ، وَإِنْ كَانَ يَدَّعِي التَّقْدِيمَ، لَمْ تُسْمَعْ لِلتَّكَاذُبِ فِي قَوْلَيْهِ.
стр. 3977
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا ثَبَتَتِ الْإِمَامَةُ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، فَجَاءَ آخَرُ، فَقَهَرَهُ، انْعَزَلَ الْأَوَّلُ، وَصَارَ الْقَاهِرُ الثَّانِي إِمَامًا.
الرَّابِعَةُ: لَا يَجُوزُ خَلْعُ الْإِمَامِ بِلَا سَبَبٍ، فَلَوْ خَلَعُوهُ، لَمْ يَنْخَلِعْ، وَلَوْ خَلَعَ الْإِمَامُ نَفْسَهُ، نُظِرَ، إِنْ خَلَعَ لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لِهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِمَا، انْعَزَلَ، ثُمَّ إِنْ وَلَّى غَيْرَهُ قَبْلَ عَزْلِ نَفْسِهِ، انْعَقَدَتْ وِلَايَتُهُ، وَإِلَّا فَيُبَايِعُ النَّاسُ غَيْرَهُ، وَإِنْ عَزَلَ نَفْسَهُ بِلَا عُذْرٍ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: لَا يَنْعَزِلُ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» وَغَيْرُهُ، وَالثَّانِي: يَنْعَزِلُ ; لِأَنَّ إِلْزَامَهُ الِاسْتِمْرَارَ قَدْ يَضُرُّ بِهِ فِي آخِرَتِهِ وَدُنْيَاهُ، وَالثَّالِثُ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ لَمْ يَظْهَرْ عُذْرٌ، فَعَزَلَ نَفْسَهُ وَلَمْ يُوَلِّ غَيْرَهُ، أَوْ وَلَّى مَنْ هُوَ دُونَهُ، لَمْ يَنْعَزِلْ، وَإِنْ وَلَّى مِثْلَهُ، أَوْ أَفْضَلَ، فَفِي الِانْعِزَالِ وَجْهَانِ، وَهَلْ لِلْإِمَامِ عَزْلُ وَلِيِّ الْعَهْدِ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي: نَعَمْ، وَالْمَاوَرْدِيُّ: لَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ نَائِبًا لَهُ بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ.
قُلْتُ: قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ أَصَحُّ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَلَوْ عَزَلَهُ الْإِمَامُ، وَعَهِدَ إِلَى ثَانٍ، ثُمَّ عَزَلَ الْمَعْهُودَ إِلَيْهِ أَوَّلًا نَفْسَهُ، فَعَهْدُ الثَّانِي بَاطِلٌ، وَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِئْنَافِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْخَامِسَةُ: سَبَقَ فِي بَابِ الْأَوْصِيَاءِ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِالْإِغْمَاءِ ; لِأَنَّهُ مُتَوَقَّعُ الزَّوَالِ، وَيَنْعَزِلُ بِالْمَرَضِ الَّذِي يُنْسِيهِ الْعُلُومَ، وَبِالْجُنُونِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: فَلَوْ كَانَ يُجَنُّ وَيَفِيقُ، وَزَمَنُ الْإِفَاقَةِ أَكْثَرُ، وَيُمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ بِالْأُمُورِ، لَمْ يَنْعَزِلْ، وَيَنْعَزِلُ بِالْعَمَى وَالصَّمَمِ وَالْخَرَسِ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِثِقَلِ السَّمْعِ، وَتَمْتَمَةِ اللِّسَانِ، وَفِي مَنْعِهِمَا ابْتِدَاءَ الْوِلَايَةِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ قَطْعَ إِحْدَى الْيَدَيْنِ أَوِ الرِّجْلَيْنِ، لَا يُؤَثِّرُ فِي الدَّوَامِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 3978
قُلْتُ: وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ مَسَائِلُ، إِحْدَاهَا: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَوْ أُسِرَ الْإِمَامُ، لَزِمَ الْأُمَّةَ اسْتِنْقَاذُهُ، وَهُوَ عَلَى إِمَامَتِهِ مَا دَامَ مَرْجُوَّ الْخَلَاصِ بِقِتَالٍ أَوْ فِدَاءٍ، فَإِنْ أُيِسَ مِنْهُ، نُظِرَ، إِنْ أَسَرَهُ كُفَّارٌ، خَرَجَ مِنَ الْإِمَامَةِ، وَعَقَدُوهَا لِغَيْرِهِ، فَإِنْ عُهِدَ بِالْإِمَامَةِ وَهُوَ أَسِيرٌ، نُظِرَ إِنْ كَانَ بَعْدَ الْيَأْسِ مِنْ خَلَاصِهِ، لَمْ يَصِحَّ عَهْدُهُ ; لِأَنَّهُ عَهْدٌ بَعْدَ انْعِزَالِهِ، وَإِنْ عُهِدَ قَبْلَ الْيَأْسِ، صَحَّ عَهْدُهُ لِبَقَاءِ وِلَايَتِهِ، وَتَسْتَقِرُّ إِمَامَةُ الْمَعْهُودِ إِلَيْهِ بِالْيَأْسِ مِنْ خَلَاصِ الْعَاهِدِ لِانْعِزَالِهِ، وَلَوْ خَلَصَ مِنْ أَسْرِهِ، نُظِرَ إِنْ خَلَصَ بَعْدَ الْيَأْسِ، لَمْ تُعَدْ إِمَامَتُهُ، بَلْ تَسْتَقِرُّ لِوَلِيِّ عَهْدِهِ، وَإِنْ خَلَصَ قَبْلَ الْيَأْسِ، فَهُوَ عَلَى إِمَامَتِهِ، وَأَمَّا إِذَا أَسَرَهُ بُغَاةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ كَانَ مَرْجُوَّ الْخَلَاصِ، فَهُوَ عَلَى إِمَامَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ وَكَانَتِ الْبُغَاةُ لَا إِمَامَ لَهُمْ، فَالْأَسِيرُ عَلَى إِمَامَتِهِ، وَعَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ أَنْ يَسْتَنِيبُوا عَنْهُ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ هُوَ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ، فَإِنْ قَدَرَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالِاسْتِنَابَةِ، فَإِنْ خَلَعَ الْأَسِيرُ نَفْسَهُ، أَوْ مَاتَ، لَمْ يَصِرِ الْمُسْتَنَابُ إِمَامًا، وَإِنْ كَانَ لِلْبُغَاةِ الَّذِينَ أَسَرُوهُ إِمَامٌ نَصَّبُوهُ، خَرَجَ الْأَسِيرُ مِنَ الْإِمَامَةِ إِنْ أُيِسَ مِنْ خَلَاصِهِ، وَعَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ فِي دَارِ الْعَدْلِ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لِمَنْ يَصْلُحُ لَهَا، فَإِنْ خَلَصَ الْأَسِيرُ، لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِمَامَةِ لِخُرُوجِهِ مِنْهَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: تَجِبُ نَصِيحَةُ الْإِمَامِ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ.
الثَّالِثَةُ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْإِمَامِ: الْخَلِيفَةُ وَالْإِمَامُ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَيُقَالُ أَيْضًا: خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَيُقَالُ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَذْكَارِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 3979
الْبَابُ الثَّانِي فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ
وَفِيهِ أَطْرَافٌ:
الْأَوَّلُ فِي صِفَتِهِمْ.
