Полный текст (4 941 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
الثَّانِي: أَنْ يَزُولَ بَعْدَمَا أَفْطَرَا، فَلَا يَجِبُ الْإِمْسَاكُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ. فَإِنْ أَكَلَا، أَخْفَيَاهُ لِئَلَّا يَتَعَرَّضَا لِلتُّهْمَةِ وَعُقُوبَةِ السُّلْطَانِ، وَلَهُمَا الْجِمَاعُ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ إِذَا لَمْ تَكُنِ الْمَرْأَةُ صَائِمَةً، بِأَنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، أَوْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ ذَلِكَ الْيَوْمَ.
وَحَكَى صَاحِبُ «الْحَاوِي» وَجْهَيْنِ، فِي أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا أَفْطَرَ، ثُمَّ بَرِئَ، هَلْ يَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ؟ قَالَ: أَوْجَبَهُ الْبَغْدَادِيُّونَ دُونَ الْبَصْرِيِّينَ. وَالْمَذْهَبُ: مَا قَدَّمْنَا.
الثَّالِثُ: أَنْ يُصْبِحَا غَيْرَ نَاوِيَيْنِ، وَيَزُولُ الْعُذْرُ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَا، فَإِنْ قُلْنَا فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ: يَجُوزُ الْأَكْلُ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا، فَفِي لُزُومِ الْإِمْسَاكِ وَجْهَانِ. الْأَصَحُّ: لَا يَلْزَمُ.
فَرْعٌ
إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَ الشَّكِّ مُفْطِرًا، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَضَاؤُهُ وَاجِبٌ، وَيَجِبُ إِمْسَاكُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : الْقَوْلَانِ، فِيمَا إِذَا بَانَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ قَبْلَ الْأَكْلِ، فَإِنْ بَانَ بَعْدَهُ، فَإِنْ قُلْنَا: هُنَاكَ لَا يَجِبُ الْإِمْسَاكُ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْوُجُوبُ.
فَرْعٌ
إِذَا بَلَغَ صَبِيٌّ، أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ، أَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ، فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهَا: لَا، وَالثَّانِي: نَعَمْ، وَالثَّالِثُ: يَلْزَمُ الْكَافِرَ دُونَهُمَا، لِتَقْصِيرِهِ، وَالرَّابِعُ: يَلْزَمُ الْكَافِرَ وَالصَّبِيَّ، لِتَقْصِيرِهِمَا دُونَ الْمَجْنُونِ. وَهَلْ يَلْزَمُهُمْ قَضَاءُ الْيَوْمِ الَّذِي زَالَ الْعُذْرُ فِي أَثْنَائِهِ؟ .
أَمَّا الصَّبِيُّ فَيُنْظَرُ، إِنْ بَلَغَ صَائِمًا، فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِتْمَامُهُ وَلَا قَضَاءَ.
стр. 772
فَلَوْ جَامَعَ بَعْدَ الْبُلُوغِ فِيهِ، لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ. وَفِيهِ وَجْهٌ حُكِيَ عَنِ ابْنِ سُرَيْجٍ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إِتْمَامُهُ، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفَرْضَ.
وَإِنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَوَجْهَانِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا قَضَاءَ، لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ، وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، كَمَنْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا الْمَجْنُونُ إِذَا أَفَاقَ، وَالْكَافِرُ إِذَا أَسْلَمَ، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُمَا كَالصَّبِيِّ الْمُفْطِرِ، فَلَا قَضَاءَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: يَقْضِي الْكَافِرُ دُونَ الْمَجْنُونِ، وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» . قَالَ الْأَصْحَابُ: الْخِلَافُ فِي الْقَضَاءِ فِي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، مُتَعَلِّقٌ بِالْخِلَافِ فِي إِمْسَاكِهِمْ تَشَبُّهًا. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِهِ، فَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ: مَنْ أَوْجَبَ التَّشَبُّهَ، لَمْ يُوجِبِ الْقَضَاءَ، وَمَنْ يُوجِبُ الْقَضَاءَ، لَا يُوجِبُ التَّشَبُّهَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: مَنْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ، أَوْجَبَ الْإِمْسَاكَ، وَمَنْ لَا، فَلَا. وَقَالَ آخَرُونَ: مَنْ أَوْجَبَ الْإِمْسَاكَ، أَوْجَبَ الْقَضَاءَ، وَمَنْ لَا، فَلَا.
فَرْعٌ
الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ، إِذَا طَهُرَتَا فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمَا الْإِمْسَاكُ. وَنَقَلَ الْإِمَامُ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ. وَحَكَى صَاحِبُ «الْمُعْتَمَدِ» : طَرْدَ الْخِلَافِ فِيهِمَا.
فَصْلٌ
أَيَّامُ رَمَضَانَ مُتَعَيِّنَةٌ لِصَوْمِهِ، فَلِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، التَّرَخُّصُ بِالْفِطْرِ، وَلَهُمَا الصِّيَامُ عَنْ رَمَضَانَ، وَلَيْسَ لَهُمَا الصَّوْمُ فِيهِ عَنْ فَرْضٍ آخَرَ، وَلَا تَطَوُّعًا. وَهَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَحَكَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ خِلَافًا فِيمَنْ أَصْبَحَ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ
стр. 773
غَيْرَ نَاوٍ، فَنَوَى التَّطَوُّعَ قَبْلَ الزَّوَالِ، قَالَ: قَالَ الْجَمَاهِيرُ: لَا يَصِحُّ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: يَصِحُّ. قَالَ: فَعَلَى قِيَاسِهِ يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ التَّطَوُّعُ بِهِ.
فَصْلٌ
تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى مَنْ أَفْسَدَ صَوْمَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ أَثِمَ بِهِ لِأَجْلِ الصَّوْمِ، وَفِي الضَّابِطِ قُيُودٌ.
مِنْهَا: الْإِفْسَادُ، فَمَنْ جَامَعَ نَاسِيًا، لَا يُفْطِرُ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَلَا كَفَّارَةَ. وَإِنْ قُلْنَا: يُفْطِرُ، فَفِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا تَلْزَمُ، لِعَدَمِ الْإِثْمِ.
وَمِنْهَا: كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَا كَفَّارَةَ بِإِفْسَادِ التَّطَوُّعِ، وَالنَّذْرِ، وَالْقَضَاءِ، وَالْكَفَّارَةِ. وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الْمَوْطُوءَةُ، فَإِنْ كَانَتْ مُفْطِرَةً بِحَيْضٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ صَائِمَةً، وَلَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهَا، لِكَوْنِهَا نَائِمَةً مَثَلًا، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَتْ طَائِعَةً صَائِمَةً، فَقَوْلَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهَا كَفَّارَةٌ، كَمَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ، لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ، فَاشْتَرَكَا فِيهَا كَحَدِّ الزِّنَا.
وَأَظْهَرُهُمَا: لَا يَلْزَمُهَا، بَلْ تَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ. فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ لَمْ تَجِبِ الْكَفَّارَةُ عَلَى الزَّوْجِ لِكَوْنِهِ مُفْطِرًا، أَوْ لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ لِكَوْنِهِ نَاسِيًا، أَوِ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ نَائِمًا، لَزِمَتْهَا الْكَفَّارَةُ، وَيُعْتَبَرُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَالُهُ فِي الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَظْهَرِ، فَهَلِ الْكَفَّارَةُ الَّتِي يُخْرِجُهَا عَنْهُ خَاصَّةً، وَلَا يُلَاقِيهَا الْوُجُوبُ، أَوْ هِيَ عَنْهُ وَعَنْهَا وَيَتَحَمَّلُهَا عَنْهَا فِيهِ قَوْلَانِ مُسْتَنْبَطَانِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁، وَرُبَّمَا قِيلَ: وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْأَوَّلُ.
وَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهِمَا صُوَرٌ.
إِحْدَاهَا: إِذَا أَفْطَرَتْ بِزِنًا، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَإِلَّا، فَعَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّ التَّحَمُّلَ بِالزَّوْجِيَّةِ. وَقِيلَ: تَلْزَمُهَا قَطْعًا.
стр. 774
الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ الزَّوْجُ مَجْنُونًا، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهَا، وَعَلَى الثَّانِي: وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: تَلْزَمُهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّحَمُّلِ، كَمَا لَا يُكَفِّرُ عَنْ نَفْسِهِ، وَالثَّانِي: يَجِبُ فِي مَالِهِ الْكَفَّارَةُ عَنْهَا، لِأَنَّ مَالَهُ صَالِحٌ لِلتَّحَمُّلِ.
وَإِنْ كَانَ مُرَاهِقًا، فَكَالْمَجْنُونِ. وَقِيلَ: هُوَ كَالْبَالِغِ تَخْرِيجًا مِنْ قَوْلِنَا: عَمْدُهُ عَمْدٌ، وَإِنْ كَانَ نَاسِيًا أَوْ نَائِمًا، فَاسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَهُ، فَكَالْمَجْنُونِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا كَانَ مُسَافِرًا وَالزَّوْجَةُ حَاضِرَةٌ، فَإِنْ أَفْطَرَ بِالْجِمَاعِ بِنِيَّةِ التَّرَخُّصِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَكَذَا إِنْ لَمْ يَقْصِدِ التَّرَخُّصَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَكَذَا حُكْمُ الْمَرِيضِ الَّذِي يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ إِذَا أَصْبَحَ صَائِمًا ثُمَّ جَامَعَ.
وَكَذَا الصَّحِيحُ، إِذَا مَرِضَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ ثُمَّ جَامَعَ، فَحَيْثُ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَهُوَ كَغَيْرِهِ. وَحُكْمُ التَّحَمُّلِ، كَمَا سَبَقَ. وَحَيْثُ قُلْنَا: لَا كَفَّارَةَ، فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ.
وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ: فِيمَا لَوْ قَدِمَ الْمُسَافِرُ مُفْطِرًا، فَأَخْبَرَتْهُ بِفِطْرِهَا وَكَانَتْ صَائِمَةً، أَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَيْهَا، إِذَا قُلْنَا: الْوُجُوبُ يُلَاقِيهَا، لِأَنَّهَا غَرَّتْهُ، وَهُوَ مَعْذُورٌ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِنَا: لَا يَتَحَمَّلُ الْمَجْنُونُ، وَإِلَّا، فَلَيْسَ الْعُذْرُ هُنَا أَوْضَحَ مِنْهُ فِي الْمَجْنُونِ.
قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ «الْمُعَايَاةِ» : فِيمَنْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ.
أَحَدُهَا: تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ دُونَهَا، وَالثَّانِي: تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ عَنْهُمَا، وَالثَّالِثُ: تَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ، وَيَتَحَمَّلُ الزَّوْجُ مَا دَخَلَهُ التَّحَمُّلُ مِنَ الْعِتْقِ وَالْإِطْعَامِ.
فَإِذَا وَطِئَ أَرْبَعَ زَوْجَاتٍ فِي يَوْمٍ، لَزِمَهُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَفَّارَةٌ فَقَطْ عَنِ الْوَطْءِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِسَبَبِ بَاقِي الْوَطْآتِ، وَيَلْزَمُهُ عَلَى الثَّانِي، أَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ، كَفَّارَةٌ عَنْ وَطْئِهِ الْأَوَّلِ عَنْهُ وَعَنْهَا، وَثَلَاثٌ عَنْهُنَّ لَا تَتَبَعَّضُ، إِلَّا فِي مَوْضِعٍ يُوجِدُ تَحَمُّلَ الْبَاقِي، وَيَلْزَمُهُ عَلَى الثَّالِثِ خَمْسُ كَفَّارَاتٍ، كَفَّارَتَانِ عَنْهُ وَعَنْهَا بِالْوَطْءِ الْأَوَّلِ، وَثَلَاثٌ عَنْهُنَّ.
قَالَ: وَلَوْ كَانَ لَهُ زَوْجَتَانِ، مُسْلِمَةٌ وَذِمِّيَّةٌ، فَوَطِئَهُمَا فِي يَوْمٍ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٍ بِكُلِّ حَالٍ.
وَعَلَى الثَّانِي: إِنْ قَدَّمَ وَطْءَ الْمُسْلِمَةِ،
стр. 775
فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَإِلَّا، فَكَفَّارَتَانِ، وَعَلَى الثَّالِثِ: كَفَّارَتَانِ بِكُلِّ حَالٍ، لِأَنَّهُ إِنْ قَدَّمَ الْمُسْلِمَةَ، لَزِمَهُ كَفَّارَتَانِ عَنْهُ وَعَنْهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ لِلذِّمِّيَّةِ شَيْءٌ. وَإِنْ قَدَّمَ الذِّمِّيَّةَ، لَزِمَهُ لِنَفْسِهِ كَفَّارَةٌ، ثُمَّ لِلْمُسْلِمَةِ أُخْرَى. هَذَا كَلَامُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا قُلْنَا: الْوُجُوبُ يُلَاقِيهَا، اعْتَبَرْنَا حَالَهُمَا جَمِيعًا، وَقَدْ تَتَّفِقُ، وَقَدْ تَخْتَلِفُ. فَإِنِ اتَّفَقَ، نُظِرَ، إِنْ كَانَا مِنْ أَهْلِ الْإِعْتَاقِ أَوِ الْإِطْعَامِ، أَجْزَأَ الْمُخْرَجُ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ لِكَوْنِهِمَا مُعَسِرَيْنِ أَوْ مَمْلُوكَيْنِ، لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ صَوْمُ شَهْرَيْنِ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ الْبَدَنِيَّةَ لَا تَتَحَمَّلُ.
وَإِنِ اخْتَلَفَ حَالُهُمَا، فَإِنْ كَانَ أَعْلَى حَالًا مِنْهَا، نُظِرَ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِتْقِ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ أَوِ الْإِطْعَامِ، فَوَجْهَانِ.
الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ: أَنَّهُ يُجْزِئُ الْإِعْتَاقُ عَنْهُمَا، لِأَنَّ مَنْ فَرْضُهُ الصَّوْمُ أَوِ الْإِطْعَامُ، يُجْزِئُهُ الْعِتْقُ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ أَمَةً، فَعَلَيْهَا الصَّوْمُ، لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يُجْزِئُ عَنْهَا.
قَالَ فِي «الْمُهَذَّبِ» : إِلَّا إِذَا قُلْنَا: الْعَبْدُ يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، فَإِنَّ الْأَمَةَ كَالْحُرَّةِ الْمُعْسِرَةِ.
قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي «الْمُهَذَّبِ» غَرِيبٌ، وَالْمَعْرُوفُ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْعِتْقُ عَنِ الْأَمَةِ. وَقَدْ قَالَ فِي الْمُهَذَّبِ فِي بَابِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ: لَا يَصِحُّ إِعْتَاقُ الْعَبْدِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: يَمْلِكُ، أَمْ لَا، لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْوَلَاءَ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْزِئُ عَنْهَا، لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ. فَعَلَى هَذَا، يَلْزَمُهَا الصَّوْمُ إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِهِ. وَفِيمَنْ يَلْزَمُهُ الْإِطْعَامُ إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِهِ، وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: عَلَى الزَّوْجِ. فَإِنْ عَجَزَ، ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ إِلَى أَنْ يَقْدِرَ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَعْدُودَةٌ مِنْ مُؤَنِ الزَّوْجَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الزَّوْجِ، وَالثَّانِي: يَلْزَمُهَا وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ وَهِيَ مِنْ أَهْلِ الْإِطْعَامِ.
