← История

История · id 49

قصة الحياة

عبد الإله بن عبد الله بن علي جابر

Полный текст (447 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قصة إبراهيم وسارة مع ملك مصر ولَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ ﵇ قَطُّ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ (١) فِي ذَاتِ اللهِ (٢) وهي قَوْلَهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٣) وَقَوْلَهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وَقَوْلُهُ فِي الْكَوْكَبِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ (٤)، وَوَاحِدَةٌ فِي شَأنِ سَارَةَ. فَإِنَّهُ هَاجَرَ بِسَارَةَ وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ، فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً (٥) فِيهَا مَلِكٌ مِنْ الْمُلُوكِ أَوْ جَبَّارٌ مِنْ الْجَبَابِرَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ، رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ، فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ لَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلَّا لَكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ مَنْ هَذِهِ الَّتِي مَعَكَ؟، فَقَالَ: أُخْتِي، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: يَا سَارَةُ، لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ (٦)، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فلَا تُكَذِّبِينِي، فَإِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي، يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ، فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي، فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ (٧)، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ إِلَى الصَلَاةِ، وَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي، فلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شَدِيدَةً حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ، فَقَالَ لَهَا: ادْعِي اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، وَلَا أَضُرُّكِ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَالُ: هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ يَدُهُ أَشَدَّ مِنْ الْقَبْضَةِ الْأُولَى، فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلَتْ، فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنْ الْقَبْضَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، فَقَالَ: ادْعِي اللهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، فَلَكِ اللهَ أَنْ لَا أَضُرَّكِ، فَفَعَلَتْ، وَأُطْلِقَتْ يَدُهُ، فَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ، وَلَمْ تَأتِنِي بِإِنْسَانٍ، فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ (٨)، قَالَ: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي؛ انْصَرَفَ، فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: خَيْرًا، كَفَّ اللهُ يَدَ الْفَاجِرِ، وَأَخْدَمَ خَادِمًا (٩).

стр. 37

رجوع الخليل من مصر إلى الشام ثُمَّ إِنَّ الْخَلِيلَ إِبْراهِيمَ ﵇ رَجَعَ مِنْ بِلَادِ مِصْرَ إِلَى أَرْضِ التَّيَمُّنِ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي كَانَ فِيهَا، وَمَعَهُ أَنْعَامٌ وَعَبِيدٌ وَمَالٌ جَزِيلٌ، وَصَحِبَتْهُمْ هَاجَرُ الْقِبْطِيَّةُ الْمِصْرِيَّةُ.

стр. 38

انتقال لوط إلى قرية سدوم ثُمَّ إِنَّ لُوطًا ﵇ نَزَحَ بِمَا لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ الْجَزِيلَةِ بِأَمْرِ الْخَلِيلِ لَهُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَرْضِ الْغَوْرِ، الْمَعْرُوفِ بِغَوْرِ زُغَرَ، فَنَزَلَ بِمَدِينَةَ سَدُومَ، وَهِيَ أُمُّ تِلْكَ الْبِلَادِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَكَانَ أَهْلُهَا أَشْرَارًا كُفَّارًا فُجَّارًا.

стр. 39

ولادة إسماعيل بمكة وقصة زمزم ولمّا وهب جبار القرية (ملك مصر) هاجرَ إلى ِسَارَّةَ بِنْتِ عَمِّ الْخَلِيلِ وكانت سارّة يَئِسَتْ مِنَ الْوَلَدِ؛ وهبت سارةُ هاجرَ الْقِبْطِيَّةَ الْمِصْرِيَّةَ لِإِبْرَاهِيمَ، فَوَلَدَتْ له هَاجَرُ إِسْمَاعِيلَ، فَغَارَتْ سَارَّةُ مِنْهَا و اشْتَدَّتْ غَيْرَةُ سَارَةَ مِنْ هاجر، وَطَلَبَتْ مِنَ الْخَلِيلِ أَنْ يُغَيِّبَ وَجْهَهَا عَنْهَا. وإنَّ أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ (١)، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُمَا فِي وِهَادِ جِبَالِ فَارَانَ، وَهِيَ الْجِبَالُ الَّتِي حَوْلَ مَكَّةَ عِنْدَ الْبَيْتِ، عِنْدَ دَوْحَةٍ (٢) فَوْقَ زَمْزَمَ، فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ (٣) وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَاكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟، فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: اللهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ، حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَلَاةَ، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (٤)، وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ، وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ، وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى، فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْوَادِيَ تَنْظُرُ، هَلْ تَرَى أَحَدًا؟، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتْ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَةَ، فَقَامَتْ عَلَيْهَا، وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا؟، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا،

стр. 40

فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ، سَمِعَتْ صَوْتًا، فَقَالَتْ: صَهٍ - تُرِيدُ نَفْسَهَا - ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غَوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ، أَوْ بِجَنَاحِهِ، حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ، فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنْ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا، وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَمَا تَغْرِفُ (١). فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ فَإِنَّ هَاهُنَا بَيْتُ اللهِ، يَبْنِيهِ هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَهْلَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنْ الْأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ تَأتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمَ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ، فَبَعَثُوا رَسُولَهُمْ فَنَظَرَ، فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَأَتَاهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ، فَأَتَوْا إِلَيْهَا، فَقَالُوا: أَتَأذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟، قَالَتْ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ، قَالُوا: نَعَمْ. فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، وَهِيَ تُحِبُّ الْأُنْسَ، فَنَزَلُوا، وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الْغُلَامُ، وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ وَأَنْفَسَهُمْ، وأَوَّلُ مَنْ فَتَقَ لِسَانُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ الْمُبِينَةِ إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشَرَةَ سَنَةً، وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ؛ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ.

стр. 41

إرسال لوط ﵇ ولوط هو ابْنُ أَخِي إِبْرَاهِيمَ، فالْخَلِيلِ فَإِبْرَاهِيمُ وَهَارَانُ وَنَاحُورُ إِخْوَةٌ. ولوطُ هو ابْنُ هَارَانَ بْنِ (تَارَحَ -وَهُوَ آزَر-). وَكَانَ لُوطٌ قَدْ نَزَحَ عَنْ مَحَلَّةِ عَمِّهِ الْخَلِيلِ ﵉ بِأَمْرِهِ لَهُ وَإِذْنِهِ، فَنَزَلَ بِمَدِينَةِ سَدُومَ مِنْ أَرْضِ غَوْرِ زُغَرَ، وَكَانَتْ أُمَّ تِلْكَ الْمَحَلَّةِ وَلَهَا أَرْضٌ وَمُعْمَلَاتٌ وَقُرًى مُضَافَةٌ إِلَيْهَا، وَلَهَا أَهْلٌ مِنْ أَفْجَرِ النَّاسِ. فبعث في تلك القرى بالأردن، فدعاهم إلى توحيد الله وطاعته والإخلاص له وشكر نعمه. وأنكر عليهم فعل الفاحشة بالذكور لقضاء الشهوة بهم دون النساء اللائي خُلِقن لقضائها، وأنها فعلة شنيعة لم يسبقهم إلى ارتكابها أحد! وأنهم متجاوزون لحدود الله بخروجهم عن الفطرة الكريمة. فأصروا على كفرهم وعصيانهم وفاحشتهم، وقالوا معرضين عن الحق: أخرجوا لوطًا وأهله من قريتكم؛ إنهم أناس يتَنَزَّهون عن عملنا هذا، فلا يليق بنا أن يبقوا بين ظهرانينا.

стр. 42

مجيء إبراهيم إلى مكة لتفقد حال ابنه وَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ (١) بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟، قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ، فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ، قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى، فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ، فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟، وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللهِ فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟، قَالَتْ: اللَّحْمُ، قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟، قَالَتْ: الْمَاءُ، قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ (٢)، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي ﵇، وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟، قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا، فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟، قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَأمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي، وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ، ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللهُ.

стр. 43

إبراهيم وإسماعيل يبنيان الكعبة ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ (١) وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ (٢) تَحْتَ دَوْحَةٍ، قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ، فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ، وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ، قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَتُعِينُنِي؟، قَالَ: وَأُعِينُكَ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَاهُنَا بَيْتًا - وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا - قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ -وكَانَتْ قَوَاعِدُ الْبَيْتِ قَبْلَ ذَلِكَ (٣) - فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأتِي بِالْحِجَارَةِ، وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ، جَاءَ بِحَجَرٍ وهو ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٤) فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ثم إنَّ رِجْلَهُ الْكَرِيمَةَ غَاصَتْ فِي الصَّخْرَةِ فَصَارَتْ عَلَى قَدْرِ قَدَمِهِ حَافِيَةً لَا مُنْتَعِلَةً. (٥)

стр. 44

قصة الذبيح إسماعيل ومناسك الحج وإِنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ لَمَّا أُمِرَ بِالْمَنَاسِكِ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَسْعَى، فَسَابَقَهُ، فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ (١)، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وكان معه ابنه إسماعيل، فقال إبراهيم لابنه: يا بُنَيَّ إني رأيت في النوم أني أذبحك -ورؤيا الأبياء حق من الوحي- فانظر ما ترى في ذلك، فأجابه إسماعيل: يا أبي، افعل ما أمرك الله به من ذبحي، ستجدني من الصابرين الراضين بحكم الله. وَهُنَاكَ تَلَّهُ لِلجَبِينِ (٢)، وَعَلَى إِسْمَاعِيلَ قَمِيصٌ أَبْيَضُ، فَقَالَ: يَا أَبَتِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي ثَوْبٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ، فَاخْلَعْهُ حَتَّى تُكَفِّنَنِي فِيهِ، فَعَالَجَهُ لِيَخْلَعَهُ، فَنُودِيَ مِنْ خَلْفِهِ: ﴿أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا، إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ فَالْتَفَتَ إِبْرَاهِيمُ، فَإِذَا هو بِكَبْشٍ أَبْيَضَ، أَقْرَنَ (٣)، أَعْيَنَ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى الْجَمْرَةِ الْقُصْوَى، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى مِنًى، قَالَ: هَذَا مِنًى، هَذَا مُنَاخُ النَّاسِ، ثُمَّ أَتَى بِهِ جَمْعًا (٤)، فَقَالَ: هَذَا الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ إِلَى عَرَفَةَ، وسُمِّيَتْ عَرَفَةَ لِأَنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: هَلْ عَرَفْتَ؟، قَالَ: نَعَمْ. وإِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُمِرَ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، خَفَضَتْ لَهُ الْجِبَالُ رؤوسها، وَرُفِعَتْ لَهُ الْقُرَى، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ. (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ، ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) (٥). فكان الحج لإقامة ذكر الله وتوحيده والذبح له خالصاً والتقرب إليه بطاعته وفعل أمره.

стр. 45

وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ سُلَالَةِ إسماعيل (١) ﵇ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى خَاتَمِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَسَيِّدِهِمْ، وَفَخْرِ بَنِي آدَمَ فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ؛ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ الْقُرَشِيِّ الْهَاشِمِيِّ الْمَكِّيِّ ثُمَّ الْمَدَنِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وبقيت شعائر الحج وملة الحنيفية والتوحيد في العرب إلى أن غيرها عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفٍ بعبادة الأصنام مع الله، فهو يَجُرُّ قُصْبَهُ (٢) فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ عَهْدَ إِبْرَاهِيمَ، وَسَيَّبَ السَّوَائِبَ (٣)، وَكَانَ قَدْ أَتَى الشَّامَ وَرَآهُمْ بِالْبَلْقَاءِ لَهُمْ أَصْنَامٌ يَسْتَجْلِبُونَ بِهَا الْمَنَافِعَ وَيَدْفَعُونَ بِهَا الْمَضَارَّ، فَصَنْعُ مِثْلِ ذَلِكَ فِي مَكَّةَ لَمَّا كَانَتْ خُزَاعَةُ وُلَاةَ الْبَيْتِ قَبْلَ قُرَيْشٍ، وَكَانَ هُوَ سَيِّدَ خُزَاعَةَ (٤).

стр. 46

بشارة إبرهيم بإسحاق ﵉ وَجاءتِ الْبِشَارَةُ بِإسحاق مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِإِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ لَمَّا مَرُّوا بِهِمْ مُجْتَازِينَ ذَاهِبِينَ إِلَى مَدَائِنِ قَوْمِ لُوطٍ لِيُدَمِّرُوا عَلَيْهِمْ لِكُفْرِهِمْ وَفُجُورِهِمْ، وكان الملائكة جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، ولَمَّا وَرَدُوا عَلَى الْخَلِيلِ حَسِبَهُمْ أَوَّلًا أَضْيَافًا فَعَامَلَهُمْ مُعَامَلَةَ الضُّيُوفِ؛ شَوَى لَهُمْ عِجْلًا سَمِينًا مِنْ خِيَارِ بَقَرِهِ، فَلَمَّا قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَرَ لَهُمْ هِمَّةً إِلَى الْأَكْلِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسَ فِيهِمْ قُوَّةُ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّعَامِ، فَنَكِرَهُمْ إِبْرَاهِيمُ ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾، قَالُوا: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أَيْ لِنُدَمِّرَ عَلَيْهِمْ. فَاسْتَبْشَرَتْ عِنْدَ ذَلِكَ سَارَةُ غَضَبًا لِلَّهِ عَلَيْهِمْ. وَكَانَتْ قَائِمَةً عَلَى رُءُوسِ الْأَضْيَافِ، كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النَّاسِ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، فَلَمَّا ضَحِكَتِ اسْتِبْشَارًا بِذَلِكَ؛ بشرتها الملائكة ﴿بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾، فَأَقْبَلَتِ ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ أَيْ: فِي صَرْخَةٍ، ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ كَمَا يَفْعَلُ النِّسَاءُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ، وَقَالَتْ: ﴿يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾؟، فأَكَّدُوا لها الْخَبَرَ بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ، وَبَشَّرُوهُمَا ﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ وَهُوَ إِسْحَاقُ، وَقد وُصفَ أَخُوهُ إِسْمَاعِيلُ بأنه غُلَامٌ (حَلِيمٌ) لِمَقَامِهِ وَصَبْرِهِ.

