← Фикх шафии

Фикх шафии · id 499

روضة الطالبين وعمدة المفتين

النووي

Полный текст (4 941 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

الْإِقْرَارِ بِالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ خِلَافٌ يَأْتِي فِي السَّرِقَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَرْعٌ لَوْ تَابَ مَنْ ثَبَتَ زِنَاهُ، فَهَلْ يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْهُ بِالتَّوْبَةِ؟ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا وَهُوَ الْجَدِيدُ: لَا يَسْقُطُ، لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى إِسْقَاطِ الْحُدُودِ وَالزَّوَاجِرَ، ثُمَّ قِيلَ: الْقَوْلَانِ فِيمَنْ تَابَ قَبْلَ الرَّفْعِ إِلَى الْقَاضِي، فَأَمَّا بَعْدَهُ، فَلَا يَسْقُطُ قَطْعًا، وَقِيلَ: هُمَا فِي الْحَالَيْنِ. فَرْعٌ إِذْ ثَبَتَ زِنَاهُ بِبَيِّنَةٍ، لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ بِرُجُوعٍ وَلَا بِالْتِمَاسِ تَرْكِ الْحَدِّ، وَلَا بِالْهَرَبِ وَلَا غَيْرِهَا، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَفِيهِ خِلَافٌ حَكَاهُ الْإِمَامُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِالزِّنَا، ثُمَّ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا، ثُمَّ رَجَعَ عَنِ الْإِقْرَارِ، هَلْ يُحَدُّ؟ وَجْهَانِ، قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: نَعَمْ، وَأَبُو إِسْحَاقَ: لَا، إِذْ لَا أَثَرَ لِلْبَيِّنَةِ مَعَ الْإِقْرَارِ وَقَدْ بَطَلَ الْإِقْرَارُ. فَرْعٌ الْكَلَامُ فِي عَدَدِ الشُّهُودِ لِزِنًا وَرُجُوعِ بَعْضِهِمْ أَوْ كُلِّهِمْ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ، وَهُنَاكَ يُذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَيْفِيَّةُ الشَّهَادَةِ وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَفْسِيرُ الزِّنَا بِخِلَافِ الْقَذْفِ، فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ: زَنَيْتَ، كَانَ قَاذِفًا لِحُصُولِ الْعَارِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا التَّفْسِيرُ كَالشَّهَادَةِ أَمْ لَا كَالْقَذْفِ؟ وَجْهَانِ. قُلْتُ: الِاشْتِرَاطُ أَقْوَى، وَيَسْتَأْنِسُ فِيهِ بِقِصَّةِ مَاعِزٍ ﵁. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 4027

وَسَوَاءٌ شَهِدُوا بِالزِّنَا فِي مَجْلِسٍ، أَوْ مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ، وَلَوْ شَهِدُوا ثُمَّ غَابُوا، أَوْ مَاتُوا، فَلِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمْ وَيُقِيمَ الْحَدَّ. وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالزِّنَا بَعْدَ تَطَاوُلِ الزَّمَنِ، وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَا، وَشَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ أَنَّهَا عَذْرَاءُ، فَلَا حَدَّ لِلشُّبْهَةِ، وَلَوْ قَذَفَهَا قَاذِفٌ، لَمْ يَلْزَمْهُ حَدُّ الْقَذْفِ لِوُجُودِ الشَّهَادَةِ، وَاحْتِمَالِ عَوْدِ الْبَكَارَةِ، وَكَذَا لَا يَجِبْ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى الشُّهُودِ، وَلَوْ أَقَامَتْ هِيَ أَرْبَعَةً عَلَى أَنَّهُ أَكْرَهَهَا عَلَى الزِّنَا وَطَلَبَتِ الْمَهْرَ، وَشَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ أَنَّهَا عَذْرَاءُ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ ; لِأَنَّهُ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا حَدُّ الْقَذْفِ لِشَهَادَةِ الشُّهُودِ، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ، وَأَرْبَعُ نِسْوَةٍ أَنَّهَا عَذْرَاءُ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ وَيَجِبُ الْمَهْرُ، وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَيْهَا بِالزِّنَا، وَشَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ أَنَّهَا رَتْقَاءُ، فَلَيْسَ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا، وَلَا عَلَيْهِمْ حَدُّ الْقَذْفِ ; لِأَنَّهُمْ رَمَوْا مَنْ لَا يُمْكِنُهُ الْجِمَاعُ، وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا وَعَيَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَاوِيَةً مِنْ زَاوِيَا بَيْتٍ، فَلَا حَدَّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَفِي وُجُوبِ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَى الشُّهُودِ خِلَافٌ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ عَدَدُهُمْ فِي زَنْيَةٍ، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ فُلَانًا أَكْرَهَ فُلَانَةَ عَلَى الزِّنَا، لَمْ يَثْبُتِ الزِّنَا وَهَلْ يَثْبُتُ الْمَهْرُ؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ بِالزِّنَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ هَلْ عَلَيْهِمْ حَدُّ الْقَذْفِ، إِنْ قُلْنَا: لَا، وَجَبَ الْمَهْرُ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُكْرَهَةً، وَآخَرُ أَنَّهُ زَنَى بِهَا طَائِعَةً، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا، وَهَلْ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ؟ يُبْنَى عَلَى أَنَّ شَاهِدَيِ الطَّوَاعِيَةِ هَلْ عَلَيْهِمَا حَدُّ الْقَذْفِ لِلْمَرْأَةِ، قَوْلَانِ، إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَلَا؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ فَاسِقَانِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا، وَجَبَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى زِنَاهُ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمَهْرُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى شَاهِدَيِ الْإِكْرَاهِ وَلَا يَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ لِلرَّجُلِ.

стр. 4028

الْبَابُ الثَّانِي فِي اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ فِيهِ طَرَفَانِ: الْأَوَّلُ: فِي كَيْفِيَّتِهِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى الْأَحْرَارِ إِلَى الْإِمَامِ، أَوْ مَنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ، وَإِذَا أَمَرَ بِاسْتِيفَائِهِ، جَازَ لِلْمُفَوَّضِ إِلَيْهِ، وَلَا يَجِبُ حُضُورُ الْإِمَامِ، سَوَاءٌ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ الْإِقْرَارِ، وَلَا حُضُورُ الشُّهُودِ إِذَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ حُضُورُهُمْ وَابْتِدَاؤُهُمْ بِالرَّجْمِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَوْفَى بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ أَقَلُّهُمْ أَرْبَعَةٌ. الثَّانِيَةُ: لَا يُقْتَلُ الْمُحْصَنُ بِالسَّيْفِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّمْثِيلُ بِهِ وَتَنْكِيلُهُ بِالرَّجْمِ فَيُرْجَمُ، وَلَيْسَ لِمَا يُرْجَمُ بِهِ تَقْدِيرٌ، لَا جِنْسًا وَلَا عَدَدًا، فَقَدْ تُصِيبُ الْأَحْجَارُ مَقَاتِلَهُ، فَيَمُوتُ سَرِيعًا، وَقَدْ تُبْطِئُ مَوْتَهُ، وَلَا يُرْمَى بِصَخْرَةٍ تُذَفِّفُ، وَلَا يَطُولُ تَعْذِيبُهُ بِالْحَصَيَاتِ الْخَفِيفَةِ، بَلْ يُحِيطُ النَّاسُ بِهِ فَيَرْمُونَهُ مِنَ الْجَوَانِبِ بِحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ وَمَدَرٍ وَنَحْوِهَا حَتَّى يَمُوتَ، فَإِنْ كَانَ رَجُلًا لَمْ يُحْفَرْ لَهُ عِنْدَ الرَّجْمِ سَوَاءٌ ثَبَتَ زِنَاهُ بِالْبَيِّنَةِ أَمْ بِالْإِقْرَارِ، وَفِي الْمَرْأَةِ أَوْجُهٌ، أَحَدُهَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْفَرَ إِلَى صَدْرِهَا لِيَكُونَ أَسْتَرَ لَهَا، وَالثَّانِي: لَا يُسْتَحَبُّ، بَلْ هُوَ إِلَى خِيرَةِ الْإِمَامِ، وَأَصَحُّهَا: إِنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُحْفَرَ، وَإِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ، فَلَا لِيُمْكِنَهَا الْهَرَبُ إِنْ رَجَعَتْ. الثَّالِثَةُ: الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الرَّجْمَ لَا يُؤَخَّرُ لِلْمَرَضِ ; لِأَنَّ نَفْسَهُ مُسْتَوْفَاةٌ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: إِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ، أُخِّرَ حَتَّى يَبْرَأَ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا رَجَعَ فِي أَثْنَاءِ الرَّمْيِ فَيُعِينُ ذَلِكَ عَلَى قَتْلِهِ، وَمِثْلُ هَذَا الْخِلَافِ يَعُودُ فِي أَنَّهُ هَلْ يُرْجَمُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ؟ وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ الْجَلْدَ، فَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ مِمَّا يُرْجَى زَوَالُهُ، أُخِّرَ حَتَّى يَبْرَأَ، وَكَذَا الْمَحْدُودُ وَالْمَقْطُوعُ فِي حَدٍّ وَغَيْرِهِ لَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدٌّ آخَرَ حَتَّى

стр. 4029

يَبْرَأَ، وَفِي وَجْهٍ: لَا يُؤَخَّرُ، بَلْ يُضْرَبُ فِي الْمَرَضِ بِحَسَبِ مَا يَحْتَمِلُهُ مِنْ ضَرْبٍ بِعِثْكَالٍ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ ضُرِبَ كَمَا يَحْتَمِلُهُ، ثُمَّ بَرَأَ هَلْ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْأَصِحَّاءِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ كَجٍّ وَلِيَكُونَا مَبْنِيَّيْنِ عَلَى أَنَّهُ هَلْ تُؤَخَّرُ إِقَامَةُ الْجَلْدِ أَمْ تُسْتَوْفَى بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ؟ إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَالَّذِي جَرَى لَيْسَ بِحَدٍّ، فَلَا يَسْقُطُ كَمَا لَوْ جُلِدَ الْمُحْصَنِ لَا يَسْقُطُ الرَّجْمُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، لَمْ يَعُدِ الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ مِمَّا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ، كَالسُّلِّ وَالزَّمَانَةِ، أَوْ كَانَ مُخَدَّجًا وَهُوَ الضَّعِيفُ الْخِلْقَةِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ السِّيَاطَ، لَمْ يُؤَخَّرْ إِذْ لَا غَايَةَ تُنْتَظَرُ، وَلَا يُضْرَبُ بِالسِّيَاطِ، بَلْ يُضْرَبُ بِعِثْكَالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، وَهُوَ الْغُصْنُ ذُو الْفُرُوعِ الْخَفِيفَةِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ الْعِثْكَالُ، بَلْ لَهُ الضَّرْبُ بِالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ، كَذَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ والرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا، فَلَوْ كَانَ عَلَى الْغُصْنِ مِائَةُ فَرْعٍ، ضُرِبَ بِهِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ خَمْسُونَ، ضُرِبَ بِهِ مَرَّتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسُ، وَلَا يَكْفِي الْوَضْعُ عَلَيْهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِمَّا يُسَمَّى ضَرْبًا، وَيَنْبَغِي أَنْ تَمَسَّهُ الشَّمَارِيخُ، أَوْ يُنْكَبَسَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ لِثِقَلِ الْغُصْنِ، وَيَنَالَهُ الْأَلَمُ، فَإِنْ لَمْ تَمَسَّهُ، وَلَا انْكَبَسَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، أَوْ شُكَّ فِيهِ، لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ، وَفِي «النِّهَايَةِ» وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْإِيلَامُ، وَلَا تُفَرَّقُ السِّيَاطُ عَلَى الْأَيَّامِ، وَإِنِ احْتَمَلَ التَّفْرِيقَ، بَلْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْمُمْكِنُ وَيُخْلَى سَبِيلُهُ، وَلَوْ كَانَ لَا يَحْتَمِلُ السِّيَاطَ الْمُعْتَبَرَةَ فِي جَلْدِ الزِّنَا، وَأَمْكَنَ ضَرْبُهُ بِقُضْبَانٍ وَسِيَاطٍ خَفِيفَةٍ فَقَدْ تَرَدَّدَ فِيهِ الْإِمَامُ وَقَالَ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يُضْرَبُ بِالشَّمَارِيخِ، وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يُضْرَبُ بِالْأَسْوَاطِ ; لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى صُوَرِ الْحَدِّ، وَلَوْ بَرَأَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ بِالشَّمَارِيخِ، أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الْأَصِحَّاءِ، وَإِنْ بَرَأَ بَعْدُ، لَمْ يَعُدْ عَلَيْهِ، وَفِي إِقَامَةِ الضَّرْبِ بِالشَّمَارِيخِ مَقَامُ الضَّرَبَاتِ وَالْجَلْدِ بِالسِّيَاطِ مَزِيدُ كَلَامٍ نَذْكُرُهُ فِي الْأَيْمَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

стр. 4030

فَرْعٌ يُؤَخَّرُ قَطْعُ السَّرِقَةِ إِلَى الْبُرْءِ، وَلَوْ سَرَقَ مَنْ لَا يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِهِ، قُطِعَ عَلَى الصَّحِيحِ، لِئَلَّا يُفَوَّتَ الْحَدُّ، وَلَوْ وَجَبَ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى مَرِيضٍ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: يُقَالُ لِلْمُسْتَحَقِّ: اصْبِرْ إِلَى الْبُرْءِ، أَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الضَّرْبِ بِالْعِثْكَالِ، وَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّهُ يُجْلَدُ بِالسِّيَاطِ، سَوَاءٌ يُرْجَى زَوَالُ مَرَضِهِ أَمْ لَا ; لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الضِّيقِ، وَجَلْدُ الشُّرْبِ كَجَلْدِ الزِّنَا. فَرْعٌ الرَّابِعَةُ: لَا يُقَامُ الْجَلْدُ فِي حَرٍّ وَلَا بَرْدٍ شَدِيدَيْنِ، بَلْ يُؤَخَّرُ إِلَى اعْتِدَالِ الْوَقْتِ، وَكَذَا الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ، وَأَمَّا الرَّجْمُ، فَإِنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، لَمْ يُؤَخَّرْ ; لِأَنَّهُ مَقْتُولٌ، وَكَذَا إِنْ ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ عَلَى الصَّحِيحِ. فَرْعٌ لَوْ جَلَدَ الْإِمَامُ فِي مَرَضٍ أَوْ شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، فَهَلَكَ الْمَجْلُودُ بِالسِّرَايَةِ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ لَا يُضْمَنُ، وَنَصَّ أَنَّهُ لَوْ خُتِنَ أَقْلَفُ فِي شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ فَهَلَكَ ضُمِنَ، فَقِيلَ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ فِيهِمَا: قَوْلَانِ، وَقِيلَ: بِظَاهِرِ النَّصِيحَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّ الْجَلْدَ ثَبَتَ بِالنَّصِّ، وَالْخِتَانَ بِالِاجْتِهَادِ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا الضَّمَانَ، فَهَلْ يُضْمَنُ جَمِيعُهُ أَمْ نِصْفُهُ؟ وَجْهَانِ، وَهَلِ الضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ أَمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ؟ قَوْلَانِ سَبَقَا، قَالَ الْإِمَامُ: إِنْ لَمْ نُوجِبِ الضَّمَانَ فَالتَّأْخِيرُ مُسْتَحَبٌّ قَطْعًا، وَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ التَّأْخِيرَ وَاجِبٌ، وَضَمِنَاهُ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ التَّعْجِيلُ

стр. 4031

وَلَكِنْ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ كَمَا فِي التَّعْزِيرِ، وَفِي عِبَارَةِ الْغَزَالِيِّ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الرَّاجِحَ اسْتِحْبَابُ التَّأْخِيرِ، وَفِي «الْمُهَذَّبِ» وَغَيْرِهِ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّعْجِيلُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِوُجُوبِ التَّأْخِيرِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ، كَمَا يَجِبُ عَلَى آحَادِ النَّاسِ تَفْوِيضُ رَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ إِلَى الْإِمَامِ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي ضَمَانِهِ لَوْ بَادَرَ بِقَتْلِهِ. قُلْتُ: الْمَذْهَبُ وُجُوبُ التَّأْخِيرِ مُطْلَقًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ عَجَّلَ جَلْدَ الْمَرِيضِ قَبْلَ بُرْئِهِ، فَهَلَكَ، فَفِي ضَمَانِهِ الْخِلَافُ فِي الْجَلْدِ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ بِلَا فَرْقٍ. الطَّرَفُ الثَّانِي فِي بَيَانِ مُسْتَوْفِيهِ. فَإِنْ كَانَ الْمَحْدُودُ حُرًّا، فَالْمُسْتَوْفِي الْإِمَامُ، أَوْ مَنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ كَمَا سَبَقَ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ، وَحُكِيَ عَنِ الْقَفَّالِ رِوَايَةُ قَوْلِ: إِنَّهُ يَجُوزُ لِلْآحَادِ اسْتِيفَاؤُهُ حِسْبَةً، كَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا، فَلِسَيِّدِهِ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَلَهُ تَفْوِيضُهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِذَنِ الْإِمَامِ فِيهِ، وَسَوَاءٌ الْعَبْدُ وَالْأَمَةُ، وَخَرَّجَ ابْنُ الْقَاصِّ قَوْلًا فِي الْعَبْدِ كَأَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِالْإِجْبَارِ عَلَى النِّكَاحِ وَلَمْ يُوَافِقْ عَلَيْهِ، بَلْ قَطَعَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّ لَهُ إِقَامَتَهُ عَلَيْهِمَا، وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَيْضًا إِقَامَتُهُ عَلَى الرَّقِيقِ، وَمَنْ بَدَرَ إِلَيْهِ مِنْهُمَا وَقَعَ الْمَوْقِعَ، وَهَلِ الْأَوْلَى لِلسَّيِّدِ أَنْ يُقِيمَهُ بِنَفْسِهِ لِيَكُونَ أَسَتَرَ، أَمِ الْأَوْلَى تَفْوِيضُهُ إِلَى الْإِمَامِ، لِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي إِلْحَاقِهِ بِالْحُرِّ؟ وَجْهَانِ نَقَلَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو خَلَفٍ الطَّبَرِيُّ.

