المبحث الثالث: المهدي (١)
قبل ذكر هذه العلامات العشر الكبرى نتحدث عن المهدي لأن ظهوره يكون سابقاً لهذه العلامات، فهو الذي يجتمع عليه المؤمنون لقتال الدجال ثم ينزل عيسى ﵇ ويصلي خلفه.
في آخر الزمان يخرج رجل من أهل البيت يؤيد الله به الدين يملك سبع سنين يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وتنعم الأمة في عهده نعمة عظيمة، تخرج الأرض نباتها، وتمطر السماء قطرها، ويعطى المال بغير عدد.
وهذا الرجل اسمه كاسم رسول الله ﷺ واسم أبيه كاسم أبي النبي ﷺ فيكون اسمه محمد أو أحمد بن عبدالله وهو من ذرية فاطمة بنت رسول الله ﷺ ثم من ولد الحسن بن علي ﵃ وصفته الواردة أنه أجلى الجبهة (٢) أقني (٣) الأنف) (٤).
مكان خروجه:
يكون ظهور المهدي من قبل المشرق فقد جاء في الحديث عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم، ثم ذكر شيئاً لا أحفظه-، فقال: فإذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على الثلج فإنه خليفة الله المهدي» (٥).
قال ابن كثير (إن المهدي الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل ظهوره وخروجه من ناحية المشرق ويبايع له عند البيت كما دل على ذلك بعض الأحاديث) (٦).
عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يخرج في آخر أمتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحاً، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يعيش سبعاً أو ثمانية -يعني حجة-» (٧).
стр. 37
المبحث الرابع: أشراط الساعة الكبرى (١)
هناك علامات كبرى تدل على قرب قيام الساعة، فإذا ظهرت كانت الساعة على إثرها، في صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر. فقال ما تذاكرون؟ قالوا نذكر الساعة قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات، فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم ﷺ ، ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وأخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» (٢).
والآيات الكبرى متتابعة في وقوعها، لا يكاد يفصل بينها فاصل زمني، وهي تشبه في تتابعها إذا وقعت العقد إذا انقطع سلكه الذي ينتظم حباته، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الأمارات خرزات منظومات في سلك فإن يقطع السلك يتبع بعضها بعضاً» (٣).
وقد أخبر الرسول ﷺ أن وقوع الحرب الكبرى بين المسلمين والروم التي سماها الملحمة ستكون أولاً، ثم تفتح القسطنطينية، ثم يخرج الدجال، روى معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال» (٤).
وبعد خروج الدجال ينزل عيسى ﵇ ويقتل الدجال ثم يخرج يأجوج ومأجوج في زمن عيسى ﵇ ويهلكهم الله في زمنه والترتيب إلى هنا واضح.
أما بقية الآيات فإن ترتيبها ليس واضحاً تماماً، نعم خروج الشمس من مغربها وخروج دابة الأرض وخروج النار التي تحشر الناس تكون بعد خروج الدجال ونزول عيسى ﵇ وخروج يأجوج ومأجوج، ولكن أيها يسبق الآخر، أعني طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وحشر النار للناس.
إن الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن حذيفة صريح في أن خروج النار التي تحشر الناس من اليمن هي آخر الآيات فقد ذكر الرسول ﷺ الآيات العشر الكبرى وقال في الآية العاشرة وهي النار: «وآخر ذلك نار تخرج من أرض اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» (٥).
стр. 38
وتبقى ست آيات طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة والدخان والخسوف الثلاثة.
أما طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة فتكونان بعد نزول عيسى ﵇ وقتله الدجال وإهلاك يأجوج ومأجوج في عهده وبعد فساد الناس ودروس الإسلام وقبل خروج النار التي تحشر الناس؛ ولكن أيهما أسبق خروج الشمس أم خروج الدابة؟ ذلك ما لا يمكن الجزم به بسبب عدم جزم الرسول ﷺ بذلك، ففي حديث عبد الله بن عمرو ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس من ضحى وأيهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريباً» (١).
ولا يجوز الاستدلال بهذا الحديث على أن طلوع الشمس من مغربها يكون قبل خروج الدجال ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج لقوله: «أول الآيات خروجاً طلوع الشمس» .. الحديث.
(فالذي يترجح من الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض وينتهي ذلك بموت عيسى ﵇، وأن طلوع الشمس من مغربها هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير العالم العلوي وينتهي ذلك بقيام الساعة ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من مغربها) (٢). والله أعلم.
و الذي يظهر أن طلوع الشمس من مغربها يسبق خروج الدابة ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم أو الذي يقرب منه.
أما بقية الآيات وهي الخسوف الثلاثة والدخان - فلا ندري ما ترتيبها في الآيات العظام، فلم نر من النصوص الصحيحة ما يحدد ذلك والله أعلم بحقيقته (٣).
أشراط الساعة الكبرى:
١ - المسيح الدجال:
فتنة الدجال تقع في آخر الزمان وهي إحدى أشراط الساعة الكبرى، وفتنته من أعظم الفتن التي تمر على البشرية عبر تاريخها. من أجل ذلك فإن جميع الأنبياء حذروا أقوامهم من فتنته، ولكن رسولنا
ﷺ كان أكثر تحذيراً لأمته منه.
ففي صحيح البخاري عن عبدالله بن عمر ﵄، قال: قام رسول الله صلى الله عليه في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال، فقال: «إني لأنذركموه، وما من نبي قبلي إلا وقد أنذر قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولاً لم يقله نبي لقومه، إنه أعور وإن الله ليس بأعور ... » (٤).
وسمي الدجال مسيحاً لأن عينه الواحدة ممسوحة، والمسيح: هو الذي لا يبقى على أحد شقي وجهه عين
стр. 39
ولا حاجب إلا استوى، وقيل لأنه يمسح الأرض، أما عيسى بن مريم فسمي به؛ لأنه لا يمسح بيده ذا عاهة إلا بري - بإذن الله - وقيل غير ذلك) (١). وقد جاء في الحديث: «إن الدجال ممسوح العين» (٢). وسمي دجالاً (لأنه يغطي الحق بباطله، ويقال: دجل البعير بالقطران إذا غطاه، والإناء بالذهب إذا طلاه ... وقال ابن دريد: سمي الدجال، لأنه يغطي الحق بالكذب، وقيل لضربه نواحي الأرض، ... وقيل: بل قيل ذلك، لأنه يغطي الأرض) (٣).
صفة الدجال:
الدجال رجل من بني آدم، له صفات كثيرة جاءت بها الأحاديث، لتعريف الناس به، وتحذيرهم من شره، حتى إذا خرج، عرفه المؤمنون فلا يفتنون به، بل يكونون على علم بصفاته التي أخبر بها الصادق ﷺ وهذه الصفات تميزه عن غيره من الناس، فلا يغتر به إلا الجاهل الذي سبقت عليه الشقوة، نسأل الله العافية.
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «بينا أنا نائم أطوف بالكعبة فإذا رجل آدم سبط الشعر ينطف - أو يهراق - رأسه ماء، قلت من هذا؟ قالوا: ابن مريم، ثم ذهبت التفت، فإذا رجل جسيم، أحمر، جعد الرأس، أعور العين، كأن عينه عنبة طافية، قالوا: هذا الدجال أقرب الناس به شبهاً ابن قطن» رجل من بني خزاعة (٤).
وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما بُعِثَ نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، وإن بين عينيه مكتوب كافر» (٥).
ويخرج الدجال من المشرق من بلاد فارسية يقال لها: خراسان، عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ : «أن الدجال يخرج من أرض بالشرق، يقال لها: خراسان، يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرقة» (٦).