стр. 47

إهلاك قوم لوط في قرى سدوم وجاءت الملائكة لوطًا في هيئة رجال فساءه مجيؤهم، وضاق صدره بسبب الخوف عليهم من قومه الذين يأتون الرجال شهوة من دون النساء، وقال لوط: هذا يوم شديد؛ لظنه أن قومه سيغالبونه على ضيوفه. وجاء قوم لوط مسرعين قاصدين فعل الفاحشة بضيوفه. وقال لهم لوط مدافعًا قومه ومعذرًا لنفسه أمام ضيوفه: هؤلاء بناتي من جملة نسائكم فتزوجوهن؛ فهن أطهر لكم من فعل الفاحشة، فخافوا من الله، ولا تجلبوا لي العار في ضيوفي، أليس منكم رجل ذو عقل سديد ينهاكم عن هذا الفعل القبيح؟!، فقالوا له: لقد علمت -يا لوط- أنَّه ليس لنا حاجة في بناتك ولا نساء قومك، ولا شهوة، وإنك لتعلم ما نريده، فلا نريد إلا الرجال. قال لوط: ليت لي قوة أدفعكم بها، أو عشيرة تمنعني (١)، فأحول بينكم وبين ضيوفي. وقالت الملائكة للوط ﵇: يا لوط، إنا رسلٌ أرسلنا الله، لن يصل إليك قومك بسوء، فاخرج بأهلك من هذه القرية في ساعة مظلمة من السَّحَر آخر الليل، وكن خلفهم ولا ينظر أحدكم إلى ما وراءه، وامضوا حيث تؤمرون. فسلمه الله وأهله (وهم ابنتاه) بالخروج ليلًا من القرية التي سيقع عليها العذاب، إلا امرأته كانت من الغابرين الباقين مع قومها (٢)، وكَانَتْ تَدُلُّ عَلَى الضَّيْفِ، وهي التي دلتهم على ضيف لوط. فأصابها ما أصاب قومها من العذاب، وكان موعد إهلاكهم الصبح. وجاء أمر الله بإهلاك قوم لوط فأخذهم صوت شديد مهلك عند دخولهم في وقت شروق الشمس، ورفعت قراهم ثم قلبت فصار عالي قراهم سافلها، وأمطر الله عليهم مطرًا عظيمًا بحجارة من طين متصلب معلمة عند الله بعلامة خاصة مصفوف بعضها فوق بعض بتتابع، ونجى الله لوطاً ومن آمن معه برحمته، وبقي خسف مكان قوم لوط في قرى سدوم (منطقة البحر الميت) آية للعظة على طريق المسافرين، حيث إن قرى سدوم على طريق سفر متصل بمدين -وهي قرية أصحاب الأيكة- ذات الشجر الملتف، كما قال جل وعلا: (وإنهما لبإمام مبين) أي: على طريق واضح.

стр. 48

إرسال شعيب ﵇ إلى أهل مدين وبعث الله إلى مدين (١) نبيه شعيباً ﵇، وكانوا قريبي عهد بلوط وقومه زماناً ومكاناً، فمدين وسدوم كلاهما على طريق واحدة ظاهرة للمسافرين. فذكرهم شعيب بنعم الله عليهم وكيف أن الله منّ عليهم بأن كان عددهم قليلًا فكثَّرهم، ودعاهم إلى توحيد الله وأن يتمُّوا المكيال والميزان بالعدل، ولا ينقصوا الناس من حقوقهم شيئًا بالتطفيف والغش والخداع أو بعيب سلعهم، والتزهيد فيها، أو المخادعة لأصحابها وألا يفسدوا في الأرض بالمعاصي وألا يقعدوا بكل طريق يهددون من سلكه من الناس ليسلبوا أموالهم، ويصدوا عن دين الله من أراد الاهتداء به. وأن ما يبقيه الله لهم من الحلال بعد إيفاء حقوق الناس بالعدل؛ أكثر نفعًا وبركة من الزيادة الحاصلة بالتطفيف والإفساد في الأرض، وقال لهم: ما أريد أن أنهاكم عن شيء وأخالفكم في فعله، لا أريد إلا إصلاحكم بدعوتكم إلى توحيد ربكم وطاعته قدر استطاعتي، وما توفيقي إلى الحصول على ذلك إلا بالله سبحانه. فرفضوا ترك عبادة الأصنام التي عبدها آباؤهم وأصروا على التصرف بأموالهم كيف يشاؤون بالباطل. وهددوا بقتله لولا عشيرته. وهددوا بإخراجه ومن آمن معه من قريتهم. وزعموا أن الذين اتبعوا شعيباً سيخسرون. فحذرهم أن ينالهم بكفرهم وتكذيبهم من العذاب مثلُ ما نال قوم نوح أو قوم هود أو قومِ صالح، وأن إهلاك قوم لوط ليس منهم ببعيد، لا زماناً ولا مكانًا، وأنهم يعلمون ما أصابهم. فاستكبروا وأصروا وطلبوا منه مستهزئين أن يسقط العذاب عليهم قطعًا من السماء إن كان صادقًا، فأخذهم عذاب يوم الظلة -وهي السحابة العظيمة- حيث أظلتهم بعد يوم شديد الحر، فرجفت بهم الأرض وتزلزلت زلزلة شديدة وأمطرت السحابة عليهم نارًا فأحرقتهم. ونجى الله شعيباً ومن آمن معه برحمته.

стр. 49

إسحاق ﵇ وقد ذكرنا أنه لما بلغ إبراهيم ﵇ الكِبَر -هو وزوجته سارة- بشّره الله أنه سيولد له إسحاق (١) من زوجته سارة، وسيكون نبياً، ويولدُ من ذرية إسحاق نبيٌ أيضاً وهو يعقوب ﵈. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ نبيَّه إسحاق بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَوُلِدَ لِهُ يَعْقُوبُ وَهُوَ إِسْرَائِيلُ الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ سَائِرُ أَسْبَاطِهِمْ فَكَانَتْ فِيهِمُ النُّبُوَّةُ، وَكَثُرُوا جِدًّا بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا الَّذِي بَعَثَهُمْ، وَاخْتَصَّهُمْ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ حَتَّى خُتِمُوا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

стр. 50

قصة ذي القرنين وكَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ (١) مَلِكًا مِنَ الْمُلُوكِ الْعَادِلِينَ وكَانَ مُوَحِّدًا مُؤْمِنًا بِاَللَّهِ، وآتاه الله من كُلَّ شيء سَبَباً يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى نَيْلِ مَقْصُودِهِ فِي الْمَمْلَكَةِ وَغَيْرِهَا; فَإِنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ إِقْلِيمٍ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْمَطَاعِمِ وَالزَّادِ مَا يَكْفِيهِ وَيُعِينُهُ عَلَى أَهْلِ الْإِقْلِيمِ الْآخَرِ. وقد مُكّن له في الأرض فقهر الجبابرة وأذلهم وكان يغزو عُبَّاد الأصنام، وسار بالعدل فيما آتاه الله. وقد وَصَلَ إلَى آخر العمارة من الأرض من جهة المغرب فرأى الشمس عند الغروب في رأي العين تغرب في البحر المحيط كأنها تغرب في عين حمئة أي: سوداء، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض، وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس الغربي ماء، رآها تغرب في نفس الماء وإن كانت في غاية الارتفاع. ثم وَصَلَ ذُو الْقَرْنَيْنِ إلَى آخر العمارة من الأرض من جهة المشرق، ووجد الشّمْسِ (تَطْلُعُ عَلَىَ قَوْمٍ لّمْ نَجْعَل لّهُمْ مّن دُونِهَا سِتْراً)، لأنهم أول من تطلع عليهم، وليس أنها تماسهم وتلاصقهم. ثم ذهب متوجها من المشرق، قاصداً للشمال، فوصل إلى ما بين السدين، وهما سلاسل جبال معروفين في ذلك الزمان، ووجد من دون السدين قوماً لا يكادون يفقهون قولاً لعجمة ألسنتهم، واستعجام أذهانهم وقلوبهم، وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقّههم، وراجعهم، وراجعوه، فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج -وهما أمتان عظيمتان من بني آدم- فقالوا: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ﴾ بالقتل وأخذ الأموال وغير ذلك. ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ أي أُجرة ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾، وذلك لعدم اقتدارهم بأنفسهم على بنيان السد، وظنهم باقتدار ذي القرنين عليه، فبذلوا له أجرة، ليفعل ذلك، فلم يكن ذو القرنين ذا طمع، ولا رغبة في الدنيا، وكان قصده الإصلاح، فلذلك أجاب طلبتهم لما فيها من المصلحة، ولم يأخذ منهم أجرة، وشكر ربه على تمكينه واقتداره، فقال لهم: ﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أي: مما تبذلون لي وتعطوني، وإنما أطلب منكم أن تعينوني بقوة منكم بأيديكم ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ أي: مانعاً من عبورهم عليكم.

стр. 51

﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ أي: قطع الحديد، فأعطوه ذلك فوضعها. ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أي: الجبلين اللذين بني بينهما السد ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ النار أي: أوقدوها إيقاداً عظيماً، واستعملوا لها المنافيخ لتشتد، فتذيب النحاس، فلما ذاب النحاس، ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أي: نحاساً مذاباً، فأفرغه على الردم الذي بناه من قطع الحديد، فاستحكم السد استحكاماً هائلاً وامتنع به من وراءه من الناس، من ضرر يأجوج ومأجوج. ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ أي: فما لهم استطاعة، ولا قدرة على الصعود عليه لارتفاعه، ولا على نقبه لإحكامه وقوته. فلما فعل هذا الفعل الجميل والأثر الجليل، أضاف النعمة إلى موليها وقال: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ أي: من فضله وإحسانه عليَّ وعلى خلقه، وهذه حال الخلفاء الصالحين، إذا منَّ الله عليهم بالنعم الجليلة، ازداد شكرهم وإقرارهم، واعترافهم بنعمة الله. ثم قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ بقيام الساعة أو بأن شارف قيامُها ﴿جَعَلَهُ﴾ أي: ذلك السد المحكم المتقن ﴿دَكَّاءَ﴾ أي: دكه فانهدم، واستوى هو والأرض ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾.

стр. 52

فضائل خليل الله إبراهيم ووفاته وَقَد آتَى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ فِي صِغَرِهِ، وَابْتَعَثَهُ رَسُولًا، وَاتَّخَذَهُ خَلِيلًا فِي كِبَرِهِ. ولم يشاركه في الخلة إلا محمد صلى الله عليهما وسلم. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ يَعْلَمُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى عِلْمًا يَقِينًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، وَأَحَبَّ أَنْ يُشَاهِدَ ذَلِكَ عِيَانًا، وَيَتَرَقَّى مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ فسألَ اللهَ ذلك. فَأَجَابَهُ اللَّهُ إِلَى سُؤَالِهِ، وَأَعْطَاهُ غَايَةَ مَأْمُولِهِ. فَأَمَرَهُ أن يحضر أربعة من الطير وأَنْ يُمَزِّقَ لُحُومَهُنَّ وَرِيشَهُنَّ، وَيَخْلِطَ ذَلِكَ بَعْضَهُ فِي بَعْضٍ، ثُمَّ يُقَسِّمُهُ قِسَمًا، وَيَجْعَلَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا فَفَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يَدْعُوَهُنَّ بِإِذْنِ رَبِّهِنَّ، فَلَمَّا دَعَاهُنَّ جَعَلَ كُلُّ عُضْوٍ يَطِيرُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَكُلُّ رِيشَةٍ تَأْتِي إِلَى أُخْتِهَا حَتَّى اجْتَمَعَ بَدَنُ كُلِّ طَائِرٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى قُدْرَةِ الَّذِي يَقُولُ لِلشَّيْءِ: كُنْ؛ فَيَكُونُ. فَأَتَيْنَ إِلَيْهِ سَعْيًا لِيَكُونَ أَبْيَنَ لَهُ وَأَوْضَحَ لِمُشَاهَدَتِهِ مِنْ أَنْ يَأْتِينَ طَيَرَانًا. وأجرى الله على يديه بناء الكعبة وهي بيت الله الحرام الذي جعله قياماً للناس ومثابة وأمناً وعهد الله إليه ولابنه تبعاً له تطهير البيت للطائفين، والعاكفين، والركع، والسجود. وأمر اللهُ سبحانه المؤمنين بأن يتخذوا من مقام إبراهيم مصلى في المسجد الحرام والعبادة في مواقف الحج كلها، وهو ﵇ أول من يكسى يوم القيامة، ولم يأت نبي بعد إبراهيم إلا من ذريته. وأَوْلَادُ الْمُسْلِمِينَ (١) فِي جَبَلٍ فِي الْجَنَّةِ، يَكْفُلُهُمْ إِبْرَاهِيَمُ ﵇ وَسَارَةُ، حَتَّى يَرُدَّونَهُمْ إِلَى آبَائِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وإبراهيم ﵇ يَعترفُ بفَضْلِه جميعُ الطَّوائفِ والمِلَل؛ فالمشرِكونَ العرب كانوا معترفينَ بفَضْلِه، مُقِرِّين بأنَّهم مِن أولادِه، واليهودُ والنَّصارى والمسلمونَ كُلُّهم مُعَظِّمونَ له، مُعترفونَ بجلالةِ قَدْرِه.

