Полный текст (88 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
تعرَّ إذا رزئتَ فخير درعٍ ... تُسربْل للمصائبِ ثوبُ صبْرِ
ولمْ أرَ نعمةً شملت كريماً ... كعورة ذي حجي سُترت بقبرِ
قال أحسنت يا أبا تمام، وفض رافعاً الحزن. يُروى عن النبي ﷺ عاد رجلاً من الأنصار، فلما أراد الانصراف، قال: "جعل الله ما مضى كفارة، وأجراً، وما بقي عاقبة وذكراً".
قال أبو لكر بن عباس: كنت، إذ كنت شابا إذا أصابتني مصيبة تصبرت لها، ولم أبكِ، ورددت البكاء ولزمته فكان ذلك يؤذيني، ويوجعني، حتى رأيت إعرابياً واقفا بالكناس على جمل ينشد:
خليلي عُوجا من صدور الرواحلِ ... بجمهور حزوى وابكيا في المنازلِ
لعلَّ انحدارَ الدمعِ يبعثُ راحةً ... من الوجدِ أو يشفي غليلَ البلابلِ
فقلت من هذا؟ فقالوا: ذو الرمَّة، فأصابني بعد ذلك مصائب، فكنت أبكى فوجدت لذلك راحة، فقلت في نفسي، قاتل الله الأعرابي ما كان أبصره، وفي المعنى: [السريع]
أبكِ، فمن أنفعِ ما في البكاءِ ... بأنهُ للحزنِ تسهيلُ
وهوَ إذا أنتَ تأملتهُ ... حزنٌ على الخدينِ محلولُ
كان يقال: أسرع الاستماع، وأبطئ التحقيق. هجا أبو الهول الحميري الفضل بن يحيى، ثم أتاه راغباً إليه فقال: ويلك بأي وجه تلقاني؟ قال: بالوجه الذي ألقى الله تعالى به وذنوبي عنده اعثر، فضحك منه، ووصله.
في دعاء داود ﵇، قال: اللهم إني أعوذ بك من جار عينه تراني، وقلبه يرعاني، إن رأي حسنة كتمها، وإن رأى سيئة أذاعها، سأل النعمان بن المنذر الصقعُب النهدي: فقال: ما الداءُ العياء؟ قال: جار السوء، إن قاولته تهتك، وإن غبت عنه سلبك، قال خلاد الأرقط، إعطاء الشاعر من بر الوالدين، ومدح رجل الرهري بشعر، فأعطاه وقال: من ابتغى الخير اتقى الشر لمسكين الدرامي. [الرمل]
وإذا الفاحشُ لاقى فاحشاً ... فهناكم وافقَ الشنُّ الطبقْ
إنما الفحشُ ومن يعتاده ... كغرابِ السوء ما شاءَ نعقْ
أو حمارِ السوءِ إن أشبعتهُ ... رمحَ الناس وإن جاعَ نهقْ
أو غلامِ السوء إن جوعتهُ ... سرق الجار وإن يشبعْ فسقْ
أو كغيرى رفعتْ عن ذيلهَا ... هل جديدٌ مثلُ ملبوسٍ خلِقْ!
قيل لابن شبرمة: إن فلاناً لا يدري ما الشر يكفيه ذلك، أحرى أن يقع فيه. وقال الطائي: إذا كان الشريد يكفيه الترك فاتركه. قال النبي ﷺ : "ألا أبلغكم بشر الناس، قالوا بلى، قال: من لا يقبل عثرة معذرة، ألا أنبئكم بشر من ذلك، قالوا: بلى، قال: من يبغض الناس يبغضونه.
سمع الأحنف رجلاً يقول: ما أبالي أمُدحت أم هُجيت، فقال له الأحنف: استرحت يا هذا من حيث تعب الكرام. تبع داود بن المعتمر امرأة ظنها من الفواسد، فقال لها: لولا ما رأيت عليك مني سيماء الخير لم أتبعك، فضحكت الامرأة تعجباً، وأسندت ظهرها إلى حائط وقالت: إنما يعتصم مثلي من مثلك بسيماء الخير، فأما إذا صار سيماء الخير هو الدال لمثلك على مثلي فالله المستعان. كتب أحمد بن علي الظاهري إلى الوزير أبي محمد المهلبي: [مجزوء الكامل]
قد مسَّ حالَ أولئكَ الضرُ ... يا منْ إليهِ النهيُ والأمرُ
وصلاحُ عبدِك أنتَ تعرفُهُ ... وإليكِ فيه النفعُ والضرُ
لا تتركنَّ الدهر يظلمني ... ما دام يقبل قولك الدهرُ
حكي عن أبي كثير محمد بن إبراهيم أنه، قال: لما جيء يرأس الحسين بن على ﵉ إلى دمشق، كبّر الناس، فقال أعرابي: [الكامل]
لكأنما بكَ يا بنَ بنتِ محمدِ ... قتلوا جهاراً عامدينَ رسولاَ
ويكبرونَ لأن قتلتَ وإنما ... قتلوا بكَ التكبيرَ والتهليلاَ
فبكيكَ أجفانُ الأجفانُ السحائبِ بكرةً ... وبكيكَ أنفاسُ الرياض أصيلاَ
يا منْ إذا حسنَ العزاءُ على امرئٍ ... كانَ البكاءُ حسناً عليهِ جميلاَ
قال الأوزاعي: إذا أراد الله بقومٍ شراً، أعطاهم الجدل ومنعهم العمل. وقال سفيان جوارحك سلاح الله عليك، بأيها شاء قتلك. وقال بعضهم خرجنا من دارنا يكرم المعشر فاجتزنا بدار أبي محمد بن البادرائي الكاتب، وقد كان الخراب استمر عليها، واستولى، فقرأت على الحصن مكتوب شعر: [مجزوء الكامل]
يا منزلَ القومِ الذين تفرقتْ بهمُ المنازلُ ... أصبحتَ بعدَ عمارةٍ قفراً تخرقك
стр. 37
فلئنْ رأيتكَ موحشاً ... فلقدْ رأيتُ وأنتِ أهلُ
قال الجاحظ: رأيت جارية تباع في بغداد بسوق النخاسين، ينادي عليها، فدعوت بها وجعلت أقبلها، وكان على خدها خال، فأعجبتني، فقلت لها، ما اسمك؟ فقالت: مكه، قلت، وما هذا الخال الذي على خدك؟ قالت: الحجر الأسود، قلت مرادي أقبل الحجر الأسود، فقالت: إليك عني ألم تسمع إلى، قول الله تعالى: (لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس) [النحل:٧] شكا رجل إلى أفلاطون حاله، فقال له ة إنك لن تجد الناش إلا رجلين: إما موقر في نفسه قدمه حطه، أو مقدَماً في نفسه، أخره دهره، فارض. مما أنت فيه اختياراً وإلا رضيت به اضطراراً. قيل إن عيسى بن موسى: دعا جارية إلى فراشه، فلم يقدر على وطئها وعجز فأنشا يقول: [البسيط]
القلبُ يطمعُ والأسبابُ عاجزةٌ ... والنفسُ تهلكُ بينَ العجز والطمع
قال الأصمعي: كنت مع الرشيد بطريق مكة فرأى ناراً من بعيد عالية، فقال ما هذا النجم؟ فقالوا: هذه نار، فقال: كأنها نجم، ما أشك أن العرب قد قالت في هذا أشياء، أين الأصمعي، فأحضرت، وأنشدته لكثير: [الطويل]
نظرْتُ وأصحابي بأيلةٍ موهناً ... وقدْ حانَ من نجمِ الثريَّا تصوبُ
لغرَّةَ ناراً ما تبوحُ كأنها ... إذا ما رمقناها من البعدِ كوكبُ
قال جعفر بن هشام بن عبد الملك يوماً سمعت مثل الأول إذا رمت عنها سلوةً فالشافع. من الحب ميعاد المقابر، فقلت أشعر منه الأحوص حيثُ يقول: [الطويل]
سيبقى لها في مضمر القلبِ والحشى ... سريرةُ حبٍ يومَ تبلى السرائرُ
دخل أعرابي على خالد بن صفوان، فقال: أصلح الله الأمير، الأمير يأمر بملء جرابي هذا حنطة، فقال املأه دراهم فمليء، فحمله وخرج إلى الناس، فقالوا: ما صنعت في حاجتك؟ قال: سألت الأمير ما يشبهني فأمر لي ما يشبهه ابن المعتز: [البسيط]
إني غريبٌ بدارٍ لا كرامَ بها ... كغربةِ الشعرة السوداء في الشمطِ
ما نشرحُ العينَ في شيءٍ تسرُّ بهِ ... ولستُ أبدي الرضا إلا على سخطِ
ما أحسن، قول الديلمي، وأجمله، وأكثر حكمته حيث يقول: [الطويل]
وعدد من الرحمنِ فضلاً ونعمةً ... عليكَ إذا ما جاءَ للخيرِ طالبُ
وإني امرؤٌ لا يُرتجى الخيرُ عندهُ ... يكن هيناً ثقلاً على من يصاحبُ
فلا تمنعنَّ ذا حاجةٍ جاءَ طالباً ... فإنكَ لا تدري متى أنتَ راغبُ
إذا قلتَ في شيء نعمْ فأتمهُ ... فإنْ نعمَ ديناً على الحرِّ واجبُ
وإلا قفُلْ لا واسترحْ وترحْ بها ... لكيلا يقولُ الناس إنكَ كاذبُ
ومنْ ذا الذي يرجو الأباعدَ قربَهُ ... إذا هو لمْ تصلحْ عليهِ الأقاربُ
وكذلك للمقنع الكندي: [الكامل]
أبلُ الرجالَ إذا أردتَ إخاءهم ... وتوسَّمنَّ أمورهم وتفقدِ
فإذا ظفرْتَ يدي الأمانة والتقى ... فيهِ التدينُ قريرَ عينٍ فانشدِ
ومتى يريكَ ولا محالةَ زلةً ... فعلى أخيكَ بفضلٍ حلمكِ فاردُدِ
حُكى أن وفود العرب، وأهل الشعر، والأدب، لا يقبلون برَّ من يعطى بسؤال، ويسمح إذا حثّ على نوال. قال الأعشى.
مررتُ بأقوامٍ فعافت حياضهم قلوصى ... وكان الشرب منها بمائكا
وما ذاكَ إلا أنْ كفيكَ بالنَّدى ... تجودان بالإعطاء قبل سؤالكما
وهذا من جزل المديح سمو الكلام الجزل الصحيح، وقد أحسن كثير عزة حيثُ يقول: [الكامل]
عمَّ الرداءٌ إذا تبسَّمَ ضاحكاً ... ذلتْ لضحكته رقابُ المالِ
سعى ساع إلى كسرى فأجابه، إن كانت السعاية صحيحة فهي بك قبيحة، فإن كنت أردت النصح فخسرانك أكثر من الربح، ومعاذ الله أن أقبل من مهتوكٍ في مستور، ولولا أنك في خفارة شيبك لقابلناك مما يقابل به أمثالك: [الكامل]
ومُهَفهفٌ لما تملكَ مُهجتي ... هجرَ الوصالَ وأوصلَ الهجَرا
لو أنَّ فيهِ لمُستضامٍ نصرةً ... ما كانَ يظلمُ ردفُهُ الخصْرا
لبعضهم:
صن النفسَ وأحملها على ما يزينُها ... تعشْ سالماً والقولُ فيكَ جميلُ
ولا ترين الناس إلا تجمُّلاً ... كبابِكَ دهرٌ أو جفاكَ خليلُ
يعزُّ غنيُّ النفسِ لو قلَّ مالُهُ ... ويغْنى غنيُّ المالِ وهو ذليلُ
стр. 38
فلا خيرَ في ود! ِّ امرئٍ متلونٍ ... إذا الريحُ مالتْ مالَ حيثُ بخيلُ
جواد إذا استغنيتَ عنهُ بمالهِ ... وعندَ نزولِ النائباتِ بخيلُ
وما أكثرَ الأخوانَ حينَ تعدُّهم ... ولكنهم في النائيات قليلُ
قيل إن أبا دلف العجلي أقام ببابه أعرابيٌ شهراً يستمحنه، فلم يصله بشيء، فكتب إليه: [الكامل]
ماذا أقولُ إذا سئلتُ وقيلَ لي ... ماذا لقيتَ منَ الجوادِ المفضلِ
إن قلتُ أعطاني كذبتُ وإن أقلْ ... بخلَ الجوادُ بمالهِ لمْ يجملِ
فاختر لنفسكَ كيفَ شئتَ فإنني ... لابدَّ مخيرهُم وإنَّ لم أسألِ
فنقد إليه بعشرة آلاف درهم: وكتب جوابه: [الكامل]
أعجلتنا فأتاكَ قلُّ عطائنا ... ولو انتظرْتَ أتاكَ غيرُ مقللِ
فخذِ القليلَ وكنْ كأنكَ لم تسلْ ... ونكونُ نحنُ كأننا لم نسألِ
قال عمر بن الخطاب ﵁ : من عرض نفسه للتهمة، فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده، ضع أمر أخيك على أحسنه، حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سواءاً، وأنت تجد له في الخير محملاً، وما كافأت من عصا الله فيك يمثل أن يطيع الله فيه، وعليك بإخوان الصدق، وكن في اكتسابهم فإنهم زين عند الرخاء، وعدة عند البلاء، ولا تهاون بالحلف بالله فيهينك الله تعالى.
روى معاذ بن جبل، قال: قد شهد رسول الله ﷺ إملاك رجل من أصحابه، فقال: "على الألفة، والطائر المأمون وسعة الرزق، بارك الله لكم دففوا على رأسه".
قال: فجيء بدف وجيء بأطباق عليها فاكهة وسكر، فقال النبي ﷺ : "انتهوا"، فقال يا رسول الله: أو لم تنهنا عن النهبة؟ فقال: "إنما نهيتكم عن العساكر، أما العرسات فلا".
