← Язык

Язык · id 501

طرائف في العربية - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (33 стр.). Показаны 1–33.

стр. 1

الرسالة الخامسة طرائف في العربية

стр. 2

الحمد لله الذي لا إله إلا هو، وصلواته وسلامه على خاتم أنبيائه محمدٍ وآله وصحبه. وبعد: فما من مُعْتَنٍ بفنٍّ من الفنون إلا وتلوح له فيه نِكاتٌ (١) لا يجد من تَقَدَّمَهُ نَصَّ عليها، فمِنْ محسنٍ ظَنَّه بنفسه يَتَبجَّح لما لاح له ويتعصَّب، ومن مُسِيءٍ يكون حَالُه كحال ذاك الأعمى الذي أَبْرَمَتْهُ (٢) امرأتُه بإطراء نفسها بالجمال، فقال لها: لو كنتِ كما تقولين لسَبَقَني البُصراءُ إليك (٣) [هذه نكات طريفة في العربية لم أجد من نص عليها، ولم أرض لنفسي أن أقبلها متبجِّحًا، ولا أن أَردَّها حاذٍ حذْوَ ذاك الأعمى الذي تزوج امرأة فكانت مما تطري نفسها بالجمال فلمَّا عيل صبره قال لها: لو كنت كما تقولين لما تركك المبصرون لهذا الأعمى! لكنِّي أعرضها على أهل العلم، فإما أن يتقبلوها فأطمئن إليها، وإما أن ينبهوني على وجه الخطأ إن كان] (٤).

стр. 3

[نشأة اللغة] (١) اشتهر قديمًا وحديثًا القول بأن منشأ اللغة كان حكاية الأصوات المسموعة (٢)، وذكروا من ذلك: «دقَّ، وقطَّ، وأنَّ، وحنَّ، وصرَّ»، ولهذا حظ من الوجاهة. أما إذا قلنا: إن اللغة من وضع البشر، فظاهر (٣). وأمَّا على القول بأنها من تعليم الله ــ ــ لآدم (٤)، فالحكمة اقتضت تلك المناسبة.

стр. 4

والمهم أن حكاية الأصوات لا تفسر لنا إلا جزءًا ضئيلًا جدًّا من اللغة. وذكر أئمة العربية (١) وجهًا آخر وهو المناسبة بين الألفاظ والمعاني من جهة اختلاف صفات الحروف وترتيبها وحركاتها، ذكر ابن جنى في الخصائص طائفةً من ذلك (٢). وهذا أيضًا وجيه، ولكنه لا يفي إلا بجزء ضئيل أيضًا، وقد خطر لي وجه ثالث ــ لم أر من تعرض له ــ وهو الإشارة. لا ريب أننا إذا تصورنا أناسًا لا يعرفون لغةً علمنا أنهم يحاولون التفاهم بالإشارة مع التصويت، كما نشاهده من البكم. وكما تكون الإشارة باليد فكذلك تكون بالرأس (٣)، وقد تكون باللسان، وحريٌّ بأولئك الأناس إذا خطر لهم أنه يمكنهم توزيع الأصوات على الأشياء، حتى يكون لكل شيءٍ

стр. 5

صوت خاص أن يحاولوا ربط الطريقة التي عرفوها وهي الإشارة بالتصويت، وإنما يكون هذا بتحري الإشارة باللسان والشفتين ويتفقدون الصوت الذي يوافق تلك الإشارة. فمن ذلك اسم الإشارة «ذا» (١) إذا حاول الإنسان أن يشير بلسانه وجد أنه لا يسهل عليه التصويت إلا إذا عض على لسانه ثم صوَّت رافعًا أسنانه عن لسانه، فحينئذ يخرج إما صوت الذال، وإما صوت الظاء، وإما صوت الثاء، فاختاروا الذال؛ لأن الصوت بها أرفع، وحركوها لامتناع الابتداء بالساكن، ثم وجدوا إلى أنهم يحتاجون إلى الفرق بين الذَّكَر والأنثى، ففزعوا إلى الإشارة المعنوية، والذَّكَر عندهم عالٍ والأنثى بخلافه فقالوا في الذكر: ذا، وفي الأنثى: ذي (٢). ومن ذلك ضمير المتكلم حاولوا الإشارة باللسان إلى النفس، وإنما يحصل ذلك بعطف اللسان إلى باطن الفم، والصوت الذي يسهل خروجه حينئذ هو النون ورأوا أن يقدموا قبله صوتًا ينبه السامع إلى الإشارة، وأسهل

