← Фикх шафии

Фикх шафии · id 499

روضة الطالبين وعمدة المفتين

النووي

Полный текст (4 941 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

فَالْخَرْمُ لِيُبُوسَةِ الشَّنِّ وَنَحْوِهَا، فَهُوَ خَاسِقٌ، وَلَوْ فُرِضَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ إِصَابَةِ الطَّرَفِ، وَالْمَشْرُوطُ الْقَرْعُ أَوِ الْإِصَابَةُ دُونَ الْخَسْقِ فَطَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ، وَلَوْ وَقَعَ السَّهْمُ فِي ثُقْبَةٍ قَدِيمَةٍ وَثَبَتَ، فَهَلْ يُحْسَبُ خَاسِقًا؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا، لِأَنَّ النَّصْلَ صَادَفَ الثُّقْبَ فَلَمْ يَخْسِقْ، وَأَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، لِأَنَّ السَّهْمَ فِي قُوَّتِهِ مَا يَخْرُقُ لَوْ أَصَابَ مَوْضِعًا صَحِيحًا، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ لَا يُجْعَلَ خَاسِقًا إِذَا لَمْ تُعْرَفُ قُوَّةُ السَّهْمِ، وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ قَالَ: لَوْ أَصَابَ مَوْضِعَ خَرْقٍ فِي الْغَرَضِ، وَثَبَتَ فِي الْهَدَفِ كَانَ خَاسِقًا، فَقَالَ الْأَصْحَابُ: أَرَادَ إِذَا كَانَ الْهَدَفُ فِي قُوَّةِ الْغَرَضِ أَوْ أَصْلَبَ مِنْهُ، بِأَنْ كَانَ مِنْ خَشَبٍ أَوْ آجِرٍ أَوْ طِينٍ يَابِسٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَلْ كَانَ تُرَابًا، أَوْ طِينًا لَيِّنًا، لَمْ يُحْسَبْ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ كَانَ يَثْبُتُ لَوْ أَصَابَ مَوْضِعًا صَحِيحًا أَمْ لَا؟ وَفِي «الْحَاوِي» وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ خَاسِقًا وَإِنْ كَانَ الْهَدَفُ فِي قُوَّةِ الْغَرَضِ، أَمَّا إِذَا خَدَشَ النَّصْلُ مَوْضِعَ الْإِصَابَةِ، وَخَرَقَ بِحَيْثُ يَثْبُتُ فِيهِ مِثْلُ هَذَا السَّهْمِ، لَكِنَّهُ رَجَعَ لِغِلَظٍ لَقِيَهُ مِنْ حَصَاةٍ أَوْ نَوَاةٍ، فَيُحْسَبُ خَاسِقًا عَلَى الْأَظْهَرِ، وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ، وَفِي قَوْلٍ: لَا يُحْسَبُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، وَلَوِ اخْتَلَفَا فَقَالَ الرَّامِي: خَسَقَ، لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ لِغِلَظٍ لَقِيَهُ، وَأَنْكَرَ الْآخَرُ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ خُرُوقٌ وَلَمْ يُعْلَمْ مَوْضِعُ الْإِصَابَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآخَرِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخَسْقِ وَالْخَدْشِ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ عَيَّنَ الرَّامِي مَوْضِعًا وَقَالَ: هَذَا الْخَرْقُ حَصَلَ بِسَهْمِي، وَأَنْكَرَ صَاحِبُهُ، ثُمَّ إِنْ فُتِّشَ الْغَرَضُ، فَلَمْ يُوجَدْ فِيهِ حَصَاةٌ وَلَا مَا فِي مَعْنَاهَا، لَمْ يَحْلِفْ، وَإِنْ وُجِدَ فِيهِ مَانِعٌ، حَلَفَ، وَإِذَا حَلَفَ، لَمْ يُحْسَبْ لِلرَّامِي، وَهَلْ يُحْسَبُ عَلَيْهِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا، وَإِنْ عُلِمَ مَوْضِعُ الْإِصَابَةِ وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَانَعٌ، أَوْ كَانَ وَلَمْ يُؤَثِّرِ السَّهْمُ فِيهِ بِخَدْشٍ وَخَرْقٍ، صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ، وَحُسِبَتِ الرَّمْيَةُ عَلَى الرَّامِي، وَإِنْ قُلْنَا: الْخَرْقُ بِلَا ثُبُوتٍ

стр. 4307

خَسْقٌ، حُسِبَ خَاسِقًا بِلَا يَمِينٍ، وَإِلَّا فَلَا يُحْسَبُ لَهُ، وَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ مَرَقَ سَهْمٌ، وَثَبَتَ فِي الْهَدَفِ وَعَلَى النَّصْلِ قِطْعَةٌ مِنَ الْغَرَضِ، فَقَالَ الرَّامِي: هَذِهِ الْقِطْعَةُ أَبَانَهَا سَهْمِي لِقُوَّتِهِ وَذَهَبَ بِهَا، فَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ كَانَتِ الْقِطْعَةُ مُبَانَةً قَبْلَهُ، فَتَعَلَّقَتْ بِالسَّهْمِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْآخَرِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْأُمِّ» لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْخَسْقِ، قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: هَذَا إِذَا لَمْ نَجْعَلِ الثُّبُوتَ فِي الْهَدَفِ كَالثُّبُوتِ فِي الْغَرَضِ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ، فَلَا مَعْنَى لِهَذَا الِاخْتِلَافِ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا تَنَاضَلَا مُبَادَرَةً، وَشَرَطَا الْمَالَ لِمَنْ سَبَقَ إِلَى إِصَابَةِ عَشَرَةٍ مِنْ مِائَةٍ مَثَلًا، فَسَبَقَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْإِصَابَةِ الْمَشْرُوطَةِ قَبْلَ كَمَالِ عَدَدِ الْأَرْشَاقِ، بِأَنْ رَمَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسِينَ، وَأَصَابَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا عَشَرَةً وَالْآخَرُ دُونَهَا، فَالْأَوَّلُ نَاضِلٌ وَقَدِ اسْتَحَقَّ الْمَالَ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ إِتْمَامُ الْعَمَلِ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ، الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّهُ تَمَّ الْعَمَلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ، فَلَا يَلْزَمُهُ عَمَلٌ آخَرُ، وَالثَّانِي: فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، ثَانِيهِمَا: يَلْزَمُهُ لِيَنْتَفِعَ صَاحِبُهُ بِمُشَاهَدَةِ رَمْيِهِ وَيَتَعَلَّمَ مِنْهُ، وَلَوْ تَنَاضَلَا مُحَاطَةً وَشَرَطَا الْمَالَ لِمَنْ خَلُصَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنْ مِائَةٍ، فَرَمَى كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسِينَ، وَأَصَابَ أَحَدُهُمَا فِي خَمْسَةَ عَشَرَ، وَالْآخَرُ فِي خَمْسَةٍ، فَقَدْ خَلُصَ لِلْأَوَّلِ عَشَرَةٌ هَلْ يَسْتَحِقُّ بِهَا الْمَالَ، أَمْ يَتَوَقَّفُ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى اسْتِكْمَالِ الْأَرْشَاقِ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يَسْتَحِقُّ بِهَا كَالْمُبَادَرَةِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ: لَا يَسْتَحِقُّ، لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ مَنُوطٌ بِخُلُوصِ عَشَرَةٍ مِنْ مِائَةٍ، وَقَدْ يُصِيبُ الْآخَرُ فِيمَا بَقِيَ مَا يَمْنَعُ خُلُوصَ عَشَرَةٍ لِلْأَوَّلِ بِخِلَافِ الْمُبَادَرَةِ، فَإِنَّ الْإِصَابَةَ بَعْدَهَا لَا تَرْفَعُ ابْتِدَارَ الْأَوَّلِ إِلَى ذَلِكَ الْعَدَدِ، فَإِنْ قُلْنَا بِهَذَا، وَجَبَ إِتْمَامُ الْأَرْشَاقِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ وَأَنَّهُ لَا حَطَّ بَعْدَ خُلُوصِ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ،

стр. 4308

فَهَلْ لِلْآخَرِ أَنْ يُكَلِّفَهُ إِتْمَامَ الْعَمَلِ؟ فِيهِ الطَّرِيقَانِ فِي الْمُبَادَرَةِ، وَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي كُلِّ صُورَةٍ يَتَوَقَّعُ الْآخَرُ مَنْعَ الْأَوَّلِ مِنْ خُلُوصِ الْمَشْرُوطِ أَوْ نَصْلِهِ، كَمَا إِذَا شَرَطَا خُلُوصَ خَمْسَةٍ مِنْ عِشْرِينَ، فَرَمَى كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَصَابَ أَحَدُهُمَا عَشَرَةً وَالْآخَرُ ثَلَاثَةً، لِأَنَّهُمَا إِذَا اسْتَكْمَلَا الْأَرْشَاقَ، فَقَدْ يُصِيبُ الْآخَرُ فِي الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ، وَلَا يُصِيبُ الْأَوَّلُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، فَلَا يَخْلُصُ لَهُ عَشَرَةٌ، فَلَوْ كَانَتِ الصُّورَةُ بِحَالِهَا، وَأَصَابَ الْأَوَّلُ فِي عَشَرَةٍ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَلَمْ يُصِبِ الْآخَرُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، فَلَا يَرْجُو الْآخَرُ مَنْعَ الْأَوَّلِ مِنَ الْخُلُوصِ، فَيَثْبُتُ لَهُ اسْتِحْقَاقُ الْمَالِ فِي الْحَالِ قَطْعًا، قَالَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلَا يَلْزَمُهُ إِتْمَامُ الْأَرْشَاقِ، وَلَا يَشُكُّ أَنَّهُ يَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الْمُبَادَرَةِ، وَلَوْ رَمَى أَحَدُهُمَا وَالشَّرْطُ الْمُبَادَرَةَ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ خَمْسِينَ، وَأَصَابَ عَشَرَةً، وَرَمَى الْآخَرُ تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ، وَأَصَابَ تِسْعَةً، فَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِنَاضِلٍ، بَلْ يَرْمِي الْآخَرُ سَهْمًا آخَرَ فَإِنْ أَصَابَ، فَقَدْ تَسَاوَيَا وَإِلَّا فَقَدَ ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ لِلْأَوَّلِ، وَلَوْ أَصَابَ الْأَوَّلُ مِنْ خَمْسِينَ عَشَرَةً، وَالْآخَرُ مِنْ تِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ ثَمَانِيَةً، فَالْأَوَّلُ نَاضِلٌ لِأَنَّ الْآخَرَ وَإِنْ أَصَابَ فِي رَمْيَتِهِ الْبَاقِيَةِ لَا يُسَاوِي الْأَوَّلَ، وَيَظْهَرُ بِالصُّورَتَيْنِ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ بَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ الِابْتِدَارِ مُسَاوَاتُهُمَا فِي عَدَدِ الْأَرْشَاقِ، أَوْ عَجْزُ الثَّانِي مِنَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْإِصَابَةِ، وَإِنْ سَاوَاهُ فِي عَدَدِ الْأَرْشَاقِ، وَلَوْ خَلُصَ لِأَحَدِهِمَا فِي الْمُحَاطَةِ عَشَرَةٌ مِنْ خَمْسِينَ، وَرَمَى الْآخَرُ تِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ وَلَمْ يُصِبْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا فَلَهُ أَنْ يَرْمِيَ سَهْمًا آخَرَ فَلَعَلَّهُ يُصِيبُ فِيهِ، فَيَمْنَعُ خُلُوصَ عَشْرِ إِصَابَاتٍ لِلْأَوَّلِ. فَرْعٌ إِذَا قَالَ رَجُلٌ لِرَامٍ: ارْمِ خَمْسَةً عَنِّي، وَخَمْسَةً عَنْ نَفْسِكَ، فَإِنْ أَصَبْتَ فِي خَمْسَتِكَ، أَوْ كَانَ الصَّوَابُ فِيهَا أَكْثَرَ، فَلَكَ كَذَا، أَوْ قَالَ:

стр. 4309

ارْمِ عَشَرَةً، وَاحِدَةً عَنْكَ وَوَاحِدَةً عَنِّي، فَإِنْ كَانَتْ إِصَابَتُكَ فِيمَا رَمَيْتُ عَنْكَ أَكْثَرَ، فَلَكَ كَذَا، لَمْ يَجُزْ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْأُمِّ» لِأَنَّ الْمُنَاضَلَةَ عَقْدٌ، فَلَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ نَفْسَيْنِ كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَجْتَهِدُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ دُونَ صَاحِبِهِ وَلَوْ قَالَ: ارْمِ عَشَرَةً فَإِنْ كَانَ صَوَابُكَ مِنْهَا أَكْثَرَ، فَلَكَ كَذَا، فَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَأَشَارَ فِي تَعْلِيلِهِ بِأَنَّهُ يُنَاضِلُ نَفْسَهُ، فَوَافَقَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ، وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا: هُوَ جَائِزٌ، وَحَكُوهُ عَنْ نَصِّهِ فِي «الْأُمِّ» ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ بَذْلُ الْمَالِ عَلَى عِوَضٍ مَعْلُومٍ، وَلَهُ فِيهِ غَرَضٌ ظَاهِرٌ، وَهُوَ تَحْرِيضُهُ عَلَى الرَّمْيِ وَمُشَاهَدَةِ رَمْيِهِ، قَالُوا: وَلَيْسَ هُوَ بِنِضَالٍ، بَلْ هُوَ جَعَالَةٌ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ غَلَّطَ الْمُزَنِيَّ فِي الْحُكْمِ وَالتَّعْلِيلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَا لَوْ قَالَ: ارْمِ كَذَا، فَإِنْ كَانَ صَوَابُكَ أَكْثَرَ، فَقَدَ نَضَلْتَنِي، فَهَذَا لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ النِّضَالَ إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْجَوَازِ، فَرَمَى سِتَّةً وَأَصَابَهَا كُلَّهَا، فَقَدْ ثَبَتَ اسْتِحْقَاقُهُ، وَلِلشَّارِطِ أَنْ يُكَلِّفَهُ اسْتِكْمَالَ الْعَشَرَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ عَلَّقَ الِاسْتِحْقَاقَ بِعَشَرَةٍ إِصَابَتُهَا أَكْثَرُ، وَلَوْ قَالَ لِمُتَرَامِيَيْنِ: ارْمِيَا عَشَرَةً، فَمَنْ أَصَابَ مِنْكُمَا خَمْسَةً، فَلَهُ كَذَا، جَازَ، وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: نَرْمِي عَشَرَةً، فَإِنْ أَصَبْتَ فِي خَمْسَتِكَ، فَلَكَ كَذَا، وَإِنْ أَصَبْتُ أَنَا، فَلَا شَيْءَ لِي عَلَيْكَ، جَازَ أَيْضًا، وَإِنْ قَالَ: وَإِنْ أَصَبْتَ فِي خَمْسَتِي، فَلِي عَلَيْكَ كَذَا، لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِمُحَلِّلٍ، وَلَوْ قَالَ: ارْمِ سَهْمًا، فَإِنْ أَصَبْتَ، فَلَكَ كَذَا، وَإِنْ أَخْطَأْتَ، فَعَلَيْكَ كَذَا، فَهُوَ قِمَارٌ. فَرْعٌ لَوْ كَانُوا يَتَنَاضَلُونَ، فَمَرَّ بِهِمْ رَجُلٌ، فَقَالَ لِمَنِ انْتَهَتِ النَّوْبَةُ إِلَيْهِ وَهُوَ يُرِيدُ الرَّمْيَ: ارْمِ، فَإِنْ أَصَبْتَ بِهَذَا السَّهْمِ، فَلَكَ دِينَارٌ، نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنَّهُ إِذَا أَصَابَ، اسْتَحَقَّ الدِّينَارَ، وَتَكُونُ تِلْكَ

