← Фикх шафии

Фикх шафии · id 499

روضة الطالبين وعمدة المفتين

النووي

Полный текст (4 941 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.

стр. 4376

أَوْ بِخِلَافِهَا، بِأَنِ ارْتَدَى أَوِ اتَّزَرَ بِالْقَمِيصِ، أَوْ تَعَمَّمَ بِالسَّرَاوِيلِ، وَلَا يَحْنَثُ بِلُبْسِ الْجُلُودِ وَمَا يُتَّخَذُ مِنْهَا، وَلَا بِلُبْسِ الْحُلِيِّ وَالْقَلَنْسُوَةِ، وَلَا بِوَضْعِ الثَّوْبِ عَلَى الرَّأْسِ، وَلَا بِأَنْ يَفْرِشَهُ وَيَرْقُدَ عَلَيْهِ. وَلَوْ تَدَثَّرَ بِهِ، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لُبْسًا، وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ حُلِيًّا، حَنِثَ بِالسُّوَارِ وَالْخَلْخَالِ وَالطَّوْقِ وَالدُّمْلُجِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا يَحْنَثُ بِالْمُتَّخَذِ مِنْ شَبَهٍ أَوْ حَدِيدٍ، وَيَحْنَثُ بِمِخْنَقَةِ اللُّؤْلُؤِ وَالْجَوَاهِرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذَهَبٌ، وَلَا يَحْنَثُ بِتَقَلُّدِ السَّيْفِ الْمُحَلَّى. وَفِي الْمِنْطَقَةِ الْمُحَلَّاةِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا مِنْ حُلِيِّ الرَّجُلِ، وَيَحْنَثُ بِلُبْسِ الْخَرَزِ وَالسَّبَجِ إِنْ كَانَ الْحَالِفُ مِنْ قَوْمٍ يَعْتَادُونَ التَّحَلِّيَ بِهِمَا، كَأَهْلِ السَّوَادِ. وَفِي غَيْرِهِمْ وَجْهَانِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ غَيْرُ الْبَدَوِيِّ: لَا يَدْخُلُ بَيْتًا، فَدَخَلَ بَيْتَ شَعْرٍ. وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ شَيْئًا، حَنِثَ بِلُبْسِ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْجُلُودِ وَفِي الدِّرْعِ وَالْخُفِّ وَالنَّعْلِ وَالْجَوْشَنِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَحْنَثُ، وَقَدْ يَطَّرِدُ الْخِلَافُ فِي الْحُلِيِّ وَالْقَلَنْسُوَةِ. وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ قَمِيصًا، فَارْتَدَى أَوِ اتَّزَرَ بِقَمِيصٍ، حَنِثَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ فَتَقَهُ وَقَطَعَهُ وَارْتَدَى، أَوِ اتَّزَرَ بِهِ، لَمْ يَحْنَثْ، لِفَوَاتِ اسْمِ الْقَمِيصِ. وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الْقَمِيصَ، فَارْتَدَى بِهِ أَوِ اتَّزَرَ، أَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الرِّدَاءَ، فَاتَّزَرَ بِهِ، أَوْ تَعَمَّمَ، حَنِثَ عَلَى الصَّحِيحِ، لِتَعَلُّقِ الْيَمِينِ بِعَيْنِ الْقَمِيصِ. وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ، وَكَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَمِيصًا أَوْ رِدَاءً، فَفَتَقَهُ وَاتَّخَذَ مِنْهُ نَوْعًا آخَرَ، بِأَنْ جَعَلَ الْقَمِيصَ رِدَاءً، أَوِ الرِّدَاءَ جُبَّةً أَوْ تِكَكًا، أَوِ الْخُفَّ نَعْلًا، ثُمَّ لَبِسَ الْمُتَّخَذَ، حَنِثَ عَلَى الْأَصَحِّ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ لَا يَلْبَسُهُ مَا دَامَ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ. فَلَوْ لَمْ يَذْكُرِ الثَّوْبَ، بَلْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الْقَمِيصَ، أَوْ هَذَا الرِّدَاءَ، فَفَتَقَهُ، وَاتَّخَذَ مِنْهُ نَوْعًا آخَرَ

стр. 4377

وَلَبِسَهُ، فَفِيهِ الْوَجْهَانِ، لَكِنَّ الْأَصَحَّ هُنَا: لَا يَحْنَثُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي نَظَائِرِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْنَثُ، فَأَعَادَ الْهَيْئَةَ الْأُولَى، فَفِي الْحِنْثِ الْوَجْهَانِ فِي الدَّارِ تُعَادُ بَعْدَ الِانْهِدَامِ بِذَلِكَ النَّقْصِ. وَلَوْ كَانَ قَالَ فِي يَمِينِهِ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الْقَمِيصَ، أَوِ الثَّوْبَ قَمِيصًا، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ أَوِ الرِّدَاءَ رِدَاءً، فَإِنْ تَقَمَّصَ بِالْقَمِيصِ، أَوِ ارْتَدَى بِالرِّدَاءِ، حَنِثَ، وَإِنْ اتَّزَرَ بِالْقَمِيصِ أَوْ تَعَمَّمَ بِالرِّدَاءِ، لَمْ يَحْنَثْ. وَكَذَا لَوِ اتَّخَذَ مِنَ الْقَمِيصِ غَيْرَ قَمِيصٍ، وَمِنَ الرِّدَاءِ غَيْرَ رِدَاءٍ، ثُمَّ لَبِسَهُمَا، وَلَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُهُ وَهُوَ قَمِيصٌ، فَارْتَدَى بِهِ، أَوْ تَعَمَّمَ أَوِ اتَّزَرَ، حَنِثَ، لِأَنَّهُ لَبِسَ وَهُوَ قَمِيصٌ، وَإِنْ اتَّخَذَ مِنْهُ غَيْرَ الْقَمِيصِ وَلَبِسَهُ، لَمْ يَحْنَثْ. فَرْعٌ الْوَجْهَانِ فِيمَنْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الْقَمِيصَ، فَاتَّخَذَ مِنْهُ غَيْرَهُ وَلَبِسَهُ، يَجْرِيَانِ فِي صُوَرٍ. مِنْهَا: لَوْ أَشَارَ إِلَى صَبْرَةِ حِنْطَةٍ، وَقَالَ: لَا آكُلُ هَذِهِ، حَنِثَ بِأَكْلِهَا عَلَى هَيْئَتِهَا، وَبِأَكْلِهَا بَعْدَ الطَّحْنِ وَالْعَجْنِ وَالْخَبْزِ وَالطَّبْخِ. وَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ حِنْطَةً، لَمْ يَحْنَثْ بِالْخُبْزِ وَالْعَجِينِ وَالدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ، وَيَحْنَثُ بِأَكْلِ الْحِنْطَةِ نِيئَةً وَمَقْلِيَّةً وَمَطْبُوخَةً وَمَبْلُولَةً. وَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ هَذِهِ الْحِنْطَةَ، حَنِثَ بِأَكْلِهَا نِيئَةً فَقَطْ، وَمَطْبُوخَةً، وَهَلْ يَحْنَثُ بِأَكْلِ دَقِيقِهَا وَسَوِيقِهَا وَعَجِينِهَا وَخُبْزِهَا؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا، وَبِهِ قَطَعَ بَعْضُهُمْ، لِزَوَالِ اسْمِ الْحِنْطَةِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ زَرَعَهَا وَأَكَلَ حَشِيشَهَا. أَوْ قَالَ: لَا آكُلُ هَذَا الْبَيْضَ، فَصَارَ فَرْخًا فَأَكَلَهُ، فَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ، فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ، إِلَّا أَنَّ هُنَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ بَعْضِهَا. وَحُكِيَ وَجْهٌ أَنَّهُ إِذَا قَالَ: مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ، حَنِثَ بِأَكْلِ كُلِّ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا. وَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ هَذَا الدَّقِيقَ، فَأَكَلَ عَجِينَهُ أَوْ خُبْزَهُ، أَوْ هَذَا الْعَجِينَ، فَأَكَلَ خُبْزَهُ، فَعَلَى الْخِلَافِ.

стр. 4378

وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ هَذَا الْحَيَوَانَ، فَذَبَحَهُ وَأَكَلَهُ، حَنِثَ، لِأَنَّ الْحَيَوَانَ هَكَذَا يُؤْكَلُ، وَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ هَذَا الْغَزْلَ، فَلَبِسَ ثَوْبًا نُسِجَ مِنْهُ، حَنِثَ. وَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ لَحْمَ هَذِهِ السَّخْلَةِ أَوِ الْخَرُوفِ، فَصَارَ كَبْشًا فَذَبَحَهُ وَأَكَلَهُ، فَمَنْ قَالَ فِي مَسْأَلَةِ الْحِنْطَةِ: يَحْنَثُ، قَالَ هُنَا: يَحْنَثُ، وَمَنْ قَالَ هُنَاكَ: لَا يَحْنَثُ، قَالَ هُنَا: وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا يَحْنَثُ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ، فَكَلَّمَهُ بَعْدَ مَصِيرِهِ شَابًّا، أَوْ هَذَا الشَّابَّ فَكَلَّمَهُ بَعْدَ مَصِيرِهِ شَيْخًا. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ هَذَا وَأَشَارَ إِلَى عَبْدٍ فَعُتِقَ، ثُمَّ كَلَّمَهُ، حَنِثَ، وَلَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ هَذَا الْعَبْدَ، فَعُتِقَ، فَهُوَ كَمَسْأَلَةِ السَّخْلَةِ. وَمِنْهَا: لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ، فَصَارَ تَمْرًا، أَوْ هَذَا الْبُسْرَ فَصَارَ رُطَبًا، أَوِ الْعِنَبَ فَصَارَ زَبِيبًا، أَوْ لَا أَشْرَبُ هَذَا الْعَصِيرَ، فَصَارَ خَمْرًا، أَوْ هَذَا الْخَمْرَ فَصَارَ خَلًّا، أَوْ لَا آكُلُ هَذَا التَّمْرَ، فَاتَّخَذَ مِنْهُ عَصِيدَةً، ثُمَّ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَفِيهِ هَذَا الْخِلَافُ، وَذَكَرَ الصَّيْدَلَانِيُّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ نَصَّ عَلَى عَدَمِ الْحِنْثِ فِي مَسْأَلَةِ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ، وَعَلَى الْحِنْثِ فِي الصَّبِيِّ وَالسَّخْلَةِ. فَقِيلَ: قَوْلَانِ: وَقِيلَ: بِتَقْرِيرِ النَّصَّيْنِ. وَالْفَرْقُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَسْأَلَةَ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرِ تَبَدُّلُ الِاسْمِ، وَفِي السَّخْلَةِ وَالصَّبِيِّ تَبَدُّلُ الصِّفَةِ، وَتَبَدُّلُ الصِّفَةِ لَا يُسْقِطُ الْحِنْثَ، وَالثَّانِي: أَنَّ التَّبَدُّلَ فِي الْأَوَّلِ بِمُعَالَجَةٍ، بِخِلَافِ الثَّانِي. فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ الْخَاتَمَ، فَجَعَلَهُ فِي غَيْرِ الْخِنْصَرِ مِنْ أَصَابِعِهِ، فَعَنِ الْمُزَنِيِّ فِي «الْجَامِعِ» أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَتَابَعَهُ الْبَغَوِيُّ، وَقَاسَهُ عَلَى مَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ الْقَلَنْسُوَةَ، فَجَعَلَهَا فِي رِجْلِهِ، وَالَّذِي حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ عَنِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَحْنَثُ. الثَّامِنَةُ: حَلَفَ: لَا يَخْرُجُ فُلَانٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَأَذِنَ بِحَيْثُ لَمْ

стр. 4379

يَسْمَحِ الْمَأْذُونُ لَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ وَخَرَجَ، فَطَرِيقَانِ: الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّ الْإِذْنَ وَالرِّضَى قَدْ حَصَلَ. وَقِيلَ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ مَنْصُوصٌ وَمُخَرَّجٌ: أَنَّهُ يَحْنَثُ، وَهُوَ مَخَرَّجٌ مِنْ مَسْأَلَةِ عَزْلِ الْوَكِيلِ. وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ خَرَجْتِ بِغَيْرِ إِذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَأَذِنَ وَخَرَجَتْ وَهِيَ جَاهِلَةٌ بِالْإِذْنِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْهِدَ عَلَى الْإِذْنِ لِيُثْبِتَهُ عِنْدَ التَّنَازُعِ. فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَهِيَ الْمُصَدَّقَةُ بِيَمِينِهَا فِي إِنْكَارِ الْإِذْنِ. وَفِي كِتَابِ ابْنِ كَجٍّ أَنَّ الزَّوْجَ هُوَ الْمُصَدَّقُ، كَمَا لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ التَّعْلِيقِ. ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الْوَرَعُ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَهُ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَعُدُّهَا مُطَلَّقَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطَلِّقَهَا، لِأَنَّا حَكَمْنَا بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَكَيْفَ تَنْكِحُ غَيْرَهُ؟ بَلْ إِنْ كَانَ عَلَّقَ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ، فَالْوَرَعُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا، وَإِنْ كَانَ الْمُعَلِّقُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً، وَأَرَادَ إِمْسَاكَهَا، رَاجَعَهَا، وَإِلَّا، طَلَّقَهَا لِتَحِلَّ لِلْأَزْوَاجِ، فَإِنْ رَاجَعَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا طَلْقَتَيْنِ، فَالْوَرَعُ أَنْ لَا يَنْكِحَهَا إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ، وَإِذَا نَكَحَهَا بَعْدَ زَوْجٍ، كَانَتْ عِنْدَهُ بِطَلْقَةٍ، فَإِنْ طَلَّقَهَا، لَمْ تَحِلَّ إِلَّا بِزَوْجٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا بِالْخُرُوجِ شَيْءٌ، وَقَدْ طَلَّقَهَا بَعْدَهُ ثَلَاثًا، وَالزَّوْجُ الثَّانِي قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الثَّلَاثِ لَا أَثَرَ لَهُ. فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يَخْرُجُ فُلَانٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَوْ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَخَرَجَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، حَنِثَ، وَإِنْ خَرَجَ بِإِذْنِهِ، لَمْ يَحْنَثْ. وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ تَنْحَلُّ الْيَمِينُ حَتَّى لَوْ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِذْنٍ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنٍ، لَمْ يَحْنَثْ. وَكَذَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ خَرَجْتِ بِغَيْرِ إِذْنِي أَوْ إِلَّا بِإِذْنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، إِنْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، طُلِّقَتْ، وَإِنْ خَرَجَتْ بِالْإِذْنِ، لَمْ تُطَلَّقْ، وَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ

стр. 4380

عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ حَتَّى آذَنَ لَكِ، أَوْ إِلَى أَنْ آذَنَ لَكِ أَوْ إِلَّا أَنْ آذَنَ لَكِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ. وَحُكِيَ قَوْلٌ أَوْ وَجْهٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ وَالْقَفَّالِ، أَنَّهُ لَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ بِخُرُوجِهَا بِالْإِذْنِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ لَابِسَةً لِلْحَرِيرِ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ غَيْرَ لَابِسَةٍ، لَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ، حَتَّى لَوْ خَرَجَتْ بَعْدَهُ لَابِسَةً طُلِّقَتْ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ تَعَلَّقَتْ بِخُرْجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ الْأُولَى. قَالَ الْبَغَوِيُّ: وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ غَيْرَ لَابِسَةٍ لِلْحَرِيرِ أَوْ لَابِسَةً، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ لَابِسَةً تَنْحَلُّ الْيَمِينُ، وَهَذَا يُخَالِفُ قَوْلَ الْغَزَالِيِّ: لَوْ قَالَ إِنْ خَرَجْتِ بِلَا خُفٍّ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ بِخُفٍّ، لَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْإِذْنِ بِفَرْقٍ ضَعِيفٍ، فَالْوَجْهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، كَمَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ. وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا خَرَجْتِ، أَوْ كُلَّ وَقْتٍ خَرَجْتِ بِغَيْرِ إِذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ مَرَّةً بِالْإِذْنِ، لَمْ تَنْحَلَّ الْيَمِينُ، لِأَنَّهَا صِيغَةُ تَكْرَارٍ. فَلَوْ قَالَ: أَذِنْتُ لَكِ فِي الْخُرُوجِ كُلَّمَا أَرَدْتِ، أَغْنَاهُ ذَلِكَ عَنْ تَجْدِيدِ الْإِذْنِ لِكُلِّ خَرْجَةٍ. وَلَوْ قَالَ: مَتَى خَرَجْتِ، أَوْ مَتَى مَا، أَوْ مَهْمَا، أَوْ أَيُّ وَقْتٍ، أَوْ أَيُّ حِينٍ، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ، لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيَغُ لَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ. وَفِي «الرَّقْمِ» لِلْعَبَّادِيِّ: إِلْحَاقُ مَتَى مَا، وَمَهْمَا بِ «كُلَّمَا» وَهُوَ خِلَافُ نَصِّهِ فِي «الْأُمِّ» . وَلَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ أَبَدًا إِلَّا بِإِذْنِي، فَأَنْتِ طَالِقٌ، لَمْ يَلْزَمِ التَّكْرَارُ أَيْضًا، بَلْ مَعْنَاهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ خَرَجْتِ، قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ وَإِذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ كَمَا صَوَّرْنَا، ثُمَّ أَذِنَ لَهَا فِي الْخُرُوجِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنِ الْإِذْنِ، وَخَرَجَتْ بَعْدَهُ، نُصَّ فِي «الْأُمِّ» أَنَّهَا لَا تُطَلَّقُ، لِأَنَّ الْإِذْنَ قَدْ وُجِدَ، فَزَالَ حُكْمُ الْيَمِينِ، وَالْمَنْعُ بَعْدَهُ لَا يُفِيدُ. وَرَأَى أَبُوبَكْرٍ الْفَارِسِيُّ وَالْمُحَقِّقُونَ تَنْزِيلَ النَّصِّ عَلَى مَا إِذَا قَالَ فِي التَّعْلِيقِ: حَتَّى آذَنَ لَكِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ إِذْنَهُ غَايَةَ الْيَمِينِ، وَقَدْ حَصَلَ الْإِذْنُ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: بِغَيْرِ إِذْنِي أَوْ إِلَّا بِإِذْنِي،

стр. 4381

فَإِذَا رَجَعَ، ثُمَّ خَرَجَتْ، فَهَذَا خُرُوجٌ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَا وُجِدَ بَعْدَ الْيَمِينِ، فَيَقَعُ الطَّلَاقُ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: قَوْلُهُ: إِلَّا بِإِذْنِي مُحْتَمِلٌ أَيْضًا لِلْغَايَةِ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا. وَلَوْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ بِغَيْرِ إِذْنِي لِغَيْرِ عِيَادَةٍ، فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَخَرَجَتْ لِعِيَادَةٍ، ثُمَّ عَرَضَتْ حَاجَةٌ فَاشْتَغَلَتْ بِهَا، لَمْ تُطَلَّقْ. وَإِنْ خَرَجَتْ لِعِيَادَةٍ وَغَيْرِهَا. فَالْمَذْكُورُ فِي «الشَّامِلِ» مَنْسُوبًا إِلَى نَصِّهِ فِي «الْأُمِّ» أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَذَكَرَ الْبَغَوِيُّ أَنَّهُ الْأَصَحُّ. وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ لِغَيْرِ عِيَادَةٍ مَا هُوَ بِمَعْزِلٍ عَنْهَا، لَمْ يَحْنَثْ، وَهَذَا هُوَ السَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مَا يُغَايِرُهُ فِي الْحَقِيقَةِ، فَمَجْمُوعُ الْعِيَادَةِ وَالْحَاجَةِ الْأُخْرَى يُغَايِرُ مُجَرَّدَ الْعِيَادَةِ. قُلْتُ: الصَّوَابُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَإِنْ قَالَ: إِنْ خَرَجْتِ إِلَّا لِعِيَادَةٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ، لِأَنَّهُ يَصْدُقُ أَنْ يُقَالَ: لَمْ تَخْرُجْ لِلْعِيَادَةِ بَلْ لَهَا وَلِغَيْرِهَا. النَّوْعُ الْخَامِسُ فِي الْكَلَامِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ فَتَنَحَّ عَنِّي، أَوْ قُمْ أَوِ اخْرُجْ، أَوْ شَتَمَهُ، أَوْ زَجَرَهُ، حَنِثَ، سَوَاءً عَقَّبَ هَذَا لِلْيَمِينِ مُتَّصِلًا أَمْ فَصَلَهُ، لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ. وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ إِذَا وَصَلَهُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ تَأْكِيدُ الْيَمِينِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا أَوْ أَرْسَلَ رَسُولًا، فَقَوْلَانِ: الْجَدِيدُ: لَا يَحْنَثُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِهِ، وَقِيلَ: الْقَدِيمُ إِنَّمَا هُوَ إِذَا نَوَى بِيَمِينِهِ الْمُكَاتَبَةَ. وَقِيلَ: الْقَوْلَانِ فِي الْغَائِبِ، فَإِنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ، لَمْ يَحْنَثْ قَطْعًا، وَالْمَذْهَبُ طَرَّدَهُمَا فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ. وَيَجْرِيَانِ فِي الْإِشَارَةِ بِالرَّأْسِ وَالْعَيْنِ، وَلَا فَرْقَ عَلَى الْجَدِيدِ بَيْنَ إِشَارَةِ الْأَخْرَسِ وَالنَّاطِقِ، وَإِنَّمَا أُقِيمَتْ إِشَارَةُ الْأَخْرَسِ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَقَامَ النُّطْقِ لِلضَّرُورَةِ.

стр. 4382

فَرْعٌ هِجْرَانُ الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَوْ كَاتَبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ، فَهَلْ يَزُولُ الْإِثْمُ؟ نُظِرَ إِنْ كَانَتْ مُوَاصَلَتُهُمَا قَبْلَ الْهُجْرَانِ بِالْمُكَاتَبَةِ أَوِ الْمُرَاسَلَةِ، ارْتَفَعَ الْإِثْمُ، وَإِلَّا فَإِنْ تَعَذَّرَ الْكَلَامُ لِغَيْبَةِ أَحَدِهِمَا، فَكَذَلِكَ، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ، حَتَّى لَوْ حَلَفَ أَنْ يُهَاجِرَهُ، فَهَلْ يَحْنَثُ بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ؟ فِيهِ هَذَا الْخِلَافُ. وَأَطْلَقَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَرْتَفِعُ الْإِثْمُ بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ إِنَّمَا تَرْفَعَ الْإِثْمَ إِذَا خَلَتْ عَنِ الْإِيذَاءِ وَالْإِيحَاشِ، وَإِلَّا، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَلَّمَهُ بِالشَّتْمِ وَالْإِيذَاءِ، فَإِنَّهُ لَا تَزُولُ بِهِ الْمُهَاجَرَةُ، بَلْ هُوَ زِيَادَةُ وَحْشَةٍ، وَتَأْكِيدٌ لِلْمُهَاجَرَةِ، وَلَا يَحْنَثُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْمُكَاتَبَةِ إِذَا حَلَفَ عَلَى الْمُهَاجَرَةِ. قُلْتُ: تَحْرِيمُ الْمُهَاجَرَةِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْمُهَاجَرَةُ لِحُظُوظِ النُّفُوسِ وَتَعَنُّتَاتِ أَهْلِ الدُّنْيَا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَهْجُورُ مُبْتَدِعًا أَوْ مُجَاهِرًا بِالظُّلْمِ وَالْفُسُوقِ، فَلَا تَحْرُمُ مُهَاجَرَتُهُ أَبَدًا، وَكَذَا إِذَا كَانَ فِي الْمُهَاجَرَةِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ، فَلَا تَحْرِيمَ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا جَرَى لِلسَّلَفِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَزُولُ التَّحْرِيمُ بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ، قَالَ صَاحِبُ «الْبَيَانِ» : وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ وَالرَّمْزُ كَالْمُكَاتَبَةِ كَمَا قُلْنَا فِي الْحِنْثِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يُكَلِّمُهُ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ، حَنِثَ، لِأَنَّ السَّلَامَ كَلَامٌ، وَأَنْ يُسَلِّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ، فَإِنْ قَصَدَهُ بِالسَّلَامِ حَنِثَ. قَالَ فِي «الْبَيَانِ» وَيَجِيءُ أَنْ لَا يَحْنَثُ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ السَّمْنَ، فَأَكَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ، لَا يَحْنَثُ وَإِنْ اسْتَثْنَى لَفْظًا، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ اسْتَثْنَاهُ بِالنِّيَّةِ،

стр. 4383

لَمْ يَحْنَثْ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ. وَإِنْ أَطْلَقَ، حَنِثَ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَلَوْ سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَأْمُومِينَ، فَفِيهِ هَذَا التَّفْصِيلُ. وَلَوْ صَلَّى الْحَالِفُ خَلْفَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، فَسَبَّحَ لِسَهْوِهِ، أَوْ فَتَحَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ، لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةً، فَهِمَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ مِنْهَا مَقْصُودَهُ، فَإِنْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا، فَيَحْنَثُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حَلَفَ: لَا يَتَكَلَّمُ حَنِثَ بِتَرْدِيدِ الشِّعْرِ مَعَ نَفْسِهِ، لِأَنَّ الشِّعْرَ كَلَامٌ، وَلَا يَحْنَثُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالدُّعَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّ اسْمَ الْكَلَامِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إِلَى كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ فِي مُحَاوَرَاتِهِمْ. وَقِيلَ: يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ يُبَاحُ لِلْجُنُبِ، فَهُوَ كَسَائِرِ الْكَلَامِ، وَلَا يَحْنَثُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ: قَالَ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ «التَّلْخِيصِ» : لَوْ قَرَأَ التَّوْرَاةَ الْمَوْجُودَةَ الْيَوْمَ، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّا نَشُكُّ أَنَّ الَّذِي قَرَأَهُ مُبَدَّلٌ أَمْ لَا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الثَّالِثَةُ: حَلَفَ: لَيُثْنِيَنَّ عَلَى اللَّهِ أَحْسَنَ الثَّنَاءِ، فَطَرِيقُ الْبَرِّ أَيَقُولُ: لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ زَادَ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيُّ فِي آخِرِهِ: فَلَكَ الْحَمْدُ حَتَّى تَرْضَى فَصَوَّرَ الْمُتَوَلِّي الْمَسْأَلَةَ فِيمَا لَوْ قَالَ: لَأُثْنِيَنَّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَجَلِّ الثَّنَاءِ، أَوْ أَعْظَمِهِ، وَزَادَ فِي أَوَّلِ الذِّكْرِ سُبْحَانَكَ وَلَوْ قَالَ: لَأَحْمَدَنَّ اللَّهَ بِمَجَامِعِ الْحَمْدِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: بِأَجَلِّ التَّحَامِيدِ، فَطَرِيقُ الْبَرِّ أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ وَلَوْ قَالَ: لَأُصَلِّيَنَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَطَرِيقُ الْبَرِّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كُلَّمَا ذَكَرَهُ الذَّاكِرُونَ وَكُلَّمَا سَهَا عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ. ذَكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيُّ.

стр. 4384

قُلْتُ: أَمَّا الصُّورَتَانِ الْأُولَيَانِ، فَذَكَرَهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْخُرَاسَانِيِّينَ، وَلَيْسَ لَهُمَا دَلِيلٌ يُعْتَمَدُ. وَمَعْنَى «يُوَافِي نِعَمَهُ» أَيْ: يُلَاقِيهَا، فَتَحْصُلُ مَعَهُ، «وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ» بِهَمْزَةٍ فِي آخِرِهِ، أَيْ: يُسَاوِي مَزِيدَ نِعَمِهِ وَمَعْنَاهُ: يَقُومُ لِشُكْرِ مَا زَادَ مِنَ النِّعَمِ وَالْإِحْسَانِ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَدْ ذَكَرَهَا عَنْ إِبْرَاهِيمِ الْمَرْوَزِيِّ وَحْدَهُ، وَقَدْ يَسْتَأْنِسُ لِذَلِكَ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ كَانَ يَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ، وَلَعَلَّهُ أَوَّلَ مَنِ اسْتَعْمَلَهَا، وَلَكِنَّ الصَّوَابَ وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُجْزَمَ بِهِ أَنَّ أَفْضَلَ مَا يُقَالُ عَقِيبَ التَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِلَى آخِرِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ، فَقَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ إِلَى آخِرِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَصْلٌ حَلَفَ: لَا يُصَلِّي، فَهَلْ يَحْنَثُ بِالتَّحَرُّمِ بِالصَّلَاةِ أَمْ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَرْكَعَ؟ أَمْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا الْأَوَّلُ. وَلَوْ أَفْسَدَهَا بَعْدَ الشُّرُوعِ، حَنِثَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَلَا يَحْنَثُ عَلَى الثَّالِثِ، وَلَا عَلَى الثَّانِي إِنْ لَمْ يَكُنْ رَكَعَ، وَلَا يَجِيءُ الثَّانِي إِذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ. وَلَوْ أَحْرَمَ مَعَ إِخْلَالِهِ بِبَعْضِ الشُّرُوطِ، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ لِعَدَمِ انْعِقَادِهَا. وَلَوْ حَلَفَ: مَا صَلَّيْتُ وَقَدْ أَتَى بِصُورَةِ صَلَاةٍ فَاسِدَةٍ، لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا، وَصَلَّى، حَنِثَ، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الصَّلَاةَ الْمُجَزَّئَةَ. وَلَوْ قَالَ: لَا أُصَلِّي صَلَاةً، لَا يَحْنَثُ حَتَّى يَفْرُغَ. قُلْتُ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ بِسُجُودِ الشُّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ وَالطَّوَافِ، وَيَحْنَثُ بِالصَّلَاةِ بِالْإِيمَاءِ، حَيْثُ يَحْكُمُ بِصِحَّتِهَا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

