شرك المشركين الأولين ما كان إلا بعبادتهم الأولياء والصالحين
وبما أنك لا تزال مصراً على التمييز بين الفريقين في الحكم، وحجتك أو شبهتك (على الأصح) هي أن المشركين الأولين كانوا يتخذون من الأحجار أصناما وأوثانا يتقربون بها إلى الله، وأن القبوريين اليوم إنما يتوجهون إلى أولياء وصالحين، فأنا مستعد أن أزيل هذه الشبهة الضعيفة، فأثبت لك أن المشركين الأولين كانوا تماما، كالقبوريين الحاليين، لا يتوجهون بالذبح والنذر والطواف والدعاء إلا إلى عباد يعتقدون فيهم الصلاح والاستقامة من الآدميين، وأنهم ما كانوا- في حقيقة أمرهم - يعبدون إلا الأولياء والصالحين.
وأن التماثيل والأنصاب ما كانوا يعبدونها لذاتها وإنما يعبدون الأشخاص التي كانت هذه الأصنام والتماثيل والأنصاب ترمز إليهم وتسمى بأسمائهم (كيغوث ويعوق وود ونسرا وسواع واللات والعزى) .
أما الدليل على أن المشركين الأولين كانوا (كالقبوريين اليوم) يعبدون الأولياء والصالحين، ويتخذونهم آلهة من دون الله، فهو في القرآن الكريم، إلا أنكم لا تهتدون إليه، فقد خاطبهم الله تعالى جميعا بقوله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
стр. 37
ثم وضع القاعدة العامة في العبادة للجميع في كل زمان ومكان حين قال: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١.
﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً﴾ ٢.
﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ ٣.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيّ﴾ ٤.
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ٥.
فهذه الآيات الكريمة تثبت (بما لا يدع مجالا للشك) أن المشركين الأولين، إنما كانوا (كالقبوريين اليوم) يدعون الأولياء والصالحين ويتخذون منهم آلهة يعبدونها بالدعاء والذبح والنذر والطواف والخوف والرجاء لتشفع لهم وتقربهم إلى الله زلفى.
المشركون ما كانوا يعبدون الأصنام لذاتها
وأن الأصنام والأنصاب والتماثيل والأوثان (كاللات والعزى ومناة ويغوث ويعوق ونسراً) إنما كانت تمثل أولئك الأولياء والصالحين بحملها أسماءهم، فهم (أي المشركون الأولون) لا يعبدون هذه الأصنام والتماثيل
стр. 38
لذاتها، وإنما يعبدون الأشخاص المتمثلين فيها، ممن يظنون بهم خيرا، ويعتقدونهم أولياء وصالحين تماما كما يفعل القبوريون اليوم.
وبهذا يتضح لك أن الفريقين- القبوريين والمشركين الأولين- يتساوون
من حيث عبادة الأولياء، والفرق الوحيد بين الفريقين هو أن المشركين كانوا يعكفون حول التماثيل والأنصاب التي تحمل أسماء أوليائهم ويقصدونها ويتوجهون إليها، والقبوريون اليوم يعكفون حول القبور والتوابيت والأضرحة والمشاهد التي تحمل أسماء أوليائهم ويقصدونها ويتوجهون إليها، على أن المقصود الحقيقي ليس تلك الأنصاب والتماثيل، ولا هذه القبور والتوابيت والمشاهد، وإنما المقصود من تحمل أسماءهم تلك الأنصاب والتماثيل أو هذه القبور والتوابيت.
فلو سألت اليوم أحد القبوريين العائدين للبدوي (مثلا) من أين أتيت؟ لقال لك: جئت من عند سيدي البدوي، بينما هو (في الحقيقة) لم يأت من عند البدوي ولم يسبق له أن عرفه أو رآه وإنما أتى من عند القبر أو التابوت الذي يحمل اسم البدوي، نفس الشيء الذي كان عليه المشركون الأولون الذين لم يذهبوا في الواقع إلى (اللات أو يغوث أو يعوق ذاتهم) وإنما ذهبوا وتوجهوا إلى الأنصاب والأصنام والتماثيل التي تحمل أسماء هؤلاء الأولياء أو من يظنون أنهم أولياء.