стр. 4310

الْإِصَابَةُ مَحْسُوبَةً مِنْ مُعَامَلَتِهِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، قَالَ الْأَصْحَابُ: قِيَاسًا عَلَى هَذَا، لَوْ كَانَ يُنَاضِلُ رَجُلًا وَالْمَشْرُوطُ عَشْرُ قُرْعَاتٍ، فَشَرَطَ أَنْ يُنَاضِلَ بِهَا ثَانِيًا ثُمَّ ثَالِثًا إِلَى غَيْرِ ضَبْطٍ، وَإِذَا فَازَ بِهَا، كَانَ نَاضِلًا لَهُمْ جَمِيعًا، جَازَ، قَالَ الْإِمَامُ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى انْقِطَاعِ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ عَنْ مُضَاهَاةِ الْإِجَارَةِ، لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِثْلَهَا لَمَا اسْتَحَقَّ بِعَمَلٍ وَاحِدٍ مَالَيْنِ عَنْ جِهَتَيْنِ، وَسَبَبُ اسْتِحْقَاقِ الْمَالِ فِيهَا الشَّرْطُ لَا رُجُوعُ الْعَمَلِ إِلَى الشَّارِطِ. الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْحَابِي، فَقِيلَ: هُوَ السَّهْمُ الَّذِي يَقَعُ بَيْنَ يَدَيِ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَزْحَفُ إِلَيْهِ فَيُصِيبُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: حَبَا الصَّبِيُّ، وَهُوَ كَالْمُزْدَلِفِ إِلَّا أَنَّ الْحَابِيَ أَضْعَفُ حَرَكَةً مِنْهُ، وَقِيلَ: هُوَ الَّذِي يُصِيبُ الْهَدَفَ حَوَالَيِ الْغَرَضِ، وَقِيلَ: هُوَ الْقَرِيبُ مِنَ الْهَدَفِ، كَأَنَّ صَاحِبَهُ يُحَابِي، وَلَا يُرِيدُ إِصَابَةَ الْهَدَفِ، وَيُرْوَى هَذَا التَّفْسِيرُ عَنِ الرَّبِيعِ، وَلَمْ يَجْعَلْ كَثِيرٌ مِنَ الْأَصْحَابِ الْحَوَابِيَ صِفَةَ السِّهَامِ، لَكِنْ قَالُوا: الرَّمْيُ ثَلَاثَةٌ: الْمُبَادَرَةُ وَالْمُحَاطَةُ وَالْحَوَابِي، وَهُوَ أَنْ يَرْمِيَا عَلَى أَنْ يَسْقُطَ الْأَقْرَبُ وَالْأَسَدُّ الْأَبْعَدُ، إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَلَوْ شَرَطُوا احْتِسَابَ الْقَرِيبِ مِنَ الْغَرَضِ، نُظِرَ إِنْ ذَكَرُوا حَدَّ الْقُرْبِ مِنْ ذِرَاعٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، جَازَ وَصَارَ الْحَدُّ الْمَضْبُوطُ كَالْغَرَضِ، وَصَارَ الشَّنُّ فِي وَسَطِهِ كَالدَّارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا حَدَّ الْقُرْبِ، فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ لِلرُّمَاةِ عَادَةٌ مُطَّرَدَةٌ، حُمِلَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا، كَمَا تُحْمَلُ الدَّرَاهِمُ الْمُطْلَقَةُ عَلَى النَّقْدِ الْغَالِبِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادَةٌ مُطَّرَدَةٌ فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: بُطْلَانُ الْعَقْدِ لِلْجَهَالَةِ، وَالثَّانِي: الصِّحَّةُ، فَعَلَى هَذَا وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَبَ يُسْقِطُ الْأَبْعَدَ كَيْفَ كَانَ، وَالثَّانِي: يُحْمَلُ عَلَى إِسْقَاطِ الْبَعِيدِ أَوِ الْأَقْرَبِ لِلْأَبْعَدِ، أَمَّا إِذَا قَالَا: يَرْمِي عِشْرِينَ رِشْقًا عَلَى أَنْ يُسْقِطَ الْأَقْرَبُ الْأَبْعَدَ، فَمَنْ فَضَلَ لَهُ خَمْسَةٌ، فَهُوَ نَاضِلٌ، فَهُوَ صَحِيحٌ وَالشَّرْطُ مُتَّبَعٌ، وَعَنْ «الْحَاوِي» مَا يُشِيرُ إِلَى خِلَافِهِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الرَّمْيِ مُعْتَادٌ لِلرُّمَاةِ، وَهُوَ

стр. 4311

ضَرْبٌ مِنَ الْمُحَاطَةِ، وَحِينَئِذٍ فَإِنْ تَسَاوَتِ السِّهَامُ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، فَلَا نَاضِلَ وَلَا مَنْضُولَ، وَكَذَا لَوْ تَسَاوَى سَهْمَانِ فِي الْقُرْبِ، أَحَدُهُمَا لِهَذَا وَالْآخَرُ لِلْآخَرِ، وَكَانَ بَاقِي السِّهَامُ أَبْعَدَ، وَمَهْمَا كَانَ بَيْنَ سَهْمِ أَحَدِهِمَا وَبَيْنَ الْغَرَضِ قَدْرُ شِبْرٍ، وَبَيْنَ سَهْمِ الْآخَرِ وَالْغَرَضِ دُونَ شِبْرٍ، أَسْقَطَ الثَّانِي الْأَوَّلَ، فَإِنْ رَمَى الْأَوَّلُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَوَقَعَ أَقْرَبُ، أَسْقَطَ مَا رَمَاهُ الثَّانِي، وَلَوْ وَقَعَ سَهْمُ أَحَدِهِمَا قَرِيبًا مِنَ الْغَرَضِ، وَرَمَى الْآخَرُ خَمْسَةً، فَوَقَعَتْ أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ السَّهْمِ، ثُمَّ عَادَ الْأَوَّلُ، فَرَمَى سَهْمًا، فَوَقَعَ أَبْعَدَ مِنَ الْخَمْسَةِ، سَقَطَ هَذَا السَّهْمُ بِالْخَمْسَةِ، وَسَقَطَتِ الْخُمُسَةُ بِالْأَوَّلِ، وَلَوْ رَمَى أَحَدُهُمَا خَمْسَةً، فَوَقَعَتْ قَرِيبَةً مِنَ الْغَرَضِ وَبَعْضُهَا أَقْرَبُ مِنْ بَعْضٍ، ثُمَّ رَمَى الثَّانِي خَمْسَةً، فَوَقَعَتْ أَبْعَدَ مِنْ خَمْسَةِ الْأَوَّلِ، سَقَطَتْ خَمْسَةُ الثَّانِي بِخَمْسَةِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَسْقُطُ مِنْ خَمْسَةِ الْأَوَّلِ شَيْءٌ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ فِي الْقُرْبِ، لِأَنَّ قَرِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ يُسْقِطُ بَعِيدَ الْآخَرِ، وَلَا يُسْقِطُ بُعْدَ نَفْسِهِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ: يُسْقِطُ بَعِيدَ نَفْسِهِ، كَمَا يُسْقِطُ بِعِيدَ غَيْرِهِ، وَلَوْ وَقَعَ سَهْمُ أَحَدِهِمَا بِقُرْبِ الْغَرَضِ، وَأَصَابَ سَهْمُ الْآخَرِ الْغَرَضَ، فَالْمَنْقُولُ أَنَّ الثَّانِيَ يُسْقِطُ الْأَوَّلَ كَمَا يُسْقِطُ الْأَقْرَبُ الْأَبْعَدَ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ أَنَّ الْأَسَدَ أَوِ الْأَصْوَبَ يُسْقِطُ غَيْرَهُ، وَأَنَّ الْأَقْرَبَ يُسْقِطُ الْأَبْعَدَ عَلَى مَعْنَى الْأَقْرَبِ إِلَى الصَّوَابِ، فَهَذَا صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ أَنَّ الْأَقْرَبَ إِلَى الْغَرَضِ يُسْقِطُ الْأَبْعَدَ عَنْهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَسَاوَيَا، وَلَوْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا الرُّقْعَةَ فِي وَسَطِ الْغَرَضِ، وَالْآخَرُ الْغَرَضَ خَارِجَ الرُّقْعَةِ، أَوْ أَصَابَا خَارِجَ الرُّقْعَةِ وَأَحَدُهمَا أَقْرَبُ إِلَيْهَا، فَقَدْ حَكَى الشَّافِعِيُّ ﵀ عَنْ بَعْضِ الرُّمَاةِ أَنَّ الَّذِي أَصَابَ الرُّقْعَةَ، أَوْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَيْهَا يُسْقِطُ الْآخَرَ، قَالَ: وَالْقِيَاسُ عِنْدِي أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا يُسْقِطُ الْقَرِيبُ الْبَعِيدَ إِذَا كَانَا خَارِجَيْنِ عَنِ الشَّنِّ، وَفِي هَذَا تَأْكِيدٌ لِمَا اسْتَدْرَكْنَاهُ، وَعَدَّ صَاحِبُ

стр. 4312

«الْحَاوِي» الْمَذْهَبَيْنِ وَجْهَيْنِ، وَنَقَلَ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَنْ بَعْضِ الرُّمَاةِ أَنَّهُ قَالَ: الْقَرِيبُ الَّذِي يُسْقِطُ الْبَعِيدَ هُوَ السَّاقِطُ، وَهُوَ السَّهْمُ الَّذِي يَقَعُ بَيْنَ يَدَيِ الْغَرَضِ، وَالْعَاضِدُ، وَهُوَ الَّذِي يَقَعُ فِي الْيَمِينِ أَوِ الْيَسَارِ دُونَ الْخَارِجِ، وَهُوَ الَّذِي يَتَجَاوَزُهُ وَيَقَعُ فَوْقَهُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ لِوُقُوعِ اسْمِ الْقَرِيبِ مِنَ الْغَرَضِ، فَالِاعْتِبَارُ بِمَوْضِعِ ثُبُوتِ السَّهْمِ وَاسْتِقْرَارِهِ لَا بِحَالَةِ الْمُرُورِ، حَتَّى لَوْ قَرُبَ مُرُورُهُ مِنَ الْغَرَضِ، وَوَقَعَ بَعِيدًا مِنْهُ، لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ إِلَّا إِذَا شَرَطَ اعْتِبَارَ حَالَةِ الْمُرُورِ، وَلَوْ شَرَطَا أَنَّ مَا أَصَابَ الْقِرْطَاسَ أَسْقَطَ مَا وَقَعَ حَوَالَيْهِ، فَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي صِحَّتِهِ قَوْلَيْنِ حَكَيَاهُمَا عَنْ نَقْلِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ بِأَنَّهُ تَعْسِرُ إِصَابَةُ الْوَسَطِ، وَقَدْ يُصِيبُهُ الْأَخْرَقُ اتِّفَاقًا، وَهَذَا النَّقْل لَا يَكَادُ يُوجَدُ فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِمُ الْقَطْعُ بِاتِّبَاعِ الشَّرْطِ. الْخَامِسَةُ: النَّكَبَاتُ: هِيَ الَّتِي تَطْرَأُ عِنْدَ الرَّمْيِ وَتُهَوِّشُهُ، وَذَلِكَ يَعُمُّ شَرْطَ الْقَرْعِ وَالْخَسْقِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْأَصْلُ أَنَّ السَّهْمَ مَتَى وَقَعَ مُبَاعِدًا تَبَاعُدًا مُفْرِطًا إِمَّا مُقَصِّرًا عَنِ الْغَرَضِ، وَإِمَّا مُجَاوِزًا لَهُ، نُظِرَ إِنْ كَانَ ذَلِكَ لِسُوءِ الرَّمْيِ، حُسِبَ عَلَى الرَّامِي، وَلَا يُرَدُّ إِلَيْهِ السَّهْمُ لِيَرْمِيَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لِنَكْبَةٍ عَرَضَتْ، أَوْ خَلَلٍ فِي آلَةِ الرَّمْيِ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنَ الرَّامِي، فَذَلِكَ السَّهْمُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ عَلَيْهِ، وَيُوَضَّحُ هَذَا الْأَصْلُ بِصُوَرٍ، إِحْدَاهَا: إِذَا عَرَضَ فِي مُرُورِ السَّهْمِ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ فَمَنَعَ السَّهْمَ، أَوِ الْقَوْسَ إِنْ كَانَ لِتَقْصِيرِهِ وَسُوءِ رَمْيِهِ حُسِبَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الرَّمْيَةَ عَلَيْهِ، فَيُعِيدُهَا، لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَلَوِ انْقَطَعَ الْوَتَرُ، أَوِ انْكَسَرَ السَّهْمُ، أَوِ الْقَوْسُ إِنْ كَانَ تَقْصِيرُهُ وَسُوءُ رَمْيِهِ حُسِبَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لِضَعْفِ الْآلَةِ وَغَيْرِهِ لَا لِتَقْصِيرِهِ وَإِسَاءَتِهِ، لَمْ تُحْسَبْ، كَمَا لَوْ حَدَثَ فِي يَدِهِ عِلَّةٌ أَوْ رِيحٌ، وَقِيلَ: إِنْ وَقَعَ السَّهْمُ عِنْدَ هَذِهِ الْعَوَارِضِ قَرِيبًا مِنَ الْغَرَضِ، حُسِبَ عَلَيْهِ، حَكَاهُ الْإِمَامُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقِيلَ

стр. 4313

إِنْ وَقَعَ السَّهْمُ مُجَاوِزًا لِلْغَرَضِ، حُسِبَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمُجَاوَزَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَارِضَ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَإِنَّمَا هُوَ لِإِسَاءَتِهِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ، لِأَنَّ الْخَلَلَ يُؤَثِّرُ تَارَةً فِي التَّقْصِيرِ، وَتَارَةً فِي الْإِسْرَافِ، فَإِنْ قُلْنَا: تُحْسَبُ عَلَيْهِ، فَلَوْ أَصَابَ حُسِبَ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَنْصُوصِ: إِنَّهُ لَا يُحْسُبُ عَلَيْهِ، فَأَصَابَ، حُسِبَ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الْإِصَابَةَ مَعَ النَّكْبَةِ تَدُلُّ عَلَى جَوْدَةِ الرَّمْيِ، ثُمَّ فِي كِتَابِ ابْنِ كَجٍّ أَنَّ الِانْقِطَاعَ وَالِانْكِسَارَ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ حُدُوثُهُمَا قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنَ الْقَوْسِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ، فَلَا أَثَرَ لَهُ، وَصَوَّرَ الْبَغَوِيُّ انْكِسَارَ السَّهْمِ فِيهَا إِذَا كَانَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْقَوْسِ، وَجَعَلَهُ عُذْرًا، وَلَوِ انْكَسَرَ السَّهْمُ نِصْفَيْنِ بِلَا تَقْصِيرٍ، وَأَصَابَ أَحَدُ نِصْفَيْهِ الْغَرَضَ إِصَابَةً شَدِيدَةً، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: لَا تُحْسَبُ، وَالثَّانِي: تُحْسَبُ الْإِصَابَةُ بِالنِّصْفِ الْأَعْلَى، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْفَوْقُ دُونَ الَّذِي فِيهِ النَّصْلُ، وَالثَّالِثُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْأَكْثَرُونَ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: تُحْسَبُ الْإِصَابَةُ بِالنِّصْفِ الَّذِي فِيهِ النَّصْلُ دُونَ الْأَعْلَى، وَلَوْ أَصَابَ بِالنِّصْفَيْنِ، لَمْ تُحْسَبْ إِصَابَتَيْنِ، وَكَذَا لَوْ رَمَى سَهْمَيْنِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ، وَلَوْ حَادَ السَّهْمُ عَنْ سُنَنِ الْهَدَفِ، وَخَرَجَ عَنِ السِّمَاطَيْنِ، حُسِبَ عَلَيْهِ لِسُوءِ رَمْيِهِ، وَلَوْ رَمَى إِلَى غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي فِيهَا الْهَدَفُ، فَهَذَا اشْتِغَالٌ بِغَيْرِ النِّضَالِ الَّذِي تَعَاقَدَا عَلَيْهِ، فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ. الثَّانِيَةُ: كَانَ فِي الْغَرَضِ سَهْمٌ، فَأَصَابَ سَهْمُهُ فَوْقَ ذَلِكَ السَّهْمِ، نُظِرَ إِنْ كَانَ ذَلِكَ السَّهْمُ تَعَلَّقَ بِهِ، وَبَعْضُهُ خَارِجٌ، لَمْ يُحْسَبْ لَهُ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ كَانَ يَبْلُغُ الْغَرَضَ لَوْلَا هَذَا السَّهْمُ، وَلَا يُحْسُبُ عَلَيْهِ أَيْضًا، لِأَنَّهُ عَرَضَ دُونَ الْغَرَضِ عَارِضٌ، فَإِنْ شَقَّهُ، وَأَصَابَ الْغَرَضَ، حُسِبَ، وَقَدْ يَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْبَهِيمَةِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ السَّهْمُ قَدْ غَرِقَ فِيهِ، حُسِبَ إِصَابَةً، وَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ الْخَسْقَ، لَمْ يُحْسَبْ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ كَانَ بِخَسْقٍ أَمْ لَا؟ وَيَنْبَغِي أَنْ