وقد سأل الصحابة الرسول ﷺ عن المدة التي يمكثها الدجال في الأرض، فقالوا: وما لبثه في الأرض؟ قال: «أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم»، قلنا يا رسول الله: فذاك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: «لا، اقدروا له قدره» (٧).
стр. 40
وقد حمى الله مكة والمدينة من الدجال، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق» (١).
وأكثر أتباع الدجال اليهود والنساء، عن عثمان بن أبي العاص ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «أكثر أتباع الدجال اليهود والنساء» (٢).
ابن صياد والدجال:
ابن صياد رجل من يهود المدينة، اسمه صاف كان شبيهاً بالدجال في كثير من صفاته. وقد تضاربت أقوال العلماء في شأنه وهل هو المسيح الدجال أو لا؟ ولهذا فقد اجتهد الحافظ ابن حجر في التوفيق بين الأحاديث المختلفة، فقال: (أقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم وكون ابن صياد هو الدجال: أن الدجال بعينه هو الذي شاهده تميم موثقاً، وأن ابن صياد شيطان تبدى في صورة الدجال في تلك المدة، إلى أن توجه إلى أصبهان، فاستتر مع قرينه، إلى أن تجيء المدة التي قدر الله تعالى خروجه فيها) (٣)، والله أعلم.
قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: (الصحيح أن ابن صياد ليس هو الدجال الذي يبعث في آخر الزمان، وإنما هو دجال من الدجاجلة يشبه الكهان في تخرصه، وتخمينه، ولكنه ليس هو الدجال الذي يبعث يوم تقوم الساعة، فيقتله عيسى بن مريم ﵊ (٤).
٢ - نزول عيسى ﵇ -:
صفته ﵇ جاءت بها الروايات منها ما رواه أبو هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليلة أسري بي لقيت موسى ... فنعته إلى أن قال: ولقيت عيسى ... فنعته فقال: ربعة، أحمر، كأنما خرج من ديماس - يعني: الحَمَّامَ -» (٥).
стр. 41
صفة نزوله ﵇ -:
بعد خروج الدجال وإفساده في الأرض، يبعث الله عيسى ﵇ فينزل إلى الأرض، ويكون نزوله عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشام، وعليه مهرودتان (١)، واضعاً كفية على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، ولا يحل لكافر يجد ريح نَفَسِهِ إلا مات، وَنَفَسُهُ ينتهي حيث ينتهي طرفه.
ويكون نزوله على الطائفة المنصورة، التي تقاتل على الحق، وتكون مجتمعة لقتال الدجال، فينزل وقت إقامة الصلاة، يصلي خلف أمير تلك الطائفة. ففي حديث النواس بن سمعان الطويل في ذكر خروج الدجال ثم نزول عيسى ﵇، قال ﷺ : «إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفع تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسِهِ إلا مات، وَنَفَسُهُ ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه -أي: يطلب الدجال- حتى يدركه بباب لد، فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة» (٢).
بم يحكم عيسى ﵇ -:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم وأَمَّكُم منكم؟ ! ». قال ابن أبي ذئب (٣): تدري ما أَمَّكُمْ منكم؟ قلت: تخبرني؟ قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ (٤) -.
فليس المراد أنه أمهم في الصلاة، بل المراد أنه حكم فيهم كتاب الله ﵎، أي أمهم بكتاب الله (٥).
وزمن عيسى ﵇ زمن أمن وسلام ورخاء يرسل الله فيه المطر الغزير، وتخرج الأرض ثمرتها وبركتها، ويفيض المال وتذهب الشحناء والتباغض والتحاسد، عن أبي هريرة رضي الله أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «والله لينزلن عيسى بن مريم حكماً عادلاً، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص (٦) فلا يسعي عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال، فلا يقبله أحد» (٧).
مدة بقائه بعد نزوله ثم وفاته:
وأما مدة بقاء عيسى ﵇ في الأرض بعد نزوله، فقد جاء في بعض الروايات أنه يمكث سبع سنين، وفي بعضها أربعين سنة.
عن عبدالله بن عمرو ﵄: «فيبعث الله عيسى بن مريم ... ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد وفي قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته» (٨).
وفي أبي داود: «فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون» (٩).
وكلا هاتين الروايتين صحيحة، وهذا مشكل؛ إلا أن تحمل رواية السبع سنين على مدة إقامته بعد نزوله، ويكون ذلك مضافاً إلى مكثه في الأرض قبل رفعه إلى السماء، وكان عمره إذ ذاك ثلاثاً وثلاثين سنة على المشهور (١٠) والله أعلم.
٣ - يأجوج ومأجوج:
وأصل يأجوج ومأجوج من البشر، من ذرية آدم وحواء ﵉، والذي يدل على أنهم من ذرية آدم ﵇ ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: أخرج بعث النار، قال وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد» قالوا: وأينا ذلك الواحد؟ قال: «أبشروا فإن منكم رجلاً ومن يأجوج ومأجوج ألف» (١١).
وقد أخبر الله ﵎ أن السد الذي أقامه ذو القرنين مانعهم من الخروج ﴿اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾ [الكهف: ٩٧] وأخبر أن ذلك مستمر إلى آخر الزمان عندما يأتي وعد الله، ويأذن لهم بالخروج، وعند ذلك يُدك السد، ويخرجون على الناس ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾ [الكهف: ٩٨]، وعند ذلك يخرجون أفواجاً ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] وذلك قرب القيامة والنفخ في الصور ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾ [الكهف: ٩٩].
وقد أخبر الرسول ﷺ أنه فتح من ردم يأجوج ومأجوج في عصره، عن زينب بنت جحش ﵁ أن رسول الله ﷺ دخل عليها يوما فزعاً، يقول: «لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب،
стр. 42
فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» - وحلق بأصبعيه: الإبهام والتي تليها- قالت زينب، فقلت يا رسول الله، أفنهلك، وفينا الصالحون؟ قال: «نعم، إذا كثر الخبث» (١).
وخروجهم يقع بعد نزول عيسى ﵇ وهزيمته للدجال، عن النواس بن سمعان في حديثه الطويل، قال: قال رسول الله ﷺ : «ثم يأتي عيسى بن مريم قوم قد عصمهم الله منه -أي من الدجال - فيمسح وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عباداً لي لا يدان لأحد بقتالهم (٢)، فحرّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب (٣) ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية، فيشربون ما فيها، ويمر أخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف (٤) في رقابهم، فيصيحون فرسى (٥) كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم (٦) ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل مطراً كأعناق البخت (٧)، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطراً، لا يكن منه بيت مدر (٨) ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة» (٩).
стр. 43
٤ - الخسوفات الثلاثة:
معنى الخسف: يقال: خسف المكان يخسف خسوفا إذا ذهب في الأرض، وغاب فيها (١).
والخسوفات الثلاثة التي هي من أشراط الساعة جاء ذكرها في الأحاديث ضمن العلامات الكبرى. عن حذيفة بن أسيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات ... فذكر منها- وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب» (٢).
٥ - الدخان:
من الآيات الكبرى التي تقع قبيل الساعة الدخان، قال تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ [سورة الدخان: ١٠ - ١١].
وفي المراد بهذا الدخان؟ وهل وقع؟ أو هو من الآيات المرتقبة؟ قولان للعلماء:
الأول: أن هذا الدخان هو ما أصاب قريشاً من الشدة والجوع عندما دعا عليه النبي
ﷺ حين لم يستجيبوا له، فأصبحوا يرون السماء كهيئة الدخان.
الثاني: أن هذا الدخان من الآيات المنتظرة التي لم تجيء بعد، وسيقع قرب قيام الساعة. ومما يدل دلالة كبرى على أن الدخان من العلامات الكبرى ما رواه مسلم عن حذيفة بن أسيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات ... - فذكر منها- الدخان» (٣).