قَالَ الْأَصْحَابُ: يَصُومُ عَنْ نَفْسِهِ وَيُطْعِمُ عَنْهَا.
وَمُقْتَضَى قَوْلِ مَنْ قَالَ فِي الصُّورَةِ السَّابِقَةِ: يُجْزِئُ الْعِتْقُ عَنِ الصِّيَامِ، أَنْ يُجْزِئَ هُنَا الصِّيَامُ عَنِ الْإِطْعَامِ. أَمَّا إِذَا كَانَتْ أَعْلَى حَالًا مِنْهُ،
стр. 776
فَيُنْظَرُ، إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْإِعْتَاقِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، صَامَ عَنْ نَفْسِهِ وَأَعْتَقَ عَنْهَا إِذَا قَدَرَ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِطْعَامِ، صَامَتْ عَنْ نَفْسِهَا وَأَطْعَمَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ جِمَاعَ الْمَرْأَةِ إِذَا قُلْنَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهَا وَالْوُجُوبُ لَا يُلَاقِيهَا، مُسْتَثْنَى عَنِ الضَّابِطِ.
فَرْعٌ
تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالزِّنَا، وَجِمَاعِ أَمَتِهِ، وَاللِّوَاطِ، وَإِتْيَانِ الْبَهِيمَةِ، وَسَوَاءٌ أَنَزَلَ أَمْ لَا، وَفِي الْبَهِيمَةِ وَالْإِتْيَانِ فِي الدُّبُرِ وَجْهٌ، وَهُوَ شَاذٌّ مُنْكَرٌ.
وَلَوْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ، كَالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَالِاسْتِمْنَاءِ، وَالْمُبَاشَرَاتِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْإِنْزَالِ، فَلَا كَفَّارَةَ، لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْجِمَاعِ، وَمَا عَدَاهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ.
وَفِي وَجْهٍ قَالَهُ أَبُو خَلَفٍ الطَّبَرِيُّ وَهُوَ مِنْ تَلَامِذَةِ الْقَفَّالِ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِكُلِّ مَا يَأْثَمُ بِالْإِفْطَارِ بِهِ.
وَفِي وَجْهٍ حَكَاهُ فِي «الْحَاوِي» عَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ يَجِبُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَفَّارَةٌ فَوْقَ كَفَّارَةِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ، وَدُونَ كَفَّارَةِ الْمُجَامِعِ.
وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ غَلَطٌ. وَذَكَرَ الْحَنَّاطِيُّ، أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ، رُوِيَ عَنْهُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فِيمَا إِذَا جَامَعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ وَأَنْزَلَ، وَهَذَا شَاذٌّ.
فَرْعٌ
إِذَا ظَنَّ أَنَّ الصُّبْحَ لَمْ يَطْلُعْ، فَجَامَعَ، ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ، فَحُكْمُ الْإِفْطَارِ سَبَقَ، وَلَا كَفَّارَةَ لِعَدَمِ الْإِثْمِ.
قَالَ الْإِمَامُ: وَمَنْ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى النَّاسِي بِالْجِمَاعِ، يَقُولُ مِثْلَهُ هُنَا لِتَقْصِيرِهِ فِي الْبَحْثِ. وَلَوْ ظَنَّ غُرُوبَ الشَّمْسِ، فَجَامَعَ، فَبَانَ خِلَافُهُ،
стр. 777
فَفِي «التَّهْذِيبِ» وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ، لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ. وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُفَرَّعًا عَلَى تَجْوِيزِ الْإِفْطَارِ وَالْحَالَةِ هَذِهِ، وَإِلَّا فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَفَاءً بِالضَّابِطِ الْمَذْكُورِ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ.
وَلَوْ أَكَلَ الصَّائِمُ نَاسِيًا، فَظَنَّ بُطْلَانَ صَوْمِهِ، فَجَامَعَ، فَهَلْ يُفْطِرُ؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: لَا، كَمَا لَوْ سَلَّمَ مِنَ الظُّهْرِ نَاسِيًا وَتَكَلَّمَ عَامِدًا، لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
وَأَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: يُفْطِرُ، كَمَا لَوْ جَامَعَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ فَبَانَ خِلَافُهُ. وَعَلَى هَذَا، لَا كَفَّارَةَ لِأَنَّهُ وَطِئَ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ، وَعَنِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ: أَنَّهُ يَحْتَمِلُ وُجُوبَهَا، لِأَنَّهُ ظَنٌّ لَا يُبِيحُ الْوَطْءَ. وَلَوْ أَفْطَرَ الْمُسَافِرُ بِالزِّنَا مُتَرَخِّصًا، فَلَا كَفَّارَةَ، لِأَنَّهُ وَإِنْ أَثِمَ بِهَذَا الْوَطْءِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَأْثَمْ بِهِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ، فَإِنَّ الْإِفْطَارَ جَائِزٌ لَهُ.
وَلَوْ زَنَا الْمُقِيمُ نَاسِيًا لِلصَّوْمِ، وَقُلْنَا: الصَّوْمُ يَفْسُدُ بِالْجِمَاعِ نَاسِيًا، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْثَمْ بِسَبَبِ الصَّوْمِ، لِأَنَّهُ نَاسٍ لَهُ.
فَرْعٌ
مَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ، لَزِمَهُ صَوْمُهُ. فَإِنْ صَامَهُ فَأَفْطَرَ بِالْجِمَاعِ، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ. وَلَوْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ، لَزِمَهُ الْفِطْرُ، وَيُخْفِيهِ لِئَلَّا يُتَّهَمَ، وَإِذَا رُؤِيَ رَجُلٌ يَأْكُلُ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ بِلَا عُذْرٍ، عُزِّرَ.
فَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ رَأَى الْهِلَالَ، لَمْ يُقْبَلْ، لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي إِسْقَاطِ التَّعْزِيرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَ أَوَّلًا فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، ثُمَّ أَكَلَ، لَمْ يُعَزَّرْ.
فَرْعٌ
لَوْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ، ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَلَا كَفَّارَةَ لِلْجِمَاعِ الثَّانِي، لِأَنَّهُ لَمْ يُفْسِدْ صَوْمًا. فَلَوْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ أَوْ أَيَّامٍ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ كَفَّارَةٌ، سَوَاءٌ كَفَّرَ عَنِ الْأَوَّلِ، أَمْ لَا.
стр. 778
فَرْعٌ
لَوْ أَفْسَدَ صَوْمَهُ بِجِمَاعٍ، ثُمَّ أَنْشَأَ سَفَرًا طَوِيلًا فِي يَوْمِهِ، لَمْ تَسْقُطِ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: كَمَا لَوْ طَرَأَ الْمَرَضُ. وَلَوْ جَامَعَ، ثُمَّ مَرِضَ، فَقَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: لَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ. وَقِيلَ: لَا تَسْقُطُ قَطْعًا. وَلَوْ طَرَأَ بَعْدَ الْجِمَاعِ جُنُونٌ، أَوْ مَوْتٌ، أَوْ حَيْضٌ، فَقَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: السُّقُوطُ. وَالْمَسْأَلَةُ فِي الْحَيْضِ مُفَرَّعَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَفْطَرَتْ بِالْجِمَاعِ، لَزِمَتْهَا الْكَفَّارَةُ.
فَرْعٌ
كَمَالُ صِفَةِ الْكَفَّارَةِ، مُسْتَقْصَى فِي كِتَابِ «الْكَفَّارَاتِ» . وَالْقَوْلُ الْجُمَلِيُّ، أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ مَرْتَبَةٌ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ، فَيَجِبُ عِتْقُ رَقَبَةٍ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا.
وَهَلْ يَلْزَمُهُ مَعَ الْكَفَّارَةِ قَضَاءُ صَوْمِ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْسَدَهُ بِالْجِمَاعِ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ، وَوَجْهٌ.
أَصَحُّهُمَا: يَلْزَمُ. وَالثَّانِي: لَا، وَالثَّالِثُ: إِنْ كَفَّرَ بِالصِّيَامِ، لَمْ يَلْزَمْ، وَإِلَّا لَزِمَ. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمَرْأَةَ يَلْزَمُهَا الْقَضَاءُ إِذَا لَمْ تَلْزَمْهَا كَفَّارَةٌ.
وَهَلْ تَكُونُ شِدَّةُ الْغُلْمَةِ عُذْرًا فِي الْعُدُولِ عَنِ الصِّيَامِ إِلَى الْإِطْعَامِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا عُذْرٌ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ، وَرَجَّحَ الْغَزَالِيُّ الْمَنْعَ.
стр. 779
فَرْعٌ
لَوْ كَانَ مَنْ لَزِمَتْهُ هَذِهِ الْكَفَّارَةُ فَقِيرًا، فَهَلْ لَهُ صَرْفُهَا إِلَى أَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ؟ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ الْمَشْهُورِ.
وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَجُوزُ، كَالزَّكَاةِ وَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ. وَأَمَّا قِصَّةُ الْأَعْرَابِيِّ، فَلَمْ يَدْفَعْ إِلَى أَهْلِهِ عَنِ الْكَفَّارَةِ.
فَرْعٌ
إِذَا عَجَزَ عَنْ جَمِيعِ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، فَهَلْ تَسْتَقِرُّ فِي ذِمَّتِهِ؟ قَالَ الْأَصْحَابُ: الْحُقُوقُ الْمَالِيَّةُ الْوَاجِبَةُ لِلَّهِ تَعَالَى، ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ.
ضَرْبٌ يَجِبُ لَا بِسَبَبِ مُبَاشَرَةٍ مِنَ الْعَبْدِ، كَزَكَاةِ الْفِطْرِ. فَإِذَا عَجَزَ وَقْتَ الْوُجُوبِ، لَمْ تَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ.
وَضَرْبٌ يَجِبُ بِسَبَبٍ عَلَى جِهَةِ الْبَدَلِ، كَجَزَاءِ الصَّيْدِ، فَإِذَا عَجَزَ وَقْتَ وُجُوبِهِ، ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ تَغْلِيبًا لِمَعْنَى الْغَرَامَةِ.
وَضَرْبٌ يَجِبُ بِسَبَبٍ لَا عَلَى جِهَةِ الْبَدَلِ، كَكَفَّارَةِ الْجِمَاعِ، وَالْيَمِينِ، وَالْقَتْلِ، وَالظِّهَارِ، فَفِيهَا قَوْلَانِ.
أَظْهَرُهُمَا: يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ عِنْدَ الْعَجْزِ، فَمَتَى قَدَرَ عَلَى إِحْدَى الْخِصَالِ، لَزِمَتْهُ. وَالثَّانِي: لَا يَثْبُتُ.
فَصْلٌ
فِي الْفِدْيَةِ.
وَهِيَ مُدٌّ مِنَ الطَّعَامِ، لِكُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ. وَجِنْسُهُ جِنْسُ زَكَاةِ الْفِطْرِ. فَيُعْتَبَرُ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَا يُجْزِئُ الدَّقِيقُ وَالسَّوِيقُ، كَمَا سَبَقَ. وَمَصْرِفُهَا، الْفُقَرَاءُ أَوِ الْمَسَاكِينُ. وَكُلُّ مُدٍّ مِنْهَا كَكَفَّارَةٍ تَامَّةٍ. فَيَجُوزُ
стр. 780
صَرْفُ عَدَدٍ مِنْهَا إِلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ، بِخِلَافِ أَمْدَادِ الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ صَرْفُ كُلِّ مُدٍّ مِنْهَا إِلَى مِسْكِينٍ، وَتَجِبُ الْفِدْيَةُ بِثَلَاثَةِ طُرُقٍ.
الْأَوَّلُ: فَوَاتُ نَفْسِ الصَّوْمِ، فَمَنْ فَاتَهُ صَوْمُ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَمَاتَ قَبْلَ قَضَائِهِ فَلَهُ حَالَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَمُوتَ بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنَ الْقَضَاءِ، سَوَاءٌ تَرَكَ الْأَدَاءَ بِعُذْرٍ أَمْ بِغَيْرِهِ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَدَارُكِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَفِي صِفَةِ التَّدَارُكِ قَوْلَانِ.
الْجَدِيدُ: أَنَّهُ يُطْعَمُ مِنْ تَرِكَتِهِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ. وَالْقَدِيمُ: أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ. فَعَلَى الْقَدِيمِ: لَوْ أَمَرَ الْوَلِيُّ أَجْنَبِيًّا فَصَامَ عَنْهُ بِأُجْرَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا، جَازَ كَالْحَجِّ. وَلَوِ اسْتَقَلَّ بِهِ الْأَجْنَبِيُّ، لَمْ يُجِزْهُ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَهَلِ الْمُعْتَبَرُ عَلَى الْقَدِيمِ الْوِلَايَةُ، أَمْ مُطْلَقُ الْقَرَابَةِ، أَمْ تُشْتَرَطُ الْعُصُوبَةُ، أَمِ الْإِرْثُ؟ تَوَقَّفَ فِيهِ الْإِمَامُ وَقَالَ: لَا نَقْلَ فِيهِ عِنْدِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وَإِذَا فَحَصْتَ عَنْ نَظَائِرِهِ، وَجَدْتَ الْأَشْبَهَ اعْتِبَارَ الْإِرْثِ.
قُلْتُ: الْمُخْتَارُ، أَنَّ الْمُرَادَ مُطْلَقُ الْقَرَابَةِ. وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِامْرَأَةٍ تَصُومُ عَنْ أُمِّهَا وَهَذَا يُبْطِلُ احْتِمَالَ الْعُصُوبَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوِ اعْتِكَافٌ، لَمْ يَقْضِ عَنْهُ وَلَيُّهُ، وَلَا يَسْقُطْ عَنْهُ بِالْفِدْيَةِ. وَنَقَلَ الْبُوَيْطِيُّ: أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ قَالَ فِي الِاعْتِكَافِ: يَعْتَكِفُ عَنْهُ وَلَيُّهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: يُطْعِمُ عَنْهُ. قَالَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» : وَلَا يَبْعُدُ تَخْرِيجُ هَذَا فِي الصَّلَاةِ، فَيُطْعَمُ عَنْ كُلِّ صَلَاةٍ مُدٌّ. وَإِذَا قُلْنَا بِالْإِطْعَامِ فِي الِاعْتِكَافِ، فَالْقَدْرُ الْمُقَابَلُ بِالْمُدِّ اعْتِكَافُ يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ.
هَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ عَنْ رِوَايَةِ شَيْخِهِ قَالَ: وَهُوَ مُشْكِلٌ، فَإِنَّ اعْتِكَافَ لَحْظَةٍ، عِبَادَةٌ تَامَّةٌ.
قُلْتُ: لَمْ يُصَحِّحِ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ وَاحِدًا مِنَ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ فِي صَوْمِ الْوَلِيِّ، وَكَأَنَّهُ
стр. 781
تَرَكَهُ لِاضْطِرَابِ الْأَصْحَابِ فِيهِ، فَإِنَّ الْمَشْهُورَ فِي الْمَذْهَبِ: تَصْحِيحُ الْجَدِيدِ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ مُحَقِّقِي أَصْحَابِنَا، إِلَى تَصْحِيحِ الْقَدِيمِ. وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُجْزَمَ بِالْقَدِيمِ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ ثَبَتَتْ فِيهِ.
