Полный текст (4 941 стр.). Показаны 4691–4730 · переход к 4696.
стр. 4691
الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ، وَحَكَى الْهَرَوِيُّ وَجْهًا أَنَّ قِيَامَ الْبَيِّنَةِ يَقْتَضِي سَبْقَ الْمِلْكِ حَتَّى يَكُونَ النِّتَاجُ لِلْمُدَّعِي.
فَرْعٌ
الْمُشْتَرِي مِنَ الْمُشْتَرِي إِذَا اسْتَحَقَّ الْمَالَ فِي يَدِهِ، وَانْتَزَعَ مِنْهُ، وَلَمْ يَظْفَرْ بِبَائِعِهِ، هَلْ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْأَوَّلَ بِالثَّمَنِ؟ فِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُطَالِبُهُ.
فَصْلٌ
ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا، فَشَهِدَ الشُّهُودُ بِالْمِلْكِ، وَذَكَرُوا سَبَبَهُ، لَمْ يَضُرَّ، فَلَوْ أَرَادَ الْمُدَّعِي تَقْدِيمَ بَيِّنَتِهِ بِذِكْرِ السَّبَبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذِكْرَ السَّبَبِ مُرَجِّحٌ، لَمْ يَكْفِ لِلتَّرْجِيحِ تَعَرُّضُهُمْ لِلسَّبَبِ أَوَّلًا، لِوُقُوعِهِ قَبْلَ الدَّعْوَى وَالِاسْتِشْهَادِ، بَلْ يَدَّعِي الْمِلْكَ وَسَبَبَهُ، ثُمَّ يُعِيدُونَ الشَّهَادَةَ، فَحِينَئِذٍ تُرَجَّحُ بَيِّنَتُهُ، وَقِيلَ: لَا حَاجَةَ إِلَى إِعَادَةِ الْبَيِّنَةِ، وَتَكْفِي الشَّهَادَةُ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَاقِعَةً بَعْدَ الدَّعْوَى وَالِاسْتِشْهَادِ، وَلَوِ ادَّعَى الْمِلْكَ، وَذَكَرَ سَبَبَهُ، وَشَهِدُوا بِالْمِلْكِ، وَلَمْ يُذْكُرُوا السَّبَبَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالْمَقْصُودِ، وَلَا تَنَاقُضَ، وَلَوِ ادَّعَى الْمِلْكَ وَسَبَبُهُ، وَذَكَرَ الشُّهُودُ سَبَبًا آخَرَ، فَالصَّحِيحُ بُطْلَانُ شَهَادَتِهِمْ، لِلتَّنَاقُضِ، وَقِيلَ: تُقْبَلُ عَلَى أَصْلِ الْمِلْكِ، وَيَلْغُو السَّبَبُ، وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِأَلْفٍ عَنْ ثَمَنٍ، وَآخَرُ بِأَلْفٍ عَنْ قَرْضِ، وَالدَّعْوَى مُطْلَقَةٌ، فَقَدْ سَبَقَ فِي الْإِقْرَارِ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا شَيْءٌ، وَقِيَاسُ الْوَجْهِ الثَّانِي عَلَى ضَعْفِهِ ثُبُوتُ الْأَلْفِ.
стр. 4692
فَرْعٌ
فِي يَدِهِ دَارٌ حَكَمَ لَهُ حَاكِمٌ بِمِلْكِهَا، فَادَّعَى خَارِجٌ انْتِقَالَ الْمِلْكِ مِنْهُ إِلَيْهِ، وَشَهِدُوا بِانْتِقَالِهِ إِلَيْهِ بِسَبَبٍ صَحِيحٍ، وَلَمْ يُبَيِّنُوهُ، قَالَ الْهَرَوِيُّ: وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، فَأَفْتَى فِيهَا فُقَهَاءُ هَمْدَانَ بِسَمَاعِ الدَّعْوَى، وَالْحُكْمِ بِهَا لِلْخَارِجِ، كَمَا لَوْ عَيَّنُوا السَّبَبَ، وَكَذَا أَفْتَى الْمَاوَرْدِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ، قَالَ: وَمَيْلِي إِلَى أَنَّهَا لَا تُسْمَعُ مَا لَمْ يُبَيِّنُوا، وَهُوَ طَرِيقَةُ الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ أَسْبَابَ الِانْتِقَالِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ بِأَنَّ فُلَانًا وَارِثٌ لَا يُقْبَلُ مَا لَمْ يُبَيِّنْ جِهَةَ الْإِرْثِ.
الطَّرَفُ الثَّانِي فِي الْعُقُودِ، وَفِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ:
الْأُولَى: إِذَا قَالَ الْمُكْرِي: أَكَرَيْتُكَ هَذَا الْبَيْتَ شَهْرَ كَذَا بِعَشَرَةٍ، فَقَالَ: اكْتَرَيْتُ جَمِيعَ الدَّارِ بِالْعَشَرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ تَحَالَفَا، ثُمَّ يُفْسَخُ الْعَقْدُ أَوْ يَنْفَسِخُ عَلَى مَا سَبَقَ فِي بَابِ التَّحَالُفِ، وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ أُجْرَةُ مِثْلِ مَا سَكَنَ فِي الدَّارِ أَوِ الْبَيْتِ، فَلَوْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً دُونَ الْآخَرِ، قُضِيَ بِالْبَيِّنَةِ، فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، فَقَوْلَانِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا خَرَّجَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ، لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى زِيَادَةٍ وَهِيَ اكْتِرَاءُ جَمِيعِ الدَّارِ، وَأَظْهَرُهُمَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ: يَتَعَارَضَانِ، فَيَكُونُ عَلَى قَوْلَيِ التَّعَارُضِ، وَإِنْ قُلْنَا: بِالسُّقُوطِ، تَحَالَفَا، وَإِنْ قُلْنَا: بِالِاسْتِعْمَالِ، جَازَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي الْيَمِينِ مَعَهَا الْخِلَافُ السَّابِقُ. وَقَالَ ابْنُ سَلَمَةَ: لَا يُقْرَعُ؛ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ عِنْدَ تَسَاوِي الْجَانِبَيْنِ، وَلَا تُسَاوِي؛ لِأَنَّ جَانِبَ الْمُكْرِي أَقْوَى لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَأَمَّا الْوَقْفُ وَالْقِسْمَةُ، فَلَا يَجِبَانِ هَكَذَا أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ، وَنَقَلَ الْمَاسَرْجِسِيُّ قَوْلًا أَنَّهُ تَجِيءُ الْقِسْمَةُ فِي الْمِلْكِ، وَالْوَقْفِ فِي الْأُجْرَةِ. وَلَوِ اخْتَلَفَا وَالزِّيَادَةُ فِي جَانِبِ الْمُكْرِي، بِأَنْ قَالَ: أَكْرَيْتُكَ بِعِشْرِينَ،
стр. 4693
قَالَ: بَلْ بِعَشَرَةٍ، فَقَوْلُ التَّعَارُضِ بِحَالِهِ، وَعَلَى تَخْرِيجِ ابْنِ سُرَيْجٍ: بَيِّنَةُ الْمُكْرِي رَاجِحَةٌ لِلزِّيَادَةِ. وَيَطَّرِدُ مَا ذَكَرَهُ فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا كَانَ فِي بَيِّنَةِ أَحَدِهِمَا زِيَادَةٌ، وَلَوْ وُجِدَتِ الزِّيَادَةُ فِي الْجَانِبَيْنِ بِأَنْ قَالَ: أَكْرَيْتُكَ هَذَا الْبَيْتَ بِعِشْرِينَ، فَقَالَ: بَلْ جَمِيعَ الدَّارِ بِعَشَرَةٍ، فَلِابْنِ سُرَيْجٍ رَأْيَانِ، الصَّحِيحُ مِنْهُمَا: الرُّجُوعُ إِلَى التَّعَارُضِ، وَالثَّانِي: الْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَيُجْعَلُ جَمِيعُ مَكْرِيٍّ بِعِشْرِينَ، وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، وَالشُّهُودِ، ثُمَّ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ: هَذَا إِذَا كَانَتِ الْبَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ، أَوْ إِحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً، أَوِ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا، فَإِنِ اخْتَلَفَ بِأَنْ شَهِدَتْ إِحْدَاهُمَا أَنَّ كَذَا مَكْرِيٌّ مِنْ سَنَةٍ مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ، وَالْأُخْرَى مَنْ أَوَّلِ شَوَّالٍ، فَقَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالرُّويَانِيُّ تُقَدَّمُ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ السَّابِقَ صَحِيحٌ، وَلَا مُخَالَفَةَ، وَالثَّانِي تُقَدَّمُ الْمُتَأَخِّرَةُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ الثَّانِيَ نَاسِخٌ، وَرُبَّمَا تَخَلَّلَتْ إِقَالَةً، قَالَ صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» وَغَيْرُهُ: مَوْضِعُ الْقَوْلَيْنِ إِذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُجْرَ إِلَّا عَقْدٌ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ، تَعَارَضَتَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي يَدِهِ دَارٌ جَاءَ رَجُلَانِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنِّي اشْتَرَيْتُهَا مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ بِكَذَا، وَسَلَّمْتُ الثَّمَنَ، وَطَالَبَهُ بِتَسْلِيمِ الدَّارِ، فَإِنْ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا، سُلِّمَتِ الدَّارُ إِلَيْهِ، وَهَلْ يَحْلِفُ الْآخَرُ؟ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ: إِنْ قُلْنَا: إِتْلَافُ الْبَائِعِ كَآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فَلَا، وَإِنْ قُلْنَا: كَإِتْلَافِ الْأَجْنَبِيِّ، وَأَثْبَتْنَا الْخِيَارَ، فَأَجَازَ، وَأَرَادَ أَنْ يَطْلُبَ مِنَ الْبَائِعِ قِيمَتَهَا، بُنِيَ التَّحْلِيفُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لِلثَّانِي بَعْدَ الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ هَلْ يُغَرَّمُ فَيَحْلِفُ أَمْ لَا؟ فَلَا وَقَدْ سَبَقَ نَظَائِرُهُ، وَلِلْآخَرِ أَنْ يَدَّعِيَ الثَّمَنَ فَإِنَّهُ كَهَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي زَعْمِهِ، وَإِنْ
стр. 4694
أَنْكَرَ مَا ادَّعَيَا وَلَا بَيِّنَةَ، حَلَفَ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا، وَبَقِيَتِ الدَّارُ فِي يَدِهِ، وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً، سُلِّمَتِ الدَّارُ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ تَحْلِيفُهُ لِتَغْرِيمِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْهَا عَلَيْهِ، إِنَّمَا أُخِذَتْ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَهُ دَعْوَى الثَّمَنِ، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَتَا مُؤَرَّخَتَيْنِ بِتَارِيخٍ مُخْتَلِفٍ، قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا، وَإِنْ لَمْ تَكُونَا كَذَلِكَ، فَلَهُ حَالَانِ، الْأُولَى أَنْ يَسْتَمِرَّ صَاحِبُ الْيَدِ عَلَى التَّكْذِيبِ، فَيَتَعَارَضَانِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالسُّقُوطِ سَقَطَتَا، وَحَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ، وَهَلْ لَهُمَا اسْتِرْدَادُ الثَّمَنِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: نَعَمْ، هَذَا إِذَا لَمْ تَتَعَرَّضِ الْبَيِّنَةُ لِقَبْضِ الْمَبِيعِ، فَإِنْ تَعَرَّضَتْ، فَلَا رُجُوعَ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ اسْتَقَرَّ بِالْقَبْضِ، وَلَيْسَ عَلَى الْبَائِعِ عُهْدَةُ مَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِعْمَالِ، فَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجِيءُ الْوَقْفُ، وَالْأَصَحُّ مَجِيئُهُ، فَتُنْزَعُ الدَّارُ مِنْ يَدِهِ وَالثَّمَنَانِ، وَيُوقَفُ الْجَمِيعُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقُرْعَةِ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، سُلِّمَتْ إِلَيْهِ الدَّارُ بِالثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ، وَاسْتَرَدَّ الْآخَرُ الثَّمَنَ الَّذِي أَدَّاهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقِسْمَةِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الدَّارِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ، وَلَهُمَا خِيَارُ الْفَسْخِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ جَمِيعَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَسَخَا اسْتَرَدَّا جَمِيعَ الثَّمَنِ الْمَشْهُودِ بِهِ، وَإِنْ أَجَازَ اسْتَرَدَّ كُلُّ وَاحِدٍ نِصْفَ الثَّمَنِ الْمَشْهُودِ بِهِ بِنَاءً عَلَى الْأَظْهَرِ، وَهُوَ أَنَّ الْإِجَازَةَ بِالْقِسْطِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُجِيزَ أَحَدُهُمَا، وَيَفْسَخَ الْآخَرُ، وَيَسْتَرِدَّ جَمِيعَ الثَّمَنِ. ثُمَّ إِنْ سَبَقَتِ الْإِجَازَةُ الْفَسْخَ، رَجَعَ الْمُجِيزُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ الْمَرْدُودَ، وَيَضُمَّهُ إِلَى مَا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَجَازَ، رَضِيَ بِالنِّصْفِ، وَإِنْ سَبَقَ الْفَسْخُ الْإِجَازَةَ، فَهَلْ لِلْمُجِيزِ أَخْذُ الْجَمِيعِ؟ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا؛ لِأَنَّا نُفَرِّعُ عَلَى قَوْلِ الْقِسْمَةِ، فَلَا يَأْخُذُ إِلَّا مَا اقْتَضَتْهُ، وَالْمَرْدُودُ يَعُودُ إِلَى الْبَائِعِ، وَأَصَحُّهُمَا، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ
стр. 4695
بَيِّنَتَهُ قَامَتْ بِالْجَمْعِ، وَقَدْ زَالَ الْمُزَاحِمُ، وَنَقَلَ الرَّبِيعُ قَوْلًا: أَنَّ الْبَيِّعَيْنِ مَفْسُوخَانِ، وَرُوِيَ بَاطِلَانِ، وَهُوَ مَعْنَى مَفْسُوخَانِ هُنَا، وَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَى قَوْلِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَامْتَنَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ جَعْلِهِ قَوْلًا، مِنْهُمْ مَنْ غَلَّظَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ تَخْرِيجٌ لَهُ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُصَدِّقَ صَاحِبُ الْيَدِ أَحَدَهُمَا، فَعَلَى قَوْلِ السُّقُوطِ تُسَلَّمُ الدَّارُ لِلْمُصَدَّقِ، وَكَأَنَّهُ أَقَرَّ لَهُ وَلَا بَيِّنَةَ، وَعَلَى قَوْلِ الِاسْتِعْمَالِ وَجْهَانِ، قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ: يُقَدَّمُ الْمُصَدَّقُ، وَكَأَنَّهُ نَقَلَ إِلَيْهِ يَدَهُ، فَصَارَ مَعَهُ يَدٌ وَبَيِّنَةٌ، وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ لِاتِّفَاقِ الْبَيِّنَتَيْنِ عَلَى إِسْقَاطِ يَدِهِ، وَانْتِزَاعِ الْمَالِ مِنْهُ بِاتِّفَاقِ الْأَقْوَالِ، وَالْيَدُ الْمُزَالَةُ لَا يُرَجَّحُ بِهَا، فَعَلَى هَذَا هُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يُصَدَّقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. ثُمَّ إِنَّ الْأَصْحَابَ لَمْ يُفَرِّقُوا فِيمَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الْبَيِّنَتَانِ مُخْتَلِفَتَيِ التَّارِيخِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَا مُطْلَقَتَيْنِ أَوْ مُتَّحِدَتَيِ التَّارِيخِ أَوْ إِحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً، وَالْأُخْرَى مُؤَرَّخَةً، بَلْ صَرَّحُوا بِالتَّسْوِيَةِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا الْفَرَجِ الزَّازَ اسْتَدْرَكَ، فَقَالَ: هَذَا إِذَا لَمْ يُقَدَّمِ الْمُؤَرَّخَةَ عَلَى الْمُطْلَقَةِ، فَإِنْ قَدَّمْنَاهَا قَضَيْنَا لِصَاحِبِهَا وَلَا تَجِيءُ الْأَقْوَالُ.
عَنِ الشَّيْخِ أَبِي عَاصِمٍ: لَوْ تَعَرَّضَتْ إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ، لِكَوْنِ الدَّارِ مِلْكَ الْبَائِعِ وَقْتَ الْبَيْعِ، أَوْ لِكَوْنِهَا مِلْكَ الْمُشْتَرِي الْآنَ كَانَتْ مُقَدَّمَةً، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا تَارِيخًا. وَلَوْ ذَكَرَتْ إِحْدَاهُمَا، نَقْدَ الثَّمَنِ دُونَ الْأُخْرَى كَانَتْ مُقَدَّمَةً، سَوَاءٌ كَانَتْ سَابِقَةً، أَمْ مَسْبُوقَةً؛ لِأَنَّ التَّعَرُّضَ لِلنَّقْدِ
стр. 4696
يُوجِبُ التَّسْلِيمَ، وَالْأُخْرَى لَا تُوجِبُ لِبَقَاءِ حَقِّ الْحَبْسِ لِلْبَائِعِ، فَلَا تَكْفِي الْمُطَالَبَةُ بِالتَّسْلِيمِ.