على أن بعض العلماء ذهب إلى أنهما دخانان، ظهر أحداهما وبقي الأخر، وهو الذي سيقع في آخر الزمان (٤). والله أعلم.
٦ - طلوع الشمس من مغربها:
من الآيات البينات الدالة على وقوع الساعة طلوع الشمس من مغربها، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعين، فذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً» (٥).
٧ - خروج الدابة:
وهذه الدابة آية من آيات الله تخرج في آخر الزمان، عندما يكثر الشر ويعم الفساد، ويكون الخير قلة في
стр. 44
ذلك الزمان، وهذه الدابة هي التي ذكرها الله في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل: ٨٢].
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض» (١).
٨ - النار التي تحشر الناس:
وهي أخر أشراط الساعة الكبرى، وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة. وقد جاءت الروايات بأن خروج هذه النار يكون من اليمن، من قعر عدن، جاء في حديث حذيفة بن أسيد في ذكر أشراط الساعة الكبرى قوله ﷺ : «وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم» (٢).
وعند ظهور هذه النار العظيمة من اليمن تنتشر في الأرض، وتسوق الناس إلى أرض المحشر، والذين يحشرون على ثلاث طرائق، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتو، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا» (٣).
ويحشر الناس إلى الشام في آخر الزمان وهي أرض المحشر، كما جاءت بذلك الأحاديث، منها ما روي عن ابن عمر –﵄ في ذكر خروج النار، وفيه: قال: يا رسول الله! فماذا تأمرنا؟ قال: «عليكم بالشام» (٤).
وهذا الحشر يكون في الدنيا قبل يوم القيامة، قال العلماء: (وهذا الحشر في آخر الدنيا قبيل القيامة وقبيل النفخ في الصور بدليل قوله – ﷺ : «تحشر بقيتهم النار، تبيت معهم وتقيل وتصبح وتمسي») (٥)، والله أعلم.
стр. 45
الفصل الثالث: الحقائق التي يشتملها الإيمان باليوم الآخر (١)
المبحث الأول: البعث (٢)
لقد عني القرآن بمشاهد يوم القيامة: البعث والحساب، والنعيم والعذاب، فلم يعد ذلك العالم الآخر الذي وعده الناس بعد هذا العالم الحاضر موصوفاً فحسب، بل عاد مصوراً محسوساً، وحياً متحركاً، وبارزاً شاخصاً، وعاش المسلمون في هذا العالم عيشة كامله، رأوا مشاهده، وتأثروا بها، وخفقت قلوبهم تارة، واقشعرت جلودهم تارة، وسري في نفوسهم الفزع مرة، وعاودهم الاطمئنان أخرى ومن ثم أصبحوا يعرفون هذا العالم كما ورد في الكتاب والسنة قبل اليوم الموعود.
هذا العالم بسيط كل البساطة، واضح وضوح العقيدة الإسلامية: موت وبعث، ونعيم وعذاب. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم الجنة بما فيها من نعيم، وأما الذين كفروا وكذبوا بلقاء الله فلهم النار بما فيها من جحيم، ولا شفاعة هناك، ولا فدية من العذاب، ولا اختلال قيد شعرة في ميزان العدالة الدقيق، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [سورة الزلزلة: ٧ - ٨].
إن القرآن يحدث المؤمنين عن اليوم الآخر، ويجسمه لهم كأنما يرونه اللحظة أمامهم، ويعيشون مشاهده الحية بوجدانهم. بل بلغ من إعجاز القرآن في تصوير مشاهد يوم القيامة أن يحس الإنسان كأنما يوم القيامة هو الحاضر الماثل، وكأنما الدنيا ماض قد انقضى وانطوى من زمان بعيد.
(إن الإيمان بالله واليوم الأخر يتضمن الإيمان بالمبدأ و المعاد، وهو الإيمان بالخلق والبعث كما جمع بينهما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة: ٨]، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]) (٣).
والمراد بالبعث المعاد الجسماني، وإحياء العباد في يوم المعاد. فإذا شاء الله ﵎ إعادة العباد وإحيائهم أمر إسرافيل فنفخ في الصور فتعود الأرواح إلى الأجساد، ويقوم الناس لرب العالمين ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزُّمَر: ٦٨].
وقد أخبرنا الله ﵎ عن مشهد البعث فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى
стр. 46
رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ [سورة يس:٥١ - ٥٣]
وقد جاءت الأحاديث مخبرة بأنه يسبق النفخة الثانية في الصور نزول ماء من السماء فتنبت منه أجساد العباد، عن عبدالله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً (١) ورفع ليتاً. قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فَيَصْعَقُ، وَيَصْعَقُ الناس، ثم يرسل الله - أو قال ينزل الله - مطراً كأنه الطل أو الظل، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون» (٢).
والإنسان يتكون في اليوم الآخر من عظم صغير، هو عجب الذنب، عن أبي هريرة
﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بين النفختين أربعون، ثم ينزل من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا بلى، إلا عظماً واحداً، وهو عجب الذنب (٣) منه يركب الخلق يوم القيامة» (٤).
ومن المعلوم أن أجساد الأنبياء لا يصيبها البلى والفناء الذي يصيب أجساد العباد ففي الحديث: «أن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» (٥).
والبعث هنا إعادة وليس تجديداً، كما قال تعالى: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [سورة يس:٧٨ - ٧٩]، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، ولأنه لو كان خلقاً جديداً لكان الجسد الذي يعمل السيئات في الدنيا سالماً من العذاب، ويؤتى بجسد جديد فيعذب، وهذا خلاف العدل، والنص والعقل قد دل على أن البعث ليس تجديداً ولكنه إعادة) (٦).
وأول من تنشق عنه الأرض هو نبينا محمد ﷺ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ
стр. 47
: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع» (١).
وحيثما هلك العباد فإن الله قادر على الإتيان بهم، قال تعالى: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٤٨]. وقال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ [الكهف:٤٧].
ويحشر الله الخلائق جميعاً حفاة عراة غرلاً، أي: غير مختونين، عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً» قالت: يا رسول الله، الرجال والنساء جميعاً، ينظر بعضم إلى بعض؟ قال: «يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض .. » (٢).
ولكن الناس ليسوا سواء في ذلك اليوم العصيب. إنما تختلف أحواهم باختلاف أعمالهم، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾ [سورة القيامة:٢٢ - ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزُّمَر:٦٠]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [سورة مريم:٨٥ - ٨٦].
والأرض التي يحشر العباد عليها في يوم القيامة أرض أخرى غير هذه الأرض، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾ [إبراهيم:٤٨]. وقد حدثنا الرسول ﷺ عن صفة هذه الأرض الجديدة التي يكون عليها الحشر، عن سهل بن سعد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها معلم لأحد (٣)» (٤).
والوقت الذي يتم فيه هذا التبديل هو وقت مرور الناس على الصراط أو قبل ذلك بقليل، عن
стр. 48
عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾، فأين يكون الناس؟ فقال: «على الصراط» (١).
شبهة المنكرين للبعث والرد عليهم:
لما كانت قضية البعث والحساب، وإعادة الحياة إلى الموتى بعد تفتت تلك الأجساد، واختلاطها بأجزاء الأرض، من القضايا الكبرى التي ضل فيها المشركون، واستبعدوا وقوعها، وقد اقتضى هذا الاستبعاد تعجب المنكرين للبعث ووقوعه، ممن يقولون به، ويؤمنون بوقوعه قال تعالى مبيناً وموضحاً تعجب هؤلاء المنكرين: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ [سورة ق: ١ - ٣].
