← Фикх шафии

Фикх шафии · id 499

روضة الطالبين وعمدة المفتين

النووي

Полный текст (4 941 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

الْجَارِيَةَ، وَحُرِّيَّةُ الْوَلَدِ تَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ الِاسْتِيلَادُ، وَلِهَذَا لَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ غَيْرِهِ وَهُوَ يَظُنُّهَا أَمَتَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ الْحُرَّةَ، انْعَقَدَ الْوَلَدُ حُرًّا وَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ الِاسْتِيلَادُ، وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ تَبَعٌ لِلِاسْتِيلَادِ وَهُوَ مُتَبَعِّضٌ بِخِلَافِ الشُّبْهَةِ فَإِنَّهَا نَاشِئَةٌ مِنْ ظَنٍّ لَا يَتَبَعَّضُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ مَلَكَ بَاقِيَ الْجَارِيَةِ بَعْدَ ذَلِكَ بَقِيَ الرِّقُّ فِيهِ، لِأَنَّهَا عَلَقَتْ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ بِرَقِيقٍ، وَإِنْ قُلْنَا: جَمِيعُهُ حُرٌّ، فَفِي ثُبُوتِ الِاسْتِيلَادِ فِي بَاقِيهَا إِذَا مَلَكَهُ قَوْلَانِ، لِأَنَّهُ أَوْلَدَهَا حُرًّا فِي غَيْرِ مِلْكٍ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي تَبْعِيضِ حُرِّيَّةِ الْوَلَدِ يَجْرِي فِيمَا إِذَا أَوْلَدَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْمُشْتَرَكَةَ وَهُوَ مُعْسِرٌ، فَإِنْ قُلْنَا: جَمِيعُهُ حُرٌّ، لَزِمَ الْمُسْتَوْلِدَ قِيمَةُ حِصَّةِ الشُّرَكَاءِ مِنَ الْوَلَدِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَكَذَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَسَوَاءٌ فِي تَرْجِيحِ حُرِّيَّةِ جَمِيعِهِ اسْتِيلَادُ أَحَدِ الْغَانِمِينَ وَاسْتِيلَادُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، وَسُئِلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَمَّنْ أَوْلَدَ امْرَأَةً، نِصْفُهَا حُرٌّ، وَنِصْفُهَا رَقِيقٌ بِنِكَاحٍ أَوْ زِنًى، كَيْفَ حَالُ الْوَلَدِ؟ فَقَالَ: يُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي وَلَدِ الْمُشْتَرَكَةِ مِنَ الشَّرِيكِ الْمُعْسِرِ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ جَوَابُهُ عَلَى أَنَّهُ كَالْأُمِّ حُرِّيَّةً وَرِقًّا، قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ، لِأَنَّهُ لَا سَبَبَ لِحُرِّيَّتِهِ إِلَّا حُرِّيَّةَ الْأُمِّ فَيَتَقَدَّرُ بِهَا، ثُمَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ ثُبُوتِ الِاسْتِيلَادِ فِي حِصَّةِ الْمُعْسِرِ، وَالْخِلَافُ فِي حَالِ الْوَلَدِ مَوْضِعُهُ مَا إِذَا انْحَصَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ، فَإِنْ لَمْ يَنْحَصِرُوا، فَقَالَ الْبَغَوِيُّ: إِنْ قُلْنَا عِنْدَ الِانْحِصَارِ: كُلُّ الْوَلَدِ حُرٌّ، أُخِذَ مِنْهُ قِيمَتُهُ، وَجُعِلَتْ فِي الْمَغْنَمِ، وَقُسِّمَ عَلَى الْجَمِيعِ، وَإِنْ قُلْنَا: الْحُرُّ بَعْضُهُ، كَانَ كُلُّهُ هُنَا رَقِيقًا، ثُمَّ الْإِمَامُ يَجْتَهِدُ حَتَّى تَقَعَ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ فِي حِصَّةِ الْوَاطِئِ، فَإِنْ وَقَعَا فِيهَا، فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ وَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَإِنْ وَقَعَ الْبَعْضُ، ثَبَتَ الِاسْتِيلَادُ بِقَدْرِهِ، وَعَتَقَ مِنَ الْوَلَدِ بِقَدْرِ مَا يَمْلِكُ، هَذَا كَلَامُ الْبَغَوِيِّ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: قَدْ سَبَقَ أَنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُقَسِّمَ الْغَنِيمَةَ قِسْمَةَ تَحَكُّمٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَى الْغَانِمِينَ وَلَا الْإِقْرَاعُ، وَحِينَئِذٍ فَلَا حَاجَةَ إِلَى سَعْيٍ وَاجْتِهَادٍ، بَلْ

стр. 4202

يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: يُوقِعُهُمَا فِي حِصَّتِهِ، أَوْ يُوقِعُ بَعْضَهُمَا. وَقَوْلُهُ: وَعَتَقَ مِنَ الْوَلَدِ بِقَدْرِ مَا مَلَكَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِيءَ فِيهِ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْوَلَدَ يُعْتَقُ كُلَّهُ أَوْ بِالْحِصَّةِ، فَلَعَلَّهُ فَرَّعَهُ عَلَى وَجْهِ التَّبْعِيضِ أَوْ أَرَادَ أَنَّ قَدْرَ الْحِصَّةِ يُعْتَقُ قَطْعًا، وَفِي الْبَاقِي الْخِلَافُ، وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا إِذَا كَانَ الِاسْتِيلَادُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَاخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ، وَسَوَاءً كَانَ قَبْلَ إِفْرَازِ الْخُمُسِ أَمْ بَعْدَهُ، وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ إِذَا كَانَتِ الْجَارِيَةُ مِنَ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ، فَلَوْ كَانَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَبَعْدَ اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ، فَهُوَ كَوَطْءِ جَارِيَتِهِ أَوْ جَارِيَةِ غَيْرِهِ أَوْ مُشْتَرَكَةٍ، وَلَا يَخْفَى حُكْمُهُ، وَلَوْ كَانَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَقَبْلَ اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ، فَهُوَ كَمَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا مَحْصُورِينَ، أَوْ أُفْرِزَتِ الْجَارِيَةُ لِطَائِفَةٍ مَحْصُورِينَ، فَهُوَ كَمَا بَعَدَ الْقِسْمَةِ وَاخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ، وَقَدْ سَبَقَ نَظِيرُهُ، وَلَوْ وَطِئَ أَحَدُهُمْ بَعْدَ إِفْرَازِ الْخُمُسِ جَارِيَةً مِنَ الْخُمُسِ، فَكَوَطْءِ الْأَجْنَبِيِّ، وَلَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيٌّ جَارِيَةً مِنَ الْخُمُسِ، أَوْ قَبْلَ إِفْرَازِ الْخُمُسِ، فَفِي وُجُوبِ الْحَدِّ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: يَجِبُ، كَوَطْءِ جَارِيَةِ بَيْتِ الْمَالِ بِخِلَافِ مَا لَوْ سَرَقَ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ فِيهِ النَّفَقَةَ دُونَ الْإِعْفَافِ، وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ وَطِئَ الْأَجْنَبِيُّ جَارِيَةً مِنَ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ، حُدَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْغَانِمِينَ وَلَدٌ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا أُسِرَ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى بَعْضِ الْغَانِمِينَ، وَرُقَّ بِنَفْسِ الْأَسْرِ أَوْ بِإِرْقَاقِهِ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، وَاخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ، وَنَصَّ فِيمَا لَوِ اسْتَوْلَدَ بَعْضُ الْغَانِمِينَ جَارِيَةً مِنَ الْمَغْنَمِ أَنَّهُ يَثْبُتُ الِاسْتِيلَادُ كَمَا سَبَقَ، فَقِيلَ: فِيهِمَا قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْغَنِيمَةَ تُمَلَّكُ بِالْحِيَازَةِ أَمْ لَا؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، نَفَذَ، أَوْ غَرِمَ الْقِيمَةَ وَجُعِلَتْ فِي الْمَغْنَمِ، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: بِتَقْرِيرِ النَّصَّيْنِ، لِقُوَّةِ الِاسْتِيلَادِ، وَلِهَذَا يَنْفُذُ اسْتِيلَادُ الْمَجْنُونِ وَاسْتِيلَادُ جَارِيَةِ ابْنِهِ دُونَ الْإِعْتَاقِ، وَسَوَاءً ثَبَتَ الْخِلَافُ أَمْ لَا،

стр. 4203

فَالْمَذْهَبُ مَنْعُ الْعِتْقِ فِي الْحَالِ، فَإِنْ وَقَعَ فِي نَصِيبِهِ، وَاخْتَارَ تَمَلُّكَهُ، أَوْ وَقَعَ بَعْضُهُ وَاخْتَارَهُ، عَتَقَ عَلَيْهِ وَنُظِرَ إِلَى يَسَارِهِ وَإِعْسَارِهِ فِي تَقْوِيمِ الْبَاقِي، وَقَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : إِنِ انْحَصَرُوا، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْغَنِيمَةِ غَيْرُ قَرِيبِهِ، مَلَكَ حِصَّتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرِ التَّمَلُّكَ، وَعَلَى هَذَا لَا يُقَوَّمُ عَلَيْهِ الْبَاقِي، لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَلَوْ أَعْتَقَ بَعْضُ الْغَانِمِينَ عَبْدًا مِنْهَا، فَفِي ثُبُوتِ الْعِتْقِ فِي الْحَالِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ عِتْقِ الْقَرِيبِ، كَذَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي: لَا يُعْتَقُ بِحَالٍ بِخِلَافِ عِتْقِ الْقَرِيبِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِلَا اخْتِيَارٍ وَهُوَ أَقْوَى مِمَّا يَثْبُتُ بِاخْتِيَارٍ، وَلِهَذَا يُعْتَقُ عَلَى الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ قَرِيبُهُ إِذَا مَلَكَهُ، وَلَوْ أَعْتَقَ، لَمْ يُنَفَّذْ. فَرْعٌ لَوْ كَانَ الْغَانِمُونَ طَائِفَةً يَسِيرَةً، وَوَقَعَ فِي الْغَنِيمَةِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، لَمْ يَتَوَقَّفِ الْعِتْقُ إِلَّا عَلَى اخْتِيَارِهِمُ التَّمَلُّكَ، وَيَجِيءُ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى الِاخْتِيَارِ، وَإِذَا اخْتَارُوا جَمِيعًا، لَمْ يُفْرَضْ فِيهِ تَقْدِيمُ بَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ. فَرْعٌ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ مُنْفَرِدًا، وَأَسَرَ أَبَاهُ، أَوِ ابْنَهُ الْبَالِغَ، لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ الْأَسْرِ، فَإِنِ اخْتَارَ الْإِمَامُ قَتْلَهُ أَوِ الْمَنَّ أَوِ الْفِدَاءَ، فَذَاكَ، وَإِنِ اخْتَارَ تَمَلُّكَهُ، نُظِرَ إِنْ لَمْ يَخْتَرِ الْآسِرُ التَّمَلُّكَ، لَمْ يُعْتَقْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنِ اخْتَارَ، صَارَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ، فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ، وَيُقَوَّمُ الْخُمُسُ لِأَهْلِ الْخُمُسِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَلَوْ أَسَرَ أُمَّهُ، أَوْ بِنْتَهُ الْبَالِغَةَ، رَقَّتْ بِنَفْسِ الْأَسْرِ، فَإِذَا اخْتَارَ الْآسِرُ التَّمَلُّكَ، كَانَ الْحُكْمُ مَا ذَكَرْنَا، وَأَلْحَقَ ابْنُ الْحَدَّادِ الِابْنَ الصَّغِيرَ بِالْأُمِّ، وَهُوَ هَفْوَةٌ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَتْبَعُهُ وَلَدُهُ الصَّغِيرُ فِي الْإِسْلَامِ،

стр. 4204

فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ سَبْيُهُ، وَلَوْ أَسَرَ أَبَاهُ فِي الْقِتَالِ، زَادَ النَّظَرُ فِي أَنَّ الْأَسِيرَ إِذَا رُقَّ هَلْ يَكُونُ مِنَ السَّلَبِ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي الْغَنَائِمِ. الْحُكْمُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الْأَرْضِ: أَرْضُ الْكُفَّارِ وَعَقَارُهُمْ تُمَلَّكُ بِالِاسْتِيلَاءِ، كَمَا تُمَلَّكُ الْمَنْقُولَاتُ، وَأَمَّا مَكَّةُ فَفُتِحَتْ صُلْحًا، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ ﵏، وَقَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : عِنْدِي أَنَّ أَسْفَلَهَا، دَخَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵁ عَنْوَةً، وَأَعْلَاهَا فُتِحَ صُلْحًا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، فَدُورُهَا وَعِرَاصُهَا الْمُحْيَاةُ مَمْلُوكَةٌ، كَسَائِرِ الْبِلَادِ، فَيَصِحُّ بَيْعُهَا وَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَهَا، وَأَمَّا سَوَادُ الْعِرَاقِ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: فُتِحَ صُلْحًا، وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فَتَحَهُ عَنْوَةً، وَقَسَّمَهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، ثُمَّ اسْتَطَابَ قُلُوبَهُمْ وَاسْتَرَدَّهُ، وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِيمَا فَعَلَهُ بِأَرْضِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ، الصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ، وَفِي سِيَرِ الْوَاقِدِيِّ: أَنَّهُ وَقَفَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَآجَرَهُ لِأَهْلِهِ، وَالْخَرَاجُ الْمَضْرُوبُ عَلَيْهِ أُجْرَةٌ مُنَجَّمَةٌ تُؤَدَّى كُلَّ سَنَةٍ، وَالثَّانِي وَبِهِ قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: أَنَّهُ بَاعَهُ لَهُمْ وَالْخَرَاجُ ثَمَنٌ مَنَجَّمٌ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ رَهْنُهُ وَهِبَتُهُ وَبَيْعُهُ، وَعَلَى الصَّحِيحِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَيَجُوزُ لِأَهْلِهِ إِجَارَتُهُ بِالِاتِّفَاقِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَلَا تَجُوزُ إِجَارَتُهُ مُؤَبَّدًا عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِ إِجَارَةِ عُمَرَ ﵁ مُؤَبَّدًا، فَإِنَّهَا احْتُمِلَتْ لِمَصْلَحَةٍ كُلِّيَّةٍ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ سُكَّانِهِ أَنْ يُزْعِجَ سَاكِنًا وَيَقُولَ: أَنَا أَسْتَغِلُّهُ وَأُعْطِي الْخَرَاجَ، لِأَنَّهُ مَلَّكَ بِالْإِرْثِ الْمَنْفَعَةَ أَوِ الرَّقَبَةَ، هَذَا حُكْمُ الْأَرْضِ الَّتِي تُزْرَعُ وَتُغْرَسُ، فَأَمَّا مَا فِي حَدِّ السَّوَادِ مِنَ الْمَسَاكِنِ وَالدُّورِ، فَالْمَذْهَبُ جَوَازُ بَيْعِهَا، لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَمْنَعْ شِرَاءَهَا، وَهَلْ يَجُوزُ لِمَنْ فِي يَدِهِ الْأَرْضُ تَنَاوُلُ ثَمَرِ أَشْجَارِهَا؟ إِنْ قُلْنَا: الْأَرْضُ مَبِيعَةٌ، فَكَذَا الشَّجَرُ وَالثَّمَرُ، وَإِنْ قُلْنَا: مُسْتَأْجَرَةٌ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لَهُ تُنَاوُلُهَا لِلْحَاجَةِ، وَيُحْتَمَلُ ذَلِكَ

стр. 4205

كَمَا يُحْتَمَلُ التَّأْيِيدُ، وَأَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، بَلِ الْإِمَامُ يَصْرِفُهَا وَأَثْمَانَهَا إِلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا حَدُّ السَّوَادِ، فَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ مِنْ عَبَّادَانَ إِلَى حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ طُولًا، وَمِنْ عَذِيبِ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى حُلْوَانَ عَرْضًا، وَهُوَ بِالْفَرَاسِخِ مِائَةٌ وَسِتُّونَ فَرْسَخًا طُولًا، وَثَمَانُونَ عَرْضًا، وَفِي هَذَا الْإِطْلَاقِ تَسَاهُلٌ لِمَا قَدْ عُلِمَ أَنَّ أَرْضَ الْبَصْرَةِ كَانَتْ سَبِخَةً أَحْيَاهَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِي وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ ﵄ بَعْدَ فَتْحِ الْعِرَاقِ، وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي هَذَا الْحَدِّ وَلَا بُدَّ مِنَ اسْتِثْنَائِهَا، وَقَدْ أَطْلَقَ الْبَغَوِيُّ أَنَّ الْبَصْرَةَ لَا تَدْخُلُ فِي حُكْمِ السَّوَادِ وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي حَدِّهِ، وَقَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : حَضَرْتُ الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ وَهُوَ يُدَرِّسُ فِي تَحْدِيدِ السَّوَادِ فَأَدْخَلَ فِيهِ الْبَصْرَةَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ وَقَالَ: هَكَذَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: لَا إِنَّمَا كَانَتْ مَوَاتًا أَحْيَاهَا الْمُسْلِمُونَ، فَأَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: عَلِّقُوا مَا يَقُولُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ أَعْرَفُ بِهَا، وَلَكِنْ فِي إِطْلَاقِ اسْتِثْنَاءِ الْبَصْرَةِ تَسَاهُلٌ أَيْضًا، وَالصَّحِيحُ مَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْبَصْرَةَ لَيْسَ لَهَا حُكْمُ السَّوَادِ إِلَّا فِي مَوْضِعٍ مِنْ شَرْقِيِّ دِجْلَتِهَا يُسَمَّى الْفُرَاتَ، وَمَوْضِعٍ مِنْ غَرْبِيِّ دِجْلَتِهَا يُسَمَّى نَهْرَ الصَّرَاةِ. فَرْعٌ مَا يُؤْخَذُ مِنْ خَرَاجِ هَذِهِ الْأَرْضِ يَصْرِفُهُ الْإِمَامُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْأَهَمَّ فَالْأَهَمَّ، وَيَجُوزُ صَرْفُهُ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْرُ الْخَرَاجِ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَلَى كُلِّ جَرِيبِ شَعِيرٍ دِرْهَمَانِ، وَجَرِيبِ الْحِنْطَةِ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، وَجَرِيبِ الشَّجَرِ وَقَصَبِ السُّكَّرِ سِتَّةٌ، وَالنَّخْلِ ثَمَانِيَةٌ، وَالْكَرْمِ عَشَرَةٌ، وَقِيلَ: النَّخْلُ عَشَرَةٌ، وَالزَّيْتُونُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا.