стр. 4032

قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ لِثُبُوتِ الْحَدِيثِ فِيهِ، وَلَا يُرَاعَى الْخُرُوجُ مِنْ خِلَافٍ يُخَالِفُ السُّنَّةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ تَنَازَعَ فِي إِقَامَتِهِ الْإِمَامُ وَالسَّيِّدُ، فَأَيُّهُمَا أَوْلَى؟ فِيهِ احْتِمَالَاتٌ لِلْإِمَامِ، أَظْهَرُهَا: الْإِمَامُ لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ، وَالثَّانِي: السَّيِّدُ لِغَرَضِ إِصْلَاحِ مِلْكِهِ، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ جَلْدًا فَالسَّيِّدُ، وَإِنْ كَانَ قَتْلًا أَوْ قَطْعًا، فَالْإِمَامُ ; لِأَنَّ إِعْمَالَ السِّلَاحِ بِصَاحِبِ الْأَمْرِ أَلْيَقُ، وَالْعَبْدُ الْمُشْتَرَكُ يُقِيمُ حَدَّهُ مُلَّاكُهُ، وَتُوَزَّعُ السِّيَاطُ عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ، فَإِنْ حَصَلَ كَسْرٌ، فَوَّضَ الْمُنْكَسِرَ إِلَى أَحَدِهِمْ، وَهَلْ يُغَرِّبُهُ السَّيِّدُ إِنْ قُلْنَا بِتَغْرِيبِ الْعَبْدِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ ; لِأَنَّهُ بَعْضُ الْحَدِّ، وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ كَالْقِنِّ، وَالْمُكَاتَبِ كَالْحُرِّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَنِ ابْنِ الْقَطَّانِ كَالْقِنِّ، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ لَا يَحُدُّهُ إِلَّا الْإِمَامُ، وَهَلْ إِقَامَةُ السَّيِّدِ الْحَدَّ بِالْوِلَايَةِ عَلَى مِلْكِهِ، كَوِلَايَةِ التَّزْوِيجِ، أَمْ تَأْدِيبًا وَإِصْلَاحًا، كَمُعَالَجَتِهِ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ؟ وَجْهَانِ. فَرْعٌ فِيمَا يُقِيمُهُ السَّيِّدُ عَلَى رَقِيقِهِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، أَمَّا التَّعْزِيرُ، فَلَهُ ذَلِكَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا يُؤَدِّبُهُ لِحَقِّ نَفْسِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ التَّعْزِيرَ غَيْرُ مَضْبُوطٍ فَيُفْتَقَرُ إِلَى اجْتِهَادِهِ، وَأَمَّا الْحُدُودُ، فَلَهُ الْجَلْدُ فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ، وَفِي الشُّرْبِ وَجْهٌ ; لِأَنَّ لِلسَّيِّدِ فِي بُضْعِ أَمَتِهِ وَعَبْدِهِ حَقًّا، فَإِنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ إِلَّا بِإِذْنِهِ بِخِلَافِ الشُّرْبِ، وَقِيَاسُ هَذَا الْفَرْقِ مَجِيءُ الْوَجْهِ فِي جَلْدِ الْقَذْفِ، وَهَلْ لَهُ قَطْعُهُ فِي السَّرِقَةِ وَالْمُحَارَبَةِ، وَقَتْلُهُ فِي الرِّدَّةِ؟ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: نَعَمْ، لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَزَمَ بِجَوَازِ الْقَطْعِ، وَأَجْرَى ابْنُ الصَّبَّاغِ وَجَمَاعَةٌ هَذَا الْخِلَافَ فِي الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ قِصَاصًا، وَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ الْقَطْعَ وَالْقَتْلَ إِلَى الْإِمَامِ.

стр. 4033

فَرْعٌ فِي أَحْوَالِ السَّيِّدِ إِنْ جَمَعَ شُرُوطَ الْوِلَايَةِ أَقَامَ الْحَدَّ، وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ امْرَأَةً، فَهَلْ تُقِيمُهُ هِيَ أَمِ السُّلْطَانُ أَمْ وَلِيُّهَا؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا الْأَوَّلُ، وَلِلْفَاسِقِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْكَافِرِ إِقَامَتُهُ عَلَى رَقِيقِهِمْ عَلَى الْأَصَحِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ سَبِيلَهُ سَبِيلُ الْإِصْلَاحِ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ كَجٍّ أَنَّ السَّيِّدَ لَا يَحُدُّ عَبِيدَ مَكَاتَبِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَحُدُّهُمُ الْمُكَاتَبُ إِذْ لَا تَصَرُّفَ لَهُ فِيهِمْ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ لِكَافِرٍ أَنْ يَحُدَّ عَبْدَهُ الْمُسْلِمَ بِحَالٍ، وَهَلْ يُقِيمُ الْأَبُ وَالْجَدُّ وَالْوَصِيُّ وَالْقَيِّمُ الْحَدَّ عَلَى رَقِيقِ الطِّفْلِ؟ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ وَفِيهِمَا الْوَجْهَانِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ قُلْنَا: الْحَدُّ إِصْلَاحٌ، فَلَهُمْ إِقَامَتُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: وِلَايَةٌ، فَفِيهِ الْخِلَافُ، وَهَلْ يَجُوزُ كَوْنُ السَّيِّدِ جَاهِلًا؟ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إِصْلَاحٌ أَمْ وِلَايَةٌ؟ وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ عَالِمًا بِقَدْرِ الْحَدِّ وَكَيْفِيَّتِهِ. فَرْعٌ الْعُقُوبَةُ الَّتِي يُقِيمُهَا السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ، يُقِيمُهَا إِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ عِنْدَهُ بِمُوجِبِهَا، فَلَوْ شَاهَدَهُ السَّيِّدُ، فَلَهُ إِقَامَتُهَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَهُ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ بِذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إِقَامَةَ هَذَا الْحَدِّ، فَيَسْمَعُ بَيِّنَتَهُ كَالْإِمَامِ، وَعَلَى هَذَا يُنْظَرُ تَزْكِيَةُ الشُّهُودِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ عَالِمًا بِصِفَاتِهِمْ، وَأَحْكَامِ الْحُدُودِ، وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ سَمَاعُهَا، وَإِنَّمَا يَحُدُّهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ. فَرْعٌ قَذْفُ رَقِيقِ زَوْجَتِهِ الرَّقِيقَةِ، هَلْ يُلَاعِنُ بَيْنَهُمَا السَّيِّدُ كَمَا يُقِيمُ الْحَدَّ؟ وَجْهَانِ، وَلَوْ قَذَفَ الْعَبْدُ سَيِّدَهُ، فَلَهُ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَذَفَ

стр. 4034

السَّيِّدُ عَبْدَهُ، فَلَهُ رَفْعُ الْأَمْرِ إِلَى الْقَاضِي لِيُعَزِّرَهُ، وَلَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ، ثُمَّ نَقَضَ الْعَهْدَ وَاسْتُرِقَّ، لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ، وَيُقِيمُهُ الْإِمَامُ لَا السَّيِّدُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَمْلُوكًا يَوْمَئِذٍ، وَلَوْ زَنَى عَبْدٌ، فَبَاعَهُ سَيِّدُهُ، فَإِقَامَةُ الْحَدِّ إِلَى الْمُشْتَرِي اعْتِبَارًا بِحَالِ الِاسْتِيفَاءِ. فَرْعٌ مَنْ قُتِلَ حَدًّا بِالرَّجْمِ وَغَيْرِهِ، غُسِّلَ وَكُفِّنَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 4035

كِتَابُ حَدِّ الْقَذْفِ الْقَذْفُ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَدُّ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ كَوْنُهُ مُكَلَّفًا مُخْتَارًا، فَلَا حَدَّ عَلَى صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُكْرَهٍ، وَيُعَزَّرُ الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ الَّذِي لَهُ نَوْعُ تَمْيِيزٍ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ وَالْمُعَاهَدُ، فَإِنْ كَانَ الْقَاذِفُ حُرًّا، فَحَدُّهُ ثَمَانُونَ جَلْدَةً، وَإِنْ كَانَ رَقِيقًا، أَوْ مُكَاتَبًا، أَوْ مُدَبَّرًا، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ، أَوْ بَعْضُهُ حُرٌّ فَأَرْبَعُونَ جَلْدَةً، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَقْذُوفِ مُحْصَنًا، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ بَيَانُ مَا يَحْصُلُ بِهِ إِحْصَانُهُ، وَلَا يُحَدُّ الْأَبُ وَالْجَدُّ بِقَذْفِ الْوَلَدِ وَوَلَدِ الْوَلَدِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يُحَدُّ. قُلْتُ: الْأُمُّ وَالْجَدَّاتُ كَالْأَبِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ وَرِثَ مِنْ أَمَّهُ حَدَّ قَذْفٍ عَلَى أَبِيهِ، سَقَطَ، وَمَنْ قَذَفَ شَخَصَا بِزَنْيَتَيْنِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّ عَلَيْهِ حَدًّا وَاحِدًا وَقَدْ سَبَقَ إِيضَاحُهُ فِي اللِّعَانِ، وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِيَةُ، أَوْ لِامْرَأَةٍ: يَا زَانِي، فَقَدْ سَبَقَ فِي اللِّعَانِ أَنَّهُ قَذْفٌ، وَكَذَا لَوْ خَاطَبَ خُنْثَى بِأَحَدِ اللَّفْظَتَيْنِ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: زَنَى فَرْجُكَ وَذَكَرُكَ، فَقَذْفٌ صَرِيحٌ. وَلَوْ قَالَ: زَنَى فَرْجُكَ، أَوْ قَالَ: زَنَى ذَكَرُكَ، قَالَ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» الَّذِي يَقْتَضِيهِ الْمَذْهَبُ أَنَّ فِيهِ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: قَذْفٌ صَرِيحٌ، وَالثَّانِي: كِنَايَةٌ، كَمَا لَوْ أَضَافَ الزِّنَا إِلَى يَدِ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ، وَصَرَائِحُ الْقَذْفِ وَكِنَايَاتُهُ سُبِقَتْ فِي اللِّعَانِ. فَصْلٌ قَالَ الْأَصْحَابُ: حَدُّ الْقَذْفِ وَإِنْ كَانَ حَقُّ آدَمِيٍّ، فَفِيهِ مُشَابَهَةُ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَسَائِلَ:

стр. 4036

إِحْدَاهَا: لَوْ قَالَ لَهُ: اقْذِفْنِي، فَقَذَفَهُ، فَفِي وُجُوبِ الْحَدِّ وَجْهَانِ الْأَصَحُّ: لَا، وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ: لَا يَجِبُ. الثَّانِيَةُ: لَوِ اسْتَوْفَى الْمَقْذُوفُ حَدَّ الْقَذْفِ، لَمْ يَقَعِ الْمَوْقِعَ، كَحَدِّ الزِّنَا لَوِ اسْتَوْفَاهُ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ، وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: يَقَعُ الْمَوْقِعَ كَمَا لَوِ اسْتَقَلَّ الْمُقْتَصُّ بِقَتْلِ الْجَانِي. الثَّالِثَةُ: يَنْشَطِرُ بِالرِّقِّ كَمَا سَبَقَ، وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّ لَا تَخْتَلِفُ، قَالُوا: لَكِنَّ الْمُغَلَّبَ فِيهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ لِمَسَائِلَ مِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُسْتَوْفَى إِلَّا بِطَلَبِهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَيَسْقُطُ بِعَفْوِهِ، وَيُورَثُ عَنْهُ، وَلَوْ عَفَا عَنِ الْحَدِّ عَلَى مَالٍ، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْمَالَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ مِنَ التَّعْرِيضِ فِي الْقَذْفِ أَنْ يَقُولَ: مَا أَنَا بِابْنِ إِسْكَافٍ وَلَا خَبَّازٍ، وَلَوْ قَالَ: يَا قَوَّادُ، فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي قَذْفِ زَوْجَةِ الْمُخَاطَبِ، لَكِنَّهُ كِنَايَةٌ، وَلَوْ قَالَ: يَا مُؤَاجِرُ، فَلَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي قَذْفِ الْمُخَاطَبِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ شَيْخِهِ التَّيْمِيِّ: هُوَ صَرِيحٌ فِي قَذْفِهِ بِالتَّمْكِينِ مِنْ نَفْسِهِ، لِاعْتِيَادِ النَّاسِ الْقَذْفَ بِهِ، وَقِيلَ: هُوَ صَرِيحٌ مِنَ الْعَامِّيِّ فَقَطْ، وَلَوْ رَمَاهُ بِحَجَرٍ، فَقَالَ: مَنْ رَمَانِي فَأُمُّهُ زَانِيَةٌ، فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ الرَّامِيَ فَقَاذِفٌ، وَإِلَّا فَلَا. فَصْلٌ الرَّمْي بِالزِّنَا لَا فِي مَعْرِضِ الشَّهَادَةِ يُوجِبُ حَدَّ الْقَذْفِ، فَأَمَّا فِي

стр. 4037

مَعْرِضِ الشَّهَادَةِ، فَيَنْظُرُ إِنْ تَمَّ الْعَدَدُ وَثَبَتُوا، أُقِيمَ حَدُّ الزِّنَا عَلَى الْمَرْمِيِّ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ الْعَدَدُ، بِأَنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ حَدُّ الْقَذْفِ؟ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ، وَهُوَ نَصُّهُ قَدِيمًا وَجَدِيدًا ; لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ جَلَدَ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ شَهِدُوا، وَلِئَلَّا تُتَّخَذَ صُورَةُ الشَّهَادَةِ ذَرِيعَةً إِلَى الْوَقِيعَةِ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ. وَلَوْ شَهِدَ عَلَى زِنَا امْرَأَةٍ زَوْجُهَا مَعَ ثَلَاثَةٍ، فَالزَّوْجُ قَاذِفٌ ; لِأَنَّ شَهَادَتَهُ عَلَيْهَا بِالزِّنَا لَا تُقْبَلُ، وَفِي الثَّلَاثَةِ الْقَوْلَانِ، وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ أَوْ ذِمِّيُّونَ أَوْ عَبِيدٌ، أَوْ فِيهِمُ امْرَأَةٌ أَوْ عَبْدٌ أَوْ ذِمِّيٌّ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ قَذْفَةٌ فَيُحَدُّونَ ; لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، فَلَمْ يَقْصِدُوا إِلَّا الْعَارَ، وَقِيلَ: فِيهِمُ الْقَوْلَانِ، وَصَوَّرَ الْإِمَامُ الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إِذَا كَانُوا فِي ظَاهِرِ الْحَالِ بِصِفَةِ الشُّهُودِ، ثُمَّ بَانُوا عَبِيدًا أَوْ كُفَّارًا، وَمُرَادُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا عَلِمَ حَالَهُمْ لَا يُصْغِي إِلَيْهِمْ فَيَكُونُ قَوْلُهُمْ قَذْفًا مَحْضًا لَا فِي مَعْرِضِ شَهَادَةٍ. وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةُ فُسَّاقٍ، أَوْ فِيهِمْ فَاسِقٌ، نُظِرَ إِنْ كَانَ فِسْقُهُمْ مَقْطُوعًا بِهِ، كَالزِّنَا وَالشُّرْبِ، فَقِيلَ: فِيهِمُ الْقَوْلَانِ، وَقِيلَ: لَا يُحَدُّونَ قَطْعًا وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ ; لِأَنَّ نَقْصَ الْعَدَدِ مُتَيَقَّنٌ، وَفِسْقَهُمْ إِنَّمَا يُعْرَفُ بِالظَّنِّ، وَالْحَدَّ يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ، وَإِنْ كَانَ فِسْقُهُمْ مُجْتَهَدًا فِيهِ، كَشُرْبِ النَّبِيذِ، لَمْ يُحَدُّوا قَطْعًا، وَفِي مَعْنَى الْفِسْقِ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ، مَا إِذَا كَانَ فِيهِمْ عَدُوٌّ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ بِالْعَدَاوَةِ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، وَلَوْ حَدَدْنَا الْعَبِيدَ الَّذِينَ شَهِدُوا، فَعَتِقُوا وَأَعَادُوا الشَّهَادَةَ، قُبِلَتْ، وَلَوْ لَمْ يَتِمَّ الْعَدَدُ، فَحَدَدْنَا مَنْ شَهِدَ، ثُمَّ عَادَ مَنْ يَتِمُّ بِهِ الْعَدَدُ فَشَهِدُوا، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ، كَالْفَاسِقِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ ثُمَّ يَتُوبُ وَيُعِيدُهَا، لَا تُقْبَلُ، وَهَذَا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ هُوَ فِيمَنْ شَهِدَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي، أَمَّا مَنْ شَهِدَ فِي غَيْرِ مَجْلِسِهِ، فَقَاذِفٌ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الشَّهَادَةَ.

