← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

لا أقول لكم هذا تهويلًا، ولكن أقوله ترويضًا، ومن وطّن نفسه على المكروه هانت عليه الشدائد، ووجد كل شيء ضاحكًا باسمًا جميلًا محبولًا. ومن تخيّل الراحة وحكم أخيلتها في نفسه، ثم كذبته الآمال كان بين عذابين، أمضّهما كذب المخيلة. يا أبنائي! إن الزمن قد وضعكم وضعًا صيّركم جديرين بأن تطلبوا العلم لوجه الله، ولوجه العلم، لا للوظائف ولا للشهادات. تطلبون الوظائف في تونس، فيحول بينكم وبينها نظام الاحتكار، وتطلبونها في الجزائر فتمنعكم منها سياسة الاستعمار! وربّ ضارّة نافعة! إذا كانت السياسة الاستعمارية تجعل منكم جزائريين في تونس، ثم تجعل منكم تونسيين في الجزائر، فاطغوا عليها بقوة الإرادة، وبقوة العلم، وبقوة الشباب؛ وكونوا وسطًا عامرًا لا تظهر فيه الجزائرية ولا التونسية، ولا تفترق فيه الأنساب، وإنما تجمعكم فيه العروبة والإسلام، ووطنيتهما العامة؛ وإن هذا الوسط هو الذي يسود في المستقبل القريب، وهو الذي تمحى معه الخطوط الجغرافية، والحدود الوهمية. لا تستشعروا الغربة فأنتم في وطنكم وبين أهليكم، وفي وطنكم الجامع. وإن دم الجيل ومزاجه ليتعاطفان بالإلهام، فاجروا على إلهام الخير مع إخوانكم الشبان تَنْمُ المحبة وتقوَ بواعث الخير. إن في تونس تيارات مختلفة اقتضتها مقتضيات زمانية ومكانية خاصة، فإياكم أن تنغمسوا فيها، أو تكونوا في جانب دون جانب. وإذا دعاكم منها داع فاعتصموا بالعلم الذي هاجرتم لأجله، وبالمعهد الجليل الذي تذوب بين جدرانه جميع الاعتبارات.

стр. 1087

اللغة العربية في الجزائر عقيلة حرّة، ليس لها ضرّة * ــ اللغة العربية في القطر الجزائري ليست غريبةً ولا دخيلة، بل هي في دارها، وبين حماتها وأنصارها، وهي ممتدة الجذور مع الماضي، مشتدة الأواخي مع الحاضر، طويلة الأفنان في المستقبل، ممتدة مع الماضي لأنها دخلتْ هذا الوطن مع الإسلام على ألسنة الفاتحين ترحلَ برحيلهم وتقيم بإقامتهم. فلما أقام الإسلامُ بهذا الشمال الأفريقي إقامةَ الأبد وضربَ بجرانه فيه أقامتْ معه العربية لا تريم ولا تبرَح، ما دام الإسلام مقيمًا لا يتزحزح، ومن ذلك الحين بدأت تتغلغل في النفوس، وتنساغ في الألسنة واللهوات، وتنساب بين الشفاه والأفواه. يريدها طيبًا وعذوبة أن القرآن بها يُتلى، وأن الصلوات بها تبدأ وتُختم، فما مضى عليها جيل أو جيلان حتى اتسعتْ دائرتها، وخالطت الحواس والشواعر، وجاوزت الإبانة عن الدين إلى الإبانة عن الدنيا، فأصبحت لغة دين ودنيا معًا، وجاء دور القلم والتدوين فدوّنت بها علوم الإسلام وآدابه وفلسفته وروحانيته، وعرف البربر على طريقها ما لم يكونوا يعرفون، وسعتْ إليها حكمة يونان، تستجديها البيان، وتستعديها على الزمان، فأجدت وأعْدت. وطار إلى البربر منها قبس لم تكن لتطيره لغة الرومان، وزاحمت البربرية على ألسنة البربر فغلبتْ وبزت، وسلّطت سحرها على النفوس البربرية فأحالتها عربية، كل ذلك باختيار لا أثر فيه للجبر، واقتناع لا يد فيه للقهر، وديمقراطية لا شبح فيها للاستعمار. وكذَب وفجَر كل من يسمّي الفتح الإسلامي استعمارًا. وإنما هو راحة من الهم الناصب، ورحمة من العذاب الواصب، وإنصاف للبربر من الجوْر الروماني البغيض. من قال إن البربر دخلوا في الإسلام طوعًا فقد لزمه القول بأنهم قبلوا العربية عفوًا، لأنهما شيئان متلازمان حقيقة وواقعًا، لا يمكن الفصل بينهما، ومحاول الفصل بينهما كمحاول الفصل بين الفرقدين.

стр. 1088

ومن شهد أن البربرية ما زالت قائمة الذات في بعض الجهات، فقد شهد للعربية بحسن الجوار، وشهد للإسلام بالعدل والإحسان، إذ لو كان الإسلام دين جبرية وتسلط لمَحا البربرية في بعض قرن فإن تسامح ففي قرن. إذا رضي البربري لنفسه الإسلام طوعًا بلا إكراه، ورضي للسانه العربية عفوًا بلا استكراه، فأضيعُ شيء ما تقول العواذل، واللغة البربرية إذا تنازلت عن موضعها من ألسنة ذويها للعربية لأنها لسان العلم وآلة المصلحة، فإن كل ما يزعمه المبطلون بعد ذلك فضول. إن العربي الفاتح لهذا الوطن جاء بالإسلام ومعه العدل، وجاء بالعربية ومعها العلم، فالعدل هو الذي أخضع البربر للعرب، ولكنه خضوع الأخوة، لا خضوع القوة، وتسليم الاحترام، لا تسليم الاجترام. والعلم هو الذي طوّع البربرية للعربية، ولكنه تطويع البهرج للجيدة، لا طاعة الأمَة للسيدة. لتلك الروحانية في الإسلام، ولذلك الجمال في اللغة العربية، أصبح الإسلام في عهد قريب صبغة الوطن التي لا تنصُل ولا تحول. وأصبحت العربية عقيلةً حرّة، ليس لها بهذا الوطن ضرّة. ... ما هذه النغمة الناشزة التي تصك الأسماعَ حينًا بعد حين، والتي لا تظهر إلا في نوبات من جنون الاستعمار؟ ما هذه النغمة السمجة التي ارتفعت قبل سنين في راديو الجزائر بإذاعة الأغاني القبايلية. وإذاعة الأخبار باللسان القبايلي (١). ثم ارتفعت قبل أسابيع من قاعة المجلس الجزائري بلزوم مترجم للقبايلية في مقابلة مترجم للعربية؟ أكل هذا إنصاف للقبايلية، وإكرام لأهلها، واعتراف بحقها في الحياة، وبأصالتها في الوطن؟ كلا. إنه تدجيل سياسي على طائفة من هذه الأمّة، ومكر استعماري بطائفة أخرى، وتفرقة شنيعة بينهما، وسخرية عميقة بهما. إن هاتين النغمتين وما جرى مجراهما هي حداء الاستعمار بالقوافل السائرة على غير هدى، لتزداد إمعانًا في الفيافي الطامسة، فحذار أن يطرب لها أحد. وإن النغمتين من آلة

стр. 1089

واحدة مشوّشة الدساتين، مضطربة الأوتار، ومغزاهما واحد، وهو إسكات نغمة أخرى تنطق بالحق وتقول: إن هذا الوطن عربي، فيجب أن تكون لغته العربية رسمية. فجاءت تلك النغمات الشاذّة ردًّا على هذه النغمة المطردة، ونقضًا لها وتشويشًا عليها، ولتُلقي في الأذهان أن هذا الوطن مجموع أجناس ولغات لا ترجحُ إحداهن على الأخرى، فلا تستحق إحداهن أن تكون رسمية. لا يوجد قبائلي يسكن الحواضر إلا وهو يفهم عن الفرنسية. ولا يوجد في "قبائل" القرى - وهم السواد الأعظم- إلا قليل ممن لا يحسن إلا القبايلية، ولكن ذلك السواد الأعظم لا يملك جهاز راديو واحدًا لأنهم محرومون من النور الكهربائي كما هم محرومون من نور العلم، وكل ذلك من فضل الاستعمار عليهم. فما معنى التدجيل على القبائل بلغتهم؟ ولا يوجد عضو قبايلي في المجلس الجزائريّ إلا وهو يحسن الفرنسية، فما معنى اقتراح مترجم للقبايلية؟ أما نحن فقد فهمنا المعنى. وأما الحقيقة فهي أن الوطن عربي. وأن القبائل مسلمون عرب، كتابهم القرآن يقرأونه بالعربية، ولا يرضَون بدينهم ولا بلغته بديلًا. ولكن الظالمين لا يعقلون.

стр. 1090

حقائق * أقربُ الأعمال إلى التمام والنفع والإثمار ما بني منها على التجربة الاستقرائية الممحّصة، ومن بنى عمله على غير هذه القاعدة فهو مخادع أو مخدوع، وهذا زمن "اجتماعي" لا يؤمن للفردية بوجود، ولا يخضع لها في حكم، ولا يعوّل عليها في عمل، وقد انتقلت فيه الأعمال العامة من أيدي الأفراد إلى أيدي الجماعات والجمعيات، فازدادت تلك القاعدة تمكنًا وتأكّدًا؛ ووجب على الجماعات العاملة أن تراعيها في أعمالها حتى لا تفشل وتخيب؛ وإن فشل الأفراد أهون وأبعد عن ردّ الفعل من فشل الجماعات. من أراد أن يخدم هذه الأمّ فليقرأها كما يقرأ الكتاب وليدرسها كما يدرس الحقائق العلمية. فإذا استقام له ذلك استقام له العمل، وأمن الخطأ فيه، وضمن النجاح والتمام له؛ فإن تصدّى لأيّ عمل يمسّ الأمّة من غير درس لاتجاهها ولا معرفة بدرجة استعدادها كان حظه الفشل. وأنا رجل ممن هيّأتهم الأقدار لخدمة هذه الأمّة في نواح دقيقة شريفة لا يقبل فيها الزيف، ولا يتسمح فيها مع الباطل؛ من هذه النواحي ما هو أمانة تؤدّى بلا تصرّف، وما علينا إلا أن نقول ونُبلغ، وما على الأمّة إلا أن تسمع وتطيع؛ وهذا هو الدين في سلطانه الأعلى، ومنها ما يقتضي المسايرةَ والمجاراةَ لاستعداد الأمّة، وهذا هو الجانب الاجتماعي، ومنه التعليم. فأزعم أنني جرّبت ودرست، وأنني قرأت هذه الأمّة وفهمتها كما أقرأ الكتاب وأفهمه، وما هذا ببعيد ولا كثير على من خدم أمّةً ولابسها عشرات السنين معلّمًا مدرّسًا واعظًا خطيبًا، محاضرًا ينتزع مواضيعَ محاضراته من وجوه الجمهور قبل أعمالهم؛ وقد خرجتُ من

стр. 1091

هذه الدراسة الطويلة بنتائج جليلة يجب أن تدوّن وأن تكون دستورًا للعاملين، ولست بصدد تدوينها هنا، وإنما أسجل واحدة هي بسبيل مما نحن فيه؛ وهي أن هذه الأمّة أصبحت كالتاجر الحذر من تقلب الأسواق، لا يصارف إلا يدًا بيد؛ ومرجع ذلك فيها إلى أسباب معقولة، فقد ألحّ عليها الدجّالون باسم الدين قرونًا، وراضوها على أن تعطيَ ولا تأخذ، ولا تسأل لماذا؛ حتى قامت حركة الإصلاح الديني واكتسحت التخريف فحرّرت الأمّة من أولئك الدجّالين؛ ثم ظهر في الميدان دجّالون في صورة أخرى وباسم آخر وهو السياسة؛ والصنفان يلتقيان في نقطة، وهي أن بضاعتهما وعود غرارة، وبروق كاذبة، وخيالات لا حقيقة لها، وأماني لم تسلك لها وسائلها. ومقدّماتٌ لم تربط بها نتائجها؛ لا إصلاح لما فسد من الأخلاق، ولا تقوية لما ارتخى من عرى الأخوّة، ولا بناءٌ لكيان الأمّة بالتربية الصالحة والتعليم النافع؛ ويلتقيان أيضًا في نقطة أخرى وهي محاربة العلم ورجاله، ومقاومة التعليم بجميع أنواعه؛ والباعث للفريقين على هذا واضح، وهو أن العلم نور، وهم يعملون في الظلام، والعلم إيقاظ للأمّة، وهم يريدون بقاءها في النوم لينالوا منها ما يريدون؛ وقد فات كلًّا من الفريقين أن الإلحاح على الفريسة يخلق منها مفترسًا، وأن كثرة الوخز تثير الإحساس الكامن؛ وقد أصبحت هذه الأمّة على كثرة الوخز حسّاسةً مهتاجةً لا تصدّق إلا بالواقع، ولا تؤمن إلا بالمحسوس لما ألحّ عليها التدجيل الذي يعد ولا ينجز، والدجّالون الذين يأخذون ولا يعطون؛ وإن هذا الخلق ليزداد فيها تمكّنًا على الأيام؛ وسينتهي بها إلى أن تصفّي حسابها مع من لم يصفِّ حسابه معها، ولا يغترّ المغترّون بهذه الظواهر الهادئة، فما هي إلا أواخر فورة، وأوائل ثورة، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.