الأصنام ليست إلا أسماء رجال صالحين
فقال صاحبي: ومن أين لك الدليل على أن المشركين الأولين ما كانوا يعبدون الأنصاب والأصنام والتماثيل، المقامة من الحجرأو الذهب أو
стр. 39
النحاس لذاتها، وإنما يعبدون أولياء وصالحين سميت بأسمائهم هذه الأنصاب والتماثيل؟
فقلت له: أما الدليل القاطع على ذلك فقد كان بوسعك لو وفقت أن تفهمه مما مضى من الآيات الكريمة التي تثبت (بما لا يدع مجالا للشك) أن المشركين الأولين ما كانوا يعبدون إلا الأولياء والصالحين، وقد أوردتها لك فيما مضى من هذا النقاش١.
ولكنني زيادة في الإبلاغ وتوسعاً في إقامة الحجة ورغبة في إزالة كل شبهة يمكنك التشبث بها أو الوقوف عندها، سأذكر لك - إن شاء الله - ما يسند قولي هذا ويطيح بآخر شبهة قد تتمسك بها للبقاء على الرأي الذي تتشبث به.
يغوث ويعوق ونسر كانوا رجالا صالحين من قوم نوح
١- روى البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب، أما "ود" فكانت لكلب بدومة الجندل، و"سواع" لهذيل، و"يغوث" لمراد ثم صارت لبني غطيف بالحوف أو الجرف عندسبأ، أما "يعوق" فكانت لهمدان، وأما "نسر" فلحمير لآل ذي الكلاع، وكلها أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فكلما هلكوا أوحى الشيطان إلى
стр. 40
قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت ... "
٢- وبمثل قوله ابن عباس، قال الكلبي في كتابه (الأصنام) ص ٥٢ قال مايأتي: "ثم جاء القرن الثالث فقالوا ما عظم أولونا هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله فعبدوهم ".
٣- وقال محمد بن كعب عن (ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر) :
"هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح، فلما ماتوا كانوا لهم أتباعا يقتدون بهم، ويأخذون مأخذهم في العبادة، فجاءهم إبليس وقال لهم، لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة، ففعلوا، ثم نشأ قوم بعدهم، فقال لهم إبليس: إن الذين كانوا قبلكم كانوا يعبدونهم فعبدوهم ".
متى بدأت عبادة الأصنام؟
فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك، وسميت تلك الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صور أولئك القوم من المسلمين.
وروى ابن جرير عن محمد بن قيس قوله: "كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فقالوا: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم" وإلى مثل هذا ذهب عكرمة والضحاك وقتادة وابن اسحاق.
стр. 41
اللات كان رجلا يلت السويق للحجاج:
٤- أما اللات فقد روى البخاري عن ابن عباس ﵁: "كان اللات رجلا يلت السويق للحجاج " وقال ابن الكلبي في (الأصنام) ص ١٦: "واللات بالطائف، وهي أحدث من مناة وكانت صخرة مربعة، وكان يهودي يلت عندها السويق" وهو كقول ابن عباس.
٥- ويقول الشهرستاني صاحب الملل والنحل: "وضع الأصنام حيثما قدر إنما هو على معبود عليه الحياة غائب، يكون الصنم المعمول على صورته وشكله وهيئته نائبا منابه وقائما مقامه، وإلا فنعلم مقطعا أن عاقلا ما لا ينحت بيده جسما لصورة، ثم يعتقد أنه إله. لكن القوم لما عكفوا على التوجه إليها، وربطوا حوائجهم بها- من غير إذن وحجة وبرهان وسلطان من الله تعالى- كان عكوفهم ذلك عبادة، وطلبهم الحوائج منها إثبات إلهية لها، وعن هذا كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فهل بعد هذا يبقى لديك شك في أن الأصنام إنما أقيمت بأسماء أناس اعتقد قومهم فيهم الصلاة وأحبوهم، وأن هذه الأصنام لم تعبد لذاتها وإنما عبدت تبعا لعبادة من أقيمت بأسمائهم؟
إشكال قبوري كبير يحله المؤلف:
فقال - وقد بدت عليه علامة التسليم بوجاهة النظرية التي شرحتها له -: ولكن الأمر لا يزال فيه كثير من الإشكال. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ ١.
стр. 42
فقلت له: اشرح لي هذا الإشكال وأنا إن شاء الله سأبين لك كل ما أشكل عليك في هذه الناحية.
فقال: تبين فيما أوردت من آيات وآثار أنك تريد إثبات أن المشركين الأولين ما كانوا يعبدون إلا الأولياء والصالحين، لكي تثبت عن طريق القياس أن القبوريين - كما تسميهم - يعبدون الأولياء والصالحين كذلك، ولكنه جاء فيما أوردت من آيات أن المشركين كانوا يعبدون الأصنام عبادة حقيقية لذاتها، ولو كانوا لا يعبدونها لذاتها وإنما يعبدون الأولياء والصالحين التي تحمل هذه الأصنام أسماءهم، لبين الله لنا ذلك ولاقتصر القرآن على توبيخ المشركين على عبادتهم الأولياء ماداموا لا يعبدون إلا هؤلاء الأولياء، ومادام أنهم (أي المشركون الأولون) لا يعتمدون على هذه الأصنام لتشفع لهم عند الله.
