لبقي المصلّون كلّهم مرابطين ينتظرونني، وكان الأمر في الجمعة الثانية أشدّ، وكان في الثالثة أشنع لكثرة المصلّين في جامع الميمن، وكان صوتي بالإنكار في كلّ مرّة أعلى، ولكنه كان أضيع، وفي المرّة الأخيرة وجدت نفسي في شبه حلقة مفرغة من ورائها حلقات تزدحم وتتضاغط بحيث ما كدت أصل إلى الشارع حيث السيارة إلا والمؤذّن يؤذّن بصلاة العصر، ومن العجيب أن بعض العلماء- وكان يسايرني في تلك الضغطة- أنكر عليّ هذا الإنكار، وقال لي إنهم يحبّونكم، فهم يتبرّكون بكم، وأعجب منه أن مما ألهمته في تلك المحاضرة تقريع العلماء على تقصيرهم في التربية الاجتماعية، وسكوتهم على المنكرات حتى تعظم، وتأوّلهم للصغائر حتى تكبر، وقد فهمها هذا الأخ العالم مرّتين نصًّا وترجمة، ولما خرجنا ونجونا قلت لذلك الأخ: إن النفس لأمارة بالسوء وإن من مداخل الشيطان إلى النفس ما كنا فيه مذ الآن، إنه يصوّره بألف صورة ويزيّنه بألف معنى من معانيه، وافتتان الناس بالمرء يفضي إلى افتتانه بنفسه، ومن هنا أنكر ديننا الغلو حتى في الحب والبغض، ولو تكرّرت عليّ هذه الحالة مرّات لزالت عني مشقّتها بالارتياض والتعوّد، ولم يبق لي الشيطان منها إلا جوانبها الحبيبة إلى النفس، وهي أنها طاعة وانقياد وخضوع تلد الزعامة فالإمارة، فإن أنكرتها عجزًا أو تعفّفًا قفز بي إلى النبوّة فما فوقها، ومن عادة الشيطان أن يرتفع بعدوّه الإنسان إلى أعلى، ليكون الهبوط بقدر الصعود، وقلت لصاحبي: إن الصغائر في العامة تستحيل كبائر بالمبالغة فيها وبالسكوت عليها من العلماء وأهل الرأي.
...
____
الزيارات
____
زرت فخامة الحاكم العام لدولة باكستان السيد غلام محمد في مقرّه الرسمي، يوم ٣١ مارس سنة ١٩٥٢ على الساعة الثانية عشرة والدقيقة العشرين، وكان المترجم هذه المرّة الأستاذ محمود أبو السعود من نوابغ الاختصاصيين المصريين في علوم الاقتصاد، ويحمل عدة شهادات عالية في علوم أخرى وله اطلاع واسع على الفقه الإسلامي، وفهم دقيق له، وهو يتولّى منصب مستشار بنك الدولة الباكستانية، وكانت الترجمة بيني وبين الحاكم العام بالإنكليزية، وفهمت من أول الحديث أنه مشغول الخاطر بالدستور الباكستاني الذي لم يتحرّر ولم يتقرّر إلى الآن، مع اشتغال المجلس التأسيسي به عدة سنوات، وما زالت الدولة جارية على بقايا القوانين الإنكليزية، والرأي العام ينادي بدستور إسلامي كامل تنبني عليه أحكام
стр. 1507
إسلامية في الشخصيات والماليات والجنائيات، ومنها إقامة الحدود، ينادون بهذا ويتصوّرونه تصوّرًا مجملًا، والفقهاء منهم وعلماء الدين يتشدّدون في هذا ويشرحونه شروحًا نظرية تختلف باختلاف النزعات المذهبية من تقليد واستدلال، وهم يرون أن الرجوع إلى الأحكام الإسلامية هو الفرق بين العهدين، وما دامت الأحكام إنكليزية فلا استقلال، وهو كلام حق، ورأي سديد لو لم يكن مستندًا على النظريات، ونحن نقول ما هو أبلغ من هذا، نقول ما دام التعليم والكتابة في الرسميات بالإنكليزية فلا استقلال، فكيف بالدساتير والقوانين؟ والمثقفون يريدونه دستورًا مدنيًّا مقتبسًا من حالة الأمّة وتقاليدها، محقّقًا لرغائبها وضروراتها، ولا يتحمّسون فيما بدا لي للاستعارة من الدساتير الأجنبية كما فعل المصريون والأتراك الكماليون، ولا أدري هل هم مجمعون على هذا الرأي، لأنه لم يتح لي أن أحادث كل من لقيت منهم في هذا الباب، فإن كانوا مجمعين على هذا فهو من محامدهم، وسداد تفكيرهم، والذي عرفته- على الجملة- أن هذه الطبقة المثقّفة في باكستان ما زالت على شيء من التماسك مع الأجيال السابقة في الخصائص الموروثة، وما زالت على بقية من احترام الدين، فهي لذلك لا تجرؤ على مناهضة الرأي العام الإسلامي، ومما يختلفون به عن مثقّفينا أو مثقّفي اللغة الفرنسية أن روحهم إسلامية، وأنهم مطّلعون على أصول الإسلام وتاريخه وأبطاله، ولا سيّما السيرة النبوية والصحابة وآثارهم وخصائصهم، والحكومة حائرة بين الرأي العام والعلماء وبين ما يقتضيه الزمان من تساهل، والمجلس التأسيسي سائر بالقضية في تؤدة وبطء، ولعل من معاذير الحكومة في التروّي كثرة المذاهب الإسلامية، وأن أهل كل مذهب يريدون صوغ الدستور والقوانين التي تنبني على قواعده على قالب مذهبهم، والمسألة بسيطة إذا حكّم أهل المذاهب كتاب الله والمتّفق عليه من حديث النبي ﷺ ، ومعقّدة من جهة الواقع وهو أن مقلّدة المذاهب متعصبون لمذاهبهم، وإن خالفت الكتاب والسنّة بالاجتهادات المحضة.
فاتحني فخامة الحاكم العام بالكلام في هذه القضية، وقال: إن أقدر رجل على وضع قانون أساسي صالح للأمم الإسلامية كلها هو جمال الدين الأفغاني، لأنه عالم وحكيم وسياسي، وأنه درس تاريخه فلم يجده- سامحه الله- اعتنى بهذه القضية العظيمة، ثم تلميذه محمد عبده، وهو كذلك لم يصنع شيئًا، وتمنّى فخامة الحاكم العام لو أنني أكتب شيئًا في هذه القضية الجليلة وأعرضه عليه، وأن هذا يعدّ مني خدمة ذات قيمة للقضية، وإعانة للمشتغلين بها، فعلمت من حديثه على طوله أنه عامر الجوانح اهتمامًا بهذه المشكلة، فاعتذرت عن الشيخين بأنهما صرفا عنايتهما إلى الأهم من أحوال المسلمين في زمنهما، وهو التقريب بينهم، وإصلاح خللهم، وإعدادهم لينقذوا أنفسهم من أمرائهم المستبدين، ومن أعدائهم المتسلّطين، ولو تمّ هذا في زمنهما ولو في جهة مخصوصة، لكانت الخطوة الثانية الطبيعية هي هذا الدستور الإسلامي الذي تقصدونه، ولعلهما كانا يريانه أسهل مما نتصوّره
стр. 1508
نحن الآن، وهو كذلك إذا خفّ تأثير المذاهب المفرّقة، واجتمع المسلمون على هدي الكتاب والسنّة، وهو ما كان يعمل له الإمامان.
...
وزرت رئيس الوزراء دولة خواجه ناظم الدين في مكتبه بالمجلس التأسيسي، فكان الحديث كله عن باكستان والإسلام والمسلمين، والجزائر وجمعية العلماء، وكان المترجم في هذه الزيارة أيضًا الأستاذ محمود أبا السعود بالإنكليزية، وقد زرت رئيس الوزراء بعد الرجوع من رحلة كشمير مرّتين، مرّة مع أعضاء مؤتمر الشعوب الإسلامية بعد أن أزلنا ظواهر سوء التفاهم بين الداعين إليه وبين الحكومة، وقدّمني إخواني المؤتمرون للكلام أمامه فتكلمت وترجم عني الأستاذ سليم الحسيني، ومرّة أخرى رفعت له فيها تقريرًا مفصّلًا مترجمًا إلى الأوردية في الشؤون الدينية، وكان المترجم بيننا الأستاذ أبا السعود أعانه الله، كفاء لما قدّمه لي من عون تزيد في قيمته حاجتي إليه، وجزاه عن أخيه الذي لا ينسى فضله خير الجزاء.
...
وزرت قبل الرحلة وزير الدعاية، ووجّهت له كتابًا باسم الأمم العربية على نزارة الحصص التي يعطيها راديو باكستان للغة العربية، وعلى قصر حصة القرآن وعدم تعدّدها، وقلت له: يسوء إخوانكم المسلمين والعرب أن تكون حكومة الهند أحذق منكم في فنون الدعاية، وأحرص على اجتذاب العرب بتوسيع البرنامج العربي، واجتذاب المسلمين بتعدّد حصص القرآن، فاعتذر بكثرة اللغات التي تحتّم عليهم الظروف السياسية أن يذيعوا بها إرضاء لطوائف داخلية، أو مجاورة، وقد وعدته بتسجيل أحاديث دينية واجتماعية استجابة لرغبة إدارة الإذاعة، ولكن الرحلة وما تبعها من أعمال وأشغال حالت بيني وبين إتمامها فسجّلت بعضها بصوتي، وأنا عازم على إرسال بعضها من العراق إلى الأستاذ كاظم الحيدري مدير القسم العربي ليلقيها نيابة عني، وقد وعدني الوزير بأنه يتدارك ذلك النقص الذي عاتبته فيه بالتدريج، بعد أن سلم بملاحظاتي وآمن بسدادها.
وزرت- قبل الرحلة أيضًا- حضرة محمد ظفر الله خان وزير الخارجية، في دار سكناه، وجدّدنا ذكريات اجتماعنا في باريس، وشكرته على مواقفه من القضايا الإسلامية، وسردت عليه الحوادث الدامية بتونس، وما يقوم به الاستعمار الفرنسي من استباحة وانتهاك وترويع، فوجدته حافظًا للوقائع والأماكن والأشخاص كأنه شاهدها، وأبدى لي تأثّره الشديد من مكتب الجامعة العربية بالقاهرة، وقال إنه طلب منهم أن يمدّوه بواحد أو باثنين من التونسيين المقيمين بمصر، العاملين في القضية، ليسترشد به مندوب باكستان في مجلس
стр. 1509
الأمن في تنظيم التقارير وملفات القضية التونسية، وقال إن مكتب الجامعة وعده ذلك ولم يفِ، وحدّثته عن بعثة جمعية العلماء إلى مدارس باكستان- وهو حديث بدأته مع حضرته في باريس وأربعأناه إلى الاجتماع في كراتشي- فاتفقنا على الاجتماع بوزير المعارف وبحث المسألة معه، وكذلك كان، والوزير ظفر الله خان يفهم عني بالعربية ولا يغمض عليه إلا القليل، فنرجع فيه وفيما يجيبني به إلى الترجمان بالأوردية، وهو في هذه المرّة الشيخ القدوسي.
...
وزرت- بعد رجوعي من الرحلة- وزير المعارف، وكنت درست التعليم في الثانويات والكليات والجامعات في بشاور وفي لاهور (وهما مدينتا العلم) فبحثت مع وزير المعارف مسألة البعثة على ضوء تلك الدراسة، وبيّنت له الفائدة المرجوّة لأبناء الجزائر من الدراسة في باكستان، وما تستفيده الحكومة الباكستانية من الفوائد المعنوية، وما يستفيده التلامذة من الامتزاج، وكان ظفر الله خان حاضرًا معنا فدرسنا المسألة مجتمعين، وطلب مني وزير المعارف أن أكتب له بمعنى ما دار بيننا تقريرًا مختصرًا يتخذه أساسًا لعرض القضية على مجلس الوزراء بصفة رسمية، فكتبت التقرير في يومه وترجمته إلى الأوردية، وقدّمته له يوم ٦ جوان ١٩٥٢.
...
وزرت في نهاية الأسبوع الأول من وصولي إلى كراتشي صاحبة العصمة السيدة فاطمة جناح أخت المرحوم بطل الانفصال محمد علي جناح، قائد باكستان الأعظم، في دار أخيها التي كان يسكنها، فرحّبت وأهّلت، وسألتني عن الجزائر، وعن الإسلام فيها، وعن المرأة الجزائرية وحظّها من التعليم، وسألتني عن رأيي في المرأة المسلمة عمومًا، وأية الطرق التي يجب أن تسلكها للحياة بعد أن تبيّن أن حالتها الحاضرة فساد لها وإفساد لأمتها، ووبال عليهما معًا، فأجبتها بما خلاصته: إن المرأة المسلمة يجب أن تتعلّم، ويجب أن تتهذب، لكن بشرط أن يكون ذلك في دائرة دينها وبأخلاق دينها، وأن الإسلام ضمن لها حقوق الإنسان كاملة، وحاطها من جميع الجهات بما يجبر ضعفها الطبيعي، وأقرّها في أحضان البرّ والتكرمة بنتًا وزوجًا وأمًّا، وهي أطوارها التي تجتازها في الحياة، وحدّد لها الوظيفة التي حدّدتها لها الفطرة، وهي أشرف الوظائف الإنسانية بل هي الإنسانية في أول مراتبها، وأعطاها من الماديات والمعنويات ما لم تعطها شريعة سماوية ولا قانون وضعي، وألزمها أن
стр. 1510
تتعلّم كما ألزم الرجل أن يتعلّم، لأنه سوّى بينهما في التكاليف، والتكاليف لا تؤدّى إلا بالعلم، وأوجب عليهما العشرة، والعشرة لا تصلح إلا على العلم وجعلها مغرسًا للنسل، وغارسة للخصائص فيه، ومتعهّدة له بالسقي والإصلاح، وكل هذا لا يتمّ إلا بالعلم، وإذا كانت تربية النحل والدود تفتقر إلى العلم، فكيف لا تفتقر إليه تربية الإنسان؟ فإذا جهلت المرأة أتعبت الزوج، وأفسدت الأولاد، وأهلكت الأمّة، وكان منها ما ترين، وهل يسرّك ما ترين؟ فقالت لا، وقد توسّعت في هذه المعاني ومثلت، فأعجبها الحديث فأحسنت الإصغاء، وظهر لي من تنازع الحديث أنها مهتمة بشؤون المرأة المسلمة، وأنها مطّلعة على التشريع الإسلامي المتعلّق بالمرأة، وكان رفيقي في هذه الزيارة إنعام الله خان، والمترجم الشيخ محمد عادل القدوسي.
