Полный текст (4 941 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
فَصْلٌ
الدَّيْنُ هَلْ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ. أَظْهَرُهَا - وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَنْصُوصُ فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ -: لَا يَمْنَعُ، وَالثَّانِي: يَمْنَعُ، قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ وَاخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالثَّالِثُ: يَمْنَعُ فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ، وَهِيَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ، وَلَا يَمْنَعُ فِي الظَّاهِرَةِ وَهِيَ الْمَاشِيَةُ، وَالزَّرْعُ، وَالثَّمَرُ، وَالْمَعْدِنُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ نَامِيَةٌ بِنَفْسِهَا، وَهَذَا الْخِلَافُ جَارٍ، سَوَاءٌ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ أَمْ لَا، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: يُمْنَعُ عِنْدَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ، فَعِنْدَ اخْتِلَافِهِ وَجْهَانِ. فَإِذَا قُلْنَا: الدَّيْنُ يَمْنَعُ فَأَحَاطَتْ بِالرَّجُلِ دُيُونٌ وَحَجَرَ عَلَيْهِ الْقَاضِي، فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ.
أَحَدُهَا: أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ وَيُفَرَّقَ مَالُهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، فَيَزُولَ مِلْكُهُ وَلَا زَكَاةَ، وَالثَّانِي: أَنْ يُعَيَّنَ لِكُلِّ غَرِيمٍ شَيْئًا مِنْ مِلْكِهِ، وَيُمَكِّنُهُمْ مِنْ أَخَذِهِ، فَحَالَ الْحَوْلُ قَبْلَ أَخْذِهِمْ - فَالْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِضَعْفِ مِلْكِهِ، وَقِيلَ: فِيهِ خِلَافُ الْمَغْصُوبِ، وَقِيلَ: خِلَافُ اللُّقَطَةِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، قَالَهُ الْقَفَّالُ.
الثَّالِثُ: أَنْ لَا يُفَرَّقَ مَالُهُ، وَلَا يُعَيَّنَ لِكُلِّ وَاحِدٍ شَيْئًا، وَيَحُولُ الْحَوْلُ فِي دَوَامِ الْحَجْرِ، فَفِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ، أَصَحُّهَا أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَغْصُوبِ، وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِالْوُجُوبِ، وَالثَّالِثُ: الْقَطْعُ بِالْوُجُوبِ فِي الْمَوَاشِي؛ لِأَنَّ الْحَجْرَ لَا يُؤَثِّرُ فِي نَمَائِهَا. وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فَعَلَى الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ نَمَاءَهُمَا بِالتَّصَرُّفِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ.
فَرْعٌ
إِذَا قُلْنَا: الدَّيْنُ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ، فَفِي عِلَّتِهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: ضَعْفُ مِلْكِ الْمَدْيُونِ،
стр. 597
وَالثَّانِي أَنَّ مُسْتَحِقَّ الدَّيْنِ تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ. فَلَوْ أَوْجَبْنَاهَا عَلَى الْمَدْيُونِ أَيْضًا أَدَّى ذَلِكَ إِلَى تَثْنِيَةِ الزَّكَاةِ فِي الْمَالِ الْوَاحِدِ. وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَسَائِلُ.
أَحَدُهَا: لَوْ كَانَ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ مِمَّنْ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ كَالذِّمِّيِّ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: لَا تَجِبُ. وَعَلَى الثَّانِي: تَجِبُ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ كَانَ الدَّيْنُ حَيَوَانًا بِأَنْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً سَائِمَةً، وَعَلَيْهِ أَرْبَعُونَ شَاةً سَلَمًا، فَعَلَى الْأَوَّلِ لَا تَجِبُ، وَعَلَى الثَّانِي: تَجِبُ. وَمِثْلُهُ: لَوْ أَنْبَتَتْ أَرْضُهُ نِصَابًا مِنَ الْحِنْطَةِ وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ سَلَمًا.
الثَّالِثَةُ: لَوْ مَلَكَ نِصَابًا وَالدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ دُونَ نِصَابٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا زَكَاةَ، وَعَلَى الثَّانِي: تَجِبُ، كَذَا أَطْلَقُوهُ. وَمُرَادُهُمْ: إِذَا لَمْ يَمْلِكْ صَاحِبُ الدَّيْنِ غَيْرَهُ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ، فَلَوْ مَلَكَ مَا يُتِمُّ النِّصَابَ، فَعَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَالِ. وَقَطَعَ الْأَكْثَرُونَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْأَوَّلُ. وَلَوْ مَلَكَ بِقَدْرِ الدَّيْنِ مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ كَالْعَقَارِ وَغَيْرِهِ وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِي النِّصَابِ الزَّكَوِيِّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ بِنَاءً عَلَى عِلَّةِ التَّثْنِيَةِ. وَلَوْ زَادَ الْمَالُ الزَّكَوِيُّ عَلَى الدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَ الْفَاضِلُ نِصَابًا، وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِيهِ. وَفِي الْبَاقِي الْقَوْلَانِ، وَإِلَّا لَمْ تَجِبْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، لَا فِي قَدْرِ الدَّيْنِ وَلَا فِي الْفَاضِلِ.
فَرْعٌ
مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً، فَاحْتَاجَ مَنْ يَرْعَاهَا، فَحَالَ الْحَوْلُ، فَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ بِشَاةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الْأَرْبَعِينَ مُخْتَلِطَةٍ بِبَاقِيهَا، وَجَبَ شَاةٌ عَلَى الرَّاعِي، مِنْهَا جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا، وَالْبَاقِي عَلَى الْمُسْتَأْجَرِ. وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً، فَلَا زَكَاةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ بِشَاةٍ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُسْتَأْجِرِ مَالٌ آخَرُ يَفِي بِهَا، وَجَبَتِ الزَّكَاةُ فِي الْأَرْبَعِينَ، وَإِلَّا فَعَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ الدَّيْنَ هَلْ يَمْنَعُ وُجُوبَهَا؟
стр. 598
فَرْعٌ
إِذَا مَلَكَ مَالَيْنِ زَكَوِيَّيْنِ، كَنِصَابٍ مِنَ الْغَنَمِ وَنِصَابٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَكُنِ الدَّيْنُ مِنْ جِنْسِ مَا يَمْلِكُهُ، قَالَ فِي التَّهْذِيبِ: يُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا. فَإِنْ خَصَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَا يَنْقُصُ بِهِ عَنِ النِّصَابِ فَلَا زَكَاةَ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي تَفَرَّعَ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ الْكَرْخِيُّ وَصَاحِبُ «الشَّامِلِ» أَنَّهُ يُرَاعَى الْأَغْبَطُ لِلْمَسَاكِينِ، كَمَا لَوْ مَلَكَ مَالًا آخَرَ غَيْرَ زَكَوِيٍّ، صَرَفْنَا الدَّيْنَ إِلَيْهِ رِعَايَةً لِحَقِّهِمْ.
وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ مَا يُوَافِقُ هَذَا. وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ جِنْسِ أَحَدِ الْمَالَيْنِ، فَإِنْ قُلْنَا: الدَّيْنُ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ فِيمَا هُوَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ أَحَدِهِمَا، وَإِلَّا اخْتُصَّ بِالْجِنْسِ.
فَرْعٌ
إِذَا قُلْنَا: الدَّيْنُ يَمْنَعُ الزَّكَاةَ، فَسَوَاءٌ دَيْنُ اللَّهِ ، وَدَيْنُ الْآدَمِيِّ، فَلَوْ مَلَكَ نِصَابَ مَاشِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَنَذَرَ التَّصَدُّقَ بِهَذَا الْمَالِ، أَوْ بِكَذَا مِنْ هَذَا الْمَالِ، فَمَضَى الْحَوْلُ قَبْلَ التَّصَدُّقِ - فَطَرِيقَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْقَطْعُ بِمَنْعِ الزَّكَاةِ؛ لِتَعَلُّقِ النَّذْرِ بِعَيْنِ الْمَالِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الدَّيْنِ. وَلَوْ قَالَ: جَعَلْتُ هَذَا الْمَالَ صَدَقَةً، أَوْ هَذِهِ الْأَغْنَامَ ضَحَايَا، أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَذِهِ الشَّاةِ، وَقُلْنَا: تَتَعَيَّنُ لِلتَّضْحِيَةِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ - فَالْمَذْهَبُ: لَا زَكَاةَ، وَقِيلَ: عَلَى الْخِلَافِ. وَلَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِأَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ، أَوْ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَلَمْ يُضِفْ إِلَى مَاشِيَتِهِ وَدَرَاهِمِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: دَيْنُ الْآدَمِيِّ لَا يَمْنَعُ، فَهَذَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْإِمَامِ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّ هَذَا الدَّيْنَ لَا مُطَالَبَةَ بِهِ فِي الْحَالِ، فَهُوَ أَضْعَفُ؛ وَلِأَنَّ النَّذْرَ يُشْبِهُ
стр. 599
التَّبَرُّعَاتِ، فَإِنَّ النَّاذِرَ مُخَيَّرٌ فِي ابْتِدَاءِ نَذْرِهِ، فَالْوُجُوبُ بِهِ أَضْعَفُ. وَلَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَتَمَّ الْحَوْلُ عَلَى نِصَابٍ فِي مِلْكِهِ، هَلْ يَكُونُ وُجُوبُ الْحَجِّ دَيْنًا مَانِعًا مِنَ الزَّكَاةِ؟ حُكْمُهُ حُكْمُ دَيْنِ النَّذْرِ الَّذِي تَقَدَّمَ.
فَرْعٌ
إِذَا قُلْنَا: الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ، فَمَاتَ قَبْلَ الْأَدَاءِ، وَاجْتَمَعَ الدَّيْنُ وَالزَّكَاةُ فِي تَرِكَتِهِ - فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَظْهَرُهَا أَنَّ الزَّكَاةَ تُقَدَّمُ كَمَا تُقَدَّمُ فِي حَالِ الْحَيَاةِ، ثُمَّ يُصْرَفُ الْبَاقِي إِلَى الْغُرَمَاءِ. وَالثَّانِي: يُقَدَّمُ دَيْنُ الْآدَمِيِّ كَمَا يُقَدَّمُ الْقِصَاصُ عَلَى حَدِّ السَّرِقَةِ. وَالثَّالِثُ: يَسْتَوِيَانِ فَيُوَزَّعُ عَلَيْهِمَا. وَقِيلَ: تُقَدَّمَ الزَّكَاةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعَيْنِ قَطْعًا، وَالْأَقْوَالُ فِي اجْتِمَاعِ الْكَفَّارَاتِ وَغَيْرِهَا فِيمَا يُسْتَرْسَلُ فِي الذِّمَّةِ مَعَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ. وَقَدْ تَكُونُ الزَّكَاةُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بِأَنْ يَتْلَفَ مَالُهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ وَالْإِمْكَانِ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَهُ مَالٌ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ هُنَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالذِّمَّةِ.
فَصْلٌ
إِذَا أَحْرَزَ الْغَانِمُونَ الْغَنِيمَةَ، فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَجِّلَ قِسْمَتَهَا، وَيُكْرَهُ لَهُ التَّأْخِيرُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَإِذَا قَسَّمَ، فَكُلُّ مَنْ أَصَابَهُ مَالٌ زَكَوِيُّ وَهُوَ نِصَابٌ، أَوْ بَلَغَ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ مِلْكِهِ نِصَابًا، ابْتَدَأَ مِنْ حِينَئِذٍ حَوْلَهُ، وَلَوْ تَأَخَّرَتِ الْقِسْمَةُ بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ حَوْلًا، فَإِنْ لَمْ يَخْتَارُوا التَّمَلُّكَ فَلَا زَكَاةَ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِلْغَانِمِينَ، أَوْ مَمْلُوكَةٌ مِلْكًا فِي غَايَةٍ مِنَ الضَّعْفِ، يَسْقُطُ بِالْأَعْرَاضِ. وَلِلْإِمَامِ فِي قِسْمَتِهَا أَنْ يَخُصَّ بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ الْأَنْوَاعِ أَوْ بَعْضِ الْأَعْيَانِ إِنِ اتَّحَدَ النَّوْعُ، وَلَا يَجُوزُ هَذَا فِي سَائِرِ الْقَسْمِ إِلَّا بِالتَّرَاضِي، وَإِنِ اخْتَارُوا التَّمَلُّكَ وَمَضَى حَوْلٌ مِنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، فَإِنْ كَانَتِ الْغَنِيمَةُ أَصْنَافًا فَلَا زَكَاةَ، سَوَاءٌ كَانَتْ مِمَّا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي جَمِيعِهَا أَوْ بَعْضِهَا؛
стр. 600
لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ لَا يَدْرِي مَا يُصِيبُهُ وَكَمْ يُصِيبُهُ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا صِنْفٌ زَكَوِيٌّ، وَبَلَغَ نَصِيبُ كَلِّ وَاحِدٍ نِصَابًا فَعَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ. وَإِنْ بَلَغَ مَجْمُوعُ أَنْصِبَائِهِمْ نِصَابًا، وَكَانَتْ مَاشِيَةً، وَجَبَتِ الزَّكَاةُ وَهُمْ خُلَطَاءُ. وَكَذَا لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَاشِيَةٍ وَأَثْبَتْنَا الْخُلْطَةَ فِيهِ. وَلَوْ كَانَتْ أَنْصِبَاؤُهُمْ تَتِمُّ بِالْخُمُسِ نِصَابًا، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْخُلْطَةَ مَعَ أَهْلِ الْخُمُسِ لَا تَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَأَشْبَهَ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ، وَالْمَسَاجِدِ، وَالرُّبُطِ. هَذَا حُكْمُ الْغَنِيمَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْخُرَاسَانِيِّينَ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَلَنَا وَجْهٌ قَطَعَ بِهِ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ قَبْلَ إِفْرَازِ الْخُمُسِ بِحَالٍ، وَوَجْهٌ أَنَّهُ تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي حَالِ عَدَمِ اخْتِيَارِ الْمِلْكِ، وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ: إِنْ قُلْنَا: الْغَنِيمَةُ لَا تُمْلَكُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، فَلَا زَكَاةَ، وَإِنْ قُلْنَا: تُمْلَكُ، فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، أَحَدُهَا: لَا زَكَاةَ؛ لِضَعْفِ الْمِلْكِ، وَالثَّانِي: تَجِبُ؛ لِوُجُودِ الْمِلْكِ، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ فِيهَا مَا لَيْسَ زَكَوِيًّا فَلَا زَكَاةَ، وَإِلَّا وَجَبَتْ.
فَصْلٌ
إِذَا أَصْدَقَهَا أَرْبَعِينَ شَاةً سَائِمَةً بِأَعْيَانِهَا، لَزِمَهَا الزَّكَاةُ إِذَا تَمَّ حَوْلُهَا مِنْ يَوْمِ الْإِصْدَاقِ، سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ قَبِضَتْهَا أَمْ لَا، وَفِي قَوْلٍ مُخَرَّجٍ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأُجْرَةِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّهَا مَا لَمْ تَقْبِضْهَا، لَا زَكَاةَ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى الزَّوْجِ، تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الصَّدَاقَ مَضْمُونٌ ضَمَانَ الْعَقْدِ، فَيَكُونُ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْمَذْهَبُ: الْقَطْعُ بِالْوُجُوبِ عَلَيْهَا مُطْلَقًا، فَلَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْحَوْلِ، عَادَ نِصْفُهَا إِلَى الزَّوْجِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيَّزًا، فَهُمَا خَلِيطَانِ، فَعَلَيْهَا عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ مِنْ يَوْمِ الْإِصْدَاقِ نِصْفُ شَاةٍ، وَعَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ مِنْ يَوْمِ الطَّلَاقِ نِصْفُ شَاةٍ، وَإِنْ طَلَّقَ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ.
стр. 601
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ أُخْرِجَتِ الزَّكَاةُ مِنْ نَفْسِ الْمَاشِيَةِ، فَفِيمَا يَرْجِعُ بِهِ الزَّوْجُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ.
أَحَدُهَا: نِصْفُ الْجُمْلَةِ، فَإِنْ تَسَاوَتْ قِيمَةُ الْغَنَمِ، أَخَذَ مِنْهَا عِشْرِينَ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَخَذَ النِّصْفَ بِالْقِيمَةِ، وَالثَّانِي: نِصْفُ الْغَنَمِ الْبَاقِيَةِ، وَنِصْفُ قِيمَةِ الشَّاةِ الْمُخْرَجَةِ، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ مَا ذَكَرْنَا فِي الْقَوْلِ الثَّانِي، وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ الْجَمِيعَ وَيَرْجِعَ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي كَذَا صَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الصَّدَاقِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَخْرَجَهَا مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ: يَأْخُذُ نِصْفَ الْأَرْبَعِينَ، وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَجَمَاعَةٌ: فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: هَذَا، وَالثَّانِي: يَرْجِعُ إِلَى نِصْفِ الْقِيمَةِ.