стр. 6

الأصوات الهمزةُ المفتوحةُ، وفتحوا النون أيضًا ليرتفع الصوت بالنون شيئَا فقالوا: «أنَ» (١)، ويمكن التطرق إلى بقية الضمائر. «أنتَ ــ أنتِ ــ أنتُم» وليس من الصعب توجيه ذلك (٢). ومن ذلك اسم «الماء» فإنَّ الماء يُشْرب بالامتصاص، وأقرب إشارة إلى المصِّ بأعضاء الفم أن تجتذب شفتيك إلى داخل الفم، وإذا فعلت ثم حاولت فتح الفم قليلاً لإخراج صوتٍ كان أقرب الأصوات «ما» (٣)، وقد

стр. 7

تكون كلمة «مص» مأخوذةً من هذه الميم مع حكاية صوت الامتصاص، فإنه يقرب من حرف الصاد (١). ومن ذلك كلمة «بلع» فإن هذا الترتيب عنَّ (٢) له الإشارة، أي البلع، ألا ترى أن الباء شفوية، واللام متوسطة، والعين حلقية، وهكذا [ ... ] (٣) المبدوء بالشفة فوسط الفم فالحلق. وعكسها (٤) كلمة «لفظ» و «نفث» ابتدأت كل منهما بحرف متوسط فحرف شفوي فحرفٍ يبرز معه اللسان، ولا يخفى إذا تأملت وجدت النون

стр. 8

والثاء [ ... ] (١) معنى النفث، واللام والظاء أنسب بمعنى اللفظ، وقريب منهما كلمة «نبذ»؛ ذلك أن الإشارة معنوية. ومن الحسية (٢) كلمة «ذوق»، فإن عادة من يتذوق شيئًا أن يضع قليلاً منه على لسانه، ثم يديره في فيه، ويغلب أن يصل به إلى الحلق. ومن المعنوية كلمة «قرب» تبدأ من أقصى الحلق ثم تتوسط ثم تصل إلى أقرب ما يلي [ ... ] (٣) وهو الشفة. أما «بلغ» فالإشارة فيه معنوية، ومنه «مضغ». هذا ما حضرني (٤)، فإذا ضممت هذه الطريقة مع التوسع في الإشارة

стр. 9

المعنوية وإلى ما ذكروه من حكاية الأصوات، وإلى ما ذكره ابن جني (١)، وغيره (٢) من صفات الحروف شدة ورخاوة وغير ذلك كثر عدد الكلمات التي يمكن تطبيقها. ومن الواضح أنه يكفي الواضعَ لتعيين اللفظ أدنى مناسبة تحضره. ففي باب التذكير والتأنيث ناسب أن يُذكِّروا عضْوَ التذكير من الرَّجُل، وبالنظر إليه مع البيضتين يتخيل رجل له امرأتان؛ فأنثوا اسمهما ثم اعتبروا ذلك كالأصل وهي تذكير ما كان فردًا من الأعضاء وتأنيث ما كان زوجًا، هذا الغالب وربما خالفوا لمناسبةٍ أخرى (٣). ومن الصعب أن نعرف من المناسبات التي حضرتهم إلا القليل، وهذه أسماء الناس مختلفة جدًّا، وكثيرًا ما يخفى على الإنسان نَفْسِه لماذا اختار له

стр. 10

أبواه الاسم الذي سمياه به؟ (١).

стр. 11

تَنُّور علاقة التنور بالنار لا تخفى، وقد روي بسند ضعيف عن علي ــ ﵁ ــ أنه فسر التنور في قصة نوحٍ ــ ﵇ ــ: بتنوير الصبح (١). وهذا على ضَعْفِه يجعل للتنور علاقة بالنور (٢). والنار والنور من مادة واحدة هي مادة «ن ور» والتاء من حروف الزيادة، والزيادة بالتضعيف فاشية في العربية، لكن صيغة «تَفُّعْل» مفقودة في اللغة. لهذا صار الجمهور إلى أن التاء أصلية وأن الواو زائدة، وأنه من مادة

стр. 12

«ت ن ر» ووزنه «فَعُّول» (١)، أو «فَنْعُول» (٢). وأُورِدَ عليهم أمور: الأول: إهمال المناسبة الصريحة (٣). الثاني: أن مادة «ت ن ر» ليس لها شاهد آخر (٤). الثالث: أنه قلما يقع في العربية نون يعقبها راء، بل قد لا يتحقق شيء من ذلك إذا كان النونُ عينَ الكلمة، والراءُ لامَها (٥).

