← Адаб

Адаб · id 5351

نور الطرف ونور الظرف

الحصري القيرواني

Полный текст (55 стр.). Показаны 36–55 · переход к 41.

стр. 36

تعنت بالمسواك أبيض صافياً ... تكاد عذارى الدر منه تحدر وما سر عيدان الراك بريقها ... تأودها في أيكها تتهصر لئن عدمت سقيا الثرى إن ريقها ... لأعذب من هاتيك سقياً وأخصر وما ذقته إلا بشيم ابتسامها ... وكم مخبر يبديه للعين منظر بدا لي وميض شاهد أن صوبه ... غريض وما عندي سوى ذاك مخبر ولا عيب فيها غير أن ضجيعها ... إن لم تصبه الساهرية يسهر تذود الكرى عنه بنشر كأنما ... تضوعه مسك ذكي وعنبر وما تعتريها آفة بشرية ... من النوم إلا أنها تتحير وغير عجيب طيب أنفاس روضة ... منورة باتت تراح وتمطر كذلك أنفاس الرياض بسحرة ... تطيب وأنفاس الورى تتغير وقال: ألا ربما سؤت الغيور وساءني ... وبات كلانا من أخيه على وحر وقبلت أفواهاً عذاباً كأنها ... ينابيع خمر حصبت لؤلؤ النحر وقال أيضاً تعلك ريقاً يطرد النوم برده ... ويشفي القلوب الحائمات الصواديا وهل ثغب حصباؤه مثل ثغرها ... يصادف إلا طيب الطعم صافيا وقال ابن المعتز بالله: بأبي خليلاً كنت أعهده ... [لي] واصلاً فأزور جانبه عبق الكلام بمسكةٍ نفحت ... من فيه ترضي من يعاتبه وقال ابن الرومي: يا رب ريق بات بدر الدجى ... يمجه بين ثناياكا يروي ولا ينهاك عن شربه ... والماء يرويك وينهاكا وقال ابن وكيع: ريق إذا ما ازددت من شربه ... رياً ثناني الري ظمآنا كالخمر أروى ما يكون الفتى ... من شربها أعطش ما كانا وقال ابن الرومي يصف نساء: إذا لبسن خلاخلاً ... أكذبن أسماء الخلاخل تأبى تخلخلهن سو ... ق مرجحنات خوادل وقال غيره: استكتمت خلخالها ومشت ... تحت الظلام به فما نطقا حتى إذا ريح الصبا نسمت ... ملأ العبير بسرها الطرقا وأنشد أبو الحسين أحمد بن فارس في مثل هذا [المعنى] : رب قول من سعاد لنا ... قد حفظناه وقد نفعا أملي لا تأت في قمر ... لحديث وراقب الدرعا وتوق الطيب ليلتنا ... إنه واش إذا سطعا وقال ابن الرومي: صدورهن فوقهن حقاق عاج ... ودر زانه حسن اتساق يقول القائلون إذا رأوها ... أهذا الدر من هذي الحقاق [وما تلك الحقاق سوى ثدي ... قدرن من الحقاق على وفاق] [نواهد لا يعد لهن عيب ... سوى بعد المحب من العناق] أخذه من قول عبد الله بن أبي السمط: كأن الثدي إذا ما بدت ... وزان العقود بهن النحورا حقاق من العاج مكنونة ... حملن من الدر شيئاً يسيرا ولأهل العصر في أوصاف النساء: هي روضة الحسن، وضرة الشمس، وبدر الأرض، بدر التم يضيء تحت نقابها، وغصن البان يهتز تحت ثيابها، لها ثغر كالدر يجمع الضريب والضرب. أعلاها كالغصن ميال، وأسفلها كالدعص منهال، لها عنق كإبريق اللجين، وسرة كمدهن العاج. نطاقها مجدب، وإزارها مخصب، مطلع الشمس من وجهها، [ومنبت الدر من فيها، وملتقط الورد من خدها] ، ومنبع السحر من طرفها، ومبادئ الليل من شعرها، ومغرس الغصن في قدها، ومهيل الرمل في ردفها. وكتب الأمير عبيد الله بن أحمد الميكالي إلى أبي القاسم الداودي جواباً عن كتاب ورد عليه، منه:

стр. 37

وقفت على ما أتحفني به الشيخ: من نظمه الرائق البديع، وخطه المزري بزهر الربيع، موشحاً بغرر ألفاظه التي لو أعيرت حليها لعطلت قلائد النحور، وأبكار معانيه التي لو قسمت حلاوتها لأعذبت موارد البحور، فسرحت طرفي منها في رياض جلتها سحائب العلوم والحكم، وهب عليها نسيم الفضل والكرم، وابتسمت عنها ثغور المعالي والهمم، ولم أدر وقد حيرتني أصنافها، وبهرتني نعومتها وأوصافها، حتى كستني اهتزازاً وإعجاباً، فأنشأت بيني وبني التماسك ستراً وحجاباً، أدهتني بها نشوة راح؟ أم ازدهتني لها نخوة ارتياح؟ وانتظم عندي منها عقد ثناء وقريض؟ أم قرع سمعي بها غناء "معبد" و"غريض" وكيفما كان فقد حوى رتبة الإعجاز والإبداع، وأصبح نزهة القلوب والأسماع، فما من جارحة [إلا] وهي تود لو كانت أذناً تلتقط درره وجواهره، أو عيناً تجتلي مطالعه ومناظره أو لساناً يدرس محاسنه ومفاخره. وله إلى أبي منصور بن عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي كتابي وأنا أشكو إليك شوقاً لو عالجه الأعرابي لما صبا إلى رمل عالج، أو كابده الخلي لانثنى على كبد ذات حرق ولواعج، وأذم زماناً يفرق فلا يحسن جمعاً، ويخرق ولا ينوي رقعاً، ويوجع القلوب بتفريق شمل ذوي الوداد، ثم يبخل عليها بما يشفي غليل الصدر والأكباد، قاسي القلب فلا يلين لاستعطاف، جائر الحكم فلا يميل إلى إنصاف، وكم استعدي على صرفه وأستنجد، وأتلظى غيظاً عليه وانشد: متى وعسى يثني الزمان عنانه ... بعثرة حال والزمان عثور فتدرك آمال وتقضي مآرب ... وتحدث من بعد الأمور أمور وكلا، فما على الدهر عتب، ولا له إلى أهله ذنب، وإنما هي أقدار تجري كما شاء مجريها، وتنفذ كالسهام إلى مراميها، فهي تدور بالمكروه والمحبوب، على الحكم المقدور [و] المكتوب، لا على شهوات النفوس، وإرادات القلوب، وإذا أراد الله تعالى أذن في تقريب النازح وتسهيل الصعب الجامح، فيعود الأنس بلقاء الإخوان كأتم ما لم يزل معهوداً، ويجدد للمذاكرة والمؤانسة رسوماً وعهوداً، إنه لقادر عليه، والملي به. وزار أبا منصور الثعالبي، فكتب إليه أبو منصور بقوله: لا زال مجدك للسماك رسيلاً ... وعلو جدك بالخلود كفيلا يا غرة الزمن البهيم إذا غدا ... هذا الورى لزمانهم تحجيلا يا زائراً مدت بدائع فضله ... ظلاً علي من الجمال ظليلا وأتت بصوب جواهر من لفظه ... حتى انتظمن لمفرقي إكليلا بأبي وغير أبي هلال نوره ... يستعجل التسبيح والتهليلا نقشت حوافر طرفه في عرصتي ... نقشاً محوت رسومه تقبيلا ولو استطعت فرشت مسقط خطوه ... بعيون عين لا ترى التكحيلا ونثرت روحي بعد ما ملكت يدي ... وخررت بين يدي هواه قتيلا وأبو منصور قريع دهره، وفريد عصره، وله مصنفات كتب في العلم والأدب، تشهد له بأعلى الرتب، وكل ما أحكيه من ألفاظ أهل العصر غير منسوب إلى قائله، فمستخرج من تأليفه، مأخوذ من تصنيفه، وفيه يقول [أبوالفتح] البستي: قلبي رهين بنيسابور عند أخ ... ما مثله حين تستقرى البلاد أخ له صحائف أخلاق مهذبة ... منها الحجى والعلا والظرف ينتسخ ومن مليح شعر [أبي الفضل] الميكالي قوله: أقول لشادن في الحسن فرد ... يصيد بلحظه قلب الكمي ملكت الحسن أجمع في نظام ... فأد زكاة منظرك البهي وذلك أن تجود لمستهام ... برشف من مقبلك الشهي فقال أبو حنيفة لي إمام ... وعندي لا زكاة على الصبي [فإن تك مالكي الرأي أو من ... يرى رأي الإمام الشافعي] [فلا تك طالباً مني زكاة ... فإخراج الزكاة على الولي] ومن أشعاره الفقهية قوله: بنفسي غزال صار للحسن قبلة ... تحج من الفج العميق وتقصد دعاني الهوى فيه فلبيت طائعاً ... وأهللت بالإخلاص والسعي يشهد فطرفي بالتسهيد والدمع قارن ... وقلبي فيه بالصبابة مفرد وقال أبو الفتح كشاجم: فديت زائرة في العيد واصلة ... والهجر في غفلة عن ذلك الخبر فلم يزل خدها ركناً أطوف به ... والخال في خدها في موضع الحجر

стр. 38

وقال عمر بن علي المطوعي: أراد الأمير السيد أبو الفضل عبيد الله بن أحمد، أدام الله فضله، أيام مقامه "بجوين" أن يطلع إلى قرية من قرى ضياعه تدعى "تجاب"، على سبيل التنزه والتفرج، وكنت من جملة من استصحبه إليها، واتفق أنا وصلنا والسماء مصحية، والجو صاف، ولم يطرز ثوبه بعلم الغمام، والأفق فيروزج لم يعبق به كافور السحاب، فوقع الاختيار على ظل شجرة باسقة الفروع، متسقة الأوراق والغصون، قد سترت ما حولها من الأرض طولاً وعرضاً، فنزلنا تحتها مستظلين بسماوة أفنانها، مستترين من وهج الشمس بستارة أغصانها، وأقبلنا نتجاذب أذيال المذاكرة، ونتسالب أهداب المناشدة والمحاورة، فما شعرنا إلا بالسماء قد أرعدت وأبرقت، وأظلمت بعدما أشرقت، وجادت بمطر كأفواه القرب، فأجادت، وحكت أنامل الأجواد وأعين العشاق، بل أربت عليها وزادت، حتى كاد غيثها أن يعود عيثا، وهم وبلها [أن] يستحيل وبالاً، فصبرنا على أذاها، وقلنا: "سحابة صيف عن قريب تقشع"، فإذا نحن بها قد أمطرتنا برداً كالثغور، لكنها ثغور العذاب، لا من ثغور العذاب، فأيقنا البلاء وسلمنا لأسباب القضاء، فما مرت غلا ساعة من النهار حتى سمعنا خرير الأنهار، ورأينا السيل قد بلغ الزبى، والماء قد بلغ القيعان والربا. فملنا إلى حصن القرية لائذين من السيل بأفنيتها، عائذين من القطر بأبنيتها، وأثوابنا قد صندل كافوريها ماء الوبل، وغلف طرازيها طين الوحل، ونحن نحمد الله على سلامة الأبدان، وإن فقدنا بياض الأكمام والأردان، ونشكره على نجاة الأنفس والرواح، شكر التاجر على بقاء رأس المال إذا فجع بالأرباح، فبتنا تلك الليلة في سماء تكف ولا تكف، وتبكي إلى الصباح بأدمع هوام، وأربعة سجام، فلما سل سيف الصبح من غمد الظلام، وصرف بوالي الصحو عامل الغمام، رأينا صواب الرأي أن نوسع الإقامة [بها] رفضاً ونتخذ الارتحال فرضاً، فما زلنا نطوي الصحاري أرضاً فأرضاً، إلى أن وافينا المستقر ركضاً، فلما نفضنا غبار ذلك المسير، الذي جمعنا في ربقة الأسير، وأفضينا معه إلى ساعة التيسير، بعدما صلينا منه [بالأمس] بالأمر [الصعب] العسير، وتذاكرنا ما لقينا من التعب والمشقة، وفي قطع ذلك الطريق، وطي تلك الشقة، أخذ [مولانا] الأمير القلم فعلق [هذه الأبيات] ارتجالاً: دهتنا السحاب غداة التجاب ... بغيم على أفقه مسبل فجاء برعد له رنة ... كرنة ثكلى ولم يثكل وثنى بوبل عدا طوره ... فعاد وبالاً على الممحل وأشرف أصحابنا من أذاه ... على خطر هائل معضل فمن لائذ بفناء الجدار ... وآو إلى نفق مهمل ومن مستجير ينادي: الغريق ... هناك، ومن صارخ معول وجادت علينا سماء السقوف ... بدمع من الوجد لم يهمل كأن حراماً لها أن ترى ... يبيساً من الأرض لم يبلل وأقبل سيل له روعة ... فأدبر كل من المقبل يقلع ما شاء من دوحة ... وما يلق من صخرة يحمل كأن بأحشائه إذ بدا ... أجنة حمل ولم يحبل فمن عامر رده غامراً ... ومن معلم عاد كالمجهل كفانا بليته ربنا ... وقد وجب الشكر للمفضل فقل للسماء ارعدي وابرقي ... فإنا رجعنا إلى المنزل أخذ المطوعي قوله: "فلما سل سيف الصبح من غمد الظلام" من قول أبي الفتح البستي: رب ليل أغمد الأنوار إلا ... نور ثغر أو مدام أو ندام قد نعمنا بدياجيه إلى أن ... سل سيف الصبح من غمد الظلام وقوله "كاد غيثها يعود عيثا" من قوله [أيضاً] : لا ترج شيئاً خالصاً نفعه ... فالغيث لا يخلو من العيث وقال الميكالي في بركة وقع عليها شعاع الشمس فألقته على بهو مطل عليها: أما ترى البركة الغراء قد لبست ... نوراً من الشمس في حافاتها سطعا والبهو من فوقها يلهيك منظره ... كأنه ملك في دسته ارتفعا والماء من تحتها ألقى الشعاع على ... أعلى سماوته فارتج ملتمعا كأنه السيف مصقولاً تقلبه ... كف الكمي إلى ضرب الكمي سعى ومن ظريف ما [في] وصف الماء قول ابن المعتز بالله، وذكر إبلاً: فتبدى لهن بالنجف المقفر ماء صافي الجمام عري يتمشى على حصى يسلب الما ... ء قذاه فمتنه مجلي