فَرْعٌ
فِي يَدِهِ دَارٌ جَاءَ اثْنَانِ يَدَّعِيَانِهَا، قَالَ أَحَدُهُمَا: اشْتَرَيْتُهَا مِنْ زَيْدٍ وَهِيَ مِلْكُهُ، وَقَالَ الْآخَرُ: اشْتَرَيْتُهَا مِنْ عَمْرٍو وَهِيَ مِلْكُهُ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً بِمَا يَقُولُهُ، فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالسُّقُوطِ، فَكَأَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ، وَيَحْلِفُ صَاحِبُ الْيَدِ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا، وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِعْمَالِ فَفِي مَجِيءِ قَوْلِ الْوَقْفِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَيَجِيءُ قَوْلَا الْقُرْعَةِ وَالْقِسْمَةِ وَالتَّفْرِيعِ كَمَا سَبَقَ، إِلَّا أَنَّ عَلَى قَوْلِ الْقِسْمَةِ إِذَا اخْتَارَ أَحَدُهُمَا فَسْخَ الْعَقْدِ، وَالْآخَرُ إِجَازَتَهُ لَا يَكُونُ لِلْمُجِيزِ أَخْذُ النِّصْفِ الْآخَرِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ الْفَسْخُ أَوِ الْإِجَازَةُ إِذَا ادَّعَيَا الشِّرَاءَ بَيْنَ شَخْصَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَرْدُودَ يَعُودُ إِلَى غَيْرِ مَنْ يَدَّعِي الْمُجِيزُ الشِّرَاءَ مِنْهُ، فَكَيْفَ يَأْخُذُهُ، وَحَيْثُ أَثْبَتْنَا الْخِيَارَ عَلَى قَوْلِ الْقِسْمَةِ، فَذَلِكَ إِذَا لَمْ تَتَعَرَّضِ الْبَيِّنَةُ لِقَبْضِ الْمَبِيعِ، وَلَا اعْتَرَفَ بِهِ الْمُدَّعِي، وَإِلَّا فَإِذَا جَرَى الْقَبْضُ، اسْتَقَرَّ الْعَقْدُ، وَمَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ لَيْسَ عَلَى الْبَائِعِ عُهْدَتُهُ، وَإِنَّمَا شَرْطُنَا فِي صُورَةِ الْفَرْعِ أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ: وَهِيَ مِلْكُهُ؛ لِأَنَّ مَنِ ادَّعَى مَالًا فِي يَدِ شَخْصٍ، وَقَالَ: اشْتَرَيْتُهُ مِنْ فُلَانٍ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ حَتَّى يَقُولَ: اشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ وَهُوَ مِلْكُهُ، وَيَقُومُ مَقَامَهُ أَنْ يَقُولَ: وَتَسَلَّمْتُهُ مِنْهُ، أَوْ سَلَّمَهُ إِلَيَّ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إِنَّمَا يُسَلِّمُ مَا يَمْلِكُهُ، وَفِي دَعْوَى الشِّرَاءِ مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ وَأَنْتَ تَمْلِكُهُ، وَيُكْتَفَى بِأَنَّ الْيَدَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ، وَكَذَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ فِي الشَّهَادَةِ: اشْتَرَاهُ مِنْ فُلَانٍ وَهُوَ يَمْلِكُهُ، أَوِ اشْتَرَاهُ وَتَسَلَّمَهُ مِنْهُ، أَوْ وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ. قَالَ الْإِمَامُ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ شُهُودًا عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ فُلَانٍ وَآخَرَيْنِ
стр. 4697
أَنَّ فُلَانًا كَانَ يَمْلِكُهُ إِلَى أَنْ بَاعَهُ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ شَهِدُوا بِالْمِلْكِ وَالْمَبِيعِ جَمِيعًا، فَكَأَنَّ الْمُرَادَ إِذَا أَقَامَ شُهُودًا بِالشِّرَاءِ وَقْتَ كَذَا، وَآخِرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهُ إِلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ.
فَرْعٌ
أَقَامَ أَحَدُ الْمُدَّعَيَيْنِ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَى الدَّارَ مِنْ فُلَانٍ، وَكَانَ يَمْلِكُهَا، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ مُقِيمِ الْبَيِّنَةِ الْأُولَى، حُكِمَ بِبَيِّنَةِ الثَّانِي، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ الْمُقِيمُ الْبَيِّنَةَ: وَأَنْتَ تَمْلِكُهَا، كَمَا لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ: لِصَاحِبِ الْيَدِ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ تَدُلُّ عَلَى الْمِلْكِ كَمَا أَنَّ الْيَدَ تَدُلُّ عَلَيْهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: دَارٌ فِي يَدِهِ جَاءَ اثْنَانِ، قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: بِعْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ، وَكَانَتْ مِلْكِي بِكَذَا، فَأَدِّ الثَّمَنَ، فَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا، طُولِبَ بِالثَّمَنَيْنِ، وَإِنْ أَقَرَّ لِأَحَدِهِمَا، طُولِبَ بِالثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ، وَحَلَفَ لِلْآخَرِ، وَإِنْ أَنْكَرَ مَا ادَّعَيَاهُ، وَلَا بَيِّنَةَ حَلَفَ لَهُمَا يَمِينَيْنِ، وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً قُضِيَ لَهُ، وَحَلَفَ لِلْآخَرِ، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، نُظِرَ إِنْ أُرِّخَتَا تَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، لَزِمَهُ الثَّمَنَانِ، لِإِمْكَانِ الْجَمِيعِ، وَإِنِ اتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا بِأَنْ أُرِّخَتَا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ، أَوْ زَوَالِهَا، تَعَارَضَتَا، لِامْتِنَاعِ كَوْنِهِ مِلْكًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ لِهَذَا وَحْدَهُ، وَلِذَاكَ وَحْدَهُ، فَعَلَى قَوْلِ السُّقُوطِ كَأَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ، وَعَلَى الْقُرْعَةِ يُقْرَعُ، فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ، قُضِيَ لَهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ، وَلِلْآخَرِ تَحْلِيفُهُ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اعْتَرَفَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ، وَعَلَى الْقِسْمَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ الثَّمَنِ الَّذِي سَمَّاهُ، وَكَأَنَّ الدَّارَ لَهُمَا وَبَاعَاهُ بِثَمَنَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ، وَفِي مَجِيءِ الْوَقْفِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَالْمَذْهَبُ مَجِيئُهُ، وَإِنْ كَانَتِ الْبَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا مُطْلَقَةٌ، وَالْأُخْرَى مُؤَرَّخَةٌ، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا أَنَّهُمَا كَمُخْتَلِفَتَيِ التَّارِيخِ، فَيَلْزَمُهُ الثَّمَنَانِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا كَمُتَّحِدَتَيِ التَّارِيخِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ
стр. 4698
بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُشْتَرِي، فَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا الْيَقِينُ، وَبِهَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ، وَابْنُ الْقَطَّانِ، فَعَلَى هَذَا يَعُودُ خِلَافُ التَّعَارُضِ وَفِيهِ طَرِيقٌ ثَانٍ وَهُوَ الْقَطْعُ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: إِنْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَتَانِ عَلَى الْإِقْبَاضِ مَعَ الْبَيْعِ، وَجَبَ الثَّمَنَانِ قَطْعًا، وَلَوْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَتَانِ عَلَى إِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ادَّعَيَا، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحُكْمَ كَمَا لَوْ قَامَتَا عَلَى الْبَيِّعَيْنِ، فَيُنْظَرُ أَقَامَتَا عَلَى الْإِقْرَارِ مُطْلَقًا، أَمْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِالشِّرَاءِ مِنْ زَيْدٍ فِي وَقْتٍ، وَمِنْ عَمْرٍو كَذَلِكَ، وَقِيلَ: يَجِبُ الثَّمَنَانِ، وَإِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارَيْنِ مُطْلَقًا، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُمَا إِذَا أُرِّخَتَا تَارِيخَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ يَلْزَمُهُ الثَّمَنَانِ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا زَمَنٌ يُمْكِنُ فِيهِ الْعَقْدُ الْأَوَّلُ، ثُمَّ الِانْتِقَالُ مِنَ الْمُشْتَرِي إِلَى الْبَائِعِ الثَّانِي، ثُمَّ الْعَقْدُ الثَّانِي، فَإِنْ عَيَّنَ الشُّهُودُ زَمَنًا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ، لَمْ يَجِبِ الثَّمَنَانِ، قَالَ الْإِمَامُ: وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ بَاعَ فَلَانًا فِي سَاعَةِ كَذَا، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ كَانَ سَاكِنًا تِلْكَ الْحَالَةَ، أَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ قَبِلَ فَلَانًا سَاعَةَ كَذَا، وَآخَرُ أَنَّهُ كَانَ سَاكِنًا تِلْكَ الْحَالَةَ لَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَعْمَلُ شَيْئًا، فَفِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ وَجْهَانِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى النَّفْيِ، وَإِنَّمَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ النَّفْيِ فِي الْمَضَايِقِ، وَأَحْوَالِ الضَّرُورَاتِ، فَإِنْ قَبِلْنَاهَا، جَازَ التَّعَارُضُ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ الْقَبُولُ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ الْمَحْصُورَ كَالْإِثْبَاتِ فِي إِمْكَانِ الْإِحَاطَةِ بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
قَالَ الْأَكْثَرُونَ: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ: بِعْتُكَ كَذَا
стр. 4699
وَهُوَ مِلْكِي وَهَكَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي «الْمُخْتَصَرِ» ، وَقَالَ أَبُو الْفَيَّاضِ: لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، وَإِذَا قُلْنَا: بِالْقِسْمَةِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، فَقَسَّمَ الثَّمَنَ بِلَا خِيَارٍ لِصَاحِبِ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ تَمَامُ الْبَيْعِ، وَلَا غَرَضَ لَهُ فِي عَيْنِ الْبَائِعِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَهُ الْخِيَارُ، فَقَدْ يَرْضَى بِمُعَامَلَةِ وَاحِدٍ دُونَ اثْنَيْنِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: عَبْدٌ فِي يَدِ رَجُلٍ، ادَّعَى أَنَّ سَيِّدَهُ أَعْتَقَهُ، وَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ بَاعَهُ إِيَّاهُ بِكَذَا، وَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْيَدِ مَا ادَّعَيَاهُ، وَلَا بَيِّنَةَ حَلَفَ لَهُمَا يَمِينَيْنِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالْعِتْقِ، ثَبَتَ الْعِتْقُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي تَحْلِيفُهُ، وَإِنْ قُلْنَا: إِتْلَافُ الْبَائِعِ كَالْآفَةِ السَّمَاوِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ بِالْإِقْرَارِ مُتْلَفٌ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ، لَكِنْ لَوِ ادَّعَى تَسْلِيمَ الثَّمَنِ، حَلَفَ لَهُ وَإِنْ أَقَرَّ بِالْبَيْعِ، قُضِيَ بِهِ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ تَحْلِيفُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اعْتَرَفَ بِهِ لَمْ يُقْبَلْ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ غُرْمٌ، قَالَ الرُّويَانِيُّ: وَلَيْسَ لَنَا مَوْضِعٌ يُقِرُّ لِأَحَدِ الْمُدَّعِيَيْنِ، وَلَا يَحْلِفُ لِلْآخَرِ قَوْلًا وَاحِدًا إِلَّا هَذَا، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً، نُظِرَ إِنِ اخْتَلَفَ تَارِيخُهُمَا، قُضِيَ بِأَسْبَقِهِمَا، وَإِنِ اتَّحَدَ تَعَارَضَتَا، وَفِيهِمَا الْقَوْلَانِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالسُّقُوطِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِعْمَالِ، فَفِي مَجِيءُ قَوْلِ الْوَقْفِ الْخِلَافُ السَّابِقُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقُرْعَةِ قُضِيَ لِمَنْ خَرَجَتْ لَهُ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْقِسْمَةِ، عَتَقَ نِصْفُ الْعَبْدِ، وَنَصِفُهُ لِمُدَّعِي الشِّرَاءِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَلَهُ الْخِيَارُ، فَإِنْ فَسَخَ، فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَعْتِقُ النِّصْفُ الْآخَرُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ بِإِعْتَاقِهِ الْجَمِيعَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْكُمْ بِمُوجِبِهَا لِزَحْمَةِ مُدَّعِي الشِّرَاءِ وَقَدْ زَالَتْ، وَقِيلَ: لَا يُعْتَقُ وَإِنْ أَجَازَ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُعْسِرًا، لَمْ يَسْرِ الْعِتْقُ، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا،
стр. 4700
فَقَوْلَانِ، أَوْ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا لَا يَسْرِي؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ قَهْرًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَرِثَ بَعْضَ قَرِيبِهِ، وَأَظْهَرُهُمَا يَسْرِي، لِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ أَنَّهُ أَعْتَقَ بِاخْتِيَارِهِ، وَقِيلَ: لَا يَجْرِي قَوْلُ الْقِسْمَةِ هُنَا تَحَرُّزًا مِنْ تَبْغِيضِ الْحُرِّيَّةِ، وَصَرَّحَ الْمُزَنِيُّ قَوْلًا أَنَّهُ يُقَدِّمُ بَيِّنَةَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي يَدِ نَفْسِهِ، وَبَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ مُقَدَّمَةٌ وَضَعَّفَ الْأَصْحَابُ هَذَا، وَامْتَنَعُوا مِنْ إِثْبَاتِهِ قَوْلًا قَالُوا: وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي يَدِ نَفْسِهِ لَوْ ثَبَتَتْ حُرِّيَّتُهُ، وَلَوْ كَانَتِ الْبَيِّنَتَانِ مُطْلَقَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا مُطْلَقَةً، وَالْأُخْرَى مُؤَرَّخَةً، فَهُوَ كَمَا لَوِ اتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَقِيلَ: لَا يَجْرِي هُنَا قَوْلُ السُّقُوطِ؛ لِأَنَّ صِدْقَهُمَا مُمْكِنٌ، بِأَنْ بَاعَهُ صَاحِبُ الْيَدِ لِمُدَّعِي الشِّرَاءِ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ، وَتَصْدِيقُ صَاحِبِ الْيَدِ بَعْدَ قِيَامِ الْبَيِّنَتَيْنِ لَا يُوجِبُ الرُّجْحَانَ إِلَّا عِنْدَ ابْنِ سُرَيْجٍ كَمَا سَبَقَ.
الطَّرَفُ الثَّالِثُ: فِي التَّدَاعِي وَالتَّعَارُضِ فِي الْمَوْتِ وَالْإِرْثِ، وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْأُولَى: مَاتَ رَجُلٌ عَنِ اثْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ، فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: مَاتَ عَلَى دِينِي فَأَرِثُهُ، فَلِلْأَبِ حَالَانِ، الْأُولَى أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا بِالتَّنَصُّرِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ: أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ، وَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: مَاتَ عَلَى مَا كَانَ، فَيُصَدَّقُ النَّصْرَانِيُّ بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ، فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، نُظِرَ إِنْ أُطْلِقَتَا، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا: مَاتَ مُسْلِمًا، وَالْأُخْرَى مَاتَ نَصْرَانِيًّا، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ، وَهُوَ انْتِقَالُهُ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ، فُقِدِّمَتِ النَّاقِلَةُ عَلَى الْمُسْتَصْحِبَةِ، كَمَا تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْجَرْحِ
стр. 4701
عَلَى التَّعْدِيلِ، وَكَمَا لَوْ مَاتَ عَنِ ابْنٍ وَزَوْجَةٍ، فَقَالَ الِابْنُ: دَارُهُ هَذِهِ مِيرَاثٌ، وَقَالَتْ: أَصْدَقْنِيهَا أَوْ بَاعَنِيهَا، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، فَبَيَّنَتُهَا أَوْلَى، وَكَمَا لَوِ ادَّعَى عَلَى مَجْهُولٍ أَنَّكَ عَبْدِي، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، وَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُ كَانَ مِلْكًا لِفُلَانٍ، وَأَعْتَقَهُ، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، لِعِلْمِهَا بِالِانْتِقَالِ مِنَ الرِّقِّ إِلَى الْحُرِّيَّةِ، وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ الْمَسَائِلِ، وَإِنْ قَيَّدْنَا بِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ كَلِمَةً، وَأَقَامَ الْمُسْلِمُ بَيِّنَةً أَنَّهَا كَانَتْ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً بِأَنَّهَا كَانَتِ النَّصْرَانِيَّةَ، تَعَارَضَتَا، فَعَلَى قَوْلِ السُّقُوطِ يَسْقُطَانِ، وَيَصِيرُ كَأَنْ لَا بَيِّنَةَ، فَيُصَدَّقُ النَّصْرَانِيُّ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِعْمَالِ، فَعَلَى الْوَقْفِ يُوقَفُ، وَعَلَى الْقُرْعَةِ يُقْرَعُ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ، فَلَهُ التَّرِكَةُ، وَعَلَى الْقِسْمَةِ تُقَسَّمُ، فَيُجْعَلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ كَغَيْرِ الْإِرْثِ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لَا تَجِيءُ الْقِسْمَةُ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ حَتْمًا بِالْخَطَأِ يَقِينًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَمُوتُ مُسْلِمًا كَافِرًا، وَفِي غَيْرِ صُورَةِ الْإِرْثِ لَا يَتَحَقَّقُ الْخَطَأُ فِي الْقِسْمَةِ، لِاحْتِمَالِ كَوْنِ الْمُدَّعَى مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَلَيْسَتِ الْقِسْمَةُ حُكْمًا بِأَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا كَافِرًا، بَلْ لِأَنَّ بَيِّنَةَ كُلِّ وَاحِدٍ اقْتَضَتْ كَوْنَ جَمِيعِ الْمَالِ لَهُ، وَمُزَاحَمَتِهَا الْأُخْرَى، فَعَمِلْنَا بِكُلِّ وَاحِدَةٍ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: وَلَيْسَتِ الْقِسْمَةُ خَطَأً يَقِينًا، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ مَاتَ نَصْرَانِيًّا، فَوَرِثَاهُ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا. وَلَوْ قُيِّدَتْ بَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ أَنَّ آخِرَ كَلَامِهِ النَّصْرَانِيَّةُ، فَهُوَ كَتَقْيِيدِ الْبَيِّنَتَيْنِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْأَبُ مَعْرُوفَ الدِّينِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ، نُظِرَ إِنْ كَانَ الْمَالُ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِمَا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ لِصَاحِبِهِ وَجُعِلَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا - وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَجَمَاعَتُهُ -: الْقَوْلُ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يُجْعَلُ بَيْنَهُمَا، وَلَا أَثَرَ لِلْيَدِ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ كَانَ لِلْمَيِّتِ. وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، تَعَارَضَتَا، سَوَاءٌ أَطْلَقْنَا
стр. 4702
أَوْ قَيَّدْنَا. وَيَجِيءُ فِي الْقِسْمَةِ خِلَافُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. وَيُصَلِّي عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ، وَيَدْفِنُهُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَقُولُ: أُصَلِّي عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا.