стр. 53

فَكُلُّ كِتَابٍ أُنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ فَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَشِيعَتِهِ (١). فَنَزَّهَ اللَّهُ خَلِيلَهُ ﵇ عَنْ أَنْ يَكُونَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَبَيَّنَ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾. يَعْنِي الَّذِينَ كَانُوا عَلَى مِلَّتِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ فِي زَمَانِهِ وَمَنْ تَمَسَّكَ بِدِينِهِ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لَهُ الدِّينَ الْحَنِيفَ الَّذِي شَرَعَهُ لِلْخَلِيلِ وَكَمَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، وأخبر أنّ إبراهيم (كَانَ أُمَّةً) أَيْ قُدْوَةً إِمَامًا مُهْتَدِيًا دَاعِيًا إِلَى الْخَيْرِ يُقْتَدَى بِهِ فِيهِ (٢). وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ أي: وَفَّى جَمِيعَ مَا أُمِرَ بِهِ (٣)، وَقَامَ بِجَمِيعِ خِصَالِ الْإِيمَانِ وَشُعَبِهِ. وكَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَيَّفَ الضَّيْفَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ عَلَى رَأسِ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ. وَبَنَى أَشْرَفَ الْمَسَاجِدِ فِي أَشْرَفِ الْبِقَاعِ فِي وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وَدَعَا لِأَهْلِهَا بِالْبَرَكَةِ، وَأَنْ يُرْزَقُوا مِنَ الثَّمَرَاتِ مَعَ قِلَّةِ الْمِيَاهِ، وَعَدَمِ الْأَشْجَارِ وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ (٤)، وَأَنْ يَجْعَلَهُ حَرَمًا مُحَرَّمًا وَأَمْنًا مُحَتَّمًا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ - وَلَهُ الْحَمْدُ - لَهُ مَسْأَلَتَهُ، وَلَبَّى دَعْوَتَهُ وَأَتَاهُ طِلْبَتَهُ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾. وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَبْعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَيْ مِنْ جِنْسِهِمْ وَعَلَى لُغَتِهِمُ الْفَصِيحَةِ الْبَلِيغَةِ النَّصِيحَةِ لِتَتِمَّ عَلَيْهِمُ النِّعْمَتَانِ الدُّنْيَوِيَّةُ وَالدِّينِيَّةُ، بِسَعَادَةِ الْأُولَى وَالْآخِرَةِ، وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ فَبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا، وَأَيَّ رَسُولٍ، خَتَمَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ، وَأَكْمَلَ لَهُ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا قَبْلَهُ، وَعَمَّ بِدَعْوَتِهِ أَهْلَ الْأَرْضِ عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ وَالْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ،

стр. 54

وَلِهَذَا اسْتَحَقَّ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ ﵇ إِذْ كَانَ بَانِيَ كَعْبَةِ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَكُونُ مَنْصِبُهُ وَمَحَلُّهُ وَمَوْضِعُهُ فِي مَنَازِلِ السَّمَاوَاتِ، وَرَفِيعِ الدَّرَجَاتِ عِنْدَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الَّذِي هُوَ كَعْبَةُ أَهْلِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ (١). وَلَمَّا كَانَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ أَفْضَلَ الرُّسُلِ وَأُولِي الْعَزْمِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ؛ أُمِرَ الْمُصَلِّي أَنْ يَقُولَ فِي تَشَهُّدِهِ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». وَقَبْرُهُ وَقَبْرُ وَلَدِهِ إِسْحَاقَ وَقَبْرُ وَلَدِ وَلَدِهِ يَعْقُوبَ فِي الْمَرْبَعَةِ الَّتِي بَنَاهَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵇ بِبَلَدِ حَبْرُونَ، وَهُوَ الْبَلَدُ الْمَعْرُوفُ بِالْخَلِيلِ الْيَوْمَ. وَهَذَا مُتَلَقًّى بِالتَّوَاتُرِ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ مِنْ زَمَنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِلَى زَمَانِنَا هَذَا أَنَّ قَبْرَهُ بِالْمَرْبَعَةِ تَحْقِيقًا. فَأَمَّا تَعْيِينُهُ مِنْهَا فَلَيْسَ فِيهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْ مَعْصُومٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُرَاعَى تِلْكَ الْمَحَلَّةُ، وَأَنْ تُحْتَرَمَ احْتِرَامَ مِثْلِهَا.

стр. 55

يعقوب (إسرائيل) ﵇ واصطفى الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم بالنبوة، ومما جاء في سيرة يعقوب ﵇ أنه رحل من بيت المقدس إلى خاله لابان بأرض حران؛ وَزَوَّجَه ابنتيه: ليا و راحيل. وكان ذلك سائغاً في ملتهم، ثم نسخ في شريعة التوراة وولدت له ليا أولاداً وولدت له راحيل يوسف وبنيامين. ورجع إلى فلسطين عند أبيه إسحاق ﵉. ثم توفي إسحاق واستقر يعقوب هو وأبناؤه الأسباط الاثنا عشر في فلسطين، ومن ذرية الأسباط يتكون نسب بني إسرائيل (١).

стр. 56

أيوب ﵇ وإِنَّ أَيُّوبَ نَبِيَّ اللهِ ﵇ لَبِثَ بِهِ بَلاؤُهُ ومرضُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانِهِ، كَانَا مِنْ أَخَصِّ إِخْوَانِهِ، كَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ ذَاتَ يَوْمٍ: تَعْلَمُ وَاللهِ، لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذْنَبَهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: وَمَا ذَاكَ؟، قَالَ: مُنْذُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرحَمْهُ اللهُ فَيَكْشِفَ مَا بِهِ، فَلَمَّا رَاحَا إِلَى أَيُّوبَ، لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ أَيُّوبُ: مَا أَدْرِي مَا تَقُولَانِ، غَيْرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ بِالرَّجُلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ، فَيَذْكُرَانِ اللهَ، فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا، كَرَاهِيَةَ أَنْ يُذْكَرَ اللهُ إِلَّا فِي حَقٍّ. ودعا أيوب ربه أن يكشف ما به من ضر، وَكَانَ أَيُّوبُ يَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ، فَإِذَا قَضَى حَاجَتَهُ، أَمْسَكَتِ امْرَأَتُهُ بِيَدِهِ حَتَّى يَبْلُغَ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَبْطَأَ عَلَيْهَا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَى أَيُّوبَ أَنِ: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ (١) فَاسْتَبْطَأَتْهُ، فَبَلَغَتْهُ تَنْظُرُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا قَدْ أَذْهَبَ اللهُ مَا بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ واستجاب الله له، فَهو أَحْسَنُ مَا كَانَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: أَيْ بَارِكَ اللهُ فِيكَ، هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ اللهِ هَذَا الْمُبْتَلَى؟ وَاللهِ عَلَى ذَلِكَ، مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ بِهِ مِنْكَ إِذْ كَانَ صَحِيحًا، قَالَ: فَإِنِّي أَنَا هو، وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ: أَنْدَرُ الْقَمْحِ، وَأَنْدَرُ الشَّعِيرِ (٢)، فَبَعَثَ اللهُ سَحَابَتَيْنِ، فَلَمَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى أَنْدَرِ الْقَمْحِ، أَفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ، وَأَفْرَغَتِ الْأُخْرَى عَلَى أَنْدَرِ الشَّعِيرِ الْوَرِقَ (٣) حَتَّى فَاضَ، وبَيْنَمَا أيُّوبُ ﵇ يَغْتَسِلُ عُرْيَاناً، خَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ : يَا أيُّوبُ، أَلَمْ أكُنْ أغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ أَلَمْ يَكْفِكَ مَا أَعْطَيْنَاكَ؟، قَالَ: بَلَى يَارَبِّ، وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَاتِكَ، عَنْ فَضْلِكَ. وكان أقسم ليضربنَّ زوجته مائة جلدة إذا شفاه الله، لمَّا غضب عليها من أمر أثناء مرضه، وكانت امرأة صالحة؛ فأوحى الله إليه أن يأخذ بيده حُزمة شماريخ (٤)، ويضرب بها زوجته ضربة واحدة إبرارًا بيمينه، فلا يحنث. فخفف الله عنهما، وجمعه بأهله جميعاً، وزاده عليهم مثلهم من البنين والحفدة رحمة به، وجزاءً له على صبره.

стр. 57

يوسف بن يعقوب ﵇ وكان يوسف وشقيقه الأصغر بنيامين هما أصغر أبناء يعقوب، وأُعْطِيَ يُوسُفُ وَأُمُّهُ شَطْرَ الْحُسْنِ (١). ولما كان يوسف في سن الطفولة أخبر والده يعقوب ﵉ أنه رأى في المنامِ أحدَ عشَرَ كوكبًا والشَّمسَ والقمَرَ يسجدون له، ففهم يعقوب تفضيل يوسف على إخوته بالنبوة والعلم، لكنه خشي على يوسُفَ من حسد إخوته وكيدهم له ومن مكر الشيطان، فأمره ألا يقص هذه الرؤيا على إخوته. وتشاكى إخوةُ يوسُفَ مِن أبيه فيما بينهم من محبة أبيهم ليُوسُفَ وأخاه الشَّقيقَ الأصغر بنيامين، وذكر بعضهم أن أباهم يعقوب يُفَضِّلُهما عليهم مع أنهم جماعةٌ أكثر عدداً وأكبر سناً وأنفع في خدمة أبيهم من يوسف وأخيه. فقال بعضهم: اقتُلوا يوسُفَ، أو ألقُوه في أرضٍ مجهولةٍ، بعيدةٍ عن العُمرانِ، حتى يَخلُصَ لكم حُبُّ أبيكم، ولا يلتفِتْ عنكم إلى غيرِكم، ثم تتوبوا من ذنبكم بعد قَتْلِ يُوسُفَ أو إبعادِه (٢). لكن أحدهم نصحهم ألا يقتُلوا يوسُفَ، وأن يكتفوا بإلقائه في جَوفِ البِئرِ حتى يلتَقِطْه بعضُ المارَّةِ مِن المُسافرينَ فيبعد عنهم ويستريحوا منه. وبعدَ اتِّفاقِهم على إبعادهِ طلبِ إخوةِ يوسُفَ من أبيهم أن يأذنَ في خروجِ يوسفَ معهم، وقالوا لأبيهم: يا أبانا ما لك لا تأمَنُنا على يوسُفَ مع أنَّه أخونا، ونحن نُريدُ له الخيرَ، ونُشفِقُ عليه ونرعاه، ونخُصُّه بخالِصِ النُّصحِ؟ أرسِلْه معنا غدًا يأكُلْ ويَنشَطْ ويَفرحْ، ويلعَبْ بالاستِباقِ ونحوِه، وإنَّا لحافِظونَ له من كلِّ ما تخافُ عليه.