وأعظم شبهة لدى المنكرين للبعث هي: استبعاد اعادة الأجسام بعد تمزقها، وتفتتها، ثم اختلاطها بأجزاء الأرض. إذ تصبح متصورة بصورة التراب فكيف يمكن اعادتها إلى حالتها التي كانت عليها من قبل؟ ) (٢)
وقد عبر شاعرهم عن ذلك الانكار، مبيناً أن الحديث عنه خرافة بقوله:
حياة ثم موت ثم نشر ... ** ... حديث خرافة يا أم عمرو
أيوعدني ابن كبشه أن سنحيا ... ** ... وكيف حياة أصداء وهام (٣)
الأدلة على البعث (٤):
الإيمان بالمعاد دل عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة السليمة، ولا صحة لما يزعمه الضالون من أن العقول تنفي وقوع البعث والنشور، فإن العقول لا تمنع وقوعه والأنبياء لا يأتون بما تحيل العقول وقوعه، وإن جاؤوا بما يحير العقول.
стр. 49
ومن طرق القرآن في تقرير المعاد (الإخبار بكمال قدرته الله تعالى ونفوذ مشيئته وأنه لا يعجزه شيء، فإعادة العباد بعد موتهم فرد من أفراد آثار قدرته، ومنها تذكيره العباد بالنشأة الأولى، وأن الذي أوجدهم ولم يكونوا شيئاً مذكوراً لابد أن يعيدهم كما بدأهم، ومنها إحياءه الأرض الهامدة الميتة بعد موتها وأن الذي أحياها سيحي الموتى. وقرر ذلك بقدرته على ما هو أكبر من ذلك وهو خلق السموات والأرض والمخلوقات العظيمة، وقرر ذلك بسعة علمه وكمال حكمته وأنه لا يليق به ولا يحسن أن يترك خلقه سدى مهملين لا يؤمرون ولا ينهون ولا يثابون ولا يعاقبون، وهذا طريق قرر به النبوة وأمر المعاد. ومما قرر به البعث: مجازاة المحسنين بإحسانهم والمسيئين بإساءتهم ما أخبر به من أيامه في الأمم الماضية والقرون الغابرة وكيف نجى الأنبياء وأتباعهم وأهلك المكذبين لهم المنكرين للبعث ونوع عليهم العقوبات وأحل بهم المثلات فهذا جزاء معجل ونموذج من جزاء الآخرة أراه الله عباده ليهلك من هلك عن بينه ويحيي من حي عن بينه. ومن ذلك ما أرى الله عباده من إحيائه الأموات في الدنيا، كما ذكره الله عن صاحب البقرة والألوف من بني إسرائيل، والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم الخليل والطيور، وإحياء عيسى بن مريم للأموات وغيره مما أراه الله عباده في هذه الدار ليعلموا أنه قوي ذو اقتدار وأن العباد لابد أن يردوا وأن القرار إما في الجنة أو النار، وهذه المعاني أبداها الله وأعادها في محال كثيرة والله أعلم) (١). ومن الأدلة المثبتة للبعث والنشور ما يلي:
أولاً: إخبار العليم الخبير بوقوع القيامة:
أعظم الأدلة الدالة على وقوع المعاد إخبار الله ﵎ بذلك، فمن آمن بالله، وصدق برسوله الذي أرسل، وكتابه الذي أنزل فلا مناص له من الإيمان بما أخبرنا به من البعث والنشور، والجزاء والحساب، والجنة والنار. وقد نوع الله ﵎ أساليب الإخبار ليكون أوقع في النفوس وآكد في القلوب.
ففي بعض المواضع يكون الحديث عنها خبراً مجرداً، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١)﴾ [الروم: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ [النور: ٦٤].
ومرة يؤكد وقوعها بـ"إن" كقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ [طه: ١٥]، ومرة بـ"إن" واللام، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ [الحِجر: ٨٥]، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾ [العنكبوت: ٥].
وفي بعض المواضع ينفي الريب والشك عن وقوعها قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾ [غافر: ٥٩].
وفي بعض الآيات يقسم الله تعالى على أنها آتية واقعة مرة بنفسه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [النساء: ٨٧]، ومرة بمخلوقاته العظيمة قال تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ [سورة الذاريات: ١ - ٦].
стр. 50
وفي بعض المواضع يأمر رسوله في مجال الحجج والخصام بالإقسام بربه مؤكداً وقوعها: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣].
وفي بعض الآيات يخبر بأنها حق ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [سورة فاطر: ٥] .. إلى غير ذلك من الأساليب.
ثانياً: الاستدلال على النشأة الأخرى بالنشأة الأولى:
إن الذين يطلبون دليلاً على البعث بعد الموت يغفلون عن أن خلقهم على هذا النحو أعظم دليل، فالقادر على خلقهم، قادر على إعادة خلقهم، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ [سورة مريم: ٦٦ - ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾ [الروم: ٢٧].
ثالثاً: القادر على خلق الأعظم قادر على خلق ما دونه:
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ﴾ [الأحقاف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿(٥٦) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ﴾ [غافر: ٥٧].
قال ابن تيمية: (فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك) (١).
رابعاً: قدرته ﵎ على تحويل الخلق من حال إلى حال:
بين الله ﵎ في أكثر من موضع أن من كمال ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته قدرته على تحويل الخلق من حال إلى حال، ولذا فإنه يميت ويحيي، ويخلق ويفني، ويخرج الحي من الميت، والميت من الحي، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٩٥) فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [سورة الأنعام: ٩٥ - ٩٦].
إن تقليب العباد: موت فحياة، ثم موت فحياة، دليل عظيم على قدرة الله تجعل النفوس تخضع لعظمته وسلطانه قال تعالى: ﴿(٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨].
стр. 51
خامساً: إحياء بعض الأموات في هذه الحياة:
فقد أرى الله عباده إحياء الموتى في هذه الدنيا، ومن الأمثلة على ذلك: قوم موسى حين قالوا له: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأماتهم الله ثم أحياهم، قال تعالى: مخاطباً بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [سورة البقرة: ٥٥ - ٥٦].
وعيسى ﵇ كان يصنع من الطين كهيئة الطير ثم ينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وكان يحيي الموتى بإذن الله، قال تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: ٤٩].
سادساً: ضرب المثل بإحياء الأرض بالنبات:
إن الأرض تكون ميتة هامدة ليس فيها شجرة خضراء، فينزل عليها المطر فتهتز خضراء حية فيها من كل زوج بهيج، والقادر على إحيائها بعد موتها، قادر على إحياء الأموات، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فُصِّلَت: ٣٩].
سابعاً: حكمة الله تقتضي بعث العباد للجزاء والحساب:
إن حكمة الله وعدله يقتضيان أن يبعث عباده ليجزيهم بما قدموا، فالله خلق الخلق لعبادته، وأرسل الرسل وأنزل الكتب البيان الطريق الذي يعبدونه به، فمن العباد من استقام على طاعة الله، وبذل نفسه وماله في سبيل ذلك. ومنهم من رفض الاستقامة على طاعة الله، وطغى وبغى، أفيليق بعد ذلك أن يموت الصالح والطالح ولا يجزي الله المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته قال تعالى: ﴿(٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ [سورة القلم: ٣٥ - ٣٨].
إن الكفرة الضالين هم الذين يظنون أن الكون خلق عبثاً وباطلاً لا لحكمة، وأنه لا فرق بين مصير المؤمن المصلح والكافر المفسد، ولا بين مصير التقي والفاجر، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [سورة ص: ٢٧ - ٢٨].
стр. 52
أهوال يوم القيامة:
إن كثير من آيات القرآن تقرر أن أحداثاً فلكية ضخمة ستتم في ذلك اليوم. وكلها تشير إلى تغير كامل في النظام الذي يربط أجزاء هذا الكون المنظور وأفلاكه ونجومه. وإلى انقلاب في أوضاعه وأشكاله وارتباطاته، تكون به نهاية هذا العالم. وهو انقلاب لا يقتصر على الأرض، إنما يشمل النجوم والكواكب والأفلاك. قال تعالى: ﴿(٤٢) الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ [سورة التكوير: ١ - ٦]، ... ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ [سورة الانفطار: ١ - ٤]، ... ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾ [سورة الانشقاق: ١ - ٥]، ... ﴿(٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧]، ... ﴿(٣) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [سورة الواقعة: ٤ - ٦]، ... ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾ [سورة الحاقة: ١٣ - ١٦]، ... ﴿(٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [سورة المعارج: ٨ - ٩]، ... ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ [سورة الزلزلة: ١ - ٢]، ... ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾ [سورة القارعة: ٤ - ٥]، ... ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ [سورة الدخان: ١٠ - ١١]، ... ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾ [المزَّمل: ١٤]، ... ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾ [المزَّمل: ١٨]، ... ﴿دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ﴾ [الفجر: ٢١]، ... ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ [سورة القيامة: ٧ - ٩]، ... ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠)﴾ [سورة المرسلات: ٨ - ١٠]، ... ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [سورة طه: ١٠٥ - ١٠٧]، ... ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، ... ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]، ... ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، ... ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ... ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [سورة الفرقان: ٢٥ - ٢٦].
فهذه الآيات كلها تنبئ بأن نهاية عالمنا هذا ستكون نهاية مروعة، ترج فيها الأرض وتدك، وتنسف فيها الجبال، وتتفجر فيها البحار. كذلك تطمس فيها النجوم وتنكدر وتشقق فيها السماء وتنفطر، وتتحطم فيها الكواكب وتنتثر، وتختل فيها المسافات فيجمع الشمس والقمر، وتبدو السماء مرة كالدخان ومرة ملتهبة حمراء .. الى آخر هذا الهول الكوني الرهيب .. ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ [الفرقان: ٢٦] بما فيه من هول وبما فيه من عذاب.
стр. 53
وقد وصف تعالى موقف القيامة بشدة ذلك كله (١) كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة المطففين: ٤ - ٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ [سورة إبراهيم: ٤٢ - ٤٣]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤]- إلى قوله - ﴿(٩) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)﴾ [سورة المعارج: ١٠ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ﴾ [سورة المدثر: ٩ - ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧]- إلى قوله - ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)﴾ [سورة الإنسان: ١٠ - ١١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧)﴾ [الإنسان: ٢٧]، وفي الصحيح عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «يوم يقوم الناس لرب العالمين، قال: يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» (٢).
المبحث الثاني: دنو الشمس من الخلائق
ومن الإيمان باليوم الآخر أن تؤمن بأن الشمس تدنو من الخلائق بمقدار ميل، والميل يحتمل أن يكون ميل المكحلة، ويحتمل أنه المسافة من الأرض، وسواء كان ميل المكحلة أو ميل المسافة فإن الشمس تكون قريبة من الرؤوس. عن المقداد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تُدْنَى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون العرق إلى كعبيه، ومنهم من يكون العرق إلى ركبتيه، ومنهم من يكون العرق إلى حقويه (٣)، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً» (٤).
المبحث الثالث: محاسبة الخلائق على أعمالهم
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر أن تؤمن بأن الخلائق يحاسبون على أعمالهم، وقد سمي الله يوم القيامة يوم الحساب، لأنه اليوم الذي يحاسب الإنسان فيه على عمله.
والحساب حساب فضل وإحسان وكرم بالنسبة للمؤمن؛ فإن الله يحاسب المؤمن فيخلو به ويضع كنفه عليه -أي ستره- ويقرره بذنوبه فيقول له: عملت كذا في يوم كذا حتى يقر ويعترف، فإذا أقر واعترف قال الله له: «سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» (٥).
أما الكفار -والعياذ بالله- فإنهم لا يحاسبون هذا الحساب بل يقررون بأعمالهم ويقول عملتم كذا وكذا فإذا أنكروا تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، حتى الجلود فإنها تشهد فيقولون لجلودهم: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾ [سورة فصلت: ٢١ - ٢٤]، يقرر الكفار بأعمالهم ويخزون بها وينادي على رؤوس الأشهاد ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود: ١٨].
وينجو من هذا الحساب عالم لا يحصيه إلا الله قال النبي ﷺ : «إن أمته عرضت عليه، وإن منهم سبعين ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» (٦).
стр. 54
المبحث الرابع: الميزان
مما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: الميزان قال الله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]، وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
والميزان عند أهل السنة ميزان حقيقي توزن به أعمال العباد، قال ابن حجر: " قال الزجاج: أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن به يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان ويميل بالأعمال" (١).
(وقد ورد ذكر الوزن والموازين في آيات كثيرة من القرآن وقد أفاد مجموع النصوص أنه يوزن العامل والعمل والصحف ولا منافاة بينها فالجميع يوزن ولكن الاعتبار في الثقل والخفة يكون بالعمل نفسه لا بذات العامل ولا بالصحيفة والله أعلم) (٢).
ومجازاة الناس بأعمالهم، جنهم وإنسهم ينصب الله الموازين، ويزن بها أعمال العباد، فهذا يرجح ميزانه وهو السعيد، وهذا يخف ميزانه وهو الهالك، وهذا يعطى كتابه بيمينه وهو السعيد، وهذا يعطى كتابه بشماله وهو الشقي، نسأل الله السلامة والعافية.
واختلف العلماء في الميزان هل هو واحد أم متعدد على قولين؛ وذلك أن النصوص جاءت بالنسبة للميزان مرة بالإفراد ومرة بالجمع مثل قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وأفرد في مثل قوله ﷺ : «ثقيلتان في الميزان» (٣). فقال بعض العلماء: إن الميزان واحد، وأنه جمع باعتبار الموزون أو باعتبار الأمم، فهذا الميزان توزن به أعمال أمة محمد، وأعمال أمة موسى، وأعمال أمة عيسى، وهكذا فجمع الميزان باعتبار تعدد الأمم، والذين قالوا إنه متعدد بذاته قالوا: لأن هذا هو الأصل في التعدد ومن الجائز أن الله تعالى يجعل لكل أمة ميزاناً أو يجعل للفرائض ميزاناً، وللنوافل ميزان. والذي يظهر -والله أعلم- أن المراد أن الميزان واحد، ولكنه متعدد باعتبار الموزون (٤).
стр. 55
المبحث الخامس: نشر الكتب
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: نشر الدواوين وهي الكتب، تنشر بين الناس فيختلف الناس في أخذ هذه الكتب، منهم من يأخذها باليمين، ومنهم من يأخذها بالشمال، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)﴾ [سورة الحاقة: ١٩ - ٢٦].
وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ [الانشقاق: ١٠]، أي: يأخذه بشماله، لكن تخلع الشمال إلى الخلف من وراء ظهره والجزاء من جنس العمل، فكما أن هذا الرجل جعل كتاب الله وراء ظهره أعطي كتابه يوم القيامة من وراء ظهره جزاءً وفاقاً.
هذا الكتاب قد كُتب فيه ما يعمله الإنسان كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ [سورة الانفطار: ٩ - ١١] [الانفطار: ٩ - ١١]، ويقال للإنسان ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٤].
المبحث السادس: الحوض
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: الحوض، حوض النبي ﷺ ، هذا الحوض حوض واسع طوله شهر وعرضه شهر وآنيته كنجوم السماء في كثرتها وحسنها، وماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأطيب من رائحة المسك، ومن يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، ويستمد الحوض ماءه من الكوثر، وهو نهر أعطيه النبي ﷺ في الجنة يصب منه ميزابان على الحوض فيبقى الحوض دائما مملوءاً، ويرده المؤمنون من أمة الرسول ﷺ ، ويشربون منه، ويكون هذا الحوض في عرصات القيامة عند شدة الحر وتعب الناس وهمهم وغمهم، فيشربون من هذا الحوض الذي لا يظمأون بعد الشرب منه أبداً. عن عبدالله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، ماؤه أبيض من الْوَرِقِ – أي الفضة-، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، فمن شرب منها فلا يظمأ أبداً» (١).
(وزمن الحوض قبل العبور على الصراط، لأن المقام يقتضي ذلك، حيث إن الناس في حاجة إلى الشرب في عرصات القيامة قبل عبور الصراط) (٢).
стр. 56
المبحث السابع: الشفاعة
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: الشفاعة، وهي نوعان: أحدهما: خاص بالنبي ﷺ ، والثاني: عام له ولسائر النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
أما الشفاعة الخاصة بالنبي ﷺ -:
أولاً: الشفاعة العظمى التي تكون للقضاء بين الناس، وذلك أن الناس يوم القيامة يلحقهم من الكرب والهم والغم ما لا يطيقون، لأنهم يبقون خمسين ألف سنة، والشمس من فوق رؤوسهم، والعرق قد يلجم بعضهم فيجدون هماً وغماً وكرباً، فيطلبون من يشفع لهم إلى الله فينجيهم من ذلك، فيلهمهم الله أن يذهبوا إلى آدم الذي هو أبو البشر فيأتون إليه ويسألونه الشفاعة، ولكنه يعتذر بأنه عصى ربه في أكله من الشجرة التي حرم الله عليه أن يأكل منها، لأن مقام الشفاعة مقام عظيم يحتاج أن يكون الشافع فيه نزيهاً من كل شيء، لأنه شافع يريد أن يتوسط لغيره فإذا كان مذنباً كيف يمكن أن يكون شافع؟ .
فيذهب الناس إلى نوح ﵊ ويطلبون منه الشفاعة، ولكنه يعتذر بأنه سأل ما ليس له به علم، وكان قد سأل الله تعالى أن ينحي ابنه الكافر من الغرق، فيعتذر، فيأتون إلى إبراهيم خليل الرحمن ﵊، فيعتذر بأنه كذب ثلاث كذبات، فيأتون إلى موسى ﵊ بعد ذلك، فيعتذر بأنه قتل نفساً لم يؤمر بقتلها، ثم يأتون إلى عيسى ﵊ فلا يعتذر، لكنه يعترف بفضل النبي ﷺ يقول لهم: اذهبوا إلى محمد
ﷺ عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتون إلى النبي ﷺ فيطلبون منه الشفاعة، فيشفع إلى الله ، فينزل الله للقضاء بين العباد، وهذه الشفاعة تسمى الشفاعة العظمى، وهي من المقام المحمود الذي قال الله فيه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩]، فيشفع النبي ﷺ إلى الله ، فينزل الله تعالى للقضاء بين عباده ويريحهم من هذا الموقف (١).
ثانياً: من الشفاعة الخاصة بالرسول ﷺ أن يشفع لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فأهل الجنة إذا عبروا الصراط ووصلوا إلى باب الجنة وجدوه مغلقاً، فيشفع النبي ﷺ إلى الله بأن يفتح لهم باب الجنة، وقد أشار الله إلى هذه الشفاعة فقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [سورة الزمر: ٧٣]، ولم يقل: حتى إذا جاءوها فتحت، كما قال في النار: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [سورة الزمر: ٧١]، أما في أهل الجنة فقال: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾؛ لأنها لا تفتح إلا بعد الشفاعة.
ثالثاً: شفاعته ﷺ في عمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب.
стр. 57
الشفاعة العامة:
أما الذي تكون فيه الشفاعة عامة، له ولسائر النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فهي أنواع:
أولاً: الشفاعة في أهل النار من المؤمنين أن يخرجوا من النار.
ثانياً: الشفاعة فيمن استحق النار من المؤمنين أن لا يدخل النار.
ثالثاً: الشفاعة في رفع درجات بعض أهل الجنة.
رابعاً: الشفاعة فيمن استوت حسناتهم وسيئاتهم أن يدخلوا الجنة.
خامساً: الشفاعة في دخول بعض المؤمنين الجنة بلا حساب ولا عذاب (١).
ولابد للشفاعة من شروط ثلاثة، أولها: رضا الله عن الشافع، ثم رضاه عن المشفوع له، ثم إذنه، قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ [النجم: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
المبحث الثامن: الصراط
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر: الصراط، وهو عبارة عن جسر ممدود على النار يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، منهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، على حسب أعمالهم، كل من كان أسرع في الدنيا لقبول الحق والعمل به كان على الصراط أسرع عبوراً، وكلما كان الإنسان أبطأ لقبول الحق والعمل به كان على الصراط أبطأ، فيمر أهل الجنة على هذا الصراط فيعبرون، أما الكفار فلا يمرون عليه، لأنه يصار بهم إلى النار -والعياذ بالله-، فيأتونها ورداً عطاشاً.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ في وصف المرور على الصراط، قال: قال رسول الله
ﷺ : «ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون: اللهم سلم سلم، قيل: يا رسول الله! وما الجسر؟ قال: دحض مزلة (٢) فيه خطاطيف وكلاليب وحسك (٣) تكون بنجد فيها شويكة يقال لها السعدان فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق وكالريح، وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب فناج مسلم ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم» (٤).
стр. 58
المبحث: دخول الجنة أو النار
وهي آخر المراحل حيث يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار.
وهنا نصل إلى نهاية المطاف .. نهاية الرحلة الطويلة التي بدأ طرف منها على الأرض في الحياة الدنيا، واليوم تصل إلى نهايتها بعد البعث والحشر والعرض والسؤال، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [سورة الأعراف: ٢٩ - ٣٠].
هنا تكتمل الصورة، ويحق الحق، ويصل كل شيء إلى القرار. أما الذين استقاموا في حياتهم الدنيا على الطريق، فآمنوا بالله، والتزموا بأوامره وأيقنوا بيوم لقائه، فتجنبوا سخطه وسعوا إلى رضاه، وكدوا في سبيل ذلك وكدحوا، واحتملوا ما احتملوا من مشقة، وصبروا على ما لاقوا من الأذى والنصب في الطريق، فأولئك قد استحقوا رضوان الله وجنته، واستحقوا أن يصلوا إلى دار الأمان حيث لا شيء يقلق ولا شيء يخيف، ولا شيء ينغص النعيم: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦)﴾ [الدخان: ٥٦].
وأما الذين كفروا وكذبوا، وأصروا على غيهم، وخالفوا أمر ربهم ورسله واستمتعوا في الحياة الدنيا بغير حق، وكدحوا ولكن للشيطان، وفرحوا بأعمالهم الخاطئة فطغوا بها وتجبروا، فقد استحقوا أن يصلوا إلى الجحيم، حيث لا موت ولا حياة، ولا يخفف عنهم ولو يوم من العذاب.
والجنة والنار موجودتان الآن قال تعالى -في النار-: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)﴾ [آل عمران: ١٣١]، والإعداد بمعنى التهيئة، وفي الجنة قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والإعداد أيضأ بمعنى التهيئة.
وفي صحيح مسلم وغيره في قصة كسوف الشمس أن النبي ﷺ قام يصلي فعرضت عليه الجنة والنار وشاهد الجنة حتى هم أن يتناول منها عنقوداً، ثم بدا له ألا يفعل ﵊، وشاهد النار ورأى فيها عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه -يعني أمعاءه- في النار قد اندلقت من بطنه فهو يجرها -والعياذ بالله- في نار جهنم (١)، فدل ذلك على أن الجنة والنار موجودتان الآن.
стр. 59
والجنة والنار تبقيان، فالجنة تبقى أبد الآبدين، والنار تبقى أبد الآبدين، قال تعالى: ﴿(٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [سورة البينة:٧ - ٨]، وفي النار ذكر الله التأبيد في ثلاث آيات من القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [سورة النساء:١٦٨ - ١٦٩]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [سورة الأحزاب:٦٤ - ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣)﴾ [الجن:٢٣]. فالنار والجنة موجودتان الآن، وتبقيان، ولا تفنيان أبداً.
стр. 60
الفصل الرابع: آثار الإيمان باليوم الآخر في إصلاح المجتمع
الإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان، وعقيدة من عقائد الإسلام الأساسية، فإن قضية البعث في الدار الآخرة هي التي تقوم عليها بناء العقيدة بعد قضية وحدانية الله تعالى.
والإيمان بما في اليوم الآخر وعلاماته من الإيمان بالغيب الذي لا يدركه العقل، ولا سبيل لمعرفته، إلا بالنص عن طريق الوحي.
وقل أن تمر على صفحة من القرآن إلا وتجد فيها حديثاً عن اليوم الآخر، وما فيه من ثواب وعقاب.
والحياة الحقيقية في الإسلام ليست هي الحياة الدنيا القصيرة المحدودة فقط، وليست هي عمر الإنسان القصير المحدود فقط.
إن الحياة في الحقيقة في الإسلام تمتد طولاً في الزمان إلى أبد الآباد، وتمتدُّ في المكان إلى دار أخرى في جنة عرضها السموات والأرض، أو نار تتسع لكثير من الأجيال التي عمرت وجه الأرض أحقاباً من السنين.
قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ [ق: ٣٠].
وللإيمان باليوم الآخر أهمية بالغة في حياة الإنسان وآثار عميقة، ونستطيع أن نفهم على ضوء هذه الحقيقة أن القرآن ربط في كثير من المواضع بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٤]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [الطلاق: ٢]، فالإيمان باليوم الآخر يرتبط بالإيمان بالله مباشرة.
إن الإيمان بالله واليوم الآخر وما فيه من ثواب وعقاب هو الموجه الحقيقي لسلوك الإنسان سبيل الخير، وليس هناك أي قانون من قوانين البشر يستطيع أن يجعل سلوك الإنسان سوياً مستقيماً كما يصنعه الإيمان باليوم الآخر.
ولهذا، فإن هناك فرقاً كبيراً وبوناً شاسعاً بين سلوك من يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن الأعمال الصالحة زاد الآخرة، كما قال الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧].
стр. 61
فالمصدّق بيوم الدين؛ يعمل وهو ناظر لميزان السماء لا لميزان الأرض، ولحساب الآخرة لا لحساب الدنيا، له سلوك فريد في الحياة، نرى فيه الاستقامة، وسعة التصور، وقوة الإيمان، والثبات في الشدائد، والصبر على المصائب، ابتغاء للأجر والثواب، فهو يعلم أن ما عند الله خير وأبقى.
روى الإمام مسلم عن صهيب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء، شکر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء، صبر، فكان خيراً له .. » (١).
هذا الشعور هو من آثار الإيمان بالله واليوم الآخر، والإحساس بثقل التّبعة، وعظم الأمانة، التي تحمّلها الإنسان وأشفقت منها السموات والأرض والجبال، إذ يعلم أن كل كبيرة وصغيرة مسؤول عنها، ومحاسب بها، ومجازي عليها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران:٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ [الكهف:٤٩]
وأما الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء، فهو يحاول جاهداً أن يحقق مآربه في الحياة الدنيا، لاهثاً وراء متعها، متكالباً على جمعها، مناعاً للخير أن يصل الناس عن طريقه، قد جعل الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، فهو يقيس الأمور بمنفعته الخاصة، لا يهمه غيره، ولا يلتفت إلى بني جنسه، إلا في حدود ما يحقق النفع له في هذه الحياة القصيرة المحدودة، يتحرك وحدوده هي الأرض وحدود هذا العمر، ومن ثم يتغير حسابه، وتختلف نتائج موازينه، وينتهي إلى نتائج خاطئة، لأنه مستبعد للبعث ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦)﴾ [سورة القيامة:٥ - ٦].
وتجد هذا الصنف من الناس من أشد الناس حرصاً على الحياة، لأنهم لا يؤمنون بالبعث بعد الموت، كما قال تعالى في وصف المشركين من اليهود وغيرهم: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [البقرة:٩٦].
стр. 62
فالمشرك لا يرجو بعثاً بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، واليهودي قد عرف ماله في الآخرة من الخزي، بما صنع بما عنده من العلم (١)، فهذا الجنس وما شاكله هم شر الناس، فتجده ينتشر بينهم: الجشع، والطمع، وقهر الشعوب، واستعبادهم، وسلب ثرواتهم، حرصاً منهم على التمتع بلذات الحياة الدنيا، ولهذا يظهر بينهم الانحلال الخلقي، والسلوك البهيمي.
وهم إذا رأوا الحياة الدنيا تربو متاعبها وآلامها على ما يأملون من لذات عاجلة، لم يكن لديهم أي مانع من الإقدام على الموت، فهم لا يقدرون مسؤولية في حياة أخرى، فليس لديهم ما يمنع من إقدامهم على التخلّص من هذه الحياة.
من أجل هذا اهتم الإسلام وجاء التأكيد في القرآن على قضية الإيمان باليوم الآخر، وإثبات البعث والحساب والجزاء، فأنكر على الجاهلين استبعادهم له، وأمر نبيه أن يقسم على أنه حق: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن:٧]، وذكر من أحوال يوم القيامة وما أعده لعباده المتقين من ثواب، وما أعده للعاصين من عقاب، ولفت نظر الجاحدين له إلى دلائل حقيّته، استئصالاً للشك من النفوس، وحتى يضع الناس نصب أعينهم هذا اليوم وما فيه من أهوال تقشعر لها الأبدان، ليستقيم سلوكهم في هذه الحياة، بأتباع الدين الحق الذي جاءهم به رسولهم ﷺ ) (٢).
إن الإيمان الصحيح بالله وبكل ما جاء عن الله. والإيمان برسول الله وبكل ما جاء عن رسول الله له ثمرات. ثمرات يانعه، ثمرات طيبة لذيذة.
ثمرات هي بهجة النفوس وغذاء الأروح، وطمأنينة القلب. فمنها قول لا إله إلا الله محمد رسول الله عن علم ويقين وصدق وإخلاص ومحبة وقبول وانقياد.
ومن ثمرات الإيمان والتصديق فعل جميع الواجبات وترك جميع المحرمات. والحكم بقوانين الشريعة الإسلامية، وإبعاد القوانين الوضعية.
ومن الثمرات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والوفاء بالعهود والمواثيق، وأداء الأمانات، والتحلي بالصبر والصدق، والبر والإحسان، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، ومحبة المؤمنين وبغض الكافرين، والتقوى واليقين وخشية رب العالمين، وإيفاء المكاييل والموازين، والنصح لله ولرسوله ولعباده ولأئمة المسلمين، والشفقة والعطف والرحمة بالفقراء والأيتام والمساكين، والزهد والورع، وصدق المعاملة مع الله، وبذل الندى وكف الأذى، كل ذلك من ثمرات الإيمان والتصديق.
стр. 63
فما الذي جعل المسلمين يتحملون الأذى ويصبرون على البلاء؟ إنه الإيمان بالله تعالى وباليوم الآخر، الإيمان الذي نبعه من صميم القلوب.
ومن ثمرات الإيمان أن الله تعالى يتولى المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)﴾ [آل عمران:٦٨]، ومن تولاه الله فهو سعيد في الدنيا والآخرة.
ومن ثمرات الإيمان ما أخبر الله به عن عباده المؤمنين قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ [سورة الذاريات:١٥ - ١٩].
ومن ثمرات الإيمان الرغبة في فعل الطاعة والحرص عليها رجاء لثواب ذلك اليوم.
ومن ثمرات الإيمان الرهبة من فعل المعصية والرضى بها والبعد عن المحرمات وجميع المنكرات خوفاً من عقاب ذلك اليوم.
ومن ثمرات الإيمان تسلية المؤمن عما يفوته من الدنيا بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها (١).
ومن ثمرات الإيمان أن ملائكة الرحمن يدعون ويستغفرون للمؤمنين، قال تعالى: ﴿يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر:٧] (٢)، وغيرها من الثمرات.
стр. 64
الخاتمة
وبعد فقد تبين لنا من خلال هذا البحث، أن الأساس الذي يقوم عليه صلاح الفرد الذي هو لبنة المجتمع هو العقيدة الصحيحة والإيمان الراسخ بالله تعالى وما يتبع ذلك من الإيمان بالبعث والجزاء على الأعمال التي وقعت من المكلفين في هذه الحياة، ذلك أن الإيمان باليوم الآخر له أهمية في صلاح المجتمعات، واستقرار أحوالها، فإنه لا سعادة لمجتمع لا يؤمن أفراده باليوم الآخر ويوم الجزاء والحساب.
وقد أوضح القرآن الكريم أن وجود هذا الإنسان على هذه الأرض ليس عبثاً، وإنما أوجده الله تعالى لغاية وحكمة، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥] أي ليس الأمر كذلك، بل هناك هدف، وهناك غاية لهذه الحياة، فلا بد أن يكون بعد الرحلة لهذا الإنسان في هذه الحياة الدنيا من الرجوع إلى الله تعالى، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [سورة الحج: ٥ - ٧].
وأنه يجب على المؤمن أن يسلم ويؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة من الأمور الغيبية.
وأن العقل والفطرة السليمة تدلان على وقوع البعث والنشور.
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 65
فهرس المصادر والمراجع
١ - أركان الإيمان، لابن عثيمين، ط. الأولى، دار المسلم، الرياض، ١٤١٣ هـ.
٢ - أشراط الساعة، يوسف الوابل، ط. الثانية، دار ابن الجوزي، الدمام، ١٤١١ هـ.
٣ - الإيمان بالملائكة وأثاره في حياة الأمة، صالح الفوزان، ط. الأولى، دار العاصمة، الرياض، ١٤١٣ هـ.
٤ - الإيمان باليوم الآخر وبالقضاء والقدر، أحمد عز الدين البيانوني، ط. الثانية، دار السلام، ١٤٠٥ هـ.
٥ - البداية والنهاية لابن كثير، تحقيق: أحمد أبو ملحم، ط. الثالثة، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٧ هـ. وطبعة أخرى: البداية والنهاية لابن كثير، مكتبة المعارف، بيروت.
٦ - التذكرة للقرطبي، ط. الأولى، دار الريان للتراث، القاهرة، ١٤٠٧ هـ.
٧ - تفسير القرآن العظيم لابن كثير، تقديم: الدكتور يوسف المرعشلي، ط. الثانية، دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٧ هـ.
٨ - تقريب التهذيب لابن حجر، بعناية: عادل مرشد، ط. الأولى، موسسة الرسالة، بيروت ١٤١٦ هـ.
٩ - التنبيهات اللطيفة على ما احتوت العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة، ابن سعدي، ط. الأولى، ضبط وتخريج: علي حسن عبدالحميد، دار ابن القيم، الدمام، ١٤٠٩ هـ.
١٠ - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، تصحيح: أحمد عبدالعليم البردوني، ط. الثانية.
١١ - سلسلة الأحاديث الصحيحة، الألباني، ط. الرابعة، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠٨ هـ.
١٢ - سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة، الألباني ط. الخامسة، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٥ هـ.
١٣ - شرح أصول الإيمان، ابن عثيمين، ط. الأولى، دار الوطن، الرياض، ١٤١٠ هـ.
١٤ - شرح الأصول الثلاثة للشيخ ابن عثيمين، إعداد: فهد السليمان، ط. الأولى، دار الثريا، الرياض، ١٤١٤ هـ.
١٥ - شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين، ط. الثانية، دار ابن الجوزي، الدمام، ١٤١٥ هـ.
١٦ - صحيح الجامع الصغير وزيادته، الألباني، ط. الثانية، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٦ هـ.
١٧ - صحيح سنن ابن ماجه، الألباني، ط. الثانية، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ١٤٠٨ هـ.
١٨ - صحيح سنن أبي داود، الألباني، ط. الأولى، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ١٤٠٩ هـ.
١٩ - صحيح سنن الترمذي، الألباني، ط. الأولى، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ١٤٠٨ هـ.
٢٠ - صحيح مسلم بشرح النووي، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٧ هـ.
٢١ - عالم الغيب والشهادة في التصور الإسلامي، عثمان جمعة ضميريه، ط. الأولى، مكتبة السوادي، جدة، ١٤٠٨ هـ.
стр. 66
٢٢ - العقيدة الطحاوية شرح ابن أبي العز، تحقيق: التركي والأرنؤوط، ط. الأولى، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٨ هـ.
٢٣ - عقيدة المسلمين والرد على الملحدين، تأليف: صالح البليهي، ط. الأولى، المطابع الأهلية، الرياض، ١٤٠١ هـ.
٢٤ - فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر، بتعليق: الشيخ عبدالعزيز بن باز، دار الفكر.
٢٥ - الفتوى الحموية لابن تيمية، تقديم: محمد حمزة، مطبعة المدني، مصر.
٢٦ - القاموس المحيط للفيروزآبادي، ضبط وتوثيق: يوسف الشيخ محمد البقاعي، دار الفكر، بيروت ١٤١٥ هـ.
٢٧ - القواعد الحسان في تفسير القرآن، ابن سعدي.
٢٨ - لسان العرب لابن منظور، تحقيق: عبدالله علي الكبير، دار المعارف.
٢٩ - مجمع الزوائد للهيثمي، تحقيق: عبدالله الدرويش، دار الفكر، بيروت، ١٤١٤ هـ.
٣٠ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمة، جمع: عبدالرحمن بن قاسم، مكتبة ابن تيمية، مصر.
٣١ - مسند الإمام أحمد، تحقيق: أحمد شاكر، دار المعارف، مصر، ١٣٩٢ هـ.
٣٢ - معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، لحافظ الحكمي، تحقيق: عمر محمود أبوعمر، ط. الثالثة، دار ابن القيم، ١٤١٤ هـ.
٣٣ - منهج القرآن في الدعوة إلى الإيمان، علي الفقيهي، ط. الأولى، ١٤٠٥ هـ.
٣٤ - النكت على نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر، لابن حجر، بقلم: علي حسن عبدالحميد، ط. الأولى، دار ابن الجوزي، الدمام، ١٤١٣ هـ.
٣٥ - النهاية في الفتن و الملاحم، لابن كثير، ضبط وتصحيح: أحمد عبد الشافي، ط. الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٧ هـ.
٣٦ - النهاية في غريب الحديث، لابن الأثير، تعليق: صلاح عويطة، ط. الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٨ هـ.
٣٧ - اليوم الآخر - القيامة الصغرى، عمر الأشقر، ط. السادسة، دار النفائس، الأردن، ١٤١٥ هـ.
٣٨ - اليوم الآخر - القيامة الكبرى، عمر الأشقر، ط. السادسة، دار النفائس، الأردن، ١٤١٥ هـ.