الْحَالُ الثَّالِثُ: أَنْ لَا يُخْرِجَهَا أَصْلًا. فَالْمَذْهَبُ أَنَّ نِصْفَ الْأَرْبَعِينَ يَعُودُ إِلَى الزَّوْجِ شَائِعًا، فَإِذَا جَاءَ السَّاعِي وَأَخَذَ مِنْ عَيْنِهَا شَاةً، رَجَعَ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ قِيمَتِهَا.
فَصْلٌ
إِذَا أَجَّرَ دَارًا أَرْبَعَ سِنِينَ بِمِائَةِ دِينَارٍ مُعَجَّلَةٍ وَقَبِضَهَا، فَفِي كَيْفِيَّةِ إِخْرَاجِ زَكَاتِهَا قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ الْأُولَى زَكَاةُ جَمِيعِ الْمِائَةِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ تَامٌّ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ صَاحِبَيِ الْمُهَذَّبِ وَ «الشَّامِلِ» ، وَالثَّانِي: وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: لَا يَلْزَمُهُ عِنْدَ تَمَامِ كُلِّ سَنَةٍ إِلَّا زَكَاةُ الْقَدْرِ الَّذِي اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ عَلَيْهِ، فَإِذَا قُلْنَا بِالثَّانِي، أَخْرَجَ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ الْأُولَى زَكَاةَ رُبُعِ الْمِائَةِ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَثْمَانِ دِينَارٍ، فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ الثَّانِيَةُ فَقَدِ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ عَلَى خَمْسِينَ دِينَارًا سَنَتَيْنِ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهَا لِلسَّنَتَيْنِ، وَهِيَ دِينَارَانِ وَنِصْفٌ، لَكِنَّهُ أَخْرَجَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى خَمْسَةَ
стр. 602
أَثْمَانِ دِينَارٍ، فَيَسْقُطُ وَيَجِبُ الْبَاقِي، وَهُوَ دِينَارٌ وَسَبْعَةُ أَثْمَانٍ، فَإِذَا مَضَتِ السَّنَةُ الثَّالِثَةُ، اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ عَلَى خَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ دِينَارًا ثَلَاثَ سِنِينَ، وَزَكَاتُهَا فِيهَا خَمْسَةُ دَنَانِيرَ وَخَمْسَةُ أَثْمَانِ دِينَارٍ، أَخْرَجَ مِنْهَا فِي السَّنَتَيْنِ دِينَارَيْنِ وَنِصْفًا، فَيُخْرِجُ الْبَاقِي، فَإِذَا مَضَتِ الرَّابِعَةُ، اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ عَلَى الْمِائَةِ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَزَكَاتُهَا فِيهَا عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، أَخْرَجَ مِنْهَا خَمْسَةً وَخَمْسَةَ أَثْمَانٍ، فَيُخْرِجُ الْبَاقِي، هَذَا إِذَا أَخْرَجَ مِنْ غَيْرِ الْمِائَةِ، فَإِنْ أَخْرَجَ مِنْهَا وَاجِبَ السَّنَةِ الْأُولَى، فَعِنْدَ تَمَامِ الثَّانِيَةِ يُخْرِجُ زَكَاةَ الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ الْأُولَى سِوَى مَا أَخْرَجَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى، وَزَكَاةُ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أُخْرَى لِسَنَتَيْنِ، وَعِنْدَ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ يُقَاسُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ الْأُولَى زَكَاةَ الْمِائَةِ، وَكَذَلِكَ كُلَّ سَنَةٍ إِنْ أَخْرَجَ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ عَيْنِهَا، زَكَّى كُلَّ سَنَةٍ مَا بَقِيَ. وَاخْتَلَفَ الْعِرَاقِيُّونَ فِي هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَطَائِفَةٌ: هُمَا فِي نَفْسِ الْوُجُوبِ، وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ وَشِيعَتُهُ: الْوُجُوبُ ثَابِتٌ قَطْعًا، وَإِنَّمَا الْقَوْلَانِ فِي كَيْفِيَّةِ الْإِخْرَاجِ، وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ.
وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: إِذَا كَانَتْ أُجْرَةُ السَّنَتَيْنِ مُتَسَاوِيَةً، فَإِنْ تَفَاوَتَتْ، زَادَ الْقَدْرُ الْمُسْتَقِرُّ فِي بَعْضِ السَّنَتَيْنِ عَلَى رُبُعِ الْمِائَةِ، وَنَقَصَ فِي بَعْضِهَا، فَإِنْ قِيلَ: هَلْ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْمِائَةُ فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ نَقَدَهَا، أَوْ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْإِجَارَةُ بِمِائَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَمْ لَا فَرْقَ؟
الْجَوَابُ، أَنَّ كَلَامَ نَقْلَةِ الْمَذْهَبِ يَشْمَلُ الْحَالَتَيْنِ، وَلَمْ أَرَ فِيهَا نَصًّا وَتَفْصِيلًا إِلَّا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ زَكَاةُ كُلِّ الْمِائَةِ، إِذَا حَالَ الْحَوْلُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ مُسْتَقِرٌّ عَلَى مَا أَخَذَ، حَتَّى لَوِ انْهَدَمَتِ الدَّارُ، لَا يَلْزَمُهُ رَدُّ الْمَقْبُوضِ، بَلْ لَهُ رَدُّ مِثْلِهِ، وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ، قَالَ: حُكْمُ الزَّكَاةِ حُكْمُ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِأَنْ يَعُودَ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ بِانْفِسَاخِ الْإِجَارَةِ، وَبِالْجُمْلَةِ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ أَحَقُّ بِالْخِلَافِ مِنَ الْأُولَى، وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي اخْتِيَارٌ لِلْوُجُوبِ فِي الْحَالَتَيْنِ جَمِيعًا.
стр. 603
فَرْعٌ
إِذَا بَاعَ شَيْئًا بِنِصَابٍ مِنَ النَّقْدِ وَقَبَضَهُ، وَلَمْ يَقْبِضِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ حَتَّى حَالَ الْحَوْلُ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي الْأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وَخَرَّجُوا عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا إِذَا مَا أَسْلَمَ نِصَابًا فِي ثَمَرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَحَالَ الْحَوْلُ قَبْلَ قَبْضِ الْمُسَلَّمِ فِيهِ، وَقُلْنَا: إِنَّ تَعَذُّرَ الْمُسَلَّمِ فِيهِ يُوجِبُ انْفِسَاخَ الْعَقْدِ، وَإِنْ قُلْنَا: يُوجِبُ الْخِيَارَ، فَعَلَيْهِ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ قَطْعًا.
فَرْعٌ
أَوْصَى لِإِنْسَانٍ بِنِصَابٍ وَمَاتَ الْمُوصِي، وَمَضَى حَوْلٌ مِنْ وَقْتِ مَوْتِهِ قَبْلَ الْقَبُولِ، إِنْ قُلْنَا: الْمِلْكُ فِي الْوَصِيَّةِ يَحْصُلُ بِالْمَوْتِ، فَعَلَى الْمُوصَى لَهُ الزَّكَاةُ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ، وَإِنْ قُلْنَا: يَحْصُلُ بِالْقَبُولِ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ. ثُمَّ إِنْ أَبْقَيْنَاهُ عَلَى مِلْكِ الْمُوصِي، فَلَا زَكَاةَ عَلَى أَحَدٍ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لِلْوَارِثِ فَهَلْ تَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا، وَإِنْ قُلْنَا: مَوْقُوفٌ، فَقُبِلَ، بَانَ أَنَّهُ مِلْكُهُ بِالْمَوْتِ، وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ.
بَابُ أَدَاءِ الزَّكَاةِ
وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ، ثُمَّ الْأَدَاءُ يَفْتَقِرُ إِلَى فِعْلٍ وَنِيَّةٍ. أَمَّا الْفِعْلُ، فَثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ.
стр. 604
أَحَدُهَا: أَنْ يُفَرِّقَ الْمَالِكُ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ وَهِيَ الذَّهَبُ، وَالْفِضَّةُ، وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ، وَالرِّكَازُ، وَزَكَاةُ الْفِطْرِ.
قُلْتُ: وَفِي زَكَاةِ الْفِطْرِ وَجْهٌ، أَنَّهَا مِنَ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ، حَكَاهُ فِي الْبَيَانِ وَنَقَلَهُ فِي الْحَاوِي عَنِ الْأَصْحَابِ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَ أَنَّهَا بَاطِنَةٌ وَهُوَ ظَاهِرُ، نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْأَمْوَالُ الظَّاهِرَةُ وَهِيَ الْمَوَاشِي، وَالْمُعَشَّرَاتُ، وَالْمَعَادِنُ، فَفِي جَوَازِ تَفْرِيقِهَا بِنَفْسِهِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا وَهُوَ الْجَدِيدُ: يَجُوزُ، وَالْقَدِيمُ: لَا يَجُوزُ، بَلْ يَجِبُ صَرْفُهَا إِلَى الْإِمَامِ إِنْ كَانَ عَادِلًا، فَإِنْ كَانَ جَائِرًا، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ وَلَا يَجِبُ، وَأَصَحُّهُمَا: يَجِبُ الصَّرْفُ إِلَيْهِ؛ لِنَفَاذِ حُكْمِهِ وَعَدَمِ انْعِزَالِهِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَوْ فَرَّقَ بِنَفْسِهِ لَمْ تُحْسَبْ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَخِّرَ مَا دَامَ يَرْجُو مَجِيءَ السَّاعِي، فَإِذَا أَيِسَ، فَرَّقَ بِنَفْسِهِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يُصْرَفَ إِلَى الْإِمَامِ وَهُوَ جَائِزٌ.
الثَّالِثُ: أَنْ يُوكَلَ فِي الصَّرْفِ إِلَى الْإِمَامِ، أَوِ التَّفْرِقَةُ عَلَى الْأَصْنَافِ حَيْثُ تَجُوزُ التَّفْرِقَةُ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ جَائِزٌ. وَأَمَّا أَفْضَلُ هَذِهِ الْأَضْرُبُ، فَتَفْرِقَتُهُ بِنَفْسِهِ أَفْضَلُ مِنَ التَّوْكِيلِ بِلَا خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ قَدْ يَخُونُ، فَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنِ الْمُوَكِّلِ، وَأَمَّا الْأَفْضَلُ مِنَ الضَّرْبَيْنِ الْآخَرَيْنِ فَإِنْ كَانَتِ الْأَمْوَالُ بَاطِنَةً فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ وَبِهِ قَطَعَ الصَّيْدَلَانِيُّ: الدَّفْعُ إِلَى الْإِمَامِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُ سُقُوطَ الْفَرْضِ بِهِ، بِخِلَافِ تَفْرِقَتِهِ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَدْفَعُ إِلَى غَيْرِ مُسْتَحِقٍّ، وَالثَّانِي: بِنَفْسِهِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَوْثَقُ، وَلْيُبَاشِرَ الْعِبَادَةَ، وَلْيَخُصَّ الْأَقَارِبَ وَالْجِيرَانَ وَالْأَحَقَّ، وَإِنْ كَانَتِ الْأَمْوَالُ ظَاهِرَةً، فَالصَّرْفُ إِلَى الْإِمَامِ أَفْضَلُ قَطْعًا، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَطَرَدَ الْغَزَالِيُّ فِيهِ الْخِلَافَ.
ثُمَّ حَيْثُ قُلْنَا: الصَّرْفُ إِلَى الْإِمَامِ أَوْلَى، فَذَاكَ إِذَا كَانَ عَادِلًا، فَإِنْ كَانَ جَائِرًا، فَوَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَالْعَادِلِ، وَأَصَحُّهُمَا: التَّفْرِيقُ بِنَفْسِهِ أَفْضَلُ، وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَى الْجَائِرِ، وَهَذَا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ.
стр. 605
قُلْتُ: وَالدَّفْعُ إِلَى الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِنَ الْوَكِيلِ قَطْعًا، صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْحَاوِي وَوَجْهُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ طَلَبَ الْإِمَامُ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ، وَجَبَ التَّسْلِيمُ إِلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ، بَذْلًا لِلطَّاعَةِ، فَإِنِ امْتَنَعُوا، قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ وَإِنْ أَجَابُوا إِلَى إِخْرَاجِهَا بِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهَا الْإِمَامُ وَلَمْ يَأْتِ السَّاعِي، أَخَّرَهَا رَبُّ الْمَالِ مَا دَامَ يَرْجُو مَجِيءَ السَّاعِي، فَإِذَا أَيِسَ فَرَّقَ بِنَفْسِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ. فَمِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ قَالَ: هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى جَوَازِ تَفْرِقَتِهِ بِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا جَائِزٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، صِيَانَةً لِحَقِّ الْمُسْتَحِقِّينَ عَنِ التَّأْخِيرِ، ثُمَّ إِذَا فَرَّقَ بِنَفْسِهِ وَجَاءَ السَّاعِي مُطَالِبًا، صُدِّقَ رَبُّ الْمَالِ بِيَمِينِهِ، وَالْيَمِينُ وَاجِبَةٌ أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ؟ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: وَاجِبَةٌ، فَنَكَلَ، أُخِذَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ لَا بِالنُّكُولِ، بَلْ لِأَنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَةً وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَنَّ الْيَمِينَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْأَمْوَالُ الْبَاطِنَةُ، فَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَيْسَ لِلْوُلَاةِ نَظَرٌ فِي زَكَاتِهَا، وَأَرْبَابُهَا أَحَقُّ بِهَا، فَإِنْ بَذَلُوهَا طَوْعًا، قَبِلَهَا الْوَالِي، فَإِنْ عَلِمَ الْإِمَامُ مِنْ رَجُلٍ أَنَّهُ لَا يُؤَدِّيهَا بِنَفْسِهِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يَقُولَ: إِمَّا أَنْ تَدْفَعَ بِنَفْسِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَدْفَعَ إِلَيَّ حَتَّى أُفَرِّقَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ يَجْرِيَانِ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ.
قُلْتُ: الْأَصَحُّ وُجُوبُ هَذَا الْقَوْلِ إِزَالَةً لِلْمُنْكَرِ، وَلَوْ طَلَبَ السَّاعِي زِيَادَةً عَلَى الْوَاجِبِ، لَا يَلْزَمُ تِلْكَ الزِّيَادَةُ، وَهَلْ يَجُوزُ الِامْتِنَاعُ مِنْ دَفْعِ الْوَاجِبِ لِتَعَدِّيهِ، أَمْ لَا يَجُوزُ خَوْفًا مِنْ مُخَالَفَةِ وُلَاةِ الْأَمْرِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الثَّانِي، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا النِّيَّةُ، فَوَاجِبَةٌ قَطْعًا، وَهَلْ تَتَعَيَّنُ بِالْقَلْبِ، أَمْ يَقُومُ النُّطْقُ بِاللِّسَانِ مَقَامَهَا؟ فِيهِ طَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: يَتَعَيَّنُ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَأَشْهَرُهُمَا عَلَى وَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: عَلَى قَوْلَيْنِ أَصَحُّهُمَا: تَتَعَيَّنُ، وَالثَّانِي: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى اللِّسَانِ. ثُمَّ صِفَةُ النِّيَّةِ أَنْ يَنْوِيَ: هَذَا فَرْضُ زَكَاةِ مَالِي، أَوْ فَرْضُ صَدَقَةِ مَالِي،
стр. 606
أَوْ زَكَاةُ مَالِي الْمَفْرُوضَةِ، أَوِ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ، وَلَا يَكْفِي التَّعَرُّضُ لِفَرْضِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ كَفَّارَةً وَنَذْرًا، وَلَا يَكْفِي مُطْلَقُ الصَّدَقَةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ نَوَى الزَّكَاةَ دُونَ الْفَرْضِيَّةِ أَجْزَأَهُ، عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: وَجْهَانِ، كَمَا لَوْ نَوَى الظُّهْرَ فَقَطْ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ الظُّهْرَ قَدْ تَقَعُ نَفْلًا، وَلَا تَقَعُ الزَّكَاةُ إِلَّا فَرْضًا، وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَالِ الْمُزَكَّى، فَلَوْ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ حَاضِرَةً، وَمِائَتَيْنِ غَائِبَةً، فَأَخْرَجَ عَشْرَةً بِلَا تَعْيِينٍ، جَازَ، وَكَذَا لَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً وَخَمْسَةَ أَبْعِرَةٍ، فَأَخْرَجَ شَاتَيْنِ بِلَا تَعْيِينٍ، أَجْزَأَهُ، وَلَوْ أَخْرَجَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ مُطْلَقًا، ثُمَّ بَانَ تَلَفُ أَحَدِ الْمَالَيْنِ أَوْ تَلَفُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْإِخْرَاجِ، فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْمُخْرَجَ عَنِ الْبَاقِي، فَلَوْ عَيَّنَ مَالًا، لَمْ يَنْصَرِفْ إِلَى غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الْخَمْسَةَ عَنِ الْغَائِبِ، فَبَانَ تَالِفًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ صَرْفُهُ إِلَى الْحَاضِرِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ عَنْ مَالِي الْغَائِبِ، إِنْ كَانَ بَاقِيًا، فَبَانَ تَالِفًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ صَرْفُهُ إِلَى الْحَاضِرِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ عَنِ الْغَائِبِ، فَإِنْ كَانَ تَالِفًا، فَهِيَ صَدَقَةٌ، أَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ الْغَائِبُ بَاقِيًا، فَهَذِهِ زَكَاتُهُ، وَإِلَّا فَهِيَ صَدَقَةٌ، جَازَ، لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةُ إِخْرَاجِ زَكَاةِ الْغَائِبِ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى زَكَاةِ الْغَائِبِ، حَتَّى لَوْ بَانَ تَالِفًا، لَا يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِرْدَادُ إِلَّا إِذَا صَرَّحَ فَقَالَ: هَذِهِ عَنْ مَالِي الْغَائِبِ، فَإِنْ بَانَ تَالِفًا اسْتَرَدَّهَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الْخَمْسَةَ فَقَالَ: إِنْ كَانَ مُوَرِّثِي مَاتَ وَوَرِثْتُ مَالَهُ، فَهَذِهِ زَكَاتُهُ، فَبَانَ أَنَّهُ وَرِثَهُ، لَا يُحْسَبُ الْمُخْرَجُ زَكَاةً؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِرْثِ، وَهُنَا الْأَصْلُ بَقَاءُ الْمَالِ، وَالتَّرَدُّدُ اعْتَضَدَ بِالْأَصْلِ، وَنَظِيرُهُ أَنْ يَقُولَ فِي آخِرِ رَمَضَانَ: أَصُومُ غَدًا إِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ، يَصِحُّ، وَلَوْ قَالَ فِي أَوَّلِهِ: أَصُومُ غَدًا إِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ، لَمْ يُجْزِئْهُ، وَهُوَ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ الْإِرْثِ.