стр. 13

وقد نقلوا (١) عن الإمام أحمد بن يحيى المدعو بـ «ثعلب» أنه قال: وزنه «تَفْعول» من مادة «ن ور». وأنكروا عليه (٢)؛ لأنه لو كان كذلك لكان «تَنْوُور»، وما قد يُتخيَّل من إبدال الواو نونًا لا يعرف في العربية إلا شاذًّا في النسب قالوا: «صنعاني

стр. 14

ــ وبهراني، والأصل صنعاوي ــ وبهراوي» (١). ولِمَا تقدَّم ذهب جماعة إلى أن الكلمة أعجمية استعملتها العرب، وليست من أصل لغتها (٢). وهذا لا يدفع قضيةَ المناسبة الصارفة (٣). وقد خطر لي وجه أسلمُ من جميع ما تقدم، وهو أن يقال: أصل وزنه «فَعُّول» من مادة «ن ور»، لكن وقع في حروفه قلب ــ أي: تقديم وتأخير ــ فجُعِلت العينُ موضعَ الفاء؛ فصار «وَنُّور» بوزن «عَفُّول» ثم أبدل من الواو تاءً (٤).

стр. 15

أما القلب بالتقديم والتأخير فكثير في كلامهم مثل: «جَبَذَ» أصله «جَذَبَ» (١)، ومثل: «صَواقع» أصله «صَواعق»، و «جَاهٌ» أصله «وَجْهٌ» (٢)، و «أيِسَ» أصل «يَئِسَ» (٣). والداعي للقلب هنا (٤) الثقل باجتماع ثلاث واوات. وأما إبدال الواو المفتوحة أول الكلمة تاءً، فقد سمع في «تقوى»، و «تَتْرى»، و «تولج» (٥)، وغيرهما (٦). بَقِيَ أن يقال: إذا قُدّمت عينُ «نوُّور» صار «ونْوور» لا «ونُّور».

стр. 16

قلت: قد قالوا: «اكْرهَفَّ» (١)، وأصله «اكْفَهرَّ»، وقالوا: أسير مُكَلَّبٌ، وأصله: «مُكَبَّلٌ»، وقالوا: «طِبِّيخ» (٢)، وأصله: «بطيخ»، و «تكسَّع» أصله «تسكَّع» (٣). وفي ذلك وجهان: أحدهما: أن يكونوا بدأوا فقلبوا أصل المادة ثم بنوا الصيغة منها، ففي «تكسع» بدأوا بمادة «س ك ع» فقلبوا فصارت «ك س ع» ثم بنوا منها على ظاهرها صيغة «تفعَّل». فهكذا في كلمتنا بدأوا بمادة «ن ور» فصيروها «ون ر» ثم بنوا منها على ظاهرها صيغة «فعُّول» ... إلخ. الثاني: أنهم نزلوا المضعَّف بمنزلة حرفٍ واحد، وكان التضعيفُ صفةً له، كالحركة مثلاً، وعادتهم في القلب أن يعطوا كلًّا من الحرفين صفة الآخر. أَو قُلْ: يعطون كلا منهما الصفة الصالحة له في موضعه الجديد. أَو قُلْ: ينقلون الحرف وتبقى صفته، ومنها التضعيف في محلها، فإذا حلَّ الحرف الآخر محله أعطي تلك الصفة محافظة على الصيغة.

стр. 17

فكما نرى في «أيِس» مقلوب «يئس» أن الهمزة فُتِحت وكانت في الأصل مكسورة، وأن الياء بعكسها، فكذا في نحو «مكلَّب» مقلوب «مكبَّل» صارتِ اللامُ مضعَّفةً مفتوحةً وكانت في الأصل عُرضةً للإعراب، وصارت الباء بعكس ذلك. فهكذا في «تنّور» كان أصله «نوُّور» فوُضِعَت الواوُ موضع النون، وصارت النون بموضع الواو، وأعطيت كل منهما صفةَ صاحبتها.

стр. 18

تُفَّاح مادة «ت ف ح» غير معروفة في غير هذا الاسم (١)، فأما حكاية بعضهم (٢): «تَفْحَةٌ» أي: رائحةٌ، فإن صحّ (٣) فمأخوذٌ من التفاح نفسه (٤). وعلى هذا فقد يُدَّعى أن أصل «تُفَّاح»: «فُوَّاح» من مادة «ف وح»؛ لأن رائحته تفوح، وهي مادة معروفة في اللغة، فقُلب، فصار «وُفَّاح» (٥)، ثم أُبدلت التاء واوًا، وإبدال التاء المضمومة في أول الكلمة واوًا أكثر من المفتوحة (٦)، قالوا: «تُراث» وأصله «وُراث»، وقالوا: «تُجاه» وأصله «وُجاه» (٧).