стр. 58

فقال أبوهم يعقوبُ: إنِّي لَيؤلِمُ نفسي ذهابُكم به، ومُفارقتُه لي، وأخشى أن يأكُلَه الذِّئبُ وأنتم عنه غافِلونَ، فقال إخوةُ يوسُفَ لوالِدِهم: لئنْ أكَلَه الذِّئبُ ونحن جماعةٌ قويَّةٌ، إنَّا إذًا لخاسِرونَ، لا خيرَ فينا، ولا نَفعَ يُرْجَى منَّا. فلمَّا أقنعوا أباهم وطمأنوه؛ ذهبَ إخوةُ يوسُفَ به وأجمَعوا على إلقائِه في جَوفِ البِئرِ، وفعَلوا به ما فعلوا من الأذى، وأخذوا منه قميصه، وذبحوا سخلة (شاة وليدة) فأخذوا دمها فلطخوا به القميص، وأوحَى الله إلى يوسُفَ أنه سيخبر إخوته مُستقبَلًا بفِعلِهم هذا الذي فعَلوه به، وهم لا يَعلَمونَ أنَّه أخوهم يوسُفُ. ثم رجع إخوةُ يوسُفَ إلى أبيهم في وقتِ العِشاءِ يَتباكونَ، وأتوا في وقت الظلمة حتى لا يرى أعينهم ويدرك تحايلهم، وهم يُظهِرونَ الأسفَ والجَزعَ، وقالوا: يا أبانا إنَّا ذَهَبْنا نتسابَقُ، وترَكْنا يوسُفَ عند زادِنا وثيابِنا فأكَلَه الذِّئبُ، ونعلم أنك لن تصدقنا. ثم جاؤوا بقميصِه مُلطَّخًا بدَماء ليست بدَمِ يوسُفَ؛ لكي يبرهنوا صِدقِهم، وقيل أنهم: نسوا أن يمزقوا القميص، فكان دليلًا على كَذِبِهم، فكيف يأكل الذئب طفلاً دون تمزيق قميصه؟! فقال لهم أبوهم يعقوبُ ﵇: ليس الأمرُ كما تقولونَ، بل زيَّنَت لكم أنفُسُكم الأمَّارةُ بالسُّوءِ أمرًا قبيحًا في يوسُفَ، فرأيتُموه حسَنًا وفعَلتُموه، فصبري صبرٌ جميلٌ لا شكوى معه لأحدٍ مِن الخَلقِ، وأستعينُ باللهِ على احتمالِ ما تَصِفونَ مِن الكَذِب، لا على حَولي وقوَّتي.

стр. 59

ثم جاءت جماعةٌ مِن المُسافرينَ فأرسَلوا مَن يطلُبُ لهم الماءَ، فلمَّا أنزل دَلْوَه في البئرِ ليحضر الماء؛ تعلَّقَ بها يوسُف، فقال ذلك الوارِدُ: يا بُشرايَ هذا غلامٌ. وأخفَى أولئك المسافرون أمرَ يوسُفَ، وجعَلوه بضاعةً وعزَموا على بيعِه، وأخذوه معهم من فلسطين وباعوه في مصر بثَمَنٍ قليلٍ مِن الدَّراهمِ (١)، وكانوا زاهدينَ فيه، راغبينَ في التخَلُّصِ منه، واشتَراه منهم عزيزُها- وهو الوزيرُ- وقال لامرأتِه: أحسِني مُعامَلتَه، واجعلي مَقامَه عندنا كريمًا؛ لعلَّنا نستفيدُ مِن خِدمتِه أو نتبناه. وبذلك أنجى اللهُ يوسُفَ مِن الجُبِّ (البئر)، وجَعَل وزيرَ «مصر» يَعطِفُ عليه، وعَلَّمَه الله تفسيرَ الرُّؤى، ومعاني كتُبِ الله وسُنَن الأنبياءِ. ولَمَّا بلغ يوسُفُ مُنتهى قوَّتِه في شبابِه أعطاه الله النُّبوَّةَ والعِلمَ، جزاءً على إحسانِه وصبره. ولما كان يوسف بالغ الحسن والجمال تعلقت امرأة الوزير بحبه وخططت لإيقاعه في معاشرتها، فتهيأت وتزينت ودعته إلى نَفسِها، وغلَّقَت الأبوابَ عليها وعلى يوسُفَ، وقالت: هلمَّ إليَّ، فقال: معاذَ اللهِ! أعتَصِمُ به وأستجيرُ مِن الذي تدعِينَني إليه مِن خيانةِ سَيِّدي الذي أحسنَ مَنزِلتي وأكرَمَني، فلا أخونُه في أهلِه؛ إنَّه لا يُفلِحُ مَن ظَلمَ فَفَعل ما ليس له فِعلُه. ولما استنفدت خططها وحيلها ولم تحصل على ما تريد منه؛ غضبت من امتناعه وتحفظه، وهمّت أن تضربه على تمنّعه وعصيانه أوامرها وهي امرأة سيده، وهمّ يوسف أن يدفعها أو يضربها لغضبه من شناعة ما بدر منها وإصرارها على السوء وإيقاعه فيه، مع أنه وعظها ونبهها إلى شناعة ما تدعوه إليه، لكنه -بما علَّمه الله من حسن التدبير- أدرك أن بذل قوته في دفعها عن نفسه قد يُتَّخَذُ عليه حُجَّةً أنه أراد بقوته إجبار المرأة الأضعف على مراد سيء، ورأى أن ترك ضربها وترك دفعها عن نفسه والإعراض عنها والسعي في الخروج من المكان -حتى تكون هي التي تعتدي عليه-؛ فإنه يكون برهاناً -من توفيق ربه- يشهد بنزاهته، فرأى بعد الوعظ أن يكتفي بالإعراض عنها والانصراف عنها أسرع ما يمكن؛ فإن خرج من المكان؛ كان أسلم له، وإن اعتدت عليه كان برهاناً على براءته، وهذا من فضل الله وتعليمه لنبيه، فهو سبحانه يصرف عن نبيه السُّوءَ والفاحِشةَ في جميعِ أمورِه؛ فيوسف من الأنبياء المُطَهَّرينَ المُصطَفَينَ للرِّسالةِ، الذين أخلَصَهم الله من الشِّركِ والسُّوءِ والفَحشاءِ.

стр. 60

وأسرعَ يوسُفُ إلى البابِ يريدُ الخُروجَ، وأسرَعَت غاضبة تُحاوِلُ الإمساكَ به، وجذَبَت قميصَه مِن خَلْفِه؛ لتَحُولَ بينه وبين الخروجِ فشَقَّته، ووجدا زوجَها عند البابِ، فبادرت المرأةُ محاوِلةً إبراء نفسها واتهمت يوسف، وقالت لزوجها: ما جزاءُ مَن أراد بامرأتِك سوءاً إلَّا أن يُسجَنَ أو يُعذَّبَ العذابَ المُوجِعَ. وقال يوسُفُ -مدافعاً عن نفسه-: هي التي طلَبَتْ وحاولتْ، وأنا امتنعتُ منها. فأرسل الوزير إلى محقق أمين من أهل امرأته ليحقق في هذا الأمر، فحقق في الأمر ولم يجد أثراً للاعتداء على المرأة، مع أن قميص يوسف مشقوق، وبعد التحقيق والنظر قال المحقق في حكمه للوزير: إن كان قميصُ يوسف شُقَّ من الأمامِ فصَدَقت في اتِّهامِها له؛ حيث يكون أرادها وهي امتنعت وشقت قميصه من الأمام عند الدفاع عن نفسها، وإن كان قميصُ يوسف شُقَّ من الخَلفِ؛ فكَذَبت في قَولِها، فتكون هي التي أرادته وهو معرض عنها، وهو من الصَّادقينَ. فلمَّا رأى الوزير قميصَ يوسُفَ شُقَّ مِن خَلفِه عَلِمَ براءةَ يوسُفَ، وقال لزَوجتِه: إنَّ هذا الكَذِبَ الذي اتَّهَمتِ به هذا الشَّابَّ هو مِن جملةِ مَكرِكُنَّ- أيَّتُها النِّساءُ- إنَّ مَكرَكُنَّ عظيمٌ، وقال ليوسُفَ: يوسُفُ، اترُكْ ذِكرَ ما كان منها، فلا تَذكُرْه لأحدٍ، وقال لامرأته: اطلُبي- أيَّتُها المرأةُ- المغفرةَ لذَنبِك؛ إنَّك كنتِ من الآثمينَ في مُراودةِ يوسُفَ عن نفسِه، وفي افترائِكِ عليه. ومع هذا التكتم فقد تسرّبَ وشاعَ خبرُ امرأةِ العزيزِ، وتحدث به نِسوةٌ في المدينةِ واغتبن امرأةَ العزيز وقُلنَ مُنكِراتٍ عليها: امرأةُ العزيزِ تُراوِدُ غُلامَها عن نفسِه، وتدعوه إلى نَفسِها، وقد بلَغ حبُّها له مبلغًا عظيمًا، إنَّا لَنَراها في هذا الفِعلِ في ضلالٍ واضِحٍ. وقد مكر النسوة بهذا القول لرغبتهن أن يصل هذا الكلام إلى امرأة العزيز فتريهم يوسف وجماله. فلمَّا سَمِعَت امرأةُ العزيزِ بغِيبتِهنَّ إيَّاها، واحتيالهِنَّ في ذمِّها، أرسَلَت إليهنَّ تَدعوهنَّ لزيارتِها، وهيَّأَت لهنَّ ما يتَّكِئنَ عليه مِن الوسائِدِ، وما يأكُلنَه مِن الطَّعامِ، وأعطَتْ كلَّ واحدةٍ منهنَّ سِكِّينًا؛ ليُقَطِّعنَ الطَّعامَ، ثمَّ قالت ليوسُفَ: اخرُجْ عليهنَّ، فلمَّا رأينَه أعظَمْنَه وأجلَلْنَه، وأخَذَهنَّ حُسنُه وجَمالُه، فجَرَحنَ أيديَهنَّ وهُنَّ يُقَطِّعنَ الطَّعامَ؛ مِن فَرْطِ النظر إليه والدَّهشةِ والذُّهولِ، وقُلنَ مُتعَجِّباتٍ: مَعاذَ اللهِ، ما هذا مِن جِنسِ البشَرِ؛ لأنَّ جمالَه غيرُ مَعهودٍ في البشَرِ، ما هو إلَّا مَلَكٌ كريمٌ مِن الملائكة.

стр. 61

عندها أبدت امرأةُ العزيزِ عذرها في مراودة يوسف من شدة جماله، وقالت للنِّسوةِ اللَّاتي قطَّعْنَ أيديَهنَّ: فهذا- الذي أصابَكنَّ لمجرد رؤيَتِكنَّ إيَّاه - هو الفتى الذي لُمتُنَّني في الافتتانِ به، ولقد راودتْه عن نفسِه، فامتنَعَ وأبى، ولئنْ لم يفعَلْ ما آمُرُه به لَيُعاقَبَنَّ بدخولِ السِّجنِ، ولَيكونَنَّ مِن الأذلَّاءِ. وكانت تُسمِعُ يوسفَ هذا الكلام مهددة له أمامهن، فكأنهن أشرن على يوسف أن يجيبها لما تريد وألا يعرض نفسه للسجن والأذى. فقال يوسُفُ مُستعيذًا مِن شَرِّهنَّ ومَكرِهنَّ: ربِّ، السِّجنُ أحَبُّ إليَّ ممَّا يدعونَني إليه مِن عمَلِ الفاحِشةِ، وإنْ لم تدفَعْ عنِّي مَكرَهنَّ أَمِلْ إليهنَّ، وأكُنْ مِن الجاهلينَ، فاستجاب اللهُ ليوسُفَ دعاءَه، فصرف عنه ما أرادت منه امرأةُ العزيزِ وصَواحِباتُها مِن معصيةِ الله، فهو سبحانه سميع عليم. ثمَّ ظهر للعزيزِ وأصحابِه - من بعدِ ما رأَوا الأدلَّةَ على براءةِ يوسُفَ وعِفَّتِه- أن يسجُنوا يوسف إلى مُدَّةٍ مِن الزَّمَن؛ لينقطِعَ بذلك الخبرُ، ويتناساه النَّاسُ. ودخَل مع يوسفَ ﵇ السجنَ فَتَيانِ، قال له أحدهما: إنِّي رأيتُ في المنامِ أنِّي أعصِرُ عِنبًا ليصيرَ خَمرًا، وقال الآخرُ: إنِّي رأيتُ أنِّي أحمِلُ فوقَ رأسي خُبزًا تأكلُ الطَّيرُ منه، أخبِرْنا- يا يوسُفُ- بتفسيرِ ما رأينا، إنَّا نراك من المحسنين. قال لهما يوسفُ: لا تريانِ في مَنامِكما طَعامٌ تُرزَقانِه إلَّا أخبَرتُكما بتفسيرِه في اليقَظةِ قبل أن يأتيَكما، ذلك التَّعبيرُ الذي سأعبِّرُه لكما ممَّا علَّمَني ربِّي؛ إنِّي آمنتُ به، وأخلصتُ له العبادةَ، وابتعدتُ عن دينِ قَومٍ لا يُؤمِنونَ بالله، وهم بالبَعثِ والحِسابِ جاحِدونَ، واتَّبَعتُ دينَ آبائي إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، فعبدتُ الله وَحدَه، ما كان لنا أن نجعلَ لله شريكًا في عبادتِه، ذلك التَّوحيدُ بإفرادِ اللهِ بالعبادةِ، ممَّا تفضَّلَ الله به علينا وعلى النَّاسِ الذين جعَلَنا دُعاةً لهم إلى توحيدِه، ولكنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يشكُرونَ.