стр. 4038

فَرْعٌ لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ، ثُمَّ رَجَعُوا، لَزِمَهُمْ حَدُّ الْقَذْفِ ; لِأَنَّهُمْ أَلْحَقُوا بِهِ الْعَارَ سَوَاءٌ تَعَمَّدُوا أَوْ أَخْطَئُوا ; لِأَنَّهُمْ فَرَّطُوا فِي تَرْكِ التَّثَبُّتِ، وَقِيلَ: فِي حَدِّهِمُ الْقَوْلَانِ ; لِأَنَّهُمْ شُهُودٌ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ رَجَعَ بَعْضُهُمْ، فَعَلَى الرَّاجِحِ الْحَدُّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: بِالْقَوْلَيْنِ، وَأَمَّا مَنْ أَصَرَّ عَلَى الشَّهَادَةِ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بِالْقَوْلَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَسَوَاءٌ الرُّجُوعُ بَعْدَ حُكْمِ الْقَاضِي بِالشَّهَادَةِ وَقَبْلَهُ، وَلَوْ شَهِدَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةٍ، فَرَجَعَ بَعْضُهُمْ، إِنْ بَقِيَ أَرْبَعَةٌ فَلَا حَدَّ عَلَى الرَّاجِعِينَ، وَإِلَّا فَعَلَى الرَّاجِعِينَ الْحَدُّ. فَرْعٌ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالزِّنَا، وَلَمْ يَتِمَّ الْعَدَدُ، فَطَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: فِي وُجُوبِ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَيْهِ الْقَوْلَانِ، وَالْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِأَنْ لَا حَدَّ ; لِأَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَقْرَرْتُ بِأَنَّكَ زَنَيْتَ، وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الْقَذْفِ وَالتَّعْيِيرِ. فَرْعٌ تَقَاذَفَ شَخْصَانِ، لَا يَتَقَاصَّانِ ; لِأَنَّ التَّقَاصِّ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ اتِّفَاقِ الْجِنْسِ وَالصِّفَةِ، وَقَدْ سَبَقَ مُعْظَمُ مَسَائِلِ الْكِتَابِ فِي كِتَابِ اللِّعَانِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 4039

كِتَابُ السَّرِقَةِ هِيَ مُوجِبَةٌ لِلْقَطْعِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: فِيمَا يُوجِبُ الْقَطْعَ، وَهُوَ السَّرِقَةُ وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: أَحَدُهَا: الْمَسْرُوقُ، وَلَهُ سِتَّةُ شُرُوطٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ نِصَابًا، وَهُوَ رُبُعُ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ الْخَالِصِ، فَلَا قَطْعَ فِيمَا دُونَهُ، وَيُقْطَعُ بِرُبُعِ دِينَارٍ قُرَاضَةً بِلَا خِلَافٍ، وَلَوْ سَرَقَ دِينَارًا مَغْشُوشًا، فَإِنْ بَلَغَ خَالِصُهُ رُبُعًا، قُطِعَ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ سَرَقَ دَرَاهِمَ أَوْ غَيْرَهَا، قُوِّمَ بِالذَّهَبِ، وَحُكِيَ أَنَّ ابْنَ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ اخْتَارَ مَذْهَبَ دَاوُدَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَةِ الْقَلِيلِ، وَلَا يُعْتَبَرُ نِصَابٌ. قُلْتُ: هَذَا غَلَطٌ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ فِي اعْتِبَارِ رُبُعِ دِينَارٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالِاعْتِبَارُ بِالذَّهَبِ الْمَضْرُوبِ، فَبِهِ يَقَعُ التَّقْوِيمُ، حَتَّى لَوْ سَرَقَ شَيْئًا يُسَاوِي رُبُعَ مِثْقَالٍ مِنْ غَيْرِ الْمَضْرُوبِ، كَالسَّبِيكَةِ وَحُلِيٍّ لَا تَبْلُغُ رُبُعًا مَضْرُوبًا بِالْقِيمَةِ، فَلَا قَطْعَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالطَّبَرِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ، وَجَزَمَ بِهِ الْعَبَّادِيُّ، وَلَوْ سَرَقَ خَاتَمًا وَزْنُهُ دُونَ رُبُعٍ، وَقِيمَتُهُ بِالصَّنْعَةِ تَبْلُغُ رُبُعًا، فَلَا قَطْعَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْخِلَافُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْوَزْنِ أَوْ بِالْقِيمَةِ، وَأَمَّا التِّبْرُ الَّذِي إِذَا خَلَصَ نَقُصَ، فَلَا قَطْعَ فِي سَرِقَةِ رُبُعٍ مِنْهُ، بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَخْلُصَ مِنْهُ رُبُعٌ، وَلَا سَرَقَ فُلُوسًا ظَنَّهَا دَنَانِيرَ، قُطِعَ إِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا، وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ سَرَقَ دَنَانِيرَ ظَنَّهَا فُلُوسًا لَا تَبْلُغُ قِيمَتُهَا نِصَابًا قُطِعَ، وَلَوْ سَرَقَ ثَوْبًا خَسِيسًا وَفِي جَيْبِهِ رُبُعُ دِينَارٍ، أَوْ

стр. 4040

مَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصَابًا وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْحَالِ، وَجَبَ الْقَطْعُ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ حِرْزِهِ بِقَصْدِ السَّرِقَةِ. فَرْعٌ لَوْ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ دُفْعَتَيْنِ فَصَاعِدًا، نُظِرَ إِنْ تَخَلَّلَ اطِّلَاعُ الْمَالِكِ وَإِعَادَتُهُ الْحِرْزَ بِإِصْلَاحِ النَّقْبِ أَوْ إِغْلَاقِ الْبَابِ، فَالْإِخْرَاجُ الثَّانِي سَرِقَةٌ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ الْمُخْرَجُ فِي كُلِّ دُفْعَةٍ دُونَ النِّصَابِ، لَمْ يَجِبِ الْقَطْعُ، وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلِ الِاطِّلَاعُ وَالْإِعَادَةُ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: يَجِبُ الْقَطْعُ، وَالثَّانِي: لَا، وَالثَّالِثُ: إِنْ عَادَ وَسَرَقَ ثَانِيًا بَعْدَمَا اشْتُهِرَ خَرَابُ الْحِرْزِ، وَعَلِمَ بِهِ النَّاسُ أَوِ الْمَالِكُ، فَلَا قَطْعَ، وَإِنْ عَادَ قَبْلَهُ، قُطِعَ، وَالرَّابِعُ: إِنْ عَادَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، قُطِعَ، وَإِنْ عَادَ فِي لَيْلَةٍ أُخْرَى، فَلَا، وَالْخَامِسُ: إِنْ لَمْ يُطِلِ الْفَصْلَ بَيْنَ الْإِخْرَاجَيْنِ قُطِعَ، وَإِنْ طَالَ فَلَا، وَالسَّادِسُ: إِنْ كَانَ يُخْرِجُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَيَضَعُهُ خَارِجَ الْبَيْتِ أَوْ خَارِجَ الْبَابِ، حَتَّى تَمَّ نِصَابًا وَلَمْ يُفَارِقِ الْحِرْزَ، قُطِعَ، وَإِنْ ذَهَبَ بِالْمَسْرُوقِ أَوَّلًا إِلَى بَيْتِهِ وَنَحْوِهِ مُسْرِعًا وَعَادَ وَلَوْ مَعَ قُرْبِ الْفَصْلِ فَلَا قَطْعَ. فَرْعٌ انْثِيَالِ الْحِنْطَةِ وَنَحْوِهَا عِنْدَ فَتْحِ أَسْفَلِ وِعَائِهِ أَوْ نَحْوِهِ، هَلْ هُوَ كَإِخْرَاجِهِ بِالْيَدِ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا ; لِأَنَّهُ خَرَجَ بِسَبَبٍ لَا مُبَاشَرَةٍ، وَالسَّبَبُ ضَعِيفٌ فَلَا يُقْطَعُ بِهِ، وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ ; لِأَنَّهُ بِفِعْلِهِ هَتَكَ الْحِرْزَ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَخْرَجَ بِيَدِهِ أَوِ انْثَالَ دُفْعَةً مَا يُسَاوِي نِصَابًا قُطِعَ، وَإِنْ أَخْرَجَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى التَّوَاصُلِ، أَوِ انْثَالَ كَذَلِكَ، قُطِعَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ، وَلَوْ طَرَّ جَيْبَهُ أَوْ كُمَّهُ، فَسَقَطَتِ الدَّرَاهِمُ

стр. 4041

شَيْئًا فَشَيْئًا فَكَانْثِيَالِ الْحُبُوبِ، وَلَوْ أَخَذَ طَرَفَ مِنْدِيلٍ أَوْ جِذْعٍ وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْحِرْزِ جَرًّا قُطِعَ ; لِأَنَّهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ أَخْرَجَ نِصْفَهُ وَتَرَكَ النِّصْفَ الْآخَرَ فِي الْحِرْزِ لِخَوْفٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا قَطْعَ وَإِنْ كَانَ حِصَّةُ الْمُخْرَجِ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ ; لِأَنَّهُ مَالٌ وَاحِدٌ، وَلَمْ يَتِمَّ إِخْرَاجُهُ. فَرْعٌ لَوْ جَمَعَ مِنَ الْبَذْرِ الْمَبْثُوثِ فِي الْأَرْضِ مَا بَلَغَ نِصَابًا، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْأَرْضُ مُحْرَزَةً، فَلَا قَطْعَ، وَإِنْ كَانَتْ فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: يُقْطَعُ ; لِأَنَّ الْأَرْضَ تُعَدُّ بُقْعَةً وَاحِدَةً، وَالْبَذْرُ الْمُفَرَّقُ فِيهَا كَأَمْتِعَةٍ فِي زَوَايَا بَيْتٍ، وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانُ إِحْرَازِ الْأَرْضِ. فَرْعٌ لَوْ أَخْرَجَ اثْنَانِ مِنْ حِرْزٍ نِصَابًا أَوْ أَكْثَرَ وَلَمْ يَبْلُغْ نِصَابَيْنِ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَخْرَجَا مَا يَبْلُغُ نِصَابَيْنِ، قُطِعَا جَمِيعًا، وَإِنِ انْفَرَدَ كُلُّ وَاحِدٍ بِإِخْرَاجٍ، قُطِعَ مَنْ بَلَغَ مَا أَخْرَجَهُ نِصَابًا دُونَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ مَا أَخْرَجَهُ نِصَابًا. فَرْعٌ قَالَ الْإِمَامُ: إِذَا كَانَ الْمَسْرُوقُ عَرَضًا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ بِالِاجْتِهَادِ رُبُعَ دِينَارٍ فَقَدْ يُوجَدُ لِلْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ، وَالَّذِي أَرَى الْجَزْمَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَا لَمْ يَقْطَعِ الْمُقَوِّمُونَ بِبُلُوغِهَا نِصَابًا، وَلِلْمُقَوِّمِينَ قَطْعٌ وَاجْتِهَادٌ، وَالْقَطْعُ مِنْ جَمَاعَةٍ لَا يَزِلُّونَ مُعْتَبَرٌ، وَمِنْ جَمَاعَةٍ لَا يَبْعُدُ الزَّلَلُ مِنْهُمْ فِيهِ احْتِمَالَانِ، أَحَدُهُمَا: يَكْفِي، كَمَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ مَعَ احْتِمَالِ الْغَلَطِ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ ; لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَسْتَنِدُ إِلَى مُعَايَنَةٍ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي «جَمْعِ الْجَوَامِعِ» : لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِسَرِقَةٍ، فَقَوَّمَ أَحَدُهُمَا الْمَسْرُوقَ نِصَابًا، وَالْآخَرَ دُونَهُ، فَلَا قَطْعَ، وَأَمَّا الْمَالِكُ فَإِنْ رَضِيَ بِأَقَلِّ الْقِيمَتَيْنِ فَذَاكَ

стр. 4042

وَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الَّذِي شَهِدَ بِالْأَكْثَرِ وَيَأْخُذَهُ، وَلَوْ شَهِدَا بِأَنَّهُ نِصَابٌ، وَقَوَّمَهُ آخَرَانِ بِدُونِهِ، فَلَا قَطْعَ، وَيُؤْخَذُ فِي الْغُرْمِ بِالْأَقَلِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْأَكْثَرِ. فَرْعٌ الْقِيمَةُ تَخْتَلِفُ بِالْبِلَادِ وَالْأَزْمَانِ، فَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ قِيمَةُ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ. فَرْعٌ ادَّعَى السَّارِقُ نَقْصَ قِيمَةِ الْمَسْرُوقِ عَنِ النِّصَابِ لَمْ يُقْطَعْ، فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَنَّ قِيمَتَهُ نِصَابٌ قُطِعَ. فَرْعٌ نَقَصَتْ قِيمَةُ الْمَسْرُوقِ فِي الْحِرْزِ عَنْ نِصَابٍ، بِأَنْ أَكَلَ بَعْضَهُ، أَوْ أَحْرَقَهُ، وَأَخْرَجَ دُونَ نِصَابٍ، فَلَا قَطْعَ، وَإِنْ نَقَصَ بَعْدَ الْإِخْرَاجِ، قُطِعَ، وَلَوْ شَقَّ الثَّوْبَ فِي الْحِرْزِ، أَوْ ذَبَحَ الشَّاةَ فِي الْحِرْزِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُ النَّقْصِ، وَإِنْ كَانَ الْمُخْرَجُ نِصَابًا قُطِعَ، وَإِلَّا فَلَا. فَرْعٌ سَوَاءٌ كَانَ النِّصَابُ الْمَسْرُوقُ لِوَاحِدٍ أَوْ لِجَمَاعَةٍ، فَيَجِبُ الْقَطْعُ إِذَا اتَّحَدَ الْحِرْزُ. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِغَيْرِ السَّارِقِ، فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مَالَ نَفْسِهِ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ، كَيَدِ الْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُودَعِ وَعَامِلِ الْقَرَاضِ وَالْوَكِيلِ وَالشَّرِيكِ، فَلَوْ أَخَذَ مَعَ مَالِهِ نِصَابًا

стр. 4043

آخَرَ، لَزِمَهُ الْقَطْعُ، وَلَوْ سَرَقَ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ يَدِ الْبَائِعِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا قَطْعَ، وَإِنْ سَرَقَ مَعَهُ مَالًا آخَرَ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَدَاءِ الثَّمَنِ، قُطِعَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَى الْأَصَحِّ، كَمَنْ سَرَقَ مِنْ دَارٍ اشْتَرَاهَا، وَلَوْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ، فَسَرَقَهُ بَعْدَ الْقَبُولِ وَقَبْلَ الْقَبْضِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا قَطْعَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَوْصَى لَهُ بِشَيْءٍ فَسَرَقَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي فَإِنَّهُ يُقْطَعُ، وَإِنْ سَرَقَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي وَقَبْلَ الْقَبُولِ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْوَصِيَّةِ بِمَاذَا يَحْصُلُ؟ إِنْ قُلْنَا: بِالْمَوْتِ، لَمْ يُقْطَعْ، وَإِلَّا قُطِعَ، وَلَوْ أَوْصَى بِمَالٍ لِلْفُقَرَاءِ، فَسَرَقَهُ فَقِيرٌ بَعْدَ مَوْتِهِ لَمْ يُقْطَعْ، كَسَرِقَةِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ وَإِنْ سَرَقَهُ غَنِيٌّ، قُطِعَ. فَرْعٌ لَوْ طَرَأَ الْمِلْكُ فِي الْمَسْرُوقِ قَبْلَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ، بِأَنْ وَرِثَهُ السَّارِقُ، أَوِ اشْتَرَاهُ، أَوِ اتَّهَبَهُ وَهُوَ فِي الْحِرْزِ، فَلَا قَطْعَ، وَإِنْ طَرَأَ الْمِلْكُ بَعْدَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ، لَمْ يَسْقُطِ الْقَطْعُ، لَكِنْ لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ قَبْلَ الرَّفْعِ إِلَى الْقَاضِي لَمْ يُمْكِنِ اسْتِيفَاءُ الْقَطْعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْقَطْعِ يَتَوَقَّفُ عَلَى دَعْوَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ وَمُطَالَبَتِهِ بِالْمَالِ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَرْعٌ إِذَا ادَّعَى السَّارِقُ أَنَّ مَا أَخَذَهُ عَلَى صُورَةِ السَّرِقَةِ مِلْكَهُ، فَقَالَ: كَانَ قَدْ غَصَبَهُ مِنِّي، أَوْ مِنْ مُورِثِي، أَوْ كَانَ وَدِيعَةً لِي عِنْدَهُ، أَوْ عَارِيَةً، أَوْ كُنْتُ اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ، أَوْ وَهَبَهُ لِي وَأَذِنَ لِي فِي قَبْضِهِ، أَوْ أَذِنَ لِي فِي أَخْذِهِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الْمَالِ، بَلْ يُصَدَّقُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ بِيَمِينِهِ فِي نَفْيِ الْغَصْبِ وَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، وَبِلَا يَمِينٍ فِي قَوْلِهِ: أَذِنَ لِي فِي أَخْذِ مَالِهِ، وَيَسْقُطُ الْقَطْعُ بِدَعْوَى الْمِلْكِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَوْ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِيمَا لَوِ ادَّعَى أَنَّ الْمَسْرُوقَ