стр. 19

ضمير الشأن والقصة (١) يقول النحاة: «إن الضمير في: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] هو ضمير الشأن (٢). وإنه إذا كان بلفظ المؤنث كما في «هي العرب تقول ما شاءت» يسمى ضمير القصة. وكنت أولاً أفهم وأقرر أنه يرجع إلى مقدرٍ معروف بالقرينة، وأُمثِّلُ ذلك بأن تَسْمعَ ضوضاءَ وجلبةً، ثم يجيء إنسان مِنْ ثَمَّ فتسأله: ما الشأن؟ فيقول: هو الملكُ قَدِم. أو تقول: ما القصة؟

стр. 20

فيقول: هي السوق زُيِّنَتْ (١). ولو قلتَ في الأول: ما القصةُ؟ فقال: هي الملكُ قدم. وقلت في الثاني: ما الشأن؟ فقال: هو السوق زُيِّنَتْ. لكان صوابًا. لكن إذا فرضنا أنك لم تسأله بمقالك ولكنه عدك سائلاً بحالك ــ ولو ادَّعاءً ــ بأن يرى أن هناك ما يوجب عليك السؤال لولا غفلتك أو تهاونك، فالمتبادر أنه مُخيَّر يُقدِّر أنك سألتَ عن الشأن أو عن القصة، فإن قدَّرَ الشأن ذكَّر الضمير في الموضعين، وإنْ قدَّر القصة أنَّث في الموضعين، لكنهم أوجبوا (٢) التذكير في المثال الأول نحو: «الملك قَدِم»، والتأنيث في الثاني

стр. 21

نحو: «السوق زُيِّنَتْ» مراعاةً صوريّة لحال المسند إليه تحسينًا للصورة؛ لما يتراءى في قولك: «هي الملكُ قَدِم» و «السوق زُيِّنَتْ» من الإخبار عن المذكر بالمؤنث، وعكسه (١). ويشبه هذا ما قالوه في الجر بالجوار في نحو قول امرئ القيس: كأن أبانًا ... (٢) جر «مزمل» رعايةً للجوار؛ لأنه إذا رفع «مزمل» كان في الصورة كالمستنكر، إذِ الغالب أن يكون النعتُ عَقِبَ المنعوتِ فيُتَوهَّم أنَّ «مزمل» نعتٌ لبجاد (٣).

стр. 22

غير أنه في ضمير الشأن والقصة لا محذور في المراعاة؛ إذ ليس فيها ارتكاب محظور بخلاف البيت فإن في تلك المراعاة محظورًا وهو جر ما حقه الرفع (١). هذا ما كنت أفهمه وأقرره، ثم رأيتهم عدُّوا هذا الضمير من الضمائر التي تعود على متأخِّرٍ لفظًا ورتبةً (٢)، فرأيت هذا مخالفًا لما كان عندي، ثم رأيت في تفسير سورة الإخلاص من روح المعاني (٣) عن العلامة أحمد بن محمد الغُنَيْمي المتوفى سنة (١٠٤٤) (٤) ما يلاقي ما كان عندي وفيه: «وقولهم في عد الضمائر التي ترجع إلى متأخر لفظًا ورتبة: (منها ضمير الشأن فإنه راجع إلى الجملة بعده) مسامحةٌ ارتكبوها ... » (٥).

стр. 23

وذكر ابن الحاجب أن ضمير الشأن عائدٌ على متقدم حكمًا (١)، وفسر ذلك كما نقله عنه الرضي (٢) بقوله: «أنك قصدت الإبهام للتفخيم فتعقَّلْتَ المفسِّر في ذهنك ولم تصرح به للإبهام على المخاطب، وأعدتَ الضمير إلى ذلك المتعقَّل، فكأنه راجع إلى المذكور قبله» (٣). وحاصل هذا ــ فيما يظهر ــ أنك تصورت في نفسك «العرب تقول ما شاءتْ» وأنها قصة فقلتَ مُخْبِرًا عنها: «هي العرب تقول ما شاءت» فكأنكَ قلتَ: «القصةُ التي في ذهني: العرب تقول ما شاءت» (٤). وأنا ثابت على وجاهة ما ظهر لي. والله أعلم.