стр. 4206

فَرْعٌ: لَوْ رَأَى الْإِمَامُ الْيَوْمَ أَنْ يَقِفَ أَرْضَ الْغَنِيمَةِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁ جَازَ إِذَا اسْتَطَابَ قُلُوبَ الْغَانِمِينَ فِي النُّزُولِ عَنْهَا بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَإِنِ امْتَنَعَ بَعْضُهُمْ، فَهُوَ أَحَقُّ بِمَالِهِ، وَكَذَا الْمَنْقُولَاتُ وَالصِّبْيَانُ وَالنِّسَاءُ لَا يَجُوزُ رَدُّ شَيْءٍ مِنْهَا إِلَى الْكُفَّارِ إِلَّا بِطِيبِ أَنْفُسِ الْغَانِمِينَ، لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْضَ قَهْرًا وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَتَوَانَوْنَ بِسَبَبِهَا فِي الْجِهَادِ، وَلَكِنْ يَقْهَرُهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَادِ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ.

стр. 4207

الْبَابُ الثَّالِثُ فِي تَرْكِ الْقِتَالِ وَالْقَتْلِ بِالْأَمَانِ قَدْ تَقْتَضِي الْمُصْلِحَةُ الْأَمَانَ لِاسْتِمَالَتِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ إِرَاحَةِ الْجَيْشِ، أَوْ تَرْتِيبِ أَمْرِهِمْ، أَوْ لِلْحَاجَةِ إِلَى دُخُولِ الْكُفَّارِ، أَوْ لِمَكِيدَةٍ وَغَيْرِهَا، وَيَنْقَسِمُ إِلَى عَامٍّ وَهُوَ مَا تَعَلَّقَ بِأَهْلِ إِقْلِيمٍ أَوْ بَلَدٍ، وَهُوَ عَقْدُ الْهُدْنَةِ، وَيَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ وَوُلَاتِهِ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِلَى خَاصٍّ وَهُوَ مَا تَعَلَّقَ بِآحَادٍ، وَيَصِحُّ مِنَ الْوُلَاةِ وَالْآحَادِ، وَالْبَابُ مَعْقُودٌ لِهَذَا وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: إِنَّمَا يَجُوزُ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ أَمَانُ كَافِرٍ، أَوْ كُفَّارٍ مَحْصُورِينَ، كَعَشَرَةٍ وَمِائَةٍ، وَلَا يَجُوزُ أَمَانُ نَاحِيَةٍ وَبَلْدَةٍ، وَفِي الْبَيَانِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤَمِّنَ وَاحِدٌ أَهْلَ قَلْعَةٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَرْيَةَ الصَّغِيرَةَ فِي مَعْنَاهَا، وَعَنِ الْمَاسَرْجَسِيِّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَمَانُ وَاحِدٍ لِأَهْلِ قَرْيَةٍ وَإِنْ قَلَّ عَدَدُ مَنْ فِيهَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَضَابِطُهُ أَنْ لَا يَنْسَدَّ بِهِ بَابُ الْجِهَادِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَإِذَا تَأَتَّى الْجِهَادُ بِغَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمَنْ أُمِّنَ، نَفَذَ الْأَمَانُ، لِأَنَّ الْجِهَادَ شِعَارُ الدِّينِ وَالدَّعْوَةِ الْقَهْرِيَّةِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ مَكَاسِبِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَظْهَرَ بِأَمَانِ الْآحَادِ انْسِدَادُهُ أَوْ نُقْصَانٌ يُحَسُّ، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ أُمِّنَ مِائَةُ أَلْفٍ مِنَ الْكُفَّارِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ لَمْ يُؤَمِّنْ إِلَّا وَاحِدًا، لَكِنْ إِذَا ظَهَرَ انْسِدَادٌ أَوْ نُقْصَانٌ، فَأَمَانُ الْجَمِيعِ مَرْدُودٌ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنْ أَمَّنُوهُمْ مَعًا فَرَدُّ الْجَمِيعِ ظَاهِرٌ، وَإِنْ أَمَّنُوهُمْ مُتَعَاقِبِينَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ أَمَانُ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ إِلَى ظُهُورِ الْخَلَلِ، عَلَى أَنَّ الرُّويَانِيَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَوْ أَمَّنَ كُلُّ وَاحِدٍ وَاحِدًا، جَازَ، وَإِنْ كَثُرُوا حَتَّى زَادُوا عَلَى عَدَدِ أَهْلِ الْبَلْدَةِ.

стр. 4208

الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَصِحُّ أَمَانُ الْمُتَعَاقِبِينَ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ الْخَلَلُ، وَهُوَ مُرَادُ الْإِمَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَوَاءً كَانَ الْكَافِرُ الْمُؤَمَّنُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، أَوْ فِي حَالِ الْقِتَالِ أَوِ الْهَزِيمَةِ، أَوْ عِنْدَ مَضِيقٍ، بَلْ يَصِحُّ الْأَمَانُ مَا دَامَ الْكَافِرُ مُمْتَنِعًا، فَأَمَّا بَعْدَ الْأَسْرِ، فَلَا يَجُوزُ لِلْآحَادِ أَمَانُهُ وَلَا الْمَنُّ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: كُنْتُ أَمَّنْتُهُ قَبْلَ هَذَا، لَمْ يُقْبَلْ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِأَمَانِ مَنْ يَجُوزُ أَمَانُهُ فِي الْحَالِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَلَوْ قَالَ جَمَاعَةٌ: كُنَّا أَمَّنَّاهُ، لَمْ يُقْبَلْ أَيْضًا لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى فِعْلِهِمْ، وَلَوْ قَالَ وَاحِدٌ: كُنْتُ أَمَّنْتُهُ، وَشَهِدَ بِهِ اثْنَانِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا. فَرْعٌ فِي جَوَازِ عَقْدِ الْمَرْأَةِ اسْتِقْلَالًا وَجْهَانِ. الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ الْأَمَانُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ، فَيَصِحُّ أَمَانُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ سَيِّدُهُ كَافِرًا، وَالْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى، وَالْفَقِيرِ وَالْمُفْلِسِ، وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ، وَالْمَرِيضِ وَالشَّيْخِ الْهَرَمِ، وَالْفَاسِقِ وَفِي الْفَاسِقِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ كَافِرٍ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمُكْرَهٍ، وَفِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَجْهٌ كَتَدْبِيرِهِ. الثَّالِثَةُ: يَنْعَقِدُ الْأَمَانُ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ الْغَرَضَ، صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ، فَالصَّرِيحُ: أَجَرْتُكَ، أَوْ أَنْتَ مُجَارٌ، أَوْ أَمَّنْتُكَ، أَوْ أَنْتَ آمِنٌ، أَوْ فِي أَمَانِي، أَوْ لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، أَوْ لَا خَوْفَ عَلَيْكَ، أَوْ لَا تَخَفْ، أَوْ لَا تَفْزَعْ، أَوْ قَالَ بِالْعَجَمِيَّةِ: مُتَرَّسٌ، وَقَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : لَا تَخَفْ، لَا تَفْزَعْ. كِنَايَةٌ. وَالْكِنَايَةُ، كَقَوْلِهِ: أَنْتَ عَلَى مَا تُحِبُّ، أَوْ كُنْ كَيْفَ شِئْتَ، وَتَنْعَقِدُ بِالْكِتَابَةِ وَالرِّسَالَةِ، سَوَاءً كَانَ الرَّسُولُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، وَبِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ مِنْ قَادِرٍ عَلَى الْعِبَارَةِ. وَبِنَاءُ الْبَابِ عَلَى التَّوْسِعَةِ. فَأَمَّا الْكَافِرُ الْمُؤَمَّنُ فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِ وَبُلُوغِ خَبَرِ الْأَمَانِ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُ، فَلَا أَمَانَ، فَلَوْ

стр. 4209

بَدَرَ مُسْلِمٌ فَقَتَلَهُ، جَازَ وَإِذَا خَاطَبَهُ بِالْأَمَانِ، أَوْ بَلَغَهُ الْخَبَرُ، فَرَدَّهُ، بَطَلَ، وَإِنْ قَبِلَ، أَوْ كَانَ قَدِ اسْتَجَارَ مِنْ قَبْلُ، تَمَّ الْأَمَانُ، وَلَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ لَفْظًا، بَلْ تَكْفِي الْإِشَارَةُ وَالْأَمَارَةُ الْمُشْعِرَةُ بِالْقَبُولِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْقِتَالِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ الْقِتَالُ، فَلَوْ سَكَتَ، فَلَمْ يَقْبَلْ وَلَمْ يَرُدَّ، قَالَ الْإِمَامُ: فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَالظَّاهِرُ: اشْتِرَاطُ قَبُولِهِ، وَبِهِ قَطَعَ الْغَزَالِيُّ، وَاكْتَفَى الْبَغَوِيُّ بِالسُّكُوتِ، وَلَوْ قَالَ الْكَافِرُ: قَبِلْتُ أَمَانَكَ، وَلَسْتُ أُؤَمِّنُكَ فَخُذْ حِذْرَكَ، قَالَ الْإِمَامُ: هُوَ رَدٌّ لِلْأَمَانِ، لِأَنَّ الْأَمَانَ لَا يَثْبُتُ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ دُونَ الْآخَرِ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْأَمَانِ بِالْأَعْذَارِ، وَلَوْ أَشَارَ مُسْلِمٌ إِلَى كَافِرٍ فِي الْقِتَالِ، فَانْحَازَ إِلَى صَفِّ الْمُسْلِمِينَ، وَتَفَاهَمَا الْأَمَانَ، فَهُوَ أَمَانٌ، وَإِنْ قَالَ الْكَافِرُ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ يُؤَمِّنُنِي، وَقَالَ الْمُسْلِمُ: لَمْ أَرُدَّهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ وَلَا أَمَانَ، وَلَكِنْ لَا يُغْتَالُ، بَلْ يَلْحَقُ بِمَأْمَنِهِ، وَكَذَا لَوْ دَخَلَ بِأَمَانِ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ مُكْرَهٍ، وَقَالَ: ظَنَنْتُ صِحَّتَهُ، أَوْ ظَنَنْتُهُ بَالِغًا، أَوْ عَاقِلًا، أَوْ مُخْتَارًا، وَلَوْ قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ الْأَمَانَ، فَقَدْ دَخَلَ بِلَا أَمَانٍ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّهُ كَانَ صَبِيًّا وَأَنَّهُ لَا أَمَانَ لِلصَّبِيِّ، وَلَوْ مَاتَ الْمُسْلِمُ الْمُشِيرُ قَبْلَ الْبَيَانِ، فَلَا أَمَانَ وَلَا اغْتِيَالَ. فَرْعٌ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ اعْتِبَارِ صِيغَةِ الْأَمَانِ هُوَ فِيمَا إِذَا دَخَلَ الْكَافِرُ بِلَادَنَا بِلَا سَبَبٍ، فَلَوْ دَخَلَ رَسُولًا، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ، وَلَوْ دَخَلَ لِيَسْمَعَ الذِّكْرَ، وَيَنْقَادَ لِلْحَقِّ إِذَا ظَهَرَ لَهُ، فَكَذَلِكَ، وَقَصْدُ التِّجَارَةِ لَا يُفِيدُ الْأَمَانَ، وَلَكِنْ لَوْ رَأَى الْإِمَامُ مَصْلَحَةً فِي دُخُولِ التُّجَّارِ، فَقَالَ: مَنْ دَخَلَ تَاجِرًا، فَهُوَ آمِنٌ، جَازَ، وَمِثْلُ هَذَا الْأَمَانِ لَا يَصَحُّ مِنَ الْآحَادِ، وَلَوْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّ قَصْدَ التِّجَارَةِ يُفِيدُ الْأَمَانَ، فَلَا أَثَرَ لِظَنِّهِ وَيُغْتَالُ إِذْ لَا مُسْتَنَدَ لَهُ، وَلَوْ سَمِعَ مُسْلِمًا يَقُولُ: مَنْ دَخَلَ تَاجِرًا، فَهُوَ آمِنٌ، فَدَخَلَ وَقَالَ: ظَنَنْتُ صِحَّتَهُ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُغْتَالُ.

стр. 4210

الرَّابِعَةُ: شَرْطُ الْأَمَانِ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَفِي قَوْلٍ: يَجُوزُ مَا لَمْ يَبْلُغْ سَنَةً، فَلَوْ زَادَ عَلَى الْجَائِزِ، بَطَلَ الزَّائِدُ، وَلَا يَبْطُلُ فِي الْبَاقِي عَلَى الْأَصَحِّ تَخْرِيجًا مِنْ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَإِذَا أُطْلِقَ حُمِلَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَيَبْلُغُ بَعْدَهَا الْمَأْمَنَ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَتَضَرَّرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَلَوْ أَمَّنَ جَاسُوسًا، أَوْ طَلِيعَةً لَمْ يَنْعَقِدِ الْأَمَانُ، قَالَ الْإِمَامُ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ تَبْلِيغَ الْمَأْمَنِ، لِأَنَّ دُخُولَ مِثْلِهِ خِيَانَةً، فَحَقُّهُ أَنْ يُغْتَالَ، وَلَوْ أَمَّنَ آحَادًا عَلَى مَدَارِجِ الْغُزَاةِ، وَعَسِرَ بِسَبَبِهِ مَسِيرُ الْعَسْكَرِ وَاحْتَاجُوا إِلَى نَقْلِ الزَّادِ، فَهُوَ مَرْدُودٌ لِلضَّرَرِ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِانْعِقَادِ الْأَمَانِ ظُهُورُ الْمَصْلَحَةِ، بَلْ يَكْفِي عَدَمُ الْمُضِرَّةِ. الْخَامِسَةُ: إِذَا انْعَقَدَ الْأَمَانُ، صَارَ الْمُؤَمَّنُ مَعْصُومًا عَنِ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ، فَلَوْ قُتِلَ، قَالَ الْإِمَامُ: الْوَجْهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ يُضْمَنُ بِمَا يُضْمَنُ بِهِ الذِّمِّيُّ، وَهُوَ لَازِمٌ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ نَبْذُهُ، فَإِنِ اسْتَشْعَرَ مِنْهُ خِيَانَةً، نَبَذَهَ، لِأَنَّ الْمُهَادَنَةَ تُنْبَذُ بِذَلِكَ، فَأَمَانُ الْآحَادِ أَوْلَى وَهُوَ جَائِزٌ مِنْ جِهَةِ الْكَافِرِ يَنْبِذُهُ مَتَى شَاءَ، وَلَا يَتَعَدَّى الْأَمَانُ إِلَى مَا خَلَّفَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ، وَأَمَّا مَا مَعَهُ مِنْهُمَا، فَإِنْ تَعَرَّضَ لَهُ، اتْبَعِ الشَّرْطَ، وَإِلَّا فَلَا أَمَانَ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ، لِقُصُورِ اللَّفْظِ. السَّادِسَةُ: الْأَسِيرُ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ إِذَا أَمَّنَ بَعْضَهُمْ مُكْرَهًا، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَمَّنَهُ مُخْتَارًا، لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ مَقْهُورٌ فِي أَيْدِيهِمْ، وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنْ أَمَّنَ مَنْ هُوَ فِي أَسْرِهِ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ مَعَهُ، وَإِنْ أَمَّنَ غَيْرَهُ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ، فَإِنْ أَبْطَلْنَا، فَهَلْ يَصِحُّ وَيَلْزَمُ فِي حَقِّ الْأَمْنِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ.