стр. 4314

يُنْظَرُ إِلَى ثُبُوتِهِ فِيهِ، وَتُقَاسُ صَلَابَةُ ذَلِكَ السَّهْمِ بِصَلَابَةِ الْغَرَضِ كَمَا سَبَقَ نَظِيرُهُ، وَلَوْ أَغْرَقَ الرَّامِي، وَبَالَغَ فِي الْمَدِّ حَتَّى دَخَلَ النَّصْلُ مَقْبِضَ الْقَوْسِ، وَوَقَعَ السَّهْمُ عِنْدَهُ، فَالنَّصُّ إِلْحَاقُهُ بِانْكِسَارِ الْقَوْسِ وَانْقِطَاعِ الْوَتَرِ وَنَحْوِهِمَا، لِأَنَّ سُوءَ الرَّمْيِ أَنْ يُصِيبَ غَيْرَ مَا قَصَدَهُ، وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا هُنَا، وَعَنْ صَاحِبِ «الْحَاوِي» أَنَّهُ يُحْسَبُ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: إِنْ بَلَغَ مَدَى الْغَرَضِ، حُسِبَ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا. الثَّالِثَةُ: الرِّيحُ اللَّيِّنَةُ لَا تُؤْثِرُ حَتَّى لَوْ رَمَى زَائِلًا عَنِ الْمُسَامَتَةِ، فَرَدَّتْهُ الرِّيحُ اللَّيِّنَةُ، أَوْ رَمَيَا ضَعِيفًا، فَقَوَّتْهُ، فَأَصَابَ، حُسِبَ لَهُ وَإِنْ صَرَفَتْهُ عَنِ السَّمْتِ بَعْضَ الصَّرْفِ، فَأَخْطَأَ، حُسِبَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْجَوَّ لَا يَخْلُو عَنِ الرِّيحِ اللَّيِّنَةِ غَالِبًا، وَيَضْعُفُ تَأْثِيرُهَا فِي السَّهْمِ مَعَ سُرْعَةِ مُرُورِهِ، وَقِيلَ: يُمْنَعُ الِاحْتِسَابُ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُمْنَعُ الِاحْتِسَابُ عَلَيْهِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَلَوْ كَانَتِ الرِّيحُ عَاصِفَةً، وَاقْتَرَنَتْ بِابْتِدَاءِ الرَّمْيِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ، وَبِهِ أَجَابَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: لَا يُؤَثِّرُ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الرَّمْيِ وَالرِّيحِ عَاصِفَةً تَقْصِيرٌ، وَلِأَنَّ لِلرُّمَاةِ حِذْقًا فِي الرَّمْيِ وَقْتَ هُبُوبِ الرِّيحِ لِيُصِيبُوا، فَإِذَا أَخْطَأَ، فَقَدْ تَرَكَ ذَلِكَ، وَظَهَرَ سُوءُ رَمْيِهِ، وَأَصَحُّهُمَا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سَلَمَةَ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ: لَا يُحْسَبُ لَهُ إِنْ أَصَابَ لِقُوَّةِ تَأْثِيرِهَا، وَلِهَذَا يَجُوزُ لِكُلِّ وَاحِدٍ تَرْكُ الرَّمْيِ إِلَى أَنْ تَرْكُدَ بِخِلَافِ اللَّيِّنَةِ، وَلَوْ هَجَمَ هُبُوبُ الْعَاصِفَةِ بَعْدَ خُرُوجِ السَّهْمِ مِنَ الْقَوْسِ، فَمُقْتَضَى التَّرْتِيبِ أَنْ يُقَالَ: إِنْ قُلْنَا: اقْتِرَانُهَا مُؤَثِّرٌ، فَهُبُوبُهَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا كَالنَّكَبَاتِ الْعَارِضَةِ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، لِأَنَّ الْجَوَّ لَا يَخْلُو عَنِ الرِّيحِ،

стр. 4315

وَلَوْ فَتِحَ هَذَا الْبَابُ، لَتَعَلَّقَ بِهِ الْمُخَطِّئُونَ، وَطَالَ النِّزَاعُ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ أَخْطَأَ فِي الْهُجُومِ لَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَصَابَ، فَهَلْ يُحْسَبُ لَهُ؟ فِيهِ الْخِلَافُ فِي السَّهْمِ الْمُزْدَلِفِ، وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ: عِنْدِي أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ لَهُ قَطْعًا، لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ أَصَابَ بِرَمْيهِ، وَلَوْ هَبَّتْ رِيحٌ نَقَلَتِ الْغَرَضَ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَأَصَابَ السَّهْمُ الْمَوْضِعَ الْمُنْتَقِلَ عَنْهُ، حُسِبَ لَهُ، إِنْ كَانَ الشَّرْطُ الْإِصَابَةَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ الْخَسْقُ، نُسِبَتْ صَلَابَةُ الْمَوْضِعِ بِصَلَابَةِ الْغَرَضِ، وَلَوْ أَصَابَ الْغَرَضَ فِي الْمَوْضِعِ الْمُنْتَقِلِ إِلَيْهِ، حُسِبَ عَلَيْهِ، لَا لَهُ، وَلَوْ أَزَالَتِ الرِّيحُ الْغَرَضَ حَتَّى اسْتَقَلَّ السَّهْمَ، فَأَصَابَهُ السَّهْمُ، قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَا يُحْسَبُ لَهُ. الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي حُكْمِ الْمُنَاضَلَةِ جَوَازًا وَلُزُومًا وَفِي كَوْنِهَا لَازِمَةً أَوْ جَائِزَةً قَوْلَانِ كَمَا سَبَقَ فِي الْمُسَابَقَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: تَلْزَمُ، انْفَسَخَتْ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا، كَالْأَجِيرِ الْمُعِينِ، وَلَوْ مَرِضَ أَحَدُهُمَا، أَوْ أَصَابَهُ رَمَدٌ وَنَحْوُهُ، لَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ، بَلْ يُؤَخَّرُ الرَّمْيُ، وَفِي الْمُسَابَقَةِ يَحْصُلُ الِانْفِسَاخُ بِمَوْتِ الْفَرَسِ، لِأَنَّ التَّعْوِيلَ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْصُلُ بِمَوْتِ الْفَارِسِ، بَلْ يَقُومُ الْوَارِثُ مَقَامَهُ، وَقِيلَ: فِيهِ احْتِمَالٌ، لِأَنَّ لِلْفَارِسِ أَثَرًا ظَاهِرًا، وَإِلْزَامُ الْوَارِثِ عَلَى الْمُسَابَقَةِ كَالْمُسْتَبْعَدِ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا إِلْحَاقُ زِيَادَةٍ فِي عَدَدِ الْأَرْشَاقِ وَلَا عَدَدِ الْإِصَابَاتِ، وَطَرِيقُهُمَا إِنْ أَرَادَا ذَلِكَ أَنْ يَفْسَخَا الْعَقْدَ، وَيَسْتَأْنِفَا عَقْدًا، وَلَيْسَ لِلْمُنَاضِلِ أَنْ يَتْرُكَ النِّضَالَ وَيَجْلِسَ، بَلْ يُلْزَمُ بِهِ كَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِخِيَاطَةٍ وَنَحْوِهَا، وَيُحْبَسُ عَلَى ذَلِكَ وَيُعَزَّرُ، هَذَا إِذَا كَانَ مَفْضُولًا أَوْ كَانَ لَهُ الْفَضْلُ،

стр. 4316

وَلَكِنْ تَوَقَّعَ صَاحِبُهُ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيُسَاوِيَهُ أَوْ يَفْضُلَهُ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَوَقَّعِ الْإِدْرَاكَ بِأَنْ شَرَطَا إِصَابَةَ خَمْسَةٍ مِنْ عِشْرِينَ، فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةً، وَالْآخَرُ وَاحِدًا وَلَمْ يَبْقَ لِكُلِّ وَاحِدٍ إِلَّا رَمْيَتَانِ، فَلِصَاحِبِ الْخَمْسَةِ أَنْ يَجْلِسَ: وَيَتْرُكَ الْبَاقِيَ، هَذَا تَفْرِيعُ قَوْلِ اللُّزُومِ، أَمَّا إِذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَتَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَسْأَلَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي عَدَدِ الْأَرْشَاقِ وَالْإِصَابَاتِ، وَفِي الْمَالِ بِالتَّرَاضِي، وَفِي الْجَمِيعِ وَجْهٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَهَلْ يَسْتَبِدُّ أَحَدُهُمَا بِالزِّيَادَةِ؟ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَصَحُّهَا: نَعَمْ، لِجَوَازِ الْعَقْدِ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ صَاحِبُهُ فَلْيَفْسَخْ، وَالثَّانِي: لَا، إِذْ لَا بُدَّ فِي الْعَقْدِ مِنَ الْقَبُولِ، وَالثَّالِثُ: يَجُوزُ الْإِلْحَاقُ لِلْفَاضِلِ وَالْمُسَاوِي دُونَ الْمَفْضُولِ لِئَلَّا يَتَّخِذَ الْمَفْضُولُ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى إِبْطَالِ النِّضَالِ، وَمَتَى يَصِيرُ مَفْضُولًا؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: مَتَى زَادَ صَاحِبُهُ بِإِصَابَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَصَحُّهُمَا: لَا تَكْفِي إِصَابَةٌ وَإِصَابَتَانِ، بَلْ لَا يَصِيرُ مَفْضُولًا إِلَّا إِذَا قَرُبَ صَاحِبُهُ مِنَ الْفَوْزِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَجْهَ الْمَذْكُورَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلْحَاقُ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ بِالتَّرَاضِي، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الِاسْتِبْدَادُ يَطَّرِدَانِ فِي الْمُسَابَقَةِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُمَا هُنَاكَ، وَفِي الْجَعَالَةِ إِذَا زَادَ الْجَاعِلُ فِي الْعَمَلِ كَانَ مُتَّهَمًا كَالْمَفْضُولِ، فَفِي زِيَادَتِهِ الْخِلَافُ، فَإِنْ لَمْ تُلْحَقِ الزِّيَادَةُ بِهَا، فَذَاكَ، وَإِنْ أَلْحَقْنَاهَا وَقَدْ عَمِلَ الْعَامِلُ بَعْضَ الْعَمَلِ وَلَمْ يَرْضَ بِالزِّيَادَةِ، فُسِخُ الْعَقْدُ، قَالَ الْإِمَامُ: وَالْوَجْهُ أَنْ تَثْبُتَ لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ، لِأَنَّ التَّرْكَ بِسَبَبِ الزِّيَادَةِ بِخِلَافِ مَا إِذَا تُرِكَ فِي أَثْنَاءِ الْعَمَلِ بِلَا عُذْرٍ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا.

стр. 4317

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَأْخِيرُ الرَّمْيِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ، وَكَذَا الْفَسْخُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَعْرِضُ مَفْضُولًا مُتَّهَمًا، فَإِنْ كَانَ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ وَيَتْرُكَ النِّضَالَ؟ وَجْهَانِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمُسَابَقَةِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَفِي جَوَازِ فَسْخِهِ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الزِّيَادَةِ، وَيُفْضِي الْأَمْرُ إِذَا فَرَّقْنَا بَيْنَ الْمَفْضُولِ وَغَيْرِهِ إِلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِأَنَّ الْعَقْدَ جَائِزٌ مُطْلَقًا مَقْصُورٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَصِرْ أَحَدُهُمَا مَفْضُولًا، فَإِنْ صَارَ، لَزِمَ فِي حَقِّهِ، وَبَقِيَ الْجَوَازُ فِي حَقِّ الْآخَرِ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي نُفُوذِ فَسْخِ الْمَفْضُولِ طَرْدٌ فِي فَسْخِ الْجَاعِلِ الْجَعَالَةَ بَعْدَمَا عَمِلَ الْعَامِلُ بَعْضَ الْعَمَلِ، وَكَانَتْ حِصَّةُ عَمَلِهِ مِنَ الْمُسَمَّى تَزِيدُ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَلَوْ شَرَطَا فِي الْعَقْدِ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَجْلِسَ وَيَتْرُكَ الرَّمْيَ إِنْ شَاءَ، فَسَدَ الْعَقْدُ إِنْ قُلْنَا بِلُزُومِهِ، وَكَذَا إِنْ قُلْنَا بِجَوَازِهِ وَقُلْنَا: لَيْسَ لِلْمَفْضُولِ التَّرْكُ، وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّ شَرْطُهُ، لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ. وَلَوْ شَرَطَا أَنَّ الْمُسْبَقَ إِنْ جَلَسَ كَانَ عَلَيْهِ السَّبْقُ، فَهُوَ فَاسِدٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ السَّبْقَ إِنَّمَا يُشْرَعُ فِي الْعَمَلِ، وَلَوْ تَنَاضَلَا، فَفَضَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِإِصَابَاتٍ، فَقَالَ الْمَفْضُولُ: حُطَّ فَضْلَكَ، وَلَكَ عَلَيَّ كَذَا، لَمْ يَجُزْ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، سَوَاءً جَوَّزْنَا إِلْحَاقَ الزِّيَادَةِ أَمْ لَا، لِأَنَّ حَطَّ الْفَضْلِ لَا يُقَابَلُ بِمَالٍ. فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمُنَاضَلَةِ وَالْمُسَابَقَةِ لَوْ كَانَ أَحَدُ الرَّامِيَيْنِ إِذَا أَصَابَ، أَطَالَ الْكَلَامَ بِالتَّبَجُّحِ وَالِافْتِخَارِ وَأَضْجَرَ صَاحِبَهُ، أَوْ عَنَّفَهُ إِذَا أَخْطَأَ، مُنِعَ مِنْهُ، وَلَوْ كَلَّمَ أَحَدَهُمَا

стр. 4318

رَجُلٌ، قِيلَ لَهُ: أَجِبْ جَوَابًا وَسَطًا، وَلَا تُطَوِّلْ، وَلَا تَحْبِسِ الْقَوْمَ، وَلَوْ تُعَلِّلْ بَعْدَمَا رَمَى صَاحِبُهُ بِمَسْحِ الْقَوْسِ وَالْوَتَرِ، وَأَخْذِ النَّبْلِ بَعْدَ النَّبْلِ وَالنَّظَرِ فِيهِ، قِيلَ لَهُ: ارْمِ، لَا مُسْتَعْجِلًا وَلَا مُتَبَاطِئًا، وَلَوْ شَرَطَا أَنْ تُحْسَبَ لِأَحَدِهِمَا الْإِصَابَةُ الْوَاحِدَةُ الْإِصَابَتَيْنِ، أَوْ يُحَطُّ مِنْ إِصَابَاتِهِ شَيْءٌ، أَوْ أَنَّهُ إِنْ أَخْطَأَ رُدَّ عَلَيْهِ سَهْمٌ أَوْ سَهْمَانِ لِيُعِيدَ رَمْيَهُمَا، أَوْ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا مِنَ النَّبْلِ أَكْثَرُ مِمَّا فِي يَدِ الْآخَرِ، لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ مُبَيَّنَةٌ عَلَى التَّسَاوِي، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْرُطَ خَاسِقُ أَحَدِهِمَا خَاسِقَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الشَّرْطُ الْحَوَابِيَ، فَشَرَطَا أَنْ يَحْسِبَ الْخَاسِقَ حَابِيَيْنِ، جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْأُمِّ» لِأَنَّ الْخَاسِقَ يَخْتَصُّ بِالْإِصَابَةِ وَالثُّبُوتِ فَجَازَ أَنْ تُجْعَلَ تِلْكَ الزِّيَادَةُ مَقَامَ حَابٍ، وَقِيلَ: فِيهِمَا جَمِيعًا قَوْلَانِ، وَلَوْ تَنَاضَلَا فَرَمَيَا بَعْضَ الْأَرْشَاقِ ثُمَّ مَلَّا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: ارْمِ، فَإِنْ أَصَبْتَ فَقَدَ نَضَلْتَنِي، أَوْ قَالَ: أَرْمِي أَنَا فَإِنْ أَصَبْتُ هَذِهِ الْوَاحِدَةَ فَقْد نَضَلْتُكَ، لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ النَّاضِلَ مَنْ سَاوَى صَاحِبَهُ فِي عَدَدِ الْأَرْشَاقِ وَفَضَلَهُ فِي الْإِصَابَةِ، وَلَوْ تَنَاضَلَا، أَوْ تَسَابَقَا، وَأَخْرَجَ السَّبْقُ أَحَدَهُمَا، فَقَالَ أَجْنَبِيٌّ: شَارِكْنِي فِيهِ، فَإِنْ غَنِمْتَ أَخَذْتُ مَعَكَ مَا أَخْرَجْتَهُ، وَإِنْ غَرِمْتَ، غَرِمْتُ مَعَكَ، لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا لَوْ أَخْرَجَاهُ، وَبَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ، فَقَالَ أَجْنَبِيٌّ ذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا. وَلَوْ عَقَدَ الْمُنَاضَلَةَ فِي الصِّحَّةِ، وَدَفَعَ الْمَالَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، فَهُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ إِنْ جَعَلْنَاهَا إِجَارَةً، وَإِنْ قُلْنَا: جَعَالَةٌ، فَوَجْهَانِ، وَلَوِ ابْتَدَأَ الْعَقْدُ فِي الْمَرَضِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْسَبَ مِنَ الثُّلُثِ، وَيُحْتَمَلَ أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَوْلَيْنِ ذَكَرَهُ فِي «الْبَحْرِ» . قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَوِ الصَّوَابُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فِي الصُّورَتَيْنِ، سَوَاءً قُلْنَا إِجَارَةً أَوْ جَعَالَةً، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَبَرُّعٍ وَلَا مُحَابَاةَ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ

стр. 4319

مَا يَصْرِفُهُ فِي مَلَاذِّ شَهَوَاتِهِ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَنِكَاحٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا ضَرُورَةَ لَهُ إِلَيْهِ، وَلَا نَدَبَهُ الشَّرْعُ إِلَيْهِ مَحْسُوبًا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَالْمُسَابَقَةُ الَّتِي نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَيْهَا، وَيَحْتَاجُ إِلَى تَعَلُّمِهَا أَوْلَى، لَكِنَّ هَذَا فِيمَا إِذَا سَابَقَ بِعِوَضِ الْمِثْلِ فِي الْعَادَةِ، فَإِنْ زَادَ، فَالزِّيَادَةُ تَبَرُّعٌ مِنَ الثُّلُثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي «الْبَحْرِ» أَنَّ الْوَلِيَّ لَيْسَ لَهُ صَرْفُ مَالِ الصَّبِيِّ فِي الْمُسَابَقَةِ وَالْمُنَاضَلَةِ لِيَتَعَلَّمَ، وَأَنَّ السَّبْقَ الَّذِي يَلْتَزِمُهُ الْمُتَنَاضِلَانِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمَا، وَيَجُوزُ وَضْعُهُ عِنْدَ عَدْلٍ يَثِقَانِ بِهِ وَهُوَ أَحْوَطُ وَأَبْعَدُ عَنِ النِّزَاعِ، وَأَنَّهُمَا لَوْ تَنَازَعَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يُتْرَكُ السَّبْقُ عِنْدَنَا، وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ عِنْدَ عَدْلٍ، فَإِنْ كَانَ دَيْنًا، أُجِيبَ الْأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ عَيْنًا، فَالثَّانِي، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: نَضَعُهُ عِنْدَ زَيْدٍ، وَقَالَ الْآخَرُ: عِنْدَ عَمْرٍو، اخْتَارَ الْحَاكِمُ أَمِينًا، وَهَلْ يَتَعَيَّنُ أَحَدُ الْأَمِينَيْنِ الْمُتَنَازَعُ فِيهِمَا أَمْ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ غَيْرَهُمَا؟ وَجْهَانِ وَأَنَّهُ لَا أُجْرَةَ لِلْأَمِينِ إِلَّا إِذَا اطَّرَدَ الْعُرْفُ بِأُجْرَةٍ لَهُ فَوَجْهَانِ، وَفِيهِ: أَنَّ الْمُحَلِّلَ يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فَرَسُهُ بَيْنَ فَرَسَيِ الْمُتَسَابِقَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَتَوَسَّطْهُمَا، وَأَجْرَى بِجَنْبِ أَحَدِهِمَا، جَازَ إِنْ تَرَاضَيَا بِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِعُدُولِهِ عَنِ الْوَسَطِ، وَلَمْ يَرْضَ الْآخَرُ، لَزِمَهُ التَّوَسُّطُ، وَأَنَّهُمَا لَوْ رَضِيَا بِتَرْكِ تَوَسُّطِهِ وَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَكُونُ عَنِ الْيَمِينِ، وَقَالَ الْآخَرُ: عَنِ الْيَسَارِ، لَزِمَ التَّوَسُّطُ، وَأَنَّهُ لَوْ تَنَازَعَ الْمُتَسَابِقَانِ فِي الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ، أَقْرَعَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي «الْمُخْتَصَرِ» : لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ مُتَنَكِّبًا لِلْقَوْسِ وَالْقَرَنِ إِلَّا أَنْ يَتَحَرَّكَا عَلَيْهِ حَرَكَةً تَشْغَلُهُ، فَأَكْرَهُهُ وَيُجْزِئُهُ، وَالتَّنَكُّبُ: التَّقَلُّدُ، وَالْقَرَنُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالرَّاءِ: هُوَ الْجُعْبَةُ الْمَشْقُوقَةُ، وَلَا بُدَّ مِنْ طَهَارَةِ ذَلِكَ، وَلَا

стр. 4320

يَجْلِبُ عَلَى الْفَرَسِ فِي السِّبَاقِ، وَهُوَ أَنْ يَصِيحَ بِهِ الْقَوْمُ لِيَزِيدَ عَدْوُهُ، وَلَكِنْ يَرْكُضَانِ بِتَحْرِيكِ اللِّجَامِ وَالِاسْتِحْثَاثِ بِالسَّوْطِ، وَإِذَا وَقَفَ الْمُتَنَاضِلَانِ فِي الْمَوْقِفِ، فَهَلْ يَحْتَاجُ مَنْ يَرْمِي إِلَى اسْتِئْذَانِ صَاحِبِهِ؟ قَالَ ابْنُ كَجٍّ عَادَةُ الرُّمَاةِ الِاسْتِئْذَانُ، حَتَّى إِنَّ مَنْ رَمَى بِلَا اسْتِئْذَانٍ لَا يُحْسَبُ مَا رَمَاهُ، أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ، وَيَجِبُ اتِّبَاعُ عُرْفِهِمْ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: يُحْسَبُ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 4321

كِتَابُ الْأَيْمَانِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: فِي نَفْسِ الْيَمِينِ وَلِلْأَئِمَّةِ عِبَارَاتٌ فِي حَقِيقَةِ الْيَمِينِ، أَجْوَدُهَا وَأَصْوَبُهَا عَنِ الِانْتِقَاضِ وَالِاعْتِرَاضِ عِبَارَةُ الْبَغَوِيِّ، قَالَ: الْيَمِينُ تَحْقِيقُ الْأَمْرِ أَوْ تَوْكِيدُهُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ. وَيَتَعَلَّقُ بِالضَّبْطِ مَسَائِلُ إِحْدَاهَا: تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ وَالْمَاضِي، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى مَاضٍ كَاذِبًا وَهُوَ عَالِمٌ، فَهُوَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ، سُمِّيَتْ غَمُوسًا، لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ أَوْ فِي النَّارِ، وَهِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَتَتَعَلَّقُ بِهَا الْكَفَّارَةُ. فَإِنْ كَانَ جَاهِلًا، فَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ الْقَوْلَانِ: فِيمَنْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ نَاسِيًا. الثَّانِيَةُ: مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى لَفْظِ الْيَمِينِ بِلَا قَصْدٍ، كَقَوْلِهِ فِي حَالَةِ غَضَبٍ أَوْ لَجَاجٍ أَوْ عَجَلَةٍ أَوْ صِلَةِ كَلَامٍ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ، لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَفَّارَةٌ. وَلَوْ كَانَ يَحْلِفُ عَلَى شَيْءٍ، فَسَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ. وَهَذَا كُلُّهُ يُسَمَّى لَغْوَ الْيَمِينِ. وَإِذَا حَلَفَ وَقَالَ: لَمْ أَقْصِدِ الْيَمِينَ صُدِّقَ، وَفِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْإِيلَاءِ لَا يُصَدَّقُ فِي الظَّاهِرِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِهِ. قَالَ الْإِمَامُ فِي الْفَرْقِ: جَرَتِ الْعَادَةُ بِإِجْرَاءِ أَلْفَاظِ الْيَمِينِ بِلَا قَصْدٍ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، فَدَعْوَاهُ فِيهَا تُخَالِفُ الظَّاهِرَ، فَلَا يُقْبَلُ. قَالَ: فَلَوِ اقْتَرَنَ بِالْيَمِينِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَصْدِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ.

стр. 4322

الثَّالِثَةُ: إِذَا قَالَ غَيْرُهُ: أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ، أَوْ أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ، أَوْ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ: لَتَفْعَلَنَّ كَذَا، فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الشَّفَاعَةَ، أَوْ قَصَدَ عَقْدَ الْيَمِينِ لِلْمُخَاطَبِ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ فِي حَقِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنْ قَصَدَ عَقْدَ الْيَمِينِ لِنَفْسِهِ، كَانَ يَمِينًا عَلَى الصَّحِيحِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَسْأَلُكَ ثُمَّ حَلَفَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَيْسَ بِيَمِينٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُخَاطَبِ إِبْرَارُهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَحَنِثَ الْحَالِفُ، لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَقْصِدْ شَيْئًا يُحْمَلُ عَلَى الشَّفَاعَةِ قُلْتُ: يُسَنُّ إِبْرَارُ الْمُقْسِمِ، كَمَا ذُكِرَ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِيهِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْإِبْرَارِ مَفْسَدَةٌ، بِأَنْ تَضَمَّنَ ارْتِكَابَ مُحَرَّمٍ، أَوْ مَكْرُوهٍ. وَيُكْرَهُ السُّؤَالُ بِوَجْهِ اللَّهِ، وَرَدُّ مَنْ سَأَلَ بِهِ، لِلْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ فِيهِمَا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الرَّابِعُ: يَجُوزُ تَعْقِيبُ الْيَمِينِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَإِنْ عَقَّبَ، لَمْ يَحْنَثْ بِالْفِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ، وَهَلْ نَقُولُ: انْعَقَدَتِ الْيَمِينُ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: نَعَمْ، لَكِنَّ الْمَشِيئَةَ مَجْهُولَةٌ فَلَا يَحْنَثُ نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ، وَالثَّانِي: لَا، نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ. وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَأَنْ يَقْصِدَ لَفْظَهُ، وَيَصِلَهُ بِالْيَمِينِ، فَلَا يَسْكُتُ بَيْنَهُمَا إِلَّا سَكْتَةً لَطِيفَةً لِتَذَكُّرٍ أَوْ عِيٍّ أَوْ تَنَفُّسٍ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الطَّلَاقِ، وَأَنْ يَقْصِدَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ أَوَّلِ الْيَمِينِ، فَلَوْ قَصَدَهُ، فِي خِلَالِ الْيَمِينِ، فَوَجْهَانِ سَبَقَا فِي الطَّلَاقِ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الدَّارَكِيُّ وَالْقَاضِيَانِ أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ، وَمِمَّنْ مَنَعَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَابْنُ الْمَرْزُبَانِ وَابْنُ كَجٍّ. وَلَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ،

стр. 4323

وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، أَوْ: لَا أَفْعَلُ كَذَا، صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَكَذَا لَوْ قَدَّمَ الِاسْتِثْنَاءَ، فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ إِلَّا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبُ: لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ، أَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْتِ طَالِقٌ عَبْدِي حُرٌّ، لَمْ تُطَلَّقْ وَلَمْ يُعْتَقْ، لِأَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ قَدْ يُحْذَفُ مَعَ إِرَادَةِ الْعَطْفِ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُنَا: التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ، وَلْيَكُنْ هَذَا فِيمَا إِذَا نَوَى صَرْفَ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَيْهِمَا جَمِيعًا، فَإِنْ أَطْلَقَ فَيُشْبِهُ أَنْ يَجِيءَ خِلَافٌ فِي أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْجُمْلَةِ الْأُولَى أَمْ يَعُمُّهُمَا؟ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَيَجِيءُ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ أَمْ يَعُمُّهُمَا؟ . قُلْتُ: الصَّحِيحُ التَّعْمِيمُ فِي الصُّورَتَيْنِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَوْ قَالَ: عَبْدِي حُرٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوِ امْرَأَتِي طَالِقٌ، وَنَوَى صَرْفَ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَيْهِمَا، صَحَّ ذَكَرَهُ ابْنُ كَجٍّ. وَكَمَا يَجُوزُ أَنْ يُقَدِّمَ الِاسْتِثْنَاءَ وَيُؤَخِّرَهُ، يَجُوزُ أَنْ يُوَسِّطَهُ. وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إِنْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ أَوْ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، فَفِيهِ خِلَافٌ كَمَا سَبَقَ فِي نَظِيرِهِ فِي الطَّلَاقِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ ابْنِ كَجٍّ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيُّ إِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَمْ يَفْعَلْ، حَنِثَ، وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ فَعَلَ حَنِثَ. فَرْعٌ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَدْخُلَنَّ هَذِهِ الدَّارَ الْيَوْمَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ، وَقَصَدَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ لَا أَدْخُلَهَا، فَقَدْ عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى الدُّخُولِ، فَإِنْ دَخَلَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَشَاءَ زَيْدٌ أَنْ لَا يَدْخُلَ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَدْخُلَ

стр. 4324

فَلَمْ يَدْخُلْ، حَنِثَ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَعْرِفْ مَشِيئَةً بِأَنْ جُنَّ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ حَتَّى مَضَى الْيَوْمُ، حَنِثَ هَكَذَا نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ عَنِ النَّصِّ، وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَدْخُلُ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ الدُّخُولَ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ دَخَلَ وَقَدْ شَاءَ زَيْدٌ دُخُولَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، لَمْ يَحْنَثْ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ شَاءَ أَنْ لَا يَدْخُلَ، حَنِثَ، وَلَا تُغْنِي مَشِيئَةُ الدُّخُولِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ مَشِيئَتَهُ، فَرِوَايَةُ الرَّبِيعِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَالرِّوَايَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ وَالصُّورَتَانِ مُتَشَابِهَتَانِ، وَلِلْأَصْحَابِ فِيهِمَا طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِالْحِنْثِ، وَحَمْلُ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَحْصُلِ الْيَأْسُ مِنْ مَشِيئَةٍ، أَوْ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ وَلَمْ يَعْلَمِ الرَّبِيعُ رُجُوعَهُ. وَالثَّانِي فِيهِمَا قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: يَحْنَثُ، لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ حِنْثِهِ الْمَشِيئَةُ وَقَدْ جَعَلْنَاهَا، وَالثَّانِي: لَا، لِلشَّكِّ. وَلَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَدْخُلَنَّ إِنْ شَاءَ فُلَانٌ، إِنْ دَخَلَ، فَالْيَمِينُ مُعَلَّقَةٌ بِالْمَشِيئَةِ، فَلَا يَنْعَقِدُ قَبْلَهَا وَلَا حُكْمَ لِلدُّخُولِ قَبْلَهَا، فَإِنْ شَاءَ انْعَقَدَتْ، فَإِنْ دَخَلَ بَعْدَهُ، بَرَّ، وَإِلَّا حَنِثَ. وَيُنْظَرُ هَلْ قَيَّدَ الدُّخُولَ بِزَمَانٍ أَوْ أَطْلَقَ؟ وَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ عُمُرُهُ وَقْتُ الدُّخُولِ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ، حَكَمْنَا بِالْحِنْثِ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَإِنْ شَاءَ فُلَانٌ أَنْ لَا يَدْخُلَ أَوْ لَمْ يَشَأْ شَيْئًا، أَوْ لَمْ تُعْرَفْ مَشِيئَتُهُ، فَلَا حِنْثَ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمْ تَنْعَقِدْ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَدْخُلُ إِنْ شَاءَ فُلَانٌ أَنْ لَا أَدْخُلَ، فَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ حَتَّى يَشَاءَ فُلَانٌ أَنْ لَا يَدْخُلَ. الْخَامِسَةُ: الْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقِ مَكْرُوهٌ كَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ وَجِبْرِيلَ وَالصَّحَابَةِ وَالْآلِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَعْصِيَةً. قَالَ الْأَصْحَابُ: أَيْ حَرَامًا وَإِثْمًا، فَأَشَارَ إِلَى تَرَدُّدٍ فِيهِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ، بَلْ مَكْرُوهٌ. ثُمَّ مَنْ حَلَفَ بِمَخْلُوقٍ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ وَلَا كَفَّارَةَ فِي حِنْثِهِ. قَالَ الْأَصْحَابُ: فَلَوِ اعْتَقَدَ الْحَالِفُ فِي الْمَحْلُوفِ بِهِ مِنَ التَّعْظِيمِ مَا يَعْتَقِدُهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى كَفَرَ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