стр. 24

كاد هناك ثلاثة أوجه: الأول: أن لا يتقدمَها نَفْيٌ ولا يتلوها اتفقوا على أن معناها حينئذ «قارب» (١)، وزاد بعضهم (٢): «ولم يفعل» وهو تصريح بالمفهوم؛ فإن قولك: «كاد التلميذ ينجح» كقولك: «قارب التلميذ أن ينجح» يُفْهِم كلٌّ منهما نَفْيَ النجاح ووجهه أنه لو نجح لما اقتصر المخبر على الإخبار بالمقاربة، وهذا الإفهام متفق عليه، وقد جاءت «كاد» هكذا ــ بدون تقدم نفي ــ في بضعة عشر موضعًا من القرآن (٣)، وكلها مفهمة للنفي اتفاقًا (٤).

стр. 25

الوجه الثاني: أن يقع النفي بعد الفِعل وهذا قد يقع في «قارب»، مثل: «قارب التلميذُ أن لا ينجح» وهذا يُفْهم إثبات النجاح وهو جارٍ على القياس. ألا ترى أنه بمعنى قولك: «قارب التلميذُ أن يخيب»؛ فكما أفهم قولُك: «قارب أن ينجح» نَفْيَ النجاح فكذلك أفهم «قارب أن يخيب» نفي الخيبة، وذلك إثباتٌ للنجاح. وبعبارةٍ أخرى أن «قارب» في هذا الوجه كهي في الوجه الأول تُفْهم انتفاء المفعول فإذا كان في المفعول أداةُ نَفْي كان المفهوم نَفْيَ النفي وذلك إثبات. هذا كله في «قارب»، فأما «كاد» فلم أجدها على هذا الوجه (١). ولا أدري لماذا اجتنبوه (٢)؟ !

стр. 26

الوجه الثالث: أن يتقدم النفي على الفعل فأما «قارب» فإنك إذا قلت: «ما قارب التلميذ أن ينجح» أفهم أنه لم ينجح. وهذا واضح معقول، فإن نفي المقاربة يستلزم نفي الوقوع بلا ريب؛ إذ يمتنع الوقوع بدون مقاربةٍ. لكنَّ الحال في «كاد» على خلاف هذا قال الله : ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، وقال سبحانه: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: ١٧]، وقال : ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨]، ومع قوله في آية أخرى: ﴿لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الفتح: ١٥]. ومن تدبر كلام العرب وجد كلامهم على نحو هذا ــ أعني أن نحو: «ما كاد التلميذ ينجح» مفهم لإثبات النجاح. ومن أنصف وكان كثير الممارسة لكلامهم عرف أن هذا هو المتبادر، لكنه مُشكِلٌ كما ترى ما الذي جعل «ما كاد ينجحُ» مفهمًا للإثبات، مع أن «ما قارب أن ينجح» مفهمًا (١) إفهامًا يدعمه العقل للنفي المؤكد؟

стр. 27

اعترف بعض علماء العربية بما تقدم (١)، واعتذر بأن العرف جرى بهذا (٢)، أي: بأن نحو «ما كاد ينجح» يقال: إذا كان قد نجح بعد صعوبة وبطءٍ (٣). قال المعري (٤): (٥)

стр. 28

فأجابه الشهاب (١): (٢) وأبى أكثرهم هذا، وأصروا على أن «ما كاد ينجح» مثل «ما قارب ينجح» يفهم نفي النجاح نفيًا مؤكدًا (٣). وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]: أنهما كلامان، لكنَّ حالَ القوم في وقتين مختلفين، ففي الوقت الأول لم يقاربوا الفعل فضلاً عن أن يفعلوا.

стр. 29

ثم في الوقت الثاني قاربوا وفعلوا (١). وفي هذا من التكلف ما فيه (٢)، والذي ألجأهم إليه ما تقدم من الإشكال (٣). وقد وقع لي منذ زمانٍ ما يزيل الإشكال ويقرب إفهام الإثبات. وقبل أن أشرحه أقدم كلامًا آخر: تقول العرب: «لزيدٌ قائمٌ» وهذه اللام تسمى لام الابتداء (٤)، وهي تفيد التوكيد (٥). ولا تقول العرب: «زيدٌ لقائمٌ»، وإذا دخلت «إنَّ» لم يقولوا ألبتة: «إن لزيدٌ قائمٌ» ولكنهم يقولوا (٦): «إن زيدًا لقائمٌ»، فقال علماء العربية: إنَّ هذه اللام هي لام الابتداء نفسها، ولكنها أخرت عن موضعها كراهية الجمع بين حرفي توكيد (٧).