стр. 4044

مِنْهُ عَبْدُهُ، وَهُوَ مَجْهُولُ النِّسَبِ، أَوْ أَنَّ الْحِرْزَ مِلْكَهُ غَصَبَهُ مِنْهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ، وَفِيمَا إِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ بِزِنًا، فَادَّعَى أَنَّ الْمَرْأَةَ زَوْجَتُهُ، أَوْ كَانَتْ أَمَةً، فَقَالَ: بَاعَنِيهَا مَالِكُهَا، وَرَأَى الْإِمَامُ الْأَصَحَّ فِي حَدِّ الزِّنَا أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِهَذِهِ الدَّعْوَى بِنَاءً عَلَى الْمَذْهَبِ فِيمَا إِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ زَنَى بِأَمَةِ فُلَانٍ الْغَائِبِ أَنَّهُ يُحَدُّ، وَلَا يُنْتَظَرُ حُضُورُ الْغَائِبِ بِخِلَافِ مِثْلِهِ فِي السَّرِقَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا يَجْرِي فِيمَنْ قَطَعَ يَدَ إِنْسَانٍ وَادَّعَى أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي قَطْعِهَا، بَلْ يُقْتَصُّ مِنْهُ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ الْقَطْعَ حَقٌّ آدَمِيٌّ، فَهُوَ كَالْمَالِ، وَلَوْ أَقَرَّ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ أَنَّ الْمَالَ كَانَ مِلْكَ السَّارِقِ، فَلَا قَطْعَ بِلَا خِلَافٍ، وَإِذَا قُلْنَا: بِالْمَنْصُوصِ، فَسَرَقَ شَخْصَانِ، وَادَّعَيَا أَنَّ الْمَسْرُوقَ مِلْكُهُمَا، لَمْ يُقْطَعَا، وَإِنِ ادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا لِنَفْسِهِ أَوْ لَهُمَا وَأَنْكَرَهُ الْآخَرُ، وَاعْتَرَفَ بِالسَّرِقَةِ، فَلَا قَطْعَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَفِي الْمُنْكِرِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: يُقْطَعُ، وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: هَذَا مِلْكُ شَرِيكِي وَأَخَذْتُ مَعَهُ بِإِذْنِهِ، وَأَنْكَرَ الشَّرِيكُ، فَالَّذِي نَقَلَهُ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ كَالصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، لَا قَطْعَ عَلَى مَنْ يَدَّعِي مِلْكَ الشَّرِيكِ، وَفِي الْآخَرِ الْوَجْهَانِ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: يُقْطَعُ الْمُنْكِرُ، وَفِي الْمُدَّعَى الْوَجْهَانِ، وَلَوْ سَرَقَ عَبْدٌ وَادَّعَى أَنَّ الْمَسْرُوقَ مِلْكُ سَيِّدِهِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ السَّيِّدُ، فَلَا قَطْعَ، وَكَذَا إِنْ كَذَّبَهُ عَلَى الْأَصَحِّ. فَرْعٌ قَالَ الْإِمَامُ: يَجْرِي الْخِلَافُ فِي دَعْوَى الْمِلْكِ إِذَا ظَهَرَتْ صُورَةُ السَّرِقَةِ، فَإِنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ هُوَ بِمَا فِيهِ فِي يَدِ رَجُلٍ، وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ مُفَصَّلَةٌ، فَقَالَ السَّارِقُ: هُوَ مِلْكِي، فَعَلَى قَوْلِنَا بِسُقُوطِ الْقَطْعِ بِبَقَاءِ النِّزَاعِ بَيْنَهُمَا فِي الْمَالِ، فَيُصَدَّقُ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَسْقُطُ الْقَطْعُ بِالدَّعْوَى، فَإِنْ حَلَفَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ، ثَبَتَ الْقَطْعُ مَعَ الْمَالِ، وَيَجِيءُ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْقَطْعَ يَثْبُتُ بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَةِ، وَالْأَصَحُّ ثُبُوتُهُ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

стр. 4045

تَعَالَى، وَيَجْرِي أَيْضًا فِيمَا لَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ مُفَصَّلَةٌ يَثْبُتُ مُثُلُهَا فِي السَّرِقَةِ، فَقَالَ السَّارِقُ: كَانَ أَبَاحَهُ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ بَاعَهُ لِي، وَاعْتَمَدَ الشُّهُودُ ظَاهِرَ الْحَالِ، أَمَّا إِذَا قَالَ: لَمْ يَزَلْ مِلْكِي وَكَانَ غَصَبَنِيهِ، أَوْ قَالَ: مَا سَرَقْتُ أَصْلًا، فَهَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَ الشُّهُودِ وَيُكَذِّبُهُمْ، فَهَلْ يَسْقُطُ بِهِ الْحَدُّ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الدَّعْوَى الَّتِي لَا تُكَذِّبُهُمْ مُسْقَطَةٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: مَوْضِعُ الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْقَطْعَ يَسْقُطُ بِدَعْوَى السَّارِقِ الْمِلْكَ مَا إِذَا حَلَفَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ عَلَى نَفْيِ الْمِلْكِ الَّذِي يَدَّعِيهِ، أَمَّا لَوْ نَكَلَ حَلَفَ وَحَلَفَ السَّارِقُ، فَيَسْتَحِقُّ الْمَالَ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقَطْعُ بِلَا خِلَافٍ، وَلَوْ نَكَلَ السَّارِقُ أَيْضًا، فَيُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ فِيهِ الْخِلَافُ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مُحْتَرَمًا، فَلَوْ سَرَقَ خَمْرًا، أَوْ كَلْبًا، أَوْ جِلْدَ مَيْتَةٍ غَيْرَ مَدْبُوغٍ، فَلَا قَطْعَ، سَوَاءٌ سَرَقَهُ مُسْلِمٌ أَمْ ذِمِّيٌّ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَوْ كَانَ الْإِنَاءُ الَّذِي فِيهِ الْخَمْرُ يُسَاوِي نِصَابًا، قُطِعَ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَوْلٌ، فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ الْقَطْعِ، وَطَرَدَ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» فِيهِ الْوَجْهَيْنِ، وَطَرْدُهُمَا فِيمَا يُسْتَهَانُ بِهِ، كَقُشُورِ الرُّمَّانِ، وَهُوَ بَعِيدٌ، بَلِ الصَّوَابُ الْقَطْعُ بِالْوُجُوبِ، وَلَوْ سَرَقَ آلَاتِ الْمَلَاهِي، كَالطُّنْبُورِ وَالْمِزْمَارِ، أَوْ صَنَمًا، فَإِنْ كَانَ لَا يَبْلُغُ بَعْدَ الْكَسْرِ وَالتَّغْيِيرِ نِصَابًا، فَلَا قَطْعَ، وَإِنْ بَلَغَهُ، قُطِعَ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنْهُمُ الْعِرَاقِيُّونَ والرُّويَانِيُّ ; لِأَنَّهُ سَرَقَ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ، وَاخْتَارَ الْإِمَامُ وَأَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ أَنَّهُ لَا قَطْعَ مِنَ الْمَلَاهِي فَأَشْبَهَ الْخَمْرَ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْرَزٍ ; لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ مَأْمُورٌ بِإِفْسَادِ آلَاتِ الْمَلَاهِي، وَيَجُوزُ الْهُجُومُ عَلَى الدُّورِ لِكَسْرِهَا وَإِبْطَالِهَا، وَلِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِمْسَاكُهَا، فَهِيَ كَالْمَغْصُوبِ يُسْرَقُ مِنْ حِرْزِ الْغَاصِبِ، ثُمَّ الْوَجْهَانِ فِيمَا إِذَا قَصَدَ السَّرِقَةَ، أَمَّا إِذَا قَصَدَ بِإِخْرَاجِهَا أَنْ يَشْهَدَ تَغْيِيرَهَا وَإِفْسَادَهَا، فَلَا قَطْعَ بِلَا خِلَافٍ، وَلَوْ كَسَرَ مَا أَخَذَهُ فِي

стр. 4046

الْحِرْزِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ وَهُوَ يَبْلُغُ نِصَابًا، قُطِعَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوْ سَرَقَ آنِيَةَ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَفِي «الْمُهَذَّبِ» وَ «التَّهْذِيبِ» أَنَّهُ يُقْطَعُ ; لِأَنَّهَا تُتَّخَذُ لِلزِّينَةِ، وَالْوَجْهُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» أَنَّهُ يُبْنَى عَلَى اتِّخَاذِهَا، إِنْ جَوَّزْنَاهُ قُطِعَ، وَإِلَّا فَلَا، كَالْمَلَاهِي، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، لَكِنَّهُ رَأَى نَفْيَ الْقَطْعِ بَعِيدًا. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمِلْكُ تَامًّا قَوِيًّا وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: إِذَا سَرَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ حِرْزِ الْآخَرِ مَالَهُمَا الْمُشْتَرَكَ، فَهَلْ يُقْطَعُ؟ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: لَا ; لِأَنَّ لَهُ فِي كُلِّ قَدْرٍ جُزْءًا وَإِنْ قَلَّ، فَيَصِيرُ شُبْهَةً، كَوَطْءِ الْمُشْتَرَكَةِ، فَعَلَى هَذَا لَوْ سَرَقَ أَلْفَ دِينَارٍ لَهُ مِنْهُ قَدْرَ دِينَارٍ شَائِعًا، لَمْ يُقْطَعْ، وَالثَّانِي: نَعَمْ، إِذْ لَا حَقَّ لَهُ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ، فَعَلَى هَذَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، قَالَ الْأَكْثَرُونَ: إِنْ كَانَ الْمَالُ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، فَسَرَقَ نِصْفَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، فَقَدْ سَرَقَ مِنَ الشَّرِيكِ نِصَابًا، وَإِنْ كَانَ ثُلُثَاهُ لِلسَّارِقِ، فَإِذَا سَرَقَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعٍ فَقَدْ سَرَقَ مِنْهُ نِصَابًا، وَالثَّانِي: إِنَّمَا يُجْعَلُ سَارِقًا لِنِصَابٍ مِنَ الشَّرِيكِ إِذَا زَادَ الْمَأْخُوذُ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِ بِنِصَابٍ، فَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُنَاصَفَةً، فَسَرَقَ نِصْفَ الْمَالِ وَزِيَادَةَ رُبُعَ دِينَارٍ، أَوْ كَانَ ثُلُثَاهُ لِلسَّارِقِ، فَسَرَقَ ثُلُثَيْهِ وَزِيَادَةً لَا تَبْلُغُ رُبُعَ دِينَارٍ، فَلَا قَطْعَ، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ الْمُشْتَرَكُ مِمَّا يُجْبَرُ عَلَى قِسْمَتِهِ، كَالْحُبُوبِ وَسَائِرِ الْمِثْلِيَّاتِ، فَلَا قَطْعَ حَتَّى يَزِيدَ الْمَأْخُوذُ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِ بِنِصَابٍ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُجْبَرُ فِيهِ، كَالثِّيَابِ، فَإِذَا سَرَقَ نِصْفَ دِينَارٍ إِنِ اشْتَرَكَا بِالسَّوِيَّةِ أَوْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ دِينَارٍ إِنْ كَانَ الثُّلُثَانِ لِلسَّارِقِ، قُطِعَ. الثَّانِيَةُ: إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ، نُظِرَ إِنْ سَرَقَ مِمَّا أُفْرِزَ لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصِينَ وَلَيْسَ السَّارِقُ مِنْهُمْ، قُطِعَ، قَالَ الْإِمَامُ: وَكَذَا الْفَيْءُ الْمُعَدُّ لِلْمُرْتَزِقَةِ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّهُ مِلْكُهُمْ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْ غَيْرِهِ، فَأَوْجُهٌ،

стр. 4047

أَحَدُهَا وَهُوَ مُقْتَضَى إِطْلَاقِ الْعِرَاقِيِّينَ: لَا قَطْعَ، سَوَاءٌ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا، وَسَوَاءٌ سَرَقَ مِنَ الصَّدَقَاتِ، أَوْ مَالِ الْمَصَالِحِ، وَالثَّانِي: يُقْطَعُ، وَأَصَحُّهَا: التَّفْصِيلُ، فَإِنْ كَانَ السَّارِقُ صَاحِبَ حَقٍّ فِي الْمَسْرُوقِ، بِأَنْ سَرَقَ فَقِيرٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ، أَوْ مَالِ الْمَصَالِحِ، فَلَا قَطْعَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبَ حَقٍّ فِيهِ، كَالْغَنِيِّ، فَإِنْ سَرَقَ مِنَ الصَّدَقَاتِ، قُطِعَ، وَإِنْ سَرَقَ مِنَ الْمَصَالِحِ، فَلَا قَطْعَ عَلَى الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُصْرَفُ ذَلِكَ إِلَى عِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ وَالرِّبَاطَاتِ وَالْقَنَاطِيرِ فَيَنْتَفِعُ بِهَا الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، أَمَّا إِذَا سَرَقَ ذِمِّيٌّ مَالَ الْمَصَالِحِ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُقْطَعُ ; لِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى إِنْفَاقِ الْإِمَامِ عَلَيْهِمْ عِنْدَ الْحَاجَةِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُنْفَقُ لِلضَّرُورَةِ، وَبِشَرْطِ الضَّمَانِ، وَلَا يُنْظَرُ إِلَى انْتِفَاعِهِ بِالْقَنَاطِرِ وَالرِّبَاطَاتِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْتَفِعُ تَبَعًا، وَفِي وَجْهٍ: لَا قَطْعَ، وَاخْتَارَهُ الْبَغَوِيُّ وَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ إِنْفَاقُ الْإِمَامِ عَلَيْهِ بِشَرْطِ الضَّمَانِ، قَالَ: وَهَذَا فِي مَالِ الْمَصَالِحِ، أَمَّا لَوْ سَرَقَ مِنْ مَالِ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يُخَلِّفْ وَارِثًا فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ ; لِأَنَّهُ إِرْثٌ لِلْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً، وَلَوْ كُفِّنَ مُسْلِمٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَسَرَقَ نَبَّاشٌ كَفَنَهُ، قُطِعَ إِذَا لَمْ يَبْقَ لِغَيْرِ الْمَيِّتِ فِيهِ حَقٌّ، كَمَا لَوْ كَسَاهُ حَيًّا. الثَّالِثَةُ: إِذَا سَرَقَ سِتْرَ الْكَعْبَةِ وَهُوَ مُحْرَزٌ بِالْخِيَاطَةِ عَلَيْهِ، فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ الْقَطْعِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَنَقَلَ ابْنُ كَجٍّ فِيهِ قَوْلَيْنِ، وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ، وَأَلْحَقُوا بَابَ الْمَسْجِدِ وَجِذْعَهُ وَتَأْزِيرَهُ وَسَوَارِيَهُ، فَأَوْجَبُوا الْقَطْعَ بِسَرِقَتِهَا، قَالُوا: وَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مَا يُفْرَشُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ وَغَيْرِهِ، وَلَا فِي الْقَنَادِيلِ الْمُسْرَجَةِ ; لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِانْتِفَاعِ النَّاسِ، وَالْقَنَادِيلُ الَّتِي لَا تُسْرَجُ، وَلَا يُقْصَدُ مِنْهَا إِلَّا الزِّينَةُ كَالْأَبْوَابِ، هَذِهِ طَرِيقَةُ الْجُمْهُورِ، وَرَأَى الْإِمَامُ تَخْرِيجَ وَجْهٍ فِي الْأَبْوَابِ وَالسُّقُوفِ ; لِأَنَّهَا مِنْ أَجْزَاءِ الْمَسْجِدِ، وَالْمَسْجِدُ مُشْتَرَكٌ وَذَكَرَ فِي الْحُصْرِ وَالْقَنَادِيلِ

