← Фикх шафии

Фикх шафии · id 499

روضة الطالبين وعمدة المفتين

النووي

Полный текст (4 941 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَالنَّصَارَى - وَلَا يَلْحَقُ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يَتَدَيَّنُونَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ، كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى - فَإِنْ أَلْحَقْنَا غَلَبَةَ الظَّنِّ بِالْيَقِينِ، وَاشْتَبَهَ إِنَاءٌ طَاهِرٌ بِإِنَاءٍ الْغَالِبُ فِي مِثْلِهِ النَّجَاسَةُ، اجْتَهَدَ فِيهِمَا. وَإِنْ رَجَّحْنَا الْأَصْلَ ; فَهُمَا طَاهِرَانِ، وَرُبَّمَا أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ النَّجَاسَةُ، لَكِنْ لَهُ شَرْطٌ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ غَلَبَةُ الظَّنِّ مُسْتَنِدَةً إِلَى كَوْنِ الْغَالِبِ فِي مِثْلِهِ النَّجَاسَةَ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَمْ يَلْزَمْ طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ، حَتَّى لَوْ رَأَى ظَبْيَهُ تَبُولُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْهُ، فَجَاءَهُ، فَوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا، وَشَكَّ ; هَلْ تَغَيَّرَ بِالْبَوْلِ، أَمْ بِغَيْرِهِ؟ ، فَهُوَ نَجِسٌ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁، وَالْأَصْحَابُ ﵏. قُلْتُ: الْجُمْهُورُ حَكَمُوا بِالنَّجَاسَةِ مُطْلَقًا، وَبَعْضُهُمْ قَالَ: إِنْ كَانَ عَهِدَهُ عَنْ قُرْبٍ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ، فَهُوَ النَّجِسُ. وَإِنْ لَمْ يَعْهَدْهُ أَصْلًا، أَوْ طَالَ عَهْدُهُ، فَهُوَ طَاهِرٌ، لِاحْتِمَالِ التَّغَيُّرِ بِطُولِ الْمُكْثِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ الرَّافِعِيَّ اخْتَصَرَ هَذَا الْبَابَ جِدًّا، وَتَرْكَ أَكْثَرَ مَسَائِلِهِ. وَأَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أُشِيرُ إِلَى مُعْظَمِ مَا تَرَكَهُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِي الْمُشْتَبَهَيْنِ مِنَ الطَّعَامَيْنِ، وَالدُّهْنَيْنِ، وَنَحْوِهِمَا، فِي الْجِنْسِ، وَالْجِنْسَيْنِ، كَلَبَنٍ وَخَلٍّ تَنَجَّسَ أَحَدُهُمَا، وَثَوْبٍ وَتُرَابٍ، وَطَعَامٍ وَمَاءٍ، وَلَنَا وَجْهٌ مُنْكَرٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْجِنْسَيْنِ. حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَلَّطَهُ، وَلَوِ اشْتَبَهَ لَبَنَانِ وَمَعَهُ ثَالِثٌ مُتَيَقَّنُ الطَّهَارَةِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرًّا إِلَى شُرْبِهِ، جَازَ الِاجْتِهَادُ فِيهِمَا، وَإِنِ اضْطُرَّ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَاءَيْنِ وَمَعَهُ ثَالِثٌ. وَلَوْ أَخْبَرَهُ بِنَجَاسَةِ أَحَدِ الْمُشْتَبَهَيْنِ بِعَيْنِهِ مَنْ يُقْبَلُ خَبَرُهُ، عَمِلَ بِهِ، وَلَمْ يَجُزِ الِاجْتِهَادُ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ إِنَاءَانِ، فَقَالَ عَدْلٌ: وَلَغَ الْكَلْبُ فِي هَذَا دُونَ ذَاكَ، وَقَالَ آخَرُ: فِي ذَاكَ دُونَ هَذَا، حُكِمَ بِنَجَاسَتِهِمَا، لِاحْتِمَالِ الْوُلُوغِ فِي وَقْتَيْنِ، فَإِنْ عَيَّنَا وَقْتًا بِعَيْنِهِ، عَمِلَ بِقَوْلِ أَوْثَقِهِمَا عِنْدَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ. فَإِنِ اسْتَوَيَا، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُسْقِطُ خَبَرَهُمَا، وَتَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِمَا، وَفِيهِ طُرُقٌ لِلْأَصْحَابِ،

стр. 37

وَتَفْرِيعَاتٌ طَوِيلَةٌ أَوْضَحْتُهَا فِي شَرْحَيِ (الْمُهَذَّبِ) وَ (التَّنْبِيهِ) وَلَوْ قَالَ عَدْلٌ: وَلَغَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ، هَذَا الْكَلْبُ فِي وَقْتِ كَذَا، فَقَالَ آخَرُ: كَانَ هَذَا الْكَلْبُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِبَلَدٍ آخَرَ، فَالْأَصَحُّ طَهَارَةُ الْإِنَاءِ، لِلتَّعَارُضِ، وَالثَّانِي: النَّجَاسَةُ لِاشْتِبَاهِ الْكِلَابِ. وَلَوْ أَدْخَلَ الْكَلْبُ رَأَسَهُ فِي الْإِنَاءِ، وَأَخْرَجَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ وُلُوغَهُ، فَإِنْ كَانَ فَمُهُ يَابِسًا، فَالْمَاءُ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَإِنْ كَانَ رَطْبًا، فَالْأَصَحُّ: الطَّهَارَةُ لِلْأَصْلِ. وَالثَّانِي: النَّجَاسَةُ، لِلظَّاهِرِ. وَإِذَا تَوَضَّأَ بِالْمَظْنُونِ طَهَارَتُهُ، ثُمَّ تَيَقَّنَ أَنَّهُ كَانَ نَجِسًا، أَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ، لَزِمَهُ إِعَادَةُ الصَّلَاةِ، وَغَسْلُ مَا أَصَابَهُ الْمَاءُ مِنْ بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ. وَيَكْفِيهِ الْغَسْلَةُ الْوَاحِدَةُ عَنِ النَّجَاسَةِ وَالْحَدَثِ جَمِيعًا إِذَا نَوَى الْحَدَثَ، عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، خِلَافَ مَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ: أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلَتَيْنِ. وَلَنَا قَوْلٌ شَاذٌّ فِي (الْوَسِيطِ) وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَا تَجِبُ إِعَادَةُ هَذِهِ الصَّلَاةِ، كَنَظِيرِهِ مِنَ الْقِبْلَةِ. وَلَوْ تَوَضَّأَ بِأَحَدِ الْمُشْتَبَهَيْنِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ، وَصَلَّى، وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَبَانَ أَنِّ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ هُوَ الطَّاهِرُ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ قَطْعًا، وَلَا وُضُوءُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِتَلَاعُبِهِ، وَكَنَظِيرِهِ فِي الْقِبْلَةِ وَالْوَقْتِ. وَلَوِ اشْتَبَهَ الْإِنَاءَانِ عَلَى رَجُلَيْنِ، فَظَنَّ كُلُّ وَاحِدٍ طَهَارَةَ إِنَاءٍ بِاجْتِهَادِهِ، لَمْ يَقْتَدِ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ. فَلَوْ كَانَتِ الْآنِيَةُ ثَلَاثَةً، نَجِسٌ وَطَاهِرَانِ، فَاجْتَهَدَ فِيهَا ثَلَاثَةُ رِجَالٍ، وَتَوَضَّأَ كُلٌّ بِإِنَاءٍ، وَأَمَّهُمَا وَاحِدٌ فِي الصُّبْحِ، وَآخَرُ فِي الظُّهْرِ، وَآخَرُ فِي الْعَصْرِ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.

стр. 38

الصَّحِيحُ الْأَشْهَرُ: قَوْلُ ابْنِ الْحَدَّادِ: يَصِحُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ الَّتِي أَمَّ فِيهَا. وَالِاقْتِدَاءُ الْأَوَّلُ، وَيَتَعَيَّنُ الثَّانِي لِلْبُطْلَانِ. وَالثَّانِي: قَوْلُ ابْنِ الْقَاصِّ: لَا يَصِحُّ لَهُ إِلَّا الَّتِي أَمَّ فِيهَا. وَالثَّالِثُ: قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: تَصِحُّ الَّتِي أَمَّ فِيهَا. وَالِاقْتِدَاءُ الْأَوَّلُ إِنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ. فَإِنِ اقْتَدَى ثَانِيًا، بَطَلَا جَمِيعًا. وَإِنْ زَادَتِ الْآنِيَةُ وَالْمُجْتَهِدُونَ، أَوْ سَمِعَ مِنَ الرِّجَالِ صَوْتَ حَدَثٍ، فَتَنَاكَرُوهُ، فَحُكْمُ كُلِّهِ خَارِجٌ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ كُلَّ هَذَا بِأَمْثِلَتِهِ وَأَدِلَّتِهِ فِي شَرْحَيِ (الْمُهَذَّبِ) وَ (التَّنْبِيهِ) . وَقَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ ﵀ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ (صِفَةِ الْأَئِمَّةِ) وَهَذَا الْمَوْضِعُ أَنْسَبُ. وَلَوْ وَجَدَ قِطْعَةَ لَحْمٍ مُلْقَاةً، فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ مَجُوسٌ وَمُسْلِمُونَ، فَنَجِسَةٌ، فَإِنْ تَمَحَّضَ الْمُسْلِمُونَ، فَإِنْ كَانَتْ فِي خِرْقَةٍ، أَوْ مِكْتَلٍ، فَطَاهِرَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُلْقَاةً مَكْشُوفَةً، فَنَجِسَةٌ. وَلَوِ اشْتَبَهَتْ مَيْتَةٌ بِمُذَكَّيَاتِ بَلَدٍ، أَوْ إِنَاءُ بَوْلٍ بِأَوَانِي بَلَدٍ، فَلَهُ أَخْذُ بَعْضِهَا بِالِاجْتِهَادِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِلَى أَيِّ حَدٍّ يَنْتَهِي؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَذْكُورَانِ فِي (الْبَحْرِ) أَصَحُّهُمَا إِلَى أَنْ يَبْقَى وَاحِدٌ. وَالثَّانِي: إِلَى أَنْ يَبْقَى قَدْرٌ لَوْ كَانَ الِاخْتِلَاطُ بِهِ ابْتِدَاءً، مَنَعَ الْجَوَازَ. وَلَوْ كَانَ لَهُ دِنَّانِ فِيهِمَا مَائِعٌ، فَاغْتَرَفَ مِنْهُمَا فِي إِنَاءٍ، فَرَأَى فِيهِ فَأْرَةً لَا يُدْرَى مِنْ أَيِّهِمَا هِيَ، تَحَرَّى، فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهَا مِنْ أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَ اغْتَرَفَ بِمِغْرَفَتَيْنِ، فَالْآخَرُ طَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ بِمِغْرَفَةٍ، فَإِنْ ظَهَرَ بِالِاجْتِهَادِ أَنَّ الْفَأْرَةَ فِي الثَّانِي، فَالْأَوَّلُ عَلَى طَهَارَتِهِ، وَإِلَّا، فَهُمَا نَجِسَانِ. وَقَدْ أَكْثَرْتُ الزِّيَادَةَ فِي هَذَا الْبَابِ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، فَبَقِيَتْ مِنْهُ بَقَايَا حَذَفْتُهَا كَرَاهَةَ كَثْرَةِ الْإِطَالَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 39

بَابٌ الْأَوَانِي هِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ. الْأَوَّلُ: الْمُتَّخَذُ مِنْ جِلْدٍ، وَالْجِلْدُ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهِ فِي حَالَيْنِ. أَحَدُهُمَا: إِذَا ذُكِّيَ مَأْكُولُ اللَّحْمِ، فَجِلْدُهُ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ كَلَحْمِهِ، وَلَوْ ذُكِّيَ غَيْرُ مَأْكُولٍ، فَجِلْدُهُ نَجِسٌ كَلَحْمِهِ. قُلْتُ: وَلَوْ ذَبَحَ حِمَارًا زَمَنًا، أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ، لِلتَّوَصُّلِ إِلَى دَبْغِ جِلْدِهِ، لَمْ يَجُزْ عِنْدَنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالثَّانِي: أَنْ يُدْبَغَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ، فَيَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ، إِلَّا جِلْدَ كَلْبٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ، وَفَرْعَهُمَا، فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ قَطْعًا، وَإِذَا قُلْنَا بِالْقَدِيمِ: إِنَّ الْآدَمِيَّ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، طَهُرَ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ مُنْكَرٌ فِي (التَّتِمَّةِ) أَنَّ جِلْدَ الْمَيْتَةِ لَا يَنْجُسُ، وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالدَّبْغِ لِإِزَالَةِ الزُّهُومَةِ، ثُمَّ قَالَ الْأَصْحَابُ: يُعْتَبَرُ فِي الدِّبَاغِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءٍ: نَزْعُ الْفُضُولِ، وَتَطْيِيبُ الْجِلْدِ، وَصَيْرُورَتُهُ بِحَيْثُ لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ، لَمْ يَعُدِ الْفَسَادُ وَالنَّتَنُ. وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى نَزْعِ الْفُضُولِ، لِاسْتِلْزَامِهِ الطِّيبَ وَالصَّيْرُورَةَ. قَالُوا: وَيَكُونُ الدِّبَاغُ بِالْأَشْيَاءِ الْحَرِّيفَةِ، كَالشَّبِّ، وَالْقَرَظِ، وَقُشُورِ الرُّمَّانِ، وَالْعَفْصِ. وَفِي وَجْهٍ: لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِشَبٍّ أَوْ قَرَظٍ، وَهُوَ غَلَطٌ، وَيَحْصُلُ بِمُتَنَجِّسٍ، وَبِنَجِسِ الْعَيْنِ، كَذَرْقِ حَمَامٍ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا، وَلَا يَكْفِي التَّجْمِيدُ بِالتُّرَابِ، أَوْ

стр. 40

الشَّمْسِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي أَثْنَاءِ الدِّبَاغِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَجِبُ الْغَسْلُ بَعْدَهُ إِنْ دَبَغَ بِنَجِسٍ قَطْعًا، وَكَذَا إِنْ دَبَغَ بِطَاهِرٍ عَلَى الْأَصَحِّ، فَعَلَى هَذَا إِذَا لَمْ يَغْسِلْهُ، يَكُونُ طَاهِرَ الْعَيْنِ، كَثَوْبٍ نَجِسٍ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أَوْجَبْنَا الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ الدِّبَاغِ فَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ نَجِسَ الْعَيْنِ، وَهَلْ يَطْهُرُ بِمُجَرَّدِ نَقْعِهِ فِي الْمَاءِ، أَمْ لَا بُدَّ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْأَدْوِيَةِ ثَانِيًا؟ وَجْهَانِ. قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا الثَّانِي. وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَالْآخَرُ: احْتِمَالٌ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَالْمُرَادُ نَقْعُهُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْغَسْلَ بَعْدَ الدِّبَاغِ، اشْتُرِطَ سَلَامَتُهُ مِنَ التَّغَيُّرِ بِأَدْوِيَةِ الدِّبَاغِ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ إِذَا أَوْجَبْنَا اسْتِعْمَالَ الْمَاءِ فِي أَثْنَاءِ الدِّبَاغِ. فَرْعٌ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ ظَاهِرُ الْجِلْدِ قَطْعًا، وَبَاطِنُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ الْجَدِيدِ. فَيَجُوزُ بَيْعُهُ، وَيُسْتَعْمَلُ فِي الْمَائِعَاتِ، وَيُصَلَّى فِيهِ. وَمَنَعَ الْقَدِيمُ: طَهَارَةَ الْبَاطِنِ، وَالصَّلَاةَ، وَالْبَيْعَ، وَاسْتِعْمَالَهُ فِي الْمَائِعِ. قُلْتُ: أَنْكَرَ جَمَاهِيرُ الْعِرَاقِيِّينَ، وَكَثِيرُونَ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ هَذَا الْقَدِيمَ، وَقَطَعُوا بِطَهَارَةِ الْبَاطِنِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَجُوزُ أَكْلُ الْمَدْبُوغِ عَلَى الْجَدِيدِ، إِنْ كَانَ مَأْكُولَ اللَّحْمِ، وَإِلَّا فَلَا، عَلَى الْمَذْهَبِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ تَحْرِيمُ أَكْلِ جِلْدِ الْمَأْكُولِ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ مَسَائِلُ مِنْهَا: الدِّبَاغُ بِالْمِلْحِ.