стр. 4385

وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَصُومُ، فَهَلْ يَحْنَثُ بِأَنْ يُصْبِحَ صَائِمًا، أَوْ بِأَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ التَّطَوُّعِ قَبْلَ الزَّوَالِ، أَمْ لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُتِمَّ؟ فِيهِ الْخِلَافُ. وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِالْفَرَاغِ، فَهَلْ نَتَبَيَّنُ اسْتِنَادَ الْحِنْثِ إِلَى الْأَوَّلِ فِيهِ وَجْهَانِ. قُلْتُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْحَجِّ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ يَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ، أَمْ بَعْدَ الْفَرَاغِ. وَعَلَى قِيَاسِ الثَّانِي اشْتِرَاطُ الرُّكُوعِ لِكَوْنِهِ مُعْظَمَ الرَّكْعَةِ يَجِيءُ وَجْهٌ ثَالِثٌ بِاشْتِرَاطِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ، وَأَمَّا الِاعْتِكَافُ فَيَحْنَثُ بِمُجَرَّدِ نِيَّتِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِيءَ خِلَافٌ فِي اشْتِرَاطِ سَاعَةٍ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ لَحْظَةٍ. وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَقْرَأُ حَنِثَ بِمَا قَرَأَهُ وَلَوْ بَعْضَ آيَةٍ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - النَّوْعُ السَّادِسُ فِي تَأْخِيرِ الْحِنْثِ وَتَقْدِيمِهِ وَفِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: حَلَفَ: لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ غَدًا، فَلَا يَخْفَى الْبَرُّ إِنْ أَكَلَ غَدًا، وَالْحِنْثَ إِنْ أَخَّرَهُ عَنِ الْغَدِ مَعَ الْإِمْكَانِ. فَلَوْ تَلِفَ الطَّعَامُ قَبْلَ الْغَدِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِإِتْلَافِ أَجْنَبِيٍّ، فَقَدْ فَاتَ الْبَرُّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَيَخْرُجُ حِنْثُهُ عَلَى قَوْلِي الْمُكْرَهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ الْمَنْصُوصُ، فَإِنْ قُلْنَا: يَحْنَثُ، فَهَلْ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ لِحُصُولِ الْيَأْسِ، أَمْ بَعْدَ مَجِيءِ الْغَدِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ أَوْ وَجْهَانِ، فَقَطَعَ ابْنُ كَجٍّ بِالثَّانِي. قَالَ الْمُتَوَلِّي: وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ، جَازَ أَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ الْغَدِ عَنْ كَفَّارَتِهِ إِنْ قُلْنَا: يَحْنَثُ قَبْلَ الْغَدِ. قُلْتُ: وَمِنْ فَوَائِدِهِ لَوْ مَاتَ الْحَالِفُ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ أَوْ أَعْسَرَ، وَقُلْنَا: يُعْتَبَرُ فِي الْكَفَّارَةِ حَالُ الْوُجُوبِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

стр. 4386

فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْنَثُ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ، فَهَلْ يَحْنَثُ إِذَا مَضَى مِنَ الْغَدِ زَمَنُ إِمْكَانِ الْأَكْلِ أَمْ قُبَيْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؟ وَجْهَانِ. قَالَ الْبَغَوِيُّ: أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ وَلَوْ مَاتَ الْحَالِفُ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ، فَقِيلَ: هُوَ كَتَلَفِ الطَّعَامِ، فَيَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنْ لَا حِنْثَ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِي كَلَامَ ابْنِ كَجٍّ وَالْبَغَوِيِّ وَغَيْرِهِمَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ زَمَنَ الْبَرِّ وَالْحِنْثَ. وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ مَجِيءِ الْغَدِ وَقَبْلَ إِمْكَانِ الْأَكْلِ، فَهُوَ كَتَلَفِ الطَّعَامِ بَعْدَ مَجِيءِ الْغَدِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ التَّفْصِيلِ، وَقَطَعَ الْمُتَوَلِّي بِأَنْ لَا حِنْثَ. أَمَّا إِذَا تَلَفَ الطَّعَامُ أَوْ بَعْضُهُ بَعْدَ مَجِيءِ الْغَدِ، فَيَنْظُرُ، إِنْ كَانَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْأَكْلِ، فَهُوَ كَتَلَفِ الطَّعَامِ قَبْلَ الْغَدِ، وَفِيهِ الْخِلَافُ. وَإِنْ تَلَفَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ، أَوْ مَاتَ الْحَالِفُ بَعْدَ التَّمَكُّنِ، فَالْمَذْهَبُ الْحِنْثُ، لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنَ الْبَرِّ، فَصَارَ كَمَا لَوْ قَالَ: لَآكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ، وَتَمَكَّنَ مِنْ أَكْلِهِ وَلَمْ يَأْكُلْهُ حَتَّى تَلَفَ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ قَطْعًا. فَعَلَى هَذَا هَلْ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ، أَمْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ. وَلَوْ أَتْلَفَ الْحَالِفُ الطَّعَامَ قَبْلَ الْغَدِ بِأَكْلِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ، أَوْ أَتْلَفَ بَعْضَهُ، حَنِثَ، وَهَلْ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ، أَمْ بَعْدَ مَجِيءِ الْغَدِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ، هُمَا لَوْ تَلِفَ. وَلَوْ قَالَ: لَآكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ قَبْلَ غَدٍ، فَتَلَفَ قَبْلَ الْغَدِ وَبَعْدَ التَّمَكُّنِ، حَنِثَ. وَهَلْ يَكُونُ حِنْثُهُ فِي الْحَالِ، أَمْ إِذَا جَاءَ أَوَّلُ الْغَدِ؟ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الصَّيْدَلَانِيُّ. وَلَوْ قَالَ: لَآكُلَنَّهُ الْيَوْمَ، فَيُقَاسُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْغَدِ.

стр. 4387

الثَّانِيَةُ: قَالَ: وَاللَّهِ لَأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ، وَمَاتَ قَبْلَ الْقَضَاءِ، نُظِرَ، إِنْ تَمَكَّنَ مِنَ الْقَضَاءِ فَلَمْ يَفْعَلْ، حَنِثَ. وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، فَعَلَى قَوْلِي الْإِكْرَاهُ، كَذَا نَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ وَالْمَرْوَزِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَقَطَعَ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ وَلَوْ قَالَ: لَأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ غَدًا، وَمَاتَ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ أَوْ بَعْدَ مَجِيئِهِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ، فَمَنْ أَثْبَتَ الْقَوْلَيْنِ إِذَا لَمْ يُقَيِّدْ بِالْغَدِ، أُثْبِتُهُمَا هُنَا، وَمَنْ قَطَعَ بِالْمَنْعِ، قَطَعَ بِالْمَنْعِ هُنَا أَيْضًا. وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ جَاءَ الطَّرِيقَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي مَسْأَلَةِ الطَّعَامِ وَمَوْتِ صَاحِبِ الْحَقِّ: لَا يَقْتَضِي الْحِنْثَ، لَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَلَا عِنْدَ التَّقْيِيدِ بِالْغَدِ، لِإِمْكَانِ الْقَضَاءِ بِالدَّفْعِ إِلَى الْوَرَثَةِ. وَلَوْ قَالَ: لَأَقْضِيَنَّكَ حَقَّكَ غَدًا، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: لَآكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ غَدًا، فَطَرِيقُ الْبَرِّ وَالْحِنْثِ ظَاهِرٌ، وَمَوْتُ صَاحِبِ الْحَقِّ هُنَا كَتَلَفِ الطَّعَامِ. فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْقَضَاءِ، فَعَلَى قَوْلِي الْإِكْرَاهُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ، فَفِيهِ الطَّرِيقَانِ السَّابِقَانِ. فَإِنْ حَنِثْنَاهُ، فَهَلْ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ أَمْ بَعْدَ مَجِيءِ الْغَدِ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ. وَمَوْتُ الْحَالِفِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ وَبَعْدَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي مَسْأَلَةِ الطَّعَامِ. فَإِنْ حَنِثْنَاهُ، فَلَا يُسْتَبْعَدُ كَوْنُ وَقْتِ الْحِنْثِ دَخَلَ وَهُوَ مَيِّتٌ، لِأَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْيَمِينُ، وَكَانَتْ فِي الْحَيَاةِ، وَهُوَ كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا مُتَعَدِّيًا، فَتَلَفَ بِهَا إِنْسَانٌ بَعْدَ مَوْتِهِ، يَجِبُ الضَّمَانُ وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ. وَإِنْ قَضَاهُ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ، فَقَدْ فَوَّتَ الْبَرَّ، فَيَحْنَثُ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُ الْقَضَاءَ عَنِ الْغَدِ، وَهُوَ كَإِتْلَافِ الطَّعَامِ قَبْلَ الْغَدِ وَلَوْ أَبْرَأَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ. فَإِنْ قُلْنَا: الْإِبْرَاءُ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبُولِ، فَقَبِلَ، حَنِثَ لِتَفْوِيتِهِ الْبَرَّ بِاخْتِيَارِهِ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْيَمِينِ: لَا يَمْضِي الْغَدُ، وَحَقُّهُ بَاقٍ عَلَيْهِ. وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ،

стр. 4388

لَمْ يَحْنَثْ، لِبَقَاءِ الْحَقِّ عَلَيْهِ وَإِمْكَانِ قَضَائِهِ. وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَحْتَاجُ الْإِبْرَاءُ إِلَى قَبُولٍ، سَقَطَ الدَّيْنُ. وَفِي الْحِنْثِ قَوْلَا الْإِكْرَاهِ، لِفَوَاتِ الْبَرِّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ. وَالْهِبَةُ فِي الْعَيْنِ وَالصُّلْحُ عَنِ الدَّيْنِ، كَالْإِبْرَاءِ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبُولِ. وَلَوْ قَالَ: لَأَقْضِيَنَّكَ حَقَّكَ غَدًا إِلَّا أَنْ تَشَاءَ أَنْ أُؤَخِّرَهُ، فَإِنْ قَضَاهُ غَدًا، بَرَّ، سَوَاءً شَاءَ صَاحِبُ الْحَقِّ أَمْ لَا. وَإِنْ لَمْ يُقْضِهِ فِي الْغَدِ، فَإِنْ شَاءَ صَاحِبُهُ تَأْخِيرَهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْغَدِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ، حَنِثَ. وَكَذَا لَوْ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ أَنْ أُؤَخِّرَهُ، إِلَّا أَنَّهُ إِذَا مَاتَ صَاحِبُ الْحَقِّ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ، فَالْحِنْثُ عَلَى قَوْلِي الْإِكْرَاهُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَهُ وَبَعْدَ التَّمَكُّنِ، فَفِيهِ الطَّرِيقَانِ. وَإِنْ مَاتَ زَيْدٌ قَبْلَ الْغَدِ أَوْ فِي أَثْنَائِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَشِيئَتَهُ، لَمْ يَحْنَثْ فِي الْحَالِ، لِإِمْكَانِ الْقَضَاءِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَلَمْ يَقْضِ، حَنِثَ حِينَئِذٍ. وَلَوْ قَالَ: لَأَقْضِيَنَّكَ حَقَّكَ إِلَى الْغَدِ إِلَّا أَنْ تَشَاءَ تَأْخِيرَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ الْقَضَاءَ عَلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنَ الْغَدِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَلَمْ يَشَأْ صَاحِبُ الْحَقِّ تَأْخِيرَهُ، حَنِثَ. فَرْعٌ حَلَفَ: لَيُطَلِّقَنَّ زَوْجَتَهُ غَدًا، فَطَلَّقَهَا الْيَوْمَ، نُظِرَ إِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ الثَّلَاثَ، فَالْبَرُّ مُمْكِنٌ، وَإِنْ اسْتَوْفَاهُ، فَقَدْ فَوَّتَ الْبَرَّ، فَيَحْنَثُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ صَلَاةٌ عَنْ نَذْرٍ، فَحَلَفَ لَيُصَلِّينَّهَا غَدًا، فَصَلَّاهَا الْيَوْمَ، حَنِثَ. الثَّالِثَةُ: قَالَ: لَأَقْضِيَّنَ حَقَّكَ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ، أَوْ مَعَ رَأْسِ الْهِلَالِ، أَوْ عِنْدَ الِاسْتِهْلَالِ، أَوْ مَعَ رَأْسِ الشَّهْرِ، فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ تَقَعُ عَلَى أَوَّلِ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْلَةِ الْأُولَى مِنَ الشَّهْرِ، وَلَفْظَتَا «عِنْدَ» وَ «مَعَ» تَقْتَضِيَانِ الْمُقَارَنَةَ. فَإِنْ قَضَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ بَعْدَهُ، حَنِثَ، فَيَنْبَغِي أَنْ

стр. 4389

يُعِدَّ الْمَالَ وَيَتَرَصَّدَ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَيَقْضِيهِ فِيهِ، وَحَكَى الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَجْهًا أَنَّ لَهُ فَسْخَهُ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى وَيَوْمِهَا، لِأَنَّ اسْمَ رَأَسِ الْهِلَالِ وَالشَّهْرِ يَقَعُ عَلَيْهِمَا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَإِذَا أَخَذَ فِي الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَتَأَخَّرَ الْفَرَاغُ لِكَثْرَةِ الْمَالِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَبِمِثْلِهِ أُجِيبَ فِيمَا لَوِ ابْتَدَأَ حِينَئِذٍ بِأَسْبَابِ الْقَضَاءِ وَمُقَدِّمَاتِهِ، كَحَمْلِ الْمِيزَانِ. وَلَوْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ عَنِ اللَّيْلَةِ الْأُولَى لِلشَّكِّ فِي الْهِلَالِ، فَبَانَ كَوْنُهَا مِنَ الشَّهْرِ، فَفِي الْحِنْثِ قَوْلَا حِنْثِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ. وَلَوْ قَالَ: لَأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ أَوَّلَ الشَّهْرِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ. وَلَوْ قَالَ: أَوَّلَ الْيَوْمِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْقَضَاءِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَلَوْ قَالَ: لَأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ إِلَى رَأْسِ الشَّهْرِ، أَوْ إِلَى رَمَضَانَ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَشْتَرِطُ تَقْدِيمَ الْقَضَاءِ عَلَى رَأْسِ الشَّهْرِ، وَعَلَى رَمَضَانَ. وَقِيلَ: هُوَ كَقَوْلِهِ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ. فَرْعٌ لَوْ قَالَ: لَأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ إِلَى حِينٍ، لَمْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِزَمَانٍ مُقَدَّرٍ، بَلْ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، كَمَا سَبَقَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: لَأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ، فَمَتَى قَضَاهُ، بَرَّ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ إِذَا مَاتَ قَبْلَ الْقَضَاءِ مَعَ التَّمَكُّنِ. وَلَوْ قَالَ: إِلَى زَمَانٍ أَوْ دَهْرٍ أَوْ حِقْبٍ، أَوْ أَحْقَابٍ، فَكَذَلِكَ، وَجَمِيعُ الْعُمْرِ مُهْلَةٌ لَهُ. وَلَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُكَ حِينًا أَوْ دَهْرًا أَوْ زَمَانًا أَوْ حِقَبًا، بَرَّ بِأَدْنَى زَمَانٍ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَ حِينٍ، طِلِّقَتْ إِذَا مَضَى لَحْظَةٌ. وَالْفَرْقُ أَنَّ قَوْلَهُ: طَالِقٌ بَعْدَ حِينٍ تَعْلِيقٌ، فَيَتَعَلَّقُ بِأَوَّلِ مَا يُسَمَّى حِينًا. وَقَوْلُهُ: لَأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ، وَعُدَّ، وَالْوَعْدُ لَا يَخْتَصُّ بِأَوَّلِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَلَوْ قَالَ: لَأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ إِلَى مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ أَوْ بَعِيدَةٍ، لَمْ يَتَقَدَّرْ أَيْضًا، وَهُوَ كَالْحِينِ. فَلَوْ قَالَ: إِلَى أَيَّامٍ، فَوَجْهَانِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالصَّيْدَلَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ: يُحْمَلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ نِيَّةٌ.