فَرْعٌ
يُشْتَرَطُ فِي بَيِّنَةِ النَّصْرَانِيِّ أَنْ يُفَسِّرَ كَلِمَةَ التَّنَصُّرِ بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ النَّصَارَى، كَقَوْلِهِمْ: (ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) هَلْ يَجِبُ فِي بَيِّنَةِ الْإِسْلَامِ تَفْسِيرُ كَلِمَتِهِ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يَتَوَهَّمُونَ مَا لَيْسَ بِإِسْلَامٍ إِسْلَامًا؟ وَجْهَانِ. وَإِذَا قُلْنَا بِالْقِسْمَةِ، هَلْ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ؟ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ: لَا. وَإِذَا قُلْنَا بِالْقِسْمَةِ: فَمَاتَ عَنِ ابْنٍ وَبِنْتٍ، فَقَالَ ابْنُ سَلَمَةَ: يُقَسَّمُ مُنَاصَفَةً، وَقَالَ غَيْرُهُ: مُثَالَثَةً، وَالصَّوَابُ: أَنَّهُمَا كَرَجُلَيْنِ ادَّعَى أَحَدُهُمَا جَمِيعَ دَارٍ، وَالْآخَرُ نِصْفَهَا، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ عَلَى قَوْلِ الْقِسْمَةِ لِلْأَوَّلِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا، وَلِلْآخَرِ رُبُعُهَا. ثُمَّ الْمَوْتُ عَلَى كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ يُوجِبُ إِرْثَ الِابْنِ الْمُسْلِمِ، لَكِنَّ الْمَوْتَ عَلَى التَّنَصُّرِ لَا يُوجِبُ بِمَجْرَدَهِ إِرْثَ النَّصْرَانِيِّ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَسْلَمَ ثُمَّ تَنَصَّرَ، وَكَانَ التَّصْوِيرُ فِيمَا إِذَا تَعَرَّضَ الشُّهُودُ لِاسْتِمْرَارِهِ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ حَتَّى مَاتَ، أَوِ اكْتَفَوْا بِاسْتِصْحَابِ مَا عُرِفَ مِنْ دِينِهِ مَضْمُومًا إِلَى الْمَوْتِ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الشُّهُودُ.
فَرْعٌ
مَاتَ عَنْ زَوْجَةٍ وَأَخٍ مُسْلِمَيْنِ وَأَوْلَادٍ كَفَرَةٍ، فَقَالَ الْمُسْلِمَانِ: مَاتَ
стр. 4703
مُسْلِمًا، وَقَالَ الْأَوْلَادُ: مَاتَ كَافِرًا، فَإِنْ كَانَ أَصْلُ دِينِهِ الْكُفْرَ، صُدِّقَ الْأَوْلَادُ. وَإِنْ أَقَامُوا بَيِّنَتَيْنِ، فَإِنْ أَطْلَقْنَا قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمَيْنِ، وَإِنْ قَيَّدْنَا فَعَلَى الْخِلَافِ فِي التَّعَارُضِ. وَيَعُودُ خِلَافُ أَبِي إِسْحَاقَ فِي جَرَيَانِ الْقِسْمَةِ، فَإِذَا رَجَّحْنَا طَائِفَةً، قُسِّمَ الْمَالُ بَيْنَهُمْ، كَمَا يُقَسَّمُ لَوِ انْفَرَدُوا. وَإِنْ جَعَلْنَا الْمَالَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ تَفْرِيعًا عَلَى الْقِسْمَةِ، فَالنِّصْفُ لِلزَّوْجَةِ وَلِلْأَخِ، وَالنِّصْفُ لِلْأَوْلَادِ، وَفِيمَا تَأْخُذُ الزَّوْجَةُ مِنَ النِّصْفِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: رُبْعُهُ وَكَأَنَّهُ جَمِيعُ التَّرِكَةِ، وَبِهِ قَطَعَ السَّرَخْسِيُّ. وَالثَّانِي: نَصِفُهُ، لِيَكُونَ لَهَا رُبُعُ التَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ الْأَخَ مُعْتَرِفٌ بِهِ، وَالْأَوْلَادُ لَا يَحْجُبُونَهَا بِاتِّفَاقِهِمَا، وَبِهِ قَطَعُ الْإِمَامُ.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَرِفَةٌ أَيْضًا بِاسْتِحْقَاقِ الْأَخِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ التَّرِكَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَاتَ نَصْرَانِيٌّ وَلَهُ ابْنَانِ مُسْلِمٌ وَنَصْرَانِيٌّ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ: أَسْلَمْتُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِينَا، فَالْمِيرَاثُ بَيْنَنَا. وَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: قَبْلَهُ، فَلَا تَرِثُهُ، فَلَهُمَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ، إِحْدَاهَا: أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ وَلَا يَتَعَرَّضَا لِتَارِيخِ مَوْتِ الْأَبِ، وَلَا لِتَارِيخِ إِسْلَامِ الْمُسْلِمِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى وَقْتِ مَوْتِ الْأَبِ كَرَمَضَانَ. وَقَالَ الْمُسْلِمُ: أَسْلَمْتُ فِي شَوَّالٍ، وَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: بَلْ أَسْلَمْتَ فِي شَعْبَانَ، فَفِي الْحَالَتَيْنِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى دِينِهِ، يَحْلِفُ وَيَشْتَرِكَانِ فِي الْمَالِ. وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً قُضِيَ بِهَا. وَإِنْ أَقَامَا
стр. 4704
بَيِّنَتَيْنِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ؛ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي شَعْبَانَ، وَالْأُخْرَى مُسْتَصْحِبَةٌ لِدِينِهِ فِي شَوَّالٍ، فَمَعَ الْأُولَى زِيَادَةُ عِلْمٍ.
الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَارِيخِ إِسْلَامِ الْمُسْلِمِ، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمَ فِي رَمَضَانَ، وَلَكِنِ ادَّعَى الْمُسْلِمُ أَنَّ الْأَبَ مَاتَ فِي شَعْبَانَ. وَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: مَاتَ فِي شَوَّالٍ، صُدِّقَ النَّصْرَانِيُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ. وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهَا تَنْقِلُ مِنَ الْحَيَاةِ إِلَى الْمَوْتِ فِي شَعْبَانَ، وَالْأُخْرَى تَسْتَصْحِبُ الْحَيَاةَ إِلَى شَوَّالٍ. وَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ النَّصْرَانِيِّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الثَّالِثَةِ أَنَّهُمْ عَايَنُوهُ حَيًّا فِي شَوَّالٍ، أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ فِي الْحَالَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْهُ كَلِمَةَ التَّنَصُّرِ فِي نِصْفِ شَوَّالٍ مَثَلًا تَعَارَضَتَا.
فَرْعٌ
مَاتَ مُسْلِمٌ وَلَهُ ابْنَانِ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مَوْتِ الْأَبِ بِالِاتِّفَاقِ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَسْلَمْتُ أَيْضًا قَبْلَهُ. وَقَالَ الْمُتَّفَقُ عَلَى إِسْلَامِهِ: بَلْ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَعَلَى الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ، فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ أَوِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْأَبَ مَاتَ فِي رَمَضَانَ. وَقَالَ قَدِيمُ الْإِسْلَامِ لِحَادِثِ الْإِسْلَامِ: أَسْلَمْتَ فِي شَوَّالٍ. وَقَالَ الْحَادِثُ: بَلْ أَسْلَمْتُ فِي شَعْبَانَ، صُدِّقَ قَدِيمُ الْإِسْلَامِ. وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْحَادِثِ. وَإِنِ اتَّفَقَا أَنَّ الْحَادِثَ أَسْلَمَ فِي رَمَضَانَ، وَقَالَ قَدِيمُ الْإِسْلَامِ: مَاتَ الْأَبُ فِي شَعْبَانَ. وَقَالَ الْحَادِثُ: بَلْ فِي شَوَّالٍ، فَالْمُصَدَّقُ الْحَادِثُ، وَالْمُقَدَّمُ بَيِّنَةُ قَدِيمِ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى هَذَا يُقَاسُ نَظَائِرُ الصُّورَةِ الْأُولَى، وَصُورَةُ الْفَرْعِ بِأَنْ مَاتَ الْأَبُ حُرًّا، وَأَحَدُ ابْنَيْهِ حُرًّا بِالِاتِّفَاقِ، وَاخْتَلَفَا هَلْ عَتَقَ الْآخَرُ قَبْلَ مَوْتِهِ أَمْ بَعْدَهُ. وَلَوِ اتَّفَقَا فِي صُورَةِ الْفَرْعِ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا. وَقَالَ الْآخَرُ: لَمْ أَزَلْ مُسْلِمًا أَيْضًا، وَنَازَعَهُ الْأَوَّلُ، فَقَالَ: كُنْتَ نَصْرَانِيًّا، وَإِنَّمَا أَسْلَمْتَ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الدَّارِ يَشْهَدُ
стр. 4705
لَهُ. وَلَوْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: لَمْ أَزَلْ مُسْلِمًا، وَكَانَ صَاحِبِي نَصْرَانِيًّا أَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ، فَوَجْهَانِ خَرَّجَهُمَا الْقَفَّالُ. أَحَدُهُمَا: لَا شَيْءَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِاسْتِحْقَاقِ، وَأَصَحُّهُمَا: يَحْلِفَانِ، وَيُجْعَلُ الْمَالُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْيَدِ يَشْهَدُ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِيمَا يَقُولُهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
فَرْعٌ
مَاتَ عَنْ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ، وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، فَقَالَ الْأَبَوَانِ: مَاتَ كَافِرًا، وَقَالَ الِابْنَانِ: مَاتَ مُسْلِمًا، قَالَ ابْنَ سُرَيْجٍ: فِيهِ قَوْلَانِ، أَشْبَهَهُمَا بِقَوْلِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْأَبَوَيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ فِي الِابْتِدَاءِ تَبَعًا لَهُمَا، فَيُسْتَصْحَبُ حَتَّى يُعْلَمَ خِلَافُهُ. وَالثَّانِي: يُوقَفُ الْمَالُ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْأَمْرُ أَوْ يَصْطَلِحَا، وَالتَّبَعِيَّةُ تَزُولُ بِالْبُلُوغِ وَحُصُولِ الِاسْتِقْلَالِ. وَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الِابْنَيْنِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ الدَّارِ الْإِسْلَامُ.
قُلْتُ: الْوَقْفُ أَرْجَحُ دَلِيلًا، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْأَبَوَيْنِ، وَأَنْكَرُوا عَلَى صَاحِبِ «التَّنْبِيهِ» تَرْجِيحَهُ قَوْلَ الِابْنَيْنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
لَهُ زَوْجَةٌ وَابْنٌ مَاتَا، فَاخْتَلَفَ الزَّوْجُ وَأَخُو الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الزَّوْجُ: مَاتَتْ أَوَّلًا، فَوَرِثْتُهَا أَنَا وَابْنِي، ثُمَّ مَاتَ الِابْنُ، فَوَرِثْتُهُ. وَقَالَ الْأَخُ: مَاتَ الِابْنُ أَوَّلًا، فَوَرِثَتْ مِنْهُ أُخْتِي، ثُمَّ مَاتَتْ، فَأَرِثُ مِنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْأَخِ فِي مَالِ أُخْتِهِ، وَقَوْلُ الزَّوْجِ فِي مَالِ ابْنِهِ. فَإِنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا فَهِيَ مِنْ صُوَرِ اسْتِبْهَامِ الْمَوْتِ، فَلَا يُوَرَّثُ مَيِّتٌ مِنْ مَيِّتٍ، بَلْ مَالُ الِابْنِ لِأَبِيهِ، وَمَالُهَا لِلزَّوْجِ وَالْأَخِ. وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ،
стр. 4706
تَعَارَضَتَا، وَجَرَتْ أَقْوَالُ التَّعَارُضِ. هَذَا إِذَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى وَقْتِ مَوْتِ أَحَدِهِمَا، فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى وَقْتِ مَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَاخْتَلَفَا فِي أَنَّ الْآخَرَ مَاتَ قَبْلَهُ أَمْ بَعْدَهُ، صُدِّقَ مَنْ قَالَ: بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ دَوَامُ الْحَيَاةِ. وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ مَنْ قَالَ: قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ.
فَرْعٌ
مَاتَ عَنْ زَوْجَةٍ وَأَوْلَادٍ فَقَالُوا لَهَا: كُنْتِ أَمَةً، فَعَتَقَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ ذِمِّيَّةً، فَأَسْلَمْتِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقَالَتْ: بَلْ عَتَقْتُ وَأَسْلَمْتُ قَبْلَهُ، فَهُمُ الْمُصَدَّقُونَ. وَإِنْ قَالَتْ: لَمْ أَزَلْ حُرَّةً مَسْلِمَةً، فَهِيَ الْمُصَدَّقَةُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعَهَا. وَفِي قَوْلٍ: تُصَدَّقُ فِي الْحُرِّيَّةِ دُونَ الْإِسْلَامِ. وَخُرِّجَ قَوْلٌ: أَنَّ الْأَوْلَادَ يُصَدَّقُونَ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وِرَاثَتِهَا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: سَيِّدٌ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِنْ قُتِلْتُ، فَأَنْتَ حُرٌّ، وَتَنَازَعَ بَعْدَهُ الْعَبْدُ وَالْوَارِثُ، وَأَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً أَنَّهُ قُتِلَ، وَالْوَارِثُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، فَقَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِهِ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ بِالْقَتْلِ. وَالثَّانِي: يَتَعَارَضَانِ، لِلْمُنَافَاةِ بَيْنَهُمَا. فَعَلَى هَذَا إِنْ قُلْنَا بِالسُّقُوطِ، فَكَأَنَّهُ لَا بَيِّنَةَ، فَيَحْلِفُ الْوَارِثُ، وَيَسْتَمِرُّ الرِّقُّ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَسْمِ عَتَقَ نَصْفُهُ، أَوْ بِالْقُرْعَةِ إِنْ خَرَجَتْ لَهُ، وَرَقَّ إِنْ خَرَجَتْ لِلْوَارِثِ، وَلَا يَخْفَى الْوَقْفُ. وَإِذَا قَدَّمْنَا بَيِّنَةَ الْقَتْلِ فَلَا قَصَاصَ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ يُنْكِرُهُ. وَإِنْ قَالَ: إِنْ مِتُّ فِي رَمَضَانَ فَعَبْدِي حُرٌّ، وَأَقَامَ الْعَبْدُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ فِي رَمَضَانَ، وَالْوَارِثُ بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ فِي شَوَّالٍ، فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا: التَّعَارُضُ، وَأَظْهَرُهُمَا: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ، لِزِيَادَةِ الْعِلْمِ بِحُدُوثِ الْمَوْتِ فِي رَمَضَانَ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْوَارِثِ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ، وَهِيَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ إِلَى شَوَّالٍ. وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يَطَّرِدَ فِي نَظَائِرِهِ الْمَسْأَلَةُ السَّابِقَةُ وَاللَّاحِقَةُ. وَلَوْ أَقَامَ الْوَارِثُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ مَاتَ فِي شَعْبَانَ، فَالْقِيَاسُ مَجِيءُ الْخِلَافِ وَانْعِكَاسُ الْقَوْلِ الثَّانِي
стр. 4707
وَقَوْلُ الْمُزَنِيِّ. وَلَوْ حَكَمَ الْقَاضِي بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ رَمَضَانَ، ثُمَّ شَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ مَاتَ فِي شَوَّالٍ، فَهَلْ يُنْقَضُ الْحُكْمُ، وَيُجْعَلُ كَمَا لَوْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَتَانِ مَعًا؟ خَرَّجَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ عَلَى قَوْلَيْنِ، كَمَا لَوْ بَانَ فِسْقُ الشُّهُودِ بَعْدَ الْحُكْمِ.