أَمَّا إِذَا قَالَ: هَذِهِ زَكَاةُ الْغَائِبِ، فَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَعَنِ الْحَاضِرِ، فَالْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: إِنْ كَانَ الْغَائِبُ بَاقِيًا، وَقَعَ عَنْهُ، وَإِلَّا وَقَعَ عَنِ الْحَاضِرِ، وَلَا يَضُرُّ التَّرَدُّدُ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، حَتَّى لَوْ قَالَ: هَذِهِ عَنِ الْحَاضِرِ أَوِ الْغَائِبِ، أَجْزَأَهُ، وَعَلَيْهِ خَمْسَةٌ لِلْآخَرِ. بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ إِنْ كَانَ دَخَلَ وَإِلَّا
стр. 607
فَعَنِ الْفَائِتَةِ لَا تُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ، وَعَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ تَرَدَّدَ فِي إِجْزَائِهِ عَنِ الْحَاضِرِ، وَلَوْ قَالَ: هَذِهِ عَنِ الْغَائِبِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا وَإِلَّا فَعَنِ الْحَاضِرِ، أَوْ هِيَ صَدَقَةٌ، وَكَانَ الْغَائِبُ تَالِفًا - لَمْ يَقَعْ عَنِ الْحَاضِرِ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ مَالِي الْغَائِبُ سَالِمًا فَهَذِهِ زَكَاتُهُ، أَوْ نَافِلَةً وَكَانَ سَالِمًا - لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِصِ الْقَصْدَ عَنِ الْفَرْضِ، وَقَوْلُنَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ: مَالٌ غَائِبٌ، يُتَصَوَّرُ إِذَا كَانَ غَائِبًا فِي بَلَدٍ آخَرَ - وَجَوَّزْنَا نَقْلَ الصَّدَقَةِ - أَوْ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْ مَجْلِسِهِ.
فَرْعٌ
إِذَا نَابَ فِي إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ عَنِ الْمَالِكِ غَيْرُهُ، فَلَهُ صُوَرٌ.
مِنْهَا: نِيَابَةُ الْوَلِيِّ عَنِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ، قَالَ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ: فَلَوْ دَفَعَ بِلَا نِيَّةٍ لَمْ يَقَعِ الْمَوْقِعَ، وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَتَوَلَّى السُّلْطَانُ قَسْمَ زَكَاةِ إِنْسَانٍ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَدْفَعَهَا إِلَى السُّلْطَانِ طَوْعًا، أَوْ يَأْخُذَهَا مِنْهُ كَرْهًا، فَإِنْ دَفَعَ طَوْعًا وَنَوَى عِنْدَ الدَّفْعِ، كَفَى، وَلَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ السُّلْطَانِ عِنْدَ التَّفْرِيقِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمَسَاكِينِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْمَالِكُ، وَنَوَى السُّلْطَانُ أَوْ لَمْ يَنْوِ، فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: تُجْزِئُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَبِهِ قَطَعَ كَثِيرٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ، وَالثَّانِي: لَا تُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمَسَاكِينِ، وَلَوْ دَفَعَ الْمَالِكُ إِلَى الْمَسَاكِينِ بِلَا نِيَّةٍ، لَمْ يُجْزِئْهُ، فَكَذَا نَائِبُهُمْ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَصَاحِبَيِ الْمُهَذَّبِ وَالتَّهْذِيبِ وَجُمْهُورِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَحَمَلُوا كَلَامَ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْمُمْتَنِعِ: يُجْزِئُهُ الْمَأْخُوذُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ. لَكِنْ نَصَّ فِي الْأُمِّ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَائِعًا كَانَ أَوْ كَارِهًا، وَأَمَّا إِذَا امْتَنَعَ مِنْ دَفْعَ الزَّكَاةَ، فَيَأْخُذُهَا مِنْهُ السُّلْطَانُ كَرْهًا، وَلَا يَأْخُذُ إِلَّا قَدْرَ الزَّكَاةِ عَلَى الْجَدِيدِ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: يَأْخُذُ مَعَ الزَّكَاةِ شَطْرَ مَالِهِ.
стр. 608
قُلْتُ: الْمَشْهُورُ هُوَ الْجَدِيدُ، وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ «يَأْخُذُ شَطْرَ مَالِهِ» ضَعَّفَهُ الشَّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَنُقِلَ أَيْضًا عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُمْ لَا يُثْبِتُونَهُ، وَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ الْمُخْتَارُ. وَأَمَّا جَوَابُ مَنْ أَجَابَ مِنْ أَصْحَابِنَا بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ، فَضَعِيفٌ، فَإِنَّ النَّسْخَ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ، وَلَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَيْهِ هُنَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ إِنْ نَوَى الْمُمْتَنِعُ حَالَ الْأَخْذِ مِنْهُ، بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلَا حَاجَةَ إِلَى نِيَّةِ الْإِمَامِ، وَإِلَّا فَإِنْ نَوَى الْإِمَامُ أَجْزَأَهُ فِي الظَّاهِرِ، وَلَا يُطَالَبُ ثَانِيًا، وَهَلْ يُجْزِئُهُ بَاطِنًا؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يُجْزِئُهُ كَوَلِيِّ الصَّبِيِّ، تَقُومُ نِيَّتُهُ مَقَامَ نِيَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامُ، لَمْ يَسْقُطِ الْفَرْضُ فِي الْبَاطِنِ قَطْعًا، وَلَا فِي الظَّاهِرِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ تَجِبُ النِّيَّةُ عَلَى الْإِمَامِ، وَأَنَّهُ تَقُومُ نِيَّتُهُ مَقَامَ نِيَّةِ الْمَالِكِ، وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: لَا تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمَالِكِ بَاطِنًا، لَمْ تَجِبِ النِّيَّةُ عَلَى الْإِمَامِ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: تَجِبُ، كَالْوَلِيِّ، وَالثَّانِي: لَا؛ لِئَلَّا يَتَهَاوَنَ الْمَالِكُ فِيمَا هُوَ مُتَعَبَّدٌ بِهِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يُوكِلَ مَنْ يُفَرِّقُ زَكَاتَهُ، فَإِنْ نَوَى الْمُوَكِّلُ عِنْدَ الدَّفْعِ إِلَى الْوَكِيلِ، وَنَوَى الْوَكِيلُ عِنْدَ الدَّفْعِ إِلَى الْمَسَاكِينِ، فَهُوَ الْأَكْمَلُ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، أَوْ لَمْ يَنْوِ الْمُوَكِّلُ - لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ نَوَى الْمُوَكِّلُ عِنْدَ الدَّفْعِ وَلَمْ يَنْوِ الْوَكِيلُ، فَطَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِالْجَوَازِ، وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِيمَا إِذَا فَرَّقَ بِنَفْسِهِ، هَلْ يُجْزِئُهُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى التَّفْرِقَةِ؟
وَالْأَصَحُّ الْإِجْزَاءُ كَالصَّوْمِ؛ لِلْعُسْرِ، وَلِأَنَّ الْقَصْدَ سَدُّ حَاجَةِ الْفَقِيرِ، وَعَلَى هَذَا يَكْفِي نِيَّةُ الْمُوَكِّلِ عِنْدَ الدَّفْعِ إِلَى الْوَكِيلِ، وَعَلَى الثَّانِي: يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْوَكِيلِ عِنْدَ الدَّفْعِ إِلَى الْمَسَاكِينِ، وَلَوْ وَكَّلَ وَكِيلًا وَفَوَّضَ النِّيَّةَ إِلَيْهِ، جَازَ، كَذَا ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ وَالْوَسِيطِ.
стр. 609
فَرْعٌ
لَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَلَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ، لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الزَّكَاةُ.
فَصْلٌ
يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ السُّعَاةَ لِأَخْذِ الزَّكَوَاتِ. وَالْأَمْوَالُ ضَرْبَانِ: مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْلُ، وَمَا لَا يُعْتَبَرُ كَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ، فَهَذَا يَبْعَثُ السُّعَاةَ فِيهِ لِوَقْتِ وُجُوبِهِ، وَهُوَ إِدْرَاكُ الثِّمَارِ وَاشْتِدَادُ الْحَبِّ. وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَالْحَوْلُ مُخْتَلِفٌ فِي حَقِّ النَّاسِ، فَيَنْبَغِي لِلسَّاعِي أَنْ يُعَيِّنَ شَهْرًا فَيَأْتِيَهِمْ فِيهِ. وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّهْرُ الْمُحَرَّمَ، صَيْفًا كَانَ أَوْ شِتَاءً، فَإِنَّهُ أَوَّلُ السَّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ تَعْيِينِ الشَّهْرِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي وَجْهٍ: يَجِبُ. ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكِتَابِ فِي آخِرِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجَ قَبْلَ الْمُحَرَّمِ؛ لِيَصِلَهُمْ فِي أَوَّلِهِ، ثُمَّ إِذَا جَاءَهُمْ فَمَنْ تَمَّ حَوْلُهُ أَخَذَ زَكَاتَهُ، وَمَنْ لَمْ يَتِمَّ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُعَجِّلَ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلِ اسْتَنَابَ مَنْ يَأْخُذُ زَكَاتَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَ إِلَى مَجِيئِهِ مِنْ قَابِلٍ، فَإِنْ وَثِقَ بِهِ فَوَّضَ التَّفْرِيقَ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الْمَاشِيَةُ تَرِدُ الْمَاءَ أَخَذَ زَكَاتَهَا عَلَى مِيَاهِهِمْ، وَلَا يُكَلِّفُهُمْ رَدَّهَا إِلَى الْبَلَدِ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتْبَعَ الْمَرَاعِيَ، فَإِنْ كَانَ لِرَبِّ الْمَالِ مَاءَانِ، أَمَرَ بِجَمْعِهَا عِنْدَ أَحَدِهِمَا، وَإِنِ اكْتَفَتِ الْمَاشِيَةُ بِالْكَلَأِ فِي وَقْتِ الرَّبِيعِ وَلَمْ تَرِدِ الْمَاءَ، أَخَذَ الزَّكَاةَ فِي بُيُوتِ أَهْلِهَا وَأَفْنِيَتِهِمْ. هَذَا لَفْظُ الشَّافِعِيِّ، وَمُقْتَضَاهُ تَجْوِيزُ تَكْلِيفِهِمُ الرَّدَّ إِلَى الْأَفْنِيَةِ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ، وَإِذَا أَرَادَ مَعْرِفَةَ عَدَدِهَا فَأَخْبَرَهُ الْمَالِكُ، وَكَانَ ثِقَةً، صَدَّقَهُ، وَإِلَّا عَدَّهَا، وَالْأَوْلَى أَنْ تُجْمَعَ فِي حَظِيرَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَيُنْصَبَ
стр. 610
عَلَى الْبَابِ خَشَبَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، وَتُسَاقَ لِتَخْرُجَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَتُثْبَتُ كُلُّ شَاةٍ إِذَا بَلَغَتِ الْمَضِيقَ، فَيَقِفُ الْمَالِكُ أَوْ نَائِبُهُ مِنْ جَانِبٍ، وَالسَّاعِي أَوْ نَائِبُهُ مِنْ جَانِبٍ وَبِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَضِيبٌ يُشِيرَانِ بِهِ إِلَى كُلِّ شَاةٍ، أَوْ يُصِيبَانِ بِهِ ظَهْرَهَا فَهُوَ أَضْبَطُ، فَإِنِ اخْتَلَفَا بَعْدَ الْعَدِّ، فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ يَخْتَلِفُ بِهِ، أَعَادَ الْعَدَّ.
فَرْعٌ
يُسْتَحَبُّ لِلسَّاعِي أَنْ يَدْعُوَ لِرَبِّ الْمَالِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ دُعَاءٌ. وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنْ يَقُولَ: آجَرَكَ اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَجَعَلَهُ لَكَ طَهُورًا، وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أَبْقَيْتَ.
وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ يَجِبُ الدُّعَاءُ، حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ. وَكَمَا يُسْتَحَبُّ لِلسَّاعِي الدُّعَاءُ، يُسْتَحَبُّ أَيْضًا لِلْمَسَاكِينِ إِذَا فَرَّقَ عَلَيْهِمُ الْمَالِكُ. قَالَ الْأَئِمَّةُ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ وَإِنْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ صَارَتْ مَخْصُوصَةً فِي لِسَانِ السَّلَفِ بِالْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ - وَكَمَا أَنَّ قَوْلَنَا: ، صَارَ مَخْصُوصًا بِاللَّهِ تَعَالَى. فَكَمَا لَا يُقَالُ: مُحَمَّدٌ ، وَإِنْ كَانَ عَزِيزًا جَلِيلًا، لَا يُقَالُ: أَبُو بَكْرٍ أَوْ عَلِيٌّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ صَحَّ الْمَعْنَى.
وَهَلْ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، أَمْ هُوَ مُجَرَّدُ تَرْكِ أَدَبٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ الْأَشْهَرُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ شِعَارُ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَقَدْ نُهِينَا عَنْ شِعَارِهِمْ. وَالْمَكْرُوهُ: هُوَ مَا وَرَدَ فِيهِ نَهْيٌ مَقْصُودٌ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا لَهُمْ، فَيُقَالُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَأَتْبَاعِهِ؛ لِأَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَمْتَنِعُوا مِنْهُ. وَقَدْ أُمِرْنَا بِهِ فِي التَّشَهُّدِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَالسَّلَامُ فِي مَعْنَى الصَّلَاةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَرَنَ بَيْنَهُمَا، فَلَا يُفْرَدُ بِهِ غَائِبٌ غَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ. وَلَا بَأْسَ بِهِ عَلَى سَبِيلِ الْمُخَاطَبَةِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَيُقَالُ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ.
стр. 611
قُلْتُ: قَوْلُهُ: لَا بَأْسَ بِهِ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ، فَإِنَّهُ مَسْنُونٌ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ بِلَا شَكٍّ، وَهَذِهِ الصِّيغَةُ لَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْمَسْنُونِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ: لَا مَنْعَ مِنْهُ فِي الْمُخَاطَبَةِ بِخِلَافِ الْغَيْبَةِ، وَأَمَّا اسْتِحْبَابُهُ فِي الْمُخَاطَبَةِ فَمَعْرُوفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ
التَّعْجِيلُ جَائِزٌ فِي الْجُمْلَةِ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ. وَحَكَى الْمُوَفَّقُ أَبُو طَاهِرٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ حَرْبَوَيْهِ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْعَ التَّعْجِيلِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَا تَفْرِيعَ عَلَيْهِ. ثُمَّ مَالُ الزَّكَاةِ ضَرْبَانِ: مُتَعَلِّقٌ بِالْحَوْلِ، وَغَيْرُ مُتَعَلِّقٍ.