стр. 4390

وَقَالَ آخَرُونَ، مِنْهُمُ الْمُحَامِلِيُّ: هُوَ كَالْحِينِ، لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. يُقَالُ: أَيَّامُ الْعَدْلِ، وَأَيَّامُ الْفِتْنَةِ، فَلَا يَتَقَدَّرُ. قُلْتُ: الْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ. وَأَمَّا أَيَّامُ الْفِتْنَةِ وَنَحْوَهُ، فَتَخْرُجُ بِالْقَرِينَةِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. النَّوْعُ السَّابِعُ فِي الْخُصُومَاتِ وَنَحْوِهَا فِيهِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: حَلَفَ لَا يَرَى مُنْكَرًا إِلَّا رَفَعَهُ إِلَى الْقَاضِي، فَلَهُ أَحْوَالٌ. إِحْدَاهَا: أَنْ يُعَيِّنَ الْقَاضِي فَيَقُولُ: إِلَى الْقَاضِي فُلَانٍ، فَإِذَا رَأَى مُنْكَرًا، لَا يَلْزَمُهُ الْمُبَادَرَةُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ، بَلْ لَهُ مُهْلَةٌ مُدَّةَ عُمُرِهِ وَعُمُرِ الْقَاضِي، فَمَتَى رَفَعَهُ إِلَيْهِ، بَرَّ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الرَّفْعِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَيْهِ مَعَ صَاحِبِ الْمُنْكَرِ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَحْضُرَ وَحْدَهُ عِنْدَ الْقَاضِي، وَيُخْبِرَهُ أَوْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا بِذَلِكَ فَيُخْبِرُهُ، أَوْ يَكْتُبَ بِهِ كِتَابًا (إِلَيْهِ) ، فَإِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَيْهِ حَتَّى مَاتَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ التَّمَكُّنِ، حَنِثَ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الرَّفْعِ لِمَرَضٍ أَوْ حَبْسٍ، أَوْ جَاءَ إِلَى بَابِ الْقَاضِي فَحُجِبَ، فَفِيهِ قَوْلَا حِنْثِ الْمُكْرَهِ. وَلَوْ بَادَرَ بِالرَّفْعِ، فَمَاتَ الْقَاضِي قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَيْهِ فَطَرِيقَانِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: فِيهِ الْقَوْلَانِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: لَا يَحْنَثُ قَطْعًا وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ. وَلَوْ مَاتَ الْحَالِفُ فِي صُورَةِ الْمُبَادَرَةِ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى الْقَاضِي، قَالَ الْمُتَوَلِّي: لَا كَفَّارَةَ بِلَا خِلَافٍ. فَلَوْ عُزِلَ ذَلِكَ الْقَاضِي، فَإِنْ كَانَ نِيَّتُهُ أَنْ يَرْفَعَ إِلَيْهِ وَهُوَ قَاضٍ، أَوْ تَلَفَّظَ بِهِ لَمْ يَبَرَّ بِالرَّفْعِ إِلَيْهِ وَهُوَ مَعْزُولٌ، وَلَا يَحْنَثْ. وَإِنْ كَانَ تَمَكَّنَ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا وَلِيَ ثَانِيًا، وَالْيَمِينُ عَلَى التَّرَاخِي. فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ أَنْ يُوَلَّى، تَبَيَّنَّا الْحِنْثَ، وَإِنْ نَوَى غَيْرَ ذَلِكَ الْقَاضِي، وَذَكَرَ الْقَضَاءَ تَعْرِيفًا لَهُ، بَرَّ بِالرَّفْعِ إِلَيْهِ وَهُوَ مَعْزُولٌ. وَإِنْ أَطْلَقَ، فَهَلْ يَبَرُّ بِالرَّفْعِ إِلَيْهِ وَهُوَ مَعْزُولٌ؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، كَمَا لَوْ قَالَ:

стр. 4391

لَا أَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ هَذِهِ فَبَاعَهَا، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِهِ تَغْلِيبًا لِلْعَيْنِ، فَلَا يَحْنَثُ هُنَا تَغْلِيبًا لِلْعَيْنِ. الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولَ: إِلَّا رَفَعْتُهُ إِلَى قَاضٍ، فَيَبِرُّ بِالرَّفْعِ إِلَى أَيِّ قَاضٍ كَانَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ وَغَيْرِهِ. الثَّالِثَةُ: يَقُولُ: إِلَّا رَفَعْتُهُ إِلَى الْقَاضِي، وَلَا يُعَيِّنُ أَحَدًا بِلَفْظِهِ وَلَا بِنِيَّتِهِ، فَهَلْ يَخْتَصُّ بِقَاضِي الْبَلَدِ؟ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: لَا، بَلْ يَبَرُّ بِالرَّفْعِ إِلَى أَيِّ قَاضٍ كَانَ، وَالصَّحِيحُ اخْتِصَاصُهُ بِقَاضِي الْبَلَدِ حَمْلًا لَهُ عَلَى الْمَعْهُودِ. وَهَلْ يَتَعَيَّنُ قَاضِي الْبَلَدِ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ، أَمْ يَقُومُ مَقَامَهُ مَنْ يَنْصِبُ بَعْدَهُ؟ وَجْهَانِ وَيُقَالُ: قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، حَتَّى لَوْ عُزِلَ الْأَوَّلُ وَوُلِّيَ غَيْرُهُ يَبَرُّ بِالرَّفْعِ إِلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ. فَإِذَا قُلْنَا: يَتَعَيَّنُ قَاضِي الْبَلَدِ فِي الْحَالِ، فَالْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْحَالَةِ الْأُولَى، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ، هَلِ الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْيَمِينِ، أَمْ بِحَالِ رُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ؟ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ. وَلَوْ كَانَ فِي الْبَلَدِ قَاضِيَانِ، وَجَوَّزْنَاهُ، فَيَرْفَعُ إِلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا. وَلَوْ رَأَى الْمُنْكَرَ بَيْنَ يَدَيِ الْقَاضِي الْمَرْفُوعِ إِلَيْهِ، قَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : لَا مَعْنَى لِلرَّفْعِ إِلَيْهِ وَهُوَ يُشَاهِدُهُ. وَقَالَ الْمُتَوَلِّي: إِنَّمَا يَحْصُلُ الْبَرُّ بِأَنْ يُخْبِرَهُ [بِهِ] . وَلَوْ رَأَى الْمُنْكَرَ بَعْدَ اطِّلَاعِ الْقَاضِي عَلَيْهِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ فَاتَ الْبَرَّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، فَيَكُونُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَأَصَحُّهُمَا وَبِهِ أَجَابَ الْبَغَوِيُّ: أَنَّهُ يَبَرُّ بِالْإِخْبَارِ وَصُورَةِ الرَّفْعِ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ. وَلَوْ لَمْ يَرَ الْحَالِفُ مُنْكَرًا حَتَّى مَاتَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَفِي حَالِ تَعْيِينِ الْقَاضِي. وَلَوْ لَمْ يَرَ مُنْكَرًا حَتَّى مَاتَ الْقَاضِي، فَكَذَلِكَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَلَوْ رَآهُ بَعْدَ عَزْلِهِ، فَإِنْ نَوَى الرَّفْعَ إِلَيْهِ فِي حَالِ الْقَضَاءِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ قَصَدَ عَيْنَهُ، فَلْيُخْبِرْهُ. وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَرْفَعُ مُنْكَرًا إِلَى الْقَاضِي فُلَانٍ، حَنِثَ بِالرَّفْعِ إِلَيْهِ وَهُوَ قَاضٍ. فَلَوْ رَفَعَ بَعْدَ الْعَزْلِ، عَادَ التَّفْصِيلُ الْمَذْكُورُ. وَإِنْ قَالَ: إِلَى الْقَاضِي، فَهَلْ يُحْمَلُ

стр. 4392

عَلَى قَاضِي الْبَلَدِ حِينَئِذٍ، أَمْ يَحْنَثُ بِالرَّفْعِ إِلَى مَنْ يُنَصَّبُ بَعْدَ عَزْلِهِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: حَلَفَ: لَا يُفَارِقُ غَرِيمَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْهُ، فَفِي الْمَسْأَلَةِ نَظَرَانِ، أَحَدُهُمَا: فِي حَقِيقَةِ الْمُفَارَقَةِ، وَالْقَوْلِ فِيهَا عَلَى مَا سَبَقَ فِي افْتِرَاقِ الْمُتَبَايِعَيْنِ عَنِ الْمَجْلِسِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى الْعَادَةِ. فَإِنْ فَارَقَ الْحَالِفُ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ مُخْتَارًا، حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي النَّاسِي وَالْمُكْرَهِ. وَلَوْ فَارَقَهُ الْغَرِيمُ وَفَرَّ مِنْهُ، فَقِيلَ قَوْلَانِ كَالْمُكْرَهِ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ سَوَاءً تَمَكَّنَ مِنَ التَّعَلُّقِ بِهِ وَمَنْعِهِ أَوْ مِنْ مُتَابَعَتِهِ أَمْ لَا، بَلْ لَوْ كَانَتْ مُفَارَقَتُهُ بِإِذْنِ الْحَالِفِ، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، فَلَا يَحْنَثُ بِفِعْلِ الْغَرِيمِ. وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ: يَحْنَثُ إِنْ أَذِنَ لَهُ. وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: يَحْنَثُ إِنْ أَمْكَنَهُ مَنْعُهُ فَلَمْ يَفْعَلْ. وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: يَحْنَثُ إِنْ أَمْكَنَهُ مُتَابَعَتُهُ، لِأَنَّهُ بِالْمُقَامِ مُفَارِقٌ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ: وَلَوْ كَانَا يَتَمَاشَيَانِ، فَمَشَى الْغَرِيمُ، وَوَقَفَ الْحَالِفُ، فَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّ الْفَارِقَةَ حَصَلَتْ بِحَرَكَةِ الْغَرِيمِ، لَا بِسُكُونِ الْحَالِفِ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي أَجَابَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ أَنَّهُ إِذَا مَضَى أَحَدُهُمَا فِي مَشْيِهِ وَوَقَفَ الْآخَرُ، حَنِثَ الْحَالِفُ، لِأَنَّهُ إِنْ وَقَفَ الْغَرِيمُ، فَقَدْ فَارَقَهُ الْحَالِفُ بِمَشْيِهِ، وَإِنْ وَقَفَ الْحَالِفُ فَقَدْ فَارَقَهُ بِالْوُقُوفِ لِأَنَّ الْحَادِثَ هُوَ الْوُقُوفُ، فَنَسَبَ الْمُفَارَقَةَ إِلَيْهِ بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا سَاكِنَيْنِ، فَابْتَدَأَ الْغَرِيمُ بِالْمَشْيِ، لِأَنَّ الْحَادِثَ هُنَاكَ الْمَشْيُ، وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا حِنْثَ بِمُفَارَقَةِ الْغَرِيمِ. فَلَوْ فَارَقَ الْحَالِفُ مَكَانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَمْ يَحْنَثْ. أَمَّا إِذَا قَالَ: لَا تُفَارِقْنِي حَتَّى أَسْتَوْفِيَ مِنْكَ حَقِّي أَوْ حَتَّى تُوَفِّيَنِي حَقِّي، فَالْيَمِينُ مُنْعَقِدَةٌ عَلَى فِعْلِ الْغَرِيمِ. فَإِنْ فَارَقَهُ الْغَرِيمُ مُخْتَارًا، حَنِثَ الْحَالِفُ، سَوَاءً كَانَتْ مُفَارَقَتُهُ بِإِذْنِهِ أَمْ دُونَ إِذْنِهِ. وَقِيلَ: إِنْ فَرَّ مِنْهُ، فَفِي حِنْثِهِ الْقَوْلَانِ فِي

стр. 4393

الْمُكْرَهِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى فِعْلِهِ، وَهُوَ مُخْتَارٌ فِي الْفِرَارِ. فَإِنْ فَارَقَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، خَرَجَ الْحِنْثُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وَنَقَلَ الْبَغَوِيُّ طَرِيقًا قَاطِعًا بِالْحِنْثِ، وَأَنَّ الِاخْتِيَارَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي فِعْلِ الْحَالِفِ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. وَلَوْ فَرَّ الْحَالِفُ مِنَ الْغَرِيمِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَيَجِيءُ وَجْهٌ أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ الْغَرِيمَ مُتَابَعَتُهُ فَلَمْ يَفْعَلْ، حَنِثَ. وَلَوْ قَالَ: لَا افْتَرَقْتُ أَنَا وَأَنْتَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ، أَوْ لَا تَفْتَرِقُ لَا أَنَا وَلَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ فَالْيَمِينُ عَلَى فِعْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا، فَأَيُّهُمَا فَارَقَ الْآخَرَ مُخْتَارًا، حَنِثَ الْحَالِفُ. فَإِنْ فَارَقَ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، فَفِيهِ الْخِلَافُ. وَلَوْ قَالَ: لَا افْتَرَقْنَا حَتَّى أَسْتَوْفِيَ، أَوْ لَا نَفْتَرِقُ، فَوَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَحْنَثُ حَتَّى يُفَارِقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ. وَأَصَحُّهُمَا: يَحْنَثُ بِمُفَارَقَةِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: افْتَرَقَا. فَرْعٌ النَّظَرُ الثَّانِي فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ، فَإِذَا قَالَ: لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْكَ، ثُمَّ أَبْرَأَهُ وَفَارَقَهُ، حَنِثَ، لِأَنَّهُ فَوَّتَ الْبَرَّ بِاخْتِيَارِهِ، وَهَلْ يُحْكَمُ بِالْحِنْثِ بِنَفْسِ الْإِبْرَاءِ، أَمْ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ؟ يَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي نَظَائِرِهِ. وَلَوْ أَفْلَسَ الْغَرِيمُ، فَمَنَعَهُ الْحَاكِمُ مِنْ مُلَازَمَتِهِ فَفَارَقَهُ، فَفِيهِ قَوْلَا حِنْثِ الْمُكْرَهِ. وَإِنْ فَارَقَهُ بِاخْتِيَارِهِ، حَنِثَ. وَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ وَاجِبًا كَمَا لَوْ قَالَ: لَا أُصَلِّي الْفَرْضَ، حَنِثَ. وَلَوْ أَحَالَهُ الْغَرِيمُ عَلَى رَجُلٍ، أَوْ أَحَالَ هُوَ عَلَى الْغَرِيمِ غَرِيمًا لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، ثُمَّ فَارَقَهُ، فَطَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا: الْبِنَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ اسْتِيفَاءٌ أَمِ اعْتِيَاضٌ؟ إِنْ قُلْنَا: اسْتِيفَاءٌ، لَمْ يَحْنَثْ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِالْحِنْثِ بِكُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهُ لَيْسَ اسْتِيفَاءَ حَقِيقَةٍ وَحَيْثُ جَعَلْنَاهَا اسْتِيفَاءً، فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا كَالِاسْتِيفَاءِ فِي

стр. 4394

الْحُكْمِ، لَكِنْ لَوْ نَوَى أَنَّهُ لَا يُفَارِقُهُ وَعَلَيْهِ حَقٌّ، لَمْ يَحْنَثْ. وَلَوْ أَخَذَ عِوَضًا عَنْ حَقِّهِ، وَفَارَقَهُ، حَنِثَ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَا ذَكَرْنَا، وَسَوَاءً كَانَتْ قِيمَةُ الْعِوَضِ مِثْلَ حَقِّهِ، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَوْفِ حَقَّهُ، وَإِنَّمَا اسْتَوْفَى بَدَلَهُ. وَإِنْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ مِنْ وَكِيلِ الْغَرِيمِ، أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ تَبَرَّعَ بِهِ، وَفَارَقَهُ، حَنِثَ إِنْ كَانَ قَالَ: حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْكَ، وَلَا يَحْنَثُ إِنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي. وَلَوِ اسْتَوْفَى ثُمَّ فَارَقَهُ، ثُمَّ وَجَدَ مَا اسْتَوْفَاهُ نَاقِصًا، لَمْ يَحْنَثْ إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهِ، بِأَنْ كَانَ حَقُّهُ الدَّرَاهِمَ، فَخَرَّجَ الْمَأْخُوذَ نُحَاسًا أَوْ مَغْشُوشًا، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ، حَنِثَ، وَإِلَّا، فَعَلَى قَوْلِي النَّاسِي وَالْجَاهِلِ. فَرْعٌ حَلَفَ الْغَرِيمُ: لَيَقْضِيَنَّ حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهُ، أَوْ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَقَّهُ، فَالْقَوْلُ فِي مُفَارَقَتِهِ مُخْتَارًا أَوْ مُكْرَهًا وَفِي الْحَوَالَةِ وَالْمُصَالَحَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى قِيَاسِ مَا سَبَقَ. وَلَوْ حَلَفَ: لَا يُعْطِيهِ حَقَّهُ، فَأَعْطَاهُ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا، فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ. وَلَوْ قَالَ: لَا يَأْخُذُ وَلَا يَسْتَوْفِي، فَأَخَذَ، حَنِثَ، سَوَاءً كَانَ الْمُعْطِي مُكْرَهًا أَوْ مُخْتَارًا. فَلَوْ كَانَ الْأَخْذُ مُكْرَهًا، فَفِيهِ الْخِلَافُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: حَلَفَ عَلَى الضَّرْبِ، تَعَلَّقَتِ الْيَمِينُ بِمَا يُسَمَّى ضَرْبًا، وَلَا يَكْفِي وَضْعُ الْيَدِ وَالسَّوْطِ وَرَفْعُهُمَا، وَلَا الْعَضُّ وَالْقَرْصُ وَنَتْفُ الشَّعْرِ. وَفِي الْوَكْزِ وَاللَّكْزِ وَاللَّطْمِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ

стр. 4395

ضَرْبٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِيلَامُ، وَلِهَذَا يُقَالُ: ضَرَبَهُ وَلَمْ يُؤْلِمْهُ، بِخِلَافِ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِمَا الْإِيلَامُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِمَا الزَّجْرُ، وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِإِيلَامٍ، وَالْيَمِينُ تَتَعَلَّقُ بِالِاسْمِ. وَحُكِيَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْإِيلَامُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ. قُلْتُ: وَلَوْ ضَرَبَ مَيِّتًا، لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ ضَرَبَ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مَجْنُونًا أَوْ سَكْرَانَ، حَنِثَ، لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلضَّرْبِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ ذَكَرَهُ الْمُتَوَلِّي. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ حَلَفَ: لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مِائَةَ خَشَبَةٍ، أَوْ لَيَجْلِدَنَّهُ مِائَةَ سَوْطٍ، فَإِنْ شَدَّ مِائَةَ سَوْطٍ وَضَرَبَهُ بِهَا، فَقَدْ وَفَّى بِمُوجَبِ اللَّفْظِ، وَإِنْ ضَرَبَهُ بِعِثْكَالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، حَصَلَ الْبَرُّ إِنْ تَحَقَّقَ أَنَّ الْجَمِيعَ أَصَابَ بَدَنَهُ. وَفِي الْمُرَادِ بِإِصَابَةِ الْجَمِيعِ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُلَاقِيَ جَمِيعَ الْقُضْبَانِ بَدَنَهُ أَوْ مَلْبُوسَهُ، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَنْكَبِسَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، بِحَيْثُ يَنَالُهُ ثِقَلُ الْجَمِيعِ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُ الْبَعْضِ حَائِلًا بَيْنَ بَدَنِهِ وَبَيْنَ الْبَعْضِ، كَالثِّيَابِ وَغَيْرِهَا، مِمَّا لَا يَمْنَعُ تَأَثُّرَ الْبَشَرَةِ بِالضَّرْبِ. وَالثَّانِي: لَا يَكْفِي الِانْكِبَاسُ، بَلْ يُشْتَرَطُ مُلَاقَاةُ الْجَمِيعِ بَدَنَهُ أَوْ مَلْبُوسَهُ، وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ الْجَمِيعُ، لَمْ يَبَرَّ. وَإِنْ شَكَّ فِي ذَلِكَ، فَالنَّصُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ. وَنَصَّ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَيَدْخُلَنَّ الدَّارَ الْيَوْمَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ زَيْدٌ، فَلَمْ يَدْخُلْ، وَمَاتَ زَيْدٌ وَلَمْ يَعْلَمْ هَلْ شَاءَ أَمْ لَا: أَنَّهُ يَحْنَثُ، فَقِيلَ بِتَقْرِيرِ النَّصَّيْنِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ

стр. 4396

الضَّرْبَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي الِانْكِبَاسِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الْمَشِيئَةِ لَا أَمَارَةَ لَهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا. وَقِيلَ: فِيهِمَا قَوْلَانِ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ هُنَا، وَيَحْنَثُ فِي مَسْأَلَةِ الْمَشِيئَةِ. قُلْتُ: هَكَذَا صَوَّرَ الْجُمْهُورُ مَسْأَلَةَ الْخِلَافِ فِيمَا إِذَا شَكَّ، وَذَكَرَ الدَّارِمِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمُتَوَلِّي أَنَّهُ إِذَا شَكَّ، حَنِثَ، وَإِنَّمَا لَا يَحْنَثُ عَلَى الْمَنْصُوصِ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إِصَابَةُ الْجَمِيعِ، وَهَذَا حَسَنٌ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ، لِأَنَّ بَعْدَ هَذَا الضَّرْبِ شَكَّ فِي الْحِنْثِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا قُلْنَا: لَا يَحْنَثُ، فَالْوَرَعُ أَنْ يَحْنَثَ نَفْسُهُ، فَيُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَوْ حَلَفَ: لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ مَرَّةٍ فَضَرَبَهُ مَرَّةً بِالْعِثْكَالِ أَوْ بِالْمِائَةِ الْمَشْدُودَةِ، لَمْ يَبَرَّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَضْرِبْهُ إِلَّا مَرَّةً. وَلَوْ حَلَفَ: لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ، لَمْ يَبَرَّ أَيْضًا عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ حَلَفَ: لَيَضْرِبَنَّهُ بِالسَّوْطِ، لَمْ يَبَرَّ بِالْعَصَا وَالشَّمَارِيخِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَوْطٍ. وَلَوْ قَالَ: مِائَةُ سَوْطٍ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَبَرُّ بِعِثْكَالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ، وَإِنَّمَا يَبَرُّ بِأَنْ يَجْمَعَ مِائَةَ سَوْطٍ وَيَشُدَّهَا وَيَضْرِبَهُ بِهَا دُفْعَةً، أَوْ خَمْسِينَ وَيَضْرِبُهُ دُفْعَتَيْنِ، أَوْ سَوْطَيْنِ وَيَضْرِبُهُ بِهِمَا خَمْسِينَ مَرَّةً، بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ إِصَابَةَ الْجَمِيعِ عَلَى مَا سَبَقَ وَقِيلَ: يَبَرُّ بِالْعِثْكَالِ، كَمَا فِي لَفْظِ الْخَشَبَةِ. فَصْلٌ فِي حِنْثِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ وَالْمُكْرَهِ. فَإِذَا وُجِدَ الْقَوْلُ أَوِ الْفِعْلُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَاهِ أَوِ النِّسْيَانِ أَوِ الْجَهْلِ، سَوَاءً كَانَ الْحَلِفُ

стр. 4397

بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالطَّلَاقِ، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: لَا يَحْنَثُ. وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ أَبُو حَامِدٍ الْقَاضِي وَالشَّيْخُ وَابْنُ كَجٍّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ سَلَمَةَ: لَا حِنْثَ قَطْعًا. وَقِيلَ: النَّاسِي أَوْلَى بِالْحِنْثِ مِنَ الْمُكْرَهِ. وَقِيلَ: عَكْسُهُ. وَقِيلَ: الْجَاهِلُ أَوْلَى بِالْحِنْثِ مِنَ النَّاسِي. وَقَالَ الْقَفَّالُ: يَحْنَثُ فِي الطَّلَاقِ دُونَ الْيَمِينِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ. فَإِذَا قُلْنَا: لَا حِنْثَ، لَمْ تَنْحَلَّ الْيَمِينُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ الدَّارَ طَائِعًا وَلَا مُكْرَهًا وَلَا نَاسِيًا، حَنِثَ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَالنِّسْيَانِ. وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ فَانْقَلَبَ فِي نَوْمِهِ وَحَصَلَ فِي الدَّارِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ حُمِلَ قَهْرًا وَأُدْخِلَ، فَقِيلَ: قَوْلَانِ كَالْمُكْرَهِ وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى دُخُولِهِ، وَلَمْ يَدْخُلْ، وَإِنَّمَا أُدْخِلَ، وَلِهَذَا لَا تَنْحَلُّ الْيَمِينُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِلَا خِلَافٍ. وَلَوْ حُمِلَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لَكِنْ قَدَرَ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الصَّحِيحِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بَلْ أُدْخِلَ. وَلَوْ حُمِلَ بِأَمْرِهِ. حَنِثَ كَمَا لَوْ رَكِبَ دَابَّةً وَدَخَلَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَنْ يُعَلَّقَ عَلَى فِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ، فَإِذَا وُجِدَ بِالْإِكْرَاهِ أَوِ النِّسْيَانِ، فَفِيهِ الْخِلَافُ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَفِيهِ شَيْءٌ سَبَقَ فِي مَسْأَلَةِ الْحَلِفِ عَلَى مُفَارَقَةِ الْغَرِيمِ. وَمِنْ صُوَرِ الْفِعْلِ جَاهِلًا أَنْ يَدْخُلَ دَارًا لَا يَعْرِفُ أَنَّهَا الْمَحْلُوفُ عَلَيْهَا، أَوْ حَلَفَ: لَا يُسَلِّمُ عَلَى زَيْدٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فِي ظُلْمَةٍ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّهُ زَيْدٌ. فَصْلٌ حَلَفَ: لَا يُسَلِّمُ عَلَى زَيْدٍ، فَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ فِيهِمْ، فَفِي الْحِنْثِ قَوْلَا حِنْثِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ فِيهِمْ

стр. 4398

وَنَوَى السَّلَامَ عَلَيْهِ مَعَهُمْ، حَنِثَ، وَفِيهِ مَا حَكَيْنَا عَنِ الْبَيَانِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ، فَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَقَصَدَهُ، فَأَمَّا إِذَا اسْتَثْنَاهُ بِلَفْظِهِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ إِلَّا عَلَى زَيْدٍ، فَلَا يَحْنَثُ. وَإِنْ اسْتَثْنَاهُ بِنِيَّتِهِ، لَمْ يَحْنَثْ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ. وَإِنْ أَطْلَقَ، حَنِثَ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ عَلَى زَيْدٍ، فَدَخَلَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ فَاسْتَثْنَاهُ بِقَلْبِهِ، وَقَصَدَ الدُّخُولَ عَلَى غَيْرِهِ، حَنِثَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّلَامِ، أَنَّ الدُّخُولَ فِعْلٌ لَا يَدْخُلُهُ الِاسْتِثْنَاءُ، فَلَا يَنْتَظِمُ أَنْ يَقُولَ: دَخَلْتُ عَلَيْكُمْ إِلَّا عَلَى فُلَانٍ، وَيَصِحُّ أَنْ يَقُولَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ إِلَّا عَلَى فُلَانٍ. وَلَوْ دَخَلَ بَيْتًا فِيهِ زَيْدٌ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ فِيهِ، فَفِي حِنْثِهِ قَوْلَا الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي. وَلَوْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَأَوْلَى بِعَدَمِ الْحِنْثِ، وَإِنْ دَخَلَ لِشُغْلٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ فِي الْبَيْتِ، فَأَوْلَى بِعَدَمِ الْحِنْثِ لِانْضِمَامِ قَصْدِ الشُّغْلِ إِلَى الْجَهْلِ. قَالَ الْإِمَامُ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، وَخَرَّجَ الرَّبِيعُ قَوْلًا، وَجَعَلَهُ كَالنَّاسِي. وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ فِي الْبَيْتِ، وَقَصَدَ الدُّخُولَ لِشُغْلٍ، فَقِيلَ: يَحْنَثُ قَطْعًا. وَقِيلَ: هُوَ كَمَا لَوْ دَخَلَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَاسْتَثْنَاهُ بِقَلْبِهِ وَلَوْ كَانَ الْحَالِفُ فِي بَيْتٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ زَيْدٌ، فَإِنْ خَرَجَ الْحَالِفُ فِي الْحَالِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا، فَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ، وَقِيلَ: فِيهِ خِلَافٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ اسْتِدَامَةَ الدُّخُولِ هَلْ هِيَ دُخُولٌ؟ وَأَجَابَ ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الِاسْتِدَامَةَ إِنْ جُعِلَتْ دُخُولًا كَانَا كَالدَّاخِلَيْنَ مَعًا، فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا دَاخِلًا عَلَى الْآخَرِ. قُلْتُ: الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ حَسَنٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْأُمِّ» . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

стр. 4399

فَصْلٌ فِي أُصُولٍ تَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابِ لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُ صَبِيٍّ، وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا مُكْرَهٍ وَفِي السَّكْرَانِ الْخِلَافُ فِي طَلَاقِهِ، وَتَنْعَقِدُ يَمِينُ الْكَافِرِ. وَمَنْ حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ الدَّارَ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا. فَإِنْ كَانَتِ الْيَمِينُ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتَاقٍ، لَمْ تُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ، وَيُدَيَّنُ، وَيَلْحَقُ بِهِمَا الْإِيلَاءُ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ بِهِ. وَإِنْ كَانَتْ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقُّ آدَمِيٍّ، قَبْلَ قَوْلِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَوْ حَلَفَ: لَا يُكَلِّمُ أَحَدًا، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ زَيْدًا، أَوْ مَنْ سِوَى زَيْدٍ، أَوْ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا، وَنَوَى طَعَامًا بِعَيْنِهِ، تَخَصَّصَتِ الْيَمِينُ بِمَا نَوَى، فَلَا يَحْنَثُ بِغَيْرِهِ. فَرْعٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ ﵀: لَا أَدْرِي عَلَى مَاذَا بَنَى الشَّافِعِيُّ ﵀ مَسَائِلَ الْأَيْمَانِ، إِنْ اتَّبَعَ اللُّغَةَ، فَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّءُوسَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْنَثَ بِرُءُوسِ الطَّيْرِ وَالسَّمَكِ، وَإِنْ اتَّبَعَ الْعُرْفَ، فَأَهْلُ الْقُرَى لَا يَعُدُّونَ الْخِيَامَ بُيُوتًا. وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَرَوِيِّ وَالْبَدَوِيِّ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ تَتَبَّعَ مُقْتَضَى اللُّغَةِ تَارَةً، وَذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِهَا وَشُمُولِهَا، وَهُوَ الْأَصْلُ، وَتَارَةً يَتَّبِعُ الْعُرْفَ إِذَا اسْتَمَرَّ وَاطَّرَدَ. فَرْعٌ اللَّفْظُ الْخَاصُّ فِي الْيَمِينِ لَا يُعَمَّمُ بِالسَّبَبِ وَالنِّيَّةِ وَالْعَامِّ، وَقَدْ يَتَخَصَّصُ. مِثَالُ الْأَوَّلِ، إِذَا مَنَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِمَا نَالَ مِنْهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَشْرَبُ لَكَ مَاءً مِنْ عَطَشٍ، انْعَقَدَتِ الْيَمِينُ عَلَى الْمَاءِ مِنْ عَطَشٍ خَاصَّةً. فَلَا يَحْنَثُ بِطَعَامِهِ وَثِيَابِهِ، وَإِنْ نَوَى أَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتِ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا تَقْتَضِي مَا نَوَاهُ. وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ النِّيَّةُ إِذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ مَا نَوَى

стр. 4400

بِجِهَةٍ يُتَجَوَّزُ بِهَا، وَعِنْدَ مَالِكٍ ﵀ يَحْنَثُ بِكُلِّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ مَالِهِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَسَبَبُ الْخِلَافِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ عِنْدَنَا بِاللَّفْظِ، وَيُرَاعَى عُمُومُهُ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ خَاصًّا، وَخُصُوصُهُ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ عَامًّا، وَعِنْدَهُ الِاعْتِبَارُ بِالسَّبَبِ دُونَ اللَّفْظِ. وَأَمَّا تَخْصِيصُ الْعَامِّ فَتَارَةً يَكُونُ بِالنِّيَّةِ كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُ أَحَدًا وَنَوَى زَيْدًا. وَتَارَةً بِعُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: لَا آكُلُ الرُّءُوسَ، وَتَارَةً بِعُرْفِ الشَّرْعِ كَمَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ: لَا أُصَلِّي عَلَى الصَّلَاةِ الشَّرْعِيَّةِ. فَرْعٌ يُعْتَبَرُ اللَّفْظُ بِحَقِيقَتِهِ، وَقَدْ يُصْرَفُ إِلَى الْمَجَازِ بِالنِّيَّةِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا أَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ، وَقَالَ: أَرَدْتُ مَا يَسْكُنُهُ دُونَ مَا يَمْلِكُهُ، فَيُقْبَلُ فِي الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ إِذَا حَلَفَ بِطَلَاقٍ وَعِتَاقٍ ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ، وَتَارَةً لِكَوْنِ الْمَجَازِ مُتَعَارَفًا وَكَوْنِ الْحَقِيقَةِ بَعِيدَةً، وَمَثَّلَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ بِمَا إِذَا حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، تُحْمَلُ الْيَمِينُ عَلَى الْأَكْلِ مِنْ ثَمَرِهَا دُونَ الْوَرَقِ وَالْأَغْصَانِ، وَإِنْ كَانَتِ الْحَقِيقَةُ مُتَعَارَفَةً، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ، يُحْمَلُ عَلَى لَحْمِهَا، فَلَا يَحْنَثُ بِلَبَنِهَا وَلَحْمِ وَلَدِهَا. فَرْعٌ قَالَ ابْنُ كَجٍّ: لَوْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا دَخَلْتُ الدَّارَ، وَاللَّهِ لَا دَخَلْتُ الدَّارَ وَنَوَى التَّأْكِيدَ، فَهُوَ يَمِينٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ نَوَى بِالثَّانِي يَمِينًا أُخْرَى، أَوْ أَطْلَقَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ بِالْحِنْثِ كَفَّارَةٌ أَمْ كَفَّارَتَانِ؟ وَجْهَانِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ كَفَّارَةٌ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

стр. 4401

وَإِنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَا دَخَلْتُ الدَّارَ، لَا دَخَلْتُ الدَّارَ، لَا دَخَلْتُ الدَّارَ، فَإِنْ نَوَى التَّأْكِيدَ، فَيَمِينٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ، أَوْ نَوَى الِاسْتِئْنَافَ عَلَى الْمَذْهَبِ. فَرْعٌ قَالَ الْحَلِيمِيُّ: الْيَمِينُ الْمَعْقُودَةُ عَلَى الْمَمْلُوكِ الْمُضَافِ يَعْتَمِدُ الْمَالِكَ دُونَ الْمَمْلُوكِ، وَالْمَعْقُودَةُ عَلَى غَيْرِ الْمَمْلُوكِ الْمُضَافِ يَعْتَمِدُ الْمُضَافَ دُونَ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، فَإِذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ عَبِيدَ فُلَانٍ وَلَا عَبْدَ لَهُ، ثُمَّ مَلَكَ عَبِيدًا وَكَلَّمَهُمْ، حَنِثَ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ، بَنِيهِ وَلَا ابْنَ لَهُ، ثُمَّ وُلِدَ لَهُ بَنُونُ فَكَلَّمَهُمْ، لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ وَقْتَ الْيَمِينِ. فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يُكَلِّمُ النَّاسَ، ذَكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ، أَنَّهُ يَحْنَثُ إِذَا كَلَّمَ وَاحِدًا، كَمَا إِذَا قَالَ: لَا آكُلُ الْخُبْزَ يَحْنَثُ بِمَا أَكَلَ مِنْهُ. وَلَوْ حَلَفَ: لَا يُكَلِّمُ نَاسًا حُمِلَ عَلَى ثَلَاثَةٍ. فَرْعٌ فِي كُتُبِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ النَّكِرَةِ لِمُغَايَرَتِهِمَا، فَإِذْ قَالَ: لَا يَدْخُلُ دَارِي أَحَدٌ، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبِي أَحَدٌ، دَخَلَ فِي الْيَمِينِ غَيْرُ الْحَالِفِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْحَالِفُ، لِأَنَّهُ صَارَ مُعَرَّفًا بِإِضَافَةِ الدَّارِ أَوِ الْقَمِيصِ إِلَيْهِ، قَالُوا: لَوْ عَرَّفَ نَفْسَهُ بِإِضَافَةِ الْفِعْلِ بِأَنْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ هَذَا الْقَمِيصَ أَحَدًا، أَوْ عَرَّفَ غَيْرَهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ فَقَالَ: لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ أَحَدٌ، أَوْ لَا يَلْبَسُ قَمِيصَهُ أَحَدٌ، لَمْ يَدْخُلِ الْمُضَافُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ صَارَ مُعَرَّفًا. وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَا يَقْطَعُ هَذِهِ الْيَدَ أَحَدٌ، وَأَشَارَ إِلَى يَدِهِ، لَمْ يَدْخُلْ هُوَ، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ، وَالسَّابِقُ إِلَى الْفَهْمِ فِي غَيْرِهَا مَا ذَكَرُوهُ، وَيَجُوزُ أَنْ تَخْرُجَ

стр. 4402

الصُّورَةُ الْأُولَى عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْمُخَاطَبَ هَلْ يَنْدَرِجُ تَحْتَ الْخِطَابِ. قُلْتُ: الْوَجْهُ الْجَزْمُ بِكُلِّ مَا ذَكَرُوهُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَفِي كُتُبِهِمْ أَنَّ كَلِمَةَ «أَوْ» إِذَا دَخَلَتْ بَيْنَ نَفْيَيْنِ، اقْتَضَتِ انْتِفَاءَهُمَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (لَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا) ، وَإِذَا دَخَلَتْ بَيْنَ إِثْبَاتَيْنِ، اقْتَضَتْ ثُبُوتَ أَحَدِهِمَا، فَإِذَا قَالَ: لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ هَذِهِ، فَأَيَّتُهُمَا دَخَلَهَا، حَنِثَ، وَإِنْ قَالَ: لَأَدْخُلَنَّ هَذِهِ الدَّارَ الْيَوْمَ أَوْ هَذِهِ، بَرَّ بِدُخُولِ إِحْدَاهُمَا. وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إِذَا دَخَلَتْ بَيْنَ نَفْيَيْنِ، كَفَى لِلْبَرِّ أَنْ لَا يَدْخُلَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، وَلَا يَضُرُّ دُخُولُ الْأُخْرَى، كَمَا أَنَّهَا إِذَا دَخَلَتْ بَيْنَ إِثْبَاتَيْنِ، كَفَى لِلْبَرِّ أَنْ يَدْخُلَ إِحْدَاهُمَا، وَلَا يَضُرُّ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْأُخْرَى. وَلَوْ قَالَ: لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ أَبَدًا، وَلَأَدْخُلَنَّ الدَّارَ الْأُخْرَى الْيَوْمَ، فَإِنْ دَخَلَ الْأُخْرَى الْيَوْمَ، بَرَّ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْهَا الْيَوْمَ، وَلَمْ يَدْخُلِ الْأُخْرَى، بَرَّ أَيْضًا. وَفِي «الْإِقْنَاعِ» لِلْمَاوَرْدِيِّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ. إِنْ أَكَلْتُ خُبْزًا أَوْ لَحْمًا يَرْجِعُ إِلَى مُرَادِهِ مِنْهُمَا، فَيَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ بِهِ. فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ. حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ هَذِهِ وَأَشَارَ إِلَى دَارٍ، فَانْهَدَمَتْ، حَنِثَ بِدُخُولِهِ عَرْصَتَهَا. وَلَوْ قَالَ: لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ فَانْهَدَمَتْ، نُظِرَ إِنْ بَقِيَتْ أُصُولُ الْحِيطَانِ وَالرُّسُومِ، حَنِثَ، وَإِنْ صَارَتْ فَضَاءً، فَدَخَلَهَا، لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ، وَجَعَلَهُ الْإِمَامُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ قَالَ: لَا آكُلُ هَذِهِ الْحِنْطَةَ، فَأَكَلَ دَقِيقَهَا.

стр. 4403

وَكَذَا لَوْ حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ دَارًا أَوْ بَيْتًا، فَدَخَلَ عَرْصَةً كَانَتْ دَارًا أَوْ بَيْتًا. وَلَوْ جُعِلَتِ الدَّارُ مَسْجِدًا، أَوْ بُسْتَانًا أَوْ حَمَّامًا، لَمْ يَحْنَثْ بِدُخُولِهِ، وَلَوْ أُعِيدَتِ الدَّارُ بِغَيْرِ الْآلَةِ الْأُولَى، فَدَخَلَهَا، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أُعِيدَتْ بِتِلْكَ الْآلَةِ فَوَجْهَانِ. قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا الْحِنْثُ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَشُمُّ الرَّيْحَانَ، حَنِثَ بِشَمِّ الضَّيْمَرَانِ دُونَ الْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالْيَاسَمِينِ وَالنَّرْجِسِ وَالْمَرْزَنْجُوشِ وَالزَّعْفَرَانِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: هَذَا فِيمَا إِذَا ذَكَرَ الرَّيْحَانَ مُعَرَّفًا، فَأَمَّا إِذَا نَكَّرَهُ، فَقَالَ: لَا أَشُمُّ رَيْحَانًا، فَيَحْنَثُ بِهَا كُلِّهَا. قُلْتُ: الظَّاهِرُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ، وَمِنْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ، وَلَا يَحْنَثُ مُطْلَقًا بِمَا بَعْدَ الضَّيْمَرَانِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَشُمُّ مَشْمُومًا، حَنِثَ بِشَمِّ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَلَا يَحْنَثُ بِشَمِّ الْمِسْكِ وَالْكَافُورِ وَالْعُودِ وَالصَّنْدَلِ. وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَشُمُّ الْوَرْدَ وَالْبَنَفْسَجَ، فَشَمَّهُمَا بَعْدَ الْجَفَافِ، فَوَجْهَانِ وَلَا يَحْنَثُ بِشَمِّ دُهْنِهِمَا. وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَسْتَخْدِمُ زَيْدًا، فَخَدَمَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْلُبَ الْحَالِفُ ذَلِكَ، لَمْ يَحْنَثْ، سَوَاءٌ فِيهِ عَبْدُهُ وَغَيْرُهُ. وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَتَسَرَّى فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: أَنَّ التَّسَرِّيَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: سَتْرُ الْجَارِيَةِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ وَالْوَطْءُ وَالْإِنْزَالُ، وَالثَّانِي: يَكْفِي السَّتْرُ وَالْوَطْءُ، وَالثَّالِثُ: يَكْفِي الْوَطْءُ. وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَقَرَأَ جُنُبًا،

стр. 4404

حَنِثَ. وَإِنْ حَلَفَ: لَيَقْرَأَنَّ، فَقَرَأَهُ جُنُبًا، بَرَّ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَقْرَأَ فَقَرَأَ جُنُبًا، لَا يُجْزِئُهُ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّذْرِ التَّقَرُّبُ، وَالْمَعْصِيَةُ لَا يُتَقَرَّبُ بِهَا. وَلَوْ حَلَفَ: لَيَقْرَأَنَّ جُنُبًا، بَرَّ بِالْقِرَاءَةِ جُنُبَا، وَإِنْ عَصَى وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَقْرَأَ جُنُبًا، لَغَا نَذْرَهُ. فَرْعٌ فِي فَتَاوَى الْقَفَّالِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَا أُصَلِّي عَلَى هَذَا الْمُصَلَّى، فَفَرَشَ فَوْقَهُ ثَوْبًا وَصَلَّى عَلَيْهِ، فَإِنْ نَوَى أَنَّهُ لَا يُبَاشِرُهُ بِقَدَمَيْهِ وَجَبْهَتِهِ وَثِيَابِهِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا فَيَحْنَثُ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا أُصَلِّي فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى عَلَى حَصِيرٍ فِيهِ، وَإِنْ عَلَّقَ بِهِ الطَّلَاقَ، ثُمَّ قَالَ: أَرَدْتُ أَنِّي لَا أُبَاشِرُهُ، دِينَ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ، وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا شَهْرًا، فَوَلَّاهُ ظَهْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا زَيْدُ افْعَلْ كَذَا، حَنِثَ، وَلَوْ أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ، وَقَالَ: يَا جِدَارُ افْعَلْ كَذَا، لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ كَانَ غَرَضُهُ إِفْهَامَ زَيْدٍ. وَكَذَا لَوْ أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ وَتَكَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ: يَا زَيْدُ وَلَا يَا جِدَارُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، فَرَقَّعَ ثَوْبَهُ بِرُقْعَةِ كِرْبَاسٍ مِنْ غَزْلِهَا، حَنِثَ، وَقَالَ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادِيُّ: لَا يَحْنَثُ وَتِلْكَ الرُّقْعَةُ تَبْعٌ. قُلْتُ: قَوْلُ أَبِي عَاصِمٍ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لَابِسًا ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَوْ تَعَمَّمَ بِعِمَامَةٍ، نُسِجَتْ مِنْ غَزْلِهَا، حَنِثَ إِنْ حَلَفَ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَإِنْ حَلَفَ بِالْفَارِسِيَّةِ، فَلَا، وَإِنْ الْتَحَفَ بِلِحَافٍ مِنْ غَزْلِهَا، لَمْ يَحْنَثْ. قُلْتُ: يَجِيءُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي التَّدَثُّرِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَا يَفْعَلُ كَذَا، فَفَعَلَهُ فِي حَالِ جُنُونِهِ، فَفِي الْحِنْثِ قَوْلَانِ.