стр. 1092

بوركت يا دار * نصّ القصيدة التي ألقاها الشاعر أحمد سحنون في حفلة افتتاح دار العلماء (المركز العام) ــ بوركت يا دارُ، لا حلّتك أكدار ... فأنتِ معقل جند العلم يا دار قد كنت حلمًا جميلًا رفّ طائره ... بالوهم، حتى اجتلتك اليوم أنظار قد كنت واجبَ شعب هبّ مندفعًا ... كالسيل، تحدوه للأوطان أوطار قد كنت حاجةَ نفس للعلا طمحت ... فحقّقت حاجة في النفس أقدار قد كنت فكرةَ بناء لأمّته ... واليوم أنت بناءٌ ليس ينهار وهكذا العزم لا تثنيه عاديةٌ ... عن المضيّ ولا يطفيه إعصار عزمُ "البشير" (١) أحال العجزَ عاصفة ... والعزمُ كالسيف للأخطار بتار "جمعيةُ العلماء" اليومَ إن طفرَت ... نشوى فكم نالها من قبلُ أكدار قد هزّها من وناها واستقلّ بها ... نسرٌ تعوّد خوضَ الجوّ جبّار فاليومَ نستقبل الدنيا بأفئدة ... شعّتْ بها من أماني المجد أنوار واليوم نهتف بالبشرى مردّدةً ... نشيدَها الحلوَ أرجاءٌ وأقطار واليوم نفرغ للأعمال في ثقة ... والكل للكل أعوانٌ وأنصار نمضي لتحقيق غايات مقدّسة ... فيها يحاربنا باغ وغدّار سلاحنا الحق، والإيمانُ قائدنا ... وجندنا الصبر لا يعروه إدبار "جمعيةُ العلماء" اليوم قد وجدتْ ... اداتها، فلتسرْ لم تبقَ أعذار فجرُ الحياة بدا في الأفق مؤتلقًا ... تهفو قلوبٌ لمرآه وأبصار يا دارُ فيك جمال الفن قد ظهرت ... آياته، كل جزء فيه آثار وشى مبانيك ذوق من بنيك سما ... كما توشي حواشي الروض أزهار

стр. 1093

يا دارُ يهنيك ما تجنيه من ثمر... فيك البلادُ، وللأعمال أثمار يا دار فيك تعيد الضادُ عزّتها ... وكل قلب به للضاد إكبار وفيك يبعثُ ماض طالما حييت ... على مآتيه أجيال وأعصار وتستعاد "عكاظ" فيك ثانيةً ... بها تدوّي أناشيدٌ وأشعار تفديك دُورٌ لغير الهدم ما بنيت ... بل تفتديك من الأسواء أعمار يفديك جيرانُ سوء منك أكمدَهم ... جيشٌ عتيدٌ من الأحرار جرّار غصّوا بهم حنقًا عنهم، ولا عجب ... ليسوا بأول جيران لنا جاروا يا فتيةَ الضاد حان الوقت فاطرحوا ... هذا الونى وانهضوا، فالناس قد طاروا سيروا على نهج آباء لكم سلفوا ... فإنهم في طريق المجد قد ساروا شقّوا الزحامَ إلى العلياء واقتحموا ... أخطارَها، إنما العلياءُ أخطار اسعوا لتحيوا حياة العز، أو فَرِدُوا ... حوضَ الردى، فالردى يُمحى به العار أرواحُ آبائكم في الخلد قد هتفت:... تحرّروا، فجميع الناس أحرار

стр. 1094

المعهد الباديسي * فتح المعهد الباديسي في الشهر الماضي أبوابه، واستقبل بالبِشر والترحيب مدرّسيه وطلّابه، ومدّته شعاب القطر بسيل من التلاميذ ملأ رحابه. تعرف في وجوههم الرغبة في العلم والأمل في تحصيله، وتستبين من صغر الأسنان، وطراوة الأفنان، وتباعد الديار، أن وراءهم نفوسًا من الآباء والأمهات نذرتهم للعلم وقرّبتهم له، وتحملت ألم البعد والغربة، في سبيل هذه القربة. كأن تلامذة السنة الماضية أذّنوا في جهات القطر أذانًا عاليًا، ونادَوا في جنباته نداء متواليًا: حيّ على المعهد، حيّ على خير العمل، فتلاحق المدد، وتضاعف العدد، وكأن فترة الصيف كانت كلها تهيئةً وإعدادًا لم تقرأ إدارة المعهد حسابه، حتى فاض عليها السيل؛ والمتتبع لهذه النهضة العلمية التي هبّت ريحها عاتيةً في القطر الجزائري، يحسن به أن يؤرّخ لأطوارها بهذه الفواصل الزمنية التي يسبقها الفتور، وتصحبها الحرارة، ويعقبها النشاط؛ فالمدارس تتزايد في كل سنة، وتلامذة المعهد يتزايدون في كل سنة. فالنهضة العلمية إلى امتداد، وعمل العاملين لها إلى نجاح إن شاء الله. بدأ المعهد في سنته الأولى على خلاف ما تبدأ به مشاريعنا، قويًّا جيّاشًا بالحركة والنشاط، ولكنه نشاط من جهة واحدة، من المدير والمدرّسين، ولم يبدُ النشاط من الجهة الثانية، جهة التلامذة، إلا في النصف الأخير من السنة الدراسية حين فهموا ما قرأوا، وبدأوا يهضمون ما فهموا، على تفاوت أسنانهم، وحين سيقوا بالحزم والكياسة إلى الانسجام في المظاهر، والاستقامة في الأخلاق، حتى تمّت السنة، وجاء الامتحان بأحسن النتائج التي شهدها كل محتك بالمعهد، متصل بأسبابه. ووفتْ هيئة الإدارة والتدريس بما نذرتْ، ففازت بالريع الزكيّ مما بذَرتْ.

стр. 1095

أما في هذه السنة فقد غمر النشاط المدرّسين والتلامذة، وبدأت الحركة مملوءة بالحياة والنشاط، وسرَت العدوى من القدماء إلى الجدد. وأصبح النشاط والنظام سمةً ثابتة للمعهد، يؤخذ بها كل من اتصل به، وكان الإقبالُ عظيمًا مع تضييق الإدارة في شروط الالتحاق، فتلقّت لجنة القبول ثمانمائة طلب في شهر سبتمبر وحده. وامتازت هذه السنة الثانية بالميزات الآتية: ١ - زيادة عدد المقبولين بضعف ما كانوا في السنة الماضية، إذ بلغ عددهم ستمائة تلميذ. ٢ - إنشاء السنة الرابعة التي يحصل التلميذ في نهايتها على الشهادة الأهلية. ٣ - زيادة ثلاثة مدرّسين أكفياء، وهم المشايخ عبد القادر الياجوري، وعبد اللطيف القنطري، وعبد الرحمن شيبان. والثلاثة محرزون لشهادة التحصيل من الكلية الزيتونية. وما زال المعهد في حاجة إلى ثلاثة آخرين. ٤ - تحسين برنامج الرياضيات وعلوم الحياة بإسناد تعليمها إلى مدرّسين أكفياء مثقفين بالثقافتين. ٥ - تحسينات واسعة ذات أثر في النظامين الداخلي والدراسي. ٦ - تشديد المراقبة على التلاميذ في الناحية الأخلاقية، ولا نبالغ إذا قلنا: إن التربية الفاضلة هي الغرّة اللائحة في جبين المعهد الباديسي، وهي الميزة التي يمتاز بها على جميع معاهدنا من أعلاها إلى أدناها، ولو تكاملت وسائلها- ومنها توحيد السكنى- لأخرج المعهدُ في بضع سنين للأمّة الجزائرية جيلًا مسلّحًا بالفضائل، زعيمًا بإحياء الدين والدنيا، ولقدَّم لجامع الزيتونة نموذجًا من خرّيجي السنة الرابعة يجمع بين حياة الفكر ومتانة الخلق. ٧ - اشتراء ثلاث بنايات حبسًا على المعهد، اثنتين منها لسكنى المشايخ المتأهّلين، وواحدة لسكنى الطلبة، وهي تسع مائة وستين طالبًا. وقد بلغت قيمة جميعهن شراءً وإصلاحًا أحد عشر مليونًا من الفرنكات. ... هذه الميزات هي الخطوات الواسعة التي تقدّم بها المعهد إلى الأمام في هذه السنة، وهي خطوات جريئة حازمة، لا يقوم بها إلا جريء حازم مثل جمعية العلماء، ولولا ثقة الأمّة بجمعية العلماء، وثقة جمعية العلماء بنفسها وبأمانتها، ما أقدمت على هذه العظائم، في مثل هذه الظروف العصيبة. وما أقدمها على هذه المخاطر إلا أمر خطير، وهو إسكان الطلبة، فقد

стр. 1096

لقيت إدارة المعهد ولجانه العناءَ المضني في حل مشكلة الإسكان، وبذلت الغالي من الجهد والوقت والمال، فلم تجد من الأماكن ما يكفي، ولم تجد في الموجود ما يشرّف المعهد والعلم، وما زالت مشكلة المساكن قائمة تتطلب حلّها. ومحالٌ أن تحلّ إلا ببناء حيّ كامل للطلبة، يحمل اسمهم، ويتّسم بسيماهم؛ وما ذلك على الأمّة الجزائرية بعسير، وما هو في جنب المعهد الجليل بكثير، وإن لجمعية العلماء لأملًا يلوح من خلال المستقبل، تعتمد على الله وعلى الأمّة في تحقيقه، وإن في نفسها لصورةً كاملة للمعهد، سيبرزها للوجود اطّراد النهضة، وعزيمة الجمعية، وهمّة الأمّة، وثقتها المتينة بالجمعية. ... ومن شأن النهضات إذا استحكمت أسبابها في الأمم، وقويت دواعيها من إلحاح الزمان، وحفز الضرورة، أن تظهر متساوقةً في الأسباب والمسبّبات. غير أن الناظر إلى نهضتنا نظرة استبصار، يرى فيها نشوزًا في بعض جوانبها؛ فإن هذا الإقبال الذي نشاهده من أمّتنا على العلم لا يقابله إقبال آخر على البذل يكافئه ويقوم به؛ وهذه هي علة العلل في ما تعانيه مشاريعنا العلمية من ضيق ورهق، والحقيقة الواقعية هي أن مشاريعنا قائمة في الجانب المالي على الفقراء ومتوسطي الحال. أما الأغنياء- إلا من رحم ربّك- فلم يقوموا بما يجب للنهضة من بذل إلا بمثل ما يقوم به الفقراء أو بقريب من منزلتهم. وإلى هؤلاء المتقاعسين عن البذل، المتصامّين عن العذل، نرسلها صيحة إنذار، ليس معها إعذار، ونقول لهم: إن كل ما يصيب هذه الحركة المباركة من شلل، أو يعتريها من خلل، فأنتم المسؤولون عنه عند الله وعند الناس، فلتنفقوا مما جعلكم الله مستخلفين فيه، ولتعلموا أن كل ما تنفقونه في هذا السبيل يعلي ذكركَم، ويزكّي أموالكم، ويعود عليكم وعلى أمّتكم بالنفع، وإن قبض الأيدي عن الإعانة مسبّة، وسوء مغبّة، وأن مقادير الأموال هي أقدار الرجال، و"أن الأكثرين هم الأقلّون يوم القيامة إلا من قال هاء وهاء" كما جاء في الحديث الصحيح. أما الفقراء والمتوسطون فقد أبلوا، وأما قادة الحركة فقد شادوا وأعلوا، وأما أمثالكم فقد جاءوا بالوشل، وأما المثبطون فقد باءوا بالفشل، وأما القافلة فهي تسير، فيها المعيي وليس فيها الكسير. ... أما قيمة المعهد المعنوية عند الأمّة فهي القيمة الغالية، وأما منزلته فهي المنزلة العالية، وأما الثقة به فهي المثل الشرود، والزرد المسرود، إلا فئةً عُرفت بسيماها، إذ أضلّها الله وأعماها، جرت من الخبث على نسق، وسرَتْ من الجهل في غسق. تحارب الله ورسوله

стр. 1097

وكتابه، وتعادي العربية والعلم والتعليم، وتهدم دعائم الوطنية باسمها، وتتبع في ذلك كله ما يلقي الشيطان وأولياؤه وعابدوه ... هذه الفئة هي التي تحارب المعهد، وقبله حاربت المدارس والتعليم وزهدت فيهما، وقبل ذلك حاربت الدين وقلّلت من شأنه ... وهذه الفئة هي التي تشيع قالة السوء فيه، وقبل ذلك أشاعتها في مؤسسيه وفي من يتشرف باسمه، فما باءت إلا بالخذلان والخسران ... هذه الفئة التي لم تجد في الجزائر من يستمعُ لوساوسها، وينقاد لدسائسها، فشحنت بضاعتها الكاسدة إلى تونس ونشرت في بعض جرائدها المريضة بداء هذه الفتنة، والتي لا تتحفظ في رواية، ولا تتثبت في خبر، أن المعهد الباديسي يحاسب التلامذة على أفكارهم ... وكل هذا افتراء وزور وبهتان عظيم، وإن المعهد ليربّي أبناءه على حرية الفكر في حدودها، وعلى حرية القول ما لم تصل إلى الدركة التي عليها هذه الفئة العابدة للشيطان. وتربّيهم على الوطنية الحقيقية التي تستند على الدين والعلم والفضيلة، لا على الوطنية الزائفة، وطنية التزوير والتضليل، والتزمير والتطبيل. وقبل وبعد، فللمعهد نظامه الصارم في تربية أبنائه على الدين وفضائله، وليخسأ كل أفاك أثيم. ومن خسّة هذه الفئة ونذالتها أنها أرصدت رجالًا منها متجرّدين من العقل والدين، وأجرتْ لهم أجرًا معلومًا ليجوبوا أزقة قسنطينة ويختلفوا إلى مقاهيها ويختلطوا بطلبة المعهد، ليفتنوهم عن العلم، ويصدّوهم عن سبيله، ويزيّنوا لهم الجهل والبطالة ... إن الاستعمار- وهو العدو اللدود للعربية والدين وتعليمهما- لم يبلغ في حربها ما بلغته هذه الفئة العابدة للشيطان. ومن يدري؛ فلعلّ هذه الفئة بعضُ أسلحته. وما لنا نرتاب؟ فهم أمضى أسلحته ... ... ويمينًا بالذي طهر المعهد، وأنزل في كتابه ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ﴾، لنقطعنّ من هذه الفتنة دابرَها، ولنقعن من هذه الفئة مقيمها وعابرَها ...