стр. 62

وأخذ يوسف يدعوهما إلى توحيد الله ويبيّن لهما الدين الحق، وقال لهما: يا ساكِنَي السِّجنِ، أعبادةُ آلهةٍ مخلوقةٍ شَتَّى خيرٌ أم عبادةُ اللهِ الواحدِ القَّهارِ؟ ما تعبُدونَ مِن دونِ اللهِ إلَّا أسماءً لا معانيَ وراءَها، جعلتُموها أنتم وآباؤكم أربابًا، جهلًا منكم وضلالًا، ما أنزل اللهُ مِن حُجَّةٍ أو برهانٍ على صِحَّتِها، وما الحُكمُ إلَّا لله تعالى وَحدَه لا شريكَ له، هو سبحانه أمَرَ ألَّا تعبُدوا أحدًا غيرَه، وهذا هو الدِّينُ القيِّمُ الذي لا عِوَجَ فيه، ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ يجهَلون ذلك، فلا يعلمونَ حقيقتَه. ثم فسر لهما رؤياهما بقوله: أمَّا أحدُكما فإنَّه يخرجُ مِن السِّجنِ، ويكونُ ساقيَ الخَمرِ للمَلِك، وأمَّا الآخَرُ فإنَّه يُصلَبُ ويُترَكُ، فتأكُلُ الطَّيرُ مِن رأسِه، فُرِغَ من تأويل رؤياكما وهو واقع بقضاء الله، وقال يوسُفُ للذي علِمَ أنَّه ناجٍ من صاحِبَيه: اذكُرني عند سيِّدِك المَلِك، وأخبِرْه بأنِّي مظلومٌ، قد سُجِنْتُ بلا ذَنبٍ، فأنسَى الشَّيطانُ ذلك الرَّجُلَ أن يَذكُرَ للمَلِك حالَ يوسُفَ، فمكثَ يوسُفُ بعد ذلك في السِّجنِ عِدَّةَ سَنواتٍ. وبعد تلك السنين جمع ملك مصر أهل الشورى والعلم وقال لهم: إنِّي رأيتُ في منامي سبعَ بقَراتٍ سِمانٍ، يأكُلُهنَّ سَبعُ بقَراتٍ نَحيلاتٍ مِن الهُزالِ، ورأيتُ سبعَ سُنبُلاتٍ خُضرٍ، وسَبعَ سُنبُلاتٍ يابساتٍ يلتففن على السنبلات الخضر ويسقطنهن، يا أيُّها الأشرافُ والكُبَراءُ أخبِروني عن هذه الرُّؤيا، إن كنتُم على علمٍ بتفسيرِ الرُّؤى. فقالوا له: رؤياك هذه أخلاطُ من الأحلامٍ لا تأويلَ لها، وما نحن بتفسيرِ الأحلامِ المختلطةِ بعالِمينَ، وهنا تذكر ساقي الملك -وهو الذي نجا من الفَتيَينِ اللَّذينِ كانا في السِّجنِ معَ يُوسفَ- أن يوسف ﵇ يتقن تأويل الرؤى، فقال للملك ومن معه: أنا أُخبِرُكم بتأويلِ هذه الرُّؤيا، فابعَثوني إلى يوسُفَ المسجونِ؛ لآتيَكم بتفسيرِها. وعندما وصل الرَّجُلُ إلى يوسُفَ قال له: يا يوسُفُ يا أيُّها الصِّدِّيقُ فسِّرْ لنا رؤيا مَن رأى سبعَ بقراتٍ سِمانٍ يأكلُهنَّ سَبعُ بقَراتٍ هَزيلاتٍ، ورأى سبعَ سُنبُلاتٍ خُضرٍ وأُخَرَ يابساتٍ؛ لعلِّي أرجِعُ إلى المَلِك وأصحابِه فأُخبِرُهم؛ لِيعلموا تأويلَ ما سألتُك عنه، ولِيعلَموا مكانتَك وعلمك وفَضلَك.

стр. 63

فقال يوسُفُ لسائِلِه عن رُؤيا المَلِك: تفسيرُ هذه الرُّؤيا هو أنَّكم تزرعونَ سبعَ سِنينَ مُتتابِعةً جادِّينَ ليَكْثُرَ العَطاءُ، فما حصدتُم منه في كلِّ مرَّةٍ فادَّخِروه واترُكوه في سُنبُله؛ لئلَّا يَفْسُدَ، إلَّا قليلًا ممَّا تأكُلونَه من الحُبوبِ. ثمَّ يأتي بعد هذه السِّنينَ الخِصْبةِ سبعُ سنينَ شديدةُ الجَدْبِ، يُؤكَلُ فيهنَّ كلُّ ما ادَّخَرتُم لهنَّ مِن قَبلُ، إلَّا قليلًا ممَّا تَحفَظونَه وتدَّخِرونَه. ثمَّ يأتي مِن بعدِ هذه السِّنينَ المُجدِبةِ عامٌ يُمطَرُ فيه النَّاسُ مطراً يغيثهم ويروي أراضيهم، فيرفَعُ اللهُ تعالى عنهم الشِّدَّةَ، ويَعصِرونَ فيه الثِّمارَ؛ مِن كثرةِ الخِصْبِ والنَّماءِ. و لَمَّا علِمَ المَلِكُ بتأويلِ رُؤياه قال لأعوانِه: أخرِجوا هذا الرجُلَ المعبِّرَ للرُّؤيا من السِّجنِ، وأحضِروه لي، فلمَّا جاءه رسولُ المَلِك يدعوه، قال يوسُفُ للرَّسولِ: ارجِعْ إلى سَيِّدِك المَلِك، واطلُبْ منه أن يسألَ النِّسوةَ اللَّاتي جَرَحْنَ أيديَهنَّ عن حقيقةِ أمْرِهنَّ وشأنِهنَّ معي؛ لتظهَرَ الحقيقةُ للجميعِ، وتتَّضِحَ براءتي، إنَّ رَبِّي عليمٌ بصَنيعهِنَّ وأفعالِهنَّ، لا يخفى عليه- سُبحانه- شَيءٌ مِن ذلك. فدعا المَلِكُ النِّسوةَ اللَّاتي جرَحْنَ أيديَهنَّ، وقال لهنَّ: ما شأنُكنَّ حين راودتُنَّ يوسُفَ عن نفسِه يومَ الضِّيافةِ؟ فهل رأيتُنَّ منه ما يَريبُ؟ قُلنَ: معاذَ اللهِ ما عَلِمْنا عليه أدنى شيءٍ يَشِينُه، عند ذلك قالت امرأةُ العزيزِ: الآنَ ظهرَ الحَقُّ بعدَ خفائِه، فأنا التي حاوَلْتُ فِتنَتَه بإغرائِه فامتنَعَ، وإنَّه لَمِنَ الصَّادقينَ في كُلِّ ما قاله، ذلك القَولُ الذي قُلتُه في تنزيهِه والإقرارِ على نفسي؛ ليعلمَ يوسُفُ أنِّي لم أخُنْه بالكَذِبِ عليه حالَ غَيبتِه عنِّي، وأنَّ اللهَ لا يُوَفِّقُ أهلَ الخيانةِ، ولا يُرشِدُهم في خيانِتِهم، وما أزَكِّي نفسي ولا أُبَرِّئُها؛ إنَّ النَّفسَ لَكثيرةُ الأمرِ لصاحِبِها بعمَلِ المعاصي؛ طلبًا لمَلذَّاتِها، إلَّا مَن عصَمَه الله، إنَّ اللهَ غفورٌ لذُنوبِ مَن تاب مِن عبادِه، رحيمٌ بهم. و حين عَلِمَ مَلِكُ مصرَ بَراءةَ يوسُفَ قال: جيئُوني به أجعَلْه مِن خُلَصائي وأهلِ مَشورتي، فلَمَّا جاء يوسُفُ، وكلَّمَه المَلِكُ، وعرَفَ براءتَه، وعظيمَ أمانتِه، وحُسنَ خُلُقِه وجليل علمه؛ قال له: إنَّك اليومَ عندنا عظيمُ المَكانةِ، ومُؤتمَنٌ على كلِّ شَيءٍ، وأراد يوسُفُ أن ينفعَ العبادَ، ويُقيمَ العدلَ بينهم، فقال للمَلِكِ: اجعَلْني واليًا على خزائنِ مِصرَ؛ فإنِّي خازِنٌ أمينٌ، ذو عِلمٍ وبصيرةٍ بما أتولَّاه. وكذلك أنعَمَ اللَّهُ على يوسُفَ بالخَلاصِ مِن السِّجنِ، ومكَّنَ له في أرضِ مصرَ ينزِلُ منها أيَّ مَنزِلٍ شاءَه، وجعله عزيز مصر والوالي على خزائنها.

стр. 64

ثم قدِمَ إخوةُ يوسُفَ إلى مِصرَ بعد أنْ حلَّ بهم الجَدبُ في أرضِهم؛ ليَجلِبوا منها الطَّعامَ، فدَخَلوا على يوسفَ، فعَرَفهم لأنه رآهم كباراً ولم يتغيروا كثيراً ولم يَعرِفوه هم لطولِ المدَّةِ حيث فارقهم طفلاً صغيراً وقد شبَّ وتغيَّرت هيئتِه. فأمَرَ يوسُفُ بإكرامِهم وحُسنِ ضيافتِهم، ثمَّ أعطاهم مِن الطَّعامِ ما طلَبوا، وسألهم عن أهلهم وأحوالهم وعددهم، فأخبَروه أنَّ لهم أخًا مِن أبيهم لم يُحضِروه معهم- يُعنونَ شَقيقَه- فقال: في المرة القادمة ائتُوني بأخيكم مِن أبيكم، ألم تَرَوا أنِّي أوفيتُ لكم الكَيلَ، وأكرَمتُكم في الضِّيافةِ، وأنا خيرُ المُضْيفينَ لِمَن نزَلَ بي؟ فإنْ لم تأتوني به فليس لكم عندي طعامٌ أكيلُه لكم، ولا تأْتوا إليَّ. فقالوا: سنبذُلُ جُهدَنا لإقناعِ أبيه أنْ يُرسِلَه معنا، ولن نُقصِّرَ في ذلك. وقال يوسُفُ لغِلمانِه: أعيدوا لهم الثمَنَ الذي دفعوه واجعلوه في أمتعتِهم سِرًّا مع ما أعطيناهم من البضائع؛ رجاءَ أن يَعرِفوا إذا انصرفوا إلى أهلِهم وفتحوا أمتعتهم هناك؛ أنا أكرمناهم وضيفناهم وأوفينا لهم أفضل الكيل والبضاعة وأعدنا لهم الثمن فلم نأخذ منهم شيئاً مقابل كل ذلك، ليكون ذلك أدعى لهم في الرجوع إلينا مرَّةً أُخرى. فلَمَّا رجَعوا إلى أبيهم قصُّوا عليه ما كان مِن إكرامِ الوزير لهم، وقالوا: إنَّه لن يُعطيَنا مُستقبَلًا إلَّا إذا كان معنا أخونا -بنيامين- حيثُ أخبَرناه به، فأرسِلْه معنا نُحضِرِ الطَّعامَ وافيًا، ونتعهَّدُ لك بحِفظِه. فقال لهم أبوهم: كيف آمَنُكم على بنيامين وقد أمِنتُكم على أخيه يوسُفَ مِن قَبلُ، والتَزمتُم بحِفظِه فلم تَفُوا بذلك؟! فلا أثِقُ بالتزامِكم وحِفظِكم، ولكِنِّي أثِقُ بحِفظِ الله؛ خيرِ الحافِظينَ، وأرحَمِ الرَّاحمينَ. ولَمَّا فَتَحوا أوعيَتَهم وجَدوا ثمنَ بضاعتِهم الَّذي دَفَعوه قد رُدَّ إليهم، قالوا: يا أبانا ماذا نطلُبُ أكثَرَ مِن هذا؟! هذا ثمَنُ بضاعتِنا رَدَّه العزيزُ إلينا، فكُنْ مُطمَئِنًّا على أخينا، وأرسِلْه معنا؛ لنجلِبَ طَعامًا وفيرًا لأهلِنا، ونحفَظ أخانا، ونزداد حِمْلَ بعيرٍ له؛ فإنَّ العزيزَ يَكيلُ لكلِّ واحدٍ حِمْلَ بعيرٍ،