стр. 30

وقالت العرب: «مهما يكن من شيء فزيدٌ قائمٌ» ولا تقول: «مهما يكن من شيءٍ زيدٌ فقائمٌ». وقالوا: «أما زيدٌ فقائمٌ». فقال النحاة (١): إن هذه الفاء هي التي كانت قبل «زيد» وأن ذاك محلها إلا أنها هنا أخرت عن موضعها للعلة التي ذكروها (٢). وجاءت «هل» الاستفهامية بعد واو العطف وفائه وثم (٣)، ولم تجئ بعدها (٤)، وخالفتها همزة الاستفهام فجاءت قبل أحرف العطف ولم تجئ بعدها (٥).

стр. 31

فقال النحاة: إن محل الهمزة بعد هذه الأحرف ولكنها قُدِّمت لأصالتها في الصدارة (١). فعلى هذا ظهر لي أن أداة النفي التي تتقدم «كاد» كان موضعها بعد «كاد»، ولكنها قُدِّمت للعلة التي منعتهم من أن يأتوا بعد «كاد» بأداة نفي كما تقدم (٢). وهذا الامتناع يدل على ما أزعمه من التقديم وعلى هذا فقولنا: «ما كاد ينجح» أصله ــ لو عبَّرنا بـ «قارب» ــ «قارب أن لا ينجح»، وقد تقدم أن «قارب أن لا ينجح» يفهم الإثبات بالاتفاق (٣)، فكذلك «ما كاد ينجح»؛ لأن الأصل «كاد لا ينجح» (٤). ثم قرأت في مفردات الراغب (٥): «كاد لمقاربة الفعل، يقال: كاد يفعل

стр. 32

إذا لم يكن قد فعل وإذا كان معه حرف نفي يكون لما [قد] (١) وقع، ويكون قريبًا من أن لا يكون ...... ولا فرق بين أن يكون حرف النفي متقدمًا عليه أو متأخرًا عنه». هذا كلامه (٢). وقوله: «يكون لما قد وقع ويكون قريبًا من أن لا يكون» وجه واحد، أي: أنه لِمَا وقع مع قربه من أن لا يكون، وحاصله: أنه وقع بعد جهدٍ وبطءٍ. فأما قوله: «ولا فرق ... » ففيه أنه لم يُسمع تأخُّر حرف النفي عنه (٣)، فما بقي إلا أنه عند تقدم حرف النفي يفيد ما يفيده لو تأخر حرف النفي. فقولنا: «ما كاد ينجح» يفيد ما يفيد «كاد لا ينجح» لو سمع هذا. وهذا حقٌّ، لكن لم يبيِّن العلة، وقد فتح الله تعالى بها. بقي أن يقال: فهل امتنعوا من أن يُدخلوا حرف النفي مقدَّمًا أصالة على «كاد» كما يدخلونه على «قارب» في نحو «ما قارب أن ينجح»؟ قلت: قد يقال: نعم بدليل أننا لا نعرف موضعًا جاء فيه «ما كاد يفعل»

стр. 33

مفهمًا ما يفهمه «ما قارب أن يفعل» والعلة في ذاك ظاهرة وهي أنهم لما اعتزموا أن يقدموا على «كاد» حرف النفي ــ الذي حقه أن يكون متأخرًا عنها ــ امتنعوا خشية الإلباس من إدخال حرف النفي عليها مقدمًا أصالة. لكن يظهر لي أنهم لم يمتنعوا من ذلك ألبتة، بل قد يأتون به إذا كانت هناك قرينة على المقصود. والحجة على هذا مفصلًا (١). وقد يقال: لما وضعوا «كاد» للدلالة على قرب خبرها من اسمها، واشترطوا أن يكون خبرها فعلاً؛ ليكون ــ لدلالته على الحالية ــ أدل على القرب المعنوي أكدوا (٢) ذلك بالتزام القرب اللفظي، وهو: أن لا يُقَدَّم على الفعل حرف، وقد يشهد لهذا إبعادهم «أَنْ» المصدرية فلا يقولون: «كاد أن يقعد» إلا نادرًا (٣)، ولا يلزمهم من الإتيان بـ «أن» نادرًا أن يؤتى بـ «لا» نادرًا لأن الترك هنا دليلٌ على التقديم فوجبت المحافظة عليه (٤).