الْبَاغِي فِي اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ: هُوَ الْمُخَالِفُ لِإِمَامِ الْعَدْلِ، الْخَارِجُ عَنْ طَاعَتِهِ بِامْتِنَاعِهِ مِنْ أَدَاءِ وَاجِبٍ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِهِ بِشَرْطِهِ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ الْعُلَمَاءَ: وَيَجِبُ قِتَالُ الْبُغَاةِ، وَلَا يُكَفَّرُونَ بِالْبَغْيِ، وَإِذَا رَجَعَ الْبَاغِي إِلَى الطَّاعَةِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وَتُرِكَ قِتَالُهُ، وَأَجْمَعَتِ الصَّحَابَةُ ﵃ عَلَى قِتَالِ الْبُغَاةِ، ثُمَّ أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْبَغْيَ لَيْسَ بِاسْمِ ذَمٍّ، وَبِأَنَّ الْبَاغِينَ لَيْسُوا بِفَسَقَةٍ، كَمَا أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِكَفَرَةٍ، لَكِنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِيمَا يَفْعَلُونَ وَيَذْهَبُونَ إِلَيْهِ مِنَ التَّأْوِيلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّيهِمْ عُصَاةً، وَلَا يُسَمِّيهِمْ فَسَقَةً وَيَقُولُ: لَيْسَ كُلُّ مَعْصِيَةٍ بِفِسْقٍ، وَالتَّشْدِيدَاتُ الْوَارِدَةُ فِي الْخُرُوجِ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ وَفِي مُخَالَفَتِهِ كَحَدِيثِ «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا» وَحَدِيثِ «مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ» وَحَدِيثِ «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ» كُلُّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ وَخَالَفَ الْإِمَامَ بِلَا عُذْرٍ وَلَا تَأْوِيلٍ.
فَصْلٌ
الَّذِينَ يُخَالِفُونَ الْإِمَامَ بِالْخُرُوجِ عَلَيْهِ وَتَرْكِ الِانْقِيَادِ، وَالِامْتِنَاعِ مِنْ أَدَاءِ الْحُقُوقِ يَنْقَسِمُونَ إِلَى بُغَاةٍ وَغَيْرِهِمْ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الصِّنْفَيْنِ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ، فَنَصِفُ الْبُغَاةَ بِمَا يَتَمَيَّزُونَ بِهِ، وَنَذْكُرُ فِي ضِمْنِهِمْ غَيْرَهُمْ مِنَ الْمُخَالِفِينَ.
أَمَّا الْبُغَاةُ، فَتُعْتَبَرُ فِيهِمْ خَصْلَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ يَعْتَقِدُونَ بِسَبَبِهِ جَوَازَ الْخُرُوجِ عَلَى الْإِمَامِ، أَوْ مَنْعَ الْحَقِّ الْمُتَوَجَّهِ عَلَيْهِمْ، فَلَوْ خَرَجَ قَوْمٌ عَنِ الطَّاعَةِ، وَمَنَعُوا الْحَقَّ بِلَا تَأْوِيلٍ، سَوَاءٌ كَانَ
стр. 3980
حَدَّا أَوْ قِصَاصًا أَوْ مَالًا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْآدَمِيِّينَ، عِنَادًا أَوْ مُكَابَرَةً، وَلَمْ يَتَعَلَّقُوا بِتَأْوِيلٍ، فَلَيْسَ لَهُمْ أَحْكَامُ الْبُغَاةِ، وَكَذَا الْمُرْتَدُّونَ، ثُمَّ التَّأْوِيلُ لِلْبُغَاةِ إِنْ كَانَ بُطْلَانُهُ مَظْنُونًا، فَهُوَ مُعْتَبَرٌ، وَإِنْ كَانَ بُطْلَانُهُ مَقْطُوعًا بِهِ، فَوَجْهَانِ، أَوْفَقُهُمَا لِإِطْلَاقِ الْأَكْثَرِينَ: أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ، كَتَأْوِيلِ الْمُرْتَدِّينَ وَشُبْهَتِهِمْ، وَالثَّانِي: يُعْتَبَرُ، وَيَكْفِي تَغْلِيطُهُمْ فِيهِ، وَقَدْ يَغْلَطُ الْإِنْسَانُ فِي الْقَطْعِيَّاتِ.
فَرْعٌ
الْخَوَارِجُ صِنْفٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَنْ فَعَلَ كَبِيرَةً كَفَرَ وَخُلِّدَ فِي النَّارِ، وَيَطْعَنُونَ لِذَلِكَ فِي الْأَئِمَّةِ، وَلَا يَحْضُرُونَ مَعَهُمُ الْجُمُعَاتِ وَالْجَمَاعَاتِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ ﵃: لَوْ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ، وَتَجَنَّبُوا الْجَمَاعَاتِ، وَكَفَّرُوا الْإِمَامَ وَمَنْ مَعَهُ، فَإِنْ لَمْ يُقَاتِلُوا وَكَانُوا فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ، لَمْ يُقْتَلُوا وَلَمْ يُقَاتَلُوا، ثُمَّ إِنَّ صَرَّحُوا بِسَبِّ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ، عُزِّرُوا، وَإِنْ عَرَّضُوا، فَفِي تَعْزِيرِهِمْ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَا يُعَزَّرُونَ، قَالَهُ الْجُرْجَانِيُّ، وَقَطَعَ بِهِ صَاحِبُ «التَّنْبِيهِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ بَعَثَ الْإِمَامُ إِلَيْهِمْ وَالِيًا فَقَتَلُوهُ، فَعَلَيْهِمُ الْقِصَاصُ، وَهَلْ يَتَحَتَّمُ قَتْلُ قَاتِلِهِ، كَقَاطِعِ الطَّرِيقِ ; لِأَنَّهُ شَهَرَ السِّلَاحَ أَمْ لَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إِخَافَةَ الطَّرِيقِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَا يَتَحَتَّمُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَطْلَقَ الْبَغَوِيُّ أَنَّهُمْ إِنْ قَاتَلُوا، فَهُمْ فَسَقَةٌ وَأَصْحَابُ بُهْتٍ، فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، فَهَذَا تَرْتِيبُ الْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ وَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ،
стр. 3981
وَحَكَى الْإِمَامُ فِي تَكْفِيرِ الْخَوَارِجِ وَجْهَيْنِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ نُكَفِّرْهُمْ، فَلَهُمْ حُكْمُ الْمُرْتَدِّينَ، وَقِيلَ: حُكْمُ الْبُغَاةِ، فَإِنْ قُلْنَا: كَالْمُرْتَدِّينَ، لَمْ تُنَفَّذْ أَحْكَامَهُمْ.
الْخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَعَدَدٌ بِحَيْثُ يَحْتَاجُ الْإِمَامُ فِي رَدِّهِمْ إِلَى الطَّاعَةِ إِلَى كُلْفَةٍ، بِبَذْلِ مَالٍ، أَوْ إِعْدَادِ رِجَالٍ، وَنَصْبِ قِتَالٍ، فَإِنْ كَانُوا أَفْرَادًا يَسْهُلُ ضَبْطُهُمْ، فَلَيْسُوا بُغَاةً، وَشَرَطَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ فِي الشَّوْكَةِ أَنْ يَنْفَرِدُوا بِبَلْدَةٍ، أَوْ قَرْيَةٍ، أَوْ مَوْضِعٍ مِنَ الصَّحْرَاءِ، وَرُبَّمَا قِيلَ: يُشْتَرَطُ كَوْنُهُمْ فِي طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ وِلَايَةِ الْإِمَامِ بِحَيْثُ لَا يُحِيطُ بِهِمْ أَجْنَادُهُ، وَالْأَصَحُّ الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ: أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ اسْتِعْصَاؤُهُمْ وَخُرُوجُهُمْ عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ حَتَّى لَوْ تَمَكَّنُوا مِنَ الْمُقَاوَمَةِ وَهُمْ مَحْفُوفُونَ بِجُنْدِ الْإِسْلَامِ، حَصَلَتِ الشَّوْكَةُ، وَتَتَعَلَّقُ بِالشَّوْكَةِ صُوَرٌ ذَكَرَهَا الْإِمَامُ:
إِحْدَاهَا: حَكَى فِي قَوْمٍ قَلِيلِي الْعَدَدِ تَقَوَّوْا بِحِصْنٍ وَجْهَيْنِ، وَرَأَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَفْصِلَ، فَيُقَالُ: إِنْ كَانَ الْحِصْنُ عَلَى حَافَّةِ الطَّرِيقِ، وَكَانُوا يَسْتَوْلُونَ بِسَبَبِهِ عَلَى نَاحِيَةٍ وَرَاءَ الْحِصْنِ، فَالشَّوْكَةُ حَاصِلَةٌ وَحُكْمُ الْبُغَاةِ ثَابِتٌ، لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ أَقْضِيَةُ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَإِلَّا فَلَيْسُوا بُغَاةً، وَلَا نُبَالِي بِمَا وَقَعَ مِنَ التَّعَطُّلِ فِي الْعَدَدِ الْقَلِيلِ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ: لَوْ تَحَرَّبَ مِنَ الشُّجْعَانِ عَدَدٌ يَسِيرٌ يَقْوُونَ بِفَضْلِ قُوَّتِهِمْ عَلَى مُصَارَمَةِ الْجُمُوعِ الْكَثِيرَةِ، حَصَلَتِ الشَّوْكَةُ بِلَا خِلَافٍ.