стр. 4048

وَنَحْوِهَا ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ، ثَالِثُهَا: الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يُقْصَدُ بِهِ الِاسْتِضَاءَةَ أَوِ الزِّينَةَ، وَكُلُّ هَذَا فِي الْمُسْلِمِ، أَمَّا الذِّمِّيُّ إِذَا سَرِقَ الْبَابَ أَوِ الْحَصِيرَ أَوْ غَيْرِهِمَا، فَيُقْطَعُ بِلَا خِلَافٍ، وَذَكَرَ الْفُورَانِيُّ فِي سَرِقَةِ بَكَرَةِ الْيَدِ الْمُسْبَلَةِ أَنَّهُ يُقْطَعُ، وَكَذَا حَكَاهُ الْبَغَوِيُّ قَالَ: وَالْوَجْهُ عِنْدِي أَنَّهَا كَحَصِيرِ الْمَسْجِدِ ; لِأَنَّهَا لِمَنْفَعَةِ النَّاسِ. الرَّابِعَةُ: لَوْ سَرَقَ مَالًا مَوْقُوفًا، أَوْ مُسْتَوْلَدَةً وَهِيَ نَائِمَةٌ، أَوْ مَجْنُونَةً، وَجَبَ الْقَطْعُ عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ ; لِأَنَّهُ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَكَذَا مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، وَلَوْ سَرَقَ مِنْ غَلَّةِ الْأَرْضِ الْمَوْقُوفَةِ أَوْ ثَمَرَةِ شَجَرَةٍ مَوْقُوفَةٍ، قُطِعَ بِلَا خِلَافٍ، فَلَوْ كَانَ لِلسَّارِقِ اسْتِحْقَاقٌ، أَوْ شُبْهَةُ اسْتِحْقَاقٍ، بِأَنْ وُقِفَ عَلَى جَمَاعَةٍ، فَسَرَقَهُ أَحَدُهُمْ، أَوْ سَرَقَ أَبُو بَعْضِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ، أَوِ ابْنُهُ، أَوْ وُقِفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَسَرَقَ فَقِيرٌ، فَلَا قَطْعَ بِلَا خِلَافٍ. فَرْعٌ الصَّحِيحُ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ زَنَى بِجَارِيَةِ بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبِ الْقَطْعُ بِسَرِقَةِ مَالٍ. الشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ شُبْهَةُ اسْتِحْقَاقٍ لِلسَّارِقِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: سَرَقَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ مَالَ الْمَدِينِ، نَصَّ أَنَّهُ لَا قَطْعَ، فَقِيلَ بِإِطْلَاقِهِ، وَالْأَصَحُّ: التَّفْصِيلُ، فَإِنْ أَخَذَهُ لَا بِقَصْدِ اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، أَوْ بِقَصْدِهِ وَالْمَدِينُ غَيْرُ جَاحِدٍ وَلَا مُمَاطِلٍ قُطِعَ، وَإِنْ قَصَدَهُ وَهُوَ جَاحِدٌ أَوْ مُمَاطِلٌ، فَلَا قَطْعَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُخْتَصُّ بِمَنْ أَخَذَ جِنْسَ حَقِّهِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ أَخَذَ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ حَقِّهِ، فَلَا قَطْعَ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّهُ إِذَا تَمَكَّنَ مِنَ الدُّخُولِ

стр. 4049

وَالْأَخْذِ، لَمْ يَبْقَ الْمَالُ مُحْرَزًا عَنْهُ، وَقِيلَ: إِنْ بَلَغَتِ الزِّيَادَةُ نِصَابًا وَهِيَ مُسْتَقِلَّةٌ، قُطِعَ. الثَّانِيَةُ: مَنْ يَسْتَحِقُّ النَّفَقَةَ بِالْبَعْضِيَّةِ عَلَى الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِهِ، وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ الْأَخِ وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ، وَلَوْ سَرَقَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مَالَ الْآخَرِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرَزًا عَنْهُ، فَلَا قَطْعَ، وَإِلَّا فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَظْهَرُهَا: يُقْطَعُ، وَالثَّانِي: لَا، وَالثَّالِثُ: يُقْطَعُ الزَّوْجُ دُونَ الزَّوْجَةِ، وَقِيلَ: يُقْطَعَانِ بِلَا خِلَافٍ، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَمَنْ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ شَخْصٍ، لَا يُقْطَعُ عَبْدُهُ بِسَرِقَةِ مَالِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، فَلَا يُقْطَعُ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ مَالِ أَبِي سَيِّدِهِ وَابْنِهِ، وَفِي قَطْعِ عَبْدِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بِسَرِقَتِهِ مَالَ الْآخَرِ الْخِلَافُ، وَفِي وَجْهٍ يُقْطَعُ الْعَبْدُ وَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ سَيِّدُهُ، وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ، وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ يَدَ الْعَبْدِ كَيْدِ السَّيِّدِ، وَلَوْ سَرَقَ مُكَاتَبُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ مَالَ الْآخَرَ وَقُلْنَا: لَا قَطْعَ عَلَى الْعَبْدِ فَوَجْهَانِ، كَمَا لَوْ سَرَقَ الْمُكَاتَبُ مَالَ سَيِّدِهِ، فَفِيهِ خِلَافٌ سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَعَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّا إِذَا لَمْ نَقْطَعْ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ بِسَرِقَةِ مَالِ الْآخَرِ، يَنْبَغِي أَنْ لَا يُقْطَعَ وَلَدُ أَحَدِهِمَا بِسَرِقَةِ مَالِ الْآخَرِ، وَغَلِطَ الْقَاضِي فِي ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ زَوْجَتَانِ، سَرَقَتْ إِحْدَاهُمَا مَالَ الْأُخْرَى، أَوْ سَرَقَ مَالَ زَوْجَةِ أَبِيهِ، أَوِ ابْنِهِ، فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ الْحَدِّ، وَلَا يُقْطَعُ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ مَالِ سَيِّدِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ زَنَى بِجَارِيَتِهِ، وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ فِي كُلِّ ذَلِكَ كَالْقِنِّ، وَكَذَا الْمُكَاتَبُ فِي الْأَصَحِّ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ السَّيِّدَ لَا يُقْطَعُ بِمَا فِي يَدِ مَمْلُوكِهِ وَإِنْ قَدَّرْنَا لَهُ مِلْكًا، وَلَوْ سَرَقَ مِمَّنْ بَعْضُهُ مَمْلُوكُهُ مَا مَلَكَهُ بِبَعْضِهِ الْحُرِّ، قَالَ الْقَفَّالُ: لَا يُقْطَعُ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ: يُقْطَعُ. الثَّالِثَةُ: لَوْ أَخَذَ الْمَالَ عَلَى صُورَةِ السَّرِقَةِ عَلَى ظَنِّ أَنَّ الْمَأْخُوذَ

стр. 4050

مِلْكُهُ، أَوْ مِلْكُ أَبِيهِ، أَوِ ابْنِهِ أَنَّ الْحِرْزَ مِلْكُهُ، فَلَا قَطْعَ عَلَى الْأَصَحِّ لِلشُّبْهَةِ. فَرْعٌ فِي صُوَرٍ يُتَوَهَّمُ أَنَّهَا شُبْهَةٌ، وَلَيْسَتْ مُؤَثِّرَةً، فَلَا أَثَرَ لِكَوْنِ الْمَسْرُوقِ مُبَاحَ الْأَصْلِ، كَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ وَالصَّيْدِ وَمَالِ الْمَعْدِنِ، وَلَا لِكَوْنِهِ مُعَرَّضًا لِلْفَسَادِ، كَالرُّطَبِ وَالتِّينِ وَالرَّيَاحِينِ وَالشِّوَاءِ وَالْهَرِيسَةِ وَالْجَمَدِ وَالشَّمْعِ الْمُشْتَعِلِ، وَلَوْ سَرَقَ عَيْنًا فَقُطِعَ، ثُمَّ سَرَقَهَا مِنَ الْمَالِكِ الْأَوَّلِ أَوْ غَيْرِهِ، قُطِعَ ثَانِيًا، وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَسْرُوقِ فِي يَدِ الْمَالِكِ، بَلِ السَّرِقَةُ مِنْ يَدِ الْمُودَعِ وَالْمُرْتَهِنِ وَالْوَكِيلِ وَعَامِلِ الْقِرَاضِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ، تُوجِبُ الْقَطْعَ، وَالْخَصْمُ فِيهَا الْمَالِكُ، وَإِذَا قُلْنَا: الْمَاءُ لَا يُمْلَكُ، فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَتِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: يُمْلَكُ، قُطِعَ فِي الْأَصَحِّ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ تَافِهٌ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي سَرِقَةِ التُّرَابِ ; لِأَنَّهُ لَا تُقْصَدُ سَرِقَتُهُ لِكَثْرَتِهِ، وَيَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَةِ الْمُصْحَفِ وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَكَذَا الشَّعْرِ الَّذِي يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ، وَمَا لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ لَا قَطْعَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَبْلُغَ الْجِلْدُ وَالْقِرْطَاسُ نِصَابًا، وَيَجِبَ الْقَطْعُ بِسَرِقَةِ قُرُونِ الْحَيَوَانِ. الشَّرْطُ السَّادِسُ: كَوْنُهُ مُحْرَزًا، فَلَا قَطْعَ فِي سَرِقَةِ مَا لَيْسَ بِمُحْرَزٍ، وَيَخْتَلِفُ الْحِرْزُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَمْوَالِ، وَالتَّعْوِيلُ فِي صِيَانَةِ الْمَالِ وَإِحْرَازِهِ عَلَى شَيْئَيْنِ، أَحَدُهُمَا: الْمُلَاحَظَةُ وَالْمُرَاقَبَةُ، وَالثَّانِي: حَصَانَةُ الْمَوْضِعِ وَوَثَاقَتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْضِعِ حَصَانَةٌ، كَالْمَوْضُوعِ فِي صَحْرَاءَ، أَوْ مَسْجِدٍ، أَوْ شَارِعٍ، اشْتُرِطَ مُدَاوَمَةُ اللِّحَاظِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ حَصَانَةٌ، وَانْضَمَّ إِلَيْهَا اللِّحَاظُ الْمُعْتَادُ، كَفَى، وَلَمْ تُشْتَرَطْ مُدَاوَمَتُهُ، وَيَحْكُمْ فِي ذَلِكَ الْعُرْفُ، وَتَفْضِيلُهُ بِمَسَائِلَ:

стр. 4051

إِحْدَاهَا: الْإِصْطَبْلُ حِرْزُ الدَّوَابِّ مَعَ نَفَاسَتِهَا وَكَثْرَةِ قِيمَتِهَا، وَلَيْسَ حِرْزًا لِلثِّيَابِ وَالنُّقُودِ، وَالصِّفَةُ فِي الدَّارِ وَعَرْصَتِهَا حِرْزَانِ لِلْأَوَانِي وَثِيَابِ الْبِذْلَةِ دُونَ الْحُلِيِّ وَالنُّقُودِ ; لِأَنَّ الْعَادَةَ فِيهَا الْإِحْرَازُ فِي الْمَخَازِنِ، وَكَذَا الثِّيَابُ النَّفِيسَةُ تُحْرَزُ فِي الدُّورِ، وَفِي بُيُوتِ الْحَانَاتِ وَفِي الْأَسْوَاقِ الْمَنِيعَةِ، وَالْمَتْبَنُ حِرْزٌ لِلتِّبْنِ دُونَ الْأَوَانِي وَالْفُرُشِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَا كَانَ حِرْزًا لِنَوْعٍ كَانَ حِرْزًا لِمَا دُونَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حِرْزًا لِمَا فَوْقَهُ. الثَّانِيَةُ: إِذَا نَامَ فِي صَحْرَاءَ، أَوْ مَسْجِدٍ، أَوْ شَارِعٍ عَلَى ثَوْبِهِ، أَوْ تَوَسَّدَ عَيْبَتَهُ أَوْ مَتَاعَهُ، أَوِ اتَّكَأَ عَلَيْهِ، فَسُرِقَ الثَّوْبُ مِنْ تَحْتِهِ، أَوِ الْعَيْبَةُ، أَوْ أُخِذَ الْمِنْدِيلُ مِنْ رَأْسِهِ، أَوِ الْمَدَاسُ مِنْ رِجْلِهِ، أَوِ الْخَاتَمُ مِنْ أُصْبُعِهِ، وَجَبَ الْقَطْعُ ; لِأَنَّهُ مُحْرَزٌ بِهِ، وَلَوْ زَالَ رَأْسُهُ عَمَّا تَوَسَّدَهُ، أَوِ انْقَلَبَ فِي النَّوْمِ عَنِ الثَّوْبِ وَخَلَّاهُ، فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَتِهِ، وَلَوْ رَفَعَ السَّارِقُ النَّائِمَ عَنِ الثَّوْبِ أَوَّلًا، ثُمَّ أَخَذَهُ، فَلَا قَطْعَ، وَلَوْ وَضَعَ مَتَاعَهُ أَوْ ثَوْبَهُ بِقُرْبِهِ فِي الصَّحْرَاءِ أَوِ الْمَسْجِدِ، فَإِنْ نَامَ أَوْ وَلَّاهُ ظَهَّرَهُ، أَوْ ذَهِلَ عَنْهُ بِشَاغِلٍ، لَمْ يَكُنْ مُحْرَزًا، وَإِنْ كَانَ مُتَيَقِّظًا يُلَاحِظُهُ فَتَغَفَّلَهُ السَّارِقُ، وَأَخَذَ الْمَالَ، قُطِعَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْمَوْضِعِ زَحْمَةُ الطَّارِقِينَ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا، وَتَكْفِي الْمُلَاحَظَةُ، لَكِنْ لَا بُدَّ بِسَبَبِ الزَّحْمَةِ مِنْ مَزِيدِ مُرَاقَبَةٍ وَتَحَفُّظٍ، وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَتُخْرِجُهُ الزَّحْمَةُ عَنْ كَوْنِهِ مُحْرَزًا، وَأُجْرِيَ الْوَجْهَانِ فِي الْخَبَّازِ وَالْبَزَّازِ وَغَيْرِهِمَا إِذَا كَثُرَتِ الزَّحْمَةُ عَلَى حَانُوتِهِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ وَضَعَ الْمَتَاعَ فِي شَارِعٍ، وَلَاحَظَهُ جَمْعٌ، صَارَ عَدَدُ اللَّاحِظِينَ فِي مُعَارَضَةِ عَدَدِ الطَّارِقِينَ، كَلَاحِظٍ فِي الصَّحْرَاءِ فِي مُعَارَضَةِ طَارِقٍ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُلَاحَظِ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى الْمَنْعِ لَوِ اطَّلَعَ عَلَى سَارِقٍ إِمَّا بِنَفْسِهِ، وَإِمَّا بِالِاسْتِغَاثَةِ، فَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَا يُبَالِي بِهِ السَّارِقُ،

стр. 4052

وَالْمَوْضِعُ بَعِيدٌ عَنِ الْغَوْثِ، فَلَيْسَ بِحِرْزٍ، بَلِ الشَّخْصُ شَائِعٌ مَعَ مَالِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَ كَوْنِ الصَّحْرَاءِ مَوَاتًا أَوْ غَيْرَهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ الرُّكْنَ الْأَوَّلَ فِي كَوْنِهِ مُحْرَزًا الْمُلَاحَظَةُ، فَلَا تَكْفِي حَصَانَةُ الْمَوْضِعِ عَلَى أَصْلِ الْمُلَاحَظَةِ، حَتَّى إِنَّ الدَّارَ الْمُتَفَرِّدَةَ فِي طَرَفِ الْبَلَدِ لَا تَكُونُ حِرْزًا وَإِنْ تَنَاهَتْ فِي الْحَصَانَةِ، وَكَذَا الْقَلْعَةُ الْمُحْكَمَةُ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَوْضِعُ عَلَى أَصْلِ الْمُلَاحَظَةِ، حَتَّى إِنَّ الدَّارَ الْمُنْفَرِدَةَ فِي طَرَفِ الْبَلَدِ لَا تَكُونُ خَطَرًا، لَكِنْ لَا يُحْتَاجُ مَعَ الْحَصَانَةِ إِلَى دَوَامِ الْمُلَاحَظَةِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا فِي الصَّحْرَاءِ. فَرْعٌ لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِ إِنْسَانٍ أَوْ كُمِّهِ، وَأَخَذَ الْمَالَ، أَوْ طَرَّ جَيْبَهُ، أَوْ كُمَّهُ، وَأَخَذَ الْمَالَ، قُطِعَ ; لِأَنَّهُ مُحْرَزٌ بِهِ، وَسَوَاءٌ رَبَطَهُ مِنْ دَاخِلِ الْكُمِّ، أَمْ مِنْ خَارِجِهِ أَمْ لَمْ يَرْبُطْهُ؟ وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ رَأْسِ مِنْدِيلٍ عَلَى رَأْسٍ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ كَانَ قَدْ شَدَّهُ عَلَيْهِ، قُطِعَ، وَإِلَّا فَلَا. الثَّالِثَةُ: الدَّارُ إِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنِ الْعِمَارَاتِ، بِأَنْ كَانَتْ فِي بَادِيَةٍ، أَوْ فِي الطُّرُقِ الْخَرَابِ مِنَ الْبَلَدِ، أَوْ فِي بُسْتَانٍ، فَلَيْسَتْ بِحِرْزٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ، سَوَاءٌ كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا أَوْ مُغْلَقًا، فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا، أَوْ حَافِظٌ آخَرَ، نُظِرَ إِنْ كَانَ نَائِمًا وَالْبَابُ مَفْتُوحٌ، فَلَيْسَتْ حِرْزًا، وَإِنْ كَانَ مُغْلَقًا فَوَجْهَانِ، الَّذِي أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَمَنْ تَابَعَهُ: أَنَّهُ مُحْرَزٌ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ إِطْلَاقُ الْإِمَامِ وَالْبَغَوِيِّ خِلَافُهُ. قُلْتُ: الَّذِي قَالَهُ أَبُو حَامِدٍ أَقْوَى، وَجَزَمَ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» بِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْرَزٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 4053