وَلَيْسَ لِلْجَدِيدِ حُجَّةٌ مِنَ السُّنَّةِ. وَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ بِالْإِطْعَامِ، ضَعِيفٌ، فَيَتَعَيَّنُ الْقَوْلُ بِالْقَدِيمِ. ثُمَّ مَنْ جَوَّزَ الصِّيَامَ، جَوَّزَ الْإِطْعَامَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَحُكَمُ صَوْمِ الْكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ، حُكْمُ صَوْمِ رَمَضَانَ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْقَضَاءِ، بِأَنْ لَا يَزَالَ مَرِيضًا، أَوْ مُسَافِرًا مِنْ أَوَّلِ شَوَّالٍ حَتَّى يَمُوتَ، فَلَا شَيْءَ فِي تَرِكَتِهِ وَلَا عَلَى وَرَثَتِهِ.
قُلْتُ: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يَصِحُّ الصِّيَامُ مِنْ أَحَدٍ فِي حَيَاتِهِ بِلَا خِلَافٍ، سَوَاءً كَانَ عَاجِزًا أَوْ غَيْرَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
الشَّيْخُ الْهَرِمُ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ، أَوْ تَلْحَقُهُ بِهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ، لَا صَوْمَ عَلَيْهِ. وَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَيْهِ، قَوْلَانِ. أَظْهَرُهُمَا: الْوُجُوبُ.
وَيَجْرِي الْقَوْلَانِ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ. وَلَوْ نَذَرَ فِي خِلَالِ الْعَجْزِ صَوْمًا، فَفِي انْعِقَادِهِ وَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَا يَنْعَقِدُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا أَوْجَبْنَا الْفِدْيَةَ عَلَى الشَّيْخِ، فَكَانَ مُعْسِرًا، هَلْ تَلْزَمُهُ إِذَا قَدَرَ؟ قَوْلَانِ، كَالْكَفَّارَةِ. وَلَوْ كَانَ رَقِيقًا فَعَتِقَ، فَفِيهِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْمُعْسِرِ، وَالْأَوْلَى: بِأَنْ لَا تَجِبَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا.
وَلَوْ قَدَرَ الشَّيْخُ عَلَى الصَّوْمِ بَعْدَمَا أَفْطَرَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ قَضَاءً؟ نَقَلَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» : أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ
стр. 782
مُخَاطَبًا بِالصَّوْمِ، بَلْ كَانَ مُخَاطَبًا بِالْفِدْيَةِ، بِخِلَافِ الْمَعْضُوبِ إِذَا حَجَّ عَنْهُ غَيْرُهُ، ثُمَّ قَدَرَ، يَلْزَمُهُ الْحَجُّ فِي قَوْلٍ، لِأَنَّهُ كَانَ مُخَاطَبًا بِهِ. ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ: إِذَا قَدَرَ قَبْلَ أَنْ يَفْدِيَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ، وَإِنْ قَدَرَ بَعْدَ الْفِدْيَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَالْحَجِّ، لِأَنَّهُ كَانَ مُخَاطَبًا بِالْفِدْيَةِ عَلَى تَوَهُّمِ أَنَّ عُذْرَهُ غَيْرُ زَائِلٍ، وَقَدْ بَانَ خِلَافُهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ «التَّتِمَّةِ» فِي آخَرِينَ نَقَلُوا خِلَافًا فِي أَنَّ الشَّيْخَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْخِطَابُ بِالصَّوْمِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْفِدْيَةِ بِالْعَجْزِ، أَمْ يُخَاطَبُ بِالْفِدْيَةِ ابْتِدَاءً؟ وَبَنَوْا عَلَيْهِ الْوَجْهَيْنِ فِي انْعِقَادِ نَذْرِهِ.
الطَّرِيقُ الثَّانِي: لِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ مَا يَجِبُ لِفَضِيلَةِ الْوَقْتِ، وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ. فَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ، إِنْ خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، أَفْطَرَتَا وَقَضَتَا، وَلَا فِدْيَةَ كَالْمَرِيضِ.
وَإِنْ لَمْ تَخَافَا مِنَ الصَّوْمِ، إِلَّا عَلَى الْوَلَدِ، فَلَهُمَا الْفِطْرُ وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ. وَفِي الْفِدْيَةِ أَقْوَالٌ.
أَظْهَرُهَا: تَجِبُ، وَالثَّانِي: تُسْتَحَبُّ، وَالثَّالِثُ: تَجِبُ عَلَى الْمُرْضِعِ دُونَ الْحَامِلِ. فَعَلَى الْأَظْهَرِ: لَا تَتَعَدَّدُ الْفِدْيَةُ بِتَعَدُّدِ الْأَوْلَادِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَبِهِ قُطِعَ فِي «التَّهْذِيبِ» .
وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمُرْضِعِ وَلَدَهَا، أَوْ غَيْرَهُ، بِإِجَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا؟ قَالَ فِي التَّتِمَّةِ: لَا فَرْقَ، فَتُفْطِرُ الْمُسْتَأْجِرَةُ وَتَفِدِي. كَمَا أَنَّ السَّفَرَ لَمَّا أَفَادَ الْفِطْرَ، يَسْتَوِي فِيهِ الْمُسَافِرُ لِغَرَضِ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْفَتَاوَى» : الْمُسْتَأْجَرَةُ لَا تُفْطِرُ، وَلَا خِيَارَ لِأَهْلِ الصَّبِيِّ.
قُلْتُ: الصَّحِيحُ قَوْلُ صَاحِبِ «التَّتِمَّةِ» وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي فَتَاوِيهِ فَقَالَ: يَحِلُّ لَهَا الْإِفْطَارُ، بَلْ يَجِبُ إِنْ أَضَرَّ الصَّوْمُ بِالرَّضِيعِ.
وَفِدْيَةُ الْفِطْرِ، عَلَى مَنْ تَجِبُ؟ قَالَ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى مَا لَوِ اسْتَأْجَرَ لِلتَّمَتُّعِ، فَعَلَى مَنْ يَجِبُ دَمُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَرَاضِعُ، فَأَرَادَتْ أَنْ تُرْضِعَ صَبِيًّا، تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، جَازَ الْفِطْرُ لَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 783
وَلَوْ كَانَتِ الْحَامِلُ أَوِ الْمُرْضِعُ مُسَافِرَةً أَوْ مَرِيضَةً، فَأَفْطَرَتْ بِنِيَّةِ التَّرَخُّصِ بِالْمَرَضِ أَوِ السَّفَرِ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا. وَإِنْ لَمْ تَقْصِدِ التَّرَخُّصَ، فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَجْهَانِ، كَالْوَجْهَيْنِ فِي فِطْرِ الْمُسَافِرِ بِالْجِمَاعِ.
فَرْعٌ
إِذَا أَفْطَرَ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ عَمْدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، هَلْ تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ مَعَ الْقَضَاءِ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا.
فَرْعٌ
لَوْ رَأَى مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ بِغَرَقٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَافْتَقَرَ فِي تَخْلِيصِهِ إِلَى الْفِطْرِ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ، وَتَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ عَلَى الْأَصَحِّ أَيْضًا، كَالْمُرْضِعِ.
قُلْتُ: قَوْلُهُ: فَلَهُ ذَلِكَ، فِيهِ تَسَاهُلٌ. وَمُرَادُهُ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الطَّرِيقُ الثَّالِثُ: مَا يَجِبُ لِتَأْخِيرِ الْقَضَاءِ، فَمَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ، وَأَخَّرَهُ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ السَّنَةِ الْقَابِلَةِ، نُظِرَ، إِنْ كَانَ مُسَافِرًا أَوْ مَرِيضًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ تَأْخِيرَ الْأَدَاءِ بِهَذَا الْعُذْرِ جَائِزٌ فَتَأْخِيرُ الْقَضَاءِ أَوْلَى.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَعَلَيْهِ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: لَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ. وَلَوْ أَخَّرَ حَتَّى مَضَى رَمَضَانَانِ فَصَاعِدًا، فَهَلْ تُكَرَّرُ الْفِدْيَةُ؟ وَجْهَانِ.
قَالَ فِي «النِّهَايَةِ» : الْأَصَحُّ، التَّكَرُّرُ. وَلَوْ أَفْطَرَ عُدْوَانًا، وَأَلْزَمْنَاهُ الْفِدْيَةَ، فَأَخَّرَ الْقَضَاءَ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ فِدْيَتَانِ، وَاحِدَةٌ لِلْإِفْطَارِ، وَأُخْرَى لِلتَّأْخِيرِ.
هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْمَرُوذِيُّ: إِنْ عَدَدْنَا الْفِدْيَةَ بِتَعَدُّدِ رَمَضَانَ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ. وَإِذَا أَخَّرَ الْقَضَاءَ مَعَ الْإِمْكَانِ،
стр. 784
فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ وَقُلْنَا: الْمَيِّتُ يُطْعَمُ عَنْهُ، فَوَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يُخْرَجُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِنْ تَرِكَتِهِ مُدَّانِ. وَالثَّانِي قَالَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ: يَكْفِي مُدٌّ وَاحِدٌ.
وَأَمَّا إِذَا قُلْنَا: يُصَامُ عَنْهُ، فَصَامَ الْوَلِيُّ، فَيَحْصُلُ تَدَارُكُ أَصْلِ الصَّوْمِ، وَيَفْدِي لِلتَّأْخِيرِ.
وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ وَهُوَ التَّكَرُّرُ، فَكَانَ عَلَيْهِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، فَمَاتَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ شَعْبَانَ إِلَّا خَمْسَةُ أَيَّامٍ، أَخْرَجَ مِنْ تَرِكَتِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ مُدًّا، عَشَرَةً لِأَصْلِ الصَّوْمِ، وَخَمْسَةً لِلتَّأْخِيرِ، لِأَنَّهُ لَوْ عَاشَ لَمْ يُمْكِنْهُ إِلَّا قَضَاءَ خَمْسَةٍ.
وَلَوْ أَفْطَرَ بِلَا عُذْرٍ، وَأَوْجَبْنَا بِهِ الْفِدْيَةَ فَأَخَّرَ حَتَّى دَخَلَ رَمَضَانُ آخَرُ، وَمَاتَ قَبْلَ الْقَضَاءِ، فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ ثَلَاثَةِ أَمْدَادٍ. فَإِنْ تَكَرَّرَتِ السُّنُونَ، زَادَتِ الْأَمْدَادُ.
وَإِذَا لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَمَضَانَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ قَضَاءُ جَمِيعِ الْفَائِتِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ فِي الْحَالِ الْفِدْيَةُ عَمَّا لَا يَسَعُهُ الْوَقْتُ، أَمْ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ رَمَضَانَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ غَدًا، فَتَلِفَ قَبْلَ الْغَدِ، هَلْ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ، أَمْ بَعْدَ مَجِيءِ الْغَدِ؟ وَلَوْ أَرَادَ تَعْجِيلَ فِدْيَةِ التَّأْخِيرِ قَبْلَ مَجِيءِ رَمَضَانَ الثَّانِي لِيُؤَخِّرَ الْقَضَاءَ مَعَ الْإِمْكَانِ، فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ كَالْوَجْهَيْنِ فِي تَعْجِيلِ الْكَفَّارَةِ عَنِ الْحِنْثِ الْمُحَرَّمِ.
قُلْتُ: إِذَا أَخَّرَ الشَّيْخُ الْهَرِمُ الْمُدَّ عَنِ السَّنَةِ الْأُولَى، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي «الْوَسِيطِ» : فِي تَكَرُّرِ مُدٍّ آخَرَ لِلتَّأْخِيرِ وَجْهَانِ.
وَهَذَا شَاذٌّ ضَعِيفٌ. وَإِذَا أَرَادَ الشَّيْخُ الْهَرِمُ إِخْرَاجَ الْفِدْيَةِ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ، لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، أَجْزَأَهُ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَإِنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ، فَفِيهِ احْتِمَالَانِ حَكَاهُمَا فِي «الْبَحْرِ» عَنْ وَالِدِهِ، وَقَطَعَ الدَّارِمِيُّ بِالْجَوَازِ، وَهُوَ الصَّوَابُ.
قَالَ الْإِمَامُ الزِّيَادِيُّ: وَيَجُوزُ لِلْحَامِلِ تَقْدِيمُ الْفِدْيَةِ عَلَى الْفِطْرِ، وَلَا يُقَدِّمُ إِلَّا فِدْيَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي بَابِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 785
بَابٌ .
صَوْمُ التَّطَوُّعِ.
مَنْ شَرَعَ فِي صَوْمِ تَطَوُّعٍ، أَوْ صَلَاةِ تَطَوُّعٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْإِتْمَامُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ. فَلَوْ خَرَجَ مِنْهُمَا، فَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، ثُمَّ إِنْ خَرَجَ لِعُذْرٍ، لَمْ يُكْرَهْ، وَإِلَّا كُرِهَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَمِنَ الْعُذْرِ، أَنْ يَعِزَّ عَلَى مَنْ ضَيَّفَهُ امْتِنَاعُهُ مِنَ الْأَكْلِ. وَلَوْ شَرَعَ فِي صَوْمِ الْقَضَاءِ الْوَاجِبِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ، لَمْ يَجُزِ الْخُرُوجُ مِنْهُ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، قَالَهُ الْقَفَّالُ، وَقَطَعَ بِهِ الْغَزَالِيُّ، وَصَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» وَطَائِفَةٌ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي «الْأُمِّ» وَبِهِ قَطَعَ الرُّويَانِيُّ فِي «الْحِلْيَةِ» وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ، لِأَنَّهُ صَارَ مُتَلَبِّسًا بِالْفَرْضِ وَلَا عُذْرَ، فَلَزِمَهُ إِتْمَامُهُ، كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ.
وَأَمَّا صَوْمُ الْكَفَّارَةِ، فَمَا لَزِمَ مِنْهُ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ، فَهُوَ كَالْقَضَاءِ الَّذِي عَلَى الْفَوْرِ. وَمَا لَزِمَ بِسَبَبٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ، كَقَتْلِ الْخَطَأِ، فَهُوَ كَالْقَضَاءِ الَّذِي عَلَى التَّرَاخِي. وَكَذَا النَّذْرُ الْمُطْلَقُ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَهُوَ انْقِسَامُ الْقَضَاءِ إِلَى وَاجِبٍ عَلَى الْفَوْرِ، وَعَلَى التَّرَاخِي. فَالْأَوَّلُ: مَا تَعَدَّى فِيهِ بِالْإِفْطَارِ، فَيَحْرُمُ تَأْخِيرُ قَضَائِهِ. قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : حَتَّى يَحْرُمَ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ بِعُذْرِ السَّفَرِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَمَا لَمْ يَتَعَدَّ بِهِ، كَالْفِطْرِ بِالْحَيْضِ وَالسَّفَرِ وَالْمَرَضِ، فَقَضَاؤُهُ عَلَى التَّرَاخِي مَا لَمْ يَحْضُرْ رَمَضَانُ السَّنَةِ الْمُقْبِلَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ: الْقَضَاءُ عَلَى التَّرَاخِي فِي الْمُتَعَدِّي وَغَيْرِهِ.