стр. 4211

فَرْعٌ الْمُسْلِمُ إِنْ كَانَ ضَعِيفًا فِي دَارِ الْكُفْرِ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ، حَرُمَ عَلَيْهِ الْإِقَامَةُ هُنَاكَ، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهِجْرَةِ، فَهُوَ مَعْذُورٌ إِلَى أَنْ يَقْدِرَ، فَإِنْ فُتِحَ الْبَلَدُ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، سَقَطَ عَنْهُ الْهِجْرَةُ، وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ، لِكَوْنِهِ مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ، أَوْ لِأَنَّ لَهُ هُنَاكَ عَشِيرَةً يَحْمُونَهُ، وَلَمْ يَخَفْ فِتْنَةً فِي دِينِهِ، لَمْ تَجِبِ الْهِجْرَةُ، لَكِنْ تُسْتَحَبُّ، لِئَلَّا يَكْثُرَ سَوَادُهُمْ، أَوْ يَمِيلَ إِلَيْهِمْ، أَوْ يَكِيدُوا لَهُ، وَقِيلَ: تَجِبُ الْهِجْرَةُ، حَكَاهُ الْإِمَامُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ «الْحَاوِي» : فَإِنْ كَانَ يَرْجُو ظُهُورَ الْإِسْلَامِ هُنَاكَ بِمُقَامِهِ، فَالْأَفْضَلُ أَنْ يُقِيمَ، قَالَ: وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَالِاعْتِزَالِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ بِهَا، لِأَنَّ مَوْضِعَهُ دَارُ إِسْلَامٍ، فَلَوْ هَاجَرَ، لَصَارَ دَارَ حَرْبٍ، فَيَحْرُمُ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنْ قَدَرَ عَلَى قِتَالِ الْكُفَّارِ وَدُعَائِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، لَزِمَهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ الْأَسِيرُ الْمَقْهُورُ مَتَى قَدَرَ عَلَى الْهَرَبِ، لَزِمَهُ، وَلَوْ أَطْلَقُوا أَسِيرًا بِلَا شَرْطٍ، فَلَهُ أَنْ يَغْتَالَهُمْ قَتْلًا وَسَبْيًا وَأَخْذًا لِلْمَالِ، وَإِنْ أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنَّهُ فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ وَهُمْ فِي أَمَانٍ مِنْهُ، حَرُمَ عَلَيْهِ اغْتِيَالُهُمْ، وَإِنْ أَطْلَقُوهُ عَلَى أَنَّهُ فِي أَمَانٍ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَسْتَأْمِنُوهُ، فَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ، وَعَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ لَهُ اغْتِيَالَهُمْ، وَلَوْ تَبِعَهُ قَوْمٌ بَعْدَ خُرُوجِهِ، فَلَهُ قَصْدُهُمْ وَقَتْلُهُمْ فِي الدَّفْعِ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَوْ أَطْلَقُوهُ وَشَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِمْ، لَزِمَهُ الْخُرُوجُ وَحَرُمَ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ، فَإِنْ حَلَّفُوهُ أَنْ لَا يَخْرُجَ، فَإِنْ حَلَفَ مُكْرَهًا، خَرَجَ وَلَا كَفَّارَةَ، لِأَنَّهُ لَمْ تَنْعَقِدْ

стр. 4212

يَمِينُهُ، وَلَا طَلَاقَ عَلَيْهِ إِنْ حَلَّفُوهُ بِالطَّلَاقِ، وَإِنْ حَلَفَ ابْتِدَاءً بِلَا تَحْلِيفٍ لِيَتَوَثَّقُوا بِهِ وَلَا يَتَّهِمُوهُ بِالْخُرُوجِ، نُظِرَ إِنْ حَلَفَ بَعْدَمَا أَطْلَقُوهُ، لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ بِالْخُرُوجِ، وَإِنْ حَلَفَ وَهُوَ مَحْبُوسٌ أَنْ لَا يَخْرُجَ إِذَا أُطْلِقَ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ يَمِينَ إِكْرَاهٍ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَوْ قَالُوا: لَا نُطْلِقُكَ حَتَّى تَحْلِفَ أَنْ لَا تَخْرُجَ، فَحَلَفَ، فَأَطْلَقُوهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ بِالْخُرُوجِ، وَلَوْ حَلَّفُوهُ بِالطَّلَاقِ، لَمْ يَقَعْ، كَمَا لَوْ أَخَذَ اللُّصُوصُ رَجُلًا وَقَالُوا: لَا نَتْرُكُكَ حَتَّى تَحْلِفَ أَنَّكَ لَا تُخْبِرُ بِمَكَانِنَا، فَحَلَفَ، ثُمَّ أَخْبَرَ بِمَكَانِهِمْ، لَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهُ يَمِينُ إِكْرَاهٍ، وَلْيَكُنْ هَذَا تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ التَّخْوِيفَ بِالْحَبْسِ إِكْرَاهٌ. قُلْتُ: لَيْسَ هُوَ كَالتَّخْوِيفِ بِالْحَبْسِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ هُنَا الْهِجْرَةُ وَالتَّوَصُّلُ إِلَيْهَا بِمَا أَمْكَنَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى الْأَحْوَالِ لَا يَغْتَالُهُمْ، لِأَنَّهُمْ أَمَّنُوهُ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ عَيْنُ مَالٍ لِمُسْلِمٍ، فَأَخَذَهَا عِنْدَ خُرُوجِهِ لِيَرُدَّهَا عَلَى مَالِكِهَا، جَازَ، فَإِنْ شَرَطُوا الْأَمَانَ فِي ذَلِكَ الْمَالِ، فَهَلْ يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَا إِذَا أَخَذَ الْمَغْصُوبَ مِنَ الْغَاصِبِ لِيَرُدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ، وَعَنِ الْقَفَّالِ: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا عَلَى الْحَرْبِيِّ بِخِلَافِ الْمَغْصُوبِ. وَلَوْ شَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْخُرُوجِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، حَرُمَ عَلَيْهِ الْعَوْدُ، وَلَوْ شَرَطُوا أَنْ يَعُودَ، أَوْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ مَالًا فِدَاءً، فَالْعَوْدُ حَرَامٌ وَأَمَّا الْمَالُ، فَإِنْ شَارَطَهُمْ عَلَيْهِ مُكْرَهًا، فَهُوَ لَغْوٌ، وَإِنْ صَالَحَهُمْ مُخْتَارًا، لَمْ يَجِبْ بَعْثُهُ، لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ، لِئَلَّا يَمْتَنِعُوا مِنْ إِطْلَاقِ

стр. 4213

الْأَسَارَى، وَفِي قَوْلٍ قَدِيمٍ: يَجِبُ بَعْثُ الْمَالِ، أَوِ الْعَوْدُ إِلَيْهِمْ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ: وَالَّذِي يَقْتَضِي الْمَذْهَبُ أَنَّ الْمَبْعُوثَ إِلَيْهِمِ اسْتِحْبَابًا أَوْ وُجُوبًا لَا يَمْلِكُونَهُ، لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَوِ اشْتَرَى مِنْهُمُ الْأَسِيرُ شَيْئًا لِيَبْعَثَ إِلَيْهِمْ ثَمَنَهُ، أَوِ اقْتَرَضَ، فَإِنْ كَانَ مُخْتَارًا، لَزِمَهُ الْوَفَاءُ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهًا، فَثَلَاثُ طُرُقٍ، الْمُذَهَبُ وَالْمَنْصُوصُ: أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ، وَيَجِبُ رَدُّ الْعَيْنِ، كَمَا لَوْ أَكْرَهَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا عَلَى الشِّرَاءِ، وَالثَّانِي: الصِّحَّةُ وَيَلْزَمُ الثَّمَنُ، لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ مَعَ الْكُفَّارِ يَتَسَاهَلُ فِيهَا، وَالثَّالِثُ: قَوْلَانِ، الْجَدِيدُ: الْبُطْلَانُ، وَالْقَدِيمُ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ رَدِّ الْعَيْنِ وَرَدِّ الثَّمَنِ، وَلَوْ لَمْ يَجُرْ لَفْظُ بَيْعٍ، بَلْ قَالُوا: خُذْ هَذَا، وَابْعَثْ كَذَا مِنَ الْمَالِ، فَقَالَ: نَعَمْ، هُوَ كَالشِّرَاءِ مُكْرَهًا، وَلَوْ أَعْطَوْهُ شَيْئًا لِيَبِيعَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَيَبْعَثَ إِلَيْهِمْ ثَمَنَهُ، فَهُوَ وَكِيلٌ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْوَكِيلِ. السَّابِعَةُ: إِذَا بَارَزَ مُسْلِمٌ كَافِرًا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَقُلْنَا بِالْأَصَحِّ: إِنَّهُ يَجُوزُ، وَشَرَطَ الْمُتَبَارِزَانِ أَنْ لَا يُعِينَ الْمُسْلِمُونَ الْمُسْلِمَ، وَلَا الْكُفَّارُ الْكَافِرَ إِلَى انْقِضَاءِ الْقِتَالِ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ، وَلَمْ يَجُزْ لِمَنْ فِي الصَّفِّ الْإِعَانَةُ، ثُمَّ إِنْ هَرَبَ أَحَدُهُمَا، أَوْ قُتِلَ الْمُسْلِمُ، جَازَ لِلْمُسْلِمِينَ قَصْدُ الْكَافِرِ، لِأَنَّ الْأَمَانَ كَانَ إِلَى انْقِضَاءِ الْقِتَالِ وَقَدِ انْقَضَى، فَإِنْ شُرِطَ الْأَمَانُ إِلَى الْعَوْدِ إِلَى الصَّفِّ، وَفَّى بِهِ، فَإِنْ وَلَّى الْمُسْلِمُ عَنْهُ، فَتَبِعَهُ لِيَقْتُلَهُ، أَوْ تَرَكَ قِتَالَ الْمُسْلِمِ وَقَصَدَ الصَّفَّ، فَلَهُمْ قَتْلُهُ لِنَقْضِهِ الْأَمَانَ، وَلَوْ أُثْخِنَ، جَازَ قَتْلُهُ أَيْضًا لِانْقِطَاعِ الْقِتَالِ، وَإِذَا قَصَدَ قَتْلَ الْمُثْخَنِ، مُنِعَ، وَقِيلَ: فَإِنْ شُرِطَ لَهُ التَّمْكِينُ مِنْهُ، فَهُوَ شَرْطٌ بَاطِلٌ، لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَهَلْ يَفْسُدُ بِهِ أَصْلُ الْأَمَانِ؟ وَجْهَانِ، وَلَوْ خَرَجَ الْمُشْرِكُونَ لِإِعَانَةِ الْمُشْرِكِ، خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ لِإِعَانَةِ الْمُسْلِمِ، فَإِنْ كَانَ الْكَافِرُ اسْتَنْجَدَهُمْ، جَازَ قَتْلُهُ مَعَهُمْ، وَكَذَا لَوْ خَرَجُوا بِغَيْرِ اسْتِنْجَادِهِ

стр. 4214

فَلَمْ يَمْنَعْهُمْ، وَإِنْ خَرَجُوا بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَمَنَعَهُمْ، فَلَمْ يَمْتَنِعُوا، جَازَ قَتْلُهُمْ وَلَمْ يَجُزِ التَّعَرُّضُ لَهُ، هَذَا كُلُّهُ إِذَا شَرَطَا الْأَمَانَ، فَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ، وَلَكِنِ اطَّرَدَتْ عَادَةُ الْمُتَبَارِزِينَ بِالْأَمَانِ، فَهُوَ كَالْمَشْرُوطِ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ، وَلَمْ تَجْرِ عَادَةٌ، فَلِلْمُسْلِمِينَ قَتْلُهُ. فَرْعٌ لَوْ أَثْخَنَ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، فَهَلْ يَجُوزُ قَتْلُهُ أَمْ يُتْرَكُ؟ وَجْهَانِ، نَقَلَهُمَا ابْنُ كَجٍّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ شَرَطَ الْأَمَانَ إِلَى انْقِضَاءِ الْقِتَالِ، جَازَ قَتْلُهُ، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لَا يُتَعَرَّضَ لِلْمُثْخَنِ، وَجَبَ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ. الثَّامِنَةُ: مَسْأَلَةُ الْعِلْجِ، وَهُوَ الْكَافِرُ الْغَلِيظُ الشَّدِيدُ، سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ بِقُوَّتِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَمِنْهُ سُمِّي الْعِلَاجُ لِدَفْعِهِ الدَّاءَ وَصُورَتُهَا أَنْ يَقُولَ كَافِرٌ لِلْإِمَامِ: أَدُلُّكَ عَلَى قَلْعَةِ كَذَا عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي مِنْهَا جَارِيَةً كَذَا، فَيُعَاقِدُهُ الْإِمَامُ، فَيَجُوزُ وَهِيَ جَعَالَةٌ بِجَعْلٍ مَجْهُولٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ احْتُمِلَتْ لِلْحَاجَةِ، وَلَوْ قَالَ الْإِمَامُ ابْتِدَاءً: إِنْ دَلَلْتِنِي عَلَى هَذِهِ الْقَلْعَةِ، فَلَكَ مِنْهَا جَارِيَةٌ كَذَا، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ، وَسَوَاءً كَانَتِ الْمُعَيَّنَةُ حُرَّةً أَمْ أَمَةً لِأَنَّ الْحُرَّةَ تَرِقُّ بِالْأَسْرِ، وَلَوْ شَرَطَ الْعَلْجُ أَوِ الْإِمَامُ جَارِيَةً مُبْهَمَةً، جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْجَعْلِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعِلْجُ، فَلَوْ قَالَ: أُعْطِيكَ جَارِيَةً مِمَّا عِنْدِي، أَوْ ثُلُثَ مَالِي، لَمْ يَصِحَّ كَوْنُهُ مَجْهُولًا كَسَائِرِ الْجَعَالَاتِ، وَلَوْ قَالَ مُسْلِمٌ: أَدُلُّكَ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي مِنْهَا جَارِيَةً كَذَا، أَوْ ثُلُثَ مَا فِيهَا، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ فِيهِ أَنْوَاع غَرَرٍ، فَلَا تُحْتَمَلُ مَعَ الْمُسْلِمِ الْمُلْتَزِمِ لِلْأَحْكَامِ بِخِلَافِ الْكَافِرِ، فَإِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِقِلَاعِهِمْ وَطُرُقِهِمْ غَالِبًا، وَالثَّانِي: يَجُوزُ، وَبِهِ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لِلْحَاجَةِ، فَقَدْ يَكُونُ الْمُسْلِمُ أَعْرَفَ وَهُوَ أَنْصَحُ، وَلِأَنَّ الْعَقْدَ مُتَعَلِّقٌ بِالْكُفَّارِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَالْوَجْهَانِ مُفَرَّعَانِ عَلَى تَجْوِيزِ

стр. 4215

اسْتِئْجَارِ الْمُسْلِمِ لِلْجِهَادِ، وَإِلَّا فَلَا تَصِحُّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ مَعَ مُسْلِمٍ، وَلَا يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، ثُمَّ إِذَا فَتَحْنَا الْقَلْعَةَ بِدَلَالَةِ الْعِلْجِ، وَظَفِرْنَا بِالْجَارِيَةِ، سَلَّمْنَاهَا إِلَيْهِ، وَلَا حَقَّ فِيهَا لِغَيْرِهِ، وَإِنْ دَلَّنَا، وَفَتَحْنَاهَا بِغَيْرِ دَلَالَتِهِ، لَمْ يَسْتَحِقَّهَا عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ نَفْتَحْهَا، فَإِنْ عُلِّقَ الشَّرْطُ بِالْفَتْحِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِلَّا فَأَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، وَالثَّانِي: يَسْتَحِقُّ أُجْرَةَ الْمِثْلِ، وَالثَّالِثُ: يُرْضَخُ لَهُ، وَالرَّابِعُ: إِنْ كَانَ الْقِتَالُ مُمْكِنًا وَالْفَتْحُ مُتَوَقَّعًا قَرِيبًا، اسْتَحَقَّ، وَإِنْ لَمْ يُتَوَقَّعْ إِلَّا بِاحْتِمَالٍ نَادِرٍ، فَلَا، أَمَّا إِذَا قَاتَلْنَا، فَلَمْ نَظْفَرْ، فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوْ تَرَكْنَاهَا، ثُمَّ عُدْنَا، فَفَتَحْنَاهَا بِدَلَالَتِهِ، فَلَهُ الْجَارِيَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ فَتَحْنَاهَا بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ فَتَحَهَا طَائِفَةٌ أُخْرَى بِالطَّرِيقِ الَّذِي دَلَّنَا عَلَيْهِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ مَعَهُمْ شَرْطٌ. فَرْعٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَلْعَةِ تِلْكَ الْجَارِيَةُ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ وَمَاتَتْ قَبْلَ الشَّرْطِ، وَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ الشَّرْطِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهَا إِنْ مَاتَتْ بَعْدَ الظَّفَرِ، وَجَبَ بَدَلُهَا، لِأَنَّهَا حَصَلَتْ فِي يَدِ الْإِمَامِ، فَتَلَفَتْ مِنْ ضَمَانِهِ، وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ الظَّفَرِ، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ فِي الْحَالَيْنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَجِبُ الْبَدَلُ، فَمَا الْبَدَلُ؟ بَنَاهُ الْإِمَامُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ فِي جَعْلِ الْجَعَالَةِ، فَقَالَ: إِذَا جُعِلَ الْجَعْل عَيْنًا، كَثَوْبٍ وَعَبْدٍ، وَتَمَّمَ الْعَامِلُ الْعَمَلَ وَالْعَيْنُ تَالِفَةٌ، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَ إِنْشَاءِ الْعَمَلِ، نُظِرَ إِنْ عَلِمَ الْعَامِلُ تَلَفَهَا، فَلَا شَيْءَ لَهُ، لِأَنَّ الْمُعَاقَدَةَ كَانَتْ مَقْصُورَةً عَلَى تِلْكَ الْعَيْنِ، فَإِذَا عَمِلَ عَالِمًا بِتَلَفِهَا، كَانَ كَالْمُتَبَرِّعِ، وَإِنْ جَهِلَ، فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِعَدَمِ التَّبَرُّعِ، وَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ الْعَمَلِ، نُظِرَ إِنْ لَمْ يُطَالِبْهُ الْعَامِلُ بِتَسْلِيمِهَا، فَهَلْ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْعَيْنِ أَوْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ؟ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجَعْلَ الْمُعَيَّنَ مَضْمُونٌ ضَمَانَ الْعَقْدِ،