ولكن جل التحذيرات والتوبيخات التي جاءت في القرآن لهؤلاء المشركين حول هذا الموضوع إنما كانت مركزة على نهيهم عن عبادة الأصنام والأوثان والأنصاب.
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ ١.
﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ ٢.
﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ .
﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ ٣.
стр. 43
﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة﴾ ١.
﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ ٢.
﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ ٣.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ، إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ ٤.
فهذه الآيات مما يلقي ضوءا على أن المشركين كانوا يعبدون الأصنام والأوثان لذاتها ولهذا جاء النهي عن عبادة هذه الأوثان والأصنام صريحاً كما جاء هذا النهي أيضا عن عبادة الأولياء.
عبادة الأصنام إنما هي للأولياء
فقلت له: نعم لقد ثبت هذا النهي عن عبادة الأصنام وعن عبادة الأولياء، وهذا صراحة يدين القبوريين بعبادة غير الله لأنهم يعبدون الأولياء، ولو لم يأت في القرآن إلا النهي عن عبادة غير الله مع ذكر الأصنام وإهمال ذكر الأولياء، لاعتبرنا القبوريين عبدة أولياء لأن هؤلاء الأولياء هم غير الله، توجه إليهم هؤلاء القبوريون بنفس العبادة التي يتوجه بها المشركون إلى أصنامهم (الدعاء والذبح والنذر والخوف والرجاء) وهذا على فرض أن المشركين الأولين لم يعبدوا إلا أصنافا وأوثانا من الحجر والنحاس والذهب وغير ذلك من الجمادات.
ولكن الثابت أن أولئك المشركين كانوا يعبدون الأولياء والصالحين لذاتهم، ويعبدون الأصنام والأوثان والتماثيل لا لذاتها وإنما تبعا لعبادة
стр. 44
معبوديهم الحقيقيين من الأولياء والصالحين الذين أقيمت بأسمائهم هذه الأصنام والأوثان والتماثيل، كما بينته لك فيما مضى بالأدلة القطعية.
لهذا يصفهم الله مرة بأنهم عباد أصنام، ومرة عباد أولياء، فهم عباد أصنام بالسعي إليها والطواف حولها والعكوف عليها وتقديم القرابين لها.
وهم أيضا عباد أولياء بدعائهم لأصحاب هذه الأصنام وطلب حوائجهم منهم، والاعتماد عليهم شفعاء ووسطاء عند الله دون أن يأذن لهم بذلك.
وهكذا القبوريون اليوم، يقبلون أستار الضريح ويطوفون حوله ويزينونه ويبنون القباب عليه ويقربون له النذور، فهم بهذا عباد قبور صراحة وعباد أولياء ضمنا.
ثم هم في طوافهم حول ضريح يدعون صاحبه الميت، ويستغيثون به ويستنجدون، ويطلبون المدد، فهم بهذا عباد أولياء صراحة، وعباد قبور ضمنا.
فإن سميتهم عباد قبور فأنت صادق، باعتبار ما يصنعون للقبور، وإن سميتهم عباد أولياء، فأنت صادق، باعتبار ما يعبدونه به أولياءهم من دعاء ونذر وحلف وخوف ورجاء.
وهم، هم في الحالين بشركهم الأكبر، وإن سميتهم عباد أوهام وشهوات، فأنت صادق وعابد القبر
стр. 45
إنما فتنه هواه فأضله فعبده، وعابد القبر إنما يصور في الضريح ويصنع له ما تنزو به شهواته١.
واسمع ما قاله الأستاذ عبد الرحمن الوكيل في كتابه "دعوة الحق" ص ٦٢.
التعبير بمن وبما عن آلهة المشركين وتحقيق ذلك
"وهذا هو سر التعبير أحيانا (بمن) في موضع، والتعبير (بما) في موضع في القصة الواحدة في القرآن، أو سر التعبير بما له دلالة على ما يعقل وبما له دلالة على مالا يعقل في الموضع الواحد، وضع هذا مكان ذاك في القصة الواحدة.