стр. 786
فَصْلٌ
صَوْمُ التَّطَوُّعِ، مِنْهُ مَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ السِّنِينَ، وَمِنْهُ مَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الشُّهُورِ، وَمِنْهُ مَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْأُسْبُوعِ. فَمِنَ الْأَوَّلِ، يَوْمُ عَرَفَةَ، فَيُسْتَحَبُّ صَوْمُهُ لِغَيْرِ الْحَجِيجِ، وَيَنْبَغِي لِلْحَجِيجِ فِطْرُهُ. وَأَطْلَقَ كَثِيرُونَ كَرَاهَةَ صَوْمِهِ لَهُمْ.
فَإِنْ كَانَ شَخْصٌ لَا يَضْعُفُ بِالصَّوْمِ عَنِ الدُّعَاءِ وَأَعْمَالِ الْحَجِّ، فَفِي «التَّتِمَّةِ» أَنَّ الْأَوْلَى لَهُ الصَّوْمُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْأَوْلَى أَنْ لَا يَصُومَ بِحَالٍ.
قُلْتُ: قَالَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ: يَوْمُ عَرَفَةَ أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ. وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ «الطَّلَاقِ» التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ مَعَ غَيْرِهِ، فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَى أَفْضَلِ الْأَيَّامِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْهُ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَهُوَ عَاشِرُ الْمُحَرَّمِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَصُومَ مَعَهُ تَاسُوعَاءَ، وَهُوَ التَّاسِعُ. وَفِيهِ مَعْنَيَانِ. أَحَدُهُمَا: الِاحْتِيَاطُ حَذَرًا مِنَ الْغَلَطِ فِي الْعَاشِرِ.
وَالثَّانِي: مُخَالَفَةُ الْيَهُودِ فَإِنَّهُمْ يَصُومُونَ الْعَاشِرَ فَقَطْ. فَعَلَى هَذَا، لَوْ لَمْ يَصُمِ التَّاسِعَ مَعَهُ، اسْتُحِبَّ أَنْ يَصُومَ الْحَادِي عَشَرَ.
وَمِنْهُ سِتَّةُ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَصُومَهَا مُتَتَابِعَةً مُتَّصِلَةً بِالْعِيدِ.
وَمِنَ الثَّانِي: أَيَّامُ الْبِيضِ، وَهِيَ: الثَّالِثَ عَشَرَ، وَالرَّابِعَ عَشَرَ، وَالْخَامِسَ عَشَرَ.
قُلْتُ: هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِيهَا. وَلَنَا وَجْهٌ غَرِيبٌ حَكَاهُ الصَّيْمَرِيُّ، وَالْمَاوَرْدِيُّ، وَالْبَغَوِيُّ، وَصَاحِبُ «الْبَيَانِ» : أَنَّ الثَّانِيَ عَشَرَ بَدَلُ الْخَامِسَ عَشَرَ، فَالِاحْتِيَاطُ صَوْمُهُمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنَ الثَّالِثِ: يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ. وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ الْجُمُعَةِ بِالصَّوْمِ، وَإِفْرَادُ السَّبْتِ.
стр. 787
فَرْعٌ
أَطْلَقَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» فِي آخَرِينَ أَنَّ صَوْمَ الدَّهْرِ مَكْرُوهٌ.
وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: هُوَ مَسْنُونٌ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: إِنْ خَافَ مِنْهُ ضَرَرًا، أَوْ فَوَّتَ بِهِ حَقًّا، كُرِهَ. وَإِلَّا، فَلَا. وَالْمُرَادُ: إِذَا أَفْطَرَ أَيَّامَ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ. وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ، لَزِمَ وَكَانَتِ الْأَعْيَادُ وَ [أَيَّامُ] التَّشْرِيقِ وَشَهْرُ رَمَضَانَ وَقَضَاؤُهُ مُسْتَثْنَاةً.
فَإِنْ فُرِضَ فَوَاتٌ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَهَلْ تَجِبُ الْفِدْيَةُ لِمَا أَخَلَّ بِهِ مِنَ النَّذْرِ بِسَبَبِ الْقَضَاءِ؟ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْكَرْخِيُّ: فِيهِ وَجْهَانِ، وَقُطِعَ بِهِ فِي «التَّهْذِيبِ» : بِأَنَّهُ لَا فِدْيَةَ.
وَلَوْ نَذَرَ صَوْمًا آخَرَ بَعْدَ هَذَا النَّذْرِ، لَمْ يَنْعَقِدْ. وَلَوْ لَزِمَهُ صَوْمُ كَفَّارَةٍ، صَامَ عَنْهَا وَفَدَى عَنِ النَّذْرِ. وَلَوْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، لَمْ يُمْكِنْ قَضَاؤُهُ، وَلَا فِدْيَةَ إِنْ كَانَ بِعُذْرٍ، وَإِلَّا فَتَجِبُ الْفِدْيَةُ. وَلَوْ نَذَرَتِ الْمَرْأَةُ صَوْمَ الدَّهْرِ، فَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا، وَلَا قَضَاءَ وَلَا فِدْيَةَ، وَإِنْ أَذِنَ لَهَا، أَوْ مَاتَ فَلَمْ تَصُمْ، لَزِمَهَا الْفِدْيَةُ.
قُلْتُ: وَمِنَ الْمَسْنُونِ، صَوْمُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، غَيْرَ الْعِيدِ، وَالصَّوْمُ مِنْ آخِرِ كُلِّ شَهْرٍ. وَأَفْضَلُ الْأَشْهُرِ لِلصَّوْمِ بَعْدَ رَمَضَانَ، الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ، ذُو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبٌ. وَأَفْضَلُهَا: الْمُحَرَّمُ، وَيْلِي الْمُحَرَّمَ فِي الْفَضِيلَةِ، شَعْبَانُ.
وَقَالَ صَاحِبُ «الْبَحْرِ» : رَجَبٌ أَفْضَلُ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ. قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ صَوْمُ تَطَوُّعٍ وَزَوْجُهَا حَاضِرٌ، إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ: صَاحِبَا «الْمُهَذَّبِ» وَ «التَّهْذِيبِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 788
كِتَابُ الِاعْتِكَافِ .
الِاعْتِكَافُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَفِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ آكَدُ، اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَطَلَبًا لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ.
وَمَنْ أَرَادَ هَذِهِ السُّنَّةَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، حَتَّى لَا يَفُوتَهُ شَيْءٌ، وَيَخْرُجَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ. وَلَوْ مَكَثَ لَيْلَةَ الْعِيدِ إِلَى أَنْ يُصَلِّيَ، أَوْ يَخْرُجَ مِنْهُ إِلَى الْعِيدِ، كَانَ أَفْضَلَ.
فَرْعٌ
لَيْلَةُ الْقَدْرِ أَفْضَلُ لَيَالِي السَّنَةِ، خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا هَذِهِ الْأُمَّةَ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَفِي أَوْتَارِهَا أَرْجَى.
وَمَيْلُ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: إِلَى ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا: هِيَ لَيْلَةٌ مُنْتَقِلَةٌ فِي لَيَالِي الْعَشْرِ، تَنْتَقِلُ كُلَّ سَنَةٍ إِلَى لَيْلَةٍ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ.
قُلْتُ: وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنِ الْمُزَنِيِّ أَيْضًا، وَهُوَ قَوِيٌّ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهَا تَلْزَمُ لَيْلَةً بِعَيْنِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 789
وَعَلَامَةُ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، أَنَّهَا طَلْقَةٌ، لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، وَأَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ فِي صَبِيحَتِهَا بَيْضَاءَ، لَيْسَ لَهَا كَثِيرُ شُعَاعٍ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثَرَ فِيهَا مِنْ قَوْلِ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفْوٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي.
قُلْتُ: قَالَ صَاحِبُ «الْبَحْرِ» : قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْقَدِيمِ: أَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُ فِي يَوْمِهَا، كَاجْتِهَادِهِ فِي لَيْلَتِهَا. وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ: مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ. قَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ قَالَهُ قَبْلَ رَمَضَانَ، أَوْ فِيهِ قَبْلَ مُضِيِّ أَوَّلِ لَيَالِي الْعَشْرِ، طُلِّقَتْ بِانْقِضَاءِ لَيَالِي الْعَشْرِ، وَإِنْ قَالَهُ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ لَيَالِيهَا، لَمْ تُطَلَّقْ إِلَى مُضِيِّ سَنَةٍ. هَكَذَا نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي «الْمُهَذَّبِ» ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمَا.
وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ: لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ فِي مُنْتَصَفِ رَمَضَانَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، لَمْ تُطَلَّقْ حَتَّى تَمْضِيَ سَنَةٌ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ. وَنُقِلَ فِي «الْوَسِيطِ» هَذَا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ. فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ اعْتِبَارُ مُضِيِّ سَنَةٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِلَّا فِي كُتُبِ الْغَزَالِيِّ.
وَقَوْلُهُ: الطَّلَاقُ لَا يَقَعُ بِالشَّكِّ، مُسَلَّمٌ، لَكِنْ يَقَعُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ.
قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: الشَّافِعِيُّ ﵀ مُتَرَدِّدٌ فِي لَيَالِي الْعَشْرِ، وَيَمِيلُ إِلَى بَعْضِهَا مَيْلًا لَطِيفًا، وَانْحِصَارُهَا فِي الْعَشْرِ ثَابِتٌ عِنْدَهُ بِالظَّنِّ الْقَوِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعًا بِهِ، وَالطَّلَاقُ يُنَاطُ وُقُوعُهُ بِالْمَذَاهِبِ الْمَظْنُونَةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْغَزَالِيَّ قَالَ: وَقِيلَ: إِنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي جَمِيعِ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَهَذَا لَا تَكَادُ تَجِدُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْمَذْهَبِ.
قُلْتُ: قَدْ قَالَ الْمُحَامِلِيُّ وَصَاحِبُ «التَّنْبِيهِ» : تُطْلَبُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي جَمِيعِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
وَقَوْلُ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ: طُلِّقَتْ بِانْقِضَاءِ لَيَالِي الْعَشْرِ، فِيهِ تَجَوُّزٌ
стр. 790
تَابَعَ فِيهِ صَاحِبَ «الْمُهَذَّبِ» وَغَيْرَهُ. وَحَقِيقَتُهُ: طُلِّقَتْ فِي أَوَّلِ اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ مِنَ الْعَشْرِ. وَكَذَا قَوْلُهُ: إِنْ قَالَهُ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ لَيَالِيهَا، لَمْ تُطَلَّقْ إِلَى مُضِيِّ سَنَةٍ، فِيهِ تَجَوُّزٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَقُولُ لَهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، فَلَا يَقِفُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى سَنَةٍ كَامِلَةٍ، بَلْ يَقَعُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلَةِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ
أَرْكَانُ الِاعْتِكَافِ، أَرْبَعَةٌ ; اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالنِّيَّةُ، وَالْمُعْتَكِفُ، وَالْمُعْتَكَفُ فِيهِ.
الْأَوَّلُ: اللُّبْثُ، وَفِي اعْتِبَارِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا فِي «النِّهَايَةِ» . أَصَحُّهُمَا: لَا بُدَّ مِنْهُ، وَالثَّانِي: يَكْفِي مُجَرَّدُ الْحُضُورِ، كَمَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الْحُضُورِ بِعَرَفَةَ. ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فَقَالَ: إِنِ اكْتَفَيْنَا بِالْحُضُورِ، حَصَلَ الِاعْتِكَافُ بِالْعُبُورِ. حَتَّى لَوْ دَخَلَ مِنْ بَابٍ، وَخَرَجَ مِنْ بَابٍ، وَنَوَى، فَقَدِ اعْتَكَفَ.
وَإِنِ اعْتَبَرْنَا اللُّبْثَ، لَمْ يَكْفِ مَا يَكْفِي فِي الطُّمَأْنِينَةِ فِي الصَّلَاةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ بِمَا يُسَمَّى عُكُوفًا وَإِقَامَةً.
وَلَا يُعْتَبَرُ السُّكُونُ، بَلْ يَصِحُّ اعْتِكَافُهُ قَائِمًا، أَوْ قَاعِدًا، أَوْ مُتَرَدِّدًا فِي أَطْرَافِ الْمَسْجِدِ. وَلَا يُقَدَّرُ اللُّبْثُ بِزَمَانٍ، حَتَّى لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ سَاعَةٍ، انْعَقَدَ نَذْرُهُ. وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافًا مُطْلَقًا، خَرَجَ مِنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ، بِأَنْ يَعْتَكِفَ لَحْظَةً.
وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ ﵀، أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ، فَإِنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لَا يُجَوِّزَانِ اعْتِكَافَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ.
وَنَقَلَ الصَّيْدَلَانِيُّ وَجْهًا: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إِلَّا يَوْمًا، أَوْ مَا يَدْنُو مِنْ يَوْمٍ.
قُلْتُ: وَلَوْ كَانَ يَدْخُلُ سَاعَةً وَيَخْرُجُ سَاعَةً، وَكُلَّمَا دَخَلَ نَوَى الِاعْتِكَافَ، صَحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَحَكَى الرُّويَانِيُّ فِيهِ خِلَافًا ضَعِيفًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 791
فَصْلٌ
يَحْرُمُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ الْجِمَاعُ، وَجَمِيعُ الْمُبَاشَرَاتِ بِالشَّهْوَةِ، فَإِنْ جَامَعَ ذَاكِرًا لِلِاعْتِكَافِ، عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، سَوَاءٌ جَامَعَ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ جَامَعَ عِنْدَ خُرُوجِهِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ.
فَأَمَّا إِذَا جَامَعَ نَاسِيًا لِلِاعْتِكَافِ، أَوْ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ، فَهُوَ كَنَظِيرِهِ فِي الصَّوْمِ.
وَرَوَى الْمُزَنِيُّ عَنْ نَصِّهِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ: أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ مِنَ الْوَطْءِ إِلَّا مَا يُوجِبُ الْحَدَّ. قَالَ الْإِمَامُ: مُقْتَضَى هَذَا، أَنْ لَا يَفْسُدَ بِإِتْيَانِ الْبَهِيمَةِ، وَالْإِتْيَانِ فِي غَيْرِ الْمَأْتِيِّ إِذَا لَمْ نُوجِبْ فِيهِمَا الْحَدَّ. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ.
قُلْتُ: نَصُّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِالْوَطْءِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
أَمَّا إِذَا لَمَسَ، أَوْ قَبَّلَ بِشَهْوَةٍ، أَوْ بَاشَرَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ مُتَعَمِّدًا، فَفِيهِ نُصُوصٌ وَطُرُقٌ مُخْتَلِفَةٌ، مُخْتَصَرُهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَوْ أَوْجُهٍ.
أَصَحُّهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ: إِنْ أَنْزَلَ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَإِلَّا، فَلَا. وَالثَّانِي: يَبْطُلُ مُطْلَقًا. وَالثَّالِثُ: لَا يَبْطُلُ مُطْلَقًا.
وَإِنِ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِذَا لَمَسَ فَأَنْزَلَ، لَا يَبْطُلُ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ، لِأَنَّ كَمَالَ اللَّذَّةِ بِاصْطِكَاكِ الْبَشَرَتَيْنِ. وَلَا بَأْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ بِأَنْ يُقَبِّلَ عَلَى سَبِيلِ الشَّفَقَةِ وَالْإِكْرَامِ. وَلَا بِأَنْ يَلْمِسَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ.
فَرْعٌ.
لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يُرَجِّلَ رَأْسَهُ وَيَتَطَيَّبَ، وَيَتَزَوَّجَ وَيُزَوِّجَ، وَيَتَزَيَّنَ بِلُبْسِ الثِّيَابِ، وَيَأْمُرَ بِإِصْلَاحِ مَعَاشِهِ، وَتَعَهُّدِ ضَيَاعِهِ، وَأَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ، وَيَخِيطَ وَيَكْتُبَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَا يُكْرَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَعْمَالِ إِذَا لَمْ تَكْثُرْ.
فَإِنْ أَكْثَرَ، أَوْ قَعَدَ يَحْتَرِفُ بِالْخِيَاطَةِ وَنَحْوِهَا، كُرِهَ وَلَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ. وَنُقِلَ عَنِ الْقَدِيمِ: أَنَّهُ إِذَا
стр. 792
اشْتَغَلَ بِحِرْفَةٍ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، وَقِيلَ: بَطَلَ اعْتِكَافُهُ الْمَنْذُورُ. وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمْنَاهُ.
قُلْتُ: الْأَظْهَرُ، كَرَاهَةُ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ قَلَّ لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرِهِ، إِلَّا بِحَاجَةٍ. وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْبُوَيْطِيِّ» وَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِي النَّهْيِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِنِ اشْتَغَلَ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَدِرَاسَةِ الْعِلْمِ، فَزِيَادَةُ خَيْرٍ.
فَرْعٌ
يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَبْسُطَ سُفْرَةً أَوْ نَحْوَهَا. وَلَهُ غَسْلُ يَدِهِ فِيهِ، وَالْأَوْلَى غَسْلُهَا فِي طَسْتٍ وَنَحْوِهَا لِئَلَّا يَبْتَلَّ الْمَسْجِدُ فَيَمْتَنِعُ غَيْرُهُ مِنَ الصَّلَاةِ وَالْجُلُوسِ فِيهِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَتَقَذَّرُ.
وَلِهَذَا قَالَ فِي «التَّهْذِيبِ» : يَجُوزُ نَضْحُ الْمَسْجِدِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ، وَلَا يَجُوزُ بِالْمُسْتَعْمَلِ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا لِأَنَّ النَّفْسَ قَدْ تَعَافُهُ.
وَيَجُوزُ الْفَصْدُ وَالْحِجَامَةُ فِي الْمَسْجِدِ فِي إِنَاءٍ، بِشَرْطِ أَنْ يَأْمَنَ التَّلْوِيثَ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ. وَفِي الْبَوْلِ فِي الطَّسْتِ احْتِمَالَانِ لِصَاحِبِ «الشَّامِلِ» وَالْأَصَحُّ: الْمَنْعُ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ «التَّتِمَّةِ» ، لِأَنَّهُ أَقْبَحُ مِنَ الْفَصْدِ. وَلِهَذَا لَا يُمْنَعُ مِنَ الْفَصْدِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، بِخِلَافِ الْبَوْلِ.
فَصْلٌ
يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ بِغَيْرِ صَوْمٍ، وَيَصِحُّ فِي اللَّيْلِ وَحْدَهُ، وَفِي يَوْمِ الْعِيدِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ وَالْمَشْهُورُ.
وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ قَوْلًا قَدِيمًا: أَنَّ الصَّوْمَ شَرْطٌ، فَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي الْعِيدِ، وَ [أَيَّامِ] التَّشْرِيقِ، وَاللَّيْلِ الْمُجَرَّدِ.
стр. 793
فَرْعٌ
إِذَا نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا هُوَ فِيهِ صَائِمٌ، أَوْ أَيَّامًا هُوَ فِيهَا صَائِمٌ، لَزِمَهُ الِاعْتِكَافُ فِي أَيَّامِ الصَّوْمِ، وَلَيْسَ لَهُ إِفْرَادُ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ بِلَا خِلَافٍ.
وَلَوِ اعْتَكَفَ فِي رَمَضَانَ، أَجْزَأَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ بِهَذَا النَّذْرِ صَوْمًا، وَإِنَّمَا نَذَرَ الِاعْتِكَافَ بِصِفَةٍ وَقَدْ وُجِدَتْ. وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا، أَوْ يَعْتَكِفَ بِصَوْمٍ، لَزِمَهُ الِاعْتِكَافُ وَالصَّوْمُ.
وَهَلْ يَلْزَمُهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؟ وَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: لَا، لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَأَشْبَهَ إِذَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَائِمًا. وَأَصَحُّهُمَا: يَلْزَمُهُ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي «الْأُمِّ» كَالْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ.
فَعَلَى هَذَا، لَوْ شَرَعَ فِي الِاعْتِكَافِ صَائِمًا، ثُمَّ أَفْطَرَ، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافُ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ: يَكْفِيهِ اسْتِئْنَافُ الصَّوْمِ. وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ وَلَيَالٍ مُتَتَابِعَةٍ صَائِمًا، فَجَامَعَ لَيْلًا، فَفِيهِ هَذَانِ الْوَجْهَانِ. وَلَوِ اعْتَكَفَ فِي رَمَضَانَ، أَجْزَأَهُ عَنِ الِاعْتِكَافِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَعَلَيْهِ الصَّوْمُ، وَعَلَى الثَّانِي: لَا يُجْزِئُهُ الِاعْتِكَافُ أَيْضًا.
وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ مُعْتَكِفًا، فَطَرِيقَانِ. أَصَحُّهُمَا: طَرْدُ الْوَجْهَيْنِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ: لُزُومُ الْجَمْعِ.
وَالثَّانِي: الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْجَمْعُ. وَالْفَرْقُ، أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَصْلُحُ وَصْفًا لِلصَّوْمِ، بِخِلَافِ عَكْسِهِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ مِنْ مَنْدُوبَاتِ الِاعْتِكَافِ.
وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا، أَوْ يُصَلِّيَ مُعْتَكِفًا، لَزِمَهُ الِاعْتِكَافُ وَالصَّلَاةُ. وَفِي لُزُومِ الْجَمْعِ، طَرِيقَانِ.
الْمَذْهَبُ: لَا يَجِبُ. وَقِيلَ: بِطَرْدِ الْوَجْهَيْنِ. وَالْفَرْقُ، أَنَّ الصَّوْمَ وَالِاعْتِكَافَ مُتَقَارِبَانِ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْكَفِّ، وَالصَّلَاةُ أَفْعَالٌ مُبَاشِرَةٌ لَا تُنَاسِبُ الِاعْتِكَافَ.
فَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ مُحْرِمًا بِالصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ نُوجِبِ الْجَمْعَ بَيْنَ الِاعْتِكَافِ وَالصَّلَاةِ، فَالَّذِي يَلْزَمُهُ مِنَ الصَّلَاةِ، هُوَ الَّذِي يَلْزَمُهُ لَوْ أَفْرَدَ الصَّلَاةَ بِالنَّذْرِ، وَإِلَّا لَزِمَهُ ذَلِكَ الْقَدْرُ فِي يَوْمِ اعْتِكَافِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِيعَابُ الْيَوْمِ بِالصَّلَاةِ.
وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ مُصَلِّيًا، لَزِمَهُ ذَلِكَ الْقَدْرُ فِي كُلِّ يَوْمٍ، هَكَذَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ»
стр. 794
وَغَيْرُهُ. وَلَكَ أَنْ تَقُولَ: ظَاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ، فَإِنْ تَرَكْنَا الظَّاهِرَ، فَلِمَ يُعْتَبَرُ تَكْرِيرُ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنَ الصَّلَاةِ كُلَّ يَوْمٍ؟ وَهَلَّا اكْتُفِيَ بِهِ مَرَّةً فِي جَمِيعِ الْمُدَّةِ؟ وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً يَقْرَأُ فِيهَا سُورَةَ كَذَا، فَفِي وُجُوبِ الْجَمْعِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ، قَالَهُ الْقَفَّالُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
الرُّكْنُ الثَّانِي: النِّيَّةُ، فَلَا بُدَّ مِنْهَا فِي ابْتِدَاءِ الِاعْتِكَافِ، وَيَجِبُ التَّعَرُّضُ فِي الْمَنْذُورِ مِنْهُ لِلْفَرْضِيَّةِ. ثُمَّ إِذَا نَوَى الِاعْتِكَافَ وَأَطْلَقَ كَفَاهُ ذَلِكَ وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ.
فَإِنْ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَادَ، احْتَاجَ إِلَى اسْتِئْنَافِ النِّيَّةِ، سَوَاءٌ خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، أَمْ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّ مَا مَضَى عِبَادَةٌ تَامَّةٌ، وَالثَّانِي: اعْتِكَافٌ جَدِيدٌ قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : فَلَوْ عَزَمَ عِنْدَ خُرُوجِهِ أَنْ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ وَيَعُودَ، كَانَتْ هَذِهِ الْعَزِيمَةُ قَائِمَةً مَقَامَ النِّيَّةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ اقْتِرَانَ النِّيَّةِ بِأَوَّلِ الْعِبَادَةِ شَرْطٌ.
فَكَيْفَ يَكْتَفِي بِعَزِيمَةٍ سَابِقَةٍ؟ أَمَّا إِذَا عَيَّنَ زَمَانًا، بِأَنْ نَوَى اعْتِكَافَ شَهْرٍ أَوْ يَوْمٍ، فَهَلْ يُشْتَرَطُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ إِذَا خَرَجَ وَعَادَ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ.
أَصَحُّهُمَا: إِنْ خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، لَمْ يَجِبِ التَّجْدِيدُ، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَإِنْ خَرَجَ لِغَرَضٍ آخَرَ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّجْدِيدِ، وَسَوَاءٌ طَالَ الزَّمَانُ، أَمْ قَصُرَ.
وَالثَّانِي: إِنْ طَالَتْ مُدَّةُ الْخُرُوجِ، وَجَبَ التَّجْدِيدُ، وَإِلَّا فَلَا، وَسَوَاءٌ خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، أَمْ لِغَيْرِهِ.
وَالثَّالِثُ: لَا حَاجَةَ إِلَى التَّجْدِيدِ مُطْلَقًا.
وَالرَّابِعُ: هُوَ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» : إِنْ خَرَجَ لِأَمْرٍ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي الِاعْتِكَافِ الْمُتَتَابِعِ، وَجَبَ التَّجْدِيدُ. وَإِنْ خَرَجَ لِأَمْرٍ لَا يَقْطَعُهُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدٌّ، كَقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَالْغُسْلِ لِلِاحْتِلَامِ، لَمْ يَجِبِ التَّجْدِيدُ.
وَإِنْ كَانَ مِنْهُ بُدٌّ، أَوْ طَالَ الزَّمَانُ، فَفِي التَّجْدِيدِ عَلَى هَذَا وَجْهَانِ. وَهَذَا الْخِلَافُ مُطَّرِدٌ فِيمَا إِذَا نَوَى مُدَّةً لِاعْتِكَافِ تَطَوُّعٍ، وَفِيمَا إِذَا نَذَرَ أَيَّامًا وَلَمْ يَشْرُطْ فِيهَا التَّتَابُعَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ بِقَصْدِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ.
أَمَّا إِذَا شَرَطَ التَّتَابُعَ، أَوْ كَانَتِ الْمَنْذُورَةُ مُتَوَاصِلَةً، فَسَيَأْتِي حُكْمُ التَّجْدِيدِ فِيهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
стр. 795
فَرْعٌ
لَوْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنَ الِاعْتِكَافِ، لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الْأَصَحِّ كَالصَّوْمِ.
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْمُعْتَكِفُ، شَرْطُهُ: الْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالنَّقَاءُ عَنِ الْحَيْضِ، وَالْجَنَابَةِ. فَيَصِحُّ اعْتِكَافُ الصَّبِيِّ، وَالرَّقِيقِ، وَالزَّوْجَةِ كَصِيَامِهِمْ.
وَلَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَعْتَكِفَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا لِلْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، فَإِنِ اعْتَكَفَا بِغَيْرِ إِذْنٍ، جَازَ لِلزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ إِخْرَاجُهُمَا.
وَكَذَا لَوِ اعْتَكَفَا بِإِذْنِهِمَا تَطَوُّعًا، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ. وَلَوْ نَذَرَا اعْتِكَافًا، نُظِرَ، إِنْ نَذَرَا بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَلَهُمَا الْمَنْعُ مِنَ الشُّرُوعِ فِيهِ، فَإِنْ أَذِنَا فِي الشُّرُوعِ وَكَانَ الزَّمَانُ مُتَعَيِّنًا أَوْ غَيْرَ مُتَعَيِّنٍ، وَلَكِنْ شَرَطَا التَّتَابُعَ، لَمْ يَكُنْ لَهُمَا الرُّجُوعُ.
وَإِنْ لَمْ يَشْرُطَا، فَلَهُمَا الرُّجُوعُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ نَذَرَا بِالْإِذْنِ، نُظِرَ، إِنْ تَعَلَّقَ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ، فَلَهُمَا الشُّرُوعُ فِيهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَإِلَّا لَمْ يَشْرَعَا بِغَيْرِ إِذْنٍ، وَإِنْ شَرَعَا بِالْإِذْنِ، لَمْ يَكُنْ لَهُمَا الْمَنْعُ مِنَ الْإِتْمَامِ، هَكَذَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ النَّذْرَ الْمُطْلَقَ إِذَا شَرَعَ فِيهِ لَزِمَهُ إِتْمَامُهُ.
وَفِيهِ خِلَافٌ سَبَقَ فِي آخِرِ كِتَابِ الصَّوْمِ. وَيَسْتَوِي فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ، الْقِنُّ، وَالْمُدَبَّرُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ. وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ، فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ بِغَيْرِ إِذْنِ السَّيِّدِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَمَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ، كَالْقِنِّ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُهَايَأَةً، فَإِنْ كَانَتْ، فَهُوَ فِي نَوْبَتِهِ كَالْحُرِّ، وَفِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ كَالْقِنِّ.
فَرْعٌ
لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْكَافِرِ، وَالْمَجْنُونِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالسَّكْرَانِ، إِذْ لَا نِيَّةَ لَهُمْ. وَلَوِ ارْتَدَّ فِي أَثْنَاءِ اعْتِكَافِهِ، فَالنَّصُّ فِي «الْأُمِّ» : أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ.
стр. 796
فَإِذَا أَسْلَمَ، بَنَى. وَنُصَّ أَنَّهُ لَوْ سَكِرَ فِي اعْتِكَافِهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، يَسْتَأْنِفُ. وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِيهِمَا عَلَى طُرُقٍ.
الْمَذْهَبُ: بُطْلَانُ اعْتِكَافِهِمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ أَشَدُّ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَنَصُّهُ فِي الْمُرْتَدِّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ اعْتِكَافٌ غَيْرُ مُتَتَابِعٍ. فَإِذَا أَسْلَمَ بَنَى، لِأَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُحْبِطُ مَا سَبَقَ عِنْدَنَا، إِلَّا إِذَا مَاتَ مُرْتَدًّا.
وَنَصُّهُ فِي السَّكْرَانِ فِي اعْتِكَافٍ مُتَتَابِعٍ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ. وَالْفَرْقُ بِأَنَّ السَّكْرَانَ يُمْنَعُ الْمَسْجِدَ بِكُلِّ حَالٍ، بِخِلَافِ الْمُرْتَدِّ.