قال فجاذبهم النبي عليه الصلاة، والسلام وجاذبوه.
دخل رجل على ابن حاجب النعمان الوزير فاعتذر من إغبابه الزيارة، وترك الملارمة، والتردد إليه، فقال الوزير: يا هذا قلة المصير مع الود في الضمير، خير من كثرة الحضور مع الغل في الصدور. حكي عن بعض أهل البصرة: أنه رأى على باب بعض مدائن البحر القاصية. مكتوباً: بسم الله الخالق الخلق، وصاحب الرزق.
ما أعجب قصتي، وأعظم محنتي، أقصتني الخطوب، وأقصدتني النكوب، حتى بلغت به هذا الموضع المهوب، ولو كان للبعد غاية استحق من هذا المحل لبلغني إليها، ولم يقنع لي إلا بها، وتحت مكتوب: [المتقارب]
ومنْ شدةٍ لا يموتُ الفتى ... ولكنْ لميقاته يهلكُ
فسبحانَ مالكَ ما في السَّماءِ ... والأرضِ حقّا لا يملكُ
قال بعض الشعراء: قرأت على صخرة بجيزة قبرص، يقول: فلان بن فلان البغدادي، قذف بي الزمان إلى هذا المكان، وتحته: [الطويل]
إلى اللهِ أشكو لاَ إلى النَّاس إنَّهُ ... على كشفِ ما ألقي منَ الهمِّ قادرُ
قال بشر بن الحارث الحافي: أشد الأعمال ثلاثة: الجود مع القلة، والورع في الخلوة، وكلمة حق عند من يخاف، ويرجأ لبعضهم: [الخفيف]
وإذا ما جهلتَ ودَّ صديقٍ ... فاختبرْ ما جهلتَ بالعلمانِ
إنَّ وجهَ الغلامِ يبينكَ عمَّا ... في ضميرِ المولى منَ الكتمانِ
قرئ على لوح قبر. مقيم إلى أن يبعث الله خلقه لقاؤك لا يرجى، وأنت قريب. [الطويل]
تزيدُ بلاءً في كلِّ يومٍ وليلةٍ ... وتنسى كما تبلى وأتتَ حبيبُ
ووجد منقور في جبل اصطخر، رب مغبوط بنعمة هي داؤه، ومرحوم من سقم هو شفاؤه ومحسود على رخاء هو بلاؤه، سمع عمر بن دينار، أعرابياً يقول: زهدك في راغب نقص، ورغبتك في زاهد ذل نفس قال بعض الشعراء متغزلاً، وهو بالدنيا أليق: [المنسرح]
ما كنتُ أيامَ كنتِ راضيةً ... عنَّي بذاكَ الرِّضا بمغتبطِ
علماً بأنَّ الرِّضا سيتبعهُ ... منكِ التَّجنِّي وكثرةُ السَّخطِ
فكلَّما ساءني فعنْ خلقٍ ... منكِ ما سرَّني فعنْ غلطِ
لأبي بكر الخالدي: [الكامل]
والبدرُ منثقبٌ بغيمٍ أبيضَ ... هو فيه بينَ تستُّرٍ وتبرُّجِ
كنفسِ الحسناءِ في المرآة إذْ ... كملتْ محاسنها ولم تتزوجِ
وفي معناه لأبي معمر أروي: [البسيط]
يا ربَّ ليلٍ طويلِ الباعِ باعَ لهُ ... جفني الرُّقادَ بدمعي إذا رقرقهُ
стр. 39
كأنَّما البدرُ لمَّا أنْ بدا كملاً ... والغيمُ يحسبهُ طوراً ويطلقهُ
وجهُ الحبيبِ عتابي ظلَّ يلبسهُ ... ثوبَ الحياءَ ولعتابي يمزِّقهُ
حكي أنه لما شهد أبو علقمة المري عند عبد الله بن نوار القاضي، ووقف في قبول شهادته، فقال له: لم وقفت في قبول شهادتي وإجرائها؟ قال: بلغني انك تلعب بالكلاب، والصقور، قال: من أخبرك أني جاد في الصيد بها غير لاعب؟ فهل وقف المخبر لك على فرق ما بين الجد، والهزل، قال: لا، ثم أجاز شهادته. لأبي علي بن شبل: [الطويل]
فمنْ مبصرٍ أمراً تحامى دلوجهُ ... ومن والجٍ فيه درى كيفَ يخرجُ
واحرَّ لاَ منْ ذاولاَ ذاكَ خابطٍ ... لعشواءِ ليلٍ دونها الباد مريحُ
يروى أنه بالمدينة امرأة جميلة فنظرت في المرأة، وقالت: لزوجها هل أحد من الناس يرى هذا الوجه، فلا يفتنن به؟ قال: نعم، عبد الله بن عمر بن الخطاب، قالت: فتأذن لي، حتى أفتنه؟ قال: نعم، فأتته كالمستغيثة له، فاستحلت معها في ناحية المسجد، ثم سفرت له عن وجهها، وهي في غاية الحسن، والجمال.
فقال لها: اتقي الله يا أمة الله، قالت: إني قد فتنت بك فانظر في أمري، فقال إني سائلك الله عن شيء فإن صدقت فعلت، قالت، وما هو؟ قال: أخبريني لو أن ملك الموت دخل عليه لقبض روحك أكان يسرك قضيت لك حاجة؟ قالت: لا، قال: فاتقي الله يا أمة الله، فقد أنعم عليك، وأحسن إليك.
قالوا: فرجعت إلى زوجها، فقال لها: ما صنعت؟ قالت: نحن، والله بطالون، ثم أقبلت على الصوم، والصلاة، والعبادة، فكان زوجها يقول: ما لي ولعبد الله بن عمر أفسد علي زوجتي كانت عروسة صارت راهبة، للهذلي: [البسيط]
لوْ كانَ للدَّهرِ مالٌ كانَ متلدهِ ... وكانَ للدَّهرِ صخرٌ مالِ قنانِ
آبي الهضميةٍ نابٍ بالعظيمة ... متلاف الكريمةُ لا سقطُ، ولا وانِ
رباءُ مرقبة قوال محكمة ... دفّاعُ مفلتةُ قطَّاعُ أقرانِ
حامي الحقيقةِ نسَّالُ الوديعةِ ... معتاقُ الوسيقة جلدُ غير ثنيانِ
سهَّادُ انديةٍ حمَّالُ ألويةٍ ... هبَّاطُ أوديةٍ سرحانُ فتيانِ
يحمي الصِّحابَ إذا سالَ البرزُ ... ويكفي القائلين إذا ما كبلَ العاني
ويتركُ القرنَ مصفرَّاً أناملهُ ... كأنَّ في ريطتيهِ نضخُ أرقانِ
يعطيكَ ما لا تكادُ النفسُ تسألهُ ... منَ البلاد وهوبٍ غيرُ منَّان ِ
كان رجل يسمى وثاباً وسمي كلبه عمرو فقيل له فيه: [الرجز]
لو هيأ لهُ الله منَ التوفيق أسباباً ... لسمَّى نفسهُ عمروُ وسمَّي الكلبُ وثابا
للأصمعي قال: حدثني العلاء بن أسلم، قال: عزمت على الخروج إلى مكة، فجاءني أسلم بن عقبة، وكان أخا ذي الرمة غيلان، فقال لي: يا ابن أخي إنك تريد سفراً يحضر الشيطان فيه حضوراً لا يحضر في غيره.
فاتق الله وصل الصلاة في وقتها تصليها لا محالة، وهي تنفعك، واعلم أن لكل رفقة كلب ينبح عليهم، أن كان عاداً تقلده دونهم، فلا تكونن كلب الرفقة. كان مطرف بن عبد الله يكره أن يقول: للكلب اخسأ، ومن دعائه على قوم لا يمنعون كلابهم من دخول مصلاهم، اللهم احرمهم بركة صيدهم. أعرابي يذم رجلاً: [الطويل]
نزلنا بعمارَ فأشلا كلابهُ ... علينا فكدنا بينَ بيتيهِ نوكلُ
فقلتُ لأصحابي اسرِّ إليهمُ ... إذا اليومَ أمْ يومُ القيامةِ أطولُ
آخر يذم رجلاً: [الكامل]
ولقدْ دخلتُ على زيادِ مرَّةً ... فظنتهُ ممَّنْ يضرُّ وينفعُ
فإذا زيادٌ في الرِّجالِ كأنَّه ... مشطٌ يقلَّبهُ خصيٌ أصلعُ
قال الخبر أرزي حدثنا شيخ أديب من أهل البصرة أنه خرج يوماً من لبغداد إلى موضع بها تسمى كرخايا، قال فوصلت إلي عبارة الياسمين، فجلست أتنسم الهوى، وإذا بفتى عليه أطمار رثة ومعه دفاتر ومحبرة ينسخ، فقلت يا فتى: مع هذا الجمال، والحسن أنت بهذا الشقاء فنظرتي نظر متعجب مني وقال: شقائي هذا أحلى طعماً.
وأحمد عافية في الأولي، والآخرة من تنعمك، فقلت، وما دليلك على قولك؟ قال لأنك تذل، ولا أذل، وتراقب، ولا أراقب، وتخدم، ولا أخدم، وتطمع، ولا أطمع، وأغدو، وأروح خالي البال قليل الأشغال، ثم قام فكتب على ساج العبارة:
стр. 40
أسائل عن حالي، يرعوي بمنظري حبيبي، هذا في هواك قليل سأصبر، حتى يرعوي، ويرق لي وينهج من طرق الوصال سبيل.
لما ورد الوزير المهلبي البصرة وجد على حائط البيت الذي فيه مكتوباً: [الطويل]
أحنُّ إلى بغدادَ شوقاً وإنَّما ... أحنُّ إلى ألفِ بهالي شائقِ
مقيمٌ بأرض سرتُ عنها وبدعة ... إقامةٌ معشوقٍ ورحلةُ عاشقِ
يقال إن عبد الشهوة أذل من عبد الرق، وجد على قصر معز الدولة الذي بناه بالشماسية من بغداد، واليوم يسمى آثار القصر مسناه الدار الغربة على شاطئ دجلة، مقابل جامع القطيعة، مكتوباً حضر فلان بن فلان الجروي في سماط الملك معز الدولة، والدنيا عليه مقبلة، وهيئة الملك عليه مشتملة، ثم عدت في سنة اثنين وستين وثلاثمائة فرأيت ما يعتبر به اللبيب، ويفتكر فيه الأريب وقلت هذه الأبيات: [الخفيف]
عينُ بكّى للقصرِ قصرُ معزِّ الدولة ... المؤنَّقُ العجيبُ البناءِ
قد خلاَ بعدَ عزَّ ةٍ وجمال ... وعفَّاً بعدْ رونقٍ وبهاءِ
لوْ تبقى على الحوادثِ شيءٌ ... ليقي ملكهُ من الأشياءِ
كلُّ أمرٍ وإنْ تطاولَ أو دامَ ... إلى نقلةٍ وحال انقضاءِ
عبرٌ أبيٍّ فإنَّهُ ليسَ يغني ... ذو الأيادي والطَّولِ والآلاءِ
قال الأصمعي قال لبعض العرب خرجي في بعض الليالي المظلمة، وإذا بجارية كأنها صنم فراودتها عن نفسها، فقلت يا هذا أمالك زاجر من عقل، غذ لم يكن واعظ من دين؟ فقلت، والله ما يرانا إلا الكواكب، فقالت، ويحك فأين أنت من مكوكبها؟ فأخجلني كلامها فقلت لها غني كنت أمزح، فقالت.
إيَّاك المزاحَ فإنَّهُ يجرئُ ... عليك الطفلَ، والرجلَ النَّذلاَ
ويذهبُ ماءَ الوجهِ بعدَ وضائهِ ... ويورثُ بعدَ العزِّ صاحبهُ ذلاَّ
كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله، امنعوا الناس من المزاح تسلم لكم الأعراض، وقد قال بعض الشعراء: [الكامل]
مازحْ أخالكَ إذا أردتَ مزاحاً ... وثوقٌ منهُ في المزاحِ جماحاً
ولربَّما مزحَ الصديقُ بمزحةٍ ... كانتْ لبابِ عداوةٍ مفتاحاً
وقد أحسن محمود الوراق: [الكامل]
تلقى الفتى يلقى أخاهُ وخذنه ... في لحنِ منطقة بما لا يغفرُ
ويقولُ كنتُ ممازحاً وملاعباً ... هيهاتَ ناركُ في الحشا تتسعَّرُ
ألهبتها وطفقتَ تضحكُ لاهياً ... عمَّا بهِ وفؤادهُ يتفطَّرُ
أو ما علمتَ ومثلُ جهلكَ غالبٌ ... إنَّ المزاحَ هوَ السَّبابُ الأصغرُ
قال المنكدر، قالت لي أمي، وكانت أدركت النبي ﷺ : لا تمازح الصبيان فتهون عليهم، وقال سعيد بن العاص لا تمازح الشريف فيحقد عليك، وقال بعضهم، ولا الدنيء فيجترئ عليك، وقال بعض الحكماء إياكم، والمزاح فإنه يذهب بالبهاء، ويورث الندامة، ويذوي بالمروءة قال مسعر بن كدام لابنه: [الكامل]
ولقدْ نصحتكَ يا كدامُ نصيحةً ... فاسمعْ لقولِ أبٍ عليك شفيقُ
إنَّ المزاحةَ والمراءَ فدعهما ... خلقانِ لا أرضاهما لصديقِ
إنِّي بلوتهما فلم أحمدهما ... كمجاورٍ جاراً ولا لرفيقِ
اجتمع عبد الله بن طاهر مع ندمائه على رياض في أيام الربيع، فقال ليقل كل واحد منكم في هذا شيئاً، فقال أحدهم: [الطويل]
شموسٌ وأقمارٌ منَ الزَّهرِ طلع ... لدى اللَّهوِ في أكتافها متمتِّعُ
فقال الآخر: [الطويل]
نشاوى تثنِّيها الرياحُ فتثني ... فيلثم بعضٌ بعضها حينَ ترجعُ
فقال الثالث: [الطويل]
كأنَّ عليها من مجاجةِ ريقها ... لآليءُ إلاَّ أنَّها هيَ ألمعُ
يقال إن ثلاثة يفسدون المروءة المنية، والحرص، والغضب.