стр. 4325

«مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ كَفَرَ» ، وَلَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَيْهِ بِلَا قَصْدٍ لَمْ يُوصَفْ بِكَرَاهَةٍ، بَلْ هُوَ لَغْوُ يَمِينٍ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ» . السَّادِسَةُ: إِذَا قَالَ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا، فَأَنَا يَهُودِيٌّ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ، أَوْ بَرِىءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ مِنَ الْإِسْلَامِ، أَوْ مِنَ الْكَعْبَةِ، أَوْ مُسْتَحِلٌّ الْخَمْرَ أَوِ الْمَيْتَةَ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْحِنْثِ بِهِ، ثُمَّ إِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ تَبْعِيدَ نَفْسِهِ عَنْهُ لَمْ يَكْفُرْ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الرِّضَا بِذَلِكَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ إِذَا فَعَلَهُ، فَهُوَ كَافِرٌ فِي الْحَالِ. قُلْتُ: قَالَ الْأَصْحَابُ: وَإِذَا لَمْ يَكْفُرْ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَيُسْتَدَلُّ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» . وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا لِكُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ بِقُبْحٍ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ. وَتَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ قَبِيحٍ مُحَرَّمٍ، وَسَتَأْتِي صِفَةُ التَّوْبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ. وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَذْكَارِ جُمَلًا كَثِيرَةً مِنْ حُكْمِ الْأَلْفَاظِ الْقَبِيحَةِ، وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِهَا وَطُرُقِ الْخُرُوجِ مِنْهَا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. السَّابِعَةُ: قَالَ أَهْلُ اللِّسَانِ: حُرُوفُ الْقَسَمِ ثَلَاثَةٌ الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالتَّاءُ الْمُثَنَّاةُ فَوْقُ، قَالُوا: وَالْأَصْلُ الْبَاءُ وَهِيَ مِنْ صِلَةِ الْحَلِفِ، كَأَنَّ الْقَائِلَ يَقُولُ: حَلِفْتُ بِاللَّهِ، أَوْ أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ، أَوْ آلَيْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ لَمَّا كَثُرَ الِاسْتِعْمَالُ وَفُهِمَ الْمَقْصُودُ، حُذِفَ الْفِعْلُ، وَيَلِي الْبَاءَ الْوَاوُ، لِأَنَّ الْبَاءَ تَدْخُلُ عَلَى الْمُضْمَرِ تَقُولُ: بِكَ وَبِهِ لَأَفْعَلَنَّ، كَمَا تَدْخُلُ فِي الْمُظْهَرِ، وَالْوَاوُ تَخْتَصُّ بِالْمُظْهَرِ فَتَأَخَّرَتْ، وَالتَّاءُ بَعْدَ الْوَاوِ، لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ إِلَّا عَلَى «اللَّهِ» ، فَإِذَا قَالَ بِاللَّهِ - بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - لَأَفْعَلَنَّ، فَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ، أَوْ أَطْلَقْ، فَهِيَ يَمِينٌ لِاشْتِهَارِ الصِّيغَةِ بِالْحَلِفِ لُغَةً وَشَرْعًا.

стр. 4326

وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ خِلَافًا فِيمَا إِذَا أَطْلَقَ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَمِينٌ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَصْحَابُ، وَإِنْ نَوَى غَيْرَ ذَلِكَ الْيَمِينِ بِأَنْ قَالَ: أَرَدْتُ بِاللَّهِ وَثِقْتُ، أَوِ اعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ أَوْ أَسْتَعِينُ أَوْ أُؤْمِنُ بِاللَّهِ ثُمَّ ابْتَدَأْتُ لَأَفْعَلَنَّ، فَالْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ: أَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَاسْتَبْعَدَ الْإِمَامُ هَذَا وَجَعَلَهُ زَلَلًا أَوْ خَلَلًا مِنْ نَاسِخٍ. وَنُقِلَ أَنَّهُ لَوْ نَوَى غَيْرَ الْيَمِينِ وَادَّعَى التَّوْرِيَةَ لَمْ يُقْبَلْ فِيمَا تَعَلَّقَ بِحَقِّ آدَمِيٍّ، وَهَلْ يُدَيَّنُ بَاطِنًا؟ قِيلَ: وَجْهَانِ، وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: لَا يُدَيَّنُ قَطْعًا، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي أَظْهَرَ مَا يُخَالِفُهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَاللَّهِ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ كَقَوْلِهِ: بِاللَّهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْقَطْعِ بِأَنَّهُ يَمِينٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَوَجْهُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ قَدْ يُرِيدُ بِهِ الْقَائِلَ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ثُمَّ يَبْتَدِئُ لَأَفْعَلَنَّ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إِلَّا لَحْنٌ فِي الْإِعْرَابِ وَسَيَأْتِي نَظَائِرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا إِذَا قَالَ: تَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ بِالْمُثَنَّاةِ فَوْقُ، فَالْمَنْصُوصُ هُنَا وَفِي الْإِيلَاءِ أَنَّهُ يَمِينٌ، وَعَنْ نَصِّهِ فِي الْقَسَامَةِ أَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَلِلْأَصْحَابِ فِيهِ طُرُقٌ، أَحَدُهَا: الْعَمَلُ بِظَاهِرِ النَّصِّ. وَالثَّانِي: فِيهِمَا قَوْلَانِ، وَالثَّالِثُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ سَلَمَةَ وَأَبُو إِسْحَاقَ وَابْنُ الْوَكِيلِ: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ يَمِينٌ. قَالُوا: وَرِوَايَةُ النَّصِّ فِي الْقَسَامَةِ مُصَحَّفَةٌ إِنَّمَا هِيَ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ عَلَّلَ، فَقَالَ: لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَهَذَا إِنَّمَا يَلِيقُ بِالْمُثَنَّاةِ تَحْتُ. ثُمَّ قِيلَ: أَرَادَ إِذَا قَالَ يَا اللَّهُ عَلَى النِّدَاءِ أَوْ قِيلَ أَرَادَ يَا لَلَّهِ بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ، وَهَذَا أَشْبَهُ وَأَقْرَبُ إِلَى التَّصْحِيفِ، وَقِيلَ: لَيْسَتْ مُصَحَّفَهً، بَلْ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إِذَا قَالَ لَهُ الْقَاضِي: قُلْ: بِاللَّهِ، فَقَالَ: تَاللَّهِ، فَلَا يُحْسَبُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْيَمِينَ يَكُونُ عَلَى وَفْقِ التَّحْلِيفِ، وَكَذَا

стр. 4327

لَوْ قَالَ: قُلْ: بِاللَّهِ فَقَالَ: بِالرَّحْمَنِ، لَا تُحْسَبُ يَمِينُهُ. وَعَكْسُهُ لَوْ قَالَ: قُلْ: تَاللَّهِ بِالْمُثَنَّاةِ فَوْقُ، فَقَالَ: بِاللَّهِ الْمُوَحَّدَةِ، قَالَ الْقَفَّالُ: يَكُونُ يَمِينًا، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا، وَلَوْ قَالَ: قُلْ: بِاللَّهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ، قَالَ الْإِمَامُ: فِيهِ تَرَدُّدٌ، لِأَنَّ الْبَاءَ وَالْوَاوَ لَا تَكَادَانِ تَتَفَاوَتَانِ، وَلَا يُمْتَنَعُ، الْمَنْعُ لِلْمُخَالَفَةِ. وَهَذَا الْمَعْنَى يَجِيءُ فِي مَسْأَلَةِ الْقَفَّالِ، وَهَذَا الْخِلَافُ إِذَا قَالَ: تَاللَّهِ وَلَمْ يَقْصِدِ الْيَمِينَ وَلَا غَيْرَهَا، فَإِنْ نَوَى غَيْرَ الْيَمِينِ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ بِلَا خِلَافٍ، صَرَّحَ بِهِ الْعِرَاقِيُّونَ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ. قُلْتُ: قَالَ الدَّارِمِيُّ: لَوْ قَالَ يَا اللَّهُ بِالْمُثَنَّاةِ تَحْتُ، أَوْ فَاللَّهُ بِالْفَاءِ، أَوْ أَآللَّهُ بِالِاسْتِفْهَامِ وَنَوَى الْيَمِينَ، فَيَمِينٌ، وَإِلَّا فَلَا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ : لَوْ قَالَ: وَاللَّهُ لَأَفْعَلَنَّ بِرَفْعِ الْهَاءِ أَوْ نَصْبِهَا، كَانَ يَمِينًا، وَاللَّحْنُ لَا يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ، وَقَالَ الْقَفَّالُ: فِي الرَّفْعِ لَا يَكُونُ يَمِينًا إِلَّا بِالنِّيَّةِ. فَرْعٌ : لَوْ حَذَفَ حَرْفَ الْقَسَمِ، فَقَالَ: اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا بِجَرِّ الْهَاءِ أَوْ نَصْبِهَا أَوْ رَفْعِهَا وَنَوَى الْيَمِينَ، فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ فِي الرَّفْعِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا فِي النَّاصِبِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا فِي الْجَرِّ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الرَّفْعَ يَحْتَمِلُ الِابْتِدَاءَ فَيَبْعُدُ الْحِنْثُ، وَيَقْرُبُ فِي الْجَرِّ الِاسْتِعَارَةُ بِالصِّلَةِ الْجَارَّةِ وَيَلِيهِ النَّصْبُ بِنَزْعِ الْجَارِّ. فَرْعٌ: لَوْ قَالَ: بَلَّهِ فَشَدَّدَ اللَّامَ كَمَا كَانَتْ وَحَذَفَ الْأَلِفَ بَعْدَهَا،

стр. 4328

فَهُوَ غَيْرُ ذَاكِرٍ لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا حَالِفٌ، لِأَنَّ الْبَلَّةَ هِيَ الرُّطُوبَةُ، فَلَوْ نَوَى بِذَلِكَ الْيَمِينَ، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ: وَهُوَ يَمِينٌ وَيُحْمَلُ حَذْفُ الْأَلِفِ عَلَى اللَّحْنِ، لِأَنَّ الْكَلِمَةَ تَجْرِي كَذَلِكَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامِّ أَوِ الْخَوَاصِّ. قُلْتُ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ يَمِينًا، لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَتِهِ، وَلَا يُسَلَّمُ أَنَّ هَذَا لَحْنٌ، لِأَنَّ اللَّحْنَ مُخَالَفَةُ صَوَابِ الْإِعْرَابِ، بَلْ هَذِهِ كَلِمَةٌ أُخْرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الثَّامِنَةُ: فِي ضَبْطِ مَا يُحْلَفُ بِهِ، وَفِيهِ طَرِيقَانِ، إِحْدَاهُمَا وَهِيَ أَقْصَرُهُمَا: أَنَّ الْيَمِينَ يَنْعَقِدُ إِذَا حَلَفَ بِمَا مَفْهُومُهُ ذَاتُ الْبَارِي ، أَوْ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ، وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ أَقْرَبُ إِلَى سِيَاقِ «الْمُخْتَصَرِ» : أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا إِذَا حَلِفَ بِاللَّهِ، أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَأَرَادَ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَنْ يَذْكُرَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ ذَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْتِيَ بَاسِمٍ مُفْرَدٍ، أَوْ مُضَافٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ: وَالَّذِي أَعْبُدُهُ، أَوْ أَسْجُدُ لَهُ، أَوْ أُصَلِّي لَهُ، وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، أَوْ نَفْسِي بِيَدِهِ، أَوْ مُقَلِّبِ الْقُلُوبِ فَتَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، سَوَاءً أَطْلَقَ أَوْ نَوَى اللَّهَ أَوْ غَيْرَهُ، وَإِذَا قَالَ قَصَدْتُ غَيْرَهُ، لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا قَطْعًا، وَكَذَا لَا يُقْبَلُ أَيْضًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ فِي الْمَذْهَبِ، وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ الْحَلِفُ بِالْأَسْمَاءِ، فَالْأَسْمَاءُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: أَحَدُهَا: مَا يُخْتَصُّ بِاللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُطْلَقُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، كَاللَّهِ وَالْإِلَهِ، وَالرَّحْمَنِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَخَالِقِ الْخَلْقِ، وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْأَوَّلِ الَّذِي

стр. 4329

لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَالْوَاحِدِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَحُكْمُ الْحَلِفِ بِهِ حُكْمُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ كَجٍّ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَسْمَاءِ صَرِيحٌ فِي الْحَلِفِ إِلَّا بِاللَّهِ، وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ. النَّوْعُ الثَّانِي: مَا يُطْلَقُ فِي حَقِّ اللَّهِ وَفِي حَقِّ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنَّ الْغَالِبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ يُقَيَّدُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِضَرْبِ تَقْيِيدٍ، كَالْجَبَّارِ وَالْحَقِّ وَالرَّبِّ وَالْمُتَكَبِّرِ وَالْقَادِرِ وَالْقَاهِرِ، فَإِنْ حَلَفَ بِاسْمٍ مِنْهَا وَنَوَى اللَّهَ تَعَالَى أَوْ أَطْلَقَ فَيَمِينٌ، وَإِنْ نَوَى غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ بِيَمِينٍ وَالْخَالِقُ وَالرَّازِقُ وَالرَّحِيمُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَقِيلَ مِنَ الْأَوَّلِ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: مَا يُطْلَقُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ وَلَا يَغْلِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَالْحَيِّ وَالْمَوْجُودِ وَالْمُؤْمِنِ وَالْكَرِيمِ وَالْغَنِيِّ وَشِبْهِهَا، فَإِنْ نَوَى بِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ أَطْلَقَ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَإِنْ نَوَى اللَّهَ تَعَالَى، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَمِينٌ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبَا «الْمُهَذَّبِ» وَ «التَّهْذِيبِ» ، وَفِي شَرْحِ الْمُوَفَّقِ بْنِ طَاهِرٍ أَنَّ صَاحِبَ «التَّقْرِيبِ» وَأَبَا يَعْقُوبَ قَطَعَا بِهِ، وَنَقَلَاهُ عَنْ شُيُوخِ الْأَصْحَابِ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ وَبِهِ أَجَابَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَسَائِرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: لَا يَكُونُ يَمِينًا، لِأَنَّ الْيَمِينَ إِنَّمَا تَنْعَقِدُ بِاسْمِ مُعَظَّمٍ، وَالْأَسْمَاءُ الَّتِي تُطْلَقُ فِي حَقِّ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ إِطْلَاقًا وَاحِدًا لَيْسَ لَهَا حُرْمَةٌ وَلَا عَظَمَةٌ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يَمِينٌ، وَبِهِ قَطَعَ الرَّافِعِيُّ فِي «الْمُحَرَّرِ» وَصَاحِبُ «التَّنَبُّهِ» وَالْجُرْجَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ لِأَنَّهُ اسْمٌ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ نَوَاهُ، وَقَوْلُهُمْ: لَيْسَ لَهُ حُرْمَةٌ مَرْدُودٌ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَالسَّمِيعُ وَالْبَصِيرُ أَوِ الْعَلِيمُ وَالْحَكِيمُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، لَا مِنَ الثَّانِي عَلَى الْأَصَحِّ، فَقَدْ عَدَّ الْبَغَوِيُّ الْعَالِمَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ. وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ كَجٍّ