стр. 1098

التعليم العربي والحكومة * - ١ - كلُّ الوسائل التي تتذرعّ بها حكومة الجزائر لمقاومة التعليم العربي هي: إما قوانين أصدرها مجلس الأمّة في فرنسا في أوقات مختلفة، ولأسباب متنوّعة، وإما قرارات إدارية فردية، مصدرها الجزائر، ومبناها على إيعازات بوليسية، توجبها الروح الاستعمارية، والنوع الأول غالبه عام مطلق، يشمل كل تعليم حرّ لم تباشره الحكومة، بأية لغة كان، ومن أية جمعية صدر، والثاني خاص بنا معشر المسلمين، مصبوبٌ علينا وحدَنا، موضوع بالقصد المباشر للتضييق على لغتنا وديننا، وقد كثر هذا النوع وتوالد، حتى أصبح بعضه ينسي بعضه عند المنفذين، مع اجتهادهم وحرصهم، وكلما زادت الأمّة إقبالًا على تعلّم لغتها ودينها، زادت الحكومة في القيد تضييقًا، حتى لو أنها نفّذت تلك القرارات بحذافيرها لما بقي في الجزائر من يكتب حرف هجاء عربيًّا، ولكنها تضع القرارات وتسكت، لتكون عند تنفيذها قديمة عتيقة، ومن (صنع الأوائل)؛ والعتق أصل من أصول الحسن والاستكرام، وصنع الأوائل موضع للاعتبار والاحترام. كلا النوعين شرٌّ على التعليم العربي وبلاء وإرهاق وتضييق، أما القرارات فإنها لم توضع إلا لذاك. ولم تركب موادّها إلا للإهلاك، لأنها صادرة عن نفوس متشبعة بالاستعمار القاتم، حتى إن الدولة المؤقتة التي تشكلت بالجزائر سنة ١٩٤٣ لم تنسنا- وهي في أشدّ أوقاتها ضيقًا وحرجًا- فزادت في حبل تلك القرارات طاقة، ليس للمدارس بها طاقة، وأما القوانين فإن شارعها وواضعها لم يراع فيها وضعية الأمّة الجزائرية ولا موضع تعليم العربية من دينها، ولا نشكّ في أنه لم يتصوّر ذلك في ذهنه، ولم يخطر له على بال، وإنما لاحظ حين الوضع- شأن المشرعين وواضعي القوانين- الحالة الغالبة، وهي حالة أمّته الفرنسية،

стр. 1099

لاحظ تعليمًا حرًّا في أمّة حرّة، ذات حقوق مقرّرة، وقوانين محترمة، وحرية للفرد والجماعة مكفولة. فإذا وسّع فذلك ما تقتضيه الحرية، وإذا ضيّق فلأن التعليم الحرّ في نظره يعدّ افتياتًا على الحكومة التي تكفّلت بالتعليم قبل الخبز والماء؛ والأمّة الفرنسية لا تحتاج إلى هذا النوع الذي نسمّيه التعليم الحرّ، أو التعليم الشعبي، لا سيّما في قسمه الابتدائي؛ لأن التعليم عندها إجباري إلزامي للذكور والإناث، وتقوم به الحكومة مجانًا، فما حاجتها إلى جمعية أو مكتب للتعليم الابتدائي؟ ولم يبقَ خارجًا عن دائرة الإلزام والوجوب إلا التعليم الديني، والتعليم الثانوي والعالي؛ والنوعان الأخيران لا يتناولهما قانون، لأن طلابهما كبار وأحرار؛ والنوع الأول تمارسه الهيئات الدينية أو الكنائسية. وهو الذي يمكن أن يمسّه القانون اللائكي بالتضييق، ولكننا نرى الحكومات هنا وفي فرنسا تعطف عليه، وتعينه أدبيًّا بالتسهيل والتيسير، وماديًّا بالمال والهبات العقارية، وأنف اللائكية راغم. أما إن جاوز هذا التعليم البحر للتبشير والتنصير، فالحكومة الجزائرية تصبح له هي المولى وهي النصير. أما نحن فإن حالتنا تناقض حالة الأمّة الفرنسية مناقضةً تامة في جميع تلك الخصائص التي لاحظها مشرّع تلك القوانين وبنى عليها أحكامه؛ ديننا مخالف لدينها، تعلّمًا وعلمًا وعملًا، ولساننا مخالف للسانها، وضعًا ونطقًا وكتابة، وطبيعتنا العامة مخالفة لطبيعتها، وأوضاعنا مباينة لأوضاعها، وليست لنا حقوق مقرّرة، ولا نساس بقوانين قارّة، وليست لنا حرية في الحياة مكفولة، ولا تعليم إلزامي. وللمتحكمين فينا قصد مصمّم في القضاء على ديننا ولغتنا، وفي بقائنا على الجهل والأميّة، وفي حرماننا من جميع أنواع العلم الذي مفتاحه التعليم، بدليل أن الحكومة الاستعمارية لم تشأ- ولا أقول لم تستطع- أن تعلم منا في قرن وخمس قرن تعليمًا ابتدائيًّا أبتر إلا أقل من العشر ممن هم في سن التعليم، ولم تشأ أن تخلط أبناءها بأبنائنا فيه، لتقيم الدليل الواضح الفاضح على أن تعليمها لأبنائنا تعليم ناقص. إذا كانت تلك حالتهم، وهذه حالتنا، وهذه مسافة التباين بيننا وبينهم، فكيف يصحّ عند العقلاء أن يجري علينا في التعليم الحرّ قانون واحد، وهو عندهم نافلة، وهو عندنا من أوكد الفروض؟ وكيف يراد منا أن نذعن لذلك القانون الذي لم نخطر- بوضعيتنا الشاذة- على بال شارعه؟ وكيف تلزمنا هذه الحكومة الاستعمارية بأن نبني أمرًا على غير مضارعه؟ وبأية وسيلة نتوسل إلى تعليم أبنائنا دينهم الحافظ لأخلاقهم، ولغتهم الحافظة لدينهم؟ إذا لم نعتمد على جهودنا الخاصة، وعلى ما هدانا إليه العصر من نظم وجمعيات. وافرضْ أن رجلًا فرنسيًّا فتح مكتبًا حرًّا للتعليم الابتدائي، فهل تظن أن الحكومة تعارض أو تعاكس أو تعطّل، أو تعامله بأقل من القليل مما تعاملنا به؟ تقول الحكومة- هنا- إن الفرنسي مهذّب لا يدوس القانون، ومنها طلب الرخصة، ولا يأنف منها كما تأنفون. ونقول نحن هنا: لا لا. ولكن الفرنسي حرّ عزيز لا يستطيع (كوميسير) أن ينهره، ولا بوليس أن

стр. 1100

يقهره، ولا حاكم أن يحتقره، ولا هم جميعًا أن يماطلوه أو يعطلوه. فإذا طلب الرخصة صباحًا فإنه يعطاها مساءً، أما المسلم فإنه يقدّم طلب الرخصة إلى أصغر مكلّف فيدخل به في بحر من الإجراءات لا ساحل له، حتى يفرغ جيبه، وتحفى قدماه، ويكل ذهنه، زيادة على السخرية والاحتقار. فإذا قدّر لذلك الطلب أن يخرج من مكتب الصغير إلى مكتب الكبير، تجدّدت الإجراءات، وتعدّدت التحرّيات، وكثرت المراجعات، وانفتح للصغير باب الاعتذار، واتسع للطالب أفق الانتظار، حتى يمل وييأس؛ والمحظوظ هو الذي يحصل على الرخصة في سنة؛ وما المحظوظ إلا من قامت الشواهد على إخلاصه للحكومة، وأثبتَ الفحص الإداري براءته من العيوب صغيرها وكبيرها؛ وأكبرها أن فيه وسمًا من جمعية العلماء ونسبة إليها، أو أنه يحمل فكرتها الإصلاحية؛ وأصغرها أن يكون اشترك في جمعية علمية، أو حضر في حفل أدبي، أو استمع لنشيد قومي أو انتسب إلى حركة سياسية، فكل هذا مما يسجّل في الصحائف، وكل هذا مما يوجب لصاحبه الحرمان من رخصة التعليم، أضف إلى ذلك أن كل طالب للرخصة تصك أذنيه، من أول موظف مكلف، هذه الجملة: "احذر أن تفتح المدرسة قبل أن تأتيك الرخصة"، وهو يعلم أنها لا تأتي؛ فقدر- أنت- أن هذا الطالب المسكين إنما يفتح المكتب ليتعيش بأجرة تعليم القرآن، أو ليقوت عياله بأجرة تعليم القواعد البسيطة من العلم، فهل يعامله الجوع والحاجة هذه المعاملة البطيئة؛ وهل يعذره الجوع والحاجة إلى أن تتم الإجراءات؟ هذا هو ما يجري في الجزائر في هذه المسألة البسيطة، وهذا قليل مما يقاسيه طالب الرخصة المسلم، زيادة عما لم نصوّره من إرهاق بالأسئلة، وحساب عسير عما تكنه الضمائر من الميول، وجرح للكرامة الإسلامية العربية، وازدراء للهيئة والشكل، وإلجاء إلى المواقف المهينة. وهذا ما جعلنا نمقتها ونسترذلها ونكفر بها، فما هي- والله- رخصة تطلب فينالها المجدود، ويحرمها المحدود، وإنما هي غضة يعسر ابتلاعها، وقصة يثقل سماعها، ورهصة لا تحتمل أوجاعها؛ وإن للحكومة فيها من وراء ذلك لسرًّا، وهو أنها تجعل منها أداة تصرف بها الطالبين. وليت المتاع بها طويل، ولكنه متاع قليل، بل هي أحط وأقل من رخصة "فتح مقهى" مثلًا؛ ولا تبقى نافذةً إلا بقدر ما يبقى صاحبها مغفولًا عنه أو مستقيمًا في نظر الحكومة؛ فإذا زاغ عن الصراط، أو قصر في الاشتراط، فنزعها منه أهون عليها من قصّ القلامة.

стр. 1101

التعليم العربي والحكومة * - ٢ - لا معنى للشمول في القوانين، ما لم يصاحبه شمول في التطبيق والتنفيذ؛ وإذا كان واضع القانون ليس منا، ومنفذه ليس منا، فمن البلاء تطبيقه علينا. ألا إن في الاستعمار لفحةً من جهنم، وإن في المستضعفين سمات من أهلها، أظهرُها أنهم لا يموتون ولا يحيون. وكما أن جهنم تتقى بالأعمال الصالحة، وأساسها الإيمان، فإن الاستعمار يتقى بالأعمال الصالحة، وأساسها العلم، وإذا كان العدو الأكبر لجهنم، هو العمل الصالح، فإن العدو الأكبر للاستعمار هو التعليم. يحرّم الاستعمار الفرنسي التعليم على مسلمي الجزائر، ويفرضه على أبنائه وفي وطنه، فاعجبْ لشيء واحد يحرَّم في وطن، ويُفرض في وطن؛ ومن عرف الاستعمار معرفتنا به لم يعجب ولم يندهش، خصوصًا في وطن كالجزائر، لغته العربية، ودينه الإسلام، وطنٌ أنهكه الاستعمار، فلم يبقِ منه لحمًا إلا تعرّقه، ولا عظمًا إلا هشمه، فانتزع خيراته الطبيعية من أيدي أهله، ثم تسلل إلى مكامن النفوس لينزع الإيمان من قلوبهم، بهذه الوسائل التي منها تسيير مساجدهم على هواه، وحرمانهم من تعلم دينهم ولغتهم، فلما رآهم هبّوا ودبّوا، وأيقن أنهم ربما أوضعوا وخبوا، رماهم بهذه القوانين التي بعضها يشلّ، وبعضها يغلّ، وجميعها يقتل. ...

стр. 1102

قلنا للحكومة مرّات- في صدق وإخلاص-: إن هذه الأمّة رضيتْ لأبنائها سوء التغذية، ولكنها لا ترضى لهم- أبدًا- سوء التربية: وإنها صبرت مكرهة على أسباب الفقر، ولكنها لا تصبر- أبدًا- على موجبات الكفر. وقلنا لها: إن هذه الأمّة أصبحت منك بمنزلة الهرّة التي دخل صاحبها النار بسببها، لأنه لم يطعمها، ولم يدعها تأكل من خشاشِ الأرض؛ فلا أنت علمت الدنيا، ولا أنت سمحت لنا بتعليم الدين. وقلنا لها: إن هذه الأشياء الروحية التي تسمّى الدين والعقيدة والضمير، هي أشياء طبيعية، بل هي أجزاء من الوجود الإنساني، فمقاومها كمصادم الجبل الأشم، لا يبوءُ إلا بالزعزعة والضعضعة؛ أفتسمحين للإباحية بالإباحة، ولتحلل الأخلاق بالتحليل، حتى تراخت الأواصر، وانحلت العناصر، وفي ذلك البلاءُ العظيم، ثم تتشدّدين في الدين وتعليمه هذا التشدّد؟ وقلنا لها: إن تعطيل المدارس العربية بالأوامر الإدارية- لأن المعلم الذي يعلّم، أو الجمعية التي تدير، غير مرضيّ عنهما- يعد عقوبةً للأطفال الصغار الذين لم يرتكبوا ذنبًا، ولو أنها عقوبة لهم في أبدانهم لقلنا: جرح ويندمل، ولكنها عقوبة لهم في دينهم وشواعرهم وعقولهم. إننا نريدهم أَنَاسِيَ وأشياءَ نافعة لنفسها وللمجتمع، وأنت تريدينهم لصوصًا وحيوانات ضارّة وبلاءً على أنفسهم وعلى الأمّة. وقلنا لها: إن هذه المدارس التي شيّدتها الأمّة لأبنائها بأموالها ولم ترزأ خزانتك فيها درهمًا ولا دينارًا، قد أصبحت تضاهي مدارسك سعةً ونظامًا وجمالًا واستكمالًا لشرائط الصحة، واسترحنا واسترحت. فلو كان الأمر بيننا جارًيا على المنطق، مبنيًّا على حسن النية، لكنت- إذا لم تنشطي- لم تخذُلي، وإذا لم تعيني، لم تعارضي، وإذا لم تعتبرينا أعوانك على تهذيب هذا الشعب، لم تعتبرينا أعداءً ومشوّشين على سياستك الاستعمارية، فما زالت الدول عاجزةً عن تعليم أممها وعن تهذيبها، وما زالت الجمعيات تعاونها في ذلك، وما زال الفريقان متآزرين على التهذيب العام، في عصر التهذيب العام. أفلا تنتج القضايا المنطقية في هذه القضية أنك مصممة بأعمالك على قتل التعليم وقتل العربية وقتل الإسلام؟ وقلنا لها: إننا قوم لا نفرّ من المسؤولية بل نتحملها مسرورين. ولا نعمل أعمالنا في ليل دامس، بل نعملها في وضح النهار، وإن لكل مدرسة من مدارسنا جمعيةً جاريةً في تكوينها على القوانين العامة، مسؤولة عن أعمالها، مستوفيةً للإجراءات الرسمية، وأول المواد في قوانينها الأساسية أنها جمعيات تعليم ديني عربي؛ فإذا كان في مدرستها معلم أو معلمون فهي "الضامنة" فيهم والمسؤولة عنهم. فمن العدل أن يكون الترخيص في تشكيل الجمعية ترخيصًا

стр. 1103

لها في التعليم ما دامت هي المسؤولة عن المدرسة والمؤسسة لها. ومن الشطط، بل من الظلم، بل من التناقض، بل من المحال العادي، أن تطالب بعد ذلك بترخيصات شخصية لكل معلم. أما أن هذا من الشطط الذي لا يطاق احتماله، فلأن المعلم قد ينفصل عن الجمعية في أيام، لأنه لم يرضها، أو لأنها لم ترضه، وقد يمرض أو يموت، فتضطر إلى معلم آخر، وقد يتكرر هذا المعنى في الشهر الواحد مرّات، وفي كل مرّة تتكرّر الإجراءات اللازمة للرخصة، وفي كل إجراء ما قدّمنا في المقال السابق من التعقيدات المقصودة. وأما أنه ظلم، فلأن تلك العمليات تستلزم- طبعًا- تعطيل المدرسة، وتشريد الأطفال بناء على قاعدة "لا تفتح المدرسة حتى تحصل الرخصة". وأما أنه تناقض، فلأن مؤدّاه أن الترخيص الأول في تكوين الجمعية عبث ولغو، ولا معنى له، ولا قيمة لتسجيله في الدفاتر الرسمية، ولا لاعتراف القانون بها، ولا لتعليق المسؤولية على أعمالها، لأن المسؤولية تتعلق بالأعمال، وعمل الجمعية إنما هو التعليم، واشتراط الرخصة الخاصة في المعلم تعطيل لها عن مباشرة هذا العمل الذي اعترف لها القانون به يوم اعترف بها. وأما أنه من المحال العادي فلأن نظر الجمعية ونظر الحكومة في المعلم متباينان بل هما كالخطين المتوازيين في الهندسة، لا يلتقيان مهما امتدّا، فالجمعية تشترط في المعلم كفاءته العلمية والأخلاقية، أو تزكية جمعية العلماء له، ولا تشترط غير ذلك. والحكومة تشترط شهادة "الدوسي البوليسي"، ولا تشترط غير ذلك. وشتان ما بينهما عندنا في الجزائر، لاختلاف النظرين في أصل الميزان الذي يوزَن به المعلم، ولاختلافهما- إلى حدّ التضاد- في معنى المؤهلات والمواقع. قلت لرجل من رجال الإدارة الحكومية الجزائرية، وهو يفاوضني في هذه القضية مفاوضة رسمية، وكنا يومئذ نتناقش ونبحث الأسباب التي توجب حرمان المعلم من إعطاء رخصة التعليم، فقلت له: يظهر لي أنه لا يمكن أن نتلاقى معكم في نقطة، ما دام مقياس الفضيلة عندنا وعندكم متفاوتًا إلى هذا الحدّ، فنحن نرى- مثلًا- أن السياسة ليست جريمة ولا ما هو أهونُ من الجريمة، وإنما هي حق طبيعي يمارسه كل عاقل، وتزيد عندنا بمعنى، وهو أنها لم تعدُ أن تكون أنةً يستريح إليها المظلوم ... وأنتم ترونها- بالإضافة إلينا فقط- جريمة أية جريمة، وتعاقبون عليها بالسجن والنفي فضلًا عن الحرمان من رخصة التعليم ... ونحن نرى أن الزنا والخمر وما أشبههما كبائر تسقط العدالة والشهادة، ولا نرتضي مرتكبها معلمًا لأبنائنا ... وأنتم لا ترونها جرائم، ولا تعاقبون عليها. فللقاضي- مثلًا- أن يسكر

стр. 1104

ويعربد ويفسق ويكفر، ولا حرج عليه لأنه حرّ ... ولا نعتقد أن ميزان الفضيلة اختل عندكم إلى هذه الدرجة، ولكن شيطان الاستعمار يزيّن لكم كل ما تستقبحه الأديان، وتستهجنه العقول، إذا كان ذلك في المستعمرات. قلت له: وأنا أؤكّد لك أن كل ما زرعتموه في المستعمرات من خبائث ورذائل، وسقيتموه بماء الحرية لينمو ويترعرع، فتفسدوا به أهلها وتهلكوهم، ستجنون ثمراته المرّة في أبنائكم وفي وطنكم. فأنتم تسخرون الشيطان للإفساد من حيث يشعر، ولكنه يعود فيسخركم للفساد من حيث لا تشعرون ... جرّنا إلى هذا كله حديث "الرخصة" فلها الويل: أهي رخصة تعليم، أم غصّةٌ وعذاب أليم؟

стр. 1105

التعليم العربي والحكومة * - ٣ - قضية واحدة من بين عشرات القضايا، يتجلّى فيها كل ما صرّحنا به، ولمّحنا إليه، من معاملة الحكومة للتعليم العربي، وتصميمها على محوه، بالتضييق والمعاكسة، واتخاذها من هذه القوانين والقرارات سبلًا إلى ما تريد من ذلك؛ وهذه القضية تشهد بكثرة الإجراءات وتعقيدها، وتكشف عن مقاصد الحكومة منها، وتقيم لنا العذر فيما نبديه من تألّم، وما نجهر به من تنديد بالحكومة ومعاملاتها، وتشهير بقوانينها وقراراتها، وفيما نصارحها به من أننا لا نرضى بهذه القوانين لأنها مفروضة علينا فرضًا في أمر يتعلق بنا وحدنا، وهو ديننا ولغتنا، ولا نحترمها، لأنها باطل،، والباطل لا يحترم، ولا نقرّها، لأنها حرب على ديننا ولغتنا، ولا نحتملها ولو أدّتْ إلى إغلاق جميع المدارس دفعة واحدة. وأننا لا نرضى إلا بالحرية الصريحة، فإن لم تكن فالموتة المريحة. وإنما يقبل العقلاءُ المقبول، وإنما يعقلون المعقول، وإذا كان للقويّ مأربٌ في قتل الضعيف، فمن السماجة أن يسنّ لقتله قانونًا، بل من الشهامة أن يسن لذبحه سكينًا. وقبلُ وبعدُ فإن هذه القضية التي نصفها اليوم، شهادة قاطعة على ظلم الاستعمار، ونموذج من تعنّته ومصادرته للحق، وبيانٌ واضح لطريقة من طرائقه في حرب الدين والعلم، ووسيلةٌ من وسائله في قتل معنويات الشعوب، وعنوان على مخازيه التي منها أن يعتبر الإسلام غريبًا وهو في داره، والعربية أجنبية وهي في منبتها. ...

стр. 1106

هناك على مقربة من الحدود الفاصلة بين مقاطعتي الجزائر وقسنطينة، قرية صغيرة من قرى بني منصور، تدعى "تيغيلتْ" تابعةً في التصرّف الاستبدادي لحوز (مايو) (١). طاف بأهلها منذ سنوات طائف من الشعور الديني، واخترقت آذانهم الأصوات المتعالية من جمعية العلماء في الدعوة إلى التعليم العربي، فأنكروا حالتهم وحالة أبنائهم من الجهل والأميّة، إذ كانوا محرومين من كل ما يسمّى تعليمًا، فأجمعوا أمرهم وكوّنوا جمعية، وأسّسوا كتّابًا لتعليم أبنائهم، على قدر حالهم، ومبلغ مالهم، واتصلوا بنا اتصال المسلم المسترشد، بأخيه المرشد. فعينّا لها معلمًا لم نأت به من مصر، ولا من العراق، بل من عمالة قسنطينة، وشرع في تعليم الأولاد تعليمًا ابتدائيًا بسيطًا ليس فيه كيفية تحطيم الذرّة، ولا كيفية تحضير القنبلة الذريّة؛ وإنما هو تعليم لأشكال الحروف العربية وتركيب الكلمات منها؛ وما مضت أسابيع حتى هاجت الحكومة وماجت، ونشط ممثّلها متصرف حوز "مايو" (٢) وأعوانه نشاطًا، ما نظنهم يبذلون معشاره في تتبع المجرمين وقطّاع الطرق ومحترفي السوق الأسود؛ واستدعى المعلم وأعضاءَ الجمعية إلى إدارته مرارًا، وأمرهم بإغلاق المدرسة، وطرد المعلم، وهدّدهم في كلامه بكل ما تمليه الغطرسة على جبار مستبد، ولما رأى أن كلامه لم يؤثّر التأثير الذي يرضي فرعونيته، وأن المعلم لم يذهب، وأن المدرسة لم تغلق- جلب الجميع بقوة "الجندرمة" (٣)، وأحالهم على دائرة البوليس السرّي متهمين بتهم لفّقها أعوانه- وهي تهم محضرة جاهزة في كل إدارة وبيد كل مدير، يستعملها كلما خانه القانون، وخذله الحق، فيرجع إلى تلك التهم لينتقم بها، فاستنطقهم البوليس السرّي لا باللسان بل بالعصا (والكرباج)، وأدخلهم السجن "رهن الاستنطاق" كما يقولون. أما المعلم فقد نفاه حاكم (مايو) نفيًا شفويًّا، وهدّده- إن بقي في حوزه- بالعقوبات الرادعة وبإخراجه بقوة الجندرمة مشيًا على رجليه إلى بلاده (لأنه أجنبي) ... يعني أنه من قرية تسمّى (تاملوكة) تابعة لنانكين، من بلاد الصين، لا لقسنطينة. وكَذَبَ الجغرافيون ولو صدقوا ... تعاقبت التحقيقات في هذه المسألة "الخطيرة"، فلمّا تمّت- وما كادت- أحيلت إلى قاضي الصلح بمايو، وحمل أولئك المساكين ثباتهم على دينهم، ورغبتهم في تعليم أولادهم، على أن ينفقوا النفقات، ويضحّوا بالمصالح، ويأتوا بالمحامين من الجزائر. ثم رفعت المسألة بعد حكم قاضي الصلح فيها إلى محكمة الاستئناف بالعاصمة، فتضاعفت على المساكين الأتعاب، وتعطّلت الأعمال، وانفتح عليهم بابٌ لا يسدّ من نفقات الذهاب

стр. 1107

والإياب وأجور المحامين، وعلى ذلك كله فهم صابرون، محتسبون عند الله ما نالهم من أذىً في أبدانهم، ونقص في أموالهم، معتقدون أن العاقبة للمتقين ... ونودي على القضية في محكمة الاستئناف في الأسبوع الماضي بعد حول كامل وزيادة من يوم نشأت، ولكنها لم تفصل بل تأجّلت، ولا يعلم إلا الله بماذا تنتهي؟ ... من لي بمن يسجّلها ويعجّلها لعنةً خالدةً على الاستعمار؟ ومن لي بمن يزجيها ولا يرجيها سبةً تالدةً له ولأنصاره في العالمين؟ ومن لي بمن يصبّها ولا يغبّها دموعًا سخينة على جدث الإنصاف وعلى رُفات المنصفين؟ ومن لي بمن يرسلها صارخةً صاخَّةً في آذان أدعياء الديمقراطية ودُعاتها والمدّعين لها، أينما حلّوا، أن يتصدّقوا علينا مشكورين بالكفّ من هذه الدعوة الدعية، فقد غثت ورثت، وسمُجت و (خمجت) (٤)؟ قضية بسيطة، أساسها ظلم، وحائطها بغيٌ، وسقفها عدوان، وأصلها الأصيل "فتح مكتب قرآني بدون رخصة حكومية" تتدحرج من محكمة إلى محكمة، ومن حاكم إلى حاكم، حولًا كاملًا: أفي الحق هذا؟ ... كلا. وفي كل دور من أدوارها يتجشم المتهمون فيها قطع مائتي ميل ذهابًا وإيابًا، وإنفاق ما هم في حاجة إليه لقوت عيالهم في الركوب وأجور المحامين. أمن الإنصاف هذا؟ ... كلا. إن حولًا كاملًا ليكفي لفضّ مشكلة برلين وما أشبهها من مشكلات العالم الكبرى، ولكنها لم تكف لفصل قضية جمعية بني منصور، المتعقدة المتشعبة التي ظهر فيها وجه الحق لرجال الإدارة فاتهموا وطالبوا وحرّروا التقارير واستعدوا فيها المحاكم العدلية. وخفي وجه الحق فيها على غيرهم. ولعل الذنب في هذا التطويل الذي استغرق حولًا كاملًا، محمول على الزمان الذي أصبح ... ولا بركة فيه ... وسلني أنبئك عمّن جندت الحكومة لهذه القضية التي نزعم نحن أنها بسيطة. إنها جنّدت كبير الجماعة، والحارس، والجندرمة، والبوليس السرّي والعلني، والمتبرع والمتصرّف، وأعوانه ورئيسه، وعامل عمالة الجزائر، وقاضي الصلح بمايو، وقضاة الاستئناف بالجزائر، كلّ هؤلاء مرّت بهم هذه القضية، وكلهم نظروا فيها وفي أوراقها وملفاتها.

стр. 1108

أما الجانب الإداري من هؤلاء فيقول: إن هؤلاء المتهمين مجرمون، معتدون على القانون، وإن من العدل، ومن المحافظة على الأمن ردعهم وزجرهم، وأما الجانب العدلي فلم نسمع كلمته الأخيرة، وأما نحن ... فقد قال ديكتاتور (مايو) فينا كلمة ذهبية إذ قال لبعض الجماعة: لو أنكم جئتم بمعلم من طلبة الزوايا (٥) - من بلاد القبائل- لما عارضتكم في شيء، ولوَجدتم مني المساعدة والإعانة. ولكنكم اتصلتم بجمعية العلماء وجئتم بالمعلم من تلامذتها وأنصارها. وأنا لا أسمح أن يدخل إلى وطني (هذا الميكروب). ... أنا مريض، والموضوع طويل عريض، وقد أصبحتُ بين عاملين: همّ يتجدّد وطبيب يتشدّد، وإن حق الضمير لأوكد عندي من حق الجسد، وليقع الاستعمار أو ليطرْ فإننا نتعلم لغتنا وديننا، ولو في سمّ الخياط، أو على مثل حدّ الصراط.

стр. 1109

التعليم العربي والحكومة * - ٤ - لم تقف الحكومة في حرب التعليم العربي ومضايقته عند تلك الحدود التي شرحناها وقبحناها، وتلك القوانين والقرارات التي جرّحناها وفضحناها، بل أتتْ في هاتين السنتين الأخيرتين بما هو أقبح وأدلّ على سوء النية في التضييق على مدارسنا والتعطيل لها، وابتكرت أنواعًا من العرقلة، أخرجت بها القضية من باب القانون، والنظام، والمحافظة على الصحة، إلى باب العناد السخيف، والمعاكسة اللئيمة، التي تربأ كل حكومة محترمة لنفسها أن ترتكبها مع خصم لها، وإن لجّ في الخصومة، فضلًا عمن ليس بخصم، وإنما هو طالب حق، فضلًا عن كون المطلوب شريفًا لا ينازع في شرفه حتى الشيطان الرجيم، وهو العلم ... منذ سنتين، أو منذ جدّت الأمّة الجزائرية في الحركة التعليمية بقيادة جمعية العلماء، ورأت الحكومة أنها عزمة دينية إجماعية لا تفلها القوانين، ولا تشلّها القرارات المكتوبة، عمدت هذه الحكومة إلى قرارات أخرى (شفاهية)، لم تصدُر بها المراسيم، ولم تصبغ بالصبغة الرسمية وإنما هي إيعازات إلى المديرين والمعلمين بمكاتبها الرسمية الابتدائية، ليقوموا على تنفيذها بالضبط والدقة. وهي إذا نفذت كانت أنكى وأضرّ بالتعليم العربي من تلك القوانين المكتوبة. ونحن فقد أصبحنا مفتوحًا علينا في فهم هذه الحكومة ومقاصدها واتجاهاتها، وأصبحنا من المبرّزين في تأويل تصرفاتها وأعمالها، وأصبحنا نتدسَّس إلى مدبّ السرائر من نياتها وخواطرها، كما تفعل هي معنا، وهذا بذاك ولا عتب ... ففهمنا بالقرائن الصادقة، والشواهد الناطقة، أن هناك برنامجًا عمليًّا واسعًا عميقًا ذا شُعب متعدّدة ومرام بعيدة، لحرب التعليم العربي، يعتمد على التنفيذ الصامت لا على القرارات المعلنة التي تثير النقد والاعتراض، وأن اعتماد الحكومة في تنفيذه، على المديرين ورجال التعليم؛ ومن أشنع ما تتسم به الحكومات

стр. 1110

الاستعمارية، التسلط على رجال العلم، ورجال القضاء، وتصريفهم في أغراضها المنافية لشرف العلم وشرف القضاء؛ والعلم رمز الإنسانية والكمال، والقضاء رمز العدل والمساواة؛ ومن رشد الحكومات الصالحة أن تكفل للعلم والقضاء الحرية والاستقلال، وتبعد برجالهما عن جميع المؤثّرات، فإذا سخرهما الاستعمار في أغراضه، واتخذ من رجالهما أدوات لتنفيذها، فذلك هو الفساد في الأرض؛ ولذلك تجدنا لا نثق ببعض علماء المشرقيات الذين يتخذ منهم الاستعمار مستشارين في وزارات الخارجية، فيجعل من العلم، معينًا على الظلم. ... رأينا من آثار هذه البرامج في كثير من القرى تساهلًا عظيمًا في قبول التلامذة بالمكاتب الابتدائية الفرنسية، خلافًا للسنة المقرّرة عند الحكومة، وخلافًا لعملها المطلق ... الذي طالما نعيناه عليها وأنكرناه، وهو عدم عنايتها بتعليم أولاد المسلمين؛ وما كان هذا التساهل رحمةً منها بهم، ولكن لتصُدّ أكبر عدد منهم من غشيان المدارس العربية الحرّة، ثم تجريهم على برنامج فارغ إلا من التوافه، مضطرب الساعات، فمنهم من يأخذ ساعتين، ومنهم من يأخذ أربعًا، فيخسر التعليم العربي، ولا يحصل على التعليم الفرنسي. والعذر الذي تسمعه منهم على هذا الاضطراب هو عدم وجود الأماكن! ... ونقول نحن: إذا لم تكن الأماكن كافية لهم، فلماذا تقبلونهم من أول يوم؛ ولو أنصفوا لقالوا: إن قصدنا الوحيد هو معاكسة التعليم العربي وكفى ... إن مدارسنا عامرةٌ بهذا الصنف من الأطفال. وهو هذا الصنف المتشرد الضائع الذي لم يجد إلى التعليم الحكومي سبيلًا؛ وان عدده لكثير، إنه ليقارب التسعين من المائة من أبناء الأمّة التي تدفع الضرائب، وتقوم بواجبات الجندية ... وما كنا في يوم من الأيام حربًا للتعليم الفرنسي على تفاهته؛ بل نحضّ عليه، ونعدّه باباً من أبواب الثقافة، وسلاحًا من أسلحة الحياة. وإنما نريد أن نجمع لأبنائنا بين التعليمين، جمعًا للمصلحتين، وما داموا محرومين من التعليم الفرنسي، فمن حقنا ومن واجبنا ومن الإحسان إلى أبنائنا أن نشغلهم النهار كله بتعلّم دينهم ولغتهم؛ بدليل أننا لا نقبل في مدارسنا تلامذة الفرنسية إلا بعد الرابعة والنصف مساء، لئلا يحرموا من أحد التعليمين، على ما في هذه الساعات الزائدة من إرهاق للمعلّمين والتلامذة عندنا. هذا ما نراه نحن؛ أما الحكومة فإنها ترى أن بقاء أبنائنا هائمين في الأزقة معرضين للشر والفساد، خير من تعليمنا إياهم تعليمًا عربيًّا وإسلاميًّا، فلما صمّمنا على أداء الواجب علينا لديننا وأمّتنا، صمّمت على المعاكسة والتضييق، فلما لججنا في المقاومة، لجأت إلى مثل هذا العناد الذي لو تمّ وعمّ لكان مفسدًا لتعليمها، قبل أن يكون مفسدًا لتعليمنا.

стр. 1111

قد أصبح من عقائدنا الراسخة، بل أصبح من الحقائق الواقعة أن هذه الحكومة عاملة على إفساد تعليمها الرسمي لأبنائنا، وتصييره هيكلًا بلا روح، وحرمانهم في الأخير من مفتاح التعليم الثانوي. وهو "الشهادة الابتدائية". فهي تتعهد البرامج بالتنقيص من المفيد والزيادة من السفاسف. وهي تكثر بزعمها من التعليم الصناعي الآلي لتبعد أبناءنا عن منشطات الفكر والروح، وهي تكل تعليم أبنائنا- بدعوى الضرورة- إلى طائفة ليست لهم كفاءة المعلم، ولا شهادته، ولا مؤهلاته، ومن أغرب ما وقفنا عليه في أول هذه السنة الدراسية نسخةٌ من هذه الأوامر ... التي توجّه إلى مديري المكاتب الفرنسية، ومما فيها: الأمرُ بالتقدم إلى طلبة العربية الذين يعرفون القراءة والكتابة البسيطتين، وترغيبهم في تعليم العربية بالمكاتب الفرنسية. فما معى هذا؟ ومتى كانت المكاتب الحكومية الابتدائية تعلّم العربية؟ لا معنى لذلك إلا أن المطبخة دائبة على الطبخ. ورأينا من آثار ذلك البرنامج، في كثير من المدارس الفرنسية، تمديد ساعات الدراسة المسائية إلى الساعة الخامسة، خلافًا للقانون السائر في جميع المدارس. ولا موجب لهذا إلا تفويت ميقات المدرسة العربية على التلميذ، وليتهم يعمرون له تلك الساعة بنافع مفيد، لكنهم يعمرونها بلهو فارغ أو بعمل شاق؛ ولقد مررتُ في شتاء السنة الماضية بقرية "بريكة" فرأيت بعيني تلامذة المكتب الفرنسي (المسلمين طبعًا) يجمعون الزيتون من بستان تابع للمكتب أو لإدارة المتصرف، وكان ذلك في الساعة الخامسة إلا ربعًا بالضبط. وما يسّر على الحكومة وأعوانها تنفيذ هذه الأمور الشاذة، وتطبيقها بسهولة، إلا أصل أصلته. وهو عزل التلامذة المسلمين من زملائهم الأوروبيين في التعليم الابتدائي في مكاتب خاصة بهم، يطلقون عليها اسم " Ecole indigène" (١). ولو كانوا مع أبنائها لما عاملتهم هذه المعاملة. ولقد كانت الشهادة الابتدائية إلى وقت قريب تقسم على نمطين: أحدهما يعرف بنمط Titre indigène وكلمة (أنديجان) هذه في قاموس الاستعمار وفي ألسنة حماته الطغاة هي نبز وتحقير لهذا العنصر الشريف الذي أوقعته الأقدار، وتصرفات الفجار، في قبضة الاستعمار الفرنسي. فإن كذبتنا الحكومة وقالت إن التعليم واحد، والبرنامج واحد، فلتخبرنا: ما هي العلة في تخصيص أبناء المسلمين بمكاتب منبوزة بهذا النبز؟ أم هي تعد هذا من الديمقراطية الفرنسية؟ وقد عرفنا- بفضل الله- هذا الطراز من الديمقراطية، فعرفنا أنه مرادف للعنصرية السوداء اللون، العنيفة التأثير. ...

стр. 1112

بعد هذا كله- وأمثاله معه- تمنّ فرنسا على مسلمي الجزائر، وتقول: إنها علمتْ، وما علمت، ولكنها قلمت ... وما أغرب شأن الجزائريين مع الاستعمار الفرنسي: فئةٌ تدرس في جامعة، وملايين ترسف في (جامعة) (٢) ويا بُعدَ ما بين الطرفين!

стр. 1113

التعليم العربي والحكومة * - ٥ - يرجع تاريخ هذه المشادّة القائمة بيننا وبين الحكومة في قضية التعليم العربي إلى خمس عشرة سنة، فهي مقارنة لظهور جمعية العلماء تقريبًا، ولكنها تشتد وتتعقّد في كل سنة، تبعًا لنمو الحركة الإصلاحية واستفحالها وتطوّرها، فكلما اشتدّت حركة التعليم وامتدّت، ظهر للحكومة فيها رأي فسنّت لشلّها قانونًا أو قرارًا. وسكتت عن تنفيذه إلى حين؛ كما كانت متسامحة مع الجمعية لأوّل ظهورها، في إلقاء دروس التذكير في المساجد؛ فلما استفحل ذلك ورأت أنه مضرّ بسياستها الاستعمارية، وأنه تحنيثٌ لها في اليمين الذي قطعته على نفسها: لتحاربن الإسلام في الجزائر، ولتحصرنه في مثل جحر الضبّ من الضيق، ولتقطعن صلته بماضيه وصلته بمطلعه، حتى يتكون لها إسلام جزائري جغرافي محصور في حدود أربعة، خال من روحانية الإسلام وفضائله، لما رأتْ ذلك أصدرت القرارات بمنع أعضاء الجمعية من إلقاء الدروس الدينية في المساجد، وقصر إلقاء الدروس في المساجد على الموظفين الرسميين، أو "رجال الدين" كما يسمّيهم تقريرها الأخير، فمنعت كاتبَ هذه السطور من إلقاء دروس التفسير بالجامع الأعظم من تلمسان، ببرقية من الوالي العام إلى عامل وهران، وكان ذلك في أواخر سنة اثنتين وثلاثين وتسعمائة؛ ثم منعت الأستاذ العقبي من إلقاء دروسه بمساجد العاصمة بقرار (ميشال) المعروف. ابتدأت المشادّة من ذلك الحين، وكانت في مبدإ أمرها مشادّةً في حرية المساجد، لأن الحركة التعليمية نشأت بعد ذلك، بعد أن تغلغلت دعوةُ جمعية العلماء في النفوس فحرّكتها، وفي الآذان ففتحتها؛ فأنت ترى أن تاريخ المشادّة طويل، وأن هذه القوانين والقرارات كان يتنزّل بها الوحي الاستعماري منجمة حسب المصالح ...

стр. 1114

وقد تعاقب على الجزائر في هذه الحقبة سبعة ولاة مختلفي الميول السياسية، متنوعّي الحزبية، ولم يستطعْ واحد منهم أن يحلّ هذه المشكلة بوجه يرضي المسلمين، أو يبرقع - على الأقل- وجه الاستعمار البغيض في مسألة دينية كهذه. بل ما صدرت القرارات الخانقة إلا في عهد كثير من هؤلاء السبعة. ومن لم يضرّ منهم في السلب لم ينفع في الإيجاب. وكم ترك الأول للآخر. كما تعاقب أربعة مديرين على إدارة الشؤون الأهلية، أو "الأنديجانية" بالتعبير الصحيح، فلم يستطع واحدٌ منهم فضّ المشكلة، لأن الطبيعة الاستعمارية واحدة في الجميع، بل كانوا بتلك الطبيعة يضعون في طريق حلّها العقاب، ويُمدّون نار الاستعمار فيها بالثقاب. وهذه الإدارة هي النافذة الوحيدة التي تشرف منها الحكومة على المسلمين الجزائريين، وهي المعمل المختص بحبك المكائد، وفتل الحبال، وهي المطبخ الذي تُطبخ فيه الآراء على حسب الشهوات، وهي "البورصة" التي كانت تباع فيها الضمائر وتشترى. وهذه الإدارة في جميع أدوارها كانت تجهز برجال استعماريين من الطراز الأول، وأول الشروط فيهم أن يمضوا درجات التدريب الإداري في الأحواز المختلطة (١) "الأنديجانية". وقد رأس هذه الإدارة رجل عالم قانوني وهو السيد (ميو) عميد كلية الحقوق في الجزائر، ولولا الاستعمار وتسخيره للعلماء كما ذكرنا في المقال السابق، لكان أقربَ الرؤساء الحكوميين إلينا، وأحسنهم فهمًا لقضيتنا، ولكن الاستعمار لا يعرف علمًا ولا قانونًا، لأنه لا دين له ولا ضمير، فلم يستطع الرجل أن يتغلّب بعلمه وقانونه على صبغته الإدارية، ولا على روحه الفرنسية، وما تقتضيانه من تقليد استعماري متّبع، ولا نحن سلّمنا في شعرة من مطالبنا، أو تساهلنا في قلامة ظفر منها. فمرّت أيامه كأيام زملائه الآخرين ودخل وخرج وهو فرنسي في الحالتين، وقد بلوْنا هؤلاء الفرنسيين فوجدناهم يختلفون في المبادئ إلى حدّ التناقض، ولكنهم حين يصلون إلى الاستعمار، ودوْس الضعفاء، وسيادة فرنسا، يتغلب فيهم صوت الدم على صوت الضمير، واتفاق الروح على اختلاف المبادئ، وهذه هي الجرحة القادحة التي لا تنفع معها تزكية في علمائهم ومفكريهم وفلاسفتهم؛ وفي كل ما يدعون ويذيعون في العالم من جمهورية وديمقراطية. وقد اتصل بنا الأستاذ (ميو) هذا لأول عهده بالإدارة، وطلب الاجتماع بنا لفضّ المسألة الدينية وقضية التعليم، فاستجبنا، وكان الاجتماع الأول حافلًا بالوعود

стр. 1115

والمجاملات، وكان اجتماعًا غاب عنه الاستعمار بوجهه الجهم، وحفه العلم برعايته للحرمات؛ وكان مما صارحنا به أننا على حق في قضيتنا وأنه منتدب من الحكومة لحلّها معنا بالمفاوضات الهادئة؛ وأن الحكومة قلقة جدًّا من هذه القضية؛ وقال: إنه لشرف للعلم الذي يجمع بيننا أن يحل أحد رجاله مشكلةً عجز عن حلّها أقدرُ الإداريين وأقدمهم، وانتظرنا، فإذا وعود الرجل تثبيط، واذا صعوده تهبيط، وإذا علمه من ذلك النوع الموضوع "تحت الطلب". فلما استيأسنا منه كتبنا إليه رسالة المستيئس، وسننشرها في العدد الآتي نقلًا عن العدد الحادي والعشرين من السلسلة الأولى لجريدة «البصائر»، ليقرأ القرّاء منها صفحة من جهادنا في هذه القضية التي لا نسلّمها حتى نسلّم الأنفاس، لرب الناس. ... لم نكن في يوم من الأيام مغترّين بهذه المفاوضات التي كانت تتجدّد كلما تجدّد مدير، أو أشار على الحكومة بها مشير، أو جاءها من الأحوال العامة نذير؛ ولا كنا بانين عليها شيئًا إيجابيًّا تطمئن إليه النفس، وتستقرّ عليه الحالة، وينطفئ به هذا الضرام المشبوب في الأمّة، تحرّقًا على دينها ولغتها، وسخطًا على الاستعمار الواقف لهما بالمرصاد؛ بل كنا جارين على سنتنا في التعليم، وتأسيس مدارسه وجمعياته، موفين بعهد الله في خدمة دينه ولغة كتابه. لم نكن نغترّ بتلك المفاوضات لأننا نعرف قيمتها، ونعرف مقصد الحكومة منها، ونعرف نيّتها التي لا تتبدّل في شأن التعليم العربي؛ ونعلم أن مقصدنا منه ومقصدها فيه متباينان، وأن كلًّا منا متمسّك برأيه التابع لمصلحته، ورأينا في التعليم مبني على عقيدة دينية ومصلحة قومية اجتماعية، ورأي الحكومة مبني على أصول استعمارية، غايتها هدمُ الإسلام والعربية، فأنَّى نلتقي في نقطة؟ ما دمنا نرمي إلى غايتين مختلفتين، وإذا كان خصمك لا يتفق معك في مفهوم الخير والمصلحة والمنفعة، وفي مفهوم الشرّ والمضرّة والمفسدة، بل لا يتفق معك في معنى الحق والباطل، فمن المحال أن تلتقيا على نتيجة، أو تجتمعا على مفيد، أو تفترقا على طائل، ومن العبث أو من سخرية أحدكما بالآخر تضييع الوقت في أمثال هذه المفاوضات، أو تعليق الأعمال والآمال عليها. إن المفاوضات لا تكون إلا لتجلية الجوانب الغامضة من القضية، أو تبيين النقط المجهولة، أو فهم المقاصد الخفية، أو حلّ المواضيع المشكلة؛ وشرط نجاحها حسنُ النيّة وطهارة القصد من الجانبين. وقضيتنا نيّرة الجوانب، معلومة المذاهب، مفهومة المقاصد، واضحة المعالم، بيّنة الحق؛ ولكن المفاوضات فيها لا تنجح ولن تنجح لفقدان شرط النجاح، وهو حسن النيّة وطهارة القصد في أحد الجانبين ...

стр. 1116

التعليم العربي والحكومة * - ٦ - ... ودعانا بعد ذلك منذ سنتين آخر مدير لتلك الإدارة أو ذلك المطبخ. وهو السيد (باي) إلى المفاوضة وحلّ المشكلة بأمر من الوالي العام، وعيّن المفاوضين رسميًّا، وعيّنت جمعية العلماء الأساتذة: العربي التبسي، وأحمد بوشمال، وعبد القادر محداد، واجتمع المفاوضون مرّتين، تبيّن منهما البعد السحيق بين وجهتي النظر؛ وكان الحديث في الجلستين خاصًّا بحرية التعليم العربي، وهو أهون المشاكل وأقربها إلى الحل، فكيف لو جاوزوها إلى حرية المساجد والأوقاف وحرية القضاء الإسلامي؛ وهي المشاكل التي تجهد جمعية العلماء في حلّها، وتسعى لتحريرها، ولقد كنا في كل مفاوضة أو محادثة نشترط إعلان إلغاء جميع القوانين والقرارات القديمة المتعلّقة بقضايانا، ثم صياغة قانون واحد صريح نتفق عليه، وتكون مادّته الأولى حرية الدين وجميع متعلقاته، ولكن هذه الحكومة لم تشأ أن تلغي حرفًا واحدًا من تلك القرارات والقوانين. فلما خابت المفاوضات الأخيرة جاءني الشيخ (باي) يومًا إلى منزلي وبيده نسخة مشروع وضعه دهاقين الإدارة بالحكومة الجزائرية لتستصدر الحكومة على نمطه من مجلس الأمّة الفرنسي "قانونًا" أو من الوزارة "ديكري" (١) وكان ذلك المشروع خاصًّا بالتعليم العربي فقط ليس فيه ذكر للمساجد والأوقاف والقضاء، وفيه النص على إلغاء جميع القوانين والقرارات المتعلقة بالتعليم العربي واستبدال هذا القانون الموحّد بها. وترجمت لي تلك النسخة فإذا فيها كل ما في تلك القوانين والقرارات من روح ومعنى مع تبديل في الألفاظ ونقص لحرف وزيادة لآخر، وإذا هو هي، غير أن القديم متفرّق، والجديد مجموع. وطلب مني بكل إلحاح تجديد المفاوضة على هذا الأساس "المتين" وضرب لي أجلًا ضيّقًا، لأن الضرورة- بزعمه- تقتضي الاستعجال، فلم أقبل منه الأجل،

стр. 1117

وقبلت المفاوضة بنفسي مع مندوب عيّنه، ولبثنا نتحدث ثلاث ساعات من كل يوم، لمدة أسبوع، حديثًا فارغًا مكرّرًا معادًا وكان محدّثي يقتنع بالحجة، ويسلم بالبرهان، ويتحرك ضميره للاعتراف بالحق أحيانًا، ولكنه لم يكن يملك التفويض اللازم لإنهاء المشاكل، فكان لا بد له من سلوك المداورات الإدارية التي تزيد المشكل إشكالًا. ومن الأمانة في تبليغ الأعمال للرأي العام، أن ننشر ترجمة تلك النسخة، ليشاركنا القرّاءُ في علم ما نعلم من تقمّصها للقوانين والقرارات القديمة. فكأنه مجموع متون متفرّقة، أحسن الطابع جمعها ونشرها. وإن الحسنة الوحيدة فيها هي تصريحها بإلغاء القوانين القديمة في المادة الأولى التي هي أول ما يطالع القارئ، ولا حرج إذا تضمنت بقية المواد ما يناقض أولها، والإماتة والإحياءُ في آن واحد، من المعجزات التي لا تجري إلا على أيدي نمط من الرجال مخصوص. والأستاذ (باي) عمل في الإدارة الاستعمارية بالمغرب، ثم عمل في مثلها بالجزائر، وهو الآن بتونس، ولا ندري أهو مشتغل بالحل أو بالعقد. وهذا نصّ النسخة: "مشروع قانون يخصّ المدارس الابتدائية الحرّة والمدارس الدينية الحرّة في الجزائر. رئيس مجلس الوزراء: "تبعًا لتقرير من وزير التعليم الوطني. وبناء على رأي وزير الداخلية. وبناء على قانون ٢٣ أوت ١٨٩٨، وقوانين ٢٣ أكتوبر و٢١ فيفري ١٩٣٦ المتعلقة بالولاية على الجزائر، وإدارتها العليا. وبناء على قانون ١٨ جانفي ١٨٨٧ الخاص بتنظيم التعليم العام. وبناء على قانون ١٨ أكتوبر ١٨٩٢ الخاص بتعليم الأهالي الجزائريين الابتدائي العام والحرّ. وبناء على المادة ٢٩ من قانون ٢٧ سبتمبر ١٩٠٧ التي تشرح تنفيذ القانون والتي تحدّد شروط تنفيذ قوانين الفصل بين الدولة والكنيسة (٢) في الجزائر، وشروط مزاولة الأعمال الدينية العامة. وبناء على قانون لجنة التحرير القومي الفرنسي، بتاريخ ٦ أوت ١٩٤٣ الخاص بفتح المدارس الحرّة الإسلامية ذات الصبغة الدينية. وبناء على قانون ٢٧ نوفمبر ١٩٤٤ الخاص بسير التعليم الحرّ في الجزائر. وبعد سماع المجلس الدولي الاستشاري. وبإيعاز من الوالي العام على الجزائر يقرّر ... إلخ ". ...

стр. 1118

هذا سجل واف للقوانين والقرارات المشتبكة حول مسألة واحدة، وهي التعليم العربي بالجزائر، وهي كما ترى من الكثرة بحيث أصبح القانون الأصلي معها كثوب الفقير، كله رُقع، وكله خروق. ولعل القارئ تهوله هذه الكثرة، وهو لم يقرأ إلا تواريخها وبعض أرقام موادها، وكيف به لو قرأ نصوصها وموادها؟ وما وُضع عليها من الشروح، والحواشي، والتعاليق، والملحقات، والاستدراكات، والزوائد، والإحالات، والتقارير، والبيانات، ولو قرأ كل ذلك لرأى العجب العجاب. وأنسته هذه الكثرة- التي ينسي آخرها أولها- ما نشكو منه من كثرة الشروح والحواشي في كتب فقهائنا المتأخرين ... وآخر ما يسترعي انتباه القارئ الغافل، من هذا الثبت الحافل، هو تواريخ هذه القوانين والقرارات وتعاقبها وتشابكها وكثرة الإحالات فيها، ففي خمسين سنة وضعت هذه النصوص كلها لمسألة واحدة، وكان أول نصّ منها بسيطًا، ثم تعاهده رجالُ السياسة- بإيعازات من رجال الحكم والإدارة- بالتنقيح والزيادة والتوضيح، حتى وصل إلى هذه الصورة وهذه الكثرة التي تستدعي وضع (كشف ظنون) جديد خاص. ومن يدري؟ فلعلّ واضعه الأول أوصى ببعض ما أوصى به الشيخ خليل في خطبة مختصره بقوله: "فما كان من نقص كملوه" ... وأنا أشهد أنني اجتمعتُ بجماعة من المحامين، ورجال القانون، وطائفة من العلماء الباحثين، وفئة من أهل الاطلاع الواسع في الشؤون الإدارية، وثلة من المباشرين للمكاتب العامة، وهواة مجاميع الجرائد والمجلّات العلمية والرسمية، وسألت كلًّا منهم عن هذه القوانين وأين توجد مجموعةً، فما عرفوا شيئًا من ذلك، ولا أرشدوني إلى شيء من ذلك، ما عدا ما هو متفرّق في الجريدة الرسمية تفرّقًا شنيعًا، تنفق في جمعه أوقات وجهود، ثم سألت رجال القانون عن فقه هذه القوانين، فأجابني المنصفون منهم بأنه لا فقه لها إلا في أدمغة الإداريين المقلّدين، إذ الشأن في فقه القوانين أن يكونَ (مدهونًا) بالفلسفة الاجتماعية، مطابقًا لروح الزمان والمكان. وهذه القرارات الفردية وهذه القوانين البوليسية لم توضع لإصلاح شيء، وانما وضعت لإفساد شيء، فإذا احتيج فيها إلى شيء فيرجع فيه إلى الفقهاء المفسدين ... قالوا: وهي قبلُ وبعدُ قوانينُ استعمار. قلت لهم: ولا تزول إلا بزوال الاستعمار. قالوا: ولا يبنى على الصالح إلا الصالح. قلت: وكل ما بني على الفاسد فهو فاسد.

стр. 1119

التعليم العربي والحكومة * - ٧ - هذه هي مقدّمة المشروع الذي وضعه الشيخ (باي) بمعونة الرجال الاختصاصيين في الإدارة وتقدّموا به إليّ، كأساس للمفاوضة، على أننا إذا اتفقنا على ما فيه قدّم للوزارة لتصدر بنصوصه (ديكري) ينسخ "الديكريات" ويأكل القرارات، ولا أدري، بماذا مهّدتْ إدارة الجزائر لهذا المشروع عند الوزارة، وفي الديوان الجزائري هناك؟ وإنما الذي ندريه أن الوزارة وكل ما تفرّع عنها من اللجان والإدارات (ذات الاختصاص) خاضعةٌ في كل ما يتعلّق بنا للإدارة الجزائرية، ترجع إليها، وتتلقّى الوحي منها، وتصدُر عن رأيها، ولا تنقض ولا تبرم إلا بإشارتها. ألم ترَ أن المقدّمة التي نشرناها خُتمت بهذه الجملة: "وبإيعاز من الوالي العام على الجزائر". وبعد هذه الديباجة التي تشير إلى جميع القوانين، وتعتمد عليها، و (تأخذ بخاطرها) وتنبّهنا إلى مواقعها، وترمز بكثرتها إلى أن العبء الذي سيخفّف عنا بسببها عظيم، وأن المنّة علينا بها جسيمة، بعد ذلك تأتي مواد المشروع مبنية بأحجار القوانين القديمة، موضوعةً على أساسها، على هذا النسق. "المادة الأولى: قد أُلغي العنوان الثالث وهو: (التعليم الخاص بالأهالي الأنديجان) من قانون ١٨ أكتوبر ١٨٩٢ المتعلّق بالتعليم الابتدائي الحرّ عند الأهالي الجزائريين، وكل النصوص التي كمّلته أو غيّرته". وهذه المادة هي الجملة الوحيدة المغرية من المشروع، لأن قانون ١٨ أكتوبر ١٨٩٢ هو أصل البلاء كله على التعليم العربي في جملته وتفصيله، وكل ما جاء بعده فهو فرع عنه أو تكميل له، ويقول الشيخ (باي) في أول حديث له معنا في المشروع: إن هذه المادة

стр. 1120

محقّقة لشرطنا الأساسي، وهو إعلان إلغاء جميع القوانين القديمة وتعويضها بقانون واحد جديد؛ ونحن لا نصدّق بذلك ولا نعدّه محقّقًا لشيء ولا مفيدًا لشيء، لأن ذلك القانون وجميع القوانين التي تشبهه، مصوغة كالسلسلة كلها حلق متشابكة، أو كالشبكة كلها خروق لا تسدّها إلا بقلب وضعها؛ وهي غير محقّقة للإلغاء، لأننا اقترحنا على الحكومة أن يكون الإلغاء معلنًا من جانبها. وعرَض هذا الاقتراح مفاوضو جمعية العلماء على مفاوضي الإدارة في المرّة الأولى بصورة أوسع، وهي أن يُعلنَ الإلغاء في الجرائد ويُعلن معه الشروع في المفاوضات، فأبى ذلك مفاوضو الحكومة، وقالوا لممثّلي الجمعية: أعلنوا أنتم إن شئتم ... "المادة الثانية: يجب على المعاهد الدينية على اختلافها، والتي لا يشتمل برنامج تعليمها سوى الدروس الدينية وبعض مبادئ القراءة والكتابة ولا تعلم المواد الأخرى التي تُدرس في المدارس الابتدائية، وهي المواد المشار إليها في المادة ٢٧ من قانون ١٨ جانفي ١٨٨٧ الخاص بالتعليم الابتدائي العام: على هذه المعاهد أن تخضع للنظام الآتي: أولًا: على المدير الذي يريد فتح مدرسة من هذا النوع أن يخبر- كتابيًّا- نائب عامل العمالة (١) في منطقته، وإذا كان في المناطق الجنوبية العسكرية فليخبر رئيس تلك المنطقة العسكرية. ويستطيع أحد المعلّمين أن يقومَ بهذا الإخبار بدلًا من المدير. ويجب أن يتضمن هذا الإخبار بصفة خاصة عدد التلاميذ الذين سيدخلون المدرسة. كما يجب أن يرسل مع الإخبار الأوراق التالية: ١ - تصميم المحل. ٢ - شهادة ولادة المدير أو المعلم تثبت أن صاحبها ذو جنسية فرنسية. ٣ - شهادة براءة من الأحكام الجنائية لا يزيد تاريخها عن ثلاثة أشهر. ٤ - شهادة استقامة وحسن أخلاق. فإذا لم يجب عامل العمالة أو رئيس المنطقة الجنوبية في ظرف شهر من يوم إرسال هذه الأوراق المشروطة فيمكن فتح المدرسة دون توقف. ولا يرفض طلب فتح مدرسة إلا إذا كان السبب يرجع إلى دواعي الصحة في المحلات، أو سيرة المدير أو المعلمين. ثانيًا: يجب على المدير أو المعلم أن يسجّل في دفتر خاص أسماءَ التلاميذ وتاريخ ولادتهم وتاريخ دخولهم المدرسة وأسماءَ آبائهم ووكلائهم الشرعيين وعناوينهم. وهذا السجّل يجب أن يكون دائمًا تحت طلب الحكومة". ...

стр. 1121

ثم يذكر المشروع منع العقوبات البدنية، واشتراط التلقيح، وإبعاد المصابين من التلاميذ بالأمراض المعدية، واستكمال المدرسة للشرائط الصحية، وهي شروط تقوم بها مدارسنا دون اشتراط، لأن ديننا يهدي إلى النظافة والصحة والنظام. ويرى القارئ لهذه المواد، التي نشرناها بنصها من المشروع، أنها تذكر المدير والمعلم ولا تذكر الجمعية، مع أن مدارسنا كلها تديرها جمعيات لا أفراد، والجمعية أقوى على تحمل المسؤولية، وأقرب للقيام بالتعهدات والشروط، وأدنى أن تحقّق النظام المطلوب في مصلحة اجتماعية كهذه؛ ولكن الحكومة لا تعنيها المصلحة ولا النظام، وإنما يعنيها أن تكثر من أسباب التعطيل، وما يسهّل أسباب التعطيل، لذلك تعترف بالمدير وتتجاهل الجمعيات. لتكون أعمال التعليم كلها فردية، وليكون المسؤولون عنها أفرادًا، وقلع الأفراد أهون عليها من قلع الجماعات؛ واستهواءُ الفرد، أو أخذه بالترغيب والترهيب والمساومات أسهل وأمكن. وقد ناقشتُ محدّثي الرسمي في هذه النقطة وشرحت له معنى ما ذكرت هنا بإسهاب، وبيّنتُ له ما نعتقده من مقاصد الحكومة فيها، فاقتنع ولم ينكره بذوقه الخاص؛ وإن لكل واحد من رجال الحكومات في كل نازلة ذوقين: ذوقًا إنسانيًّا كأذواق الناس يميّزون به المعقول من غير المعقول، والحلو من المرّ، والحسن من القبيح، لا يخرجون فيه عن طبائع الأشياء وخصائصها وأشكالها ومقاديرها؛ وذوقًا حكوميًّا يتكيّف بالاعتبارات الحكومية، وينعكس وينتكس، بالتعمل والتأثّر، حتى يصير الحلو عند صاحب هذا الذوق مرًّا، والحسن قبيحًا. اقتنع صاحبي بأن حركتنا التعليمية حركة جمعيات، وأنها هي المسؤولة، وأن الخطاب يجب أن يكون معها، وأن المدير أو المعلم إنما هو موظف عندها، وأن تكليفه بهذه الشروط مدرجة إلى تعطيل أعمال الجمعيات؛ ولكن ذوقه الحكومي لم يسمح له بتجرع هذا ... وفي المادة الثانية وجوب الإخبار بفتح المدرسة، إلخ. والإخبار المجرّد أمر بسيط، نقبله ولا نتحرج منه؛ ولكننا نقبله على أنه إخبار مجرّد مقرون بالشروع في التعليم؛ أما الحكومة فتسمّيه إخبارًا، وتفسّره استئذانًا، لأنها تقول: إذا لم يجب عامل العمالة أو رئيس المنطقة في ظرف شهر من يوم الإخبار فللطالب أن يفتح المدرسة. إذن فهو استئذان، وترخيص، لاإخبار؛ ولو كان إخبارًا فقط لما توقف على إذن ولا تأجيل؛ وما دام التأجيل مقرّرًا فمعناه أن لعامل العمالة أن يجيب بالرفض، وأن يتعلّل بتلك العلل المستثناة. هذه واحدة من بقايا المعاني القديمة في هذا المشروع.

стр. 1122

التعليم العربي والحكومة * - ٨ - ثم يقول هذا المشروع الذي هيّأوه للوجود، وجرّدوه من خصائص الوجود وعناصره، وأرادونا على أن ننفخ معهم الروح في جماد، فأبينا، واستدرجونا إلى أن نقبل القديم، ملفوفًا في ثوب جديد، معنونًا بعنوان جديد، فأبينا، وأن نتجرّع السم في زجاجة دواء، فامتنعنا، يقول المشروع في تفصيل المادة الثانية: "رابعًا: يمكن لعامل العمالة بإيعاز من السلطة البلدية، ولحاكم المنطقة العسكرية بإيعاز من السلطة التي تحت نظره، أن ينزع رخصة التعليم مؤقّتًا، أو مؤبّدًا من المدير أو المعلم إذا وقعت منه خطيئة في مزاولة عمله، أو ارتكب ما يفسد أخلاقه وسيرته، ويجب على المدير أو المعلم الذي يخلفه أن يقدّم الأوراق اللازمة المشار إليها في القسم الأول من هذه المادة بحروف: أ، ب، ج، من هذا القانون. ويستطيع الوالي العام على الجزائر أن يعطّل- بصورة استثنائية- سير أي مدرسة في حين وقوع حادث ذي صبغة خطيرة، وبإيعاز من عامل العمالة أو حاكم المنطقة الجنوبية العسكرية". كنا وما زلنا نعلن للملأ، ونقول للحكومة: إن البلاءَ المنصبّ على تعليمنا آت أقلّه من القوانين وأكثره من كيفية تنفيذها، ومن القائمين على تنفيذها، وما القائمون على تنفيذها إلا صغار الشرط ومن فوقهم من حكام الأحواز المدنية، والمناطق العسكرية، لأن هؤلاء الجبابرة حين يتولّون تنفيذ القوانين المتعلقة بنا، وبديننا وتعليمنا، لا يباشرون ذلك على أنه تنفيذ لقانون يقف الطرفان عند حدوده ونصوصه، ولا يأتون ذلك بشيء من روح العدل، وإنما يباشرون ذلك على أنه انتقام من العربي المسلم (الأنديجان)، وبروح التشفي والمكر وإطفاء الحقد

стр. 1123

الكامن، فالتنفيذ عندهم في هذا الباب، تنفيذ عقوبة لا تنفيذ قانون، وقد بلوْنا ذلك وخبرناه فإذا هو هو في جميع صوره ومظاهره وملابساته، حتى في ردّ الجواب، وهيئة الخطاب. هذا الذي جأرنا بالشكوى منه هو الذي تقرّره وتثبته هذه الفقرة من هذه المادّة من هذا القانون، فتبنّي الرخصة ونزعها وتعطيل سير المدارس (على الإيعازات) من هذا الصنف الذي ما خلق إلا ليكون شرًّا على ديننا ودنيانا، والذي لا يوعز في حقنا إلا بالهضم والظلم، والشر والتضييق، والذي لا يرضيه عنا شيء، إلا أن ننسلخ من كل شيء، فإلى هؤلاء الذين لا يحكمون فينا بالعدل والقانون، وإنما يحكمون بالعاطفة والشهوة، يكل "المشروع" أمرًا حيويًّا، وعلى إيعازاتهم يبني حياتنا وموتنا. ونرجع الآن إلى مقارنة بين الفقرة التي نقلناها، وبين ما قبلها. فهذه الفقرة تفاجئ بأن لعامل العمالة أن ينزع الرخصة بإيعاز ... وأية رخصة هذه؟ ولم يجر لها ذكر وإنما جرى ذكر الإخبار المجرّد محفوفًا بالإبهام وما يشبه التناقض، وقد ناقشناه في المفاوضة وأشرنا إليه في المقال الماضي. ثم تتعثّر هذه الفقرة في إجمال للإيعاز وللسبب الذي ينبني عليه وهو (الذنب الخطير) وقد ناقشت المفاوض الحكومي في هذا التناقض وشرحت له في هذا الموضع رأي الجمعية في أصل (الرخصة) وبيّنت له فسادها وأضرارها، وأبواب التحكمات التي تفتحها علينا، وسجّلنا كل شيء ولكن الرجل مفاوض غير مفوّض ... ثم ألزمته بتحديدات لهذه النقط المظلمة، والعبارات المبهمة، ومنها الذنب الذي يستوجب مرتكبه نزع الرخصة منه، فأجاب على الإجمال بإجمال، فشرحت له مراد الحكومة من هذا الإجمال، ومرادها (بالذنب الخطير) وأنها تطلق وتعمّم ليبقى باب التأويل مفتوحًا لرجالها، ولكنها- على كل حال- لا تريد من الذنب شرب الخمر ولعب الميسر، والزنا، وكبائر الإثم والفواحش، لأن هذه كلها مشمولة بحمايتها، وكلها- ولو اجتمعت- أخفّ في الإجرام من جريمة التعليم العربي، وإنما تريد الحكومة من الذنب شيئًا واحدًا، تسمّيه إذا شاءت بأسماء عديدة، وتحصره إذا شاءت في اسم واحد وهو السياسة، ولو كان هذا الوصف الشريف منطبقًا على كل من (تتّهمه) به لهان الأمر، ولكنها تكل إلى عمالها رمي من شاؤوا به. فإذا غضبوا على شخص ما، لأمر ما، ولم يجدوا في أعماله مطعنًا، ولا في حياته مغمزًا، ولا في سيرته معلقًا للتهم، رموه بهذه النقيصة التي لا كمال معها، لينتقموا منه، ويطفئوا نار غضبهم عليه، وما دامت حكومتهم تضع المتون، وتكل إليهم الشروح، فهذا هو الشرح الوجيه التي يتفق مع مراد الشارع، ويؤدّي مراد الشارح. هذا هو المقصود من الذنب، وضعته الحكومة قصدًا ونيّةً وبيّنه رجالها عملًا وتطبيقًا، وعرفناه نحن مشاهدة وتجريبًا، فكل إجمال فيه ضائع، وكل تفصيل له عبث ولغو.

стр. 1124

فإذا جاوزنا من المشروع (رابعًا) كما يجاوز الحاج رابغًا، وجدنا (خامسًا) لا يفهمه إلا الراسخون، ولا يضعه إلا الماسخون، وهو: "خامسًا: في المدن التي لا تكفي مدارسها (الحكومية) العامة لإيواء كل التلاميذ الذين هم في سن الدارسة- يسمح عامل العمالة بإذن كتابيّ منه، بفتح مدارس حرّة ذات صبغة دينية، لمدة لا تتجاوز سنة واحدة دراسية. لتعلّم في ساعات التعليم بالمدارس العامة دون مراعاة للمسافة التي بين المدرستين. ويمكن أن تجدّد هذه الرخصة". ومعنى هذه المبهمات أن قوانين الحكومة تمنع فتح مدارس (أجنبية) بجنب مدارسها الرسمية وتمنع كل تعليم أجنبي في الساعات التي تكون فيها مدارسها مشغولة بالتعليم الرسمي، كل ذلك بالنسبة للأولاد الصغار الذين يكون سنهم دون الرابعة عشرة، ولكن هذا كله لا يعقل تطبيقه إلا إذا كان التعليم إجبارًّيا، ومدارسه كافية لكل طالب، أما حالتنا مع هذه الحكومة فكلها شذوذ في شذوذ، فالتعليم ليس إجباريًّا، والموجود لفظ بلا معنى، وجسم بلا روح، وتعب بلا فائدة، وللحكومة في جعله كذلك حكم وأسرار، ولعلها من المفيد لنا لا الضار، والمكاتب غير كافية حتى لعشر المعشار، وإدارتها لا تقبل من أبنائنا إلا بمقدار، فلما رأت الحكومة إقبال الأمّة على تعليم أبنائها، تعليمًا عربيًّا دينيًّا، وتصميمها على ذلك، ورأتْ من جهة أخرى تنبّه الأمّة لتقصير الحكومة في التعليم المدني، وعدم قيامها بالواجب له، واحتقارها للمسلمين في كل ما يجب لهم منه، وبخسها لحظّهم منه، لما رأت الحكومة ذلك وتدّبرت عواقبه، أدمج مشرّع هذا المشروع هذه الفقرة، ليلفتنا من جهة إلى هذا القانون المدسوس فيخيفنا به، وليمنّ علينا بأن للعامل أن يرخص: في الدراسة الدينية، للأطفال الصغار، في ساعات التعليم الرسمي، إذا كانت المدرسة لا تكفي لإيوائهم ... وليت شعري، إذا وجدت هذه الأمور كلها، واجتمعت، ثم جاء شخص أو حكومة أو أي كائن يريد منع الناس من التعليم حتى يستأذنوه، وحتى يرخص لهم، ولمدة عام واحد فقط، ثم يعاد الاستئذان ويعاد الترخيص أو يُرفض، إذا جاء إنسان أو حكومة بمثل هذه الموبقات، مع وجود هذه المقتضيات كلها، فماذا يقال فيه؟ الحق أن أقلّ ما يقال فيه: إنه عدوّ لدود للعلم والتعليم، ووليّ حميم للجهل والأميّة، وهذا هو ما قلناه- في صراحة- لهذه الحكومة. وما قلنا لها هذا إلا لما تعاملنا به من مثل هذه التشريعات. ومن المضحكات قول هذا المشرع: دون مراعاة للمسافة بين المدرستين ... إن هذه الأمور إذا اجتمعت صيّرت العاقل بين أمرين: إما أن يضع جميع الاعتبارات والقوانين تحت رجليه ويعلم، وإما أن يجنّ ...

стр. 1125

التعليم العربي والحكومة * - ٩ - ثم ماذا؟ ... ثم يقول هذا المشروع الذي لم يرزَق براعة الاستهلال، ولا دليل الحياة من الاستهلال: "المادة الثالثة: تخضع المعاهد التي يشمل برنامج تعليمها كل أو بعض مواد التعليم الابتدائي المشار إليها في المادة ٢٧ من قانون ١٨٨٧، لنصوص المادتين الثانية والثالثة من قانون ٢٧ نوفمبر ١٩٤٤ الخاص بنظام التعليم الحرّ في الجزائر، ولا يطلب من المعلّمين أي شرط ليعلّموا في هذه المعاهد مواد غير مذكورة في المادة ٢٧ من قانون ١٨ جانفي ١٨٨٧". ولسنا بصدد شرح هذه المواليد المختلفة في الأعوام، المتجمعة في أنها ظلم وظلام؛ مقنّعات بقناع النظام. وإن هذه الإحالات المتكرّرة لتكفي وحدها في التعقيد، وخفاء المراد عن المريد، وكلها قوانين كانت نائمة، وكانت الحكومة عنها صائمة، فلم توقظها في وقت من الأوقات، مثل ما أيقظتها في هذه السنوات الأخيرة. لأنها كانت تظن أنها سلاح لغير قتال ولا معركة، لأن الأمّة كانت تغطّ في النوم أيضًا، فما حاجة الحكومة إلى تلك القوانين؛ وإنما وضعتها للاحتياط وقطع الشك ... فلما جدّ جد الأمّة في هذه السنين، وفتحت أعينها على تراث منهوب، وحق مغصوب، ومدّت أيديها للاسترجاع والتجديد، مدّت الحكومة يدها إلى تلك القوانين تحرِّكها وتوقظها، وتغذّيها بالزيادات والملحقات؛ ومن أشنع هذه الزيادات ما وُلد في طالع النحس، وهو ما قرّرته لجنة التحرير القومي يوم كانت الدولة الفرنسية كلها في الجزائر، وكانت فرنسا كلها تضطرم ثورةً وحربًا. ففي ذلك الوقت الحرج الذي ينسى فيه الخليل خليله، لم تنسنا لجنة التحرير القومي، وكافأت الأمّة
следующие страницы →