تذكرة من التاريخ
ولد نبينا ﷺ بمكة يوم الاثنين لثمان خلون من شهر ربيع الأول، بعد قدوم الفيل بخمسين يوماً، وذلك لعشرين يوماً مضت من نيسان، سنة اثنين وثمانين وثمانمائة لدى القرنين، وبعثه الله سبحانه يوم الاثنين، لثلاث بقين من رجب، وقد مضى من عمره أربعون سنة، وكانت هجرته من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، مستهل شهر ربيع الأول، فأقام في الطريق ثمانية أيام، ودخل المدينة يوم الاثنين، وذلك لعشرين يوماً مضت من أيلول.
стр. 41
وقبض ﷺ بالمدينة يوم الاثنين، لثمان خلون من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، وعمره ثلاث وستون سنة، واستخلف: أبو بكر الصديق بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب..
واسمه عتيق، فسماه النبي ﷺ عبد الله ولد بمنى، وتوفي بالمدينة يوم الاثنين لثمان بقين من جمادى سنة ثلاث عشرة، وعمره ثلث وستون سنة، فصلى عليه عمر بن الخطاب، ودفن في الحجرة مع النبي ﷺ وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر، وأربعة عشر يوماً، واستخلف: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العُزَّى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدى بن كسب بن لؤي بن غالب بن فهر..
وكنيته أبو حفص، وقتله أبو لؤلوة بالمدينة يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة، سنة ثلاث وعشرين وعمره ثلاثة وستون سنة، وكانت خلافته عثرة سنين وستة أشهر، وأربعة أيام، ثم استخلف: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبده مناف بن قصي بن كلاب وكنيته أبو عمرو وقتل بالمدينة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقين من ذي الحجة سنة خمس وسبعون سنة، ودفن بالبقيع، وكانت خلافته إحدى عشرة سنة، وأحد عشر شهراً، وتسعة عشر يوماً، ثم استخلف: علي بن أب طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب..
وكنيته أبو الحسن، ولد بالكعبة، وفيل بالكوفة يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان، سنة أربعين وعمره ستون سنة، وكانت خلافته، وتسعة أشهر وإلى أن اسلم ابنه: الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.. الخلافة إلى معاوية ستة أشهر وثلاثة أيام، وبويع: معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.. وكنيته أبو عبد الرحمن يرم خلع الحسن بن على، وأمه هند، ولد بالخيف من منى ومات بدمشق يوم الأربعاء منتصف رجب، وعمره سبعون سنة، وكان ملكه تسعة عشر سنة وثلاثة أشهر [٨١] وخمسة وعشرين يوماً، وبويع ابنه: يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد كس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب..
وكنيته أبو خالد، وأمه ميسون، ولد بالماطرون من بلد دمشق يوم مات أبوه، وتوفي بدمشق يوم الخميس النصف من ربيع الأول سنة أربع وستين وعمره ثمان وثلاثون سنة، وكان ملكه ثلاث سنين وثمانية أشهر. وبويع: معاوية بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن ق! ي بن كلاب..
وكنيته أبو ليلى، وأمه أم هاشم ولد بأذرعات من دمشق ومات بدمشق يوم الأحد لتسع خلون من رجب سنة أربع وستين وعمره ثلث وعشرون سنة كان ملكه ثلاثة أشهر واثنين وعشرين يوماً، وبويع: عبد الله بن الزبير ...
قبل ذلك لشهر، وتسعة أيام، مستهل جمادى الأولى سنة أربع وستين، وكنيته أبو بكر، وأمه أسماء لنت أبي بكر الصديق، وولد. بمكة، ثم بايع أهل الشام: مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب.. يوم مات معاوية بن يزيد وبطل أمر عبد الله بن الزبير، وكنيته مروان أبو عبد الملك، وأمه آمنة، ومات بدمشق يوم الثلاث لليلتين بقيتا من شهر رمضان سمة خمس وستين، وعمره ثلاث وستون سنة، وكان ملكه سنة واحدة وثلاثة أشهر وثمانية عشر يوماً مع أيام عبد الله بن الزبير، وكان عبد الله بن الزبير بمكة يخطب له ومروان بن الحكم الشام يخطب له، وبويع: عمد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبده مناف بن قصي بن كلاب..
وكنيته أبو الوليد، وأمه عائشة ابنة معاوية بن المغيرة بن أبي العاص، ولد بالمدينة وحاصر عبد الله بن الزبير الحجَّاج بن يوسف صاحب عبد الملك بن مروان بمكة، حتَّى قتله بها يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة، سنة ثلاث وسبعين، وكانت أيامه تسع سنين وسبعة عشرة يوماً.
ومات عبد الملك بن مروان بدمشق يوم الخميس النصف من شوال سنة ست وثمانين، وعمره أربع وستون سنة، فكان ملكه إحدى وعشرين سنة، وتسعة عشر يوما وبعد منها إلى أن قتل عبد الله بن الزبير تسع سنين وثمانية أشهر، وتسعة عشر يوماً، وبعد قتله ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر وثمانية وعشرين يوماً. وبويع:
стр. 42
الوليد بر عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب..
وكنيته أبو العباس، وأمه ولادة بنت العباس، بن حرى بن الحارث، ولد بدمشق ومات بها يوم السبت النصف ١٨٢١ من جمادى الآخرة سنة ست، وتسعين، وعمره خمس، وأربعون سنة، وكان ملكه تسع سنين وثمانية أشهر، وبويع سليمان بن عبده الملك، وكنيته أبو أيوب، وأمه ولادة، وهو أخو الوليد لأمه، وأبيه ولد بدمشق ومات ببلد دابق يوم الجمعة لعشر خلون من صفر سنة تسع، وتسعين وعمره أربعون سنة، وكان ملكه سنتين وسبعة أشهر وخمسة وعشرين يوماً. وبويع: عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب..
وكنيته أبو حفص، وأمه أم عاصم، وتوفي بأرض الشام، يوم الجمعة لخص! ي بقين من رجب سنة إحدى ومائة، وعمره أربعون سنة، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وخمسة عشر يوماً. وبويع: يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص س أمية بن عبد ممس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب..
وكنيته أبو خالد، وأمه عاتكة بشا يزيد بن معاوية، ولده بدمشق ومات بها لأربع بقين من شعبان سنة خمس ومائة، وعمره سبع وثلاثون سنة، وكان ملكه أربع سنين وشهراً واحداً، وبويع: هشام بن عبد الملك بن مروان بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب..
وكنيته أبو الوليد، ولد بدمشق ومات بها ليلة الأربعاء لست خلون من شهر ربيع الآخر لسنة ض وعشرين ومائة، وعمره ثلاث وخمسون سنة، وكان ملكه تسع عشرة سنة، وتسعة أشهر، وتسعة أيام، وبويع: الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب..
وكنيته أبو العباس، وأمه أم الحجاج، ولد بطبرية، وقيل في بعض بلاد الشام، يوم الخميس لثلاث بقين من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة، وعمره حمس، وأربعون سنة، وكان ملكه سنة وشهر! ن وإحدى عشر يوما، وبويع: يزيد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد ض بن عبد مناف بن قصي بن كلاب..
وكنيته أبو خالد، وهو الناقص، وأمه شاهفرة، ولد بالكعبة، ومات بدمشق يوم الاثنين مستهل ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائة، وعمره ست وثلاثون، وكانا ملكه مع الفتنة، إلى كانت بينه وبين الوليد بن يزيد، خمسة أشهر وثلاثة أيام، وبويع أخوه: إبراهيم بن إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب..
وكنته أبو إسحاق، ولد بحمص، وخلعه مروان بن محمد، يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر سنة سبع وعشرين ومائة، فكان ملكه شهرين واحد عشر يوماً، وبويع: مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب..
يوم خلع إبراهيم وكنيته [٨٣] عبد الملك، وأمه كردية تُسمى ألباته، ولد بحران وقبل بالفسطاط لثلاثة عشر خلت من ذي الحجة، سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وعمره تسع وستون سنة، فكان ملكه إلى أن بويع: السفاح عبد الله بن محمد الكامل بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ...
خمس سنين وشهرين، وقتل بعد خلافة السفاح بثمانية أشهر، وانقضت خلافة بني أمية، ثم الخلفاء من بني العباس أحد أربعة سنين وثمانية أشهر، ويومين، ثم أخوه؟ أبو جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن على بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
أحد وعشرين سنة، وأحدا عشر شهراً وثمانية أيام، ثم: المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن على بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
عشرة سنين وشهر وخمسة عشر يوماً، ثم: الهادي بن المهدي محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن علي بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
سنة وشهر وعاثرين يوماً، ثم:
стр. 43
أبو جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن علي بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
ثلاثاً وعشرين سنة وشهرين وثمانية عشرة يوماً، ثم: الأمين بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن علي بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
أربع سنين، وتسعة أشهر وعشرة أيام، ثم: المأمون بن أب جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن على بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
عشرين سنة وخمسة أشهر، ويومين، ثم: الواثق بن المعتصم الله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن علي بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
خمس سنين، وتسعة أشهر وستة أيام. ثم: المتوكل بن المعتصم الله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن علي بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
أربعة عشر سنة، وتسعة أشهر، وتسعة أيام، ثم: المنتصر بن المتوكل بن المعتصم الله أبي إسحق محمد بن أب جعفر هارون الرشيد بن المهدي أب عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن علي بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
ستة أشهر، ويومين، ثم: المستعين بن المنتصر بن المتوكل بن المعتصم الله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بق المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن علي بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
أحد عشر شهراً وعشرين يوماً ومع الفتنة ثم؟ المعتز بن المتوكل بن المعتصم الله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدى أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن علي بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
أربع سنين وستة أشهر وخمسة عشر يوماً، وتسعة أشهر إلى أن قتل ثلاث سنين ثم: المهتدي بن الواثق بن المعتصم بالله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن على بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
أحد عشر شهراً وسبعة عشر يوماً ثم: المعتز بن المتوكل بن المعتصم الله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن علي بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
ثلاث وعشرين سنة، ويومين، ثم: المعتضد بن الموفق أبو محمد طلحة بهن المتوكل على الله أبو الفضل جعفر بن المعتصم بالله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن على بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
تسع سنين، وتسعة أشهر وثلاثة أيام ثم: المكتفي بن المعتضد بن الموفق أبو محمد طلحة بن المتوكل على الله أبو الفضل جعفر بن المعتصم الله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن على بن حبر الأمة عبد الله بن عبد العموم العباس بن عبد الله بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
ستة سنين وستة أشهر وعشرة أيام ثم:
стр. 44
المقتدر لن المعتضد بن الموفق أبو محمد طلحة بن المتوكل على الله أبو الفضل جعفر بن المعتصم الله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن على بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
أربعاً وعشرين سنة واحد عشر يوماً ثم: القاهر بن المعتضد بن الموفق أبو محمد طلحة بن المتوكل على الله أبو الفضل جعفر بن المعتصم الله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن علي بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
سنة وستة أشهر وثمانية أيام ثم: الراضي بن المقتدر بن المعتصم الله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن عمد الكامل بن علي بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
لست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام ثم: المقتفي بن المقتدر بن المعتصم الله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن على بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب..
ثلاث سنين واحد عشر شهراً، وأربعة أيام ثم: المستكفي الله أبو القاسم عبد الله بن المكتفي الله أبو محمد على بن الموفق أبي محمد طلحة بن المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن المعتصم الله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن عمد الكامل بن علي بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب..
سنة وأربعة أشهر ثم: المطيع بن المقتدر الله أبي الفضل جعفر بن المعتضد الله أبي العباس أحمد بن الموفق أبي محمد طلحة بن المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن المعتصم الله أبي إسحق محمد بن أب جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن علي بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
تسعاً وعشرين سنة، وستة أشهر ثم: الطائع بن المطيع بن المقتدر الله أبي الفضل جعفر بن المعتضد الله أبي العباس أحمد بن الموفق أبي محمد طلحة بن المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن المعتصم الله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن على بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
سبعة عشرة سنة، وتسعة أشهر وخمسة أيام صم؟ القادر الله أبي العباس أحمد بن أب أحمد إسحق بن المقتدر الله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق أبي محمد طلحة بن المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن المعتصم الله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن علي بن صبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
إحدى، وأربعين سنة وثلاثة أشهر واحد عشر يوماً ثم: القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن القادر الله أبي العباس أحمد بن أب أحمد إسحق بن المقتدر الله أبي الفضل جعفر بن المعتضد الله أبي العباس أحمد بن الموفق أبي محمد طلحة بن المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن المعتصم الله أب إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن على بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
أربعاً، وأربعين سنة ثم:
стр. 45
المقتدي الله أبي القاسم عبد الله بن الأمير ذخر الدين أبي العباس محمد بن القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن القادر الله أبي العباس أحمد بن أبي أحمد إسحق بن المقتدر الله أبي الفضل جعفر بن المعتضد الله أبي العباس أحمد بن الموفق أبي محمد طلحة بن المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن المعتصم الله أبي أسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن علي بن حير الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
ثماني عشرة سنة ثم: المستظهر الله أبي العباس أحمد بن المقتدي الله أبي القاسم عبد الله بن الأمير ذخر الدين أب العباس محمد بن القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن القادر الله أبي العباس أحمد بن أبي أحمد إسحق بن المقتدر الله أبي الفضل جعفر بن المعتضد الله أبي العباس أحمد بن الموفق أبي محمد طلحة بن المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن المعتصم الله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن على بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ... [٨٤] .