стр. 4330

نَقَلَ وَجْهًا أَنَّ الْحَلِفَ بِأَيِّ اسْمٍ كَانَ مِنَ الْأَسْمَاءِ التِّسْعَةِ وَالتِسْعِينَ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ صَرِيحٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَعْضِهَا وَبَعْضٍ، وَهَذَا غَرِيبٌ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فَالْحَلِفُ بِالصِّفَاتِ. فَمُتَكَلِّمٌ فِي صُوَرٍ: مِنْهَا: إِذَا قَالَ: وَحَقِّ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، فَإِنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ، فَيَمِينٌ، وَإِنْ نَوَى غَيْرَهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرَهَا، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَيْسَ بِيَمِينٍ، حُكِيَ عَنِ الْمُزَنِيِّ وَأَبِي إِسْحَاقَ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ، وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَمِينٌ، لِأَنَّهُ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْيَمِينِ، فَتَصِيرُ هَذِهِ الْقَرِينَةُ صَارِفَةً لِلَّفْظِ إِلَى مَعْنَى اسْتِحْقَاقِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْعَظَمَةِ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: وَلَوْ قَالَ وَحَقُّ اللَّهِ بِالرَّفْعِ وَنَوَى الْيَمِينَ فَيَمِينٌ، وَإِنْ أَطْلَقَ، فَلَا، وَإِنْ قَالَهُ بِالنَّصْبِ وَأَطْلَقَ فَوَجْهَانِ: وَالَّذِي أَجَابَ بِهِ الْبَغَوِيُّ الْمَنْعُ فِي النَّصْبِ أَيْضًا. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ وَحُرْمَةِ اللَّهِ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ وَحَقِّ اللَّهِ، وَقِيلَ هُوَ كَقَوْلِهِ وَعَظَمَةِ اللَّهِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَمِنْهَا: قَوْلُهُ وَقُدْرَةِ اللَّهِ، وَعِلْمِ اللَّهِ، وَمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَسَمْعِ اللَّهِ، وَبَصَرِ اللَّهِ فَهَذِهِ صِفَاتٌ قَدِيمَةٌ، فَإِنْ نَوَى بِهَا الْيَمِينَ، أَوْ أَطْلَقَ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ. وَإِنْ أَرَادَ بِالْعِلْمِ الْمَعْلُومَ، وَبِالْقُدْرَةِ الْمَقْدُورَ قُبِلَ قَوْلُهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا، لِأَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ لَهُ، وَلِهَذَا يُقَالُ فِي الدُّعَاءِ: اغْفِرْ عِلْمَكَ فِينَا، أَيْ مَعْلُومَكَ، وَيُقَالُ: انْظُرْ إِلَى قُدْرَةِ اللَّهِ أَيْ مَقْدُورِهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: وَمَعْلُومِ اللَّهِ، وَمَقْدُورِهِ، وَخَلْقِ اللَّهِ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَبِمِثْلِهِ أَجَابَ الْإِمَامُ فِي: إِحْيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ قَالَ: وَعَظَمَةِ اللَّهِ وَكِبْرِيَاءِ اللَّهِ وَعِزَّتِهِ وَجَلَالِهِ وَبَقَائِهِ، فَالْحُكْمُ كَمَا فِي الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ الزَّائِدَةِ عَلَى الذَّاتِ وَغَيْرِهَا، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَحَكَى الْإِمَامُ وَجْهَانِ: أَنَّ الْحَلِفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ كَالْحَلِفِ بِاللَّهِ. حَتَّى لَوْ قَالَ أَرَدْتُ غَيْرَ الْيَمِينِ، لَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا وَوَجْهًا أَنَّهُ إِنْ أَرَادَ

стр. 4331

غَيْرَ الْيَمِينِ، يُقْبَلْ فِي الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، لِلِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ وَالْكِبْرِيَاءِ إِذْ لَا يُتَخَيَّلُ فِيهَا مِثْلُ ذَلِكَ الِاحْتِمَالِ، وَضُعِّفَ هَذَا، وَقَالَ: قَدْ يُقَالُ عَايَنْتُ عَظَمَةَ اللَّهِ وَكِبْرِيَاءَهُ، وَيُرِيدُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْهَا لَوْ قَالَ وَكَلَامِ اللَّهِ، انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَكَذَا لَوْ قَالَ: وَكِتَابِ اللَّهِ وَقُرْآنِ اللَّهِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيُّ: وَكَذَا لَوْ قَالَ: وَالْقُرْآنِ أَوْ وَالْمُثْبَتِ فِي الْمُصْحَفِ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَإِنْ حَلَفَ بِالْمُصْحَفِ نُظِرَ، إِنْ قَالَ: وَحُرْمَةِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ، فَهُوَ يَمِينٌ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: وَحُرْمَةِ هَذَا الْمُصْحَفِ، لِأَنَّ احْتِرَامَهُ لِمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهِ، وَإِذَا أَرَادَ الرِّقَّ وَالْجِلْدَ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا. قُلْتُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا إِذَا قَالَ: وَالْمُصْحَفِ، وَأَطْلَقَ، وَهُوَ يَمِينٌ، صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَبِهِ أَفْتَى الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الدَّوْلَعِيُّ خَطِيبُ دِمَشْقَ، مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا، قَالَ: لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ الْحَلِفَ بِالْقُرْآنِ الْمَكْتُوبِ وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْقُرْآنَ مَكْتُوبٌ فِي الْمَصَاحِفِ مَحْفُوظٌ فِي الصُّدُورِ، وَلَا يَقْصِدُ الْحَالِفُ نَفْسَ الْوَرَقِ وَالْمِدَادِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁، اسْتَحْسَنَ التَّحْلِيفَ بِالْمُصْحَفِ، وَاتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ، وَلَوْ لَمْ يَنْعَقِدِ الْيَمِينُ، بِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَمْ يَحْلِفْ بِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَوْ قَالَ: وَالْقُرْآنِ، وَأَرَادَ غَيْرَ الْيَمِينِ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، فَقَدْ يُرَادُ بِالْقُرْآنِ الْخُطْبَةُ وَالصَّلَاةُ. التَّاسِعَةُ: إِذَا قَالَ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ، أَوْ أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ، أَوْ أَحْلِفُ بِاللَّهِ، أَوْ حَلَفْتُ بِاللَّهِ فَلَهُ أَحْوَالٌ:

стр. 4332

أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولَ أَرَدْتُ بِالْأَوَّلِ الْوَعْدَ بِالْحَلِفِ، وَبِالثَّانِي الْإِخْبَارَ عَنْ مَاضٍ، فَيُقْبَلُ بَاطِنًا، وَأَمَّا فِي الظَّاهِرِ، فَإِنْ عُلِمَ لَهُ يَمِينٌ مَاضِيَةٌ قَبْلَ قَوْلِهِ فِي إِرَادَتِهَا بِأَقْسَمْتُ وَحَلَفْتُ بِلَا خِلَافٍ، وَإِلَّا فَالنَّصُّ أَنَّهُ يُقْبَلُ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي إِرَادَةِ الْوَعْدِ وَالْإِخْبَارِ، وَقَالَ فِي الْإِيلَاءِ: إِذَا قَالَ: أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ لَا وَطَئْتُكِ، ثُمَّ قَالَ، أَرَدْتُ يَمِينًا مَاضِيَةً لَمْ يُقْبَلْ، وَلِلْأَصْحَابِ فِيهَا ثَلَاثَةُ طُرُقٍ، الْمَذْهَبُ فِي أَنَّ فِي الْإِيلَاءِ وَسَائِرِ الْأَيْمَانِ قَوْلَيْنِ أَظْهَرُهُمَا: الْقَبُولُ، لِظُهُورِ الِاحْتِمَالِ، وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، لِظُهُورِهِ فِي الْإِنْشَاءِ، وَالطَّرِيقِ الثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ، وَحَمْلُ مَا ذَكَرَهُ هُنَا عَلَى الْقَبُولِ بَاطِنًا، وَالثَّالِثُ: تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِيلَاءَ مُتَعَلِّقُ حَقِّ الْمَرْأَةِ، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُضَايَقَةِ، وَسَائِرُ الْأَيْمَانِ وَاجِبُهَا الْكَفَّارَةُ، وَهِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَقُولَ: أَرَدْتُ الْيَمِينَ، فَيَكُونُ يَمِينًا قَطْعًا. الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَ، فَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَمِينٌ، وَخَالَفَهُمُ الْإِمَامُ فِي التَّرْجِيحِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ، وَقِيلَ: أُقْسِمُ صَرِيحٌ، بِخِلَافِ أَقْسَمْتُ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. قُلْتُ: لَوْ قَالَ: آلَيْتُ أَوْ أُؤْلِي، فَهُوَ كَحَلَفْتُ أَوْ أَحْلِفُ، ذَكَرَهُ الدَّارِمِيُّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الْعَاشِرَةُ: إِذَا قَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ أَوْ شَهِدْتُ بِاللَّهِ، فَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ، فَيَمِينٌ، وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَ الْيَمِينِ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَإِنْ أَطْلَقَ: فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، لِتَرَدُّدِ الصِّيغَةِ، وَعَدَمِ اطِّرَادِ عُرْفٍ شَرْعِيٍّ أَوْ لُغَوِيٍّ، وَنَقَلَ الْإِمَامُ هَذَا عَنِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ سَلَمَةَ. فَرْعٌ : لَوْ قَالَ أَعْزِمُ بِاللَّهِ، أَوْ عَزَمْتُ بِاللَّهِ، لَأَفْعَلَنَّ، فَإِنْ نَوَى غَيْرَ الْيَمِينِ، أَوْ أَطْلَقَ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ فَيَمِينٌ.

стр. 4333

فَرْعٌ لَوْ قَالَ: أُقْسِمُ أَوْ أَقْسَمْتُ، أَوْ أَحْلِفُ أَوْ حَلَفَ، أَوِ أَشْهَدُ أَوْ شَهِدْتُ، أَوِ أَعْزِمُ أَوْ عَزَمْتُ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، وَلَمْ يَقُلْ بِاللَّهِ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا بِصِفَتِهِ. فَرْعٌ لَوْ قَالَ الْمُلَاعِنُ فِي لِعَانِهِ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ وَكَانَ كَاذِبًا هَلْ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، وَالْخِلَافُ شَبِيهٌ بِالْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُؤْلِي إِذَا وَطِئَ، قَالَ الْإِمَامُ: وَالصُّورَةُ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إِذَا زَعَمَ أَنَّهُ قَصَدَ الْيَمِينَ أَوْ أَطْلَقَ، وَجَعَلْنَا مُطْلَقَهُ يَمِينًا، قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَجِيءَ الْخِلَافُ وَإِنْ قَصَدَ غَيْرَ الْيَمِينِ، لِأَنَّ أَلْفَاظَ اللِّعَانَ مَعْرُوضَةٌ عَلَيْهِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، وَلَا أَثَرَ لِلتَّوْرِيَةِ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ. الْحَادِيَةُ عَشْرَةَ: إِذَا قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ، أَوْ وَايْمُنُ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، فَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ فَيَمِينٌ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا فِي اللُّغَةِ فَلَا يَعْرِفُهُ إِلَّا خَوَاصُّ النَّاسِ، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَوْ قَالَ: لَاهَا اللَّهِ وَلَمْ يَنْوِ الْيَمِينَ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا فِي اللُّغَةِ، لِعَدَمِ اشْتِهَارِهِ. قُلْتُ: وَقَوْلُهُ: وَايْمُ اللَّهِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا وَالضَّمُّ أَشْهَرُ، وَلَاهَا اللَّهِ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ، وَإِنْ نَوَى بِهِ الْيَمِينَ كَانَ يَمِينًا قَطْعًا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

стр. 4334

الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ: إِذَا قَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ وَذِمَّتُهُ وَأَمَانَتُهُ وَكَفَالَتُهُ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، فَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ فَيَمِينٌ، وَالْمُرَادُ مِنْ عَهْدِ اللَّهِ اسْتِحْقَاقُهُ لِإِيجَابِ مَا أَوْجَبَهُ عَلَيْنَا، أَوْ تَعَبُّدِنَا بِهِ، وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَ الْيَمِينِ، كَالْعِبَادَاتِ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَوَجْهَانِ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يَمِينٌ لِلْعَادَةِ الْغَالِبَةِ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ، لِتَرَدُّدِ اللَّفْظِ، وَقَدْ فُسِّرَتِ الْأَمَانَةُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ) بِالْعِبَادَاتِ وَإِذَا أَرَادَ الْيَمِينَ بِهَذِهِ الْأَلِفَاظِ، انْعَقَدَتْ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ تَأْكِيدٌ، كَقَوْلِهِ: وَاللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْحِنْثِ فِيهَا إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: إِنْ قَصَدَ بِكُلِّ لَفْظٍ يَمِينًا، فَلْيَكُنْ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاحِدِ مِرَارًا. قُلْتُ: هَذَا الَّذِي اسْتَدْرَكَهُ الرَّافِعِيُّ ﵀ صَحِيحٌ مُوَافِقٌ لِلنَّقْلِ، قَالَ الدَّارِمِيُّ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: إِذَا نَوَى التَّكْرَارَ، فَفِي تَكْرَارِ الْكَفَّارَةِ الْقَوْلَانِ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاحِدِ مِرَارًا، وَطَرَّدَهُ فِي قَوْلِهِ: وَاللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. أَمَّا إِذَا قَالَ: وَعَهْدِ اللَّهِ، وَمِيثَاقِ اللَّهِ، وَأَمَانَةِ اللَّهِ، فَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنْ نَوَى الْيَمِينَ فَيَمِينٌ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَلَا. قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ قَدَّمْتُهُ فِي كِتَابِ النُّذُورِ.

стр. 4335

الْبَابُ الثَّانِي فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَطْرَافٍ: الْأَوَّلُ: فِي سَبَبِ الْكَفَّارَةِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ حَنِثَ، وَفِي سَبَبِ وُجُوبِهَا وَجْهَانِ: الصَّحِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ الْيَمِينُ وَالْحِنْثُ جَمِيعًا وَالثَّانِي أَنَّهُ الْيَمِينُ فَقَطْ، وَلَكِنَّ الْحِنْثَ شَرْطٌ. فَصْلُ يَجُوزُ التَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ إِنْ كَفَّرَ بِغَيْرِ الصَّوْمِ وَلَمْ يَكُنِ الْحِنْثُ مَعْصِيَةً، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ التَّكْفِيرَ عَنِ الْحِنْثِ، لِيَخْرُجَ مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَإِنْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْحِنْثِ، وَفِيهِ وَجْهٌ. وَقَوْلٌ قَدِيمٌ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ الْحِنْثُ بِمَعْصِيَةٍ بِأَنْ حَلَفَ لَا يَزْنِي فَهَلْ يُجْزِئُهُ التَّكْفِيرُ قَبْلَهُ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ نَعَمْ. وَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُ هَذَا الْعَبْدَ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِي إِذَا حَنِثْتُ، عُتِقَ الْعَبْدُ عَنِ الْكَفَّارَةِ إِذَا حَنِثَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ إِذَا حَلَفْتُ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ، لِأَنَّهُ قَدَّمَ التَّعْلِيقَ عَلَى الْيَمِينِ، وَفِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ قَدَّمَهُ عَلَى الْحِنْثِ فَقَطْ، وَلَوْ قَالَ: إِذَا حَنِثْتُ فِي يَمِينِي غَدًا، فَهُوَ حُرٌّ عَنْ كَفَّارَتِي، فَإِنْ حَنِثَ غَدًا، عَتَقَ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَعْتِقْ، لِأَنَّ الْمُعَلِّقَ عَلَيْهِ لَمْ يُوجَدْ، وَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُهُ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِي إِنْ حَنِثْتُ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ حَنِثَ، عَتَقَ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَعْتِقْ، وَلَوْ قَالَ: أَعْتَقْتُهُ عَنْ كَفَّارَةِ يَمِينِي إِنْ حَلِفْتُ وَحَنِثْتُ، فَبَانَ حَالِفًا قَالَ الْبَغَوِيُّ: يَنْبَغِي أَلَّا يُجْزِئَهُ، لِأَنَّهُ شَاكٌّ فِي الْيَمِينِ، وَفِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ الشَّكُّ فِي الْحِنْثِ، وَالتَّكْفِيرُ قَبْلَ الْحِنْثِ جَائِزٌ، وَعَلَى قِيَاسِهِ لَوْ قَالَ: هُوَ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي إِنْ ظَاهَرْتُ، فَبَانَ أَنَّهُ ظَاهَرَ، يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ.