стр. 39

وإذا ضاحكته ذرة شمس ... خلته كسرت عليه الحلي وقال يصف منزلاً: لا مثل منزلة الدويرة منزل ... يا دار جادك وابل وسقاك بؤساً لدهر غيرتك صروفه ... لم يمح في قلبي الهوى ومحاك لم يحل للعينين بعدك منظر ... ذم المنازل كلهن سواك أي المعاهد منك أندبل طيبه ... ممساك ذا الآصال أم مغداك أم برد ظلك ذي الغصون ذوي الندى ... أم أرضك الميثاء أم رياك وكأنما سطعت مجامر عنبر ... أوفت فأر المسك فوق ثراك وكأنما أيدي الربيع ضحية ... نشرت ثياب الوشي فوق رباك كأن درعاً مفرغاً من فضة ... ماء الغدير جرت عليه صباك وقال ابن الرومي: وماء جلت عن حر صفحته القذى ... من الريح معطار الأصائل والبكر به عبق مما تسحب فوقه ... نسيم الصبا يجري على النور والزهر وقال أبو بكر أحمد بن محمد الضبي الصنوبري: سقى حلباً سافك دمعه ... بطيء الرقوء إذا ما سفك ميادينها بسطهن الرياض ... وساحاتها وسطهن البرك ترى الريح تنسج من مائها ... دروعاً مضاعفة أو شبك كأن الزجاج عليها أذيب ... وماء اللجين بها قد سبك هي الجو في رقة غير أن ... مكان الطيور تطير السمك وقد نظم الزهر نظم النجوم ... فمفترق النظم أو مشتبك كما درج الماء مر الصبا ... ودبج وجه السماء الحبك يباهين أعلام قمص القيان ... ونقش عصائبها والتكك وقال أيضاً: ولقد طربت إلى الفرا ... ت بكل ذي كرم ومجد والشمس عند غروبها ... صفراء مذهبة الفرند والماء حاشيتاه خض? ... راوان من آس ورند تحبوه أيدي الريح إن ... هبت على قرب وبعد بطرائق من فضة ... وطرائق من لازورد والسفن كالطير انبرت ... في الجو من مثنى وفرد حتى إذا جزر الفرا ... ت مضى وأعقبه بمد ألفيته وكأنه ... ملقى عليه رداء ورد متململاً كالصب أو ... ذن من أحبته بصد وكأن ما يخشاه ما ... بحشاي من قلق ووجد وقال يصف دجلة، وقد طرحت النجوم والبدر أجرامها عليها: ولما تعالى البدر وامتد ضوؤه ... بدجلة في تشرين بالطول والعرض وقد قابل الماء المفضض نوره ... وبعض نجوم الليل يقفو سنى بعض توهم ذو العين البصيرة أنه ... يرى باطن الأفلاك من ظاهر الأرض ولأهل العصر في هذه المعاني: قال ابن وكيع التنيسي: خذها بكفي فاتر الجفون ... مدامة كدمعة المحزون على غدير أملس المتون ... مثل فرند الصارم المسنون أمواجه كعكن البطون ... ذي زردٍ كالؤلؤ الموضون كسلخ إيم أو كمسك نون وقال [أيضاً] غدير يدرج أمواهه ... هبوب الشمال ومر الصبا إذا الشمس من فوقه أشرقت ... توهمته جوشناً مذهبا وقال أيضاً: سقاني كأس الراح شاطئ جدول ... تداريجه يحكين بطنا معكنا إذا صافحته راحة الريح خلته ... بتكسيرها إياه ثوباً معينا وقال علي بن محمد الإيادي التونسي يصف دار البحر: ولما استطال المجد واستولت البنى ... على النجم وامتد الرواق المروق بنى قبة للملك في وسط جنة ... لها منظر يزهي به الطرف موتق بمعشوقة الساحات أما غراسها ... فحضر وأما طيرها فهي نطق تحف بقصر ذي قصور كأنما ... ترى البحر في أحشائه وهو متأق لها بركة للماء ملء فضائه ... تخب بقطريها العيون وتعنق لها جدول فيها كأنه ... حسام جلاه القين بالأرض ملتصق لها مجلس قد قام وسط مائها ... كما قام في فيض الفرات الخورنق كأن صفاء الماء فيها وحسنه ... زجاج صفت أحشاؤه فهو أزرق إذا بث الليل أشخاص نجمه ... رأيت وجوه الماء بالنار تحرق وإن صافحتها الشمس لاحت كأنها ... فرند على تاج المعز رونق كأن شرافات المقاصير حولها ... عذارى عليهن الملاء المنطق يذوب الجفاء الجعد عن وجه مائها ... كما ذاب آل الصحصحان المرقرق وقال عبد الكريم ابن إبراهيم النهشلي:

стр. 40

يا رب فتيان صدق رحت بينهم ... والشمس كالدنف المشغوف في الأفق ومرضة أصائلها حسرى شمائلها ... تروح الغصن الممطور في الورق معاطياً شمس إبريق إذا مزجت ... تقلدت عقد مرجان من النزق عن ماحل طافح بالماء معتلج ... كأن نقيته صيغت من الحدق تضمه الريح أحياناً وتفرقه ... فالماء ما بين محبوس ومنطلق من أخضر ناضر والطل يلحقه ... وأبيض تحت قبطي الضحى يقق تهزه الريح أحياناً فيمنحها ... للزجر خفق الفؤاد العاشق القلق كأن حافاته نطقن من زبد ... مناطقاً رصعت من لؤلؤ نسق كأن قبته في سندس نمط ... حسناء مجلوة اللبات والعنق إذا تبلج فجر زرقتها ... حسبته فرساً دهماء في بلق أو لازورداً غدا في متنه ذهب ... فلاح في شارق مت مائه شرق عشية كملت حسناً وأسعدها ... ليل يمدد أطناباً على الأفق تجلى بغرة وضاح الجبين له ... ما شئت من حسب زاك ومن خلق قال محمد بن مخلد الكاتب: لزمت أبا الحسن علي بن محمد بن الفران، أغدوا وأروح إلى بابه لأحظى بطائل، ولا أصل إلى تصريف ولا نائل، حتى برمت نفسي، فرأيت هاتفاً في المنام يقول لي: يا أيها المكثر في المطالب ... اهجر تصاريف المنى الكواذب إذا أتى وقت القضاء الغالب ... بادرت الحاجات كف الطالب فتركت المصير إليه، فلم يمض إلا أسبوع حتى تقلد أبو محمد حامد بن العباس الوزارة فقلدني خلافته، فتابت نفسي، وثابت حالي. قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري: أنشدني إسماعيل بن إسحاق القاضي هذه الأبيات: لا تعتبن على النوائب ... فالدهر يرغم كل عاتب واصبر على حدثانه ... إن الأمور لها عواقب ولكل صافية قذى ... ولكل خالصة شوائب والدهر أولى ما صبر ... ت له على رنق المشارب كم فرحة مطوية ... لك بين أثناء النوائب ومسرة قد أقبلت ... من حيث تنتظر المصائب قال القاضي: ما عرض لي هم فادح، فذكرت هذه البيات إلا رجوت من روح الله [من الفرج] ما يفك عقالي، وينعم بالي، ثم تزول عاقبة ما أحذره إلى فاتحة ما أوثره. كتب بديع الزمان إلى شمس المعالي، وقد شاقه حضرته: لم تزل الآمال أطال الله بقاء مولاي الأمير السيد شمس المعالي وأدام سلطانه تعدني هذا اليوم، والأيام تمطلني بألسنة صروفها على اختلاف صنوفها، بين حلو استخفني، ومر أشرقني، وشر صار إلي، وخير صرت إليه، وأنا في خلال هذه الأحوال أرتع الآفاق، فأكون مشرقاً للمشرق الأقصى، وطوراً مغرباً للمغرب، ولا مطمع إلا في حضرته الرفيعة، وسدته المنيعة، ولا وسيلة إلا المنزع الشاسع، والأمل الواسع، وقد صرت أطال الله بقاء مولانا، بين أنياب النوائب، وتجشمت هول الموارد والمطالب، وركبت أكناف المكاره، ورضعت أخلاف العوائق، ومسحت أطراف المراحل، حتى حضرت الحضرة البهية أو كدت، وبلغت الأمنية أو زدت، وللأمير السيد في الإصغاء إلى المجد، والبسط من عنان الفضل بتمكين خادمه من المجلس يلقاه بيده، والبساط يلثمه بفمه الرأي العالي إن شاء الله تعالى.