فَالْأَوَّلُ: يَجُوزُ تَعْجِيلُ زَكَاتِهِ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ تَمَامِ النِّصَابِ فِي الزَّكَاةِ الْعَيْنِيَّةِ. أَمَّا إِذَا اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ يُسَاوِي مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَعَجَّلَ زَكَاةَ مِائَتَيْنِ، وَحَالَ الْحَوْلُ وَهُوَ يُسَاوِي مِائَتَيْنِ، فَيُجْزِئُهُ الْمُعَجَّلُ عَنِ الزَّكَاةِ، عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْعُرُوضِ بِآخِرِ الْحَوْلِ، وَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً مَعْلُوفَةً، فَعَجَّلَ شَاةً عَازِمًا أَنْ يُسَمِّيَهَا حَوْلًا، لَمْ يَقَعْ عَنِ الزَّكَاةِ إِذَا أَسَامَهَا؛ لِأَنَّ الْمَعْلُوفَةَ لَيْسَتْ مَالَ زَكَاةٍ، فَهِيَ كَمَا دُونَ النِّصَابِ. وَإِنَّمَا يُعَجِّلُ بَعْدَ انْعِقَادِ حَوْلٍ. فَلَوْ عَجَّلَ زَكَاةَ عَامَيْنِ فَصَاعِدًا، لَمْ يُجْزِئْهُ عَمَّا عَدَا السَّنَةِ الْأُولَى عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. مِنْهُمْ مُعْظَمُ الْعِرَاقِيِّينَ وَصَاحِبُ التَّهْذِيبِ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي تَسَلُّفِ صَدَقَةِ عَامَيْنِ مِنَ الْعَبَّاسِ عَلَى التَّسَلُّفِ دُفْعَتَيْنِ. فَإِنْ جَوَّزْنَا مَا زَادَ، فَذَلِكَ إِذَا بَقِيَ مَعَهُ فِي بَعْدِ التَّعْجِيلِ نِصَابٌ كَامِلٌ، بِأَنْ مَلَكَ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، فَعَجَّلَ شَاتَيْنِ. فَإِنْ لَمْ يَبْقَ نِصَابٌ كَامِلٌ، بِأَنْ مَلَكَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ فَعَجَّلَ شَاتَيْنِ مِنْهَا، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا يَجُوزُ، فَإِنْ جَوَّزْنَا صَدَقَةَ عَامَيْنِ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَنْوِيَ تَقْدِيمَ زَكَاةٍ لِلسَّنَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى؟ وَجْهَانِ كَتَقْدِيمِ صَلَاةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى فِي الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ.
стр. 612
حَكَاهُ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ. وَلَوْ مَلَكَ نِصَابًا فَعَجَّلَ زَكَاةَ نِصَابَيْنِ، فَإِنْ كَانَ لِلتِّجَارَةِ بِأَنِ اشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ عَرْضًا بِمِائَتَيْنِ، فَعَجَّلَ زَكَاةَ أَرْبَعِمِائَةٍ، فَجَاءَ الْحَوْلُ وَهُوَ يُسَاوِي أَرْبَعَمِائَةٍ - أَجْزَأَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: فِي الْمِائَتَيْنِ الزَّائِدَتَيْنِ وَجْهَانِ. فَإِنْ كَانَ زَكَاةَ عَيْنٍ، بِأَنْ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَتَوَقَّعَ حُصُولَ مِائَتَيْنِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَعَجَّلَ زَكَاةَ أَرْبَعِمِائَةٍ، فَحَصَلَ مَا تَوَقَّعَهُ - لَمْ يُجْزِئْهُ مَا أَخْرَجَهُ عَنِ الْحَادِثِ. وَإِنْ تَوَقَّعَ حُصُولَهُ مِنْ عَيْنِ مَا عِنْدَهُ، بِأَنْ مَلَكَ مِائَةً وَعِشْرِينَ شَاةً، فَعَجَّلَ شَاتَيْنِ ثُمَّ حَدَثَتْ سَخْلَةٌ، أَوْ مَلَكَ خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ، فَعَجَّلَ شَاتَيْنِ، فَبَلَغَتْ بِالتَّوَالُدِ عَشْرًا، فَهَلْ يُجْزِئُهُ مَا أَخْرَجَهُ عَنِ النِّصَابِ الَّذِي كَمُلَ الْآنَ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ: لَا يُجْزِئُهُ. وَلَوْ عَجَّلَ شَاةً عَنْ أَرْبَعِينَ فَوَلَدَتْ أَرْبَعِينَ، فَهَلَكَتِ الْأُمَّاتُ، فَهَلْ يُجْزِئُهُ مَا أَخْرَجَ مِنَ السِّخَالِ؟ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَا يُجْزِئُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا لَا يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهِ بِالْحَوْلِ، فَمِنْهُ زَكَاةُ الْفِطْرِ، فَيَجُوزُ تَعْجِيلُهَا بَعْدَ دُخُولِ رَمَضَانَ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي وَجْهٍ: يَجُوزُ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، لَا مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ. وَفِي وَجْهٍ: يَجُوزُ قَبْلَ رَمَضَانَ. وَأَمَّا زَكَاةُ الثِّمَارِ، فَتَجِبُ بِبُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَزَكَاةُ الزَّرْعِ بِاشْتِدَادِ الْحَبِّ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ وُجُوبَ الْأَدَاءِ، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ حَقَّ الْفُقَرَاءِ يَثْبُتُ حِينَئِذٍ، وَالْإِخْرَاجُ يَجِبُ بَعْدَ الْجَفَافِ وَتَنْقِيَةِ الْحُبُوبِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَالْإِخْرَاجُ بَعْدَ مَصِيرِ الرُّطَبِ تَمْرًا، وَالْعِنَبِ زَبِيبًا لَيْسَ بِتَعْجِيلٍ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ حِينَئِذٍ، وَلَا يَجُوزُ التَّقْدِيمُ قَبْلَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ، وَفِيمَا بَعْدَهُ أَوْجُهٌ. الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ التَّعْجِيلُ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ لَا قَبْلَهُ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ قَبْلَهُ مِنْ حِينِ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ، وَالثَّالِثُ: لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْجَفَافِ. وَأَمَّا الزُّرُوعُ، فَالْإِخْرَاجُ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِتَعْجِيلٍ، وَلَا يَجُوزُ التَّعْجِيلُ قَبْلَ التَّسَنْبُلِ وَانْعِقَادِ الْحَبِّ. وَبَعْدَهُ: ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، الصَّحِيحُ: جَوَازُهُ بَعْدَ الِاشْتِدَادِ وَالْإِدْرَاكِ، وَمَنْعُهُ قَبْلَهُ. وَالثَّانِي: جَوَازُهُ بَعْدَ التَّسَنْبُلِ وَانْعِقَادِ الْحَبِّ. وَالثَّالِثُ: لَا يَجُوزُ قَبْلَ التَّنْقِيَةِ.
стр. 613
فَرْعٌ
عَدَّ الْأَئِمَّةُ مَا يُقَدَّمُ عَلَى وَقْتِ وُجُوبِهِ مِنَ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَمَا لَا يُقَدَّمُ فِي هَذَا الْبَابِ.
فَمِنْهَا: كَفَّارَةُ الْيَمِينِ، وَالْقَتْلُ، وَالظِّهَارُ، وَجَزَاءُ الصَّيْدِ، وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي أَبْوَابِهَا.
وَمِنْهَا: لَا يَجُوزُ لِلشَّيْخِ الْهَرِمِ وَالْحَامِلِ وَالْمَرِيضِ تَقْدِيمُ الْفِدْيَةِ عَلَى رَمَضَانَ. وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْأُضْحِيَةِ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ قَطْعًا، وَلَا كَفَّارَةِ الْوِقَاعِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَأَعْتَقَ قَبْلَ الشِّفَاءِ - لَا يُجْزِئُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ زَكَاةِ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ عَلَى الْحُصُولِ.
فَصْلٌ
شَرْطُ كَوْنِ الْمُعَجَّلِ مُجْزِئًا: بَقَاءُ الْقَابِضِ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ فِي آخِرِ الْحَوْلِ، فَلَوِ ارْتَدَّ أَوْ مَاتَ قَبْلَ الْحَوْلِ لَمْ تُحْسَبْ عَنِ الزَّكَاةِ، وَإِنِ اسْتَغْنَى بِالْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ، أَوْ بِهِ وَبِمَالٍ آخَرَ، لَمْ يَضُرَّ، وَإِنِ اسْتَغْنَى بِغَيْرِهِ لَمْ يُحْسَبْ عَنِ الزَّكَاةِ، وَإِنْ عَرَضَ مَانِعٌ ثُمَّ زَالَ وَصَارَ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ لَمْ يَضُرَّ عَلَى الْأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ فِي الدَّافِعِ بَقَاؤُهُ إِلَى آخِرِ الْحَوْلِ بِصِفَةِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، فَلَوِ ارْتَدَّ وَقُلْنَا: الرِّدَّةُ تَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ، أَوْ مَاتَ، أَوْ تَلِفَ جَمِيعُ مَالِهِ، أَوْ بَاعَهُ، أَوْ نَقَصَ عَنِ النِّصَابِ - لَمْ يَكُنِ الْمُعَجَّلُ زَكَاةً، وَإِنْ أَبْقَيْنَا مِلْكَ الْمُرْتَدِّ، وَجَوَّزْنَا إِخْرَاجَ الزَّكَاةِ فِي حَالِ الرِّدَّةِ - أَجْزَأَهُ الْمُعَجَّلُ. وَهَلْ يُحْسَبُ فِي صُورَةِ الْمَوْتِ عَنْ زَكَاةِ الْوَارِثِ؟ قَالَ الْأَصْحَابُ: إِنْ قُلْنَا بِالْقَدِيمِ: إِنَّ الْوَارِثَ يُبْنَى عَلَى حَوْلِ الْمَوْرُوثِ - أَجْزَأَهُ، وَإِلَّا لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ تَعْجِيلٌ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ،
стр. 614
فَإِنْ قُلْنَا: يُحْسَبُ فَتَعَدَّدَتِ الْوَرَثَةُ، ثَبَتَ حُكْمُ الْخُلْطَةِ بَيْنَهُمْ إِنْ كَانَ الْمَالُ مَاشِيَةً أَوْ غَيْرَ مَاشِيَةٍ وَقُلْنَا بِثُبُوتِ الْخُلْطَةِ فِيهِ. فَأَمَّا إِنْ قُلْنَا: لَا يَثْبُتُ، وَنَقَصَ نَصِيبُ كَلِّ وَاحِدٍ عَنِ النِّصَابِ، أَوِ اقْتَسَمُوا وَنَقَصَ نَصِيبُ كَلِّ وَاحِدٍ عَنِ النِّصَابِ - فَيَنْقَطِعُ الْحَوْلُ وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْأَصَحِّ. وَعَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى الثَّانِي: يَصِيرُونَ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ.
فَرْعٌ
إِذَا أَخَذَ الْإِمَامُ مِنَ الْمَالِكِ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ حَوْلُهُ مَالًا لِلْمَسَاكِينِ، فَلَهُ حَالَانِ، أَحَدُهُمَا: يَأْخُذُهُ بِحُكْمِ الْفَرْضِ، فَيُنْظَرُ، إِنِ اسْتَقْرَضَهُ بِسُؤَالِ الْمَسَاكِينِ فَهُوَ مِنْ ضَمَانِهِمْ، سَوَاءٌ تَلِفَ فِي يَدِهِ أَوْ بَعْدَ أَنْ سَلَّمَهُ إِلَيْهِمْ. وَهَلْ يَكُونُ الْإِمَامُ طَرِيقًا فِي الضَّمَانِ حَتَّى يُؤْخَذَ مِنْهُ وَيُرْجَعَ هُوَ عَلَى الْمَسَاكِينِ، أَمْ لَا؟ نُظِرَ، إِنْ عَلِمَ الْمُقْرِضُ أَنَّهُ يَسْتَقْرِضُ لِلْمَسَاكِينِ بِإِذْنِهِمْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقًا عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَسْتَقْرِضُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْمَسَاكِينِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالِهِمْ، فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْإِمَامِ، ثُمَّ الْإِمَامُ يَقْضِيهِ مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ، أَوْ يَحْسِبُهُ عَنْ زَكَاةِ الْمُقْتَرِضِ، وَإِذَا أَقْرَضَهُ الْمَالِكُ لِلْمَسَاكِينِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سُؤَالِهِمْ فَتَلَفَ فِي يَدِ الْإِمَامِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمَسَاكِينِ وَلَا عَلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُ الْمَالِكِ. وَلَوِ اسْتَقْرَضَ الْإِمَامُ بِسُؤَالِ الْمَالِكِ وَالْمَسَاكِينِ جَمِيعًا، فَهَلْ هُوَ مِنْ ضَمَانِ الْمَالِكِ أَوِ الْمَسَاكِينِ؟ وَجْهَانِ يَأْتِي بَيَانُهُمَا فِي الْحَالِ الثَّانِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَلَوِ اسْتَقْرَضَ بِغَيْرِ سُؤَالِ الْمَالِكِ وَالْمَسَاكِينِ، نُظِرَ، إِنِ اسْتَقْرَضَ وَلَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى الْقَرْضِ، وَقَعَ الْقَرْضُ لِلْإِمَامِ، وَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ، سَوَاءً تَلِفَ فِي يَدِهِ أَوْ دَفَعَهُ إِلَى الْمَسَاكِينِ، ثُمَّ إِنْ دَفَعَ إِلَيْهِمْ مُتَبَرِّعًا، فَلَا رُجُوعَ، وَإِنْ أَقْرَضَهُمْ، فَقَدْ أَقْرَضَهُمْ مَالَ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ اسْتَقْرَضَ لَهُمْ وَبِهِمْ حَاجَةٌ وَهَلَكَ فِي يَدِهِ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمَسَاكِينِ، يَقْضِيهِ الْإِمَامُ
стр. 615
مِنْ مَالِ الصَّدَقَةِ، كَالْوَلِيِّ إِذَا اسْتَقْرَضَ لِلْيَتِيمِ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ يَكُونُ الضَّمَانُ فِي مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَصَحُّهُمَا: يَكُونُ الضَّمَانُ مِنْ خَالِصِ مَالِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْمَسَاكِينَ غَيْرُ مُتَعَيَّنِينَ، وَفِيهِمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ أَهْلُ رُشْدٍ، لَا وِلَايَةَ عَلَيْهِمْ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ مَنْعُ الصَّدَقَةِ عَنْهُمْ بِلَا عُذْرٍ، وَلَا التَّصَرُّفُ فِي مَالِهِمْ بِالتِّجَارَةِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ الِاسْتِقْرَاضُ لَهُمْ بِشَرْطِ سَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ، بِخِلَافِ الْيَتِيمِ. فَأَمَّا إِنْ دَفَعَ الْمُسْتَقْرِضُ إِلَيْهِمْ، فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمْ، وَالْإِمَامُ طَرِيقٌ، فَإِذَا أَخَذَ زَكَوَاتٍ وَالْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ مِنَ الزَّكَوَاتِ، وَلَهُ أَنْ يَحْسِبَهُ عَنْ زَكَاةِ الْمُقْرِضِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَدْفُوعُ إِلَيْهِ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَ تَمَامِ حُلُولِ الزَّكَوَاتِ لَمْ يَجُزْ قَضَاؤُهُ مِنْهَا، بَلْ يَقْضِي مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ إِنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَأْخُذَ الْإِمَامُ الْمَالَ لِيَحْسِبَهُ عَنْ زَكَاةِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ، وَفِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ كَالْقَرْضِ.
إِحْدَاهَا: أَنْ يَأْخُذَ بِسُؤَالِ الْمَسَاكِينِ، فَإِنْ دَفَعَ إِلَيْهِمْ قَبْلَ الْحَوْلِ وَتَمَّ الْحَوْلُ وَهُمْ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْمَالِكُ بِصِفَةِ الْوُجُوبِ - وَقَعَ الْمَوْقِعُ، وَإِنْ خَرَجُوا عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ فَعَلَيْهِمُ الضَّمَانُ، وَعَلَى الْمَالِكِ الْإِخْرَاجُ ثَانِيًا، وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ لَهُ، نُظِرَ، إِنْ خَرَجَ الْمَالِكُ عَنْ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فَلَهُ الضَّمَانُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَهَلْ يَكُونُ الْإِمَامُ طَرِيقًا؟ وَجْهَانِ، كَمَا فِي الِاسْتِقْرَاضِ، وَإِلَّا فَهَلْ يَقَعُ الْمُخْرَجُ عَنْ زَكَاتِهِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَقَعُ، وَبِهِ قَطَعَ فِي «الشَّامِلِ» وَ «التَّتِمَّةِ» ، وَالثَّانِي: لَا، فَعَلَى هَذَا لَهُ تَضْمِينُ الْمَسَاكِينِ، وَفِي تَضْمِينِ الْإِمَامِ الْوَجْهَانِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَسَاكِينِ مَالٌ، صَرَفَ الْإِمَامُ إِذَا اجْتَمَعَتِ الزَّكَوَاتُ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْقَدْرَ إِلَى قَوْمٍ آخَرِينَ عَنْ جِهَةِ الَّذِي تَسَلَّفَ مِنْهُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَسَلَّفَ بِسُؤَالِ الْمَالِكِ، فَإِنْ دَفَعَ إِلَى الْمَسَاكِينِ، وَتَمَّ الْحَوْلُ وَهُمْ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَقَعَ الْمَوْقِعُ، وَإِلَّا رَجَعَ الْمَالِكُ عَلَى الْمَسَاكِينِ دُونَ الْإِمَامِ، وَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِ الْإِمَامِ لَمْ يُجْزِئِ الْمَالِكَ، سَوَاءٌ تَلِفَ بِتَفْرِيطِ الْإِمَامِ،
стр. 616
أَوْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، كَالتَّلَفِ فِي يَدِ الْوَكِيلِ، ثُمَّ إِنْ تَلَفَ بِتَفْرِيطِ الْإِمَامِ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِلْمَالِكِ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْمَسَاكِينِ.
الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَسَلَّفَ بِسُؤَالِ الْمَالِكِ وَالْمَسَاكِينِ جَمِيعًا، فَالْأَصَحُّ عِنْدَ صَاحِبِ «الشَّامِلِ» وَالْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمَسَاكِينِ، وَالثَّانِي: مِنْ ضَمَانِ الْمَالِكِ.
الرَّابِعَةُ: أَنْ يَتَسَلَّفَ بِغَيْرِ سُؤَالِ الْمَالِكِ وَالْمَسَاكِينِ، لِمَا رَأَى مِنْ حَاجَتِهِمْ، فَهَلْ تَكُونُ حَاجَتُهُمْ كَسُؤَالِهِمْ؟ وَجْهَانِ:
أَصَحُّهُمَا: لَا، فَعَلَى هَذَا إِنْ دَفَعَهُ إِلَيْهِمْ، وَخَرَجُوا عَنْ الِاسْتِحْقَاقِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ - اسْتَرَدَّهُ الْإِمَامُ مِنْهُمْ وَدَفَعَهُ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَإِنْ خَرَجَ الدَّافِعُ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْوُجُوبِ، اسْتَرَدَّهُ وَرُدَّ إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ مَالٌ، ضَمِنَهُ الْإِمَامُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَرَّطَ أَمْ لَمْ يُفَرِّطْ، وَعَلَى الْمَالِكِ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ ثَانِيًا، وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ: لَا ضَمَانَ عَلَى الْإِمَامِ. ثُمَّ الْوَجْهَانِ فِي تَنَزُّلِ الْحَاجَةِ مَنْزِلَةَ سُؤَالِهِمْ، هُمَا فِي حَقِّ الْبَالِغِينَ، أَمَّا إِذَا كَانُوا أَطْفَالًا فَيُبْنَى عَلَى أَنَّ الصَّبِيَّ تُدْفَعُ إِلَيْهِ الزَّكَاةُ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ أَوِ الْمَسَاكِينِ، أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ كَأَبِيهِ وَغَيْرِهِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُدْفَعُ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُدْفَعُ لَهُ إِلَى قَيِّمِهِ، وَالثَّانِي: لَا؛ لِاسْتِغْنَائِهِ بِسَهْمٍ مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَإِنْ جَوَّزْنَا التَّصَرُّفَ إِلَيْهِ، فَحَاجَةُ الْأَطْفَالِ كَسُؤَالِ الْبَالِغِينَ، فَتَسَلُّفُ الْإِمَامِ الزَّكَاةَ وَاسْتِقْرَاضُهُ لَهُمْ كَاسْتِقْرَاضِ قَيِّمِ الْيَتِيمِ. هَذَا إِذَا كَانَ الَّذِي يَلِي أَمْرَهُمُ الْإِمَامُ، فَإِنْ كَانَ وَلِيًّا مُقَدَّمًا عَلَى الْإِمَامِ، فَحَاجَتُهُمْ كَحَاجَةِ الْبَالِغِينَ؛ لِأَنَّ لَهُمْ مَنْ يَسْأَلُ التَّسَلُّفَ لَوْ كَانَ صَلَاحُهُمْ فِيهِ. أَمَّا إِذَا قُلْنَا: لَا يَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَى الصَّبِيِّ، فَلَا تَجِيءُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي سَهْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَجِيءَ فِي سَهْمِ الْغَارِمِينَ وَنَحْوِهِ. ثُمَّ فِي الْمَسَائِلِ كُلِّهَا لَوْ تَلِفَ الْمُعَجَّلُ فِي يَدِ السَّاعِي أَوِ الْإِمَامِ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ، سَقَطَتِ الزَّكَاةُ عَنِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الْحُصُولَ فِي يَدِهِمَا بَعْدَ الْحَوْلِ كَالْوُصُولِ إِلَى يَدِ الْمَسَاكِينِ كَمَا لَوْ أَخَذَ بَعْدَ الْحَوْلِ. ثُمَّ إِنْ فَرَّطَ فِي الدَّفْعِ إِلَيْهِمْ ضَمِنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لَهُمْ، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ، وَلَيْسَ مِنَ التَّفْرِيطِ أَنْ يَنْتَظِرَ انْضِمَامَ غَيْرِهِ إِلَيْهِ لِقِلَّتِهِ،
стр. 617
فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ تَفْرِيقُ كُلِّ قَلِيلٍ يَحْصُلُ عِنْدَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَسَاكِينِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَهْلُ السَّهْمَيْنِ جَمِيعًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ جَمِيعَ آحَادِ الصِّنْفِ، بَلْ سُؤَالُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ وَحَاجَتُهُمْ.
فَصْلٌ
إِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ الْمُعَجَّلَةَ إِلَى الْفَقِيرِ وَقَالَ: إِنَّهَا مُعَجَّلَةٌ فَإِنْ عَرَضَ مَانِعٌ اسْتُرْدِدَتْ مِنْكَ - فَلَهُ الِاسْتِرْدَادُ إِنْ عَرَضَ مَانِعٌ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: هَذِهِ زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ، أَوْ عَلِمَ الْقَابِضُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الرُّجُوعَ - فَلَهُ الِاسْتِرْدَادُ عَلَى الْأَصَحِّ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الدَّافِعُ الْمَالِكَ. أَمَّا إِذَا دَفَعَهَا الْإِمَامُ فَلَا حَاجَةَ إِلَى شَرْطِ الرُّجُوعِ، بَلْ يَثْبُتُ الِاسْتِرْدَادُ قَطْعًا، وَلَوْ دَفَعَ الْمَالِكُ أَوِ الْإِمَامُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّعْجِيلِ وَلَا عَلِمَ بِهِ الْقَابِضُ - فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الرُّجُوعُ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: إِنْ دَفَعَ الْإِمَامُ ثَبَتَ الرُّجُوعُ، وَإِنْ دَفَعَ الْمَالِكُ فَلَا، وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ. وَقِيلَ: فِيهِمَا قَوْلَانِ، فَإِنْ أَثْبَتْنَا الرُّجُوعَ، فَقَالَ الْمَالِكُ: قَصَدْتُ بِالْمَدْفُوعِ التَّعْجِيلَ، وَأَنْكَرَ الْقَابِضُ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَوِ ادَّعَى الْمَالِكُ عِلْمَ الْقَابِضِ بِالتَّعْجِيلِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَابِضِ، وَإِذَا قُلْنَا: لَا رُجُوعَ إِذَا لَمْ يَذْكُرِ التَّعْجِيلَ، وَلَمْ يَعْلَمِ الْقَابِضُ بِهِ، فَتَنَازَعَا فِي ذِكْرِهِ، أَوْ قُلْنَا: يُشْتَرَطُ فِي الرُّجُوعِ التَّصْرِيحُ بِهِ، فَتَنَازَعَا فِيهِ - فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمِسْكِينِ عَلَى الْأَصَحِّ مَعَ يَمِينِهِ، وَقَوْلُ الْمَالِكِ عَلَى الثَّانِي، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي تَنَازُعِ الْإِمَامِ وَالْمِسْكِينِ إِذَا قُلْنَا: الْإِمَامُ مُحْتَاجٌ إِلَى الِاشْتِرَاطِ. هَذَا كُلُّهُ إِذَا عَرَضَ مَانِعٌ مِنِ اسْتِحْقَاقِهِ الزَّكَاةَ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْرِضْ، فَلَيْسَ لَهُ الِاسْتِرْدَادُ بِلَا سَبَبٍ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِالتَّعْجِيلِ، فَهُوَ كَمَنْ عَجَّلَ دَيْنًا مُؤَجَّلًا لَا يَسْتَرِدُّهُ.
стр. 618
فَرْعٌ
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ: لَا يَحْتَاجُ مُخْرِجُ الزَّكَاةِ إِلَى لَفْظٍ أَصْلًا، بَلْ يَكْفِيهِ دَفْعُهَا وَهُوَ سَاكِتٌ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ دَفْعِ حَقٍّ إِلَى مُسْتَحِقٍّ. قَالَ: وَفِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ تَرَدُّدٌ، وَالظَّاهِرُ الَّذِي عَمِلَ بِهِ النَّاسُ كَافَّةً أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى اللَّفْظِ أَيْضًا.
فَرْعٌ
إِذَا قَالَ: هَذِهِ زَكَاتِي، أَوْ صَدَقَتِي الْمَفْرُوضَةِ، فَطَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَمَا لَوْ ذَكَرَ التَّعْجِيلَ وَلَمْ يَذْكُرِ الرُّجُوعَ. وَأَصَحُّهُمَا: كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا أَصْلًا. وَقَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ بِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يَسْتَرِدُّ، بِخِلَافِ الْإِمَامِ. قَالُوا: وَلَوْ كَانَ الطَّارِئُ مَوْتَ الْمِسْكِينِ، هَلْ لِلْمَالِكِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَرَثَتَهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا مُعَجَّلَةٌ؟ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ
مِنْ مَوَانِعِ الْمُعَجَّلِ أَنْ تَكُونَ زَكَاةَ تَلَفِ النِّصَابِ، فَحَيْثُ يَثْبُتُ الِاسْتِرْدَادُ بِهَذَا السَّبَبِ، هَلْ يَثْبُتُ إِذَا أَتْلَفَهُ الْمَالِكُ، أَوْ أَتْلَفَ مِنْهُ مَا نَقَصَ بِهِ النِّصَابُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يَثْبُتُ. وَلَوْ أَتْلَفَهُ بِالْإِنْفَاقِ وَغَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ الْحَاجَاتِ ثَبَتَ الرُّجُوعُ قَطْعًا.
стр. 619
فَصْلٌ
مَتَّى ثَبَتَ الِاسْتِرْدَادُ، فَإِنْ كَانَ الْمُعَجَّلُ تَالِفًا، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ بِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلَّا فَقِيمَتُهُ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَبْضِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَلَى الثَّانِي: يَوْمَ التَّلَفِ، وَالثَّالِثِ: أَقْصَى الْقِيَمِ، خَرَّجَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ. فَإِنْ مَاتَ الْقَابِضُ فَالضَّمَانُ فِي تَرِكَتِهِ. وَإِنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى حَالِهِ اسْتَرَدَّهُ، وَدَفَعَهُ أَوْ مِثْلَهُ إِلَى الْمُسْتَحِقِّ إِنْ بَقِيَ بِصِفَةِ الْوُجُوبِ.
وَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ هُوَ الْإِمَامُ، أَخَذَهُ، وَهَلْ يَصْرِفُهُ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ بِغَيْرِ إِذَنٍ جَدِيدٍ مِنَ الْمَالِكِ؟ وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ فِي التَّهْذِيبِ: يَجُوزُ.
وَإِنْ أَخَذَ الْقِيمَةَ فَهَلْ يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ؟ وَجْهَانِ؛ لِأَنَّ دَفْعَ الْقِيمَةِ لَا يُجْزِئُ، فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ فَفِي افْتِقَارِهِ إِلَى إِذْنٍ جَدِيدٍ الْوَجْهَانِ. وَإِنْ حَدَثَتْ فِيهِ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، كَالسِّمَنِ وَالْكِبَرِ، أَخَذَهُ مَعَ الزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً كَالْوَلَدِ وَاللَّبَنِ، فَالْمَذْهَبُ وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَأْخُذُ الْأَصْلَ بِلَا زِيَادَةٍ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: هَذَا، وَالثَّانِي: يَأْخُذُهُ مَعَ الزِّيَادَةِ.
وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا، فَهَلْ لَهُ أَرْشُهُ مَعَهُ؟ وَجْهَانِ، الصَّحِيحُ وَظَاهِرُ النَّصِّ: لَا أَرْشَ لَهُ. وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْقَابِضَ يَمْلِكُ الْمُعَجَّلَ. وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، فَإِنَّ عَرَضَ مَانِعٌ تَبَيَّنَ عَدَمُ الْمِلْكِ، وَإِلَّا تَبَيَّنَ. فَلَوْ بَاعَهُ الْقَابِضُ، ثُمَّ طَرَأَ الْمَانِعُ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ: اسْتَمَرَّتْ صِحَّةُ الْبَيْعِ، وَإِلَّا تَبَيَّنَّا بُطْلَانَهُ. وَلَوْ كَانَتِ الْعَيْنُ بَاقِيَةً، فَأَرَادَ الْقَابِضُ رَدَّ بَدَلِهَا فَإِنْ قُلْنَا بِالْوَقْفِ، لَزِمَ رَدُّهَا بِعَيْنِهَا، وَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ فَفِي جَوَازِ الْإِبْدَالِ الْخِلَافُ فِي مِثْلِهِ فِي الْقَرْضِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ أَوْ بِالتَّصَرُّفِ.
стр. 620
فَرْعٌ
الْمُعَجَّلُ مَضْمُومٌ إِلَى مَا عِنْدَ الْمَالِكِ، نَازِلٌ مَنْزِلَةَ مَا لَوْ كَانَ فِي يَدِهِ، فَلَوْ عَجَّلَ شَاةً مِنْ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ حَالَ الْحَوْلُ، وَلَمْ يَطْرَأْ مَانِعٌ - أَجْزَأَهُ مَا عَجَّلَ، وَكَانَتْ تِلْكَ الشَّاةُ بِمَنْزِلَةِ الْبَاقِيَاتِ عِنْدَهُ. وَلَوْ عَجَّلَ شَاةً عَنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ وَلَدَتْ وَاحِدَةً، أَوْ عَنْ مِائَةٍ فَوَلَدَتْ عِشْرِينَ، وَبَلَغَتْ غَنَمُهُ بِالْمُعَجَّلَةِ مِائَةً وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ - لَزِمَهُ شَاةٌ أُخْرَى وَإِنْ كَانَ الْقَابِضُ أَتْلَفَ تِلْكَ الْمُعَجَّلَةَ.
وَلَوْ عَجَّلَ شَاتَيْنِ عَنْ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ حَدَثَتْ سَخْلَةٌ قَبْلَ الْحَوْلِ، فَقَدْ بَلَغَتْ غَنَمُهُ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةً بِالْمُعَجَّلَةِ، فَعَلَيْهِ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ شَاةٌ ثَالِثَةٌ، فَلَوْ كَانَتِ الْمُعَجَّلَةُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ مَعْلُوفَةً، أَوْ كَانَ الْمَالِكُ اشْتَرَاهَا فَأَخْرَجَهَا - لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ زَائِدٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْلُوفَةَ وَالْمُشْتَرَاةَ لَا يَتِمُّ بِهَا النِّصَابُ، وَإِنْ جَازَ إِخْرَاجُهُمَا عَنِ الزَّكَاةِ، ثُمَّ إِنْ تَمَّ الْحَوْلُ، وَالْمُعَجَّلُ عَلَى السَّلَامَةِ، أَجْزَأَهُ مَا أَخْرَجَ. ثُمَّ فِي تَقْدِيرِهِ إِذَا كَانَ الْبَاقِي دُونَ النِّصَابِ بِأَنْ أَخْرَجَ شَاةً مِنْ أَرْبَعِينَ - وَجْهَانِ: الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ أَنَّ الْمُعَجَّلَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْبَاقِي فِي مِلْكِ الدَّافِعِ حَتَّى يَكْمُلَ بِهِ النِّصَابُ وَيُجْزِئَ، وَلَيْسَ بِبَاقٍ فِي مِلْكِهِ حَقِيقَةً.
وَقَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ: يُقَدَّرُ كَأَنَّ صَاحِبَ الْمِلْكِ لَمْ يَزَلْ لِيَنْقَضِيَ الْحَوْلُ وَفِي مِلْكِهِ نِصَابٌ. وَاسْتَبْعَدَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا، وَقَالَ: تَصَرُّفُ الْقَابِضِ نَافِذٌ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا، فَكَيْفَ نَقُولُ بِبَقَاءِ مِلْكِ الدَّافِعِ، وَهَذَا الِاسْتِبْعَادُ صَحِيحٌ إِنْ أَرَادَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ بَقَاءَ مِلْكِهِ حَقِيقَةً، وَإِنْ أَرَادَ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ، فَقَوْلُهُ صَوَابٌ. أَمَّا إِذَا طَرَأَ مَانِعٌ مِنْ كَوْنِ الْمُعَجَّلِ زَكَاةً، فَيُنْظَرُ، إِنْ كَانَ الْمُخْرِجُ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ وَبَقِيَ فِي يَدِهِ نِصَابٌ، لَزِمَهُ الْإِخْرَاجُ ثَانِيًا. وَإِنْ كَانَ دُونَ النِّصَابِ، فَحَيْثُ لَا يَثْبُتُ الِاسْتِرْدَادُ لَا زَكَاةَ، وَكَأَنَّهُ تَطَوَّعَ بِشَاةٍ قَبْلَ الْحَوْلِ. وَحَيْثُ ثَبَتَ فَاسْتَرَدَّ، قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ: فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. أَحَدُهَا: يُسْتَأْنَفُ الْحَوْلُ، وَلَا زَكَاةَ لِلْمَاضِي؛ لِنَقْصِ مِلْكِهِ عَنِ النِّصَابِ. وَالثَّانِي:
стр. 621
إِنْ كَانَ مَالُهُ نَقْدًا، زَكَّاهُ لِمَا مَضَى. وَإِنْ كَانَ مَاشِيَةً، فَلَا؛ لِأَنَّ السَّوْمَ شَرْطٌ فِي زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي الْحَيَوَانِ فِي الذِّمَّةِ. وَأَصَحُّهَا عِنْدَهُمْ: تَجِبُ الزَّكَاةُ لِمَا مَضَى مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْمُخْرَجَ كَالْبَاقِي فِي مِلْكِهِ. وَبِهَذَا قَطَعَ فِي التَّهْذِيبِ، بَلْ لَفْظُهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْإِخْرَاجِ ثَانِيًا قَبْلَ الِاسْتِرْدَادِ إِذَا كَانَ الْمُخْرَجُ بِعَيْنِهِ بَاقِيًا فِي يَدِ الْقَابِضِ. وَقَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ: إِذَا اسْتَرَدَّ وَقُلْنَا: كَأَنَّ مِلْكَهُ زَالَ، لَمْ يُزَكِّ لِمَا مَضَى، وَإِنْ قُلْنَا: يَتَبَيَّنُ أَنَّ مِلْكَهُ لَمْ يَزُلْ، زَكَّى لِمَا مَضَى. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الثَّانِي: الشَّاةُ الْمَقْبُوضَةُ حَصَلَتِ الْحَيْلُولَةُ بَيْنَ الْمَالِكِ وَبَيْنَهَا، فَيَجِيءُ فِيهَا الْخِلَافُ فِي الْمَغْصُوبِ وَالْمَجْحُودِ.
وَكَلَامُ الْعِرَاقِيِّينَ يُشْعِرُ بِجَرَيَانِ الْأَوْجُهِ بَعْدَ تَسْلِيمِ زَوَالِ الْمِلْكِ عَنِ الْمُعَجَّلِ. وَكَيْفَ كَانَ، فَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْمُعْظَمِ وُجُوبُ تَجْدِيدِ الزَّكَاةِ لِلْمَاضِي. أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُخْرَجُ تَالِفًا فِي يَدِ الْقَابِضِ، فَقَدْ صَارَ الضَّمَانُ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا تَجْدِيدَ الزَّكَاةِ إِذَا كَانَ بَاقِيًا، جَاءَ هُنَا قَوْلَا وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الدَّيْنِ. هَذَا إِذَا كَانَ الْمُزَكَّى نَقْدًا، فَإِنْ كَانَ مَاشِيَةً لَمْ تَجِبِ الزَّكَاةُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْقَابِضِ الْقِيمَةُ، فَلَا يَكْمُلُ هُنَا نِصَابُ الْمَاشِيَةِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: تُقَامُ الْقِيمَةُ مَقَامَ الْعَيْنِ هُنَا نَظَرًا لِلْمَسَاكِينِ، وَالصَّحِيحُ: الْأَوَّلُ.
فَرْعٌ
لَوْ عَجَّلَ بِنْتَ مَخَاضٍ عَنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ بِالتَّوَالُدِ سِتًّا وَثَلَاثِينَ قَبْلَ الْحَوْلِ - لَمْ يُجْزِئْهُ بِنْتُ الْمَخَاضِ مُعَجَّلَةً وَإِنْ صَارَتْ بِنْتَ لَبُونٍ فِي يَدِ الْقَابِضِ، بَلْ يَسْتَرِدُّهَا وَيُخْرِجُهَا ثَانِيًا أَوْ بِنْتَ لَبُونٍ أُخْرَى. قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ لِنَفْسِهِ: فَإِنْ كَانَ الْمُخْرَجُ تَالِفًا وَالنِّتَاجُ لَمْ يَزِدْ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ فَلَمْ تَكُنْ إِبِلُهُ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَّا بِالْمُخْرَجِ - وَجَبَ أَنْ لَا يَجِبُ بِنْتُ لَبُونٍ؛ لِأَنَّا إِنَّمَا نَجْعَلُ الْمُخْرَجَ كَالْقَائِمِ إِذَا وَقَعَ مَحْسُوبًا عَنِ الزَّكَاةِ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَقَعْ فَلَا، بَلْ هُوَ كَهَلَاكِ بَعْضِ الْمَالِ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَفِيمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ عَنِ الْعِرَاقِيِّينَ مَا يُنَازِعُ فِي هَذَا.
стр. 622
بَابُ حُكْمِ تَأْخِيرِ الزَّكَاةِ
إِذَا تَمَّ حَوْلُ الْمَالِ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِي زَكَاتِهِ الْحَوْلُ وَتَمَكَّنَ مِنَ الْأَدَاءِ، وَجَبَ عَلَى الْفَوْرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. فَإِنْ أَخَّرَ، عَصَى وَدَخَلَ فِي ضَمَانِهِ. فَلَوْ تَلِفَ الْمَالُ بَعْدَ ذَلِكَ لَزِمَهُ الضَّمَانُ، سَوَاءٌ تَلِفَ بَعْدَ مُطَالَبَةِ السَّاعِي أَوِ الْفُقَرَاءِ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ. وَلَوْ تَلِفَ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَتْلَفَهُ الْمَالِكُ لَزِمَهُ الضَّمَانُ. وَإِنْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ، بُنِيَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ التَّمَكُّنَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ أَوْ فِي الضَّمَانِ. إِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَلَا زَكَاةَ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، وَقُلْنَا: الزَّكَاةُ تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ - فَلَا زَكَاةَ، وَإِنْ قُلْنَا: تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، انْتَقَلَ حَقُّ الْمُسْتَحِقِّينَ إِلَى الْقِيمَةِ، كَمَا إِذَا قَتَلَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ أَوِ الْمَرْهُونَ، يَنْتَقِلُ الْحَقُّ إِلَى الْقِيمَةِ.
فَرْعٌ
إِمْكَانُ الْأَدَاءِ شَرْطٌ فِي الضَّمَانِ قَطْعًا، وَهَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ أَيْضًا؟ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَالثَّانِي: شَرْطٌ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَاحْتَجُّوا لِلْأَظْهَرِ بِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ الْإِمْكَانُ فَابْتَدَأَ الْحَوْلُ الثَّانِي، يُحْسَبُ مِنْ تَمَامِ الْأَوَّلِ لَا مِنْ (حُصُولِ) الْإِمْكَانِ.
فَرْعٌ
الْأَوْقَاصُ الَّتِي بَيْنَ النُّصُبِ فِيهَا قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا أَنَّهَا عَفْوُ، وَالْفَرْضُ
стр. 623
يَتَعَلَّقُ بِالنِّصَابِ خَاصَّةً.
وَالثَّانِي: يَنْبَسِطُ الْفَرْضُ عَلَيْهَا وَعَلَى النِّصَابِ، فَإِذَا مَلَكَ تِسْعًا مِنَ الْإِبِلِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ، عَلَيْهِ شَاةٌ فِي خَمْسٍ مِنْهَا، لَا بِعَيْنِهَا، وَعَلَى الثَّانِي: الشَّاةُ وَاجِبَةٌ فِي الْجَمِيعِ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْوَجْهُ عِنْدِي أَنْ تَكُونَ الشَّاةُ مُتَعَلِّقَةً بِالْجَمِيعِ قَطْعًا، وَأَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّ الْوَقَصَ إِنَّمَا يُجْعَلُ وِقَايَةً لِلنِّصَابِ، كَمَا يُجْعَلُ الرِّبْحُ فِي الْقِرَاضِ وِقَايَةً لِرَأْسِ الْمَالِ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَنٌ، لَكِنَّ الْمَذْهَبَ الْمَشْهُورَ مَا قَدَّمْنَاهُ.
فَرْعٌ
لَوْ تَمَّ الْحَوْلُ عَلَى خَمْسٍ مِنَ الْإِبِلِ، فَتَلِفَ وَاحِدٌ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، فَلَا زَكَاةَ لِلتَّالِفِ، وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ، فَإِنْ قُلْنَا: التَّمَكُّنُ شَرْطٌ فِي الْوُجُوبِ، فَلَا شَيْءَ فِيهَا، وَإِنْ قُلْنَا: لِلضَّمَانِ فَقَطْ وَجَبَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ شَاةٍ. وَلَوْ تَلِفَ أَرْبَعٌ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا شَيْءَ، وَعَلَى الثَّانِي: يَجِبُ خُمُسُ شَاةٍ، وَلَوْ مَلَكَ ثَلَاثِينَ مِنَ الْبَقَرِ، فَتَلِفَ خَمْسٌ قَبْلَ الْإِمْكَانِ وَبَعْدَ الْحَوْلِ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَلَا شَيْءَ، وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي، وَجَبَ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ تَبِيعٍ، وَلَوْ تَمَّ الْحَوْلُ عَلَى تِسْعٍ مِنَ الْإِبِلِ، فَتَلِفَ أَرْبَعٌ قَبْلَ التَّمَكُّنِ، فَإِنْ قُلْنَا: الْإِمْكَانُ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ، فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلضَّمَانِ وَالْوَقَصُ عَفْوٌ، فَشَاةٌ أَيْضًا، وَإِنْ قُلْنَا: يَنْبَسِطُ، فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: يَجِبُ خَمْسَةُ أَتْسَاعِ شَاةٍ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يَجِبُ شَاةٌ كَامِلَةٌ. وَلَوْ كَانَتِ الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا، وَتَلِفَتْ خَمْسٌ، فَإِنْ قُلْنَا: الْإِمْكَانُ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ، فَلَا شَيْءَ، وَإِنْ قُلْنَا: لِلضَّمَانِ، وَقُلْنَا: الْوَقَصُ عَفْوٌ، فَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ شَاةٍ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْبَسْطِ، فَأَرْبَعَةُ أَتْسَاعِ شَاةٍ، وَلَا يَجِيءُ وَجْهُ أَبِي إِسْحَاقَ. وَلَوْ مَلَكَ ثَمَانِينَ مِنَ الْغَنَمِ، فَتَلِفَ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ أَرْبَعُونَ، فَإِنْ قُلْنَا: التَّمَكُّنُ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلضَّمَانِ، وَالْوَقَصُ عَفْوٌ - فَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَإِنْ قُلْنَا بِالضَّمَانِ وَالْبَسْطِ، فَنِصْفُ شَاةٍ، وَعَلَى وَجْهِ أَبِي إِسْحَاقَ: شَاةٌ.
стр. 624
فَرْعٌ
إِمْكَانُ الْأَدَاءِ، لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ مُجَرَّدَ تَمَكُّنِهِ مِنْ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ، بَلْ يُعْتَبَرُ مَعَهُ وُجُوبُ الْإِخْرَاجِ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَجْتَمِعَ شَرَائِطُهُ.
فَمِنْهَا: أَنْ يَكُونَ الْمَالُ حَاضِرًا عِنْدَهُ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا، لَمْ يَجِبِ الْإِخْرَاجُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ وَإِنْ جَوَّزْنَا نَقْلَ الزَّكَاةِ.
وَمِنْهَا: أَنْ يَجِدَ الْمَصْرُوفَ إِلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَمْوَالَ ظَاهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ، فَالْبَاطِنَةُ يَجُوزُ صَرْفُ زَكَاتِهَا إِلَى السُّلْطَانِ وَنَائِبِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَهَا بِنَفْسِهِ، فَيَكُونُ وَاجِدًا لِلْمَصْرُوفِ إِلَيْهِ، سَوَاءٌ وَجَدَ أَهْلَ السُّهْمَانِ، أَوِ الْإِمَامَ، أَوْ نَائِبَهُ، يُفَرِّقُهَا، وَأَمَّا الْأَمْوَالُ الظَّاهِرَةُ فَكَذَلِكَ إِنْ جَوَّزْنَا تَفْرِقَتَهَا بِنَفْسِهِ، وَإِلَّا فَلَا إِمْكَانَ حَتَّى يَجِدَ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ، وَإِذَا وَجَدَ مَنْ يَجُوزُ الصَّرْفُ إِلَيْهِ فَأَخَّرَ لِطَلَبِ الْأَفْضَلِ، بِأَنْ وَجَدَ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ فَأَخَّرَ لِيُفَرِّقَ بِنَفْسِهِ حَيْثُ قُلْنَا: إِنَّهُ أَفْضَلُ، أَوْ وَجَدَ أَهْلَ السُّهْمَانِ، فَأَخَّرَ لِيَدْفَعَ إِلَى الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، حَيْثُ قُلْنَا: إِنَّهُ أَفْضَلُ، أَوْ أَخَّرَ لِانْتِظَارِ قَرِيبٍ أَوْ جَارٍ، أَوْ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ - فَفِي التَّأْخِيرِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: جَوَازُهُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَخَّرَ فَتَلِفَ كَانَ ضَامِنًا فِي الْأَصَحِّ. قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الْوَجْهَانِ لَهُمَا شَرْطَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَظْهَرَ اسْتِحْقَاقُ الْحَاضِرِينَ، فَإِنْ تَرَدَّدَ فِي اسْتِحْقَاقِهِمْ فَأَخَّرَ لِيَتَرَوَّى، جَازَ بِلَا خِلَافٍ، وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَشْتَدَّ ضَرَرُ الْحَاضِرِينَ وَفَاقَتُهُمْ، فَإِنْ تَضَرَّرُوا بِالْجُوعِ، لَمْ يَجُزِ التَّأْخِيرُ لِلْقَرِيبِ وَشَبَهِهِ بِلَا خِلَافٍ، وَفِي هَذَا الشَّرْطِ الثَّانِي نَظَرٌ، فَإِنَّ إِشْبَاعَهُمْ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَى هَذَا الشَّخْصِ، وَلَا مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَلَا مِنْ مَالِ الزَّكَاةِ.
قُلْتُ: هَذَا النَّظَرُ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَغَيْرُهُ: وَيُشْتَرَطُ فِي إِمْكَانِ الْأَدَاءِ أَنْ لَا يَكُونُ مُشْتَغِلًا بِشَيْءٍ يُهِمُّهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ.
стр. 625
فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِالْمَالِ
قَالَ الْجُمْهُورُ: فِيهِ قَوْلَانِ. الْقَدِيمُ: يَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ، وَالْجَدِيدُ الْأَظْهَرُ: بِالْعَيْنِ، وَيَصِيرُ الْمَسَاكِينُ شُرَكَاءَ لِرَبِّ الْمَالِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ. هَكَذَا صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ، وَزَادَ آخَرُونَ قَوْلًا ثَالِثًا أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالْمَرْهُونِ، وَقَوْلًا رَابِعًا: تَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ تَعَلُّقَ الْأَرْشِ بِرَقَبَةِ الْجَانِي، وَمِمَّنْ زَادَ الْقَوْلَيْنِ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ. وَأَمَّا الْعِرَاقِيُّونَ وَالصَّيْدَلَانِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالْجُمْهُورُ، فَجَعَلُوا قَوْلَ الذِّمَّةِ وَتَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالْمَرْهُونِ شَيْئًا وَاحِدًا، فَقَالُوا: تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ، وَالْمَالُ مُرْتَهَنٌ بِهَا، وَجَمَعَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ، فَحَكَى وَجْهَيْنِ، فِي أَنَّا إِذَا قُلْنَا: تَتَعَلَّقُ بِالذِّمَّةِ، فَهَلِ الْمَالُ خُلُوٌّ، أَمْ هُوَ رَهْنٌ بِهَا؟ وَإِذَا قُلْنَا كَتَعَلُّقِ الرَّهْنِ إِمَّا قَوْلًا بِرَأْسِهِ وَإِمَّا جُزْءًا مِنْ قَوْلِ الذِّمَّةِ، فَهَلْ يُجْعَلُ جَمِيعُ الْمَالِ مَرْهُونًا بِهَا، أَمْ يُخَصُّ قَدْرُ الزَّكَاةِ بِالرَّهْنِ؟ وَجْهَانِ، وَكَذَا إِذَا قُلْنَا: كَتَعَلُّقِ الْأَرْشِ، فَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِالْجَمِيعِ، أَمْ بِقَدْرِهَا؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَالتَّخْصِيصُ بِقَدْرِ الزَّكَاةِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ، وَمَا عَدَاهُ هَفْوَةٌ. هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الْوَاجِبُ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ. أَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ، كَالشَّاةِ الْوَاجِبَةِ فِي الْإِبِلِ، فَطَرِيقَانِ. أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِتَعَلُّقِهَا بِالذِّمَّةِ، وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ، فَعَلَى الِاسْتِئْنَافِ لَا يَخْتَلِفُ، وَعَلَى الشَّرِكَةِ يُشَارِكُونَ بِقِيمَةِ الشَّاةِ.