وَاخْتَارَ أَصْحَابُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ هَذَا الطَّرِيقَ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ الْمَذْهَبُ. وَالثَّالِثُ: فِيهِمَا قَوْلَانِ. وَالرَّابِعُ: لَا يَبْطُلُ فِيهِمَا. وَالْخَامِسُ: يُبْطِلُ السُّكْرُ لِامْتِدَادِ زَمَنِهِ، وَكَذَا الرِّدَّةُ إِنْ طَالَ زَمَنُهَا، وَإِنْ قَصُرَ بَنَى.
وَالسَّادِسُ: يَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ دُونَ السُّكْرِ، لِأَنَّهُ كَالنَّوْمِ، وَالرِّدَّةُ تُنَافِي الْعِبَادَةَ. وَهَذَا الطَّرِيقُ حَكَاهُ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُمَا.
وَهَذَا الْخِلَافُ، أَنَّهُ هَلْ يَبْقَى مَا تَقَدَّمَ عَلَى الرِّدَّةِ وَالسُّكْرِ مُعْتَدًّا بِهِ فَيُبْنَى عَلَيْهِ، أَمْ يَبْطُلُ فَيَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِئْنَافِ إِنْ كَانَ الِاعْتِكَافُ مُتَتَابِعًا؟ فَأَمَّا زَمَنُ الرِّدَّةِ وَالسُّكْرِ فَغَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ قَطْعًا.
وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: يُعْتَدُّ بِزَمَنِ السُّكْرِ. وَأَشَارَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ، إِلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي الِاعْتِدَادِ بِزَمَنِ الرِّدَّةِ، وَالسُّكْرِ. وَالْمَذْهَبُ مَا سَبَقَ.
وَلَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، أَوْ جُنَّ فِي زَمَنِ الِاعْتِكَافِ، فَإِنْ لَمْ يُخْرَجْ مِنَ الْمَسْجِدِ، لَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ، لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ. وَإِنْ أُخْرِجَ، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ حِفْظُهُ فِي الْمَسْجِدِ، لَمْ يَبْطُلْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ الْخُرُوجُ بِاخْتِيَارِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ حُمِلَ الْعَاقِلُ مُكْرَهًا.
وَإِنْ أَمْكَنَ وَلَكِنْ شَقَّ، فَفِيهِ الْخِلَافُ الْآتِي فِي الْمَرِيضِ إِذَا أُخْرِجَ. قَالَ فِي «التَّتِمَّةِ» : وَلَا يُحْسَبُ زَمَنُ الْجُنُونِ مِنَ الِاعْتِكَافِ، وَيُحْسَبُ زَمَنُ الْإِغْمَاءِ عَلَى الْمَذْهَبِ.
стр. 797
فَرْعٌ
لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْحَائِضِ، وَلَا الْجُنُبِ. وَمَتَى طَرَأَ الْحَيْضُ عَلَى الْمُعْتَكِفَةِ، لَزِمَهَا الْخُرُوجُ. فَإِنْ مَكَثَتْ، لَمْ يُحْسَبْ عَنِ الِاعْتِكَافِ.
وَهَلْ يُبْطِلُ مَا سَبَقَ، أَمْ يُبْنَى عَلَيْهِ؟ فِيهِ كَلَامٌ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ طَرَأَتِ الْجَنَابَةُ بِمَا يُبْطِلُ الِاعْتِكَافَ، لَمْ يَخْفَ الْحُكْمُ.
وَإِنْ طَرَأَتْ بِمَا لَا يُبْطِلُهُ، كَالِاحْتِلَامِ، وَالْجِمَاعِ نَاسِيًا، وَالْإِنْزَالِ بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ، إِذَا قُلْنَا: لَا يُبْطِلُهُ، لَزِمَهُ أَنْ يُبَادِرَ بِالْغُسْلِ كَيْلَا يَبْطُلَ تَتَابُعُهُ، وَلَهُ الْخُرُوجُ لِلْغُسْلِ، سَوَاءٌ أَمْكَنَهُ الْغُسْلُ فِي الْمَسْجِدِ، أَمْ لَا، لِأَنَّهُ أَصْوَنُ لِمُرُوءَتِهِ وَلِلْمَسْجِدِ. وَلَا يُحْسَبُ زَمَنُ الْجَنَابَةِ مِنَ الِاعْتِكَافِ عَلَى الصَّحِيحِ.
الرُّكْنُ الرَّابِعُ: الْمُعْتَكَفُ فِيهِ وَهُوَ الْمَسْجِدُ، فَيَخْتَصُّ بِالْمَسَاجِدِ، وَيَجُوزُ فِي جَمِيعِهَا، وَالْجَامِعُ أَوْلَى. وَأَوْمَأَ فِي الْقَدِيمِ إِلَى اشْتِرَاطِ الْجَامِعِ، وَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ مَا سَبَقَ. وَلَوِ اعْتَكَفَتِ الْمَرْأَةُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا - وَهُوَ الْمُعْتَزَلُ الْمُهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ - لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْجَدِيدِ، وَيَصِحُّ عَلَى الْقَدِيمِ.
فَإِنْ صَحَّحْنَاهُ، فَفِي جَوَازِ اعْتِكَافِ الرَّجُلِ فِيهِ وَجْهَانِ. وَهُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ.
وَعَلَى الْجَدِيدِ: كُلُّ امْرَأَةٍ يُكْرَهُ لَهَا الْخُرُوجُ لِلْجَمَاعَةِ، يُكْرَهُ لَهَا الْخُرُوجُ لِلِاعْتِكَافِ، وَمَنْ لَا، فَلَا.
قُلْتُ: قَدْ أَنْكَرَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَجَمَاعَةٌ هَذَا الْقَدِيمَ. وَقَالُوا: لَا يَجُوزُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَغَلَّطُوا مَنْ قَالَ: قَوْلَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَرْعٌ
إِذَا نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي مَسْجِدٍ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ عَيَّنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، تَعَيَّنَ عَلَى
стр. 798
الْمَذْهَبِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجَمَاهِيرُ. وَقِيلَ: فِي تَعْيِينِهِ قَوْلَانِ. وَإِنْ عَيَّنَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ مَسْجِدَ الْأَقْصَى، تَعَيَّنَ عَلَى الْأَظْهَرِ. وَإِنْ عَيَّنَ غَيْرَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقِيلَ: الْأَظْهَرُ يَتَعَيَّنُ كَمَا لَوْ عَيَّنَهُ لِلصَّلَاةِ. وَقِيلَ: لَا يَتَعَيَّنُ قَطْعًا.
وَإِذَا حَكَمْنَا بِالتَّعْيِينِ، فَإِنْ عَيَّنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ. وَإِنْ عَيَّنَ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، لَمْ يَقُمْ مَقَامَهُ إِلَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. وَإِنْ عَيَّنَ الْأَقْصَى، لَمْ يَقُمْ مَقَامَهُ إِلَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَمَسْجِدُ الْمَدِينَةِ.
وَإِذَا حَكَمْنَا بِعَدَمِ التَّعْيِينِ، فَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوجُ بَعْدَ الشُّرُوعِ لِيَنْتَقِلَ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، لَكِنْ لَوْ كَانَ يَنْتَقِلُ فِي خُرُوجِهِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ عَلَى مِثْلِ تِلْكَ الْمَسَافَةِ، جَازَ عَلَى الْأَصَحِّ.
أَمَّا إِذَا عَيَّنَ زَمَنَ الِاعْتِكَافِ فِي نَذْرِهِ، فَفِي تَعْيِينِهِ وَجْهَانِ.
الصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ، فَلَا يَجُوزُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَأَخَّرَ كَانَ قَضَاءً.
وَالثَّانِي: لَا يَتَعَيَّنُ، كَمَا لَا يَتَعَيَّنُ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي تَعْيِينِ زَمَنِ الصَّوْمِ.
فَصْلٌ
مَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ مُدَّةٍ وَأَطْلَقَ، نُظِرَ، إِنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ، لَزِمَهُ كَمَا لَوْ شَرَطَ التَّتَابُعَ فِي الصَّوْمِ، وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ، بَلْ قَالَ: عَلَيَّ شَهْرٌ أَوْ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، فَلَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ.
وَخَرَّجَ ابْنُ سُرَيْجٍ قَوْلًا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَهُوَ شَاذٌّ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ نَوَى التَّتَابُعَ بِقَلْبِهِ، فَفِي لُزُومِهِ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا يَلْزَمُ.
وَلَوْ شَرَطَ تَفْرِيقَهُ، فَهَلْ يُجْزِئُهُ الْمُتَتَابَعُ؟ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: يُجْزِئُهُ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ.
وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ، فَهَلْ يَجُوزُ تَلْفِيقُ سَاعَاتِهِ مِنْ أَيَّامٍ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ: لَا، لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنَ الْيَوْمِ، الْمُتَّصِلُ. وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْخَلِيلِ، أَنَّ الْيَوْمَ: اسْمٌ لِمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَغُرُوبِ الشَّمْسِ. وَلَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي أَثْنَاءِ
стр. 799
النَّهَارِ وَخَرَجَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، ثُمَّ عَادَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَمَكَثَ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَهُوَ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
فَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ بِاللَّيْلِ، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: يُجْزِئُهُ، سَوَاءٌ جَوَّزْنَا التَّفْرِيقَ أَوْ مَنَعْنَاهُ، لِحُصُولِ التَّوَاصُلِ.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ تَفْرِيعًا عَلَى الْأَصَحِّ: لَا يُجْزِئُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِيَوْمٍ مُتَوَاصِلِ السَّاعَاتِ، وَاللَّيْلَةُ لَيْسَتْ مِنَ الْيَوْمِ، وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ.
وَلَوْ قَالَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا مِنْ هَذَا الْوَقْتِ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دُخُولُ الْمُعْتَكَفِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إِلَى مِثْلِهِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي، وَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ بِاللَّيْلِ لِيَتَحَقَّقَ التَّتَابُعُ.
وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْمُلْتَزَمَ يَوْمٌ وَلَيْسَتِ اللَّيْلَةُ مِنْهُ، فَلَا يَمْنَعُ التَّتَابُعَ. وَالْقِيَاسُ: أَنْ يَجْعَلَ فَائِدَةَ التَّقْيِيدِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، الْقَطْعَ بِجَوَازِ التَّفْرِيقِ لَا غَيْرَ.
ثُمَّ حَكَى الْإِمَامُ عَنِ الْأَصْحَابِ تَفْرِيعًا عَلَى جَوَازِ تَفْرِيقِ السَّاعَاتِ: أَنَّهُ يَكْفِيهِ سَاعَاتُ أَقْصَرِ الْأَيَّامِ، لِأَنَّهُ لَوِ اعْتَكَفَ أَقْصَرَ الْأَيَّامِ، جَازَ.
ثُمَّ قَالَ: إِنْ فَرَّقَ عَلَى سَاعَاتِ أَقْصَرِ الْأَيَّامِ فِي سِنِينَ، فَالْأَمْرُ كَذَلِكَ. وَإِنِ اعْتَكَفَ فِي أَيَّامٍ مُتَبَايِنَةٍ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُنْسَبَ اعْتِكَافُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِالْجُزْئِيَّةِ إِلَيْهِ، إِنْ كَانَ ثُلُثًا، فَقَدْ خَرَجَ عَنْ ثُلُثِ مَا عَلَيْهِ.
وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، نَظَرًا إِلَى الْيَوْمِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الِاعْتِكَافُ. وَلِهَذَا، لَوِ اعْتَكَفَ مِنْ يَوْمٍ طَوِيلٍ بِقَدْرِ سَاعَاتِ أَقْصَرِ الْأَيَّامِ، لَمْ يَكْفِهِ، وَهَذَا اسْتِدْرَاكٌ حَسَنٌ، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ بِمَا لَا يَشْفِي.
أَمَّا إِذَا عَيَّنَ الْمُدَّةَ الْمَنْذُورَةَ، بِأَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ مِنَ الْآنِ، أَوْ هَذِهِ الْعَشَرَةِ، أَوْ شَهْرِ رَمَضَانَ، أَوْ هَذَا الشَّهْرِ، فَعَلَيْهِ الْوَفَاءُ.
فَلَوْ أَفْسَدَ آخِرَهُ بِخُرُوجٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَمْ يَجِبِ الِاسْتِئْنَافُ. وَلَوْ فَاتَهُ الْجَمِيعُ، لَمْ يَجِبِ التَّتَابُعُ فِي الْقَضَاءِ، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ.
هَذَا إِذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّتَابُعِ، فَلَوْ صَرَّحَ بِهِ فَقَالَ: أَعْتَكِفُ هَذِهِ الْعَشَرَةَ مُتَتَابِعَةً، فَهَلْ يَجِبُ الِاسْتِئْنَافُ لِفَسَادِ آخِرِهِ، أَوِ التَّتَابُعُ فِي قَضَائِهِ؟ وَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا: يَجِبَانِ، لِتَصْرِيحِهِ، وَالثَّانِي: لَا، لِأَنَّ التَّتَابُعَ يَقَعُ ضَرُورَةً، فَلَا أَثَرَ لِتَصْرِيحِهِ.
стр. 800
فَصْلٌ
فِي اسْتِتْبَاعِ اللَّيَالِي الْأَيَّامَ وَعَكْسِهِ.
فَإِذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ، لَزِمَهُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: أَيَّامُ شَهْرٍ، أَوْ نَهَارُهُ، فَلَا تَلْزَمُ اللَّيَالِي. وَكَذَا لَوْ قَالَ: لَيَالِي هَذَا الشَّهْرِ، لَا تَلْزَمُهُ الْأَيَّامُ. وَلَوْ لَمْ يَلْفُظْ بِالتَّقْيِيدِ، لَكِنْ نَوَاهُ بِقَلْبِهِ، فَالْأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِنِيَّتِهِ.
ثُمَّ إِذَا أَطْلَقَ الشَّهْرَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ قَبْلَ الْهِلَالِ، كَفَاهُ ذَلِكَ الشَّهْرُ تَمَّ أَوْ نَقَصَ. فَإِنْ دَخَلَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ، اسْتَكْمَلَ بِالْعَدَدِ. وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ ضَمُّ اللَّيْلَةِ إِلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهَا، فَتَلْزَمُهُ.
وَحُكِيَ قَوْلٌ: أَنَّ اللَّيْلَةَ تَدَخُلُ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ يَوْمًا بِلَا لَيْلَةٍ. وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمَيْنِ، فَفِي لُزُومِ اللَّيْلَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا، ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ.
أَحَدُهَا: لَا تَلْزَمُ، إِلَّا إِذَا نَوَاهَا، وَالثَّانِي: تَلْزَمُ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بَيَاضَ النَّهَارِ فَقَطْ، وَالثَّالِثُ: إِنْ نَوَى التَّتَابُعَ، أَوْ صَرَّحَ بِهِ، لَزِمَتْ، لِيَحْصُلَ التَّوَاصُلُ، وَإِلَّا، فَلَا. وَهَذَا الثَّالِثُ أَرْجَحُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ.
وَرَجَّحَ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» وَآخَرُونَ: الْأَوَّلَ.
وَالْوَجْهُ: التَّوَسُّطُ. فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالتَّتَابُعِ تَوَالِيَ الْيَوْمَيْنِ، فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ صَاحِبُ «الْمُهَذَّبِ» وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ تَوَاصُلَ الِاعْتِكَافِ، فَالْحَقُّ مَا ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُونَ.
وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَتَيْنِ، فَفِي النَّهَارِ الْمُتَخَلِّلِ بَيْنَهُمَا هَذَا الْخِلَافُ. وَلَوْ نَذَرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ عَشَرَةً، أَوْ ثَلَاثِينَ، فَفِي لُزُومِ اللَّيَالِي الْمُتَخَلِّلَةِ هَذَا الْخِلَافُ.
وَالْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي اللَّيَالِي الْمُتَخَلِّلَةِ، وَهِيَ تَنْقُصُ عَنْ عَدَدِ الْأَيَّامِ بِوَاحِدٍ أَبَدًا، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ لَيَالِي بِعَدَدِ الْأَيَّامِ.
وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ الْعُشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ شَهْرٍ، دَخَلَ فِيهِ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي، وَتَكُونُ اللَّيَالِي هُنَا بِعَدَدِ الْأَيَّامِ كَمَا فِي الشَّهْرِ، فَيَدْخُلُ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، وَيَخْرُجُ إِذَا اسْتَهَلَّ الْهِلَالُ تَمَّ الشَّهْرُ أَوْ نَقَصَ، لِأَنَّهُ مُقْتَضَاهُ.
стр. 801
وَلَوْ نَذَرَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ، وَدَخَلَ قُبَيْلَ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، فَنَقَصَ الشَّهْرُ، لَزِمَهُ يَوْمٌ مِنَ الشَّهْرِ الْآخَرِ، وَفِي دُخُولِ اللَّيَالِي هُنَا الْخِلَافُ.
فَرْعٌ
نَذَرَ اعْتِكَافَ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ زِيدٌ، فَقَدِمَ لَيْلًا، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ قَدِمَ نَهَارًا، لَزِمَهُ بَقِيَّةُ النَّهَارِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ مَا مَضَى عَلَى الْأَظْهَرِ، وَعَلَى الثَّانِي: يَلْزَمُهُ، فَيَقْضِي بِقَدْرِ مَا مَضَى مِنْ يَوْمٍ آخَرَ.
قَالَ الْمُزَنِيُّ: الْأَوْلَى أَنْ يَسْتَأْنِفَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ لِيَكُونَ اعْتِكَافُهُ مُتَّصِلًا.
وَلَوْ كَانَ النَّاذِرُ وَقْتَ الْقُدُومِ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا، قَضَى عِنْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ. إِمَّا مَا بَقِيَ، وَإِمَّا يَوْمًا كَامِلًا عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ.
وَفِي وَجْهٍ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِعَجْزِهِ وَقْتَ الْوُجُوبِ، كَمَا لَوْ نَذَرَتْ صَوْمَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ فَحَاضَتْ فِيهِ.
فَصْلٌ
إِذَا نَذَرَ اعْتِكَافًا مُتَتَابِعًا، وَشَرَطَ الْخُرُوجَ إِنْ عَرَضَ عَارِضٌ، صَحَّ شَرْطُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ.
وَحَكَى صَاحِبُ «التَّقْرِيبِ» وَالْحَنَّاطِيُّ - بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ - قَوْلًا: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَاهُ، فَبَطَلَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ الْخُرُوجَ لِلْجِمَاعِ، فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ، نُظِرَ، إِنْ عَيَّنَ نَوْعًا فَقَالَ: لَا أَخْرُجُ إِلَّا لِعِيَادَةِ الْمَرْضَى، أَوْ لِعِيَادَةِ زَيْدٍ، أَوْ تَشْيِيعِ جِنَازَتِهِ، خَرَجَ لِمَا عَيَّنَهُ دُونَ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَهَمَّ مِنْهُ.
وَإِنْ أَطْلَقَ وَقَالَ: لَا أَخْرُجُ إِلَّا لِشُغْلٍ أَوْ عَارِضٍ، جَازَ الْخُرُوجُ لِكُلِّ شُغْلٍ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ. فَالْأَوَّلُ: كَالْجُمُعَةِ، وَالْجَمَاعَةِ، وَالْعِيَادَةِ، وَالثَّانِي: كَلِقَاءِ السُّلْطَانِ، وَاقْتِضَاءِ الْغَرِيمِ، وَلَا يَبْطُلُ التَّتَابُعُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا.
стр. 802
وَيُشْتَرَطُ فِي الشُّغْلِ الدُّنْيَوِيِّ، كَوْنُهُ مُبَاحًا. وَفِي وَجْهٍ شَاذٍّ: لَا يُشْتَرَطُ. وَلَيْسَتِ النَّظَّارَةُ وَالنُّزْهَةُ مِنَ الشُّغْلِ. وَلَوْ قَالَ: إِنْ عَرَضَ عَارِضٌ، قَطَعْتَ الِاعْتِكَافَ، فَالْحُكْمُ كَمَا لَوْ شَرَطَ الْخُرُوجَ إِلَّا أَنَّ فِي شَرْطِ الْخُرُوجِ، يَلْزَمُهُ الْعَوْدُ عِنْدَ قَضَاءِ تِلْكَ الْحَاجَةِ.
وَفِيمَا إِذَا شَرَطَ الْقَطْعَ، لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ. وَكَذَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ رَمَضَانَ، إِلَّا أَنْ أَمْرَضَ أَوْ أُسَافِرَ، فَإِذَا مَرِضَ، أَوْ سَافَرَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةً وَشَرَطَ الْخُرُوجَ مِنْهَا إِنْ عَرَضَ عَارِضٌ، أَوْ نَذَرَ صَوْمًا وَشَرَطَ الْخُرُوجَ مِنْهُ إِنْ جَاعَ أَوْ أُضِيفَ، فَوَجْهَانِ.
أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ: يَصِحُّ الشَّرْطُ، وَالثَّانِي: لَا يَنْعَقِدُ النَّذْرُ، بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ، فَإِنَّ مَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ عِبَادَةٌ، وَبَعْضُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ.
وَلَوْ فَرَضَ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ، انْعَقَدَ النَّذْرُ، كَمَا يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ الْمَشْرُوطُ. لَكِنْ فِي جَوَازِ الْخُرُوجِ قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ. وَالصَّوْمُ، وَالصَّلَاةُ، أَوْلَى بِجَوَازِ الْخُرُوجِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ: الْحَجُّ أَوْلَى. وَلَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، أَوْ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ، إِلَّا أَنْ يَعْرِضَ حَاجَةٌ وَنَحْوُهَا، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَالْأَصَحُّ: صِحَّةُ الْمَشْرُوطِ أَيْضًا.
فَإِذَا احْتَاجَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَلَوْ قَالَ فِي هَذِهِ الْقُرُبَاتِ كُلِّهَا: إِلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ الشَّرْطُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا بَدَا لَهُ كَسَائِرِ الْعَوَارِضِ. وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِمُجَرَّدِ الْخِيَرَةِ. وَذَلِكَ يُنَاقِضُ الِالْتِزَامَ.
وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، فَهَلْ يُقَالُ: الِالْتِزَامُ بَاطِلٌ، أَمْ صَحِيحٌ وَيَلْغُو الشَّرْطُ؟ قَالَ صَاحِبُ «التَّهْذِيبِ» : لَا يَنْعَقِدُ النَّذْرُ عَلَى قَوْلِنَا: لَا يَصِحُّ شَرْطُ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ. وَنَقَلَ الْإِمَامُ وَجْهَيْنِ فِي صُورَةٍ تُقَارِبُ هَذَا، وَهِيَ إِذَا نَذَرَ اعْتِكَافًا مُتَتَابِعًا، وَشَرَطَ الْخُرُوجَ مَهْمَا أَرَادَ، فَفِي وَجْهٍ: يَبْطُلُ الْتِزَامُ التَّتَابُعِ. وَفِي وَجْهٍ: يَلْزَمُ التَّتَابُعُ، وَيَبْطُلُ الِاسْتِثْنَاءُ.
стр. 803
فَرْعٌ
إِذَا شَرَطَ الْخُرُوجَ لِغَرَضٍ، وَصَحَّحْنَاهُ فَخَرَجَ لَهُ، فَهَلْ يَجِبُ تَدَارُكُ الزَّمَنِ الْمَصْرُوفِ إِلَيْهِ؟ يُنْظَرُ، إِنْ نَذَرَ مُدَّةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ، كَشَهْرٍ مُطْلَقٍ، وَجَبَ التَّدَارُكُ، لِتَتِمَّ الْمُدَّةُ الْمُلْتَزَمَةُ، وَتَكُونُ فَائِدَةُ الشَّرْطِ تَنْزِيلَ ذَلِكَ الْغَرَضِ مَنْزِلَةَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، فِي أَنَّ التَّتَابُعَ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ.
وَإِنْ نَذَرَ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، كَشَهْرِ رَمَضَانَ، أَوْ هَذِهِ الْعَشَرَةِ، لَمْ يَجِبِ التَّدَارُكُ.
فَرْعٌ
فِيمَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي الِاعْتِكَافِ الْمُتَتَابِعِ، وَيَخْرُجُ إِلَى الِاسْتِئْنَافِ.
وَهُوَ أَمْرَانِ.
أَحَدُهُمَا: فَقْدُ بَعْضِ شُرُوطِ الِاعْتِكَافِ، وَهِيَ الْأُمُورُ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا، كَالْكَفِّ عَنِ الْجِمَاعِ، وَمُقَدِّمَاتِهِ فِي قَوْلٍ. وَيُسْتَثْنَى عَنْ هَذَا، عُرُوضُ الْحَيْضِ وَالِاحْتِلَامِ، فَإِنَّهُمَا لَا يَقْطَعَانِهِ.
الْأَمْرُ الثَّانِي: الْخُرُوجُ بِكُلِّ الْبَدَنِ عَنْ كُلِّ الْمَسْجِدِ بِلَا عُذْرٍ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ قُيُودٍ، احْتَرَزْنَا بِالْأَوَّلِ عَمَّا إِذَا أَخْرَجَ رَأْسَهُ، أَوْ يَدَهُ، أَوْ إِحْدَى رِجْلَيْهِ، أَوْ كِلْتَيْهِمَا وَهُوَ قَاعِدٌ مَادَّهُمَا، فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ. فَإِنِ اعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا، فَهُوَ خَارِجٌ.
وَاحْتَرَزْنَا بِالثَّانِي، عَمَّنْ صَعَدَ الْمَنَارَةَ لِلْأَذَانِ، وَلَهَا حَالَانِ.
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بَابُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ رَحْبَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ، فَلَا يَضُرُّ صُعُودُهَا لِلْأَذَانِ أَوْ غَيْرُهُ كَسَطْحِ الْمَسْجِدِ، وَسَوَاءً كَانَتْ فِي نَفْسِ الْمَسْجِدِ وَالرَّحْبَةِ، أَوْ خَارِجَةً عَنْ سَمْتِ الْبَنَّاءِ وَتَرْبِيعِهِ. وَأَبْدَى الْإِمَامُ احْتِمَالًا فِي الْخَارِجَةِ عَنْ سِمَتِهِ
стр. 804
قَالَ: لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ لَا تُعَدُّ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِيهَا. وَكَلَامُ الْأَصْحَابِ، يُنَازِعُهُ فِيمَا وَجَّهَ بِهِ.
الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ بَابُهَا فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا فِي رَحْبَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ بِهِ، فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ إِلَيْهَا لِغَيْرِ الْأَذَانِ. وَفِي الْمُؤَذِّنِ أَوْجُهٌ. أَصَحُّهَا: لَا يَبْطُلُ الِاعْتِكَافُ فِي الْمُؤَذِّنِ الرَّاتِبِ، وَيَبْطُلُ فِي غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: لَا يَبْطُلُ فِيهِمَا. وَالثَّالِثُ: يَبْطُلُ فِيهِمَا. ثُمَّ إِنَّ الْغَزَالِيَّ فَرَضَ الْخِلَافَ فِيمَا إِذَا كَانَ بَابُهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ وَهِيَ مُلْتَصِقَةٌ بِحَرِيمِهِ.
وَلَمْ يَشْرُطِ الْجُمْهُورُ فِي صُورَةِ الْخِلَافِ، سِوَى كَوْنِ بَابِهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ. وَزَادَ أَبُو الْقَاسِمِ الْكَرْخِيُّ، فَنَقَلَ الْخِلَافَ فِيمَا إِذَا كَانَتْ فِي رَحْبَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنِ الْمَسْجِدِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ طَرِيقٌ.
قُلْتُ: لَكِنْ شَرَطُوا كَوْنَهَا مَبْنِيَّةً لِلْمَسْجِدِ، احْتِرَازًا مِنَ الْبَعِيدَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْعُذْرُ فَمَرَاتِبٌ.
مِنْهَا: الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَغُسْلِ الِاحْتِلَامِ، فَلَا يَضُرُّ قَطْعًا.
وَيَجُوزُ الْخُرُوجُ لِلْأَكْلِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ. وَإِنْ عَطِشَ فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَهُ الْخُرُوجُ. وَإِنْ وَجَدَهُ، لَمْ يَجُزِ الْخُرُوجُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَحْيَى مِنْهُ، وَلَا يُعَدُّ تَرْكَ مُرُوءَةٍ.
ثُمَّ أَوْقَاتُ الْخُرُوجِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ لَا يَجِبُ تَدَارُكُهَا لِعِلَّتَيْنِ. إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الِاعْتِكَافَ مُسْتَمِرٌّ فِيهَا، وَلِهَذَا لَوْ جَامَعَ فِي ذَلِكَ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ زَمَنَ الْخُرُوجِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ مُسْتَثْنَى، لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ.
ثُمَّ إِذَا فَرَغَ وَعَادَ، لَمْ يَجِبْ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ. وَقِيلَ: إِنْ طَالَ الزَّمَانُ، فَفِي لُزُومِ وُجُوبِ التَّجْدِيدِ وَجْهَانِ وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ. وَلَوْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ سِقَايَةٌ، لَمْ نُكَلِّفْهُ قَضَاءَ الْحَاجَةِ فِيهَا.
وَكَذَا لَوْ كَانَ بِجَنْبِهِ دَارَ صَدِيقٍ لَهُ، وَأَمْكَنَهُ دُخُولُهَا، لَمْ نُكَلِّفْهُ، بَلْ لَهُ الْخُرُوجُ إِلَى دَارِهِ وَإِنْ بَعُدَتْ، إِلَّا إِذَا تَفَاحَشَ الْبُعْدُ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَصَحِّ، إِلَّا أَنْ لَا يَجِدَ فِي طَرِيقِهِ مَوْضِعًا، أَوْ كَانَ لَا يَلِيقُ بِحَالِهِ أَنْ يَدْخُلَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ غَيْرَ
стр. 805
دَارِهِ. وَلَوْ كَانَتْ لَهُ دَارَانِ، وَكُلُّ وَاحِدَةٍ بِحَيْثُ لَوِ انْفَرَدَتْ، جَازَ الْخُرُوجُ إِلَيْهَا، وَإِحْدَاهُمَا أَقْرَبُ، فَفِي جَوَازِ الْخُرُوجِ إِلَى الْأُخْرَى وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: لَا يَجُوزُ.