...
وزرت في الأسبوع نفسه قبر المرحوم محمد علي جناح محرّر باكستان، ومعي جماعة كبيرة من أعضاء مؤتمر العالم الإسلامي، ومعنا السيد غلام رضا سعيدي، ممثّل المؤتمر في إيران، ومعتمد بنك الحكومة في طهران، وكان ضيفًا في كراتشي، وتعارفنا فلازمني أيامًا، وهو رجل فاضل عارف باللغة العربية مطّلع على آدابها محسن للنطق بها، ويحسن الإنكليزية جيّدًا والفرنسية قليلًا، وزرنا بعده قبر لياقت علي خان، وهما متقاربان في ساحة واحدة مسيّجة وفي أحد جوانبها ماء ومواضع للوضوء، وليس على واحد منهما قبة، وإنما هما مسنمان في ارتفاع نصف القامة، وعليهما ستور خفيفة من القماش الملوّن، وعلى كل واحد منهما مظلّة مستطيلة تقي الزائرين حرّ الشمس، وقد وضع الزوّار على كل قبر عددًا كبيرًا من المصاحف القرآنية.
انتابتني حين وقفت على قبر جناح حالة غريبة، لعلّ منشأها ما في نفسي للرجل من إكبار زادته دراستي لتاريخ حياته ولأعماله في تلك الأيام القليلة، فإنني ما زرت قبره حتى استكملت علم ما كنت أجهل من حياته، فجاش خاطري بأبيات، وأنا واقف على قبره، وأنشدتها بصوت متهدّج، فتأثّر الحاضرون، وكتبوا ما علق منها بالذهن على إثر الانصراف، وما ذكرت منها حين كتابة هذا الفصل إلا هذه الأبيات الثلاثة:
هنا شمس تَوارت بالحجاب ... هنا كنز تغطّى بالتراب
هنا علم طوته يد المنايا ... هنا سيف تجلّل بالقراب
هنا من معدن الحق المصفّى ... يتيم في الجواهر ذو اغتراب
стр. 1511
- ٥ * -
____
بقية أعمالي في كراتشي
____
عقدت في أول الأسبوع الثاني ندوة صحافية في دار الأخ الأستاذ أبو بكر حليم، مدير جامعة كراتشي الآن، وجامعة "علي كرة" الشهيرة سابقًا، وهو من أعلى من رأيت في باكستان ثقافة، وله قيمة علمية ممتازة، واعتبار في جميع الأوساط الثقافية والحكومية، وهو رئيس اللجنة التنفيذية لمؤتمر العالم الإسلامي، وهو الذي اختار أن تكون الندوة في داره، وأحضر الشاي والحلوى، ووجّه الدعوة باسمي إلى الصحافيين ونواب وكالات الأنباء، فلما اجتمعنا وزّعت عليهم منشورًا مطبوعًا مترجمًا إلى الإنكليزية بقلم الأخ محمود أبي السعود، وبيّنت فيه الوضع السياسي في شمال أفريقيا عمومًا وفي الجزائر على الخصوص، وقضية الإسلام وأوقافه ومساجده وأحكامه في الجزائر، ثم شرحت لهم بلساني تلك المجملات وخصّصت تونس بكلام مؤثّر، وفتحت الباب للأسئلة فسألوا وأجبت، وكان الأستاذ أبو السعود يتولّى الترجمة عني إلى الإنكليزية، ومن لطائفه- حفظه الله- أنني سقت في معرض الحديث آية من كلام الله لها مرمى بعيد، وفيها للعقل مجال، فصاح بي: يا أخي إنني هنا أترجم عنك لا عن الله، إنني أستطيع ترجمة كلامك وإن علا، فأما كلام الله فلا، ومما استحسنته في أصحاب الجرائد ومندوبيها- وكلهم من الشبان- أن معظمهم يحسن الاختزال، فقد كتبوا أجويتي مع طولها في أسطر قلائل، ويظهر لي أن وكالة الأنباء الباكستانية الداخلية على حظ وافر من التنظيم، فقد كانت تنشر أخبار رحلتي من راولبندي أو بشاور فتقرأ في اليوم الثاني في جميع جرائد باكستان، وهي مئات.
...
стр. 1512
أقام لي معهد اللغة العربية حفلة تكريمية، واستدعت إدارته جميع تلامذته وتلميذاته فجلسن من وراء حجاب، واستدعت كثيرًا من العظماء والوجهاء وحضرها مدير الجامعة الأستاذ أبو بكر حليم والسيد غلام رضا سعيدي الإيراني، وتكلّم أربعة من التلامذة في الترحيب بي باللغة العربية فكان نطقهم صحيحًا فصيحًا، يدلّ على صحة رأيي الذي صرّحت به في جميع المجالس بباكستان، وهو أن تعلّم العربية في الكبر لا يأتي بالفائدة المطلوبة وهو الذي جعل أكابر العلماء لا يحسنون النطق بها مع فهمهم الدقيق لها، وأن تعلّمها في الصغر هو الذي يمكّن لها في الألسنة، ثم يأتي الفهم بعد ذلك، وكان في التلامذة الذين تكلّموا تلميذ بورماوي مهاجر، وتلميذ جاوي، ومما يلاحظه الدارس للهجات الموازن بينها أن الجاوي أقرب إلى اللهجة العربية من غيره، فهو ينطق الحاء العربية والعين من مخرجهما الصحيح كما ينطقهما العربي الأصيل، بخلاف الباكستاني فإنه لا يستطيع النطق بهما البتة، بل ينطق العين همزة، وينطق الحاء هاء في غير الألفاظ المتداولة كالحمد لله، والكلمات العربية في الأوردية أكثر من الكلمات العربية التي في الجاوية، ولكن الجاوي إذا نطق بالكلمة العربية في أثناء حديثه، تدرك من أول سماعها أنها عربية لوضوح مخارجها في لسانه بخلاف الباكستاني، وأنشد التلامذة مجتمعين عدة أناشيد بالعربية منها نشيد إقبال مترجمًا فأجادوا، وأعلن مدير المعهد أن هذه الليلة عربية، ولا حظ للأوردية فيها، وكان الحماس للعربية متأجّجًا في التلاميذ فأعدى الحاضرين كلهم، وطلبنا من السيد غلام رضا سعيدي أن يلقي كلمة بالعربية ففعل فجاءت صحيحة فصيحة بليغة، وقال إن هذه هي المرّة الثانية من مرّتين خطبت فيهما بالعربية، وخطبت في الأخير في موضوع التعليم ومنزلة العربية بين الأمم الإسلامية، وأملى علي الجو كلامًا قويًّا عاليًا، وهي أول خطبة عاودتني فيها عادتي من الانطلاق بعد خطب الجمعة، إذ لم أكن فيها مقيّدًا بترجمان، والترجمة المقطعة- وإن كانت تريح وتعطي الوقت للتفكير- تذهب بجمال الارتجال، وتقف في طريق الاسترسال، فهي لفرسان الخطابة تبريد وكبح، ومما قلته في هذه الخطبة: إن اللغة العربية ليست لغة العرب حتى توضع في موازين الترجيح وتتعاورها العصبيات بين جنس وجنس، أو تعلو إليها الأنظار الشعوبية، ولكنها لغة القرآن، وخيرة الله لكتابه، وإذا كان للعرب عدوّ أو منافس ينازعهم المفاخر، أو يجاذبهم المحامد، أو يغضّ منهم، أو ينكر عليهم، فليس للقرآن عدوّ بين المسلمين، وعدوّ القرآن ليس من أمّة القرآن. ففي هذه المنزلة أنزلوا هذه اللغة، وعلى هذا الأصل فخذوها، فكان لهذه الكلمة نفوذها وأثرها في نفوس من فهموها.
يدير هذه المدرسة الأستاذ محمد حسن الأعظمي (من مدينة أعظم كره بالهند، لا من أعظمية بغداد كما يُتوهم) وهو رجل نشيط في أعماله وممّن يحسنون العربية فهمًا وكتابة، وقد جاور في الأزهر سنوات، ومازج الأدباء والكتّاب، ولو قُدّر له أن يرحل إلى الأزهر وهو
стр. 1513
صغير لكملت فيه ملكة النطق وظاهرت ملكة الفهم والكتابة، فكان منه عربي كامل، وقد انتقدت عليه تسمية هذه المدرسة بالكلية، لأنها لم ترقَ إلى هذه الدرجة، وإنما اسمها الصحيح معهد اللغة العربية، وأن التساهل في الأسماء كالتساهل في الأفعال كلاهما قبيح وكلاهما يحدث سوء القدوة، وما أحقّنا بالتزام الواقع واحترامه وتسمية الأشياء بأسمائها، وأن الاسم لكالثوب، إن قصر شان، وان طال شان.
____
حفلة جمعية علماء باكستان
____
وهي غير جمعية العلماء التي أقامت مؤتمر شباط الماضي في كراتشي، فهذه التي نتحدّث عليها أقدم في التأسيس، ولكنها لا عمل لها، ويوشك أن تكون الجديدة مثل القديمة، فليس لواحدة منهما برنامج إيجابي واقعي واضح الحدود، وليس في واحدة منهما عالم نشيط يتبع المقرّرات بالتنفيذ، ويجعل الجمعية حيّة تتحرّك دائمًا.
يرأس هذه الجمعية القديمة الشيخ عبد الحامد البدايوني القادري، ولها فرع أو أصل في لاهور اجتمعت برئيسه وهو خطيب في جامع وزير خان وله رسائل كثيرة بالأوردية، أهداني نسخًا منها، وهو يصف النبي ﷺ بأنه (مالك الناس) وجمعيتهم نائمة لا تستيقظ إلا في الموالد أو في بعض المناسبات التي تصحبها ضجة عامة، وقد دعت الجمعية الجديدة إلى مؤتمر شباط الذي أشرنا إليه (ولم يقدر لي الحضور فيه) وكان مؤتمرًا قويًّا إلا في المناسبة التي جعلوها سببًا للدعوة إليه، وهي مضيّ سنتين على وفاة العالم البطل الشيخ شبير أحمد العثماني- ﵀ فإنها مناسبة ضعيفة كان الأولى أن تكون ثانوية تابعة لا سببًا، وأقوى ما في ذلك المؤتمر إسناد رئاسته إلى الشيخ سليمان الندوي، وهو عالم جليل يجمع بين العلم ووقار العلم، ولكنه شيخ مسنّ، يشرف ولا يصرف، وقد حرّك ذلك المؤتمر الجمعية القديمة فدعت هي أيضا إلى مؤتمر ينعقد في شهر ديسمبر الآتي. وسنتكلم على الجمعيتين في حديثنا عن الجمعيات، وعن المؤتمرين في كلمتنا عن المؤتمرات فليرتقبهما القرّاء.
استجبت الدعوة إلى هذه الحفلة في مركزها، وقرأ مقرئهم آيات من كلام الله، فكان أحسن أداء وأشجى نغمة من كل من سمعتهم في باكستان، وأنشد شاعر مسنّ قصيدة بالأوردية في الترحيب بي وفي تمجيد جمعية العلماء الجزائريين بأعمالها، ووزعوا على الحاضرين خطبة مطبوعة بالعربية في الترحيب بي، ثم تلاها الرئيس، وفيها أن جمعيتهم تحتفل بالموالد، وتحتجّ في مثل قضيتي فلسطين وتونس، وفي هذه الخطبة الدعوة إلى مؤتمر
стр. 1514
ديسمبر الآتي، ورجاء أن أرأس جلسته الثانية (أو إحدى جلساته) وأن سماحة مفتي فلسطين قبل أن يرأس الجلسة الأولى، الخ.
أثّر فيّ ذلك الشاعر المسنّ بسنّه وشيبته وصوته المتهدّج، وشجاني منه ما شجا أبا تمام من الغناء الأعجمي، فشكرته شكرًا معتصرًا من قلبي وإن لم يفهم هو أيضًا ما أقول، وتخلّصت إلى المعاني العامة التي هي سرّ رحلتي، وشرحت وظيفة العالم بما تفهم منه أعمال الجمعيات ووظائف العلماء، وأعرضت عن تلك الجزئيات التي تضمّنتها خطبة الترحيب، لأن زمنها غير قريب، ولأنه ليس من العدل ولا من العقل أن يقطع علماء الإسلام الآلاف من الأميال، وينفقوا عشرات الآلاف من الأموال، ليحضروا مؤتمرًا يقرّر عليهم إقامة حفلات الموالد، كأنه لم يبقَ للمسلمين من المصالح إلا هذا ... ويا ضيعة الأعمار ...
...
____
رحلتي إلى كشمير والدواخل
____
كانت هذه الرحلة غاية التقت عندها رغبتي ورغبة الحكومة، فأنا رحّالة دارس لأحوال المسلمين، ومن أراد أن يعرف باكستان فلا يعرفها من كراتشي. إن كراتشي لا تبلّ غليلًا، ولا تشفي عليلًا، وفيها ما في العواصم مما يضلّ ويزلّ، وفي باكستان عواصم تاريخية، وجوامع أثرية، وجامعات علمية، ودور كتب، وآثار مجد قديم، وعلماء، وآراء وطبائع، وعادات، وأجناس، ولغات، وعناصر أخرجها الاحتكاك عن مجاريها، ومناظر تسحر، وأودية تزخر، فلا يتمّ الغرض من الرحلة إلا بالتقصّي والاستيعاب، وهناك مشكلة كشمير، والآراء في حلّها مختلفة، والنقد متطاير من عدّة جهات إلى الحكومة، وهناك مشكلة الحدود، والخلاف عليها مستحكم بين دولتين إسلاميتين، ولكلتيهما آراء، فيهمني أن أدرس المشكلتين في موضعهما من الأرض، وفي موضوعهما من الناس، فأستفيد شيئًا لنفسي، تتّسع به مداركي، وتزيد به معارفي، وشيئًا آخر لقومي إذا كتبت لهم أو تحدّثت، وشيئًا آخر يثقل به ميزاني عند الله، من كلمة نصح أقدمها للحكومتين، وكلمة حق أنشرها للأمم الإسلامية، ولي لسان ولي عقل ولي قلم، أربعو أن لا أضرّ بها إذا لم أنفع.
وحكومة باكستان يسرّها أن يطّلع أصحاب الأقلام والأفكار من المسلمين على الحقائق، فينشروا دعايتها، وينصروا دعواها، ويكونوا إلى جانبها في قضية كشمير، ووسطاء خير على الأقل في قضية قبائل الحدود، وهي على حق في هذا كله.
стр. 1515
والحكومة الباكستانية خصّصت لكشمير إدارة مدنية كاملة، رئيسها في مظفر أباد، العاصمة الجديدة لكشمير الحرّة، ولها نيابة في كراتشي، وأخرى في راولبندي التي هي باب كشمير، وقد قامت نيابة كراتشي بتنظيم رحلتي وترتيب الإجراءات اللازمة لها، واتصلت بنيابة راولبندي، وبالعاصمة (مظفر أباد)، فكان كل شيء من لوازم الرحلة منظّمًا مرتّبًا بصفة رسمية، وخيّروني بين الطائرة والقطار، فاخترت القطار وأنا أعلم ما فيه من عناء ومشقّة، مع بعد الطريق، ولكنني آثرته لآخذ في ذهني بواسطة الرؤية صورة من هذا الوطن الطويل، لا تتأتّى لراكب الطائرة، واتفقنا على اليوم والساعة فكان كل شيء في ميعاده.
- ٦ * -
____
بقية أعمالي في كراتشي
____
خرجت من كراتشي- ومعي الشيخ محمد عادل القدوسي المترجم- على الساعة السادسة من صباح يوم الثلاثاء خامس عشر أفريل، فتكون مدة إقامي في كراتشي خمسة وعشرين يومًا صحيحة، مضى أسبوع منها في أنس ومطارحات أدبية مع الإخوان الأستاذ المفتي الأكبر والوزراء العرب: الخطيب وعزام والأميري وولدنا الأستاذ الفضيل، ثم افترقوا ولم يبقَ إلا الخطيب وولده الأستاذ فؤاد، وكفى بهما أدبًا وجاذبية وكرم نفس ورقّة شمائل، وحسن افتقاد لي، ومضت الأيام الأخرى في الاجتماعات والمقابلات وكتابة المذكّرات، ولم أتبرم فيها بشيء ما تبرّمت بشدّة الحرّ، ولولا أن ليل كراتشي يصلح ما يفسده يومها لكانت الحياة فيها مزعجة، هذا ونحن في الربيع، فكيف إذا هجم الصيف؟ وقد رأيناها في الصيف فكنا نترقّب الليل وطراوته كما يترقّب الصائم المغرب، وكنت أتربص بالكتابة الليل فأجد في برودته وهدوه وخلوه من الطارقين أعوانًا على النشاط لها وصفاء الذهن.
стр. 1516
كان الجو في يوم السفر حارًّا كعادته وزادته رمال "السند" السافية حرارة وشدّة، فلما جاوزنا إقليم السند بعد نحو سبع ساعات قابلتنا أتربة إقليم "الملتان" فلما جاوزناها واجهتنا أتربة إقليم "البنجاب" ولقينا في يومنا وليلتنا العناء من هذه السوافي التي ليست من صنع الريح، وإنما تثيرها سرعة القطار، وليست سرعة القطار إلا السرعة المعتادة عندنا أو أقلّ، ولكن تهيُّل هذه الأتربة وخفّتها بسبب الحرّ هي التي سهّلت اثارتها بأدنى محرّك، بدليل سكونها في آخر الليل حينما بردت فثقلت، ولا دواء لهذه العلّة إلا تشجير هذه السهول الواسعة بالغابات المثمرة وغير المثمرة وبالبقول والبرسيم، والإلحاح عليها بماء السقي حتى تسكن وتستقرّ، ثم زرع نبات "النجم" على حفافي السكة، فلا يقهر هذه الأتربة غيره، وليست هذه العميلة الأخيرة بالشيء العسير، ولقد رأينا هذا النبات (وهو النجم) مزروعًا في حدائق كراتشي العامة، وفي حدائق القصور الخاصة فرأيناه مستحلسًا كعادته يجمل الأرض بخضرته وتناسبه، ويمسك التراب أن يثور.
مررنا بحيدر أباد، وبهاولبور، ولاهور، ولم نقف فيها إلا بمقدار ما وقف القطار، لأن غايتنا كشمير، أما هذه المدن فهي في آخر البرنامج.
ومررنا ببعض أودية البنجاب العظيمة النابعة من سفوح جبال كشمير، وسنتحدّث عنها وعن هذه المدن في محلّها من هذه الحلقات.
وصلنا إلى راولبندي على الساعة الثالثة بعد ظهر يوم الأربعاء سادس عشر أفريل، فنكون قد قطعنا المسافة في ثلاث وثلاثين ساعة متتابعة لم يتخلّلها نزول ولا راحة، وقطعنا فيها باكستان طولًا إلى قرب حدود الهند من الشمال الشرقي، وكنا محاذين لحدوده الجنوبية على طول الطريق نقرب منها ونبعد عنها بنسب متقاربة، ولقد كانت السكة الحديدية متصلة بالهند من عدّة جهات، ولكنها انفصلت مع الانفصال، فضاعت بذلك فوائد اقتصادية عظيمة على الوطنين.
قطعنا ألفًا وخمسمائة كيلومتر في سهل واحد ليس فيه جبال ولا روابٍ إلى مدى ما تنتهي إليه العين، ومما يؤسف له أن هذه السهول كلها خصبة التربة وتشقّها أنهار البنجاب العظيمة وترعها المنفصلة عنها، وكل ترعة تكون نهرًا عظيمًا، ومع ذلك كله ... فإن المساحات الواسعة منها ما زالت بورًا، والحقول القليلة المزروعة قمحًا أو قصب سكر أو برسيمًا تظهر فيه كالنقط، وكيفية الفلح ما زالت بدائية عتيقة تعتمد على الجاموس في الحرث والنقل والدِّرَاس، ومع ضعف الفلاحة وقدم أساليبها فإن إقليم البنجاب ينتج مقادير عظيمة من القمح والأرزّ تزيد كثيرًا على الاستهلاك المحلّي، وقد رأيناهم يحصدون القمح في أواسط أفريل، فهم سابقون حتى لإقليم بسكرة عندنا، فلو ترقت الفلاحة عندهم وانتظمت
стр. 1517
المواصلات التجارية لغمروا أسواق العالم بالقمح قبل أن تحضر قموح روسيا وشمال إفريقيا بشهور، ومن هيّأ الله له أدوات السبق ولم يسبق فهو محروم.
...
وصلنا راولبندي ووجدنا ممثلي كشمير في انتظارنا، وبتنا بها ليلتين، ألقيت في الثانية منهما درسًا في المسجد قبل صلاة الجمعة، واجتمعت بصديقنا على الغيب الأستاذ مسعود عالم الندوي، وفي صباح يوم السبت ركبنا سيارة خاصة لحكومة كشمير، وصحبنا ضابط اتصال شاب من الإدارة الخاصة بكشمير، وقد قرّروا أن نذهب من طريق، ونرجع على طريق آخر، لنشاهد جهتين من جبال كشمير الشاهقة ومن السلاسل المتصلة بها، واختاروا الذهاب على طريق "مرى" والرجوع على طريق "ايبت أباد" وهي أطول الطريقين.
سرنا بضعة عشر كيلومترًا في سهل قبل أن نصل إلى سلسلة جبال جرداء، تظهر للعين من راولبندي، وليست هي من جبال كشمير ولا قريبة منها، ثم دخلنا واديًا فيه قليل من الماء والأشجار المثمرة، وأخذنا في الصعود، وبدأت المناظر تختلف وتتلوّن، والمتعرّجات تتقارب وتتصاعد، ونحن ننتقل في كل خطوة من صحيفة تطوى إلى صحيفة تنشر، فننتقل من جميل إلى أجمل: شعاب وأودية وغابات من الصنوبر منقطعة، وقرى متناثرة هنا وهناك، متصاعدة مع الجبل، تحيط بها حقول من الشعير قليلة العرض جدًّا، ولكنها مستطيلة لأنها تابعة لوضعية الجبال، وإن الناظر ليعجب لهذه القرى كيف يتأتّى لها الصعود والهبوط والاتصال بالعالم، ولعلهم لارتياضهم على هذه الحياة تعوّدوا الاستقلال فيها، وقد يرتفقون ببعضهم فيما تدعو الضرورة إلى الارتفاق فيه، وان جبالهم لمتناوحة، يكاد إذا صاح أحدهم أن تردّد الجبال صدى صياحه فيسمعه الناس كلهم، وما زلنا مأخوذين بهذا السحر حتى انتهينا إلى قمة "مرى" بعد سير أربع ساعات كلها صعود ومنعرجات مدهشة مَخُوفة.
وقمة "مرى" ترتفع عن سطح البحر بسبعة آلاف قدم، فيما أخبرني به ضابط الاتصال (ألفان ومائتا متر وزيادة) وتحيط بهذه القمة غابات عظيمة من الصنوبر، وقد بني فيها من عهد الإنكليز عدة مرافق للمسافرين من فندق تتبعه مقهى ومطعم، وبها بيوت خاصة لسكنى الأسر، وغالبها من الخشب، ولكنها جميلة، فاسترحنا بها قليلًا وشربنا الشاي، وتمتعنا بالماء البارد بالطبيعة، وقد ذكرني بماء سطيف وشريعة البليدة وقنزات، ثم واصلنا السير وبدأنا في الانحدار من أول خطوة، كأننا كنا على مثل روق الظبي كما يقول المعرّي، واستدبرنا الصفحات التي كنا نراها، واستقبلنا صفحات أخرى من قمم وغابات متقطعة وقرى متقاربة وحقول قمح وشعير تظهر كالسطور في اللوح لضيقها واستطالتها، وتدرّجها من أعلى
стр. 1518
إلى أسفل، وقد يبتدئ أول سطر من أعلى جبل وينتهي آخر سطر في حافة الوادي، وما أعجب هذا المنظر وما أجمله، لكأنك ترى فيه ميزانًا "تيرمومتر" إلهيًا بديعًا لِدَرَجات الحرارة، فترى- في صفحة واحدة- السطر الأخير على ضفة الوادي أصفر السنابل، علامة النضج والافراك، ترى الذي هو أعلى منه أقل منه في ذلك، وترى ما هو أعلى منهما لأول ما بدت سنابله وامتازت من الورق، وترى الذي هو أعلى منها دونها في ذلك، حتى تقع عينك على الحقل الأعلى فإذا هو أخضر نضر لم تتكوّن فيه القصبات ولا الكعوب، كأظهر ما يكون الفرق بين منطقتين متباعدتين عندنا في الجزائر، أو كمن يستدبر بسكرة ويستقبل باتنة في سني تبكيرها وخيرها، وهذا كله وأنت لم تعد مرمى بصر، في صفحة جبل، ولعمري إن هذا لأجمل منظر رأته عيناي في حياتي كلها.
وتراءت لنا- ونحن في هذه المنحدرات العجيبة- قطعة من وادي مظفر أباد، الذي يفصل باكستان عن كشمير، ويمرّ على قرية "جهلم" فيسمّى باسمها، فإذا هو كالثعبان ينساب ويلتوي بين تلك الجبال الشاهقة قوّيًا هدّارًا، ففرحنا بقرب الخروج من تلك المنحدرات، كما أخبرني ضابط الاتصال، ثم وصلنا القنطرة الحديدية الهائلة، وسلكنا من الوادي ضفّته اليسرى بالنسبة إلينا حتى وصلنا قرية مظفر أباد، وهي واقعة على ضفة هذا الوادي، لأول ما خرج من الجبال مغربًا واتجه إلى شبه الجنوب، وقد اتصل به واديان عظيمان أحدهما من الغرب والآخر من الشرق، تحت مظفر أباد، أحدهما على بعد نحو ميل منها أو أقلّ، والغربي على أبعد من ذلك قليلًا، فأصبح بهما نهرًا ذا غوارب، وزاده الانحدار روعة بالهدير والتراكب.
...
قد سلكت طرق الجزائر الجبلية بالسيارة، وإن منها الرائع المخيف، فما داخلني من الخوف ما داخلني في طريق "مرى" صعودًا وهبوطًا، فما أدرى أللغربة والغرابة دخل في ذلك؟ أم هو الحرص على الحياة، يقوى فيمن تتقدم به السن فتدنو من الآخرة مراحله.
стр. 1519
أخوة الإسلام *
بسم الله والحمد لله، والصلاة على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.
أيها المستمعون الكرام:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
أنا سفير من سفراء الإسلام، الناطقين بكلمته، الناشرين لدعوته، المسيرين باسمه، المضطلعين بأمانة الله في أهله، وهي التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر والرحمة.
وأنا بحكم هذه السفارة أحمل تحيات أهله في المغرب الإسلامي، إلى إخوانهم في المشرق الإسلامي، وما أجمل كلمة "أخوة الإسلام" وما ألذّ وقعها في نفوس المؤمنين الصادقين، وما أشدّ شوقهم إلى تحققها في عالم الواقع، وما أضيع حقيقتها بين جمهرة المسلمين، وما أبعدها عن قلوبهم وبصائرهم، وما أكثر دورانها على ألسنتهم لغوًا ورياءً وليًا بغير الحق، في هذا الوقت الذي ضعفت فيه سيطرة القلوب على الألسنة، فانقطعت الصلة بينهما، فأصبح اللسان في حل مما يقول.
إن المسلمين إخوة بحكم الله، ولكنهم اتّبعوا خطوات الشيطان، فكان جزاؤهم أنه كلّما تقاربت بهم الديار باعد بينها الاستعمار، وأن يناموا في الزمان اليقظان فلا ينتبهوا إلا على طروق الغارات، والتداعي لأخذ الثارات، وها هم أولاء قد تأخروا عن قوافل الحياة، فهم من حياتهم في مفازة طامسة الأعلام، يعملون للغاية وهم مستدبرون لها، ويلتمسون الهداية من مطالع الضلال، ويطلبون الشفاء بأسباب المرض، ويبحثون على الدليل الهادي وهو معهم، ولكنه على ألسنتهم لا في قلوبهم، فما أحوجهم- وهم في هذه الحالة- إلى سفراء يسفرون بينهم بتحية الإسلام والتحية بريد الأمان والاطمئنان، ثم بالتعارف، والتعارف
стр. 1520
وسيلة التعاون، ثم بالتوحيد والاتحاد رائد القوة، ثم بالتوجيه السديد إلى الغاية المنشودة وهي العزة والسعادة.
إن المسلمين كثير، ولكن التفرّق صيّرهم قليلًا مستضعفين في الأرض، يشقون لإسعاد غيرهم، ويموتون في سبيل إحياء عدوّهم، وانها لخطة من الهوان يأباها أكثر الحيوانات العجماء، فكيف الخلائق العقلاء.
لو صدقت نسبة المسلمين إلى الإسلام، وأشربوا في قلوبهم معانيه السامية ومُثله العليا، واتّخذوا من كتابه ميزانًا، ومن لسانه العربي ترجمانًا، واتّجهوا إلى هذا الكتاب الخالد بأذهان نقية من أوضار المصطلحات، وعقول صافية لم تعلق بها أكدار الفلسفات، لسعدوا به كما أراد الله، ولأسعدوا به البشر كما أمر الله، ولأصبح كل مسلم بالخير والصلاح سفيرًا، ولكان المسلمون في أرض الله أعزّ نفرًا وأكثر نفيرًا، ولكان التقاء المسلم بالمسلم كالتقاء السالب بالموجب في صناعة الكهرباء ينتج النور والحرارة والقوة.
أيها المستمعون الكرام:
أنا في رحلة استطلاعية إلى الأقطار الإسلامية، وقد مررت بمصر وأنا على نية العودة إليها إن شاء الله.
والغرض الأول الأهم من هذه الرحلة هو دراسة أحوال المسلمين في مواطنهم، والتعرّف إلى قادة الرأي فيهم بالعلم والحكم، والامتزاج بمجتمعاتهم، حتى أتبيّن الحقائق مشاهدة وعيانًا، لأن الأخبار التي تصلنا عن إخواننا النائين عنا تصلنا غامضة مختصرة، أو مطوّلة مستفيضة، وكلا الطريقين مشوه للحقيقة، مصوّر لها بغير صورتها، خصوصًا في هذا الزمان الذي أصبحت الأخبار فيه سلعًا تُباع وتُشترى على أيدي سماسرة يعوجون المستقيم، ويروّجون للسقيم، تبعًا لأغراض ليس شيء منها في مصلحتنا.
والغرض الثاني من هذه الرحلة هو التعاون بجهد المقل مع أولئك القادة في شخيص أمراض المسلمين المشتركة، والبحث عن وسائل علاجها، ورد الآراء المتفرقة فيها إلى رأي جميع وكلمة سواء، حتى يكون العلاج أسهل وأقرب نفعًا، ثم تمكين أسباب التعارف بين قادة المسلمين، وإن أشبه هؤلاء القادة لي، وأقربهم مسافة فكر مني هم علماء الدين الإسلامي، فهم محل الرجاء في إصلاح أحوال المسلمين إذا صلحوا، وهم أنفذ أثرًا في هدايتهم وإرجاعهم إلى هدي محمد وأصحابه وإلى التخلّق بأخلاقهم المتينة التي سعد المسلمون بالتخلّق بها قديمًا، وشقوا بالتخلّي عنها حديثًا، حتى وصلوا إلى هذه الدركة التي لا يحمدون عليها ولا يحسدون، وما دخل عليهم الشر إلا من هذه الثغر الأخلاقية التي فتحها التحلّل من القيود، ووسعها الاسترسال في شهوات العقول والجوارح.
стр. 1521
إن هذه الطائفة الحاملة لِلَقب "رجال الدين الإسلامي" هي من الأمة الإسلامية كالقلب من الجسد، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، كما ورد في التمثيل النبوي البليغ.
وإن عليهم قسطًا عظيمًا من تبعة هذا الانحطاط الشامل للشعوب الإسلامية، لأنهم فرّطوا- من قرون- في القيام بواجبات العالم الديني في الإسلام، وأول تلك الواجبات وأولاها حراسة هذا الدين أن تزيغ عقائده عن مستقرّها من القلوب فتخلفها الوثنية، وأن تختل هدايته السماوية، فتسف بها المادة إلى الحيوانية، وأن تخضع أخلاقه للشهوات فتضيع معانيها وآثارها.
إن العالم الديني في الإسلام حارس، والحارس إذا نام دخل اللص، والعالم الديني راع، والراعي إذا غفل هجم الذئب، والعالم الديني ربّان، والربّان إذا لم يأخذ الحيطة غرقت السفينة، والعالم الديني قائد كتائب فإذا عداه الضبط اختلّت الصفوف وحلّت الهزيمة.
أكبر مُناي في هذه الرحلة أن ألقى من يتيسّر لي لقاؤه من إخواني وزملائي، وأن نتبادل الرأي بأمانة الإسلام وإخلاص المسلم، في علاج هذه العلل التي خصّت المسلمين وأصبحوا فيها مضرب المثل في هذا العصر الذي أصبحت العزّة فيه دينًا يعتنق، وتنافس فيه الوثني والكتابي على سيادة الأرض، والمسلم القرآني راضٍ بالذلة والقلة والعبودية لهما أو لأحدهما، موزّع القوى، مختلف المشارب، مختلف حتى في الحق الذي لا يختلف فيه الناس، جامد العقل راكد القوى، غافل عن العواقب، مضيع لوقته بين سفاسف الأقوال وتوافه الأعمال، كأنه هيولى لم تتكيّف أو حقيقة ذهنية تجول في الذهن، لا شجرة مباركة تنبت بالدهن، حتى أصبح الجسم الإسلامي العام معرّضًا للفناء والانهيار، مستعدًّا للانحلال والذوبان، والإلحاد متربّص بالباب، والأهواء غالبة، والشهوات متبرجة، والحصانة التي جاء بها الإسلام مفقودة.
أيها المستمعون الكرام:
أنا الآن في باكستان وقد لقيت من أهلها، حكومةً وشعبًا، إجلالًا وكرم وفادة هم أهله ومحله، وقد صيّرتني أخوة الإسلام أهلًا لبعضه، فلا ينسيني الدلال بهذه الأخوة أن أحييهم تحية المسلم الصادق لإخوانه الصادقين، جزاء لما أنزلوني من منازل الكرامة والبر، وكفاء لما قابلوني به من التأهيل والترحيب، ومهرا لما تخيلته فيهم من مخايل صادقة تبشّر بأنهم أمة تُدعى إلى الحق فتجيب، وإعلانًا مني بأن ما وهب الله لهذه الأمة الباكستانية من الفطر السليمة، والاعتزاز بالإسلام، وجعل الاعتماد على الله أساسًا للأسباب، كل أولئك سيحقّق رجاءها ورجاء المسلمين فيها.
стр. 1522
فسلام على باكستان شعبًا وحكومة، سلامًا أؤدي به حقوق البر عن نفسي وعن قومي في المغارب الثلاثة، وإننا لقوم يقوم بذمّتنا أدنانا.
وتحيات مباركات طيّبات دونها عبير السحر، وإن كان قريبًا، وعنبر البحر وإن كان غريبًا، أحملها أمانة وأؤديها تكليفًا من إخواني أعضاء جمعية العلماء الجزائريين، ومن أبنائي جنودها العاملين للإسلام، الهادين لقرآنه المحيين للسانه، ومن أنصار جمعيتنا المجاهدين في سبيل الإصلاح، ومن الأمة الجزائرية التي تعد زيارتي لباكستان والأقطار الإسلامية واجبًا أقوم به عنها، ومغنمًا أجلبه إليها، ودينًا يؤدى لباكستان التي وضعت أساسها على الإسلام، وفتحت صدرها للإسلام، ورفعت رأسها اعتزازًا بالإسلام.
وإذا كان من حق باكستان على مثلي أن يتقدّم إليها بالنصيحة فإن من حق مثلي عليها أن تتقبّل منه النصيحة. وإن الإسلام قد جمعت أطرافه في النصيحة، وسنفعل وسنفعل مأجورين إن شاء الله.
وليهنأ باكستان أن للمغرب العربي كله قلوبًا تدين بالحب لباكستان، وعواطف تفيض بالحنان لباكستان، وأماني تجيش بالخير لباكستان، ونفوسًا تعلّق الآمال على باكستان، وألسنة رطبة بالدعاء لباكستان، ولتشكر الله باكستان على أن هيّأ لها من الصنع الجميل ما جعل لشعبها في قلب كل مسلم مكانًا، ومهّد لها في نفس كل مسلم مكانة، والسلام عليكم.
стр. 1523
الرجوع إلى هدي القرآن والسنّة *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أيها المستمعون الكرام في مشارق الأرض ومغاربها:
اجتمع المسلمون في أول أمرهم على هداية إلهية عامة، وهي هداية الدين التي جاء بها القرآن، وشرحها محمد بن عبد الله ﷺ ، ودعا إليها المستعدين وحضّ عليها المستجيبين، ونفّذها في أمة الإجابة.
وكانت تلك الدعوة جامعة بطبيعتها لموافقتها للفطرة، وجمعها بين مطالب الجسم والروح، وانطوائها على حفظ المصالح، وضبطها لنزوات النفوس.
تجتمع تلك الهداية على عقائد صحيحة، وتحفظ علائق العبد بربّه وتحددها، وأخلاق متينة تحفظ العلائق بين العباد وتجددها، وتزن المصالح بالميزان القسط، وتقرر للفضيلة وزنها وقيمتها، وللرذيلة وزنها وقيمتها، وتجعل بينهما حدًّا كأنه منطقة حياد، فيه للمؤمن خيار وله فيه روية وأحكام عادلة، تحفظ حقوق العباد وتفصل في مواطن مظانّ الشقاق. وتجمع أطراف الأمة من غني وفقير على العدل والإحسان.
وكان مرجعهم للقرآن وهو محفوظ مفهوم يتلونه آناء الليل وأطراف النهار.
ثم فرطوا في سنن الله في دينه، فغفلوا بسبب ذلك عن سنّته في كونه وفي خلقه، فانحدروا من تلك الدرجة التي رفعهم إليها الإسلام، إلى هذه الدركة التي هم فيها الآن، وتماروا بالنذر فسلّط الله عليهم من لا يخافه ولا يرحمهم.
إننا نعد من معجزات محمد الخالدة، تلك النذر التي كان ينذر بها أصحابه، ليبلغها الشاهد منهم إلى الغائب، وقد بلغتنا وفيها أوصافنا التي نحن عليها الآن في
стр. 1524
القرن الرابع عشر للهجرة، وكأن الواصف لها يصف ما رأت عيناه لا ما تخيلته خواطره.
وأبلغ ما في تلك النذر المحمدية قوله ﷺ لمن سأله: أو من قلة فيها يا رسول الله؟ ... لَا بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل لا منفعة فيه ولا غناء. نحن خمسمائة مليون فيما يعدّ العادّون، ولكننا مع هذه الوفرة الهائلة في العدد مستعبدون، قد نزع منّا البأس على أعدائنا ونزعت الرهبة منا.
أيها المستعمون الكرام:
قد وصلنا من الانحطاط إلى قرارته، ولم تبق في التدلي دركة أخرى نخشى أن ننحدر إليها، فلم يبق إلّا أن نقيم على هذه الحالة إلى ما شئنا وشاءته لنا المهانة والرضى بالدون. أو نرتفع إلى المنزلة التي أهّلنا الله لها بالإسلام.
إن البشائر تدل على أننا اخترنا الثانية، وان المخايل تنبئ بأن شواعر الخير تنبّهت فينا، وان الوظيفة القرآنية التي خالطت أردام سلفنا فرفعتهم من الحضيض إلى الأوج توشك أن تخالط منا نفوسًا خدرتها الأحداث ولم تصل بها إلى الموت، وان تلك النفحات التي هبّت على القلوب الغلف فحركتها، وعلى العيون العمي ففتحتها قد داعبت نفوسنا، فبدأنا نشعر ونحسّ، وأصبحنا نعي ونفكر، وان التفكير هو أول مراتب العمل، وما هذه الأصداء المترددة في الأقطار الإسلامية، وهذه الأصوات المتجاوبة من علماء الإسلام بلزوم التعارف فالاتحاد فالتعاون، إلا بشائر خير وتباشير صبح بعدها السَّنى والنور.
стр. 1525
أصلح نظام لتسيير العالم الإنساني اليوم
هو الإسلام *
وقد يبدو هذا العنوان مدهشًا وغريبًا، ومثيرًا لتأثّرات مختلفة، في كثير من النفوس المختلفة، ولشيء من السخرية في النفوس الساخرة.
أما الدهشة فإنّ صاحبها معذور مهما كان، وأما الغرابة فكل وارد جديد على السمع أو على الذهن يُسْتَغْرَب، ولكنه إذا تكرّر وكثر ترداده أصبح مأنوسًا، وأما السخرية فلا تأتي هنا إلّا من رجلين: رجل انطوت نفسه على بغض للإسلام وحقد على بنيه، واحتقار لتعاليمه، ورجل لم يفهم الإسلام إلّا من حالة المسلمين اليوم، ولم يعلم أن بين حقائق الإسلام وبين حالة المسلمين اليوم بُعْدَ المشرقين، والذي في العنوان إنما هو الإسلام لا المسلمون.
العناوين لا ذنب لها لأنها دوالّ على ما وراءها، فاسمعوا ما وراء هذا العنوان، ثم ليندهش المندهشون إن لم يقتنعوا، وليسخر الساخرون إن شاءوا.
...
تولّى الإسلام في أوّل مراحله قيادة العالم الإنساني العامر للأقاليم المعتدلة، فضاده إلى السعادة والخير بأصلين من أصوله وهما القوة والرحمة، وبوسيلتين من وسائله في القيادة وهما العدل والإحسان، وبأحكامه المحققة لحكمة الله في عمارة هذا الكون.
والقوة والرحمة صفتان موجودتان في كل زمان، ولكنهما متنابذتان لم تجتمعا قط في ماض ولا حاضر، حتى جاء الإسلام فجمع بينهما وزاوج، وخلط بينهما ومازج، فجاء منهما ما يجيء من ائتِقاء السالب بالموجب في عالَم الكهرباء: حرارةٌ وضوءٌ وحركة. وما زال
стр. 1526
معروفًا عند العقلاء، قريبًا من مدارك البسطاء، أن القوة وحدها لا خير فيها لأنها جبرية واستعلاء، وأن الرحمة وحدها لا خير فيها لأنها ضعف وهُوَيْنا، وان الخير كل الخير في اجتماعهما، ولكن الجمع بينهما ليس من مقدور الإنسان المسخّر للأهواء والعوائد، المنساق للأماني والمطامع، المنجذب إلى مركز الأنانية، فلا تجمع بينهما على وجه نافع إلّا قوة سماوية تتجلّى في نبوّة ووحي وخلافة راشدة واتّباع صادق مشتق من هذه.
ومن حكمة الإسلام العليا أنه وضع الموازين القسط للمتضادات فإذا هي متآلفة، والمتنافرات إذا تآلفت صلح عليها الكون لأنها سرّ الكون وملاكه، فوضع الحدود لهذه المتنافرات، وأعطى كل واحدة حقّها، ووجّهها إلى الخير في مدارها الطبيعي، فإذا هي أشياء في الاسم والذات والوظيفة، ولكنها شيء واحد في الغاية والفائدة والأثر، وكلها خير ونفع وصلاح وجمال.
وضع الحدود بين المرأة والرجل فائتلفا، وأطفأ بالعدل والإحسان نار الخلاف بينهما، والخلاف بينهما هو أصل شقاء البشرية، ولا يتم إصلاح في المجتمع ما دام الخلاف قائمًا بين الجنسين، وما زالت الجمعيات البشرية من الرجال مختلفة النظر إلى المرأة، فبعضهم يرفعها إلى أعلى من مكانها فيُسقِطها ويسقط معها، ويعطيها أكثر من حقّها ومن مقتضيات طبيعتها فيفسدها ويفسد بها المجتمع، وبعضهم يحُطها عن منزلتها الإنسانية فيعدّها إمّا بهيمة وإما شيطانًا حتى جاء الإسلام فأقرّها في وضعها الطبيعي وأنصفها من الفريقين.
كذلك وضع الحدود بين الآباء والأبناء، وكم أزاغت الشرائع والقوانين الوضعية هذه القضية عن الاعتدال إلى طرفي الإفراط والتفريط.
كذلك وضع الحدود للسادة والعبيد، وللحاكمين والمحكومين، وللأغنياء والفقراء، وللجار وجاره، وللإنسان والحيوان، وللروح والجسم، فألّف بين السادة والعبيد بقانون الرفق، والترغيب المتناهي في العتق، وألّف بين الحاكمين والمحكومين بقانون العدل والمساواة، وبين الأغنياء والفقراء بنظام الزكاة والإحسان، وبين الجيران بوجوب الارتفاق والحماية، حتى اعتبر الجيرة لحمة كلحمة النسب أو أشد، ومَحا من المجتمع نظام الطبقات والأجناس والعناصر، فلا فضل لعربي على عجمي إلّا بالتقوى، ولا عزّة للكاثر، ولا تعظّم بالآباء، ولا عصبية بالقبيلة، ولا تفاضل بالجاه والمال، وجعل لليتيم حرمة تدفع عنه غضاضة اليتم، ولابن السبيل حقًا يحفظه من الضياع وفساد الأخلاق، وللغريب حقًا يُنسيه وحشة الاغتراب، وجعل ميزان التفاضل روحيًا لا ماديًا، فالغني أخو الفقير بالإسلام، وليس الغني أخًا للغنيّ بالمال، وقرّر للحيوان الأعجم حق الرفق والتربيب، وحماه من الإعنات والتعذيب، وأشركه مع الإنسان في الرحمة، ففي كل ذات كبدٍ حَرَّى أَجْرٌ، وحلّ مشكلة الروح والجسم، وعدل ما
стр. 1527
كان يتخبّط فيه فلاسفة الأمم من أن العناية بأحدهما مضيعة للآخر، فوفّق بين مطالب الروح والجسم، وحدّد لكلٍّ غذاءه وقِوامَه، فإذا هما متآلفان متعاونان على الخير والنفع.
...
ساس الإسلام الأرض بقانون السماء، فأشاع إشراقَه في غسقها، وأدخل نسَقَه في الإحكام على نسَقها، وقيّد الحيوانية العارمة في الإنسان بقيود الأوامر والنواهي الإلهية التي لا خيار معها ولا مراجعة فيها، وبذلك نقل الأمم التي دانت به من حال إلى حال، نقلها من الفوضى إلى النظام، ومن التنابذ إلى التآخي، ومن الخوف إلى الأمن، ومن الاضطراب إلى الاستقرار، ومن نزعات نفسية متباينة إلى نزعة واحدة أقرّها فيهم، ثم أقرّها في الأرض بهم، ونقل الأمم المتبدية إلى حال وسط من الحضارة المتأنية المقتصدة، ونقل الأمم المتحضرة إلى حال من الحضارة العقلية تأخذ بالحُجّة، وتمنع من التضخّم والتهافت، ونقل الأمم المؤلهة للملوك والكبراء إلى حال من عرفان القدر وفهم الكرامة، جعلتهم هم الملوك.
...
قاد الإسلام أهله بقانونه السماوي الشامل لأنواع التدابير المحيطة بمصالح البشر من حرب وسلم، وخوف وأمن، وسياسة وإدارة، وقضاء في الأموال والدماء والجنايات، وفي بناء الأسرة.
قاد بهذا القانون أعقل سكّان الأرض إذْ ذاك في أعمر بقاعها، فما شكا أحد ظلمًا ولا هضمًا، فإنْ وقع شيء من ذلك فهو من حاكم حادَ عن صراطه، أو شخص أخلّ بأشراطه، وقد أخذت الأمم الخارجة منه كثيرًا من قوانينه العادلة في فترات احتكاكهم بالمسلمين محاربين أو معاهَدين في الشام والأندلس وافريقية، كما أخذوا كثيرًا من العادات الصالحة في تدبير المعاش وفي الحياة المنزلية، وما زال كثير من تلك الأصول بارز العين أو ظاهر الأثر في المدنية الحالية.
...
جاء الإسلام أوّل ما جاء بإصلاح الأسرة وبنائها على الحب والبرّ والطاعة: الحبّ المتبادل بين أفراد الأسرة، والبرّ من الأبناء للآباء، والطاعة في المعروف من الزوجة للزوج، وحاط ذلك كله بأحكام واجبة وتربية تكفُل تلك الأحكام، وتجعل تنفيذها صادرًا من نفس الإنسان، والرقابة عليها من ضميره، فلا تحتاج إلى وازع خارجي، وجعل تقوى الله والخوف منه حارسين على النفس والضمير، فكلما همّ الإنسان بالزيغ تنبّها فيه، فنبّهاه إلى لزوم الجادّة.
وإن يقظة الضمير الذي سمّاه النبي- ﵊ وازع الله في نفس المؤمن، ومراقبته لأعمال صاحبه لَهي أعلى وأسمى ما جاء به الإسلام من أصول التربية النفسية، وهي
стр. 1528
أقرب طريق لتعطيل غرائز الشرّ في الإنسان، وفرق عظيم بين من يمنعه من السرقة مثلًا خوف الله، وبين من لا يمنعه منها إلّا خوف القانون: فالأوّل يعتقد أنه بعين من الله تراقبه في السرّ والعلن، فهو لا يسرق في السرّ ولا في العلن، والثاني لا يمنعه من السرقة إلّا قانون يؤاخذ على الذنب بعد قيام البيّنات عليه، وفي قدرة الإنسان أن يتحاشى كلّ أسباب المؤاخذة الظاهرة، فإذا أمن ذلك قارف الشر مُقْدِمًا غير محجم، فالخوف من الله يَجْتَثُّ السرقة وجميع الشرور من النفس حتى لا تخطر على بال المؤمن الصادق، وبذلك يأمن الناس على أعراضهم ودمائهم وأموالهم، أما الخوف من القانون فربّما زاد الناس ضراوة بالشرّ بما يتفنّنون فيه من الحِيَل التي تجعلهم في مأمن من مؤاخذة القانون، فكأنّ هذه القوانين الأرضية تقول للناس: لا سبيل لي عليكم ما دمتم مستترين منّي، غائبين عن عيني، ولذلك فهي لا تمنع الفساد في الأرض بل تزيده تمكّنًا فيها، وانتشار الشرور في هذا العصر أصدق شاهد على ذلك.
...
نقول ونعيد القول بأن أصلح نظام لقيادة العالم الإنساني هو الإسلام، ولا نلتفت لسخر الساخر، ولا نأبه لدهشة المندهش، ونأتي بالحجّة على لون آخر، وهو أن الإسلام عقائد وعبادات وأحكام وآداب، وكل هذه الأجزاء رامية إلى غرض واحد، وهو إصلاح نفس الفرد الذي هو أصل لإصلاح النفسية الاجتماعية، فعقائد الإسلام مبنية على التوحيد، والتوحيد أقرب لإدراك العقل الإنساني من التعدد، وأدعى لاطمئنانه وارتكازه وتسليمه، والعقل إذا اطمأن من هذه الجهة انصرف إلى أداء وظيفته مجموعًا غير مشتّت.
والعبادات غذاء وتنمية لذلك التوحيد وعون على تزكية النفس وتصفيتها من الكدورات الحيوانية، والأحكام- ومنها الحدود- ضمان للحقوق، وحسم للشرور، وزجر للثاني أن يتّبع الأوّل، ومَن تأمّل القواعد التي بنيت عليها أحكام المعاملات في الإسلام علم ما علمناه، وهي: لا ضَرَرَ ولا ضِرَار، الضرورات تبيح المحظورات، ما أبيح للضرورة يُقدر بقدرها، درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، الحدود زواجر وجوابر، القصاص حياة.
والآداب تزرع المحبّة بين الناس، وترقق العواطف، فتقوي عاطفة الخير والتسامح والإيثار والكرم والشجاعة والصبر، وتضعف عاطفة الشر والتشدّد والأثرة والبخل والجبن والجزع.
...
العالم اليوم في احتراب وحبله في اضطراب، وقد ملكتْ عليه المادة أمره، وقد جفّت الروحانية فيه فضؤلتْ، فلم يبق لها سلطانها الآمر الناهي، وانطمست فيه البصائر الهادية فهو يتخبّط في ظلمات، وتجسّمت المطامع الشوهاء فتولت القيادة، وقد جرّ على نفسه في ثلاثة عقود من السنين حربين عاتيتين أهلكتا الحرث والنسل وهو يتحفَّز للثالثة، وقد كان قبل اليوم
стр. 1529
إذا اختلف اثنان وجد بينهما ثالث يدعو إلى الإصلاح أو ينتصر للمظلوم، فما زالت به المطامع وفشوّ الإلحاد، وشيوع الفلسفة المادية، والاغترار بالعقل، حتى أصبح مقسّمًا إلى كتلتين قويتين عظيمتين متضادتين، تدورُ كل واحدة منهما على مبدإ اتخذتْه دينًا ودعت الناس إليه، فانضم كل ضعيف إلى واحدة مُكرَهًا كطائع، وكلا المبدأين لا رحمة فيه ولا خير، وكلاهما ينطوي على شرور، وكلاهما يعتمد على الظفر والناب (١) ...
... ذلك فيهم نشروا أحكامه وتعاليمه حتى نَعم العالم، ويومئذ يشهدون انقلابًا فكريًا يقضي على هذا الجنون الذي ابتُليَ به العالم.
والإسلام دين اقتناع، فلا أقول إنه يجب على العالَم أن يصبح مسلمًا كاملًا يصلي ويصوم وإنما أقول: إن دواءه مما هو فيه هو الإسلام، فليأخذْ أو فليَدَعْ.
...
لا يضير الإسلام في حقائقه ومثله العليا أن لم ينتفع به أهله في تحسين حالهم، فما ذلك من طبيعته ولا من آثاره فيهم، وإنما ذلك نتيجة بُعدهم عن هدايته، وهو كدين سماوي محفوظ الأصول يهدي كل من استهداه، وينفع كل مستعدّ للانتفاع به، ولو أن أمّة وثنية اعتنقته فأخذتْه بقوة فأقامتْه على حقيقته- من العقائد إلى الآداب- لسادت به هذه المآت من الملايين من أهله الأقدمين الذين أضاعوا روحه ولبابه، وأخذوا برسومه والنسبة إليه، ولم يزحزحها عن السيادة أنها جديدة في الإسلام، كما لا ينفع تلك المآت من الملايين أنها عريقة في الإسلام.
ولا حجّة علينا ببعض الشعوب الإسلامية التي استبدلت القوانين الأوروبية بأحكام القرآن، لأنّ تلك الشعوب ما فعلت ذلك إلّا بعد أن لم يبق فيها من الإسلام إلا اسمه، ومن لم ينتفع بقديمه لم ينتفع بجديد الناس، وأحوال تلك الشعوب المستبدِلة شاهدة عليها، فهي لم تزدد بهذا الاستبدال إلّا شقاء وبلاء.
...
وبعد، فلو أن علماء الإسلام أحسنوا الدعاية إلى دينهم، وعرفوا كيف يغزون بحقائقه الأذهان، لكان الإسلام اليوم هو الفيصل في المشكلة الكبرى التي قسّمت العالم إلى فريقين يختصمون، ولكانوا هم الحكم فيها، ولكنهم غائبون، فلا عجب إذا لم يُشاوَروا حاضرين، ولم يُنتظروا غائبين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 1530
تقرير مرفوع إلى صاحب الدولة
رئيس وزراء الحكومة الباكستانية *
يا صاحب الدولة،
أرفع إليكم بيد الإخلاص، وبدافع النصيحة التي أوجبها الله علينا لعامّة المسلمين ولأولياء أمورهم خاصّة، فقابلوه بما يجب له من الاهتمام والتقدير.
إنّي أرى أنّ هذه الناحية التي يشرحها التقرير جديرة بالتقديم على غيرها من مصالح الدولة، لأنّها هي الناحية النفْسيّة التي تقوم عليها الأمّة، والنواحي النفْسيّة الروحية هي قوام الأمم والدول، وإنّي لأعْجَبُ ويعجب معي كلّ مفكّر مسلم يحبّ أن تُبْنَى هذه الدولة الإسلامية الناشئة على أساس صحيح- كيف لم يَكن لهذه الناحية اعتبار أوّلي من أوّل لحظة قامت فيها هذه الدولة.
لا نشكّ أنّه يومَ يوضع الدستور الباكستاني تكون أوّل مادّة فيه هذه الجملة بهذا النصّ: "دين الدولة الرسمي هو الإسلام"، وهذه المادة لا تكون حقيقة واقعة صادقة مؤثّرة إلّا إذا سبقتها تمهيدات، واتخذت لها وسائل عملية تضمن تحقيقها على الوجه الكامل الصحيح.
والحقيقة التي يجب عليّ أن أصارحكم بها هي أنّ الأمّة الباكستانية- وإنْ كانت مسلمة- تلتقي فيها المذاهب الإسلامية المختلفة المتعارضة، التي يحملها علماء لا يخلون من بعض التعصّب للآراء الاعتقادية، ولا يخلون من الجمود على الآراء المذهبية في جزئيات العبادات والأحكام، ويقابل هذا الجمود جهل مطبق بالدين في العامة، وتحلّل فاش في الجيل الجديد من الشبّان، وهذا شيء لَمسْنا حقيقته في هذه الرحلة، ودرسناه بالعقل الممحّص والبحث المدقّق، ووازناه بالمقارنات التاريخية في الماضي والحاضر، فإذا هو أخطر شيء على هذه الأمة وعلى هذه الدولة، ومن واجب الحكومات الحازمة الرشيدة
стр. 1531
أن تحتاط لمثل هذا الأمر من بعيد، وتعالجه بالحكمة والتدريج، قبل أن يستفحل فينفجر عن فتن لا قِبَلَ للحكومة بإطفائها، أو يكون عائقًا لها عن التقدّم، أو يكون مشوّشًا للنظام، مخلًّا بالاستقرار.
...
والتدبير الموصل إلى المقصود هو أن تكوّن في أقرب وقت وزارة تسمّى "وزارة الشؤون الإسلامية"، وتحاط هذه الوزارة بنوع من التحصين يجعلها آمنة من التقلّبات الحزبية والتيارات السياسية، كما تفعل بريطانيا في بعض مصالحها التي لا تقوم إلا على الاستقرار، وهذه الوزارة متعلقة بالدين، والدين لا يتبذل ولا يتغير، ويختار لهذه الوزارة رجل يجمع بين الثقافة الدنيوية الضرورية وبين الثقافة الدينية علمًا وعملًا.
تقوم هذه الوزارة بتحقيق الأمور الآتية على الترتيب:
أوّلًا: ضبط الأوقاف الإسلامية المشتّتة بالتسجيل وكفّ الأيدي العادية عليها، وإعدادها للاستغلال العصري الصحيح الكامل حتّى تثمر وتغل فتصبح موردًا ماليًا قارًّا وعمادًا لنشر العلم والدين الصحيح، وإن ضبط الأوقاف الإسلامية القديمة وحفظها من عدوان العادين، وإرجاعها إلى ما يحقق رغبات الواقفين- كل هذا مما يحيي في المسلمين من جديد نزعة الوقف في سبيل الله وتشجيعهم عليه، فالمسلمون اليوم ما قبضوا أيديهم عن الوقف إلّا لأنّهم رأوْا بأعينهم مصير الأوقاف القديمة وضياعها وعدم صيانتها بالقوانين الصارمة، فضاعت بذلك مقاصد الواقفين، وإن حكومة باكستان إذا قامت بهذا الضبط لا تكون مبتدئة ولا مبتدعة، فهذه حكومة مصر فيها وزارة للأوقاف خصوصية وكأنّها حكومة مستقلّة لكثرة أعمالها، وهذا الأزهر الشريف نفسه قائم على الأوقاف الإسلامية بإدارته العظيمة ومنشآته وعلمائه وتلامذته الذين يعدون بعشرات الآلاف.
ثانيًا: تنظيم التعليم الديني على برنامج قوي محكم حكيم ينطوي على تمتين الأخوة الإسلامية الجامعة، وعلى التقريب بين المذاهب، وإرجاع المسلمين بالتدريج إلى الأصول المتفق عليها، فلا يمرّ عليهم جيل حتى يكون هذا التعليم الموحّد المنظم قد أثر في نفوسهم وجمع بينهم، وأزال ما بينهم من خلاف في الدين، أو أزال على الأقل آثار الخلاف بينهم، ويتضمّن هذا التعليم إعداد تلامذته ليكونوا معلّمين ووعّاظًا وأئمّة وخطباء مساجد، وتخصّص لهم جميع الوظائف الدينية حينما يحصلون على شهاداته العالية، ولذلك فيجب أن توضع لهم الدرجات وتبيّن لهم الوظائف في البرنامج ليرغبوا في هذا التعليم وينشطوا له، وتقوى آمالهم في الحياة ووثوقهم بالمستقبل، وليكن هذا التعليم في المساجد بصورة وقتية حتى
стр. 1532
تتمكّن الوزارة من بناء معاهد خاصة به لائقة بجلالته، وليكن الإنفاق عليه من ريع الأوقاف، فإن لم تف فتحت له الاعتمادات من الخزينة العامة، وكل درهم تنفقه الحكومة في هذا السبيل يعود عليها بالربح الجزيل.
ثالثًا: تنظيم الحالة في المساجد القديمة، وإزالة هذه الفوضى الضارلة فيها، ولا يتم ذلك إلّا بوضع نظام شامل للأئمة والخطباء والمؤذنين والقوَمة، وتحسين حالتهم المادية إلى أقصى حدّ، ومراقبتهم برجال أعلى منهم قدرًا في العلم والتديّن ليشعروا أن الرقابة عليهم منهم، وأنها نافذة، فيخضعوا إلى النظام، ولا ينفروا من المنظّم، فإذا تمّ هذا في المساجد القديمة التي هي وقف عام، حمل أصحاب المساجد الخاصة على الدخول في النظام العام الموحّد إن لم يرجعوا من تلقاء أنفسهم، وإن ضعفاء الإيمان والعلم تحتّم عليهم أسباب الحياة أن يجعلوا من بيوت الله وسائل للمعيشة، فتفقد روحانيتها وتصبح متاجر لا معابد، ومفرقة على الهوى لا جامعة على الحق، وفي هذا خطر على تربية الأمة ستظهر آثاره بعد حين، فئتحرص هذه الوزارة على معالجته بالحكمة ومعها القوة، وبالمطاولة ومعها الحزم.
رابعًا: تنظيم أحوال علماء الدين وتقريبهم من هذه الوزارة وجمعهم من حولها، وإفهامهم أنها وزارتهم الطبيعية يتصلون بها اتّصال الجندي بوزارة الحربية، والمعلم بوزارة المعارف، وأنها المرجع الوحيد لمصالحهم، ثم تعمل الوزارة على تكليفهم بوظائف دينية علمية من إمامة وخطابة ووعظ، وتلزمهم بالمحافظة على برنامج عام تضعه الوزارة ويكون لأهل الرأي منهم فيه رأي استشاريّ حتى لا يتشتت الرأي، وتختار الوزارة الأكفاء منهم للعضوية في مجلسها الإداري تدريبًا لهم على الأعمال العامة، ويجب على الوزارة أن تهتمّ بتحسين أحوالهم المادية قبل كل شيء، فإن لهذه الطائفة نفوذًا قويًا على العامة، فإذا تُرِكوا على هذه الحالة من الفوضى والإهمال وعدم ضمان الحياة المعيشية- فربّما يصبحون في وقت من الأوقات مصدر خطر على الدولة، وسببًا في الاضطراب والفتنة، وفارغ البال من الخير يعمره الشيطان بالشر، وهذه سنّة الله في الطباع البشرية، أما إذا كلفوا بالوظائف، وضمِن لهم الرزق، فإنهم يشعرون بالعزة والمسؤولية معًا، ويشعرون بأنهم جزء من الحكومة، وبأن لهم شركة في هيكلها الأساسي، وأن لهم مكانة في الدولة ورأيًا في تسييرها، وأن لهم حظًا في الحياة يجب أن يحافظوا عليه، وأن عليهم واجبات للدولة والأمة يجب أن يقوموا بها. إن أوّل فائدة لهذه الطريقة هي تعويدهم على العمل النافع وعلى النظام في العمل، وعلى تقديس النظام واحترامه، وإخراجهم من الكسل والجمود والفراغ، ويومئذ يعاونون الحكومة بنفوذهم الديني على إقرار النظام، وعلى إنشاء الدستور المنتظر المستمدّ من دين الأمّة ومن دنياها.
أما إذا وفّقت هذه الوزارة إلى وضع "كادر" للدرجات والترقيات للأكفاء من علماء الدين يتسابقون إليها بالأعمال النافعة، فإنها تعجل بالخير لها وللأمة، لأنهم يعلمون حينئذ
стр. 1533
أن الدرجات عند الله تقابلها درجات عند الحكومة، وأنه لا تنافي بينهما، وأن خدمة المرء لوطنه هي خدمة لدينه أرفع من كل خدمة.
إن إصلاح هذه الطائفة وتبديل عقليتها أنفع بكثير من تركها على هذه الحالة، وإذا تمّ هذا العمل على هذا الأساس، وسايره التعليم الديني الصحيح، تكون الحكومة قد أمّنت الحاضر بهؤلاء الكبار، وأمّنت المستقبل بذلك الجيل المتعلّم، ووضعت يدها على الفريقين، وسيكون الجيل الجديد المتعلم أفقه لحقائق الدين وبموافقتها التامة للمصالح الدنيوية العامة، فيرتفع هذا التصادم الصوري الماثل في أذهان الجيل القديم، ويرتفع هذا التنافر بين عقلية الآباء وعقلية الأبناء، وما عطّل رقيّ الأمم الإسلامية الحاضرة إلّا هذا التنافر.
خامسًا: تنظيم برنامج للوعظ الديني على أساس صحيح واسع، وطريقة فنية تقتبس من حقائق الدين وحقائق النفس وسنن الله الواقعة في كونه، وتمتزج فيها روحانية الدين بأرواح البشر، فتؤثّر فيها وتقودها إلى الخير، لا على هذه الطريقة الموجودة اليوم في المساجد في أيام الجمع، فإنها ترغيب لا يرغب، وترهيب لا يرهب، وإنما هو كلام معتاد يتركه السامعون في الجامع إذا خرجوا من الجامع، بدليل أن هذه المواعظ لم تبدل حالة العامة ولم يظهر عليهم منها أثر، فهم في كل جمعة يسمعون التحذير من الخمر مثلا والخمر لا تزداد إلّا فشوًّا، ومن الكذب وهو لا يزداد إلّا كثرة، وأكبر الأسباب في فشل الوعظ الديني بصورته الحاضرة أنه لا يصدر عن تأثر من قائله، وإنما تعوّد قائلوه أن يقولوه قولًا من غير حكمة، وتعوّد سامعوه أن يسمعوه حُكمًا من غير حكمة، والوعظ كالطعام يقدّم ألوانًا وبقدر الحاجة، ولا يؤثر في السامعين إلّا إذا كان خطابًا من القلب إلى القلب، ومن الروح إلى الروح، وكان الشيء المأمور به أو المنهي عنه مقرونًا ببيان آثاره وحكمه، فإذا كان تحذيرًا من الخمر قُرن ببيان آثاره من إتلاف المال وإذهاب العقل الذي هو سرّ الكرامة الإنسانية، وقضائه على الصحّة، وجلبه للخصام وتكديره للحياة الزوجية، وانتقال آثاره بالعدوى إلى الذرية، وهوان صاحبه على نفسه وعلى الناس.
والواجب على الوزارة إدخال الوعظ في مناهج التعليم الديني وتمرين الطلّاب عليه من الصغر، حتى تخرج بعد أعوام طبقة عالمة بكيفية الوعظ وشروطه قادرة على تأديته على أكمل صوره.
والواجب أن توزّع الوعّاظ على الأقاليم، وتأمرهم بأن لا يقتصروا على المسائل الدينية فقط، بل يتناولون المسائل الدنيوية التي يعمر بها الوطن وتسعد بها الأمة والحكومة، مثل التحريض على العمل، والتنفير من البطالة والكسل، ومثل تحبيب الفلاحة والتجارة والقراءة، ومثل الأخوة والاتحاد والتعاون على الحق، ومثل إصلاح العائلة التي هي أساس الأمة، ومثل تحسين العلاقة بين الغني والفقير، ومثل الطاعة للحكومة في المعروف.
стр. 1534
والواجب أن تدخل هذا النوع إلى الجيش في ساعات معينة من الأسبوع، فإن الجيش هو أحوج الناس إلى التربية الدينية وإلى تقوية الإيمان في نفوس أفراده وإلى تصحيح بصائرهم في الدفاع عن الوطن، فيجب أن يفهم الجيش أن دفاعه عن الوطن إنما هو دفاع عن دين الله الحق، وأن الاعتماد على جيش لا دين له ولا حَميّة كالاعتماد على الأعواد الرخوة التي لا قوة لها، وما انتصرت الجيوش الإسلامية في التاريخ إلا بالإيمان والحميّة الدينية، وما انتصرت الجيوش العثمانية على أوروبا إلّا يوم كانت مسلحة بقوة روحية من الإسلام، فلمّا فقدت هذه الصفة خذلها الله، فالواجب تسليح الجيش الباكستاني بهذه القوّة التي لا يفلُّها طمع ولا يُغريها متاع الدنيا ولا ترهبها قوة العدو.
سادسًا: يدخل في اختصاص هذه الوزارة قبض الزكاة الشرعية من الحبوب والعين والأنعام والتجارة. بعد وضعها لذلك برنامجًا محكمًا مضبوطًا بالاتفاق مع الحكومة، ولها أن تدفع منها قسطًا إلى الخزينة العامة، والزكاة في الإسلام هي العنصر الأساسي لبيت مال المسلمين، ومنه كانت تتغذّى المصالح العامة، ومنها بناء المساجد والمدارس والقناطر والحصون والثكنات، ومنها كانت تشترى الأسلحة وبها كانت تحفظ الثغور، أمّا الأموال الأخرى كالأنفال والمغانم والخراج فتارة تكون وتارة لا تكون، ولكن الزكاة هي الركن الدائم، وإذا خصصناها بوزارة الشؤون الدينية فلكي يطمئن الناس إلى دفعها بجاذبية الدين.
سابعًا: يدخل في اختصاص هذه الوزارة أيضًا ترتيب الحجّ وتنظيمه والوقوف على راحة الحجّاج بتسهيل الإجراءات هنا، وبتعيين رئيس يصحب الحجّاج في كل سنة، ومسألة الحجّ حقيقة بمزيد الاهتمام من الحكومة.
ثامنًا: يدخل في اختصاص هذه الوزارة أيضًا تنظيم الإحسان الديني من التبرعات والصدقات، فعليها أن تصدر قوانين صارمة حازمة وتتكفّل بتنفيذها، لضبط الصدقات والتبرعات على وجوه الخير مثل صيانة اليتامى والفقراء وتعليمهم، فإن هذه المعاني كلّها تدخل في ضمن الدين. وإهمال هذه القضية يؤدّي إلى خطرين عظيمين: الأوّل ضياع أموال الأمة في غير نفع بسبب عدم الضبط، والثاني فتح باب السرقة باسم الإحسان، ويترتب على هذا الأخير فساد أخلاق الشبّان العاطلين، وقد رأينا ورأى الوافدون إلى هذا الوطن العزيز مثالًا من هذا النوع، رأينا في كراتشي وفي غيرها- حتى في القطارات- طوائف من الشبّان يحملون قسائم مطبوعة باسم مدرسة أو جمعية تعلم يتامى المهاجرين، ويعرضون تلك القسائم بإئحاح على كل من يلقونه، وليس فيها ما يدل على ضبط أو نظام، وليس فيها اسم جمعية محترمة ولا رئيس مشهور، ومثل هذه الفوضى تزعزع ثقة المحسنين وتخلط الخبيث بالطيب وتفسد أخلاق هؤلاء الأحداث المباشرين لهذه الأعمال، فلو كانت هناك وزارة دينية لتولّت
стр. 1535
بنفسها هذه الأعمال وسدّت الباب على المفسدين، وساعدتها وزارة الداخلية بوضع قانون مضيق للجمعيات ومراقبتها، وبذلك يشتغل بكل شيء أهله.
هذا ما دفعني الإخلاص والحب لهذه الحكومة إلى تقديمه لدولتكم، راجيًا أن تحلوه محل الاهتمام، وإنه ليسرّني كعالم ديني أن أعينَ هذه الحكومة الشابة ولو بكلمة طيبة، كما يسرّ جميع المسلمين أن يروا هذه الدولة الناشئة كل يوم في تقدّم وترق، وأن يروها في كل ساعة تخطو خطوة إلى الأمام.
يا صاحب الدولة، نحن نعلم مشاغلكم السياسية، ونشارككم الألم النفسي الذي تتحمّله حكومتكم من المشاكل المحيطة بها، ونقدّر جهودكم المبذولة في ترقية التعليم والجندية والصناعة والفلاحة، ولكننا نرى أن ما تضمنته هذه اللائحة يجب أن يكون الأهمّ المقدم، لفائدته المحققة التي لا يختلف فيها اثنان، ولئلا يقال إن حكومة باكستان لا تهتم بالشؤون الدينية، ولذلك لم تخصّص لها وزارة كما خصصتها أندونيسيا المسلمة وإسرائيل اليهودية من أوّل يوم لتأسيسهما.
نعتقد جازمين أنكم إن خطوتم هذه الخطوة الجديدة تكونون قد جمعتم قلوب الأمة، وأسْكَتُّم كل معارض، وأرضيتم الله ورسوله والإسلام. ووضعتم في أساس باكستان صخرة من الحق تمسكها وتثبتها.
وتقبّلوا- يا دولة الرئيس- مني كل احترام وكل تقدير.
محمد البشير الإبراهبمي
رئيس جمعية العلماء الجزائريين
(تُرجم هذا التقرير إلى اللغة الأوردية، وقدمته بنفسي إلى رئيس الوزراء "خواجة ناظم الدين" ليعرضه على مجلس الوزراء، ووعد بأنه يخبرني بالنتيجة أينما كنت).
стр. 1536
في مؤتمر العالم الإسلامي
- ١ - *
كلمة في المؤتمر
ــ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أيها الإخوان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أيها الإخوان المؤتمرون على خير الإسلام، المجتمعون على عهده وميثاقه، الجامعون لأجزائه التي بدّدتها أحداث بنيه قبل أحداث الدهر، المؤتمنون على تراثه من العلم والحكمة، وعلى جواهره من العقل والفكر، المستجيبون لحضور هذا المؤتمر الذي ثوّب داعيه فأسمع، وسمع واعيه فأهطع، المتوافون كالقطا على مترع عذب ليس بالنزر ولا البكي، ولكن هجره ورّاده فما غار ولا أسن، وإنما ازداد صفاءً لأن منبعه السماء.
أحييكم عن جمعية العلماء الجزائريين التي لها في عنق العالم الإسلامي منّة تجل عن المكافآت، وهي صيانة الإسلام في دار يوشك أن يحيلها الاستعمار الفرنسي دار كفر، ولها في ذمة العالم العربي عارفة تجل عن الشكر، وهي إحياء البيان العربي في وطن رماه الاستعمار الفرنسي برطانات غريبة، غمرت لسان يعرب، وطمرت فصاحة يعرب، وغيّرت مجرى الضاد إلى غير واديه.
وأحييكم باسم الجزائر، ذلك القطر العربي المسلم الذي حافظ على العزيزين من ميراث السلف، ورضي في سبيل تلافيهما بالتلف، وصبر على سوم الشقاء وجهد البلاء دون أن يصيبهما حيف أو يلحقهما ضيم، وخُيّر بين الخطتين فاختار التي هي أقرب لرضى الله ورضى نبيّه، وهان في دُنياه ولكنه لم يهن في دينه، ولم يهن في عزيمته، وما زالت تنتابه الحادثات تباعًا فيخرج منها أصلب قناة ممّا كان، وأقوى إيمانًا بالله ممّا كان، وأثبت تمسّكًا بالإسلام ممّا كان.
стр. 1537
وأحييكم باسم الشمال الأفريقي، تلك الأقطار التي جمعتها يد الله وأنبتت فيها النبات الحسن من السلائل البشرية حتى ختمتها بالجنس العربي وأورثته إياها، كما ختمت الرسالات السماوية برسالة محمد ﷺ ، تلك الأقطار التي نظمها عُقبة وصحبه في ممالك الإسلام جواهر، وغرسوها في منابته أزاهر، ومكنوا فيها للبيان العربي حتى رست قواعده في الأرض وعلت شرفاته في السماء.
أحييكم عن الشمال الأفريقي من مخارم الأطلس الأشمّ بالسوس إلى منقطعاته على عتبات برقة، لا مفتاتا على إخواني الحاضرين في هذا المؤتمر من أبنائه، ولكن من آثار النبؤة فينا أننا قوم يسعى بذمتنا أدنانا، وأنا لسانُهم المعبّر عن أمانيهم فيكم، والمخبر عن مآسيهم لكم.
أيها الإخوان: إن هذا المؤتمر يحمل اسمًا عظيمًا ينطوي على معنى أعظم، فمعناه عند التحليل والشرح هذه الأربعمائة مليون المتفرقة كالحصى في قرارات أودية الحياة، فهذا هو المعنى الذي عناه الواضع لهذا الاسم.
ولكن هذا الاسم يثير فينا وفي كلّ مهتمّ حركة فكرية تستجمع أطراف هذا الاسم وحواشيه من ماضيه القوي العزيز إلى حاضره الضعيف الذليل، وفي كل حاشية من حاشيتيه وقفة وعبرات وعبر، وجملة من مبتدإ وخبر.
فهذا الاسم في ماضيه كان قليلًا، وكان عزيزًا لا ذليلًا.
أيها الإخوان: إن أكبر آية على أن هذا الشمال شيء واحد وكلٌّ طبيعي هو أن المغيرين من قديم الزمان كانوا يقصدونه كلًا: فكل مغير استولى على بعض أجزائه إلّا ورمى ببصره إلى الأجزاء الأخرى وعمل على ضمّها إلى بعضها لأنها مكمّلة لبعضها.
أيها الإخوان: أنا رسول العروبة والإسلام بالشمال الأفريقي إلى العروبة والإسلام المتمثلين في هذا المؤتمر، أناجيكم بأمانيه وأبثّكم بعض ما هو فيه، وأشكو إليكم- فأشكو إلى السميع الواعي- ما يلقاه من عنت الظالم وبغي المستعمِر، فإن لم تدركوه بنصرة الأخ ونجدة النصير وغوث الحامي، ضاع على الإسلام حصن من أمنع حصونه وعلى العروبة جزء من أهم أجزائها.
إننا ندافع دفاع المستميت حتى يدرك الغوث، ونصابر مصابرة الغريق حتى تتأتى وسائل النجدة، ولكم علينا أن نبقى كذلك محافظين على الثغر المطروق بالغارة مثبتين لأهله. ولنا عليكم أن تبادروا بتعبئة القوى، وإن أول بوارق الرجاء فيكم وبوادر النجدة منكم طلائع هذا المؤتمر الجامع لقوى الإسلام.
***
стр. 1538
أيها الإخوان:
إن الإسلام ما زال في أوروبا المسيحية في حرب صليبية لم تنطفئ نارها، وإنما غطى عليها رماد المدنية والعلم اللذين غزوا بهما عقولنا، وسحروا بهما عيوننا، وخدروا بهما مشاعرنا، تحيلًا ومكرًا ليصرفونا عن الاستعداد، وما هذه المدنية وهذا العلم إلّا سلاح جديد أفتك من سلاح الحديد: فإن سلاح الحديد يقتل الأجساد فينقل الأرواح إلى مقام الشهادة، أما هذا السلاح فإنه يقتل الأرواح ويجرّدها من أسباب السعادة.
أيها الإخوان:
إن العالم في اضطراب، لأن أهله في احتراب، وقد جرب المناهج والأدوية وتداوى بكل ما يخطر على البال، وتداوى بالمال وسحره فلم يشف من مسّه، واسترقى بجميع الرقى، فلم يبرأ من لمحه، وعالجه بالدواء الأحمر، فكان الداء الأصفر.
ويمينًا برة لا حنث فيها ولا تأول، لو أن الإسلام فهم على حقيقته، وطبّق على وجهه الذي جاء به من عند الله محمد بن عبد الله لكان هو الدواء النافع الذي يحل العقد ويرفع الإشكال، ولكان هو الحكم في معترك الخلاف، والجالب بقوانينه وأخلاقه لسعادة العالم.
ولكن الإسلام جمد فذهبت خواصه، وتفرّقت مذاهبه فزهقت روحه وذهبت ريحه.
والذنب في ذلك كله في عنق علمائه: تعصّبوا للمذاهب المفرقة فبعدوا عن المذهب الجامع وهو كتاب الله وهدي محمد ﷺ ، وفهموا الدين قشورًا وصدفوا عن اللباب، وتركوا قيادة الأمّة فأضاعوا الأمانة، وصرفوا الأمة بتعليمهم عن معاني الدين الجليلة، فأصاروها إلى الألفاظ، فهي تسبح منذ قرون في بحر من الألفاظ لا ساحل له، وإن الناظر في كتب المذاهب الإسلامية من الفقه والكلام يجد مجموعة يقصر ... ...
стр. 1539
- ٢ - *
خلاصة خطبة الإبراهيمي جوابًا لرئيس مؤتمر العالم الإسلامي
في الحفلة التي أقامها تكريمًا لوفود العالم الإسلامي
ــ
أيها الإخوان:
إذا هيّأ الله أمة للسعادة جرّ إليها الخير بأسباب من الشرّ، وساق إليها النفع بوسائل الضرّ، ومرّ بها إلى الحق على قنطرة من الباطل، وجعل الخلاف فيها ممكّنًا للوفاق، والتضاد في أعمالها مثبّتًا للائتلاف، وذلك بتوفيق المتخالفين، إلى أن يكون الخلاف خلافًا في الوسائل لا في الغايات، والاتجاه إلى هدف واحد.
الرباط الجامع للأمم هو المحبّه، فإذا خلصت المحبّة بين أفراد الأمّة تمحض الخلاف إلى أحسن ثمراته، واختلاف الرأي- كما يقول شاعرنا شوقي- لا يفسد للودّ قضية.
كل ما هو موجود بين المسلمين من خلاف وفتن وشرور هو مرحلة طبيعية للأمم في الأطوار الأولى من نهضاتها، فلا يهولننا أن هذا الشيء خصصنا به، ولا يثبطننا هذا عن الاستماتة في علاجه والعمل متضافرين على إزالته بالتدرّج، لأن أول مراحل النهضة هو آخر مراحل الانحطاط.
ما دام هذا القرآن موجودًا بين المسلمين، يقرؤونه ويجلّونه ويضعونه في مكانه من التقديس، فإن الأمل في إصلاح المسلمين لا ينقطع، لأن أوائلهم ما صلحوا إلّا به، فلا يصلح آخرهم إلّا به، وما هي إلّا هبة من هباته ونفحة من نفحاته تهب على نفوس هذا القطيع المبدّد وإذا قلوبهم مجتمعة، ونوافرهم متآلفة، وأمرهم جميع، وإذا بالمعجزة القرآنية التي جمعت العرب بعد ما كانوا عليه من تشتّت وتدابر، تعود ثانية فتنقل هذه الأمم من حال إلى حال.
الوحدة الإسلامية التي ننشدها تتوقّف على شيء واحد لا ثاني له وهو أن يوجد لها محور، وقد وجد هذا المحور وهو باكستان، وهي نعمة يجب أن نشكر الله عليها وأن نعرف قيمتها وأن نستغلّها.
стр. 1540
يجب على طرفين أن يشكرا الله على هذه النعمة الجليلة شكرًا عمليًا: الطرف الأول هو حكومة باكستان وشعب باكستان، والطرف الثاني هو الأمم الإسلامية.
أما شكر الأمم الإسلامية فقد تحقّق وتجلّى في هذه العناية التي رأيتموها من العالم الإسلامي في استجابته لدعوة ترسلونها مع رسول أو في البريد، وإذا هو مقبل عليكم مرسل إليكم بأفلاذ كبده وخلاصة علمائه وقادته وخطبائه وزعمائه، كأنه متحنث عابد سمع أذان الصلاة، وهذه وحدها نعمة عليكم لم تظفر بها أمة من الأمم الإسلامية ولا حكومة من حكوماتها.
وأما نوع الشكر العملي الذي يجب أن تؤديه باكستان حكومة وشعبًا فهو مقسّم عليها لتحفظ به هذه النعمة وتحصنها من الزوال.
فالحكومة يجب عليها أن تشكر الله على هذه النعمة بمحافظتها على الإسلام عقيدةً وعملًا وحكمًا وأدبًا ولغةً، وأن تفرض على رجالها أن يكونوا قدوة للناس في هذا.
والشعب يجب عليه أن يشكر الله على هذه النعمة بعدم الاختلاف، وعرفان قدر هذه النعمة، والسعي الحازم في توجيه الرأي العام إلى الاتحاد بتوحيد طوائفه المختلفة إليه، فعلماء الدين يتقاربون فيقف كل واحد عند قدره الذي وضعه فيه القدر ويُسَلِّم العالِم للأعلم، والكبير للأكبر.
إن المسلمين بدأوا يرتابون فيكم من هذه المؤتمرات المتعاقبة التي وجّهت الدعوات من باكستان وبعضها يحمل اسمًا واحدًا، وإنني أعرف بالأمم الإسلامية منكم أيها الباكستانيون، فلا تغرّنكم هذه الاستجابات السريعة من إخوانكم، فيومَ يعلمون عنكم اختلافًا أو اتباعًا لهوى مطاعًا سينفضّون عنكم وينبذونكم، ويومئذ تدعون فلا يستجيب لكم أحد، فترجعون إلى أسوأ مما كنتم عليه، فاستديموا هذه النعمة بالمحافظة عليها، والنعمة إذا عَظُمت عَظُمت تبعاتها ومسؤولياتها.
أنا لا يرضيي أنني في وطني كلٌّ، لأنني مرجع لإخواني العلماء، ومطاع من أتباع جمعيتي، لأن هذا الكلّ مهما قَوِيَ ضعيف، ولكن يسرّني أن أكون جزءًا من هذا الكل العظيم وهو علماء الإسلام، بل أفخر بهذا وأعلم ما له من الآثار النافعة للأمم الإسلامية.
كلنا جند النبي، ليس فينا أجنبي.
أربعوكم أن نتأدب بأدب جديد وهو الاقتصاد في المجاملات والألقاب وتقارض الثناء.
стр. 1541
وحدة الصوم والعيد *
هذا العنوان موضوع عملي جليل من المواضيع التي تجهد جمعية العلماء في تحقيقها والوصول بها إلى الغاية التي ترضي الله ورسوله، وتعين على تضييق دائرة الخلاف بين المسلمين.
دعت جمعية العلماء إلى هذا وعملت له في الجزائر ثم في شمال افريقيا كله وأرشدت إلى طريقته العملية، وهي قبول شهادة أي قطر إسلامي بالرؤية والاعتماد في تعميم الخبر بالإذاعات الرسمية التي يذيعها قضاة معينون من حكومة إسلامية، ولم تستثن إلا قضاة الجزائر لأنهم معينون من حكومة مسيحية بصورة ترفع الثقة بهم، ولأن من مقاصد الاستعمار بقاء هذا الخلاف الشنيع بين المسلمين في شعائرهم الدينية.
فجمعية العلماء وأتباعها في الجزائر ومقلّدوها في الشمال الأفريقي كله يصومون ويفطرون- إذا لم ير الهلال عندهم- على رؤية أي قطر إسلامي، تثبت وتزكى وتبلغ من قاض مسلم بصفة رسمية على طريق الإذاعة الرسمية. والإذاعات الرسمية اليوم لا يتطرق إليها أي خلل، وجمعية العلماء ترى أن عدم العمل بالرؤية الثابتة على هذه الصورة هو قدح في مصدرها، فهو قدح في أمانة المسلمين بلا حجة ولا بيّنة. وما شتت شمل المسلمين وأرث بينهم العداوة والبغضاء إلا قدح بعضهم في أمانة بعض، في الإمامة والشهادة، وهما حجر الأساس في بناء الأخوة الإسلامية، لأن الإمامة من دعائم الدين، ولأن الشهادة من مقاطع الحقوق في الدنيا.
تعمل جمعية العلماء هذه الأعمال وتعدها من أهم الوسائل لجمع كلمة المسلمين، لأن الخلاف كله شر، وشره ما كان في الدين وأشنعه ما اتصل بالعامة وأثر فيها التعصّب الباطل.
стр. 1542
فإن الخلاف في العلميات مقصور على العلماء محصور منهم في دائرة ضيّقة فلا تظهر آثاره ولا أعراضه في العامة، أما الخلاف في الصوم والعيد وما جرى مجراه فإنه يسري في العامة فيتناولونه بعقولهم الضيّقة فلا يثير إلا التشنيع والتعصّب والعداوة.
أضاع المسلمون بهذا الخلاف كل ما في الأعياد من جلال روحي ومعان دينية واجتماعية، وأصبحت أعيادنا تمرّ وكأنها مآتم. لا تنبّه في النفوس سموًا ولا تشيع فيها ابتهاجًا، ولا تثير فيها حركة إلى جديد، ولا سعيًا إلى مفيد، ولم يبق فيها إلا معان ثانوية مغسولة فاترة تظهر في هذه الصغائر من ترفيه تقليدي على الصبيان أو توسعة شهوانية على العيال، أو تزاور منافق يتولّاه اللسان ولا يتولّاه القلب، وقد يلتقي الإخوان أو الصديقان أو الجاران وأحدهما مفطر والآخر صائم. فلا تستعلن البشاشة في الوجهين، ولا تنطلق التهنئة من اللسانين، ولا يشعّ الأنس من أسارير الجهتين، وإنما ينقدح في النفسين أن كل واحد منهما مخالف للآخر فهو خصمه، فهو عدوّه. وفيمَ الخصام؟ وفيمَ العداوة؟ إنهما في الدين ...
إن هذا الخلاف الفاشي بين المسلمين في الصوم والعيدين هو التفرّق في الدين، ومن سمّاه بغير هذا فهو جاهل أو كاتم للحقيقة عمدًا. والتفرّق في الدين حذّر منه القرآن فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾، وقال: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. وكيف يرجو المسلمون الخير وهم متفرقون في دينهم، مخالفون لكتابهم، معرضون عن وصايا نبيّهم، ناكبون عن صراط سلفهم.
إن هذا الزمان هو زمان التكتّل والتجمّع وكأن الأفراد هم الذين تحتّم عليهم الحياة أن يتكتّلوا ليدفعوا عنهم البلاء الذي لا يستطيع الفرد أن يدفعه وحده.
إن من أشنع أنواع آثار التفرّق بين المسلمين اختلافهم في صوم رمضان وفي العيدين، ولو كان هذا الخلاف خلافًا صامتًا لا يصحبه تشهير لكان شرًا مقدرًا بقدره، ولكن خلافهم في هذا يصحبه تشهير من الصائم على المفطر ومن المفطر على الصائم وتشنيع ينتهي إلى سبب الخلاف فيثير الأحقاد الدفينة والحزازات الطائفية.
أصبح الخلاف في الصوم والإفطار تجديدًا للأحقاد الدينية فنكءٌ لجراحها وإثارة للفتن النائمة، ولا مبرّر له من اجتهاد أو خلاف مذهي، أو اختلاف مطالع، فكل هذه الاعتبارات لا وزن لها في باب العلم، ولا محل لها في حقيقة الدين.
الإسلام دين الاتحاد والوفاق بكل عقائده وعباداته. وآدابه ترمي إلى الوفاق وتربّي على الوفاق وتدعو إلى الوفاق.
стр. 1543
خماسيات عمر الأميري *
الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري- وزير سوريا المفوّض في باكستان- شاعر موهوب، رقيق الحس، وجداني النزعة، خصب الشاعرية، مستجيب الطبع، متدفق الطبع، صادق التأمل، واسع التخيّل، نظم كثيرًا ولم ينشر شيئًا، وله في هذه الضنانة بالنشر أعذار بعضها معقول، وبعضها غير مقبول.
يختص كثير من شعر الأميري الذي سمعناه منه بوصف سرائر النفس وانفعالاتها ونشدان الصداقة الصادقة والود الخالص، ويفيض بالذاتية المستعلية بالله، المترفعة عن الاسفاف، المتعففة عن الشهوات إذا نافت الكمال، أو وقفت في الطريق إلى الله، ويسمو في كثير من أغراضه إلى صلة الروح بخالقها، وترقّيها في مجالي التقوى والإيمان فيدلّك حين تقرأه على قرب صاحبه من الله، والاعتزاز بعبوديته له، وقد تبدو في بعض شعره حيرة ولكنها حيرة المؤمن المسلم وجهه لله، لا حيرة الشاك المضطرب، فهو مع شبابه وإلمامه بمعارف عصره، وملابساته لفتن عصره، متين الإيمان بالله، صادق التعبّد له، قوي الخوف منه، وقاف عند حدود آداب الدين والمحافظة على شعائره محافظة دقيقة، ولكنه- مع ذلك- مرح طروب، مطلق اللسان في اصطياد النكت، بارع الذهن في استخراجها من مكامنها اللفظية، لا يتحرج في ذلك ولا يتحفظ، وقد تنزل به هذه البوادر عن منزلته الحقيقية عند من لم يعرفه إلا من طريقها، ولكن هذا الظن به لا يجاوز لحظات.
ولو رزق الأميري أناة في نظمه للشعر وصبرًا على تحكيكه وصقله واستفتاء أساليب البلغاء فيه لجاء منه شاعر أي شاعر، وقد أرشدته إلى هذا وعسى أن يفعل.
стр. 1544
وللأميري عادة خاصة برمضان، وهي أن يصلّي الصبح مغلسًا، ثم يتلو جزءًا من القرآن تلاوة متدبّر، ثم ينام قليلًا بعد طلوع الشمس، فإذا استيقظ نظم الخاطر الذي يصحب تلك اللحظة في خمسة أبيات، فإن تعددت الخواطر نظم كل خاطر في خماسية، حتى لينظم في الصباح الواحد ثلاث خماسيات أو أربعًا، وقد اجتمع له من هذه الخماسيات ديوان صغير، ورأى لإعجابه بـ «البصائر» أن تتولى نشرها تباعًا، كل خماسية في عدد، و «البصائر» ترحّب بالشعر والشاعر، وبهذا اللون الجديد العامر، وترى أن أحكم الشعر ما صوّر خواطر صاحبه، وأن خواطر الشعراء هي مادة لشعرهم كيفما كان وزنها ولونها.
...
وللأميري صلة وثيقة بجمعية العلماء، فهو متّصل بمبدئها الإصلاحي اتصال العقيدة والعمل، وهو متّصل برجالها منذ كان طالبًا في باريس قبيل الحرب الأخيرة، وهو معجب بـ «البصائر» مواظب على قراءتها من ذلك الحين، وهو يرتفع برئيسها الأول عبد الحميد بن باديس، ورئيسها الحالي محمد البشير الإبراهيمي إلى الصفوف الأولى من قادة الإسلام، وهو معجب بشاعر الجزائر محمد العيد، يحفظ كثيرًا مما نشر من شعره في «البصائر» ويتغنّى بمطالعه وغرره. وها نحن أولاء ننشر خماسية في كل عدد وقد ننشر له قصائد كاملة في مناسبات خاصة.
وما زال الأدب العربي يظفر في كل عصر من عصوره بهذا الطراز من الشعراء الوزراء، وإن لم يكن بين الوصفين تلازم عقلي ولا عرفي، عرف منهم تاريخ الأندلس عشرًا، وعرف منهم عصرنا الحاضر فؤاد الخطيب وخليل مردم وعبد الوهاب عزّام وعمر الأميري، فهل يطمع كل الشعراء أن يصبحوا وزراء؟ أم أن دولة الأدب ستضن برجالها؟
стр. 1545
ديوان «مع الله» *
للشاعر عمر بهاء الدين الأميري
ــ
قرأت هذا الديوان الصغير، الذي احتوته هاتان الدفتان ... ثم جاد الزمن علي بمعاشرة الشاعر ... عمر بهاء الدين الأميري ... في كراتشي، أسابيع، وتلطف فأسمعي كثيرًا من شعره، مكتوبًا ومحفوظًا، فدهشت لهذه الشاعرية الجيّاشة، التي وهبتها الفطرة الصافية لهذا الوزير الشاعر، وهذا الخيال الخصب الذي يفيض بالمعاني فيضًا ...
... وأقوى ما تبدع هذه الشاعرية، فيما لاحظت، حين تتصل نفس شاعرنا بالله، وبمجالي آياته في الكون، وبأسرار النفس البشرية وغوامضها، وصلاتها بما يجاورها من مخلوقات، ونسبتها إلى هذه العوالم، المنظورة والمغيبة.
كذلك حين تتصل أو تماس الآلام أو الآمال، فهنا ترى نوعًا غريبًا من الإبداع في الوصف، ونوعًا آخر من التحليق، وتسمع خفقات تتبعها زفرات ... تتبعها أنّات ... تنبعث منها آهات ... يمزجها الشاعر في مقاطيع صغيرة، من البحور القصيرة، سهلة السبك، سهلة القافية، فتأتي مؤدية لمعانيها، وكأنها بين الآهات انقطاع واستراحة ...
ولشاعرنا "خماسيات" تعوّد منذ سنين أن ينظمها في أيام "رمضان" وكأنها تجليات من روحانية هذا الشهر المبارك، على نفس الشاعر الرقيقة، التي يذكيها الاتصال بالله.
إن لإيمان صاحبنا الوزير الشاعر، وتقواه، وتربيته الدينية، ومحافظته على الشعائر، دخلًا كبيرًا في تلوين شاعريته، واضفاء جلال الدين عليها ... وهو في هذا شبيه بمثله من الشعراء الأتقياء- وقليل ما هم- ومنهم شاعر الجزائر محمد العيد. ولكن للأميري نفسًا مرحة، وشأوًا في الأحماض بعيدًا، ولكنه لا يجاوز لسانه، وهيامًا بالجمال في أكمل معانيه، لا يتدلى إلى المعاني التافهة، التي يسف إليها أصحاب النفوس الصغيرة ... وللشعراء في فهم