الثَّالِثَةُ: قَالَ: يَجِبُ الْقَطْعُ بِأَنَّ الشَّوْكَةَ لَا تَحْصُلُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَتْبُوعٌ مُطَاعٌ، إِذْ لَا قُوَّةَ لِمَنْ لَا يَجْمَعُ كَلِمَتَهُمْ مُطَاعٌ، وَهَلْ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ إِمَامٌ مَنْصُوبٌ لَهُمْ أَوْ مُنْتَصِبٌ؟ وَجْهَانِ، وَيُقَالُ: قَوْلَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: لَا يُشْتَرَطُ، وَبِهِ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْإِمَامُ، وَفِي
стр. 3982
«الْمِنْهَاجِ» لِلشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِمْ أَنْ يَمْتَنِعُوا مِنْ حُكْمِ الْإِمَامِ، وَأَنْ يُظْهِرُوا لِأَنْفُسِهِمْ حُكْمًا، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا طَرِيقُ مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ، وَلَا بُدَّ فِيهِمْ مِنْهَا، ثُمَّ تُعْتَبَرُ الْخَصْلَتَانِ فَلَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةُ مَا سُقْنَاهُ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
الطَّرَفُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الْبُغَاةِ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ:
إِحْدَاهَا: شَهَادَةُ الْبُغَاةِ مَقْبُولَةٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا فَسَقَةً، وَلَفْظُ الشَّافِعِيِّ ﵀: وَلَوْ شَهِدَ مِنْهُمْ عَدْلٌ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَرَى الشَّهَادَةَ لِمُوَافَقَتِهِ بِتَصْدِيقِهِ، فَأَثْبَتَ الْعَدَالَةَ مَعَ الْبَغْيِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ قَاضٍ فِي بَلَدٍ، قَالَ الْمُعْتَبِرُونَ مِنَ الْأَصْحَابِ: إِنْ كَانَ يَسْتَحِلُّ دِمَاءَ أَهْلِ الْعَدْلِ، لَمْ يُنَفَّذْ حُكْمَهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَدْلٍ، وَمِنْ شَرْطِ الْقَاضِي الْعَدَالَةُ، وَكَذَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِيمَا لَوْ كَانَ الشَّاهِدُ يَسْتَحِلُّ دِمَاءَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَمْوَالِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُطْلِقُ نُفُوذَ قَضَاءِ الْبُغَاةِ لِمَصْلَحَةِ الرَّعِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَاضِيهِمْ مِمَّنْ يَسْتَحِلُّ دِمَاءَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَمْوَالِهِمْ، وَنَفَذَ حُكْمُهُ فِيمَا يَنْفُذُ فِيهِ حُكْمُ قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ، فَلَوْ حَكَمَ بِمَا يُخَالِفُ النَّصَّ أَوِ الْإِجْمَاعَ أَوِ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، فَهُوَ بَاطِلٌ، حَتَّى لَوْ قَضَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ بِضَمَانِ مَا أَتْلَفَ فِي الْحَرْبِ عَلَيْهِمْ، لَمْ يَنْفُذْ قَضَاؤُهُ، وَكَذَا لَوْ حَكَمَ بِسُقُوطِ ضَمَانِ مَا أَتْلَفُوهُ هُمْ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فِي غَيْرِ الْقِتَالِ، لَمْ يَنْفُذْ، وَلَوْ حَكَمَ بِسُقُوطِ ضَمَانِ مَا أَتْلَفُوهُ فِي الْقِتَالِ، نَفَذَ حُكْمُهُ، وَلَا تَجُوزُ مُطَالَبَتُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ، وَلَا يَنْفُذُ قَضَاءُ الْبَاغِي إِذَا كَانَ مِنَ الْخَطَّابِيَّةِ الَّذِينَ يَقْضُونَ لِمُوَافَقَتِهِمْ بِتَصْدِيقِهِمْ إِذَا قَضَى لِمُوَافِقِهِ، كَمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهُ.
стр. 3983
فَرْعٌ
إِذَا كَتَبَ قَاضِيهِمْ حَيْثُ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ بِمَا حَكَمَ بِهِ إِلَى حَاكِمِ أَهْلِ الْعَدْلِ، جَازَ قَبُولُهُ وَتَنْفِيذُهُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْبَلَ اسْتِخْفَافًا بِهِمْ، وَإِنْ كَتَبَ بِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ، فَهَلْ يَحْكُمُ قَاضِينَا بِهِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ، وَحَكَى الْإِمَامُ طَرْدَ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا حَكَمَ بِهِ، وَاسْتَعَانَ فِيهِ بِالِاسْتِيفَاءِ، قَالَ: وَكُنْتُ أَوَدُّ لَوْ فَصَلَ فَاصِلٌ بَيْنَ حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِأَهْلِ النَّجْدَةِ، وَحُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِالرَّعَايَا.
فَرْعٌ
لَوْ وَرَدَ مِنْ قَاضِي الْبُغَاةُ كِتَابٌ عَلَى قَاضِينَا، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ مِمَّنْ يَسْتَحِلُّ دِمَاءَ أَهْلِ الْعَدْلِ أَمْ لَا، فَفِي قَبُولِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ قَوْلَانِ، حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ، قَالَ: وَاخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ مِنْهُمَا: الْمَنْعُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا أَقَامَ الْبُغَاةُ الْحُدُودَ عَلَى جُنَاةِ الْبَلَدِ الَّذِي اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ، وَأَخَذُوا الزَّكَاةَ مِنْ أَهْلِهِ وَخَرَاجَ أَرْضِهِ، وَجِزْيَةَ الذِّمِّيِّينَ فِيهِ، اعْتَدَّ بِمَا فَعَلُوهُ، وَإِذَا عَادَ الْبَلَدُ إِلَى أَهْلِ الْعَدْلِ، لَمْ يُطَالِبُوا أَهْلَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي الْجِزْيَةِ وَجْهٌ شَاذٌّ لِبُعْدِهَا عَنِ الْمَسَافَةِ، وَلَوْ فَرَّقُوا سَهْمَ الْمُرْتَزِقَةِ مِنَ الْفَيْءِ عَلَى جُنْدِهِمْ، فَفِي وُقُوعِهِ مَوْقِعَهُ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا، لِئَلَّا يَكُونَ عَوْنًا لَهُمْ، وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ ; لِأَنَّهُمْ مِنْ جُنْدِ الْإِسْلَامِ، وَإِرْعَابُ الْكُفَّارِ حَاصِلٌ بِهِمْ.
فَرْعٌ
إِذَا عَادَ الْبَلَدُ إِلَى أَهْلِ الْعَدْلِ، فَادَّعَى مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ أَنَّ الْبُغَاةَ اسْتَوْفَوْهُ، وَلَا يَعْلَمُ الْإِمَامُ ذَلِكَ وَلَا بَيِّنَةَ، فَإِنْ كَانَ زَكَاةً، صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَهَلِ الْيَمِينُ وَاجِبَةٌ أَمْ مُسْتَحَبَّةٌ؟ فِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الزَّكَاةِ، وَإِنْ كَانَ
стр. 3984
جِزْيَةً، لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ خَرَاجًا عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ أُجْرَةٌ أَوْ ثَمَنٌ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهَا عِبَادَةٌ وَمُوَاسَاةٌ وَمَبْنَاهَا عَلَى الرِّفْقِ، وَإِنْ كَانَ حَدًّا فَقَالَ الْمُتَوَلِّي: يُصَدَّقُ إِنْ كَانَ أَثَرُهُ بَاقِيًا عَلَى بَدَنِهِ، وَإِلَّا فَإِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ، صُدِّقَ ; لِأَنَّهُ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ، وَإِنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، فَلَا.