وَإِنْ كَانَ مَنْ فِيهَا مُتَيَقِّظًا، فَالْأَمْتِعَةُ فِيهَا مُحْرَزَةٌ، سَوَاءٌ كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا أَوْ مُغْلَقًا، لَكِنْ لَوْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُبَالَى بِهِ وَهُوَ بَعِيدٌ عَنِ الْغَوْثِ، فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَلْحُوظِ بِعَيْنِ الضَّعِيفِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَإِنْ كَانَتِ الدَّارُ مُتَّصِلَةً بِدُورِ أَهْلِهِ، نُظِرَ إِنْ كَانَ الْبَابُ مُغْلَقًا وَفِيهَا صَاحِبُهَا، أَوْ حَافِظٌ آخَرُ، فَهِيَ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا لَيْلًا وَنَهَارًا مُتَيَقِّظًا كَانَ الْحَافِظُ أَوْ نَائِمًا، وَإِنْ كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا، فَإِنْ كَانَ مَنْ فِيهَا نَائِمًا لَمْ يَكُنْ حِرْزًا لَيْلًا قَطْعًا، وَلَا نَهَارًا فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: حِرْزٌ نَهَارًا فِي زَمَنِ الْأَمْنِ مِنَ النَّهْبِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْ فِيهَا مُتَيَقِّظًا لَكِنَّهُ لَا يُتِمُّ الْمُلَاحَظَةَ بَلْ يَتَرَدَّدُ فِي الدَّارِ، فَتَغَفَّلُهُ إِنْسَانٌ فَسَرَقَ، لَمْ يُقْطَعْ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ لِلتَّقْصِيرِ بِإِهْمَالِ الْمُرَاقَبَةِ مَعَ فَتْحِ الْبَابِ، وَلَوْ كَانَ يُبَالِغُ فِي الْمُلَاحَظَةِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ الْإِحْرَازُ بِمِثْلِهِ فِي الصَّحْرَاءِ، فَانْتَهَزَ السَّارِقُ فُرْصَةً، قُطِعَ بِلَا خِلَافٍ. وَلَوْ فَتَحَ صَاحِبُ الدَّارِ بَابَهَا، وَأَذِنَ لِلنَّاسِ فِي الدُّخُولِ كَشِرَاءِ مَتَاعِهِ، كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ يَخْبِزُ فِي دَارِهِ فَوَجْهَانِ ; لِأَنَّ الزَّحْمَةَ تَشْغَلُ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ، فَالْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْبَابُ مُغْلَقًا، فَهُوَ حِزْرٌ بِالنَّهَارِ فِي وَقْتِ الْأَمْنِ، وَلَيْسَ حِرْزًا فِي وَقْتِ الْخَوْفِ وَلَا فِي اللَّيْلِ، وَإِنْ كَانَ مَفْتُوحًا، لَمْ يَكُنْ حِرْزًا أَصْلًا، وَمَنْ جَعَلَ الدَّارَ الْمُنْفَصِلَةَ عَنِ الْعِمَارَاتِ حِرْزًا عِنْدَ إِغْلَاقِ الْبَابِ فَأَوْلَى أَنْ يَجْعَلَ الْمُتَّصِلَةَ بِهَا عِنْدَ الْإِغْلَاقِ حِرْزًا، وَإِذَا ادَّعَى السَّارِقُ أَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ: نَامَ، أَوْ ضَيَّعَ مَا فِيهَا وَأَعْرَضَ عَنِ اللِّحَاظِ، فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: يَسْقُطُ الْقَطْعُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ، كَمَا فِي دَعْوَى الْمِلْكِ، وَيَجِيءُ فِيهِ الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ هُنَاكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ فِي كُلِّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ فِي الْإِحْرَازِ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلُ، قَالَ الْأَصْحَابُ: النَّقْدُ وَالْجَوْهَرُ وَالثِّيَابُ لَا تَكُونُ مُحْرَزَةً إِلَّا بِإِغْلَاقِ الْبَابِ عَلَيْهَا، وَأَمْتِعَةُ الْعَطَّارِينَ وَالْبَقَّالِينَ وَالصَّيَادِلَةِ إِذَا تَرَكَهَا عَلَى بَابِ الْحَانُوتِ وَنَامَ فِيهِ، أَوْ غَابَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ ضَمَّ بَعْضُهَا إِلَى

стр. 4054

بَعْضٍ وَرَبَطَهَا بِحَبْلٍ، أَوْ عَلَّقَ عَلَيْهَا شَبَكَةً، أَوْ وَضَعَ لَوْحَيْنِ عَلَى بَابِ الْحَانُوتِ مُخَالِفَيْنِ، كَفَى ذَلِكَ إِحْرَازًا فِي النَّهَارِ ; لِأَنَّ الْجِيرَانَ وَالْمَارَّةَ يَنْظُرُونَهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مُفَرَّقَةً وَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، لَمْ تَكُنْ مُحْرَزَةً، وَأَمَّا بِاللَّيْلِ، فَلَا تَكُونُ مُحْرَزَةً إِلَّا بِحَارِسٍ. قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَالْبَقْلُ وَالْفُجْلُ قَدْ يُضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ، وَيُطْرَحُ عَلَيْهِ حَصِيرٌ، وَيُتْرَكُ عَلَى بَابِ الْحَانُوتِ وَهُنَاكَ حَارِسٌ يَنَامُ سَاعَةً وَيَدُورُ سَاعَةً، فَيَكُونُ مُحْرَزًا، وَقَدْ يُزَيِّنُ الْعَامِّيُّ حَانُوتَهُ أَيَّامَ الْعِيدِ بِالْأَمْتِعَةِ النَّفِيسَةِ، وَيُشَقُّ عَلَيْهِ رَفْعُهَا لَيْلًا، فَيَتْرُكُهَا، وَيَلْقِي عَلَيْهَا نَطْعًا، وَيُنَصِّبُ حَارِسًا، فَتَكُونُ مُحْرَزَةً بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَيَّامِ ; لِأَنَّ أَهْلَ السُّوقِ يَعْتَادُونَ ذَلِكَ، فَيَقْوَى بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَالثِّيَابُ عَلَى بَابِ حَانُوتِ الْقَصَّارِ وَالصَّبَّاغِ، كَأَمْتِعَةِ الْعَطَّارِينَ، هَذَا فِيمَا يُنْقَلُ فِي الْعَادَةِ إِلَى دَاخِلِ بِنَاءٍ وَيُغْلَقُ عَلَيْهِ بَابٌ، فَأَمَّا الْأَمْتِعَةُ الثَّقِيلَةُ الَّتِي يُشَقُّ نَقْلُهَا، كَالْحَطَبِ، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ بِأَنْ يُشَدَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ الْخَزَفُ وَالْقُدُورُ تُحْرَزُ بِالشَّرَائِحِ الَّتِي تَنْصَبُّ عَلَى وَجْهِ الْحَانُوتِ، وَإِنْ تُرِكَتْ مُتَفَرِّقَةً لَمْ تَكُنْ مُحْرَزَةً، وَفِي وَجْهٍ لَا يَكْفِي الشَّدُّ، بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا بَابٌ مُغْلَقٌ، أَوْ يَكُونُ عَلَى سَطْحٍ مَحُوطٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ حَيْثُ جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ، وَكَذَا الطَّعَامُ فِي الْغَرَائِرِ فِي مَوْضِعِ الْبَيْعِ مُحْرَزًا إِذَا شُدَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ إِلَّا بِحَلِّ الرِّبَاطِ، أَوْ فَتْقِ بَعْضِ الْغَرَائِرِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀، وَالْحَطَبُ وَالْقَصِيلُ عَلَى السَّطْحِ الْمَحُوطِ مُحْرَزَانِ، وَالْأَجْذَاعُ الثِّقَالُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاكِينِ مُحْرَزَةٌ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ: مَتَاعُ الْبَقَّالِ فِي الْحَانُوتِ فِي اللَّيْلِ مُحْرَزٌ فِي وَقْتِ الْأَمْنِ إِذَا كَانَ الْبَابُ مُغْلَقًا، وَفِي غَيْرِ وَقْتِ الْأَمْنِ لَا بُدَّ مِنْ حَارِسٍ، وَمَتَاعُ الْبَيَّاعِ وَالْبَزَّارِ، لَا يَكُونُ مُحْرَزًا إِلَّا بِالْحَارِسِ، وَإِنَّ الْكَدْسَ فِي الصَّحْرَاءِ وَالْبَذْرَ الْمُسْتَتِرَ بِالتُّرَابِ، وَالزَّرْعَ وَالْقُطْنَ،

стр. 4055

قَصِيلًا كَانَا أَوِ اشْتَدَّ الْحَرَبُ وَخَرَجَ الْجَوْزَقُ لَيْسَتْ مُحْرَزَةً إِلَّا بِحَارِسٍ. وَفِي «جَمْعِ الْجَوَامِعِ» لِلرُّويَانِيِّ أَنَّ الزَّرْعَ فِي الْمَزَارِعِ مُحْرَزٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَارِسٌ، وَفِي تَعْلِيقَةِ الشَّيْخِ إِبْرَاهِيمَ الْمَرُّوذِيِّ أَنَّ الزَّرْعَ إِذَا كَانَ قَصِيلًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى حَارِسٍ ; لِأَنَّهُ يُحْفَظُ مِثْلُهُ فِي الْعَادَةِ، وَهَذَا يَجْرِي فِي الْبَذْرِ الْمُسْتَتِرِ، وَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ فِي مَحُوطٍ فَهِيَ كَالثِّمَارِ فِي الْبَسَاتِينِ، وَالثِّمَارُ عَلَى الْأَشْجَارِ إِنْ كَانَتْ فِي بَرِّيَّةٍ لَا تَكُونُ مُحْرَزَةً إِلَّا بِحَارِسٍ، وَفِي الْكَرْمِ وَالْبَسَاتِينِ الْمَحُوطَةِ كَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ بَعِيدَةً عَنِ الطُّرُقِ وَالْمَسَاكِنِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِهَا، وَالْجِيرَانُ يُرَاقِبُونَهَا فِي الْعَادَةِ، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ، وَإِلَّا فَيُحْتَاجُ إِلَى حَارِسٍ، وَالْأَشْجَارُ فِي أَفَنِيَةِ الدُّورِ مُحْرَزَةٌ، وَفِي الْبَرِّيَّةِ تَحْتَاجُ إِلَى حَارِسٍ، وَالْحِنْطَةُ فِي مَطَامِيرِ الْمَفَازَةِ، وَالتِّبْنُ فِي الْمَتْبَنِ، وَالثَّلْجُ فِي الْمَثْلَجَةِ، وَالْجَمَدُ فِي الْمَجْمَدَةِ فِي الصَّحْرَاءِ غَيْرُ مُحْرَزَةٍ إِلَّا بِحَارِسٍ، وَبَابُ الدَّارِ وَالْحَانُوتِ وَالْمِغْلَاقُ وَالْحَلْقَةُ عَلَى الْبَابِ مُحْرَزَةٌ بِالتَّرْكِيبِ وَالتَّسْمِيرِ، وَكَذَا الْآجُرُّ إِذَا سُرِقَ مِنْ صَحْنِ الدَّارِ، أَوِ اسْتَخْرَجَهُ مِنَ الْجِدَارِ دَاخِلًا أَوْ خَارِجًا، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَجَبَ الْقَطْعُ، وَالشَّرْطُ فِي كَوْنِهَا مُحْرَزَةً أَنْ تَكُونَ الدَّارُ بِحَيْثُ تُحْرَزُ مَا فِيهَا، وَلَوْ كَانَ بَابُ الدَّارِ مَفْتُوحًا، فَدَخَلَ دَاخِلٌ، وَقَلَعَ بَابَ بَيْتٍ وَأَخْرَجَهُ، فَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ لَا قَطْعَ، كَمَا لَوْ أَخَذَ مَتَاعًا مِنْهَا، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يُقْطَعُ، وَالْبَابُ مُحْرَزٌ بِالتَّرْكِيبِ كَبَابِ الدَّارِ، وَالْقُفْلِ عَلَى الْبَابِ مُحْرَزٌ كَالْبَابِ وَالْحَلْقَةِ، وَقَالَ ابْنُ سَلَمَةَ: لَيْسَ بِمُحْرَزٍ ; لِأَنَّهُ لِلْإِحْرَازِ بِهِ لَا لِإِحْرَازِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.

стр. 4056

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْخِيَامُ بِرَبْطِهَا وَتَنْضِيدِ الْأَمْتِعَةِ فِيهَا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ دَوَامِ اللِّحَاظِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْأَمْتِعَةِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الصَّحْرَاءِ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ كَالدُّورِ فِي الْحَصَانَةِ ; لِأَنَّهَا فِي نَفْسِهَا قَابِلَةٌ لِلسَّرِقَةِ، فَإِذَا ضَرَبَ فِي صَحْرَاءَ خَيْمَةً، وَآوى إِلَيْهَا مَتَاعًا، فَسُرِقَ مِنْهَا، أَوْ سُرِقَتْ هِيَ، نُظِرَ إِنْ لَمْ يَشُدَّ أَطْنَابَهَا، وَلَمْ يُرْسِلْ أَذْيَالَهَا، فَهِيَ وَمَا فِيهَا كَالْمَتَاعِ الْمَوْضُوعِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَإِنْ شَدَّهَا بِالْأَوْتَادِ وَأَرْسَلَ أَذْيَالَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا فِيهَا، فَلَا قَطْعَ، وَقِيلَ: الْخَيْمَةُ مُحْرَزَةٌ دُونَ مَا فِيهَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا فِي نَفْسِهَا مُسْتَيْقِظًا، أَوْ نَائِمًا، أَوْ نَامَ بِقُرْبِهَا، وَجَبَ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهَا أَوْ سَرِقَةِ مَا فِيهَا لِحُصُولِ الْإِحْرَازِ فِي الْعَادَةِ، قَالَ الْأَئِمَّةُ: وَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ مَنْ يَتَقَوَّى بِهِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي مَفَازَةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْغَوْثِ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُبَالَى بِهِ، فَلَيْسَ بِحِرْزٍ، وَلَوْ ضَرَبَ خَيْمَةً بَيْنَ الْعِمَارَةِ، فَهُوَ كَالْمَتَاعِ الْمَوْضُوعِ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي السُّوقِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ إِسْبَالُ بَابِ الْخَيْمَةِ إِذَا كَانَ مَنْ فِيهَا نَائِمًا؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا، وَلَوْ شَدَّهَا بِالْأَوْتَادِ وَلَمْ يُرْسِلْ أَذْيَالَهَا وَكَانَ يُمْكِنُ دُخُولُهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ وَمَا فِيهَا لَيْسَ بِمُحْرَزٍ، هَكَذَا ذَكَرُوهُ، وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْأَمْتِعَةَ وَالْأَحْمَالَ إِذَا شُدَّ بَعْضُهَا بِبَعْضِ تَكُونُ مُحْرَزَةً بَعْضَ الْإِحْرَازِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خَيْمَةً، وَلَوْ أَنَّ السَّارِقَ يَجِيءُ النَّائِمَ فِي الْخَيْمَةِ، ثُمَّ سَرَقَ، فَلَا قَطْعَ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ حِرْزًا حِينَ سَرَقَ. الْخَامِسَةُ: الْمَوَاشِي فِي الْأَبْنِيَةِ الْمُغْلَقَةِ الْأَبْوَابِ مُحْرَزَةٌ إِنِ اتَّصَلَتْ بِالْعِمَارَةِ، سَوَاءٌ كَانَ صَاحِبُهَا فِيهَا أَمْ لَمْ يَكُنْ، لِلْعَادَةِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي بَرِّيَّةٍ، لَمْ تَكُنْ مُحْرَزَةً إِلَّا إِذَا كَانَ صَاحِبُهَا فِيهَا مُسْتَيقِظًا أَوْ نَائِمًا، فَإِنْ كَانَ الْبَابُ مَفْتُوحًا، اشْتُرِطَ كَوْنُهُ مُسْتَيْقِظًا، وَيَكْفِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَاحُ مِنْ حَطَبٍ أَوْ حَشِيشٍ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْأَبْنِيَةِ فَلَهَا أَحْوَالٌ. أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْإِبِلُ تَرْعَى فِي صَحْرَاءَ، فَهِيَ مُحْرَزَةٌ إِذَا كَانَ