خمساً وعشرين سنة ثم: المسترشد بن المستظهر الله أبي العباس أحمد بن المقتدي الله أبي القاسم عبد الله بن الأمير ذخر الدين أبي العباس محمد بن القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن القادر بالله أبي العباس أحمد بن أبي أحمد إسحق بن المقتدر الله أبي الفضل جعفر بن المعتضد الله أبي العباس أحمد بن الموفق أبي محمد طلحة بن المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن المعتصم الله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن على بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
تسعة عشر سنة، ثم: الراشد بن المسشرشد بن المستظهر بالله ألجما العباس أحمد بن المقتدى بالله أبى القاسم عبد الله بن الأمير ذخر الدين أبى العباس محمد بن القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن القادر بالله أبي العباس أحمد بن أبي أحمد إسحق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبى العباس أحمد بن الموفق أبي محمد طلحة بن المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن المعتصم بالله أب إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن على بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
سنة واحدة ثم: المقتفي لأمر الله أب عبد الله محمد بن المستظهر بالله أب العباس أحمد بن المقتدي بالله أب القاسم عبد الله بن الأمير ذخر الدش أبي العباس محمد بن القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن القادر بالله أبي العباس أحمد بن أبي أحمد إسحق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق أبي محمد طلحة بن المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن المعتصم الله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدى أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن على بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن أبي بن كلاب ...
خمساً وعشرين سنة ثم: المستنجد بالله أبي المظفر سف بن المقتفى لأمر الله أبي عبد الله محمد بن المستظهر بالله أب العباس أحمد بن المقتدر بالله أبي القاسم عبد الله ين الأمير ذخر الدين أبي العباس محمد بن القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن القادر بالله أبي العباس أحمد بن أبي أحمد إسحق بن المقتدر بالله أبي الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن الموفق أبي محمد طلحة بن المتوكل على الله أبي الفضل جعفر بن المعتصم بالله أبي إسحق محمد بن أبي جعفر هارون الرشيد بن المهدي أبي عبد الله محمد بن أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد الكامل بن على بن حبر الأمة عبد الله بن سيد العموم العباس بن عبد المطب بن هاشم بن قصي بن كلاب ...
стр. 46
قال السفاح لأبي دلامة يوما: سلني، فقال: أسألك كلياً، قال: اصطاد به؟ قال: اصطاد به، قال: تعطى قال: ودابة تكون معه، قال ودابة، قال وغلام يخدمها، قالا وغلام يخدمها، قال وجارية تعمل ما يصاد، قال وجارية، قال يا أمير المؤمنين: هؤلاء عائلة ولابد لهم من دار يسكنونها، قال ودار، قال: يا أمير المؤمنين، وضيعة لقوتهم، قال وضيعة تقطع إياها مائتي جريب عامرة ومائتي جريب غامرة، قال: وما الغامر؟ قال ما لا نبات فيه. قال: يا أمير المؤمنين: فقد أقطعتك خمسمائة ألف جريب من فيافي بني أسد عامرة، قال فيجعل الجميع عامراً، فهل بقي لك شيء؟ قال: نعم، يدك أقبلها، قال: أما هذه فلا، قال، والله يا أمير المؤمنين ما منعتني شيئاً أهون علي من هذه.
حدثني صديقي الرئيس الأديب أبو الهيجاء الشاعر قال: حدثنا قاضي القضاة، أبو بكر الشامي قال: كان عندنا بمدينة حماة، قاضي يكنى بأبي الفرج، فكتب إليه بعض أصدقائه [الرمل]
بعضُ منْ غارمني لامني ... ثم قد عولَ يدعوني إليكَ
وعلى فضلكَ عولتُ بهِ ... مثل ما عول في العذل عليكَ
فعسى عندك ما تكنى به ... وعسى لي راحة في راحتيكَ
فنفذ له ما قضى دينه به واستبقى منه بقية قيل إن رجلاً سأل معن بن رائدة عيرا تحمله، فقال يا غلام: أعطه عيراً وبغلاً وفرساً وبرذوناً وبعيراً وسفينة وجارية، ولو عرفت مركوباً غير هذا لأعطيتك. لأبي الفضل الربعي: [البسيط]
العين تبدي الذي في نفس صاحبها ... من الشنأة أو وداً إذا كانا
إن البغي له عينٌ يقلبها ... لا يستطيع لما في النفس كتمانا
وعين ذي الود ما تنفكُّ مقبلةً ... ترى لها محجراً بشاً وإنساناً
ذكر إنه اجتمع عند عبد الملك بن مروان، جميل وكثير وعمر بن أبي ربيعة، فأمر بناقة: فأوقرت ورقاً، ثم قال: ليقل كل واحد منكم أبياتاً في العدل، فأيكم كان أحسن قولاً فهي له: فقال جميل بن معمر: [الطويل]
حلفتُ يميناً يا بثينة صادقاً ... وإن كنتُ فيها كاذباً فعميتُ
حلفتُ لها والبدُ تدمي نحورُهَا ... لقدْ شقيَتْ نفسي بكم وعيتُ
قفلو أن جلداً غيرَ جلدكَ مسَّني ... وياشرني تحتَ السماء سريتُ
ولو أن داعي الموت يدعو جنازتي ... بمنطقكم في الناطقين حييبُ
وقال كثير بن عبد الرحمن: [الكامل]
بأبي، وأمي أنتِ منْ معشوقةٍ ... طبَر العدوِّ لها فغيَّرَ حالها
وسعي غليَّ بعيبِ عزةَ نسوةٌ ... جعل الإلهُ خدودهن نعالها
ولو أن عزة خاصمتْ شمسَ الضحى ... بالحُسنِ عند موفقٍ لمقتضاها
وقال عمرو بن أبي ربيعة: [الطويل]
ألا ليتَ أني حينَ تدنو منيتي ... لثمتُ الذي ما بينَ عينيك والفمِ
وليتَ طهوري كان ريقك كلهُ ... وليتَ حَنُوطِي من مشاشِكِ والدمِ
وليتَ سٌليمى في المماتِ ضجيعتي ... تجاورُني في جنةٍ، أو جهنمِ
فقال عبد الملك: يا صاحب جهنم دونك، والناقة بما عليها روي أن فتىً من الأعراب خطب ابنة عم له، وكان معسراً فأبى عمه أن يزوجه، فكتب إلى عمه هذه الأبيات: [البسيط]
يا هذهِ كم يكونُ اللومُ، والفندُ ... لا تنكري رجلاً أثوابُهُ قددُ
إنْ يمسَّ منفرداً فالبدرُ منفردُ ... والليثُ والسيفُ والخطر منفردُ
إن كنتَ أنكرتِ ثوبيهِ وقد خلقَا ... فالبحرُ من فوقهِ الأقذاءُ والزبدُ
إن كان صرفُ الليالي ردَّ بزَّتهُ ... فبينَ ثوبيهِ منهُ ضيغَمٌ ليدُ
قال فدخلت على أبيها بالأبيات، فقال ما أريد بذلك صداقاً غيرها، فدعاه فروجها إياه. ذكر أن معاوية ركب يوم صفين دابته عازماً على الهرب قال فذكرت أبياتاً لعمرو بن الإطنابة، وبها ثبت: [الوافر]
أبتْ لي عفتي وأبا بلائي ... وأخذِ الحمدِ بالثمنِ الربيحِ
وإقدامي على المكروهِ نفسي ... وضربي هامةِ البطل المسيحِ
وقولي كلما خبأت وجاشتْ ... مكانك تُحمدي أو تستريحي
ما أحسن، قول طريح بن اسماعيل: [البسيط]
لا تأمنَنّ امرءاً أسمنتَ مهجتَهُ غيظاً ... وإنْ قلتَ إن الحِقدَ يندملُ
قد يظهر المرء تجميلاً لصاحبه ... وفي حشاهُ عليه لا حج يعلُ
فاقبل من المرء ما أبدى وجازيه=وليحرسنَّكَ سوءُ الظنِّ والوجلُ
стр. 47
ذكر إبراهيم بن عرفة في تاريخه أنه قدم جرير، والفرزدق على هشام بن عبد الملك بن مروان، فمدحه الفرزدق، فأمد له بأربعة آلاف درهم فتسخطها، وهم بردها، م تمثل بقول زهير: [الطويل]
ومنْ يجعل المعروفَ منْ عرضِه ... يفرهُ ومن لا يتقي الشتم يُشتمِ
فقيل لجرير إن الفرزدق أعطى مثل ما أعطيت، وتمثل. ممثل ما تمثلت به، فقال أما علمت أن شيطاننا واحد، يلم به مرة، ويلم بي أخرى.
ويشهد لك ما روى أبو الظاهر الدمشقي بإسناده: أن الفرزدق وجريراً اصطحبا فعطف جرير بناقته ليبول، وتخلف، فخنت ناقة الفرزدق، فقال الفرزدق: [الوافر]
علامَ تلتفتينَ وأنتَ تحتِي ... وخيرُ لناس كلهم أمامي
متَي تأتي الصرافةَ تستريحي ... منَ الإدلاجِ والدَّبَر الدوامي
ثم قال كأني بابن المراغة قد سمع هذين البيتين، فقال: [الوافر]
تلفتْ إنها تحتَ ابن فينٍ ... برأسِ الكبرِ والناس اللهامِ
متى تأتي الرصافةَ تحرْ فيها ... كجريك في المواسمِ كلَّ عامِ
فلما لحق بهما جرير، قال له الرواية ت يا أبا حزرة أما سمعت ما قال أخوك أبو فراس، وأنشد البيتين الأولين، فأطرق جرير، تم جاء بالبيتين الأخيرين، فقال روايته لعنكما الله، شيطانان يعلم كل واحد منهما ما في نفس صاحبه.
نبذة في الهدية
كتب أحمد بن يوسف إلى المأمون مع شيء أهداه إليه: [الطويل]
على العبدِ حقٌ فهو لا بدَّ فاعلُ ... وإنْ عظُمَ الموْلَى وحلتْ فضائلُهُ
ألمْ ترنا نهدي إلى الله مالهُ ... وإن لم كان في وسعنا ما يشاكلُهْ
ولو أننا نهدي على قدرٍ حقهُ ... لقصر على الصبرُ عنهُ وناهلهُ
ولكننا نهدي على من نجلُّهُ ... وإن لم يكن في وسعنا ما يشاكلُهُ
آخر: [الوافر]
تنوقْ في الهدية كلُّ قومٍ ... إليكَ غداةَ شريكَ للدواءِ
فلما أن هممتْ بها مدلاً ... لموضع خدمتي بكَ والإخاءِ
وجدتُ كثيرَ ما أهدي قليلاً=لمثلكَ فاقتصرتُ على الدعاءِ آخر: [الوافر]
تنوقُ من ثيابكَ في الهدايا ... إليَ غداة قصد الباسليقِ
فلم أر كالدعاء أعمَّ نفعاً ... وأجملَ في مكافأة الصديقِ
فاعديُ الثنا وقلتُ ربي ... يعذُكَ منْ شرِّ أنَّاتِ العروقِ
آخر: [البسيط]
اسعدْ بشربكَ في النيروزِ مصطحباً ... لا زلتَ تلقى من الأيامِ ما صلحا
لازلتَ تلقى منَ الايام صالحةً ... تُبقي السرورَ وتنفي الهمَّ والترحَا
إني لا استصغر لدنيا بأجمعها ... هدية لك إلا الشكرَ، والمدحَا
آخر: [السريع]
هديتي تصغرُ عنْ همتي ... وهمتي تكبرُ عنْ مالي
فخالصُ الودِّ ومحضٌ الوفاءِ ... أفضلُ ما تهديهِ أمثالي
أهدى أبو تمام الطائي إلى الحسن بن وهب قلما وكتب معه: [الخفيف]
قدْ بعثتا إليكَ أكرمَك الله ... بشيءٍ فكنْ لهُ ذا قبولِ
لا تقسه إلى ندى كفكَ الغُمرِ ... ولا نيلكَ الكثير الجليلِ
واغتفر قلة الهدية مني ... إن جهدَ المقِلِّ غيرُ قليلِ
للبحتري: [الطويل]
ألنتَ لي الأيام منْ بعد قسوةٍ ... وأعتبَتْ لي دهري المسيء فاعتبَا
وألبستني النعمي، التي غيَّرت أخي ... عليَّ فأمسى نازِحَ الودِّ أجنبَا
فلا فُزت مِنْ مُرِّ الليالي براحةٍ ... إذا أنا لم أصبِحْ بنثرِكَ مُعتِبَا
غيره: [الطويل]
أخي لي كأيامِ الحياةِ أخاوةً ... تكونُ ألواناً علي خطوبها
إذا عبتُ منهُ خلةً فهجرتُهُ ... دعتني إليهِ خلةٌ لا أعيبُهَا
ذكر أبو بكر الخطيب في تاريخه عن سهل بن ميسرة: أنه لما رجع أبو العباس عبد الله بن طاهر من الشام، ارتفع فوق سطح قصره، فرأى دخاناً يرتفع في جواره، فقال لعمرويه ما هذا الدخان؟ فقال: أظن القوم يخبزون.