فَرْعٌ
قَالَ لِسَالِمٍ: إِنْ مِتُّ فِي رَمَضَانَ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَلِغَانِمٍ: إِنْ مِتُّ فِي شَوَّالٍ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً تَقْتَضِي حُرِّيَّتَهُ، فَقَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: لَا لِلتَّعَارُضِ، وَالثَّانِي: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ سَالِمٍ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ وَهِيَ حُدُوثُ الْمَوْتِ فِي رَمَضَانَ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ وَابْنُ سُرَيْجٍ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ غَانِمٍ. فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّعَارُضِ، فَعَلَى السُّقُوطِ يَرِقُّ الْعَبْدَانِ، وَعَلَى الْقِسْمَةِ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ عَبْدٍ نِصْفَهُ، وَلَوْ قَالَ لِسَالِمٍ: إِنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي فَأَنْتَ حُرٌّ، وَقَالَ لِغَانِمٍ: إِنْ بَرِئْتُ مِنْهُ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَأَقَامَ سَالِمٌ بَيِّنَةً بِمَوْتِهِ، وَغَانِمٌ بَيِّنَةً بِبُرْئِهِ، فَهَلْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ سَالِمٍ أَمْ غَانِمٍ، أَمْ يَتَعَارَضَانِ؟ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهُمَا: الثَّالِثُ، فَيَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي التَّعَارُضِ. وَقِيلَ: إِذَا وُجِدَ التَّعَارُضُ فِي مِثْلِ هَذَا غَلَبَتِ الْحُرِّيَّةُ.
قُلْتُ: مَعْنَى تَغْلِيبِهَا أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِسُقُوطِ الْبَيِّنَتَيْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
مَنِ ادَّعَى وِرَاثَةَ شَخْصٍ، وَطَلَبَ تَرِكَتَهُ، أَوْ شَيْئًا مِنْهَا، فَلْيُبَيِّنْ جِهَةَ الْوِرَاثَةِ مِنْ بُنُوَّةٍ أَوْ أُخُوَّةٍ وَغَيْرِهِمَا. وَذَكَرَ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي لِطَلَبِ التَّرِكَةِ ذِكْرُ الْجِهَةِ، بَلْ يُذْكَرُ مَعَهَا الْوِرَاثَةُ، فَيَقُولُ: أَنَا أَخُوهُ وَوَارِثُهُ، وَإِذَا شَهِدَ عَدْلَانِ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِبَاطِنِ حَالِ الْمَيِّتِ أَنَّ هَذَا ابْنُهُ، لَا نَعْرِفُ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ، دُفِعَتْ إِلَيْهِ التَّرِكَةُ. وَإِنْ شَهِدَا لِصَاحِبِ فَرْضٍ دُفِعَ إِلَيْهِ فَرْضُهُ، وَلَا يُطَالَبَانِ بِضَمِينٍ. وَذَكَرَ الْفُورَانِيُّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ
стр. 4708
هُنَا ثَلَاثَةُ شُهُودٍ، كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَهَادَةِ الْإِفْلَاسِ. وَالصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ. وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الشُّهُودُ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ، أَوْ كَانُوا مَنْ أَهْلِهَا، وَلَمْ يَقُولُوا: لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ، فَالْمَشْهُودُ لَهُ إِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ سَهْمٌ مُقَدَّرٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ، الْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْ لَا يَكُونَ، فَلَا يُعْطَى شَيْئًا فِي الْحَالِ، بَلْ يَبْحَثُ الْقَاضِي عَنْ حَالِ الْمَيِّتِ فِي الْبِلَادِ الَّتِي سَكَنَهَا أَوْ طَرَقَهَا، فَيَكْتُبُ إِلَيْهَا الِاسْتِكْشَافَ، أَوْ يَأْمَرُ مَنْ يُنَادِي فِيهَا: إِنَّ فُلَانًا مَاتَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ، فَلْيَأْتِ الْقَاضِي، أَوْ لِيَبْعَثْ إِلَيْهِ. فَإِذَا بَحَثَ مُدَّةً يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ فِي مِثْلِهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ هُنَاكَ، لَظَهَرَ وَلَمْ يَظْهَرْ، دَفَعَ الْمَالَ إِلَى الْمَشْهُودِ لَهُ. وَحَكَى السَّرَخْسِيُّ قَوْلًا أَنَّهُ لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُحْجَبُ كَالِابْنِ دُفِعَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يُحْجَبُ كَالْأَخِ، فَلَا، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ. وَإِنْ دَفَعَ إِلَيْهِ، فَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ ضَمِينٌ؟ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: يَجِبُ، وَأَظْهَرُهُمَا: لَا يَجِبُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ قَطْعًا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ يُحْجَبُ، وَجَبَ، وَإِلَّا فَلَا وَقِيلَ: إِنْ كَانَ ثِقَةً مُوسِرًا، لَمْ يَجِبْ، وَإِلَّا فَيَجِبُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لَهُ سَهْمٌ مُقَدَّرٌ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُحْجَبُ دُفِعَ إِلَيْهِ أَقَلُّ فَرْضِهِ عَائِلًا مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ، فَالزَّوْجَةُ تُعْطَى رُبُعَ الثَّمَنِ عَائِلًا، لِاحْتِمَالِ أَبَوَيْنِ وَبِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِ زَوْجَاتٍ، وَالزَّوْجُ يُعْطَى الرُّبُعَ عَائِلًا، لِاحْتِمَالِ أَبَوَيْنِ وَبِنْتَيْنِ مَعَهُ، وَالْأَبُ السُّدُسَ عَائِلًا عَلَى تَقْدِيرِ أَبَوَيْنِ وَبِنْتَيْنِ وَزَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ، وَلِلْأُمِّ السُّدُسُ عَائِلًا عَلَى تَقْدِيرِ أُخْتَيْنِ لِأَبٍ، وَأُخْتَيْنِ لِأُمٍّ، وَزَوْجٍ أَوْ زَوْجَةٍ مَعَهَا. وَلَوْ حَضَرَ مَعَ الزَّوْجَةِ ابْنٌ، أُعْطِيَتْ رُبُعَ الثَّمَنِ غَيْرَ عَائِلٍ؛ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَعُولُ إِذَا كَانَ فِيهَا ابْنٌ. ثُمَّ إِذَا بَحَثَ وَلَمْ يَظْهَرْ غَيْرُ الْمَشْهُودِ لَهُ، أُعْطِيَ تَمَامَ حَقِّهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يُعْطَى تَمَامَ حَقِّهِ إِلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِخِلَافِ الْأَخِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُعْطَ شَيْئًا، لَصَارَ مَحْرُومًا بِالْكُلِّيَّةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ وَلَا يُؤْخَذُ ضَمِينٌ
стр. 4709
لِلْمُتَيَقِّنِ، وَفِي أَخْذِهِ الزِّيَادَةَ الْخِلَافُ. وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُحْجَبُ، لَمْ يُعْطَ شَيْئًا قَبْلَ الْبَحْثِ، وَبَعْدَ الْبَحْثِ يُعْطَى عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِيهِ الْوَجْهُ السَّابِقُ فِيمَنْ لَهُ سَهْمٌ مُقَدَّرٌ وَهُوَ مِمَّنْ يُحْجَبُ. وَلَوْ قَطَعَ الشُّهُودُ بِأَنَّهُ لَا وَارِثَ لَهُ سِوَاهُ، فَقَدْ أَخْطَئُوا بِالْقَطْعِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَلَا تَبْطُلُ بِهِ شَهَادَتُهُمْ. وَلَوْ قَالُوا: هَذَا ابْنُهُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا كَوْنَهُ وَارِثَهُ، فَقَدْ أَطْلَقَ الْبَغَوِيُّ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ابْنًا غَيْرَ وَارِثٍ، وَجَعَلَ الْعِرَاقِيُّونَ هَذِهِ الصُّورَةَ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنِ الشُّهُودُ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ، أَوْ كَانُوا وَلَمْ يَقُولُوا: لَا وَارِثَ سِوَاهُ، وَقَالُوا: يُنْزَعُ الْمَالُ مِنْ يَدِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَيُدْفَعُ الْمَالُ إِلَيْهِ بَعْدَ الْبَحْثِ الْمَذْكُورِ، وَنَقَلُوا عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ فِيمَا إِذَا شَهِدُوا بِأَنَّهُ أَخُوهُ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْوِرَاثَةَ، أَنَّهُ لَا يُعْطَى شَيْئًا بَعْدَ الْبَحْثِ؛ لِأَنَّ الِابْنَ لَا يَحْجُبُهُ غَيْرُهُ فَقَرَابَتُهُ مُوَرِّثَةٌ وَالْأَخُ يَحْجُبُهُ غَيْرُهُ فَقَرَابَتُهُ غَيْرُ مُوَرِّثَةٍ بِمُجَرَّدِهَا. وَذَكَرَ الْإِمَامُ فِي الِابْنِ مَا ذَكَرَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَحَكَى فِي الْأَخِ وَجْهَيْنِ، فَحَصَلَ فِيهِمَا وَجْهَانِ.
فَرْعٌ
لَوْ قَالُوا: لَا نَعْرِفُ لَهُ فِي الْبَلَدِ وَارِثًا سِوَاهُ، لَمْ يُعْطَ شَيْئًا، وَلَا يَصِحُّ الضَّمَانُ الْمَذْكُورُ حَتَّى يُدْفَعَ إِلَيْهِ الْمَالُ.
الطَّرَفُ الرَّابِعُ فِي الْعِتْقِ وَالْوَصِيَّةِ:
مِنَ الْأُصُولِ الْمُمَهَّدَةِ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ عَبْدَيْنِ. كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ مَالِهِ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَلَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ، يَنْحَصِرُ الْعِتْقُ فِي الْأَوَّلِ، وَإِنْ أَعْتَقَهُمَا مَعًا، أَقْرَعَ، فَإِنْ عُلِمَ سَبْقُ أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يُعْلَمْ عَيْنُهُ، فَهَلْ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، أَمْ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ؟ قَوْلَانِ،
стр. 4710
أَظْهَرُهُمَا: الثَّانِي، وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ الْأَوَّلُ. وَلَوْ عُلِمَ عَيْنُ السَّابِقِ، ثُمَّ جُهِلَتْ، فَقِيلَ بِطَرْدِ الْقَوْلَيْنِ، وَالْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ عَبْدٍ نِصْفُهُ. وَلَوْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدَيْنِ بِالْمَوْتِ، أَوْ أَوْصَى بِعِتْقِهِمَا وَمَاتَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثُ مَالِهِ، أَقْرَعَ، سَوَاءٌ وَقَعَ التَّعْلِيقَانِ أَوِ الْوَصِيَّتَانِ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا. وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ الْمَرِيضَ أَعْتَقَ سَالِمًا وَبَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَعْتَقَ غَانِمًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثَ مَالِهِ، فَإِنْ أُرِّخَتَا تَارِيخًا مُخْتَلِفًا، عَتَقَ مَنْ أَعْتَقَهُ أَوَّلًا، وَإِنِ اتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا، أَقْرَعَ، وَإِنْ أُطْلِقَتْ إِحْدَاهُمَا، فَفِي «التَّهْذِيبِ» أَنَّهُ يُقْرَعُ، لِاحْتِمَالِ التَّرْتِيبِ وَالْمَعِيَّةِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ: احْتِمَالُ التَّرْتِيبِ أَقْرَبُ، وَأَغْلَبُ مِنِ احْتِمَالِ الْمَعِيَّةِ، وَالسَّابِقُ مِنْهُمَا غَيْرُ مَعْلُومٍ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَتَعَارَضَتَا، وَأُطْلِقَتَا، عَرَفْنَا أَنَّ أَحَدَ الصِّنْفَيْنِ سَابِقٌ، وَلَمْ نَعْرِفْهُ بِعَيْنِهِ، فَيَجِيءُ الْقَوْلَانِ فِي أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، أَمْ يُعْتَقُ مَنْ كُلِّ عَبْدٍ نِصْفُهُ؟ وَمِنْ فُرُوعِ الْقَوْلَيْنِ مَا لَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَتَانِ كَذَلِكَ، لَكِنَّ أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ سُدُسُ الْمَالِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْقُرْعَةِ، فَخَرَجَتْ لِلْعَبْدِ الْخَسِيسِ، عَتَقَ وَعَتَقَ مَعَهُ نِصْفُ الْآخَرِ لِيُكْمِلَ الثُّلُثَ، وَإِنْ خَرَجَتْ لِلنَّفِيسِ، عَتَقَ وَحْدَهُ، وَإِنْ قُلْنَا هُنَاكَ: يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ، فَهَاهُنَا وَجْهَانِ، الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ: يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثَاهُ، كَمَا لَوْ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلِثِ مَالِهِ، وَلِآخَرَ بِسُدُسِهِ، أَعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثَيْ مَا أَوْصَى لَهُ بِهِ. وَالثَّانِي: يُعْتَقُ مِنَ النَّفِيسِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ، وَمِنَ الْخَسِيسِ نِصْفُهُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ سَبَقَ عِتْقُ النَّفِيسِ عَتَقَ كُلُّهُ، وَإِنْ سَبَقَ الْخَسِيسُ فَنَصِفُ النَّفِيسِ بَعْدَهُ حُرٌّ، فَأَحَدُ نِصْفَيْهِ حُرٌّ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَالنِّزَاعُ فِي النِّصْفِ الثَّانِي وَهُوَ قَدْرُ سُدُسِ الْمَالِ، فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا، فَيُعْتَقُ مِنَ النَّفِيسِ رُبُعٌ آخَرُ، وَمِنَ الْخَسِيسِ نِصْفُهُ. وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَتَانِ بِتَعْلِيقِ عِتْقِ عَبْدَيْنِ
стр. 4711
بِالْمَوْتِ أَوْ بِالْوَصِيَّةِ بِإِعْتَاقِهِمَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ ثُلُثُ الْمَالِ، وَلَمْ تُجِزِ الْوَرَثَةُ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، سَوَاءٌ أُطْلِقَتِ الْبَيِّنَتَانِ أَوْ أُرِّخَتَا؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَيْنِ بِالْمَوْتِ كَالْوَاقِعَيْنِ مَعًا فِي الْمَرَضِ. هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: يُقْرَعُ، وَالثَّانِي: يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ عَبْدٍ نِصْفُهُ.