стр. 626
فَرْعٌ
إِذَا بَاعَ مَالَ الزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْلِ قَبْلَ إِخْرَاجِهَا، فَإِنْ بَاعَ جَمِيعَهُ فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ؟ يُبْنَى عَلَى الْأَقْوَالِ. فَإِنْ قُلْنَا: الزَّكَاةُ فِي الذِّمَّةِ وَالْمَالُ خُلُوٌ مِنْهَا، صَحَّ، وَإِنْ قُلْنَا: مَرْهُونٌ فَقَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ: يَصِحُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْعَلَقَةَ، تَثْبُتُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمَالِكِ، وَلَيْسَتْ لِمُعَيَّنٍ، فَسُومِحَ فِيهَا بِمَا لَا يُسَامَحُ بِهِ فِي الرَّهْنِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالشَّرِكَةِ فَطَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا: الْقَطْعُ بِالْبُطْلَانِ، وَأَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ: فِي صِحَّتِهِ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ وَعَامَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ: الْبَطَلَانُ، وَإِنْ قُلْنَا تَعَلُّقَ الْأَرْشِ فَفِي صِحَّتِهِ الْقَوْلَانِ فِي بَيْعِ الْجَانِي، فَإِنْ صَحَّحْنَاهُ صَارَ الْبَيْعُ مُلْتَزِمًا لِلْفِدَاءِ، وَمَتَى حَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ، فَمَا سِوَاهُ أَوْلَى، وَمَتَى حَكَمْنَا فِيهِ بِالْبُطْلَانِ، فَهَلْ يَبْطُلُ فِيمَا سِوَاهُ؟ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الشَّرِكَةِ فَفِيمَا سِوَاهُ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِيثَاقِ فِي الْجَمِيعِ، بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ، وَإِنْ قُلْنَا بِالِاسْتِيثَاقِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ، فَفِي الزَّائِدِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَحَيْثُ مَنَعْنَا الْبَيْعُ، وَكَانَ الْمَالُ ثَمَرَةً، فَذَلِكَ قَبْلَ الْخَرْصِ، فَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا مَنْعَ إِنْ قُلْنَا: الْخَرْصُ تَضْمِينٌ.
وَالْحَاصِلُ مِنْ جَمِيعِ هَذَا الْخِلَافِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: الْبُطْلَانُ فِي الْجَمِيعِ، وَالثَّانِي: الصِّحَّةُ فِي الْجَمِيعِ، وَأَظْهَرُهَا الْبُطْلَانُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ، وَالصِّحَّةُ فِي الْبَاقِي. فَإِنْ صَحَّحْنَا الْبَيْعَ فِي الْجَمِيعِ، نُظِرَ، إِنْ أَدَّى الْبَائِعُ الزَّكَاةَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَذَلِكَ، وَإِلَّا فَلِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ عَيْنِ الْمَالِ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي قَدْرَ الزَّكَاةِ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ بِلَا خِلَافٍ. فَإِنَّ أَخَذَ، انْفَسَخَ الْبَيْعُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ، وَهَلْ يَنْفَسِخُ فِي الْبَاقِي؟ فِيهِ الْخِلَافُ فِي تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الدَّوَامِ. فَإِنْ قُلْنَا: يَنْفَسِخُ
стр. 627
اسْتَرَدَّ الثَّمَنَ، وَإِلَّا فَلَهُ الْخِيَارُ إِنْ كَانَ جَاهِلًا، فَإِنْ فُسِخَ فَذَاكَ، وَإِنْ أَجَازَ فِي الْبَاقِي فَيَأْخُذُهُ بِقِسْطِهِ مِنَ الثَّمَنِ، أَمْ بِالْجَمِيعِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: بِقِسْطِهِ، وَلَوْ لَمْ يَأْخُذِ السَّاعِي الْوَاجِبَ مِنْهُ، وَلَمْ يُؤَدِّ الْبَائِعُ الزَّكَاةَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَالْأَصَحُّ أَنَّ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارَ إِذَا عَلِمَ الْحَالَ، وَالثَّانِي: لَا خِيَارَ لَهُ. فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ، فَأَدَّى الْبَائِعُ الْوَاجِبَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَهَلْ يَسْقُطُ الْخِيَارُ؟ وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَسْقُطُ كَمَا لَوِ اشْتَرَى مَعِيبًا فَزَالَ عَيْبُهُ قَبْلَ الرَّدِّ، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ، وَالثَّانِي: لَا يَسْقُطُ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُخْرِجَ مَا دَفَعَهُ إِلَى السَّاعِي مُسْتَحَقًّا، فَيَرْجِعُ السَّاعِي إِلَى عَيْنِ الْمَالِ، وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِيمَا إِذَا بَاعَ السَّيِّدُ الْجَانِيَ ثُمَّ فَدَاهُ، هَلْ يَبْقَى لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ؟ أَمَّا إِذَا أَبْطَلْنَا الْبَيْعَ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ وَصَحَّحْنَاهُ فِي الْبَاقِي، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ فِي الْبَاقِي وَإِجَازَتِهِ، وَلَا يَسْقُطُ خِيَارُهُ بِأَدَاءِ الْبَائِعِ الزَّكَاةَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، وَإِذْ أَجَازَ فَيُجِيزُ بِقِسْطِهِ أَمْ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؟ فِيهِ الْقَوْلَانِ الْمُقَدَّمَانِ، وَقَطَعَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، بِأَنَّهُ يُجِيزُ بِالْجَمِيعِ فِي الْمَوَاشِي، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.
هَذَا كُلُّهُ إِذَا بَاعَ جَمِيعَ الْمَالِ، فَإِنْ بَاعَ بَعْضَهُ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ قَدْرُ الزَّكَاةِ - فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ الْجَمِيعَ، وَإِنْ بَقِيَ قَدْرُ الزَّكَاةِ إِمَّا بِنِيَّةِ صَرْفِهِ إِلَى الزَّكَاةِ وَإِمَّا بِغَيْرِهَا، فَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى قَوْلِ الشَّرِكَةِ، فَفِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَجْهَانِ. قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ: أَقْيَسُهُمَا: الْبُطْلَانُ، وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى كَيْفِيَّةِ ثُبُوتِ الشَّرِكَةِ، وَفِيهَا وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا أَنَّ الزَّكَاةَ شَائِعَةٌ فِي الْجَمِيعِ، مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الشِّيَاهِ بِالْقِسْطِ، وَالثَّانِي أَنَّ مَحَلَّ الِاسْتِحْقَاقِ قَدْرُ الْوَاجِبِ، وَيَتَعَيَّنُ بِالْإِخْرَاجِ.
أَمَّا إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى قَوْلِ الرَّهْنِ، فَيُبْنَى عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ مَرْهُونٌ أَمْ قَدْرُ الزَّكَاةِ فَقَطْ؟ فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا يَصِحُّ، وَعَلَى الثَّانِي: يَصِحُّ، وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى تَعَلُّقِ الْأَرْشِ، فَإِنْ صَحَّحْنَا بَيْعَ الْجَانِي صَحَّ هَذَا الْبَيْعُ، وَإِلَّا فَالتَّفْرِيعُ، كَالتَّفْرِيعِ عَلَى قَوْلِ الرَّهْنِ. وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ فِي بَيْعِ الْمَالِ الَّذِي تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ. فَأَمَّا بَيْعُ مَالِ التِّجَارَةِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَسَيَأْتِي فِي بَابِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 628
فَرْعٌ
إِذَا مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً، فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، وَلَمْ يُخْرِجْ زَكَاتَهَا حَتَّى حَالَ آخَرُ، فَإِنْ حَدَثَ مِنْهَا فِي كُلِّ حَوْلٍ سَخْلَةٌ فَصَاعِدًا، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ حَوْلٍ شَاةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَإِلَّا فَعَلَيْهِ شَاةٌ عَنِ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا الثَّانِي: فَإِنْ قُلْنَا: تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الذِّمَّةِ، وَكَانَ يَمْلِكُ سِوَى الْغَنَمِ مَا يَفِي بِشَاةٍ - وَجَبَ شَاةٌ لِلْحَوْلِ الثَّانِي، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا غَيْرَ النَّصَّابِ، يُبْنَى عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ أَمْ لَا؟ إِنْ قُلْنَا: يَمْنَعُ لَمْ يَجِبْ لِلْحَوْلِ الثَّانِي شَيْءٌ وَإِلَّا وَجَبَتْ شَاةٌ، وَإِنْ قُلْنَا: يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ تَعَلُّقَ الشَّرِكَةِ لَمْ يَجِبْ لِلْحَوْلِ الثَّانِي شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمَسَاكِينَ مَلَكُوا شَاةً نَقَصَ بِهَا النِّصَابُ، وَلَا تَجِبُ زَكَاةُ الْخُلْطَةِ؛ لِأَنَّ الْمَسَاكِينَ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمْ، فَمُخَالَطَتُهُمْ كَمُخَالَطَةِ الْمُكَاتَبِ وَالذِّمِّيِّ، وَإِنْ قُلْنَا: يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ تَعَلُّقَ الرَّهْنِ أَوِ الْأَرْشِ، قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: فَهُوَ كَالتَّفْرِيعِ عَلَى قَوْلِ الذِّمَّةِ، وَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: هُوَ كَقَوْلِ الشَّرِكَةِ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُفْرَضَ خِلَافٌ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ مِنْ جِهَةِ تَسَلُّطِ الْغَيْرِ عَلَيْهِ وَإِنْ قُلْنَا: الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ. وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَجْرِي الْخِلَافُ عَلَى قَوْلِ الذِّمَّةِ، أَيْضًا. وَلَوْ مَلَكَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مِنَ الْإِبِلِ حَوْلَيْنِ وَلَا نِتَاجَ، فَإِنْ عَلَّقْنَا الزَّكَاةَ بِالذِّمَّةِ وَقُلْنَا: الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُهَا، أَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ آخَرُ يَفِي بِهَا - فَعَلَيْهِ بِنْتَا مَخَاضٍ، وَإِنْ قُلْنَا بِالشَّرِكَةِ فَعَلَيْهِ لِلْحَوْلِ الْأَوَّلِ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَلِلثَّانِي: أَرْبَعُ شِيَاهٍ، وَتَفْرِيعُ الْأَرْشِ وَالرَّهْنِ عَلَى قِيَاسِ مَا سَبَقَ. وَلَوْ مَلَكَ خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ حَوْلَيْنِ بِلَا نِتَاجٍ فَالْحُكْمُ كَمَا فِي الصُّورَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ. لَكِنْ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مِنَ الْأَصْحَابِ مَنْ لَمْ يُثْبِتْ قَوْلَ الشَّرِكَةِ إِذَا كَانَ الْوَاجِبُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْأَصْلِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مُطْلَقًا كَالْحُكْمِ فِي الْأُولَيَيْنِ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِ الذِّمَّةِ، وَالْمَذْهَبُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ؛ وَلِهَذَا يَجُوزُ لِلسَّاعِي أَنْ يَبِيعَ جُزْءًا مِنَ الْإِبِلِ فِي الشِّيَاهِ، فَدَلَّ عَلَى تَعَلُّقِ الْحَقِّ بِعَيْنِهَا.
стр. 629
فَرْعٌ
إِذَا رَهَنَ مَالَ الزَّكَاةِ، فَتَارَةً يَرْهَنُهُ بَعْدَ تَمَامِ الْحَوَلِ، وَتَارَةً قَبْلَهُ، فَإِنْ رَهَنَهُ بَعْدَ الْحَوَلِ فَالْقَوْلُ فِي صِحَّةِ الرَّهْنِ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ كَالْقَوْلِ فِي صِحَّةِ بَيْعِهِ، فَيَعُودُ فِيهِ جَمِيعُ مَا قَدَّمْنَاهُ، فَإِذَا صَحَّحْنَا فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ فَمَا زَادَ أَوْلَى، وَإِنْ أَبْطَلْنَاهُ فِيهِ فَالْبَاقِي يُرَتَّبُ عَلَى الْبَيْعِ؛ إِنْ صَحَّحْنَاهُ فَالرَّهْنُ أَوْلَى، وَإِلَّا فَقَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ فِي الرَّهْنِ إِذَا جَمَعَ حَلَالًا وَحَرَامًا، فَإِذَا صَحَّحْنَا الرَّهْنَ فِي الْجَمِيعِ فَلَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ فَلِلسَّاعِي أَخْذُهَا مِنْهُ. فَإِذَا أَخَذَ انْفَسَخَ الرَّهْنُ فِيهِ، وَفِي الْبَاقِي الْخِلَافُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَيْعِ، وَإِذَا أَبْطَلْنَاهُ فِي الْجَمِيعِ أَوْ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ، وَكَانَ الرَّهْنُ مَشْرُوطًا فِي بَيْعِهِ، فَفِي فَسَادِ الْبَيْعِ قَوْلَانِ، فَإِنْ لَمْ يَفْسَدْ فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، وَلَا يَسْقُطْ خِيَارُهُ بِأَدَاءِ الزَّكَاةِ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، أَمَّا إِذَا رَهَنَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ فَتَمَّ، فَفِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ خِلَافٌ قَدَّمْنَاهُ، وَالرَّهْنُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِدَيْنٍ، وَفِي كَوْنِ الدَّيْنِ مَانِعًا مِنَ الزَّكَاةِ الْخِلَافُ الْمَعْرُوفُ، فَإِنْ قُلْنَا: الرَّهْنُ لَا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ، وَقُلْنَا: الدَّيْنُ لَا يَمْنَعُ أَيْضًا، أَوْ قُلْنَا: يَمْنَعُ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ آخَرُ يَفِي بِالدَّيْنِ - وَجَبَتِ الزَّكَاةُ، وَإِلَّا فَلَا. ثُمَّ إِنْ لَمْ يَمْلِكِ الرَّاهِنُ مَالًا آخَرَ أُخِذَتِ الزَّكَاةُ مِنْ عَيْنِ الْمَرْهُونِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ عَلَى الثَّانِي. فَعَلَى الْأَصَحِّ: لَوْ كَانَتِ الزَّكَاةُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَالِ كَالشَّاةِ مِنَ الْإِبِلِ - بِيعَ جُزْءٌ مِنَ الْمَالِ فِيهَا. وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْوَاجِبُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ أُخِذَ مِنَ الْمَرْهُونِ قَطْعًا، ثُمَّ إِذَا أُخِذَتِ الزَّكَاةُ مِنْ عَيْنِ الْمَرْهُونِ فَأَيْسَرَ الرَّاهِنُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ قَدْرُهَا لِيَكُونَ رَهْنًا عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ؟ إِنْ عَلَّقْنَا الزَّكَاةَ بِالذِّمَّةِ، أُخِذَ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى الْأَصَحِّ. فَإِذَا قُلْنَا بِالْأَخْذِ، وَكَانَ النَّصَّابُ مِثْلِيًّا، أُخِذَ الْمِثْلُ، وَإِلَّا فَالْقِيمَةُ عَلَى قَاعِدَةِ الْغَرَامَاتِ. أَمَّا إِذَا مَلَكَ مَالًا آخَرَ،
стр. 630
فَالْمَذْهَبُ وَالَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الزَّكَاةَ تُؤْخَذُ مِنْ سَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَلَا تُؤْخَذُ مِنْ عَيْنِ الْمَرْهُونِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: تُؤْخَذُ مِنْ عَيْنِهِ إِنْ عَلَّقْنَاهَا بِالْعَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ فِدَاءُ الْمَرْهُونِ إِذَا جَنَى.
