← Тараджим

Тараджим · id 5075

محمد بن عبد الوهاب داعية التوحيد والتجديد في العصر الحديث

محمد بهجة الأثري

Полный текст (43 стр.). Показаны 36–43 · переход к 41.

стр. 36

"إن بعض أهل الدين ينكر منكرا، وهو مصيب، لكنه يخطئ في تغليظ الأمر إلى شيء يوجب التفرقة بين الإخوان، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية١٠٣) . وكتب إلى آخر: "فاغتنم يا أخي هذا الفضل، وكن من أهله، فإن النبي ﷺ ، قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن وأوصاه: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من كذا وكذا"، وعظم القول فيه: "فاغتنم ذلك، وادع إلى السنة حتى يكون لك بذلك ألفة وجماعة يقومون مقامك إن حدث بك حدث، فيكونون أئمة بعدك، فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة كما جاء في الأثر، فاعمل على بصيرة ونية حسنة، فيرد الله بك المبتدع المفتون الزائغ الحائر، فتكون خلفا من نبيك، ﷺ ، فإنك لن تلقى الله بعمل شبهة". *** وقد بلغ وعيه القمة حين لاحظ أن تمام الدين بالدولة.

стр. 37

وقد سماها الولاية، وقرر أن المصلحة فيهما لا تتم إلا بالإجماع، وأن الاجتماع لا بد له من آمر وناه، فتلك هي الولاية، ولذلك سعى لها ليحفظ مقاصد الشرع ومصالح العباد، قال: "جميع الولايات مقصودها أن يكون الدين كله لله، فإنه سبحانه إنما خلق الخلق لذلك، وذلك هو الخير والبر، والتقوى والحسنات والقربات والباقيات الصالحات، والعمل الصالح، وإن كان بين هذه الأسماء فروق لطيفة، ولا تتم مصلحة الدين والدنيا إلا بالاجتماع، وإذا اجتمعوا فلا بد من أمور يجتنبونها لدفع المفسدة، ويقومون للأمر بها والنهي عنها، فلا بد من آمر وناه، وإذا كان لا بد من ذلك، فدخول المرء تحت طاعة الله ورسوله الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ـ خير له. وأخبر أنه أنزل الكتاب بالحق والميزان، وأنزل الحديد فيه بأس شديد، ليقوم الناس بالقسط. ولهذا أمر، ﷺ ، أمته بتولية ولاة الأمور عليهم، وأمر ولاة الأمور أن يؤدوا الأمانة، وأن يحكموا بالعدل، وأمر بطاعتهم". أقول: على قواعد القرآن والسنة، وهذه المدارك الحكيمة الحصيفة العالية، وقد بلغت الغاية في الضلاعة والسداد وإصابة

стр. 38

الأهداف كما نرى ـ أقام الرجل بناء دعوته، وأفرغ في هذه الدعوة كل طاقاته وصفاء عقله وقلبه. فجاءت على مثاله ضلاعة وسموا وجلالا. *** وبدأ المرحلة التطبيقية العملية بعد عودته من المدينة المنورة إلى العيينة، وهو في التاسعة والعشرين من عمره، ولكأني به حين أطل على جزيرة العرب فردا لا وَزَرَ له من أحد، ناجى ربه جلا وعلا أن لا يذره فردا، وأن يمده بعونه ورحمته، ويبلغه ما يؤمله.. لا لدنيا يصيبها لنفسه، ولكن لهداية قوم ضلوا عن سواء السبيل، وانحرفوا عن الصراط المستقيم، فأراد لهم الهداية والعزة. مضى في الدعوة في فتوته هذه، بقلب يملؤه الإيمان واليقظة والشجاعة، وعقل تعمره الحصافة والعلم والتجارب، وصدر تتوثب فيه العزيمة الصلبة والإرادة الجارفة، وبصيرة تتألق بالنور الذي يضيء له الدرب في ليل الناس البهيم. استلهم روح القرآن، ووصل أفقه بأفقه غير حائد عنه، وتأسّى بسلوك الرسول ﵊ في جميع مراحل الدعوة سمتا بعد سمت، فبلّغ كما بلّغ، وبشّر وأنذر ... بلغ الأفراد والجماعات، وبلغ الأغنياء والفقراء والرؤساء

стр. 39

والمرؤوسين، وسيّر الرسل والدعاة من دنا ومن بعد عن جزيرة العرب من أصحاب السلطان، وسمع الناس منه ومن دعاته كلاما جديدا، مقروءا ومسموعا، لانت له عقول قوم فدانوا وآمنوا واتبعوا، واستغلقت عقول قوم فرفضوه، بل نصبوا له الحرب، ووقفوا دونه يصدون عنه الناس، ويسفهون الداعي وما يدعو إليه من الحق، وتألبوا على الرجل، وحاولوا غيلته ليذهبوا برحيه، وذهب إلى أصحاب السلطان يقنعهم بما هو عليه من الحق، ليدخلوا في دعوته، ويمنيهم بالفوز بخيري الدنيا والآخرة إذا هم آزروه وناصروه، وقد ائتسى في هذا الشأن أيضا بالرسول العظيم، عليه أفضل الصلوات والتسليم، فوفّق. وأخذ البيعة من بعضهم ليضمن قيام "الولاية" كما كان يقول أو الدولة كما يقولون اليوم، ليحفظ بذلك مكاسب النصر الروحي الذي استطاع أن يحققه في كثير من أرض الجزيرة. ولكن من بايعه على ذلك نقض البيعة، لأن سلطانا أقوى منه فرض عليه أن يتخلى عما التزمه من هذه البيعة ومن نصر الداعي..وهنا كان الاختيار الصعب، وكان الموقف الحاسم الذي يقرر مصير الدعوة، وكان ذلك كله يتوقف على القوة النفسية التي حدت بهذا الداعي الكبير على أن ينهض بهذا الأمر الكبير، وإذا هي عنده أثبت ثباتا من الجبال، وعند الشدائد

стр. 40

تظهر عزمات الرجال، فما وهن عزمه، ولكنه ازداد قوة، ولا ضعف إيمانه ولكنه ازداد يقينا بنصر الله له، وانتقل إلى حيث يأمل أن يدخل في دعوته من الأمراء من ينصره ويقيم "الولاية". *** وكأن الله ادّخر الخير كله لمن هو أهله من أمراء الجزيرة الكبار أصحاب الشوكة والصولة، لأمر أراده سبحانه كونه ودوامه، فساقه التوفيق إلى "الدرعية"، وكم لله من إرادات يكتب بها لأناسي، ويحرمها أناسي آخرين! وكان أمير الدرعية (محمد بن سعود) نائما، فاحتضنته السعادة بقدوم هذا الرجل االكبير عليه، وكان ذلك قدرا من الله مقدورا، ولله عاقبة الأمور. قذف الله في قلب هذا الأمير الموفق حبه وتصديقه واستجابته لما دعاه إليه من دعوته، فبايعه على أن ينصره نصرا مؤزرا، ويعز الإسلام ويحميه، ويعيد إليه رونقه وجلاله وقوته الفاعلة في (جزيرة العرب) تحت (راية القرآن) . وأنشأ الله على يده قيام الدولة العربية الإسلامية التوحيدية في (جزيرة العرب) بعد غياب عنها دام أكثر من ألف عام، وذلك لتعود (جزيرة العرب) كما بدأت مركز إشعاع على

стр. 41

العالم، ولبقى الملك في عقب هذا القائد المؤمن الصادق إمام بعد إمام، ما لزموا منهج الإسلام الصحيح، وأعدّوا ما استطاعوا من قوة، وبروا واتقوا وصلحوا، وأصلحوا، وصاروا وصار العرب والمسلمون معهم يدا واحدة. وفي هذا بلاغ، ولله يفعل ما يشاء. لقد كان التقاء (محمد بن عبد الوهاب) بـ (محمد بن سعود) توفيق قدر لقدر، ولأمر أراد الله إنفاذه على يديهما معا، ولست أدري أكان يتم لـ (محمد بن عبد الوهاب) أمره لو لم ينهض (محمد بن سعود) لبيعته ونصره؟ وكذلك ما كان يكون من رفعة الشأن لمحمد بن سعود وعقبة لو رفض دعوة (محمد بن عبد الوهاب) ، ولبث حيث هو أمير على قرية؟ بل ما كان يكون عليه (جزيرة العرب) وأقدار (العرب) لو بقيت على عزلتها وغطيطها في نومها الطويل قبل صرخة (محمد بن عبد الوهاب) ؟. عقلان كبيران التقيا، وقلبان صافيان اتحدا وروحان قويان تحابا وامتزجا، فأتيا بالعجب العجاب! ولنترك أحداث التاريخ لكتب التاريخ، ولننظر إليها بعين الخيال يطوف على مسارح الجزيرة لتشاهد مواكب التوحيد

стр. 42

موكبا إثر موكب، ترفرف عليه راية القرآن، وتحدوها أهازيج النصر بكلمة الله العليا: "لا إله إلا الله، والله أكبر" فيتلفت الدهر، ويهتز الثرى، وتردد الصدى السماء، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، فقد صدق الله وعده، وأيّد جنده، ونصر حزبه، وحزب الله هم المنصورون. وتطبق الأجفان على هذه المواكب، لتحفظ صورها الروائع في سواد العين، وهي مواكب خوالد، لا تبرح ذاكرة التاريخ. نظمها جهاد هذين العربيين المسلمين العظيمين ملاحم كالشعر، ترينا أكبر نقلة في هذا العصر الحديث من الخرافة إلى الحقيقة، ومن التفرق إلى التوحد، ومن الجمود إلى الحركة، ومن الانطواء إلى الانتشار، ومن الانغلاق إلى الانفتاح. وليكن هذا الشأن العرب والمسلمين إلى الأبد، إذا شاؤوا أن يحيوا سادة في أوطانهم، أحرارا أعزة. لقد ظلت هذه الملاحم الخوالد إلى هذه الساعة دون أن تنال حظا من التصوير البارع، فهي تستشرف القلم الصناع يرسم واقعها الخيالي وخيالها الواقعي، ويجسد مواكبها ومعانيها في ألواح من النثر الفني البياني الرفيع والشعر "الشاعر" العبقري الأصيل، تحدث البهجة في النفوس، وتهيج العزائم للاقتداء.

стр. 43

فهل من فتى نابغ من أنباء الجزيرة المتميزة، أم البطولات والعطاء ومصدر الفصاحة والبيان، يعد مواهبه لهذا الخير، ويصور جلال هذه العبقريات التي أطلت بها على الدنيا في هذا العصر الحديث؟ إني لأطمع ولا أقطع الرجاء. إن (محمد بن عبد الوهاب) لم يعرف على حقيقته بفكره الكوني وآفاقه ومعناه ... إنه من معنى الإسلام كبير وكريم، والمعنى الكبير إنما يحمله إلى العقول البيان الرفيع، فهل حمل روح الإسلام وجماله إلى أمم الأرض من كل جنس ولون، غير الإعجاز البياني في كتاب الله والسنة الصحيحة المطهرة؟. نضر الله وجه (محمد بن عبد الوهاب) ... ما أبهاه بين وجوه المصلحين المجددين الأفذاذ! وما أجل جهاده في الله، وأكرم دعوته إلى الله..إلى الصراط المستقيم! ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ . محمد بهجة الأثري.