стр. 41

نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀: أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ، وَبِهِ قَطَعَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ، وَصَاحِبُ (الشَّامِلِ) وَقَطَعَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِالْحُصُولِ، وَلَا يَفْتَقِرُ الدِّبَاغُ إِلَى فِعْلٍ. فَلَوْ أَلْقَتِ الرِّيحُ الْجِلْدَ فِي مَدْبَغَةٍ، فَانْدَبَغَ، طَهُرَ، وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ فِي الْيَابِسَاتِ، لَكِنْ يُكْرَهُ، وَيَجُوزُ هِبَتُهُ، كَمَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ. وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بَعْدَ الدِّبَاغِ، فَفِي إِجَارَتِهِ وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ: الْمَنْعُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْقِسْمُ الثَّانِي: الشَّعْرُ وَالْعَظْمُ ; أَمَّا الشَّعْرُ، وَالصُّوفُ، وَالْوَبَرُ، وَالرِّيشُ، فَيَنْجُسُ بِالْمَوْتِ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَكَذَا الْعَظْمُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: كَالشَّعْرِ. فَإِنْ نَجَّسْنَا الشَّعْرَ، فَفِي شَعْرِ الْآدَمِيِّ قَوْلَانِ. أَوْ وَجْهَانِ. بِنَاءً عَلَى نَجَاسَتِهِ بِالْمَوْتِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ شَعْرُهُ بِالْمَوْتِ، وَلَا بِالْإِبَانَةِ. فَإِنْ نَجَّسْنَا، عُفِيَ عَنْ شَعْرَةٍ وَشَعْرَتَيْنِ. فَإِنْ كَثُرَ، لَمْ يُعْفَ. قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُعْفَى عَنِ الْيَسِيرِ مِنَ الشَّعْرِ النَّجِسِ فِي الْمَاءِ، وَالثَّوْبِ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ، وَضَبْطُ الْيَسِيرِ: الْعُرْفُ. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَعَلَّ الْقَلِيلَ مَا يَغْلِبُ انْتِتَافُهُ مَعَ اعْتِدَالِ الْحَالِ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذَا الْعَفْوِ، هَلْ يَخْتَصُّ بِشَعْرِ الْآدَمِيِّ، أَمْ يَعُمُّ الْجَمِيعَ؟ وَالْأَصَحُّ: التَّعْمِيمُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا نَجَّسْنَا شَعْرَ الْآدَمِيِّ، فَالصَّحِيحُ: طَهَارَةُ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَإِذَا نَجَّسْنَا شَعْرَ غَيْرِ الْآدَمِيِّ، فَدَبْغُ الْجِلْدِ وَعَلَيْهِ شَعْرٌ، لَمْ يُطَهِّرِ الشَّعْرَ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَإِذَا لَمْ تَنْجُسِ الشُّعُورُ، فَفِي شَعْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعِهِمَا وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ: النَّجَاسَةُ. سَوَاءٌ انْفَصَلَ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَأَمَّا الْإِنَاءُ مِنَ الْعَظْمِ، فَإِنْ كَانَ طَاهِرًا،

стр. 42

جَازَ اسْتِعْمَالُهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَطَهَارَتُهُ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالذَّكَاةِ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ، إِلَّا إِذَا قُلْنَا (بِالضَّعِيفِ) : إِنَّ عِظَامَ الْمَيْتَةِ طَاهِرَةٌ. قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْإِنَاءِ مِنَ الْعَظْمِ النَّجِسِ فِي الْأَشْيَاءِ الْيَابِسَةِ، لَكِنْ يُكْرَهُ، كَمَا قُلْنَا فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ، وَيَجُوزُ إِيقَادُ عِظَامِ الْمَيْتَةِ. وَلَوْ رَأَى شَعْرًا لَمْ يَعْلَمْ طَهَارَتَهُ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، فَطَاهِرٌ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، فَنَجِسٌ. أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الطَّهَارَةُ، وَلَوْ بَاعَ جِلْدَ مَيْتَةٍ بَعْدَ دِبَاغِهِ وَعَلَيْهِ شَعْرٌ، وَقُلْنَا: يَجُوزُ بَيْعُ الْجِلْدِ، وَلَا يَطْهُرُ الشَّعْرُ بِالدِّبَاغِ، فَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ الْجِلْدَ دُونَ شَعْرِهِ صَحَّ، وَلَوْ قَالَ: الْجِلْدُ مَعَ شَعْرِهِ، فَفِي صِحَّةِ بَيْعِ الْجِلْدِ الْقَوْلَانِ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وَإِنْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا وَأَطْلَقَ صَحَّ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: إِنَاءُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ; يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ فِي (الْقَدِيمِ) وَكَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ فِي (الْجَدِيدِ) وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ. وَعَلَيْهِ التَّفْرِيعُ، وَيَسْتَوِي فِي التَّحْرِيمِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَسَوَاءٌ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَالْوُضُوءِ، وَالْأَكْلِ بِمِلْعَقَةِ الْفِضَّةِ، وَالتَّطَيُّبِ بِمَاءِ الْوَرْدِ مِنْ قَارُورَةِ الْفِضَّةِ، وَالتَّجَمُّرِ بِمِجْمَرَةِ الْفِضَّةِ إِذَا احْتَوَى عَلَيْهَا. وَلَا حَرَجَ فِي إِتْيَانِ الرَّائِحَةِ مِنْ بُعْدٍ، وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُ الْإِنَاءِ مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ عَلَى الْأَصَحِّ، فَلَا يَسْتَحِقُّ صَانِعُهُ أُجْرَةً، وَلَا أَرْشَ عَلَى كَاسِرِهِ. وَعَلَى الثَّانِي: لَا يَحْرُمُ، فَتَجِبُ الْأُجْرَةُ وَالْأَرْشُ، وَيَحْرُمُ تَزْيِينُ الْحَوَانِيتِ وَالْبُيُوتِ وَالْمَجَالِسِ بِهَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَحْرُمُ الْإِنَاءُ الصَّغِيرُ، كَالْمُكْحُلَةِ، وَظَرْفُ الْغَالِيَةِ مِنَ الْفِضَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا يَحْرُمُ الْأَوَانِي مِنَ الْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ، كَالْفَيْرُوزَجِ، وَالْيَاقُوتِ، وَالزَّبَرْجَدِ، وَنَحْوِهَا عَلَى الْأَظْهَرِ. وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ: لَا يَحْرُمُ مَا نَفَاسَتُهُ لِصَنْعَتِهِ، وَلَا يُكْرَهُ لَوِ اتَّخَذَ إِنَاءً مِنْ حَدِيدٍ، أَوْ غَيْرِهِ، وَمَوَّهَهُ بِذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، إِنْ كَانَ يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ، حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ، وَإِلَّا ;

стр. 43

فَوَجْهَانِ. وَلَوِ اتَّخَذَهُ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، وَمَوَّهَهُ بِنُحَاسٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَلَوْ غُشِّيَ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ بِالنُّحَاسِ، فَطَرِيقَانِ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَا يَحْرُمُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: عَلَى الْوَجْهَيْنِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ مِنَ الْوَجْهَيْنِ: لَا يَحْرُمُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ الْمُضَبَّبُ بِالْفِضَّةِ، فِيهِ أَوْجُهٌ. أَحَدُهَا: إِنْ كَانَتِ الضَّبَّةُ صَغِيرَةً وَعَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، لَا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ، وَلَا يُكْرَهُ. وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً فَوْقَ الْحَاجَةِ ; حَرُمَ. وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فَوْقَ الْحَاجَةِ أَوْ كَبِيرَةً قَدَرَ الْحَاجَةِ، فَوَجْهَانِ. الْأَصَحُّ: يُكْرَهُ. وَالثَّانِي: يَحْرُمُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنْ كَانَتِ الضَّبَّةُ تَلْقَى فَمَ الشَّارِبِ حَرُمَ، وَإِلَّا فَلَا. وَالثَّالِثُ: يُكْرَهُ، وَلَا يَحْرُمُ بِحَالٍ. وَالرَّابِعُ: يَحْرُمُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ. قُلْتُ: أَصَحُّ الْأَوْجُهِ وَأَشْهَرُهَا، الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَعْنَى الْحَاجَةِ: غَرَضُ إِصْلَاحِ مَوْضِعِ الْكَسْرِ، وَلَا يُعْتَبَرُ الْعَجْزُ عَنِ التَّضْبِيبِ بِغَيْرِ الْفِضَّةِ، فَإِنَّ الِاضْطِرَارَ يُبِيحُ اسْتِعْمَالَ أَصْلِ إِنَاءِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَفِي ضَبْطِ الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ أَوْجُهٌ. أَحَدُهَا: يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ. وَالثَّانِي: مَا يَلْمَعُ عَلَى بُعْدٍ كَبِيرٍ، وَمَا لَا فَصَغِيرٌ. وَالثَّالِثُ: مَا اسْتَوْعَبَ جُزْءًا مِنَ الْإِنَاءِ، كَأَسْفَلِهِ، أَوْ عُرْوَتِهِ، أَوْ شَفَتِهِ كَبِيرٌ، وَمَا لَا فَصَغِيرٌ. قُلْتُ: الثَّالِثُ: أَشْهَرُ. وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 44

وَأَمَّا الْمُضَبَّبُ بِذَهَبٍ ; فَقَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ بِتَحْرِيمِهِ بِكُلِّ حَالٍ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُوَ كَالْفِضَّةِ. قُلْتُ: قَدْ قَطَعَ بِتَحْرِيمِ الْمُضَبَّبِ بِالذَّهَبِ - بِكُلِّ حَالٍ - جَمَاعَاتٌ غَيْرُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، مِنْهُمْ صَاحِبُ (الْحَاوِي) وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَالْعَبْدَرِيُّ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) عَنِ الْعِرَاقِيِّينَ مُطْلَقًا. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَلْ يُسَوَّى بَيْنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ؟ قِيَاسُ الْبَابِ: نَعَمْ. وَعَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: لَا، فَإِنَّ قَلِيلَ الذَّهَبِ كَكَثِيرِ الْفِضَّةِ، فَيُقَوَّمُ ضَبَّةُ الْفِضَّةِ الْمُبَاحَةِ، وَيُبَاحُ قَدْرُهَا مِنَ الذَّهَبِ ; وَلَوِ اتَّخَذَ لِلْإِنَاءِ حَلْقَةَ فِضَّةٍ، أَوْ سِلْسِلَةً، أَوْ رَأْسًا. قَالَ فِي (التَّهْذِيبِ) : يَجُوزُ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَاحْتِمَالٌ. قُلْتُ: قَدْ وَافَقَ صَاحِبُ (التَّهْذِيبِ) جَمَاعَةً، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ شَرِبَ بِكَفَّيْهِ وَفِي أُصْبُعِهِ خَاتَمٌ، أَوْ فِي فَمِهِ دَرَاهِمُ، أَوْ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي شُرِبَ مِنْهُ، لَمْ يُكْرَهْ. وَلَوْ أَثْبَتَ الدَّرَاهِمَ فِي الْإِنَاءِ بِالْمَسَامِيرِ، فَهُوَ كَالضَّبَّةِ. وَقَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِجَوَازِهِ. وَلَوْ بَاعَ إِنَاءَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، صَحَّ بَيْعُهُ. وَلَوْ تَوَضَّأَ مِنْهُ، صَحَّ وُضُوءُهُ، وَعَصَى بِالْفِعْلِ. وَلَوْ أَكَلَ، أَوْ شَرِبَ، عَصَى بِالْفِعْلِ، وَكَانَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ حَلَالًا. وَطَرِيقُهُ فِي اجْتِنَابِ الْمَعْصِيَةِ، أَنْ يَصُبَّ الطَّعَامَ وَغَيْرَهُ فِي إِنَاءٍ آخَرَ، وَيُسْتَعْمَلُ الْمَصْبُوبُ فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 45

بَابٌ صِفَةُ الْوُضُوءِ لَهُ فُرُوضٌ وَسُنَنٌ. فَالْفُرُوضُ سِتَّةٌ. الْأَوَّلُ: النِّيَّةُ: وَهِيَ فَرْضٌ فِي طَهَارَاتِ الْأَحْدَاثِ، وَلَا تَجِبُ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا يَصِحُّ وُضُوءُ كَافِرٍ أَصْلِيٍّ، وَلَا غُسْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَصِحَّانِ عَلَى وَجْهٍ. وَيَصِحُّ الْغُسْلُ دُونَ الْوُضُوءِ عَلَى وَجْهٍ، فَيُصَلِّي بِهِ إِذَا أَسْلَمَ. وَالْكِتَابِيَّةُ الْمُغْتَسِلَةُ مِنَ الْحَيْضِ لِحَلِّ وَطْئِهَا لِزَوْجٍ مُسْلِمٍ، كَغَيْرِهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا يَصِحُّ طَهَارَةُ الْمُرْتَدِّ بِلَا خِلَافٍ. وَلَوْ تَوَضَّأَ مُسْلِمٌ أَوْ تَيَمَّمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. الصَّحِيحُ: يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ دُونَ الْوُضُوءِ. وَالثَّانِي: يَبْطُلَانِ. وَالثَّالِثُ: لَا يَبْطُلَانِ. وَلَا يَبْطُلُ الْغُسْلُ بِالرِّدَّةِ، وَقِيلَ: هُوَ كَالْوُضُوءِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. أَمَّا وَقْتُ النِّيَّةِ: فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ غَسْلِ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنَ الْوَجْهِ. فَإِنْ قَارَنَتِ الْجُزْءَ الْمَذْكُورَ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ وَلَمْ تَبْقَ بَعْدَهُ، صَحَّ وُضُوءُهُ، لَكِنْ لَا يُثَابُ عَلَى سُنَنِ الْوُضُوءِ الْمُتَقَدِّمَةِ. قُلْتُ: وَفِي (الْحَاوِي) وَجْهٌ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ تَقَدَّمَتِ النِّيَّةُ مِنْ أَوَّلِ الْوُضُوءِ وَاسْتَصْحَبَهَا إِلَى غَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الْوَجْهِ، صَحَّ، وَحَصَلَ ثَوَابُ السُّنَنِ، وَإِنِ اقْتَرَنَتْ بِسُنَّةٍ مِنْ سُنَنِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهِيَ التَّسْمِيَةُ، وَالسِّوَاكُ، وَغَسْلُ الْكَفِّ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، ثُمَّ عَزَبَتْ قَبْلَ الْوَجْهِ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَصَحُّهَا: لَا يَصِحُّ وُضُوءُهُ. وَالثَّانِي: يَصِحُّ. وَالثَّالِثُ: يَصِحُّ إِنِ اقْتَرَنَتْ بِالْمَضْمَضَةِ أَوِ الِاسْتِنْشَاقِ دُونَ مَا قَبْلَهُمَا. وَلَنَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّ مَا قَبْلَهُمَا لَيْسَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ، بَلْ مَنْدُوبَةٌ فِي أَوَّلِهِ، لَا مِنْهُ. وَالصَّوَابُ: أَنَّهَا مِنْ سُنَنِهِ. قُلْتُ: هَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، هُوَ فِيمَا إِذَا لَمْ يَنْغَسِلْ مَعَهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْوَجْهِ، فَإِنِ انْغَسَلَ بِنِيَّةِ الْوَجْهِ، أَجْزَأَهُ وَلَا يَضُرُّ الْعُزُوبُ بَعْدَهُ. وَإِنْ