فَصْلٌ
الَّذِينَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ بِلَا شَوْكَةٍ، أَوْ شَوْكَةٌ بِلَا تَأْوِيلٍ، لَيْسَ لَهُمْ حُكْمُ الْبُغَاةِ، وَلَا يَنْفُذُ قَضَاءُ حَاكِمِهِمْ، وَلَا يُعْتَدُّ بِاسْتِيفَائِهِمُ الْحُقُوقَ وَالْحُدُودَ، وَفِي أَصْحَابِ الشَّوْكَةِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ أَهْلُ النَّاحِيَةِ الَّتِي اسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا، وَالْمَعْرُوفُ لِلْأَصْحَابِ مَا سَبَقَ، وَالتَّحْكِيمُ فِيهِمْ عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي غَيْرِهِمْ.
الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ ضَمَانِ الْمُتْلَفِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ.
فَإِذَا أَتْلَفَ بَاغٍ عَلَى عَادِلٍ أَوْ عَكْسُهُ فِي غَيْرِ الْقِتَالِ، ضَمِنَ قَطْعًا عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنَ الْقِصَاصِ وَالْقِيمَةِ، وَأَمَّا فِي حَالِ الْقِتَالِ، فَمَا يُتْلِفُهُ الْعَادِلُ عَلَى الْبَاغِي لَا يَضْمَنُهُ، وَمَا يُتْلِفُهُ الْبَاغِي عَلَى الْعَادِلِ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ هَلْ يَضْمَنُهُ؟ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: لَا، فَإِنْ كَانَ الْقَتْلُ عَمْدًا، فَفِي الْقِصَاصِ طَرِيقَانِ، أَصَحُّهُمَا: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ، وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ لِشُبْهَةِ تَأْوِيلِهِمْ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ، فَآلَ الْأَمْرُ إِلَى الدِّيَةِ، فَهِيَ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، وَإِنْ لَمْ نُوجِبْهُ، فَهَلْ يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْعَمْدِ، فَتَتَعَجَّلُ الدِّيَّةُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ، أَمْ حُكْمُ شِبْهِ الْعَمْدِ، فَتَتَأَجَّلُ عَلَى الْعَاقِلَةِ؟ فِيهِ خِلَافٌ، كَمَنْ قَتَلَ مُسْلِمًا عَلَى زِيِّ الْكُفَّارِ، وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ، فَتَجِبُ حَيْثُ أَوْجَبْنَا قِصَاصًا أَوْ دِيَةً،
стр. 3985
وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ طَرْدًا لِلْإِهْدَارِ، وَلِأَنَّهَا أَوْلَى بِالْمُسَامَحَةِ مِنْ حَقِّ الْآدَمِيِّ.
فَرْعٌ
الْقَوْلَانِ فِيمَا أُتْلِفَ بِسَبَبِ الْقِتَالِ، وَتَوَلَّدُ مِنْهُ هَلَاكُهُ، فَلَوْ أُتْلِفَ فِي الْقِتَالِ مَا لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْقِتَالِ، وَجَبَ ضَمَانُهُ قَطْعًا كَالْمُتْلِفِ قَبْلَ الْقِتَالِ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ.
فَرْعٌ
الْأَمْوَالُ الْمَأْخُوذَةُ فِي الْقِتَالِ يَجِبُ رَدُّهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ إِلَى أَصْحَابِهَا، يَسْتَوِي فِيهِ الْفَرِيقَانِ، فَإِنْ أُتْلِفْتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ، وَجَبَ الضَّمَانُ.
فَرْعٌ
لَوِ اسْتَوْلَى بَاغٍ عَلَى أَمَةٍ أَوْ مُسْتَوْلَدَةٍ لَأَهْلِ الْعَدْلِ، فَوَطِئَهَا، أَلْزَمَهُ الْحَدَّ، فَإِنْ أَوْلَدَهَا، فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ غَيْرُ نَسِيبٍ، فَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً، فَهَلْ يَجِبُ الْمَهْرُ؟ قِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي ضَمَانِ الْمَالِ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ قَطْعًا، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ الْمَأْخُوذَ بَعْدَ الِانْهِزَامِ، وَلَوِ اسْتَوْلَى حَرْبِيٌّ عَلَى أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ وَأَوْلَدَهَا، فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ وَغَيْرُ نَسِيبٍ، وَلَا حَدَّ وَلَا مَهْرَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمِ الْأَحْكَامَ.
فَرْعٌ
هَذَا الَّذِي سَبَقَ مِنْ حُكْمِ الْإِتْلَافِ هُوَ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ، فَأَمَّا الْمُخَالِفُونَ لِلْإِمَامِ بِتَأْوِيلِ بِلَا شَوْكَةٍ، فَيَلْزَمُهُمْ ضَمَانُ مَا أَتْلَفُوهُ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ، وَإِنْ كَانَ فِي حَالِ الْقِتَالِ كَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَأَمَّا الَّذِينَ لَهُمْ شَوْكَةٌ بِلَا تَأْوِيلٍ، فَفِي ضَمَانِ مَا أَتْلَفُوهُ فِي الْقِتَالِ طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: يَجِبُ قَطْعًا كَعَكْسِهِ،
стр. 3986
وَأَصَحُّهُمَا: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ كَالْبَاغِي ; لِأَنَّ سُقُوطَ الضَّمَانِ عَنِ الْبَاغِي لِقَطْعِ الْفِتْنَةِ وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ هُنَا، وَلَوِ ارْتَدَّتْ طَائِفَةٌ لَهُمْ شَوْكَةٌ، فَأَتْلَفُوا مَالًا أَوْ نَفْسًا فِي الْقِتَالِ، ثُمَّ تَابُوا وَأَسْلَمُوا، فَفِي ضَمَانِهِمُ الْقَوْلَانِ كَالْبُغَاةِ، أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ بَعْضِهِمْ: لَا ضَمَانَ، وَخَالَفَهُ الْبَغَوِيُّ، وَلَا يَنْفُذُ قَضَاءُ قَاضِي الْمُرْتَدِّينَ قَطْعًا.