فَصْلٌ
لَا فَرْقَ فِي شُهُودِ الْعِتْقِ وَالْوَصِيَّةِ
[بَيْنَ] أَنْ يَكُونُوا أَجَانِبَ، أَوْ مِنْ وَرَثَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. فَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، وَشَهِدَ وَارِثَانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ تِلْكَ الْوَصِيَّةِ، وَأَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ أَيْضًا، قُبِلْتَ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الرُّجُوعِ عَنِ الْوَصِيَّةِ الْأُولَى، وَتَثْبُتُ بِهَا الْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ؛ لِأَنَّهُمَا أَثْبَتَا لِلرُّجُوعِ بَدَلًا يُسَاوِيهِ، فَارْتَفَعَتِ التُّهْمَةُ عَنْهُمَا، وَلَا نَظَرَ إِلَى تَبْدِيلِ الْوَلَاءِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ قَدْ لَا يَكُونُ أَهْدَى لِجَمْعِ الْمَالِ، وَقَدْ لَا يُوَرَّثُ بِالْوَلَاءِ، وَمُجَرَّدُ هَذَا الِاحْتِمَالِ لَوْ رُدِّتْ بِهِ الشَّهَادَةُ، لَمَا قُبِلَتْ شَهَادَةُ قَرِيبٍ لِمَنْ يَرِثُهُ. هَذَا إِذَا كَانَ الْوَارِثَانِ عَدْلَيْنِ، فَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ، لَمْ يَثْبُتِ الرُّجُوعُ بِقَوْلِهِمَا، فَيَحْكُمُ بِعِتْقِ غَانِمٍ بِشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، وَيُعْتَقُ مِنْ سَالِمٍ قَدْرُ مَا يَحْتَمِلُهُ ثُلُثُ الْبَاقِي مِنَ الْمَالِ بَعْدَ غَانِمٍ وَهُوَ الثُّلُثَانِ، وَكَأَنَّ غَانِمًا هَلَكَ أَوْ غُصِبَ مِنَ التَّرِكَةِ. فَإِنْ قَالَ الْوَارِثَانِ: أَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ، وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِلرُّجُوعِ عَنْ عِتْقِ غَانِمٍ، فَالْحُكْمُ كَمَا سَبَقَ فِيمَا لَوْ كَانَتِ الْبَيِّنَتَانِ أَجَانِبَ، فَالْمَذْهَبُ الْقُرْعَةُ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ، ثَانِيهِمَا: يُعَتَقُ مِنْ كُلِّ عَبْدٍ نِصْفُهُ. وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، لَكِنَّ سَالِمَ سُدُسُ الْمَالِ، فَالْوَارِثَانِ مُتَّهَمَانِ بِرَدِّ الْعِتْقِ مِنَ الثُّلُثِ إِلَى السُّدُسِ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا فِي الرُّجُوعِ فِي النِّصْفِ الَّذِي لَمْ يُثْبِتَا لَهُ بَدَلًا. وَفِي الْبَاقِي الْخِلَافُ فِي تَبْعِيضِ
стр. 4712
الشَّهَادَةِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَبْعِيضَ، وَبِهِ أَجَابَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا فِيهِ أَيْضًا، وَيُعْتَقُ الْعَبْدَانِ، الْأَوَّلُ بِشَهَادَةِ الْأَجَانِبِ، وَالثَّانِي بِإِقْرَارِ الْوَرَثَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا جَائِزَيْنِ، عَتَقَ مِنْهُ قَدْرُ مَا يَسْتَحِقَّانِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: تُبَعَّضُ، عَتَقَ نِصْفُ الْأَوَّلِ، وَكُلُّ الثَّانِي. وَحُكِيَ وَجْهٌ أَنَّ الرُّجُوعَ لَا يَتَبَعَّضُ، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ فِي الْبَعْضِ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْبَاقِي، فَتَبْقَى الشَّهَادَةُ بِالْوَصِيَّةِ بِعِتْقِ الْعَبْدَيْنِ، فَيَقْرَعُ كَمَا سَبَقَ، وَهَذَا الْخِلَافُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي التَّرِكَةِ وَصِيَّةٌ أُخْرَى. فَإِنْ كَانَ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِرَجُلٍ، وَقَامَتِ الْبَيِّنَتَانِ لِغَانِمٍ وَسَالِمٍ كَمَا ذَكَرْنَا، قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْوَرَثَةِ بِالرُّجُوعِ عَنْ وَصِيَّةِ غَانِمٍ؛ لِأَنَّ لِلْوَرَثَةِ رَدَّ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ، فَلَيْسَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الرُّجُوعِ تُهْمَةٌ، فَيُجْعَلُ الثُّلُثُ أَثْلَاثًا بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ بِالثُّلُثِ، وَعِتْقِ سَالِمٍ، فَيُعْطَى الْمُوصَى لَهُ ثُلُثَ الثُّلُثِ، وَيُعْتَقُ مِنْ سَالِمٍ ثُلُثَاهُ، وَهُوَ ثُلُثُ الثُّلُثِ، هَكَذَا ذَكَرُوهُ، لَكِنْ بِرَدِّ الزِّيَادَةِ عَلَى الثُّلُثِ لَا يُوجِبُ حِرْمَانَ بَعْضِ أَصْحَابِ الْوَصَايَا، بَلْ يُوَزَّعُ عَلَيْهِمُ الثُّلُثُ. وَقَبُولُ شَهَادَةِ الثُّلُثِ تُوجِبُ إِرْقَاقَ غَانِمٍ وَحِرْمَانَهُ، وَهُوَ مَحَلُّ تُهْمَةٍ، لِتَعَلُّقِ الْأَغْرَاضِ بِأَعْيَانِ الْعَبِيدِ. فَإِنْ كَانَ الْوَارِثَانِ فَاسِقَيْنِ عَتَقَ غَانِمٌ بِشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، وَعَتَقَ سَالِمٌ بِإِقْرَارِهِمَا. وَلَوْ كَانَتْ قِيمَةُ غَانِمٍ سُدُسَ الْمَالِ، وَسَالِمٍ ثُلُثَهُ، قُبِلَ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الرُّجُوعِ عَنْ وَصِيَّةِ غَانِمٍ، وَأُعْتِقَ سَالِمٌ. فَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ عَتَقَ الْأَوَّلُ، وَعَتَقَ مِنْ سَالِمٍ بِقَدْرِ ثُلُثِ الْبَاقِي مِنَ الْمَالِ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ سَالِمٍ، وَكَأَنَّ الْأَوَّلَ تَلِفَ. وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ نُجِزَ عِتْقُ غَانِمٍ فِي الْمَرَضِ وَوَارِثَانِ أَنَّهُ نُجِزَ عِتْقُ سَالِمٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا ثُلُثُ الْمَالِ، نُظِرَ، إِنْ كَذَبَ الْوَارِثَانِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ وَقَالَا: لَمْ يُعْتِقْ غَانِمًا، وَإِنَّمَا أَعْتَقَ سَالِمًا، عَتَقَ الْعَبْدَانِ
[فَإِنْ] لَمْ يَكُونَا جَائِزَيْنِ، عَتَقَ مِنْ سَالِمٍ قَدْرُ حِصَّتِهِمَا، وَاسْتَدْرَكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَقَالَ: قِيَاسُ مَا سَبَقَ أَنْ لَا يُعْتَقَ مِنْ سَالِمٍ إِلَّا قَدْرُ مَا يَحْتَمِلُهُ ثُلُثُ الْبَاقِي مِنَ الْمَالِ بَعْدَ
стр. 4713
عِتْقِ غَانِمٍ، وَكَأَنَّ غَانِمًا تَلِفَ، وَهَذَا حَسَنٌ. وَإِنْ لَمْ يُكَذِّبَاهُمَا، بَلْ قَالَا: أَعْتَقَ سَالِمًا، وَلَا يُدْرَى هَلْ أَعْتَقَ غَانِمًا أَمْ لَا. فَإِنْ كَانَ الْوَارِثَانِ عَدْلَيْنِ، فَالْحُكْمُ كَمَا سَبَقَ فِيمَا لَوْ كَانَ شُهُودُ الْعَبْدَيْنِ أَجَانِبَ، وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ، عَتَقَ غَانِمٌ بِشَهَادَةِ الشُّهُودِ. وَأَمَّا سَالِمٌ، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، وَتَابَعَهُ كَثِيرُونَ: يُعْتَقُ مِنْهُ نِصْفُهُ إِذَا قُلْنَا: يُعْتَقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ لَوْ كَانَا عَدْلَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: هَذَا سَهْوٌ، وَصَوَابُهُ أَنْ يُعْتَقَ خُمُسَاهُ، وَذُكِرَ تَوْجِيهُهُ بِطَرِيقِ الْجَبْرِ. وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ لِغَانِمٍ، وَوَارِثَانِ لِسَالِمٍ كَمَا ذَكَرْنَا، إِلَّا أَنَّ سَالِمًا سُدُسُ الْمَالِ، فَإِنْ كَذَّبَ الْوَارِثَانِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، عَتَقَا جَمِيعًا، وَإِنْ لَمْ يُكَذِّبَاهُمَا، فَإِنْ كَانَا عَدْلَيْنِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ شُهُودُ الْعَبْدَيْنِ أَجَانِبَ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ. وَإِنْ كَانَا فَاسِقَيْنِ، فَنَقَلَ الْبَغَوِيُّ أَنَّ الْأَوَّلَ حُرٌّ بِشَهَادَةِ الْأَجْنَبِيَّيْنِ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا. فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لَهُ، انْحَصَرَ الْعِتْقُ فِيهِ، وَإِنْ خَرَجَتْ لِلثَّانِي، عَتَقَ الْأَوَّلُ بِالشَّهَادَةِ، وَعَتَقَ مِنَ الثَّانِي ثُلُثُ مَا بَقِيَ مِنَ الْمَالِ بِإِقْرَارِ الْوَارِثَيْنِ، قَالَ: وَقِيَاسُ هَذَا أَنْ يُقْرَعَ أَيْضًا إِذَا كَانَ كُلُّ عَبْدٍ ثُلُثَ الْمَالِ وَالْوَارِثَانِ فَاسِقَانِ، وَكَأَنَّ هَذَا جَوَابٌ عَلَى قَوْلِ الْقُرْعَةِ فِيمَا إِذَا كَانَ الشُّهُودُ كُلُّهُمْ أَجَانِبَ، وَمَا نَقَلْنَاهُ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ عَلَى قَوْلِ الْقِسْمَةِ.
فَصْلٌ
شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ فُلَانًا الْمَيِّتَ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِالثُّلُثِ، وَآخَرَانِ أَنَّهُ أَوْصَى لِبَكْرٍ بِالثُّلُثِ، فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ، فَإِنْ قَالَ الْآخَرَانِ: رَجَعَ عَنْ زَيْدٍ، وَأَوْصَى لِبَكْرٍ بِالثُّلُثِ، سُلِّمَ لَهُ الثُّلُثُ، وَيَسْتَوِي فِي شَهَادَةِ الرُّجُوعِ الْوَارِثُ وَالْأَجْنَبِيُّ إِذَا جَرَى ذَكْرُ بَدَلٍ. وَلَوْ شَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ وَصِيَّةِ بَكْرٍ أَيْضًا، وَأَوْصَى بِالثُّلُثِ لِعَمْرٍو، سُلِّمَ الثُّلُثُ لَهُ. وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِالثُّلُثِ لِزَيْدٍ، وَاثْنَانِ أَنَّهُ أَوْصَى لِبَكْرٍ، ثُمَّ شَهِدَ
стр. 4714
اثْنَانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ إِحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ، فَإِنْ عَيَّنَا الْمَرْجُوعَ عَنْهَا، ثَبَتَ الرُّجُوعُ، وَكَانَ الثُّلُثُ كُلُّهُ لِلْآخَرِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَيْسَ لِلْآخَرِ إِلَّا السُّدُسُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ الثُّلُثُ إِذَا ثَبَتَ أَنَّ وَصِيَّتَهُ وَقَعَتْ بَعْدَ الرُّجُوعِ عَنِ الْوَصِيَّةِ الْأُخْرَى. إِنْ لَمْ يُعَيِّنَا الْمَرْجُوعَ عَنْهَا، نَصَّ فِي «الْمُخْتَصَرِ» أَنَّ الثُّلُثَ بَيْنَهُمَا. وَاخْتُلِفَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِبْهَامُ الشَّهَادَةِ بِالرُّجُوعِ يَمْنَعُ قَبُولَهَا، كَمَا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ أَوْصَى لِأَحَدِهِمَا، وَقَالَ الْقَفَّالُ: تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ تَحْتَمِلُ الْإِبْهَامَ، وَيُقَسَّمُ الرُّجُوعُ بَيْنَهُمَا وَكَأَنَّهُ رَدَّ وَصِيَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ إِلَى السُّدُسِ، فَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِيمَا لَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ أَوْصَى لِزَيْدٍ بِالسُّدُسِ، وَأُخْرَى لِعَمْرٍو بِالسُّدُسِ أَيْضًا، وَأُخْرَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ إِحْدَى الْوَصِيَّتَيْنِ، فَعَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ: لَا يُقْبَلُ شَهَادَةُ الرُّجُوعِ الْمُبْهَمِ، وَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ السُّدُسَ الْمُوصَى بِهِ، وَعَلَى قَوْلِ الْقَفَّالِ: تُقْبَلُ وَكَأَنَّهُ رَجَعَ عَنْ نِصْفِ كُلِّ وَصِيَّةٍ، فَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفَ سُدُسٍ.
الْبَابُ السَّادِسُ فِي مَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ تَتَعَلَّقُ بِأَدَبِ الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَاتِ وَالدَّعَاوَى؛ لِأَنَّهَا يَتَعَلَّقُ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ.
يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَغَيْرِهِ فِي إِحْضَارِ الْخَصْمِ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، لَكِنْ لَا يُحْضَرُ إِذَا صَعَدَ الْخَطِيبُ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالْيَهُودِيُّ يَحْضُرُ يَوْمَ السَّبْتِ، وَيُكْسَرُ عَلَيْهِ سَبْتُهُ.
شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ غَصَبَ كَذَا، أَوْ سَرَقَهُ غَدْوَةً، وَآخَرَانِ أَنَّهُ غَصَبَهُ، أَوْ سَرَقَهُ عَشِيَّةً، تَعَارَضَتَا وَلَا يُحْكَمُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ هَكَذَا، وَآخَرُ هَكَذَا حَيْثُ يَحْلِفُ مَعَ أَحَدِهِمَا، وَيَأْخُذُ الْغُرْمَ؛ لِأَنَّ الْوَاحِدَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَلَا تَعَارُضَ.
شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى إِتْلَافِ ثَوْبٍ قِيمْتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ، وَآخَرُ عَلَى إِتْلَافِ
стр. 4715
ذَلِكَ الثَّوْبِ بِعَيْنِهِ، وَقَالَ قِيمَتُهُ ثُمُنُ دِينَارٍ، يَثْبُتُ الْأَقَلُّ وَلِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ مَعَ الْآخَرِ. وَلَوْ شَهِدَ بَدَلُ الْوَاحِدِ وَالْوَاحِدِ اثْنَانِ وَاثْنَانِ ثَبَتَ الْأَقَلُّ أَيْضًا وَتَعَارَضَتَا فِي الزِّيَادَةِ. وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ وَزْنَ الذَّهَبِ الَّذِي أَتْلَفَهُ نِصْفُ دِينَارٍ، وَآخَرَانِ أَنَّ وَزَنَهُ دِينَارٌ، ثَبَتَ الدِّينَارُ؛ لِأَنَّ مَعَ شَاهِدَيْهِ زِيَادَةَ عِلْمٍ، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْقِيمَةِ، فَإِنَّ مَدْرَكَهَا الِاجْتِهَادُ، وَقَدْ يَقِفُ شَاهِدُ الْقَلِيلِ عَلَى عَيْبٍ. وَلَوِ ادَّعَى عَبْدًا فِي يَدِ رَجُلٍ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَلَدُ أَمَتِهِ، لَمْ يُقْضَ لَهُ بِهَا، فَقَدْ تَلِدُ قَبْلَ أَنْ تَمْلِكَهَا، فَإِنْ شَهِدَتْ أَنَّهُ وَلَدُ أَمَتِهِ وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ فَنَصَّ أَنَّهُ يُقْضَى لَهُ بِهَذِهِ الْبَيِّنَةِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ قَوْلًا؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِمِلْكٍ سَابِقٍ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ النَّمَاءَ تَابِعٌ لِلْأَصْلِ. وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّ هَذِهِ الشَّاةَ نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ، وَهَذِهِ الثَّمَرَةُ حَصَلَتْ فِي مِلْكِهِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِمْ: وَلَدَتْهُ أَمَتُهُ فِي مِلْكِهِ، وَلَا يَكْفِي نِتَاجُ شَاتِهِ، وَثَمَرُ شَجَرَتِهِ. وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّ هَذَا الْغَزْلَ مِنْ غَزْلِهِ، أَوِ الْفَرْخَ مِنْ بَيْضِهِ، وَالدَّقِيقَ مِنْ حِنْطَتِهِ، أَوِ الْخُبْزَ مِنْ دَقِيقِهِ، كَفَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْنُ مَالِهِ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ، بِخِلَافِ وَلَدِ الْجَارِيَةِ وَالشَّاةِ. وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى رِقِّ شَخْصٍ، وَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً أَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ، فَبَيِّنَةُ الْمُدَّعِي أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ وَهُوَ إِثْبَاتُ الرِّقِّ. وَلَوِ ادَّعَى دَيْنًا، وَشَهِدَ بِهِ اثْنَانِ، لَكِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا مُتَّصِلًا بِشَهَادَتِهِ: إِنَّهُ قَضَاهُ، أَوْ أُبْرِئَ مِنْهُ، فَشَهَادَتُهُ بَاطِلَةٌ لِلْقَضَاءِ، وَإِنْ ذَكَرَهُ مَفْصُولًا عَنِ الشَّهَادَةِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يُؤَثِّرْ. وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يُحَلَّفَ مَعَهُ عَلَى الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْحُكْمِ، سُئِلَ: مَتَى قَضَاهُ؟ فَإِنْ قَالَ: قَبْلَ أَنْ شَهِدْتُ،
стр. 4716
فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاصِّ. وَذَكَرَ فِيمَا إِذَا شَهِدَ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالدَّيْنِ شَاهِدَانِ، ثُمَّ عَادَ أَحَدُهُمَا، وَقَالَ: قَضَاهُ أَوْ أَبْرَأَهُ بَعْدَ أَنْ شَهِدْتُ أَنَّ شَهَادَتَهُ لَا تَبْطُلُ، بَلْ يُحْكَمُ بِالدَّيْنِ وَيُؤْخَذُ، إِلَّا أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ شَاهِدِ الْقَضَاءِ وَالْإِبْرَاءِ. وَالْفَرْقُ أَنَّ هُنَاكَ شَهِدَ عَلَى نَفْسِ الْحَقِّ، وَالْقَضَاءُ وَالْإِبْرَاءُ يُنَافِيَانِهِ، فَبَطَلَتِ الشَّهَادَةُ، وَهُنَا شَهِدَ عَلَى الْإِقْرَارِ، وَالْقَضَاءُ وَالْإِبْرَاءُ لَا يُنَافِيَانِهِ، فَلَا تَبْطُلُ الشَّهَادَةُ. وَحُكِيَ وَجْهٌ أَنَّ شَهَادَتَهُ عَلَى نَفْسِ الْحَقِّ لَا تَبْطُلُ أَيْضًا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ، الْخِلَافُ فِيمَا لَوِ ادَّعَى أَلْفًا، وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ بِأَلْفٍ مُؤَجَّلٍ، لَكِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: قَضَى مِنْهُ خَمْسَمِائَةٍ، فَفِي وَجْهٍ: لَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُمَا إِلَّا فِي خَمْسِمِائَةٍ، لَكِنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَحْلِفَ لِبَاقِي الْأَلْفِ مَعَ الشَّاهِدِ الْآخَرِ. وَفِي وَجْهٍ: تَصِحُّ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الْأَلْفِ، وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ الْقَضَاءِ. وَفِي وَجْهٍ ثَالِثٍ: لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِمَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى مَا ادَّعَاهُ، وَيَقْرُبْ مِنْهُ قَوْلَانِ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ فِيمَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ فَلَانًا وَكَّلَ فُلَانًا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا: عَزَلَهُ بَعْدَ أَنْ شَهِدْتُ، فَفِي قَوْلٍ: تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ. وَفِي قَوْلٍ: تَثْبُتُ شَهَادَةُ الْوَكَالَةِ، فَيُعْمَلُ بِهَا، وَالْعَزْلُ لَا يَثْبُتُ بِوَاحِدٍ.