стр. 4405

فَرْعٌ فِي «الْمُبْتَدَأِ» فِي الْفِقْهِ لِلْقَاضِي الرُّويَانِيِّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَا أَدْخُلُ حَانُوتَ فُلَانٍ، فَدَخَلَ الْحَانُوتَ الَّذِي يُعْمَلُ فِيهِ وَهُوَ مِلْكُ غَيْرِهِ، لَمْ يَحْنَثْ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀، قَالَ: وَالْفَتْوَى أَنَّهُ يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ لَا يُرَادُ بِهِ إِلَّا الَّذِي يَسْكُنُهُ وَيَعْمَلُ فِيهِ. وَلَوْ قِيلَ لَهُ: كَلِّمْ زَيْدًا الْيَوْمَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا كَلَّمْتُهُ، انْعَقَدَتِ الْيَمِينُ عَلَى الْأَبَدِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْيَوْمَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي طَلَاقٍ وَقَالَ: أَرَدْتُ الْيَوْمَ، لَمْ يُقْبَلْ فِي الْحُكْمِ. قُلْتُ: الصَّوَابُ قَبُولُهُ فِي الْحُكْمِ كَمَا سَبَقَ فِي نَظَائِرِهِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. فَرْعٌ فِي كُتُبِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَسُلْطَانِ اللَّهِ فَهُوَ يَمِينٌ إِنْ أَرَادَ الْقُدْرَةَ، وَإِنْ أَرَادَ الْمَقْدُورَ، فَلَا، وَبِهِ نَقُولُ نَحْنُ. وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَرَحْمَةِ اللَّهِ وَغَضَبِهِ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ أَرَادَ إِرَادَةَ النِّعْمَةِ وَالْعُقُوبَةِ فَيَمِينٌ، وَإِنْ أَرَادَ الْفِعْلَ، فَلَا. وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَيَضْرِبَنَّ زَوْجَتَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهَا أَوْ تَبُولَ، حُمِلَ عَلَى الْحَقِيقَةِ. وَلَوْ قَالَ: حَتَّى أَقْتُلَهَا أَوْ تُرْفَعَ مَيِّتَةً، حُمِلَ عَلَى أَشَدِّ الضَّرْبِ، وَيَظْهَرُ عَلَى أَصْلِنَا الْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَيْضًا. وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الْخَيْمَةَ، فَقُلِعَتْ وَنُصِبَتْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، فَدَخَلَهَا، حَنِثَ، وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَجْلِسُ عَلَى هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةِ أَوِ الْحَائِطِ، فَأُعِيدَ بِنَاؤُهُمَا بَعْدَ النَّقْضِ، فَجَلَسَ عَلَى الْمُعَادِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا لَوْ حَلَفَ عَلَى مِقَصٍّ أَوْ سَيْفٍ [أَوْ] سِكِّينٍ فَكُسِرَ وَأُعِيدَتِ الصَّنْعَةُ، لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ نَزَعَ مِسْمَارَ الْمِقَصِّ وَنِصَابَ السِّكِّينِ، وَأُعِيدَ مِسْمَارٌ آخَرُ، وَنِصَابٌ آخَرُ، حَنِثَ. وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَقْرَأُ

стр. 4406

فِي الْمُصْحَفِ فَجُعِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقُلِّبَتْ أَوْرَاقُهُ، فَقَرَأَ فِيهِ، حَنِثَ، وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ هَذَا الْمَسْجِدَ، فَزِيدَ فِيهِ، فَدَخَلَ الزِّيَادَةَ، حَنِثَ، وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَكْتُبُ بِهَذَا الْقَلَمِ، فَكَسَرَهُ، ثُمَّ بَرَاهُ وَكَتَبَ بِهِ، لَمْ يَحْنَثْ وَبِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ نَقُولُ إِلَّا [فِي] مَسْأَلَةِ الْقَلَمِ. قُلْتُ: فِي مُوَافَقَتِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ زِيَادَةِ الْمَسْجِدِ، نُظِرَ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ بِدُخُولِهَا، لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا حَالَةَ الْحَلِفَ. وَأَمَّا قَوْلُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ: إِنَّا نُخَالِفُهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْقَلَمِ، فَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بَلْ مَذْهَبُنَا فِيهَا كَمَا ذَكَرُوهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْ تَعْلِيقِهِ: وَلَوْ حَلَفَ لَا يَكْتُبُ بِهَذَا الْقَلَمِ وَهُوَ مَبْرِيٌّ فَكَسَرَهُ، ثُمَّ بَرَاهُ وَكَتَبَ بِهِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُنْبُوبَةُ وَاحِدَةً، لِأَنَّ الْقَلَمَ اسْمٌ لِلْمَبْرِيِّ دُونَ الْقَصَبَةِ، وَإِنَّمَا تُسَمَّى الْقَصَبَةُ قَبْلَ الْبَرْيِ قَلَمًا مَجَازًا، لِأَنَّهَا سَتَصِيرُ قَلَمًا، قَالَ: وَكَذَا إِذَا قَالَ: لَا أَقْطَعُ بِهَذَا السِّكِّينِ، فَأَبْطَلَ حَدَّهَا، وَجَعَلَهُ فِي ظَهْرِهَا، وَقَطَعَ بِهَا لَمْ يَحْنَثْ. قَالَ: وَلَوْ حَلَفَ: لَا يَسْتَنِدُ إِلَى هَذَا الْحَائِطِ، فَهُدِمَ، ثُمَّ بُنِيَ وَاسْتَنَدَ، إِنْ بُنِيِ بِتِلْكَ الْآلَةِ، حَنِثَ، وَإِنْ أُعِيدَ بِغَيْرِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا، لَمْ يَحْنَثْ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ زَيْدٍ، فَكَسْبُهُ مَا يَتَمَلَّكُهُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، الْعُقُودِ دُونَ مَا يَرِثُهُ. وَلَوْ كَسَبَ شَيْئًا وَمَاتَ، فَوَرِثَهُ الْحَالِفُ وَأَكَلَهُ، حَنِثَ، وَلَوِ انْتَقَلَ إِلَى غَيْرِهِ بِشِرَاءٍ أَوْ وَصِيَّةٍ، لَمْ يَحْنَثْ. وَلَكَ أَنْ لَا تُفَرِّقَ، وَيُشْتَرَطُ لِكَسْبِهِ أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا فِي مِلْكِهِ. وَأَنَّ الْحَلْوَاءَ كُلُّ حُلْوٍ لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ حَامِضٌ، كَالْخَبِيصِ وَالْعَسَلِ وَالسُّكَّرِ دُونَ الْعِنَبِ وَالْإِجَاصِ وَالرُّمَّانِ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي إِطْلَاقِ الْحُلْوِ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا، وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ الْعَسَلُ وَالسُّكَّرُ فَالْحَلْوَاءُ غَيْرُ الْحُلْوِ.

стр. 4407

قُلْتُ: هَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الرَّافِعِيُّ ﵀ هُوَ الصَّوَابُ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: كَانَ يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. قَالَ الْعَبَّادِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الرَّقْمِ: لَوْ حَلَفَ عَلَى الْحَلْوَاءِ، دَخَلَ فِيهِ الْمُتَّخَذِ مِنَ الْفَانِيذِ وَالسُّكَّرِ وَالْعَسَلِ وَالدَّبْسِ وَالْقَنْدِ، وَفِي اللَّوْزِينَجِ وَالْجَوْزِينَجِ وَجْهَانِ، وَأَنَّ الشِّوَاءَ يَقَعُ عَلَى اللَّحْمِ خَاصَّةً دُونَ السَّمَكِ الْمَشْوِيِّ، وَأَنَّ الطَّبِيخَ يَقَعُ عَلَى اللَّحْمِ يُجْعَلُ فِي الْمَاءِ وَيُطْبَخُ، وَعَلَى مَرْقَتِهَا [وَ] عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الشَّحْمِ، وَلَوْ طُبِخَ عَدَسٌ أَوْ أُرْزٌ بِوَدْكٍ فَهُوَ طَبِيخٌ، وَإِنْ طُبِخَ بِزَيْتٍ أَوْ سَمْنٍ، فَلَيْسَ بِطَبِيخٍ. قُلْتُ: الصَّوَابُ أَنَّ الْكُلَّ طَبِيخٌ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَذَكَرَ الْعَبَّادِيُّ فِي «الرَّقْمِ» أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ الْمَرَقَ، فَهُوَ مَا يُطْبَخُ بِاللَّحْمِ أَيِّ لَحْمٍ كَانَ، وَفِيمَا يُطْبَخُ بِالْكِرْشِ وَالْبُطُونِ وَالشَّحْمِ وَجْهَانِ. وَإِذَا حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ الْمَطْبُوخَ، حَنِثَ بِمَا طُبِخَ بِالنَّارِ أَوْ أُغْلِيَ، وَلَا يَحْنَثُ بِالْمَشْوِيِّ. وَالطَّبَاهِجَةُ مَشْوِيَّةٌ، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُهُ، وَذَكَرُوا أَنَّ الْغَدَاءَ: مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى الزَّوَالِ، وَالْعَشَاءَ: مِنَ الزَّوَالِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَالسَّحُورَ: مَا بَيْنَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ. وَمِقْدَارُ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ أَنْ يَأْكُلَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ شَبَعِهِ. وَلَوْ حَلَفَ: لَيَأْتِيَنَّهُ غُدْوَةً، فَهِيَ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، وَالضَّحْوَةُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ حِينِ تَزُولُ كَرَاهَةُ الصَّلَاةِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، وَالصَّبَاحُ

стр. 4408

مَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى ارْتِفَاعِ الضُّحَى، وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي كَوْنِ الْعَشَاءِ مِنَ الزَّوَالِ، وَفِي مِقْدَارِ الْغَدَاءِ وَالْعَشَاءِ، وَفِي امْتِدَادِ الْغُدْوَةِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، وَفِي أَنَّ الضَّحْوَةَ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي تَحِلُّ فِيهَا الصَّلَاةُ. وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَا يُكَلِّمُهُ، فَنَبَّهَهُ مِنَ النَّوْمِ، حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَبِهْ وَهَذَا غَيْرُ مَقْبُولٍ. وَلَوْ دَقَّ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ الْبَابَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ حَنِثَ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ عِلْمِهِ بِهِ وَجَهْلِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُهُ الْيَوْمَ وَلَا غَدًا، لَمْ تَدْخُلِ اللَّيْلَةُ الْمُتَخَلِّلَةُ فِي الْيَمِينِ، وَلَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُهُ الْيَوْمَ وَغَدًا، دَخَلَتْ، وَالصَّوَابُ التَّسْوِيَةُ. قُلْتُ: يَعْنِي فِي عَدَمِ الدُّخُولِ وَهَذَا إِذَا لَمْ يَنْوِ مُوَاصَلَةَ الْهِجْرَانِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَلَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُهُ يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ، فَالْيَمِينُ عَلَى يَوْمَيْنِ، فَلَوْ كَلَّمَهُ فِي الثَّالِثِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا. وَلَوْ قَالَ: يَوْمًا وَيَوْمَيْنِ، فَالْيَمِينُ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَيَهْدِمَنَّ هَذِهِ الدَّارَ، فَهَدَمَ سُقُوفَهَا، بَرَّ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَبْقَى مَا يُسَمَّى دَارًا. وَلَوْ حَلَفَ: لَيَهْدِمَنَّ هَذَا الْحَائِطَ الْيَوْمَ، أَوْ لَيَنْقُضَنَّهُ، اشْتَرَطَ هَدْمَهُ، حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ مَا يُسَمَّى حَائِطًا. وَلَوْ حَلَفَ: لَيَكْسِرَنَّهُ، لَمْ يُشْتَرَطْ مَا يُزِيلُ اسْمَ الْحَائِطِ. فَرْعٌ حَلَفَ: لَا يَزُورُهُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا، فَشَيَّعَ جِنَازَتَهُ، لَمْ يَحْنَثْ. وَفِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَا يَدْخُلُ دَارَهُ صُوفًا، فَأَدْخَلَ دَارَهُ كَبْشًا عَلَيْهِ صُوفٌ، أَوْ لَا يُدْخِلُهَا بَيْضًا، فَأَدْخَلَهَا دَجَاجَةً، فَبَاضَتْ فِي الْحَالِ،

стр. 4409

لَمْ يَحْنَثْ. وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَا يَقْعُدُ مَعَهُ تَحْتَ سَقْفٍ، فَقَعَدَا تَحْتَ أَزْجٍ حَنِثَ، وَأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ: لَا يُفْطِرُ، فَمُطْلَقُ هَذَا يَنْصَرِفُ إِلَى الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا يَحْنَثُ بِالرِّدَّةِ وَالْجُنُونِ وَالْحَيْضِ وَدُخُولِ اللَّيْلِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 4410

كِتَابُ الْقَضَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: فِي التَّوْلِيَةِ وَفِيهِ طَرَفَانِ: الْأَوَّلُ: فِي التَّوْلِيَةِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: الْقَضَاءُ وَالْإِمَامَةُ فَرْضُ كِفَايَةٍ بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ قَامَ بِهِ مَنْ يَصْلُحُ، سَقَطَ الْفَرْضُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِنْ امْتَنَعَ الْجَمِيعُ، أَثِمُوا، وَأَجْبَرَ الْإِمَامُ أَحَدَهُمْ عَلَى الْقَضَاءِ، وَقِيلَ: لَا يُجْبَرُ، وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ، ثُمَّ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ تَحْرُمُ تَوْلِيَتُهُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّوَلِّي وَالطَّلَبُ، وَأَمَّا مَنْ يَصْلُحُ، فَلَهُ حَالَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَعَيَّنَ لِلْقَضَاءِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَطْلُبَهُ وَيُشْهِرَ نَفْسَهُ عِنْدَ الْإِمَامِ إِنْ كَانَ خَامِلًا، وَلَا يُعْذَرُ بِأَنْ يَخَافَ مَيْلَ نَفْسِهِ وَخِيَانَتَهَا، بَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْبَلَ وَيَحْتَرِزَ، فَإِنِ امْتَنَعَ، عَصَا، وَهَلْ يُجْبَرُ؟ وَجْهَانِ الصَّحِيحُ نَعَمْ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ، كَمَا يُجْبَرُ عَلَى الْقِيَامِ بِسَائِرِ فَرُوضِ الْكِفَايَةِ عِنْدَ التَّعَيُّنِ، فَإِنْ قِيلَ: امْتِنَاعُهُ مِنْ هَذَا الْوَاجِبِ الْمُتَعَيِّنِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ كَبِيرَةً، فَيَفْسُقُ بِهِ، وَيَخْرُجُ عَنِ الْأَهْلِيَّةِ، فَكَيْفَ يُوَلَّى وَيُجْبَرُ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالتَّوْبَةِ أَوَّلًا، فَإِذَا تَابَ، وُلِّي. قُلْتُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: لَا يَفْسُقُ، لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ غَالِبًا إِلَّا مُتَأَوِّلًا، وَهَذَا لَيْسَ بِعَاصٍ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَصْلُحُ، فَذَلِكَ الْغَيْرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَصْلَحَ، وَأَوْلَى مِنْهُ، وَإِمَّا مِثْلَهُ، وَإِمَّا دُونَهُ فَإِنْ كَانَ أَصْلَحَ مِنْهُ، بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ الْعُظْمَى هَلْ تَنْعَقِدُ لِلْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ، وَفِيهِ خِلَافٌ لِلْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفُقَهَاءِ، وَالْأَصَحُّ الِانْعِقَادُ، لِأَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ خَارِجَةٌ عَنْ شَرْطِ الْإِمَامَةِ. وَفِي الْقَضَاءِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ، وَأَوْلَى

стр. 4411

بِالِانْعِقَادِ، فَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْ لِلْمَفْضُولِ الْقَضَاءَ حُرِّمَتْ تَوْلِيَتُهُ، وَحُرِّمَ عَلَيْهِ الطَّلَبُ وَالْقَبُولُ، وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ، جَازَ الْقَبُولُ. وَأَمَّا الطَّلَبُ، فَمَكْرُوهٌ، وَقِيلَ: حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ لَا يَتَوَلَّى، فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ هُنَاكَ مِثْلُهُ، فَلَهُ الْقَبُولُ، وَلَا يَلْزَمُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، فَرُبَّمَا قَامَ بِهِ غَيْرُهُ وَأَمَّا الطَّلَبُ، فَإِنْ كَانَ خَامِلَ الذِّكْرِ، وَلَوْ تَوَلَّى، اشْتَهَرَ وَانْتَفَعَ النَّاسُ بِعِلْمِهِ، اسْتُحِبَّ لَهُ الطَّلَبُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَالَ الْقَفَّالُ: لَا يُسْتَحَبُّ. وَإِنْ كَانَ مَشْهُورًا يَنْتَفِعُ النَّاسُ بِعِلْمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كِفَايَةٌ وَلَوْ وُلِّي، حَصَلَتْ كِفَايَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، قَالَ الْأَكْثَرُونَ: يُسْتَحَبُّ، وَقِيلَ: لَا يُسْتَحَبُّ وَلَا يُكْرَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ كِفَايَةٌ، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الطَّلَبَ مَكْرُوهٌ، وَقِيلَ: الْأَوْلَى تَرْكُهُ، ثُمَّ كَمَا يُكْرَهُ الطَّلَبُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ يُكْرَهُ الْقَبُولُ، وَلَوْ وُلِّي بِلَا طَلَبٍ، وَعَلَى هَذَا حُمِلَ امْتِنَاعُ السَّلَفِ. وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ هُوَ دُونَهُ، فَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْ تَوْلِيَةَ الْمَفْضُولِ، فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَإِنْ جَوَّزْنَاهَا، اسْتُحِبَّ لَهُ الْقَبُولُ. وَفِي الْوُجُوبِ الْوَجْهَانِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الطَّلَبُ إِذَا وَثِقَ بِنَفْسِهِ، وَهَكَذَا حَيْثُ اسْتَحْبَبْنَا الطَّلَبَ وَالتَّوَلِّيَ أَوْ أَبَحْنَاهُمَا، فَذَلِكَ عِنْدَ الْوُثُوقِ، وَغَلَبَةِ الظَّنِّ بِقُوَّةٍ النَّفْسِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْخَوْفِ، فَيَحْتَرِزُ. فَرْعٌ التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قَاضٍ مُتَوَلٍّ فَإِنْ كَانَ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لِجَوْرٍ أَوْ جَهْلٍ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَحِقًّا وَالطَّالِبُ يَرُومُ عَزْلَهُ، فَالطَّلَبُ حَرَامٌ، وَالطَّالِبُ مَجْرُوحٌ، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ. قُلْتُ: وَسَوَاءً كَانَ فَاضِلًا أَوْ مَفْضُولًا إِذَا صَحَّحْنَا تَوْلِيَةَ الْمَفْضُولِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -.