стр. 4057

مَعَهَا حَافِظٌ يَرَاهَا جَمِيعًا، وَيَبْلُغُهَا صَوْتُهُ، فَإِنْ لَمْ يَرَ بَعْضَهَا، لِكَوْنِهِ فِي وَهْدَةٍ أَوْ خَلْفَ جَبَلٍ أَوْ حَائِطٍ، فَذَلِكَ الْبَعْضُ غَيْرُ مُحْرَزٍ، وَلَوْ نَامَ، أَوْ تَشَاغَلَ لَمْ تَكُنْ مُحْرَزَةً، وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ صَوْتُهُ بَعْضَهَا فَفِي «الْمُهَذَّبِ» وَغَيْرِهِ أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ غَيْرُ مُحْرَزٍ، وَسَكَتَ آخَرُونَ عَنِ اعْتِبَارِ بُلُوغِ الصَّوْتِ اكْتِفَاءً بِالنَّظَرِ ; لِأَنَّهُ إِذَا قَصَدَ مَا يَرَاهُ أَمْكَنَهُ الْعَدْوُ إِلَيْهِ، وَحُكْمُ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَهِيَ تَرْعَى حُكْمُ الْإِبِلِ، وَكَذَا الْغَنَمِ إِذَا كَانَ الرَّاعِي عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ يَرَاهَا جَمِيعًا فَهِيَ مُحْرَزَةٌ إِذَا بَلَغَهَا صَوْتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً. الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ سَائِرَةً، أَمَّا الْإِبِلُ فَإِنْ كَانَتْ مَقْطُورَةً يَسُوقُهَا سَائِقٌ، فَمُحْرَزَةٌ إِنْ انْتَهَى نَظَرُهُ إِلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ يَقُودُهَا اشْتُرِطَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا كُلَّ سَاعَةٍ، وَيَنْتَهِيَ نَظَرُهُ إِلَيْهَا إِذَا الْتَفَتَ، فَإِنْ كَانَ لَا يَرَى الْبَعْضَ لِحَائِلِ جَبَلٍ أَوْ بِنَاءٍ، فَذَلِكَ الْبَعْضُ غَيْرُ مُحْرَزٍ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ انْتِهَاءُ النَّظَرِ إِلَى آخِرِهَا، وَلِيَجِيءَ هَذَا فِي سُوقِهَا، وَلَوْ رَكِبَ الْحَافِظُ أَوَّلَهَا فَهُوَ كَقَائِدِهَا، وَلَوْ رَكِبَ غَيْرَ الْأَوَّلِ، فَهُوَ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ كَسَائِقٍ، وَلِمَا خَلْفَهُ كَقَائِدٍ، وَحَيْثُ يُشْتَرَطُ انْتِهَاءُ نَظَرِهِ إِلَيْهَا فَفِي اشْتِرَاطِ بُلُوغِ الصَّوْتِ مَا سَبَقَ، وَقَدْ يُسْتَغْنَى بِنَظَرِ الْمَارَّةِ عَنْ نَظَرِهِ إِذَا كَانَ يُسَيِّرُهَا فِي سُوقٍ مَثَلًا، أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ مَقْطُورَةً، بِأَنْ كَانَتْ تُسَاقُ أَوْ تُقَادُ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّهَا غَيْرُ مُحْرَزَةٍ ; لِأَنَّهَا لَا تَسِيرُ هَكَذَا غَالِبًا، وَبِهَذَا قَطَعَ الْبَغَوِيُّ وَقَالَ صَاحِبُ الْإِفْصَاحِ: الْمَقْطُورَةُ وَهَذِهِ سَوَاءٌ، وَبِهَذَا أَخَذَ الرُّويَانِيُّ، الْمُعْتَبَرُ أَنْ تَقْرُبَ مِنْهُ، وَيَقَعَ نَظَرُهُ عَلَيْهَا، وَلَا تُعْتَبَرُ صُورَةُ الْقُطُرِ، فَإِنِ اعْتَبَرْنَاهُ، فَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَزِيدَ الْقِطَارُ الْوَاحِدُ عَلَى تِسْعَةٍ لِلْعَادَةِ الْغَالِبَةِ، فَإِنْ زَادَ فَهِيَ كَغَيْرِ الْمَقْطُورَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ ذِكْرَ الْقُطُرِ وَلَمْ يُقَيَّدْ بِعَدَدٍ، وَالْأَصَحُّ تَوَسُّطٌ ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ فَقَالَ: فِي الصَّحْرَاءِ لَا يُتَقَيَّدُ بِعَدَدٍ، وَفِي الْعُمْرَانِ يُعْتَبَرُ مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنْ

стр. 4058

يَجْعَلُ قِطَارًا، وَهُوَ مَا بَيْنَ سَبْعَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ، فَإِنْ زَادَ، لَمْ تَكُنِ الزِّيَادَةُ مُحْرَزَةً، وَالْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ وَالْغَنَمُ السَّائِرَةُ، كَالْإِبِلِ السَّائِرَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَقْطُورَةً، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا الْقَطْرَ فِيهَا، لَكِنَّهُ مُعْتَادٌ فِي الْبِغَالِ، وَيَخْتَلِفُ عَدَدُ الْغَنَمِ الْمُحْرَزَةِ بِالْوَاحِدِ بِالْبَلَدِ وَالصَّحْرَاءِ. الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْإِبِلُ مُنَاخَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا أَحَدٌ، فَلَيْسَتْ مُحْرَزَةً، وَإِنْ كَانَ مَعَهَا صَاحِبُهَا، فَإِنْ كَانَتْ مَعْقُولَةً، لَمْ يَضُرَّ نَوْمُهُ وَلَا اشْتِغَالُهُ عَنْهَا؛ لِأَنَّ فِي حَلِّ الْمَعْقُولَةِ مَا يُوقِظُ النَّائِمَ وَالْمُشْتَغِلَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً اشْتُرِطَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا وَيُلَاحِظَهَا. فَرْعٌ الطَّعَامُ عَلَى دَابَّةٍ مُحْرَزَةٍ مُحْرَزٌ، فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ سَوَاءً مِنَ الْوِعَاءِ، أَوْ مَعَ الْوِعَاءِ، أَوْ مَعَ الدَّابَّةِ، وَلَوْ سَاقَ بَقَرَةً وَتَبِعَهَا عِجْلُهَا، فَإِنَّمَا يَكُونُ الْعِجَلُ مُحْرَزًا إِذَا قَرُبَ مِنْهُ بِحَيْثُ يَرَاهُ إِذَا الْتَفَتَ، وَأَنْ يَلْتَفِتَ كُلَّ سَاعَةٍ كَمَا سَبَقَ فِي قَائِدِ الْقِطَارِ، وَعَنِ الْمَسْعُودِيِّ أَنَّ الْغَنَمَ الْمُرْسَلَةَ فِي سِكَّةٍ تُشْرَعُ إِلَيْهَا أَبْوَابُ الدَّوْرِ لَا تَكُونُ مُحْرَزَةً حَتَّى تَأْوِيَ إِلَى مَوْضِعٍ، وَلْيَكُنْ هَذَا فِيمَا إِذَا كَثُرَتْ، وَتَعَذَّرَتِ الْمُلَاحَظَةُ، وَمَنْ دَخَلَ مَرَاحًا، وَحَلَبَ الْغَنَمَ، أَوْ جَزَّ صُوفَهَا وَأَخْرَجَ مِنْهُ نِصَابًا، قَطْعٌ. السَّادِسَةُ: إِذَا نَبَشَ قَبْرًا وَسَرَقَ مِنْهُ الْكَفَنَ، فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ الْقَطْعِ فِي الْجُمْلَةِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى ابْنُ خَيْرَانَ وَابْنُ الْوَكِيلِ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ لَا قَطْعَ فِيهِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْبِلَى لَا لِلْإِحْرَازِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْمَذْهَبِ صُوَرٌ. إِحْدَاهَا: إِنْ كَانَ الْقَبْرُ فِي بَيْتٍ مُحْرَزٍ، قُطِعَ بِسَرِقَةِ الْكَفَنِ مِنْهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَتِ الْمَقْبَرَةُ مَحْفُوفَةً بِالْعِمَارَةِ يَنْدُرُ تَخَلُّفُ الطَّارِقِينَ عَنْهَا فِي زَمَنٍ يَتَأَتَّى فِيهِ النَّبْشُ، أَوْ كَانَ عَلَيْهَا حُرَّاسٌ مُرَتَّبُونَ، وَلَوْ كَانَ الْقَبْرُ

стр. 4059

فِي مَفَازَةٍ وَبُقْعَةٍ ضَائِعَةٍ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَيْسَ بِحِرْزٍ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» وَالْغَزَالِيُّ وَعَزَاهُ إِلَى جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ السَّارِقَ يَأْخُذُ مِنْ غَيْرِ خَطَرٍ، وَالثَّانِي وَاخْتَارَهُ الْقَفَّالُ وَالْقَاضِي، وَرَجَّحَهُ الْعَبَّادِيُّ: الْقَبْرُ حِرْزٌ لِلْكَفَنِ حَيْثُ كَانَ؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ تَهَابُ الْمَوْتَى، وَلَوْ كَانَ الْقَبْرُ فِي بَيْتٍ مُحْرَزٍ فَسَرَقَ الْكَفَنَ حَافِظُ الْبَيْتِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا قَطَعَ، وَعَلَى الثَّانِي: يَجِبُ، وَلَوْ كَانَ الْقَبْرُ فِي مَقَابِرِ الْبِلَادِ الْوَاقِعَةِ عَلَى طَرَفِ الْعِمَارَةِ، فَإِنْ كَانَ لَهَا حَارِسٌ، وَجَبَ الْقَطْعُ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: يَجِبُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ حِرْزٌ فِي الْعَادَةِ. الثَّانِيَةُ: لَوْ وُضِعَ فِي الْقَبْرِ شَيْءٌ سِوَى الْكَفَنِ، قَالَ الْإِمَامُ: إِنْ كَانَ الْقَبْرُ فِي بَيْتٍ، تَعَلَّقَ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَقَابِرِ فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: لَا قَطْعَ لِلْعَادَةِ، بِخِلَافِ الْكَفَنِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَطَعَ فِيهِ النَّبَّاشَ، وَجَعَلَهُ مُحْرَزًا لِضَرُورَةِ التَّكْفِينِ وَالدَّفْنِ، وَخَصَّ الْإِمَامُ الْوَجْهَ الْآخَرَ بِمَا إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْكَفَنِ، كَثَوْبٍ وُضِعَ فِيهِ، وَكَمَا لَوْ كُفِّنَ فِي زِيَادَةٍ عَلَى خَمْسَةِ أَثْوَابٍ، فَفِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْخَمْسَةِ الَّتِي تَلِي الْمَيِّتَ الْوَجْهَانِ، وَلَيْسَ الْوَجْهُ مُخْتَصًّا فَقَدْ حَكَاهُ الرَّويَانِيُّ فِيمَا لَوْ وُضِعَ فِي الْقَبْرِ مِضْرَبَةٌ، أَوْ وِسَادَةٌ لِلْمَيِّتِ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ أَجْرَاهُ فِيمَا لَوْ وُضِعَ مَعَهُ دَرَاهِمُ أَوْ دَنَانِيرُ، بَلْ فِي «الرَّقْمِ» لِلْعَبَّادِيِّ أَنَّ الْقَفَّالَ أَوْجَبَ الْقَطْعَ فِيمَا لَوْ دُفِنَ مَعَهُ مَالٌ فِي بَرِّيَّةٍ، وَالتَّابُوتُ الَّذِي يُدْفَنُ فِيهِ كَالْأَكْفَانِ الزَّائِدَةِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى مَا اسْتُحِبَّ تَطْيِيبُ الْمَيِّتِ بِهِ، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَعَنِ الْمَاسَرْجِسِيُّ أَنَّهُ يُقْطَعُ بِالْقَدْرِ الْمُتَسَحَّبِ كَالْكَفَنِ. الثَّالِثَةُ: إِذَا كُفِّنَ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَلِمَنِ الْكَفَنُ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: لِلْوَرَثَةِ، لَكِنْ يُقَدَّمُ الْمَيِّتُ فِيهِ كَقَضَاءِ دَيْنِهِ وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ لِلْوَرَثَةِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ سَرَقَهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ، أَوْ وَلَدُ بَعْضِهِمْ، فَلَا قَطْعَ،

стр. 4060

وَالثَّانِي: يَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ ابْتِدَاءً، كَمَا يَبْقَى الدَّيْنُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً، وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ لِلَّهِ ، فَإِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِيهِ لِلْوَارِثِ، فَهُوَ الْخَصْمُ فِي السَّرِقَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلْمَيِّتِ، فَهَلِ الْخَصْمُ الْوَارِثُ أَمِ الْحَاكِمُ؟ وَجْهَانِ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلَّهِ ، فَالْخَصْمُ الْحَاكِمُ، هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنْ كَانَ مَنْ يَقُولُ: الْمِلْكُ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِلْمَيِّتِ، يَقُولُ: يَتَعَيَّنُ رَدُّهُ بَعْدَ مَا أَخَذَهُ النَّبَّاشُ إِلَى الْمَيِّتِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْوَارِثِ إِبْدَالُهُ، فَالتَّفْرِيعُ وَالْخِلَافُ فِي أَنَّ الْخَصْمَ مَنْ هُوَ صَحِيحٌ، لَكِنَّ هَذَا قَوْلٌ عَرِيَ عَنِ التَّحْصِيلِ، وَالْوَجْهُ عِنْدِي أَنَّ لِلْوَارِثِ إِبْدَالَهُ بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ الْخَصْمُ لَا غَيْرَ، وَلَوْ أَكَلَ الْمَيِّتَ سَبْعٌ، أَوْ ذَهَبَ بِهِ سَيْلٌ، وَبَقِيَ الْكَفَنُ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مِلْكُ الْوَرَثَةِ، اقْتَسَمُوهُ، وَإِنْ قُلْنَا: مِلْكُ الْمَيِّتِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُجْعَلُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلَّهِ تَعَالَى، جُعِلَ فِي بَيْتِ الْمَالِ قَطْعًا، هَذَا كُلُّهُ إِذَا كُفِّنَ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ كَفَّنَهُ أَجْنَبِيٌّ، أَوْ كُفِّنَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَلِمَنِ الْمِلْكُ فِيهِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: عَلَى الْأَوْجُهِ، وَالثَّانِي: لِلْأَجْنَبِيِّ، أَوْ عَلَى حُكْمِ بَيْتِ الْمَالِ، وَيَكُونُ كَالْعَارِيَةِ. قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْقَوْلُ فِي أَنَّ الْخَصْمَ فِي السَّرِقَةِ مَنْ هُوَ؟ وَفِي أَنَّهُ لَوْ أَكَلَهُ سَبْعٌ إِلَى مَنْ يُرَدُّ الْكَفَنُ؟ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمِلْكِ. فَرْعٌ كَفَّنَ سَيِّدٌ عَبْدَهُ، فَهَلِ الْكَفَنُ مِلْكُ السَّيِّدِ أَمْ لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ؟ وَجْهَانِ،