ادَّعَى شَرِيكَانِ فَأَكْثَرُ حَقًّا عَلَى رَجُلٍ فَأَنْكَرَ، يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ يَمِينًا، فَإِنْ رَضِيَ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ، فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ: الْمَنْعُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، فَحَكَمَ الْحَاكِمُ بِعِتْقِهِ، ثُمَّ رَجَعَا عَنِ الشَّهَادَةِ، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، وَلَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ إِلَّا الثُّلُثَ، قَالَ الْبَغَوِيُّ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُرْعَةُ لِلْأَوَّلِ رَقَّ الثَّانِي، وَيُغَرَّمُ الرَّاجِعَانِ قِيمَةَ
стр. 4717
الْأَوَّلِ لِلْوَرَثَةِ. وَإِنْ خَرَجَتْ لِلثَّانِي عَتَقَ وَرَقَّ الْأَوَّلُ، وَلَا غُرْمَ عَلَى الرَّاجِعَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَلَقَّيَاهُ. قَالَ: وَعِنْدِي يُعْتَقُ الثَّانِي بِلَا قُرْعَةٍ، وَعَلَى الرَّاجِعَيْنِ قِيمَةُ الْأَوَّلِ لِلْوَرَثَةِ. وَلَوْ شَهِدَ رَجُلٌ أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِكَذَا، وَآخَرُ أَنَّهُ فَوَّضَهُ إِلَيْهِ، أَوْ سَلَّطَهُ عَلَيْهِ، ثَبَتَتِ الْوَكَالَةُ. وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ: وَكَّلْتُكَ بِكَذَا، وَالْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ بِوَكَالَتِهِ، لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ، وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالْبَيْعِ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ وَكَّلَهُ بِالْبَيْعِ وَقَبَضَ الثَّمَنَ ثَبَتَ الْبَيْعُ. وَلَوِ ادَّعَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْهُ هَذَا الْعَبْدَ، وَنَقَدَهُ الثَّمَنَ وَأَعْتَقَهُ، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، وَادَّعَى آخَرُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَنَقَدَ الثَّمَنَ، وَأَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، تَعَارَضَتَا، وَذِكْرُ الْعِتْقِ لَا يَقْتَضِي تَرْجِيحًا عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: يُرَجَّحُ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ كَالْقَبْضِ، نَصَّ فِي «الْأُمِّ» أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى دَابَّةً فِي يَدِ غَيْرِهِ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا لَهُ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ، وَنَظَرَ الْحَاكِمُ فِي سَنِّهَا، فَإِذَا لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ فَقَطْ، لَمْ يَقْبَلِ الشَّهَادَةَ؛ لِأَنَّهَا كَذِبٌ، وَأَنَّ الْمُسَّنَاةَ الْحَائِلَةَ بَيْنَ نَهْرِ شَخْصٍ وَأَرْضِ آخَرَ، يُجْعَلُ بَيْنَهُمَا كَالْجِدَارِ الْحَائِلِ. وَلَوِ ادَّعَى مِائَةَ دِرْهَمٍ عَلَى إِنْسَانٍ، فَقَالَ: قَبَضْتُ خَمْسِينَ، لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِالْمِائَةِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: قَضَيْتُ مِنْهَا خَمْسِينَ. وَلَوِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ، فَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ قُضِيَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَمَا اخْتَصَّ أَحَدُهُمَا بِالْيَدِ عَلَيْهِ حِسًّا أَوْ حُكْمًا، بِأَنْ كَانَ فِي مِلْكِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيهِ بِيَمِينِهِ، وَمَا كَانَ فِي يَدِهِمَا حِسًّا، أَوْ فِي الْبَيْتِ الَّذِي يَسْكُنَانِهِ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ تَحْلِيفُ الْآخَرِ، فَإِنْ حَلَفَا جُعِلَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ قُضِيَ لِلْحَالِفِ، وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا فِي دَوَامِ النِّكَاحِ، أَمْ بَعْدَ الْفِرَاقِ، وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا هُمَا أَوْ وَرَثَتُهُمَا، أَوْ أَحَدُهُمَا وَوَرَثَةُ الْآخَرِ، وَسَوَاءٌ مَا يَصْلُحُ لِلزَّوْجِ كَالسَّيْفِ وَالْمِنْطَقَةِ، أَوْ لِلزَّوْجَةِ
стр. 4718
كَالْحُلِيِّ وَالْغَزْلِ، أَوَّلُهُمَا. وَلَوِ اخْتَلَفَ مَالِكُ الدَّارِ وَسَاكِنُهَا بِالْإِجَارَةِ فِي مَتَاعِ الدَّارِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّاكِنِ، فَإِنْ تَنَازَعَا فِي رَفٍّ فِيهَا، نُظِرَ، إِنْ كَانَ مُسَمَّرًا أَوْ مُثَبَّتًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ، وَإِلَّا فَهُوَ بَيْنُهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ. وَلَوْ تَنَازَعَا أَرْضًا وَلِأَحَدِهِمَا فِيهَا زَرْعٌ أَوْ بِنَاءٌ أَوْ غِرَاسٌ، فَهِيَ فِي يَدِهِ، أَوْ دَابَّةً أَوْ جَارِيَةً حَامِلًا، وَالْحَمْلُ لِأَحَدِهِمَا بِالِاتِّفَاقِ، فَهِيَ فِي يَدِهِ، أَوْ دَارٌ لِأَحَدِهِمَا فِيهَا مَتَاعٌ، فَهِيَ فِي يَدِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَتَاعُ إِلَّا فِي بَيْتٍ لَمْ يُجْعَلْ فِي يَدِهِ إِلَّا ذَلِكَ الْبَيْتُ، هَكَذَا ذَكَرُوهُ. وَلَوْ تَنَازَعَا عَبْدًا، وَلِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ ثِيَابٌ، لَمْ يُجْعَلْ صَاحِبَ يَدٍ فِي الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الثَّوْبِ الْمَلْبُوسِ تَعُودُ إِلَى الْعَبْدِ، لَا إِلَى الْمُدَّعِي. وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: اسْتَأْجَرْتُ هَذِهِ الدَّارَ مِنْ زَيْدٍ سَنَةً فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ، وَقَالَ آخَرُ: اسْتَأْجَرْتُهَا مِنْهُ سَنَةً مِنْ أَوَّلِ شَوَّالٍ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً، فَقَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْفُورَانِيُّ، الْمَشْهُورُ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ: تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ رَمَضَانَ لِسَبْقِ تَارِيخِهَا. وَالثَّانِي: بَيِّنَةُ شَوَّالٍ؛ لِأَنَّهَا نَاسِخَةٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا تَقَايَلَا، وَاسْتَأْجَرَ الثَّانِي فِي شَوَّالٍ، وَيَجِيءُ هَذَا فِي بَيِّنَتَيِ الْبَيْعِ عَلَى ضَعْفِهِ.
قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ هَذَا ابْنُهُ لَا يَعْرِفُ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ، وَبَيِّنَةٌ أَنَّ هَذَا الْآخَرَ ابْنُهُ لَا يَعْرِفُ لَهُ وَارِثًا سِوَاهُ، ثَبَتَ نَسَبُهُمَا، فَلَعَلَّ كُلَّ بَيِّنَةٍ اطَّلَعَتْ عَلَى مَا لَمْ تَطَّلِعْ عَلَيْهِ الْأُخْرَى.
فَصْلٌ
فِيمَا جُمِعَ مِنْ فَتَاوَى الْقَفَّالِ وَغَيْرِهِ. أَنَّ الضَّيْعَةَ إِذَا صَارَتْ مَعْلُومَةً بِثَلَاثَةِ حُدُودٍ، جَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى ذِكْرِهَا، وَهَذَا خِلَافُ مَا سَبَقَ فِي بَابِ
стр. 4719
الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ مِنْ إِطْلَاقِ ابْنِ الْقَاصِّ. قَالَ الْقَفَّالُ: لَكِنْ لَوْ ذَكَرَ الشُّهُودُ الْحُدُودَ الْأَرْبَعَةَ وَأَخْطَئُوا فِي وَاحِدٍ، لَمْ تَصِحَّ شَهَادَتُهُمْ، فَتَرْكُ الذِّكْرِ خَيْرٌ مِنَ الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا أَخْطَئُوا لَمْ يَكُنْ بِتِلْكَ الْحُدُودِ ضَيْعَةٌ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِذَا غَلِطَ الْمُدَّعِي، فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ دَارٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ كَانَ صَادِقًا. وَإِذَا حَلَفَ كَانَ بَارًّا. وَإِنْ لَمْ يُنْكِرْ، وَقَالَ: لَا أَمْنَعُهُ الدَّارَ الَّتِي يَدَّعِيهَا، سَقَطَتْ دَعْوَى الْمُدَّعِي، فَإِنْ ذَهَبَ إِلَى الدَّارِ الَّتِي فِي يَدِهِ لِيَدْخُلَهَا، فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ، وَيَقُولُ: هِيَ غَيْرُ مَا ادَّعَيْتَ، فَأَمَّا إِذَا أَصَابَ فِي الْحُدُودِ، فَقَالَ: لَا أَمْنَعُكَ مِنْهَا، فَلَيْسَ لَهُ الْمَنْعُ إِذَا ذَهَبَ لِيَدْخُلَهَا، فَإِنْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ غَلِطَ فِي الْحُدُودِ، لَمْ يُقْبَلْ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ: لَا أَمْنَعُكَ؛ لِأَنَّ الدَّارَ لَمْ تَكُنْ فِي يَدِي يَوْمَئِذٍ، وَقَدْ صَارَتْ فِي يَدِي وَمِلْكِي، قُبِلَ مِنْهُ، وَلَهُ الْمَنْعُ إِذَا حَلَفَ. وَفِيهِ أَنَّ دَعْوَى الْعَبْدِ عَلَى سَيِّدِهِ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ لَا تُسْمَعُ إِنْ لَمْ يَشْتَرِ، وَلَمْ يَبِعْ شَيْئًا. وَإِنِ اشْتَرَى ثَوْبًا، وَجَاءَ الْبَائِعُ يُطْلَبُ الثَّمَنَ مِنْ كَسْبِهِ، فَأَنْكَرَ، السَّيِّدُ الْإِذْنَ، فَلِلْبَائِعِ أَنْ يُحَلِّفَهُ عَلَى نَفْيِ الْإِذْنِ، فَإِنْ حَلَفَ فَلِلْعَبْدِ أَنْ يُحَلِّفَهُ مَرَّةً أُخْرَى، لِيَسْقُطَ الثَّمَنُ عَنْ ذِمَّتِهِ. وَإِنْ بَاعَ الْعَبْدُ عَيْنًا لِلسَّيِّدِ، وَقَبَضَ الثَّمَنَ، وَتَلِفَ فِي يَدِهِ، فَطَلَبَ الْمُشْتَرِي تِلْكَ الْعَيْنَ فَقَالَ السَّيِّدُ: لَمْ آذَنْ لَهُ فِي الْبَيْعِ، حَلَفَ، فَإِنْ حَلَفَ، حُكِمَ بِبُطْلَانِ الْبَيْعِ، وَالْعَبْدُ يُحَلِّفُهُ لِإِسْقَاطِهِ الثَّمَنَ عَنْ ذِمَّتِهِ. وَأَنَّهُ لَوِ ادَّعَى أَلْفًا، وَأَقَامَ بِهِ شَاهِدًا، وَأَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ، فَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ شَاهِدًا بِأَنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا حَقَّ عَلَيْهِ، فَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِهِ، فَإِذَا حَلَفَ سَقَطَتْ دَعْوَى الْمُدَّعِي، وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَالِكِ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَى
стр. 4720
الْغَائِبِ وَعَلَى الْغَاصِبِ مِنَ الْغَاصِبِ، فَإِنِ ادَّعَى عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ رَدُّ الثَّوْبِ بِصِفَةِ كَذَا، أَوْ قِيمَتِهِ كَذَا، فَلَيْسَ عَلَى الْغَاصِبِ أَنْ يَحْلِفَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ قَدَرَ عَلَى الِانْتِزَاعِ لَزِمَهُ الِانْتِزَاعُ وَالرَّدُّ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ. وَأَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ اشْتَرَاهَا الْمُدَّعِي مِنْ فُلَانٍ، وَهُوَ يَمْلِكُهَا، وَلَمْ يَقُولُوا: هِيَ الْآنَ مِلْكُ الْمُدَّعِي، فَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ قَوْلَانِ، كَمَا لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ كَانَ مَلَكَهُ أَمْسِ، وَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الْجُمْهُورِ قَبُولُهَا. وَأَنَّهُ لَوِ ادَّعَى قِصَاصًا، فَاقْتَصَّ الْحَاكِمُ بِرِوَايَةِ رَاوٍ رَوَى حَدِيثًا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِي الْوَاقِعَةِ، ثُمَّ رَجَعَ الرَّاوِي، وَقَالَ: كَذَبْتُ وَتَعَمَّدْتُ، لَمْ يَجِبِ الْقِصَاصُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالْوَاقِعَةِ. وَأَنَّهُ لَوْ غُصِبَ الْمَرْهُونُ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ، قَالَ الرَّاهِنُ فِي دَعْوَاهُ عَلَى الْغَاصِبِ: لِي ثَوْبٌ كُنْتُ رَهَنْتُهُ عِنْدَ فُلَانٍ، وَغَصَبْتُهُ مِنْهُ، وَيَلْزَمُهُ الرَّدُّ إِلَيَّ. وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: لِي عِنْدَهُ ثَوْبٌ صِفَتُهُ كَذَا، وَيَلْزَمُهُ رَدُّهُ إِلَيَّ، جَازَ وَلَا بُعْدَ فِي قَوْلِهِ: يَلْزَمُهُ رَدُّهُ إِلَيَّ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُرْتَهِنِ يَدُ الرَّاهِنِ. وَلِهَذَا لَوْ نَازَعَهُ رَجُلٌ فِي الْمَرْهُونِ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الرَّاهِنِ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ يَدُهُ، وَأَنَّ الْغَرِيبَ إِذَا دَخَلَ بَلَدًا لَا يَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِأَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ، إِنَّمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ أَنَّ فُلَانًا حُرُّ الْأَصْلِ إِذَا عُرِفَ حَالُ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَعُرِفَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا، وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُشَاهِدِ الْوِلَادَةَ، كَمَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ أَنَّهُ ابْنُ فُلَانٍ، وَأَنَّهُ لَوِ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، وَأَقَامَ صَاحِبُ الْيَدِ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِتَارِيخٍ، تَعَارَضَتَا. وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ اخْتِلَافِهِمَا إِذَا ظَهَرَتْ مُسْتَحَقَّةً أَوْ مَعِيبَةً، وَأَرَادَ الرَّدَّ وَاسْتِرْدَادَ الثَّمَنِ. وَأَنَّهُ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ شَخْصٍ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، فَادَّعَاهَا آخَرُ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا [مِنْ] رَجُلٍ آخَرَ يَوْمَ كَذَا، وَلَمْ يَقُولُوا: إِنَّهُ كَانَ يَمْلِكُهَا يَوْمَئِذٍ، لَكِنْ
стр. 4721