فقال: ويحتاج جيراننا إلى أن يتكلفوا ذلك، ثم دعا حاجبه فقال: امضي ومعك كاتب، وأحصِ موالينا ممن لا تعطيهم [٨٨] عنا فسارع فمضى، وأحصاهم، صغيرهم وكبيرهم فبلغ جمدهم أربعة آلاف نفس، فأمر لكل واحد منهم. بمنوين خبزاً ومنا لحماً، وثمن التوابل في كل شهر عشرة دراهم، والكسوة في الشتاء مائة وخمسون درهماً، وفي الصيف مائة درهماً فكان ذلك دأبه مدة مقامه ببغداد.
стр. 48
فلما خرج منها انقطع ذلك، إلا الكسوة فإنها دامت مدة ما عاش أبو العباس عبد الله نن ظاهر ﵀، والمكان الذي كان ينزل به ببغداد بالجانب الغربي على شاطئ دجلة، وهو إلى الآن يعرف به، وينسب إليه، وهو الحريم الطاهرى: [الخفيف]
ألقِ بالبشرِ من لقيتَ منَ الناس ... جميعاً ولاقهمْ بالطلاقَةْ
نحن منهم حباً ثارٍ كريمٍ ... طيبٌ طعمُهُ لذيذٌ مذاقُهْ
ودع التيهَ، والعبوسَ عنِ الناس ... فإن العبوس رأسُ الحماقةْ
كلما شئتَ أن تُعادي عاديتَ ... صديقاً، وقد تعزَّا لصداقةْ
قال النبي ﷺ : "يا أبا هريرة زرْ غباً تزدد حباً".
وقال بعض الحكماء. من كثرت زيارته قلت بشاشته، وقال أخر: من داوم زيارة الأصدقاء عدم الاستبشار عند اللقاء: [مجزوء الكامل]
أقللْ زيارتك الصديقَ ... تكُنْ كالثوبِ استجدَّهُ
إن الكريمَ يملُّهُ منْ ... لا يزالُ يراهُ عندهُ
آخر: [الطويل]
عليكَ بإقلالِ الزيارة إنها ... تكونُ إذا دامتْ إلى الهجرِ مسلكاً
فإني رأيتُ القطرَ يسأم دائماً ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
آخر: [البسيط]
إني كثرتُ عليه في زيارته ... والشيءُ مسثقلٌ جداً وإنَّ كثُرَا
ورابني منه أني لا أزالُ أرى ... في طرفه قصراً عني إذا نظرا
قال عمر بن الخطاب ﵁ : لكل شيء راس وراس المعروف تعجيله، وقال عبد الملك في وصيته لبنيه: يا بني معروفك عنده ولكل شيء آفة وآفة المعروف المطل، ولبعضهم: [الكامل]
صلْ من أردتَ وصالهُ وأخاه ... إن الأخوة خيرها موصولها
وإذا ضمنتَ لصاحبٍ لك حاجةً ... فاعلمْ بأنَّ تمامهَا تعجيلُهَا
وكان يقال إن بذل جاه السائل أعظم من معروف المسؤول، وقال أثم بن صيفي السؤال، وإن قل ثمن النوال، وإن جل، قال علي بن أبي طالب الكاتب: [الكامل]
ما اعتاصَ باذلُ وجههِ بسؤالهِ ... يوماً ولا نالَ الغِنى بسؤالِ
وإذا السؤال مع النوال وزيهُ ... رجح السؤال وخفَّ كلُّ نوال
وإذا بليتَ ببذلِ وجهكَ سائلاً ... فابذل له المتكرم المفضال
قال معاوية بن أبي سفيان الحازم من كتم سره من صديقه، مخافة أن تنتقل صداقته عداوة، فيذيع سره ولبعضهم: [الطويل]
لو أنَّ امرءاً يُخفي الهوة عنْ ضميرهِ ... لمتُّ ولم يعلمْ بذاكَ ضميرُ
ولكن سألقى الله والقلبُ لم يَبُحْ ... بسركَ والمستخبرون كثيرُ
آخر: [البسيط]
لا يكتم السر إلا كلَّ ذي خطرٍ ... والسرُّ عند كرامِ الناس مكتومُ
والسرُّ عندي في بيتٍ له غلقُ ... قدْ ضاع مفتاحُهُ والبابُ مختومُ
قال بعض العلماء: إذا أراد الله أن يزيل عن عبد نعمة فأول ما يغير منها عقله، قال أبو عبد الله وزير المهلبي: إنصاف الرعية مع شكر المقدرة بالولاية أشد من بذل المال مع شح النفس.
ذكر الجاحظ في (كتاب) : المعلمين عن ابن عمران: الأنبياء عيهم السلام لا يتثاءبون، وما تثاءب نجي قط، روي أن مروان بن محمد قال عبد الحميد بن يحيى، صاحب الرسائل بعد أن تفرق الناس عنه وانهزموا: قد احتجتُ إلى أن يصير مع عدوي، وتظهر الانقلاب، فإن عجبهم بأدبك وفصاحتك وحاجتهم إلى مثلك، يستجريهم علي تمكينك، وحسن الظن بك، فإن قدرت أن تنفعني في حياتي فإني فداك، وإن عجزت عنه رجوت أن لا تعجز عن حفظ حرمتي بعد موتي، وأنشد عبد الحميد متمثلاً: [الطويل]
أسرَّوقا ثم أظهر عذرهُ ... فمنْ لي بعذرٍ يوسعُ الناس ظاهرُ
ثم أنشد: [الوافر]
فلومي ظاهرٌ لا شكَّ فيه ... للأيميهِ وعذري بالمغيبِ
وكمْ من موقفٍ حسنٍ أُحيلتْ ... محاسنهُ فعُد من الذنوبِ
فلما سمع ذلك منه علم أنه لا يفعل، ثم، قال له: عبد الحميد الذي أمرين به انفع الأمرين لك، وأقبحهما لي وليس لك على. الصبر معك إلا أن يفتح الله عليك، وأقتل معك، سئل شُريح عن العشاق فقال: أشدهم حياءً أعظمهم أجراً [٩٠] ولبعضهم: [الطويل]
فوالله ما أدري وإني لسائلٌ ... بمكة هل في الهوى أجرُ
وهلْ في اكتحال العين بالعين زينةٌ ... إذا ما لقي الألوان لإبل به أجرُ
стр. 49
قيل إنه مرَّ جرير الشاعر بسعيد بن المسيب، فقال من هذا فقيل له الذي يقول: [الطويل]
سألتُ سعيداً يا فتى المدينة ... هل في حُب دهماء من وزر
فقالَ سعيد بن المسيب إنما ... يلامُ على ما يستطيعُ منَ الأمرِ
قال سعيد بن المسيب: يا فتى المدينة ما سألني أحد، ولو سألني لأحبت، وحكي عن مالك بن أنس أن شاعراً جاءه فقال: إنني قلت أبياتاً ذكرتك فيها فاجمعها، فقال لا حاجة لي منها، قال أحب أن تفعل، فقال هات فأنشده: [الطويل]
سلُوا مالكَ المُفتي عن اللهو، والصبي ... وحبِّ الحسانِ المُعجباتِ الفواركِ
يُخبركم عني مصيبٌ وإنما ... أسلي همومُ القلب عني بذلكِ
فهلْ لمحبٍ يكتمُ الحبَّ والهوى ... آثامَ وهلْ ضمِّهِ المتهالكِ
فسري عن مالك، وكان ظنه أنه هجاه، يقال إن المال قي الأنف، والحسن في العين، والملاحة ني الفم، ظ ل رجل للفضيل بن عياض: بعني رجلاً أتخذه لسري وآمنه على أمرى، فقال له ة تلك ضالة لا توجد. وقيل لبعض الحكماء: من أبعد الناس سفراً؟ قال: من كان في طلب طريق يرضاه، قال ابن السَّماك في بعض كلامه: لق أمهل، حتى كأنه أهمل، ولقد ستر، حتى كأنه غفر، قيل لبعض الحكماء: أي الكنوز خير؟ فقال: أما بعد تقوى الله سبحانه، والأخ الصاع، قال جابر بن عبد الله البجلي، ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي. أنشد المبرد: [الطويل]
تودُّ عدوي ثم تزعم أنني ... أودك إن الرأي عنكَ لعازبُ
وليس أخي من ودَّ في رأي عينه ... ولكن أخي من ودني في العواقب
قال بعض الحكماء: إيّاك ومعاداة الرجال فإنها لن تعدمك مكر حليم، أو مفاجأة لئيم، قال عمر بن الخطاب ﵁ : إذا رزقك الله مودة امرئ مسلم فتشبث بها، أنشد المبردة: [الوافر]
وكنتُ إذا الصديقُ أرادَ غيظي ... وأشرقني على خثو بريقي
غفرتُ ذنوبه ولطمتُ غيظي ... مخافةَ أن أكون بلا صديقِ
قال رجلٌ من عبد القيس لابنه: يا بي لا تؤاخِ أحدا، حتى تعرف موارد أموره ومصادرها، فإذا استنبطت منه الخير ورضيت منه العشرة فآخه على إقالة العثرة، والمواساة عند العشرة، روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "رأس العقل بعد الإيمان المودة للناس".
وقال المنصور: إذا أحببت المحمدة من الناس بلا مؤونة فألقاهم ببشرٍ حسن.
قال كعب الأحبار: لين وجهك للناس تكن أحب إليهم كن يعطيهم الذهب، والفضة، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إنكم لم تسعُوا بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحمسن الخلق".
وقال النبي ﷺ : "تمام محبتكم المصحافة".
وقال عليه الصلاة، والسلام: حين جاءه أعرابي، فقال يا رسول الله: إنا من أهل البادية، يجب أن تعلمنا علماً وعملاً لعل الله أن ينفعنا به قال: "لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، وإن تكلم أخاك، ووجهك إليه منبسط".
وقال الحسن يزيد في المحبة، وقال مجاهد عن معاذ إن المسلمين إذا التقيا فضحك كل واحد منهما في وجه صاحبه، ثم أخذ بيده تحاتت ذنوبها، كما تحاتت ورق الشجر، يقال إن المودة قرابة مستفادة، وهى أشد الأحساب، وأقرب الأسباب. وقال بعض الشعراء: [البسيط]
قد يمكثُ الناس حيناً ليس بينهمُ ... ودٌ فيزرعهُ التسليم واللطفُ
يُسلي الخليلين طولُ النأي بينهما ... ويلتقي شعبُ شتى فيأتلِفُ
وقال بشر بن السري: ليس من البر أن تحب من أبغضه حبيبك، قال ابن عباس: من أحب أخواني إليَّ أخٌ إن غبتُ عذرني، وإن جئته قبلني، قال الأصمعي ليس للروم صاد، ولا للفرس ثاء، ولا للسريان دال. لبعضهم [الوافر]
تولتْ دولةُ الحسن بن سهلٍ ... ولم أبللْ لهاتي من نداهَا
فإنْ ذهبتْ فلا تبكي عليها ... فإن بُكَى عيني من بكاها
لابن أبي الدنيا: [مجزوء الوافر]
تولتْ بهجةُ الدنيا ... فكلُّ جديدها خلقُ
وخان الناس كلهمُوا ... فلا أدري بمن أثقُ
كأنَّ مكارمَ الأخلاق ... سدَّتْ دونَها الطرُقُ
فلا حسبٌ ولا كرمٌ ... ولا دينٌ ولا خُلُقُ
لابن الرومي في البطيخ: [مجزوء الوافر]
стр. 50
فكم قال في البطيخ قولَ ... خبيرٌ حين ذمَّ لدى الخصامِ
تحياتُ وفاكهةٌ وإدم ... وها صوم الثقيل من الطعامِ
وأشنان وحلواءَ مهيأٌ ... وعندَ العسر كوب للمدامِ
وبعدَ الطلىْ في الحمام طيبٌ ... وضقي للمتانة كلِّ عامِ
وسهلُ المُجتنى دان لطيفٌ ... وذلله المهيمنُ للأنامِ
شكا أهل دمشق إلى ابن أبي الدرداء، قلة ممرهم، وتغير أشجارهم، فقال أطلتم حيطانها، وأكثرتم حراسها فجاء البلاء من فوقها.
دخل سالم بن عبد الله بن عمر على سليمان بن عبد الملك، وعلى سالم ثوب رث مشتمل به، فلم يزل سليمان ترحب به، حتى أجلسه معه على سريره، وعمر بن عبد العزيز معه في المجلس، فقال رجل من القوم لعمر، ما استطاع خالك أن يلبس ثياباً هي أحسن من هذه، ويدخل على أمير المؤمنين، فقال عمر ما رأيت ثياب خالي وضعته إلى مكانك، ولا ثيابك رفعتك إلى مكانه.
ودخل محمد بن كعب على سليمان أيضاً في ثياب رثة فقال له: ما حملك على لبس هذه؟، فقال أكره أن أقول فقرا فاشكو ربي، أو أقول زهداً فأطرى، وأزكى نفسي. دخل وكيع بن أبي الأسود على عدوك! بن أرطأة، وهو والي العراق من قبل عمر بن عبد العزيز فلبس عنده ثيابه.
فقال لوكيع سوِّ علي ثوبي يا أبا المطرف، فقال وكيع ذكرتني الطفر، وكنت ناسياً إن في خُفي ضيق فمد أيها الأمير، فقال له: يا أبا المطرف إن الرجل ليتولى من أخيه ما هو فوق هذا، فقال له: يا عدى إذا غزلت عنا فكلفنا ما أجبت فأما، وأنت ترى بنفسك علينا قدرة وبيدك بسطت، لشاعر في هذا المعنى [المتقارب]
إذا عُزل المرءُ صافيته ... وعند الولاية استكبرُ
لأن الوليَّ لهُ نخوةٌ ... ونفسي على الذلَّ لا تصبرُ
قيل لوهيبة بنت معن قد أفقرت بناتك بكثرة صلاتك فقالت يعينهن من تقربت إليه ني حفظهن بتفريق مالي له. سأل الفضل بن الربيع رجلاً عن قاضى بلدته، فقال جمع فأوعى، وسأل فأكدى، وحكم فتعدى، وطغى لما استغنى، قال ابن عباس التفكير في الخبر يدعو إلى استعماله، والعمل به، والندم على الشر يدعو إلى تركه، يقال من هانت الدنيا عليه مالت القلوب إليه، ومن عمل الرد، فقد أحسن الرفد.