стр. 4216

أَمْ ضَمَانَ الْيَدِ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ، كَالصَّدَاقِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا يَبْعُدُ عِنْدِي الْقَطْعُ بِأَنَّ الْجَعْلَ يُضْمَنُ ضَمَانَ الْعَقْدِ، لِأَنَّهُ رُكْنٌ فِي الْجَعَالَةِ وَلَيْسَ الصَّدَاقُ رُكْنًا فِي النِّكَاحِ، وَإِنْ تَلِفَ بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ وَامْتِنَاعِ الْجَاعِلِ مِنَ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ قُلْنَا بِضَمَانِ الْيَدِ، فَالْحُكْمُ كَمَا سَبَقَ، وَإِنْ قُلْنَا: ضَمَانُ الْعَقْدِ، فَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: التَّلَفُ بَعْدَ الِامْتِنَاعِ كَإِتْلَافِ الْجَاعِلِ، فَيَكُونُ فِي قَوْلٍ: كَتَلَفِهِ بِآفَةٍ فَيَنْفَسِخُ الْعَقْدُ وَيَرْجِعُ الْعَامِلُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَفِي قَوْلٍ: كَإِتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ، فَيَتَخَيَّرُ الْعَامِلُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْإِجَارَةِ إِذَا عَرَفْتَ الْمُقَدِّمَةَ، فَبَدَلُ الْجَارِيَةِ حَيْثُ حَكَمْنَا بِهِ هُوَ أُجْرَةُ الْمِثْلِ إِنْ قُلْنَا بِضَمَانِ الْعَقْدِ، وَقِيمَتُهَا إِنْ قُلْنَا بِضَمَانِ الْيَدِ، هَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ، وَلَكِنَّ الْأَظْهَرَ مِنْ قَوْلَيِ الصَّدَاقِ وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَالْمَوْجُودُ لِجُمْهُورِ الْأَصْحَابِ هُنَا قِيمَةُ الْجَارِيَةِ، ثُمَّ مَحَلُّ الْخِلَافِ إِذَا كَانَتْ جَارِيَةً مُعَيَّنَةً، فَإِنْ كَانَتْ مُبْهَمَةً وَمَاتَ كُلُّ مَنْ فِيهَا مِنَ الْجَوَارِي، وَأَوْجَبْنَا الْبَدَلَ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يَرْجِعُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ قَطْعًا، لِتَعَذُّرِ تَقْوِيمِ الْمَجْهُولِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: تُسَلَّمُ إِلَيْهِ قِيمَةُ مَنْ تَسَلُّمُ إِلَيْهِ قَبْلَ الْمَوْتِ، ثُمَّ الْبَدَلُ الْوَاجِبُ هَلْ يَجِبُ فِي مَالِ الْمَصَالَحِ أَمْ فِي أَصْلِ الْغَنِيمَةِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الرَّضْخِ. فَرْعٌ إِذَا شَرَطَ جَارِيَةً مُبْهَمَةً وَلَمْ يُوجَدْ إِلَّا جَارِيَةٌ، سُلِّمَتْ إِلَيْهِ، وَإِنْ وُجِدَ جَوَارٍ، فَلِلْإِمَامِ التَّعْيِينُ، وَيُجْبَرُ الْعِلْجُ عَلَى الْقَبُولِ، لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ جَارِيَةٌ وَهَذِهِ جَارِيَةٌ، كَمَا أَنَّ لِلْمُسْلِمِ إِلَيْهِ أَنْ يُعَيِّنَ مَا شَاءَ بِالصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ، وَيُجْبُرُ الْمُسْتَحِقُّ عَلَى الْقَبُولِ، وَلَوْ شَرَطَ جَارِيَةً مُعَيَّنَةً، فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا سِوَى تِلْكَ الْجَارِيَةِ، فَهَلْ تُسَلَّمُ إِلَيْهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَفَاءً بِالشَّرْطِ، وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّ سَعْيَنَا حِينَئِذٍ يَكُونُ لِلْعِلْجِ خَاصَّةً،

стр. 4217

وَالْخِلَافُ فِيمَا إِذَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْقَلْعَةَ، وَيُدِيمَ الْيَدَ عَلَيْهَا، لِكَوْنِهَا مَحْفُوفَةً بِبِلَادِ الْكُفْرِ، فَإِنْ أَمْكَنَ، وَجَبَ الْوَفَاءُ قَطْعًا. فَرْعٌ لَوْ وَجَدْنَا الْجَارِيَةَ مَسْلَمَةً، نُظِرَ إِنْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الظَّفَرِ وَهِيَ حُرَّةٌ، لَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهَا، وَعَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ فِيهِ قَوْلًا أَنَّهَا تُسَلَّمُ إِلَى الْعِلْجِ، لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ بَعْدَ الظَّفَرِ، فَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ مُسْلِمًا، وَصَحَّحْنَا هَذِهِ الْمُعَاقَدَةَ مَعَهُ، أَوْ كَافِرًا وَأَسْلَمَ، سُلِّمَتْ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَيُبْنَى عَلَى شِرَاءِ الْكَافِرِ عَبْدًا مُسْلِمًا، إِنْ جَوَّزْنَاهُ، سَلَّمْنَاهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِإِزَالَةِ الْمِلْكِ، وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْهُ، لَمْ تُسَلَّمْ إِلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ تُسَلَّمْ إِلَيْهِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَفِي وُجُوبِ بَدَلِهَا طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: طَرْدُ الْخِلَافِ فِي الْمَوْتِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ، وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْوُجُوبِ، وَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ الْبَدَلِ، وَإِنْ ثَبَتَ الْخِلَافُ وَهُوَ فِيمَا إِذَا أَسْلَمَتْ بَعْدَ الظَّفَرِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِيمَا إِذَا أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ، لِأَنَّهَا إِذَا أَسْلَمَتْ بَعْدَهُ تَكُونُ مَمْلُوكَةً. فَرْعٌ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا إِذَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، فَإِنْ فُتِحَتْ صُلْحًا، نُظِرَ إِنْ كَانَتِ الْجَارِيَةُ الْمَشْرُوطَةُ خَارِجَةً عَنِ الْأَمَانِ، بِأَنْ كَانَ الصُّلْحُ عَلَى أَمَانِ صَاحِبِ الْقَلْعَةِ وَأَهْلِهِ وَلَمْ تَكُنِ الْجَارِيَةُ مِنْ أَهْلِهِ، سُلِّمَتْ إِلَى الْعِلْجِ، وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي الْأَمَانِ، أَعْلَمْنَا صَاحِبَ الْقَلْعَةِ بِشَرْطِنَا مَعَ الْعِلْجِ وَقُلْنَا لَهُ: إِنْ رَضِيتَ بِتَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ، غَرِمْنَا لَكَ قِيمَتَهَا وَأَمْضَيْنَا الصُّلْحَ، وَتَكُونُ الْقَيِّمَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، قَالَهُ الْبَغَوِيُّ، وَفِي الشَّامِلِ أَنَّهَا عَلَى الْخِلَافِ فِي الرَّضْخِ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ، رَاجَعْنَا الْعِلْجَ، فَإِنْ رَضِيَ بِقِيمَتِهَا أَوْ بِجَارِيَةٍ أُخْرَى، فَذَاكَ، وَإِلَّا قُلْنَا لِصَاحِبِ الْقَلْعَةِ: إِنْ لَمْ تُسَلِّمْهَا،

стр. 4218

فَسَخْنَا الصُّلْحَ، وَنَبَذْنَا عَهْدَكَ، فَإِنِ امْتَنَعَ، رَدَدْنَاهُ إِلَى الْقَلْعَةِ، وَاسْتَأْنَفْنَا الْقِتَالَ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّ الصُّلْحَ فِي الْجَارِيَةِ فَاسِدٌ، لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ. فَرْعٌ لَوْ كَانَ الْإِمَامُ نَازِلًا بِجَنْبِ قَلْعَةٍ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهَا فَقَالَ: مَنْ دَلَّنِي عَلَى قَلْعَةِ كَذَا، فَلَهُ مِنْهَا جَارِيَةٌ، فَقَالَ لَهُ عِلْجٌ: هِيَ هَذِهِ الَّتِي أَنْتَ عِنْدَهَا، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: الْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ تِلْكَ الْجَارِيَةَ إِذَا فُتِحَتْ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَنْ جَاءَنِي بِعَبْدِي الْآبِقِ، فَلَهُ كَذَا، فَجَاءَ بِهِ إِنْسَانٌ مِنَ الْبَلَدِ. الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: إِذَا دَخَلَ كَافِرٌ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ أَوْ ذِمَّةٍ، كَانَ مَا مَعَهُ مِنَ الْمَالِ وَالْأَوْلَادِ فِي أَمَانٍ، فَإِنْ شَرَطَ الْأَمَانَ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ، فَهُوَ تَأْكِيدٌ وَلَا أَمَانَ لِمَا خَلَّفَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَيَجُوزُ اغْتِنَامُ مَالِهِ وَسَبْيُ أَوْلَادِهِ هُنَاكَ، وَعَنْ صَاحِبِ «الْحَاوِي» أَنَّهُ إِنْ قَالَ: لَكَ الْأَمَانُ، ثَبَتَ الْأَمَانُ فِي ذُرِّيَّتِهِ وَمَالِهِ، وَإِنْ قَالَ: لَكَ الْأَمَانُ فِي نَفْسِكَ، لَمْ يَثْبُتْ فِي الذُّرِّيَّةِ وَالْمَالِ، وَأَطْلَقَ الْجُمْهُورُ قَالُوا: وَقَدْ يَفْتَرِقُ الْمَالِكُ وَالْمَمْلُوكُ فِي الْأَمَانِ، وَلِهَذَا لَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، فَبَعَثَ مَعَهُ حَرْبِيٌّ مَالًا لِشِرَاءِ مَتَاعٍ، كَانَ مَالُهُ فِي أَمَانٍ حَتَّى يَرُدَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَالِكُ فِي أَمَانٍ، وَكَذَا لَوْ بَعَثَهُ مَعَ ذِمِّيٍّ دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَكُونُ مَعَ الذِّمِّيِّ فِي أَمَانٍ، لِأَنَّ أَمَانَ الذِّمِّيِّ بَاطِلٌ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ، فَوَجَبَ رَدُّهُ إِلَيْهِ، وَلَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَنَا بِأَمَانٍ أَوْ ذِمَّةٍ أَوْ لِرِسَالَةٍ فَنَقَضَ الْعَهْدَ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَمِنْ أَسْبَابِ النَّقْضِ أَنْ يَعُودَ لِيَتَوَطَّنَ هُنَاكَ، فَلَا يُسْبَى أَوْلَادُهُ عِنْدَنَا، وَإِنْ مَاتَ فَأَبْلَغُوا، فَإِذَا بَلَغُوا وَقَبِلُوا الْجِزْيَةَ، تُرِكُوا، وَإِلَّا بُلِّغُوا الْمَأْمَنَ، وَمَا خَلَّفَهُ عِنْدَنَا مِنْ وَدِيعَةٍ وَدَيْنٍ مِنْ قَرْضٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَهُوَ فِي أَمَانٍ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ مَا دَامَ حَيًّا، هَذَا هُوَ

стр. 4219

الصَّحِيحُ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ الْأَمَانُ فِي مَالِهِ لِانْتِقَاضِهِ فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الْمَالِ تَبَعًا، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْأَمَانِ فِي مَالِهِ، حَصَلَ الْأَمَانُ فِيهِ تَبَعًا، فَيَنْتَقِضُ فِيهِ تَبَعًا، وَإِنْ ذَكَرَهُ فِي الْأَمَانِ لَمْ يَنْتَقِضْ، قَالَ الْإِمَامُ: فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ، فَلِلْكَافِرِ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ أَمَانٍ لِتَحْصِيلِ ذَلِكَ الْمَالِ، وَالدُّخُولُ لَهُ يُؤَمِّنُهُ، كَالدُّخُولِ لِرِسَالَةٍ وَسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعَجِّلَ فِي تَحْصِيلِ غَرَضِهِ، وَلَا يُعَرِّجَ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَذَا لَا يُكَرِّرُ الْعَوْدَ لِأَخْذِ قِطْعَةٍ مِنَ الْمَالِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَإِنْ خَالَفَ، تَعَرَّضَ لِلْقَتْلِ وَالْأَسْرِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ الْحَدَّادِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ لَهُ الدُّخُولُ، وَثُبُوتُ الْأَمَانِ فِي الْمَالِ لَا يُوجِبُ ثُبُوتَهُ فِي النَّفْسِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَبْقَى الْأَمَانُ فِي مَالِهِ كَانَ فَيْئًا، قَالَ الْإِمَامُ: وَالْخِلَافُ فِي مَالِهِ الْمُخَلَّفِ بَعْدَ الْتِحَاقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَأَمَّا إِذَا فَارَقَ الْمَالَ وَلَمْ يَلْتَحِقْ بَعْدُ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَالْوَجْهُ الْجَزْمُ بِبَقَاءِ الْأَمَانِ، وَيُحْتَمَلُ طَرْدُ الْخِلَافِ، وَإِذَا نَبَذَ الْمُسْتَأْمَنُ الْعَهْدَ، وَجَبَ تَبْلِيغُهُ الْمَأْمَنَ، وَلَا يُتَعَرَّضُ لِمَا مَعَهُ بِلَا خِلَافٍ، هَذَا حُكْمُ مَا تَرَكَهُ فِي حَيَاتِهِ، فَلَوْ مَاتَ هُنَاكَ أَوْ قُتِلَ وَقُلْنَا بِالصَّحِيحِ، وَهُوَ بَقَاءُ الْأَمَانِ فِيهِ فِي حَيَاتِهِ، فَقَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: يَكُونُ فَيْئًا، وَأَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ لِوَارِثِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ، فَهُوَ فَيْءٌ قَطْعًا، وَلَوْ مَاتَ عِنْدَنَا، فَقِيلَ بِطَرْدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِرَدِّهِ إِلَى وَارِثِهِ، لِأَنَّهُ مَاتَ وَالْأَمَانُ بَاقٍ فِي نَفْسِهِ، فَكَذَا فِي مَالِهِ، وَهُنَاكَ انْتَقَضَ فِي نَفْسِهِ، فَكَذَا فِي مَالِهِ، فَإِنْ كَانَ وَارِثُهُ حَرْبِيًّا، فَعَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الذِّمِّيَّ وَالْحَرْبِيَّ هَلْ يَتَوَارَثَانِ؟ وَلَوْ خَرَجَ الْمُسْتَأْمَنُ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ غَيْرَ نَاقِضٍ لِلْعَهْدِ بَلْ لِرِسَالَةٍ أَوْ تِجَارَةٍ وَمَاتَ هُنَاكَ، فَهُوَ كَمَوْتِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَلَوِ الْتَحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ، فَسُبِيَ وَاسْتُرِقَّ، بُنِيَ عَلَى مَا إِذَا مَاتَ، فَإِنْ قُلْنَا: إِذَا مَاتَ يَكُونُ لِوَارِثِهِ، وُقِفَ، فَإِنْ عَتَقَ، فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ رَقِيقًا فَقَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: يُصْرَفُ إِلَى وَارِثِهِ كَمَا لَوْ