стр. 41

وله إلى سهل بن محمد بن سليمان يسأله عن حاجة بعد انقطاعه عنه: أنا إذا طويت اليوم عن خدمة مولاي أطال الله بقاءه لم أرفع بصري، ولم أعده من عمري، وكأني به إذا أغفلت عن مفروض خدمته، من قصد حضرته، والمثول في جملة حاشيته، وحملة غاشيته، يقول: إن هذا الجائع لما شبع وتمشيع، وتجلل وتبرقع، تربع وترفع، فما يطور بهذا الجناب، ولا يظهر بهذا الباب، وأنا الرجل الذي آواه من قفر، وأغناه من فقر، وآمنه من خوف، إذ لا حر بوادي عوف، حتى إذا وردت رقعتي عليه هذه، وأعارها طرف كرمه، وظرف شيمه، ونظر في عنوانها في اسمي، قال: بعداً وسحقاً، وسباً وتباً، وحتاً ونحتاً، وطعناً ولعناً، فما أكدر شراب أخلاقه، وأكثر سراب نفاقه، والآن انحل من عقدته، وانتبه إلى رقدته، وكاتبني يستعيدني، كلا لا أزوجه الرضى ولا كرامة، ولا أمنحه المنى ولا قلامة، سأدعه [يركب رأسه، فستأتيني به] الليالي والكيس الخالي، ثم أزنه بميزان قدره، وأذيقه وبال أمره، حتى إذا بلغ موضع الحاجة قال: مأربة به لا حفاوة، ووطر ساقه لا نزاع شاقه، وهذا هذاء، أنا لا أبعد عن تلك الهمم العالية، والأخلاق السامية، أن يقول: مرحباً بالرقعة وكاتبها، وأهلاً بالمخاطبة وصاحبها، وحاجتي الرقعة التي سالت إلى ما التمست، بما طلبت كما اقترحت، فرأيه فيها موفقاً إن شاء الله تعالى. وكتب إلى مستمنح عاوده مراراً: مثل الإنسان في الإنسان مثل الأشجار في الإثمار، سبيل من أتى بالحسنة، أن يرفه إلى السنة وأنا كما ذكرت لا أملك غير عضوين من جسدي، وهما فؤادي ويدي، أما اليد فتولع بالجود، وأما الفؤاد فيعلق بالوفود، ولكن هذا الخلق النفيس لا يساعده الكيس، ولا قرابة بين الأدب والذهب، فلم جمعت بينهما [في النسب] ؟ والأدب لا يمكن ثرده في قصعة، ولا صرفه في ثمن سلعة، ولي مع الأدب نادرة، قد جهدت بالطباخ، أن يطبخ [لي] جيمية الشماخ، لوناً فلم يفعل، وبالقصاب أن يسمع أدب الكتاب فلم يقبل، واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت، فأنشدت ألفي ومئتي بيت من شعر الكميت، فلم تغن، ولو وقعت أرجوزة العجاج، في توابل السكباج، لم تنفع، وأنت لا تقنع، فما أصنع، فإن كنت تحسب اختلافك إلي، إفضالاً منك علي، فراحتي ألا تطرق ساحتي، وفرجي ألا تجي، والسلام. ومن شعره قوله: وأروع أهداه لي الليل والفلا ... وحمش تمس الأرض لكن كلا ولا عرضت على نار المكارم عوده ... فكان معماً في السوابق مخولا وخادعته عن ماله فخدعته ... وساهلته في بره فتسهلا ولما تخالينا وأحمد منطقي ... بلاني في نظم القريض بما بلا فما هز إلا صارماً حين هزني ... ولم يلقني إلا إلى السبق أولا فلم أره إلا أغر محجباً ... وما تحته إلا أغر محجلا وله أيضاً: لعمر الذي ألقى إلي ثيابه ... لقد ملئت تلك الثياب به مجدا وقد قمرته راحة الجود بزة ... وما ضربت قدحاً ولا نصبت نردا أعد نظراً يا من بناني بنانه ... ولا تدع الأيام تهدمني هدا وقل للألى إن أسفروا أسفروا ضحى ... وإن طلعوا في غمة طلعوا وردا صلوا رحم العليا وبلوا لهاتها ... وخير الندى ما سح وابله نقدا وله يصف خاتماً: وممنطق من نفسه ... بقلادة الجوزاء حسنا متألف من غير أسر ... ته على الأيام خدنا كمتيم لقي الحبي ... سب فضمه شغفاً وحزنا علق سني قدره ... لكن من أهداه أسنى

стр. 42

قال وهب بن ناجية الرصافي: كنت أحد من وقعت عليه التهمة في مال مر أيام الواثق، فطلبني السلطان طلباً شديداً، حتى ضاقت علي الرصافة وغيرها فخرجت أريد البادية مرتاداً رجلاً عزيز الجار، منيع الدار، أعوذ به، وأنزل عليه، حتى انتهيت إلى بني شيبان، فدفعت إلى بيت مضروب، وبفنائه فرس مربوط، ورمح مركوز، فدنوت وسلمت، فرد علي نساء من وراء السجف، ثم قالت إحداهن: اطمئن يا حضري، نعم مناخ الضيفان بوأك القدر، ومهدك الصبر، قلت: وأنى يطمئن المطلوب، أو يأمن المرعوب [من] دون أن يأوي إلى جبل يعصمه أو مفزع يمنعه، وقليلاً ما يهجع من السلطان طالبه، والخوف غالبه، قالت: لقد ترجم لسانك عن ذنب كبير، وقلب صغير، وأيم الله لقد حللت بفناء بيت لا يضام فيه أحد، ولا تجوع فيه كبد، هذا الأسود بن قنان، أخواله كعب، وأعمامه شيبان، صعلوك الحي في ماله، وسيدهم في فعاله، له صدق الجوار، وطلب الثأر، ووقود النار، لا ينازع ولا يقارع، وبهذا وصفته أمامة بنت سعد حيث تقول: إذا شئت أن تلقى فتى لو وزنته ... بكل معدي وكل يمان وفى بهما جوداً وبأساً وسؤدداً ... ورأياً فهذا الأسود بن قنان أعز ابن أنثى من معد ويعرب ... وأكرمهم فعلاً بكل مكان فتى لا ترى في ساحة الأرض مثله ... ليوم نزال أو ليوم طعان قلت: لقد أذهبت اللوعة، وسكنت الروعة، فمن لي به، قالت: يا جارية مولاك، فلم تلبث أن عادت وهو معها في جماعة من قومه، فقال: أي المنعمين علينا أنت؟ فسبقت المرأة وقالت: يا أبا المرهف هذا الرجل نبت [به] أوطانه، وأزعجه زمانه، وأوحشه سلطانه، وقد ضمنا له عنك، ما يضمن لمثله عن مثلك، فقال: بل الله فاك، أشهدكم يا بني أبي أن هذا الرجل في جواري وذمتي، فمن أراده فقد أرادني، ومن كاده فقد كادني، ثم أمر ببيت، فضرب إلى جانبه، وقال: هذا بيتك، وهذا مالك، وأنا جارك، وهؤلاء رجالك، فلم أزل بينهم في أعز دار، وأحسن جوار، إلى أن سرت عنهم. ومدح ألأعرابي قوماً فقال: أدبتهم الحكمة، وأحكمتهم التجارب، ولم تغررهم السلامة المنطوية على الهلكة، ورحل عنهم التسويف الذي قطع الناس به مسافة آجالهم، فدلت ألسنتهم بالوعد، وانبسطت أيديهم بالإنجاز، فأحسنوا المقال، وشفعوه بالفعال وابتاعوا المحامد بالمال. وقصد أعرابي من بني كلاب رجلاً منهم، يكنى أبا معاذ، فسئل عنه بعد انصرافه فقال: لقد رأيت أبا معاذ خير ملاذ، ولذت منه بأكرم معاذ، وأحمدت بلقائه عاقبة الإغذاذ. ومن ألفاظ أهل العصر في المدح: فلان مسترضع ثدي المجد، مفترش حجر الفضل، له فضل يشير إليه النجم الثاقب، وتحفظ طرفيه المناقب، له صدر تضيق عنه الدهناء، وتفزع إليه الدهماء، له في كل مكرمة غرة الإيضاح والأوضاح، وفي كل فضيلة قادمة الجناح، له صورة تستنطق الأفواه بالتسبيح، وغرة يترقرق منها ماء الكرم الصريح، وتقرأ منها صحيفة حسن الشيم، يحيي القلوب بلقائه، قبل أن يميت الفقر بعطائه، له خلق لو مزج به [ماء] البحر لنقى ملوحته، وكفى كدورته، وهو غذاء الحياة، ونسيم العيس، ومادة الفضل، وآراؤه سكاكين في مفاصل الخطوب، له همة تعزل السماك الأعزل، وتجر ذيلها على المجرة، وهو راجح في موازين العدل، سابق في ميادين الفضل، يفترع أبكار المكارم، ويرفع منار المحاسن، ينابيع الجود تنفجر من أنامله، وربيع السماح يضحك عن فواضله، هو بيت القصيدة، وأول الجريدة، وعين الكتيبة، وواسطة القلادة، وإنسان الحدقة، ودرة التاج، ونقش الفص، وهو ملح الأرض، ودرع الملة، ولسان الشريعة، وحصن الأمة، هو غرة الزمان، وناظر الإنسان، أخلاق خلقن من الفضل، وشيم تشام بها، بوارق المجد، أرخ الرجال بفضله وعقم النساء عن مثله. البذل منه معتاد، والفضل منه مبدأ ومعاد، ماله للعفاة مباح، وفعاله في ظلمة الدهر مصباح، كأن قلبه عين، وكأن حسه سمع، جوهره من جواهر الشرف، لا من جواهر الصدف، وياقوته من يواقيت الأحرار، لا من يواقيت الأحجار. ولهم في نقيض ذلك:

стр. 43

فلان عصارة لؤم في قرارة خبث، ألأم مهجة من أسقط جثة، قد ارتضع بلبان اللؤم، وربي في حجر الشر، وفطم عن ثدي الخير، ونشأ في عرصة الخبث، فوته غنيمة، والظفر به هزيمة، صغير القدر، ضيق الصدر، لا أمس ليومه ولا قديم لقومه، وجهه كهول المطلع، وزوال النعمة، وقضاء السوء، وموت الفجاءة، وجه كقفا الصك، وظلم الشك، ما هو إلا قذى العين، وأذى القلب، وشجى الصدر، وحمى الروح، ريح صيف، وطارق ضيف، يغمض عن الذكر، ويضعف عن الفكر، أقل من تبنة في لبنة، ومن قلامة في قمامة، هو من الطاووس رجله، ومن الورد شوكه، ومن الماء زبده، ومن النار دخانها، ومن الخمر خمارها، ومن الدينار صفرته، ومن السحاب ظلمته، ومن الأسد نكهته، هو تمثال الجهل، وصورة اللؤم، ومقر البخل، حسبانه أغاليط وفعاله تخاليط، سكيت الحلبة وساقة الكتيبة، وآخر الجريدة، لسانه مقراض الأعراض، هو عيبة العيوب، وذنوب الذنوب. وقال كشاجم: صاحب لي ليس فيه ... في الذي أشكر خله وحش وجهاً ومخبوراً ... وتفصيلاً وجمله كل من جاراه في مض ... مار لؤم جاء قبله لابس كبراًَ على ما ... فيه من غدر ومله ومريد من أباه ... ومهين من أجله فهو كالدينار لا يكر ... م إلا من أذله قال أحمد بن علي النوفلي: أنشدني أحمد بن أبي طاهر لمحمد بن وهيب الحميري يمدح المعتصم بن رشيد: ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم ... شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر فالشمس تحكيه في الإشراق طالعة ... إذا تقطع عن إدراكها النظر والبدر يحكيه في الظلماء منبلجاً ... إذا استنارت لياليه به الغرر تحكي أفاعيله في كل نائبة ... الغيث والليث والصمصامة الذكر فالغيث يحكي ندى كفيه منهمراً ... إذا استهل بصوب الديمة المطر وربما صال أحياناً على حنق ... شبيه صولته الضرغامة الهصر والهندواني يحكي عن عزائمه ... صريمة الرأي منه النقض والمرر وكلها مشبة شيئاً على حدة ... وقد تخالف فيها العقل والصور وأنت جامع ما فيهن من حسن ... فقد تكامل فيك النفع والضرر فالخلق جسم له رأس يدبره ... وأنت جارحتاه السمع والبصر ثم قال: ألا أنشدك ما هو أخصر وأيسر في المعنى والوزن والقافية، قلت: بلى، فأنشدني لنفسه، يمدح أبا القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب: إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر وإن أضاءت لنا أنوار غرته ... تضاءل الأنوران: الشمس والقمر وإن أمضى رأيه أو حد عزمته ... تأخر الماضيان: السيف والقدر من لم يبت حذراً من خوف سطوته ... لم يدر ما المزعجان: الخوف والخطر كأنه الدهر في نعمى وفي نقم ... إذا تعاقب منه النفع والضرر كأنه وزمام الدهر في يده ... يرى العواقب ما يأتي وما يذر ومن قول ابن وهيب: "ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهم.. " أخذ أبو القاسم [محمد] بن هانئ قوله يمدح جعفر بن علي: المدنفان في البرية كلها ... جسمي وطرف بابلي أحور والمشرقات النيرات ثلاثة ... الشمس والقمر المنير وجعفر وبيت ابن هانئ الأول من قول ابن الرومي: يا عليلاً جعل العل ... لة مفتاحاً لسقمي شهدت وجنتك الحم ... راء أن الرغم رغمي ليس في الأرض عليل ... غير جفنيك وجسمي لك سقم في جفون ... سقمها أكذب سقم [و] قال بعض الرواة: أنشدت أعرابياً قول جرير بن عطية الخطفي: أبدل الليل لا تسري كواكبه ... أم طال حتى حسبت النجم حيرانا فقال: هذا حسن في معناه، وأعوذ بالله من مثله، ولكني أنشدك في ضده من قولي، فأنشدني قوله: وليل لم يقصره رقاد ... وقصر طوله وصل الحبيب نعيم الحب أورق فيه حتى ... تناولنا جناه من قريب بمجلس لذة لم نقو فيه ... على شكوى ولا عد الذنوب بخلنا أن نقطعه بلفظ ... فترجمت العيون عن القلوب قلت: زدني فما رأيت أظرف منك شعراً، فقال: أما من هذا فحسبك، ولكني أنشدك من غيره، فأنشدني: وكنت إذا علقت حبال قوم ... صحبتهم وشيمتي الوفاء

стр. 44

فأحسن حين يحسن محسنوهم ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا أشاء سوى مشيئتهم فآتي ... مشيئتهم وأترك ما أشاء ومن أقصر ما قيل في الليل قول إبراهيم بن العباس: وليلة من الليالي الغر ... قابلت فيها بدرها ببدري لم تك غير شفقِ وفجر ... حتى تقضت وهي بكر الدهر وقال بعض أهل العصر، وهو أبو علي محمد بن الحسن الحاتمي: يا رب ليل سرور خلته قصراً ... كعارض البرق في أفق الدجى برقا قد كاد يعثر أولاه بآخره ... وكاد يسبق منه فجره الشفقا كأنما طرفاه طرف اتفق ال? ... جفنان منه على الإطراق وافترقا ومن أطول ما قيل في الليل قول ابن الرومي: رب ليل كأنه دهر طولاً ... قد تناهى فليس فيه مزيد ذي نجوم كأنهن نجوم الش? ... يب ليست تزول لكن تزيد ومن أجود ما وصف به الليل في الطول والقصر قول سيدوك الواسطي: عهدي بنا ورداء الوصل يجمعنا ... والليل أطوله كاللمح بالبصر فالآن ليلي مذ غابوا فديتهم ... ليل الضرير فصبحي غير منتظر ومن ألفاظ أهل العصر في وصف ليالي الأنس: ليلة من حسنات الدهر، هواؤها صحيح، ونسيمها عليل، ليلة كبرد الشباب، فضية الأديم، مسكية النسيم، ليلة هي لمعة الدهر، وغرة العمر، كالمسك منظراً ومخبراً، ليلة هي باكورة العمر وبكر الدهر، ظلماتها أنوار، وطوال أوقاتها قصار وقال الصنوبري: وليلة كالرفرف المعلم ... محفوفة الظلماء بالأنجم تعلق الفجر بأرجائها ... تعلق الشقر بالأدهم جمعت فيها بين خمرين من ... خمر العناقيد وخمر الفم تناول الجام يدي من يد ... موشية الراحة والمعصم شبهت ذوب الراح في جامها ... كذوب دينار على درهم وقال [أيضاً] : قم فاسقني والظلام منهزم ... والصبح باد كأنه علم والطير قد طربت فأفصحت الأ ... لحان طراً وكلها عجم وميلت رأسها الثريا لإسرا ... ر إلى الغرب وهي تحتشم في الشرق كأس وفي مغاربها ... قرط وفي أواسط السما قدم ومن أجمع ما قيل في وصف الثريا وأحسنه قول الحاتمي، وطرف: وليل أقمنا فيه نعمل كأسنا ... إلى أن بدا للصبح في الليل عسكر ونجم الثريا في السماء كأنه ... على حلة زرقاء جيب مدنر ومن أبدع ما جاء في وصف النجوم وذكر الليل مع حسن تصرف وقلة تكلف، قول علي بن محمد العلوي: متى أرتجي يوماً شفاءً من الضنى ... إذا كان جانيه علي طبيبي ولي عائدات ضفتهن فجئن في ... لباس سواد في الظلام قشيب نجوم أراعي طول ليلي بروجها ... وهن لبعد السير ذات لغوب خوافق في جنح الظلام كأنها ... قلوب معناة بطول وجيب ترى حوتها في الشرق ذات سباحة ... وعقربها في الغرب ذات دبيب إذا ما هوى الإكليل منها حسبته ... تهدل غصن في الرياض رطيب كأن الذي حول المجرة أوردت ... لتكرع في ماء هناك صبيب كأن رسول الصبح يخلط في الدجى ... شجاعة مقدام بجبن هيوب كأن اخضرار الفجر صرح ممرد ... وفيه لآل لم تشن بثقوب كأن سواد الليل في ضوء صبحه ... سواد شباب في بياض مشيب كأن نذير الشمس يحكي ببشره ... علي بن داود أخي ونسيبي ولولا اتقائي عتبة قلت: سيدي ... ولكن يراها من أجل ذنوبي جواد بما تحوي يداه مهذب ... أريب غدا خلا لكل أريب نسيب إخاء وهو غير مناسب ... قريب صفاء وهو غير قريب ونسبة أجسام الأقارب وحشة ... إذا لم يؤنسها انتساب قلوب وقد أنشدها الصولي لمحمد بن أحمد الأصبهاني في علي بن داؤد بن الجعد، ولما سمع أبو بكر بن دريد خروجه، قال: "والله ما سمعت مثل هذا الخروج قط"، وإنما أخذه من قول مسلم بن الوليد في يحيى بن خالد وجعفر ابنه: أجدّك ما تدرين أن رب ليلة ... كأن دجاها من قرونك ينشر نصبت لها حتى تجلت بغرة ... كغرة يحيى حين يذكر جعفر والشيء يذكر بما يدانيه في جهة معانيه. قال كشاجم يذكر سواد الشعر وبياض الفرق: رنت فأصابت سر قلبي بلحظة ... لها في الحشا لذع وليس لها جرح

стр. 45

وقد حسرت عن واضح الفرق فاحم ... كخطي ظلام خط بينهما صبح وقد ملح بعض أهل العصر، وهو أبو محمد بن مطران، في وصف تمام الشعر، مع ما أضاف إليه من حسن المشي، وملاحة النظر بقوله: ظباء أعارتها المها حسن مشيها ... كما قد أعارتها العيون الجآذر فمن حسن ذاك المشي جاءت فقبلت ... مواطئ من أقدامهن الضفائر ومن ألفاظ أهل العصر في وصف الليل والنجوم وما يقارب ذلك ويتعلق به: ليلة قص جناحها، وضل صباحها، ليال ليست لها أسحار، وظلمات لا تتخللها أنوار، ليل اكتحل بمراود الرق، وتقلب على مراقد القلق، النجوم شهود سهوده. طرف برعي النجوم مطروف، وفراش بشعار الهم محفوف، كأنه على النجوم رقيب، وللظلام نقيب، توقد الشفق في ثوب الغسق، تفتحت أزاهير النجوم، ونورت حدائق الجو، فأذكى الفلك مصابيحه، وطفت النجوم في بحر الدجى، ليلة كغراب الشباب، وحدق الحسان، وذوائب العذارى. ليلة كأنها في لباس بني العباس، ليلة قد حلك إهابها، كأن الفجر يهابها، هرم الليل، وشمطت ذوائبه، تقوس ظهره وتصرم عمره. باح الصباح بسره، وخلع الليل ثيابه. وحدر الصبح نقابه. ولت مواكب الكواكب، وتناثرت عقود النجوم. ووهى نطاق الجوزاء. وانطفأ قنديل الثريا. قال بعض الرواة: خرجت في بعض أسفاري، فوردت على ماء من مياه طيئ، وقد انتجعه قوم حلول بجنباته، فبينا أنا أدور به، إذا بامرأة ورجل، قد تخليا، فعلمت أنهما في عتاب، فوقفت عليهما، وسلمت، فردا علي السلام، وأمسكا عن حديثهما، فقلت: خذا في شأنكما فإني رجل ذو علاقة، ولعل بعض ما يمر يصادف بعض ما أجد، فيسلي قليلاً، فقال لها: بالله أنشديه بعض ما تفاوضنا في يومنا، فأنشدتني: إذا قربت داري كلفت وإن نأت ... أسفت فلا للقرب أسلى ولا البعد وإن وعدت زاد الهوى بانتظارها ... وإن بخلت بالوعد مت من الوجد ففي كل حب لا محالة فرجة ... وحبك ما فيه سوى محكم الجهد فقلت: أحسن والله ما شاء، فهل أجبت عن قوله، قالت: نعم [والله] وأنشدت: إذا كان لا يسليك عمن تحبه ... فراق ولا يشفيك طول تلاق فهل أنت إلا مستعير حشاشة ... لمهجة صب آذنت بفراق فقلت: أسعدكما لله بالألفة، وأمتعكما بالمحبة، وحباكما بجميل الصحبة وانصرفت. قال الأصمعي: دخلت على الرشيد وعنده جماعة يتذاكرون رقيق الشعر، فأحسن مجلسي، ثم قال: يا أصمعي ما ترى في شعر فتى من أهل بغداد، يزعم الناس أنه من أرق شعرائنا شعراً، وهو الذي يقول: تاهت علينا لأن تمت محاسنها ... خود تكلم في أعطافها الفتن همت بإيناسنا حتى إذا نظرت ... إلى المراة نهاها وجهها الحسن ما كان هذا جزائي من محاسنها ... أغرت بي السوق حتى شفني الشجن فقلت: يا أمير المؤمنين، إنه شاعر فطن، أراد معنى فأصابه، ولقد أنشدني ابن الخياط أبياتاً استحسنتها في الغزل، وهي: يا خود أسهرني ذكرى خيالكم ... بعد الهدوء فأشجاني وما طرقا وحارب الشوق ماء العين فانهزمت ... عساكر الدمع حتى حلت الحدقا فالدمع مستوفز مني على وجل ... إذا تهب له ريح الهوى استبقا كسوت قلبي من الأحزان أجنحة ... فإن دعاه هواكم دعوة خفقا قال [الرشيد] : أحسن، فما فعل؟ قلت: هو حي، فأمر له بعشرة آلاف درهم، والأول للعباس بن الأحنف. وقال علي بن يحيى المنجم: ومن طاعتي إياه يمطر ناظري ... إذا هو أبدى من ثناياه لي برقا كأن جفوني تبصر الوصل هارباً ... فمن أجل ذا تجري لتدركه سبقا قال محمد بن أنس للقاسم بن صبيح، وما زلنا في سمر نصول فصوله بتشوقك، فيذهب ذكرك ملل السامر، ونعسة الساهر، فقال القاسم: مثلك من ذكر وليه فأطراه، واعتذر إليه فأرضاه، ولو آذنتموني لكنت كأحدكم مسروراً بما به سررتم، مفيضاً فيما أنتم أفضتم. وذم رجل رجلاً فقال: دعواته ولائم، وأقداحه محاجم، وكؤوسه محابر، ونوادره بوادر. فقر للنبيذيين ما جشمت الدنيا بأظرف من النبيذ. الراح ترياق سم الهم. بيد الكاس تعرك أذن الوسواس

стр. 46

[قال] المأمون: النبيذ ستر فانظر مع من تهتكه، اشربه ما استبشعته، فإذا استطبته فدعه، التبذل فيه ظرف، والوقاؤ عليه سخف، ما للعقار والوقار، حد السكر أن تغرب الهموم، ويظهر السر المكتوم. وقال الحسن بن وهب لرجل، ورآه يعبس عند الشرب: ما أنصفتها هي تضحك في وجهك، وأنت تعبس في وجهها. ولأهل العصر: الدنيا معشوقة ريقتها الراح. الخمر عروس مهرها العقل. لكل شيء سؤ وسر الراح السرور، لا يطيب المدام الصافي إلا مع النديم المصافي. مجلس راحه ياقوت، ونوره در، ونارنجه ذهب، ونرجسه دينار ودرهم، يحملهما زبرجد. عندنا أترج كأنه من خلقك خلق، ومن شمائلك سرق، ونارنج ككرات من سفن ذهبت، أو ثدي أبكار خلقت. مجلس أخذت فيه الأوتار تتجاوب، والأقداح تتناوب. أعلام الأنس خافقة، وألسن الملاهي ناطقة. نحن بين بدور، وكاسات تدور. وبرق راح، وشموس أقداح. مجلس تفتحت فيه عيون النرجس، وفاحت مجامر الأترج، وفتقت فارات النارنج، ونطقت ألسن العيدان، قامت خطباء الأوتار، وهبت رياح الأفراح، دارت رحى الأقداح، وطلعت كواكب الندمان، وامتدت سماء الند، قد فض اللهو ختامه، ونشر الأنس أعلامه، قد هبت للأنس ريح، برقها الراح، وسحابها الأقداح، ورعودها الأوتار، ورياضها الأقمار قد فرغنا للهو، والدهر عنا في شغل. حل هذا من منظوم أنشده بديع الزمان، ولم يسم قائله هو: كم جوى مثله رسم مثل ... ودم قد طل أثناء طلل ولآل كلل الخدد بها ... لعب البين بربات الكلل حبذا عيش الليالي باللوى ... لو تجافى الدهر عنا وغفل إذا فرغنا فيه للهو وقد ... باتت الأقدار عنا في شغل وأدرنا لهباً في ذهب ... كلما أخمد بالنار اشتعل قد اقتعدنا غارب الأنس، وجرينا في ميدان اللهو، مدامة تورد ريح الورد، وتحكي نار إبراهيم في اللون والبرد. لست أدري أشقيق؟ أم عقيق؟ أم رحيق؟ أم حريق. راح كالنار والنور، أصفى من البلور، [أرق] من دمع المهجور، روح من النور، جسمها الكأس، كأنها شمس، في غلالة من شراب، مزج نار الراح بنور الماء، راح كأنها معصورة من وجنة الشمس، في كأس مخروطة من فلقة البدر. كأسيها ملء اليد، وريحها ملء البلد. والشعر في هذا الباب أكثر م أن يكثر به الكتاب، ولكني سأنشدك يسيراً وأترك كثيراً. قال [أبو الفتح] البستي: عجبت للخمر تروي حر غلتنا ... وطبعها وكذاك الفعل ناري فقم وأرو بنار الخمر غلتنا ... فما لدينا إذا لم ترونا ري [وقال] الأمير تميم [بن المعز] ، وأجاد: أدر فلك المدام وخل عتبي ... وونك فاسقنيها واسق صحبي فقد نضج النسيم بماء ورد ... ومد على الهواء رداء سكب وساق يملأ العينين حسناً ... رخيم دله يصبو ويصبي شقائق خده باللثم نسبي ... ولحظ جفونه بالغنج يسبي له نبت على الخدين غض ... يصففه فيتلف كل لب تبارك من براه بلا شبيه ... وسلطه على قتل المحب وقال ويدخل في باب الروض: خليلي قد ولى الظلام وهملجا ... وقد كاد وجه الصبح أن يتبلجا فقوما إلى ساقيكما فاهتفا به ... ولا تفتحا باباً من الهم مرتجا على نرجس غض يلاحظ سوسناً ... وآس ربيعي يناغي بنفسجا وقاذفة بالماء في وسط جنة ... قد التحفت وحفاً من الظل سجسجا إذا انبعثت بالماء سلته منصلاً ... وعاد عليها ذلك النصل هودجا تحاول إدراك النجوم بقذفه ... كأن لها قلباً على الجو محرجا لدى روضة جاد السحاب ربوعها ... فزخرفها بين الرياض ودبجا كأن غصون الأقحوان زمرد ... تعمم بالكافور ثم تتوجا ونوار نسرين كأن نسيمه ... من المسك في جو السما تأرجا ودعاني وندماني وكأسي ومزهري ... فحسبي والمعشوق ربعاً ومبهجا كأن ثراه كلما صافح الندى ... وهز نسيم الريح ألوية الدجى بقايا الغوالي في صدور نواهد ... ينازلن باللحظ الكمي المدججا ولا تحملا هم الزمان فإنه ... إذا اشتد ضيق الحادثات تفرجا [وقال] ابن وكيع: حملت كفه إلى شفتيه ... كأسه والظلام مرخى الإزار فالتقى لؤلؤاً حباب وثغر ... وعقيقان من فم وعقار وقال أيضاً:

стр. 47

غرد الطير فأنبه من نعس ... وأدر كأسك فالعيش خلس سل سيف الفجر من غمد الدجى ... وتعرى الصبح من غمد الغلس وانجلى عن حلل فضية ... ما بها من ظلمة الليل دنس فاسقني من قهوة مسكية ... في رياض عنبريات النفس وصل كتابك مشحوناً بلطيف برك، موشحاً بغامر فضلك، ناطقاً بصحة عهدك، صادقاً عن خلوص ودك، وفهمته، وشكرت الله جل اسمه على سلامتك، شكر المخصوص بها، العارف بقدرها، واستدمته عافيتك استدامة اللابس لها، المشارك فيها، فأما ما بالغت فيه من الاعتداد بي، وتناهيت فيه من التقريظ لي، فما زدت على أن أعرتني خلالك، ونحلتني خصالك، لأنك بالفضائل أولى، وهي بك أحرى، ولو كنت في نفسي ممن يشتمل على وصفه حدي إذا حددت، أو يحيط بكماله وصفي إذا وصفت، لشرعت في بلوغها والقرب منها، لكن المادح يستنفد وسعه وقد بخسك، ويستغرق طوقه، وقد نقصك، ف~أبلع ما يأتي به المثنى عليك، ويتوصل إليه المطري لك، الوقوف عند منتهاه، والإقرار بالعجز عن غايته ومداه. وهذا كقول البديع في جواب كتاب إلى عدنان بن محمد رئيس هراة: ورد كتاب الرئيس مولاي، فأتت النعم تترى إلي، ومثلت [لدي و] بين يدي، [و] وجدت سيدي قد أخذ مكارم نفسه، فجعلها قلادة غرسه، وتتبع المحاسن من عنده فكساها لعبده، وما اشبه رائع حليه في نحر وليه، بالغرة اللائحة على الدهمة الكالحة، ولا آخذ الله سيدي بوصف نزعه من غرضه فزرعه في غير أرضه، ونعت أخذه من خلقه وخلقه، فأهداه إلى غير مستحقه، وفضل استفاده من فرعه وأصله، فأوصله إلى غير أهله. ذكر حديث الشوق إلي، ولو كان الأمر بالزيارة حتماً، والإذن أطلق جزماً، لكان آخر نظري في الكتاب، وأول نظري إلى الركاب، ولاستعنت على كلف السير أجنحة الطير، لكنه أدام الله عزه صرفني بين يد سريعة الأخذ، ورجل وشيكة النبذ، واراني زاهداً في ابتغاء، كحسو في ارتغاء، ونزاعاً في نزوع، كذهاب في رجوع، ورغبة في، كرغبة عني، وكلاماً في الغلاف، كالضرب تحت اللحاف، فلم أصرح بالإجابة وقد عرض بالدعاء، ولم أعلن بالزيارة وقد أسر بالنداء، ولو جاهرني بفم المناجاة، ولم يدعني بلسان المحاجاة، لكنت أسرع من الكرم إلى طرفيه، وفكرت في مراده، فوجدت الكرم يشب ناره، والفضل يدرك ثأره، وإذا كان الأمر كذلك فما أولاه، بترفيه مولاه، عن زفرة صاعدة، بسفرة قاعدة. أخذ هذا القول من قول ابن الرومي لابن ثوابة، وقد ندبه إلى السفر إليه ليصله: أما حق حامي عرض مثلك أن يرى ... له الرفد والترفيه أوجب واجب أقمت لكي تزداد نعماك نعمة ... وتغنى بوجه ناضر غير شاحب وليس عجيباً أن ينوب تكرم ... غذيت به عن آمل لك غائب ذمامي يرعى لا ذمام سفينة ... وحقي لا حق القلاص النجائب فصل لأبي بكر الخوارزمي أنا مشتاق مولاي شوقاً، لو قسم على قلوب العالمين لملأها صبوة، ولم يدع فيها سلوة، وما أشكر نفسي على أن تشتاق إلى من لا ترى له عديلا، ولا تجد إلى السلو عنه بديلا، وإن طرفي بطرفه معقود، وإن باب نسيانه وتناسيه علي مسدود، وإني إذا صدرت كتابي إليه بالسلامة، مع أن قلبي غير سليم من اللم، ولا صحيح من السقم، فإنما أريد بذلك التفاؤل بالكتاب، واتباع رسوم الكتاب. فلئن بلغني إطنابه في ذكري، وتفضيله غياي على أهل عصري، وهذا سلف أسلفنيه، وأنا بمعونة الله أؤديه، وما أزن نفسي بالميزان الذي [به يزنني ولا أزينها بالفضل] الذي يزينني، فإن كان كما قال، فالفضل منه درج إلي، وخرج من الكمين علي، فإني عاشرته فأعداني فضلاً، وهذبني قولاً وفعلاً، وأنا في ذلك جنيبته إن رضيني جنيبة، وخليفته إن قبلني خليفة، ولقد أعرب [في] ذلك الحر، وخالف طريقة غيره من أهل الدهر، ولقد شهد له فعله أنه كريم، ومن اللوم واللؤم سليم، على قضية أبي تمام الطائي إذا يقول: وإن أولى البرايا أن تواسيه ... عند السرور الذي واساك في الحزن إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كانوا يألفهم في المنزل الخشن وشهادة أبي تمام في الكرم، تقوم [مقام] شهادة أمة من الأمم، ولئن كان خزيمة بن ثابت ذا الشهادتين عند الأنبياء والحكام، إن أبا تمام لذو الشهادتين عند الأحرار والكرام. وله إلى أبي سعيد أحمد بن شبيب:

стр. 48

ورد كتاب صاحب الجيش، بيد خلقت للسيف والقلم، بل خلقت للنعم والنقم، بل خلقت لجميع أدوات العرب والعجم، فرويته لما رأيته، وحفظته لما لحظته، ولو أنصفته لأتعبت فكري في معانيه، وارتعت نظري في مقاطعه ومباديه، وتفكرت في رتبة الكتاب في الكتب، ورتبة صاحب الجيش في الرتب، فأنشدت: ولما رأيت الناس دون محله ... تيقنت أن الدهر للناس ناقد بل لو أنصف هذا الكتاب لما فزعت منه إلى الجواب عنه، لكن بعض الأجوبة خدمة، كما أن بعض الابتداءات نعمة. ومن ألفاظ أهل العصر في ذكر الكتب: كتاب كتب لي أماناً من الدهر، وهنأني أيام العمر. كتاب أوجب من الاعتداد أوفر الأعداد، وأودع بياض الوداد سواد الفؤاد. كتاب عددته من حجول العمر وغرره، واعتدته من فرص العيش وغرره. كتاب هو أنفس طالع، وأكرم متطلع، وأحسن واقع، وأجل متوقع. كتاب كدت أبليه نشراً وطيا، وقبلته ألفاً، ويد حامله عشراً. كتاب نسيت بحسنه الروض والزهر، وغفرت للزمان ما تقدم من ذنبه ما تأخر. كتاب هو علة المسافر، وأنسة المستوحش، وزبدة الوصال، وعقلة المستوفز. كتاب هو رقية القلب السليم، وغرة العيش البهيم. كتاب هو سمر بلا سهر، وصفو بلا كدر. كتاب تمتعت منه بالنعيم الأبيض، والعيش الأخضر، واستلمته استلام الحجر الأسود. نشأت سحابة من لفظك، غيمها نعمة سابغة، وغيثها حكمة بالغة، سقت روضة القلب، وقد جهدتها يد الجدب، فاهتزت وربت، واكتست ما اكتست. كتاب ألصقته بالكبد، وشممته شم الولد. كتاب ورد منه المسك ذكياً، والزهر جنياً والماء مرياً، والعيش هنياً، والسحر بابلياً. كتاب مطلعه مطلع أهلة الأعياد، وموقعه موقع نيل المراد. خرج أبو نواس مع بعض إخوانه إلى المدائن، فدخلوا إيوان كسرى، فوجدوا فيه آثار شرب، فقالوا [له] : يا أبا علي لقد طاب عيش قوم نزلوا هذا الموضع، فلو فعلنا كفعلهم لمرت لنا حال حسنة، فقال: ذاك لكم، فأحضروا ما يحتاجون إليه، وجلسوا يشربون، ولذ لهم المقام، فأقاموا خمسة أيام، فلما انصرفوا قالوا له: قد أسعفتنا بمؤانستك، وأمتعتنا بمجالستك، فلو وصفت ما جرى لنا في أبيات [من الشعر] تخلد على الدهر، لكمل أمرنا، وفضل دهرنا، فقال: ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم: جديد ودارس مساحب من جر الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحان: جني ويابس ولم أدر من هم غير ما شهدت به ... بشرقي ساباط الديار البسابس حسبت بها صحبي فجمعت شملهم ... وإني على أمثال تلك لحابس أقمنا بها يوماً ويوماً وثالثاً ... ويوم له يوم الترحل خامس تدار علينا الراح في عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس قرارتها كسرى، وفي جنباتها ... مهاً تدريها بالقسي الفوارس فللراح ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس وهذا ما اخترعه أبو نواس. قال الجاحظ: وجدنا لمعاني تقلب، ويؤخذ بعضها من بعض، إلا هذا المعنى، فإن الحسن ابتدعه. [ومثله قول] عنترة يصف روضة: وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غرداً كفعل الشارب المترنم هزجاً يحك ذراعه بذراعه ... قدح المكب على الزناد الأجذم وقال أبو نواس: بنينا على كسرى سماء مدامة ... مكللة حافاتها بنجوم فلو رد في كسرى بن ساسان روحه ... إذاً لاصطفاني دون كل كريم [و] أخذه أبو العباس الناشئ فقال: ومدامة لا يبتغي من ربه ... أحد حباه بها لديه مزيدا في كأسها صور تظن لحسنها ... عرباً برزن من الحجال وغيدا إذا المزاج أثارها فتقسمت ... ذهباً ودراً توأماً وفريدا فكأنهن لبسن ذاك مجاسداً ... وجعلن ذا لنحورهن عقودا وقال ابن المعتز: [وليل فاختي اللون مرخ ... عزاليه بطل وانهمال] وساق يجعل المنديل منه ... مكان حمائل السيف الطوال غلالة خده صبغت بورد ... ونون الصدغ معجمة بخال أتى والصبح تحت الليل باد ... كطرف أبلق مرخي الجلال بكأس من زجاج فيه أسد ... فرائسهن ألباب الرجال ومن ظريف ما وصف الكاسات قول القاضي أبي القاسم التنوخي: وراح من الشمس مخلوقة ... بدت لك في قدح من نهار

стр. 49

هواء لكنه جامد ... وماء ولكنه غير جار إذا ما تأملتها وهي فيه ... تأملت نوراً محيطاً بنار وما كان الحق أن يقرنا ... لفرط التنافي وطول النفار ولكن تجاور شكلاهما البسيطان فاتفقا في الجوار كأن المدير لها باليمين ... إذا قام للسقي أو باليسار تدرع ثوباً من الياسمين ... له فرد كم من الجلنار وقال كشاجم يرثي قدحاً انكسر: عراني الزمان بأحداثه ... فبعضاً أطقت وبعضاً فدح وعندي عجائب للحادثات ... وليس كفجعتنا في القدح وعاء المدام وتاج البنان ... ومدني السرور ومقصي الترح ومعرض راح متى تكسه ... ويستودع السر فيه يبح وجسم هواءٍ وإن لم يكن يرى للهواء بكف شبح يرد على الشخص تمثاله ... وإن تتخذه مراة صلح ويعبق من نكهات المدام ... فتحسب فيه عبيراً نفح يكاد مع المرء إن مسه ... لما فيه من شكله ينسفح ودق، فلو حل في كفة ... ولا شيء في أختها ما رجح هوى من أنامل مجدولة ... فيا عجباً من لطيف رزح وأفقدنيه على ضنة ... به للزمان غريم ملح كأن له ناظراً ينتقي ... فما يتعمد غير الملح أقلب ما أبقت الحادثا ... ت منه وفي الخد دمع يسح وقد قدح الوجد مني به ... على القلب من ناره ما قدح فأعجب من زمن مانح ... وآخر يسلب تلك المنح فلا تبعدن فكم من حشاً ... عليك كليمٍ وقلبٍ قرح سيقفز بعدك رسم الغبوق ... وتوحش منك مغاني الصبح وعلى ذكر بيتي عنترة، قال ابن الرومي، وذكر روضة: إذا رنقت شمس الأصيل ونفضت ... على الأفق الغربي ورساً مذعذعا وودعت الدناي لتقضي نحبها ... وشول باقي عمرها فشعشعا ولاحظت النوار وهي مريضة ... وقد وضعت خداً إلى الأرض أضرعا كما لاحظت عواده عين مدنف ... توجع من أوصابه ما توجعا وطلت عيون النور تخضل بالندى ... كما اغرورقت عين الشجي لتدمعا وبين إغضاء الفراق عليهما ... كأنهما خلا صفاء تودعا وقد ضربت في خضرة الأرض صفرة ... من الشمس فاخضر اخضراراً مشعشعا وأذكى نسيم الروض ريعان ظله ... وغنى مغني الطير فيه فرجعا وغرد ربعي الذباب خلاله ... كما حثحث النشوان صنجاً مشرعا وكانت أهازيح الذباب هناكم ... على شدوات الطير ضرباً موقعا هذا يقوله في قصيدة وصف فيها قوس البندق، فأجاد ما أراد إذ يقول: كأن لباب التبر عند انتضائها ... جرى ماؤه في ليطها فتربعا تراك إذا ألقيت عنها صيانها ... سفرت به عن وجه عذراء برقعا كأن قراها والفزور التي به ... وإن لم تجدها العين إلا تتبعا مذر سحيق الورس فوق صلاءة ... أدب عليها دارج الذر أكرعا لها أول طوع اليدين وآخر ... إذا سمته الإغراق فيه تمنعا تدين لمقرون أمرت مريره ... عجوز صناع لم تدع فيه مصنعا تأيت صميم المتن عقود كأنها ... رؤوس المداري ما أشد وأوكعا لها عولة أولى بها ما تصيبه ... وأجدر بالإعوال من كان موجعا وقال كشاجم: وروضة صنف النوار جوهره ... فيها فما شئت من حسن ومن طيب كأن ما تجتنيه من زخارفها ... أخلاق مستحسن الأخلاق محبوب ما انفك للعين فيها أعين ذرف ... تبكي بدمع من الأنواء مسكوب حتى كأن أفانين النبات بها ... على الميادين ألوان اليعاسيب كأن غدرانها بالروض محدقة ... تعيين ثوب من الموشي معصوب أو أكؤس من رحيق مترعة ... موضوعة بين فتيان مناجيب كأنما الطير في حافاتها حزقاً ... بيض زهين بتطريف وتخضيب +مرجعات صفيراً من مخضرة=وصلن فيهن تغريداً وبتطريب كأنهن قيان والصفير غناً ... وكالمناقير أصناف المضاريب باكرتها وكأن البدر شادخة ... في وجه لاحقة الأقراب سرحوب مستصحباً شكة ليست ليون وغى ... ولا لثأر لدى الأعداء مطلوب وفي يساري من الخطى محكمة ... متى طلبت بها أدركت مطلوبي

стр. 50

للوعل باطن شطريها ومعظمها ... من عود سمراء صماء الأنابيب تأنق القين في تزيينها فغدت ... تزهى بأحسن تفضيض وتذهيب في وسطها مقلة منها تبين ما ... ترمي فما مقتل منها بمحجوب فقمت والطير قد حم الحمام لها ... على سبيلي في عودي وتجريبي حتى إذا كحلت بالطين مقلتها ... قدت عليهن حتفاً [جد] مصبوب فرحت جذلان لم تكدر مشاربي لذاتي ولم تلق آمالي بتخييب وراح صحبي من صيدي وشكرهم ... وقف على ما اجتنوا من حسن مصحوب قطعة من رسالة لأبي إسحاق الصابئ في قوس البندق: أقبلت رفقة [من] الرماة، قد برزت قبل الذرور والشروق، وشمرت عن الأذرع والسوق، متقلدين خرائط، شاكلت السيوف بحمائلها ونياطها، وناسبتها في آثارها ونكايتها، تحمل من البندق الموزون المفتول الملمون، ما هو في الصحة والاستدارة كاللؤلؤ المنظوم، كأنما خرط في الجهر، فجاء كفتات الفهر، وقد اختير طينه، وأحكم عجينه، فهو كالكافور المصاعد في اللمس والمنظر، وكالعنبر الأذفر، في المشم والمخبر، مأخوذ من خير مواطنه، مجلوب من أطيب معادنه، كافل بأكف حامليه، محقق لآمال آمليه، ضامن لحمام الحمام، متناول لها من ابعد المرام، يعرج إليها وهو سم ناقع، ويهبط إليهم وهو رزق نافع، وبأيديهم قسي مكسوة بأغشية السندس، مشتملة منها بأفخر ملبس، مثل الكماة في جواشنها ودروعها، والجياد في جلالها وقطوعها، حتى إذا جردت من تلك المطارف، وانتضيت من تلك الملاحف، ورأيت منها مناظر معجبة أنيقة، وقدوداً مخطفة رشيقة، صليبة المكاسر والمعاجم، نجيبة المنابت والمناجم، خطية الانتماء والمناسب سمهرية الاعتزاء والمناصب، تركبت من شظايا الرماح الداعسة، وقرون الأوعال الناخسة، فحازت الشرف من طرفيها، واحتوت عليه بكلتا يديها، وقد تحنت تحني المشيخة النساك، وصالت صيال الفتية الفتاك، طواهرها صفر وارسة، ودواخلها سود دامسة، كأن شمس أصيل طلعت على متونها، أو جنح ليل اعتكر في بطونها، أو زعفراناً جرى في مناكبها، أو غالية جمدت على ترائبها، أو هي قضبان فضة ذهب شطرها وأحرق الشطر، أو حيات رمل اعتنق السود منها الصفر، فملا توسطوا تلك الروضة، وانتشرت على أكناف تلك الغيضة، وثبتت للرمي أقدامهم، وشخصت للطير أبصارهم، أوتروها بكل وتر [فوق سهمه منه وهو مفارق للسهم وخارج عنه] مضاعف عليها من وترين، كأنه رمح ذو جسدين، أو عناق ضم مجتمعين، في وسطه [عين] كشرجة كيس مختوم، أو سرة بطن خميص مهضوم، محولة عن المحاذاة، مزورة عن الموازاة، كأنها متحاذر ينظر شزراً، أو مصغ يستمع سراً، تروع قلوب الطير بالإنباض، وتصيب منها مواقع الأغراض، فلم يزل القوم يرمون ويضيبون، وينجحون ولا يخيبون، حتى خلت من البندق خرائطهم، وامتلأت من الصيد حقائبهم، فكم من أفرخ زغب أيتموها فضاعت، ومن آباء لها وأمهات استجابوها فأطاعت، وقد انقادت نوافرها صغراً، واقتسرت أدانيها قسراً، وكسرت أجنحتها وجأجيها، واستطارت في الجو قوادمها وخوافيها، فأصبحت بين عاثر لا ينهض من عثاره، ومهيض وحضر فرأيت كبشاً متقادم الميلاد، من نتاج قوم عاد، قد أفنته الدهور، وتعاقبت عليه العصور، فظننته أحد الزوجين اللذين حملهما نوح في سفينته، وحفظ بهما جنس الغنم لذريته، صغر عن الكبر، ولطف عن القدم، فبانت دمامته، وتقاصرت قامته، وعاد ناحلاً ضئيلاً، بالياً هزيلاً، بادي السقام، عاري العظام، جامعاً للمعايب، مشتملاً على المثالب، يعجب العاقل من حلول الحياة به، وتأتي الحركة له، لأنه عظم مجلد، وصوف ملبد، ولا تجد فوق عظامه سلباً، ولا تلقى يدك منه غلا خشبا، لو ألقي إلى السبع لأباه، ولو طرح للذئب لعافه وقلاه، قد طال للكلأ فقده، وبعد بالمرعى عهده، لم ير القت إلا نائماً، ولا عرف الشعير إلا حالماً.

стр. 51

وقد خيرتني بين أن أقتنيه فيكون فيه غناء الدهر، أو أذبحه فيكون فيه خصب الأهل. فملت إلى استبقائه لما تعرفه عني من رغبتي في التوفير، ومحبتي للتثمير، وجمعي للولد، وادخاري لغد، فلم أجد فيه مستمتعاً لبقاء، ولا مدفعاً لفناء، لأنه ليس بأنثى تحمل، ولا بفتى ينسل، ولا بصحيح يرعى، ولا بسليم يبقى، فملت إلى الثاني من رأيك، وعملت على الآخر من قولك، وقلت: أذبحه فيكون وظيفة للعيال، وأقيمه رطباً مقام قديد الغزال، فأنشدني وقد أضرمت النار، وشمر الجزار، وحدت الشفار [قول أبي الطيب] : أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم وقال: ما الفائدة لك من ذبحي وأنا لم يبق إلا نفس خافت ... ومقلة إنسانها باهت لست بذي لحم لأصلح للأكل، لأن الدهر قد أكل لحمي. ولا جلدي يصلح للدباغ لأن اليام قد مزقت أديمي، ولا صوفي يصلح للغزل لأن الحوادث قد حصت وبري. فإن أردتني للوقود، فكف حطب أبقى من ناري، ولن تفي حرارة جمري بريح قتاري، فلم يبق إلا أن تطالبني بذحل، أو بيني وبينك دم؟.. فوجدته صادقاً في مقالته، ناصحاً في مشورتهن ولم أعلم من أي أمريه أعجب، أمن مماطلته الدهر بالبقاء، أم صبره على الضر والبلاء! أم قدرتك عليه مع إعواز مثله! أم تأهيلك الصديق مثله مع خساسة قدره! ويا ليت شعري إذا كنت والي سوق الغنم، وأمرك ينفذ في الضأن والمعز، وكل كبش سمين وحمل بطين مجلوب إليك، مقصور عليك، تقول فلا ترد، وتريد فلا تصد، وكانت هديتك هذا [النذر] الذي كأنه ناشر القبور، أو قائم عند النفخ في الصور، فما كنت مهدياً لو كنت رجلاً من عرض الكتاب؟!.. كأبي علي وأبي الخطاب، ما كنت تهدي إلا كلباً أجرب، أو قرداً أحدب، والسلام. وقال أبو حية النميري: ألا أيها الربع القواء ألا انطق ... سقتك الغوادي من أهاضيب فرق مرابع وسمي تسوق نشاطه ... مرور الصبا في العارض المتألق وما أنت إلا ما أرى بعدما أرى ... يد الحي في زي لعيني مونق غراب ينادي يوم لا القلب عقله ... صحيح ولا الشعب الذي شت ملتق جزيت غراب البين شراً فطالما ... شحيت بتشحاح الغراب المنعق ورقراقة تفتر عن متنشق ... كنور الأقاحي طيب المتذوق إذا امتضغت بعد امتتاع من الضحى ... أنابيب من عود الأراك المخلق سقت شعث المسواك ماء غمامةٍ ... فضيضاً بخرطوم الرحيق المصفق وإن ذقت فاها بعدما سقط الندى ... بعطفي بخنداة رداح المنطق شممت العرار الغض غب هميمة ... ونور الأقاحي في الندى المترقرق شرقت بريا عارضيها كأنما ... شرقت بداري العراق المعتق وهذا شعر طريف الصنعة، حسن الوشي، جيد النمط، صافي السبك، وكذلك جميع شعر أبي حية وقد ملح ما شاء في وصف الثغر وطيب النكهة، وهو معنى كثير حسن جميل قد مرت منه قطعة. وقال العباس بن الفرج الرياشي: سمعت الأصمعي يقول: أحسن ما سمعت في وصف الثغر قول ذي الرمة: وتجلو بفرع من أرك كأنه ... من العنبر الهندي والمسك يصبح ذرا أقحوان واجه الليل وارتقى ... إليه الندى من رامة المتروح هجان الثنايا مغرباً لو تبسمت ... لأخرس عنها كاد بالقول يفصح وكتب كشاجم إلى بعض القيان وأهدى إليها مسواكاً: قد بعثناه لكي يجلى به ... واضح كالؤلؤ الرطب أغر طاب منه العرف حتى خلته ... كان من ريقك يسقى في الشجر وأما والله لو يعلم ما ... حظه منك لأثنى وشكر ليتني المهدى فيروي عطشي ... برد أنيابك في كل سحر وقد أحسن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر إذ يقول: وإذا سألتك رشف ريقك قلت لي ... أخشى عقوبة مالك الأملاك ماذا عليك، دفعت قبلك للثرى ... من أن أكون خليفة المسواك أيجوز عندك أن يكون متيم ... صب بحبك دون عود أراك كتب شمس المعالي إلى الوزير أبي جعفر العتبي يهنئه بمولود:

стр. 52

طرقنا البشير أطال الله بقاء مولاي الشيخ بقدوم فارس ندب شد أزره، وطلوع صبح من أفقه أضاء فجره، وانتضاء نصل من قرابة قاطع، وإشراق بدر من أحشاء ليلته طالع، فتهللت الوجوه فرحاً، واستهلك الجماعة مرحاً، وقلت من بينهم: لله هو? فلقد بان جوهره وأغرب، وواهاً له فنعم ما نجل عنصره فأنجب، وأخذنا نزجر للمولود طالع السعود، ونرتاد له اسماً نشتقه من كنى الجدود، ونعد للنثار نفائس الشعار والدثار، ونبذل للبشير الوارد طرائف الطريف والتالد، ونستعجل الأنس بتدبير عقيقته، وتهذيبه، ونصرف الفكر في تسليمه إلى المكتب وتأديبه، فبينا نحن نستقبل هذه الأمور، ونستلف المنى والسرور إذ فاجأنا من أخبر أن الفارس راجل، والناصر خاذل، والنصل قراب، والعصا جراب، والغلام كعاب، والمنارة محراب، وصور أن المتحرك ساكن والتامر لابن. فانتقلنا في الحال عن تدبير الختان إلى ارتياد الأختان، وعن شراء الألواح إلى شراء الوشاح، وعن بري النبال إلى صوغ الخلخال، وعن إصلاح الدواة إلى إصلاح المرآة، وعن استدعاء الدرج إلى استدعاء الدرج، وعن إصلاح القلم إلى إصلاح ميل الكتم، وحين استفاض الخبر وورد، وتحدث ذو الشنآن والحسد بأن القوس انقلبت ركوة، والصريح عاد رغوة، والنعمة تحولت نقمة، وأن النيل عاد ويلاً، والصبح عاد ليلاً، وأفصح الشامت بأن المعونة صارت مؤونة، والقاسم أصبح ميمونة، وابتدأ كل يفلع نادرة ويورد حكاية، ويجعلها قدحاً فيك ونكاية، علت بها صبراً، وضقت منها صدراً، وجعلت أقول عندما جعلت الأخبار تطول: مهلاً فإن مولاي قد بدل من البدر شمساً، وهي أبهى في العيون، وعوض من الرمح ترساً وهي أدفع في الحرب للمنون، وربَّ أنثى أنجب من الذكر، واشرف من طريف الخبر: فما التأنيث لاسم الشمس عار ... ولا التذكير للبدر افتخار هذه النفس وهي مؤنثة أشرف من الجسم وإن كثف حجماً، وهذه السماء غير مذكرة وهي ألطف الأشياء وأعظم جرماً، وهذا النبي الأمي عليه أيمن الصلوات هو أبو البنات، ووجدنا الله العلي العظيم قدم الإناث في كتابه العزيز الحكيم حيث يقول: ﴿يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لم يشاء الذكور﴾ ، ووجدنا شعيباً ﵇ بهن تمكن من خدمة الأنبياء الكرام حين صدر الرعاء عن الماء، واحتيج إلى معاونة الأجراء، وكم كاتب استخدم بابنته زمامه، ووزير ملك بها إمامه، وصرف كيف شاء أحكامه، هذا الحسن بن سهل ملك بابنته بوران المأمون، وهذه قطر الندى استخلصت المعتضد لأبيها خمارويه بن أحمد بن طولون، ولعل مولاي ما رزق هذه القادمة إلا ليملك بها سلطاناً عظيماً، وينال شرفاً جسيماً، فالدول أسباب وآثار والجدود أسرار وأقدار. فلما سمع الحسدة ذلك خمد لهبهم وسكن كلبهم، وأنبسو بألسن قد خرست، وبصائر قد اختلست، وأقدام قد تعثرت، وحجج قد دحضت وأبطلت، وأرجو أن يشكر مولاي منابي، ويحمد خطابي، ويرضى مقامي، ويهوى خصامي، والله يمتعه بعثيلة الربرب، ونجيلة الحسب، وجرثومة النسب وجالبة النشب، فأقسم لو أدرك ميلادها شاعر عصرنا لأنشد: فلو كان النساء كمن رزقنا ... لفضلت النساء على الرجال قال المأمون لطاهر بن الحسين: صف لي أخلاق المخلوع، فقال: كان واسع الصدر، ضيق الأدب، يبيح لنفسه ما تأنفه همم الأحرار، ولا يصغي إلى نصيحة، ولا يقبل مشورة، يستبد برأيه فيرى سوء عاقبته، ولا يردعه ذلك عما يهم به. قال: فكيف كانت حروبه؟ قال: كان يجمع الكتائب بالتبذير، ويفرقها بسوء التدبير، فقال المأمون: لذلك ما حل محله، أما والله لو ذاق لذات النصائح واختار مشورات الرجال، وملك نفسه عند شهواتها لما ظفر به. ولما عقد الرشيد البيعة للأمين وهو أصغر من أخيه المأمون، رأي فضل المأمون عليه وإنما أرضى بذلك زبيدة، وأخاها عيسى بن جعفر كان يقول: لقد بان وجه الرأي لي غير أنه ... غلبت على الرأي الذي كان احزما فكيف برد الدر في الضرع بعدما ... توزع حتى صار نهباً مقسما أخاف التواء الأمر بعد استوائه ... وأن ينقض الحبل الذي كان أبرما

стр. 53

ولما خلع المأمون أخاه بخراسان، ووجه بطاهر بن الحسين لمحاربته، كان يعمل بعيوبه كتباً تقرأ على منابر خراسان، ويقف رجل فيذم أهل العراق ويقول: [هم] أهل فسق وخمور، وفجور وماخور، ويعيب الأمين فيقول: استصحب رجلاً شاعراً ماجناً كافراً استخلصه معه لشرب الخمر وارتكاب المآثم ونيل المحارم، وهو الذي يقول: ألا فاسقني خمراً وقل لي: هي الخمر ... ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر وبح باسم من تهوى ودعني من الكنى ... فلا خير في اللذات من دونها ستر فاتصل ذلك بالأمين، فحبس أبو نواس برأي الفضل بن الربيع، ثم أطلقه بعد أن أخذ عليه عهداً ألا يشرب الخمر ولا يقول فيها شعراً، فقال أبو نواس: أيها الرائحان باللوم لوما ... لا أذوق المدام إلا شميما نالني بالملام فيها إمام ... ما أرى لي خلافه مستقيما فاصرفاها إلى سواي فإني ... لست إلا على الحديث نديما كبر حظي منها إذا هي دارت ... أن أراها وأن أشم النسيما فكأني وما أزين منها ... قعدي يزين التحكيما كل عن حمله السلاح إلى الحر ... ب فأوصى المطيق ألا يقيما القعدة: فرقة من الخوارج يرون الخروج ولا يخرجون. وزعم المبرد أنه لم يسبق إلى هذا المعنى. وقال في ذلك أيضاً: غننا بالطلول كيف بلينا ... واسقنا نعطك الثناء الثمينا من سلاف كأنها كل شيء ... يتمنى مخير أن يكونا أكل الدهر ما تجسم منها ... وتبقى لبابها المكنونا فإذا ما لمستها فهباء ... يمنع الكف ما تبيح العيونا ثم شجت فاستضحكت عن لآل ... لو تجمعن في يد لاقتنينا في كؤوس كأنهن نجوم ... دائرات، بروجها أيدينا طالعات من السقاة علينا ... فإذا ما غربن يغربن فينا لو ترى الشرب حولها من بعيد ... قلت: قوم من قرة يصطلونا وغزال يديرها ببنان ... ناعمات يزيدها الغمز لينا كلما شئت علني برضاب ... يترك القلب للسرور قرينا ذاك عيش لو دام لي غير أني ... عفتها مكرهاً وخفت الأمينا وله في ذلك شعر كثير وإنما تبع أبا معاذ بشار بن برد في ذلك لأنه لما قال: لا يؤيسنك من مخبأة ... قول تغلظه وإن جرحا عسر النساء إلى مياسرة ... والصعب يمكن بعدما جمحا بلغ ذلك المهدي فغاظه وقال: يحضر الناس على الفجور، ويسهل لهم السبيل إليه، فقال له خاله يزيد بن منصور الحميري وكان مراغماً لبشار: يا أمير المؤمنين: إن النساء قد فتن بشعره، وأي امرأة لا تصبو إذا سمعت قوله: عجبت فطمة من نعتي لها ... هل يجيد النعت مكفوف البصر بنت عشر وثلاث قسمت ... بين غصن وكثيب وقمر درة بحرية مكنونة ... مازها التاجر من بين الدرر أذرت الدمع وقالت: ويلتي ... من ولوع الكف ركاب الخطر أمتي بدد هذا لعبي ... ووشاحي حله حتى انتثر فدعيني معه يا أمتي ... علنا في خلوة نقضي الوطر أقبلت في خلوة تضربها ... واعتراها كجنون مستعر بأبي والله ما أحسنه ... دمع عين غسل الكحل قطر أيها النوام هبوا ويحكم ... وسلوني اليوم ما طعم السهر فنهاه المهدي عن الغزل، فقال في ترك ذلك: يا منظراًحسناً رأيته ... من وجه جارية فديته لمعت إلى تسومني ... ثوب الشباب وقد طويته والله رب محمد ... ما إن غدرت ولا نويته أعرضت عنك وربما ... عرض البلاء وما أبتغيته ويشوقني بين الحبي? ... ب إذا ادكرت وأين بيته ومخضب رخص البنا ... ن بكى علي وما بكيته إن الخليفة قد أبى ... وإذا أبى شيئاً أبيته قام الخليفة دونه ... فصبرت عنه وما قليته ونهاني الملك الإما ... م عن النساء فما عصيته بل قد وفيت ولم أضع ... عهداً ولا وأياً وأيته وقال في ذلك أيضاً: والله لولا رضا الخليفة ما ... أعطيت ضيماً علي في شجني قد عشت بين الندمان والرا ... ح والمزهر في ظل مجلس حسن ثم نهاني المهدي فانصرفت ... نفسي فعال الموفق اللقن ومن شعره المعجب في الغزل قوله:

стр. 54

أيها الساقيان صبا شرابي ... واسقياني من ريق بيضاء رود إن دائي الصدى وإن شفائي ... شربة من رضاب ثغر برود عندها الصبر عن لقائي وعندي ... زفرات يأكلن قلب الحديد ولها مبسم كغر الأقاحي ... وحديث كالوشي وشي البرود نزلت في السواد في حبة القل? ... ب ونالت زيادة المستزيد ثم قالت: نلقاك بعد ليال ... والليالي يبلين كل جديد ما أبالي إن ضن عني بوصل ... إن قضى الله منك لي يوم جود وله أيضاً: فلو عاينوها لم يلوموا على البكا ... كريماً سقاه الخمر بدر مخلق وكيف تناسي من كان حديثه ... بإذني وإن عنيت قرط معلق وقوله: كأنها حين راحت في مجاسدها ... فارتج أسفلها واهتز أعلاها حوراء جاءت من الفردوس مفتنة ... كالشمس طلعتها والمسك رياها من اللواتي غدت فرداً وشق لها ... من جيبه الحسن سربالاً فراداها راحت ولم تعطه برءاً لعلته ... بها ولو سألته النفس أعطاه تغمه نفسه من طول صبوته ... حتى لو اجتمعت في الكف ألقاها ما شاهد القوم إلا ظل يذكرها ... ولا خلا ساعة إلا تمناها وقوله: وصفراء مثل الزعفران شربتها ... على صوت صفراء الترائب رود حسدت عليها كل شيء يمسها ... وما كنت لولا حبها بحسود كأن مليكاً جالساً في ثيابها ... تؤمل رؤياه عيون وفود من البيض لم تسرح على أهل ثلة ... سواماً ولم ترفع حداج قعود تميت بها ألبابنا وقلوبنا ... مراراً وتحييهن بعد همود إذا نطقت صحنا وصاح لها الصدى ... صياح جنود وجهت لجنود ظللنا بذاك الديدن اليوم كله ... كأنا في الفردوس تحت خلود ولا بأس إلا أننا عند أهلها ... شهود وما ألبابنا بشهود وقوله: لعمر أبي زوارها الصيد إنهم ... لفي منظر منها وحسن سماع تصلي لها آذاننا وعيوننا ... إذا ما التقينا والقلوب دواع وصفراء مثل الخيزرانة لم تعش ... ببؤس ولم تركب مطية راع جرى اللؤلؤ المكنون فوق لسانها ... لزوارها من مزهر ويراع إذا قلدت أطرافها العود زلزلت ... قلوب دعاها للوساوس داع كأنهم في جنة قد تلاحقت ... محاسنها في روضة وبقاع يروحون من تغريدها وحديثها ... نشاوى وما تسقيهم بصواع لعوب بألباب الرجال إذا دنت ... أضيع النهى والغي غير مضاع وقال: درة حيثما أديرت أضاءت ... ومشم من حيث ما شم فاحا وجنان قال الإله لها كو ... ني فكانت روحاً وروحاً وراحا وقال: تلقى بتسبيحة من حسن ما خلقت ... وتستفز حشا الرائي بإرعاد كأنما صورت من ماء لؤلؤة ... فكل جارحة وجه بمرصاد ومثل تلقى بتسبيحة.. قول أبي بكر محمد بن دواد الصبهاني فيما وجد له منقوشاً على جوهرة: لما لحظت بناظري ... وجهاً بديع الحسن مفرد قالت محاسن وجهه: ... بالله صل على محمد صلى الله على أكرم مولود دعا لأعظم معبود، وعلى آله الطيبين، وأصحابه المنتخبين وسلم.

стр. 55

قد أتممت هذا الكتاب عن طريق اختصار، وسبيل اختيار، ولو أردت لمددت إلى ما يربي على الغاية، ويوفي على النهاية، إذا ذاك متيسر غير متعذر، ومتسع غير ممتنع، وإنما أغريت أن أجري إلى رضاك، حسب مبتغاك، فكان كتابي باكورة حلت، غير أنها قلت، وفي هذا الكتاب أكثر المعونة بأيسر المؤونة على تنبيه نائم الخواطر، وتحريك ساكن السرائر لمن يجول في ميدان المخاطبة والمكاتبة، ويأخذ بعنان المذاكرة والمحاورة، إذا طرز به ديباج كلامه وحلى عاطل نثره ونظامه، فمن سهلت بحفظ البلاغات حواشي لسانه، تصورت صورها في جنانه، فمتى حاول كتاباً أو زاول خطاباً قامت إلى لفظه من شعاب حفظه خدام الإصابة على أقدام الإجابة، تسايره بالنصر فيما يممه من أمر، فللبلاغات أدوات يقتفى أمثالها، ويحتذى مثالها، فأولاها بعد إقامة اللسان وحفظ كلام أمراء البيان وبخاصة أهل هذا الزمان، إذ النفس أقرب إلى ما قرب منها مما بعد عنها، وهي أحق وأحجى أن تكون لإدراكه أرجى، ولا سيما إذا رأى العربي الصريح نطق العجم باللسان الفصيح، في ألفاظ لو اجتلين جواهرها، واجتنيت زواهرها، لكسدت صناعة الحلى والحلي، وبارت بضائع الوسمي والولي. [شعر] : ولم تتشوق للربيع نفوسنا ... ويضح على الدنيا بها منشد يشدو سقى الله ورداً صار خد ربيعنا ... فقد كان قبل اليوم ليس له خد فعلم أنهم شغلوا أسرارهم واستعملوا أفكارهم، من نقس تلك الرقوم ووشي تلك الرسوم، بما استقرأه وتتبعه لصار معهم كما صاروا معه، في حقه الذي عليه غصب، وفيه غلب، فكثير ممن أوردت عليك روائع حكمهم، وبدائع كلمهم، أعاجم درت لهم الفصاحة بغير عصاب، وسبقت إليهم الرجاحة بغير اغتصاب إذ علموا ما آية معانيها، وكيفية مبانيها، وقد قالت الفلاسفة: "حد الإنسان الحي الناطق، فكلما كان رتبة المنطق أعلى، كان بالإنسانية أولى". وأمر المأمون بإسقاط رجل من الجند، فقال: يا أمير المؤمنين لم أسقطتني؟ قال: لأن روح الحياة إذا ظهر كان جمالاً، وإذا بطن كان بياناً، وأنت لا ظاهر لك ولا باطن. فحق كل ذي فضل وعقل أن يكون كما قال بعض الحكماء: "يجب على العاقل أن ينظر في المرآة، فإن كان وجهه حسناً لم يشته بقبيح، وإن كان قبيحاً لم يجمع بين قبيحين". فالحمد لله الذي جعل جمال منظرك موازياً لجمال مخبرك، وشامخ فرعك مقارناً لراسخ عنصرك: فلو كنت ماءً كنتَ غمامةٍ ... ولو كنتَ دُرَّاً كنتَ من درَّةٍ بكرِ ولو كنتَ لهواً كنتَ تعليل ساعةٍ ... ولو كنتَ نوماً كنتَ إغفاءة الفجرِ ولو كنت ليلاً كنتَ قمراً جُنِّبت ... نحوس ليالي الشهرِ أو ليلةَ القدرِ وأقول: والله حسبي فيكَ من كلِّ ما ... يُعوِّذُ العبد به المولى فاسم وعشْ ولا زلت في نعمةٍ ... أنت بها من غيركَ الأولى كمل الكتاب بحمد الله وحسن توفيقه، ووافق الفراغ من نساخته في ضحى يوم الأربعاء المبارك السادس من شهر رجب الفرد من شهور سنة اثنتين وثلاثين وألف، على يد أفقر العباد إلى عفو الكريم الجليل، الخليل بن خليفة العزيز المكي الرومي الحنفي، عامله الله بلطفه الخفي، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.