стр. 46

لَمْ يَنْوِ بِالْمَغْسُولِ الْوَجْهَ، أَجْزَأَهُ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَوْلِ الْجُمْهُورِ، فَعَلَى هَذَا يَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ غَسْلِ ذَلِكَ الْجُزْءِ مَعَ الْوَجْهِ، عَلَى الْأَصَحِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَمَّا كَيْفِيَّةُ النِّيَّةِ ; فَالْوُضُوءُ ضَرْبَانِ: وُضُوءُ رَفَاهِيَةٍ ; وَوُضُوءُ ضَرُورَةٍ. أَمَّا الْأَوَّلُ: فَيَنْوِي أَحَدَ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ. أَحَدُهَا: رَفْعُ الْحَدَثِ، أَوِ الطَّهَارَةُ عَنِ الْحَدَثِ. وَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ. وَفِيهِ وَجْهٌ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَاسِحُ خُفٍّ، لَمْ يُجْزِئْهُ نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ، بَلْ تَتَعَيَّنُ نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ، وَلَوْ نَوَى رَفْعَ بَعْضِ الْأَحْدَاثِ، فَأَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: يَصِحُّ وُضُوءُهُ مُطْلَقًا. وَالثَّانِي: لَا. وَالثَّالِثُ: إِنْ لَمْ يَنْفِ مَا عَدَاهُ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا، وَالرَّابِعُ: إِنْ نَوَى رَفْعَ الْأَوَّلِ، صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا. وَالْخَامِسُ: إِنْ نَوَى الْأَخِيرَ، صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا. هَذَا إِذَا كَانَ الْحَدَثُ الْمَنْوِيُّ وَاقِعًا مِنْهُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، بِأَنْ بَالَ وَلَمْ يَنَمْ، فَنَوَى حَدَثَ النَّوْمِ، فَإِنْ كَانَ غَالِطًا، صَحَّ وُضُوءُهُ قَطْعًا. وَإِنْ تَعَمَّدَ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ. الْأَمْرُ الثَّانِي: اسْتِبَاحَةُ الصَّلَاةِ، أَوْ غَيْرِهَا مِمَّا لَا تُبَاحُ إِلَّا بِالطَّهَارَةِ، كَالطَّوَافِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَالشُّكْرِ. فَإِذَا نَوَى أَحَدَهَا، ارْتَفَعَ حَدَثُهُ، وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ بِنِيَّةِ الِاسْتِبَاحَةِ، وَهُوَ غَلَطٌ. وَإِنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ صَلَاةٍ بِعَيْنِهَا، وَلَمْ يَنْفِ غَيْرَهَا، صَحَّ الْوُضُوءُ لَهَا وَلِغَيْرِهَا. وَإِنْ نَفَى أَيْضًا، صَحَّ، عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ فِي الثَّانِي، وَيَصِحُّ فِي الثَّالِثِ، لِمَا نَوَى فَقَطْ، وَلَوْ نَوَى مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوءُ، كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالْجُلُوسِ فِي الْمَسْجِدِ، وَسَمَاعِ الْحَدِيثِ وَرِوَايَتِهِ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ نَوَى تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ. فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ قَطْعًا. وَلَوْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ فَتَوَضَّأَ مُحْتَاطًا فَتَيَقَّنَ الْحَدَثَ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ تَوَضَّأَ مُتَرَدِّدًا وَقَدْ زَالَتِ الضَّرُورَةُ بِالتَّيَقُّنِ. وَلَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ، وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ بَانَ مُحْدِثًا، أَجْزَأَهُ قَطْعًا، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَدَثِ فَلَا يَضُرُّ التَّرَدُّدُ مَعَهُ. وَلَوْ نَوَى مَا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوءُ، كَدُخُولِ السُّوقِ، لَمْ يَصِحَّ. الْأَمْرُ الثَّالِثُ: فَرْضُ الْوُضُوءِ، أَوْ أَدَاءُ الْوُضُوءِ، وَذَلِكَ كَافٍ قَطْعًا وَإِنْ كَانَ النَّاوِي صَبِيًّا.

стр. 47

فَرْعٌ إِذَا نَوَى أَحَدَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَقَصَدَ مَا يَحْصُلُ مَعَهُ بِلَا قَصْدٍ، بِأَنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَالتَّبَرُّدَ، أَوْ رَفْعَ الْجَنَابَةِ وَالتَّبَرُّدَ، فَالصَّحِيحُ: صِحَّةُ طَهَارَتِهِ. وَلَوِ اغْتَسَلَ جُنُبٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ، حَصَلَا عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى نِيَّةِ الْجَنَابَةِ، حَصَلَتِ الْجُمُعَةُ أَيْضًا فِي الْأَظْهَرِ. قُلْتُ: الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: لَا تَحْصُلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ نَوَى بِصَلَاتِهِ الْفَرْضَ، وَتَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، حَصَلَا قَطْعًا، وَلَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ، ثُمَّ نَوَى فِي أَثْنَاءِ طَهَارَتِهِ التَّبَرُّدَ. فَإِنْ كَانَ ذَاكِرَ النِّيَّةِ، رُفِعَ الْحَدَثُ، فَهُوَ كَمَنْ نَوَاهُمَا ابْتِدَاءً، فَيَصِحُّ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِنْ كَانَ غَافِلًا، لَمْ يَصِحَّ مَا أَتَى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ. أَمَّا وُضُوءُ الضَّرُورَةِ ; فَهُوَ وُضُوءُ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَسَلَسِ الْبَوْلِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ بِهِ حَدَثٌ دَائِمٌ، وَالْأَفْضَلُ: أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ وَاسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ. وَفِي الْوَاجِبِ أَوْجُهٌ. الصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَجِبُ نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ دُونَ رَفْعِ الْحَدَثِ. وَالثَّانِي: يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا. وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَتْ. ثُمَّ إِنْ نَوَتْ فَرِيضَةً وَاحِدَةً، صَحَّ قَطْعًا، لِأَنَّهُ مُقْتَضَى طَهَارَتِهَا. وَإِنْ نَوَتْ نَافِلَةً مُعَيَّنَةً وَنَفَتْ غَيْرَهَا، فَعَلَى الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي غَيْرِهَا. فَرْعٌ لَوْ كَانَ يَتَوَضَّأُ ثَلَاثًا، فَنَسِيَ لُمْعَةً فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَانْغَسَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ أَوِ الثَّالِثَةِ، وَهُوَ يَقْصِدُ التَّنَفُّلَ، أَوِ انْغَسَلَتْ فِي تَجْدِيدِ الْوُضُوءِ، فَوَجْهَانِ. الْأَصَحُّ: فِي الصُّورَةِ الْأُولَى يُجْزِئُهُ، وَفِي مَسْأَلَةِ التَّجْدِيدِ لَا يُجْزِئُهُ.

стр. 48

قُلْتُ: وَلَوْ نَسِيَ اللُّمْعَةِ فِي وُضُوئِهِ أَوْ غُسْلِهِ، ثُمَّ نَسِيَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، أَوِ اغْتَسَلَ، فَأَعَادَ الْوُضُوءَ أَوِ الْغُسْلَ بِنِيَّةِ الْحَدَثِ، أَجْزَأَهُ، وَتَكْمُلُ طَهَارَتُهُ بِلَا خِلَافٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى أَعْضَائِهِ، فَنَوَى عِنْدَ الْوَجْهِ رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْهُ، وَعِنْدَ الْيَدِ وَالرَّأْسِ وَالرِّجْلِ كَذَلِكَ، صَحَّ وُضُوءُهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَالْخِلَافُ فِي مُطْلَقِ التَّفْرِيقِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ. وَقِيلَ: هُوَ فِيمَنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ، وَنَفَى غَيْرَهُ، دُونَ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَإِذَا قُلْنَا فِي مَسْأَلَةِ اللُّمْعَةِ: لَا يُعْتَدُّ بِالْمَغْسُولِ فِي الثَّانِيَةِ، فَهَلْ يَبْطُلُ مَا مَضَى، أَمْ يَبْنِي عَلَيْهِ؟ فِيهِ وَجْهَا تَفْرِيقِ النِّيَّةِ، إِنْ جَوَّزْنَا التَّفْرِيقَ، جَازَ الْبِنَاءُ، وَإِلَّا فَلَا. وَلَا يُشْتَرَطُ إِضَافَةُ الْوُضُوءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْأَصَحِّ. قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْوِيَ بِقَلْبِهِ، وَيَتَلَفَّظَ بِلِسَانِهِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ. فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْقَلْبِ، أَجْزَأَهُ، أَوِ اللِّسَانِ، فَلَا. وَإِنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ حَدَثٌ، أَوْ تَبَرُّدٌ، وَفِي قَلْبِهِ خِلَافُهُ، فَالِاعْتِبَارُ بِالْقَلْبِ، وَلَوْ نَوَى الطَّهَارَةَ وَلَمْ يَقُلْ: عَنِ الْحَدَثِ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ. وَلَوْ نَوَتِ الْمُغْتَسِلَةُ عَنِ الْحَيْضِ تَمْكِينَ زَوْجٍ مِنْ وَطْئِهَا، فَأَوْجُهٌ. الْأَصَحُّ: تَسْتَبِيحُ الْوَطْءَ وَالصَّلَاةَ وَكُلَّ شَيْءٍ يَقِفُ عَلَى الْغُسْلِ. وَالثَّانِي: لَا تَسْتَبِيحُ شَيْئًا. وَالثَّالِثُ: تَسْتَبِيحُ الْوَطْءَ وَحْدَهُ. وَلَوْ نَوَى أَنْ يُصَلِّيَ بِوُضُوئِهِ صَلَاةً، وَأَنْ لَا يُصَلِّيَهَا، لَمْ يَصِحَّ، لِتَلَاعُبِهِ وَتَنَاقُضِهِ. وَلَوْ أُلْقِيَ إِنْسَانٌ فِي نَهْرٍ مُكْرَهًا فَنَوَى فِيهِ رَفْعَ الْحَدَثِ، صَحَّ وُضُوءُهُ. وَلَوْ غَسَلَ الْمُتَوَضِّئُ أَعْضَاءَهُ إِلَّا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ سَقَطَ فِي نَهْرٍ فَانْغَسَلَتَا وَهُوَ ذَاكِرٌ النِّيَّةَ، صَحَّ، وَإِلَّا، لَمْ يَحْصُلْ غَسْلُ رِجْلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ، وَنَوَى الصَّلَاةَ وَدَفَعَ غَرِيمَهُ، صَحَّتْ صَلَاتُهُ. قَالَهُ فِي (الشَّامِلِ) وَلَوْ نَوَى قَطَعَ الْوُضُوءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ، لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَكَذَا فِي أَثْنَائِهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَيَسْتَأْنِفُ النِّيَّةَ لِمَا بَقِيَ إِنْ جَوَّزْنَا تَفْرِيقَهَا وَإِلَّا اسْتَأْنَفَ الْوُضُوءَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 49

الْفَرْضُ الثَّانِي: غَسْلَ الْوَجْهِ، وَيَجِبُ اسْتِيعَابُهُ بِالْغَسْلِ وَحْدَهُ، مِنْ مَبْدَأِ تَسْطِيحِ الْجَبْهَةِ إِلَى مُنْتَهَى الذَّقْنِ طُولًا، وَمِنَ الْأُذُنِ إِلَى الْأُذُنِ عَرْضًا، وَتَدْخُلُ الْغَايَتَانِ فِي حَدِّ الطُّولِ، وَلَا تَدْخُلَانِ فِي الْعَرْضِ، فَلَيْسَتِ النَّزْعَتَانِ مِنَ الْوَجْهِ، وَهُمَا: الْبَيَاضَانِ الْمُكْتَنِفَانِ لِلنَّاصِيَةِ أَعْلَى الْجَبِينَيْنِ، وَلَا مَوْضِعُ الصَّلَعِ، وَهُوَ: مَا انْحَسَرَ عَنْهُ الشَّعْرُ فَوْقَ ابْتِدَاءِ التَّسْطِيحِ. وَأَمَّا الصُّدْغَانِ وَهُمَا: فِي جَانِبَيِ الْأُذُنِ يَتَّصِلَانِ بِالْعِذَارَيْنِ مِنْ فَوْقٍ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنَ الْوَجْهِ. وَلَوْ نَزَلَ الشَّعْرُ فَعَمَّ الْجَبْهَةَ أَوْ بَعْضَهَا، وَجَبَ غَسْلُ مَا دَخَلَ فِي الْحَدِّ الْمَذْكُورِ، وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: لَا يَجِبُ إِلَّا إِذَا عَمَّهَا. وَمَوْضِعُ التَّحْذِيفِ: مِنَ الرَّأْسِ، لَا مِنَ الْوَجْهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَهُوَ الَّذِي يَنْبُتُ عَلَيْهِ الشَّعْرُ الْخَفِيفُ بَيْنَ ابْتِدَاءِ الْعِذَارِ وَالنَّزْعَةِ. وَأَمَّا شُعُورُ الْوَجْهِ، فَقِسْمَانِ: حَاصِلَةٌ فِي حَدِّ الْوَجْهِ، وَخَارِجَةٌ عَنْهُ. وَالْحَاصِلَةُ نَادِرَةُ الْكَثَافَةِ وَغَيْرُهَا. فَالنَّادِرَةُ: كَالْحَاجِبَيْنِ، وَالْأَهْدَابِ، وَالشَّارِبَيْنِ، وَالْعِذَارَيْنِ، وَهُمَا: الْمُحَاذِيَانِ لِلْأُذُنَيْنِ بَيْنَ الصُّدْغِ وَالْعَارِضِ، فَيَجِبُ غَسْلُ ظَاهِرِ هَذِهِ الشُّعُورِ وَبَاطِنِهَا مَعَ الْبَشَرَةِ تَحْتَهَا وَإِنْ كَثُفَتْ. وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُ مَنْبَتِ كَثِيفِهَا، وَغَيْرُ النَّادِرَةِ ; شَعْرُ الذَّقْنِ وَالْعَارِضَيْنِ، وَهُمَا: الشَّعْرَانِ الْمُنْحَطَّانِ عَنْ مُحَاذَاةِ الْأُذُنَيْنِ. فَإِنْ كَانَ خَفِيفًا، وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ مَعَ الْبَشَرَةِ، وَإِنْ كَانَ كَثِيفًا، وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِ الشَّعْرِ فَقَطْ، وَحُكِيَ قَوْلٌ قَدِيمٌ، وَقِيلَ وَجْهٌ: إِنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ الْبَشَرَةِ أَيْضًا، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَلَوْ خَفَّ بَعْضُهُ وَكَثَفَ بَعْضُهُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّ لِلْخَفِيفِ حُكْمَ الْخَفِيفِ الْمُتَمَحِّضِ، وَلِلْكَثِيفِ حُكْمَ الْكَثِيفِ الْمُتَمَحِّضِ. وَالثَّانِي: لِلْجَمِيعِ حُكْمَ الْخَفِيفِ. وَأَمَّا ضَبْطُ الْخَفِيفِ وَالْكَثِيفِ، فَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ، أَنَّ الْخَفِيفَ: مَا تَتَرَاءَى الْبَشَرَةُ تَحْتَهُ فِي مَجْلِسِ التَّخَاطُبِ. وَالْكَثِيفُ: مَا يَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْخَفِيفَ: مَا يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى مَنْبَتِهِ مِنْ غَيْرِ مُبَالَغَةٍ. وَالْكَثِيفُ:

стр. 50

مَا لَا يَصِلُهُ إِلَّا بِمُبَالَغَةٍ، وَيَلْحَقُ بِالنَّادِرِ فِي حُكْمِهِ الْمَذْكُورِ لِحْيَةُ امْرَأَةٍ، وَخُنْثَى مُشْكِلٌ، وَكَذَا عَنْفَقَةُ الرَّجُلِ الْكَثِيفَةِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَعَلَى الثَّانِي: هِيَ كَشَعْرِ الذَّقْنِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: الْخَارِجَةُ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ مِنَ اللِّحْيَةِ، وَالْعَارِضِ، وَالْعِذَارِ، وَالسِّبَالِ طُولًا وَعَرْضًا، وَالْأَظْهَرُ وُجُوبُ إِفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَيْهَا، وَهُوَ غَسْلُ ظَاهِرِهَا. وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ شَيْءٌ. وَقِيلَ: يَجِبُ غَسْلُ الْوَجْهِ الْبَاطِنِ مِنَ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا، وَقِيلَ: يَجِبُ غَسْلُ السِّبَالِ قَطْعًا. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: يَجِبُ غَسْلُ جُزْءٍ مِنْ رَأْسِهِ، وَرَقَبَتِهِ، وَمَا تَحْتَ ذَقْنِهِ مَعَ الْوَجْهِ، لِيَتَحَقَّقَ اسْتِيعَابُهُ. وَلَوْ قُطِعَ أَنْفُهُ، أَوْ شَفَتُهُ، لَزِمَهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ بِالْقَطْعِ فِي الْوُضُوءِ، وَالْغَسْلُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ سِلْعَةٌ وَنَزَلَتْ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ، لَزِمَهُ غَسْلُ جَمِيعِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: فِي النَّازِلِ قَوْلَانِ. وَيَجِبُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ مِنْ حُمْرَةِ الشَّفَتَيْنِ، وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُ النَّزْعَتَيْنِ. وَلَوْ خُلِقَ لَهُ وَجْهَانِ، وَجَبَ غَسْلُهُمَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْفَرْضُ الثَّالِثُ: غَسْلُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ، فَإِنْ قُطِعَ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقِ، فَلَا فَرْضَ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُ بَاقِي الْعَضُدِ، لِئَلَّا يَخْلُوَ الْعُضْوُ مِنْ طَهَارَةٍ. وَإِنْ قُطِعَ مِنْ تَحْتِ الْمِرْفَقِ، وَجَبَ غَسْلُ بَاقِي مَحَلِّ الْفَرْضِ. وَإِنْ قُطِعَ مِنْ مَفْصَلِ الْمِرْفَقِ، وَجَبَ غَسْلُ رَأْسِ الْعَظْمِ الْبَاقِي عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلَانِ. وَلَوْ كَانَ لَهُ يَدَانِ مِنْ جَانِبٍ، فَتَارَةً تَتَمَيَّزُ الزَّائِدَةُ عَنِ الْأَصْلِيَّةِ، وَتَارَةً لَا. فَإِنْ تَمَيَّزَتْ وَخَرَجَتْ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، إِمَّا مِنَ السَّاعِدِ، وَإِمَّا مِنَ الْمِرْفَقِ، وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَ الْأَصْلِيَّةِ، كَالْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ، وَالسِّلْعَةِ، سَوَاءٌ جَاوَزَ طُولُهَا الْأَصْلِيَّةَ، أَمْ لَا. وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ فَوْقِ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَلَمْ تُحَاذِ مَحَلَّ الْفَرْضِ، لَمْ يَجِبْ غَسْلُ شَيْءٍ مِنْهَا. وَإِنْ حَاذَتْهُ، وَجَبَ غَسْلُ الْمُحَاذِي وَحْدَهُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ. وَإِنْ لَمْ تَتَمَيَّزْ، وَجَبَ غَسْلُهُمَا مَعًا.