أَقَامَ بَيِّنَةً أُخْرَى أَنَّهُ كَانَ يَمْلُكُهَا يَوْمَئِذٍ، سُمِعَتَا، وَصَارَتَا كَبَيِّنَةٍ، فَيَحْصُلُ التَّعَارُضُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي الْأَوَّلِ. وَأَنَّهُ إِذَا ادَّعَى دَارًا وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَتَسَلَّمَهَا، فَادَّعَاهَا آخَرُ بَعْدَ مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، أَوْ طَوِيلَةٍ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي كَانَتْ فِي يَدِهِ، وَكَانَ يَمْلِكُهَا يَوْمَئِذٍ، قُضِيَ بِالدَّارِ لِهَذَا الْأَخِيرِ، وَكَانَ كَمَا لَوْ أَقَامَ صَاحِبُ الْيَدِ الْبَيِّنَةَ قَبْلَ الِانْتِزَاعِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ بِيَدِهِ دَارٌ، فَادَّعَى رَجُلٌ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ ثَالِثٍ بَعْدَمَا اشْتَرَاهَا الثَّالِثُ مِنْ صَاحِبِ الْيَدِ، وَأَنْكَرَ صَاحِبُ الْيَدِ، فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً عَلَى الْبَيْعَيْنِ، وَلَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى هَذَا بَيِّنَةً، وَعَلَى هَذَا بَيِّنَةً، وَلَا بَأْسَ بِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ. وَأَنَّ الشُّهُودَ إِذَا أَرَادُوا أَدَاءَ الشَّهَادَةِ بِشِرَاءِ دَارٍ، تَبَدَّلَتْ حُدُودُهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ قَالُوا: اشْتَرَى دَارًا مَنْ وَقْتِ كَذَا مِنْ فُلَانٍ، وَهُوَ يَمْلِكُهَا، وَكَانَ يَوْمَئِذٍ يَنْتَهِي أَحَدُ حُدُودِهَا إِلَى كَذَا، وَالْبَاقِي إِلَى كَذَا، ثُمَّ الْمُدَّعِي يُقِيمُ بَيِّنَةً بِكَيْفِيَّةِ التَّبَدُّلِ. وَأَنَّهُ لَوِ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ، وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، فَقَالَ الْقَاضِي: عَرَفْتُ هَذِهِ الدَّارَ مِلْكًا لِفُلَانٍ، وَقَدْ مَاتَ، وَانْتَقَلَتْ إِلَى وَارِثِهِ، فَأَقِمْ بَيِّنَةً عَلَى مِلْكِكَ مِنْهُ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَتَنْدَفِعُ بَيِّنَتُهُ. وَلْيَكُنْ هَذَا جَوَابًا عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ. وَأَنَّهُ لَوِ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ، فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: لَيْسَتِ الدَّارُ فِي يَدِي، وَلَا أَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا، فَقَدْ أَسْقَطَ الدَّعْوَى عَنْ نَفْسِهِ، فَيَذْهَبُ الْمُدَّعِي إِلَى الدَّارِ، فَإِنْ لَمْ يَدْفَعْهُ أَحَدٌ فَذَاكَ، وَإِنْ دَفَعَ ادَّعَى عَلَى الدَّفْعِ، فَلَوْ قَالَ الْمُدَّعِي: إِنَّهُ يَكْذِبُ فِي قَوْلِهِ: لَيْسَتْ فِي يَدِي، وَلَا أُحَوِّلُ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ. وَأَنَّهُ لَوْ بَاعَ دَارًا، فَقَامَتْ بَيِّنَةُ الْحِسْبَةِ أَنَّ أَبَا الْبَائِعِ وَقَفَهَا، وَهُوَ يَمْلِكُهَا عَلَى ابْنِهِ الْبَائِعِ، ثُمَّ عَلَى أَوْلَادِهِ، ثُمَّ الْمَسَاكِينِ، نُزِعَتْ مِنَ الْمُشْتَرِي، وَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ، وَالْغَلَّةُ الْحَاصِلَةُ فِي حَيَاةِ الْبَائِعِ تُصْرَفُ إِلَى الْبَائِعِ إِنْ كَذَّبَ نَفْسَهُ، وَصَدَّقَ الشُّهُودَ، فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى إِنْكَارِ
стр. 4722
الْوَقْتِ، لَمْ تُصْرَفْ إِلَيْهِ، بَلْ تُوقَفُ، فَإِذَا مَاتَ، صُرِفَتْ إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ. وَلَوِ ادَّعَى الْبَائِعُ أَنَّهُ وَقَفَ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ، وَالتَّقْيِيدُ بِالْبَيِّنَةِ يُشْعِرُ بِسَمَاعِ دَعْوَاهُ، وَتَحْلِيفِ خَصْمِهِ. وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ أَيْضًا إِذَا لَمْ يَكُنْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ مَلَكَهُ، بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى الْبَيْعِ. وَقَالَ الرُّويَانِيُّ: لَوْ بَاعَ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: وَأَنَا لَا أَمْلِكُهُ، ثُمَّ مَلَكْتُهُ بِالْإِرْثِ مِنْ فُلَانٍ، فَإِنْ قَالَ حِينَ بَاعَ: هُوَ مِلْكِي. لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ، وَلَا بَيِّنَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِ: بِعْتُكَ، سُمِعَتْ دَعْوَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ، حُلِّفَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ بَاعَهُ، وَهُوَ مِلْكُهُ، قَالَ: وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْأُمِّ» وَغَلِطَ مَنْ قَالَ غَيْرَهُ، وَكَذَا لَوِ ادَّعَى أَنَّ الْمَبِيعَ وَقْفٌ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ
فِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ ﵀ أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى عَلَيْهِ عَشَرَةً، فَقَالَ: لَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ هَذَا الْمَالِ الْيَوْمَ، لَا يُجْعَلُ مُقِرًّا ; لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَثْبُتُ بِالْمَفْهُومِ، وَإِنَّ بَيِّنَتَيِ الْمِلْكِ وَالْوَقْفِ تَتَعَارَضَانِ كَبَيِّنَتَيِ الْمِلْكِ. وَأَنَّهُ لَوْ مَاتَتْ وَخَلَّفَتْ زَوْجًا وَأَخًا وَأُخْتَانِ، فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّ الْمَتَاعَ كُلَّهُ لَهُ، جُعِلَ نِصْفَيْنِ أَحَدُهُمَا لِلزَّوْجِ بِحُكْمِ الْيَدِ، وَالثَّانِي لِلْمَيِّتَةِ، وَيَحْلِفُ الزَّوْجُ عَلَى النِّصْفِ الَّذِي يُجْعَلُ لَهُ بِالْيَدِ، كَمَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً، فَادَّعَتِ الْكُلَّ، فَإِنْ كَانَ الْأَخُ غَائِبًا وَالْأُخْتُ حَاضِرَةً، حَلَفَ لَهَا، فَإِذَا حَضَرَ، حَلَفَ لَهُ، فَإِنْ أَقَامَتِ الْأُخْتُ بَيِّنَةً أَنَّ الْكُلَّ لَهَا وَلِأَخِيهَا، سُمِعَتْ، وَثَبَتَ حَقُّ الْأَخِ. وَأَنَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقَاضِي، لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ إِلَّا بِرِضَا خَصْمِهِ، أَوْ ثُبُوتِ إِعْدَامِهِ، فَإِنْ ثَبَتَ، أَطْلَقَهُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ خَصْمُهُ. وَإِذَا
стр. 4723
أَطْلَقَهُ بِرِضَا الْخَصْمِ، فَأَرَادَ إِقَامَةَ بَيِّنَةٍ بِإِعْدَامِهِ، لَمْ تُسْمَعْ ; لِأَنَّهُ لَا حَبْسَ عَلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا اسْتَحَقَّ حَبْسَهُ. وَأَنَّ حَقَّ إِجْرَاءِ الْمَاءِ عَلَى سَطْحِهِ، أَوْ أَرْضِهِ، أَوْ طَرْحِ الثَّلْجِ فِي مِلْكِهِ، يَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِهِ إِذَا رَآهُ مُدَّةً طَوِيلَةً بِلَا مَانِعٍ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُ الشُّهُودِ: رَأَيْنَا ذَلِكَ سِنِينَ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَنَدَ شَهَادَتِهِمْ.
فَصْلٌ
سُئِلَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ ﵀ عَنْ رَجُلَيْنِ تَنَازَعَا دَارًا، فَأَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهَا وَقْفٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً، فَحَكَمَ الْقَاضِي لِمُدَّعِي الْمِلْكِ، ثُمَّ ادَّعَى آخَرُ وَقْفَهَا، فَأَقَامَ مُدَّعِي الْمِلْكِ بَيِّنَةً عَلَى حُكْمِ الْقَاضِي لَهُ بِالْمِلْكِ، وَأَقَامَ مُدَّعِي الْوَقْفِ بَيِّنَةً بِالْوَقْفِ، فَرَجَّحَ الْحَاكِمُ بَيِّنَةَ الْمِلْكِ ذَهَابًا إِلَى أَنَّ الْمِلْكَ الَّذِي حُكِمَ بِهِ تَقَدَّمَ عَلَى الْوَقْفِ الَّذِي لَمْ يُحْكَمْ بِهِ، ثُمَّ تَنَازَعَ مُدَّعِي الْمِلْكِ، وَآخَرُ يَدَّعِي وَقْفِيَّتَهَا، فَأَقَامَ مُدَّعِي الْمِلْكِ بَيِّنَةً لِحُكْمِ الْحَاكِمِ لَهُ بِالْمِلْكِ، وَتَقْدِيمِ جَانِبِهِ، وَأَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً بِأَنَّ الْوَقْفَ الَّذِي يَدَّعِيهِ قُضِيَ بِصِحَّتِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ بِالْمِلْكِ، وَبِتَرْجِيحِهِ عَلَى الْوَقْفِ، هَلْ يَرْتَدُّ حُكْمُ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ يُقَدَّمُ الْحُكْمُ بِالْوَقْفِ عَلَى الْحُكْمِ بِالْمِلْكِ وَيَنْقُضُ الْحُكْمُ بِالْوَقْفِ الْحُكْمَ بِالْمِلْكِ.
وَسُئِلَ عَمَّنِ اشْتَرَى ضَيْعَةً، وَبَقِيَتْ فِي يَدِهِ مُدَّةً، فَخَرَجَتْ وَقْفًا وَانْتُزِعَتْ، فَقَالَ: عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي يَدِهِ. وَعَنْ رَجُلٍ وَقَفَ مِلْكًا، وَأَقَرَّ أَنَّ حَاكِمًا حَكَمَ بِصِحَّتِهِ، وَلَمْ يُسَمِّ الْحَاكِمَ وَلَا عَيَّنَهُ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَرَفَعَ الْأَمْرَ إِلَى حَاكِمٍ يَرَى جَوَازَ الرُّجُوعِ، فَهَلْ لَهُ الْحُكْمُ بِنُفُوذِ الرُّجُوعِ؟ قَالَ: لَا.
فَصْلٌ
فِي فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ غَيْرِهِ، فَقَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ:
стр. 4724
اشْتَرَيْتُهَا مِنْ زَيْدٍ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي عَلَى إِقْرَارِ زَيْدٍ لَهُ بِهَا قَبْلَ الْبَيْعِ، فَأَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَيِّنَةً عَلَى إِقْرَارِ الْمُدَّعِي لِزَيْدٍ بِهَا قُبَيْلَ الْبَيْعِ، وَجُهِلَ التَّارِيخُ، قُرِّرَتِ الدَّارُ فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. وَأَنَّهُ إِذَا خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا، فَادَّعَى الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ وَقَالَ: سَلَّمْتُ إِلَيْهِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، فَأَنْكَرَ، وَأَرَادَ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ بِأَنَّهُ لَمْ يَقْبِضْ مِنْهُ شَيْئًا فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، لَمْ تُسْمَعْ هَذِهِ الْبَيِّنَةُ ; لِأَنَّهَا تَشْهَدُ بِالنَّفْيِ، وَإِنَّمَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ بِالنَّفْيِ فِي مَوَاضِعِ الْحَاجَةِ، كَالْإِعْسَارِ. وَقَدْ يَقَعُ التَّسْلِيمُ فِي غَفْلَةٍ وَلَحْظَةٍ يَسِيرَةٍ. وَأَنَّهَا إِذَا ادَّعَتْ أَنَّهُ نَكَحَهَا وَطَلَّقَهَا، وَطَلَبَتْ نِصْفَ الْمَهْرِ، أَوْ أَنَّهَا زَوْجَةُ فُلَانٍ الْمَيِّتِ، وَطَلَبَتِ الْإِرْثَ، فَمَقْصُودُهُمُ الْمَالُ، فَيَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَبِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ.
فَصْلٌ
فِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ لَوِ ادَّعَى نِكَاحَهَا، فَأَقَرَّتْ بِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ مُنْذُ سَنَةٍ، ثُمَّ أَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهَا زَوْجَتُهُ نَكَحَهَا مِنْ شَهْرٍ، حُكِمَ لِلْمُقَرِّ لَهُ ; لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهَا النِّكَاحُ الْأَوَّلُ، فَمَا لَمْ يُثْبِتِ الطَّلَاقَ، لَا حُكْمَ لِلنِّكَاحِ الثَّانِي. وَأَنَّهُ لَوْ تَحَاكَمَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ بِكْرٌ إِلَى فَقِيهٍ لِيُزَوِّجَهَا بِهِ، وَجَوَّزْنَا التَّحْكِيمَ فِيهِ، فَقَالَ الْمُحَكَّمُ: حَكَّمْتِنِي لِأُزَوِّجَكِ بِهَذَا، فَسَكَتَتْ؛ كَانَ سُكُوتُهَا إِذْنًا، كَمَا لَوِ اسْتَأْذَنَهَا الْوَلِيُّ فَسَكَتَتْ. وَأَنَّهُ لَوْ حَضَرَ عِنْدَ الْقَاضِي رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ، وَاسْتَدْعَتْ تَزْوِيجَهَا بِهِ، وَقَالَتْ: كُنْتُ زَوْجَةَ فُلَانٍ فَطَلَّقَنِي، أَوْ مَاتَ عَنِّي، لَا يُزَوِّجُهَا مَا لَمْ يَقُمْ حُجَّةٌ بِالطَّلَاقِ أَوِ الْمَوْتِ.
فَصْلٌ
عَنِ ابْنِ الْقَاصِّ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الْحَلِفَ بِالطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا قَالَ لَهَا: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ، فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَهِيَ بَائِنٌ مِنْهُ بِثَلَاثٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ: يَكْفِيهِ أَنَّهَا لَمْ تَبِنْ مِنْهُ بِثَلَاثٍ. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُ
стр. 4725
قَدْ يَحْلِفُ مُتَأَوِّلًا عَلَى مَذْهَبِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَتَابِعِيهِ أَنَّ الثَّلَاثَ لَا تَقَعُ مَجْمُوعَةً، أَوْ عَلَى تَصْحِيحِ الدَّوْرِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إِنْ قَالَ: لَمْ تَبِنْ مِنِّي، حُلِّفَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: لَمْ أَحْلِفْ بِطَلَاقِهَا، حُلِّفَ عَلَيْهِ.
حَكَى الْهَرَوِيُّ عَنِ الْعَبَّادِيِّ أَنَّ مَنِ ادَّعَى عَلَيْهِ وَدِيعَةً، فَقَالَ: لَا يَلْزَمُنِي دَفْعُ شَيْءٍ إِلَيْهِ، لَا يَكُونُ هَذَا جَوَابًا ; لِأَنَّ الْمُودِعَ لَا دَفْعَ عَلَيْهِ، إِنَّمَا يَلْزَمُهُ التَّخْلِيَةُ، وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ أَنْ يُنْكِرَ أَصْلَ الْإِيدَاعِ، أَوْ يَقُولَ: هَلَكَ فِي يَدِي، أَوْ رَدَدْتُهُ، وَهَذَا يُخَالِفُ كَلَامَ الْأَصْحَابِ، أَلَا تَرَاهُمْ يَقُولُونَ: مَنْ جَحَدَ الْوَدِيعَةَ فَقَامَتْ بَيِّنَةٌ بِالْإِيدَاعِ، فَادَّعَى تَلَفًا أَوْ رَدًّا قَبْلَ الْجُحُودِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَتْ صِيغَةُ جَحْدِهِ إِنْكَارَ أَصْلِ الْوَدِيعَةِ أَمْ قَالَ: لَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُ شَيْءٍ إِلَيْكَ، فَإِمَّا أَنْ يُقَدَّرَ خِلَافٌ، أَوْ يُئَوَّلَ مَا أَطْلَقُوهُ.
قُلْتُ: الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الْقَاصِّ صَحِيحٌ، وَتَأْوِيلُ كَلَامِهِمْ مُتَعَيِّنٌ، وَهُوَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا إِذَا جَرَى مِنْهُ هَذَا اللَّفْظُ، فَحُكْمُهُ كَذَا ; لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَقْنَعُ مِنْهُ بِهَذَا الْجَوَابِ مَعَ طَلَبِ الْخَصْمِ الْجَوَابَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَنَّهُ إِذَا أَقَامَ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ أَجِيرُ فُلَانٍ لِحِفْظِ سَفِينَتِهِ هَذِهِ بِدِينَارٍ، وَأَقَامَ صَاحِبُ السَّفِينَةِ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَجَّرَهُ إِيَّاهَا بِدِينَارٍ، تَعَارَضَتَا، وَأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ اثْنَانِ بِالْقَتْلِ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَآخَرَانِ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ كَانَ مَعَنَا، وَلَمْ يَغِبْ عَنَّا، تَعَارَضَتَا، وَقَدْ سَبَقَ مِنْ نَظَائِرِ هَذَا مَا يُخَالِفُهُ.