قال سهل بن هارون في صدر كتاب له، وجب على كل ذي عقل له أنْ يبتدئ بالحمد، بل استفتاحها، كما يبتدئ النقمة قبل استحقاقها. قال المنصور لجرير بن يزيد إني لأعدك لأمر كبير، فقال يا أمير المؤمنين أن الله قد أعدَّ لك مني قلباً معقوداً ينصحك، ويداً مبسوطة بطاعتك، وسيفاً مشحوذاً على أعدائك فإذا شئت، قيل لأنوشروان من أطول الناس عمراً؟ فقال: من كثر علمه فناوب له غيره من لعده، ومن كثر معروفه فشرف به عقبه. قيل للفضل بن يحيى من أعقل الناس؟ قال من عرف مقادير الأمور قولاً وفعلاً.
وسأل قباد الملك بعض الحكماء فقال: أخبرني من أعدل الناس، وأجور الناس، وأحمق الناس، وأكيس الناس، وأسعد الناس؟ فقال الحكيم أما أعدلهم، فمن أنصف من نفسه، وأما أجورهم، فمن رأى جوره عدلاً، وأما أحمقهم، فمن يصدق- مما لا يكون، وأما أكيسهم، فمن أخذ للأمر أهبته قبل نزوله، وأما أسعدهم، فمن ختم له في عاقبته بخير. وقال أنوشروان الحكيم من أكمل الناس مروءة؟ قال: من أحرز دينه، ووصل رحمه فأكرم إخوانه، وأصلح ماله. وقيل لبعض الحكماء، وما الشكر قال الإقرار بالنعمة وجزاؤها بالحسنى مضمراً وقائلاً وفاعلاً مجزأ الضمير النية، والمحبة، والطاعة وجزاء الفعل المعاونة، والصبر عليه، والسعي فيما يرضي المنعم، وقال بعض الشعراء:
وقدً عرضتْ لي حاجةٌ وأظنني ... بأني إذا أنزلتُهَا بكَ تنجحُ
فإن ألكُ في أخذ العطية مربحاً ... فإنكَ في بذلِ العطية أريحُ
لأن لك العقبي من الأجرِ خالصاً ... وشكري من الدنيا فحقَّكَ أرجح
يُروى عن محمد بنشهاب الزهري، أنه قال أول حب ظهر في الإسلام حب النبي ﷺ لعائشة رضي الله تعالى عنها روى حماد بن زيد عن مجاهد بن سلمة قال لما أتى زيد بن حارث إلى النبي ﷺ جاء رسول الله إلى منزل زيد، فخرجت ابنة له صغيرة، فلما رأت النبي ﷺ أجهشت في وجهه بالبكاء فبكى، حتى انتحب، فقيل له ما هذا يا رسول الله؟ قال: "شوق الحبيب إلى حبيبه".
стр. 51
وقد حبّ وعشق جماعة من الأجلاء المتقدمين، والسلف، والتابعين منهم عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق كان يحب ليلى بت الخوزي الغساني، التي ارتد أبوها وقتله خالد بن الوليد وسبا أهله دفعت إلى عبد الرحمن وفيها قال:
تذكرتُ ليلى والسماوةَ دونَها ... فما لابنة الخوزيّ ليلى وماليَا
ومنهم عبد الله بن عمر بن الخطاب كان يهوى جارة رومية، وكان يجد بها وجداً شديداً، فوقعت يوماً عن بغلة كانت عليها، فجعل يمسح التراب عن وجهها ونهديها، فكانت تقول: لَهُ أنت قالون أي رجل جيد صالح فهربت منه، فقال فيها: [البسيط]
قدْ كنت أحسبني قالونَ فانطلقتْ ... فاليوم أعلم أنِّي غيرُ قالونَ
ومنهم الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄، عشق الرباب الكلبية، وهي أم ولده سكينة وعبد الله الذي قتل معه بكربلاء وفيها يقول: [الوافر]
لعمركَ إنَّني لأحبُّ أرضاً ... تحلُّ بها سكينةُ والرَّبابُ
أحبُّهما وأبذل جلَّ مالي ... وليسَ للائمٍ عندي عتابُ
ومنهم الحسن بن عبد الله بن العباس ﵄، عشق عشقاً شديداً عايذا بنت عمرو بن سعيد بن عمرو بن العاص، وتزوجها، وكان بها مشغوفاً وفيها يقول: [الطويل]
أعايذُ ما شمسُ النَّهارِ إذا بدتْ ... بأحسنَ منها بينَ عينيكِ عابداً
وما أنتِ إلاَّ دميةٌ في كنيسةٍ ... يطلُّ لها البطريقُ بالليل ساجداً
ومنهم عبد الرحمن بن أبي عمار فقيه أهل الحجاز دخل النحاس فعلق فتاة واشتهر بها، حتى مشا إليه مجاهد وعطا وطاووس يعدلونه، فأجابهم بأبيات منها: [البسيط]
يلومني فيكِ أقوامٌ أُجالسهم ... فما أبالي أطالَ الَّلومُّ أم وقعا
فاشتراها له عبد الله بن جعفر، وزينها ودخل إليه عبد الله بن أبي عمار في جملة الناس، فلما أراد النهوض استجلسه وسأله عن حبها، فقال في اللحم، والدم، والمخ، والعصب، والعظام، فأخرجها إليه وقال هذه هي؟ قال نعم [البسيط]
هيَ التي هامَ قلبي مِنْ تذكُّرها ... والنفسُ مشغولةٌ أيضاً بذكراها
قال له فخذ بيدها فهي لك، وأمر له معها بماية ألف درهم.
ومنهم عبد الله بن الحسين بن علي ﵈، عشق هند بنت أبي عبيدة وفيها يقول: [مجزوء الكامل]
يا هندُ إنكْ لوْ سمع? ... ?تِ بعاذلينِ تبايعا
هندٌ أحبُّ لي من ... مالي وأهلِي أجمعَا
فيها أطعتُ عواذلي ... وأطعتُ قلباً موجعا
ومنهم عبد الله القس مر بسلامة فسمع غناءها فرآه مولاه فأدخله فشغف بها وجماله فيها: [الطويل]
ألم ترها لا يبعد الله دارها ... إذا طربت من صوتها كيفَ تصنعُ
تمدُّ نظامَ الصَّوتِ ثم تردُّه ... إلى صلصلٍ من صوتها يترجعُ
ومنهم شريح القاضي كانت عنده زينب التميمية، وكان بها مشغوفاً ولها محباً وفيها يقول: [المتقارب]
إذا زينبُ زاراها أهلُها ... حسدت وأكرمت زوَّارها
وقد روي أن عائشة بنت طلحة كانت من أجمل الناس، وأحسن النساء صورة، وكانت سيئة الخلق، فغضبت يوماً على زوجها، وخرجت إلى مسجد رسول الله ﷺ فرآها أبو هريرى، فقال: سبحان الله ما أحسن ما غذاك أهلك! ما رأيت أحسن وجهاً منك.
وقد كان مغيث يحب زوجته بريدة، وكان عبداً، فلما عتقتها عائشة خيروها في المقام، أو الفرق، فاختارت فرق مغيث، فاشتد عليها وهام بها، حتى كانت تطوف البيت، وهو وراءها يبكي ودموعه على خديه، حتى قال النبي ﷺ لعمه العباس: "يا عم ما نرى شدة حبه لها وبغضها له، ثم دعاها رسول الله ﷺ وكلمها في معناه أبأمرك يا رسول الله قال لا أنا شافع".
وقد قال ﵇: "ما خلفت على أمتي فتنة أشد من النساء" وقد قال بعضهم: [السريع]
من كان ذا علمٍ بأمرٍ الهوى ... فهو بما ألقاهُ مني عليمُ
لم آتِ في الحب بأعجوبةٍ ... الحبُّ في العالم داءٌ قديم
وقد أنشد المأمون: [السريع]
داءٌ قديمٌ في بني آدم ... صبوة إنسان بإنسانِ
وقد تجاوز الأسود، والخاقاني لما عوتب في حبه فقال: [الخفيف]
ويكَ أنْ الملامُ يعزِّي الملوما ... ليس جرمي، كما زعمتَ عظيما
إنْ أكنْ عاشقاً فلم آيِ إلا ... ما أتتهُ الرجالُ قبلي قديما
стр. 52
أنبياءُ الهدى وخيرةُ خلقِ الله ... والأعظمونَ طرَّاً خلوما
فتنتْ صاحبَ الزبورِ في المحرابِ ... إذا ظلَّ للصلاة مقيما
ذاتَ فرعٍ بدتْ تحلَّل منها ... بدناً ناعماً وكشحاً هضيما
وتراءت على الوليِّ فتاةٌ ... فتنتْ بالجمالِ إبراهيما
ولقدْ همَّ يوسفْ بالذي هم ... وقد كان طاهراً معصوما
ولقد تيمتْ فؤاد رسول الله ... عرسٌ بنت حارث تتييما
أحمد المصطفى، فمن أنا حتَّى ... تنكري أنْ أكونَ عبداً سقيما
إنما أكثري التعجُّب ممن ... كان من فتنةِ النساءِ سليما
ولآخر:
ولائمٍ لامني في الحبِّ قلتُ له ... يا أعظمَ النَّاس فيما لامني حمقا
أنا شرَّعتُ الهوى وحدي فتعذلني ... هذا نبيُّ الهدى داوُد قد عشقا
كان يقال نِعم حاجب الشهوات غض الأبصار. ونعم قرين المرء الصمت واستقلال الكبير يعرض التعبير، قيل أنه أشير على أعرابية بالتزوج فأنشدت: [مجزوء الكامل]
لا تأمروني بالرزالِ فإنَّني ... أريدُ كرامَ القومِ أو أتبتَّلُ
أريد فتىً لا يملأُ الهولُ صدرهُ ... يعودُ علينا حلمهُ حين يجهلُ
حكي أنه لقي الرشيد موسى بن جعفر بن محمد بن علي بالمدينة، وكان موسى على بغلة، فاستنكر ذلك الرشيد، وقال للفضل: قل له ما الذي دعاك أن تلتقي مع أمير المؤمنين بهذه الركبة؟ فقلت له كيف تلقيت أمير المؤمنين على هذه الدابة، التي أن طلبت عليها لم تلحق، وإن طلبت عليها لم تسبق قال لست بحيث أُطلب، ولا أطلب ولكنها دابة تنحط عن خيلاء الخيلاء، وترتفع عن ذلة الغير، وخير الأمور أوسطها.
وكان الأفضل الرقاشي يؤثر ركوب الحمار. فقيل له: إنك يؤثر ركوب الحمار، فقال: هو أجمع الدواب تركب، ويتمهل، وهو أسهل الدواب مرتقى، وأيسرها سقطة، وأهونها غيباً، وأيسرها دراء، يترافع به الجليل، ويتواضع به الناسك، فراكبه تارة كراكب الفرس، وتارة كالماشي، ويقوم به الإمامة اللكما، والعبد الأخرق.
قال الأصمعي: رؤي عمر بن العاص راكباً على بغلة قد شمط وجهها هرماً، فقل له: لم تركب هذه، وأنت على فاخرة مصر؟ فقال: إني لا ملك عندي لدابتي ما حملت رجلي، ولا صديقي ما كتم سري، ولا لمرأتي ما أحسنت عشرتي، إن الملك من كواذب الأخلاق.
كان لبعض الظرفاء امرأة كبيرة، تحبه، وتأتي إليه، وتمنعه من التفسح، والمداعبة مع النساء وتظهر الغيرة عليه، فأضجرته، وأكثر عليه بذلك، فكتب إلى أبي الفتوح عبد الرحمن بن عبير الهيثم أن يعمل في ذلك شعراً، فقال: [الطويل]
ومن عجبِ الأيَّام شمطاءَ قاعدٌ ... تحاول مني الوصلَ، وهي تغارُ
إذا أنستني، أوحشتُ منْ أحسبُّهُ ... في من ندايتها إلى نفارُ
وفي مثلها يُهوى الجفا، وهو مظلمٌ ... ويُكرهُ ضوءُ الوصل، وهو نهارُ
لبدر بن صدقة بن منصور بن دبيس بعدما قتل أبوه وملكت دياره: [مجزوء الكامل]
يا غاديين من الشا ... م إلى العراق بشمالي
إنّ الأمانة لا تطي? ... ?ق لحملها صمُّ الجبالِ
إن جئتم الحللَ الرحا ... مَ ومركز الأمل الطوال
ووقوفاً مزدحمِ الوف? ... ود بباب أبلج كالهلالِ
قولا لساكنها المؤي? ... د بالبشاشة والجمالِ
مالي أرى السعدي من ... جيش الفتى المصريِّ خالِ
والقبةُ البيضاء في ... نقضٍ وكانت في كمالِ
يا صدقُ لو صدقوا رجا ... لك مثلَ صدقك في النزالِ
أو يحملون على اليمين كما ... حملت على الشمالِ
دامت لهم عربي? ... ?ة تبقى على مرِّ الليالي
لكنَّهم قرُّوا وما ... كرُّوا فتياً للعبيد مع الموالي
بأرنو هل خطر وإلا ... ولا خطروا ببالي
قالوا فقد قبلوا فقل ... ت إلى الجحيم ولا أبالي
للقتل يصلح كلُّ من ... ما كان يصلح للقتالِ
قيل لبعضهم: ما العيش؟ فقال: إقبال الزمان وعز السلطان، ومعاشرة الكرام من الخلان.
وكان ابن بسام ملقى من حجاب الوزراء، وكان يقصدونه بالحجاب، فحضروا يوماً باب القاسم بن عبد الله في أيام وزارته فحجب، فقال: [الكامل]
إنّي أتيتكَ زائراً ومسلِّماً ... ولكي أقوم ببعض حقِّ واجب
стр. 53
فإذا ببابكَ حاجبٌ مسبطرٌ ... فعمود بابكَ في حرم الحاجبِ
ولئن رأيتكَ راضياً بفعالهِ ... فتمام بابكَ في حرمِ الصاحب
وله أيضاً في سعد حاجب الخاقاني الوزير، وكان أسوداً: [الكامل]
يا سعدُ إنَّك قد حجبتَ ثلاثةً ... كلا قتلتَ وفيك رسمٌ لائحُ
وأتيتَ تحجبُ رابعاً لتثيرهُ ... فارفق به فالشيخ شيخٌ صالحُ
يا حاجب الوزراء إنك عندهم ... سعدٌ ولكنْ أنتَ سعدُ الذابحُ
وفيه يقول البحتري: [المتقارب]
ولمَّا وقفنا ببابِ الوزيرِ ... وقد كشفَ السترُ أو جانبهُ
ظللنا نُرجم فيك الظُّنون ... أحاجِمُهُ أنتَ أم حاجبهُ
قيل للأعرابي: اتق الحساب، قال: ومن يحاسبني؟ قيل الله ، قال: إن الكريم إذا حاسب تفضل.
قدم رجل إلى بعض الولاة، فأراد ضربه فقال: تأنَّ أيها الأمير، فإن التأني من الولاة صدقة.
قيل أتي سليمان بن عبد الملك برجل قد عفا عنه مرة بعد مرة، فأمر بضرب عنقه، فقال الرجل: الله، الله يا أمير المؤمنين، قال: أوليس قد عفوت عنك مرة بعد مرة،؟ فقال الرجل: أوليس فداء لك مني مرة بعد مرة يا أمير المؤمنين؟ قال: صدقت، وخلا سبيله.
قال الربيع بن أنس كنا في يوم عيد وقوفاً على رأس المنصور، والناس سماطان على مراتبهم، والمهدي جالس على وسادة، إذ أقبل صالح بن منصور، وهو الذي يدعى المسكين، وقد كان المنصور يرشحه لبعض الأمر، فقال بين السماطين، فسلم فأحسن السلم، ثم استأذن في الكلام، فأذن له المنصور فأجاد، فمد المنصور إليه، ثم قال له: يا بني ادنُ مني، فلما أدناه اعتنقه، ثم أقعده بين يديه ونظر إليه المنصور، ثم نظر في وجه من كان بحضرته من أهل بيته وغيرهم، هل منهم أحدٌ يثني على صالح ابنه لحسن كلامه وبلاغة نظامه، فكلهم هاب المهدي فقام عقال بن شبة بن عقال، فقال لله در خطيب قام آنفاً ما أفصح لسانه، وأحسن بيانه، وأمضى جنانه، وأبل ريقه، وأسهل طريقه، وحق لمن كان أمير المؤمنين أباه، والمهدي أخاه أن يكون، كما قال الشاعر: [البسيط]
هوَ الجوادُ فإنْ تلحق بشأوهما ... على تكاليفهِ من مثله لحقا
أو يسبقاهُ على ما كان من مهلٍ ... فمثل ما قدما م صالحٍ سبقا
قال الربيع: فأقبل علي أبو عبيد الله وزير المنصور، وكان إلى جانبي وقال: ما رأيت مثل هذا الرجل، ولا سمعت أحسن من نظامه، إنه أرضى أمير المؤمنين، ومدح الغلام، وسلم من المهدي، ثم أقبل المنصور علي فقال: يا ربيع لا ينصرف التميمي إلا بثلاثين ألف درهم، فما انصرف، حتى حملت إليه معنا.
رأيت بخط شيخنا شيخ الإسلام أبي الوفا علي بن عقيل ﵀، قال: ذكر أبو بكر الخطيب في تاريخه بإسناده، عن عمر بن الهياج بن سعيد، قال: أتت امرأة من ولد جرير بن عبد الله البجلي، صاحب رسول الله ﷺ إلى شريك القاضي، وهو بالكوفة، فقالت: أنا بالله، ثم بالقاضي، وذكرت نسبها ورددت الكلام، فقال لها: أيها عند الآن من ظلمك؟ فقالت: الأمير موسى بن عيسى، وهو ابن أخي المنصور، كان لي بستان على شاطئ الفرات لي فيه نخل، ورثته عن آبائي، وقاسمت أخوتي، وبنيت بيني وبينهم حائطاً، وجعلت فيه غارساً يحفظ النخل، ويقوم ببستاني.
فاشترى الأمير موسى بن عيسى من أخوتي جميعاًَ وساومني، وأرغبني، فلم أبعه، فلما كان في هذه الليلة، بعث فاعل، فاقتلعوا الحائط، فأصبحت لا أعرف من بخلي شيئاً، واختلط بنخل أخوتي، فقال شريك: يا غلام، آتني بطيئة وختم عليها، ثم قال لا أمضي إلى بابه، حتى يحضر معك، فجاءت المرأة بالطينة إلى بابه، فأخذها الحاجب ودخل على موسى، وقال: أعدا شريك عليك.
فقال: ادع لي صاحب الشرطة، فدعاه، فقال امض إلى شريك، وقل سبحان الله ما رأيت أعجب من أمرك، امرأة ادعت دعوى لم تصح ادعيتها علي.
فقال له صاحب الشرطة: إن رأى الأمير أن يعفيني من لقائه فليفعل، فقال امض، ويلك فخرج، وأمر غلمانه أن يتقدموا إلى الحبس بفراش وغيره، فلما وقف بين يدي شريك، وأدى الرسالة، فقال يا غلام خذ بيد هذا وضعه في الحبس، فقال قد والله يا عبد الله عرفت أنك تفعل بي هذا، فقدمت عليه، وبلغ موسى الخبر فوجه بالحاجب إليه، وقال: قل له هذا من ذاك رسول أي شيء عليه، فلما أدى الرسالة، قال يا غلام ألحقه بصاحبه في الحبس.
стр. 54
فلما صلى الأمير العصر، بعث إلى الحسن بن الصباح الأشعثي وجماعة من وجوه الكوفة، وأصدقاء شريك من العلماء، والقراء، فقال لهم: امضوا إليه وبلغوه السلام، وأعلموه أنه قد استخف بي، وأني لست كالعامة فمضوا، وهو جالس في مسجده بعد العصر، فأبلغوه الرسالة، فلما فرغوا قال لهم، فما لي إلا أراكم جئتم في غيره في الناس كلمتموني من هنا من فتيان الحي فليأخذ كل واحد منكم بيد رجل منهم، واذهبوا بهم إلى السجن، لا، والله لا بتم إلا فيه، قالوا: أجاداً أنت حقاً؟ قال: نعم، حتى لا تعودوا برسالة ظالم، فحبسهم، فركب الأمير موسى بن عيسى في الليل وفتح باب الحبس، وأخرجهم جميعاً، وجاء من الغد السجان إلى شريك في مجلس القضاء، فأخبره، فأمر بالقنطر فختمها، ووجه بها إلى منزله.
وقال لغلامه: الحقني بثقلي إلى بغداد، والله ما طلبنا هذا الأمر منهم ولكن أكرهونا عليه، ولقد ضمنوا لنا الإغراء فيه إذا تقلدناه لهم، ومضى نحو قنطرة الكوفة يريد بغداد، فبلغ الخبر موسى بن عيسى فركب في موكبه فلحقه، وجعل يناشده الله، وقال يا أبا عبد الله، تثبت انظر إلى أخوانك تحبسهم دع أعواني قال نعم، لأنهم مشوا لك في أمر لم يجب عليهم المشي فيه، ولست ببارح، أو يردوا إلى الحبس، وإلا مضيت إلى أمير المؤمنين فاستعففته مما جعله إلي فأمر بردهم إلى الحبس، وهو، والله واقف مكانه، حتى جاء السجان فأخبره بذلك.
فقال لأعوانه خذوا بلجام بغلة الأمير فردوه بين يديه، حتى دخل المجلس وجلس. وقال أين الجويرية المتظلمة من هذا؟ فجاءت، قال هذا خصمك قالت نعم، قال قد حضر مجلس الحكم، ثم قال الأمير أولئك يخرجون قبل كل شيء من الحبس، فقال القاضي أما الآن فنعم، أخرجهم، ثم التفت إلى الأمير فقال ما تقول فيما تدعيه هذه المرأة؟ قال صدقت، قال فترد جميع ما أخذت منها، وتبني لها حيطها في وقت واحد سريعاً، كما هدم، قال: أفعل، قال ما بقي لك شيء؟ قالت بيت الفارس ومتاعه، قال موسى يرد متاعه، ويبنى بيته، بقي لك شيء تدعيه؟ قالت لا وجزاك الله خيراً عن المسلمين، قال قومي لشأنك، ثم أخذ شريك بيد موسى بن عيسى فأجلسه في صدر المجلس، ثم قال السلام عليك أيها الأمير تأمر بشيء ليمتثل؟، قال له موسى: بأي شيء وضحك وانصرف راضياً بفعل شريك.
يقال: إن المروءة عشرة خصال: الحلم، والحياء، والصدق، والسخاء، وترك الغيبة، وحسن الخلق، والعفو عند المقدرة، وبذل المعروف، وإنجاز الوعد، وكتم السر.
حكي عن الحسن بن سهل أنه لما ودع المأمون فبلغ نهاية التشييع، فقال المأمون ألك حاجة يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين تحفظ علي من قلبك لا أستطيع حفظه إلا بك.
كتب عبيد الله بن عبد الله بن ظاهر إلى موسى بن بغا معزياً له غير أخيه أبي نصر، ومهنئاً له بإحضار الخلافة إلى المعتمد على الله، لئن كانت الأيام أعزك الله، أساءت الرزية، لقد أحسنت العطية، أو قاربت المنية، لقد بلغت الأمنية، فأعطت بكف وثنت كفاً، فلا زلت مشمولاً بالنعم، مغموراً بالكرم. حتى يكون كل يوم من أيامك موفياً في الفضل على أمسه، مقصراً عن فضل غده، وأمسه.
كتب رجل إلى صديق له، قد كنت أستعيذك ظالماً، فتحكم لي، وقد استعذيتك مظلوماً، فضاق عني عدلك، وقد ذكرت، قول الشاعر: [الخفيف]
كنت من كربتي أفرُّ إليهم ... فهمُ كربتي فأينَ الفرارُ؟
وكتب آخر إلى من وعده بوعد ومطله كفا بالتأويل موجباً للمأمول، فكيف بالموعود الممطول.
وكتب آخر إلى صديف له لا تستقل لنا براً فإنا لا نستكثر على قبوله شكراً.
يقال أن الحمية أحد العلتين.
هذه رقية للنار الفارسي، والنملة، وهي مجربة متداولة: تعقد عند عاقولة في يوم الأحد وتحفر على أصلها بحديدة، وتقول وأنت تحفر هذه الكلمات: توميد، الدوريدك، برذم، شرندم، هلميسة، وخشك، يانسي، نوشفا، توشفا عن فلان بن فلانة، أو فلان بنت فلانة، وتقطع العاقولة، وتثقل عليها، وتركي وأكثر ما يفعل ثلاثة آحاد فإنه يبرأ بإذن الله تعالى.
стр. 55
قال طاووس اليمامي، رأيت علياً كرم الله وجهه على المنبر بالكوفة، وقد خطب خطبة بليغة، قال فيها: معاشر الناس عشر خصال تقبح، قيل ما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: الغدر بالأشراف، والخدعة بالعلماء، والكبر في الأبرار، والشح بالملوك، والبخل بالأغنياء، والإزراء بالفقراء، والسفاهة بالشيوخ، والفجور بالقراء، والكذب بالقضاة، والعجلة في الأمراء.
قال الأمير عمر بن هبيرة لبعض عماله: اتخذ كاتباً، ولا تكونا نارين فتحرقا، ولا مائين فتغرقا، ولا تنفتحا، وكن ناراً وليكن ماء، وول عملك أهل البيوتات فإن عدلوا، فذاك الظن بهم، وإن لم يفعلوا كان لك عذر في توليتهم، ويكن حاجبك طلق الوجه، ينزل الناس منازلهم.
فإن حاجب الرجل وجهه قيل أن يرى فليكن وجهك حسناً، ومره أن يتلقى بالبشر، ومره أن يستقبل مصافيك ومخالصيك جذلاً مسروراً، وأن يقضي حوائجهم، ويقرب مجالسهم، بل يوجه من يكون ذلك طبعاً فيه، ولا يكون عليه مؤونة له من نفسه.
يحكى أن رجلاً وقف بين يدي الوزير مسعدة، وقد ركب في موكبه، وأظهر من الكبرياء، والجبروت ما يخرج عن حد العادة فأنشد: [الوافر]
لا تناها فوق حالك حال ... كمل الوزن وامتلأ المكيال
مثل شمس النهار لما استقلت ... في ذراها فليس إلا الزوال
وحكي عن بعض الكتاب أنه وقع إلى قاضي قم: أيها القاضي بقم قد عزلناك فقم، فقال القاضي: والله ما أراد عزلي وإنما التطابق بالسجع حمله على ذلك، فما مضت أيام عدة حتى أعاده.