стр. 65

وذلك كَيلٌ يسيرٌ عليه. فقال لهم يعقوبُ: لن أترُكَه يذهَبُ معكم حتَّى تتعَهَّدوا وتحلِفوا لي باللَّهِ أن ترُدُّوه إليَّ، إلَّا أن تُغْلَبوا عليه فلا تستطيعوا تخليصَه، فلَمَّا أعطَوه عهدَ اللَّهِ على ما طلَبَ، قال يعقوبُ: اللَّهُ على ما نقولُ وكيلٌ، تكفينا شَهادتُه علينا، وحِفظُه لنا. ولَمَّا أرادوا الذَّهابَ إلى مصرَ خاف عليهم يعقوب من العين، وأمرهم بالأخذ بالأسباب. وقال لهم: يا أبنائي إذا دخَلتُم مدينة مصرَ فلا تدخُلوا مِن بابٍ واحدٍ، ولكن ادخُلوها مِن أبوابٍ مُتفَرِّقةٍ، وإنِّي إذ أُوصيكم بهذا لا أدفَعُ عنكم شيئًا قضاه اللَّهُ عليكم، فما الحُكمُ إلَّا للَّهِ وَحدَه، عليه اعتَمَدتُ ووَثِقتُ، وعليه وَحدَه يتوكل المؤمِنونَ. ولَمَّا دخلَ إخوةُ يوسُفَ عليه في مَنزلِ ضِيافتِه ومعهم شَقيقُه، ضمَّ يوسُفُ إليه شقيقَه، وقال له سِرًّا: إنِّي أنا أخوك فلا تحزَنْ، ولا تغتمَّ بما صنَعوه بي وبك فيما مضى، وأمَرَه بكتمانِ ذلك عنهم، فلَمَّا جهَّزهم يوسُفُ، وحمَّلَ إبِلَهم بالطَّعامِ، جعَلَ الإناءَ- الَّذي يشرَبُ فيه المَلِكُ ويكيلُ للنَّاسِ به (الصُواع) (١) - في متاعِ أخيه الشَّقيقِ مِن حيثُ لا يشعُرُ أحَدٌ، ولَمَّا رَكِبوا ليَسيروا نادى مُنادٍ قائلًا: يا أصحابَ هذه العِيرِ المُحمَّلةِ بالطَّعامِ، إنَّكم لسارِقونَ، فقال أولادُ يعقوبَ مُقبِلينَ على المُنادي: ما الَّذي تَفقِدونَه؟ قال المُنادي ومَن بحَضرتِه: نَفقِدُ الإناءَ الَّذي يشرَبُ فيه المَلِكُ، ويكيلُ به الطَّعامَ، ومُكافأةُ مَن يُحضِرُه مِقدارُ حِمْلِ بعيرٍ مِن الطَّعامِ، وقال المنادي: وأنا ضامِنٌ هذه المكافأة لمن يأتي به. فقال إخوةُ يوسُفَ: لقد تحقَّقتُم ممَّا شاهَدتُموه منَّا أنَّنا ما جِئنا أرضَ مصرَ مِن أجلِ الإفسادِ فيها، وليست السرقةُ مِن صِفاتِنا، و -بأمر يوسف- قال المُنادي ومَن معه لإخوةِ يوسُفَ: فما عُقوبةُ السَّارِقِ عِندَكم إن كُنتُم كاذبينَ في قَولِكم؟ فقال إخوةُ يوسُفَ: جزاءُ السَّارِقِ عندنا في شريعتنا أن يُسلَّمَ إلى مَن سرَقَ منه؛ حتَّى يكون عبدًا عندَه، مثلَ هذا الجزاءِ- وهو الاستِرقاقُ- نَجزي الظَّالِمينَ بالسَّرِقةِ، وهذا دينُنا وسُنَّتُنا في أهلِ السَّرِقةِ.

стр. 66

فرجع إخوةُ يوسُفَ إليه، وقام يوسُفُ بنَفسِه يُفتِّشُ أمتِعتَهم، فبدَأَ بأمتِعَتهم قبل مَتاعِ شَقيقِه؛ إحكامًا لِما دبَّرَه لاستبقاءِ أخيه معه، ثمَّ انتهى بوعاءِ أخيه، فاستخرجَ الإناءَ (الصواع) منه، كذلك يسَّرَ الله لِيوسُفَ هذا التَّدبيرَ الَّذي توصَّلَ به لأخْذِ أخيه بإقرار إخوته وحسب شريعتهم، وما كان له أن يأخُذَ أخاه في حُكمِ مَلِكِ مصرَ- لأنَّه ليس مِن دينِه أن يتمَلَّكَ السَّارِقَ-، لكن الأمر تم ليوسف بمَشيئةَ اللَّهِ، فقد كادَ اللهُ وقدّر لِمصلحة يوسُفَ، حتَّى يتمكَّنَ مِن أخْذِ شقيقِه مِن إخوتِه، بناءً على شريعتِهم، وإقرارِهم بأنفُسِهم. فالله سبحانه يرفع مَنازِلَ من يشاء في الدُّنيا على غيرِه بالعلم والتدبير، كما رفَعَ منزلةَ يوسُفَ، وفوقَ كُلِّ ذي علمٍ مَن هو أعلَمُ منه، حتَّى ينتهيَ العِلمُ إلى اللَّهِ تعالى عالمِ الغَيبِ والشَّهادةِ. ولَمَّا استُخرِجَ الصُّواعُ مِن رَحلِ أخيهم قال إخوةُ يوسُفَ: إنْ سرَقَ هذا فقد سرَقَ أخٌ شقيقٌ له مِن قَبلُ- يقصِدونَ يوسُفَ ﵇ فأخفَى يوسُفُ في نفسِه كلمةً حدَّثَ نفسَه بها قائلًا: أنتم أسوأُ مَنزلةً ممَّن ذكَرْتُم؛ حيثُ دبَّرتُم لي ما كان منكم، واللَّهُ أعلَمُ بما تَصِفونَ مِن الكَذِبِ والافتراءِ. ثم تذكر إخوة يوسف ميثاقهم مع أبيهم أن يعيدوا بنيامين إليه، فقالوا ليوسف مُستعطفينَ: يا أيُّها العَزيزُ، إنَّ له والدًا كبيرًا في السِّنِّ يحِبُّه، ولا يُطيقُ بُعدَه، فخُذْ أحَدَنا بدلًا منه؛ إنَّا نراك مِن المُحسنينَ. فقال يوسُفُ: نَستعيذُ باللَّهِ أن نأخُذَ أحدًا غيرَ الَّذي وجَدْنا الصُّواعَ عندَه؛ فإنَّنا نكونُ في عِدادِ الظَّالمينَ إن فعَلْنا ما تطلُبونَ. فلَمَّا يَئِسوا مِن إجابتِه إيَّاهم لِمَا طَلَبوه، انفَرَدوا عن النَّاسِ، وأخَذوا يتشاوَرونَ فيما بينهم. فقال كبيرُهم: ألم تَعلَموا أنَّ أباكم قد أخذَ عليكم العهدَ المُؤكَّدَ؛ لَترُدُّنَّ أخاكم إلَّا أن تُغلَبوا، ومِن قبلِ هذا كان تقصيرُكم في يوسُفَ وتضييعُكم له؛ لذلك لن أُفارِقَ أرضَ مِصرَ حتَّى يأذنَ لي أبي في مُفارَقتِها، أو يقضيَ لي ربِّي بالخُروجِ منها، واللهُ خيرُ مَن حَكَمَ، وأعدَلُ مَن فَصَلَ بين النَّاسِ.

стр. 67

ثم قال لهم: ارجِعُوا إلى أبيكم، وأخبِروه بما جرَى، وقُولوا له: إنَّ ابنَكَ قد سرَقَ، وما شَهِدْنا بذلك إلَّا بعدَ أنْ تَيَقَّنَّا؛ فقد رأيْنا المِكيالَ في رَحْلِه، وما كان عِندَنا عِلمُ الغَيبِ أنَّه سيَسرِقُ حين عاهَدْناكَ على رَدِّه، واسألْ- يا أبانا- أهلَ مِصرَ، ومَن كان معَنا في القافِلةِ الَّتي كنَّا فيها، وإنَّنا لصادِقونَ فيما أخبَرْناكَ به. ولَمَّا رجَعوا وأخبَروا أباهم، قال لهم: بل زَيَّنَتْ لكُم أنفُسُكم مَكيدةً دبَّرتُموها، كما فعَلتُم مِن قَبلُ مع يُوسُفَ، فصَبري صبرٌ جَميلٌ، لا جزَعَ فيه ولا شَكوَى معه؛ عسى اللَّهُ أنْ يرُدَّ إليَّ أبنائي جميعًا- يوسُفُ، وشقيقُه، وأخوهمُ الكبيرُ الَّذي تخلَّفَ مِن أجْلِ أخيه-؛ إنَّه هو العليمُ بحالي، الحَكيمُ في تدبيرِه. وأعرَضَ يَعقوبُ عنهم، وقد ضاق صَدرُه بما قالوه، وقال: يا حَسرَتي على يوسُفَ، وابيضَّتْ عيناه؛ مِن شِدَّةِ الحُزنِ، فهو مُمتلئُ القَلبِ حُزنًا، ولكِنَّه شَديدُ الكِتمانِ له. فقال بَنُوه: تاللَّهِ، ما تزالُ تتذكَّرُ يوسُفَ، ويَشتدُّ حُزنُك عليه، حتَّى تُشْرِفَ على الهَلاكِ أو تَهلَكَ فِعلًا، فخَفِّفْ عن نفْسِك. فقال يعقوبُ مُجيبًا لهم: لا أُظهِرُ همِّي وحُزني إلَّا إلى اللَّهِ وَحْدَه؛ فهو كاشِفُ الضُّرِّ والبَلاءِ، وأعلَمُ مِن رَحمةِ اللَّهِ وفَرَجِه ما لا تَعلَمونَه. وكأنّ يعقوب قد تفكر في حال ذلك الرجل الكريم عزيز مصر الذي أكرم أولاده وضيّفهم في زمن القحط، وأوفى لهم الكيل، ورد لهم الثمن، وطلب منهم إحضار أخيهم ليكرمه، فكأنّه رأى فيه كرم النبوة وكرم جده إبراهيم ﵇ حيث أنه أول من ضَيَّفَ الضيْف، كما أنّ ذاك العزيز حكم بشريعة يعقوب في استرقاق السارق، فاجتمعت فيه خصالٌ من أخلاق الإيمان والنبوة، وكذلك كان مايرجوه يعقوب ليوسف من النبوة حين أخبره عن رؤياه وهو صغير. فقال يعقوب لأبنائِه: عُودُوا إلى مِصرَ، فاستَقْصُوا أخبارَ يوسُفَ وأخيه، ولا تَقنَطوا مِن رَحمةِ اللَّهِ؛ إنَّه لا يَقنَطُ مِن رَحمةِ اللَّهِ إلَّا الجاحِدونَ لقُدرتِه، الكافِرونَ به. ثم إنَّ إخوةَ يوسُفَ لما رجَعوا إلى مِصْرَ، ودخَلوا على يوسُفَ، أرادوا استرقاق قلبه بضعفهم وشدة حاجتهم، فإن رأوا منه ليناً وشفقة؛ حاولوا معه أن يطلق لهم أخاهم. فلما دخلوا عليه

стр. 68

قالوا: يا أيُّها العزيزُ، أصابَنا وأهْلَنا القَحْطُ والجَدْبُ، وجِئْناكَ بثَمنٍ رَديءٍ قليلٍ، فأعْطِنا به ما كُنتَ تُعطِينا وتُكرمنا مِن قَبلُ بالثَّمَنِ الجَيِّدِ، وتصدَّقْ عليْنا بقَبضِ هذه الدَّراهمِ الْمُزجاةِ وتَجوَّزْ فيها؛ إنَّ اللَّهَ تعالى يُثيبُ المتفَضِّلينَ بأموالِهم على المحتاجينَ. فلَمَّا سمِعَ مَقالتَهم رَقَّ لهم، وعرَّفَهم بنَفْسِه، وقال: هلْ تذكُرونَ الَّذي فعَلْتُموه بيوسُفَ وأخيه مِنَ الأذَى في حالِ جَهْلِكم بعاقبةِ ما تَفعلونَ؟ قالوا: أإنَّكَ لَأنتَ يوسُفُ؟! قال: نَعَمْ، أنا يوسُفُ، وهذا شَقيقي، قد تفضَّل اللَّهُ علينا، فجَمَعَ بيْننا بعدَ الفُرقةِ؛ إنَّه مَن يتَّقِ اللَّهَ، ويَصبِرْ على المِحَنِ؛ فإنَّ اللَّهَ لا يُذهِبُ ثوابَ إحسانِه، وإنَّما يَجْزيه أحسَنَ الجَزاءِ. قالوا: واللَّهِ، لقد فَضَّلكَ اللَّهُ علينا، وأعزَّك بالعِلْمِ والحِلمِ، والفَضلِ والكرم والملكِ والجمال، وقد كنَّا خاطِئينَ فِيما فعَلْناه بكَ. فقال لهم يوسُفُ: لا تَأنيبَ عليكمُ اليومَ، يَغفِرُ اللَّهُ لكم، وهو أرحَمُ الرَّاحمينَ لِمَن تاب مِن ذَنبِه، وأناب إلى طاعتِه. ولَمَّا سألَهم عن أبيه أخبَروه بذَهابِ بَصَرِه مِنَ البُكاءِ عليه، فقال لهم: عُودُوا إلى أبيكم ومعَكم قَميصي هذا، فاطْرَحوه على وجهِ أبي؛ يَعُدْ إليه بَصَرُه، ثم أَحْضِروا إليَّ جميعَ أهلِكم. ولَمَّا خرجَتْ قافلةُ بَني يَعقوبَ من مِصْرَ مُتَّجِهةً إلى الشَّامِ، سارعت الريح بحمل رائحة يوسف إلى يعقوب، وقال يعقوبُ لِمَنْ حَضَرَ عندَه في فلسطين: إنِّي لَأشَمُّ رائحةَ يوسُفَ، لولا أن تُكَذِّبوني وتَنسُبوني إلى الهَرَمِ والخَرَفِ، فقال له الحاضِرونَ: واللَّهِ، إنَّك لفي خَطئِك الَّذي كنتَ عليه قديمًا. فلَمَّا أنْ جاء يعقوبَ ولدُه المبَشِّرُ برِسالةِ يوسُفَ، ألْقَى قَميصَ يوسُفَ على وجْهِ أبيه، فعاد مُبْصِرًا بعَينَيهِ كما كان. وقال يعقوبُ لأولادِه: ألَمْ أَقُلْ لكم: إنِّي أعلمُ مِنَ اللَّهِ تعالى ما لا تَعلمونَه؟ فقالوا له: يا أبانا، ادعُ اللَّهَ أنْ يَغفِرَ لنا ذُنوبنَا؛ إنَّا نَعترِفُ بأنَّنا كُنَّا خاطِئينَ، فقال لهم أبوهم: سوف أستغفر لكم ربِّي؛ إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيمُ.