стр. 4336

فَرْعٌ أَعْتَقَ عَبْدًا عَنِ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ، ثُمَّ ارْتَدَّ الْعَبْدُ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ الْحِنْثِ، لَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ، كَمَا لَوْ عَجَّلَ الزَّكَاةَ، ثُمَّ ارْتَدَّ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ، وَتَغَيَّرِ الْحَالُ فِي التَّكْفِيرِ قَبْلَ الْحِنْثِ كَهُوَ فِي تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْزِئَهُ إِذَا ارْتَدَّ أَوْ مَاتَ، كَمَا لَوْ مَاتَتِ الشَّاةُ الْمُعَجَّلَةُ قَبْلَ الْحَوْلِ. فَرْعٌ يَجُوزُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ عَلَى الزَّهُوقِ بَعْدَ حُصُولِ الْجُرْحِ، وَتَقْدِيمُ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى الزَّهُوقِ بَعْدَ جُرْحِ الصَّيْدِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: فِيهِمَا الْخِلَافُ، فِي تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ الْمُحَرَّمِ، لِأَنَّ سِرَايَةَ فِعْلِهِ كَفِعْلِهِ، وَهُوَ حَرَامٌ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، قَالَ الْإِمَامُ: وَقِيَاسُهُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ حَلَفَ لَا يَقْتُلُ زَيْدًا فَجَرَحَهُ وَكَفَّرَ عَنِ الْيَمِينِ قَبْلَ حُصُولِ الزَّهُوقِ، فَفِي الْإِجْزَاءِ الْوَجْهَانِ. قَالَ: وَهُوَ بَعِيدٌ، ثُمَّ هَذَا فِي التَّكْفِيرِ بِالْإِعْتَاقِ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَبَقَ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةٍ بِالْإِعْتَاقِ، وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَا يُقَدَّمُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَبَقَ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ عَلَى الْجُرْحِ بِحَالٍ لَا فِي الْآدَمِيِّ وَلَا فِي الصَّيْدِ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِابْنِ سَلَمَةَ، تَنْزِيلًا لِلْعِصْمَةِ مَنْزِلَةَ أَحَدِ السَّبَبَيْنِ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا فِي جَوَازِ التَّقْدِيمِ عَلَى جُرْحِ الصَّيْدِ، وَوَجْهًا إِنَّهُ إِنْ كَانَ يَقْتُلُهُ مُخْتَارًا بِلَا ضَرُورَةٍ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ اضْطَرَّ الصَّيْدُ إِلَيْهِ جَازَ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. فَرْعٌ التَّكْفِيرُ عَنِ الظِّهَارِ بِالْمَالِ بَعْدَ الظِّهَارِ وَقَبْلَ الْعَوْدِ جَائِزٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَقِيلَ: فِيهِ الْخِلَافُ فِي الْحِنْثِ الْمُحَرَّمِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ الْعَوْدَ لَيْسَ بِحَرَامٍ، وَيُتَصَوَّرُ التَّكْفِيرُ بَيْنَ الظِّهَارِ وَالْعَوْدِ، فِيمَا إِذَا ظَاهَرَ مِنْ رَجْعِيَّةٍ، ثُمَّ كَفَّرَ،

стр. 4337

ثُمَّ رَاجَعَهَا، وَفِيمَا إِذَا ظَاهَرَ ثُمَّ طَلَّقَ رَجْعِيًّا، ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ رَاجَعَ أَوْ طَلَّقَ بَائِنًا وَكَفَّرَ ثُمَّ نَكَحَهَا، وَقُلْنَا: يَعُودُ الْحِنْثُ فِيمَا إِذَا ظَاهَرَ مُؤَقَّتًا وَصَحَّحْنَا، وَكَفَّرَ وَصَارَ عَائِدًا بِالْوَطْءِ، وَفِيمَا إِذَا ظَاهَرَ وَارْتَدَّتِ الزَّوْجَةُ عَقِبَهُ، فَهَذَا لَيْسَ بِتَكْفِيرٍ قَبْلَ الْعَوْدِ، بَلْ هُوَ تَكْفِيرٌ مَعَ الْعَوْدِ، لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ بِالْإِعْتَاقِ عَوْدٌ وَالْحُكْمُ الْإِجْزَاءُ أَيْضًا. فَرْعٌ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَلَى الْجِمَاعِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ لِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ لَا تُنْسَبُ إِلَى الصَّوْمِ وَالْإِحْرَامِ بَلْ إِلَى الْجِمَاعِ، وَتِلْكَ تُنْسَبُ إِلَى الْيَمِينِ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ فِدْيَةِ الْحَلْقِ وَالتَّطَيُّبِ وَاللَّبْسِ عَلَيْهَا، فَإِنْ وُجِدَ سَبَبٌ يَجُوزُ فِعْلُهَا، بِأَنِ احْتَاجَ إِلَى الْحَلْقِ أَوِ التَّطَيُّبِ لِمَرَضٍ أَوِ اللَّبْسِ لِبَرْدٍ جَازَ التَّقْدِيمُ عَلَى الْأَصَحِّ. فَرْعٌ يَجُوزُ تَعْجِيلُ الْمَنْذُورِ إِذَا كَانَ مَالِيًّا، بِأَنْ قَالَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، أَوْ رَدَّ غَائِبِي، فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ أَوْ أَتَصَدَّقَ بِكَذَا، فَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْإِعْتَاقِ وَالتَّصَدُّقِ عَلَى الشِّفَاءِ وَرُجُوعِ الْغَائِبِ، وَفِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ مَا يُنَازِعُ فِيهِ. فَرْعٌ الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إِذَا شَرَعَتَا فِي الصَّوْمِ ثُمَّ أَرَادَتَا الْإِفْطَارَ، فَأَخْرَجَتَا الْفِدْيَةَ قَبْلَ الْإِفْطَارِ جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَلَى هَذَا فَفِي جَوَازِ تَعْجِيلِ الْفِدْيَةِ لِسَائِرِ الْأَيَّامِ وَجْهَانِ: كَتَعْجِيلِ زَكَاةِ عَامَيْنِ.

стр. 4338

فَصْلٌ تُكْرَهُ الْيَمِينُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ فِي طَاعَةٍ كَالْبَيْعَةِ عَلَى الْجِهَادِ، وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا الْأَيْمَانُ الْوَاقِعَةُ فِي الدَّعَاوَى، إِذَا كَانَتْ صَادِقَةٌ، فَإِنَّهَا لَا تُكْرَهُ. قُلْتُ: وَكَذَا لَا يُكْرَهُ إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ كَتَوْكِيدِ كَلَامٍ أَوْ تَعْظِيمِ أَمْرِهِ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا» وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ، «وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» وَأَشْبَاهُهُ فِي الصَّحِيحِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. ثُمَّ إِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ وَاجِبٍ، أَوْ تَرْكِ حَرَامٍ، فَيَمِينُهُ طَاعَةٌ، وَالْإِقَامَةُ عَلَيْهَا وَاجِبَةٌ، وَالْحِنْثُ مَعْصِيَةٌ، وَتَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ، أَوْ فِعْلِ حَرَامٍ، فَيَمِينُهُ مَعْصِيَةٌ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْنَثَ وَيُكَفِّرَ. وَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْلٍ كَصَلَاةِ تَطَوُّعٍ، وَصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ، فَالْإِقَامَةُ عَلَى ذَلِكَ طَاعَةٌ، وَالْمُخَالَفَةُ مَكْرُوهَةٌ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ نَفْلٍ، فَالْيَمِينُ مَكْرُوهَةٌ وَالْإِقَامَةُ عَلَيْهَا مَكْرُوهَةٌ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَحْنَثَ، وَعَدَّ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، مَا إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَيِّبًا، وَلَا يَلْبَسُ نَاعِمًا، وَقَالُوا: الْيَمِينُ عَلَيْهِ مَكْرُوهَةٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّهَا يَمِينُ طَاعَةٍ، لِمَا عُرِفَ مِنِ اخْتِيَارِ السَّلَفِ خُشُونَةَ الْعَيْشِ، وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ، وَقُصُودِهِمْ وَفَرَاغِهِمْ لِلْعِبَادَةِ، وَإِشْغَالِهِمْ بِالضِّيقِ وَالسِّعَةِ، وَهَذَا أَصْوَبُ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى مُبَاحٍ، لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِثْلُ هَذَا الْغَرَضِ، كَدُخُولِ دَارٍ، وَأَكْلِ طَعَامٍ، وَلُبْسِ ثَوْبٍ، وَتَرَكَهَا، فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى الْيَمِينِ، وَلَهُ أَنْ يَحْنَثَ، وَهَلِ الْأَفْضَلُ الْوَفَاءُ بِالْيَمِينِ؟ أَمِ الْحِنْثُ؟ أَمْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا وَلَا تَرْجِيحَ كَمَا كَانَ

стр. 4339

قَبْلَ الْيَمِينِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: الْأَوَّلُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ، وَاخْتَارَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ، وَابْنُ الصَّبَّاغِ، وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمْ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ حَصَلَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْيَمِينَ لَا تُغَيِّرُ حَالَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عَمَّا كَانَ، وُجُوبًا وَتَحْرِيمًا وَنَدْبًا وَكَرَاهَةً وَإِبَاحَةً. الطَّرَفُ الثَّانِي: فِي كَيْفِيَّةِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِاشْتِمَالِهَا عَلَى تَخْيِيرٍ فِي الِابْتِدَاءِ، وَتَرْتِيبٍ فِي الِانْتِهَاءِ فَيَتَخَيَّرُ الْحَالِفُ بَيْنَ أَنْ يُطْعِمَ عَشْرَةَ مَسَاكِينَ، أَوْ يَكْسُوهُمْ، أَوْ يَعْتِقَ رَقَبَةً، فَإِنْ اخْتَارَ الْإِطْعَامَ، أَطْعَمَ كُلَّ وَاحِدٍ مُدًّا، وَالْقَوْلُ فِي جِنْسِ الطَّعَامِ، وَكَيْفِيَّةِ إِخْرَاجِهِ، وَمَنْ يُصْرَفُ إِلَيْهِ، وَامْتِنَاعِ إِخْرَاجِ الْقِيمَةِ، وَصَرْفِ الْأَمْدَادِ الْعَشْرَةِ إِلَى بَعْضٍ، وَسَائِرِ الْمَسَائِلِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَإِنْ اخْتَارَ الْكُسْوَةَ، كَسَاهُمْ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ اخْتَارَ الْإِعْتَاقَ، فَلْتَكُنِ الرَّقَبَةُ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكَفَّارَاتِ. وَلَوْ أَطْعَمَ بَعْضَ الْعَشْرَةِ، وَكَسَا بَعْضَهُمْ، لَمْ يُجْزِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْتِقَ نِصْفَ رَقَبَةٍ، أَوْ أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا، أَوْ كَسَاهُمْ عَنْ ثَلَاثِ كَفَّارَاتٍ وَلَمْ يُعَيِّنْ، أَجْزَأَهُ عَنْهُنَّ، فَإِنْ عَجَزَ مِنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَالْقَوْلُ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ الْعَجْزُ ذَكَرْنَاهُ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَمَنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ سَهْمَ الْفُقَرَاءِ أَوِ الْمَسَاكِينِ مِنَ الزَّكَوَاتِ، أَوِ الْكَفَّارَاتِ، لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالصَّوْمِ، لِأَنَّهُ فَقِيرٌ فِي الْأَخْذِ، فَكَذَا فِي الْإِعْطَاءِ، وَقَدْ يَمْلِكُ نِصَابًا، وَلَا يَفِي دَخْلُهُ بِخَرْجِهِ، فَيَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ وَلَهُ أَخْذُهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّا لَوْ أَسْقَطْنَا الزَّكَاةَ خَلَا النِّصَابُ عَنْهَا بِلَا بَدَلٍ، وَلِلتَّكْفِيرِ بِالْمَالِ بَدَلٌ، وَهُوَ الصَّوْمُ. وَهَلْ يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي صَوْمِ الثَّلَاثَةِ؟ قَوْلَانِ: أَظْهَرُهُمَا: عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ لَا، قَالَ الْإِمَامُ: وَهُوَ الْجَدِيدُ، فَإِنْ أَوْجَبْنَاهُ، فَالْفِطْرُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ بِعُذْرِ الْمَرَضِ أَوِ السَّفَرِ عَلَى الْخِلَافِ فِي

стр. 4340

كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَالْحَيْضُ هُنَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، لِإِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ بِخِلَافِ الشَّهْرَيْنِ، وَقِيلَ: لَا يَقْطَعُهُ كَالشَّهْرَيْنِ، وَقِيلَ قَوْلَانِ: كَالْمَرَضِ، وَالْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَحِضْ قَطُّ، فَشَرَعَتْ فِي الصَّوْمِ، فَابْتَدَأَهَا الْحَيْضُ، فَهُوَ كَالْمَرَضِ. فَرْعٌ يَجِبُ فِي الْكُسْوَةِ التَّمْلِيكُ، وَالْوَاجِبُ ثَوْبٌ، قَمِيصٌ، أَوْ سَرَاوِيلُ، أَوْ عِمَامَةٌ، أَوْ جُبَّةٌ، أَوْ قَبَاءُ، أَوْ مُقَنَّعَةٌ، أَوْ إِزَارٌ، أَوْ رِدَاءٌ، أَوْ طَيْلَسَانُ، لِأَنَّ الِاسْمَ يَقَعُ عَلَى كُلِّ هَذَا، وَحُكِيَ قَوْلٌ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ سَاتِرُ الْعَوْرَةِ، بِحَيْثُ تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ، فَتَخْتَلِفُ الْحَالُ بِذُكُورَةِ الْآخِذِ وَأُنُوثَتِهِ، فَيُجْزِئُ الْإِزَارُ إِنْ أَعْطَاهُ لِرَجُلٍ، وَلَا يُجْزِئُ إِنْ أَعْطَاهُ لِامْرَأَةٍ، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ. قُلْتُ: وَيُجْزِئُ الْمِنْدِيلُ، صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا، وَالْمُرَادُ بِهِ هَذَا الْمَعْرُوفُ الَّذِي يُحْمَلُ فِي الْيَدِ، وَقَدْ صَرَّحَ الدَّارِمِيُّ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمِنْدِيلِ وَالْعِمَامَةِ يُجْزِئُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَأَمَّا الثَّوْبُ الصَّغِيرُ الَّذِي يَكْفِي لِرَضِيعٍ وَصَغِيرٍ دُونَ كَبِيرٍ، فَإِنْ أَخَذَهُ الْوَلِيُّ لِصَغِيرٍ، جَازَ، لِأَنَّ صَرْفَ طَعَامِ الْكَفَّارَةِ وَكُسْوَتِهَا لِلصِّغَارِ جَائِزٌ كَمَا فِي الزَّكَاةِ، وَيَتَوَلَّى الْوَلِيُّ الْأَخْذَ، وَإِنْ أَخَذَهُ كَبِيرٌ لِنَفْسِهِ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَلْبَسَ الْآخِذُ مَا يَأْخُذُهُ، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ كُسْوَةَ الْمَرْأَةِ، وَعَكْسُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْمَخِيطُ، بَلْ يَجُوزُ دَفْعُ الْكِرْبَاسِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ جَدِيدًا، خَامًا كَانَ أَوْ مَقْصُورًا، فَإِنْ كَانَ مَلْبُوسًا، نُظِرَ: إِنْ تَخَرَّقَ أَوْ ذَهَبَتْ قُوَّتُهُ لِمُقَارَبَةِ الِانْمِحَاقِ، لَمْ يُجْزِئْهُ، كَالطَّعَامِ الْمَعِيبِ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى ذَلِكَ الْحَدِّ أَجْزَأَهُ، كَالطَّعَامِ الْعَتِيقِ، لَا يُجْزِئُ الْمُرَقَّعُ إِنْ رُقِّعَ لِلتَّخَرُّقِ