стр. 4220

مَاتَ حُرًّا، وَأَظْهَرُهُمَا: يَكُونُ فَيْئًا، لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يُورَثُ، وَإِنْ قُلْنَا: إِذَا مَاتَ يَكُونُ فَيْئًا، فَهُنَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: هَذَا، وَالثَّانِي وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: يُوقَفُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُعْتَقَ وَيَعُودَ بِخِلَافِ الْمَوْتِ، فَإِنْ عَتَقَ، سُلِّمَ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَهُوَ فَيْءٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: لِلسَّيِّدِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَإِذَا صَرَفْنَاهُ إِلَى الْوَرَثَةِ، احْتَمَلَ أَنْ يُصْرَفَ إِلَيْهِمْ إِرْثًا، وَلَا يَلْزَمُ الْكُفَّارَ تَفْضِيلُ شَرْعِنَا فِي مَنْعِ التَّوْرِيثِ مِنْ رَقِيقٍ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُصْرَفَ إِلَيْهِمْ إِرْثًا، بَلْ لِأَنَّهُمْ أَخَصُّ بِهِ، وَإِذَا قُلْنَا بِالتَّوْرِيثِ، فَهَلْ يَرِثُونَ إِذَا مَاتَ أَمْ يَسْتَنِدُ اسْتِحْقَاقُ الْوَرَثَةِ إِلَى مَا قَبْلَ جَرَيَانِ الرِّقِّ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ، وَإِذَا قُلْنَا: الصَّرْفُ إِلَى الْوَرَثَةِ، فَلَهُمْ دُخُولُ الْإِسْلَامِ لِطَلَبِ ذَلِكَ الْمَالِ بِغَيْرِ أَمَانٍ، وَيَجِيءُ فِيهِ الْوَجْهُ السَّابِقُ فِي صَاحِبِ الْمَالِ. فَرْعٌ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، فَاقْتَرَضَ مِنْهُمْ شَيْئًا، أَوْ سَرَقَ وَعَادَ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، لَزِمَهُ رَدُّهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّعَرُّضُ لَهُمْ إِذَا دَخَلَ بِأَمَانٍ. الْعَاشِرَةُ: إِذَا حَاصَرْنَا قَلْعَةً أَوْ بَلْدَةً، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ الْإِمَامِ، جَازَ، وَكَذَا لَوْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ، وَشَرْطُهُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا ذَكَرًا حُرًّا مُكَلَّفًا عَدْلًا، لِأَنَّهُ وِلَايَةُ حُكْمٍ، كَالْقَضَاءِ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْمَى، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا الرَّأْيُ، فَهُوَ كَالشَّهَادَةِ بِالِاسْتِفَاضَةِ تَصِحُّ مِنَ الْأَعْمَى، وَأَطْلَقُوا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ عَالِمًا، وَرُبَّمَا قَالُوا: فَقِيهًا، وَرُبَّمَا قَالُوا: مُجْتَهِدًا، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا أَظُنُّهُمْ شَرَطُوا أَوْصَافَ الِاجْتِهَادِ الْمُعْتَبَرَةَ فِي الْمُفْتِي، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا التَّهَدِّي إِلَى طَلَبِ الصَّلَاحِ وَمَا فِيهِ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ حُسْنَ الرَّأْيِ فِي الْكُفَّارِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ اثْنَيْنِ، أَوْ عَلَى حُكْمِ مَنْ يَخْتَارُهُ الْإِمَامُ، أَوْ مَنْ يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ مَعَ الْإِمَامِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى حُكْمِ مَنْ يَخْتَارُونَهُ إِلَّا إِذَا شَرَطُوا الْأَوْصَافَ

стр. 4221

الْمَشْرُوطَةَ، وَلَوِ اسْتَنْزَلَهُمْ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، كُرِهَ ذَلِكَ، لِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَيْسَ مَنْصُوصًا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَحْصُلُ مِنْهُ اخْتِلَافٌ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَلَوِ اسْتَنْزَلَهُمْ عَلَى أَنَّ مَا يَقْضِي اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ يُنَفِّذُهُ، لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الْحُكْمَ فِيهِمْ وَإِذَا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ اثْنَيْنِ، فَلْيَتَّفِقَا عَلَى الْحُكْمِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا، لَمْ يُنَفَّذْ إِلَّا أَنْ تَتَّفِقَ الطَّائِفَتَانِ عَلَى حُكْمٍ، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ، أَوْ نَزَلُوا عَلَى حَكَمٍ وَاحِدٍ، فَمَاتَ قَبْلَ الْحُكْمِ، أَوْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ مَنْ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ، رُدُّوا إِلَى الْقَلْعَةِ إِلَى أَنْ يَرْضَوْا بِحُكْمِ حَاكِمٍ فِي الْحَالِ، وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ إِلَّا بِمَا فِيهِ الْحَظُّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ، وَحَكَى الرُّويَانِيُّ وَجْهًا، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْمَنِّ عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَاسْتَغْرَبَهُ، وَلَوْ حَكَمَ بِمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ، كَقَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، لَمْ يُنَفَّذْ، وَلَوْ حَكَمَ بِقَتْلِ الْمُقَاتِلَةِ وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ وَأَخْذِ الْأَمْوَالِ، جَازَ. وَتَكُونُ الْأَمْوَالُ غَنِيمَةً، لِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ بِالْقَهْرِ، وَإِنْ حَكَمَ بِاسْتِرْقَاقِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، وَقَتْلِ مَنْ أَقَامَ مِنْهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، أَوْ بِاسْتِرْقَاقِ مَنْ أَسْلَمَ، وَمَنْ أَقَامَ عَلَى الْكُفْرِ، جَازَ، وَيُنَفَّذُ حُكْمُ الْحَاكِمِ عَلَى الْإِمَامِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى حُكْمِهِ فِي التَّشْدِيدِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُنْقِصَ مِنْهُ وَيُسَامِحَ، فَإِذَا حَكَمَ بِغَيْرِ الْقَتْلِ، فَلَيْسَ لَهُ الْقَتْلُ، وَإِنْ حَكَمَ بِالْقَتْلِ، فَلَهُ الْمَنُّ، وَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِرْقَاقُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ ذُلٌّ مُؤَبَّدٌ، وَإِنْ حَكَمَ بِالِاسْتِرْقَاقِ، فَلَيْسَ لَهُ الْمَنُّ إِلَّا بِرِضَى الْغَانِمِينَ، لِأَنَّهُ صَارَ مَالًا لَهُمْ، وَإِنْ حَكَمَ بِقَبُولِ الْجِزْيَةِ، فَهَلْ يُجْبَرُونَ عَلَيْهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِأَنَّهُ حُكْمُهُ وَقَدِ الْتَزَمُوهُ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُجْبَرُونَ، بُلِّغُوا الْمَأْمَنَ، وَإِنْ قُلْنَا: يُجْبَرُونَ، فَامْتَنَعُوا، فَهُمْ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا امْتَنَعُوا مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ بَعْدَ قَبُولِهَا، وَسَيَأْتِي الْخِلَافُ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَطُرِدَ الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ حَكَمَ

стр. 4222

بِالْمُفَادَاةِ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ قَبِلَ الْحُكْمَ، حُقِنَ دَمُهُ وَمَالُهُ، وَلَمْ يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهُ بِخِلَافِ الْأَسِيرِ فَإِنَّهُ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ، وَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِالْقَتْلِ، امْتَنَعَ قَتْلُهُ، فَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ بِقَتْلِ الرِّجَالِ وَسَبْيِ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، لَمْ يَنْدَفِعْ بِإِسْلَامِ الرِّجَالِ إِلَّا قَتْلُهُمْ، وَهَلْ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الْمَحْكُومِ بِقَتْلِهِ إِذَا أَسْلَمَ؟ نَقَلَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْزِلُوا عَلَى هَذَا الشَّرْطِ فَيُطْلِقُهُمْ، وَلَا يُفَادِيهِمْ بِمَالٍ، وَيَجِيءُ عَلَى تَجْوِيزِ اسْتِرْقَاقِهِ لَوْ لَمْ يُسْلِمْ أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَيْضًا، وَلَوْ حَكَمَ بِالْإِرْقَاقِ، فَأَسْلَمَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْإِرْقَاقِ جَازَ إِرْقَاقُهُ، عَلَى الْأَصَحِّ. فَرْعٌ حَاصَرْنَا قَلْعَةً، فَصَالَحَ زَعِيمُهَا عَلَى أَمَانِ مِائَةِ شَخْصٍ مِنْهُمْ، صَحَّ لِلْحَاجَةِ، وَيُعَيِّنُ الزَّعِيمُ مِائَةً، فَإِنْ عَدَّ مِائَةً وَأَغْفَلَ نَفْسَهُ، جَازَ قَتْلُهُ. فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ تَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ السَّيْرِ إِذَا أَسْلَمَ كَافِرٌ وَقَدْ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارٍ أَوْ قَتْلٍ، فَفِي سُقُوطِهَا عَنْهُ وَجْهَانِ، نَقَلَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ، كَالدَّيْنِ، وَالثَّانِي: نَعَمْ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا ضَعِيفٌ هَادِمٌ لِلْقَوَاعِدِ. قُلْتُ: وَلَوْ وَجَبَ عَلَى ذِمِّيٍّ حَدُّ زِنَى فَأَسْلَمَ، نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي «الْإِشْرَافِ» عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ، وَحَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا، وَرِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَسْقُطُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوِ اسْتَوْلَى الْكُفَّارُ عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَمْلِكُوهَا سَوَاءً

стр. 4223

أَحْرَزُوهَا بِدَارِ الْحَرْبِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ الْعَقَارُ وَغَيْرُهُ، وَإِذَا أَسْلَمُوا وَالْمَالُ فِي أَيْدِيهِمْ، لَزِمَهُمْ رَدُّهُ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَإِنْ غَنِمَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لَزِمَهُمْ رَدُّهُ إِلَى صَاحِبِهِ، فَإِنْ ظَهَرَ الْحَالُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ، رَدَّهُ مَنْ وَقَعَ فِي سَهْمِهِ، وَيُعَوِّضُهُ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ، أَعَادَ الْقِسْمَةَ، وَنَصَّ أَنَّهُ لَوْ أَحْرَزَ مُشْرِكٌ جَارِيَةَ مُسْلِمٍ وَأَوْلَدَهَا، ثُمَّ ظَفَرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ، فَالْجَارِيَةُ وَالْوَلَدُ لِلْمُسْلِمِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الْوَاطِئُ، أَخَذَ مَالِكُهَا مِنْهُ الْمَهْرَ وَقِيمَةَ الْوَلَدِ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا وَطِئَ وَأَوْلَدَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، فَيَلْزَمُهُ الْمَهْرُ، وَالْوَلَدُ حُرٌّ لِلشُّبْهَةِ، وَلَوْ أُسِرَتْ مَسْلَمَةً، فَنَكَحَهَا حَرْبِيٌّ، أَوْ أَصَابَهَا بِلَا نِكَاحٍ، فَأَوْلَدَهَا، ثُمَّ ظَفَرْنَا بِهِمْ، لَمْ يُسْتَرَقَّ أَوْلَادُهَا، لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهَا، وَيَلْحَقُونَ النَّاكِحَ لِلشُّبْهَةِ، وَنَصَّ أَنَّ جَارِيَةَ الْمُسْلِمِ لَوِ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا كُفَّارٌ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى مَالِكِهَا، فَلَا اسْتِبْرَاءَ عَلَيْهِ، لَأَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وَلَوْ أَسَرْنَا قَوْمًا، فَقَالُوا: نَحْنُ مُسْلِمُونَ أَوْ أَهْلُ ذِمَّةٍ، صُدِّقُوا بِأَيْمَانِهِمْ إِنْ وُجِدُوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ وُجِدُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَمْ يُصَدَّقُوا، وَلَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَنَا بِأَمَانٍ، فَاشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا، وَخَرَجَ بِهِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، فَظَفَرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، فَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ الشِّرَاءُ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ، وَإِلَّا فَهُوَ لِبَائِعِهِ، وَيَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّمَنِ عَلَى الْمُسْتَأْمَنِ. فَرْعٌ نَصَّ فِي حَرْمَلَةَ، أَنَّهُ لَوْ أَهْدَى مُشْرِكٌ إِلَى الْأَمِيرِ، أَوْ إِلَى الْإِمَامِ هَدِيَّةً وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، فَهِيَ غَنِيمَةٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَهْدَى قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلُوا عَنْ دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ لِلْمُهْدَى إِلَيْهِ. فَرْعٌ فِدَاءُ الْأَمِيرِ الْأَسِيرَ مُسْتَحَبٌّ، فَلَوْ قَالَ مُسْلِمٌ لِكَافِرٍ: أَطْلِقْ أَسِيرَكَ

стр. 4224

وَلَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ، فَأَطْلَقَهُ، لَزِمَهُ الْأَلْفُ، وَمَتَى فَدَى أَسِيرًا بِمَالٍ بِغَيْرِ سُؤَالِ الْأَسِيرِ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِهِ، وَلَوْ قَالَ الْأَسِيرُ: افْدِنِي بِكَذَا عَلَى أَنْ تَرْجِعَ عَلَيَّ، فَفَعَلَ، رَجَعَ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَشْرُطِ الرُّجُوعَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ الْأَسِيرُ لِلْكَافِرِ: أَطْلِقْنِي عَلَى كَذَا، فَفَعَلَ، أَوْ قَالَ لَهُ كَافِرٌ: افْتَدِ نَفْسَكَ بِكَذَا، فَفَعَلَ، لَزِمَهُ مَا الْتَزَمَ، وَالْمَالُ الَّذِي فَدَى الْأَسِيرَ بِهِ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، هَلْ يَكُونُ غَنِيمَةً أَمْ يُرَدُّ إِلَى الْفَادِي؟ وَجْهَانِ: قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ أَنَّ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُرَدُّ وَهُوَ أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ، فَوَجَدَ مُسْلِمَةً أَسَرُوهَا، لَزِمَهُ إِخْرَاجُهَا إِنْ أَمْكَنَهُ. فَرْعٌ سَبَقَ أَنَّهُ إِذَا اقْتَصَرَ فِي الْأَمَانِ عَلَى قَوْلِهِ: أَمَّنْتُكَ، هَلْ يَتَعَدَّى إِلَى مَا مَعَهُ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ؟ وَجْهَانِ، وَإِنْ تَعَرَّضَ لَهُ، تَعَدَّى قَطْعًا، وَفِي «الْبَحْرِ» تَفْصِيلٌ حَسَنٌ، حَكَاهُ أَوْ بَعْضَهُ عَنِ الْحَاوِي وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ أَطْلَقَ الْأَمَانَ، دَخَلَ فِيهِ مَا يَلْبَسُهُ مِنْ ثِيَابٍ، وَمَا يَسْتَعْمِلُهُ فِي حِرْفَتِهِ مِنْ آلَاتٍ، وَمَا يُنْفِقُهُ فِي مُدَّةِ الْأَمَانِ لِلْعُرْفِ الْجَارِي بِذَلِكَ، وَمَرْكُوبُهُ إِنْ كَانَ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ، وَلَا يَدْخُلُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنْ بَذَلَ لَهُ الْأَمَانَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَالْمَالُ أَيْضًا فِي أَمَانٍ إِنْ كَانَ حَاضِرًا، سَوَاءً أَمَّنَهُ الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، لَمْ يَصِحَّ الْأَمَانُ فِيهِ إِلَّا مِنَ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ، وَكَذَلِكَ الذَّرَارِيُّ يُفَرَّقُ فِيهِمْ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ وَالْغَائِبِينَ، قَالَ: وَلَوْ قَالَ: أَمَّنْتُكَ فِي جَمِيعِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، كَانَ آمِنًا فِي جَمِيعِهَا، سَوَاءً أَمَّنَهُ الْإِمَامُ

стр. 4225

أَوْ غَيْرُهُ، وَإِنْ قَالَ: أَمَّنْتُكَ فِي بَلَدِ كَذَا، كَانَ آمِنًا فِيهِ، وَفِي الطَّرِيقِ إِلَيْهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ لَا غَيْرَ، وَإِنْ أَطْلَقَ، نُظِرَ إِنْ أَمَّنَهُ الْإِمَامُ، كَانَ آمِنًا فِي جَمِيعِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ أَمَّنَهُ وَالِي الْإِقْلِيمِ، كَانَ آمِنًا فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ، وَإِنْ أَمَّنَهُ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ، اخْتَصَّ الْأَمَانُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي يَسْكُنُهُ الْمُؤَمَّنُ، بَلْدَةً كَانَتْ أَوْ قَرْيَةً، وَبِالطَّرِيقِ إِلَيْهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ آمِنًا فِي الطَّرِيقِ إِذَا اجْتَازَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، قَالَ: وَإِذَا كَانَ الْأَمَانُ مُقَدَّرًا بِمُدَّةِ، فَإِنْ كَانَ مَخْصُوصًا بِبَلَدٍ، فَلَهُ اسْتِيفَاءُ الْمُدَّةِ بِالْإِقَامَةِ فِيهِ، وَلَهُ الْأَمَانُ بَعْدَهَا إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَأْمَنِهِ، وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ، انْقَضَى أَمَانُهُ بِمُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَلَا أَمَانَ لَهُ بَعْدَهَا لِلْعَوْدِ، لِأَنَّ مَا يَتَّصِلُ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِدَارِ الْحَرْبِ مِنْ مَحَلِّ أَمَانِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مُدَّةِ الِانْتِقَالِ مِنْ مَوْضِعِ الْأَمَانِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 4226

كِتَابُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْهُدْنَةِ فِيهِ بَابَانِ: الْأَوَّلُ: فِي الْجِزْيَةِ، وَفِيهِ طَرَفَانِ: الْأَوَّلُ: فِي أَرْكَانِهَا وَهِيَ خَمْسَةٌ: الْأَوَّلُ: نَفْسُ الْعَقْدِ، وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ: أَقْرَرْتُكُمْ، أَوْ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الْإِقَامَةِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا كَذَا، وَتَنْقَادُوا لِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِقَدْرِ الْجِزْيَةِ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا، وَيَجِبُ الْأَقَلُّ، وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، كَالثَّمَنِ وَالْأُجْرَةِ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِكَفِّهِمُ اللِّسَانَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ وَدِينِهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الِانْقِيَادِ، وَيُشْتَرَطُ مِنَ الذِّمِّيِّ لَفْظُ، كَقَبِلْتُ، أَوْ رَضِيتُ بِذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ الذِّمِّيُّ: قَرِّرْنِي بِكَذَا، فَأَجَابَهُ الْإِمَامُ، تَمَّ الْعَقْدُ، وَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الذِّمَّةِ مُؤَقَّتًا عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ خِلَافُ مُقْتَضَاهُ، وَمَنْ صَحَّحَ، قَاسَهُ عَلَى الْهُدْنَةِ، وَلَوْ قَالَ: أُقِرُّكُمْ مَا شِئْتُ، أَوْ أُقِرِّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ، أَوْ إِلَى أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمُؤَقَّتِ بِمَعْلُومٍ وَعَكْسِهِ، وَجَعَلَ هَذَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَلَوْ قَالَ: أُقِرُّكُمْ مَا شِئْتُمْ، جَازَ، لِأَنَّ لَهُمْ نَبْذَ الْعَقْدِ مَتَى شَاءُوا، فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا التَّصْرِيحُ بِمُقْتَضَاهُ، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَوْ قَالَ فِي الْهُدْنَةِ: هَادَنْتُكُمْ مَا شِئْتُمْ، لَمْ يَصِحَّ، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الْكُفَّارَ مُحَكِّمِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَرْعٌ إِذَا طَلَبَتْ طَائِفَةٌ تُقِرُّ بِالْجِزْيَةِ عَقَدَ الذِّمَّةِ، وَجَبَتْ إِجَابَتُهُمْ، وَفِي «الْبَيَانِ» وَغَيْرِهِ وَجْهٌ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا إِذَا رَأَى الْإِمَامُ فِيهَا مَصْلَحَةً

стр. 4227

كَمَا فِي الْهُدْنَةِ، وَهَذَا شَاذٌّ مَتْرُوكٌ، فَلَوْ خَافَ غَائِلَتَهُمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ مَكِيدَةٌ مِنْهُمْ، لَمْ يُجِبْهُمْ. فَرْعٌ إِذَا عُقِدَتِ الذِّمَّةُ مَعَ إِخْلَالٍ بِشَرْطٍ، لَمْ يَلْزَمِ الْوَفَاءُ، وَلَمْ تَجْبِ الْجِزْيَةُ الْمُسَمَّاةُ، لَكِنْ لَا يُغْتَالُونَ، بَلْ يَبْلُغُونَ الْمَأْمَنَ، وَلَوْ بَقِيَ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْعَقْدِ عِنْدَنَا سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ، وَجَبَ عَلَيْهِ لِكُلِّ سَنَةٍ دِينَارٌ، وَلَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَنَا وَبَقِيَ مُدَّةً، فَاطَّلَعْنَا عَلَيْهِ فَوَجْهَانِ، الصَّحِيحُ الَّذِي حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنِ الْأَصْحَابِ: أَنَّا لَا نَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا لِمَا مَضَى بِخِلَافِ مَنْ سَكَنَ دَارًا غَصْبًا، لِأَنَّ عِمَادَ الْجِزْيَةِ الْقَبُولُ، وَهَذَا حَرْبِيٌّ لَمْ يَلْتَزِمْ شَيْئًا، وَخَرَّجَ ابْنُ الْقَطَّانِ وَجْهًا آخَرَ: أَنَّهُ تُؤْخَذُ مِنْهُ جِزْيَةُ مَا مَضَى، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ: لَنَا قَتْلُهُ وَاسْتِرْقَاقُهُ، وَأَخْذُ مَالِهِ، وَيَكُونُ فَيْئًا، وَلَوْ رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ، وَيَتْرُكَ أَمْوَالَهُ وَذُرِّيَّتَهُ لَهُ، جَازَ بِخِلَافِ سَبَايَا الْحَرْبِ وَأَمْوَالِهَا، لِأَنَّ الْغَانِمِينَ مَلَكُوهَا، فَاشْتُرِطَ اسْتِرْضَاؤُهُمْ، فَإِنْ كَانَ الْكَافِرُ كِتَابِيًّا، وَطَلَبَ عَقَدَ الذِّمَّةِ بِالْجِزْيَةِ، فَهَلْ يُجِيبُهُ وَنَعْصِمُهُ؟ تَقَدَّمَ عَلَى هَذَا حُكْمُ الْأَسِيرِ إِذَا كَانَ كِتَابِيًّا، وَطَلَبَ عَقَدَ الذِّمَّةِ بَعْدَ الْأَسْرِ، وَفِي تَحْرِيمِ قَتْلِهِ حِينَئِذٍ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: التَّحْرِيمُ، لِأَنَّ بَذْلَ الْجِزْيَةِ يَقْتَضِي حَقْنَ الدَّمِ، كَمَا لَوْ بَذَلَهَا قَبْلَ الْأَسْرِ، فَعَلَى هَذَا فِي اسْتِرْقَاقِهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ أَيْضًا، وَيَجِبُ تَقْرِيرُهُ بِالْجِزْيَةِ كَمَا قَبْلَ الْأَسْرِ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَحْرُمُ، لِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَعْظَمُ مِنْ قَبُولِ الْجِزْيَةِ، وَالْإِسْلَامُ بَعْدَ الْأَسْرِ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِرْقَاقَ، وَمَالُهُ مَغْنُومٌ سَوَاءً قُلْنَا: يَحْرُمُ، أَمْ لَا. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَبَدَلُ الدَّاخِلِ الَّذِي أَطْلَقْنَا عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ وَجَبَ قَبُولُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ، كَالْأَسِيرِ.

стр. 4228

فَرْعٌ اطَّلَعْنَا عَلَى كَافِرٍ فِي دَارِنَا، فَقَالَ: دَخَلْتُ لِسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِرِسَالَةٍ، صُدِّقَ وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ، سَوَاءً كَانَ مَعَهُ كِتَابٌ أَمْ لَا، وَفِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، ثُمَّ نَقَلَ ابْنُ كَجٍّ عَنِ النَّصِّ أَنَّهُ مُدَّعِي الرِّسَالَةِ إِنِ اتُّهِمَ، حَلَفَ، وَفِي «الْبَحْرِ» أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ تَحْلِيفُهُ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: دَخَلْتُ بِأَمَانِ مُسْلِمٍ، فَهَلْ يُطَالَبُ بِبَيِّنَةٍ لِإِمْكَانِهَا غَالِبًا أَمْ يُصَدَّقُ بِلَا بَيِّنَةٍ كَدَعْوَى الرِّسَالَةِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ بِغَيْرِ أَمَانٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَمَا اشْتُهِرَ أَنَّ الرَّسُولَ آمِنٌ هُوَ فِي رِسَالَةٍ فِيهَا مُصْلِحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ هُدْنَةٍ وَغَيْرِهَا، فَإِنْ كَانَ رَسُولًا فِي وَعِيدٍ وَتَهْدِيدٍ، فَلَا أَمَانَ لَهُ، وَيَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ فِيهِ بَيْنَ الْخِصَالِ الْأَرْبَعِ كَأَسِيرٍ. قُلْتُ: لَيْسَ مَا ادَّعَاهُ الرُّويَانِيُّ بِمَقْبُولٍ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَهُوَ آمِنٌ مُطْلَقًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرُّكْنُ الثَّانِي: الْعَاقِدُ، وَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الذِّمَّةِ إِلَّا مِنَ الْإِمَامِ، أَوْ مَنْ فَوَّضَهُ إِلَيْهِ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ كَجٍّ وَجْهٌ: أَنَّهُ يَصِحُّ عَقْدُهَا مِنْ آحَادِ الرَّعِيَّةِ، كَالْأَمَانِ، وَهَذَا شَاذٌّ مَتْرُوكٌ، لَكِنْ لَوْ عَقَدَهَا أَحَدُ الرَّعِيَّةِ، لَمْ يُغْتَلِ الْمَعْقُودُ لَهُ، بَلْ يُلْحِقُهُ بِمَأْمَنِهِ، فَإِنْ أَقَامَ سَنَةً فَأَكْثَرَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ لِكُلِّ سَنَةٍ دِينَارٌ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، كَمَا لَوْ فَسَدَ عَقْدُ الْإِمَامِ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا، لِأَنَّهُ لَغْوٌ. الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمَعْقُودُ لَهُ خَمْسَةُ شُرُوطٍ. أَحَدُهَا: الْعَقْلُ، فَلَا جِزْيَةَ عَلَى مَجْنُونٍ، لِأَنَّهَا لِحَقْنِ الدَّمِ، وَهُوَ مَحْقُونٌ، وَفِي الْبَيَانِ وَجْهٌ: أَنَّ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، كَالْمَرِيضِ وَالْهَرِمِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإِنْ كَانَ يَجُنُّ وَيَفِيقُ، نُظِرَ إِنْ قَلَّ زَمَنُ جُنُونِهِ، كَسَاعَةٍ مِنْ شَهْرٍ، أَخِذَتْ مِنْهُ

стр. 4229

الْجِزْيَةُ، وَإِنْ كَثُرَ بِأَنْ يُقْطَعَ يَوْمًا وَيَوْمًا، أَوْ يَوْمَيْنِ، فَأَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: تُلَفَّقُ أَيَّامُ الْإِفَاقَةِ، فَإِذَا تَمَّتْ سَنَةً، أُخِذَتِ الْجِزْيَةُ، وَالثَّانِي: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، كَمَنَ بَعْضُهُ رَقِيقٌ، وَالثَّالِثُ: حُكْمُهُ كَالْعَاقِلِ وَمَا يَطْرَأُ وَيَزُولُ كَالْإِغْمَاءِ، وَالرَّابِعُ: يُحْكُمُ بِمُوجِبِ الْأَغْلَبِ، فَإِنِ اسْتَوَى الزَّمَانُ، وَجَبَتِ الْجِزْيَةُ، وَالْخَامِسُ: إِنْ كَانَ فِي آخِرِ السَّنَةِ عَاقِلًا، أُخِذَتِ الْجِزْيَةُ وَإِلَّا فَلَا، أَمَّا إِذَا كَانَ مُفِيقًا، ثُمَّ جُنَّ بَعْدَ انْتِصَافِ السَّنَةِ، فَهُوَ كَمَوْتِهِ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ، وَإِنْ كَانَ مَجْنُونًا فَأَفَاقَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ افْتَتَحَ سَنَةً، وَسَنَذْكُرُهُمَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَوْ وَقَعَ فِي الْأَسْرِ مَنْ يُجَنُّ وَيَفِيقُ، قَالَ الْإِمَامُ: إِنْ غَلَّبْنَا حُكْمَ الْمَجْنُونِ، رُقَّ وَلَا يُقْتَلُ، وَإِنْ غَلَّبْنَا حُكْمَ الْإِفَاقَةِ، لَمْ يُرَقَّ بِالْأَسْرِ، وَالظَّاهِرُ الْحَقْنُ، وَيَتَّجِهُ أَنْ تُعْتَبَرَ حَالَةُ الْأَسْرِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْغَزَالِيِّ. الشَّرْطُ الثَّانِي: الْبُلُوغُ، فَلَا جِزْيَةَ عَلَى صَبِيٍّ، وَإِذَا بَلَغَ وَلَدُ ذِمِّيٍّ، فَهُوَ فِي أَمَانٍ، فَلَا يُغْتَالُ، بَلْ يُقَالُ لَهُ: لَا نُقِرُّكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِجِزْيَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْذُلِ الْجِزْيَةَ، أَلْحَقْنَاهُ بِمَأْمَنِهِ، وَإِنِ اخْتَارَ بَذْلَهَا، فَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ، أَمْ يَكْفِي عَقْدُ أَبِيهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ: الْأَوَّلُ، فَإِنِ اكْتَفَيْنَا بِعَقْدِ أَبِيهِ، لَزِمَهُ مِثْلُ جِزْيَةِ أَبِيهِ، فَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ وَقَالَ: لَا أَبْذُلُ الزِّيَادَةَ، فَطَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: هُوَ كَذِمِّيٍّ عَقَدَ بِأَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ، ثُمَّ امْتَنَعَ مِنْ بَذْلِ الزِّيَادَةِ، وَفِيهِ خِلَافٌ يَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْقَبُولِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْقِدْ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُجْعَلَ بِالِامْتِنَاعِ نَاقِضًا لِلْعَهْدِ، وَإِنْ قُلْنَا: يُسْتَأْنَفُ مَعَهُ عَقْدٌ، رَفَقَ بِهِ الْإِمَامُ لِيَلْتَزِمَ مَا الْتَزَمَ أَبُوهُ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الزِّيَادَةِ، عُقِدَ لَهُ بِالدِّينَارِ، وَسَوَاءً اكْتَفَيْنَا بِعَقْدِ أَبِيهِ، أَمِ احْتَجْنَا إِلَى الِاسْتِئْنَافِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ قَدْ قَالَ: الْتَزَمْتُ هَذَا عَنْ نَفْسِي وَفِي حَقِّ ابْنِي إِذَا بَلَغَ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِلِابْنِ، وَلَوْ بَلَغَ الِابْنُ سَفِيهًا وَبَذَلَ جِزْيَةَ أَبِيهِ وَهِيَ فَوْقَ دِينَارٍ

стр. 4230

فَهَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيُّ، وَلِيَكُونَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَكْتَفِي بِعَقْدِ أَبِيهِ أَمْ يَسْتَأْنِفُ؟ إِنِ اكْتَفَيْنَا، أَخْذنَا، وَإِلَّا فَهُوَ كَسَفِيهٍ جَاءَ يَطْلُبُ عَقْدَ الذِّمَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُجَابُ وَلَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ وَلَيِّهِ، لِأَنَّ فِيهِ مُصْلِحَةَ حَقْنِ الدَّمِ، لَكِنْ لَوِ الْتَزَمَ أَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ، قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: تَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنِ الْوَلِيُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْعَهْدَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْوِلَايَةِ، حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْهُ، وَلَمْ يَرْتَضِهِ، وَقَالَ: الْحَقْنُ مُمْكِنٌ بِدِينَارٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ بَذْلِ الزِّيَادَةِ، وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ نَحْوَهُ، وَفِي «التَّهْذِيبِ» الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا تُؤْخَذُ الزِّيَادَةُ وَإِنْ أَذِنَ الْوَلِيُّ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: يَصِحُّ عَقْدُ السَّفِيهِ بِالزِّيَادَةِ لِحَقْنِ الدَّمِ تَشْبِيهًا بِمَا إِذَا كَانَ عَلَى السَّفِيهِ قِصَاصٌ، وَصَالَحَ الْمُسْتَحِقَّ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ قَدْرِ الدِّيَةِ، لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ مَنْعُهُ، وَزَادَ فَقَالَ: لِلْوَلِيِّ أَنْ يَعْقِدَ لَهُ بِالزِّيَادَةِ، وَلَيْسَ لِلسَّفِيهِ الْمَنْعُ، كَمَا يَشْتَرِي لَهُ الطَّعَامَ بِثَمَنٍ غَالٍ صِيَانَةً لِرُوحِهِ، وَفِرَّقَ الْإِمَامُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَالْجِزْيَةِ وَقَالَ: صِيَانَةُ الرُّوحِ لَا تَحْصُلُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ إِلَّا بِالزِّيَادَةِ، وَهُنَا بِخِلَافِهِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَقْدُ السَّفِيهِ وَالْوَلِيِّ بِالزِّيَادَةِ، وَإِذَا اخْتَارَ السَّفِيهُ الِالْتِحَاقَ، وَاخْتَارَ الْوَلِيُّ عَقْدَ الذِّمَّةِ، فَالْمُتَّبَعُ اخْتِيَارُ السَّفِيهِ، ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ: الْحَرِيَّةُ، فَلَا جِزْيَةَ عَلَى عَبْدٍ وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ بِسَبَبِهِ، وَمَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ كَالْعَبْدِ، وَقِيلَ: يَجِبُ مِنَ الْجِزْيَةِ بِقِسْطِ حُرِّيَّتِهِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْتُولٍ بِالْكُفْرِ، كَمَنْ تَمَحَّضَ رِقُّهُ، وَإِذَا أُعْتِقَ الْعَبْدُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَوْلَادِ مَنْ لَا يُقِرُّ بِالْجِزْيَةِ، فَلْيُسْلِمْ، وَإِلَّا فَلْيُبَلَّغِ الْمَأْمَنَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُقِرُّ، فَلْيُسْلِمْ أَوْ لِيَبْذُلِ الْجِزْيَةَ، وَإِلَّا فَلْيُبَلَّغِ الْمَأْمَنَ، سَوَاءً أَعْتَقَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ، فَإِنْ أَعْتَقَهُ ذِمِّيٌّ، فَهَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُ جِزْيَةُ سَيِّدِهِ أَمْ جِزْيَةُ عُصْبَتِهِ، لِأَنَّهُمْ أَخَصُّ بِهِ، أَمْ يُسْتَأْنَفُ لَهُ عَقْدٌ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.