قُلْتُ: يَعْنِي أَنَّ الْبَيِّنَةَ الثَّانِيَةَ شَهِدَتْ بِالنَّفْيِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنْ شَهَادَةَ النَّفْيِ لَا تُقْبَلُ إِلَّا فِي مَوَاضِعِ الضَّرُورَةِ، كَالْإِعْسَارِ. هَذَا مُرَادُ الرَّافِعِيِّ هُنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ عَنْ فَتَاوَى الْغَزَالِيِّ مَا يُوَافِقُهُ، وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ النَّفْيَ إِذَا كَانَ فِي مَحْصُورٍ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِهِ، قُبِلَتِ الشَّهَادَةُ بِهِ، وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرِي لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الشَّهَادَاتِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 4726
وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَدَّعِيَ، وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَرِفَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْيَدِ، فَطَرِيقُهُ أَنْ يَقُولَ: الْمَوْضِعُ الْفُلَانِيُّ مِلْكِي، وَهَذَا يَمْنَعُنِي مِنْهُ تَعَدِّيًا، فَمُرْهُ يُمَكِّنِّي مِنْهُ. وَأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ الْكَلْبَ وَلَغَ فِي هَذَا الْإِنَاءِ وَلَمْ يَلِغْ فِي ذَاكَ وَآخَرَانِ بِضِدِّهِ، تَعَارَضَتَا، فَلَوْ لَمْ يَقُولُوا: لَمْ يَلِغْ فِي ذَلِكَ فَالْإِنَاءَانِ نَجِسَانِ، وَهَذَا شَهَادَةٌ عَلَى إِثْبَاتٍ وَنَفْيٍ، وَيُمْكِنُ التَّعَارُضُ بِلَا نَفْيٍ، بِأَنْ يُعَيِّنَا وَقْتًا لَا يُمْكِنُ فِيهِ إِلَّا وُلُوغٌ وَاحِدٌ.
قُلْتُ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ذَكَرْتُهَا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مُسْتَوْفَاةً مُخْتَصَرَةً، وَفِي هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْعَبَّادِيُّ فِيهَا مِنْ إِثْبَاتِ التَّعَارُضِ تَصْرِيحٌ بِقَبُولِ شَهَادَةِ النَّفْيِ فِي الْمَحْصُورِ كَمَا سَبَقَ قَرِيبًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْبَابُ السَّابِعُ فِي دَعْوَى النَّسَبِ وَإِلْحَاقِ الْقَائِفِ:
مَقْصُودُ الْبَابِ الْكَلَامُ فِي الْقَائِفِ وَشَرْطُهُ. أَمَّا الِاسْتِلْحَاقُ وَشُرُوطُهُ فَسَبَقَ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِ الْإِقْرَارِ وَاللَّقِيطِ. وَفِي الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ: الْأَوَّلُ: الْمُسْتَلْحَقُ، وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ اللَّقِيطِ أَنَّ الْمَذْهَبَ صِحَّةُ اسْتِلْحَاقِ الْعَبْدِ وَالْعَتِيقِ دُونَ الْمَرْأَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَسَبَقَ هُنَاكَ جُمَلٌ مِنْ أَرْكَانِهِ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمُلْحِقُ، وَهُوَ الْقَائِفُ، وَلْيَكُنْ فِيهِ صِفَاتٌ بَعْضُهَا وَاجِبٌ قَطْعًا، وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ، فَيَكُونُ مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا عَدْلًا، وَالْأَصَحُّ اشْتِرَاطُ حُرِّيَّتِهِ وَذُكُورَتِهِ، وَأَنَّهُ يَكْفِي وَاحِدٌ، وَنُصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ اثْنَانِ. وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِنْ مُدْلِجٍ، بَلْ يَجُوزُ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ وَمِنَ الْعَجَمِ. قَالَ ابْنُ كَجٍّ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْمَى، وَلَا أَخْرَسَ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ ابْنَ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، فَأَلْحَقَهُ بِغَيْرِ أَبِيهِ، قُبِلَ، وَإِنْ أَلْحَقَهُ بِأَبِيهِ، لَمْ يُقْبَلْ. وَلَوْ كَانَ عَدُوَّ أَحَدِهِمَا، فَأَلْحَقَهُ بِهِ، قُبِلَ. وَإِنْ أَلْحَقَهُ بِالْآخَرِ، فَلَا ; لِأَنَّهُ
стр. 4727
كَالشَّهَادَةِ عَلَى الْعَدُوِّ. وَلَوْ كَانَ الْقَاضِي قَائِفًا، فَهَلْ يَقْضِي بِعِلْمِهِ؟ فِيهِ الْخِلَافُ فِي الْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُجَرَّبًا. وَكَيْفِيَّةُ التَّجْرِبَةِ: أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ وَلَدٌ فِي نِسْوَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أُمُّهُ، ثُمَّ فِي نِسْوَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أُمُّهُ، ثُمَّ فِي نِسْوَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أُمُّهُ، فَإِذَا أَصَابَ فِي الْكُلِّ، صَارَ مُجَرَّبًا، وَقُبِلَ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَهَلْ تَخْتَصُّ التَّجْرِبَةُ بِالْأُمِّ، أَمْ يَجُوزُ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ الْمَوْلُودُ مَعَ أَبِيهِ فِي رِجَالٍ؟ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: الثَّانِي، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ، لَكِنَّ الْعَرْضَ مَعَ الْأُمِّ أَوْلَى. وَأَمَّا تَكْرَارُ الْعَرْضِ ثَلَاثًا، فَقَدْ جَعَلَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَصْحَابُهُ شَرْطًا. وَقِيلَ: يَكْفِي مَرَّةً، وَقَالَ الْإِمَامُ: لَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ الثَّلَاثِ، بَلِ الْمُعْتَبَرُ غَلَبَةُ الظَّنِّ، بِأَقْوَالِهِ عَنْ خِبْرَةٍ لَا عَنِ اتِّفَاقٍ، وَهَذَا قَدْ يَحْصُلُ بِدُونِ الثَّلَاثَةِ. وَإِذَا حَصَلَتِ التَّجْرِبَةُ، اعْتَمَدْنَا إِلْحَاقَهُ، وَلَا تُجَدَّدُ التَّجْرِبَةُ لِكُلِّ إِلْحَاقٍ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْوَلَدُ الْمُلْحَقُ، وَيُعْرَضُ عَلَى الْقَائِفِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَنَازَعَ اثْنَانِ مَوْلُودًا مَجْهُولًا مِنْ لَقِيطٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَيُعْرَضَ عَلَى الْقَائِفِ كَمَا سَبَقَ فِي اللَّقِيطِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِكَ اثْنَانِ فَأَكْثَرَ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ، فَتَأْتِي بِوَلَدٍ لِزَمَانٍ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُمَا، وَيَدَّعِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا فَيُعْرَضُ عَلَى الْقَائِفِ. وَيُتَصَوَّرُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْوَطْءِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ مِنْ وُجُوهٍ. مِنْهَا: أَنْ يَطَأَهَا كُلٌّ مِنْهُمَا بِالشُّبْهَةِ بِأَنْ يَجِدَهَا بِفِرَاشِهِ، فَيَظُنَّهَا زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ، فَلَوْ كَانَتْ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ فَوُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، فَوَجْهَانِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ: يُلْحَقُ الْوَلَدُ بِالزَّوْجِ ; لِأَنَّهَا فِرَاشُهُ، وَالْفِرَاشُ أَقْوَى مِنَ الشُّبْهَةِ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَنُكِحَتْ، وَوَلَدَتْ تُلْحَقُ بِالثَّانِي وَإِنْ أَمْكَنَ كَوْنُهُ مِنَ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهَا فِرَاشُ الثَّانِي، وَالْأَصَحُّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَبِهِ قَطَعَ الْإِمَامُ:
стр. 4728
أَنَّهُ يُعْرَضُ عَلَى الْقَائِفِ، وَيَكُونُ لِمَنْ أَلْحَقَهُ بِهِ، بِخِلَافِ صُورَةِ الِاسْتِشْهَادِ لِأَنَّ الْعِدَّةَ أَمَارَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي الْبَرَاءَةِ عَنِ الْأَوَّلِ، وَهُنَا بِخِلَافِهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَطَأَ زَوْجَتَهُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَيَطَأَهَا آخَرُ بِشُبْهَةٍ، أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، بِأَنْ يَنْكِحَهَا فِي الْعِدَّةِ جَاهِلًا بِهَا.
وَمِنْهَا: أَنْ يَطَأَهَا اثْنَانِ فِي نِكَاحَيْنِ فَاسِدَيْنِ، وَأَنْ يَطَأَ الشَّرِيكَانِ الْمُشْتَرَكَةَ، وَأَنْ يَطَأَ أَمَتَهُ وَيَبِيعَهَا، فَيَطَأَهَا الْمُشْتَرِي، وَلَا يَسْتَبْرِئُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. فَإِذَا وَطِئَ اثْنَانِ فِي بَعْضِ هَذِهِ الصُّوَرِ فِي طُهْرٍ، فَوَلَدَتْهُ لِمَا بَيْنَ أَرْبَعِ سِنِينَ وَسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْوَطْأَيْنِ، وَادَّعَيَاهُ جَمِيعًا، عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ، فَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَ الْوَطْأَيْنِ حَيْضَةٌ، فَهِيَ أَمَارَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي حُصُولِ الْبَرَاءَةِ عَنِ الْأَوَّلِ، فَيَنْقَطِعُ تَعَلُّقُهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ زَوْجًا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَالثَّانِي وَاطِئًا بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، فَلَا يَنْقَطِعُ تَعَلُّقُ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ إِمْكَانَ الْوَطْءِ مَعَ فِرَاشِ النِّكَاحِ قَائِمٌ مَقَامَ نَفْسِ الْوَطْءِ وَالْإِمْكَانُ حَاصِلٌ بَعْدَ الْحَيْضَةِ. وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ زَوْجًا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، فَفِي انْقِطَاعِ تَعَلُّقِهِ بِتَخَلُّلِ الْحَيْضَةِ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا: الِانْقِطَاعُ ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَصِيرُ فِرَاشًا فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ إِلَّا بِحَقِيقَةِ الْوَطْءِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُتَنَازِعَانِ وَالْوَاطِئَانِ مُسْلِمَيْنِ وَحُرَّيْنِ، أَوْ مُخْتَلِفَيِ الْحَالِ.
فَصْلٌ
لَوِ اسْتَلْحَقَ صَبِيًّا فِي يَدِهِ، أَوْ لَا فِي يَدِهِ، فَبَلَغَ وَانْتَفَى مِنْهُ، هَلْ يَنْدَفِعُ نَسَبُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ سَبَقَا فِي الْإِقْرَارِ وَاللَّقِيطِ. فَإِنِ اسْتَلْحَقَ بَالِغًا فَأَنْكَرَ، فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ، وَإِلْحَاقُ الْقَائِفِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ. فَلَوْ سَكَتَ الْبَالِغُ، فَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّهُ يُلْحِقُهُ الْقَائِفُ، وَهَذَا لَمْ أَجِدْهُ لِغَيْرِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِلَّا وَاحِدٌ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَوِ ادَّعَاهُ اثْنَانِ فِي مَوْضِعِ الِاشْتِبَاهِ، فَسَكَتَ، عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ. فَلَوْ وَافَقَ أَحَدُهُمَا، لَحِقَهُ
стр. 4729
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ بِخِلَافِهِ. وَلَوِ ادَّعَى اثْنَانِ صَبِيًّا مَجْهُولًا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ سَبَقَ فِي اللَّقِيطِ.
فَصْلٌ
ادَّعَى نَسَبَ مَوْلُودٍ عَلَى فِرَاشِ غَيْرِهِ بِسَبَبِ وَطْءِ شُبْهَةٍ، فَإِنْ قُلْنَا: وَطْءُ الشُّبْهَةِ لَا أَثَرَ لَهُ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا لِزَوْجٍ، وَالْوَلَدُ مُلْحَقٌ بِالزَّوْجِ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ. وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ أَثَرٌ، لَمْ يَكْفِ اتِّفَاقُ الزَّوْجَيْنِ عَلَيْهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْوَطْءِ ; لِأَنَّ لِلْوَلَدِ حَقًّا فِي النَّسَبِ، وَاتِّفَاقُهُمَا لَيْسَ حُجَّةً عَلَيْهِ، فَإِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي نَسَبَهُ بَالِغًا، وَاعْتَرَفَ بِجَرَيَانِ وَطْءِ الشُّبْهَةِ، وَجَبَ أَنْ يَكْفِيَ. وَإِذَا اسْتَلْحَقَ مَجْهُولًا، وَلَهُ زَوْجَةٌ، فَأَنْكَرَتْ وِلَادَتَهُ، فَهَلْ يَلْحَقُهَا بِاسْتِلْحَاقِهِ؟ وَجْهَانِ، الصَّحِيحُ: لَا، لِجَوَازِ كَوْنِهِ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ زَوْجَةٍ أُخْرَى. وَلَوِ اسْتَلْحَقَ مَجْهُولًا، وَلَهُ زَوْجَةٌ، فَأَنْكَرَتْ وِلَادَتَهُ، وَاسْتَلْحَقَتْهُ امْرَأَةٌ لَهَا زَوْجٌ، فَأَنْكَرَهُ، فَهَلْ أُمُّهُ الْأُولَى أَمِ الثَّانِيَةُ، أَمْ يُعْرَضُ عَلَى الْقَائِفِ فَيُلْحِقُهُ بِإِحْدَاهُمَا؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
وَلَوْ كَانَتِ الصُّورَةُ بِحَالِهَا، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً، فَهَلْ بَيَّنَتُهُ أَوْلَى مِنْ بَيِّنَتِهَا أَمْ يَتَعَارَضَانِ، أَمْ يُعْرَضُ عَلَى الْقَائِفِ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِالرَّجُلِ لَحِقَهُ وَلَحِقَ زَوْجَتَهُ، وَإِنْ أَلْحَقَهُ بِالْمَرْأَةِ لَحِقَهَا دُونَ زَوْجِهَا؟ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الصَّيْدَلَانِيُّ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ.
فَصْلٌ
إِذَا لَمْ يَجِدْ قَائِفًا، أَوْ تَحَيَّرَا، وَأَلْحَقَهُ بِهِمَا، أَوْ نَفَاهُ عَنْهُمَا، وَقَفْنَاهُ حَتَّى يَبْلُغَ، فَإِذَا بَلَغَ أُمِرَ بِالِانْتِسَابِ إِلَى أَحَدِهِمَا بِحَسَبِ الْمَيْلِ الَّذِي
стр. 4730
يَجِدُهُ، فَإِنِ امْتَنَعَ، حُبِسَ لِيَخْتَارَ، وَإِذَا اخْتَارَ، كَانَ اخْتِيَارُهُ كَإِلْحَاقِ الْقَائِفِ. وَإِنْ قَالَ: لَا أَجِدُ مَيْلًا إِلَى أَحَدِهِمَا، بَقِيَ الْأَمْرُ مَوْقُوفًا، وَلَا عِبْرَةَ بِاخْتِيَارِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ. وَقِيلَ: يُخَيَّرُ الْمُمَيِّزُ، وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي اللَّقِيطِ. وَلَوْ أَلْحَقَهُ الْقَائِفُ بِأَحَدِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَ وَأَلْحَقَهُ بِالْآخَرِ، أَوْ أَلْحَقَهُ بِآخَرَ - قَائِفٌ آخَرُ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: إِذَا أَلْحَقَهُ قَائِفٌ بِهَذَا، وَآخَرُ بِذَاكَ، تَعَارَضَا، وَصَارَ كَأَنْ لَا قَائِفَ. وَأَنَّهُ إِذَا رَجَعَ الْقَائِفُ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ، لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ. وَإِنْ رَجَعَ قَبْلَهُ قُبِلَ رُجُوعُهُ، لَكِنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي حَقِّ الْآخَرِ لِسُقُوطِ الثِّقَةِ بِقَوْلِهِ وَمَعْرِفَتِهِ.
فَرْعٌ
إِذَا أَلْحَقَهُ بِهِمَا، قَالَ الْقَفَّالُ: يُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الصَّنْعَةَ، فَلَا يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ حَتَّى يَمْضِيَ زَمَانٌ يُمْكِنُ التَّعَلُّمُ فِيهِ فَيُمْتَحَنُ حِينَئِذٍ ثُمَّ يُعْتَمَدُ.
فَرْعٌ
إِذَا كَانَا تَوْأَمَيْنِ، فَأَلْحَقَ الْقَائِفُ أَحَدَهُمَا بِأَحَدِهِمَا، وَالْآخَرَ بِالْآخَرِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ أَلْحَقَ الْوَاحِدَ بِهِمَا.
فَرْعٌ
إِذَا انْتَسَبَ الْمَوْلُودُ إِلَى أَحَدِهِمَا، ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ، وَإِنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِمَا، لَغَا، وَأُمِرَ بِالِانْتِسَابِ إِلَى أَحَدِهِمَا وَلَوِ اخْتَلَفَ التَّوْأَمَانِ فِي الِانْتِسَابِ، لَمْ يُعْتَبَرْ قَوْلُهُمَا، فَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا إِلَى قَوْلِ الْآخَرِ، قُبِلَ.
فَصْلٌ
إِذَا وَطِئَا فِي طُهْرٍ، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ كَوْنُهُ مِنْهُمَا، فَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا،
следующие страницы →