стр. 4341

وَالْبِلَى، إِنْ خِيطَ فِي الِابْتِدَاءِ مُرَقَّعًا لِزِينَةٍ وَغَيْرِهَا أَجْزَأَهُ، وَلَوْ كَسَاهُ ثَوْبًا لَطِيفًا، مُهَلْهَلَ النَّسْجِ غَيْرَ بَالٍ فِي جِنْسِهِ، لَكِنَّ مِثْلَهُ إِذَا لُبِسَ لَا يَدُومُ، إِلَّا بِقَدْرِ مَا يَدُومُ الثَّوْبُ الْبَالِي، قَالَ الْإِمَامُ: يَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ لِضَعْفِ النَّفْعِ فِيهِ، وَأَمَّا الْجِنْسُ فَيُجْزِئُ الْمُتَّخِذُ مِنْ صُوفٍ وَشَعْرٍ وَقُطْنٍ وَكِتَّانٍ وَقَزٍّ وَإِبْرَيْسِمٍ، سَوَاءً كَانَ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ رَجُلًا لَا يَحِلُّ لَهُ لُبْسُهُ، أَوِ امْرَأَةً، وَفِي الرَّجُلِ وَجْهُ تَضْعِيفٍ، وَسَوَاءٌ فِي كُلِّ جِنْسٍ، الْجَيِّدُ وَالرَّدِيءُ وَالْمُتَوَسِّطُ، وَلِلْقَاضِي حُسَيْنٍ احْتِمَالٌ فِي اشْتِرَاطِ الْكُسْوَةِ الْغَالِبَةِ فِي الْبَلَدِ، كَالطَّعَامِ، وَفِي الدِّرْعِ وَالْمِكْعَبِ وَهُوَ الْمَدَاسُ وَالنَّعْلُ وَالْجَوَارِبُ وَالْخُفُّ وَالْقَلَنْسُوَةُ وَالتِّبَّانُ وَهُوَ سَرَاوِيلُ قَصِيرَةٌ لَا تَبْلُغُ الرُّكْبَةَ، فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: الْمَنْعُ لِعَدَمِ اسْمِ الْكُسْوَةِ، وَالثَّانِي: الْإِجْزَاءُ، لِإِطْلَاقِ اسْمِ اللُّبْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِالْمَنْعِ فِي الْخُفِّ وَالنَّعْلِ وَالْجَوَارِبِ، وَلَا تُجْزِئُ الْمِنْطَقَةُ وَالْخَاتَمُ قَطْعًا، وَكَذَا التِّكَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِي «جَمْعِ الْجَوَامِعِ» لِلرُّويَانِيِّ: طَرْدُ الْخِلَافِ فِيهَا، قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: وَيُجْزِئُ قَمِيصُ اللُّبْدِ فِي بَلَدٍ جَرَتْ عَادَةُ غَالِبِ النَّاسِ أَوْ نَادِرِهِمْ بِلُبْسِهِ. قُلْتُ: قَالَ الدَّارِمِيُّ: فَإِنْ دَفَعَ مَا لَا يَعْتَادُ لُبْسَهُ كَجُلُودٍ وَنَحْوِهَا، لَمْ يُجْزِئْهُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِيمَنْ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، وَهُوَ كُلُّ مُكَلَّفٍ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، سَوَاءٌ فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ، وَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ إِخْرَاجِهَا، أُخْرِجَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ. فَصْلٌ الْعَبْدُ يُكَفِّرُ عَنِ الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا بِالصَّوْمِ، لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَإِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ بِتَمْلِيكِ سَيِّدِهِ، فَإِنْ أَطْلَقَ التَّمْلِيكَ، لَمْ يَمْلِكْ إِخْرَاجَ الْكَفَّارَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، وَإِنْ مَلَّكَهُ الطَّعَامَ أَوِ الْكُسْوَةَ لِيُخْرِجَهُ فِي

стр. 4342

الْكَفَّارَةِ، أَوْ مَلَّكَهُ مُطْلَقًا ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، كَفَّرَ بِالْإِطْعَامِ أَوِ الْكُسْوَةِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ لَوْ مَلَّكَهُ عَبْدًا لِيُعْتِقَهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ لَمْ يَقَعْ عَنِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبَنَاهُ الْإِمَامُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ مَلَّكَهُ عَبْدًا، وَأَذِنَ فِي إِعْتَاقِهِ مُتَبَرِّعًا، فَلِمَنِ الْوَلَاءُ فِيهِ؟ أَقْوَالٌ. أَحَدُهَا: لِلسَّيِّدِ، لِقُصُورِ الْعَبْدِ عَنِ اسْتِحْقَاقِ حُقُوقِ الْوَلَاءِ مِنَ الْإِرْثِ وَالْوِلَايَةِ. وَالثَّانِي، يُوقَفُ. فَإِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ، بَانَ أَنَّ الْوَلَاءَ لَهُ، وَإِنْ مَاتَ رَقِيقًا، فَلِسَيِّدِهِ. وَالثَّالِثُ: لِلْعَبْدِ، فَعَلَى هَذَا، إِنْ أُذِنَ لَهُ فِي الْإِعْتَاقِ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَقَعَ عَنْهَا، وَثَبَتَ لَهُ الْوَلَاءُ، وَإِنْ قُلْنَا: الْوَلَاءَ لِلسَّيِّدِ، وَقَعَ الْعِتْقُ لَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَأَنَّ الْمَلِكَ انْقَلَبَ إِلَيْهِ، وَفِي وَجْهٍ وَقَوْلٍ: يَقَعُ عَنِ الْعَبْدِ، وَيُجْزِئُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَيَخْتَصُّ التَّعَذُّرُ بِالْوَلَاءِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّوَقُّفِ فِي الْوَلَاءِ، فَوَجْهَانِ: قَالَ الْقَفَّالُ: تُجْزِئُ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ، وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ: يُتَوَقَّفُ فِي الْوُقُوعِ عَنِ الْكَفَّارَةِ، تَبَعًا لِلْوَلَاءِ، فَإِذَا قُلْنَا فِي هَذِهِ التَّفَارِيعِ، يَقَعُ الْعِتْقُ عَنِ الْكَفَّارَةِ فَأَذِنَ السَّيِّدُ فِي الْإِعْتَاقِ فِي كَفَّارَةٍ مُرَتَّبَةٍ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالصَّوْمِ لِضَعْفِ مِلْكِهِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْإِمَامِ، لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُوسِرًا، وَلِهَذَا يُنْفِقُ عَلَى زَوْجَتِهِ نَفَقَةَ الْمُعْسِرِ، وَإِنْ مَلَّكَهُ السَّيِّدُ أَمْوَالًا عَظِيمَةً. وَلَوْ أَعْتَقَ الْمُكَاتَبُ عَنْ كَفَّارَتِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَصَحَّحْنَا تَبَرُّعَاتِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَعِنْدِي أَنَّ الْأَمْرَ مَوْقُوفٌ، فَقَدْ يَعْجِزُ، فَيَرِقُّ، فَيَكُونُ الْوَلَاءُ مَوْقُوفًا، فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ كَفَّرَ السَّيِّدُ عَنِ الْعَبْدِ بِإِطْعَامٍ، أَوْ كُسْوَةٍ، أَوْ إِعْتَاقٍ بِإِذْنِهِ، فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ بِتَفْرِيعِهِ، وَإِذَا كَفَّرَ بِالصَّوْمِ، فَهَلْ يُسْتَقْبَلُ بِهِ؟ أَمْ يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ السَّيِّدِ؟ فِيهِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ، سَبَقَ فِي الْكَفَّارَاتِ. وَحَيْثُ يَحْتَاجُ، فَلِلسَّيِّدِ مَنْعُ الْأَمَةِ مِنَ الصَّوْمِ، لِأَنَّهُ يُفَوِّتُ الِاسْتِمْتَاعَ، وَالْكَفَّارَةُ عَلَى التَّرَاخِي، وَلَهُ مَنْعُ الْعَبْدِ عَنِ الصَّوْمِ إِنْ كَانَ

стр. 4343

يَضْعُفُ بِهِ عَنِ الْخِدْمَةِ، أَوْ يَنَالُهُ ضَرَرٌ، وَإِلَّا فَلَا مَنْعَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَلَى هَذَا لَا يَمْنَعُهُ مِنْ صَوْمِ التَّطَوُّعِ، وَصَلَاةِ التَّطَوُّعِ، فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فِي غَيْرِ زَمَانِ الْخِدْمَةِ، كَمَا لَا يَمْنَعُهُ مِنَ الذِّكْرِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فِي تَرَدُّدَاتِهِ، وَحَيْثُ احْتَاجَ إِلَى الْإِذْنِ، فَصَامَ بِلَا إِذْنٍ، أَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ صَلَّى الْجُمْعَةَ بِلَا إِذْنٍ. وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ بِالْإِطْعَامِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، لِأَنَّ التَّكْفِيرَ عَنْهُ فِي الْحَيَاةِ يَتَضَمَّنُ دُخُولَهُ فِي مِلْكِهِ، وَالتَّكْفِيرَ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا يَسْتَدْعِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَيِّتِ مَلِكٌ مُحَقَّقٌ، وَلِأَنَّ الرِّقَّ لَا يَبْقَى بَعْدَ الْمَوْتِ، فَهُوَ وَالْحُرُّ سَوَاءٌ، هَذَا مَا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ أَعْتَقَ عَنْهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ، عَلَى الْأَصَحِّ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَشْكَالِ الْوَلَاءِ. فَصْلٌ فِي الْحُرِّ يَمُوتُ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، فَتَخْرُجُ مِنْ تَرِكَتِهِ، سَوَاءً أَوْصَى بِهَا أَمْ لَا، وَسَبِيلُهَا سَبِيلُ الدُّيُونِ، وَذَكَرْنَا فِي كِتَابِ الْوَصِيَّةِ وَجْهًا: أَنَّهُ إِنْ أَوْصَى بِهَا، حُسِبَتْ مِنَ الثُّلُثِ، وَوَجْهًا: أَنَّهَا مِنَ الثُّلُثِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَإِذَا وَفَتِ التَّرِكَةُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّ، قُضِيَتْ جَمِيعًا، وَإِنْ لَمْ تَفِ، وَتَعَلَّقَ بَعْضُهَا بِالْعَيْنِ، وَبَعْضُهَا بِالذِّمَّةِ، قَدَّمَ التَّعَلُّقَ بِالْعَيْنِ، سَوَاءً اجْتَمَعَ النَّوْعَانِ، أَوِ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا، وَإِنْ اجْتَمَعَا، وَتَعَلَّقَ الْجَمِيعُ بِالْعَيْنِ أَوِ الذِّمَّةِ، فَهَلْ يُقَدَّمُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى؟ أَمِ الْآدَمِيِّ؟ أَمْ يَسْتَوِيَانِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، سَبَقَتْ فِي مَوَاضِعَ، أَظْهَرُهَا الْأَوَّلُ، وَلَا تَجْرِي هَذِهِ الْأَقْوَالُ فِي الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ بِفَلْسٍ، إِذَا اجْتَمَعَ النَّوْعَانِ، بَلْ تُقَدَّمُ حُقُوقُ الْآدَمِيِّ، وَتُؤَخَّرُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى، مَا دَامَ حَيًّا، وَإِنْ كَانَتِ الْكَفَّارَةُ مُرَتَّبَةً أَعْتَقَ عَنْهُ الْوَارِثُ، وَكَذَا لَوْ أَوْصَى

стр. 4344

الْوَصِيُّ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ لِلْمَيِّتِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْإِعْتَاقُ، أَطْعَمَ مِنَ التَّرِكَةِ، وَإِنْ كَانَتْ كَفَّارَةَ تَنْجِيزٍ، جَازَ الْإِطْعَامُ وَالْكُسْوَةُ مِنَ التَّرِكَةِ، وَكَذَا الْإِعْتَاقُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْوَاجِبُ مِنَ الْخِصَالِ أَقَلُّهَا قِيمَةً، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرِكَةٌ فَتَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِالْإِطْعَامِ أَوِ الْكُسْوَةِ عَنْهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ تَبَرَّعَ بِهِمَا الْوَارِثُ، جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: لَا، لِبُعْدِ الْعِبَادَاتِ عَنِ النِّيَابَةِ، وَإِنْ تَبَرَّعَ الْأَجْنَبِيُّ بِالْإِعْتَاقِ فِي كَفَّارَةِ التَّنْجِيزِ، لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِعِلَّتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: سُهُولَةُ التَّكْفِيرِ بِغَيْرِ إِعْتَاقٍ، وَلَا يَعْتِقُ لِمَا فِيهِ مِنْ عُسْرِ إِثْبَاتِ الْوَلَاءِ، وَالثَّانِيَةُ: فِيهِ إِضْرَارٌ بِأَقَارِبِ الْمَيِّتِ، لِأَنَّهُمْ يُؤَاخَذُونَ بِجِنَايَةِ عَتِيقِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ وَارِثًا، جَازَ عَلَى الْعِلَّةِ الثَّانِيَةِ دُونَ الْأُولَى، وَفِي الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ، لِلْوَارِثِ أَنْ يَتَبَرَّعَ بِالْإِعْتَاقِ، وَكَذَا لِلْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْأَصَحِّ، بِنَاءً عَلَى الْعِلَّةِ الْأُولَى، وَفِي صَوْمِ الْوَلِيِّ وَالْأَجْنَبِيِّ خِلَافٌ، سَبَقَ فِي الصِّيَامِ، وَإِذَا أَوْصَى بِأَنْ يَعْتِقَ عَنْهُ فِي كَفَّارَةِ التَّنْجِيزِ وَزَادَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ عَلَى قِيمَةِ الطَّعَامِ وَالْكُسْوَةِ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَضْعَفُهَا: يَتَعَيَّنُ الْإِعْتَاقُ، وَتُحْسَبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَالثَّانِي: تُحْسَبُ قِيمَةُ الْعَبْدِ مِنَ الثُّلُثِ، لِأَنَّ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ تَحْصُلُ بِلُزُومِهَا، فَعَلَى هَذَا إِنْ وَفَّى الثُّلُثُ بِقِيمَةِ عَبْدٍ مُجْزِئٍ، أَعْتَقَ عَنْهُ، وَإِلَّا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، وَعَدَلَ إِلَى الْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ، وَهَذَا الْوَجْهُ أَصَحُّ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ. وَالثَّالِثُ: تُحْسَبُ قِيمَةُ أَقَلِّهَا قِيمَةً مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَالزِّيَادَةُ إِلَى تَمَامِ قِيمَةِ الْعَبْدِ مِنَ الثُّلُثِ، فَإِنْ وَفَّى ثُلُثُ الْبَاقِي مَضْمُومًا إِلَى الْأَقَلِّ الْمَحْسُوبِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ بِقِيمَةِ عَبْدٍ، أَعْتَقَ عَنْهُ، وَإِلَّا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ، وَعَدَلَ إِلَى الْإِطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ. فَرْعٌ مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ، إِنْ كَانَ مُعْسِرًا، كَفَّرَ بِالصَّوْمِ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَوَجْهَانِ، وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: قَوْلَانِ، مَنْصُوصٌ وَمُخَرَّجٌ.

стр. 4345

الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ لَا يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ، بَلْ يُطْعِمُ وَيَكْسُو، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُ بِالْإِعْتَاقِ لِتَضَمُّنِهِ الْوِلَايَةَ وَالْإِرْثَ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا، وَقِيلَ: فِي تَكْفِيرِهِ بِالْعِتْقِ قَوْلَانِ، كَإِعْتَاقِ الْمُكَاتَبِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ عَنْ كَفَّارَتِهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَخَرَّجَ الْمُزَنِيُّ أَنَّهُ يُكَفَّرُ بِالصَّوْمِ، وَصَوَّبَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَقَعُ بِهِ الْحِنْثُ الْأَصْلُ الْمَرْجُوعُ إِلَيْهِ فِي الْبَرِّ وَالْحِنْثِ، اتِّبَاعُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الْيَمِينُ، وَقَدْ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ التَّقْيِيدُ وَالتَّخْصِيصُ، بِنِيَّةٍ تَقْتَرِنُ بِهِ، أَوْ بِاصْطِلَاحٍ خَاصٍّ، أَوْ قَرِينَةٍ، وَالصُّوَرُ الَّتِي تَدْخُلُ فِي الْبَابِ لَا تَتَنَاهَى، لَكِنْ تَكَلَّمَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ﵏ فِي أَنْوَاعٍ تَغْلِبُ وَيَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهَا، وَيُقَاسُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا، وَفِيهِ أَنْوَاعٌ: الْأَوَّلُ: الدُّخُولُ وَالْمُسَاكَنَةُ وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ، حَنِثَ بِالْحُصُولِ فِي عَرْصَةِ الدَّارِ، وَأَبْنِيَتِهَا مِنَ الْبُيُوتِ وَالْغُرَفِ وَغَيْرِهَا، فَإِنْ صَعِدَ سَطْحَهَا، بِأَنْ تَسَوَّرَ جِدَارَهَا، أَوْ جَاءَ مِنْ دَارِ الْجَارِ لَمْ يَحْنَثْ، إِنْ كَانَ السَّطْحُ غَيْرَ مُحَوَّطٍ، وَلَا عَلَيْهِ سُتْرَةٌ، فَإِنْ كَانَ فَوَجْهَانِ، الْأَصَحُّ وَظَاهِرُ النَّصِّ: لَا يَحْنَثُ أَيْضًا، كَمَا لَوْ حَصَلَ عَلَى الْجِدَارِ، وَالثَّانِي: إِنْ كَانَ التَّحْوِيطُ مِنَ الْجَوَانِبِ الْأَرْبَعَةِ، حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جَانِبٍ، فَلَا، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ، فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ. هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ السَّطْحُ مُسَقَّفًا، فَإِنْ كَانَ مُسَقَّفًا كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ حَنِثَ قَطْعًا إِذَا كَانَ يَصْعَدُ إِلَيْهِ مِنَ الدَّارِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَبْنِيَةِ الدَّارِ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الدَّارِ، فَهَلْ يَبِرُّ بِصُعُودِ السَّطْحِ، وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا، وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ خَارِجًا حَتَّى يُفَارِقَ السَّطْحَ، وَأَصَحُّهُمَا نَعَمْ، وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ هُوَ
следующие страницы →