وَلَا يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ الْخُرُوجِ شِدَّةُ الْحَاجَةِ، وَإِذَا خَرَجَ، لَا يُكَلَّفُ الْإِسْرَاعَ، بَلْ يَمْشِي عَلَى سَجِيَّتِهِ الْمَعْهُودَةِ.
قُلْتُ: فَلَوْ تَأَنَّى أَكْثَرَ مِنْ عَادَتِهِ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَوْ كَثُرَ خُرُوجُهُ لِلْحَاجَةِ لِعَارِضٍ يَقْتَضِيهِ، فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ. أَصَحُّهُمَا وَهُوَ مُقْتَضَى إِطْلَاقِ كَلَامِ الْمُعَظَّمِ: أَنَّهُ لَا يَضُرُّ، نَظَرًا إِلَى جِنْسِهِ، وَالثَّانِي: يَضُرُّ، لِنُدُورِهِ.
فَرْعٌ
لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَلَا لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ. وَلَوْ خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، فَعَادَ فِي طَرِيقِهِ مَرِيضًا، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَقِفْ، وَلَا عَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ، بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى السُّؤَالِ وَالسَّلَامِ، فَلَا بَأْسَ، وَإِنْ وَقَفَ وَأَطَالَ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ. وَإِنْ لَمْ يُطِلْ، لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَادَّعَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ إِجْمَاعَ الْأَصْحَابِ عَلَيْهِ. وَلَوِ ازْوَرَّ عَنِ الطَّرِيقِ قَلِيلًا، فَعَادَهُ، بَطَلَ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَلَوْ كَانَ الْمَرِيضُ فِي بَيْتٍ مِنَ الدَّارِ الَّتِي يَدْخُلُهَا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، فَالْعُدُولُ لِعِيَادَتِهِ قَلِيلٌ، وَإِنْ كَانَ فِي دَارٍ أُخْرَى، فَكَثِيرٌ.
وَلَوْ خَرَجَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، فَصَلَّى فِي الطَّرِيقِ عَلَى جِنَازَةٍ وَلَمْ يَنْتَظِرْهَا، وَلَا ازْوَرَّ، لَمْ يَضُرَّ عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: فِيهِ الْوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ وَقَفَ قَلِيلًا لِلْعِيَادَةِ.
وَقِيلَ: إِنْ تَعَيَّنَتْ، لَمْ يَضُرَّ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ.
وَجَعَلَ الْإِمَامُ، وَالْغَزَالِيُّ، قَدْرَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ حَدًّا لِلْوَقْفَةِ الْيَسِيرَةِ، وَاحْتِمَالَهَا لِجَمِيعِ الْأَغْرَاضِ.
стр. 806
وَمِنْهَا: أَنْ يَأْكُلَ لُقَمًا، إِذَا لَمْ نُجَوِّزِ الْخُرُوجَ لِلْأَكْلِ. وَلَوْ جَامَعَ فِي مُرُورِهِ، بِأَنْ كَانَ فِي هَوْدَجٍ، أَوْ جَامَعَ فِي وَقْفَةٍ يَسِيرَةٍ، بَطَلَ اعْتِكَافُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ أَشَدُّ إِعْرَاضًا عَنِ الْعِبَادَةِ مِمَّنْ أَطَالَ الْوُقُوفَ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ.
وَعَلَى الثَّانِي: لَا يَبْطُلُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَكِفٍ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَلَمْ يَصْرِفْ إِلَيْهِ زَمَنًا.
فَرْعٌ
إِذَا فَرَغَ مِنْ قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَاسْتَنْجَى، فَلَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ تَابِعًا، بِخِلَافِ مَا لَوِ احْتَاجَ إِلَى الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءِ حَاجَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ عَلَى الْأَصَحِّ إِذَا أَمْكَنَ الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ.
فَرْعٌ
إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ الْمُعْتَكِفَةُ، لَزِمَهَا الْخُرُوجُ، وَهَلْ يَنْقَطِعُ تَتَابُعُهَا؟ إِنْ كَانَتِ الْمُدَّةُ طَوِيلَةً لَا تَنْفَكُّ عَنِ الْحَيْضِ غَالِبًا، لَمْ يَنْقَطِعْ، بَلْ تَبْنِي إِذَا طَهُرَتْ كَالْحَيْضِ فِي صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ. وَإِنْ كَانَتْ تَنْفَكُّ، فَقَوْلَانِ. وَقِيلَ: وَجْهَانِ. أَظْهَرُهُمَا: يَنْقَطِعُ.
فَرْعٌ
الْمَرَضُ الْعَارِضُ لِلْمُعْتَكِفِ، أَقْسَامٌ.
أَحَدُهَا: خَفِيفٌ لَا يَشُقُّ مَعَهُ الْمَقَامُ فِي الْمَسْجِدِ، كَالصُّدَاعِ الْخَفِيفِ، وَالْحُمَّى الْخَفِيفَةِ، فَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ بِسَبَبِهِ. فَإِنْ خَرَجَ، بَطَلَ التَّتَابُعُ.
стр. 807
وَالثَّانِي: يَشُقُّ مَعَهُ الْمَقَامُ لِحَاجَتِهِ إِلَى الْفِرَاشِ، وَالْخَادِمِ، وَتَرَدُّدِ الطَّبِيبِ، فَيُبَاحُ الْخُرُوجُ، وَلَا يَنْقَطِعُ بِهِ التَّتَابُعُ عَلَى الْأَظْهَرِ.
الثَّالِثُ: مَرَضٌ يُخَافُ مِنْهُ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ، كَالْإِسْهَالِ، وَإِدْرَارِ الْبَوْلِ، فَيَخْرُجُ. وَالْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ: أَنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ. وَقِيلَ: عَلَى الْقَوْلَيْنِ.
فَرْعٌ
لَوْ خَرَجَ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا، لَمْ يَنْقَطِعْ تَتَابُعُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ. فَإِنْ قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ: فَلَمْ يَتَذَكَّرِ النَّاسِي إِلَّا بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ، فَوَجْهَانِ، كَمَا لَوْ أَكَلَ الصَّائِمُ كَثِيرًا نَاسِيًا.
وَمَنْ أَخْرَجَهُ السُّلْطَانُ ظُلْمًا، لِمُصَادَرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، أَوْ خَافَ مِنْ ظَالِمٍ فَخَرَجَ وَاسْتَتَرَ، فَكَالْمُكْرَهِ. وَإِنْ أَخْرَجَهُ لِحَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ وَهُوَ يُمَاطِلُ، بَطَلَ، لِتَقْصِيرِهِ. وَإِنْ حُمِلَ وَأُخْرِجَ، لَمْ يَبْطُلْ. وَقِيلَ: كَالْمُكْرَهِ، لِوُجُودِ الْمُفَارَقَةِ بِنَادِرٍ.
فَرْعٌ
إِذَا دُعِيَ لِأَدَاءِ شَهَادَةٍ، فَخَرَجَ لَهَا، فَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا، بَطَلَ تَتَابُعُهُ، سَوَاءً كَانَ التَّحَمُّلُ مُعَيَّنًا، أَمْ لَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْخُرُوجُ لِحُصُولِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، وَإِنْ تَعَيَّنَ أَدَاؤُهَا، نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عِنْدَ التَّحَمُّلِ، بَطَلَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: قَوْلَانِ، وَإِنْ تَعَيَّنَ، فَإِنْ قُلْنَا: إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ لَا يَنْقَطِعُ، فَهُنَا أَوْلَى، وَإِلَّا، فَوَجْهَانِ.
قُلْتُ: أَصَحُّهُمَا: لَا يَبْطُلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 808
وَلَوْ خَرَجَتِ الْمُعْتَكِفَةُ لِلْعِدَّةِ، لَمْ يَنْقَطِعْ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: قَوْلَانِ، وَإِنْ خَرَجَ لِإِقَامَةِ حَدٍّ عَلَيْهِ، فَإِنْ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ، انْقَطَعَ. وَإِنْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ، لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ.
وَلَوْ لَزِمَهَا عِدَّةُ طَلَاقٍ، أَوْ وَفَاةٍ، لَزِمَهَا الْخُرُوجُ لِتَعْتَدَّ فِي مَسْكَنِهَا. فَإِذَا خَرَجَتْ، فَهَلْ يَبْطُلُ اعْتِكَافُهَا، أَمْ تَبْنِي بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقَضَاءِ؟ فِيهِ الطَّرِيقَانِ كَمَا فِي الشَّهَادَةِ.
لَكِنَّ الْمَذْهَبَ هُنَا، الْبِنَاءُ. فَإِنْ كَانَ اعْتِكَافُهَا بِإِذْنِ الزَّوْجِ وَقَدْ عَيَّنَ مُدَّةً، فَهَلْ يَلْزَمُهَا الْعَوْدُ إِلَى الْمَسْكَنِ عِنْدَ الطَّلَاقِ أَوِ الْوَفَاةِ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ الْمُدَّةِ؟ قَوْلَانِ مَذْكُورَانِ فِي كِتَابِ «الْعُدَّةِ» . فَإِنْ قُلْنَا: لَا، فَخَرَجَتْ، بَطَلَ اعْتِكَافُهَا بِلَا خِلَافٍ.
فَرْعٌ
يَجِبُ الْخُرُوجُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَيَبْطُلُ بِهِ الِاعْتِكَافُ عَلَى الْأَظْهَرِ، لِإِمْكَانِ الِاعْتِكَافِ فِي الْجَامِعِ. وَعَلَى هَذَا، لَوْ كَانَ اعْتِكَافُهُ الْمَنْذُورُ أَقَلَّ مِنْ أُسْبُوعٍ، ابْتَدَأَ بِهِ مِنْ أَوَّلِ الْأُسْبُوعِ، حَيْثُ شَاءَ مِنَ الْمَسَاجِدِ.
وَإِنْ كَانَ فِي الْجَامِعِ، فَمَتَى شَاءَ. وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أُسْبُوعٍ، وَجَبَ أَنْ يُبْتَدَأَ فِي الْجَامِعِ. فَإِنْ عَيَّنَ غَيْرَ الْجَامِعِ، وَقُلْنَا بِالتَّعْيِينِ، لَمْ يَخْرُجْ عَنْ نَذْرِهِ، إِلَّا بِأَنْ يَمْرَضَ فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْجُمُعَةُ، أَوْ بِأَنْ يَتْرُكَهَا عَاصِيًا وَيَدُومَ عَلَى اعْتِكَافِهِ.
وَلَوْ أَحْرَمَ الْمُعْتَكِفُ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ إِتْمَامُ الِاعْتِكَافِ ثُمَّ الْخُرُوجُ، وَيُدْرِكُ، لَزِمَهُ ذَلِكَ. وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ، خَرَجَ إِلَيْهِ وَبَطَلَ اعْتِكَافُهُ، فَإِذَا فَرَغَ، اسْتَأْنَفَ.
فَرْعٌ
كُلُّ مَا قَطَعَ التَّتَابُعَ، يَحُوجُ إِلَى الِاسْتِئْنَافِ بِنِيَّةٍ جَدِيدَةٍ. وَكُلُّ عُذْرٍ لَمْ يَجْعَلْهُ قَاطِعًا، فَعِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْهُ يَجِبُ الْعَوْدُ. فَلَوْ أَخَّرَ، انْقَطَعَ التَّتَابُعُ وَتَعَذَّرَ الْبِنَاءُ،
стр. 809
وَلَا بُدَّ مِنْ قَضَاءِ الْأَوْقَاتِ الْمَصْرُوفَةِ إِلَى مَا عَدَا قَضَاءِ الْحَاجَةِ. وَهَلْ يَجِبُ تَجْدِيدُ النِّيَّةِ عِنْدَ الْعَوْدِ؟ أَمَّا الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، فَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا.
وَفِي مَعْنَاهُ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، كَالِاغْتِسَالِ، وَكَذَا الْأَذَانُ إِذَا جَوَّزْنَا الْخُرُوجَ لَهُ. أَمَّا مَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ، فَوَجْهَانِ.
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ تَجْدِيدُهَا. وَأَصَحُّهُمَا: لَا يَجِبُ، لِشُمُولِ النِّيَّةِ جَمِيعَ الْمُدَّةِ. وَطَرَدَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، الْخِلَافَ فِيمَا إِذَا خَرَجَ لِغَرَضٍ اسْتَثْنَاهُ، ثُمَّ عَادَ.
وَلَوْ عَيَّنَ مُدَّةً، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّتَابُعِ، ثُمَّ جَامَعَ، أَوْ خَرَجَ بِلَا عُذْرٍ، فَفَسَدَ اعْتِكَافُهُ، ثُمَّ عَادَ لِيُتِمَّ الْبَاقِيَ، فَفِيهِ الْخِلَافُ فِي وُجُوبِ التَّجْدِيدِ.
قَالَ الْإِمَامُ: لَكِنَّ الْمَذْهَبَ هُنَا وُجُوبُ التَّجْدِيدِ.
قُلْتُ: لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ شَهْرٍ نَهَارًا، صَحَّ، فَيَعْتَكِفُ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي «الْأُمِّ» . وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ اعْتِكَافُ شَهْرٍ بِعَيْنِهِ، فَبَانَ أَنَّهُ أَنْقَصَ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. قَالَ الرُّويَانِيُّ: قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافًا وَقَالَ: إِنِ اخْتَرْتُ جَامَعْتُ، أَوْ إِنِ اتَّفَقَ لِي جِمَاعٌ، جَامَعْتُ، لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 810
كِتَابُ الْحَجِّ
لَا يَجِبُ الْحَجُّ بِأَصْلِ الشَّرْعِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. وَقَدْ يَجِبُ زِيَادَةً لِعَارِضٍ كَالنَّذْرِ أَوِ الْقَضَاءِ، أَوْ لِدُخُولِ مَكَّةَ عَلَى قَوْلٍ. وَمَنْ حَجَّ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ، لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ إِنَّمَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ إِذَا اتَّصَلَ بِهَا الْمَوْتُ.
فَصْلٌ
يَنْقَسِمُ النَّاسُ فِي الْحَجِّ إِلَى مَنْ يَصِحُّ لَهُ الْحَجُّ، وَمَنْ يَصِحُّ مِنْهُ بِالْمُبَاشَرَةِ، وَمَنْ يَقَعُ لَهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ. فَأَمَّا الصِّحَّةُ الْمُطْلَقَةُ فَشَرْطُهَا: الْإِسْلَامُ فَقَطْ. فَلَا يَصِحُّ حَجُّ كَافِرٍ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّكْلِيفُ. فَيَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ وَعَنِ الْمَجْنُونِ. وَأَمَّا صِحَّةُ الْمُبَاشَرَةِ، فَشَرْطُهَا: الْإِسْلَامُ، وَالتَّمْيِيزُ. فَلَا تَصِحُّ مُبَاشَرَةُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، وَتَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَالْعَبْدِ. وَسَيَأْتِي هَذَا كُلُّهُ فِي بَابِ حَجِّ الصَّبِيِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَمَّا وُقُوعُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَلَهُ شَرْطَانِ زَائِدَانِ: الْبُلُوغُ، وَالْحُرِّيَّةُ. وَلَوْ تَكَلَّفَ الْفَقِيرُ الْحَجَّ وَقَعَ عَنِ الْفَرْضِ. وَأَمَّا وُجُوبُ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَشُرُوطُهُ خَمْسَةٌ: الْإِسْلَامُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالِاسْتِطَاعَةُ.
следующие страницы →