الطَّرَفُ الرَّابِعُ فِي كَيْفِيَّةِ قِتَالِ الْبُغَاةِ:
طَرِيقُهَا طَرِيقُ دَفْعِ الصَّائِلِ، وَالْمَقْصُودُ رَدُّهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ، وَدَفْعُ شَرِّهِمْ، لَا النَّفْيُ وَالْقَتْلُ، فَإِذَا أَمْكَنَ الْأَسْرُ، لَا يُقْتَلُ، وَإِذَا أَمْكَنَ الْإِثْخَانُ، لَا يُذَفَّفُ، فَإِنِ الْتَحَمَ الْقِتَالُ، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، خَرَجَ الْأَمْرُ عَنِ الضَّبْطِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَقَدْ يُتَخَيَّلُ مِنْ هَذَا أَنَّا لَا نَسِيرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا نُفَاتِحُهُمْ بِالْقِتَالِ، وَأَنَّهُمْ إِذَا سَارُوا إِلَيْنَا لَا نَبْدَأُ بِقِتَالِهِمْ، بَلْ نَصْطَفُّ قُبَالَتَهَمْ، فَإِنْ قَصَدُونَا، دَفَعْنَاهُمْ، قَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُ هَذَا لِطَائِفَةٍ مِنَ الْأَصْحَابِ وَهُوَ خَطَأٌ، بَلْ إِذَا آذَنَهُمُ الْإِمَامُ بِالْحَرْبِ، وَلَمْ يَرْجِعُوا إِلَى الطَّاعَةِ، سَارَ إِلَيْهِمْ، وَمَنَعَهُمْ مِنَ الْقُطْرِ الَّذِي اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ، فَإِنِ انْهَزَمُوا وَكَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةٌ، اتَّبَعْنَاهُمْ إِلَى أَنْ يَتُوبُوا وَيُطِيعُوا، وَلَيْسَ قِتَالُ الْفَرِيقَيْنِ كَصِيَالِ الْوَاحِدِ وَدَفْعِهِ بِكَيْفِيَّةِ قِتَالِهِمْ مَسَائِلُ:
الْأُولَى: لَا يُغْتَالُونَ وَلَا يُبْدَءُونَ بِالْقِتَالِ حَتَّى يُنْذَرُوا، فَيَبْعَثُ الْإِمَامُ إِلَيْهِمْ أَمِينًا فَطِنًا نَاصِحًا، فَإِذَا جَاءَهُمْ سَأَلَهُمْ مَا يَنْقِمُونَ؟ فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلَمَةً، وَعَلَّلُوا مُخَالَفَتَهُمْ بِهَا، أَزَالَهَا، وَإِنْ ذَكَرُوا شُبْةً، كَشَفَهَا لَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا شَيْئًا، أَوْ أَصَرُّوا بَعْدَ إِزَالَةِ الْعِلَّةِ، نَصَحَهُمْ وَوَعَظَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِالْعَوْدِ إِلَى الطَّاعَةِ، فَإِنْ أَصَرُّوا، دَعَاهُمْ إِلَى الْمُنَاظَرَةِ، فَإِنْ لَمْ يُجِيبُوا، أَوْ أَجَابُوا فَغُلِبُوا، وَأَصَرُّوا مُكَابِرِينَ، آذَنَهُمْ بِالْقِتَالِ، فَإِنِ اسْتَنْظَرُوا، بَحَثَ الْإِمَامُ عَنْ حَالِهِمْ وَاجْتَهَدَ، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُمْ عَازِمُونَ
стр. 3987
عَلَى الطَّاعَةِ، وَأَنَّهُمْ يَسْتَنْظِرُونَ لِكَشْفِ الشُّبْهَةِ، أَوِ التَّأَمُّلِ وَالْمُشَاوَرَةِ، أَنْظَرَهُمْ، وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُمْ يَقْصِدُونَ الِاجْتِمَاعَ، أَوْ يِسْتَلْحِقُونَ مَدَدًا لَهُمْ، لَمْ يُنْظِرْهُمْ، وَإِنْ سَأَلُوا تَرْكَ الْقِتَالِ أَبَدًا، لَمْ يُجِبْهُمْ، وَحَيْثُ لَا يَجُوزُ الْإِنْظَارُ، فَلَوْ بَذَلُوا مَالًا، وَرَهَنُوا أَوْلَادَهُمْ وَالنِّسَاءَ، لَمْ يَقْبَلْهُ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ يَقْوُونَ فِي الْمُدَّةِ، وَيَظْهَرُونَ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ وَيَسْتَرِدُّونَ مَا بَذَلُوهُ، وَإِذَا كَانَ بِأَهْلِ الْعَدْلِ ضَعْفٌ، أَخَّرَ الْقِتَالَ، وَنَصَّ فِي «الْأُمِّ» أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ أَسَارَى مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَسَأَلُوا - وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ - أَنْ يُمْسِكَ لِيُطْلِقُوهُمْ، وَأَعْطَوْا بِذَلِكَ رَهَائِنَ، قَبِلْنَا، فَإِنْ أَطْلَقُوا الْأَسَارَى، أَطْلَقْنَا الرَّهَائِنَ، وَإِنْ قَتَلُوهُمْ، لَمْ يَجُزْ قَتْلُ الرَّهَائِنِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إِطْلَاقِهِمْ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ.
الثَّانِيَةُ: مَنْ أَدْبَرَ مِنْهُمْ وَانْهَزَمَ، لَمْ يُتْبَعْ، وَكَذَا مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ وَتَرَكَ الْقِتَالَ، لَمْ يُقَاتَلْ، وَانْهِزَامُ الْجُنْدِ بِأَنْ يَتَبَدَّدَ، وَتُبْطُلَ شَوْكَتُهُمْ وَاتِّفَاقُهُمْ، فَلَوْ وَلَّوْا ظُهُورَهُمْ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ تَحْتَ رَايَةِ زَعِيمِهِمْ، لَمْ يَنْكُفْ عَنْهُمْ، بَلْ يَطْلُبُهُمْ حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى الطَّاعَةِ، وَلَوْ بَطَلَتْ قُوَّةُ وَاحِدٍ وَاعْتِضَادُهُ بِالْجَمْعِ لِتَخَلُّفِهِ عَنْهُمْ مُخْتَارًا، أَوْ غَيْرَ مُخْتَارٍ، لَا يُقْتَلُ وَلَا يُتْبَعُ، وَمَنْ وَلَّى مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ، أُتْبِعَ وَقُوتِلَ، وَإِنْ وَلَّى مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ قَرِيبَةً، أُتْبِعَ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَرُبَّمَا أَطْلَقَ وَجْهَانِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ قَرِيبَةٍ وَبَعِيدَةٍ، وَأُجْرِيَ الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ بَطَلَتْ شَوْكَةُ الْجُنْدِ فِي الْحَالِ وَلَمْ يُؤْمَنِ اجْتِمَاعُهُمْ فِي الْمَآلِ، وَمَوْضِعُ الِاتِّفَاقِ أَنْ يُؤْمَنَ اجْتِمَاعَهُمْ.
الثَّالِثَةُ: لَا يُقْتَلُ مُثْخَنُهُمْ وَلَا أَسِيرُهُمْ، وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ قَتْلَهُمَا صَبْرًا، فَلَوْ قَتَلَ عَادِلٌ أَسِيرَهُمْ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ لِشُبْهَةِ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَا قِصَاصَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 3988
وَلَا يُطْلَقُ الْأَسِيرُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ إِلَّا أَنْ يُبَايِعَ الْإِمَامَ، وَيَرْجِعَ إِلَى الطَّاعَةِ بِاخْتِيَارِهِ، وَلَوِ انْقَضَتِ الْحَرْبُ وَجُمُوعُهُمْ بَاقِيَةٌ، لَمْ يُطْلَقْ إِلَّا أَنْ يُبَايِعَ، وَإِنْ بَذَلُوا الطَّاعَةَ، أَوْ تَفَرَّقَتْ جُمُوعُهُمْ، أُطْلِقَ، فَإِنْ تَوَقَّعَ عَوْدُهُمْ، فَفِي الْإِطْلَاقِ الْوَجْهَانِ السَّابِقَانِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِضَ عَلَى أَسْرَاهُمْ بَيْعَةَ الْإِمَامِ، هَذَا فِي أَسِيرٍ هُوَ أَهْلٌ لِلْقِتَالِ، فَأَمَّا إِذَا أَسَرَ نِسَاءَهُمْ وَأَطْفَالَهُمْ، فَيُحْبَسُونَ إِلَى انْقِضَاءِ الْقِتَالِ ثُمَّ يُطْلَقُونَ، هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَفِي وَجْهٍ لِأَبِي إِسْحَاقَ: إِنْ رَأَى الْإِمَامُ فِي إِطْلَاقِهِمْ قُوَّةَ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَأَنَّ حَبْسَهُمْ يَرُدُّهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى مُرَاجَعَةِ الْحَقِّ، حَبَسَهُمْ حَتَّى يُطِيعُوا، وَفِي وَجْهٍ لَهُ حَبْسُهُمْ مُطْلَقًا كَسْرًا لِقُلُوبِ الْبُغَاةِ، وَعَلَى هَذَا وَقْتُ تَخْلِيَتِهِمْ وَقْتُ تَخْلِيَةِ الرِّجَالِ، وَأَمَّا الْعَبِيدُ وَالْمُرَاهِقُونَ، فَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُمْ كَالنِّسَاءِ وَإِنْ كَانُوا يُقَاتِلُونَ، وَقَالَ الْإِمَامُ وَالْمُتَوَلِّي: إِنْ كَانَ يَجِيءُ مِنْهُمْ قِتَالٌ، فَهُمْ كَالرِّجَالِ فِي الْحَبْسِ وَالْإِطْلَاقِ، وَهَذَا حَسَنٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَبِيدَ وَالْمُرَاهِقِينَ وَالنِّسَاءَ إِذَا قَاتَلُوا فَهُمْ كَالرِّجَالِ فِي أَنَّهُمْ يُقْتَلُونَ مُقْبِلِينَ، وَيُتْرَكُونَ مُدْبِرِينَ، وَيَجُوزُ أَسْرُ كُلِّ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ ابْتِدَاءً.