стр. 4061

أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ، وَلَوْ سُرِقَ الْكَفَنُ وَضَاعَ، كُفِّنَ ثَانِيًا مِنَ التَّرِكَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَهُوَ كَمَنْ مَاتَ وَلَا تَرِكَةَ لَهُ. قُلْتُ: هَكَذَا جَزَمَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» بِأَنَّهُ يَجِبُ تَكْفِينُهُ ثَانِيًا مِنَ التَّرِكَةِ، وَقَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : إِذَا كُفِّنَ مِنْ مَالِهِ وَقُسِّمَتِ التَّرِكَةُ، ثُمَّ سُرِقَ الْكَفَنُ، اسْتُحِبَّ لِلْوَرَثَةِ تَكْفِينُهُ ثَانِيًا، وَلَا يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوِيٌّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنَّمَا يُقْطَعُ النَّبَّاشُ إِذَا أَخْرَجَ الْكَفَنَ مِنْ جَمِيعِ الْقَبْرِ، أَمَّا إِذَا أَخْرَجَهُ مِنَ اللَّحْدِ إِلَى فَضَاءِ الْقَبْرِ، وَتَرَكَهُ هُنَاكَ لِخَوْفٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَا يُقْطَعُ، هَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀، وَيَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْإِخْرَاجِ مِنْ بَيْتٍ إِلَى صَحْنِ الدَّارِ. فَصْلٌ إِذَا كَانَ الْحِرْزُ مِلْكًا لِلسَّارِقِ، نُظِرَ إِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ بِإِجَارَةٍ، فَسَرَقَ مِنْهُ الْمُؤَجِّرُ، قُطِعَ؛ لِأَنَّ الْمَنَافِعَ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ، وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ إِعْلَامٌ بِأَنَّ التَّصْوِيرَ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ بِالْإِجَارَةِ إِيوَاءَ الْمَتَاعِ دُونَ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ فَآوَى إِلَيْهَا مَاشِيَةً، وَإِنْ كَانَ الْحِرْزُ فِي يَدِهِ بِإِعَارَةٍ وَسَرَقَ الْمُعِيرُ مِنْهُ مَالَ الْمُسْتَعِيرِ، قُطِعَ عَلَى الْأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: إِنْ دَخَلَ الْحِرْزَ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ عَنِ الْعَارِيَةِ فَلَا قَطْعَ، وَإِنْ دَخَلَ بِنِيَّةِ السَّرِقَةِ قُطِعَ، وَلَوْ أَعَارَ عَبْدًا لِحِفْظِ مَالٍ، أَوْ رَعْيِ غَنَمٍ، ثُمَّ سَرَقَ مِمَّا يَحْفَظُهُ عَبْدُهُ، فَقِيلَ: يُقْطَعُ قَطْعًا، وَقِيلَ: فِيهِ الْأَوْجُهُ، وَلَوْ أَعَارَ قَمِيصًا، فَلَبِسَهُ الْمُسْتَعِيرُ، وَطَرَّ الْمُعِيرُ جَيْبَهُ وَأَخَذَ مَا فِيهِ، قُطِعَ، وَلَوْ كَانَ الْحِرْزُ فِي يَدِهِ بِغَصْبٍ، فَسَرَقَ مَالِكُ الْحِرْزِ مِنْهُ، فَلَا قَطْعَ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ جَائِزٌ فَلَيْسَ مُحْرَزًا عَنْهُ، وَإِنْ سَرَقَ مِنْهُ أَجْنَبِيٌّ، لَمْ يُقْطَعْ عَلَى

стр. 4062

الْأَصَحِّ، وَلَوِ اشْتَرَى الْحِرْزَ، وَسَرَقَ مِنْهُ قَبْلَ الْقَبْضِ مَالَ الْبَائِعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدَّى الثَّمَنَ، قُطِعَ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ غَصَبَ مَالًا، أَوْ سَرَقَهُ وَوَضَعَهُ فِي حِرْزِهِ، فَجَاءَ مَالِكُ الْمَالِ وَسَرَقَ مِنْ ذَلِكَ الْحِرْزِ مَالًا لِلْغَاصِبِ، فَلَا قَطْعَ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ لَهُ دُخُولُ الْحِرْزِ وَهَتْكُهُ لِأَخْذِ مَالِهِ، وَخَصَّصَ جَمَاعَةٌ الْوَجْهَيْنِ بِمَا إِذَا كَانَ مَالُ الْغَاصِبِ مُتَمَيِّزًا لَا عَنْ مَالِهِ، سَوَاءٌ أَخَذَهُ وَحْدَهُ أَمْ مَعَ مَالِ نَفْسِهِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مَخْلُوطًا بِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا، فَلَا قَطْعَ قَطْعًا، وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ الْمَالَ الْمُشْتَرَكَ لَا يُقْطَعُ بِهِ الشَّرِيكُ، وَلَوْ سَرَقَ أَجْنَبِيٌّ الْمَالَ الْمَغْصُوبَ أَوِ الْمَسْرُوقَ، لَمْ يُقْطَعْ عَلَى الْأَصَحِّ. فَصْلٌ سَرَقَ طَعَامًا فِي عَامِ الْقَحْطِ وَالْمَجَاعَةِ، فَإِنْ كَانَ يُوجَدُ عَزِيزًا بِثَمَنٍ غَالٍ، قُطِعَ، وَإِنْ كَانَ لَا يُوجَدُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَلَا قَطْعَ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ ﵁: لَا قَطْعَ فِي عَامِ الْمَجَاعَةِ. الرُّكْنُ الثَّانِي: نَفْسُ السَّرِقَةِ، وَهِيَ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الْخَفِيَّةِ، فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ أَخَذَ عِيَانًا، كَالْمُخْتَلِسِ وَالْمُنْتَهِبِ، فَالْمُخْتَلِسُ: هُوَ مَنْ يَعْتَمِدُ الْهَرَبَ، وَالْمُنْتَهِبُ: الَّذِي يَعْتَمِدُ الْقُوَّةَ وَالْغَلَبَةَ، وَلَا يُقْطَعُ الْمُودَعُ إِذَا جَحَدَ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَطْرَافٍ: الْأَوَّلُ فِي إِبْطَالِ الْحِرْزِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالنَّقْبِ وَفَتْحِ الْبَابِ، وَقَدْ يَكُونُ بِتَغْيِيبِهِ عَنْ نَظَرِ الْمُلَاحِظِ، وَفِيهِ صُوَرٌ: الْأُولَى: إِذَا نَقَّبَ، ثُمَّ عَادَ وَأَخْرَجَ نِصَابًا فِي لَيْلَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ عَلِمَ صَاحِبُ الْحِرْزِ بِالنَّقْبِ، أَوْ كَانَ ظَاهِرًا يَرَاهُ الطَّارِقُونَ، وَبَقِيَ كَذَلِكَ،

стр. 4063

فَلَا قَطْعَ، لِانْتِهَاكِ الْحِرْزِ، وَإِلَّا فَيُقْطَعُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ، كَمَا لَوْ نَقَّبَ وَأَخْرَجَ الْمَالَ آخَرُ، وَلَوْ نَقَّبَ وَاحِدٌ، وَدَخَلَ آخَرُ الْحِرْزَ وَأَخْرَجَ الْمَالَ فِي الْحَالِ، أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يُقْطَعْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَيَضْمَنُ الْأَوَّلُ الْجِدَارَ. وَالثَّانِي مَا أَخَذَهُ، وَقِيلَ: فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ عَلَى الثَّانِي قَوْلَانِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، فَلَوْ كَانَ فِي الدَّارِ حَافِظٌ قَرِيبٌ مِنَ النَّقِيبِ، وَهُوَ يُلَاحِظُ الْمَتَاعَ فَهُوَ مُحْرِزٌ بِهِ، فَيُقْطَعُ الْآخِذُ. وَإِنْ كَانَ الْحَافِظُ نَائِمًا، لَمْ يُقْطَعْ فِي الْأَصَحِّ كَمَا سَبَقَ فِيمَنْ نَامَ فِي الدَّارِ وَبَابُهَا مَفْتُوحٌ. الثَّانِيَةُ: تَعَاوَنَ شَرِيكَانِ عَلَى النَّقْبِ، وَأَخْرَجَا نِصَابَيْنِ، بِأَنْ أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ نِصَابًا، أَوْ حَمَلَا مَتَاعًا يُسَاوِي نِصَابَيْنِ، لَزِمَهُمَا الْقَطْعُ، وَإِنْ تَعَاوَنَا عَلَى النَّقْبِ، وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالْإِخْرَاجِ، فَالْقَطْعُ عَلَى الْمُخْرِجِ خَاصَّةً، وَحَكَى الْإِمَامُ فِي الْمُخْرِجِ وَجْهًا شَاذًّا جِدًّا، وَلَوْ نَقَّبَ وَاحِدٌ، وَدَخَلَ مَعَ آخَرَ، وَأَخْرَجَا الْمَالَ، قُطِعَ الْجَامِعُ بَيْنَ النَّقْبِ وَالْإِخْرَاجِ دُونَ الْآخَرِ، وَلَوِ اشْتَرَكَا فِي النَّقْبِ وَلَمْ يُخْرِجَا إِلَّا نِصَابًا، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الِاشْتِرَاكِ فِي النَّقْبِ ثُلُثًا، وَالْآخَرُ سُدُسًا، قُطِعَ صَاحِبُ الثُّلُثِ دُونَ الْآخَرِ، وَفِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الِاشْتِرَاكُ فِي النَّقْبِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا يَحْصُلْ بِأَخْذِ آلَةٍ وَاحِدَةٍ وَيَسْتَعْمِلَاهَا مَعًا، كَمَا لَا يَحْصُلُ الِاشْتِرَاكُ فِي قَطْعِ الْيَدِ إِلَّا بِأَنْ يُمِرَّا حَدِيدَةً وَاحِدَةً، وَأَصَحُّهُمَا: تَحْصُلُ الشَّرِكَةُ وَإِنْ أَخَذَ هَذَا لَبِنَاتٍ وَهَذَا لَبِنَاتٍ. الثَّالِثَةُ: الشَّرِيكَانِ فِي النَّقْبِ، إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمَا وَوَضَعَ الْمَتَاعَ قَرِيبًا مِنَ النَّقْبِ، أَوْ دَخَلَ أَحَدُ السَّارِقَيْنِ وَوَضَعَهُ قَرِيبًا مِنْ بَابِ الْحِرْزِ، وَأَدْخَلَ الْآخَرُ يَدَهُ وَأَخَذَهُ، فَالْقَطْعُ عَلَى الثَّانِي الْمُخْرِجِ دُونَ الْأَوَّلِ، وَكَذَا لَوْ وَقَفَ أَحَدُهُمَا عَلَى طَرَفِ السَّطْحِ، وَنَزَلَ الْآخَرُ وَجَمَعَ الثِّيَابَ وَرَبَطَهَا

стр. 4064

بِحَبْلٍ، فَرَفَعَهَا الْوَاقِفُ، فَالْقَطْعُ عَلَيْهِ لَا عَلَى الْأَوَّلِ، وَعَلَيْهِمَا الضَّمَانُ، وَلَوْ وَضَعَ الدَّاخِلُ الْمَتَاعَ خَارِجَ الْحِرْزِ أَوِ الْبَابِ، وَأَخَذَهُ الْآخَرُ، فَالْقَطْعُ عَلَى الْمُخْرِجِ دُونَ الْآخِذِ، وَلَوْ وَضَعَ الْمَتَاعَ عَلَى وَسَطِ النَّقْبِ، فَأَخَذَهُ الْآخَرُ وَأَخْرَجَهُ وَهُوَ يُسَاوِي نِصَابَيْنِ فَقَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: يُقْطَعَانِ، وَأَظْهَرُهُمَا: لَا قَطَعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ نَاوَلَ الدَّاخِلُ الْخَارِجَ فِي فَمِ النَّقْبِ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: لَا يُقْطَعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، ذَكَرَهُ بَعْدَ حِكَايَتِهِ الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَفْرِيعًا عَلَى الْأَظْهَرِ، وَإِلَّا فَلَا فَرْقَ، وَلَوْ نَقَّبَ اثْنَانِ وَدَخَلَا، وَأَخَذَ أَحَدُهُمَا الْمَالَ وَشَدَّهُ عَلَى وَسَطِ الْآخَرِ، فَخَرَجَ بِهِ الْآخَرُ، فَالْقَطْعُ عَلَى هَذَا الْآخَرِ دُونَ الْأَوَّلِ، وَلَوْ أَنَّ الْآخَرَ أَخَذَ الْمَالَ فَأَخْرَجَهُ وَالْمَتَاعُ فِي يَدِهِ، قُطِعَ الْمَحْمُولُ، وَفِي الْحَامِلِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَامِلٍ لِلْمَالِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَحْمِلُ طَبَقًا، فَحَمَلَ رَجُلًا حَامِلًا طَبَقًا، لَا يَحْنَثُ، وَلَوْ نَقَّبَ زَمِنٌ وَأَعْمَى، وَأَدْخَلَ الْأَعْمَى الزَّمِنَ فَأَخَذَ الْمَالَ، وَحَمَلَهُ الْأَعْمَى وَأَخْرَجَهُ، قُطِعَ الزَّمِنُ، وَفِي الْأَعْمَى الْوَجْهَانِ، قَالَ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» : وَلَوْ أَنَّ الْأَعْمَى حَمَلَ الزَّمِنَ وَأَدْخَلَهُ، فَدَلَّ الزَّمِنُ الْأَعْمَى عَلَى الْمَالِ، وَأَخَذَهُ، وَخَرَجَ بِهِ قُطِعَ الْأَعْمَى، وَلَا يُقْطَعُ الزَّمِنُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ نَقَّبَ وَاحِدٌ وَدَخَلَ، فَوَضَعَ الْمَتَاعَ عَلَى وَسَطِ النَّقْبِ، فَأَخَذَهُ آخَرُ، أَوْ دَخَلَ غَيْرُ النَّاقِبِ وَوَضَعَهُ فِي الْوَسَطِ، فَأَخَذَهُ النَّاقِبُ، فَلَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. فَرْعٌ لَا فَرْقَ فِي هَتْكِ الْحِرْزِ بَيْنَ النَّقْبِ، وَكَسْرِ الْبَابِ، وَقَلْعِهِ، وَفَتْحِ الْمِغْلَاقِ وَالْقُفْلِ، وَتَسَوُّرِ الْحَائِطِ، فَيَجِبُ الْقَطْعُ بِأَخْذِ الْمَالِ فِي جَمِيعِ هَذَا الْأَحْوَالِ.

стр. 4065

الطَّرَفُ الثَّانِي فِي وُجُوهِ النَّقْلِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: رَمَى الْمَالَ إِلَى خَارِجِ الْحِرْزِ مِنَ النَّقْبِ أَوِ الْبَابِ، أَوْ مِنْ فَوْقِ الْجِدَارِ، لَزِمَهُ الْقَطْعُ، سَوَاءٌ أَخَذَهُ بَعْدَ الرَّمْيِ، أَوْ تَرَكَهُ فَضَاعَ أَوْ أَخَذَهُ غَيْرُهُ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ، فَلَا قَطْعَ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَخَذَهُ مُعِينُهُ، فَفِيهِ تَرَدُّدٌ لِلْإِمَامِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي النَّقْبِ، أَوْ أَدْخَلَ فِيهِ مِحْجَنًا، وَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ، قُطِعَ، وَلَوْ أَرْسَلَ مِحْجَنًا أَوْ حَبْلًا فِي رَأْسِهِ كُلَّابٌ مِنَ السَّطْحِ، وَأَخْرَجَ بِهِ ثَوْبًا، أَوْ إِنَاءً وَنَحْوَهُ، قُطِعَ. الثَّانِيَةُ: لَوْ أَتْلَفَ الْمَالَ فِي الْحِرْزِ بِأَكْلٍ أَوْ إِحْرَاقٍ، فَلَا قَطْعَ، وَلَوِ ابْتَلَعَ فِي الْحِرْزِ جَوْهَرَةً أَوْ دِينَارًا فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا: أَنَّهَا إِنْ خَرَجَتْ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، قُطِعَ، وَإِلَّا فَلَا، وَالثَّانِي: لَا يُقْطَعُ مُطْلَقًا، وَالثَّالِثُ: يُقْطَعُ، وَنَقَلَ الْغَزَالِيُّ وَجْهًا رَابِعًا أَنَّهُ إِنْ أَخَذَهَا بَعْدَ الِانْفِصَالِ عَنْهُ، قُطِعَ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، وَلَوْ أَخَذَ الطِّيبَ، فَتَطَيَّبَ بِهِ فِي الْحِرْزِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَجْمَعَ مِنْهُ مَا يَبْلُغُ نِصَابًا، فَلَا قَطْعَ، وَكَذَا إِنْ أَمْكَنَ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ يُعَدُّ إِهْلَاكًا، كَأَكْلِ الطَّعَامِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ كَانَ فِي الْحِرْزِ مَاءٌ جَارٍ فَوَضَعَ الْمَتَاعَ عَلَيْهِ حَتَّى خَرَجَ، قُطِعَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ رَاكِدًا، وَحَرَّكَهُ حَتَّى خَرَجَ بِهِ، فَهُوَ كَالْجَارِي، وَإِنْ حَرَّكَهُ غَيْرُهُ، فَخَرَجَ، فَالْقَطْعُ عَلَى الْمُحَرِّكِ، وَإِنْ زَادَ الْمَاءُ بِانْفِجَارٍ أَوْ مَجِيءِ سَيْلٍ، فَخَرَجَ بِهِ، لَمْ يُقْطَعْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ كَانَ فِي بُسْتَانٍ أُتْرُجٌّ وَالْمَاءُ يَدْخُلُ مِنْ أَحَدِ طَرَفَيْهِ وَيَخْرُجُ مِنَ الْآخَرِ، فَجَمَعَ نَارًا وَوَقُودًا وَوَضَعَهُ عَلَى الْمَاءِ حَتَّى دَخَلَ وَعَلَا الدُّخَانُ، فَأَسْقَطَ الْأُتْرُجَّ فِي الْمَاءِ، وَخَرَجَ مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ، فَأَخَذَهُ، أَوْ رَمَى الْأَشْجَارَ بِحِجَارَةٍ مِنْ خَارِجِ الْبُسْتَانِ حَتَّى تَنَاثَرَتِ الثِّمَارُ فِي الْمَاءِ، وَخَرَجَتْ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، لَمْ يُقْطَعْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ كَانَتِ الرِّيحُ تَهُبُّ، فَعَرَضَ الْمَتَاعَ
следующие страницы →