فإذا عبر بـ (ما) الدالة على ما لا يعقل فالمقصود بما أقيم بأسماء الأولياء من أصنام وتماثيل٢ وكلا التعبيرين لا يختلف أحدهما عن صاحبه إلا بالاعتبار أو كلاهما يعبر عن ذلك الغير الذي عبد من دون الله.
فتختص (من) بذاته، وتختص (ما) بالصنم أو القبر الذي أقيم باسمه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٣، وفي الآية التي قبل هذه الآية من السورة نفسها وهي الأحقاف ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ ، فعبر عن شيء واحد بـ (من) و (ما) .
стр. 46
فلا يخدعك عباد القبور عن الحق بإلباسه بالباطل، حين يزعمون أن شرك الجاهلية كان سببه دعاء الأصنام، ولذلك يعبر الله عنها بـ (ما) الدالة على مالا يعقل، أما نحن فندعو أولياء.
وأنت قد عرفت من القرآن سر التعبير بـ (من وما) ورأيته يعبر بهما في الموضع الواحد، ويضع إحداهما مكان الأخرى كما بينت لك من قبل ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ، إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ، قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ، قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
قال إبراهيم ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ بعد أن قالوا ﴿نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ لتفهم بأنه يقصد بقوله من أقيمت لهم هذه الأصنام، وإلا لقال لهم هل تسمعكم، ثم ذكر ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ، وبعدها ذكر ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ مما يشعرك أن إبراهيم يقصد الأصنام ومن أقيمت بأسمائهم الأصنام، وإلا لقال "فإنها عدو لي" ولم يقل "فإنهم" لأن "هم" ضمير العقلاء.
وهكذا يعبر في الآيات التي تتناول قصة واحدة عن معبودي المشركين بما له من الألفاظ الدالة على العقلاء، وبما له دلالة على غير ذلك لما سبق بيانه من أن المشرك يعبد بعبادة الولي الواحد آلهة متعددة، منها: آلهة الصنم أو القبر الذي أقامه باسم الولي، أو الستر فوق عبادته لآلهة الولي".
ومما سبق ذكره من بيان الأسباب التي وصفهم الله من أجلها بأنهم
стр. 47
عباد آلهة، ومتخذو شركاء، وعباد أصنام وأوثان وتماثيل، تؤمن أن هذا كله ناتج عن عبادة الولي، وأن الفتنة بالصالحين هي سبب الشرك.
فإذا ما رأيت اختلافا في التعبير عما يعبده المشركون فذلك لاختلاف الاعتبارات وإلا فالشيء واحد، أما الاعتبارات التي اختلفت من أجلها التسمية لهؤلاء المعبودين من دون الله فإليك ما قاله الأستاذ عبد الرحمن الوكيل في كتابه "دعوة الحق" أيضا: "فمعبودهم يوصف بأنه (ولي) باعتبار موالاتهم له بالدعاء وغيره، وهذا هو الوصف الأصيل، ويوصف أنه (شريك) باعتبار أنهم أشركوه في العبادة مع الله، وبأنه (إله) باعتبار أنهم ألهوه بكل معاني التأليه، من عبادة وفزع إليه، واستغاثة به، ويوصف بأنه (وثن أو صنم أو تمثال) ، باعتبار المشاهد الملموس، أو باعتبار ما أقيم باسم الولي المعبود، ويوصف بأنه (طاغوت) باعتبار أنه أضلهم وأضلوا هم به، وبأنه (شيطان) باعتبار أنه مصدر الإغراء بعبادة هذا المعبود ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَرِيداً﴾ ١ وصفها بالإناث وبالشيطان في آية واحدة.
وقال الخليل ﵇ لأبيه ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ ويوصف بأنه (ظن) باعتبار ما ظنوه فيه من نفع وضر، وبأنه (هوى) باعتبار أنهم انقادوا لأهوائهم فيه ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ٢، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ٣، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ ٤.
стр. 48
وتوصف معبوداتهم بأنها (أسماء) لا وجود لمسمياتها، باعتبار الحقيقة حيث سموهم أولياء، والله هو الولي، و (شفعاء) والله هو الذي يملك وحده الشفاعة ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ١.
فلا يفتنك المشركون بكثرة الأوصاف فإنها لموصوف واحد هو (غير) معبود من دون الله، ولا باختلاف التعابير فالحقيقة المعبر عنها واحدة، ولا يعتذر اليوم للمشركين معتذر بخرافة أن الجاهلية أشركت بعبادة الأصنام، وتسميتها بالآلهة، أما هؤلاء فإنما يدعون أولياء، فقد وضح الحق من القرآن مشرقا يبدد ما يطغى به الباطل من ظلمات".