стр. 51

سَوَاءٌ خَرَجَتَا مِنَ الْمَنْكِبِ، أَوِ الْكُوعِ، أَوِ الذِّرَاعِ. وَمِنْ أَمَارَاتِ الزَّائِدَةِ، أَنْ تَكُونَ فَاحِشَةَ الْقِصَرِ، وَالْأُخْرَى مُعْتَدِلَةً. وَمِنْهَا نَقْصُ الْأَصَابِعِ، وَمِنْهَا فَقْدُ الْبَطْشِ وَضَعْفُهُ. قُلْتُ: وَلَوْ طَالَتْ أَظْفَارُهُ وَخَرَجَتْ عَنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ، وَجَبَ غَسْلُ الْخَارِجِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ ; كَالشَّعْرِ النَّازِلِ مِنَ اللِّحْيَةِ. وَلَوْ نَبَتَ عَلَى ذِرَاعِهِ، أَوْ رِجْلِهِ، شَعْرٌ كَثِيفٌ، وَجَبَ غَسْلُ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ مَعَ الْبَشَرَةِ تَحْتَهُ، لِنُدُورِهِ. وَلَوْ تَوَضَّأَ، ثُمَّ قُطِعَتْ يَدُهُ، أَوْ رِجْلُهُ، أَوْ حُلِقَ رَأْسُهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ تَطْهِيرُ مَا انْكَشَفَ. فَإِنْ تَوَضَّأَ، لَزِمَهُ غَسْلُ مَا ظَهَرَ. وَإِنْ حَصَلَ فِي يَدِهِ ثُقْبٌ، لَزِمَهُ غَسْلُ بَاطِنِهِ، لِأَنَّهُ صَارَ ظَاهِرًا. وَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ الْأَقْطَعُ وَالْمَرِيضُ عَلَى الْوُضُوءِ، لَزِمَهُ تَحْصِيلُ مَنْ يُوَضِّئُهُ، إِمَّا مُتَبَرِّعًا، وَإِمَّا بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ إِذَا وَجَدَهَا. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَضِّئُهُ، أَوْ وَجَدَهُ وَلَمْ يَجِدِ الْأُجْرَةَ، أَوْ وَجَدَهَا فَطُلِبَ أَكْثَرُ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالتَّيَمُّمِ، وَيُعِيدَ، لِنُدُورِهِ. فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى التَّيَمُّمِ، صَلَّى عَلَى حَالِهِ وَأَعَادَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْفَرْضُ الرَّابِعُ: مَسْحُ الرَّأْسِ، وَالْوَاجِبُ مِنْهُ: مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَلَوْ بَعْضُ شَعْرَةٍ، أَوْ قَدْرُهُ مِنَ الْبَشَرَةِ. وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: يُشْتَرَطُ ثَلَاثُ شَعْرَاتٍ. وَعَلَى هَذَا الشَّاذِّ: لَا يُشْتَرَطُ قَدْرُهَا مِنَ الْبَشَرَةِ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ. وَحَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى الْبَشَرَةِ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَتْ مَسْتُورَةً بِالشَّعْرِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَشَرْطُ الشَّعْرِ الْمَمْسُوحِ، أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ حَدِّ الرَّأْسِ لَوْ مُدَّ، سَبْطًا كَانَ أَوْ جَعْدًا، وَلَا يَضُرُّ مُجَاوَزَتُهُ مَنْبَتَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ بَدَلَ مَسْحِهِ، أَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ قَطْرَةً وَلَمْ تَسِلْ عَلَيْهِ، أَوْ وَضَعَ يَدَهُ الَّتِي عَلَيْهَا الْمَاءُ، عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يُمِرَّهَا، أَجْزَأَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا يُسْتَحَبُّ غَسْلُ الرَّأْسِ قَطْعًا، وَلَا يُكْرَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، بِخِلَافِ الْخُفِّ، فَإِنَّ غَسْلَهُ تَعْيِيبٌ.

стр. 52

قُلْتُ: وَلَا تَتَعَيَّنُ الْيَدُ لِلْمَسْحِ، بَلْ يَجُوزُ بِأُصْبُعٍ، أَوْ خَشَبَةٍ، أَوْ خِرْقَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا. وَيُجْزِئُهُ مَسْحُ غَيْرِهِ لَهُ. وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي الْمَسْحِ. وَلَوْ كَانَ لَهُ رَأْسَانِ أَجْزَأَهُ مَسْحُ أَحَدِهِمَا. وَقِيلَ: يَجِبُ مَسْحُ جُزْءٍ مِنْ كُلِّ رَأْسٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْفَرْضُ الْخَامِسُ: غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ مَعَ الْكَعْبَيْنِ. وَهُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مَفْصَلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ. وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّهُ الَّذِي فَوْقَ مُشْطِ الْقَدَمِ. قُلْتُ: هَذَا الْوَجْهُ شَاذٌّ مُنْكَرٌ، بَلْ غَلَطٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَحُكْمُ الرِّجْلِ الزَّائِدَةِ مَا سَبَقَ فِي الْيَدِ. وَمُرَادُ الْأَصْحَابِ بِقَوْلِهِمْ: غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَرْضٌ، إِذَا لَمْ يَمْسَحْ عَلَى الْخُفِّ، أَوْ أَنَّ الْأَصْلَ الْغَسْلُ وَالْمَسْحُ بَدَلٌ. فَرْعٌ مَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ حَدَثَانِ: أَصْغَرُ. وَأَكْبَرُ. فِيهِ أَوْجُهٌ. الصَّحِيحُ: يَكْفِيهِ غَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ وَحْدَهُ، وَلَا تَرْتِيبَ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: يَجِبُ نِيَّةُ الْحَدَثَيْنِ إِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْغُسْلِ. وَالثَّالِثُ: يَجِبُ وُضُوءٌ مُرَتَّبٌ، وَغَسْلُ جَمِيعِ الْبَدَنِ. فَإِنْ شَاءَ قَدَّمَ الْوُضُوءَ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ. وَالرَّابِعُ: يَجِبُ وُضُوءٌ مُرَتَّبٌ، وَغَسْلُ بَاقِي الْبَدَنِ. هَذَا كُلُّهُ إِذَا وَقَعَ الْحَدَثَانِ مَعًا، أَوْ سَبَقَ الْأَصْغَرُ، وَأَمَّا إِذَا سَبَقَ الْأَكْبَرُ، فَطَرِيقَانِ. أَصَحُّهُمَا: طَرْدُ الْخِلَافِ. وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالِاكْتِفَاءِ بِالْغُسْلِ. وَلَوْ غَسَلَ جَمِيعَ بَدَنِهِ إِلَّا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَحْدَثَ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْوَجْهِ الثَّالِثِ، وَجَبَ وُضُوءٌ كَامِلٌ لِلْحَدَثِ، وَغَسَلَ الرِّجْلَيْنِ لِلْجَنَابَةِ، يُقَدِّمُ أَيُّهُمَا شَاءَ، فَتَكُونُ الرِّجْلُ مَغْسُولَةً مَرَّتَيْنِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالرَّابِعِ، وَجَبَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ بَعْدَ أَعْضَاءِ

стр. 53

الْوُضُوءِ، وَيَكُونُ غَسْلُهُمَا وَاقِعًا عَنِ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ جَمِيعًا. وَإِنْ قُلْنَا بِالصَّحِيحِ الْأَوَّلِ، فَعَلَيْهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ عَنِ الْجَنَابَةِ، وَغَسْلُ سَائِرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عَنِ الْحَدَثِ، فَإِنْ شَاءَ قَدَّمَ الرِّجْلَيْنِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُمَا، أَوْ وَسَّطَهُمَا. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَأْتِيُّ بِهِ وُضُوءًا خَالِيًا عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ، فَإِنَّهُمَا يُغْسَلَانِ عَنِ الْجَنَابَةِ خَاصَّةً، وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا بِالرِّجْلَيْنِ، بَلْ لَوْ غَسَلَ الْجُنُبُ مِنْ بَدَنِهِ مَا سِوَى الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ، أَوِ الْيَدَيْنِ وَالرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ، كَانَ حُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا. قُلْتُ: الصَّحِيحُ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ، أَنَّهُ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ الثَّلَاثَةِ. وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الرِّجْلَيْنِ، كَمَا ذَكَرْنَا. وَقِيلَ: هُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْجَمِيعِ، وَقِيلَ: يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي الْجَمِيعِ، فَيَجِبُ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ بَعْدَ الْأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْفَرْضُ السَّادِسُ: التَّرْتِيبُ: فَلَوْ تَرَكَهُ عَمْدًا لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ، لَكِنْ يُعْتَدُّ بِالْوَجْهِ وَمَا غَسَلَهُ بَعْدَهُ عَلَى التَّرْتِيبِ. وَلَوْ تَرَكَهُ نَاسِيًا، فَقَوْلَانِ: الْمَشْهُورُ الْجَدِيدُ لَا يُجْزِئُهُ. وَلَوْ غَسَلَ أَرْبَعَةُ أَنْفُسٍ أَعْضَاءَهُ دُفْعَةً بِإِذْنِهِ، لَمْ يَحْصُلْ إِلَّا الْوَجْهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَعَلَى الثَّانِي يَحْصُلُ الْجَمِيعُ. أَمَّا إِذَا غَسَلَ الْمُحْدِثُ جَمِيعَ بَدَنِهِ، فَإِنْ أَمْكَنَ حُصُولُ التَّرْتِيبِ، بِأَنِ انْغَمَسَ فِي الْمَاءِ وَمَكَثَ زَمَانًا يَتَأَتَّى فِيهِ التَّرْتِيبُ أَجْزَأَهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ، بِأَنِ انْغَمَسَ وَلَمْ يَمْكُثْ، أَوْ غَسَلَ أَسَافِلَهُ قَبْلَ أَعَالِيهِ، لَمْ يَجْزِهِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَا خِلَافَ فِي الِاعْتِدَادِ بِغَسْلِ الْوَجْهِ فِي الصُّورَتَيْنِ إِذَا قَارَنَتْهُ النِّيَّةُ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ. فَإِنْ نَوَى الْجَنَابَةَ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ كَنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ. وَالثَّانِي لَا يُجْزِئُهُ بِحَالٍ إِلَّا الْوَجْهُ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فِي مَسْأَلَةِ الِانْغِمَاسِ بِلَا مُكْثٍ الْإِجْزَاءُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 54

فَرْعٌ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ بَلَلٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنِيًّا وَمَذْيًا، وَاشْتَبَهَ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ. أَحَدُهَا: يَجِبُ الْوُضُوءُ فَقَطْ، فَلَوْ عَدَلَ إِلَى الْغُسْلِ، كَانَ كَمُحْدِثٍ يَغْتَسِلُ. وَالثَّانِي: يَجِبُ الْوُضُوءُ، وَغَسْلُ سَائِرِ الْبَدَنِ، وَغَسْلُ مَا أَصَابَهُ الْبَلَلُ. وَالثَّالِثُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْتِزَامِ حُكْمِ الْمَنِيِّ، وَحُكْمِ الْمَذْيِ. فَإِنِ اخْتَارَ الْوُضُوءَ وَجَبَ التَّرْتِيبُ فِيهِ، وَغَسَلَ مَا أَصَابَهُ. وَقِيلَ: لَا يَجِبَانِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا أَوْلَجَ خُنْثَى مُشْكِلٌ فِي دُبُرِ رَجُلٍ، فَهُمَا بِتَقْدِيرِ ذُكُورَةِ الْخُنْثَى جُنُبَانِ، وَإِلَّا فَمُحْدِثَانِ. وَإِذَا تَوَضَّآ، وَجَبَ عَلَيْهِمَا التَّرْتِيبُ، وَفِيهِ الْوَجْهُ الْمُتَقَدِّمُ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. فَصْلٌ وَأَمَّا سُنَنُ الْوُضُوءِ، فَكَثِيرَةٌ: إِحْدَاهَا: السِّوَاكُ. وَهُوَ: سُنَّةٌ مُطْلَقًا، وَلَا يُكْرَهُ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ لِصَائِمٍ. وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ وَقْتٍ. وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ فِي أَحْوَالٍ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَغَيِّرَ الْفَمِ، وَعِنْدَ الْوُضُوءِ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ، وَعِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَعِنْدَ اصْفِرَارِ الْأَسْنَانِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرِ الْفَمُ، وَعِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ بِنَوْمٍ، أَوْ طُولِ سُكُوتٍ، أَوْ تَرْكِ أَكْلٍ، أَوْ أَكَلَ مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. وَيَحْصُلُ السِّوَاكُ بِخِرْقَةٍ، وَكُلِّ خَشِنٍ مُزِيلٍ، لَكِنَّ الْعُودَ أَوْلَى، وَالْأَرَاكُ مِنْهُ أَوْلَى، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ بِيَابِسٍ نُدِّيَ بِالْمَاءِ، وَلَا يَحْصُلُ بِأُصْبُعٍ خَشِنَةٍ عَلَى أَصَحِّ الْأَوْجُهِ. وَالثَّالِثُ: يَحْصُلُ عِنْدَ عَدَمِ الْعُودِ، وَنَحْوِهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَاكَ عَرْضًا. قُلْتُ: كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الِاسْتِيَاكَ طُولًا. وَلَنَا قَوْلٌ غَرِيبٌ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ

стр. 55

السِّوَاكُ لِصَائِمٍ بَعْدَ الزَّوَالِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِجَانِبِ فَمِهِ الْأَيْمَنِ، وَأَنْ يُعَوَّدَ الصَّبِيُّ السِّوَاكَ لِيَأْلَفَهُ. وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَاكَ بِسِوَاكِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُمِرَّ السِّوَاكَ عَلَى سَقْفِ حَلْقِهِ إِمْرَارًا لَطِيفًا، وَعَلَى كَرَاسِيِّ أَضْرَاسِهِ. وَيَنْوِيَ بِالسِّوَاكِ السُّنَّةَ. وَيُسَنُّ السِّوَاكُ أَيْضًا عِنْدَ دُخُولِهِ بَيْتَهُ، وَاسْتِيقَاظِهِ مِنْ نَوْمِهِ، لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِيهِمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ فِي ابْتِدَاءِ وَضَوْئِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، فَلَوْ نَسِيَهَا فِي الِابْتِدَاءِ، أَتَى بِهَا مَتَى ذَكَرَهَا قَبْلَ الْفَرَاغِ، كَمَا فِي الطَّعَامِ. فَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا. فَهَلْ يُشْرَعُ التَّدَارُكُ؟ فِيهِ احْتِمَالٌ. قُلْتُ: قَوْلُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ فِيهِ احْتِمَالٌ عَجِيبٌ، فَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ يَتَدَارَكُ فِي الْعَمْدِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي (الْمَجْمُوعِ) وَالْجُرْجَانِيُّ فِي (التَّحْرِيرِ) وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي (شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ فِي ابْتِدَاءِ كُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا حَتَّى عِنْدَ الْجِمَاعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 56

الثَّالِثَةُ: غَسْلُ الْكَفَّيْنِ قَبْلَ الْوَجْهِ. سَوَاءٌ قَامَ مِنَ النَّوْمِ وَشَكَّ فِي نَجَاسَةِ الْيَدِ وَأَرَادَ غَمَسَ يَدِهِ فِي الْإِنَاءِ، أَمْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، لَكِنْ إِنْ أَرَادَ غَمْسَ يَدَيْهِ فِي إِنَاءٍ قَبْلَ غَسْلِهِمَا، كُرِهَ إِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ طَهَارَتَهُمَا. فَإِنْ تَيَقَّنَهَا، فَوَجْهَانِ. الْأَصَحُّ لَا يُكْرَهُ الْغَمْسُ. قُلْتُ: وَلَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ إِلَّا بِغَسْلِهِمَا ثَلَاثًا قَبْلَ الْغَمْسِ. نَصَّ عَلَيْهِ الْبُوَيْطِيُّ، وَصَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِذَا كَانَ الْمَاءُ فِي إِنَاءٍ كَبِيرٍ، أَوْ صَخْرَةٍ مُجَوَّفَةٍ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَصُبَّ مِنْهُ عَلَى يَدِهِ، وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يَغْتَرِفُ بِهِ، اسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ، أَوْ أَخَذَ الْمَاءَ بِفَمِهِ، أَوْ طَرَفِ ثَوْبٍ نَظِيفٍ وَنَحْوِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرَّابِعَةُ: الْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، ثُمَّ أَصْلُ هَذِهِ السُّنَّةِ يَحْصُلُ بِوُصُولِ الْمَاءِ إِلَى الْفَمِ، وَالْأَنْفِ. سَوَاءً كَانَ بِغَرْفَةٍ، أَوْ أَكْثَرَ. وَفِي الْأَفْضَلِ طَرِيقَانِ. الصَّحِيحُ: أَنَّ فِيهِ قَوْلَيْنِ: أَظْهَرُهُمَا: الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ أَفْضَلُ. وَالثَّانِي: الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَفْضَلُ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: الْفَصْلُ أَفْضَلُ قَطْعًا. وَفِي كَيْفِيَّتِهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَتَمَضْمَضُ مِنْ غَرْفَةٍ ثَلَاثًا، وَيَسْتَنْشِقُ مِنْ أُخْرَى ثَلَاثًا. وَالثَّانِي: بِسِتِّ غَرَفَاتٍ، وَتَقْدِيمُ الْمَضْمَضَةِ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ شَرْطٌ عَلَى الْأَصَحِّ. وَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ.

стр. 57

وَفِي كَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ: بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ، يَتَمَضْمَضُ مِنْ كُلِّ غَرْفَةٍ، وَيَسْتَنْشِقُ. وَالثَّانِي: بِغَرْفَةٍ يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مِنْهَا ثَلَاثًا، وَقِيلَ: بَلْ يَتَمَضْمَضُ مِنْهَا ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ مَرَّةً، ثُمَّ كَذَلِكَ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً. قُلْتُ: الْمَذْهَبُ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ، أَنَّ الْجَمْعَ بِثَلَاثٍ أَفْضَلُ، كَذَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُصَرِّحَةٌ بِهِ وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي (شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْخَامِسَةُ: الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، فَيَبْلُغُ مَاءُ الْمَضْمَضَةِ أَقْصَى الْحَنَكِ، وَوَجْهَيِ الْأَسْنَانِ، وَتَمُرُّ الْأُصْبُعُ عَلَيْهَا، وَيَصْعَدُ مَاءُ الِاسْتِنْشَاقِ بِنَفْسِهِ إِلَى الْخَيْشُومِ مَعَ إِدْخَالِ الْإِصْبَعِ الْيُسْرَى، وَإِزَالَةِ مَا هُنَاكَ مِنْ أَذًى. فَإِنْ كَانَ صَائِمًا لَمْ يُبَالِغْ فِيهِمَا. قُلْتُ: وَلَوْ جَعَلَ الْمَاءَ فِي فِيهِ وَلَمْ يُدِرْهُ، حَصَلَتِ الْمَضْمَضَةُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السَّادِسَةُ: التَّكْرَارُ ثَلَاثًا فِي الْمَغْسُولِ وَالْمَمْسُوحِ الْمَفْرُوضِ وَالْمَسْنُونِ، وَلَنَا قَوْلٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ لَا يُكَرِّرُ مَسْحَ الرَّأْسِ، وَوَجْهٌ أَشَذُّ مِنْهُ: أَنَّهُ لَا يُكَرِّرُهُ، وَلَا مَسْحَ الْأُذُنَيْنِ. وَلَوْ شَكَّ هَلْ غَسَلَ وَلَا مَسَحَ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، أَمْ ثَلَاثًا؟ أَخَذَ بِالْأَقَلِّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: بِالْأَكْثَرِ. قُلْتُ: تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَلَاثٍ، وَقِيلَ: تَحْرُمُ، وَقِيلَ: هِيَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الْغَسْلَةُ مَرَّةً، وَإِذَا اسْتَوْعَبَتِ الْعُضْوَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 58

السَّابِعَةُ: تَخْلِيلُ مَا لَا يَجِبُ إِيصَالُ الْمَاءِ إِلَى مَنَابِتِهِ، مِنْ شُعُورِ الْوَجْهِ، بِالْأَصَابِعِ. وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ يَجِبُ التَّخْلِيلُ. قُلْتُ: مُرَادُ قَائِلِهِ ; وُجُوبُ إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى الْمَنْبَتِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَدْ نَقَلُوا الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّامِنَةُ: تَقْدِيمُ الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ فِي يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. وَأَمَّا الْأُذُنَانِ وَالْخَدَّانِ، فَيُطَهَّرَانِ دُفْعَةً. فَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ، قَدَّمَ الْيَمِينَ. قُلْتُ: وَالْكَفَّانِ، كَالْأُذُنَيْنِ وَفِي (الْبَحْرِ) وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْأُذُنِ الْيُمْنَى. وَلَوْ قَدَّمَ مَسْحَ الْأُذُنِ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ، لَمْ يَحْصُلْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. التَّاسِعَةُ: تَطْوِيلُ الْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ. فَالْغُرَّةُ: غَسْلُ مُقَدِّمَاتِ الرَّأْسِ وَصَفْحَةِ الْعُنُقِ مَعَ الْوَجْهِ. وَالتَّحْجِيلُ: غَسْلُ بَعْضِ الْعَضُدَيْنِ مَعَ الذِّرَاعَيْنِ، وَبَعْضُ السَّاقَيْنِ مَعَ الرِّجْلَيْنِ. وَغَايَتُهُ: اسْتِيعَابُ الْعَضُدِ وَالسَّاقِ، وَقَالَ كَثِيرُونَ: الْغُرَّةُ: غَسْلُ بَعْضِ الْعَضُدِ وَالسَّاقِ فَقَطْ. وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ. الْعَاشِرَةُ: اسْتِيعَابُ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ. وَالسُّنَّةُ فِي كَيْفِيَّتِهِ: أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَيُلْصِقُ سَبَّابَتَهُ بِالْأُخْرَى، وَإِبْهَامَيْهِ عَلَى صُدْغَيْهِ، ثُمَّ يَذْهَبُ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى الْمُبْتَدَأِ، فَالذَّهَابُ وَالرَّدُّ مَسْحَةٌ وَاحِدَةٌ. وَهَذَا الِاسْتِحْبَابُ لِمَنْ لَهُ شَعْرٌ يَنْقَلِبُ بِالذَّهَابِ وَالرَّدِّ، وَيَصِلُهُ الْبَلَلُ. أَمَّا مَنْ لَا شَعْرَ لَهُ، أَوْ لَهُ شَعْرٌ لَا يَنْقَلِبُ، لِقَصَرِهِ، أَوْ طُولِهِ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى الذَّهَابِ. فَلَوْ رَدَّ، لَمْ يُحْسَبْ ثَانِيَةً، وَلَوْ لَمْ يَرُدَّ نَزَعَ مَا عَلَى رَأْسِهِ مِنْ عِمَامَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، مَسَحَ مَا يَجِبُ مِنَ الرَّأْسِ.

стр. 59

وَيُسَنُّ تَتْمِيمُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يَقْتَصِرَ عَلَى أَقَلَّ مِنَ النَّاصِيَةِ. وَلَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى الْعِمَامَةِ قَطْعًا. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا بِمَاءٍ جَدِيدٍ. وَلَوْ أَخَذَ بِأَصَابِعِهِ مَاءً لِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَمْسَكَ بَعْضَ أَصَابِعِهِ فَلَمْ يَمْسَحْهُ بِهَا، فَمَسْحُ الْأُذُنِ بِمَائِهَا، كَفَى لِأَنَّهُ جَدِيدٌ، وَيَمْسَحُ الصِّمَاخَيْنِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَفِي قَوْلٍ شَاذٍّ: يَكْفِي مَسْحُهُمَا بِبَقِيَّةِ بَلَلِ الْأُذُنِ. قُلْتُ: وَيَمْسَحُ الصِّمَاخَيْنِ ثَلَاثًا، وَنَقَلُوا: أَنَّ ابْنَ سُرَيْجٍ ﵀، كَانَ يَغْسِلُ أُذُنَيْهِ مَعَ وَجْهِهِ، وَيَمْسَحُهُمَا مَعَ رَأْسِهِ وَمُنْفَرِدَتَيْنِ احْتِيَاطًا فِي الْعَمَلِ بِمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِيهِمَا، وَفِعْلُهُ هَذَا حَسَنٌ. وَقَدْ غَلِطَ مَنْ غَلَّطَهُ فِيهِ زَاعِمًا أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ. وَدَلِيلُ ابْنِ سُرَيْجٍ، نَصَّ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ عَلَى اسْتِحْبَابِ غَسْلِ النَّزْعَتَيْنِ مَعَ الْوَجْهِ، مَعَ أَنَّهُمَا يَمْسَحَانِ فِي الرَّأْسِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: مَسْحُ الرَّقَبَةِ. وَهَلْ هُوَ سُنَّةٌ، أَمْ أَدَبٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَالسُّنَّةُ وَالْأَدَبُ يَشْتَرِكَانِ فِي أَصْلِ الِاسْتِحْبَابِ، لَكِنَّ السُّنَّةَ يَتَأَكَّدُ شَأْنُهَا، وَالْأَدَبُ دُونَ ذَلِكَ. ثُمَّ الْأَكْثَرُونَ، عَلَى أَنَّهُ يَمْسَحُ بِبَاقِي بَلَلِ الرَّأْسِ، أَوِ الْأُذُنِ، وَقِيلَ: بِمَاءٍ جَدِيدٍ. قُلْتُ: وَذَهَبَ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا، إِلَى أَنَّهَا لَا تُمْسَحُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا شَيْءٌ أَصْلًا، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ وَمُتَقَدِّمُو الْأَصْحَابِ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى مِنْ أَسْفَلِ الرِّجْلِ، مُبْتَدِئًا بِخِنْصَرِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى، خَاتِمًا بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى. وَقِيلَ: يُخَلِّلُ مَا بَيْنَ كُلِّ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ بِأُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ يَدِهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْجُمْهُورُ تَخْلِيلَ أَصَابِعِ

стр. 60

الْيَدَيْنِ، وَاسْتَحَبَّهُ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّهُ حَسَنٌ. فَعَلَى هَذَا تَخْلِيلُهَا بِالتَّشْبِيكِ بَيْنَهَا. وَلَوْ كَانَتْ أَصَابِعُ رِجْلَيْهِ مُلْتَفَّةً لَا يَصِلُ الْمَاءُ مَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالتَّخْلِيلِ، وَجَبَ الْإِيصَالُ. وَإِنْ كَانَتْ مُلْتَحِمَةً، لَمْ يَجِبْ فَتْقُهَا، وَلَا يُسْتَحَبُّ. قُلْتُ: بَلْ لَا يَجُوزُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الدَّعَوَاتُ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، فَيَقُولُ عِنْدَ الْوَجْهِ: اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ. وَعِنْدَ الْيَدِ الْيُمْنَى: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي، وَحَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا. وَعِنْدَ الْيُسْرَى: اللَّهُمَّ لَا تُعْطِنِي كِتَابِي بِشَمَالِي، وَلَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي. وَعِنْدَ الرَّأْسِ: اللَّهُمَّ حَرِّمْ شَعْرِي وَبَشَرِي عَلَى النَّارِ. وَعِنْدَ الْأُذُنَيْنِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ. وَعِنْدَ الرِّجْلَيْنِ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمِي عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَامُ. قُلْتُ: هَذَا الدُّعَاءُ، لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْجُمْهُورُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: تَرْكُ الِاسْتِعَانَةِ، وَهَلْ تُكْرَهُ الِاسْتِعَانَةُ؟ وَجْهَانِ. قُلْتُ: الْوَجْهَانِ فِيمَا إِذَا اسْتَعَانَ بِمَنْ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا يُكْرَهُ. أَمَّا إِذَا اسْتَعَانَ بِمَنْ يَغْسِلُ لَهُ الْأَعْضَاءَ، فَمَكْرُوهٌ قَطْعًا. وَإِنِ اسْتَعَانَ بِهِ فِي إِحْضَارِ الْمَاءِ ; فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَحَيْثُ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، فَلَا بَأْسَ بِالِاسْتِعَانَةِ مُطْلَقًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 61

السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَرْكُ التَّنْشِيفِ. وَالثَّانِي: لَا يُسْتَحَبُّ، وَلَا يُكْرَهُ. وَالثَّالِثُ: يُكْرَهُ التَّنْشِيفُ، وَيُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ. وَالرَّابِعُ: يُكْرَهُ فِي الصَّيْفِ دُونَ الشِّتَاءِ. وَالْخَامِسُ: يُسْتَحَبُّ. السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أَنْ لَا يَنْفُضَ يَدَهُ وَالنَّفْضُ: مَكْرُوهٌ. قُلْتُ: فِي النَّفْضِ أَوْجُهٌ. الْأَرْجَحُ: أَنَّهُ مُبَاحٌ، تَرْكُهُ وَفِعْلُهُ سَوَاءٌ. وَالثَّانِي: مَكْرُوهٌ. وَالثَّالِثُ: تَرْكُهُ أَوْلَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: فِي مَنْدُوبَاتٍ أُخَرَ، مِنْهَا: أَنْ يَقُولَ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْمَاءَ طَهُورًا، وَأَنْ يَسْتَصْحِبَ النِّيَّةَ فِي جَمِيعِ الْأَفْعَالِ، وَأَنْ يَجْمَعَ فِي النِّيَّةِ بَيْنَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَأَنْ يَتَعَهَّدَ الْمُوقَيْنِ بِالسَّبَّابَتَيْنِ، وَيُحَرِّكَ الْخَاتَمَ، وَيَتَعَهَّدَ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاحْتِيَاطِ، وَيَبْدَأُ فِي الْوَجْهِ بِأَعْلَاهُ، وَفِي الرَّأْسِ بِمُقَدَّمِهِ، وَفِي الْيَدِ وَالرِّجْلِ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ، إِنْ صَبَّهُ عَلَى نَفْسِهِ. وَإِنْ صَبَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، بَدَأَ بِالْمِرْفَقِ وَالْكَعْبِ. وَأَنْ لَا يَنْقُصَ مَاءُ الْوُضُوءِ عَنْ مُدٍّ، وَأَنْ لَا يُسْرِفَ، وَلَا يَزِيدَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، وَلَا يَتَكَلَّمَ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ، وَلَا يَلْطُمُ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ، وَلَا يَتَوَضَّأَ فِي مَوْضِعٍ يُرْجِعُ إِلَيْهِ رَشَاشَ الْمَاءِ، وَأَنْ يُمِرَّ يَدَهُ عَلَى الْأَعْضَاءِ، وَأَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْفَرَاغِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ مُعْظَمَ هَذِهِ السُّنَنِ يَجِيءُ مِثْلُهَا فِي الْغُسْلِ، وَفِي التَّسْمِيَةِ وَجْهٌ: أَنَّهَا لَا تُسْتَحَبُّ فِي الْغُسْلِ.

стр. 62

فَرْعٌ التَّفْرِيقُ الْيَسِيرُ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، لَا يَضُرُّ بِلَا خِلَافٍ، وَكَذَا الْكَثِيرُ، عَلَى الْجَدِيدِ الْمَشْهُورِ. وَالْكَثِيرُ: هُوَ أَنْ يَمْضِيَ زَمَنٌ يَجِفُّ فِيهِ الْمَغْسُولُ مَعَ اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ وَمِزَاجِ الشَّخْصِ. وَالْقَلِيلُ: دُونَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: تُؤْخَذُ الْقِلَّةُ وَالْكَثْرَةُ مِنَ الْعُرْفِ. وَقِيلَ: الْكَثِيرُ: مُضِيُّ زَمَنٍ يُمْكِنُ فِيهِ إِتْمَامُ الطَّهَارَةِ. وَمُدَّةُ التَّفْرِيقِ تُعْتَبَرُ مِنْ آخِرِ الْمَأْتِيِّ بِهِ مِنْ أَفْعَالِ الْوُضُوءِ. وَلَوْ فَرَّقَ بِعُذْرٍ، كَنَفَادِ الْمَاءِ، لَمْ يَضُرَّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ. وَالنِّسْيَانُ عُذْرٌ عَلَى الْأَصَحِّ. وَحَيْثُ جَازَ التَّفْرِيقُ، فَبَنَى، لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ فِي الْأَصَحِّ. وَالْمُوَالَاةُ فِي الْغُسْلِ، كَهِيَ فِي الْوُضُوءِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ مُطْلَقًا بِلَا خِلَافٍ. قُلْتُ: بَقِيَتْ مَسَائِلُ مُهِمَّةٌ مِنْ صِفَةِ الْوُضُوءِ. مِنْهَا: غَسْلُ الْعَيْنَيْنِ. فِيهِ أَوْجُهٌ. أَحَدُهَا: سُنَّةٌ. وَالثَّانِي: مُسْتَحَبٌّ. وَالثَّالِثُ: لَا يَفْعَلُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِرِجْلِهِ كَعْبٌ، أَوْ لِيَدِهِ مِرْفَقٌ، اعْتَبَرَ قَدْرَهُ، وَلَوْ تَشَقَّقَتْ رِجْلُهُ، فَجَعَلَ فِي شُقُوقِهَا شَمْعًا أَوْ حِنَّاءً، وَجَبَ إِزَالَةُ عَيْنِهِ، فَإِنْ بَقِيَ لَوْنُ الْحِنَّاءِ، لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعُضْوِ دُهْنٌ مَائِعٌ فَجَرَى الْمَاءُ عَلَى الْعُضْوِ، وَلَمْ يَثْبُتْ، صَحَّ وُضُوءُهُ، وَلَوْ كَانَ تَحْتَ أَظْفَارِهِ وَسَخٌ يَمْنَعُ وَصُولَ الْمَاءِ، لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ قَدَّمَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ عَلَى غَسْلِ الْكَفِّ، لَمْ يُحْسَبِ الْكَفُّ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ شَكَّ فِي غَسْلِ بَعْضِ أَعْضَائِهِ فِي أَثْنَاءِ الطَّهَارَةِ، لَمْ يُحْسَبْ لَهُ، وَبَعْدَ الْفَرَاغِ لَا يَضُرُّهُ الشَّكُّ عَلَى الْأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ: جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ بِلَا خِلَافٍ. وَيَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ بِمُجَرَّدِ غَسْلِهِ. وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: يَتَوَقَّفُ عَلَى فَرَاغِ الْأَعْضَاءِ، وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ. وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ. وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَتَوَضَّأُ أَنْ يُصَلِّيَ عَقِبَهُ رَكْعَتَيْنِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ.

стр. 63

بَابٌ الِاسْتِنْجَاءُ الِاسْتِنْجَاءُ وَاجِبٌ. وَلِقَضَاءِ الْحَاجَةِ آدَابٌ. مِنْهَا: أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَتَهُ عَنِ الْعُيُونِ بِشَجَرَةٍ، أَوْ بَقِيَّةِ جِدَارٍ، وَنَحْوِهِمَا، فَإِنْ كَانَ فِي بِنَاءٍ يُمْكِنُ تَسْقِيفُهُ، كَفَى، وَلَوْ جَلَسَ فِي وَسَطِ عَرْصَةِ دَارٍ وَاسِعَةٍ، أَوْ بُسْتَانٍ، فَلْيَسْتُرْ بِقَدْرِ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ، وَلْيَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فَمَا دُونَهَا. وَلَوْ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ وَتَسَتَّرَ بِهَا، أَوْ جَلَسَ فِي وَهْدَةٍ، أَوْ نَهْرٍ، أَوْ أَرْخَى ذَيْلَهُ، حَصَلَ الْغَرَضُ. وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ الشَّمْسَ، وَلَا الْقَمَرَ بِفَرْجِهِ، لَا فِي الصَّحْرَاءِ وَلَا فِي الْبُنْيَانِ. وَهُوَ نَهْيُ تَنْزِيهٍ. قَالَ جَمَاعَةٌ: وَيَجْتَنِبُ الِاسْتِدْبَارَ أَيْضًا. وَالْجُمْهُورُ: اقْتَصَرُوا عَلَى النَّهْيِ عَنِ الِاسْتِقْبَالِ. وَمِنْهَا: إِنْ كَانَ فِي بِنَاءٍ، أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ سَاتِرٌ، فَالْأَدَبُ أَنْ لَا يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرَهَا. فَإِنْ كَانَ فِي صَحْرَاءَ وَلَمْ يَسْتَتِرْ بِشَيْءٍ، حَرُمَ اسْتِقْبَالُهَا وَاسْتِدْبَارُهَا، وَلَا يَحْرُمُ ذَلِكَ فِي الْبِنَاءِ. وَمِنْهَا: أَنْ لَا يَتَخَلَّى فِي مُتَحَدَّثِ النَّاسِ، وَأَنْ لَا يَبُولَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ الْكَثِيرِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْقَلِيلِ أَشَدُّ، وَفِي اللَّيْلِ أَشَدُّ. وَأَنْ لَا يَبُولَ فِي ثُقْبٍ، وَأَنْ لَا يَجْلِسَ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ لِغَائِطٍ، وَلَا بَوْلٍ، وَلَا يَبُولَ فِي مَهَبِّ رِيحٍ. وَأَنْ يَعْتَمِدَ فِي جُلُوسِهِ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَأَنْ يُعِدَّ أَحْجَارَ الِاسْتِنْجَاءِ عِنْدَهُ قَبْلَ جُلُوسِهِ، وَأَنْ لَا يَسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ، مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ ; بَلْ يَنْتَقِلُ عَنْهُ. فَإِنْ كَانَ يَسْتَنْجِي بِالْحَجَرِ، لَمْ يَنْتَقِلْ. قُلْتُ: هَذَا فِي غَيْرِ الْأَخْلِيَةِ الْمُتَّخَذَةِ لِذَلِكَ. أَمَّا الْأَخْلِيَةُ، فَلَا يَنْتَقِلُ مِنْهَا لِلْمَشَقَّةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَنَالُهُ رَشَاشٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 64

وَأَنْ لَا يَسْتَصْحِبَ مَا فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ، أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ ، أَوْ رَسُولِهِ ﷺ ، كَخَاتَمٍ وَدِرْهَمٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا يَخْتَصُّ هَذَا الْأَدَبُ بِالْبُنْيَانِ، بَلْ يَعُمُّ الصَّحْرَاءَ عَلَى الصَّحِيحِ. فَلَوْ غَفَلَ عَنْ نَزْعِ الْخَاتَمِ حَتَّى اشْتَغَلَ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، ضَمَّ كَفَّهُ عَلَيْهِ. وَأَنْ يُقَدِّمَ فِي الدُّخُولِ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَفِي الْخُرُوجِ الْيُمْنَى، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْأَدَبِ، الصَّحْرَاءُ وَالْبُنْيَانُ عَلَى الصَّحِيحِ، فَيُقَدِّمُ الْيُسْرَى إِذَا بَلَغَ مَقْعَدَهُ فِي الصَّحْرَاءِ، وَيُقَدِّمُ الْيُمْنَى فِي انْصِرَافِهِ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالْبُنْيَانِ. وَأَنْ يَسْتَبْرِئَ بِتَنَحْنُحٍ، وَنَتْرِ ذَكَرِهِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْبَوْلِ، وَيُكْرَهُ حَشْوُ الْإِحْلِيلِ بِقُطْنٍ وَنَحْوِهِ. قُلْتُ: يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَاسْتِدْبَارُهُ، بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ، وَلَا يَحْرُمُ، وَلَا يُكْرَهُ الْجِمَاعُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَلَا مُسْتَدْبِرَهَا، لَا فِي بِنَاءٍ وَلَا فِي صَحْرَاءَ عِنْدَنَا. وَاسْتِصْحَابُ مَا عَلَيْهِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخَلَاءِ مَكْرُوهٌ، لَا حَرَامٌ. وَالسُّنَّةُ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دُخُولِ الْخَلَاءِ: (بَاسِمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ) . وَيَقُولُ إِذَا خَرَجَ: (غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي) . وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الْبُنْيَانُ وَالصَّحْرَاءُ، وَلَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ، وَيُسْبِلُهُ عَلَيْهِ إِذَا قَامَ قَبْلَ انْتِصَابِهِ. وَيُكْرَهُ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى، أَوْ يَتَكَلَّمَ بِشَيْءٍ قَبْلَ خُرُوجِهِ، إِلَّا لِضَرُورَةٍ. فَإِنْ عَطَسَ حَمَدَ اللَّهَ تَعَالَى بِقَلْبِهِ، وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ، وَكَذَا يَفْعَلُ فِي حَالِ الْجِمَاعِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْعُدَ عَنِ النَّاسِ، وَأَنْ يَبُولَ فِي مَكَانٍ لَيِّنٍ لَا يَرْتَدُّ عَلَيْهِ فِيهِ بَوْلُهُ. وَيُكْرَهُ فِي قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَعِنْدَ الْقُبُورِ، وَيَحْرُمُ الْبَوْلُ عَلَى الْقَبْرِ. وَفِي الْمَسْجِدِ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْأَصَحِّ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْخَلَاءَ حَافِيًا. وَلَا مَكْشُوفَ الرَّأْسِ، وَأَنْ لَا يَنْظُرَ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهُ، وَلَا إِلَى فَرْجِهِ، وَلَا إِلَى السَّمَاءِ، وَلَا يَعْبَثَ بِيَدِهِ، وَلَا يُكْرَهُ الْبَوْلُ فِي الْإِنَاءِ، وَيُكْرَهُ قَائِمًا بِلَا عُذْرٍ، وَيُكْرَهُ إِطَالَةُ الْقُعُودِ عَلَى الْخَلَاءِ.

стр. 65

فَصْلٌ فِيمَا يُسْتَنْجَى مِنْهُ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْبَدَنِ نَجَسٌ لَا يَنْقُضُ الطُّهْرَ، لَمْ يُجْزِئْ فِيهِ الْحَجَرُ. وَأَمَّا الْخَارِجُ الَّذِي يَنْقُضُ الطُّهْرَ، فَإِنْ كَانَ رِيحًا، لَمْ يَجِبِ الِاسْتِنْجَاءُ. وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ، وَخَرَجَ مِنْ مُنْفَتَحِ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، فَفِي إِجْزَاءِ الْحَجَرِ فِيهِ خِلَافٌ، يَأْتِي فِي الْبَابِ الْآتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ خَارِجًا مِنَ السَّبِيلَيْنِ، يُوجِبُ الطَّهَارَةَ الْكُبْرَى، كَالْمَنِيِّ، وَالْحَيْضِ، وَجَبَ الْغُسْلُ، وَلَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَجَرِ. قُلْتُ: قَدْ صَرَّحَ صَاحِبُ (الْحَاوِي) وَغَيْرُهُ: بِجَوَازِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَجَرِ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ. وَفَائِدَتُهُ فِيمَنِ انْقَطَعَ حَيْضُهَا وَاسْتَنْجَتْ بِالْحَجَرِ، ثُمَّ تَيَمَّمَتْ لِسَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ، صَلَّتْ وَلَا إِعَادَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ أَوْجَبَ الصُّغْرَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُلَوِّثًا كَدُودٍ، وَحَصَاةٍ بِلَا رُطُوبَةٍ، لَمْ يَجِبِ الِاسْتِنْجَاءُ عَلَى الْأَظْهَرِ. قُلْتُ: وَالْبَعْرَةُ الْيَابِسَةُ، كَالْحَصَاةِ، وَصَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ (الشَّامِلِ) وَآخَرُونَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ كَانَ مُلَوِّثًا نَادِرًا، كَالدَّمِ، وَالْقَيْحِ، وَالْمَذْيِ، فَثَلَاثَةُ طُرُقٍ. وَالطَّرِيقُ الصَّحِيحُ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ. وَالثَّانِي: يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ. وَالثَّانِي: يُجْزِئُ الْحَجَرُ قَطْعًا. وَالثَّالِثُ: إِنْ خَرَجَ النَّادِرُ مُخْتَلِطًا بِالْمُعْتَادِ، كَفَى الْحَجَرُ. وَإِنْ تَمَحَّضَ النَّادِرُ، تَعَيَّنَ الْمَاءُ. وَإِنْ كَانَ الْخَارِجُ مُلَوِّثًا مُعْتَادًا وَلَمْ يُجَاوِزِ الْمَخْرَجَ، فَلَهُ الِاقْتِصَارُ

стр. 66

عَلَى الْحَجَرِ قَطْعًا. وَكَذَا إِنْ جَاوَزَ الْمَخْرَجَ، وَلَمْ يُجَاوِزِ الْمُعْتَادَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَشَذَّ بَلْ غَلَطَ مَنْ قَالَ: فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ. فَإِنْ جَاوَزَ الْمُعْتَادَ، وَلَمْ يَخْرُجِ الْغَائِطُ عَنِ الْأَلْيَتَيْنِ، أَجْزَأَ الْحَجَرُ أَيْضًا عَلَى الْأَظْهَرِ. وَقِيلَ: قَطْعًا. وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ قَطْعًا. وَالْبَوْلُ: كَالْغَائِطِ، وَالْحَشَفَةُ: كَالْأَلْيَتَيْنِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: إِذَا جَاوَزَ الْبَوْلُ الثُّقْبَ، تَعَيَّنَ الْمَاءُ قَطْعًا. وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ. وَلَوْ جَاوَزَ الْغَائِطُ الْأَلْيَتَيْنِ، وَالْبَوْلُ الْحَشَفَةَ، تَعَيَّنَ الْمَاءُ قَطْعًا لِنُدُورِهِ، سَوَاءً الْمُجَاوِزُ، وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ فِي غَيْرِ الْمُجَاوِزِ: الْخِلَافُ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَحَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى الْحَجَرِ فَشَرْطُهُ: أَنْ لَا تَنْتَقِلَ النَّجَاسَةُ عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَتْهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ، وَأَنْ لَا يَجِفَّ مَا عَلَى الْمَخْرَجِ. فَإِنْ فُقِدَ أَحَدُهُمَا، تَعَيَّنَ الْمَاءُ قَطْعًا. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْجَافُّ بِحَيْثُ يَقْلَعُهُ الْحَجَرُ، أَجْزَأَ الْحَجَرُ. فَصْلٌ فِيمَا يُسْتَنْجَى بِهِ غَيْرَ الْمَاءِ وَلَهُ شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، فَلَوِ اسْتَنْجَى بِنَجِسٍ، تَعَيَّنَ بَعْدَهُ الْمَاءُ، عَلَى الصَّحِيحِ. وَعَلَى الثَّانِي: يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ إِنْ كَانَ النَّجِسُ جَامِدًا. الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُنَشِّفًا قَالِعًا لِلنَّجَاسَةِ، فَلَا يُجْزِئُ زُجَاجٌ، وَقَصَبٌ، وَحَدِيدٌ أَمْلَسُ، وَفَحْمٌ رَخْوٌ، وَتُرَابٌ مُتَنَاثِرٌ، وَيُجْزِئُ فَحْمٌ وَتُرَابٌ صُلْبَانِ. وَقِيلَ فِي التُّرَابِ وَالْفَحْمِ: قَوْلَانِ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَإِنِ اسْتَنْجَى بِمَا لَا يَقْلَعُ، لَمْ يُجْزِئْهُ وَإِنْ أَنْقَى. فَإِنْ نَقَلَ النَّجَاسَةَ، تَعَيَّنَ الْمَاءُ، وَإِلَّا أَجْزَأَ الْحَجَرُ. وَلَوِ اسْتَنْجَى بِرَطْبٍ مِنْ حَجَرٍ، أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى الصَّحِيحِ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يَكُونَ مُحْتَرَمًا، فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِنْجَاءُ بِمَطْعُومٍ، كَالْخُبْزِ، وَالْعَظْمِ. وَلَا بِمَا كُتِبَ عَلَيْهِ عِلْمٌ، كَحَدِيثٍ، وَفِقْهٍ، وَفِي جُزْءِ الْحَيَوَانِ

стр. 67

الْمُتَّصِلِ بِهِ، كَالْيَدِ وَالْعَقِبِ، وَذَنَبِ حِمَارٍ، وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ: لَا يَجُوزُ. وَقِيلَ: يَجُوزُ بِيَدِ نَفْسِهِ، دُونَ يَدِ غَيْرِهِ. وَقِيلَ: عَكْسُهُ. وَيَجُوزُ بِقِطْعَةِ ذَهَبٍ، وَفِضَّةٍ، وَجَوْهَرٍ نَفِيسٍ خَشِنَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ، كَمَا يَجُوزُ بِالدِّيبَاجِ قَطْعًا. وَإِنِ اسْتَنْجَى بِمُحْتَرَمٍ، عَصَى، وَلَا يُجْزِئُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، لَكِنْ يُجْزِئُهُ الْحَجَرُ بَعْدَهُ، إِلَّا أَنْ يَنْقُلَ النَّجَاسَةَ، وَأَمَّا الْجِلْدُ الطَّاهِرُ، فَالْأَظْهَرُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَدْبُوغًا، جَازَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ. وَإِلَّا فَلَا. وَالثَّانِي: يَجُوزُ مُطْلَقًا. وَالثَّالِثُ: لَا يَجُوزُ مُطْلَقًا. وَلَوِ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ، ثُمَّ غَسَلَهُ وَيَبُسَ، جَازَ الِاسْتِنْجَاءُ بِهِ، وَإِنِ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَبْقَ عَلَى الْمَحَلِّ شَيْءٌ، فَاسْتَعْمَلَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَلَمْ يَتَلَوَّثَا، جَازَ اسْتِعْمَالُهُمَا مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ عَلَى الصَّحِيحِ. فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِنْجَاءِ إِذَا اسْتَنْجَى بِجَامِدٍ، وَجَبَ الْإِنْقَاءُ، وَاسْتِيفَاءٌ بِثَلَاثِ مَسَحَاتٍ بِأَحْرُفِ حَجَرٍ، أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ، أَوْ بِأَحْجَارٍ. وَلَوْ حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِدُونِ الثَّلَاثِ، وَجَبَ ثَلَاثٌ. وَفِي وَجْهٍ: يَكْفِي الْإِنْقَاءُ، وَهُوَ شَاذٌّ، أَوْ غَلَطٌ. وَإِذَا لَمْ يَحْصُلِ الْإِنْقَاءُ بِثَلَاثٍ، وَجَبَتِ الزِّيَادَةُ. فَإِنْ حَصَلَ بِرَابِعٍ، اسْتُحِبَّ الْإِتْيَانُ بِخَامِسٍ وَلَا يَجِبُ. وَفِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِنْجَاءِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: يَمْسَحُ بِكُلِّ حَجَرٍ جَمِيعَ الْمَحَلِّ، فَيَضَعُهُ عَلَى مُقَدَّمِ الصَّفْحَةِ الْيُمْنَى، وَيُدِيرُهُ عَلَى الصَّفْحَتَيْنِ إِلَى أَنْ يَصِلَ مَوْضِعَ ابْتِدَائِهِ، وَيَضَعُ الثَّانِيَ عَلَى مُقَدَّمِ الصَّفْحَةِ الْيُسْرَى، وَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَمْسَحُ بِالثَّالِثِ الصَّفْحَتَيْنِ وَالْمَسْرُبَةَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَمْسَحُ بِحَجَرٍ الصَّفْحَةَ الْيُمْنَى، وَبِالثَّانِي الْيُسْرَى، وَبِالثَّالِثِ الْوَسَطَ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يَمْسَحَ بِالْأَوَّلِ مِنْ مُقَدَّمِ الْمَسْرُبَةِ إِلَى آخِرِهَا.

стр. 68

وَبِالثَّانِي مِنْ آخِرِهَا إِلَى أَوَّلِهَا، وَيُحَلِّقُ بِالثَّالِثِ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ عَلَى الصَّحِيحِ. فَيَجُوزُ عِنْدَ كُلِّ قَائِلٍ الْعُدُولُ إِلَى الْكَيْفِيَّةِ الْأُخْرَى، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. قُلْتُ: وَقِيلَ: يَجُوزُ الْعُدُولُ مِنَ الْكَيْفِيَّةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْأُولَى دُونَ عَكْسِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَضَعَ الْحَجَرَ عَلَى مَوْضِعٍ طَاهِرٍ بِقُرْبِ النَّجَاسَةِ، ثُمَّ يُمِرُّهُ عَلَى الْمَحَلِّ، وَيُدِيرُهُ قَلِيلًا قَلِيلًا. فَإِنْ أَمَرَّهُ وَنَقَلَ النَّجَاسَةَ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ، تَعَيَّنَ الْمَاءُ، فَإِنْ أَمَرَّ وَلَمْ يُدِرْهُ وَلَمْ يَنْقُلْ، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُجْزِئُهُ. وَالثَّانِي: لَا بُدَّ مِنَ الْإِدَارَةِ. فَرْعٌ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَنْجِيَ بِالْيَسَارِ. فَإِنِ اسْتَنْجَى بِمَاءٍ، صَبَّهُ بِالْيُمْنَى، وَمَسَحَ بِالْيُسْرَى. وَإِنِ اسْتَنْجَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَوْلٍ، أَوْ غَائِطٍ، أَوْ رَجُلٌ مِنْ غَائِطٍ بِالْحَجَرِ، مَسَحَ بِيَسَارِهِ، وَلَمْ يَسْتَعِنْ بِيَمِينِهِ فِي شَيْءٍ. وَإِذَا اسْتَنْجَى الرَّجُلُ مِنَ الْبَوْلِ بِجِدَارٍ أَوْ صَخْرَةٍ عَظِيمَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَمْسَكَ الذَّكَرَ بِيَسَارِهِ وَمَسَحَهُ عَلَى ثَلَاثِ مَوَاضِعَ. وَإِذَا اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ صَغِيرٍ، أَمْسَكَهُ بَيْنَ عَقِبَيْهِ، أَوْ إِبْهَامَيْ رِجْلَيْهِ، أَوْ تَحَامَلَ عَلَيْهِ إِنْ أَمْكَنَهُ، وَالذَّكَرُ فِي يَسَارِهِ. فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ وَاضْطَرَّ إِلَى إِمْسَاكِ الْحَجَرِ بِيَدِهِ، أَمْسَكَهُ بِالْيُمْنَى، وَأَخَذَ الذَّكَرَ بِالْيُسْرَى، وَحَرَّكَ الْيَسَارَ وَحْدَهَا. فَإِنْ حَرَّكَ الْيُمْنَى، أَوْ حَرَّكَهُمَا جَمِيعًا، كَانَ مُسْتَنْجِيًا بِالْيَمِينِ. وَقِيلَ: يَأْخُذُ الذَّكَرَ بِالْيَمِينِ، وَالْحَجَرَ بِالْيَسَارِ وَيُحَرِّكُهَا، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.

стр. 69

فَرْعٌ الْأَفْضَلُ: أَنْ يَجْمَعَ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْجَامِدِ، وَيُقَدِّمَ الْجَامِدَ. فَإِنِ اقْتَصَرَ، فَالْمَاءُ أَفْضَلُ. فَرْعٌ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ مِنَ الْغَائِطِ، كَغَيْرِهِ، وَلَيْسَ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَجَرِ فِي الْبَوْلِ، إِلَّا إِذَا قُلْنَا: مَنِ انْفَتَحَ لَهُ دُونَ الْمَعِدَةِ مَخْرَجٌ، مَعَ انْفِتَاحِ الْأَصْلِيِّ، يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ بِالْخَارِجِ مِنْهُ، وَيَجُوزُ لَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَجَرِ. أَمَّا الرَّجُلُ، فَمُخَيَّرٌ فِي فَرْجَيْهِ، بَيْنَ الْمَاءِ وَالْحَجَرِ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ الْبِكْرُ، وَكَذَا الثَّيِّبُ. فَإِنَّ مَخْرَجَ بَوْلِهَا، فَوْقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ. وَالْغَالِبُ أَنَّهَا إِذَا بَالَتْ، نَزَلَ الْبَوْلُ إِلَى مَدْخَلِ الذَّكَرِ. فَإِنْ تَحَقَّقَتْ ذَلِكَ، تَعَيَّنَ الْمَاءُ، وَإِلَّا جَازَ الْحَجَرُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالْوَاجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ غَسْلُ مَا يَظْهَرُ إِذَا جَلَسَتْ عَلَى الْقَدَمَيْنِ. وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: يَجِبُ عَلَى الثَّيِّبِ غَسْلُ بَاطِنِ فَرْجِهَا. قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَنْجِيَ قَبْلَ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ، فَإِنْ قَدَّمَهُمَا عَلَى الِاسْتِنْجَاءِ ; صَحَّ الْوُضُوءُ، دُونَ التَّيَمُّمِ، عَلَى أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ. وَالثَّانِي: يَصِحَّانِ. وَالثَّالِثُ: لَا يَصِحَّانِ. وَلَوْ تَيَمَّمَ وَعَلَى يَدَيْهِ نَجَاسَةٌ، فَهُوَ كَالتَّيَمُّمِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ قَطْعًا، كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ. وَإِذَا أَوْجَبْنَاهُ فِي الدُّودَةِ، وَالْحَصَاةِ، وَالْبَعْرَةِ، أَجْزَأَهُ الْحَجَرُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي الدَّمِ وَغَيْرِهِ مِنَ النَّادِرِ، وَهَذَا أَشْهَرُ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَلَكِنَّ الصَّوَابَ: الْأَوَّلُ. وَلَوْ وَقَعَ الْخَارِجُ مِنَ الْإِنْسَانِ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ تَرَشَّشَ مِنْهُ شَيْءٌ فَارْتَفَعَ إِلَى الْمَحَلِّ، أَوْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أُخْرَى، تَعَيَّنَ الْمَاءُ، لِخُرُوجِهِ عَمَّا يَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ الْمُسْتَنْجِيَ بِالْمَاءِ بِقُبُلِهِ، وَيُدَلِّكَ يَدَهُ بَعْدَ غَسْلِ الدُّبُرِ، وَيَنْضَحَ فَرْجَهُ، أَوْ سَرَاوِيلَهُ

стр. 70

بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ دَفْعًا لِلْوَسْوَاسِ. وَيَعْتَمِدُ فِي غَسْلِ الدُّبُرِ عَلَى أُصْبُعِهِ الْوُسْطَى، وَيَسْتَعْمِلُ مِنَ الْمَاءِ مَا يَغْلُبُ عَلَى الظَّنِّ زَوَالُ النَّجَاسَةِ بِهِ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لِلْبَاطِنِ، وَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُ النَّجَاسَةِ، ثُمَّ شَمَّ مِنْ يَدِهِ رِيحَهَا، فَهَلْ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَحَلِّ كَمَا هِيَ فِي الْيَدِ، أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَابٌ الْأَحْدَاثُ الْحَدَثُ يُطْلَقُ عَلَى مَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ، وَعَلَى مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ. فَيُقَالُ: حَدَثٌ أَكْبَرُ، وَحَدَثٌ أَصْغَرُ، وَإِذَا أُطْلِقَ، كَانَ الْمُرَادُ الْأَصْغَرَ غَالِبًا، وَهُوَ مُرَادُنَا هُنَا. وَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ عِنْدَنَا بِخَارِجٍ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، وَلَا بِقَهْقَهَةِ الْمُصَلِّي، وَلَا بِأَكْلِ لَحْمِ الْجَزُورِ، وَلَا بِأَكْلِ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ، وَفِي لَحْمِ الْجَزُورِ قَوْلٌ قَدِيمٌ شَاذٌّ. قُلْتُ: هَذَا الْقَدِيمُ وَإِنْ كَانَ شَاذًّا فِي الْمَذْهَبِ، فَهُوَ قَوِيٌّ فِي الدَّلِيلِ، فَإِنَّ فِيهِ حَدِيثَيْنِ صَحِيحَيْنِ لَيْسَ عَنْهُمَا جَوَابٌ شَافٍ. وَقَدِ اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا الْمُحَدِّثِينَ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ كُلَّ ذَلِكَ مَبْسُوطًا فِي شَرْحِ (الْمُهَذَّبِ) وَهَذَا الْقَدِيمُ مِمَّا أَعْتَقِدُ رُجْحَانَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنَّمَا يَنْتَقِضُ بِأَحَدِ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ. الْأَوَّلُ: الْخَارِجُ مَنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ، عَيْنًا كَانَ، أَوْ رِيحًا، مِنْ قُبُلِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، أَوْ دُبُرِهِمَا، نَادِرًا كَانَ، كَالدَّمِ وَالْحَصَى، أَوْ مُعْتَادًا، نَجِسَ الْعَيْنِ، أَوْ طَاهِرَهَا، كَالدُّودِ وَالْحَصَى، إِلَّا الْمَنِيَّ، فَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ بِخُرُوجِهِ، وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْغُسْلَ. وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ أَيْضًا، وَدُبُرُ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ، كَغَيْرِهِ.

стр. 71

فَإِنْ خَرَجَ شَيْءٌ مِنْ قُبُلَيْهِ، نَقَضَ. وَإِنْ خَرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَلَهُ حُكْمُ الْمُنْفَتِحِ تَحْتَ الْمَعِدَةِ. فَرْعٌ إِذَا انْسَدَّ السَّبِيلُ الْمُعْتَادُ وَانْفَتَحَ ثُقْبُهُ تَحْتَ الْمَعِدَةِ، وَخَرَجَ مِنْهُ الْمُعْتَادُ، وَهُوَ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ، نَقَضَ قَطْعًا، وَإِنْ خَرَجَ نَادِرٌ، كَدَمٍ وَدُودٍ وَرِيحٍ، نَقَضَ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَإِنِ انْفَتَحَ فَوْقَ الْمَعِدَةِ مَعَ انْسِدَادِ الْمُعْتَادِ، أَوْ تَحْتَهَا مَعَ انْفِتَاحِهِ، لَمْ يَنْقُضِ الْخَارِجُ الْمُعْتَادُ مِنْهُ، عَلَى الْأَظْهَرِ، فَإِنْ نَقَضَ، فَفِي النَّادِرِ الْقَوْلَانِ، وَإِنِ انْفَتَحَ فَوْقَهَا مَعَ انْفِتَاحِ الْأَصْلِيِّ، لَمْ يَنْقُضْ قَطْعًا. قُلْتُ: ذَهَبَ كَثِيرُونَ مِنَ الْأَصْحَابِ إِلَى أَنَّ فِيهِ طَرِيقَيْنِ. الثَّانِي: عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ الرِّيحَ، مِنَ الْخَارِجِ الْمُعْتَادِ، وَمُرَادُهُمْ بِتَحْتِ الْمَعِدَةِ: مَا تَحْتَ السُّرَّةِ، وَبِفَوْقِهَا: السُّرَّةُ، وَمُحَاذَاتُهَا، وَمَا فَوْقَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَحَيْثُ نَقَضْنَا، فَهَلْ يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ فِي الْخَارِجِ مِنْهُ عَلَى الْحَجَرِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. وَقِيلَ: أَوْجُهٌ، الْأَظْهَرُ: لَا. وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ فِي الْمُعْتَادِ دُونَ النَّادِرِ، وَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ بِمَسِّهِ، وَلَا الْغُسْلُ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ، وَلَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ فَوْقَ السُّرَّةِ، أَوْ مُحَاذِيًا لَهَا، وَلَا يَثْبُتُ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْوَطْءِ قَطْعًا، سِوَى الْغُسْلِ عَلَى وَجْهٍ. وَقِيلَ: يَثْبُتُ الْمَهْرُ وَسَائِرُ أَحْكَامِ الْوَطْءِ. قُلْتُ: لَوْ أَخْرَجَتْ دُودَةٌ رَأْسَهَا مِنْ فَرْجِهِ، ثُمَّ رَجَعَتْ، انْتَقَضَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْخُنْثَى الْوَاضِحُ: إِذَا خَرَجَ مِنْ فَرْجِهِ الزَّائِدِ شَيْءٌ، فَلَهُ حُكْمُ مُنْفَتِحٍ تَحْتَ الْمَعِدَةِ. وَلَوْ خَرَجَ مِنْ أَحَدِ قُبُلَيْ مُشْكِلٍ، فَكَذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَيَنْتَقِضُ قَطْعًا وَقِيلَ: عَكْسُهُ. وَمَنْ لَهُ ذَكَرَانِ، يَنْتَقِضُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 72

النَّاقِضُ الثَّانِي: زَوَالُ الْعَقْلِ، فَإِنْ كَانَ بِالْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ، نَقَضَ بِكُلِّ حَالٍ. وَالسُّكْرُ النَّاقِضُ: مَا لَا شُعُورَ مَعَهُ دُونَ أَوَائِلِ النَّشْوَةِ. وَحُكِيَ وَجْهٌ: أَنَّ السُّكْرَ لَا يَنْقُضُ بِحَالٍ، وَهُوَ غَلَطٌ. وَأَمَّا النَّوْمُ، فَحَقِيقَتُهُ: اسْتِرْخَاءُ الْبَدَنِ، وَزَوَالُ الِاسْتِشْعَارِ، وَخَفَاءُ كَلَامِ مَنْ عِنْدَهُ. وَلَيْسَ فِي مَعْنَاهُ النُّعَاسُ، وَحَدِيثُ النَّفْسِ، فَإِنَّهُمَا لَا يَنْقُضَانِ بِحَالٍ، فَإِنْ نَامَ مُمَكِّنًا مَقْعَدَهُ مِنْ مَقَرِّهِ، لَمْ يَنْقُضْ. وَقِيلَ: إِنِ اسْتَنَدَ إِلَى مَا يَسْقُطُ بِسُقُوطِهِ، نَقَضَ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ نَامَ غَيْرَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَهُ، نَقَضَ. وَفِي قَوْلٍ: لَا يَنْقُضُ النَّوْمُ عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ. وَفِي قَوْلٍ: لَا يَنْقُضُ فِي الصَّلَاةِ كَيْفَ كَانَ. وَفِي قَوْلٍ: لَا يَنْقُضُ النَّوْمُ قَائِمًا. وَفِي قَوْلٍ: يَنْقُضُ وَإِنْ كَانَ مُمَكِّنًا مَقْعَدَهُ. وَهَذِهِ أَقْوَالٌ شَاذَّةٌ. قُلْتُ: لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ قَلِيلِ النَّوْمِ وَكَثِيرِهِ. وَلَوْ نَامَ مُحْتَبِيًا، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَصَحُّهَا: لَا يَنْتَقِضُ. وَالثَّالِثُ: يَنْتَقِضُ وُضُوءُ نَحِيفِ الْأَلْيَيْنِ دُونَ غَيْرِهِ. وَلَوْ نَامَ مُمَكِّنًا مَقْعَدَتَهُ فَزَالَتْ إِحْدَى أَلْيَتَيْهِ عَنِ الْأَرْضِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الِانْتِبَاهِ، انْتَقَضَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، أَوْ مَعَهُ، أَوْ شَكَّ، لَمْ يَنْتَقِضْ. وَلَوْ شَكَّ، هَلْ نَامَ أَمْ نَعَسَ؟ أَوْ هَلْ نَامَ مُمَكِّنًا أَمْ لَا؟ لَمْ يَنْتَقِضْ. وَلَوْ نَامَ عَلَى قَفَاهُ مُلْصِقًا مَقْعَدَهُ بِالْأَرْضِ، انْتَقَضَ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَثْفِرًا بِشَيْءٍ، انْتَقَضَ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَصْحَابُ: يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنَ النَّوْمِ مُمَكِّنًا لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. النَّاقِضُ الثَّالِثُ: لَمْسُ بَشَرَةِ امْرَأَةٍ مُشْتَهَاةٍ، فَإِنْ لَمَسَ شَعْرًا، أَوْ سِنًّا، أَوْ ظُفُرًا، أَوْ عُضْوًا مُبَانًا مِنِ امْرَأَةٍ، أَوْ بَشَرَةَ صَغِيرَةٍ لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ الشَّهْوَةِ، لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ، عَلَى الْأَصَحِّ. وَإِنْ لَمَسَ مُحَرَّمًا بِنَسَبٍ، أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ مُصَاهَرَةٍ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَإِنْ لَمَسَ مَيْتَةً، أَوْ عَجُوزًا لَا تُشْتَهَى، أَوْ عُضْوًا أَشَلَّ، أَوْ زَائِدًا، أَوْ لَمَسَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، أَوْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، انْتَقَضَ عَلَى الصَّحِيحِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ،

стр. 73

وَيَنْتَقِضُ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي انْتِقَاضِ طُهْرِهَا بِلَمْسِهَا مِنَ الرَّجُلِ مَا يَنْقُضُهُ مِنْهَا. وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ: أَنَّهَا لَا تَزَالُ مَلْمُوسَةً، فَإِذَا لَمَسَتْ رَجُلًا، كَانَ فِي انْتِقَاضِهَا الْقَوْلَانِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. قُلْتُ: وَلَوِ الْتَقَتْ بَشَرَتَا رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ بِحَرَكَةٍ مِنْهُمَا، انْتَقَضَتَا قَطْعًا وَلَيْسَ فِيهِمَا مَلْمُوسٌ. وَلَوْ لَمَسَ الشَّيْخُ الْفَاقِدُ لِلشَّهْوَةِ شَابَّةً، أَوْ لَمَسَتِ الْفَاقِدَةُ لِلشَّهْوَةِ شَابًّا، أَوِ الشَّابَّةُ شَيْخًا لَا يُشْتَهَى، انْتَقَضَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَالْمُرَاهِقُ، وَالْخَصِيُّ، وَالْعِنِّينُ، يَنْقُضُونَ وَيَنْتَقِضُونَ. وَلَوْ لَمَسَ الرَّجُلُ أَمْرَدَ حَسَنَ الصُّورَةِ بِشَهْوَةٍ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ شَكَّ هَلْ هُوَ لَامِسٌ أَوْ مَلْمُوسٌ؟ فَهُوَ مَلْمُوسٌ، أَوْ هَلْ لَمَسَ مُحَرَّمًا، أَوْ أَجْنَبِيَّةً؟ فَمُحَرَّمٌ. وَلَوْ لَمَسَ مُحَرَّمًا بِشَهْوَةٍ، فَكَلَمْسِهَا بِغَيْرِ شَهْوَةٍ. وَلَمْسُ اللِّسَانِ، وَلَحْمِ الْأَسْنَانِ، وَاللَّمْسُ بِهِ، يَنْتَقِضُ قَطْعًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. النَّاقِضُ الرَّابِعُ: مَسُّ فَرْجِ الْآدَمِيِّ، فَيَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ إِذَا مَسَّ بِبَطْنِ كَفِّهِ فَرْجَ آدَمِيٍّ، مِنْ نَفْسِهِ، أَوْ غَيْرِهِ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ، قُبُلًا كَانَ الْمَمْسُوسُ، أَوْ دُبُرًا. وَفِي فَرْجِ الصَّغِيرِ، وَالْمَيِّتِ، وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَفِي الدُّبُرِ قَوْلٌ شَاذٌّ: أَنَّهُ لَا يَنْتَقِضُ. وَالْمُرَادُ بِالدُّبُرِ: مُلْتَقَى الْمَنْفَذِ، وَمَسُّ مَحَلِّ الْجَبِّ يَنْقُضُ قَطْعًا إِنْ بَقِيَ شَيْءٌ شَاخِصٌ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ، نَقَضَ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَسُّ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ وَالْأَشَلِّ، وَالْمَسُّ بِالْيَدِ الشَّلَّاءِ، وَنَاسِيًا، نَاقِضٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ مَسَّ بِبَاطِنِ أُصْبُعٍ زَائِدَةٍ، إِنْ كَانَتْ عَلَى اسْتِوَاءِ الْأَصَابِعِ، نَقَضَتْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِلَّا فَلَا، عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ كَانَ لَهُ كَفَّانِ عَامِلَتَانِ، نَقَضَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. وَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَامِلَةً نَقَضَتْ دُونَ الْأُخْرَى. وَقِيلَ: فِي الزَّائِدَةِ خِلَافٌ مُطْلَقًا. وَلَا يَنْقُضُ مَسُّ دُبُرِ الْبَهِيمَةِ قَطْعًا، وَلَا قُبُلِهَا، عَلَى الْجَدِيدِ الْمَشْهُورِ. قُلْتُ: أَطْلَقَ الْأَصْحَابُ الْخِلَافَ فِي فَرْجِ الْبَهِيمَةِ، وَلَمْ يَخُصُّوا بِهِ الْقُبُلَ. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَنْقُضُ مَسُّهُ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي فَرْجِهَا، لَمْ يَنْقُضْ عَلَى الْأَصَحِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 74

هَذَا كُلُّهُ فِي الْمَسِّ بِبَطْنِ كَفِّهِ، فَإِنْ مَسَّ بِرُءُوسِ الْأَصَابِعِ، أَوْ بِمَا بَيْنَهَا، أَوْ بِحَرْفِهَا، أَوْ حَرْفِ الْكَفِّ، لَمْ يَنْتَقِضْ عَلَى الْأَصَحِّ. وَمَنْ نَقَضَ بِرُءُوسِ الْأَصَابِعِ قَالَ: بَاطِنُ الْكَفِّ: مَا بَيْنَ الْأَظْفَارِ وَالزَّنْدِ طُولًا. وَمَنْ لَمْ يَنْقُضْ بِهِ يَقُولُ: هُوَ الْقَدْرُ الْمُنْطَبِقُ إِذَا وَضَعْتَ إِحْدَى الْيَدَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، مَعَ تَحَامُلٍ يَسِيرٍ. وَأَمَّا الْمَمْسُوسُ فَرْجُهُ، فَلَا يَنْتَقِضُ قَطْعًا. قُلْتُ: وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلَانِ، كَالْمَلْمُوسِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ إِذَا مَسَّ الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ فَرْجَ وَاضِحٍ، فَحُكْمُهُ مَا سَبَقَ، وَإِنْ مَسَّ فَرْجَيْ نَفْسِهِ، انْتَقَضَ، أَوْ أَحَدَهُمَا، فَلَا. وَإِنْ مَسَّ أَحَدَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، ثُمَّ مَسَّ الْآخَرَ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَضَاءُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. وَالثَّانِي: يَجِبُ قَضَاؤُهُمَا، وَلَوْ مَسَّ أَحَدَهُمَا وَصَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ مَسَّ الْآخَرَ، وَصَلَّى الظُّهْرَ مِنْ غَيْرِ وُضُوءٍ، أَعَادَ الظُّهْرَ قَطْعًا فَقَطْ، أَمَّا إِذَا مَسَّ الْوَاضِحُ خُنْثَى، فَإِنْ مَسَّ مِنْهُ مَا لَهُ مِثْلُهُ، انْتَقَضَ، وَإِلَّا فَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ الرَّجُلِ بِمَسِّ ذَكَرِ الْخُنْثَى وَالْمَرْأَةِ بِفَرْجِهِ، وَلَا عَكْسَ. هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْمَاسِّ وَالْخُنْثَى مَحْرَمِيَّةٌ، أَوْ غَيْرُهَا مِمَّا يَمْنَعُ النَّقْضَ، وَحَيْثُ نَقَضْنَا الْوَاضِحَ، فَالْخُنْثَى مَمْسُوسٌ لَا مَلْمُوسٌ، وَلَوْ مَسَّ الْمُشْكِلُ فَرْجَيْ مُشْكِلٍ، أَوْ فَرْجَ نَفْسِهِ، وَذَكَرَ مُشْكِلٍ، انْتَقَضَ. وَلَوْ مَسَّ أَحَدٌ فَرْجَيْ مُشْكِلٍ، لَمْ يَنْتَقِضْ. وَلَوْ مَسَّ أَحَدُ الْمُشْكِلَيْنِ فَرْجَ صَاحِبِهِ، وَمَسَّ الْآخَرُ ذَكَرَ الْأَوَّلِ، انْتَقَضَ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ، لَكِنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ، لِأَنَّ الْأَصْلَ: الطَّهَارَةُ.

стр. 75

مِنَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي يُبْنَى عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَحْكَامِ، اسْتِصْحَابُ حُكْمِ الْيَقِينِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنِ الشَّكِّ، فَلَوْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، أَوْ عَكْسُهُ، عَمِلَ بِالْيَقِينِ فِيهِمَا. وَلَوْ ظَنَّ الْحَدَثَ بَعْدَ يَقِينِ الطَّهَارَةِ، فَكَالشَّكِّ، فَلَهُ الصَّلَاةُ. وَلَنَا وَجْهٌ: أَنَّهُ إِذَا شَكَّ فِي الْحَدَثِ خَارِجَ الصَّلَاةِ، وَجَبَ الْوُضُوءُ، وَهَذَا شَاذٌّ، بَلْ غَلَطٌ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا إِذَا مَسَّ الْخُنْثَى فَرْجَهُ مَرَّتَيْنِ، وَشَكَّ، هَلِ الْمَمْسُوسُ ثَانِيًا الْأَوَّلُ، أَمِ الْآخَرُ؟ أَوْ شَكَّ مَنْ نَامَ قَاعِدًا، ثُمَّ تَمَايَلَ وَانْتَبَهَ، أَيُّهُمَا كَانَ أَسْبَقُ؟ أَوْ شَكَّ هَلْ مَا رَآهُ رُؤْيَا، أَمْ حَدِيثُ نَفْسٍ؟ أَوْ هَلْ لَمَسَ الْبَشَرَةَ، أَمِ الشَّعْرَ؟ فَلَا يَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ فِي جَمِيعِ هَذَا. وَكَذَا الشَّكُّ فِي الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ. وَلَوْ تَيَقَّنَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَدَثًا، وَطَهَارَةً، وَلَمْ يَعْلَمْ أَسْبَقَهُمَا، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَصَحُّهَا، وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مُحْدِثًا، فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ، وَإِنْ كَانَ مُتَطَهِّرًا فَالْآنَ مُحْدِثٌ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْتَادُ تَجْدِيدَ الْوُضُوءِ، وَإِلَّا فَمُتَطَهِّرٌ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَجَبَ الْوُضُوءُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا نَظَرَ إِلَى مَا بَعْدَهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَجَبَ الْوُضُوءُ. وَالثَّالِثُ: لَا نَظَرَ إِلَى مَا قَبْلَ الطُّلُوعِ، بَلْ يَجِبُ الْوُضُوءُ بِكُلِّ حَالٍ. قُلْتُ: الْوَجْهُ الثَّانِي: غَلَطٌ صَرِيحٌ، وَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِالْعَمَلِ بِمَا تَيَقَّنَ بُطْلَانَهُ؟ ! وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ جَمَاعَاتٍ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا. وَفِيهِ وَجْهٌ رَابِعٌ: يَعْمَلُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ دَلَائِلَهُ فِي شَرْحِ (الْمُهَذَّبِ) . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →