← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 5000

محاسن الشريعة ومساويء القوانين الوضعية

عطية سالم

Полный текст (63 стр.). Показаны 36–63 · переход к 41.

стр. 36

وَقَضَاء عمر بَين رجل من الْمُسلمين وَآخر يَهُودِيّ فَقضى عمر لِلْيَهُودِيِّ لما رأى الْحق لَهُ فأقسم الْيَهُودِيّ لقضيت بِالْحَقِّ فلهزه عمر فِي صَدره وَقَالَ: وَمَا يدْريك.. وَقَضَاء زيد بن ثَابت بَين عمر وَأبي فِي نخيل إِلَى غير ذَلِك من الْأَمْثِلَة الَّتِي حققت الْعَدَالَة وَلَو على الْأَنْفس والأقربين. وَبِهَذَا يَتَّضِح الْكَمَال فِي الْقَضَاء شكلا ومنهجا.

стр. 37

أما الشُّمُول فِي الحكم: فالاتساع نطاق التَّحْكِيم حَتَّى شَمل الْعِبَادَات والزوجات وتعدى إِلَى الْقَبَائِل والعشائر وَمَا يُمكن أَن يُسمى الْقَضَاء الدولي على مَا سَيَأْتِي تَفْصِيله إِن شَاءَ الله مِمَّا لم يسْبق إِلَيْهِ. أ_ أما فِي الْعِبَادَات فَفِي تَقْدِير جَزَاء الصَّيْد ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ . ب_ وَفِي تَقْدِير الْأُمُور النسبية: كتقدير نَفَقَة الزَّوْجَة وَالْأَوْلَاد ومصاريف الْقصار. ج_ فِي القضايا الزَّوْجِيَّة: حينما تتأزم الْأُمُور أَمَام القَاضِي وَلَا يعلم أَسبَاب الْخلاف لما بَين الزَّوْجَيْنِ من الخفاء والتستر وَلَا طَرِيق إِلَّا الْإِصْلَاح: ﴿وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً. وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ .

стр. 38

د_ وَقد اتَّسع نطاق الحكم وَالْقَضَاء فِي الْإِسْلَام فَشَمَلَ الْقَبَائِل والطوائف وَيُمكن أَن نقُول الْقرى والمدن والأقطار وَمَا يُطلق عَلَيْهِ الْآن محكمَة الْعدْل الدولية وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ . وَفِي هَذَا السِّيَاق مَا يستنتج مِنْهُ إِيجَاد قَضَاء عالمي وبوليس دولي إِذا اعْتبرنَا الطَّائِفَتَيْنِ بِمَثَابَة الدولتين لِأَن دولة مَا لَا يحِق لَهَا أَن تتدخل بِالْقُوَّةِ بَين دولتين متقاتلتين حَتَّى ينظر فِي سَبَب الْقِتَال وَيعلم مِمَّن الْخَطَأ وَهَذَا يقْضِي قَضَاء دوليا. فَيحكم على الْمُعْتَدِينَ بالكف والامتناع وسعي بَينهمَا بِالصُّلْحِ. فَإِن لم تكف إِحْدَاهمَا كَانَ لزاما من قتالها وَلَا يحِق لدولة متفردة أَن تقاتلها فَكَانَ البوليس الدولي ليحجز بَينهمَا. إِلَى أَن يتم الصُّلْح أَو الْقَضَاء وَهَكَذَا. وَمن خَصَائِص الْقَضَاء فِي الْإِسْلَام أَن يَدْعُو إِلَى التسامي عَن مَوَاقِف العناد أَو الْمُقَاصَّة ويسمو بِنَفس صَاحب الْحق إِلَى التسامح وَالْعَفو من ذَلِك: ١ - قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ﴾ . فَهُنَا يُعْطي الْمُدَّعِي حق المعاقبة بِالْمثلِ. وَلكنه يندبه للصبر ويفضل الصَّبْر للصابرين. ٢ - وَقَوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ . ثمَّ قَالَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ .

стр. 39

٣ - وَقَوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ . فقد تقرر أَن الْجَزَاء بالمقاصة مثلا بِمثل وَلَكِن ندب إِلَى الْعَفو وَالصَّبْر والإصلاح. ٤ - وَفِي قصاص الجروح: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ.. إِلَى: وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ثمَّ يَقُول تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ . ٥ - وَأعظم من هَذَا كُله فِي قصاص النَّفس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ .

стр. 40

مساوىء القانون مدْخل ... الْوَاقِع أَنه لَا يَتَأَتَّى تعداد مساوئ القانون الوضعي وَلَا تتبعها فِي كل مَسْأَلَة كَمَا لم يتأت تعداد محَاسِن الشَّرِيعَة فِي كل مَسْأَلَة أوحكم ,وكما أَشَرنَا إِلَى محَاسِن الشَّرِيعَة على سَبِيل الْإِجْمَال فنشير هُنَا أَيْضا إِلَى مساوئ القانون على سَبِيل الْإِجْمَال. ويتلخص هَذَا فِي الْآتِي: ١ - نشأة القانون. ٢ - وجوده فِي الْبِلَاد الإسلامية. ٣ - عوامل تدعيمه والإبقاء عَلَيْهِ.

стр. 41

٤ - الطعْن على الشَّرِيعَة وَالرَّدّ عَلَيْهَا. ٥ - مقارنته بَين الشَّرِيعَة والقانون فِي مسَائِل الطعْن كالقطع وَالرَّجم.

стр. 42

نشأة القانون: إِن الْمُعْتَبر الْآن من القانون الوضعي يرجع فِي الأَصْل إِلَى القانون الفرنسي مَعَ مَا أضيف إِلَيْهِ فِي كل بلد بِحَسب حاجاتها ومفاهيمها. والقانون الفرنسي يتكون فِي أَصله من عدَّة أصُول جَاءَت محكية فِي كتاب الْمُقَارنَة بَين القانون الفرنسي وَالْمذهب الْمَالِكِي للأستاذ سيد عبد الله حسن ١٣٦٦_١٩٣٧. قَالَ: أَولا: القانون الروماني وَكَانَ فِي جنوب فرنسا إِلَى سنة ١٧٨٥م. ثَانِيًا: القانون الجرماني وَكَانَ فِي شمال فرنسا. ثَالِثا: قانون الْكَنِيسَة الكاثوليكية وَكَانَ حول الزواج وَمَا يتبعهُ. رَابِعا: قانون الملكية الْمُطلقَة بأوامر لويس ١٤_ ١٥ _ ١٦. خَامِسًا: قانون الثروة. ثمَّ وحدت فِي قانون وَاحِد سنة ١٨٠٤ وَهُوَ الَّذِي كَانَ مَوْجُودا بِمصْر سنة ١٩٢٦م. أما القانون الروماني فقد دخل إِلَى فرنسا سنة ٥٠ قبل الميلاد حِين غَزَاهَا الرومان إِلَى سنة ٤٧٦ بعد الميلاد. أما القانون الروماني فَدَخلَهَا سنة ٤٧٦ إِلَى سنة ٩٨٦. ثمَّ جَاءَ قانون العوائد وبالتالي مزجت تِلْكَ القوانين كلهَا بعد الثورة الفرنسية وجُعلت قانونا وَاحِدًا. ولد فِي أوروبا وَنَشَأ فِيهَا ثمَّ انْتقل إِلَى غَيرهَا.

стр. 43

تواجد القانون فِي الْبِلَاد الإسلامية مدْخل ... أما تواجده فِي الْبِلَاد الإسلامية فَإِنَّهُ لَيست لدينا المراجع الكافية للتفصيل فِي ذَلِك وَلَكِن على سَبِيل الْمِثَال والإيجاز نذْكر عَن وجوده فِي مصر وسوريا وَالْعراق والبلاد الْعَرَبيَّة. وَلم نذْكر السعودية لِأَنَّهُ وَللَّه الْحَمد لم يدخلهَا قطّ وَكَانَت دَائِما تحكم من أبنائها سَوَاء فِي نجد أَو الْحجاز وبتحكيم الشَّرِيعَة. أ_ أما وجوده فِي مصر: فَكَانَ بَدْء ذَلِك سنة ١٨٥٦ وَقبلهَا كَانَ الحكم لِلْإِسْلَامِ. وَلَكِن بَدَأَ فِي هَذَا التَّارِيخ مُنْذُ أنشأت مجَالِس قضائية محلية. بجوار المحاكم الشَّرْعِيَّة الْمَحَلِّيَّة أَيْضا. ثمَّ تشعب الْقَضَاء وَوجدت الامتيازات والحماية. وَفِي سنة ١٨٧٦ ظَهرت المحاكم المختلطة على يَد نوبار باشا فِي عهد إِسْمَاعِيل باشا وَكَانَ قانونها مكونا من القانون الفرنسي والإيطالي والبلجيكي وواضعه ((مسيو مونري)) المحامي الفرنسي الَّذِي كَانَ مَوْجُودا بِمصْر آنذاك. فَكَانَ فِي الْبِلَاد والمحاكم المختلطة لجَمِيع الْأَجَانِب بزعم التَّخَلُّص من المحاكم المختلطة فَكَانَت على نظامها وأوضاعها. وأنشأت سنة ١٨٧٣ فِي ١٤ يونيو بِأَمْر عَال من الخديوي توفيق باشا فألغيت مجَالِس الْأَحْكَام. وَبقيت المحاكم الشَّرْعِيَّة للأحوال الشخصية فَقَط. والمحاكم الْأَهْلِيَّة للأحوال المدنية. وَهَكَذَا قضي على الْقَضَاء الإسلامي بِالْقضَاءِ القانوني فِي خطوَات سريعة لم تستغرق أَكثر من خمس وَعشْرين سنة. أما سوريا فَإِنَّهُ دَخلهَا دفْعَة حَيْثُ نقل إِلَيْهَا القانون الْمصْرِيّ الفرنسي فَقَط سنة ١٩٤٩ ميلادي.

стр. 44

عوامل تدعيم القانون وبقائه: وَلما لم يكن لهَذَا القانون مَا يسانده فِي هَذِه الْبِلَاد وَكَانَ مَفْرُوضًا فرضا وَلم يسْتَند على شَيْء إِلَّا لوُجُود المستعمر رسم الخطة لتدعيمه ومساندته فَأَنْشَأَ كُلية الْحُقُوق لدراسة القانون وهيأ الْمَرَاتِب والوظائف فِي الدول لخريجيها ليتولوا زِمَام الحكم. وَأَعْلَى من شَأْنهمْ فِي الْوَظَائِف والمرتبات مِمَّا صرف النّظر إِلَيْهَا وَرغب فِيهَا، بَيْنَمَا قلل من فرص الْعَمَل أَمَام رجال الْفِقْه والشريعة وقلل من مرتباهم. حَتَّى لَا يتَّجه إِلَى تَعْلِيم الشَّرِيعَة إِلَّا ذُو العقائد القوية وَالدّين السَّلِيم رَغْبَة فِي الدّين ومرضاة لله.

стр. 45

الطعْن على الشَّرِيعَة: وَمن نَاحيَة أُخْرَى سلط الطعْن على الشَّرِيعَة من حَيْثُ عدم صلاحيتها للْقَضَاء وَمن ثمَّ عدم صلاحيتها للْحكم. وَقَالَ الْأُسْتَاذ سيد عبد الله أَن نقاط الطعْن هِيَ: ١ - اختفاء الْعَدَالَة وَوُجُود الفوضى وتفشي الرِّشْوَة وَعدم تَنْفِيذ الْأَحْكَام غَالِبا. ٢ - تشعب الْقَضَاء الإسلامي لوُجُود الحكم بالمذاهب الْمُخْتَلفَة: الْمَالِكِي ثمَّ الشَّافِعِي وأخيرا الْحَنَفِيّ..الخ ٣ - قسوة الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة كالقطع وَالرَّجم وَيَقُول الْأُسْتَاذ الشَّهِيد عبد الْقَادِر عودة إِن الَّذين يوجهون مثل هَذَا الطعْن على الشَّرِيعَة قِسْمَانِ: قسم درس القانون وَلم يدرس الشَّرِيعَة. قسم لم يدرس الشَّرِيعَة وَلَا القانون. وَمثل هَؤُلَاءِ لَا يحِق لَهُم أَن يحكموا بِشَيْء على الشَّرِيعَة لعدم دراستهم إِيَّاهَا. ثمَّ يَقُول إِن طعنهم مَبْنِيّ على قياسهم الشَّرِيعَة على القانون من حَيْثُ مبدأ التطور والتجديد فِي القانون كلما تطورت الْحَيَاة المدنية والحضارة فيرون أَن الشَّرِيعَة بِنَاء على ذَلِك يجب أَن تتطور لِأَنَّهَا مُنْذُ عهد بعيد وَفِي أوضاع مَدَنِيَّة مُخْتَلفَة.

стр. 46

وَقد يَكْتَفِي الْإِنْسَان برد ادعائهم بِأَنَّهُم يجهلون الشَّرِيعَة وَكفى وَلَكِن نورد مَا يفند مزاعمهم لِئَلَّا يغتر بهَا من كَانَ مثلهم. أما ادعاؤهم وجود الفوضى والرشوة وَغير ذَلِك من الْفساد فَلَيْسَ ذَلِك رَاجعا إِلَى عدم صَلَاحِية الشَّرِيعَة للْحكم. وَلَكِن مرجعه إِلَى تَعْطِيل الشَّرِيعَة وَفَسَاد الْحُكَّام وَفرق بَين فَسَاد الْحُكَّام ونظام الحكم كالفرق تَمامًا بَين ضعف الْمدرس وَضعف الْمنْهَج. بل إِن قُوَّة الْمدرس تُعْطِي الْمنْهَج قُوَّة وحيوية وَكَذَلِكَ قُوَّة الْحَاكِم وَكَانَ الْإِصْلَاح السَّلِيم هُوَ إصْلَاح الْمُجْتَمع وإعداد الْحُكَّام والقضاة إعدادا سليما كَمَا فعل المستعمر لقانونه فَفتح كليات لتربي حماة لنظامه فَهَل فتحت معاهد خَاصَّة للقضاة الإسلاميين فِي جَمِيع المجالات شخصية ومدنية وجنائية. ب _ وَأما تشعب الْقَضَاء الإسلامي بِتَعَدُّد الْمذَاهب فَإِن ذَلِك أوسع فرْصَة لوُجُود نُصُوص فقهية قضائية وَكَانَ الْإِصْلَاح هُوَ تَقْوِيَة الْقُضَاة أَي مرتبطا بِالْأولِ ليكونوا على حَالَة تمكنهم من إِيجَاد حل لكل قَضِيَّة مهما كَانَت وَمن أَي مَذْهَب كَانَ. وَإِن أحد هَذِه الْمذَاهب الَّتِي لَا تخرج فِي مجموعها عَن الْكتاب وَالسّنة واجتهاد سلف الْأمة لَهو أولى وَأَحْرَى ألف مرّة من أَخذ قانون أوروبي وَضعه محام فرنسي أَو افترضه مستعمر ظَالِم. ج _ أما قسوة التشريع الإسلامي: فَهَذِهِ هِيَ محط الرحل وَهِي الَّتِي جعلت ناشئة القانون يتمسكون بِهِ ويفرون من تشريع بِلَادهمْ وَدين آبَائِهِم وأجدادهم. بل وَحقّ الله تَعَالَى عَلَيْهِم.

стр. 47

وفاتهم الْمَسَاكِين أَن تشريع الله لخلقه أرْحم وأرأف وألطف من تشريع المستعمر لَهُم. وَلَقَد كَانَ مُشْرِكُوا مَكَّة أَعقل مِنْهُم وَإِن كَانَت فِي دَعْوَى عصبية إِذْ قَالَ صَفْوَان: لِأَن يريني رجل من قُرَيْش يَعْنِي رَسُول الله ﷺ خير من أَن يريني رجل من هوَازن. وَأَيْضًا فاتهم أَنه الْحَلِيم قد يقسوا رَحْمَة بِمن يرحمهم كَقَوْل الشَّاعِر: قسى ليزدجروا وَمن يَك حازما ... فليقس أَحْيَانًا على من يرحم وَإِنَّا لنورد مُقَارنَة بَين الشَّرِيعَة والقانون فِيمَا اعتبروه قسوة الْمُقَارنَة:

стр. 48

أَولا _فِي قطع يَد السَّارِق: يرى دعاة القانون أَن قطع يَد السَّارِق وحشية وغلظة وَلَا يُسَايِر الحضارة والمدنية الحديثة لِأَن المجرم مَرِيض فِي الْمُجْتَمع وَيجب أَن نعالجه. وَالْجَوَاب على ذَلِك من وُجُوه: أَولا: وَمن قريب مَا أجَاب بِهِ جلالة الْملك فيصل حفظه الله فِي مؤتمر صحفي بأمريكا لما سُئِلَ هَل لَا زلتم تقطعون يَد السَّارِق فِي بِلَادكُمْ ولِمَ؟ فَقَالَ: نعم لَا زلنا نقطع يَد السَّارِق. وَلِأَن الله هُوَ الَّذِي أَمر بذلك. أَي أَنه حكم الله الَّذِي خلقه وَهُوَ أعلم بِمَا يصلحه وَهُوَ أرْحم بِهِ. ثَانِيًا: بِمَا وَقع على جَوَاب من سلفهم حينما قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة: يَد بِخمْس مئين عسجد وديت ... مَا بالها قطعت فِي ربع دِينَار

стр. 49

فَأجَاب بعض الْمُؤمنِينَ مُبينًا الْحِكْمَة فِي ذَلِك بقوله: عز الْأَمَانَة أغلاها وأرخصها ... ذل الْخِيَانَة فَافْهَم حِكْمَة الْبَارِي ثَالِثا: نقُول لَهُم أَلَيْسَ الشَّرْع أَو القانون لحماية الْجَمِيع فَلم تَعْمَلُونَ على حماية السَّارِق المجرم وَلَا تَعْمَلُونَ على حماية الْمَسْرُوق مِنْهُ الوادع الآمن. وَلم تتوجعون لآلام السَّارِق وَهُوَ المعتدي الَّذِي يفوت على العاملين نتائج أَعْمَالهم. وَلَا تتوجعون على الْعَامِل الكادح طيلة عمره وَقد يكون ذَا عِيَال وأسرة ضيق على نَفسه فِي النَّفَقَة وأرهق نَفسه فِي شبابه ليدخر لكبره وعوزه وأطفاله فَيَأْتِي السَّارِق فِي خَفَاء بيد أثيمة وَيذْهب بِكُل مَا جمعه الْمِسْكِين ويدعه عَالَة على الْمُجْتَمع. فَقِيرا بعد غنى ذليلا بعد عز. ثمَّ يذهب يبددها دون مبالاة وَلَا يعلم من أَيْن اكْتسبت حَيْثُ لم يعرق لَهُ فِيهَا جبين. فَأَي الْفَرِيقَيْنِ أَحَق بالأمن. والآن: هَل نَفَعت شفقتكم عَلَيْهِم وَهل أصلحت من مرضهم أم أَنَّهَا جنت على الْمُجْتَمع الآمن. إِن حوادث السّرقَة فِي أرقى الْبِلَاد مَدَنِيَّة الْيَوْم وَقد وصلت إِلَى مَا لم تصل إِلَيْهِ من قبل.

стр. 50

اعْتِرَاف بِفضل الشَّرِيعَة: وهاهي بعض الْبِلَاد وتضع فِي قوانينها الحكم بالإعدام لجرائم السّرقَة إِذا وَقعت مَا بَين غرُوب الشَّمْس وطلوعها وَكَانَ مَوْجُودا مَعَ السَّارِق سلَاح وَلَو لم يسْتَعْمل. أَو بِالْحَبْسِ مُؤَبَّدًا وَبَعضهَا يُعَاقب بالإعدام مُطلقًا إِذا اسْتعْمل الهجوم المسلح وَلَو لم يقتل فِيهِ أحد. وَمَا ألجأهم لذَلِك إِلَّا عدم صَلَاحِية اللين والتسامح مَعَ الْمُجْرمين وَلَو نفذوا من قبل قطع الْيَد لما احتاجوا إِلَى قتل النَّفس.

стр. 51

وَالْوَاقِع أَن نفسية السَّارِق تعالج بالرفق أَو التسامح لِأَنَّهَا لَيست ذَات وفْق وَلَا يسامح. فَلَا يصلح مَعهَا إِلَّا مَا يردعها. ثمَّ أَي فَائِدَة للدولة فِي حبس إِنْسَان تتولى الْإِنْفَاق عَلَيْهِ طيلة عمره مَعَ ضيَاع أَهله وَأَوْلَاده إِن كَانَ لَهُ أهل وَأَوْلَاد. وَهل فِي قَتله أَو حَبسه على التَّأْبِيد علاج لمرضه أَو الْقَضَاء عَلَيْهِ حسا أَو معنى. فَأَي القضائين أرْحم لَهُ وآمن للوطن.

стр. 52

أما رجم الزَّانِي أَو جلده: فَلَو كَانَ لدعاة القانون عقل واعٍ لما ذَكرُوهُ فِي هَذَا السِّيَاق ولجعلوه وَلَو مُكَابَرَة مُوجبا لِلطَّعْنِ بالضعف لَا بالقسوة لِأَنَّهُ أحيط فِي الشَّرِيعَة بِشُرُوط فِي الْإِثْبَات لَا تكَاد تُوجد إِلَّا بندرة. وَمَا يثبت فِي تَارِيخ الْإِسْلَام حد الرَّجْم إِلَّا بالاعتراف. وَفِي غَايَة من الْقلَّة والندرة يُمكن عده على الْأَصَابِع وَالِاعْتِرَاف مَحْض إِرَادَة وَاخْتِيَار ورغبة فِي التطهر من آثام الْإِثْم فَهِيَ نَزعَة دينية كَرِيمَة آثر الْآخِرَة على الدُّنْيَا. وَلَو امْتنع من الْحُضُور إِلَى القَاضِي لما طلبه وَلَو رَجَعَ عَن إِقْرَاره لما حَده. بل يدْرَأ عَنهُ الْحَد بِالشُّبْهَةِ. وَمَعَ هَذَا فالمقارنة بَين الْعَالمين الإسلامي الَّذِي يحكم كتاب الله وَسنة رَسُوله ﷺ لِأَنَّهُ دين وَبَين الْمُجْتَمع القانوني وخاصة أرعى بِلَاد الْعَالم المتحضر فِي نظر المتمدنين بل واضعوا القانون نجد الْفرق المذهل. أَولا: فِي أمريكا أصبح معدل الجريمة كالآتي: أ_ جريمة قتل كل دقيقة. ب_ جريمة سَرقَة مسلحة كل دقيقة.

стр. 53

ج_ جريمة اغتصاب كل عشْرين دقيقة. د_ جريمة دون اغتصاب لم يجر إحصاؤها. ثَانِيًا_ فِي ألمانيا: سجل الإحصاء جرائم الْقَتْل عَام ١٩٦٩م فَوق ألفي جريمة. فِي عَام ١٩٧١م وصلت إِلَى ثَلَاثَة آلَاف وَزِيَادَة مطردَة. ثَالِثا_ فِي بريطانيا: سنة ١٩٧٠م سجلت الإحصائيات ٤١٠٨٨ قتل وجرائم السطو بلغت فِي عَاميْنِ نصف مليون. رَابِعا_ فِي فرنسا: زَادَت نِسْبَة الجريمة إِلَى ٣٢هـ عَن مجلة الجامعة الإسلامية رَجَب ٩٢هـ. هَذَا هُوَ وضع أوروبا وأمريكا أما روسيا فَلَا حَاجَة إِلَى ذكرهَا لِأَنَّهَا تعيش فِي سجن كَبِير وحياتها كلهَا جريمة. أما الْبِلَاد الْعَرَبيَّة الَّتِي تحكم بالقانون فَلم نقف لَهَا على إحصاء وَلكنهَا لم تكن بِالْوَضْعِ الَّذِي تحمد عَلَيْهِ. بَيْنَمَا هَذِه الْبِلَاد الَّتِي أكرمها الله بِالْحَيَاةِ فِي ظلّ الشَّرِيعَة الإسلامية لم تتجاوز فِيهَا هَذِه الجرائم عدد الْأَصَابِع فِي الْعَام وأكبر دَلِيل لَهو الْوَاقِع الْمشَاهد لكل قاص وداني من مُسلم وَكَافِر وَالْفضل مَا شهِدت بِهِ الْأَعْدَاء، وبالأمس الْقَرِيب فِي جَوْلَة رَئِيس وزراء أمريكا كَانَ يطوف بجولة فِي سيارته المصفحة إِلَّا عِنْد وُصُوله المملكة تخلى عَن سيارته المصفحة وَأخذ يجوب بالأسواق والشوارع فِي ظلّ هَذَا الْأَمْن الوارف الَّذِي لم يجده فِي حَيَاته

стр. 54

كلهَا وَلَا حَتَّى فِي بَلَده وَمحل سُلْطَانه وأمثلة ذَلِك عديدة والتاريخ الإسلامي أكبر شَاهد للْعَالم كُله على مَا نَعِمَ بِهِ الْمُسلمُونَ وَغَيرهم فِي ظلّ الْإِسْلَام وَفِي قصَّة الهرمزان مَعَ عمر لَيست خافية وكلمته الْمَشْهُورَة حِكْمَة: فعدلت فأمنت فنمتت. وَلَعَلَّ هَذَا يكون فِيهِ شَيْء من الْأَخْبَار والإحصاء. وَلَكِن لنأخذ نُصُوص القانون: تعْتَبر القوانين الوضعية كلهَا أَن الزِّنَا حق شخصي وَلَا علاقَة لَهُ بالمجتمع فَيمْتَنع نهائيا إثارة دَعْوَى الزِّنَا إِلَّا من أحد الزَّوْجَيْنِ أَو أقرب الْمَرْأَة غير المتزوجة إِلَى الدرجَة الثَّالِثَة. وينص القانون الْعِرَاقِيّ أَن الزَّوْج إِذا أسقط حق الْمُطَالبَة عَن زَوجته سقط حق الْمُطَالبَة أَيْضا عَن الزَّانِي وَبَعض القوانين لَا يُعْطي حق إثارة دَعْوَى الزِّنَا إِلَّا إِذا كَانَ ذَلِك على فرَاش الزَّوْجِيَّة أَو كَانَ بِالْإِكْرَاهِ. أما إِذا كَانَ بَعيدا عَن فرَاشه خَارج بَيته وَكَانَ بِرِضَاهَا يسْقط حَقه فِي ذَلِك. وَمن هُنَا نعلم إِلَى أَي مدى تفْسد الْأَنْسَاب وتتفكك العائلة فتتقطع أواصر الروابط. فتتخلخل قَوَاعِد الْمُجْتَمع كُله.

стр. 55

قَضِيَّة الْعين ... قَضِيَّة عين: وَمن المؤسف والموجع فِي تَارِيخ الْقَضَاء القانوني قَضِيَّة عين وَقعت فِي بلد مُسلم مجاور من القضايا الزَّوْجِيَّة تتلخص فِي الْآتِي: تزوج امْرَأَة وَلم يدْخل بهَا وَمكث عدَّة سنوات فطالبته الزَّوْجَة بِالنَّفَقَةِ وَنصف الْمهْر. وَصدر الْقَرار بالحكم تَحت رقم ٣٣٢ بتاريخ ٢٤/٦/٧٢م على الزَّوْج يقدم الْمهْر وَنَفَقَة شَهْرَيْن.

стр. 56

فطعن الزَّوْج فِي هَذَا الحكم، وَقدم المحامي وَكيله هَذَا الطعْن إِلَى المحكمة وبناه على عدَّة أَسبَاب والمؤسف والموجع حَقًا هُوَ مبْنى الطعْن إِذْ أَنه قَالَ: إِن عقد زواجه بَاطِل. وَلم يَقع دُخُول. وَعَلِيهِ فالاستمرار فِي زواجه هَذَا بَاطِل مُخَالف للنظام الْعَام. وَعلل بطلَان زواجه بِأَنَّهُ قد زنا بوالدة الزَّوْجَة. وَأَن الْحُرْمَة تثبت بِمُجَرَّد النّظر إِلَى الْعُضْو الْمُخْتَص للْمَرْأَة بِشَهْوَة. وَقد حكمت الأكثرية برفض الطعْن وَلم تسمح لَهُ بإيراد الشُّهُود عَلَيْهِ. وَقد نشر ذَلِك فِي مجلة المحامات لذَلِك الْبَلَد وَمَعَ نشرها لذَلِك فَإِنَّهَا تتوجع لذَلِك الْأَمر. وَتقول: يَتَّضِح أَن الزَّوْج هُوَ الَّذِي طلب إبِْطَال العقد بادعائه وَطْء أم الزَّوْجَة بطرِيق التزاني. فلئن كَانَ كَاذِبًا فَإِنَّهُ من أوجع الْحَالَات الَّتِي مرت على الْقَضَاء وَالَّتِي لَا يتورع فِيهَا الزَّوْج عَن أَيَّة فِرْيَة دفعا لإلزامه بِالْمهْرِ وَالنَّفقَة. وَلَئِن كَانَ صَادِقا فالسؤال: أيقبل قَوْله وَقد شهد على نَفسه بِالْفِسْقِ؟ وَفِي الْحَالة نرى أَي ترى الْمجلة أَن قَرَار القَاضِي ومحكمة النَّقْض كَانَ حكيما وَأكْثر صونا للأعراض والكرامات وانطباقا على الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة الْكُلية.

стр. 57

فَكَانَ تعليقنا: ١ - إِذا كَانَت الْمجلة تتوجع لدعوى الزَّوْج على أم زَوجته ليطعن فِي الحكم فَهَلا توجعت لجرأة زميلها المحامي فِي رفع هَذَا الِاعْتِرَاض إِلَى هَيْئَة الْقَضَاء. وَكَانَ عَلَيْهِ أَلا يرضى لنَفسِهِ رَسُولا لهَذَا الزَّوْج ليكسب الْقَضِيَّة بِأَيّ وَسِيلَة وَلَو على شرف المهنة وكرامة شخصه.

стр. 58

٢ - وَإِذا كَانَ حكم محكمَة النَّقْض بالأكثرية. فَمَاذَا كَانَ رَأْي الأقلية إِذن؟ وَهل يُؤثر على حكم القَاضِي الأول عدم الْمُوَافقَة من الأقلية علما بِأَن الْمَحْكُوم بِهِ هُوَ نصف الصَدَاق وَهَذَا حق مُسْتَقر بِمُجَرَّد العقد الثَّابِت وبموجب قانون تِلْكَ الْبَلَد بالمادة رقم ١٤٨ من قانون الْأَحْوَال الشخصية الَّتِي نَصهَا: إِذا أقرّ أحد لامْرَأَة أَنَّهَا زَوجته وَلَيْسَ تَحْتَهُ محرم لَهَا وَلَا أَربع سواهَا وصدقته وَكَانَت خَالِيَة عَن زوج وعدة ثَبت زوجيتها لَهُ بِإِقْرَارِهِ وَتلْزم نَفَقَتهَا ويتوارثان وزواجها ثَابت قبل الدَّعْوَى باثنتي عشرَة سنة. وَلم يُنكر زواجه مِنْهَا. وَفِي الْمَادَّة (٨٥) النَّص على أَن الْفرْقَة إِذا كَانَت من جِهَة الزَّوْج فَإِنَّهَا تنصف الْمهْر قبل الدُّخُول سَوَاء كَانَت طَلَاقا أَو فسخا أَو فعله مَا يُوجب حُرْمَة الْمُصَاهَرَة بأصولها وفروعها. اهـ. وَهَذَا عين مَا فِي هَذِه الْقَضِيَّة. فَهَذِهِ مواد قانون تِلْكَ الْبَلَد يلْزم الزَّوْج بِنصْف الْمهْر فَمَاذَا كَانَ يُرِيد المحامي أَولا من تَقْدِيم هَذَا الطعْن ويتجاهل كل ذَلِك. وماذا كَانَ يُرِيد الأقلية من قُضَاة محكمَة النَّقْض. وَمرَّة أُخْرَى مَعَ الأكثرية فِي محكمَة النَّقْض وَالْقَاضِي الأول فِي إصدار الحكم مَا هُوَ موقف الْجَمِيع من الزَّوْج فِي إِقْرَاره بِمَا ادَّعَاهُ على وَالِدَة زَوجته من تَعْزِير إِن لم يكن حدا. وَمَعَ الْمجلة حِين تَقول إِنَّهَا تتوجع إِذا كَانَ كَاذِبًا فِي ادعائه وَترد شَهَادَته فَقَط إِن كَانَ صَادِقا. أَلَيْسَ افتراض صدقه أَشد إيجاعا. وَلَكِن تَقول حكم القَاضِي وهيئة النَّقْض كَانَ حكيما وَأكْثر صونا للأعراض والكرامات وانطباقا مَعَ الْقَوَاعِد الشَّرْعِيَّة الْكُلية.

стр. 59

فَأَي التشريعين أحكم وَأكْثر صونا للأعراض: التشريع الإسلامي أم هَذَا الَّذِي يسمح لَهُ بِهَذَا الادعاء أَمَام هَيْئَة الْقَضَاء. وَأي انطباق فِي هَذَا الحكم مَعَ قَوَاعِد الشَّرْع الْكُلية وقواعد الشَّرِيعَة تدينه بِأحد أَمريْن إِمَّا الْقَذْف إِن كَانَ كَاذِبًا وَإِمَّا الزِّنَا إِن كَانَ صَادِقا وَفِي كل مِنْهُمَا حد مَعْلُوم. فَأَي التشريعين أَحَق بصون الْأَعْرَاض وَحفظ الْكَرَامَة وأصون للنسب وأشرف للْقَضَاء وَأسلم للمجتمع. وَلَيْسَت مساوئ القانون قَاصِرَة على ذَلِك بل أَنَّهَا لأبعد من هَذَا كالآتي: أَولا: أَن أَشد مساوئ القانون أَن يكون بديلا عَن شرع الله تَعَالَى الْمنزل. ثَانِيًا: أَن الْأَدْيَان السماوية متفقة كلهَا على حفظ الْجَوَاهِر السِّت الْمُسَمَّاة بالضروريات كَمَا قيل فِي لامية الجزائري قَدِيما. قد اجْتمع الأنبيا وَالرسل قاطبة ... على الدّيانَة فِي التَّوْحِيد بالملل وَحفظ نفس وَمَال مَعَهُمَا نسب ... وَحفظ عقل وَعرض غير مبتذل وَقد شاهدنا موقف التشريع الإسلامي من هَذَا كُله بِالتَّحْرِيمِ وَإِقَامَة الْحُدُود لصيانتها.

стр. 60

موقف القانون مِنْهَا: أما موقف القانون مِنْهَا فكالآتي:

стр. 61

١ - أما الْأَدْيَان فَإِنَّهُ يُبِيح حريَّة الْأَدْيَان وَهَذَا وَإِن استحسنته الْبَعْض إِلَّا أَنه مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى الاستخفاف بالأديان وَأي قيمَة لَهَا بعد ذَلِك. ثمَّ هُوَ يُؤَدِّي إِلَى الفوضى لَا بالعبادات فَحسب بل وَفِي الْحُقُوق لِأَن لكل دين حُقُوق. وارتباطات فَيكون الْيَوْم مُسلما ويرتبط مَعَ الْمُسلمين بمصاهرة وَنسب وعقود وَغدا مسيحيا فيرتبط بالمسيحيين كَمَا ارْتبط بِالْمُسْلِمين ثمَّ بعد غَد يَهُودِيّا وَهَكَذَا فيضيع حق الْمُسلمين ثمَّ حق النَّصَارَى وَهَكَذَا. فَهَذَا أصل قد ضَاعَ بِسَبَب القانون أَو ضَاعَ فِي حماية القانون. ٢ - أما الدِّمَاء فالقوانين لَا تعرف دِيَة وَلَكِن تجْعَل تعويضا للْوَرَثَة بِحَسب مَا فاتهم بِمَوْت مُورثهم فَإِن كَانَ جامعيا مثلا كطبيب أَو مهندس حكمت لَهُ وعَلى سَبِيل الْوَاقِع فعلا بِخمْس وَثَلَاثِينَ ألف ليرة. وَإِن كَانَ دون ذَلِك كطالب فِي كُلية الصيدلة حكمت لوَرثَته بِخَمْسَة عشر ألفا. وَإِن كَانَ عَاملا عاديا حكمت لَهُ بِخَمْسَة آلَاف ليرة فتضع الْإِنْسَان مَوضِع السّلع ومساوم عَلَيْهِ. بَيْنَمَا الشَّرِيعَة جعلت دِيَة الْغَنِيّ وَالْفَقِير والشريف والوضيع سَوَاء وَلم تفرق بل أَنَّهَا تضَاعف الدِّيَة فِي الْأَشْهر الْحرم وَفِي الْحرم والمحارم. ٣ - أما الْعقل فَلم تتعرض لحمايته فالخمر مُبَاحَة وَلَا عِقَاب على الْمُسكر إِلَّا إِذا سكر وَوجد معربدا فِي المجتمعات الْعَامَّة. ٤ - أما النّسَب وَالْعرض فَإِنَّهُ لَا يدْخل فِي ارْتِكَاب فَاحِشَة الزِّنَا وَلَا اللواط إِلَّا فِي حَالَة الْإِكْرَاه أَو صغر السن أَو عِنْد شكوى من لَهُ الْحق. أَو كَانَت الجريمة مَعَ ذَات محرم مِنْهُ (مَادَّة ٣٨٥) قانون عقوبات، واللذين لَهُم

стр. 62

الْحق هما الزَّوْجَانِ فِي حَالَة وُقُوع الزِّنَا على فرَاش الزَّوْجَيْنِ أَو بِالْإِكْرَاهِ خَارج الْبَيْت. أَو لوَلِيّ الْمَرْأَة غير المتزوجة إِن كَانَ من الطَّبَقَة الثَّالِثَة وَمن عداهما أَو فِيمَا عدا ذَلِك تنص القوانين أَن لَا حق لأحد فِي إثارة دَعْوَى الزِّنَا، إِن كَانَ بِالتَّرَاضِي بَين الطَّرفَيْنِ. وتنص أَيْضا على أَن الزَّوْج أَو من لَهُ الْحق إِذا تنازل عَن دَعْوَاهُ فِي حق الزَّوْجَة توقفت الدَّعْوَى وَسَقَطت حق الْمُطَالبَة فِي حق الزَّانِي وَإِذا تزوج بهَا أوقف النّظر فِي الدَّعْوَى وَإِذا كَانَ قد صدر فِيهَا حكم أوقف تنفيذه (مَادَّة٣٩٨) . ٥ - أما المَال: فَمن الْوَاضِح الْبَين أَنَّهَا إِن لم تتسلط عَلَيْهِ بضريبة أَو إِلْزَام آخر فَإِنَّهَا لَا تتعرض لنواح عديدة وتترك العقد للمتعاقدين وَمَا تراضوا عَلَيْهِ وَتقول القوانين: العقد شرعة الْمُتَعَاقدين. وتقر وتحكم بِالْعُقُودِ الربوية صَرِيحَة إِلَّا أَنَّهَا تمنع الزِّيَادَة عَن النِّسْبَة المحددة فِي نظامها كخمسة أَو سَبْعَة فِي الْمِائَة مثلا. فِي الْوَقْت الَّذِي تعْتَبر بعض القوانين الْأَخْذ من التَّمْر سَرقَة وتعاقب عَلَيْهَا كسرقة الْمَنْقُول بِمُجَرَّد عطفها أَي وَلَو لم يأكلها بعد. وَقد يحبس مُؤَبَّدًا بَيْنَمَا الشَّرِيعَة لَا تعْتَبر ذَلِك سَرقَة وَلَا تعاقب عَلَيْهَا بعقوبة السّرقَة وَقد يكون جائعا وَفِي حَاجَتهَا مَا لم يتَّخذ خبنة أَي يحمل مَعَه. فَأَي النظامين أرْحم وأصون لمصَالح الْأمة أفرادا وجماعات وختاما لقد

стр. 63

أَسْفر الصُّبْح لذِي عينين وتوجهت دوَل القوانين إِلَى نور التشريع الإسلامي لتأْخذ نظام النِّكَاح وَالطَّلَاق عَنهُ وَلَيْسَ بِبَعِيد أَن تَأْخُذ بِغَيْرِهِ إِذا عرفت حَقِيقَته فَهَل بعد هَذَا يظل أَبنَاء التشريع الإسلامي بعيدين عَنهُ. اللَّهُمَّ أهدِ الْعباد لصالح الْبِلَاد وَمَا يرضيك وَخير مَا يُوَجه للْعَالم الإسلامي كُله فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق..