← Джавами‘

Джавами‘ · id 5167

آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي

البشير الإبراهيمي

Полный текст (2 179 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

بالجهاد ثم نكون مع الخوالف؟ ونأمرهم ببذل المال في سبيل البر ثم نقبض أيدينا؟ كأن الجهاد بالنفس والمال- وهو ثمن الجنة- لم يكتب علينا. إنني- يا قوم- أعتقد أن أقسى عقوبة عاقبنا بها الله على خذلنا لدينه هي أنه جرّد كلامنا من القبول والتأثير، فأصبح كلامنا في اسماع الجيل القديم مستثقلًا وفي أسماع الجيل الجديد مسترذلًا، ومن ظن خلاف هذا فهو غر أو مغرور أو هما معًا. أصبحنا في أمتنا غرباء تزدرينا العيون، وتتقاذفنا الظنون، لأننا أصبحنا كالدراهم الزيوف، فيها من الدراهم استدارتها ونقوشها، وليس فيها جوهرها ومعدنها.

стр. 1577

الشباب المحمّدي * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الشباب في كلّ أمّة هم الدم الجديد الضامن لحياتها واستمرار وجودها، وهم الامتداد الصحيح لتاريخها، وهم الورثة الحافظون لمآثرها، وهم المصحّحون لأغلاطها وأوضاعها المنحرفة، وهم الحاملون لخصائصها إلى من بعدهم من الأجيال. كنا شبابًا فلما شبنا تلفّتنا إلى الماضي حنينًا إلى الشبيبة فرأينا أن الشباب هو الحياة التي لا يدرك قيمتها إلا من فارقها، ورأينا أخطاء الشباب من حيث لا يمكن تداركها، وسيصبح شباب اليوم شيوخ الغد، فيشعرون بما نشعر به نحن اليوم، وليت شعري إذا كان شيوخ اليوم هم شباب الأمس وشباب اليوم هم شيوخ الغد، فعلام هذه الشكوى المترددة بين الفريقين؟ ... وهذا التلاوم المتبادل بين الحبيبين؟ ... يشكو الشيوخ نزق الشباب وعقوقهم ونزواتهم الكافرة، ويشكو الشباب بطء الشيوخ وترددهم وتراجعهم إلى الوراء ونظرتهم إلى الحياة نظرة الارتياب. مهلًا أيها المتقاربان المتباعدان، فليس التفاوت بينكما كسبيًا يعالج، وليس النزاع بينكما علميًا يحكم فيه الدليل، ولكنه سنّة وتطوّر. كنا حيث أنتم، وستصبحون حيث نحن بلا لوم ولا عتاب، هما مرحلتان في الحياة ثم لا ثالثة لهما طويناهما كرهًا، وستطوونهما كرهًا، والحياة قصيرة وهي أقصر من أن نقطعها في لوم أو نقطعها بنوم. ليحرص الشباب على أن يكونوا كمالًا في أمّتهم لا نقصًا، وأن يكونوا زينًا لها لا شينًا، وأن يضيفوا إلى تليد مكارمها طريفًا، وإلى قديم محاسنها جديدًا، وأن يمحوا كل سيئة لسلفهم بحسنة.

стр. 1578

والشباب المحمّدي أحقّ شباب الأمم بالسبق إلى الحياة، والأخذ بأسباب القوة، لأنّ لهم من دينهم حافزًا إلى ذلك، ولهم في دينهم على كل مكرمة دليل، ولهم في تاريخهم على كل دعوى في الفخار شاهد. أعيذ الشباب المحمدي أن يشغل وقته في تعداد ما اقترفه آباؤه من سيئات أو في الافتخار بما عملوه من حسنات، بل يبني فوق ما بنى المحسنون، وليتق عثرات المسيئين. وأعيذه أن ينام في الزمان اليقظان، أو يهزل والدهر جادّ، أو يرضى بالدون من منازل الحياة. يا شباب الإسلام، وصيتي إليكم أن تتصلوا بالله تديّنًا، وبنبيّكم اتّباعًا، وبالإسلام عملًا وبتاريخ أجدادكم اطّلاعًا، وبآداب دينكم تخلّقًا، وبآداب لغتكم استعمالًا، وبإخوانكم في الإسلام ولِداتكم في الشبيبة اعتناءً واهتمامًا، فإن فعلتم حزتم من الحياة الحظ الجليل، ومن ثواب الله الأجر الجزيل، وفاءت عليكم الدنيا بظلها الظليل. مكّة المكرمة في ١ صفر الخير ١٣٧٢هـ.

стр. 1579

الشيخ محمّد نصيف * أيها الإخوان: إن هذه الحفلات التي تقام لتوديع الأصدقاء أو لاستقبالهم، وغير هذا من المناسبات الاجتماعية، هي من دواعي الفِطر السليمة والنفوس الكريمة، وإن الصداقة قد تخمد والمودة قد تركد وإنما يصقلها ويجددها مثل هذه الحفلات ... وإن إقامة هذه الحفلات ليست من ابتكار المدنية الغربية، وإنما قد سبقتهم إليها مدنية الإسلام، وإن الذين ابتكروها هم الأسلاف من أهل الأندلس، وقد سمّوها "صنيعًا". أيها الإخوان: رؤوس الأموال أنواع، وحظوظ الناس منها متفاوتة: منها المادي الذي يُقدّر بخصائص الماديات من الكيل والوزن، أو بالذرع والمسح، أو بالعدد الذي كلّما انتهى صارت ملايينه آحادًا، ومنها المعنوي الروحاني الذي يقاس بالموازين الروحية، وُيوازَن بالقيم العلوية بمعرفة صيارفة من طراز سماوي يتسامى عن المادة وأوضارها وأكدارها وشرورها وآثامها، ولو خُيِّر موفق بين الجنسين لما اختار المادّة وإن تعرّضت بزخارفها، وعرضت بقطوفها الدانية لخارفها، وإنما يختار أقوات الروح من المعنويات، ولكن الأذواق كالأرزاق منها الحلال ومنها الحرام، ومنها السالم والمعتلّ، ومنها السديد والممتل، إن الموفقين لَيعرفون أن رؤوس الأموال المادية كرؤوس الشياطين، تتحرّك قرونها للفتنة والشرّ، ويستمس حرونها للفساد والضرّ، وقد صرنا إلى زمان أصبحت فيه رؤوس الأموال المادية مبعث شقاء للإنسانية، وكفى بحال العالَم اليوم شاهدًا أدّى وسجل وأمن التجريح.

стр. 1580

أيها الإخوان: من سعادة أخيكم هذا أنّ حظّه من هذه الثروة المعنوية موفور، وأنه يكاثر بها ويفاخر، ويعتزّ بها ويغالي، ويعتدّ ويقالى، وحَسْبُه من الحظوظ في الحياة أن يكون له أصدقاء أصفياء من هذا الطراز، يصدقونه المحبّة، والمحبّةُ ملاك، ويصدقونه الهوى، والهوى مساك، ويمحضونه التقدير، والتقدير مسنّ، ويشاركونه في المبدإ، والمبادئ أرحام عند أهلها، وما لي لا أكون موفور الحظ من هذه الثروة وهؤلاء الإخوان الّذين أجتلي غررهم، وكأنّما أستشف من وراء الغيب سرائرهم، ما اجتمعوا إلّا بسائق واحد ليس من حدائه نغم الرغبة والرهبة، ولا هرج الرياء والنفاق، وإنما هو الوداد الخالص والصفاء الصافي، والتكريم لأخ أحبّهم وأحبّوه في المشهد والمغيب، والتقوا به في ميدان القلم بعيدًا وفي ميدان اللسان قريبًا، فكان بين أرواحهم وروحه تجاوب هو من أثر يد الله في الأرواح المتعارفة. أيها الإخوان: إن من مذاهبي التي انْتَهتْ بي تجارب الحياة إليها أنني لا أفهم الصداقة كما يفهمها الناس، وإنما أفهمها امتزاجًا فكريًا سَبَّبتْهُ عوامل خفية المسارب في الجبلة الأولى، ولذلك فأنا أفهم أنّ الصداقة لا تزول ولا تنتهي بعداوة من الجانبين، فإن انتهت بعداوة من الطرفين دلّ ذلك على أنها ليست صداقة، وإنّما هي شيء مقنّع يُسمّيه العرف المنافق المتساهل صداقة وليس بها، إنما هو تجارة انتهت بانتهاء المصلحة، أو زواج متعة انتهى بانتهاء الأجل، أما الصداقة الطاهرة البريئة فهيهات أن تنتهي بعداوة، ولقد يعرف منّي إخواني الملابسون لي أنّي لم أعاد في عمري صديقًا، فإذا بادأني بالعداوة لم أجاره في ميدانها خطوة، ووكلته إلى الزمان الذي يقيم الصعر، فإذا هو تائب منيب أو خجلان متستر، وقد يسبّني أقوام بما ليس فيّ، فلا أقطع عنهم عادة من عوائد البر والرفق لعلمي أنّهم إنما يسبون غيري بعد أن يلبسوه اسمي، وإن هذا لمن طوابع التربية المحمّدية، بين أتباع سنّته، عبّر عنها بجُملة من جوامع كلمه: إنهم يقولون مذمم وأنا محمّد. أيها الإخوان: لقد سمعت كلمات من بعض خطباء هذا الحفل وأنا غير راض بها ولا عنها، وأنا كنتُ- وما زلتُ- أحارب هذه الألقاب، وقد سمعنا من شوقي قوله: "إذا كثر الشعراء قلَّ الشعر"، وعلى هذا الوزن يصحّ أن نقول: إذا كثر المجاهدون قلَّ الجهاد. إن المجاملات لا تكون إلا حيث يكون الضعف، وإن هذه الألقاب لا تتمكن إلا حيث تفقد المناعة الخلقية المتينة، ولذلك لا نجدها عند أسلافنا الذين قوي في نفوسهم سلطان الأخلاق، وما نبتت هذه المجاملات إلا في العصور الإسلامية المتأخرة حينما وقف تيار العلم والخلق، وضعفت دولة السيف والقلم، قادتهم هذه الحالة إلى التمَجُّد الأجوف بالكلمات الضخمة الجُوفِ، ولذلك كثرت الألقاب وصرنا نسمع هذه "الطغراء": الكاتب الكبير، المجاهد العظيم، الزعيم الكبير ...

стр. 1581

إنني لم أكن مجاهدًا، وإذا كنتُه ففي شيء واحد هو محاربة البدع والضلالات ومحو الأمية، وتعليم الأمة، وهذه الأمور عادية لا ترفع القائم بها إلى مستوى الجهاد. وحقًا إن الألقاب التي اعتدنا استعمالها إنما هي "طغراءات" جوف لا تحقق أمنية ولا تؤدي إلى غاية شريفة. إن عبد الحميد بن باديس كان إمامًا في العلم والتواضع ومع ذلك فما كان إخوانه يخاطبونه بشيء من ألقاب الزعامة الفضفاضة. والذي أستحسنه هو أن يتخاطب المسلمون فيما بينهم بكلمة "الأخ"، أخْذًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ائمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. ... أيها الإخوان: إنّ مِن بين الأصدقاء الذين جمعتهم الصداقة في هذا الحفل الصادق ثلاثة قدم عهدي بصداقتهم فلم يزدد إلّا جدة: هم الأصدقاء المخلصون محمود شويل، وحسونة البسطي، ومحمد نصيف، فقد جمعنا الشباب الطامح والأمل اللامح بالمدينة المنورة منذ أربعين سنة، وتجاذبنا ملاءة العلم فضفاضة، وتنازعنا كأس الأدب روية، وزجّينا الأيام بالآمال العذاب، ولكننا نمنا في يقظة الدهر فما استيقظنا إلّا وبعضنا مشرّق وبعضنا مغرّب، وبعضنا في مدار الحوادث يُدارُ به ولا تدور، وها نحن أولاء اجتمعنا بعد بضع وثلاثين سنة، وكأنّ خاتمة الفراق وفاتحة التلاق خميس وجمعة لهما ما بعدهما، وكأنّ ما بينهما من هذه المدّة الطويلة انطوى ومحي، وكأنّ الذكريات بينهما حبال ممدودة أو سلاسل مشدودة، وكأننا لم نفترق لحظة، وكأنّ تلك الصداقة الصادقة بيننا شباب أمن الهرم، كما أمن الصيد حمام الحرم. ايه أيها الرفاق، هل تذكرون ما أذكر من تلك الليالي التي كانت كلها سمرًا كما قالوا في ليل منبج؟ هل تشعرون بما أشعر به من تفاوت بين تاريخ الفراق وتاريخ التلاق؟ هل تشعرون كما أشعر بأننا كنا في هذا الفراق الطويل أشبه بالميت أغمض عينيه عن الدنيا وفتحهما على الآخرة؟ هل تحسّون كما أحسّ بأنّ مدّة الافتراق كانت صفحات كلها عبر ووخز إبَر، وجُمَل من الحوادث سمعنا بمبتداها وما زلنا في انتظار الخبر؟ .. هل أنتم شاعرون مثلي بأنّ آمال المسلمين، من يوم تركناها بالافتراق إلى يوم لقيناها بالاجتماع، تحققت ولكن بالخيبة، وأن أعمالهم نجحت ولكن بالفشل، أما آمالهم فما زالت كموتًا يسقيه وعد، وأما أعمالهم فما زالت إبلا يوردها سعد ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. ايه أيها الرفاق: إن الزمان فرّقنا شبابًا وجمعنا شيبًا، ولئن أساء لي هذا فلقد أحسن في أننا اجتمعنا أصلب ما كنّا قناةً في عقيدة الحق، وأجرى ما كنّا أئسِنَةً في كلمة الحق، وأجرأ

стр. 1582

ما كنا رأيًا في تأييد الحق، وأثبت ما كنا عزيمةً في الدفاع عن الحق. إنّ الهمم لا تشيب وإن العزائم لا تهرم، وليس هذا البياض غبار وقائع الدهر كما يقول الشاعر، وإنما هو غبار الوقائع مع الدهر، فلا تهنوا ولا تفشلوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. ... أيها الإخوان: إنّي أتوسّمُ في هذه الوجوه وأتلمّحُ ما وراءها من علم ومكارم، لا أقول فيهما بالتقليد ولكنني خبرت وبلوت فاجد مصداق الحديث، هذه مكّة رمت إليكم بأفلاذ كبدها، بل أقول هذا الحجاز رمى إليكم بأفلاذ كبده، ومَن غير أستاذنا الجليل محمد نصيف يستطيع أن يجمع العالم في دار، أو يدّخر كنزًا ثمينًا تحت جدار، ومن عجب أن القضيتين متعاندتان: فالذي يستطيع أن يجمع عالمًا في دار لا يستطيع أن يجمع كنزًا تحت جدار، وما دامت الموائد تُنصب، واللقم ترفع، والصحون تُجرّ، والأفواه تفتح وتضم، والطعام كرات، والملاعق مخاريق بأيدي لاعبينا، فإن حال أستاذنا معنا حال أبي دلامة من شيوخ بني تميم إذ يقول: نحن شيوخ بني تميم ... وأنت- يا أستاذنا- أبو دلامة، فاجهد جهدك، وان شيوخ بني تميم موفون بعهدهم فاوفِ بعهدك، وإن هذه الدار مهدنا فإنْ برمت أو ضجرت فاجعل غيرها مهدك. وإن دار الشيخ نصيف لم تبرم بنا ولم تضجر، فأعانك الله على هذا الجند أيها الشيخ الحصيف الكريم. أيها الإخوان: إذا ما لم ينصف الحجاز شيخه ومخلد مجده ورافع رايته أستاذنا الشيخ نصيفا، فإن العالم الإسلامي كله ينصفه، فكلنا أَئسِنة شاهدة بأنّه مجموعة فضائل نعدّ منها ولا نعدّدها، وانه مجمع يلتقي عنده علماء الإسلام وقادته وزعماؤه فيردون ظماء ويصدرون رواء، وإنني أقولها بصيحة صريحة وأؤدّيها شهادة للحق والتاريخ بأنّه محيي السنّة في الحجاز من يوم كان علماؤه- ومنهم أشياخنا- متهورين في الضلالة، وأنه صنع للسلفية وإحياء آثارها ما تعجز عنه الجمعيات بل والحكومات، وانه أنفق عمره وماله في نصرها ونشرها، في هدوء المخلصين وسكون الحكماء، وسيسجّل التاريخ العادل آثاره في عقول المسلمين، وسيشكر له الله غزوه للبدع بجيوش السنن المتمثلة في كتبها وعلوم أئمتها، وجمعية العلماء نفسُها مَدِينة له، فإن الكتب السلفية لم تصلنا إلا عن يده، وسيسجّل أنه مفخرة من مفاخر الإسلام وأنه كفّارة عن تقصير العلماء، وانه زهرة فوّاحة في أرض الحجاز وأنه جماله الذي يغطّي كل شين. إني كنتُ قلت في الشيخ نصيف أبياتًا منها: قُئ لِلَّذِي عَابَ ائحِجَا ... زَ وَجَانَبَ ائمَثَلَ ائحَصِيفَا هَيْهَاتَ لَسْتَ بِبَالِغِ ... مُدَّ ائحِجَازَ وَلَا "نَصِيفَا"

стр. 1583

إلى علماء نجد * قال- ﵀ مخاطبًا بعض علماء نجد: ــ إِنَّا إِذَا مَا لَيْلُ نَجْدٍ عَسْعَسَا ... وَغَرَبَتْ هَذِي ائجَوارِي خُنَّسَا ١ وَالصُّبْحُ عَنْ ضِيَائِهِ تَنَفَّسَا ... قُمْنَا نُؤَدِّي ائوَاجِبَ ائمُقَدَّسَا وَنَقْطَعُ ائيَوْمَ نُنَاجِي الطُّرُسَا ... وَنَنْتَحِي بَعْدَ ائعِشَاءِ مَجْلِسَا ٢ مُوَطَّدًا عَلَى التُّقَى مُؤَسَّسَا ... فِي شِيخَةٍ حَدِيثُهُمْ يَجْلُو ائأَسَى ٣ وَعِئمُهُمْ غَيْثٌ يُغَادِي ائجُلَسَا ... كَأَنَّنَا شَرْبٌ يَحُثُّ ائأَكْؤُسَا ٤ مِنْ خَمْرَةِ ائآدَابِ عَبًّا وَاحْتِسَا ... خَلَائِقٌ زُهْرٌ تُنِيرُ ائغَلَسَا ٥ وَهِمَمٌ غُرٌّ تَعَافُ الدَّنَسَا ... وَذِمَمٌ طُهْرٌ تُجَافِي النَّجَسَا يُحْيُونَ فِينَا مَالِكًا وَأَنَسَا ... وائأَحْمَدَيْنِ وَائإِمَامَ ائمُؤْتَسَا ٦ قَدْ لَبِسُوا مِنْ هَدْيِ طَهَ مَئبَسَا ... ضَافٍ عَلَى ائعَقْلِ يَفُوقُ السُّنْدُسَا ٧ فَسَمْتُهُمْ مِنْ سَمْتِهِ قَدْ قُبِسَا ... وَعِئمُهُمْ مِنْ وَحْيِهِ تَبَجَّسَا ٨ ...

стр. 1584

بُورِكْتِ يَا أَرْضًا بِهَا الدِّينُ رَسَا ... وَأَمِنَتْ آثارُهُ أَنْ تَدْرُسَا وَالشِّرْكُ فِي كُلِّ ائبِلَادِ عَرَّسَا ... جَذْلَانَ يَتْلُو كُتْبَهُ مُدَرِّسَا ٩ مُصَاوِلًا مُوَاثِبًا مُفْتَرِسَا ... حَتَّى إِذَا مَا جَاءَ جَئسًا جَلَسَا ١٠ مُنْكَمِشًا مُنْخَذِلًا مُقْعَنْسِسَا ... مُبَصْبِصًا قِيلَ لَهُ اخْسَأْ فَخَسَا ١١ شَيْطَانُهُ بَعْدَ ائعُرَامِ خَنَسَا ... لَمَّا رَأَى إِبْلِيسَهُ قَدْ أَبْلَسَا ١٢ وَنُكِّسَتْ رَايَاتُهُ فَانْتَكَسَا ... وَقَامَ فِي أَتْبَاعِهِ مُبْتَئِسَا مُخَافِتًا مِنْ صَوْتهِ مُحْتَرِسَا ... وَقَالَ إِنَّ شَيْخَكُمْ قَدْ يَئِسَا مِنْ بَلَدٍ فِيهَا ائهُدَى قَدْ رَأَسَا ... وَمَعْلَمُ الشِّرْكِ بِهَا قَدْ طُمِسَا وَمَعْهَدُ ائعِئمِ بِهَا قَدْ أُسِّسَا ... وَمَنْهَلُ التَّوْحِيدِ فِيهَا انْبَجَسَا ١٣ إِنِّي رَأَيْتُ "وَائحِجَى لَنْ يُبْخَسَا" ... شُهْبًا عَلَى آفَاقِهِ وَحَرَسَا فَطَاوِلُوا ائخَئفَ وَمُدُّوا ائمَرَسَا ... وَجَاذِبُوهُمْ إِنْ أَلَانُوا ائمَئمَسَا ١٤ لَا تَيْأَسُوا: وَإنْ يَئِسْتُ: فَعَسَى ... أَنْ تَبْلُغُوا بِائحِيلَةِ ائمُئتَمَسَا وَلَبِّسُوا إِنَّ أَبَاكُمْ لَبَّسَا ... حَتَّى يَرَوْا ضَوْءَ النَّهَارِ حِنْدِسَا ١٥ وَالطَّامِيَاتِ الزَّاخِراتِ يَبَسَا ... وَجَنِّدُوا جُنْدًا يَحُوطُ ائمَحْرَسَا ١٦ مَنْ هَمُّهُ فِي ائيَوْم أَكْلٌ وَكِسَا ... وَهَمُّهُ بِاللَّيْل خَمْرٌ وَنِسَا وَفِيهِمُ حَظٌّ لَكُمْ مَا وُكِسَا ... وَمَنْ يَجِدْ تُرْبًا وَمَاءً غَرَسَا ١٧ تَجَسَّسُوا عَنْهُمْ فَمَنْ تَجَسَّسَا ... تَتَبَّعَ ائخَطْوَ وَأَحْصَى النَّفَسَا تَدَسَّسُوا فِيهِمْ فَمَنْ تَدَسَّسَا ... دَانَ لَهُ ائحَظُّ ائقَصِيُّ مُسْلِسَا ١٨ وَأَوْضِعُوا خِلَالَهُمْ زَكًى خَسَا ... وَاخْتَلِسُوا فَمَنْ أَضَاعَ ائخُلَسَا ١٩ تَئقَوْنَهُ فِي ائأُخْرَيَاتِ مُفْلِسَا ... أَفْدِي بِرُوحِي التَّيِّهَانَ الشَّكِسَا ٢٠

стр. 1585

يَغْدُو بِكُلِّ حَمْأَةٍ مُرْتَكِسَا ... وَمَنْ يَرَى ائمَسْجِدَ فِيهِمْ مَحْبِسَا ٢١ وَمَنْ يُدِيلُ بِائأَذَانِ ائجَرَسَا ... وَمَنْ يَعُبُّ ائخَمْرَ حَتَّى يَخْرَسَا ٢٢ وَمَنْ يُحِبُّ الزَّمْرَ صُبْحًا وَمَسَا ... وَمَنْ يَخُبُّ فِي ائمَعَاصِي مُوعِسَا ٢٣ وَمَنْ يَشِبُّ طِرْمِذَانًا شَرِسَا ... وَمَنْ يُقِيمُ لِئمَخَازِي عُرُسَا ٢٤ ... يَا عُمَرَ ائحَقِّ وُقِيتَ ائأَبْؤُسَا ... وَلَا لَقِيتَ "مَا بَقِيتَ" ائأَنْحُسَا ٢٥ لَكَ الرِّضَى إِنَّ الشَّبَابَ انْتَكَسَا ... وَانْتَابَهُ دَاءٌ يُحَاكِي ائهَوَسَا ٢٦ وَانْعَكَسَتْ أَفْكَارُهُ فَانْعَكَسَا ... وَفُتِحَتْ لَهُ ائكُوَى فَأَسْلَسَا ٢٧ فَإِنْ أَبَتْ نَجْدٌ فَلَا تَأْبَى ائحَسَا ... فَاقْسُ عَلَى أَشْرَارِهِمْ كَمَا قَسَا ٢٨ سَمِيُّكَ ائفَارُوقُ (فَالدِّينُ أُسَى) ... نَصْرُ بْنُ حَجَّاجٍ ائفَتَى وَمَا أَسَا ٢٩ غَرَّبَهُ إِذْ هَتَفَتْ بِهِ النِّسَا ... وَلَا تبَالِ عَاتِبًا تَغَطْرَسَا أَوْ ذَا خَبَالٍ لِئخَنَا تَحَمَّسَا ... أَوْ ذَا سُعَارٍ بِالزِّنَى تَمَرَّسَا ٣٠ شَيْطَانُهُ بِائمُنْدِيَاتِ وَسْوَسَا ... وَلَا تُشَمِّتْ مِنْهُمُ مَنْ عَطَسَا ٣١ وَلَا تَقِفْ بِقَبْرِهِ إِنْ رُمِسَا ... وَلَا تَثِقْ بِفَاسِقٍ تَطَيْلَسَا فَإِنَّ فِي بُرْدَيْهِ ذِئْبًا أَطْلَسَا ... وَإنْ تَرَاءَ مُحْفِيًا مُقَئنِسَا فَسَئ بِهِ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ ائأَمْلَسَا ... تَأَمْرَكَ ائمَئعُونُ أَوْ تَفَرْنَسَا ٣٢ ...

стр. 1586

يَا شَيْبَةَ ائحَمْدِ رَئِيسَ الرُّؤَسَا ... وَوَاحِدَ ائعَصْرِ ائهُمَامَ ائكَيِّسَا وَمُفْتِيَ الدِّينِ الَّذِي إِنْ نَبَسَا ... حَسِبْتَ فِي بُرْدَتِهِ شَيْخَ نَسَا ٣٣ رَاوِي ائأَحَادِيثِ مُتُونًا سُلَّسَا ... غُرًّا إِذَا الرَّاوِي افْتَرَى أَوْ دَلَّسَا وَصَادِقَ ائحَدْسِ إِذَا مَا حَدَسَا ... وَمُوقِنَ الظَّنِّ إِذَا تَفَرَّسَا وَصَادِعًا بِائحَقِّ حِينَ هَمَسَا ... بِهِ ائمُرِيبُ خَائِفًا مُخْتَلِسَا وَفَارِسًا بِائمَعْنَيَيْنِ اقْتَبَسَا ... غَرَائِبًا مِنْهَا إِيَاسُ أَيِسَا بِكَ اغْتَدَى رَبْعُ ائعُلُومِ مُونِسَا ... وَكَانَ قَبْلُ مُوحِشًا مُعَبِّسَا ذَلَّئتَهَا قَسْرًا وَكَانَتْ شُمُسَا ... فَأَصْبَحَتْ مِثْلَ الزُّلَالِ ائمُحْتَسَا ٣٤ فَتَحْتَ بِائعِئمِ عُيُونًا نُعَّسَا ... وَكَانَ جَدُّ ائعِئمِ جَدًّا تَعِسَا ٣٥ وَسُقْتَ لِئجَهْلِ ائأُسَاةَ النُّطُسَا ... وَكَانَ دَاءُ ائجَهْلِ دَاءً نَجَسَا ٣٦ رَمَى بِكَ ائإِئحَادَ رَامٍ قَرْطَسَا ... وَوَتَرَتْ يَدُ ائإِلَهِ ائأَقْوُسَا ٣٧ وَجَدُّكَ ائأَعْلَى اقْتَرَى وَأَسَّسَا ... وَتَرَكَ التَّوْحِيدَ مَرْعِيَّ ائوَسَا ٣٨ حَتَّى إِذَا الشِّرْكُ دَجَا وَاسْتَحْلَسَا ... لُحْتَ فَكُنْتَ فِي الدَّيَاجِي ائقَبَسَا ٣٩ وَلَمْ تَزَئ تَفْرِي ائفَرِيَّ (سَائِسَا) ... حَتَّى غَدَا اللَّيْلُ نَهَارًا مُشْمِسَا ٤٠ يَا دَاعِيًا مُنَاجِيًا مُغَلِّسَا ... لَمْ تعْدُ نَهْجَ ائقَوْمِ بِرًّا وَائْتِسَا ٤١ إِذْ يُصْبِحُ الشَّهْمُ نَشِيطًا مُسْلِسَا ... وَيُصْبِحُ ائفَدْمُ كَسُولًا لَقِسَا ٤٢ كَانَ الثَّرَى بَيْنَ ائجُمُوعِ مُوبِسَا ... فَجِئْتَهُ بِالغَيْثِ حَتَّى أَوْعَسَا ٤٣

стр. 1587

قُئ لِئأُلَى قَادُوا الصُّفُوفَ سُوَّسَا ... خَلُّوا الطَّرِيقَ لِفَتًى مَا سَوَّسَا ٤٤ وَطَأْطِئُوا ائهَامَ لَهُ وَائأَرْؤُسَا ... إِنَّ النَّفِيسَ لَا يُجَارِي ائأَنْفَسَا ... وَيَا رَعَى اللهُ ُسُعُودًا وَكَسَا ... دَوْلَتَا ائعِزَّ ائمَكِينَ ائأَقْعَسَا ٤٥ أَحْيَى ائمُهَيْمِنُ بِهِ مَا انْدَرَسَا ... مَنِ ائحُدُودِ أَوْ وَهَى وَانْطَمَسَا وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ ائمَدَى تَنَفَّسَا ... حَتَّى أَرَاهُ بَالِغًا أَنْدَلُسَا ٤٦ أَعْطَاهُ مُئكًا مِثْلُهُ لَمْ يُؤْنَسَا ... لَمْ يُعْطِهِ كِسْرَى وَلَا ائمُقَوْقِسَا مِنْ دَوْحَةٍ غَرَسَهَا مَنْ غَرَسَا ... فَبَسَقَتْ فَرْعًا وَطَابَتْ مَغْرِسَا لَاذَ بِهِ ائعُرْبُ فَوَاسَى وَأَسَا ... وَبَذَلَ ائمَالَ وَحَاطَ ائأَنْفُسَا غَيْثٌ إِذَا قَطْرُ السَّمَاءِ انْحَبَسَا ... لَيْثٌ إِذَا اللَّيْثُ انْثَنَى وَانْخَنَسَا ٤٧ وَأَيْنَ لَيْثٌ لِئوُحُوشِ انْتَهَسَا ... مِمَّنْ حَبَا الآلَافَ مَالًا وَكَسَا ٤٨ وَقَاهُ رَبِّي كُلَّ مَا ضَرَّ وَسَا ... وَدَامَ مَا قَرَّ ثَبِيرٌ وَرَسَا ٤٩

стр. 1588

تعليم البنت * قَدْ كُنْتُ فِي جِنِّ النَّشَاطِ وَائأَشَرْ ... كَأَنَّنِي خَرَجْتُ عَنْ طَوْرِ ائبَشَرْ ١ وَكُنْتُ نَجْدِىَّ ائهَوَى مِنَ الصِّغَرْ ... أَهِيمُ فِي بَدْرِ الدُّجَى إِذَا سَفَرْ وَأَتْبَعُ الظَّبْيَ إِذَا الظَّبْيُ نَفَرْ ... أَنْظِمُ إِنْ هَبَّ نَسِيمٌ بِسَحَرْ مَا رَقَّ مِنْ شِعْرِ ائهَوَى وَمَا سَحَرْ ... وَأَقْطَعُ اللَّيْلَ إِذَا اللَّيْلُ اعْتَكَرْ فِي جَمْعِ أَطْرَافِ ائعَشَايَا وَائبُكَرْ ... وَإنْ هَوَى نَجْمُ الصَّبَاحِ وَانْكَدَرْ لَبَّيْتُ مَنْ أَعْلَى النِّدَاءَ وَابْتَدَرْ ... ثُمَّ ارْعَوَيْتُ بَعْدَ مَا نَادَى ائكِبَرْ ٢ وَأَكَّدَتْ شُهُودُهُ صِدْقَ ائخَبَرْ ... وَكَتَبَ الشَّيْبُ عَلَى الرَّأْسِ النُّذُرْ بَاكَرَنِي فَكَانَ فِيهِ مُزْدَجَرْ ... فَلَسْتُ أَنْسَى فَضْلَهُ فِيمَا حَجَرْ ٣ وَلَسْتُ أَنْسَى وَصْلَهُ لِمَنْ هَجَرْ ... أَكْسَبَنِي مَا يُكْسِبُ ائمَاءُ الشَّجَرْ حُسْنًا وظِلًّا وَلحَاءً وَثَمَرْ ... طَبَعَنِي عَفْوًا وَمِنْ غَيْرِ ضَجَرْ ٤ عَلَى صِفَاتٍ أَشْبَهَتْ نَقْشَ ائحَجَرْ ... عَقِيدَتِي فِي الصَّالِحَاتِ مَا أُثِرْ عَنْ أَحْمَدٍ وَمَا تَرَامَى وَنُشِرْ ... مِنْ سِيَرٍ أَعْلَامُهَا لَمْ تَنْدَثِرْ وَسُنَنٍ مَا شَانَ رَاوِيهَا ائحَصَرْ ... قَدْ طَابَقَتْ فِيهَا ائبَصِيرَةُ ائبَصَرْ ٥ وَمَا أَتَى عَنْ صَحْبِهِ الطُّهْرِ ائغُرَرْ ... وَالتَّابِعِينَ ائمُقْتَفِينَ لِئأَثَرْ وَقَائِدِى فِي الدِّينِ آيٌ وَأَثَرْ ... صَحَّ بِرَاوٍ مَا وَنَى وَلَا عَثَرْ

стр. 1589

وَمَذْهَبِي حُبُّ عَلِيِّ وَعُمَرْ ... وَائخُلَفَاءَ الصَّالِحِينَ فِي الزُّمَرْ هَذَا وَلَا أَحْصُرُهُمْ فِي اثْنَيْ عَشَرْ ... لَا وَلَا أَرْفَعُهُمْ فَوْقَ ائبَشَرْ وَلَا أَنَالُ وَاحِدًا مِنْهُمْ بِشَرْ ... (وَشِيعَتِي فِي ائحَاضِرِينَ) مَنْ نَشَرْ دِينَ ائهُدَى وَذَبَّ عَنْهُ ونَفَرْ ... لِعِئمِهِ وَفْقَ الدَّلِيلِ ائمُسْتَطَرْ حَتَّى قَضَى مِنْ نُصْرَةِ ائحَقِّ ائوَطَرْ ... هُمْ شِيعَتِي فِي كُلِّ مَا أَجْدَى وَضَرْ وَمَعْشَرِي فِي كُلِّ مَا سَاءَ وَسَرْ ... وَعُصْبَتِي فِي كُلِّ بَدْوٍ وَحَضَرْ أَمَّا إِذَا صَبَبْتُ هَذِهِ الزُّمَرْ ... فِي وَاحِدٍ يَجْمَعُ كُلَّ مَا انْتَثَرْ ٦ (فَخُلَّتِي مِنْ بَيْنِهِمْ أَخٌ ظَهَرْ) ... فِي الدَّعْوَةِ ائكُبْرَى فَجَلَّى وَبَهَرْ ٧ وَجَالَ فِي نَشْرِ ائعُلُومِ وَقَهَرْ ... كَتَائِبَ ائجَهْلِ ائمُغِيِرِ وَانْتَصَرْ (عَبْدُ اللَّطِيفِ) ائمُرْتَضَى النَّدْبُ ائأَبَرْ ... سُلَالَةُ الشَّيْخِ ائإِمَامَ ائمُعْتَبَرْ ٨ مِنْ آلِ بَيْتِ الشَّيْخِ إِنْ غَابَ قَمَرْ ... عَنِ ائوَرَى خَلَفَهُ مِنْهُمْ قَمَرْ فَجَاهُمْ نَقَّى التُّرَابَ وَبَذَرْ ... وَلَقِيَ ائأَذَى شَدِيدًا فَصَبَرْ عَلَى ائأَذَى فَكَانَ عُقْبَاهُ الظَّفَرْ ... وَائإِبْنُ وَالَى السَّقْيَ كَيْ يَجْنِي الثَّمَرْ (وَإنَّ أَحْفَادَ ائإِمَام) لَزُمَرْ ... (مُحَمَّدٌ) مِنْ بَيْنِهِمْ حَادِي الزُّمَرْ تَقَاسَمُوا ائأَعْمَالَ فَاخْتَصَّ نَفَرْ ... بِمَا نَهَى مُحَمَّدٌ وَمَا أَمَرْ وَاخْتَصَّ بِالتَّعْلِيمِ قَوْمٌ فَازْدَهَرْ ... يَبْنِي عُقُولَ النَّشْءِ مِنْ غَيْرِ خَوَرْ ٩ قَادَ جُيُوشَ ائعِئمِ لِلنَّصْرِ ائأَغَرْ ... كَالسُّورِ يَعْلُو حَجَرًا فَوْقَ حَجَرْ وَائجَيْشُ مَحْلُولُ الزِّمَامَ مُنْتَثِرْ ... مَا لَم يُسَوَّرْ بِنِظَامٍ مُسْتَقِرْ وَلَمْ يَقُدْهُ فِي المَلَا بُعْدُ نَظَرْ ... مِنْ قَائِدٍ سَاسَ ائأُمُورَ وَخبَرْ مُحَنَّكٍ طَوَى الزَّمَانَ وَنَشَرْ ... وَائجَيْشُ فِي كُلِّ ائمَعَانِي وَالصُّوَرْ تَنَاسُقٌ كَالرَّبْطِ مَا بَيْنَ السُّوَرْ ... وَائجَيْشُ أُسْتَاذٌ لِنَفْعٍ يُدَّخَرْ وَائجَيْشُ أَشْبَالٌ لِيَومٍ يُنْتَظَرْ ... وَائكُلُّ قَدْ سِيقُوا إِلَيْكَ بِقَدَرْ صُنْعٌ مِنَ اللهِ ائعَزِيزِ ائمُقْتَدِرْ ... خَلِّ ائهُوَيْنَى لِلضَّعِيفِ ائمُحْتَقَرْ ١٥ وَارْكَبْ جَوَادَ ائحَزْمِ فَائأَمْرُ خَطَرْ ... فَيَا أَخًا عَرَفْتُهُ عَفَّ النَّظَرْ عَفَّ ائخُطَى عَفَّ اللِّسَانِ وَائفِكَرْ ... وَيَا أَخًا جَعَئتُهُ مَرْمَى الشَفَرْ

стр. 1590

وَغَايَةَ ائجَمْعِ ائمُفِيدِ فِي ائحَضَرْ ... تَجْمَعُنِي بِكَ خِلَالٌ وَسِيَرْ مَا اجْتَمَعَتْ إِلَّا ثَوَى ائخَيْرُ وَقَرْ ... وَلَيْسَ فِيهَا تَاجِرٌ وَمَا تَجَرْ ١١ وَلَيْسَ مِنْهَا مَا بَغَى ائبَاغِي وَجَرْ ... وَمَا تَقَارُضُ الثَّنَا فِينَا يقَرْ ١٢ إِنَّ فُضُولَ ائقَوْلِ جزْءٌ مِنْ سَقَرْ ... فَلَا أَقُولُ فِي أَخِي لَيْثٌ خَطَرْ وَلَا يَقُولُ إِنَّنِي غَيْثٌ قَطَرْ ... وَإنَّمَا هِي عِظَاتٌ وَعِبَرْ عَرَفْتَ مَبْدَاهَا فَهَئ تَمَّ ائخَبَرْ ... وَبَيْنَنَا أَسْبَابُ نُصْحٍ تُدَّكَرْ كِتْمَانُهَا غَبْنٌ وَغِشٌّ وَضَرَرْ ... لَا تَنْسَ (حَوَّا) إِنَّهَا أُخْتُ الذَّكَرْ ١٣ تَحْمِلُ مَا يَحْمِلُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرْ ... تُثْمِرُ مَا يُثْمِرُ مِنْ حُئوٍ وَمُرْ وَكَيْفَمَا تَكَوَّنَتْ كَانَ الثَّمَرْ ... وَكُلُّ مَا تَضَعُهُ فِيهَا اسْتَقَرْ فَكَيْفَ يَرْضَى عَاقِلٌ أَنْ تَسْتَمِرْ ... مَزِيدَةً عَلَى ائحَوَاشِي وَالطُّرَرْ ١٤ تَزْرَعُ فِي النَّشْءِ أَفَانِينَ ائخَوَرْ ... تُرْضِعُهُ أَخْلَاقَهَا مَعَ الدِّرَرْ ١٥ وَإنَّهَا إِنْ أُهْمِلَتْ كَانَ ائخَطَرْ ... كَانَ ائبَلَا كَانَ ائفَنَا كَانَ الضَّرَرْ وَإنَّهَا إِنْ عُلِّمَتْ كَانَتْ وَزَرْ ... أَوْلَا فَوِزْرٌ جَالِبٌ سُوءَ الأثَرْ ١٦ وَمَنْعُهَا مِنَ ائكِتَابِ وَالنَّظَرْ ... لَمْ تَأْتِ فِيهِ آيَةٌ وَلَا خَبَرْ وَائفُضْلَيَاتُ مِنْ نِسَا صَدْرٍ غَبَرْ ... لَهُنَّ فِي ائعِرْفَانِ وِرْدٌ وَصَدَرْ ١٧ وَانْظُرْ هَدَاكَ اللهُ مَاذَا يُنْتَظَرْ مِنْ أُمَّةٍ قَدْ شَلَّ نِصْفَهَا ائخَدَرْ ١٨ وَانْظُرْ فَقَدْ يَهْدِيكَ لِئخَيْرِ النَّظَرْ ... وَخُذْ مِنَ الدَّهْرِ تَجَارِيبَ ائعِبَرْ هَئ أُمَّةٌ مِنَ الجَمَاهِيرِ ائكُبَرْ ... فِيمَا مَضَى مِنَ ائقُرُونِ وَحَضَرْ خَطَّتْ مِنَ ائمَجْدِ وَمِن حُسْنِ السِّيَرْ ... تَارِيخَهَا إِلَّا بِأُنْثَى وَذَكَرْ؟ وَمَنْ يَقُئ فِي عِئمِهَا غَيٌّ وَشَرْ ... فَقُئ لَهُ هِيَ مَعَ ائجَهْلِ أَشَرْ وَلَا يَكونُ الصَّفْوُ إِلَّا عَنْ كَدَرْ ... وَإِنَّ تَيَّارَ الزَّمَانِ ائمُنْحَدِرْ لَجَارِفٌ كُلَّ بِنَاءٍ مُشْمَخِرْ ... فَاحْذَرْ وَسَابِقْ فَعَسَى يُجْدِي ائحَذَرْ ١٩

стр. 1591

وَاعْلَمْ بِأَنَّ ائمنْكَرَاتِ وَائغِيَرْ ... تَدَسَّسَتْ لِئغُرُفَاتِ وَائحُجَرْ ... مِنْ مِصْرَ وَالشَّامِ وَمِنْ شَطِّ هَجَرْ ... وَأنَّهَا قَارِئَةٌ وَلَا مَفَرْ ... إِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْكَ فَعَنْ قَوْمٍ أُخَرْ وَاذْكرْ فَفِي الذِّكْرَى إِلَى ائعَقْل مَمَرْ ... مَنْ قَالَ قِدْمًا (بِيَدِي ثُمَّ انْتَحَرْ) ٢٠ حُطْهَا بِعِئمِ الدِّينِ وائخُئقِ ائأَبَرْ ... صَبِيَّةً تَأْمَنْ بَوَائِقَ الضَّرَرْ وَاعْلَمْ بِأَنَّ نَشْأَنَا إِذَا كَبِرْ ... عَافَ الزَّوَاجَ بِابْنَةِ ائعَمِّ ائأَغَرْ يَهْجُرُهَا بَعْدَ غَدٍ فِيمَنْ هَجَرْ ... لِأَنَّهَا فِي رَأْيِهِ مِثْلُ ائحَجَرْ وَيَصْطَفِي قَرِينَةً مِنَ ائغَجَرْ ... لِأَنَّهَا قَارِئَةٌ مِثْلُ البَشَرْ خُذْهَا إِلَيْكَ دُرَّةً مِنَ الدُّرَرْ ... مِنْ صَاحِبٍ رَازَ الأُمثورَ وَخَبَرْ صَمِيمَةً فِي ائمُنْجِبَاتِ مِنْ مُضَرْ ... نِسْبَتُهَا ائبَدْوُ وَسُكْنَاهَا ائحَضَرْ

стр. 1592

في مصر (من أكتوبر ١٩٥٢ إلى مايو ١٩٥٣) ــ

стр. 1593

صوت من نجيب، فهل من مجيب ؟ * حصرت قبل أسابيع حفلة تكريم للقائد الشعبي العظيم محمد نجيب أقامتها جمعية من الجمعيات العاملة للإسلام وسمعت خطبًا عادية في المعنى الذي أُقيمت له الحفلة، وسمعت قطعة من الشعر أشهد أنه شعر حي صادق في تصوراته وتصويراته، وأنه مسّ مكامن الإحساس مني حينما مسّ فلسطين، وكأنما غمز من قلبي جرحًا مندملًا على عظم. ثم سمعت في الأخير كلمة القائد البطل: وكان أقلّها عن مصر وحركة الجيش وأسبابها وأهدافها، وأكثرها عن فلسطين وحربها وحالة أهلها المشرّدين. وأقول: القائد ولا أقول: الرئيس لأنني كنت أسمع كلام قائد لا كلام رئيس، وكنت أسمع كلامه فأفهمه بمعنيين: معنى هو الذي تفيده الألفاظ والتراكيب، وينتقل بالسامع من خبر إلى خبر ومن وصف إلى وصف، ومعنى آخر مساوق له ممتد معه، وهو أن هذا الكلام نفسه قائد ... فيه من القيادة أمرها ونهيها وحزمها وصدقها وواقعها وتوجيهها ومضاؤها وجرأتها وجميع خصائصها، فأفهم من ذلك كله أن القيادة هي صفته الذاتية، خلقت معه مستسرة معه في روحه ودمه، ولوّنتها فطرته السليمة، وكوّنتها تربيته الشعبية كما أن الإقدام هو صفة الأسد الذاتية التي خلقت معه، فلما أدّت قيادته العسكرية رسالتها وبلغت مداها انقلبت قيادة عسكرية شعبية سمّاها العرف رياسة، وما هي- في الحقيقة- إلا امتداد لقيادته العسكرية، والقائد القوي الخصائص في الأمة الكثيرة النقائص، لا يزال يخرج من حرب إلى حرب ويدخل من قتام في قتام. سمعت كلمة القائد متئدة رزينة فلما لمست فلسطين ظهرت شجية حزينة فنطق بالصدق ولا أصدق من شهادة العيان. ومحمد نجيب إذا تكلم عن حرب فلسطين، وصوّر نكبة

стр. 1594

فلسطين كان الراوية الثقة والضابط العدل. وقد حلّل تلك السبة الخالدة وعلّلها باثنتين: قبول الهدنة وفقد السلاح. ثم برأ الشرف العسكري العربي كله من وصمة التخاذل، ولم يعرج على التخاذل السياسي بين ملوك العرب وساستهم، ولكن عده لقبول الهدنة أحد سببي النكبة أبلغ من التصريح في الاتهام والتجريح، فإن الراضين بالهدنة هم رؤساء الحكومات العربية من ملوك وساسة لا قادة الجيوش. كانت كلمات القائد البطل عن فلسطين تمسّ نفسي- وهو يلقيها- مسّة الكهرباء فتحرق ولا تضيء، لأنني- يشهد الله- كنت وما زلت من أشدّ الناس اهتمامًا بالحادثة، ثم من أشدّهم التياعًا بالكارثة، فإذا فاتني- لشقوتي- أن أشارك في وقائعها بجسمي، فلم يفتني أن أشارك فيها بقلمي، فكتبت مقالات نارية المعنى قاسية الألفاظ تكاد ترسل شواظًا من نار ونحاسًا على المتسببين في تلك الهزيمة المنكرة بغير أسبابها المعقولة عند الناس، ولكن بسبب لا يستسيغه عقل عاقل وهو قبول الهدنة ... لذلك كانت كلمات القائد تفيض من نفسه الجريحة وكأنما تفور من نفسي. حتى إذا سكت عن ساسة العرب أحسست بانفعال كنت أتمنّى أن أسكنه بشهادة حق من القائد الصادق عليهم تؤيد عقيدتي فيهم، فإن شهادة الحق تولّد الحق حتى لكأنه حقّان. وتكلّم القائد البطل عن أولئك البائسين الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: وطننا فلسطين، والذين نسمّيهم مشردين ونحن شرّدناهم بما كسبت أيدينا، ووصف وصف المعايشين ما يلقونه من شقاء وما يتجرّعونه من غصص، وبدأ صوته يرتفع ويتهدج وعيناه تغرورقان بالدموع فتشهد بأنه يغالب أسًى كمينًا وهمًا دفينًا. وكانت الجمل العبقرية التي تساوي الدم الذي خرج من جسمه على ثرى فلسطين هي قوله: "كيف نلتذ بالطعام، وننعم باللباس والدفء، وان إخواننا ليتضورون من الجوع ويفترشون الغبراء؟ لماذا لا نصوم يومًا من الأسبوع عن اللحم، أو أسبوعًا من الشهر عن هنة من هذه الكماليات، ثم نرصد ثمنها لإطعام إخواننا الفلسطينيين وكسوتهم؟ إن الإمساك عن اللحم يومًا من الأسبوع أو عن الكماليات أسبوعًا من الشهر لا تميتنا ولكنها تحيي إخواننا". ثم رمى السامعين بالآبدة التي ظننت أن الجباه تندى لها عرقًا، إن لم تنخلع القلوب منها فرقًا، وهي قوله: "ان من العار أن نطلب لهم الحياة ممن أماتهم ونسأل لهم القوت من الدول العاتية التي حكمت عليهم بالموت جوعًا، وحكمت علينا بالانحناء ذلًّا ومهانة". حقائق جلاها القائد على مئات من السامعين وما منهم إلا من له نباهة وذكر ومقام. جلاها في جمل حاكية، تحتها معانٍ باكية، وشرحها الوافي ينتزع مما يتصوّره المتصوّرون. ويصوّره المصوّرون من حال أولئك البائسين، وينتزع من تخاذل العرب ملوكًا وحكومات وسادة وكبراء وشعوبًا حتى ضاعت فلسطين وجاع أهلها، وتنتزع من حالة المسلمين المغفلين الذين ما زالوا- وهم ذوو عدد-:

стр. 1595

يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا ... وما زالوا يطلبون الصدقة ممن سلبهم وما زالوا يفزعون كلما لطمهم اليهود إلى الاحتجاج، وما زالوا يطرقون أبواب هذا الهيكل الخرب الذي يسمّى جمعية الأمم المتحدة. أنا لا أتحدث عن قلوب السامعين ومواقع كلام القائد منها، ولا أملك لها أن تكون خلية أو شجية، وإنما أتحدث عن قلبي. فوالذي خلق القلوب مضغًا سوداء وبث فيها شعلًا من النور، لكأنما كانت تلك الكلمات نبالًا على قلبي تنثال على هدف، ونصالًا تتوالى على جريح. يا للعجب العاجب! أفيؤمن المسلم بأن المسجد الأقصى هو قبلته الأولى وأنه ثالث المساجد التي تشد إليها الرحال، وأنه كان في ليلة من الدهر سلم الأرض إلى السماء، ومطار البشرية المتمثلة في محمد، إلى الملكية المتمثلة في الملإ الأعلى، أفيؤمن بذلك كله ثم لا يقدم، لحماية هذا الحرم وجعله آمنًا، مهجته وماله؟ إن فلسطين إرث النبوّة الخاتمة، من النبوّات المتقادمة. نفذ فيه عمر وصية الإسلام، وحرّره أبو عبيدة وأصحابه في الأولين من رق الرومان ورجس الأوثان، وأدّت وقائع اليرموك وأجنادين شهادتها على استحقاقنا لهذا الإرث واقتدارنا على حمايته. إن أعمال أجدادنا في فلسطين وإرثها وحمايتها هي وصية صريحة لنا بالمحافظة عليها وحجة ناطقة علينا إن نحن قصّرنا فيها أو فرّطنا في جنبها، فيا لتراث نبوي حماه الأسلاف الصالحون، وأضاعه الأخلاف المفرطون. ما أضاع فلسطين إلا العرب، وقد جاءتهم النذر فتماروا بها، ثم حق الأمر وهم غارون فاندهشوا، ثم وقعت الواقعة فأبلسوا، وعمد خطباؤهم إلى الخطب ينمّقونها وشعراؤهم إلى القصائد يزوقونها، وساستهم إلى الدعاوى يلفّقونها، وعامّتهم إلى الخرافات يصدّقونها، بينما عمد ملوكهم إلى الأمداد يعوقونها وإلى الأهواء ينفقونها، وعمد خصومهم اليهود إلى الغايات يحقّقونها، وإلى العهود يمزقونها، وقضي الأمر وأوسعناهم سبًا وراحوا بالإبل! وبعد أن كنا نقول: أهل فلسطين، أصبحنا نقول ما قالته الجرهمية في مكة: بلى نحن كنا أهلها! ولا أدري كيف تنتصر أمة تقطعت بسوء صنيعها أممًا ثم تدلّت في الذل ثم صارت تطلب الرحمة من معذبها، وتعطي الدية لقاتلها، ثم ارتكست في السقوط حتى أصبح نصف ملوكها صبيانًا وأكثر أدلائها عميانًا. ... مضت على كلمات القائد البطل أسابيع، وأنا أتحسّس وقعها في النفوس، وأترقب ثمرتها، من صوم المسلمين عن الطعام يومًا في الأسبوع أو هجرهم لبعض الكماليات أسبوعًا

стр. 1596

في الشهر ورصد أثمانها لدفع الغوائل عن مشرّدي فلسطين أو لغير ذلك مما تتفتق عنه العقول من أفكار، وتتمخّض عنه الهمم من آثار. فلم يظهر لها أثر إلا تلك الهزّة التي حرّكت الأيدي للتصفيق، ورسمت التأثّر على الوجوه، ونشرت شيئًا من التهلل على الأسارير ثم لا شيء. إن تلك الكلمة العبقرية ليست كلمة من الكلام، وإنما هي فكرة عبّرت عنها ألفاظ، ومبدأ ترجمته عبارات، ولو كانت نفوسنا- معشر سامعيها- حية مستجيبة لفهمنا الكلمة بهذا المعنى، ولخرجنا من الحفلة منادين بها، داعين إليها، شارحين لمراميها، ناشرين لها في العالم الإسلامي، بادئين بأنفسنا في تنفيذها. ولكننا قوم بنينا أمرنا على اللعب واللهو، والخطإ والسهو، لا على الجد والصرامة، والعزة والكرامة، واطمأننا إلى عادة لا تطمئن عليها الحياة، فكل ما في أحزاننا عويل وبكاء، وكل ما في أفراحنا تصدية ومكاء، وكل استجابتنا لداعي الحق تشقق الحناجر بهتاف، والتقاء الأيدي على تصفيق. ونبتت بعد تلك الكلمة التي لم تعها أذن واعية، فكرة قُطُر الرحمة، وهي فكرة جميلة صحبها العزم فكانت جليلة، ورافقها التنفيذ فكانت نبيلة، وحيّا الله مصر ولَقَّى أهلها نضرة كما كسى أرضها خضرة، ولكن قطر الرحمة ما هي إلا قطر من الرحمة، والمشرّدون أصبحوا بقعة إنسانية عطشى لا ترويها إلا الروائح والغوادي من سحب الخير، وأين الفكرة التي تختصّ بمصر من الفكرة التي تعمّ العالم الإسلامي؟ إن فكرة "الصوم" لو تمّت وانتشرت وصحّت العزائم على جعلها عادة وموسمًا لم تقف عند استحياء المشردين وكفكفة دموعهم، بل كانت تغسل الخزي وترحض العار، وتسلّح جيشًا لاسترداد فلسطين. أيها العرب: ها هم أولاء إخوانكم المشرّدون على غلوة سهم منكم لو تسمعتم لسمعتم أنينهم من الألم يتردد. وحنينهم إلى الديار يتجدد، ودعاءهم إلى الله يرتفع على كل من أضاعهم وأجاعهم. إنهم إخوانكم، وإنها أعراضكم، والقرابة موضع الثواب والعقاب عند الله. والعرض محل المدح والذم عند الناس. وإنهم انسلخوا من الزمان، فلا ماضي ولا حال ولا مستقبل. فهل تأمنون أن يبقى أبناؤهم الناشئون في هذه الحالة على الإسلام والعروبة؟ وهل تأمنون أن يطول عليهم الأمد، ويستحكم فيهم اليأس منكم، فيبايعون اليهود على العبودية المؤبّدة؟ أيها العرب: ساء مثلًا من أفهمكم من معاني العروبة أنها نسبة إلى جنس واعتزاء إلى جد والتصاق برقعة من الأرض، فعاجلوا هذا السطر الخاطئ بالمحو والشطب وخذوا العروبة على أنها ليست جلدة تسمَرُّ أو تصفَرُّ ولا بلدة تغبر أو تخضرّ، وليست متاعًا مما يرث الوارثون ولا أرضًا مما يحرث الحارثون وإنما هي بناء مآثر وإعلاء أمجاد، وإنما هي خلال تتفتّح عن أعمال، وإنما هي عزائم لا تعرف الهزائم، وانما هي طموح وجموح: طموح

стр. 1597

لمواطن العز وجموح عن قيود الذل، وإنما هي رأي أصيل وفكر جزيل ولسان بالبيان بليل وعقل هو على الحكمة دليل وقلب للجرأة خليل. فجميع هؤلاء هو العروبة وجامع هؤلاء هو العربي، وما عدا ذلك فهو تعلّل بخيال وتعلّق بضلال، وتخفق يكذبه الخلق وخيانة للعروبة في اسمها وعقوق لآباء كأنّما عناهم المعري بقوله: جمال ذي الأرض كانوا في الحياة وهم ... بعد الممات جمال الكتب والسير أيها المسلمون: إن اليهود طامحون إلى أكثر من فلسطين، وإنهم يستعدّون بعد أن غمسوا أرجلهم في ماء البحر الأحمر لاحتلال مكة والمدينة، فماذا أنتم صانعون؟ إن كنتم تعتمدون على أن للبيت ربا يحميه فهذا إرهاص لا يتكرر مرتين. وهو عذر لا يقوم بعد أن أخذ عليكم العهد بحماية البيت. إنه لا حجة لنا على الله بل الحجة علينا وإننا لسنا من العزة على الله بحيث يخرق سننه الكونية لأجلنا وقد رفع يده عنا فلا يبالي في أي واد نهلك، وحكّم سنّته فينا فحكمت بأن نُمْلك ولا نَمْلِك، فعودوا يعُد وغيّروا يغير وحققوا الشرط يحقق الجزاء.

стр. 1598

في ذكرى المولد النبوي الشريف * - ١ - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أيها المسلمون: ليس هذا المولد النبوي الذي تحيون ذكراه في كل عام ميلاد رجل محدود الوجود بطرفي الحياة، ولو كان كذلك لكان محدود المعنى لأن وراء كل حياة موتًا، ولكان كبقية الموالد التي تتحكم فيها الأعراف فتغالي فيها أو تتوسّط، واحتفال رجل بعيد ميلاد ولده الوحيد العزيز لا ينقل شعور الفرح والابتهاج من الوالدين إلى الجيران إلّا على نمط من المجاملة والمقارضة العرفية. ولكن ميلاد محمد ﷺ الذي جاء بالهدى ودين الحق، هو مولد لكل ما جاء به محمد من الهدى ودين الحق، فهو مولد للصلاح والإصلاح والهداية والرحمة والخير والعدل والإحسان والأخوة والمحبة والرفق، وهو مولد لجميع الشرائع السمحة التي غيّرت الكون، وطهّرت النفوس، وصحّحت الحدود بين الناس فوقف كل واحد منهم عند حدّه، ووضحت المعالم المطموسة بين الخلطاء فوقف كل خليط من خليط موقف المعاون، لا موقف المعاكس: فالمرأة والرجل، والأمير والمأمور، والحر والعبد، والكبير والصغير، والأب والابن، والجار وجاره، والعربي والأعجمي، والأجير والمستأجر، والغني والفقير، كل أولئك أصبح راضيًا بحاله، ناعمًا في عيشه، سعيدًا في حياته آمنًا من ظلم خليطه. ومولد محمد هو الحد الفاصل بين حالتين للبشرية: حالة من الظلام جللها قرونًا متطاولة، وحالة من النور كانت تترقبها، وقد طلع فجرها مع فجر هذا اليوم، فميلاد محمد ﷺ كان إيذانًا من الله بنقل البشرية من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهداية، ومن الوثنية إلى التوحيد، ومن العبودية إلى الحرية، وبعبارة جامعة من الشر الذي لا خير فيه إلى الخير الذي لا شر معه.

стр. 1599

مولد محمد ﷺ هو مولد تلك التعاليم التي حرّرت العقل والفكر وسمت بالروح إلى الملإ الأعلى، بعدما تدنت بالمادة إلى الحيوانية، وبالشهوات إلى البهيمية، وبالمطامع إلى السبعية الجارحة. ومولد محمد ﷺ هو مولد الإسلام والقرآن وذلك الفيض العميم من المعاني التي أصلحت الأرض ووصلتها بالسماء وفتحت الطريق إلى الجنة. فقولوا لمن جاء بعد محمد من زاعم يزعم الانتصار للحق، وزعيم يهتف بالحق وداع يدعو إلى الحرية، ودعيّ يكذب على الحرّية، وعاقل يبكي على العقل، ومفكّر يجهد في تحرير الفكر، وروحاني يعمل لسمو الروح، وأخلاقي يضع الموازين للمثل العليا، وحاكم يحاول إقامة العدل في الأرض، وحائر لا يدري من أين يبتدئ ولا أين ينتهي، قولوا لهم جميعًا: قد سبقكم محمد إلى هذا كله، وقد نصب لكم بقرآنه وسيرته أعلام الهداية في كل مصعد وكل منحدر، ولكنكم قوم لا تفقهون أو لا تصدقون، فارجعوا إليه إن كنتم صادقين تجدوه منكم قريبًا. هذه هي المعاني التي يجب أن نستشعرها حينما نذكر المولد، وحينما نحتفل به، أما ما عدا ذلك مما نفعله ونقوله فزوائد لا قيمة لها في العقول ولا أثر لها في النفوس. وهذه هي المعاني التي يجب أن نعدّ أنفسنا للتأثّر بها حتى نلين قيادها للخير وندمّث وعورتها لتلقيه وللعمل به، ولا يكون ذلك إلّا إذا مررنا بها على مواطن العبرة فيها، واستدرجناها لحسن الاقتداء بها وإتقان الاحتذاء لها. لو فهمنا المولد المحمدي بهذه المعاني لكان إظلاله لنا في كل عام تجديدًا لهممنا، وإيقاظًا لشواعرنا، وصقلًا لأذهاننا، وجلاءً لأرواحنا، ولكانت آثار ذلك سموًّا في أرواحنا، وسدادًا في آرائنا، وتحوّلًا إلى الخير في أحوالنا، وجمعًا لكلمتنا على الحق، وتوحيدًا لصفوفنا في النوائب. ولكننا فهمناه على قياس من عقولنا وهي جامدة، وعلى نحوٍ من هممنا وهي خامدة، وعلى نمط من عاداتنا وهي سخيفة، وقصرناه على هذه التوافه: لعب للصغار ليس فيها فائدة وخطب للكبار ليس فيها عائدة. فعلنا بمولد محمد ﷺ ما فعلناه بسيرته فاقتصرنا في كليهما على أضعف جانبيه، فنحن في مولده نلهو ونلعب، وقد نفرح ونطرب، ونعمر يومه وأسبوعه بحفلات تقليدية ليس فيها روح، كذلك نحن نتدارس سيرته التي هي التفسير العملي للإسلام فلا ندرس إلّا جانبها البشري من كيفية أكله ولباسه ونومه، لا جانبها الملكي من صبره وجهاده وتربيته لأُمّته، وبناء الدولة الإسلامية.

стр. 1600

يختلف الفقهاء في هذه الحفلات المولدية وهل هي مشروعة أو غير مشروعة، ويطيلون الكلام في ذلك بما حاصله الفراغ والتلهي وقطع الوقت بما لا طائل فيه، والحق الذي تخطّاه الفريقان أنها ذكرى للغافلين وإنما لم يفعلها السلف الصالح لأنهم كانوا متذكرين بقوة دينهم وطبيعة قربهم، وعمارة أوقاتهم بالصالحات. أما في هذه الأزمنة المتأخرة التي رانت فيها الغفلة على القلوب، واستولت عليها القسوة من طول الأمد واحتاج فيها المسلمون إلى المنبّهات، فمن الحكمة والسداد أن يرجع المسلمون إلى تاريخهم يستنيرون عبره، وإلى نبيّهم يدرسون سيره، وإلى قرآنهم يستجلون حقائقه، وإن من خير المنبّهات مولد محمد لو فهمناه بتلك المعاني الجليلة. أيها المسلمون: قبل أن تقيموا حفلات المولد أقيموا معاني المولد، وتدرّجوا من المولد المحمدي الذي هو مولد رجل إلى البعثة المحمدية التي هي مولد دين نسخ الأديان لأنه أكمل الأديان، وهنالك تضعون أيديكم على الحقيقة التي تهديكم إليها هذه الذكرى. حاسبوا أنفسكم في كل عام من أين انتقلتم وإلى أين وصلتم، أشيعوا بينكم في هذه الذكريات المحبة والأخوة والاتحاد على الحق. واذكروا أن صاحب هذه الرسالة بعث بالعزّة والكرامة والعلم والقوة، فكونوا أعزّة وكونوا أحرارًا وكونوا أقوياء، واعرفوا محمدًا بدينه وقرآنه وسيرته لا بمولده، وأقيموا دينه، ولا عليكم بعد ذلك أن تقيموا مولده أو لا تقيموه. إن محمدًا ﷺ يطالبكم بإقامة الدين لا بإقامة المولد، وإن دينكم دين الحقائق والأعمال والنُظم فارجعوا إلى تلك الحقائق وانصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم. - ٢ - من الخير للمسلمين أن يسيروا إلى الأمام دائمًا بأبدانهم وعقولهم مع الأمم الزاحفة إلى الحياة، المتزاحمة على مواردها، أو أمام الأمم الزاحفة المتزاحمة، مندفعين بحداء القرآن إلى الحق الذي تؤيّده القوّة، وإلى القوّة التي يؤيّدها الحقّ، ليعمروا هذا الكون بالعدل والصلاح والإحسان والخير والمحبّة، ويتحقّق وعد الله إياهم بالاستخلاف في الأرض، وتمكين دينهم الذي ارتضاه لهم فيها، وتبديل خوفهم أمنًا إذا آمنوا وعملوا الصالحات وعبدوا الله ولم يُشركوا به شيئًا.

стр. 1601

من الخير العميم لهم أن يفعلوا ذلك في جميع العام، إلّا في ليلة واحدة منه وهي الليلة الموافقة لليلة ميلاد محمد ﷺ ، فالواجب عليهم أن يرجعوا فيها القهقرى، وأن يطووا فيها هذه المراحل الأربع عشرة التي نسمّيها قرونًا، وأن يمحوها من أذهانهم بخيرها وشرّها حتّى كأن لم تكن، ليتصّلوا في ليلة من العام بالآفاق التي انفجر منها ماؤه العذب الزلال، فأروى النفوس وغسل أكدارها، وطهّر الأرض وأحيا مواتها، والواجب أن يتبعوا السبب حتّى يبلغوا مطلع الحقيقة- حقيقة السعادة التي جلاها الله على هذا الكوكب الأرضي، كوكب الشقاء والشرّ والفساد والتناحر، والواجب أن يفعلوا هذا ليجتمعوا بمحمد في ليلة من كلّ عام، فيأخذوا عنه كيف كان يزكّي وكيف كان يعلّم، وكيف كان يجاهد الكفر قبل أن يجاهد الكفّار، ويحارب المعاني الفاجرة قبل أن يحارب الفجّار، وكيف كان يغرس الفضيلة ويتعهدها بالسقي والرعاية حتى تنمو وتورق وتُظلّ وتثمر، وكيف كان يقلع الوثنية ليزرع التوحيد، ويهدم الضلال ليبني الهدى، وكيف كان يهدي بالقرآن للتي هي أقوم، وكيف كان يمهّد للحقّ بالقوّة، ويضع القوّة في خدمة الحقّ، وكيف كان ينتصف للروح من الجسم حتّى إذا بلغ المعدلة أذن لسلطان الروح بالاستيلاء على العرش من غير أن يضار الجسد أو يضيمه، وكيف كان يؤلّف بين سنن الله في الدين وبين سننه في الكون ليربط الأسباب بالمسببات والدين بالدنيا، ويزاوج بين السعادتين فيهما. هذه المعاني- وهي قطرة من بحر- هي التي يجب أن يذكرها المسلمون، وأن يتذاكروها كلّما أظلتهم هذه الليلة من كل عام، وأن يحتفلوا لذكرها باللسان وذكراها بالقلب وتحقيقها بالعمل، وأن يتواصوا بالتخلّق بها في أنفسهم ثم فيمن يليهم من أهل وجيران وأقارب، وأن يتنافسوا في البلوغ إلى غاياتها، وأن يعتبروا هذه الليلة حدًّا فاصلًا بين مرحلة مقطوعة ومرحلة مستأنفة، وموقف محاسبة على عام مضى، واستعداد لعام يأتي ... أما والله لو أننا نظرنا إلى هذه الليلة بهذه النظرة، ووزنّاها بهذا الميزان، وبنينا إقامة الحفلات فيها على هذه الحكمة، لما أُصبنا بهذا الوهن القاتل، ولما أُصيبت جدة الدين بيننا بالأخلاق، ولما تفرقنا شيعًا فيه ومذاهب، ولما تكدّرت مشاربنا منه بالضلال والابتداع، ولا تنوسيت تلك السنن العظيمة بالغفلة والإضاعة. أيها الإخوان: إن نبيّنا منا لقريب لو جعلنا الصلة بيننا وبينه حبل الله القرآن، فقد تركه فينا ليكون النور الممتد بيننا وبينه، وقد كان خُلُقه القرآن يرضى لرضاه ويغضب لغضبه ويقف عند حدوده ويصنع أفعاله وتروكه من أوامره ونواهيه، وينحت من معدنه تلك الآداب التي ربّى بها نفسه وراض عليها أصحابه، ثم تركها كلمة باقية فينا وحجّة بالغة لنا أو علينا، وقد شرّفنا ﷺ تشريفًا يبقى على الدهر، وشهد لنا شهادة نتيه بها على الغابرين إذ قال لأصحابه: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانِيَ الَّذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي».

стр. 1602

ولكننا تركنا هذا المرجع الإلهي المعصوم في اقتباس سيرة نبيّنا كما هجرناه في كل ما جاء به من عقائد وعبادات وأحكام وآداب، وأصبحنا نتلمّسها من كتب فيها الموضوع وفيها المصنوع وفيها الصحيح الذي لا يثير عبرة ولا يحصي نزعة من نزعات الخير فينا، ولا يحملنا على التأسّي بتلك السير التي هي كنوز معارف ومعادن فضائل وأعلام اقتداء، ومنازل نقلة بالفكر إلى المثل الأعلى، وبالروح إلى الملإ الأعلى ... ألستم ترون أن أكثر المؤلفين في السير يصرفون اهتمامهم إلى الجهات التي لا محلّ فيها للاقتداء الذي يزكّي النفس- أكثر مما يصرفونه إلى الجهات التي تزكي النفس وتطبعها على الخلال النبوية، يهتمّون بالمواطن السطحية البشرية مثل كيفية لبسه وأكله وشربه ونومه وملابسة أهله، ويغفلون المكامن الروحية الملكية مثل تعلّقه بالله ومراقبته له وتأديته الأمانة الشاقة وصبره وشجاعته وتربيته لأصحابه، وتدريبهم على جهاد أنفسهم حتّى تكمل وعلى السمع والطاعة للحق وفي الحق، وعلى التعاون والتناصح والتحابب والتآخي والاتحاد ...

стр. 1603

الأستاذ الفضيل الورتلاني * بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أيها الإخوان: ما فكرتُ في هذا الموقف، ولا دبرتُ طريق الخلاص من مفاجآته إلّا بعد أن دخلت القاعة وتراءت وجوه الإخوان وسبقني بعضهم بالحديث، فوجدت نفسي بين عاملين قويين متعاكسين: عامل الأدب العرفي الذي يعلو حتّى يصل إلى الغلو والاغراق، وينزل حتّى ينتهي إلى الإسفاف والعامية، وعامل الحقيقة الواقعة الذي هو دائمًا ميزان اعتدال. تواضع الناس على أن مدْحَ المرء لنفسه ذمّ، وتندر العرب في ذلك بالكلمة الساخرة: مادِحُ نفسه يُقرئك السلام، وتواضعوا على أن إطراء المرء لولده ذمّ، فإن لم يكن ذمًّا فهجنة، وإن اعتذر عن ذلك بعض الناس الخارجين عن القياس بأن هذا من مقتضيات الفطرة، فهو تنفس بشيء من معاني العواطف التي تنطوي عليها كلّ نفْس، والفطريات الوجدانية لا تخضع لهذه القوانين التي يسنها المجتمع، ومن كلمات العرب السائرة في هذا الباب: المرء مفتون بابنه، وزاد البحتري: وبشعره، وهو صادق: فإن فتنة الشاعر بشعره أعظم من افتتان الوالد بولده. وأنا أرى أنه ما أكّد هذا القانون العرفي في نفوس الناس إلا غلوّهم في الإطراء، ومبالغتهم في المدح والثناء، حتّى لا يكون المدح عندهم مدحًا إلا هكذا، ولا يكون أدب المواجهة أدبًا إلّا إذا كان من هذه الآداب الزائفة المنافقة التي أصبحت مادّة لحياة الناس لا يتعارفون إلّا بها ولا يتعايشون إلّا عليها ولا يديرون ألسنتهم إلّا بها، من تحية الصباح إلى أن يخيط النوم أجفانهم، وأصبحت عمارة المجالس وبضاعة الأندية وقاعدة السلوك، يعدّون الخارج عنها خارجًا عنهم، ولو أنهم سلكوا القصد والتزموا الحق ووزنوا كلامهم بميزان

стр. 1604

الصدق لسقط تسعة أعشار هذه اللغة الرائجة في المقابلات والتحايا والتمادح، ولسقط مثلها من قاموس التواضع الزائف مثل العبد الضعيف، العاجز، الفاني. فإذا لم نُئغِ هذا العامل فالأستاذ الفضيل الورتلاني الذي يحتفي به إخوانه وعارفو فضله من أهل العلم والأدب والوجاهة والقلم واللسان- هو ولدي روحيًا وتلميذي فكريًا، وهو ثمرة طيبة من بواكير الحركة الإصلاحية العلمية التي أنا أحد المحركين لها والغارسين لبذورها، زكاه الله صبيًا ويافعًا وشابًا وآتاه من المواهب في الصغر ما شارك به أساتذته في وضع الأساس لهذه الحركة المباركة، بحيث لم يزيدوا عليه فيها- وأنا أحدهم- إلّا بالسنّ، فإذا أطريته الليلة تمشيًا مع أدب التكريم أكون قد مدحت نفسي وانحرفت عن الأدب العرفي. لكلٍّ من الإخوان الحاضرين علاقة بالأستاذ الفضيل هي التي حركته لحضور الحفلة، وهي التي تُملي عليه إذا تكلّم فيها معلنًا أو ناجَى مخافتًا، ولكن علاقتي به تزيد على ذلك كله: هي علاقة الوالد بالولد، وهو لِوَفائه وانصافه يفخر بها، وأنا به أشد فخرًا وأكثر مباهاة وأكثر اعتزازًا. ونحن- بفضل الله وتوفيقه- قد بنينا حركتنا من أوّل يوم على قواعد، منها القصد في الآداب المرعية بين التلاميذ وشيوخهم، لأن القصد أقرب إلى الصدق حتّى كأنه مقلوبه كما يقول علماء البديع، ومنها تفصيل الاحترام الظاهري على مقدار ما تكنّه النفس من معانيه وأسبابه، ومنها تنزيل الاحترام والتقدير على الأعمال لا على المرتبة ولا على السنّ، ومنها تسمية الأشياء بأسمائها من غير محاباة ولا إجحاف، ومنها اعتبار الوقت رأس مال فهو أجلّ من أن ينفق إلّا في المفيد. ... أما العامل الثاني وهو عامل الحقيقة والواقع فهو المقدم عندي وعند جميع العقلاء في الاعتبار، ولذلك فأنا أقتحم الموضوع من غير استئذان للأدب العرفي ولا توقف عليه، وأقول في ولدي وتلميذي وخالصتي الأستاذ الفضيل الورتلاني ما يقوله الوالد العاقل الحساس في ولده البرّ، وما يقوله الشريك الأمين في شريكه الأمين، وما يقوله الزميل الشريف في زميله الشريف، وأقول فيه في المشهد ما أقوله في المغيب، ولا أقول- إن شاء الله- إلّا حقًا. أقول: إنه رجل أي رجل، أو إنه الرجل كل الرجل، بالمعنى الذي تعرفه العرب من هذين التركيبين القصيرين الجاريين مجرى لغة البرقيات في زمننا، تجمع ضيق اللفظ واتساع الدلالة، ولعلّ من الإحسان إلى الإخوان الذين عرفوا الورتلاني في الشرق وهو في أواخر

стр. 1605

شبيبته وأوائل كهولته- أن أعرّفهم بشيء من نشأته، فإن ملكات القوة إنما تثبت إذا كان وضعها صحيحًا وعلى أصل صحيح، وإن العئم بهذا شيء أنفردُ به دون الإخوان، فمن الجوامع بيني وبين الورتلاني قرب البلدين وقرب الميلادين، بين ميلادي وميلاده في الزمان بضع عشرة سنة، وبين مولدي ومولده في المكان مسافة لا تزيد على ثمانين ميلًا. وأقول إنه رجل تضافر على تكوينه قوة الاستعداد للخير، وحسن الإعداد له، أما الاستعداد للخير فهو من أثر يد الله في عبده إذا أراد به خيرًا، وقد خلق الرجل مستعدًا للعظائم، مهيّأً لمعالي الأمور، مرشحًا للقيادة، يَلمح فيه المتفرس- وهو صغير- ملامح البطولة، ومخايل الاعتداد بالنفس والاعتزاز بالذاتية، والذكاء الذي يكاد يحتدم في جوانب صاحبه، ويرى فيه المتوسّم- وهو شاب طرير- جرأة على المكاره يصحبها رأي عاقل وعزم صادق، وجرأة على الطغيان والظلم يصحبها قول مسدّد وعمل دائم، وحركة غير معتادة في لداته من الشبان، وطموحًا نزّاعًا إلى العُلى، وعزّة نفس متسامية إلى الكمال، وثورة على الذين يصفون للأمّة الجزائرية سعادة الآخرة ولا يسلكون بها سبيلها، وعلى الذين يصفون لها سعادة الدنيا ويسلكون بها غير سبيلها. وأما الإعداد فيبدأ من البيت الذي فيه وُلد، والقرية التي فيها درج، والمحيط الذي فتح فيه عينيه، والمضطرب الذي اضطرب فيه طفلًا وشارخًا، والنشأة التي عليها نشأ. نشأ الأستاذ الفضيل في بيت يجمع حاشيتي النسب والحسب، والخلق الموروث والمكتسب، ويتصل سند العلم فيه إلى أجداد، نبغ منهم في القرون الثلاثة الأخيرة آحاد، ويمتاز هذا البيت بالتدين المتين والروحانية المتألقة والتربية الربانية والاتّصال القويّ بالله والتقلّب في مراضيه، والجري على الفطرة السليمة التي لم يمسسها زيغ، والاستقامة الشرعية التي لم يلابسها عوج، يحوط كلَّ ذلك علم متسع الجوانب بالنسبة إلى زمانها ومكانها. ثم درج أول ما درج في قرية تحيط بها قرى، تحيط بهنَّ مجاميع من القرى لم يطرقها دخيل منذ دخل الإسلام، وكلّها متساندة على حماية الدين والعرض والخلق والمال في نظام ذي نزعة جمهورية يقوم بتنفيذه في كل قرية جماعة منتخبون من أهل الفضل والعقل والعدل، ويسمونهم العقلاء أو الأمناء، ولهم في كل قرية دار الأمناء يجتمعون فيها كل يوم ثلاثاء لدرء المفاسد وجلب المصالح، فلا يلمُّ بالقرية شرّ، ولا تنجم فيها بدعة، ولا يقع اعتداء من شخص على شخص، ولا تشم رائحة مما يمسّ عرض الغائب أو الحاضر، إلّا بادروا ذلك بالصلح أو بالحسم أو بالعقاب، ولهم في ذلك أحكام نافذة السلطان تقوم بالمصلحة ولا تجافي أحكام الدين ولا تدع المجال لِتَدَخُّل الحكومة الاستعمارية وأعوانها،

стр. 1606

وان سبعين في المائة من قضاياهم لا تسمع بها الحكومة، وقد أدركتُ وأدرك الأستاذ بقية من شيوخ تلك القرى عاشوا الثمانين والتسعين من أعمارهم ولم تَرَ أعينهم فرنسيًا واحدًا في ذلك العمر المديد، ويعاون هؤلاء الأمناء على تربية الجمهور أن في كل قرية جامعًا للجمعة ومساجد للخمس وخطباء من أنفسهم يختارونهم بأنفسهم، وفي كل مسجد حلقًا لتحفيظ القرآن وأخرى لدروس الدين والعربية، لا سلطان للحكومة على هذه المساجد ولا على هذا التعليم المسجدي في هذه القرى دون سائر القطر الجزائري: فإن الحكومة الفرنسية استولت على جميع مساجده وأوقافه واحتكرت لنفسها التصرف في أئمته وخطبائه، وان هذا لموضوع طويل جاهدت جمعية العلماء في ميدانه عشرين سنة وما زالت تجاهد. في هذه القرى السالمة يتزوّج الرجل الصالح بالمرأة الصالحة فيلدان الولد الأصلح، وإذا كان الطفل يتقلّب بين أحضان الصالحين وحجور الصالحات، ويرجع من أخدان صباه وعشراء داره وزملاء ملاعبه إلى طفولة طاهرة راشدة تحرسُها أعين المجتمع كله، فأخلق به أن يكون مثالًا للإنسان الكامل. ثم فتح الأستاذ عينيه أول ما فتح على شماريخ الأطلس الأصغر وقممها الشمّاء، وشناخيبها المتناوحة وغاباتها الطبيعية التي تكسو سطوحها، وغابات الشجرتين المباركتين- التين والزيتون- التي تجلل سفوحها، وعلى الوديان العميقة التي تخترقها هدارة السيول، وعلى مناظر الثلوج التي تكسو تلك القمم ثلث السنة، فاكتسب من كل ذلك هدوء التأمل، ومتانة الفكر، وصلابة العقيدة، وركانة العقل، وثبات الصبغة، ووعورة الجدّ حتّى لا محلّ معه لهزل ولا لهزال، وإنّ التوعّر لَألزم الخلال للرجل، لا سيّما في هذا العصر الهازل المتخنث. ... ثم انتقل من ذلك المحيط بعد أن أتقن القرآن الكريم حفظًا، وألمّ بمبادئ العلوم إلى مدينة قسنطينة، وهدتْه بصيرته النيّرة وقريحته العطشى إلى الاتصال بباني النهضة الجزائرية بجميع فروعها ومربّي الأجيال الحديثة فيها على هدي القرآن وخُلُق محمد ﵇، أخطب علماء الإسلام في عصرنا وأقواهم بيانًا لمحاسن الإسلام المرحوم الشيخ عبد الحميد ابن باديس، سليل تلك الأسرة التي خلفت الفاطميين على مملكة افريقية، وللمرحوم طريقة غريبة في وصل تلامذته بالله وتفقيههم في حقائق سُنَنه في الأنفس والآفاق، وله قدرة عجيبة في استلال النقائص من نفوسهم، وفي ترويضهم على الكمالات النفسية واللسانية والبدنية، وفي إعدادهم لمراتب الرجولة التي لا تخضع إلّا لله، وفي تعويدهم على أساليب الدعاية وتزويدهم بدلائل الحق.

стр. 1607

وجد التلميذ أجنيته في الشيخ ووجد الشيخ بغيته في التلميذ، فقطع به مراتب التربية والتعليم في سنوات، وحضر عليه معظم دروس التفسير، وقد ختم الشيخ القرآن الكريم كله تفسيرًا في خمس وعشرين سنة، ولم يختمه- فيما نعلم- في مغاربنا الثلاثة إلّا أبو عبد الله الشريف التلمساني، في أوائل المائة الثامنة. غبر الأستاذ الورتلاني في وجوه السابقين فأصبح مساعدًا لأستاذه في إلقاء الدروس للتلامذة وكانوا يجاوزون ثلاثمائة طالب هم عماد الحركة اليوم، وفي تلك المدّة كان يقضي الصيف جوّالًا صوالًا في القطر، واعظًا مذكرًا، مثيرًا للهمم الراكدة. وله في الجزائر اليوم تلامذة وزملاء ما زالوا يحملون الذكريات العاطرة لعهده (١). ...

стр. 1608

الأستاذ سيد قطب * تمتزج فكرة الوطن الإسلامي الأكبر بنفس الأستاذ سيد قطب امتزاج الروح بالجسد، والعقيدة بالعقل، فهو حفظه الله لم يفتأ يدعو المسلمين في الشرق والغرب بكتاباته الضافية إلى السير على ضوء هذه الفكرة في حركاتهم التحريرية وكفاحهم العام، والاعتصام بأخوتهم الإسلامية التي هي المهيع الأمين لتحقيق أمانيهم وآمالهم في الحياة، كمسلمين لهم من تعاليم دينهم ومجد تاريخهم كل ما يهديهم سواء السبيل، إذا غشيتهم الظلمات وألمت بساحتهم خطوب وملمّات. وقد وجد الأستاذ في صحيفة «البصائر» التي هي اللسان المعبّر عن كفاح الجزائر في سبيل المحافظة على إسلامها وعروبتها وربط نهضتها بالعالَم الإسلامي صدى دعوته الصارخة، فأحبّها وبادر بإرسال هذه الكلمة البليغة الجامعة إليها، وهي إذْ تحلي صدرها بها إنّما تنشر صفحة من جهاد أحد العلماء العاملين من أعلام هذه النهضة التي لن تقف دون أن تصل بالإسلام والمسلمين إلى أهدافهم السامية في طريق كفاحهم من أجل الوحدة والحرية والاستقلال.

стр. 1609

اِغتيال الزعيم التونسي فرحات حشّاد * برقيات ــ ١ - إلى "الاتحاد العام التونسي للشغل"، تونس إن الجريمة الفظيعة، جريمة اغتيال رئيسكم العظيم المرحوم فرحات حشّاد، قد تركتْ في أنفسنا ألمًا شديدًا، ونحن نقاسمكم آمالكم وآلامكم، وقضيّتكم قضيتنا، وتقبّلوا باسم الشعب الجزائري أحرّ التعازي. محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء الجزائريين ٢ - إلى جلالة باي تونس، تونس إننا نستنكر تلك الجريمة الشنعاء، جريمة اغتيال المرحوم الزعيم فرحات حشّاد، ونعبّر لكم وللشعب التونسي الحرّ عن أحرّ تعازينا. محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء الجزائريين ٣ - إلى الأستاذين صالح بن يوسف ومحمد بدرة، نيويورك إننا نقاسمكم الألم والحزن العظيمين اللذين ألمّا بتونس الشقيقة على إثر اغتيال المرحوم فرحات حشّاد ضحيّة القضية الوطنية، والله معكم في كفاحكم من أجل الحرية والكرامة الإنسانية. محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء الجزائريين

стр. 1610

٤ - إلى السيد الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة، نيويورك إن الشعب الجزائري مهتمّ كل الاهتمام بخطورة الوضع بتونس، وهو يستنكر اغتيال الزعيم النقابي المرحوم فرحات حشّاد، ويطالب الأمم المتحدة أن تجعل حدًا للأعمال الوحشية التي يرتكبها المستعمرون الفرنسيون، والتي تهدّد السلام والأمن في العالَم. محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء الجزائريين ٥ - إلى السيد فوستر دالّلس وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية- واشنطن أمام الحوادث الدامية التي تعيشها تونس الشقيقة، وأمام الاغتيال الفظيع الذي ذهب ضحيته الزعيم النقافي المرحوم فرحات حشّاد، تلك الجريمة التي ارتكبها المستعمرون الفرنسيون، نلفت أنظار حكومة أمريكا البلد الحرّ إلى خطورة الوضع في تونس، ونؤكّد لها باسم الشعب الجزائري أن الحالة الراهنة تهدّد السلام والأمن في العالم. محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء الجزائريين ٦ - إلى اتحاد نقابات العمّال الأمريكي- نيويورك إن تونس العاملة فقدت إبنًا من أبرّ أبنائها من أجل الحرية والكرامة الإنسانية، ألا وهو الزعيم النقابي فرحات حشّاد الذي اغتالته أيادي المستعمرين الفرنسيين، ونحن باسم الشعب الجزائري نناشد تضامن عمال أمريكا البلد الحرّ، وأن يلفتوا نظر حكومتهم إلى خطورة الوضع الراهن بتونس ونتائجه التي تهدّد السلام والأمن في العالم. محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء الجزائريين

стр. 1611

تحية الجزائر * للإجتماع المنعقد يوم ٨ ديسمبر بباريس ــ أيها الإخوان المتلاقون على هَوَى الوطن الجامع وحبّه، العاملون على إعلاء شأنه وجمع أجزائه. بلغتنا أخبار اجتماع أبناء الشرق العربي بأبناء المغرب العربي في دار، فعجِبنا حتى انتهى العجب إلى أقصاه، وطربنا حتى أخرجَنا الطرب عن طور الاعتدال، ثم رجعنا إلى الفال، نُزْجي به الآمال. عجبنا لاجتماع الإخْوة بعد أن جعل الاستعمار بينهم رَدْمًا، وأوسع معالم الاتصال بين الشرقيّ والغربيّ منهم تحطيمًا وهَدْمًا، وضرب بينهما بسور ليس له باب، حتى نَسِيَ الواحد منهما أخاه أو كاد، وحتى تنكر له كأن لم تَكُ بينهما أشياءُ من نسب وتاريخ، ومواريثُ مقسومة من دين وأدب. وطربنا لأن اجتماع الإخْوة بهذه الصورة الجميلة، ولهذا الغرض النبيل وهو التعارف- هو شيء كانت تمثِّلُه لنا الخواطر الطائرة، والتمنيات الخيالية، فتمتلئ نفوسنا سرورًا، وتَشِيعُ في جوانبنا البهجة والانشراح، ثم يتقضَّى ذلك كله في لمحة الطرف كأحلام النائم، وإذا بذلك الخيال الطارف يصبح حقيقة مجسّمة. ثم رجعنا إلى الفال، نستفتح به أقفال الغيب، ونَسِمُ به أغفالَ المستقبل، ونقول: صَبيبُ المُزنِ أوّلُه قطرة، وعَصْفُ الريح مبدؤه نَسمة، وصادق الوحي أوّله رؤيا منام، وبعد تلك البدايات ينهمر الماء، أو تعصِفُ الأعاصير، أو يتواتر الوحي، فلا عجب إذا كان هذا الاجتماع فتحًا لباب، وعنوانًا لكتاب، ومقدمة لنتائج.

стр. 1612

أيها الضيوف الأعزة، أيها المقتبلون الكرام: يَعِزُّ عليّ- والله- أن أنادي منكم اثنين، وإنما أنتم واحد، ولكن غَلبتْ عليّ النزعة العربية في إجلال الضيف، وإكرام مثواه، ومضاحكته قبل إنزال رحله، واعتبارِه عالَمًا مستقلًّا في مدة الضيافة، فناديتُ الضيفَ وحدَه لآخذَ بحظّي من البرّ به. وناديتُ أبا المَثْوَى وحدَه لأساهمه في أداء واجب الضيافة ولو بالحديث، والحديث من القِرى في مذهب العرب، وها أناذا أعود فأخاطبكم بالوصف الجامع: أيها الإخوة: إن أضعف سلاح رمانا به الاستعمار جمعيًا هو هذا السلاح المادي من الحديد والنار، وأن أمضى سلاح قاتلنا به فقَتَلَنا لَهو التضريب بين صفوفنا حتى أصبح بعضنا لبعض عدوًّا، والتخريب لضمائرنا حتى أصبحتْ خيانة الدين والوطن بيننا مَحْمَدةً نتمادح بها، والتمزيق لجامعتنا حتى أصبحنا أممًا متنابذة، والتوهينُ لقوانا المعنوية حتى أصبحنا كالتماثيل الخشبية لا ترهب ولا تخيف، والاستئثارُ بقُوَّاتنا المادية حتى أصبحنا عالةً عليه، والتعقيمُ لعقولنا وأفكارنا حتى أصبحنا نتنازل عن عقلنا لعقله وإنْ كان مأفونًا، وعن فكرنا لفكره وإنْ كان مجنونًا، وتلقيحُ فضائلنا برذائله حتى انحطتْ فينا القِيَمُ الإنسانية وبُخِست موازين الفضيلة، وترويضُنا على المهانة حتى أصبحنا نهزأ بماضينا افتتانًا بحاضره، ونحتقر لسانَنا احترامًا للسانه. هذا الاستعمار لعقولنا وأفكارنا هو أخطر أنواع الاستعمار علينا، وهو الذي مهّد للطامة الكبرى التي هي مأْرَب الاستعمار، وهي هذه الوطنيات الضيّقة المحدودة التي زّينها لنا وحبّبها إلينا، ولو كانت خيرًا لَسَبقَنا هو إليها في أممه وأوطانه، ولكنه يتكتَّلُ ليقْوَى في نفسه، ويفرّقُنا لنضعفَ زيادةً في قوّته. أليس من العار أن يكون للعرب عشْر وطنيات؟ أليست هذه الوطنيات الضيّقة بمثابة تقسيم الخبزة الواحدة إلى لُقَم، ليسهلَ ازدِرادُها لقمةً لقمة؟ أما والله لو كان العرب أمّة واحدة لما ضاعت فلسطين، ولما حلّت بالأقطار العربية هذه النكبات المتوالية. أيْ أبناء العمومة: إن الجزائر والشمال الأفريقي كله فَئذَة من كبد الإسلام، وقطعة من وطن العروبة الكبير، وبقيّة مما فتح عقبة والمهاجر وحسّان، وإن هذا الوطن هو أحد أجنحتكم التي تطيرون بها إلى العلا، وإنّه متصل بكم اتصال الكف بالساعد، تصلون إليه مشْيًا، ويصل إليكم حبْوًا، فَريشوا هذا الجناحَ المهيض حتى تقوى قوادمه، وصونوا حماه فإنه حماكم، وذودوا عن عِرضه فإنه عرضكم. إن هذا الوطن امتداد لوطنكم الأكبر، وإنه يحمل أمانة الأجداد التي تحملونها، فأعينوه على التحرير، وأنقِذوه من سوء المصير.

стр. 1613

إن في هذا الشمال بأقطاره الثلاثة كنوزًا من تراث العربية والإسلام، طمرها الاستعمار برذائله عمدًا، وطمس محاسنها بحضارته قصدًا، فأعينونا بقوة نستخرج هذه الكنوز بإحياء الأخلاق والآداب والتاريخ، لا لخيرنا بل لخير الإنسانية. أيْ أبناء العمومة: إن بيننا وبينكم صلاتٍ من اللغة والدين، وأرحامًا مرعيّة من الجنس والخصائص، فقوّوا هذه الصلات، وصلوا هذه الأرحام، يكنْ بعضنا لبعض قوة. إنكم لنا أئمة في الخير، وإنّا بكم مؤتمّون في الحق، فحققوا شروط الإمامة، وطالبونا بتحقيق شروط الاقتداء، وئنُقِمِ الصفوف، في معترك الحتوف ... وإلّا هلك الإمام والمأموم. أما والله لن نُفلِت من مخالب الاستعمار فرادى، ولن نُفلت منه إلّا يوم نصبح أمّة واحدة تلقى عدوّها برأي واحد، وقائد واحد، وقلب واحد، فإن لم نفعل فلا نَلُمِ الاستعمار، وئنَلُم أنفسنا. أيْ أبناء العمومة: ليتني كنت معكم، فأحييكم من قريب، تحية الأخوين، فرَّقتْ بينهما الأقدار، ثم جمعتهما الدار، وأسمعكم من الجزائر الحزينة نجواها، وأبثّكم شكواها، بلسانها الحر الأصيل المعرب، وبيانها العذب الشجيّ المطرب، ولكن الأقدار الغالبة عاقت عن الاتصال بكم، والجدّ العاثر حرمني من التشرّف بلقائكم في هذا اليوم الأغرّ، فها هي ذي تحيات العروبة الكامنة في الجزائر كُمونَ النار في الحجر- توافيكم من وراء البحر، وتتنفّس في ناديكم بمسك دارين وعنبر الشحر، فحيّاكم الله وأحياكم، وأبقاكم للعروبة تصلون أسبابها، وتعيدون عليها نضرتها وشبابها، وللإسلام ترفعون أعلامه وتدفعون ظلّامه، وللشرق تؤدّون فرضَه، وتردون قرضه، وتصونون عرضه، وتطهرون سماءه وتحفظون أرضه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أخوكم محمد البشير الإبراهيمي

стр. 1614

منزلة الأدب في الحياة * هدرت شقاشق أبنائي أدباء الجزائر العزيزة ثم قرّت، في موضوع لم أستطع أن أسمّيه أدبًا، إنما أسمّيه تلاومًا على الركود والسكون الذي عمّ الجزائر كلها في السنة الماضية باستثنأء حركة التعليم التي يقوم بها المعلمون حيّاهم الله عني، وحركة التنظيم التي تقوم بها لجنة التعليم العليا جزاها الله عني خيرًا، ومن ورائها المكتب الدائم لجمعية العلماء بارك الله فيه. شغل الأدباء وقتًا طويلًا وملأوا صحائف من «البصائر» في ذلك التلاوم، أو في جذب وشدّ بين العتاب والعذر، وكنتُ أقرأ وأتتبعّ وأقول: هي حركةٌ أقلّ صفاتها أنها خير من الركود، وانتظر حتّى تجف الشعاب وتفرغ الجعاب، ولا أقول إني لم أشأ أن أكدر صفوهم، بل أقول إنّي لم أشأ أن أصفّي كدرهم، لأن تنازع الحبل صيّر الموضوع قضية تحتاج إلى حكم، وأنا ذلك الحكَم، ولا آتّهم أبنائي بأن يبلغ بهم العقوق إلى أن لا يرتضوا حكومتي، أو يهتبلون غيبتي، فينفضون عيبتي، ويلعنون شيبتي: أعتقد أنني أكرم عليهم من ذلك. كان أبناؤنا الأدباء فريقين: فريقًا لوامين، وفريقًا معتذرين، واللوّامون يبنون أمرهم على أن الأدباء في الجزائر ساكتون لا ينطقون وخاملون لا يُنتجون، وكان الأوجه الأشبه أن يلاموا على أنهم ناقصون لا يُكمِلون وكسالى لا يقرأون، وقانعون لا يدرسون، وأن خير ما زيّن به امرؤ نفسه الإنصاف، وأن من الإنصاف أن نقول إن الأدب عندنا في الجزائر لم يكمل ولم يزل بينه وبين الكمال مراحل، والذي عندنا إنما هو استعداد للأدب ولكنه بدون أدوات، فهو يعتمد على المواهب التي وزّعها الله على عباده وجعل حظوظهم منها متفاوتة،

стр. 1615

فَمَن آتاه الله من أبنائنا حظًا من الموهبة وقف عندها وأخذ يعصر المواهب عصرًا، فتبض له بشيء وتشحّ بأشياء، لأنه لم يرفدها بالأمداد التي تفتقر إليها، والمواد التي تتغذّى منها من المحفوظ والمقروء المهضوم والمدروس المفهوم، فالملكات الأدبية لا تكفي فيها القريحة والطبع حتّى تمدّها الصنعة بأمدادها، وأوّلها متن اللغة غير مأخوذ من القواميس اللغوية لأنها لا تنتهي بصاحبها إلى ملكات لغوية ولا أدبية، وإنما يجب على من أراد أن يربّي ملكته على أساس متين أن يأخذ اللغة من منثور العرب ومنظومهم، فيستفيد بذلك فائدتين: الأولى الكلمة ومعناها، والثانية وضعها في التركيب وموقعها منه وموقعه من النفوس، وحسن التركيب هو سر العربية، ويسمّيه علماء البلاغة حسن التأليف، ومن كلماتهم التي سارت مسير الأمثال قولهم: ولكل كلمة مع صاحبتها مقام. أما أخذ الألفاظ متناثرة من كتاب لغة كالقاموس المحيط ثم وضعها في تركيب كيفما اتفق، فإنه عمل بعيد عن التوفيق مجانب للصواب لأن صاحب القاموس لم يُرد أن يُكوّن بكتابه أديبًا، وإنما أراد أن يخلق مدرّسًا، وقد ذكر كلمة في خطبته دلّت على مقصوده كلّه، فهو يقول في كتاب الصحاح: ولما رأيتُ اقتصار الناس عليه بخصوصه، واعتماد المدرّسين على ألفاظه ونصوصه ... الخ، فهو إنما يريد كتابًا يعتمد عليه المدرّسون بدلًا من صحاح الجوهري، وهو يريد بالمدرّسين مدرّس القواعد العلمية في زمنه الذي هو زمن انحطاط الأدب ونزوله إلى الدرك الأسفل وفساد مقاييسه حتّى يصبح ابن حجر حافظ السنّة وأفقه فقهائها في عصره شاعرًا، وما هو بشاعر. وإذا ذكرنا قاموس الفيروزابادي فما كلّ القواميس مثله: فلسان العرب كتاب يعلّم اللغة، وكتاب المقاييس لابن فارس كتاب لغة يعلّم الأدب، وكتاب المخصّص لابن سيده كتاب لغة وأدب معًا، أمّا اللغة الحقيقية فهي أشعار العرب وأحاديثهم وخطبهم ومحاوراتهم، وأما كتب الأدب المحض فهي كتب الجاحظ والمبرد وابن قتيبة وكتب المحاضرات من مثل عيون الأخبار ومحاضرات الأدباء والعقد الفريد ولباب الآداب للأمير أسامة بن منقذ وكتب النقد ككتابي قدامة بن جعفر على صغر حجمهما والصناعتين للعسكري والعمدة لابن رشيق حتّى تنتهي إلى المحيط الهادي: الأغاني وما أدراك ما الأغاني. محالٌ أن تكمل ملكة في الأدب لِمَن لم يقرأ هذه الكتب كلّها قراءة تأنّ ودرس، ويحفظ لكل شاعر مجل جاهلي أو إسلامي أشرف شعره وأجزله، ثمّ يأتي كمال الأدب وهو أن يعرف طبقات الشعراء وموازينهم وخصائصهم، وأن يعرف من السير والأخبار ما يحلي به أدبه نظمًا أو نثرًا، فإن الأدب بدون هذه النكت كالطعام بلا ملح، وما سمعتُ قطعة من الشعر لأديب ولا قرأتُ له قطعة نثرية إلّا عرفتُ منها ما قرأ من الكتب، ولقد وعكتُ مرّة فأرسل إليّ أديب يُسليني بقطعة من الشعر، منها:
следующие страницы →