стр. 4231

قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الِاسْتِئْنَافُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الذُّكُورَةُ، فَلَا جِزْيَةَ عَلَى امْرَأَةٍ وَخُنْثَى، فَإِنْ بَانَتْ ذُكُورَتُهُ، فَهَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُ جِزْيَةُ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ؟ وَجْهَانِ. قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَصَحُّ الْأَخْذَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ جَاءَتْنَا امْرَأَةٌ حَرْبِيَّةٌ، فَطَلَبَتْ عَقْدَ الذِّمَّةِ بِجِزْيَةٍ، أَوْ بَعَثَتْ بِذَلِكَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، أَعْلَمَهَا الْإِمَامُ أَنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهَا، فَإِنْ رَغِبَتْ مَعَ ذَلِكَ فِي الْبَذْلِ، فَهَذِهِ هِبَةٌ لَا تَلْزَمُ إِلَّا بِالْقَبْضِ، وَإِنْ طَلَبَتِ الذِّمَّةَ بِلَا جِزْيَةٍ، أَجَابَهَا الْإِمَامُ، وَشَرَطَ عَلَيْهَا الْتِزَامَ الْأَحْكَامِ. وَلَوْ حَاصَرْنَا قَلْعَةً، فَأَرَادُوا الصُّلْحَ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ عَنِ النِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ، لَمْ يُجَابُوا، فَإِنْ صُولِحُوا عَلَيْهِ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلَّا النِّسَاءُ فَطَلَبْنَ عَقْدَ الذِّمَّةِ بِالْجِزْيَةِ، فَقَوْلَانِ نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي «الْأُمِّ» أَحَدُهُمَا: يَعْقِدُ لَهُنَّ، لِأَنَّهُنَّ يَحْتَجْنَ إِلَى صِيَانَةِ أَنْفُسِهِنَّ عَنِ الرِّقِّ، كَمَا يَحْتَاجُ الرِّجَالُ لِلصِّيَانَةِ عَنِ الْقَتْلِ، فَعَلَى هَذَا يُشْتَرَطُ عَلَيْهِنَّ أَنْ تُجْرَى عَلَيْهِنَّ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ، وَلَا يُسْتَرْقَقْنَ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ، وَإِنْ أَخَذَ الْإِمَامُ مَالًا، رَدَّهُ، لِأَنَّهُنَّ دَفَعْنَهُ عَلَى اعْتِقَادِ أَنَّهُ وَاجِبٌ، فَإِنْ دَفَعْنَهُ عَلَى عِلْمٍ، فَهُوَ هِبَةٌ، وَالْحُكْمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي حَرْبِيَّةٍ بَعَثَتْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ تَطْلُبُ الذِّمَّةَ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا تُعْقَدُ لَهُنَّ، وَيَتَوَصَّلُ الْإِمَامُ إِلَى الْفَتْحِ بِمَا أَمْكَنَهُ، وَإِنْ عَقَدَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُنَّ حَتَّى يَرْجِعْنَ إِلَى الْقَلْعَةِ، فَإِذَا فَتَحَهَا، سَبَاهُنَّ، لِأَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ لِقَطْعِ الْحَرْبِ، وَلَا حَرْبَ فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَلِأَنَّهُنَّ قَدْ قَرَّبْنَ مِنْ مَصِيرِهِنَّ غَنِيمَةً فَلَا يُعْرِضُ عَنْهُنَّ بَعْدَ تَحَمُّلِ التَّعَبِ وَالْمُؤْنَةِ، وَالْقَوْلَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُنَّ جِزْيَةٌ، وَلَا يُوجَدُ أَحَدُ إِلْزَامٍ، هَذَا مَا نَقَلَهُ الْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِمْ، وَشَذَّ عَنْهُمُ الْإِمَامُ فَنَقَلَ فِي الْخِلَافِ وَجْهَيْنِ وَجَعَلَهُمَا فِي أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُ قَبُولُ الْجِزْيَةِ وَتُرْكُ إِرْقَاقِهِنَّ؟

стр. 4232

وَضَعَّفَ وَجْهَ اللُّزُومِ، وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ الطَّرِيقَةَ الْمَشْهُورَةَ، ثُمَّ حَكَى مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ عَنْ بَعْضِ الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ الْإِمَامَ، ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ غَلَطٌ، وَلَوْ كَانَ فِي الْقَلْعَةِ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَبَذَلَ الْجِزْيَةَ، جَازَ، وَصَارَتِ النِّسَاءُ تَبَعًا لَهُ فِي الْعِصْمَةِ، هَكَذَا أَطْلَقَهُ مُطْلِقُونَ، وَخَصَّهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ بِمَا إِذَا كُنَّ مِنْ أَهْلِهِ، وَهَذَا أَحْسَنُ. فَرْعٌ عَقْدُ الذِّمَّةِ يُفِيدُ الْأَمَانَ لِلْكَافِرِ نَفْسًا وَمَالًا وَعَبِيدَهُ مِنْ أَمْوَالِهِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَتْبِعَ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينَ مَنْ شَاءَ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنِ الضَّبْطِ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَعَلُّقٍ وَاتِّصَالٍ، فَيَسْتَتْبِعُ مِنْ نِسْوَةِ الْأَقَارِبِ وَصِبْيَانِهِمْ وَمَجَانِينِهِمْ مَنْ شَاءَ، بِأَنْ يُدْرِجَهُمْ فِي الْعَقْدِ شَرْطًا، وَسَوَاءٌ الْمَحَارِمُ وَغَيْرُهُمْ، فَإِنْ أَطْلَقَ، لَمْ يَتْبَعُوهُ. وَمَنْ لَهُ مُصَاهَرَةٌ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ لَهُمْ حُكْمُ الْأَقَارِبِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: كَالْأَجَانِبِ، وَفِي دُخُولِ الْأَوْلَادِ الصِّغَارِ فِي الْعَقْدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: الدُّخُولُ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ، وَالزَّوْجَاتُ كَالْأَوْلَادِ الصِّغَارِ، وَقِيلَ: كَنِسَاءِ الْقَرَابَةِ. فَرْعٌ إِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ، أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ، أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ، زَالَتِ التَّبَعِيَّةُ، وَلَزِمَتْهُمُ الْجِزْيَةُ وَابْتِدَاءُ الْحَوْلِ مِنْ حِينِ حَدَثَتْ هَذِهِ الْأَحْوَالُ، فَإِنِ اتَّفَقَ ذَلِكَ فِي نِصْفِ حَوْلِ أَهْلِهِمُ الذِّمِّيِّينَ مَثَلًا، فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ أَهْلِهِمْ، وَرَغِبَ هَؤُلَاءِ فِي أَنْ يُؤَدُّوا نِصْفَ الْجِزْيَةِ، فَذَاكَ، وَإِلَّا فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ أَخَذَ جِزْيَتَهُمْ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِمْ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَ حَتَّى يَتِمَّ حَوْلٌ ثَانٍ لِأَهْلِهِمْ، فَيَأْخُذُ مِنْهُمْ جِزْيَةَ سَنَةٍ وَنِصْفٍ لِئَلَّا تَخْتَلِفَ الْأَحْوَالُ.

стр. 4233

فَرْعٌ لَوْ دَخَلَتْ حَرْبِيَّةٌ دَارَنَا بِغَيْرِ تَبَعِيَّةٍ وَلَا أَمَانٍ وَلَا طَلَبِ أَمَانٍ، جَازَ اسْتِرْقَاقُهَا، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الصَّبِيِّ، كَمَا يَجُوزُ قَتْلُ الْكَافِرِ إِذَا دَخَلَ، كَذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ، وَكُلُّ حُكْمٍ بِجِزْيَةٍ فِي الْقِتَالِ بِجِزْيَةٍ فِيمَنْ يَظْفَرُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ذِمَّةٍ وَلَا أَمَانٍ. فَرْعٌ عَنْ نَصِّهِ إِذَا صَالَحَنَا قَوْمٌ عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ عَنْ صِبْيَانِهِمْ وَمَجَانِينِهِمْ وَنِسَائِهِمْ سِوَى مَا يُؤَدُّونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ شَرَطُوا أَنْ يُؤَدُّوا مِنْ مَالِ أَنْفُسِهِمْ، جَازَ، وَكَأَنَّهُمْ قَبِلُوا جِزْيَةً كَثِيرَةً، وَإِنْ شَرَطُوهُ مِنْ مَالِ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ، لَمْ يَجُزْ أَخْذُهُ. الشَّرْطُ الْخَامِسُ: كَوْنُهُ كِتَابِيًّا، فَالْكُفَّارُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ. أَحَدُهَا: أَهْلُ كِتَابٍ، وَمِنْهُمْ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَيُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، فَلَوْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَزَبُورِ دَاوُدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ، فَهَلْ يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِهِ، وَلَا تَحِلُّ مُنَاكَحَتُهُمْ وَذَبِيحَتُهُمْ عَلَى الْمَذْهَبِ عَمَلًا بِالِاحْتِيَاطِ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ، وَقِيلَ بِطَرْدِ الْخِلَافِ فِي حِلِّ الذَّبِيحَةِ وَالْمُنَاكَحَةِ إِلْحَاقًا لِكُتُبِهِمْ بِكِتَابِ الْيَهُودِ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا أَلْحَقْنَاهُمْ بِالْيَهُودِ، فَإِنْ تَحَقَّقْنَا صِدْقَهُمْ، أَوْ أَسْلَمَ اثْنَانِ مِنْهُمْ، وَشَهِدُوا بِذَلِكَ، فَذَاكَ، وَعَنْ صَاحِبِ الْحَاوِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ تَحْصُلُ الِاسْتِفَاضَةُ بِقَوْلِهِمْ، وَإِنْ شَكَكْنَا فِي أَمْرِهِمْ، كَالْمَجُوسِ. الصِّنْفُ الثَّانِي: الْمَجُوسُ، فَيُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، وَهَلْ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ أَمْ شُبْهَةُ كِتَابٍ؟ قَوْلَانِ سَبَقَا فِي النِّكَاحِ، أَظْهَرُهُمَا: الْأَوَّلُ وَقَطَعَ بِهِ بَعْضُهُمْ.

стр. 4234

الثَّالِثُ: مَنْ لَيْسَ لَهُ وَلَا شُبْهَةَ، كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالشَّمْسِ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ، فَلَا يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، سَوَاءً فِيهِمُ الْعَرَبِيُّ وَالْعَجَمِيُّ. فَرْعٌ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، مَهْمَا دَخَلَ آبَاؤُهُمْ فِي الْيَهُودِ أَوِ التَّنَصُّرِ قَبْلَ تَبَدُّلِ ذَلِكَ الدِّينِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَوْلَادِ الْمُبَدِّلِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَلَوْ دَخَلَ وَثَنِيٌّ فِي يَهُودِيَّةٍ أَوْ نَصْرَانِيَّةٍ بَعْدَ مَبْعَثِ نَبِيِّنَا ﷺ ، لَمْ يُقَرُّوا، هُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ، لِأَنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِدِينٍ بَاطِلٍ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: يُقَرُّونَ، وَالتَّهَوُّدُ بَعْدَ بَعْثَةِ عِيسَى ﷺ كَالتَّهَوُّدِ وَالتَّنَصُّرِ بَعْدَ بَعْثَةِ نَبِيِّنَا ﷺ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي النِّكَاحِ، وَإِنْ دَخَلُوا فِيهِ بَعْدَ التَّبْدِيلِ وَقَبْلَ النَّسْخِ، فَطَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا لَمْ يُحَرَّفْ، قُرِّرَ، وَإِنْ تَمَسَّكَ بِمُحَرَّفٍ، لَمْ يُقَرَّرْ هُوَ وَلَا أَوْلَادُهُ، وَهَلْ فِي الْأَوْلَادِ قَوْلَانِ، وَبِهَذَا الطَّرِيقِ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ، وَالثَّانِي: يُقَرُّونَ بِلَا تَفْصِيلٍ وَلَا خِلَافٍ، وَهَذَا الطَّرِيقُ يُدِيرُ الْحُكْمَ عَلَى الدُّخُولِ قَبْلَ النَّسْخِ وَبَعْدَهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ كَجٍّ، وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَالْإِمَامِ، وَالرُّويَانِيِّ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: لَا أَحْفَظُ الشَّرْطَ الْمَذْكُورَ لِلشَّافِعِيِّ، إِنَّمَا فَرَّقَ فِي كُتُبِهِ بَيْنَ مَا قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَمَا بَعْدَهُ، وَهَذَا أَصَحُّ، قَالَ الْإِمَامُ: لِأَنَّهُمْ وَإِنْ بَدَّلُوا فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ بَقِيَ فِيهِ مَا لَمْ يُبَدَّلْ، فَلَا تَنْحَطُّ عَنْ شُبْهَةِ كِتَابِ الْمَجُوسِ، أَوْ تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدَّمِ، وَلَوْ لَمْ نَعْرِفْ أَدَخَلُوا قَبْلَ النَّسْخِ أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ قَبْلَ التَّبْدِيلِ أَوْ بَعْدَهُ، قَرَّرْنَاهُمْ بِالْجِزْيَةِ كَالْمَجُوسِ. فَرْعٌ الْمَذْهَبُ أَنَّ السَّامِرَةَ وَالصَّابِئِينَ إِنْ خَالَفُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي

стр. 4235

أُصُولِ دِينِهِمْ فَلَيْسُوا مِنْهُمْ، وَإِلَّا فَمِنْهُمْ، وَهَكَذَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ النَّصَّانِ الْآخَرَانِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: تُؤْخَذُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ قَطْعًا، وَهَذَا فِيمَا إِذَا لَمْ يُكَفِّرْهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَإِنْ كَفَّرُوهُمْ، لَمْ يُقَرُّوا قَطْعًا، فَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُمْ، فَفِي تَقَرُّرِهِمُ احْتِمَالَانِ ذَكَرَهُمَا الْإِمَامُ، الْأَصَحُّ: الْجَوَازُ. فَرْعٌ لَوْ أَحَاطَ الْإِمَامُ بِقَوْمٍ، فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، أَوْ أَنَّ آبَاءَهُمْ تَمَسَّكُوا بِذَلِكَ الدِّينِ قَبْلَ التَّبْدِيلِ، قَرَّرَهُمْ بِالْجِزْيَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ الْأَمْرُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ، قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَيُشْتَرَطُ عَلَيْهِمْ إِنْ بَانَ خِلَافُ قَوْلِهِمْ، نَبَذَ عَهْدَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ، وَإِنِ ادَّعَاهُ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، عَامَلَ كُلَّ طَائِفَةٍ بِمُقْتَضَى قَوْلِهَا، وَلَا يَقْبَلُ قَوْلَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فَلَوْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ اثْنَانِ، وَظَهَرَتْ عَدَالَتُهُمَا، وَشَهِدَا بِخِلَافِ دَعْوَاهُمْ، نَبَذَ عَهْدَهُمْ، هَذَا لَفْظُ جَمَاعَةٍ وَقَالَ الْإِمَامُ: يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَا ذِمَّةَ لَهُمْ، وَهَلْ يَغْتَالُهُمْ لِتَلْبِيسِهِمْ عَلَيْنَا أَمْ يُلْحِقُهُمْ بِالْمَأْمَنِ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَالظَّاهِر: اغْتِيَالُهُمْ لِتَدْلِيسِهِمْ، وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ مِنَ السَّامِرَةِ أَوِ الصَّابِئِينَ اثْنَانِ، فَشَهِدَا بِكُفْرِهِمْ. فَرْعٌ مَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيٌّ وَالْآخَرُ وَثَنِيٌّ، فِيهِ طُرُقٌ، وَالْمَذْهَبُ: تَقْرِيرُهُ، سَوَاءً كَانَ الْكِتَابِيُّ الْأَبَ أَوِ الْأُمَّ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ، وَقِيلَ: لَا يُقَرَّرُ، وَقِيلَ: يُلْحَقُ بِالْأَبِ، وَقِيلَ: بِالْأُمِّ. فَرْعٌ تَوَثَّنَ نَصْرَانِيٌّ وَلَهُ أَوْلَادٌ صِغَارٌ، فَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُمْ نَصْرَانِيَّةً، اسْتَمَرَّ لَهُمْ حُكْمُ التَّنَصُّرِ، فَتُقْبَلُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ بَعْدَ بُلُوغِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ وَثَنِيَّةً،