فَرْعٌ
إِذَا ظَفِرْنَا بِخَيْلِهِمْ وَأَسْلِحَتِهِمْ، لَمْ نَرُدَّهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ الْقِتَالُ، وَنَأْمَنَ غَائِلَتَهُمْ بِعَوْدِهِمْ إِلَى الطَّاعَةِ، أَوْ تَفَرُّقِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا فِي الْقِتَالِ، فَلَوْ وَقَعَتْ ضَرُورَةٌ وَلَمْ يَجِدْ أَحَدُنَا مَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ إِلَّا سِلَاحَهُمْ، أَوْ مَا يَرْكَبُهُ وَقَدْ وَقَعَتْ هَزِيمَةٌ إِلَّا خُيُولَهُمْ، جَازَ الِاسْتِعْمَالُ وَالرُّكُوبُ، كَمَا يَجُوزُ أَكْلُ مَالِ الْغَيْرِ لِلضَّرُورَةِ، وَمَا لَيْسَ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ يُرَدُّ إِلَيْهِمْ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ.
الرَّابِعَةُ: لَا يُقَاتِلُهُمْ بِمَا يَعُمُّ وَيَعْظُمُ أَثَرُهُ، كَالْمَنْجَنِيقِ وَالنَّارِ، وَإِرْسَالِ السُّيُولِ الْجَارِفَةِ، لَكِنْ لَوْ قَاتَلُونَا بِهَذِهِ الْأَوْجُهِ، وَاحْتَجْنَا إِلَى
стр. 3989
الْمُقَابَلَةِ بِمِثْلِهَا دَفْعًا، أَوْ أَحَاطُوا بِنَا، وَاضْطُرِرْنَا إِلَى الرَّمْيِ بِالنَّارِ وَنَحْوِهَا، فَعَلْنَاهُ لِلضَّرُورَةِ، وَإِنْ تَحَصَّنُوا بِبَلْدَةٍ أَوْ قَلْعَةٍ، وَلَمْ يَتَأَتَّ الِاسْتِيلَاءُ عَلَيْهَا إِلَّا بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا رَعَايَا لَا بَغْيَ فِيهِمْ، لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلَّا الْبُغَاةُ الْمُقَاتِلُونَ، فَكَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّ تَرْكَ بَلْدَةٍ فِي أَيْدِي طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ يُمْكِنُ الِاحْتِيَالُ فِي مُحَاصَرَتِهِمْ وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ أَقْرَبَ إِلَى الْإِصْلَاحِ مِنِ اصْطِلَامِ أُمَمٍ.
الْخَامِسَةُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَانَ عَلَيْهِمْ بِكُفَّارٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَسْلِيطُ كَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لِمُسْتَحِقِّ قِصَاصٍ أَنْ يُوَكِّلَ كَافِرًا بِاسْتِيفَائِهِ، وَلَا لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَّخِذَ جَلَّادًا كَافِرًا لِإِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَانَ بِمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ إِمَّا لِعَدَاوَةٍ وَإِمَّا لِاعْتِقَادِهِ، كَالْحَنَفِيِّ، إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ، فَيَجُوزُ بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ فِيهِمْ جُرْأَةٌ وَحُسْنُ إِقْدَامٍ، وَالثَّانِي: أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ مَنْعِهِمْ لَوِ ابْتَغَوْا أَهْلَ الْبَغْيِ بَعْدَ هَزِيمَتِهِمْ، وَلَا بُدَّ مِنِ اجْتِمَاعِ الشَّرْطَيْنِ لِجَوَازِ الِاسْتِعَانَةِ، كَذَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ والرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنِ اتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ وَلَفْظُ الْبَغَوِيِّ يَقْتَضِي جَوَازُهَا بِأَحَدِهِمَا.
السَّادِسَةُ: لَوِ اسْتَعَانَ الْبُغَاةُ عَلَيْنَا بِأَهْلِ الْحَرْبِ، وَعَقَدُوا لَهُمْ ذِمَّةً وَأَمَانًا لِيُقَاتِلُوا مَعَهُمْ، لَمْ يُنَفَّذْ أَمَانُهُمْ عَلَيْنَا، فَلَنَا أَنْ نَغْنَمَ أَمْوَالَهُمْ، وَنَسْتَرِقَّهُمْ، وَنَقْتُلَهُمْ إِذَا وَقَعُوا فِي الْأَسْرِ، وَنَقْتُلَهُمْ مُدْبِرِينَ، وَنُذَفِّفَ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: لَا يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ، وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَهَلْ يَنْعَقِدُ الْأَمَانُ فِي حَقِّ الْبُغَاةِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا:
стр. 3990
نَعَمْ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا، فَقَالَ الْبَغَوِيُّ: لِأَهْلِ الْبَغْيِ أَنَّ يَكِرُّوا عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ عَلَى هَذَا، أَنَّهُ أَمَانٌ فَاسِدٌ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْبَغْيِ اغْتِيَالُهُمْ، بَلْ يُبَلِّغُونَهُمُ الْمَأْمَنَ، فَلَوْ قَالُوا: ظَنَنَّا أَنَّهُ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُعِينَ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَعْضٍ أَوْ ظَنَنَّا أَنَّهُمُ الْمُحِقُّونَ، أَوْ ظَنَنَّا أَنَّهُمُ اسْتَعَانُوا بِنَا فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا اعْتِبَارَ بِظَنِّهِمُ الْفَاسِدِ، وَلَنَا قَتْلُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ، وَأَصَحُّهُمَا: أَنَا نُبَلِّغُهُمُ الْمَأْمَنَ، وَنُقَاتِلُهُمْ مُقَاتَلَةَ الْبُغَاةِ، فَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُمْ مُدْبِرِينَ، وَمَا أَتْلَفَهُ أَهْلُ الْحَرْبِ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِمْ، وَمَا يُتْلِفُونَ عَلَى أَهْلِ الْبَغْيِ مَضْمُونٌ إِنْ نَفَّذْنَا أَمَانَهُمْ لَهُمْ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَوِ اسْتَعَانَ الْبُغَاةُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي قِتَالِنَا، نُظِرَ، إِنْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ قِتَالُنَا وَلَمْ يُكْرَهُوا، انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، وَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الْحَرْبِ، فَيُقْتَلُونَ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ، وَلَوْ أَتْلَفُوا بَعْدَ الْقِتَالِ شَيْئًا، لَمْ يَضْمَنُوهُ، وَقِيلَ: فِي انْتِقَاضِ عَهْدِهِمْ قَوْلَانِ، وَإِنْ قَالُوا: كُنَّا مُكْرَهِينَ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيُقَاتَلُونَ مُقَاتَلَةَ الْبُغَاةِ، وَإِنْ قَالُوا: ظَنَنَّا أَنَّهُ يَجُوزُ لَنَا إِعَانَةُ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَعْضٍ، أَوْ أَنَّهُمْ يَسْتَعِينُونَ بِنَا عَلَى كُفَّارٍ، أَوْ أَنَّهُمُ الْمُحِقُّونَ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا عُذْرًا، انْتُقِضَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ، ثُمَّ قِيلَ: الْقَوْلَانِ إِذَا لَمْ نَشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ تَرْكَ الْقِتَالِ فِي عَقْدِ الذِّمَّةِ، فَإِنْ شَرَطَ، انْتُقِضَ قَطْعًا، وَقِيلَ: قَوْلَانِ مُطْلَقًا، وَحَيْثُ قُلْنَا: يَنْتَقِضُ، فَهَلْ يُبَلَّغُونَ الْمَأْمَنَ أَمْ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ وَاسْتِرْقَاقُهُمْ؟ فِيهِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي الْجِزْيَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: يُبَلَّغُونَ الْمَأْمَنَ، فَهَلْ لَنَا قَتْلُهُمْ مُنْهَزِمِينَ؟ وَجْهَانِ، وَجْهُ الْجَوَازِ أَنَّهُ مِنْ بَقِيَّةِ الْعُقُوبَةِ عَلَى الْقِتَالِ، ثُمَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ، أَنَّهُ كَمَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ فِي حَقِّ أَهْلِ الْعَدْلِ يَنْتَقِضُ فِي حَقِّ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَفِي «الْبَيَانِ» أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي انْتِقَاضِهِ فِي حَقِّ الْبُغَاةِ الْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْتَقِضُ، فَهُمْ كَالْبُغَاةِ فِي أَنَّهُ لَا يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ
стр. 3991
وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَوْ أَتْلَفُوا شَيْئًا عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ، لَزِمَهُمُ الضَّمَانُ بِخِلَافِ الْبُغَاةِ، فَإِنَّهُمْ لَا يُضْمَنُونَ فِي قَوْلٍ ; لِأَنَّا أَسْقَطْنَا الضَّمَانَ عَنْهُمُ اسْتِمَالَةً لِقُلُوبِهِمْ إِلَى الطَّاعَةِ لِئَلَّا يُنَفِّرَهُمُ الضَّمَانُ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ، وَلَوْ أَتْلَفُوا نَفْسًا، قَالَ الْإِمَامُ: إِنْ أَوْجَبْنَا الْقِصَاصَ عَلَى الْبُغَاةِ، فَأَهْلُ الذِّمَّةِ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَجِبُ، كَالضَّمَانِ، وَالثَّانِي: لَا، لِلشُّبْهَةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِأَحْوَالِهِمْ، وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَنْتَقِضُ الْأَمَانُ فَجَاءَنَا ذِمِّيٌّ تَائِبًا، فَفِي ضَمَانِ مَا أَتْلَفَ طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، وَالثَّانِي: عَلَى قَوْلَيْنِ، كَالْبُغَاةِ.