بَابُ زَكَاةِ الْمُعْشِرَاتِ
تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْأَقْوَاتِ، وَهِيَ مِنَ الثِّمَارِ: النَّخْلُ وَالْعِنَبُ، وَمِنَ الْحُبُوبِ: الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ، وَالْأُرْزُ، وَالْعَدَسُ، وَالْحِمَّصُ، وَالْبَاقِلَاءُ، وَالدُّخْنُ، وَالذُّرَةُ، وَاللُّوبْيَاءُ وَالْمَاشُ، وَالْهُرْطُمَانُ وَهُوَ الْجُلْبَانُ. وَأَمَّا مَا سِوَى الْأَقْوَاتِ فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مُعْظَمِهَا بِلَا خِلَافٍ، وَفِي بَعْضِهَا خِلَافٌ. فَمِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ: التِّينُ، وَالسَّفَرْجَلُ، وَالْخَوْخُ، وَالتُّفَّاحُ، وَالْجَوْزُ، وَاللَّوْزُ، وَالرُّمَّانُ، وَغَيْرُهَا مِنَ الثِّمَارِ، وَكَالْقُطْنِ، وَالْكَتَّانِ، وَالسِّمْسِمِ، وَالْإِسْبِيُوشِ وَهُوَ بِزْرُ الْقَطُونَا، وَالثُّفَّاءُ وَهُوَ حَبُّ الرَّشَادِ، وَالْكَمُّونُ، وَالْكُزْبَرَةُ، وَالْبِطِّيخُ، وَالْقِثَّاءُ، وَالسِّلْقُ، وَالْجَزَرُ، وَالْقُنَّبِيطُ، وَحُبُوبُهَا وَبُزُورُهَا. وَمِنَ الْمُخْتَلِفِ فِيهِ: الزَّيْتُونُ، فَالْجَدِيدُ الْمَشْهُورُ: لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَالْقَدِيمُ: تَجِبُ بِبُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَهُوَ نُضْجُهُ وَاسْوِدَادُهُ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ النِّصَابُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَخَرَّجَ ابْنُ الْقَطَّانِ اعْتِبَارَ النِّصَابِ فِيهِ وَفِي سَائِرِ مَا يَخْتَصُّ الْقَدِيمُ بِإِيجَابِ الزَّكَاةِ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ. ثُمَّ إِنْ كَانَ الزَّيْتُونُ مِمَّا لَا يَجِيءُ مِنْهُ الزَّيْتُ كَالْبَغْدَادِيِّ، أَخْرَجَ عُشْرَهُ زَيْتُونًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَجِيءُ مِنْهُ الزَّيْتُ كَالشَّامِيِّ فَثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ، الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ إِنْ شَاءَ الزَّيْتُ، وَإِنْ شَاءَ الزَّيْتُونُ، وَالزَّيْتُ أَوْلَى، وَالثَّانِي: يَتَعَيَّنُ الزَّيْتُ، وَالثَّالِثُ: يَتَعَيَّنُ الزَّيْتُونُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ النِّصَابُ بِالزَّيْتُونِ دُونَ الزَّيْتِ بِالِاتِّفَاقِ.
стр. 631
وَمِنْهَا: الزَّعْفَرَانُ، وَالْوَرْسُ وَهُوَ شَجَرٌ يُخْرِجُ شَيْئًا كَالزَّعْفَرَانِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِمَا عَلَى الْجَدِيدِ الْمَشْهُورِ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: تَجِبُ إِنْ صَحَّ الْحَدِيثُ فِي الْوَرْسِ. فَإِنْ أَوْجَبْنَا فِيهِ فَفِي الزَّعْفَرَانِ قَوْلَانِ، فَإِنْ أَوْجَبْنَا فِيهِمَا فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ النِّصَابُ، بَلْ تَجِبُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلَانِ.
وَمِنْهَا: الْعَسَلُ، لَا زَكَاةَ فِيهِ عَلَى الْجَدِيدِ، وَعُلِّقَ الْقَوْلُ فِيهِ عَلَى الْقَدِيمِ، وَقَطَعَ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ بِنَفْيِ الزَّكَاةِ فِيهِ قَدِيمًا وَجَدِيدًا. فَإِنْ أَوْجَبْنَا فَاعْتِبَارُ النِّصَابِ كَمَا سَبَقَ.
وَمِنْهَا: الْقِرْطِمُ وَهُوَ حَبُّ الْعُصْفُرِ، الْجَدِيدُ: لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَالْقَدِيمُ: تَجِبُ. فَعَلَى هَذَا، الْمَذْهَبُ: اعْتِبَارُ النِّصَابِ كَسَائِرِ الْحُبُوبِ، وَفِي الْعُصْفُرِ نَفْسِهِ طَرِيقَانِ. قِيلَ: كَالْقِرْطِمِ، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ قَطْعًا.
وَمِنْهَا: التُّرْمُسُ، الْجَدِيدُ: لَا زَكَاةَ فِيهِ، وَالْقَدِيمُ: تَجِبُ. وَمِنْهَا: حَبُّ الْفِجْلِ، حَكَى ابْنُ كَجٍّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهِ عَلَى الْقَدِيمِ، وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ.
فَرْعٌ
لَا يَكْفِي فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ كَوْنُ الشَّيْءِ مُقْتَاتًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلِ الْمُعْتَبَرُ أَنْ يُقْتَاتَ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ، فَقَدْ يُقْتَاتُ الشَّيْءُ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، كَالْفَثِّ، وَحَبِّ الْحَنْظَلِ، وَسَائِرِ بُزُورِ الْبَرِّيَّةِ. وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْفَثِّ، فَقَالَ الْمُزَنِيُّ وَطَائِفَةٌ: هُوَ حَبُّ الْغَاسُولِ، وَهُوَ الْأُشْنَانُ، وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ حَبٌّ أَسْوَدُ يَابِسٌ، يُدْفَنُ فَيَلِينُ قِشْرُهُ، فَيُزَالُ وَيُطْحَنُ، وَيُخْبَزُ، تَقْتَاتُهُ أَعْرَابُ طَيِّئٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَئِمَّةَ ضَبَطُوا مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ بِقَيْدَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قُوتًا، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ مَا يُنْبِتُهُ الْآدَمِيُّونَ. قَالُوا: فَإِنْ فُقِدَ الْأَوَّلُ كَالْإِسْبِيُوشِ، أَوِ الثَّانِي كَالْفَثِّ، أَوْ كِلَاهُمَا كَالثُّفَّاءِ، فَلَا زَكَاةَ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى ذِكْرِ الْقَيْدَيْنِ مَنْ
стр. 632
أَطْلَقَ الْقَيْدَ الْأَوَّلَ. فَأَمَّا مَنْ قَيَّدَهُ فَقَالَ: يَكُونُ قُوتًا فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الثَّانِي؛ إِذْ لَيْسَ فِيمَا يُسْتَنْبَتُ إِلَّا مَا يُقْتَاتُ اخْتِيَارًا، وَاعْتَبَرَ الْعِرَاقِيُّونَ مَعَ الْقَيْدَيْنِ، قَيْدَيْنِ آخَرَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يُدَّخَرَ، وَالْآخَرُ: أَنْ يَيْبَسَ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِمَا، فَإِنَّهُمَا لَازِمَانِ لِكُلِّ مُقْتَاتٍ مُسْتَنْبِتٍ.
فَصْلٌ
النِّصَابُ مُعْتَبَرٌ فِي الْمُعَشَّرَاتِ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، وَالْوَسْقُ: سِتُّونَ صَاعًا، وَالصَّاعُ: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٍ بِالْبَغْدَادِيِّ. فَالْخَمْسَةُ هِيَ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ تَحْدِيدٌ، وَقِيلَ: تَقْرِيبٌ. فَعَلَى التَّقْرِيبِ يُحْتَمَلُ نُقْصَانُ الْقَلِيلِ كَالرِّطْلَيْنِ، وَحَاوَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ ضَبْطُهُ فَقَالَ: الْأَوْسُقُ: الْأَوْقَارُ، وَالْوِقْرُ الْمُقْتَصِدُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَعِشْرُونَ رِطْلًا، فَكُلُّ نَقْصٍ لَوْ وُزِّعَ عَلَى الْأَوْسُقِ الْخَمْسَةِ لَمْ تَعُدْ مُنْحَطَّةً عَنْ حَدِّ الِاعْتِدَالِ، لَا يَضُرُّ، وَإِنْ عُدَّتْ مُنْحَطَّةً، ضَرَّ، وَإِنْ أَشْكَلَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا زَكَاةَ حَتَّى تُحَقَّقَ الْكَثْرَةُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: تَجِبُ لِبَقَاءِ الْأَوْسُقِ، قَالَ: وَهَذَا أَظْهَرَ. ثُمَّ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الِاعْتِبَارُ فِيمَا عَلَّقَهُ الشَّرْعُ بِالصَّاعِ وَالْمُدِّ بِمِقْدَارٍ مَوْزُونٍ يُضَافُ إِلَى الصَّاعِ وَالْمُدِّ، لَا لِمَا يَحْوِي الْمُدُّ وَنَحْوُهُ، وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْكَيْلِ لَا بِالْوَزْنِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ: إِلَّا الْعَسَلُ إِذَا أَوْجَبْنَا فِيهِ الزَّكَاةَ، فَالِاعْتِبَارُ فِيهِ بِالْوَزْنِ. وَتَوَسَّطَ صَاحِبُ «الْعُدَّةِ» فَقَالَ: هُوَ عَلَى التَّحْدِيدِ فِي الْكَيْلِ، وَعَلَى التَّقْرِيبِ فِي الْوَزْنِ، وَإِنَّمَا قَدَّرَهُ الْعُلَمَاءُ بِالْوَزْنِ اسْتِظْهَارًا.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ: اعْتِبَارُ الْكَيْلِ كَمَا صَحَّحَهُ، وَبِهَذَا قَطَعَ الدَّارِمِيُّ، وَصَنَّفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَصْنِيفًا، وَسَيَأْتِي فِي إِيضَاحِهِ زِيَادَةٌ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُنَاكَ نَذْكُرُ الْخِلَافَ فِي قَدْرِ رِطْلِ بَغْدَادَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ
стр. 633
وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ. فَعَلَى هَذَا، الْأَوْسُقُ الْخَمْسَةُ بِالرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ: ثَلَاثُمِائَةٍ وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَنِصْفُ رِطْلٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ وَسُبُعَا أُوقِيَّةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ الْمَمْلُوكَةُ وَالْمُسْتَأْجَرَةُ فِي وُجُوبِ الْعُشْرِ، فَيَجِبُ عَلَى مُسْتَأْجِرِ الْأَرْضِ الْعُشْرُ مَعَ الْأُجْرَةِ، وَكَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي الْأَرْضِ الْخَرَاجِيَّةِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: وَتَكُونُ الْأَرْضُ خَرَاجِيَّةً فِي صُورَتَيْنِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَفْتَحَ الْإِمَامُ بَلْدَةً قَهْرًا وَيُقَسِّمَهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ، ثُمَّ يُعَوِّضُهُمْ عَنْهَا، ثُمَّ يَقِفُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ، عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ فِيهِ.
الثَّانِيَةُ: أَنْ يَفْتَحَ بَلْدَةً صُلْحًا، عَلَى أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَيُسْكِنُهَا الْكُفَّارُ بِخَرَاجٍ مَعْلُومٍ، فَالْأَرْضُ تَكُونُ فَيْئًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَالْخَرَاجُ عَلَيْهَا أُجْرَةٌ لَا تَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ، وَهَكَذَا إِذَا انْجَلَى الْكُفَّارُ عَنْ بَلْدَةٍ وَقُلْنَا: إِنَّ الْأَرْضَ تَصِيرُ وَقْفًا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، يَضْرِبُ عَلَيْهَا خَرَاجًا يُؤَدِّيهِ مَنْ يَسْكُنُهَا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا.
فَأَمَّا إِذَا فُتِحَتْ صُلْحًا وَلَمْ يُشْرَطْ كَوْنُ الْأَرْضِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ سَكَنُوا فِيهَا بِخَرَاجٍ، فَهَذَا يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ جِزْيَةٌ، وَأَمَّا الْبِلَادُ الَّتِي فُتِحَتْ قَهْرًا وَقُسِّمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَبَقِيَتْ فِي أَيْدِيهِمْ، وَكَذَا الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا، وَالْأَرْضُ الَّتِي أَحْيَاهَا الْمُسْلِمُونَ - فَكُلُّهَا عُشْرِيَّةٌ، وَأَخْذُ الْخَرَاجِ مِنْهَا ظُلْمٌ.
стр. 634
فَرْعٌ
النَّوَاحِي الَّتِي يُؤْخَذُ مِنْهَا الْخَرَاجُ، وَلَا يُعْرَفُ كَيْفَ كَانَ حَالُهَا فِي الْأَصْلِ، حَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُسْتَدَامُ الْأَخْذُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي فَتَحَهَا صَنَعَ بِهَا كَمَا صَنَعَ عُمَرُ ﵁ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا جَرَى لِطُولِ الدَّهْرِ، جَرَى بِحَقٍّ. فَإِنْ قِيلَ: هَلْ يَثْبُتُ فِيهَا حُكْمُ أَرْضِ السَّوَادِ مِنِ امْتِنَاعِ الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ؟ قِيلَ: يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: الظَّاهِرُ فِي الْأَخْذِ كَوْنُهُ حَقًّا، وَفِي الْأَيْدِي الْمِلْكُ، فَلَا نَتْرُكُ وَاحِدًا مِنَ الظَّاهِرَيْنِ، إِلَّا بِيَقِينٍ.
فَرْعٌ
الْخَرَاجُ الْمَأْخُوذُ ظُلْمًا لَا يَقُومُ مَقَامَ الْعُشْرِ، فَإِنْ أَخَذَهُ السُّلْطَانُ عَلَى أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنِ الْعُشْرِ فَهُوَ كَأَخْذِ الْقِيمَةِ بِالِاجْتِهَادِ، وَفِي سُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا وَبِهِ قُطِعَ فِي «التَّتِمَّةِ» : السُّقُوطُ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قَدْرَ الْعُشْرِ أَخْرَجَ الْبَاقِيَ، وَذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ بَعْضَ الْمُصَنِّفِينَ حَكَى قَرِيبًا مِنْ هَذَا عَنْ أَبِي زَيْدٍ وَاسْتَبْعَدَهُ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ: السُّقُوطُ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْأُمِّ، وَبِهِ قَطَعَ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ، وَالْمَحَامِلِيِّ، وَالْمَاوَرْدِيِّ، وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ، وَمِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَنَعَهُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 635
فَصْلٌ
ثِمَارُ الْبُسْتَانِ وَغَلَّةُ الْقَرْيَةِ الْمَوْقُوفَيْنِ عَلَى الْمَسَاجِدِ، أَوِ الرِّبَاطَاتِ، أَوِ الْقَنَاطِرِ، أَوِ الْفُقَرَاءِ، أَوِ الْمَسَاكِينِ، لَا زَكَاةَ فِيهَا؛ إِذْ لَيْسَ لَهَا مَالِكٌ مُعَيَّنٌ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهَا. فَأَمَّا الْمَوْقُوفُ عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، فَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْخُلْطَةِ.
فَصْلٌ فِي الْحَالِ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِيهِ بُلُوغُ الْمُعَشَّرِ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ
إِنْ كَانَ نَخْلًا أَوْ عِنَبًا، اعْتُبِرَ تَمْرًا وَزَبِيبًا، فَإِنْ كَانَ رُطَبًا لَا يُتَّخَذُ مِنْهُ تَمْرٌ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يُوسَقُ رُطَبًا، وَالثَّانِي: يُعْتَبَرُ بِحَالَةِ الْجَفَافِ، وَعَلَى هَذَا وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ بُلُوغُهُ نِصَابًا وَإِنْ كَانَ حَشَفًا، وَالثَّانِي: بِأَقْرَبِ الْأَرْطَابِ إِلَيْهِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ رَدِيءٌ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ يَفْسَدُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَصَحِّ، وَهُوَ تَوْسِيقُهُ رُطَبًا. وَالْعِنَبُ الَّذِي لَا يَتَزَبَّبُ، كَالرُّطَبِ الَّذِي لَا يَتَتَمَّرُ، وَلَا خِلَافَ فِي ضَمِّ مَا لَا يُجَفَّفُ مِنْهُمَا إِلَى مَا يُجَفَّفُ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ. ثُمَّ فِي أَخْذِ الْوَاجِبِ مِنَ الَّذِي لَا يُجَفَّفُ إِشْكَالٌ، سَتَعْرِفُهُ مَعَ الْخَلَاصِ مِنْهُ فِي مَسْأَلَةِ إِصَابَةِ النَّخْلِ الْعَطَشَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَأَمَّا الْحُبُوبُ فَيُعْتَبَرُ بُلُوغُهَا نِصَابًا بَعْدَ التَّصْفِيَةِ مِنَ التِّبْنِ، ثُمَّ قُشُورُهَا أَضْرُبٌ؛ أَحَدُهَا: قِشْرٌ لَا يُدَّخَرُ الْحَبُّ فِيهِ وَلَا يُؤْكَلُ مَعَهُ، فَلَا يَدْخُلُ فِي النِّصَابِ، وَالثَّانِي: قِشْرٌ يُدَّخَرُ الْحَبُّ فِيهِ وَيُؤْكَلُ مَعَهُ كَالذُّرَةِ، فَيَدْخُلُ الْقِشْرُ فِي الْحِسَابِ، فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُزَالُ كَمَا تُقَشَّرُ الْحِنْطَةُ. وَفِي
следующие страницы →