стр. 4236

فَفِي تَقْرِيرِهِمْ بِالْجِزْيَةِ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: نَعَمْ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُمْ عُلْقَةُ التَّنَصُّرِ فَلَا تَزُولُ، وَحَقِيقَةُ الْقَوْلَيْنِ تَرْجِعُ إِلَى أَنْ تَوَثُّنَهُ هَلْ يَسْتَتْبِعُ أَوْلَادَهُ؟ فَإِنْ أَتْبَعْنَاهُمْ، لَمْ يُغْتَالُوا، لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي أَمَانٍ، وَلَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ، وَأَمَّا أَبُوهُمْ، فَيُبْنَى حُكْمُهُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّهُ هَلْ يُقْنَعُ مِنْهُ بِالْعَوْدِ إِلَى دِينِهِ أَمْ لَا يُقْنَعُ إِلَّا بِالْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَبَاهُمَا، فَيُقْتَلُ أَمْ يَلْحَقُ بِالْمَأْمَنِ؟ قَوْلَانِ الْأَظْهَرُ: الثَّانِي. فَرْعٌ الْوَلَدُ الْمُنْعَقِدُ مِنْ مُرْتَدَّيْنِ، هَلْ هُوَ مُسْلِمٌ، أَمْ مُرْتَدٌّ، أَمْ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ؟ فِيهِ أَقْوَالٌ سَبَقَتْ فِي الرِّدَّةِ، فَإِنْ قُلْنَا: مُسْلِمٌ، فَبَلَغَ وَصَرَّحَ بِالْكُفْرِ، فَمُرْتَدٌّ، وَإِنْ قُلْنَا: أَصْلِيٌّ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُقَرُّ بِجِزْيَةٍ. فَرْعٌ يَهُودُ خَيْبَرَ كَغَيْرِهِمْ فِي ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، وَسُئِلَ ابْنُ سُرَيْجٍ ﵀ عَمَّا يَدَّعُونَهُ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ كَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا بِإِسْقَاطِهَا، فَقَالَ: لَمْ يَنْقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي «الْبَحْرِ» أَنَّ ابْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ أَسْقَطَ الْجِزْيَةَ عَنْهُمْ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَاقَاهُمْ، وَجَعَلَهُمْ بِذَلِكَ خَوَلًا، قَالَ: وَهَذَا شَيْءٌ تَفَرَّدَ بِهِ، وَالْمُسَاقَاةُ مُعَامَلَةٌ لَا تَقْتَضِي إِسْقَاطَ الْجِزْيَةِ. فَصْلٌ الزَّمِنُ وَالشَّيْخُ الْفَانِي، وَالْأَجِيرُ وَالرَّاهِبُ وَالْأَعْمَى تُضْرَبُ عَلَيْهِمِ الْجِزْيَةُ كَغَيْرِهِمْ عَلَى الْمَذْهَبِ وَالْمَنْصُوصِ، لِأَنَّ الْجِزْيَةَ كَأُجْرَةِ الدَّارِ، وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: لَا يُقْتَلُونَ، فَلَا جِزْيَةَ، كَالنِّسَاءِ، وَأَمَّا الْفَقِيرُ الْعَاجِزُ عَنِ الْكَسْبِ، فَالْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ، أَنَّ عَلَيْهِ جِزْيَةً، وَفِي قَوْلٍ:

стр. 4237

مُوسِرٌ، أَخَذْنَاهَا مِنْهُ، وَإِلَّا فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُوسِرَ، وَكَذَا حُكْمُ الْحَوْلِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ، وَفِي وَجْهٍ: لَا يُمْهَلُ وَلَا يُقَرُّ فِي دَارِنَا، بَلْ يُقَالُ: إِمَّا أَنْ تُحَصِّلَ الْجِزْيَةَ بِمَا أَمْكَنَكَ، وَإِمَّا أَنْ نُبَلِّغَكَ الْمَأْمَنَ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى رَفْعِ الْجِزْيَةِ بِالْإِسْلَامِ، وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَجِبُ، عَقَدْنَا لَهُ الذِّمَّةَ عَلَى شَرْطِ إِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ، وَبَذْلِ الْجِزْيَةِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، فَإِذَا أَيْسَرَ، فَهُوَ أَوَّلُ حَوْلِهِ، هَكَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَأَشَارَ الْإِمَامُ إِلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ الْحَوْلِ مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ. فَرْعٌ الْجَاسُوسُ الَّذِي يُخَافُ شَرُّهُ، لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ. الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْمَكَانُ الْقَابِلُ لِلتَّقْرِيرِ بِلَادُ الْإِسْلَامِ حِجَازٌ وَغَيْرُهُ، فَالْحِجَازُ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَمَخَالِيفُهَا أَيْ: قُرَاهَا، قَالَ الْإِمَامُ: قَالَ الْأَصْحَابُ: الطَّائِفُ وَوَجٌّ، وَهُوَ وَادٍ بِالطَّائِفِ، وَمَا يُضَافُ إِلَيْهِمَا مَنْسُوبَةٌ إِلَى مَكَّةَ مَعْدُودَةٌ مِنْ أَعْمَالِهَا، وَخَيْبَرُ مِنْ مَخَالِيفِ الْمَدِينَةِ. ثُمَّ الْحِجَازُ ضَرْبَانِ: حَرُمُ مَكَّةَ وَغَيْرُهُ، أَمَّا غَيْرُهُ، فَيُمْنَعُ الْكُفَّارُ مِنَ الْإِقَامَةِ بِهِ، وَفِي مَنْعِهِمْ مِنَ الْإِقَامَةِ فِي الطُّرُقِ الْمُمْتَدَّةِ فِي بِلَادِ الْحِجَازِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ، الصَّحِيحُ وَهُوَ مُقْتَضَى إِطْلَاقِ الْجُمْهُورِ: نَعَمْ، لِأَنَّهَا مِنَ الْحِجَازِ، وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُجْتَمَعَ النَّاسِ، وَلَا مَوْضِعَ إِقَامَةٍ، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ رُكُوبِ بَحْرِ الْحِجَازِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ إِقَامَةٍ، وَيُمْنَعُونَ مِنَ الْإِقَامَةِ فِي سَوَاحِلِهِ فِي الْجَزَائِرِ الْمَسْكُونَةِ فِي الْبَحْرِ وَمَتَى دَخَلَ كَافِرٌ الْحِجَازَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ، أَخْرَجَهُ وَعَزَّرَهُ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ دُخُولِهِ، وَإِنِ اسْتَأْذَنَ فِي دُخُولِهِ، أُذِنَ لَهُ إِنْ كَانَ فِي دُخُولِهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، كَرِسَالَةٍ أَوْ عَقْدِ هُدْنَةٍ أَوْ ذِمَّةٍ، أَوْ حَمْلِ مَتَاعٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ لِتِجَارَةٍ لَيْسَ فِيهَا كَثِيرُ حَاجَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَأْذَنْ لَهُ إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ تِجَارَتِهِ شَيْئًا، هَكَذَا أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ، وَحَكَوْهُ

стр. 4238

عَنِ النَّصِّ، وَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّهُ يَشْرُطُ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَهُوَ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ قَدْرَ الْمَشْرُوطِ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، لَا أَصْلُ الشَّرْطِ فَلَا يُخَالِفُ مَا أَطْلَقَهُ غَيْرُهُ. قُلْتُ: هَذَا الِاحْتِمَالُ هُوَ مُرَادُهُ مِنْ غَيْرِ تَرْدِيدٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى عِبَارَتِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَا يُمَكَّنُ مَنْ دَخَلَ بِالْإِذْنِ أَنْ يُقِيمَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَيَشْرُطُ عَلَيْهِ ذَلِكَ عِنْدَ الدُّخُولِ، وَلَا يُحْسَبُ مِنَ الثَّلَاثَةِ يَوْمُ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ دُيُونٌ، حُصِّلَتْ بِمُعَامَلَاتِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ، أَوْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَلَمْ يُمْكِنْ قَبْضُهَا فِي الْحَالِ، أُمِرَ أَنْ يُوَكِّلَ مُسَلَّمًا بِقَبْضِهَا، وَأُخْرِجَ هُوَ، وَلَوْ كَانَ يَنْتَقِلُ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَى أُخْرَى وَيُقِيمُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لَمْ يُمْنَعْ وَأَمَّا حَرَمُ مَكَّةَ زَادَهُ اللَّهُ شَرَفًا، فَيُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ دُخُولِهِ، وَلَوْ كَانَ مُجْتَازًا، فَإِنْ جَاءَ بِرِسَالَةٍ وَالْإِمَامُ فِي الْحَرَمِ، بَعَثَ إِلَيْهِ مَنْ يَسْمَعُهُ، ثُمَّ يُخْبِرُ الْإِمَامَ، أَوْ خَرَجَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إِذَا قَالَ الْكَافِرُ: لَا أُؤَدِّي الرِّسَالَةَ إِلَّا مُشَافَهَةً، وَإِنْ جَاءَ كَافِرٌ لِيُنَاظِرَهُ لِيُسْلِمَ، خَرَجَ إِلَيْهِ مَنْ يُنَاظِرُهُ، وَإِنْ حَمَلَ مِيرَةً، خَرَجَ إِلَيْهِ الرَّاغِبُونَ فِي الشِّرَاءِ، وَإِنْ كَانَ لِذِمِّيٍّ مَالٌ فِي الْحَرَمِ، أَوْ دَيْنٌ، وَكَّلَ مُسْلِمًا لِيَقْبِضَهُ وَيُسَلِّمَهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ بَذَلَ الْكَافِرُ عَلَى الدُّخُولِ مَالًا، لَمْ يَجِبْهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ فَعَلَ، فَالصُّلْحُ فَاسِدٌ، فَإِنْ دَخَلَ، أُخْرِجَ وَثَبَتَ الْعِوَضُ الْمُسَمَّى بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا تَثْبُتُ فِيهَا أُجْرَةُ الْمِثْلِ، لِأَنَّهُ هُنَا اسْتَوْفَى الْمُعَوِّضَ وَلَيْسَ لِمِثْلِهِ أُجْرَةً، وَإِنْ دَخَلَ وَلَمْ يَنْتَهِ إِلَى الْمَوْضِعِ الْمَشْرُوطِ، وَجَبَتِ الْحِصَّةُ مِنَ الْمُسَمَّى، وَلَوْ دَخَلَ كَافِرٌ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ، أُخْرِجَ وَعُزِّرَ إِنْ كَانَ عَلِمَ، فَلَوْ مَاتَ فِيهِ، لَمْ يُدْفَنْ فِيهِ، فَإِنْ دُفِنَ، نُبِشَ وَأُخْرِجَ، فَإِنْ تَقَطَّعَ، تُرِكَ، وَفِي «الْبَحْرِ» وَجْهٌ أَنَّهُ تُجْمَعَ عِظَامُهُ إِنْ أَمْكَنَ وَتُخْرَجُ، وَبِهَذَا قَطَعَ الْإِمَامُ، وَبِالْأَوَّلِ قَالَ الْجُمْهُورُ،

стр. 4239

وَلَوْ مَرِضَ فِيهِ، لَمْ يُمَرَّضْ فِيهِ، بَلْ يُنْقَلُ وَإِنْ خِيفَ مِنَ النَّقْلِ مَوْتُهُ، وَلَوْ مَرِضَ كَافِرٌ فِي الْحِجَازِ خَارِجَ الْحَرَمِ، قَالَ: إِنْ أَمْكَنَ نَقْلُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ عَلَيْهِ، كُلِّفَ الِانْتِقَالَ، فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ، تَرَكَ حَتَّى يَبْرَأَ، وَإِنْ لَمْ يَخَفِ الْمَوْتَ، وَلَكِنْ تَنَالُهُ مَشَقَّةٌ عَظِيمَةٌ، فَالْأَصَحُّ تَكْلِيفُهُ الِانْتِقَالَ، وَجَوَابُ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يُنْقَلُ مُطْلَقًا، فَلَوْ مَاتَ فِي الْحِجَازِ وَتَعَذَّرَ نَقْلُهُ، دُفِنَ فِيهِ، وَلَفْظُ الْإِمَامِ أَنَّا نُوَارِيهِ مُوَارَاةَ الْجِيَفِ، وَإِنْ كَانَ فِي طَرَفِ الْحِجَازِ، نُقِلَ لِسُهُولَتِهِ، وَأَطْلَقَ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُ يُدْفَنُ فِيهِ، وَقَالُوا: إِذَا جَازَ تَرْكُهُ فِي الْحِجَازِ لِلْمَرَضِ، فَلِلْمَوْتِ أَوْلَى، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ تَفْصِيلًا جَيِّدًا وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ نَقْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ، نُقِلَ وَلَمْ يُدْفَنْ فِيهِ، وَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ، دُفِنَ لِلضَّرُورَةِ، وَإِذَا دُفِنَ حَيْثُ لَا يُؤْذَنُ فِيهِ، هَلْ يُنْبَشُ وَيُخْرَجُ عِنْدَ التَّمَكُّنِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ، وَالصَّحِيحُ: الْمَنْعُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، فَعَلَى هَذَا قَالَ الْإِمَامُ: لَا يَبْعُدُ أَنْ لَا يُرْفَعَ نَعْشُ قَبْرِهِ، وَأَمَّا حَرَمُ الْمَدِينَةِ فَلَا يُلْحَقُ بِحَرَمِ مَكَّةَ فِيمَا ذَكَرْنَا، لَكِنِ اسْتَحْسَنَ الرُّويَانِيُّ أَنْ يُخْرَجَ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَتَعَذَّرِ الْإِخْرَاجُ وَيُدْفَنُ خَارِجُهُ، أَمَّا غَيْرُ الْحِجَازِ، فَيَجُوزُ تَقْرِيرُ الْكُفَّارِ فِيهِ بِالْجِزْيَةِ وَلِكُلِّ كَافِرٍ دُخُولُهُ بِالْأَمَانِ، وَإِذَا اسْتَأْذَنَ كَافِرٌ فِي الدُّخُولِ، لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ، لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَجُسَّ، أَوْ يَطَّلِعَ عَلَى عَوْرَةٍ، وَيَتَوَلَّدَ مِنَ اطِّلَاعِهِ فَسَادٌ، أَوْ يَفْتِكَ بِمُسْلِمٍ، وَيُؤْذَنُ لَهُ إِذَا كَانَ فِي دُخُولِهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، كَرِسَالَةٍ وَعَقْدِ ذِمَّةٍ أَوْ هُدْنَةٍ، وَإِنْ كَانَ يَدْخُلُ لِتِجَارَةٍ، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ إِذَا رَأَى ذَلِكَ، وَيَأْخُذُ مِنْ تِجَارَتِهِ شَيْئًا كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِذَا دَخَلَ لِبَعْضِ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ فَلْيَكُنْ مُكْثُهُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَلَيْسَ لِكَافِرٍ أَنْ يَدْخُلَ مَسَاجِدَ هَذِهِ الْبِلَادِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَلَا يُؤْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِهَا لِأَكْلٍ وَلَا نَوْمٍ، لَكِنْ يُؤْذَنُ لِسَمَاعِ الْقُرْآنِ أَوِ الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَكَذَا لِحَاجَتِهِ إِلَى مُسْلِمٍ، أَوْ حَاجَةِ مُسْلِمٍ إِلَيْهِ، وَإِذَا دَخَلَ بِلَا إِذْنٍ إِنْ كَانَ جَاهِلًا فَمَعْذُورٌ وَيُعَرَّفُ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا، عُزِّرَ، وَقِيلَ: لَا يُعَزَّرُ إِلَّا أَنْ

стр. 4240

يَشْرُطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ بِلَا إِذْنٍ، وَجُلُوسُ الْقَاضِي فِي الْمَسْجِدِ إِذْنٌ لِلْكَافِرِ فِي الدُّخُولِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ خُصُومَةٌ. وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ كَوْنِهِ جُنُبًا وَغَيْرَهُ؟ وَجْهَانِ سَبَقَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَشْهَرُ أَنَّهُ يَكْفِي إِذْنُ آحَادِ الْمُسْلِمِينَ فِي دُخُولِ كُلِّ الْمَسَاجِدِ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: لَا يَكْفِي فِي الْجَامِعِ إِلَّا إِذْنُ السُّلْطَانِ، وَفِي مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ وَالْمَحَالِّ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَطُ إِذْنُ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْجِهَادِ، وَأَصَحُّهُمَا: يَكْفِي إِذْنُ مَنْ يَصِحُّ أَمَانُهُ، وَإِذَا قَدِمَ وَفْدٌ مِنَ الْكُفَّارِ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُنْزِلَهُمُ الْإِمَامُ فِي دَارٍ مُهَيَّأَةٍ لِذَلِكَ، أَوْ فِي فُضُولِ مَسَاكِنِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ، فَلَهُ إِنْزَالُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَجُوزُ تَعْلِيمُهُمُ الْقُرْآنَ إِذَا رُجِيَ إِسْلَامُهُمْ، وَلَا يَجُوزُ إِذَا خِيفَ اسْتِخْفَافُهُمْ، وَكَذَا الْقَوْلُ فِي تَعْلِيمِ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْفِقْهِ وَالْكَلَامِ، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنَ الشِّعْرِ وَالنَّحْوِ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَمَنَعَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، لِئَلَّا يَتَطَاوَلُوا بِهِ عَلَى مُسْلِمٍ لَا يُحْسِنُهُ. قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ، وَيُمْنَعُ مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيمُهُ الْقُرْآنَ إِنْ لَمْ يُرْجَ إِسْلَامُهُ وَيَمْنَعُهُ التَّعْلِيمُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ رُجِيَ، جَازَ تَعْلِيمُهُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرْعٌ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ لِتِجَارَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَلَا خِنْزِيرٍ، وَلَا يَأْذَنُ لَهُ الْإِمَامُ فِي حَمْلِهَا إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. الرَّكْنُ الْخَامِسُ: الْمَالُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: أَقَلُّ الْجِزْيَةِ دِينَارٌ لِكُلِّ سَنَةٍ، هَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ الْمَوْجُودُ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَنَّ الْأَقَلَّ دِينَارٌ، أَوِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا نَقْرَةً خَالِصَةً مَسْكُوكَةً، يَتَخَيَّرُ الْإِمَامُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَلْزَمُ الْإِمَامُ أَنْ يُخَيِّرَهُمْ بِأَقَلِّ الْجِزْيَةِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُمَاكِسَ حَتَّى يَأْخُذَ مِنَ الْغَنِيِّ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَمِنَ الْمُتَوَسِّطِ دِينَارَيْنِ، وَقَالَ الْإِمَامُ: مَوْضِعُ الْمُمَاكَسَةِ مَا إِذَا لَمْ
следующие страницы →