стр. 4412

فَرْعٌ مَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ حُكْمُ الطَّلَبِ بِلَا بَذْلٍ، فَلَوْ بَذَلَ مَالًا لِيَتَوَلَّى، فَقَدْ أَطْلَقَ ابْنُ الْقَاصِّ وَآخَرُونَ أَنَّهُ حَرَامٌ وَقَضَاؤُهُ مَرْدُودٌ، وَالصَّحِيحُ تَفْصِيلٌ ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ أَوْ كَانَ مِمَّنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ، فَلَهُ بَذْلُ الْمَالِ، وَلَكِنَّ الْآخِذَ ظَالِمٌ بِالْأَخْذِ، وَهَذَا كَمَا إِذَا تَعَذَّرَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ إِلَّا بِبَذْلِ مَالٍ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَحَبًّا، جَازَ لَهُ بَذْلُ الْمَالِ لِيَتَوَلَّى، وَيَجُوزُ لَهُ الْبَذْلُ بَعْدَ التَّوْلِيَةِ لِئَلَّا يُعْزَلَ، وَالْآخِذُ ظَالِمٌ بِالْأَخْذِ، وَأَمَّا بَذْلُ الْمَالِ لِعَزْلِ قَاضٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِصِفَةِ الْقُضَاةِ، فَمُسْتَحَبٌّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْلِيصِ النَّاسِ مِنْهُ، وَلَكِنَّ أَخْذَهُ حَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ، وَإِنْ كَانَ بِصِفَتِهِمْ فَحَرَامٌ. فَإِنْ فَعَلَ، وَعُزِلَ الْأَوَّلُ، وَوُلِّيَ الْبَاذِلُ، قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ: تَوْلِيَتُهُ بَاطِلَةٌ، وَالْمَعْزُولُ عَلَى قَضَائِهِ، لِأَنَّ الْعَزْلَ بِالرِّشْوَةِ حَرَامٌ، وَتَوْلِيَةُ الْمُرْشِي وَالرَّاشِي حَرَامٌ، وَلْيَكُنْ هَذَا عِنْدَ تَمَهُّدِ الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ، فَأَمَّا عِنْدَ الضَّرُورَاتِ، وَظُهُورِ فَرْعِ طُرُقِ الْفِتَنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَنْفِيذِ الْعَزْلِ وَالتَّوْلِيَةِ جَمِيعًا، كَتَوْلِيَةِ الْبُغَاةِ. فَرْعٌ طُرُقُ الْأَصْحَابِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ فِي تَعَيُّنِ الشَّخْصِ لِلْقَضَاءِ وَعَدَمِ تَعَيُّنِهِ إِلَى الْبَلَدِ وَالنَّاحِيَةِ لَا غَيْرَ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ طَلَبُ الْقَضَاءِ بِبَلْدَةٍ أُخْرَى لَيْسَ بِهَا صَالِحٌ، وَلَا قَبُولُهُ إِذَا وُلِّيَ وَيَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِيَامِ بِسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الْمُحْوِجَةِ إِلَى السَّفَرِ، كَالْجِهَادِ وَتَعَلُّمِ الْعِلْمَ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّ تِلْكَ يُمْكِنُ الْقِيَامُ بِهَا، وَالْعَوْدُ إِلَى الْوَطَنِ، وَعَمَلُ الْقَضَاءِ لَا غَايَةَ لَهُ. الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي صِفَاتِ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي وَفِيهَا فَصْلَانِ: الْأَوَّلُ: فِي صِفَاتِ الْقَاضِي وَلَهُ ثَمَانِيَةُ شُرُوطٍ أَحَدُهَا: الْحُرِّيَّةُ،

стр. 4413

وَالثَّانِي: الذُّكُورَةُ، وَالثَّالِثُ: الِاجْتِهَادُ، فَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ جَاهِلٍ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَطُرُقِهَا الْمُحْتَاجِ إِلَى تَقْلِيدِ غَيْرِهِ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ لِمَنْ عَلِمَ أُمُورًا أَحَدُهَا كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِجَمِيعِهِ، بَلْ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ، وَلَا يُشْتَرَطُ حِفْظُهُ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ، وَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ يُنَازِعُ ظَاهِرَ كَلَامِهِ فِيهِ. الثَّانِي: سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا جَمِيعُهَا، بَلْ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا بِالْأَحْكَامِ، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَعْرِفَ مِنْهَا الْعَامَّ وَالْخَاصَّ، وَالْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ، وَالْمُجْمَلَ وَالْمُبَيَّنَ، وَالنَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَمِنْ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرُ وَالْآحَادُ، وَالْمُرْسَلُ وَالْمُتَّصِلُ، وَحَالُ الرُّوَاةِ جَرْحًا وَتَعْدِيلًا. الثَّالِثُ: أَقَاوِيلُ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ﵁ إِجْمَاعًا وَاخْتِلَافًا. الرَّابِعُ: الْقِيَاسُ فَيَعْرِفُ جَلِيَّهُ وَخَفِيَّهُ، وَتَمْيِيزَ الصَّحِيحِ مِنَ الْفَاسِدِ. الْخَامِسُ: لِسَانُ الْعَرَبِ لُغَةً وَإِعْرَابًا، لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَبِهَذِهِ الْجِهَةِ يَعْرِفُ عُمُومَ اللَّفْظِ وَخُصُوصَهُ وَإِطْلَاقَهُ وَتَقْيِيدَهُ، وَإِجْمَالَهُ وَبَيَانَهُ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يُشْتَرَطُ التَّبَحُّرُ فِي هَذِهِ الْعُلُومِ، بَلْ يَكْفِي مَعْرِفَةُ جُمَلٍ مِنْهَا، وَزَادَ الْغَزَالِيُّ تَخْفِيفَاتٍ ذَكَرَهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْهَا: أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى تَتَبُّعِ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَفَرُّقِهَا وَانْتِشَارِهَا، بَلْ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ لَهُ أَصْلٌ مُصَحَّحٌ وَقَعَتِ الْعِنَايَةُ فِيهِ بِجَمِيعِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ كَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَيَكْفِي أَنْ يَعْرِفَ مَوَاقِعَ كُلِّ بَابٍ، فَيُرَاجِعُهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ الْبَابِ. قُلْتُ: لَا يَصِحُّ التَّمْثِيلُ بِسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَوْعِبِ الصَّحِيحَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ وَلَا مُعْظَمَهُ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ، بَلْ مَعْرِفَتُهُ ضَرُورِيَّةٌ لِمَنْ لَهُ أَدْنَى اطِّلَاعٍ. وَكَمْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثٍ حُكْمِيٍ لَيْسَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ. وَأَمَّا مَا فِي كِتَابَيِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ فَكَثْرَتُهُ وَشُهْرَتُهُ غَنِيَّةٌ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهَا. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ضَبْطُ جَمِيعِ مَوَاضِعِ الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ،

стр. 4414

بَلْ يَكْفِي أَنْ يَعْرِفَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي يُفْتِي فِيهَا أَنَّ قَوْلَهُ لَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ، بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ وَافَقَ بَعْضَ الْمُتَقَدِّمِينَ، أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهَا الْأَوَّلُونَ بَلْ تَوَلَّدَتْ فِي عَصْرِهِ، وَعَلَى قِيَاسِ مَعْرِفَةِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ. وَمِنْهَا: أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ أَجَمَعَ السَّلَفُ عَلَى قَبُولِهِ أَوْ تَوَاتَرَتْ عَدَالَةُ رُوَاتِهِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى الْبَحْثِ عَنْ عَدَالَةِ رُوَاتِهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِيَ فِي عَدَالَةِ رُوَاتِهِ بِتَعْدِيلِ إِمَامٍ مَشْهُورٍ عُرِفَتْ صِحَّةُ مَذْهَبِهِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ. قُلْتُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا أَطْبَقَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ، وَشَذَّ مَنْ شَرَطَ فِي التَّعْدِيلِ اثْنَيْنِ، وَقَوْلُهُ: تَوَاتَرَتْ عَدَالَةُ رُوَاتِهِ يَعْنِي مَعَ ضَبْطِهِمْ. وَلَوْ قَالَ: أَهْلِيَّةُ رُوَاتِهِ كَانَ أَوْلَى لِيَشْمَلَ الْعَدَالَةَ وَالضَّبْطَ. وَقَوْلُهُ: أَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى قَبُولِهِ يَعْنِي عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، وَلَا يَكْفِي عَمَلُهُمْ عَلَى وَفْقِهِ، فَقَدْ يَعْمَلُونَ عَلَى وَفْقِهِ بِغَيْرِهِ. - وَاللَّهُ أَعْلَمُ -. وَمِنْهَا: أَنَّ اجْتِمَاعَ هَذِهِ الْعُلُومِ إِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ الَّذِي يُفْتِي فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الشَّرْعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالِمِ مَنْصِبُ الِاجْتِهَادِ فِي بَابٍ دُونَ بَابٍ، وَعَدَّ الْأَصْحَابُ مِنْ شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ مَعْرِفَةَ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَعِنْدِي أَنَّهُ يَكْفِي اعْتِقَادٌ جَازِمٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهَا عَلَى طُرُقِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَبِأَدِلَّتِهِمُ الَّتِي يُحَرِّرُونَهَا. الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الْبَصَرُ، فَلَا يَصِحُّ تَوْلِيَةُ أَعْمَى وَفِي «جَمْعِ الْجَوَامِعِ» لِلرُّويَانِيِّ وَجْهٌ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْخُصُومَ وَالشُّهُودَ. الْخَامِسُ: التَّكْلِيفُ، فَلَا يَصِحُّ تَوْلِيَةُ الصَّبِيِّ. السَّادِسُ: الْعَدَالَةُ فَلَا يَصِحُّ تَوْلِيَةُ فَاسِقٍ وَلَا كَافِرٍ وَلَوْ عَلَى الْكُفَّارِ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْوِلَادَةِ مِنْ نَصْبِ حَاكِمٍ بَيْنَ أَهْلِ

стр. 4415

الذِّمَّةِ، فَهُوَ تَقْلِيدُ رِئَاسَةٍ وَزَعَامَةٍ لَا تَقْلِيدُ حُكْمٍ وَقَضَاءٍ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ حُكْمُهُ بِإِلْزَامِهِ بَلْ بِالْتِزَامِهِمْ. السَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ نَاطِقًا سَمِيعًا، فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَخْرَسَ لَا تُعْقَلُ إِشَارَتُهُ، وَكَذَا إِنْ عُقِلَتْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا أَصَمَّ لَا يَسْمَعُ أَصْلًا، فَإِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا صِيحَ بِهِ، جَازَ تَقْلِيدُهُ. الثَّامِنُ: الْكِفَايَةُ، فَلَا يَصِحُّ قَضَاءُ مُغَفَّلٍ اخْتَلَّ رَأْيُهُ وَنَظَرُهُ بِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِمَا. وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُحْسِنَ الْكِتَابَةَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ وَافِرَ الْعَقْلِ حَلِيمًا مُتَثَبِّتًا ذَا فِطْنَةٍ وَتَيَقُّظٍ، كَامِلَ الْحَوَّاسِّ وَالْأَعْضَاءِ، عَالِمًا بِلُغَةِ الَّذِينَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ، بَرِيئًا مِنَ الشَّحْنَاءِ وَالطَّمَعِ، صَدُوقَ اللَّهْجَةِ، ذَا رَأْيٍ وَوَفَاءٍ، وَسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ، وَأَنْ لَا يَكُونَ جَبَّارًا يَهَابُهُ الْخُصُومُ، فَلَا يَتَمَكَّنُونَ مِنِ اسْتِيفَاءِ الْحُجَّةِ، وَلَا ضَعِيفًا يَسْتَخِفُّونَ بِهِ، وَيَطْمَعُونَ فِيهِ، وَأَنْ يَكُونَ قُرَشِيًّا. وَرِعَايَةُ الْعِلْمِ وَالتُّقَى أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ النَّسَبِ. فَرْعٌ إِنْ عَرَفَ الْإِمَامُ أَهْلِيَّتَهُ وَلَّاهُ، وَإِلَّا فَيَبْحَثُ عَنْ حَالِهِ، فَلَوْ وَلَّى مَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ الشُّرُوطُ مَعَ الْعِلْمِ بِحَالِهِ، أَثِمَ الْمُوَلِّي وَالْمُتَوَلِّي وَلَمْ يُنَفَّذْ قَضَاؤُهُ وَإِنْ أَصَابَ، هَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْبَابِ. قَالَ فِي «الْوَسِيطِ» : لَكِنَّ اجْتِمَاعَ هَذِهِ الشُّرُوطِ مُتَعَذِّرٌ فِي عَصْرِنَا لِخُلُوِّ الْعَصْرِ عَنِ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ، فَالْوَجْهُ تَنْفِيذُ قَضَاءِ كُلِّ مَنْ وَلَّاهُ سُلْطَانٌ ذُو شَوْكَةٍ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ فَاسِقًا لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ مَصَالِحُ النَّاسِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّا نُنَفِّذُ قَضَاءَ قَاضِي الْبُغَاةِ لِمِثْلِ هَذِهِ الضَّرُورَةِ، وَهَذَا حَسَنٌ، لَكِنْ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ قَاضِيَ الْبُغَاةِ إِذَا كَانَ مِنْهُمْ، وَبَغْيُهُمْ لَا يُوجِبُ فِسْقًا كَبَغْيِ أَصْحَابِ
следующие страницы →