стр. 69

فلَمَّا دخَلَ يعقوبُ وأهلُه على يوسُفَ ضمَّ إليه أبويْه، وقال لجميعِ أهلِه: ادخُلوا مصرَ آمنينَ إنْ شاءَ اللَّهُ، وأجلَسَ أباه وأمَّه على العَرشِ الَّذي يجلِسُ عليه، وخرَّ الجميعُ له سُجودًا؛ تحيةً وتعظيمًا ليوسُفَ، وقال لأبيه: يا أبتِ هذا السُّجودُ منكم لي هو تَفسيرُ رُؤْيايَ الَّتي رأيتُها في صِغَري، قد حقَّقَها ربِّي، وقد أحسَنَ بي جلَّ وعلا حين أخرَجني مِن السِّجنِ، وجاء بكم مِن الباديةِ مِن بَعدِ أنْ أفسَدَ الشَّيطانُ بَيني وبين إخوتي؛ إنَّ ربِّي لطيفٌ لِمَا يُريدُه، إنَّه هو العليمُ الحَكيمُ. وقال يوسُفُ داعيًا ربَّه: ربِّي قد آتيتَني مِن مُلْكِ مصرَ، وعلَّمتَني مِن تَعبيرِ الرُّؤى، ومِن عُلومِ الكُتُبِ المُنزَّلةِ، وسُنَنِ الأنبياءِ، يا خالقَ السَّمواتِ والأرضِ، أنت ناصِري ومُتولِّي أُموري في الدُّنيا والآخِرَةِ، تَوفَّني وأنا على الإسلامِ، وألْحِقْني في الثَّوابِ والدَّرجاتِ بالصَّالِحين (١).

стр. 70

مكوث بني إسرائيل في مصر وكان بنو إسرائيل قد استقروا في مصر بعد ما حصل التمكين ليوسف فيها؛ وكان يوسف قد دعا والده وإخوته إلى مصر، فنزحوا من فلسطين، ومات يعقوب ودفن عند آبائه في فلسطين، ففدفنوه هناك. ثم رجعوا إلى مصر، وعزى إخوة يوسف يوسف، وترققوا له؛ فأكرمهم، وأحسن منقلبهم؛ فأقاموا بمصر، ثم حضرت يوسف الوفاة؛ فأوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من مصر؛ فيدفن عند آبائه، فحنطوه، ووضعوه في تابوت. وبعد ذلك تناسل الأسباط -وهم ذرية يعقوب (إسرائيل) من أبنائه الإثني عشر- وكثروا. (١)

стр. 71

اضطهاد بني إسرائيل من فرعون وَكَانَ فِرْعَوْنُ الْمَلِكَ، وَهَامَانُ الْوَزِيرَ، وكان فرعون قد قَسَّمَ رَعِيَّتَهُ إِلَى أَقْسَامٍ وَفِرَقٍ وَأَنْوَاعٍ ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ وَهُمْ شَعْبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، الَّذِينَ هُمْ مِنْ سُلَالَةِ نَبِيِّ اللَّهِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. وَكَانُوا إِذْ ذَاكَ خِيَارَ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْمَلِكَ الظَّالِمَ الْغَاشِمَ الْكَافِرَ الْفَاجِرَ، يَسْتَعْبِدُهُمْ وَيَسْتَخْدِمُهُمْ فِي أَخَسِّ الصَّنَائِعِ وَالْحِرَفِ، وَأَرْدَئِهَا، وَأَدْنَاهَا، وَمَعَ هَذَا ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ وَكَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ الْقَبِيحِ، أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَتَدَارَسُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَا كَانُوا يَأْثُرُونَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، ﵇، مِنْ أَنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ غُلَامٌ يَكُونُ هَلَاكُ مَلِكِ مِصْرَ عَلَى يَدَيْهِ، وَذَلِكَ-وَاللَّهُ أَعْلَمُ- حِينَ جَرَى عَلَى سَارَّةَ امْرَأَةِ الْخَلِيلِ مِنْ مَلِكِ مِصْرَ، مِنْ إِرَادَتِهِ إِيَّاهَا عَلَى السُّوءِ، وَعِصْمَةِ اللَّهِ لَهَا. وتَذَاكَرَ فِرْعَوْنُ وَجُلَسَاؤُهُ مَا يتحدث به بنو إسرائيل أنّ اللهَ وَعَدَ إِبْرَاهِيمَ ﷺ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ أَنْبِيَاءً وَمُلُوكًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيَنْتَظِرُونَ ذَلِكَ، مَا يَشُكُّونَ فِيهِ، وَقَدْ كَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِمَا الصَلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَلَمَّا هَلَكَ، قَالُوا: ليْسَ هَكَذَا كَانَ وَعْدُ إِبْرَاهِيمَ ﵇. قَالَ فِرْعَوْنُ: فَكَيْفَ تَرَوْنَ؟، فَأتَمَرُوا وَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ رِجَالًا بِالشِّفَارِ يَطُوفُونَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فلَا يَجِدُونَ مَوْلُودًا ذَكَرًا إِلَّا ذَبَحُوهُ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَمَّا أَنْ رَأَوْا أَنَّ الْكِبَارَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يَمُوتُونَ بِآجَالِهِمْ، وَالصِّغَارَ يُذْبَحُونَ، قَالُوا: تُوشِكُونَ أَنْ تُفْنُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَتَصْيرُونَ إلَى أَنْ تُبَاشِرُوا مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْخِدْمَةِ الَّذِينَ كَانُوا يَكْفُونَكُمْ، فَاقْتُلُوا عَامًا كُلَّ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ، فَيَقِلَّ نَبَاتُهُمْ، وَدَعُوا عَامًا، فلَا تَقْتُلُوا مِنْهُمْ أَحَدًا، فَيَنْشَأُ الصِّغَارُ مَكَانَ مَنْ يَمُوتُ مِنَ الْكِبَارِ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَكْثُرُوا بِمَنْ تَسْتَحْيُوا مِنْهُمْ، فَتَخَافُوا مُكَاثَرَتَهُمْ إيَّاكُمْ، وَلَنْ يَفْنَوْا بِمَنْ تَقْتُلُونَ، فَتَحْتَاجُونَ إِلَيْهِمْ، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وروي أَنَّ فِرْعَوْنَ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ نَارًا قَدْ أَقْبَلَتْ مِنْ نَحْوِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَحْرَقَتْ دَوْرَ مِصْرَ وَجَمِيعَ الْقِبْطِ، وَلَمْ تَضُرَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ هَالَهُ ذَلِكَ فَجَمَعَ الْكَهَنَةَ وَالْحُزَاةَ وَالسَّحَرَةَ وَسَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ الْكَهَنَةُ: هَذَا غُلَامٌ يُولَدُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، يَكُونُ سَبَبَ هَلَاكِ أَهْلِ مِصْرَ عَلَى يَدَيْهِ.

стр. 72

موسى وهارون ﵉ وكان موسى بن عمران من نسل يعقوب ومن ذرية إبراهيم ﵈، فَهُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ قَاهِثَ بْنِ عَازِرَ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ﵈. وَحَمَلَتْ أُمُّ مُوسَى بِهَارُونَ ﵇ فِي الْعَامِ الَّذِي لَا يُذْبَحُ فِيهِ الْغِلْمَانُ، فَوَلَدَتْهُ عَلَانِيَةً آمِنَةً، فَلَمَّا كَانَ مِنْ قَابِلٍ حَمَلَتْ بِمُوسَى ﵇ فَوَقَعَ فِي قَلْبِهَا مِنَ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ مِمَّا يُرَادُ بِهِ، فَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَيْهَا: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وَأَمَرَهَا إِذَا وَلَدَتْ أَنْ تَجْعَلَهُ فِي تَابُوتٍ، ثُمَّ تُلْقِيهِ فِي الْيَمِّ، فَلَمَّا وَلَدَتْ فَعَلَتْ ذَلِكَ بِهِ، فَأَلْقَتْهُ فِي الْيَمِّ، فَلَمَّا تَوَارَى عَنْهَا ابْنُهَا، أَتَاهَا الشَّيْطَانُ، فَقَالَتْ فِي نَفْسِهَا: مَا فَعَلْتُ بِابْنِي؟، لَوْ ذُبِحَ لَبِثَ عِنْدِي، فَرَأَيْتُهُ وَكَفَّنْتُهُ، كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُلْقِيهِ بِيَدِي إِلَى دَوَابِّ الْبَحْرِ وَحِيتَانِهِ. وَانْتَهَى الْمَاءُ بِهِ حَتَّى أَرْفَأَ بِهِ عِنْدَ فُرْضَةِ (١) مُسْتَقَى جَوَارِي امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَخَذْنَهُ، فَهَمَمْنَ أَنْ يَفْتَحْنَ التَّابُوتَ، فَقَالَتْ بَعْضُهُنَّ: إِنَّ فِي هَذَا مَالًا، وَإِنَّا إِنْ فَتَحْنَاهُ لَمْ تُصَدِّقْنَا امَرْأَةُ الْمَلِكِ بِمَا وَجَدْنَا فِيهِ، فَحَمَلْنَهُ بِهَيْئَةٍ لَمْ يُحَرِّكْنَ مِنْهُ شَيْئًا، حَتَّى دَفَعْنَهُ إِلَيْهَا، فَلَمَّا فَتَحَتْهُ رَأَتْ فِيهِ غُلَامًا، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا مَحَبَّةً لَمْ تُلْقَ مِثْلُهَا عَلَى الْبَشَرِ قَطُّ، وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا مِنْ ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ، إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى ﵇ فَلَمَّا سَمِعَ الذَّابِحُونَ بِأَمْرِهِ، أَقْبَلُوا بِشِفَارِهِمْ إِلَى امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ لِيَذْبَحُوهُ، فَقَالَتْ لِلذَّبَّاحِينَ: اتْرُكُوهُ، فَإِنَّ هَذَا الْوَاحِدَ لَا يَزِيدُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، حَتَّى آتِيَ فِرْعَوْنَ فَأَسْتَوْهِبَهُ مِنْهُ، فَإِنْ وَهَبَهُ لِي، كُنْتُمْ قَدْ أَحْسَنْتُمْ وَأَجْمَلْتُمْ، وَإِنْ أَمَرَ بِذَبْحِهِ، لَمْ أَلُمْكُمْ، فَأَتَتْ بِهِ فِرْعَوْنَ، فَقَالَتْ: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ قَالَ فِرْعَوْنُ: يَكُونُ لَكِ فَأَمَّا لِي، فلَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ (٢). فَأَرْسَلَتْ إِلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ لَهَا لَبَنٌ تَخْتَارُ لَهَا ظِئْرًا (٣)، فَجَعَلَ كُلَّمَا أَخَذَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ فَتُرْضِعُهُ، لَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَهَا، حَتَّى أَشْفَقَتْ عَلَيْهِ امَرْأَةُ فِرْعَوْنَ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ اللَّبَنِ فَيَمُوتَ، فَأَحْزَنَهَا ذَلِكَ فَأَمَرَتْ بِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى السُّوقِ، وَتَجَمَّعَ النَّاسُ، تَرْجُو أَنْ تَجِدَ لَهُ ظِئْرًا يَأخُذُ مِنْهَا، فَلَمْ يَقْبَلْ،

стр. 73

وَأَصْبَحَتْ أُمُّ مُوسَى وَالِهَةً، فَقَالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّيهِ - يَعْنِي أَثَرَهُ، وَاطْلُبِيهِ - هَلْ تَسْمَعِينَ لَهُ ذِكْرًا؟، أَحَيٌّ ابْنِي؟، أَمْ قَدْ أَكَلَتْهُ الدَّوَابُّ؟، وَنَسِيَتْ مَا كَانَ اللهُ وَعَدَهَا فِيهِ، فَبَصُرَتْ بِهِ أُخْتُهُ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَالْجُنُبُ: أَنْ يَسْمُوَ بَصَرُ الإِنْسَانِ إِلَى الشَّيْءِ الْبَعِيدِ، وَهُوَ إِلَى جَنْبِهِ لا يَشْعُرُ بِهِ، فَقَالَتْ مِنَ الْفَرَحِ حِينَ أَعْيَاهُمُ الطَّلَبُ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ، وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ، فَأَخَذُوهَا فَقَالُوا: وَمَا يُدْرِيكِ مَا نُصْحُهُمْ لَهُ؟ هَلْ يَعْرِفُونَهُ؟ - حَتَّى شَكُّوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَتْ: نَصِيحَتُهُمْ لَهُ وَشَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ رَغْبَةً فِي صِهْرِ المَلِكٍ، وَرَجَاءَ مَنْفَعَتِهِ، فَأَرْسَلُوهَا، فَانْطَلَقَتْ إِلَى أُمِّهَا فَأَخْبَرَتْهَا الْخَبَرَ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ، فَلَمَّا وَضَعَتْهُ فِي حِجْرِهَا، نَزَا إِلَى ثَدْيِهَا فَمَصَّهُ، حَتَّى امْتَلَأَ جَنْبَاهُ رِيًّا، وَانْطَلَقَ الْبَشِيرُ إِلَى امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، يُبَشِّرُهَا أَنْ قَدْ وَجَدْنَا لابْنِكِ ظِئْرًا، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ بِهَا وَبِهِ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا يَصْنَعُ بِهَا، قَالَتْ لَهَا: امْكُثِي عِنْدِي، تُرْضِعِينَ ابْنِي هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أُحِبَّ حُبَّهُ شَيْئًا قَطُّ، فَقَالَتْ أُمُّ مُوسَى: لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدَعَ بَيْتِي وَوَلَدِي فَنَضِيعُ، فَإِنْ طَابَتْ نَفْسُكِ أَنْ تُعْطِينِيهِ، فَأَذْهَبَ بِهِ إِلَى بَيْتِي، فَيَكُونَ مَعِي، لا آلُوهُ خَيْرًا، وَإِلَّا، فَإِنِّي غَيْرُ تَارِكَةٍ بَيْتِي وَوَلَدِي - وَذَكَرَتْ أُمُّ مُوسَى مَا كَانَ اللهُ وَعَدَهَا، فَتَعَاسَرَتْ عَلَى امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَأَيْقَنَتْ أَنَّ اللهَ مُنْجِزٌ وَعْدَهُ - فَرَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا بِابْنِهَا، فَأَصْبَحَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ مُجْتَمِعِينَ، يَمْتَنِعُونَ مِنَ السُّخْرَةِ وَالظُّلْمِ مَا كَانَ فِيهِمْ، فَلَمَّا تَرَعْرَعَ قَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ لأُمِّ مُوسَى: أُرِيدُ أَنْ تُرِينِي ابْنِي، فَوَعَدَتْهَا يَوْمًا تُرِيهَا إِيَّاهُ، فَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ لِخُزَّانِهَا وَقَهَارِمَتِهَا وَظُئُورَتِهَا: لا يَبْقَيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلا اسْتَقْبِلَ ابْنِي الْيَوْمَ بِهَدِيَّةٍ وَكَرَامَةٍ، لأَرَى ذَلِكَ فِيهِ، وَأَنَا بَاعِثَةٌ أَمِينًا يُحْصِيَ كُلَّ مَا يَصْنَعُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ، فَلَمْ تَزَلِ الْهَدَايَا وَالْكَرَامَةُ وَالنِّحَلُ تَسْتَقْبِلُهُ مِنْ حِينِ خَرَجَ مِنْ بَيْتِ أُمِّهِ إِلَى أَنْ أُدْخِلَ عَلَى امْرَأَةِ فِرْعَوْنِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا بَجَّلَتْهُ وَأَكْرَمَتْهُ، وَفَرِحَتْ بِهِ وَأَعْجَبَهَا، وَبَجَّلَتْ أُمَّهُ بِحُسْنِ أَثَرِهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَتْ: لآتِيَنَّ بِهِ فِرْعَوْنَ، فَلَيُبَجِّلَنَّهُ وَلَيُكْرِمَنَّهُ، فَلَمَّا دَخَلَتْ بِهِ عَلَيْهِ جَعَلَتْهُ فِي حِجْرِهِ، فَتَنَاوَلَ مُوسَى لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ فَمَدَّهَا إِلَى الأَرْضِ، فَقَالَ الْغُوَاةُ أَعْدَاءُ اللهِ لِفِرْعَوْنَ: أَلا تَرَى إِلَى مَا وَعَدَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ نَبِيَّهُ أَنَّهُ يَرُبُّكَ وَيَعْلُوكَ وَيَصْرَعُكَ؟، فَأَرْسَلَ إِلَى الذَّبَّاحِينَ لِيَذْبَحُوهُ،

стр. 74

فَجَاءَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ تَسْعَى إِلَى فِرْعَوْنَ، فَقَالَتْ: مَا بَدَا لَكَ فِي هَذَا الْغُلامِ الَّذِي وَهَبْتَهُ لِي؟، قَالَ: تَرَيْنَهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَصْرَعُنِي وَيَعْلُونِي، قَالَتِ: اجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَمْرًا تَعْرِفُ الْحَقَّ فِيهِ: ائْتِ بِجَمْرَتَيْنِ وَلُؤْلُؤَتَيْنِ، فَقَرِّبْهُنَّ إِلَيْهِ، فَإِنْ بَطَشَ بِاللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَاجْتَنَبَ الْجَمْرَتَيْنِ، عَرَفْتَ أَنَّهُ يَعْقِلُ، وَإِنْ تَنَاوَلَ الْجَمْرَتَيْنِ، وَلَمْ يُرِدِ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، عَلِمْتَ أَنَّ أَحَدًا لا يُؤْثِرُ الْجَمْرَتَيْنِ عَلَى اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وَهُوَ يَعْقِلُ، فَقَرَّبَ ذَلِكَ، فَتَنَاوَلَ الْجَمْرَتَيْنِ، فَانْتَزَعُوهُمَا مِنْ يَدِهِ مَخَافَةَ أَنْ تَحْرِقَاهُ، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: أَلا تَرَى؟، فَصَرَفَهُ اللهُ عَنْهُ بَعْدَمَا كَانَ قَدْ هَمَّ بِهِ، وَكَانَ اللهُ بَالِغًا فِيهِ أَمْرَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ أَشَدَّهُ وَكَانَ مِنَ الرِّجَالِ، لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَخْلُصُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَهُ بِظُلْمٍ وَلا سُخْرَةٍ، حَتَّى امْتَنَعُوا كُلَّ الامْتِنَاعِ، فَبَيْنَمَا مُوسَى فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ، إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ، أَحَدُهُمَا فِرْعَوْنِيٌّ، وَالآخَرُ إِسْرَائِيلِيٌّ، فَاسْتَغَاثَهُ الإِسْرَائِيلِيُّ عَلَى الْفِرْعَوْنِيِّ، فَغَضِبَ مُوسَى غَضَبًا شَدِيدًا، لأَنَّهُ تَنَاوَلَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ مَنْزِلَةَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَحِفْظِهُ لَهُمْ، لَا يَعْلَمُ النَّاسُ إِلَّا أَنَّهُ مِنَ الرَّضَاعِ -إِلَّا أُمُّ مُوسَى- إِلَّا أَنْ يَكُونَ اللهُ أَطْلَعَ مُوسَى مِنْ ذَلِكَ عَلَى مَا لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، فَوَكَزَ مُوسَى الْفِرْعَوْنِيَّ فَقَتَلَهُ - وَلَيْسَ يَرَاهُمَا أَحَدٌ إِلَّا اللهُ وَالإِسْرَائِيلِيُّ - فَقَالَ مُوسَى حِينَ قَتَلَ الرَّجُلَ: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾، ثُمَّ قَالَ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ الأَخْبَارَ، فَأُتِيَ فِرْعَوْنُ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَتَلُوا رَجُلا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، فَخُذْ لَنَا حَقَّنَا وَلا تُرَخِّصْ لَهُمْ، فَقَالَ: ابْغُونِي قَاتِلَهُ وَمَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمَلِكَ وَإِنْ كَانَ صَفْوُهُ مَعَ قَوْمٍ، لا يَسْتَقِيمُ لَهُ أَنْ يُقِيدَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَلا ثَبْتٍ، فَاطْلُبُوا لِي عِلْمَ ذَلِكَ، آخُذْ لَكُمْ بِحَقِّكُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَطُوفُونَ لا يَجِدُونَ ثَبْتًا، إِذَا مُوسَى قَدْ رَأَى مِنَ الْغَدِ ذَلِكَ الإِسْرَائِيلِيَّ يُقَاتِلُ رَجُلا آخَرَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، فَاسْتَغَاثَهُ الإِسْرَائِيلِيُّ عَلَى الْفِرْعَوْنِيِّ، فَصَادَفَ مُوسَى قَدْ نَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، فَكَرِهَ الَّذِي رَأَى لِغَضَبِ الإِسْرَائِيلِيِّ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْطِشَ بِالْفِرْعَوْنِيِّ، فَقَالَ لِلإِسْرَائِيلِيِّ -لِمَا فَعَلَ أَمْسَ وَالْيَوْمَ-: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فَنَظَرَ الإِسْرَائِيلِيُّ إِلَى مُوسَى حِينَ قَالَ لَهُ مَا قَالَ، فَإِذَا هُوَ غَضْبَانُ كَغَضَبِهِ بِالأَمْسِ، فَخَافَ أَنْ يَكُونَ إِيَّاهُ أَرَادَ وَمَا أَرَادَ الْفِرْعَوْنِيَّ، - وَلَمْ يَكُنْ أَرَادَهُ، إِنَّمَا أَرَادَ الْفِرْعَوْنِيَّ - فَخَافَ الإِسْرَائِيلِيُّ، فَحَاجَزَ الْفِرْعَوْنِيَّ، وَقَالَ: ﴿يَا مُوسَى، أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ؟﴾ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ إِيَّاهُ أَرَادَ مُوسَى لِيَقْتُلَهُ،

стр. 75

وَانْطَلَقَ الْفِرْعَوْنِيُّ إِلَى قَوْمِهِ، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا سَمِعَ مِنَ الإِسْرَائِيلِيِّ مِنَ الْخَبَرِ حِينَ يَقُولُ: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ﴾، فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ الذَّبَّاحِينَ لِيَقْتُلُوا مُوسَى، فَأَخَذَ رُسُلُ فِرْعَوْنَ الطَّرِيقَ الأَعْظَمَ يَمْشُونَ عَلَى هِينَتِهِمْ يَطْلُبُونَ مُوسَى، وَهُمْ لا يَخَافُونَ أَنْ يَفُوتَهُمْ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ شِيعَةِ مُوسَى مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ، فَاخْتَصَرَ طَرِيقًا قَرِيبًا حَتَّى يَسْبِقَهُمْ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَخَرَجَ مُوسَى مُتَوَجِّهًا نَحْوَ مَدْيَنَ، لَمْ يَلْقَ بَلاءً قَبْلَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ لَهُ بِالطَّرِيقِ عِلْمٌ إِلا حُسْنَ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾، ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ حَابِسَتَيْنِ غَنَمَهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: مَا خَطْبُكُمَا مُعْتَزِلَتَيْنِ لا تَسْقِيَانِ مَعَ النَّاسِ؟، قَالَتَا: لَيْسَ لَنَا قُوَّةٌ نُزَاحِمُ الْقَوْمَ، وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ فُضُولَ حِيَاضِهِمْ، فَسَقَى لَهُمَا، فَجَعَلَ يَغْرِفُ فِي الدَّلْوِ مَاءً كَثِيرًا، حَتَّى كَانَ أَوَّلَ الرِّعَاءِ فَرَاغًا، فَانْصَرَفَتَا بِغَنَمِهِمَا إِلَى أَبِيهِمَا، وَانْصَرَفَ مُوسَى فَاسْتَظَلَّ بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (١) فَاسْتَنْكَرَ أَبُوهُمَا (٢) سُرْعَةَ صُدُورِهِمَا بِغَنَمِهِمَا حُفَّلاً بِطَانًا، فَقَالَ: إِنَّ لَكُمَا الْيَوْمَ لَشَأنًا، فَأَخْبَرَتَاهُ بِمَا صَنَعَ مُوسَى، فَأَمَرَ إِحْدَاهُمَا تَدْعُوهُ لَهُ، ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ (٣) فَدَعَتْهُ ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا. فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ لَيْسَ لِفِرْعَوْنَ وَلا لِقَوْمِهِ عَلَيْنَا سُلْطَانٌ، وَلَسْنَا فِي مَمْلَكَتِهِ، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾، فَاحْتَمَلَتْهُ الْغَيْرَةُ عَلَى أَنْ قَالَ: وَمَا يُدْرِيكِ مَا قُوَّتُهُ وَمَا أَمَانَتُهُ؟، قَالَتْ: أَمَّا قُوَّتُهُ، فَمَا رَأَيْتُ مِنْهُ فِي الدَّلْوِ حِينَ سَقَى لَنَا، لَمْ أَرَ رَجُلا أَقْوَى فِي ذَلِكَ السَّقْيِ مِنْهُ، وَأَمَّا أَمَانَتُهُ، فَإِنَّهُ نَظَرَ إِلَيَّ حِينَ أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ وَشَخَصْتُ لَهُ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنِّي امْرَأَةٌ صَوَّبَ رَأسَهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيَّ حَتَّى بَلَّغْتُهُ رِسَالَتَكَ، ثُمَّ قَالَ: امْشِي خَلْفِي وَانْعَتِي لِيَ الطَّرِيقَ، فَلَمْ يَفْعَلْ هَذَا الأَمْرَ إِلَّا وَهُوَ أَمِينٌ. فَسُرِّيَ عَنْ أَبِيهَا، فَصَدَّقَهَا وَظَنَّ بِهِ الَّذِي قَالَتْ. فَقَالَ لَهُ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (٤)، فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ، سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فَفَعَلَ،
следующие страницы →