فَرْعٌ
قَاتَلَ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَهْلَ الْبَغْيِ، لَا يُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّهُمْ حَارَبُوا مَنْ يَلْزَمُ الْإِمَامُ مُحَارَبَتَهُمْ.
فَرْعٌ
اسْتَعَانَ الْبُغَاةُ بِمَنْ لَهُمْ أَمَانٌ إِلَى مُدَّةٍ، انْتُقِضَ أَمَانُهُمْ، فَإِنْ قَالُوا: كُنَّا مُكْرَهِينَ، وَأَقَامُوا بَيِّنَةً عَلَى الْإِكْرَاهِ فَهُمْ عَلَى الْعَهْدِ، وَإِلَّا انْتُقِضَ أَيْضًا.
فَصْلٌ
اقْتَتَلَ طَائِفَتَانِ بَاغِيَتَانِ، فَإِنْ قَدَرَ الْإِمَامُ عَلَى قَهْرِهِمَا، وَهَزَمَهُمَا، لَمْ يُعِنْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى إِلَّا إِذَا أَطَاعَتْ، فَيُعِينُهَا عَلَى الْأُخْرَى، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قَهْرِهِمَا، ضَمَّ إِلَى نَفْسِهِ أَقْرَبَهُمَا إِلَى الْحَقِّ، وَاسْتَعَانَ بِهِمْ عَلَى الْأُخْرَى، وَإِنِ اسْتَوَيَا اجْتَهَدَ فِيهِمَا، وَلَا يُقْصَدُ بِضَمِّ الْمَضْمُومَةِ إِلَيْهِ مُعَاوَنَتُهَا، بَلْ يُقْصَدُ دَفْعُ الْأُخْرَى، فَإِنِ انْدَفَعَ شَرُّ الْأُخْرَى، لَمْ يُقَاتِلِ الْمَضْمُومَةَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَدْعُوَهَا إِلَى الطَّاعَةِ ; لِأَنَّهَا بِالِاسْتِعَانَةِ صَارَتْ فِي أَمَانِهِ، وَلَوْ أَمَّنَ عَادِلٌ بَاغِيًا، نَفَذَ أَمَانُهُ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَوِ امْرَأَةً.
стр. 3992
فَرْعٌ
حُكْمُ دَارِ الْبَغْيِ حُكْمُ دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا جَرَى فِيهَا مَا يُوجِبُ الْحَدَّ، أَقَامَهُ الْإِمَامُ.
فَرْعٌ
يَتَحَرَّزُ الْعَادِلُ عَنْ قِتَالِ قَرِيبِهِ الْبَاغِي مَا أَمْكَنَهُ.
فَرْعٌ
قَالَ الْمُتَوَلِّي: يَلْزَمُ الْوَاحِدُ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ مُصَابَرَةَ اثْنَيْنِ مِنَ الْبُغَاةِ، فَلَا يُوَلِّي عَنْهُمَا إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقَتَّالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ.
فَرْعٌ
نَصَّ فِي «الْمَبْسُوطِ» أَنَّهُ إِذَا غَزَا أَهْلُ الْعَدْلِ وَالْبُغَاةُ مُشْرِكِينَ، وَاجْتَمَعُوا فِي دَارِ الشِّرْكِ، فَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ سَوَاءٌ، وَالْقَاتِلُ مِنْهُمْ يَسْتَحِقُّ السَّلْبَ، وَأَمَّا الْخُمُسُ، فَيُفَرِّقُهُ الْإِمَامُ، وَأَنَّهُ لَوْ وَادَعَ أَهْلُ الْبَغْيِ مُشْرِكِينَ، لَمْ يَقْصِدْهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ غَزَا أَهْلُ الْبَغْيِ قَوْمًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ وَادَعَهُمُ الْإِمَامُ، فَسَبَوْا مِنْهُمْ، فَإِذَا ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ، رَدَّ السَّبْيَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَأَنَّهُ لَوْ أَمَّنَ أَهْلُ الْعَدْلِ رَجُلًا مِنَ الْبُغَاةِ، فَقَتَلَهُ رَجُلٌ جَاهِلٌ بِأَمَانِهِ، وَقَالَ: عَلِمْتُهُ بَاغِيًا، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ جَاءَنَا لِيَنَالَ غِرَّتَنَا، حَلَفَ وَأُلْزِمَ الدِّيَةَ، وَإِنْ قَتَلَهُ عَامِدًا اقْتُصَّ مِنْهُ، وَأَنَّهُ لَوْ قَتَلَ عَادِلٌ عَادِلًا فِي الْقِتَالِ وَقَالَ: ظَنَنْتُهُ بَاغِيًا، حَلَفَ وَضَمِنَ الدِّيَةَ، وَأَنَّهُ لَوْ سَبَى الْكُفَّارُ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَقَدَرْنَا عَلَى اسْتِنْقَاذِهِمْ، وَجَبَ الِاسْتِنْقَاذُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 3993
كِتَابُ الرِّدَّةِ
هِيَ مِنْ أَفْحَشِ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ، وَأَغْلَظِهَا حُكْمًا، وَفِيهِ بَابَانِ:
الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَةِ الرِّدَّةِ، وَمَنْ تَصِحُّ مِنْهُ، وَفِيهِ طَرَفَانِ:
الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَتِهَا، وَهِيَ قَطْعُ الْإِسْلَامِ، وَيَحْصُلُ ذَلِكَ تَارَةً بِالْقَوْلِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ، وَتَارَةً بِالْفِعْلِ، وَالْأَفْعَالُ الْمُوجِبَةُ لِلْكُفْرِ هِيَ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْ تَعَمُّدٍ وَاسْتِهْزَاءٍ بِالدِّينِ صَرِيحٍ، كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ أَوْ لِلشَّمْسِ، وَإِلْقَاءِ الْمُصْحَفِ فِي الْقَاذُورَاتِ، وَالسِّحْرِ الَّذِي فِيهِ عِبَادَةُ الشَّمْسِ وَنَحْوِهَا، قَالَ الْإِمَامُ: فِي بَعْضِ التَّعَالِيقِ عَنْ شَيْخِي أَنَّ الْفِعْلَ بِمُجَرَّدِهِ لَا يَكُونُ كُفْرًا، قَالَ: وَهَذَا زَلَلٌ عَظِيمٌ مِنَ الْمُعَلِّقِ ذَكَرْتُهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى غَلَطِهِ، وَتَحْصُلُ الرِّدَّةُ بِالْقَوْلِ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ، سَوَاءٌ صَدَرَ عَنِ اعْتِقَادٍ أَوْ عِنَادٍ أَوِ اسْتِهْزَاءٍ، هَذَا قَوْلٌ جُمَلِيٌّ، وَأَمَّا التَّفْصِيلُ فَقَالَ الْمُتَوَلِّي: مَنِ اعْتَقَدَ قِدَمَ الْعَالَمِ، أَوْ حُدُوثَ الصَّانِعِ، أَوْ نَفَى مَا هُوَ ثَابِتٌ لِلْقَدِيمِ بِالْإِجْمَاعِ، كَكَوْنِهِ عَالِمًا قَادِرًا، أَوْ أَثْبَتَ مَا هُوَ مَنْفِيٌّ عَنْهُ بِالْإِجْمَاعِ، كَالْأَلْوَانِ، أَوْ أَثْبَتَ لَهُ الِاتِّصَالَ وَالِانْفِصَالَ، كَانَ كَافِرًا، وَكَذَا مَنْ جَحَدَ جَوَازَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ، أَوْ أَنْكَرَ نُبُوَّةَ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، أَوْ كَذَّبَهُ، أَوْ جَحَدَ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ مُجْمَعًا عَلَيْهَا، أَوْ زَادَ فِي الْقُرْآنِ كَلِمَةً وَاعْتَقَدَ أَنَّهَا مِنْهُ، أَوْ سَبَّ نَبِيًّا، أَوِ اسْتَخَفَّ بِهِ، أَوِ اسْتَحَلَّ مُحَرَّمًا بِالْإِجْمَاعِ كَالْخَمْرِ وَاللِّوَاطِ، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا بِالْإِجْمَاعِ، أَوْ نَفَى وُجُوبَ مُجْمَعٍ عَلَى وُجُوبِهِ، كَرَكْعَةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، أَوِ اعْتَقَدَ وُجُوبَ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِالْإِجْمَاعِ، كَصَلَاةٍ سَادِسَةٍ وَصَوْمِ شَوَّالٍ، أَوْ نَسَبَ عَائِشَةَ ﵂ إِلَى الْفَاحِشَةِ، أَوِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ بَعْدَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ
стр. 3994
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ صَدَّقَ مُدَّعِيًا لَهَا، أَوْ عَظَّمَ صَنَمًا بِالسُّجُودِ لَهُ، أَوِ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِالذَّبْحِ بِاسْمِهِ، فَكُلُّ هَذَا كُفْرٌ.
قُلْتُ: قَوْلُهُ: إِنَّ جَاحِدَ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ يَكْفُرُ، لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، بَلِ الصَّوَابُ فِيهِ تَفْصِيلٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ تَارِكِ الصَّلَاةِ عَقِبَ كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَمُخْتَصَرُهُ أَنَّهُ إِنْ جَحَدَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ يُعْلَمُ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ ضَرُورَةً، كَفَرَ إِنْ كَانَ فِيهِ نَصٌّ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَصٌّ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ ضَرُورَةً بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُهُ كُلُّ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَكْفُرْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَلَوْ قَالَ الْمُسْلِمُ: يَا كَافِرُ بِلَا تَأْوِيلٍ، كَفَرَ ; لِأَنَّهُ سَمَّى الْإِسْلَامَ كُفْرًا، وَالْعَزْمُ عَلَى الْكُفْرِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ كُفْرٌ فِي الْحَالِ، وَكَذَا التَّرَدُّدُ فِي أَنَّهُ يَكْفُرُ أَمْ لَا، فَهُوَ كُفْرٌ فِي الْحَالِ، وَكَذَا التَّعْلِيقُ بِأَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، كَقَوْلِهِ: إِنْ هَلَكَ مَالِي أَوْ وَلَدِي تَهَوَّدْتُ، أَوْ تَنَصَّرْتُ، قَالَ: وَالرِّضَى بِالْكُفْرِ كُفْرٌ، حَتَّى لَوْ سَأَلَهُ كَافِرٌ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ أَنْ يُلَقِّنَهُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، أَوْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يُسْلِمَ، أَوْ عَلَى مُسْلِمٍ بِأَنْ يَرْتَدَّ، فَهُوَ كَافِرٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لِمُسْلِمٍ: سَلَبَهُ اللَّهُ الْإِيمَانَ، أَوْ لِكَافِرٍ: لَا رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِيمَانَ، فَلَيْسَ بِكُفْرٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ رِضًى بِالْكُفْرِ، لَكِنَّهُ دَعَا عَلَيْهِ بِتَشْدِيدِ الْأَمْرِ وَالْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: وَذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي «الْفَتَاوَى» وَجْهًا ضَعِيفًا، أَنَّ مَنْ قَالَ لِمُسْلِمٍ: سَلَبَهُ اللَّهُ الْإِيمَانَ، كَفَرَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ أَكْرَهَ مُسْلِمًا عَلَى الْكُفْرِ، صَارَ الْمُكْرِهُ كَافِرًا، وَالْإِكْرَاهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالرِّضَى بِهِ، وَالْعَزْمُ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَيْسَ بِإِسْلَامٍ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ، وَشَرِبَ مَعَهُمُ الْخَمْرَ، وَأَكَلَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، لَا يُحْكَمُ
стр. 3995
بِكُفْرِهِ، وَارْتِكَابُ كَبَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ لَيْسَ بِكُفْرٍ، وَلَا يَنْسَلِبُ بِهِ اسْمُ الْإِيمَانِ، وَالْفَاسِقُ إِذَا مَاتَ وَلَمْ يَتُبْ لَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ.
فَرْعٌ
فِي كُتُبِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ اعْتِنَاءٌ تَامٌّ بِتَفْصِيلِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْكُفْرِ، وَأَكْثَرُهُمَا مِمَّا يَقْتَضِي إِطْلَاقُ أَصْحَابِنَا الْمُوَافَقَةَ عَلَيْهِ، فَنَذْكُرُ مَا يَحْضُرُنَا مِمَّا فِي كُتُبِهِمْ.
مِنْهَا: إِذَا سَخِرَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ بِأَمْرِهِ، أَوْ بِوَعْدِهِ أَوْ وَعِيدِهِ، كَفَرَ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَوْ أَمَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِكَذَا لَمْ أَفْعَلْ، أَوْ لَوْ صَارَتِ الْقِبْلَةُ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ مَا صَلَّيْتُ إِلَيْهَا، أَوْ لَوْ أَعْطَانِي الْجَنَّةَ مَا دَخَلْتُهَا.
قُلْتُ: مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا وَالْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ فِي قَوْلِهِ لَوْ أَعْطَانِي الْجَنَّةَ مَا دَخَلْتُهَا، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: لَا تَتْرُكِ الصَّلَاةَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُؤَاخِذُكَ، فَقَالَ: لَوْ وَاخَذَنِي اللَّهُ بِهَا مَعَ مَا بِي مِنَ الْمَرَضِ وَالشِّدَّةِ، ظَلَمَنِي، أَوْ قَالَ الْمَظْلُومُ: هَذَا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ الظَّالِمُ: أَنَا أَفْعَلُ بِغَيْرِ تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى، كَفَرَ، وَلَوْ قَالَ: لَوْ شَهِدَ عِنْدِي الْأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ بِكَذَا مَا صَدَّقْتُهُمْ، كَفَرَ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ: قَلِّمْ أَظْفَارَكَ، فَإِنَّهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ وَإِنْ كَانَ سُنَّةً، كَفَرَ.
قُلْتُ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِهَذَا إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ اسْتِهْزَاءً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَوْ قَالَ: فُلَانٌ فِي عَيْنِي كَالْيَهُودِيِّ، وَالنَّصْرَانِيِّ فِي عَيْنِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ كُفْرٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنْ أَرَادَ الْجَارِحَةَ، كَفَرَ، وَإِلَّا فَلَا، قَالُوا: وَلَوْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ
следующие страницы →