يقال: من استطال عليك بصورته، وبخل عليك بفضله، ففي التصاوير مثله كثير أنشد ابن الأعرابي: [الطويل]
حملت جبال الحب منك، وإنّني ... لأعجز عن حمل القميص وأضعف
وما الحب من حسنٍ ولا من ملاحةٍ ... ولكنه شيءٌ به الروح تتلف
قال بعض الحكماء: من فعل ما شاء لقي ما لا يشاء.
وقال بعض الأدباء: أوسع ما يكون الكريم مغفرة. إذا ضاقت بالمذنب المقدرة.
ويقال: إن الاستطالة نذالة.
قيل للأحنف بن قيس: هل رأيت أحداً أحكم بياناً منك؟ قال: أي والله من تعلمت منه الحلم، قيل من هو؟ قال: قيس بن عاصم المنقري بينما هو محتبٍ بفناء بيته، أُدني بابن له، قيل قتله ابن عم له. فوالله ما تغير له وجه، ولا حل حبوته، ولكنه أمر، بأن يغسل ويوارى، ثم أرسل إلى قاتله لا يجوز أن تجري في الانتقام مجراك في الاعتداء، فأقبل إلينا آمناً، وأخبرونا بالسبب الذي هيجك على ما أحييت، ثم قال: يا غلام اذهب إلى أم القتيل بمائة من الإبل، ليسكن عنها ما تداخلها من اللوعة، ثم أنشأ يقول: [الكامل]
إني امرؤٌ لا بطئ حسبي ... دنسٌ يخالطه، ولا أفقُ
من منفرٍ في بيت مكرمةٍ ... والفرعُ بيتٌ حوله الغصنُ
لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لعين عيوبه فطن
خطباء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه أعفه لسنُ
قيل لأمير المؤمنين، عمر بن الخطاب ﵁ من سيد قومك؟ قال: من أحوجهم الدهر إليّ.
يقال: من رغب في المكارم فليتجنب المحارم.
ويقال: أنعم الناس عيشاً من عاش غيره في ظله.
وقد روي أن كعب بن مالك، وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا لما جاء البشير بنزول توبته سجد، وألقى رداءه على البشير.
قال عمران بن محمد اليقطيني: رأيت يونس بن المختار، في دار المأمون، ومرتبته أعلى المراتب، قاعداً على الأرض، فقال له الحاجب: ارتفع ي أبا المعلي إلى مرتبتك. فقال: قد رفعني أمير المؤمنين إليها وليس لي عمل بقي لها، فلم لا أكرمها عن القعود عليها إلى أن يتهيأ لي الشكر عليها، فبلغ ذلك المأمون، فقال هذا غاية الشكر وزاد في إكرامه، لمحمود الوراق: [السريع]
يا أيها الظالم في فعله ... والظلم مردود على من ظلم
إلى متى أنت وحتى متى ... تشكو المصيبات وتنسى النعم
أخذ هذا من تفسير الحسن لقوله تعالى: ﴿إن الإنسان لربه لكنودٌ﴾ [العاديات:٦] قال: يعود المصائب، وينسى النعم.
ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: "من أنظر معسراً إلى ميسرة كان في ظل الله ".
وروي عنه ﵇ أنه قال من شد على أخيه في التقاضي، إذا كان معسراً شد الله عليه في قبره.
стр. 56
قال أبو معاوية الأسود: إخواني كلهم خير مني، فقيل له كيف ذلك؟ فقال كلهم يرى الفضل على نفسه، ومن فضلي على نفسه فهو خير مني لبعضهم: [الطويل]
فلا نغترر بالبشرِ في وجهِ حاسدٍ ... فيردُّ ابتسامَ الثَّغر من غلظة الحقدِ
وإن مشرب السُّمِ لا شكَّ قاتلٌ ... وإن هو أحنى نفسهُ لدَّة الشهدِ
من كتاب النساء في عيون الأخبار
لابن قتيبة بإسناد عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: خير نسائكم العفيفة في فرجها، الغلمة لزوجها.
وبإسناده عن الزبير قال: ما دفع أحد نفسه بعد الإيمان بالله، بمثل منكح صدق، ولا وضع نفسه بعد الكفر بالله، بمثل منكح سوء.
ثم قال: لعن الله فلانة ألفت بني فلان بيضاً طوالاً فجعلتهم سوداً قصاراً.
وقال رجل: لا أتزوج امرأة، حتى أنظر إلى ولدي منها، فقيل كيف ذلك؟ قال أنظر إلى أبيها، وأخيها، فإنها تجيء بأحدهما.
وبإسناده عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال ثلاث من الفواقر: جار إن رأى حسنة سترها وإن رأى سيئة أذاعها ونشرها، وامرأة إن دخلت لسنتك، وإن غبت عنها، لم تأمنها وخانتك، وسلطان إن أحسنت لم يحمدك، وإن أسأت قتلك.
قال خالد بن صفوان: من تزوج امرأة ليتزوجها عزيزة في قومها، ذليلة في نفسها، أدبها الغنى، وأذلها الفقر حصان من جاراها، ماجنة على زوجها.
وقال خالد بن صفوان: اطلب لي بكراً كثيب، أو ثيباً كبكر، لا ضرعاء صغيرة، ولا عجوزاً كبيرة، لم تنفر فتحنن، ولم تفتل فتمتحن، قد عاشت في نعمة، وأدركتها حاجة، فخلق النعمة معها، وذل الحاجة فيها.
وقال آخر: يعني امرأة لا تؤهل داراً، ولا تؤنس جاراً، ولا تنفث ناراً، يريد بذلك أن لا تجعل لدارها آهلة بدخول الناس عليها، ولا تؤنس الجيران بدخولها عليهم، ولا تنم، وتغري بين الناس، أنشد ابن الأعرابي: [الطويل]
إذا كنت تبغي أيِّماً بجهالةٍ ... من النَّاس فانظر من أبوها وخالها
فإنّهما منها كما هي منهمُ ... كقدك تغلاً أو أريد مثالها
ولا تطلب البيت الدَّنيئ فعالة ... ولا يدع ذا عقلٍ لرعناء مالها
فإن الذي ترجو من المنال عندها ... سيأتي عليهِ شومها وحيالها
البكر كالبر تصحنها، وتعجنها، وتخبزها، ثم تأكلها، والثيب عجالة كعجالة الراكب تمر وسويق.
ويقال أن المرأة غلٌّ فانظر ماذا تضع في عنقك.
وطلق أبو زياد امرأته حين وجدها لثغاء فخاف أن تجيئه بولد ألثغ، وأشد: [الكامل]
لثغاء تأتي بجليس ألثغٍ ... يميسُ في الموشَّى والمُصبَّغِ
تزوج علي بن الحسين ﵉ أم ولد لبعض الأنصار، فلامه عبد الملك على ذلك فكتب إليه، إن الله قد رفع بالإسلام الخسيسة، وأتم النقيصة، وأكرم به من اللوم، فلا عار على مسلم، هذا رسول الله ﷺ قد تزوج أمته وامرأة عبده، قال عبد الملك بن مروان: علي بن الحسين يشرف من حيث يتضع الناس.
قال الأصمعي: كان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد، حتى نشأ فيهم علي بن الحسين، والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله فقاموا أهل المدينة فقهاً، وورعاً فرغب الناس في السراري.. ولبعضهم: [البسيط]
لا تشمتن بامرئ في أن يكون له ... أمٌ ن الروم، أو سوداء عجماءْ
فإنَّما أمهات القوم أوعيته ... مستودعات وللأحساب آباءْ
ورب واضحةٍ ليست بمتجبة ... وربما أنجبت للفحل سوداءْ
وقال بعضهم لصديق له، وقد شاوره في التزويج، فقال: افعل وإياك، والجمال الفائق فإنه مرعي، فقال: ما نهيتني إلا عما أطلب، قال سمعت قول القائل: [البسيط]
وإن تُصادف مرعىً ممرعا ... إلا وجدت به آثار مأكول
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، فإنكم إن لم تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفسادٌ كثير".
وقال ﵊: "الحسب المال، الكرم التقوى".
وقال له أم حبيبة: يا رسول الله المرأة منا ما يكون لها زوجان في الدنيا فتموت لأيهما تكون في الآخرة؟ فقال: "لأحسنهما خلقاً يا أم حبيبة، ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة".
وقال عمر بن الخطاب ﵁: لا تكرهوا فتياتكم على الرجل القبيح فإنهن يحببن، كما تحبون.
стр. 57
قيل لأعرابي: فلاناً خطب فلانة، أمن يسر من دين وعقل قالوا نعم، قال: فزوجوه.
أوصى الديان بن قطن الحارثي ابنته، فقال: يا بنية لا يعلون صوتك على صوت زوجك، ولا يكون أمرك على أمره، واعلمي أن كرام النساء المغلوبات لا الغالبات، فإن أعطاك يسيراً، فاستزيدي، ولا تحقري، وإن أكثر لك فاشكري، ولا تبطري، وإن ساءتك منه خليقة، فكوني به رقيقة، واعلمي أن جواداً معسراً خيراً من عشرة مياسر بخلاء.
كان عمر ﵁ لا يجيز نكاحاً عام سنة، يقول: لعل الضيقة تحملهم على أن ينكحوا غير الأكفاء.
خطب رجل، فلم يرضيه، وكان في عام جدب، فأنشأ يقول:
قل للذين أتوا يبغون رخصتها ... ما أرخص الجوع عندي أم كلثومِ
الموت خير لها من بعد منقصة ... سيقت إليه أبا ياجلةٍ كومِ
خطب خالد بن صفوان امرأة، فقال: أنا خالد بن صفوان، والحسب على ما قد علمت وكثرة المال على ما بلغت، وفي خصال سأبينها لك، فتقدمي علي أو دعي، قالت: وما هن؟ قال: إن المرأة إذا دنت مني أملتني، وإن تباعدت عني أعلتني، لا سبيل إلى درهمي وديناري، وثاقي على ساعة من المال، لو أن رأسي بيدي لنبذته، فقالت: قد فهمنا مقالتك، ووعينا ما ذكرت، وفيك الحمد لله خصال ما يرضى بها لبنات إبليس فانصرف، أصلحك الله وقال لبعض العرب يخاطب امرأته: [المتقارب]
فإما هلكت فلا تنكحي ... ظلوم العشرة حسادها
يرى مجده ثلب أعراضها ... لديه وينغص من سادها
قال رجل للحسن: إن لي بنية، وإنها تخطب، فمن أزوجها؟ قال: من يتق الله، فإنه إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.
قال إبراهيم بن ميسرة قال لي طاووس لتنكحن، أو لأقولن لك ما قال عمر لأبي الزوايد ما يمنعك من النكاح إلا عجزاً وفجوراً. قالت عائشة ﵂: خطب رسول الله ﷺ امرأة كلب، فبعثني أنظر إليها، فقال: كيف رأيت؟ قلت: ما رأيت طائلاً، فقال: "لقد رأيت طائلاً، ولقد رأيت خالاً بخدها، حتى اقشعرت كل شعرة منك على حدة" فقلت: ما دونك ستر، ولا سر.
قال عون بن عبد الله: كان يقال من كان في صورة حسنة ومنصب لا يشينه، ووسع عليه في رزقه، وكان من خالصة الله تعالى ولبعضهم: [المتقارب]
تخبر من فيهم حسنة فتاةٌ ... وحق له أن يتيها
رائي نفسه ورائي غيره ... فلم ير فيه لشيءٍ شبيها
وفي معناه: ولما رآك العاذلون حجتهم، بوجهك، حتى كلهم لي عاذر.
قال الزبير بن بكار: قال جميل بن معمر: ما رأيت مصعباً يحتال بالبلاط، إلا غرت على بثينة بالجناب وبينهما مسيرة ثلاث.
قال العتبي: حدثنا أبو الغصن الأعرابي قال: خرجت حاجاً لبعض السنين، فلما مررت بقباء، تداعى أهله، وقالوا الصقيل، فنظرت فإذا جارية كأن وجهها سيف صقيل، فلما رميناها بالحدق، ألقت البرد على وجهها، فقلنا لها إنا سفر وقينا أجر فأمتعينا بوجهك فانصاعت، وأنا أغرق الضحك في وجهها وعينها، وهي تقول: [الطويل]
وكنت، متى أرسلت طرفك رائداً ... لقلبك يوماً أتعبتك المناظر
رأيت الذي لأكله أنت قادرٌ ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر
ومر رجل فرأى فتاة من أحسن النساء، وأجملهن، فوقف ينظر إليها، فقال له عجوز من ناحية ما يقيمك على العراك النجدي، ولاحظ لك فيه، فقالت الجارية دعيه، يا أمتاه يكن لقول ذي الرمة: [الطويل]
وإن لم يكن إلا تعلل ساعة ... علي فإني نافع لي قليلها
قال جعفر بن محمد بن الجمال: مرحوم، قال: الأصمعي، خاصم رجل على امرأته إلى زياد فكأنه مال على الرجل، فقال له الرجل: أصلح الله الأمير، إن خير نصفي بني الرجال آخرهما يذهب حجله، ويثوب حلمه، ويجتمع رأيه، وإن شر نصفي بني الامرأة آخرهما يسوء خلقها، ويحد لسانها، ويعقم رحمها، فقال: اسفع بيدها.
وقد قال بعض الأعراب: [البسيط]
لا تنكحن عجوزاً إن أتوك بها ... وإن حبوك على تزويجها الذهبا
فإن أتوك، وقالوا إنها نصفٌ ... فإن أطيب نصفها الذي ذهبا
ذكر بعض الأعراب امرأة فقال: خلوت بها، والقمر يرنيها، فلما غاب أرتنيه.
طلق أبو الخندق زوجته، فقالت بعد صحبة خمسين سنة، فقال هذا ذنبك عندي لا غير.
стр. 58
قال ابن الكلبي خطب دريد بن الصمة، خنساء بت عمرو، فبعثت جاريتها إليه فقالت: انظري، إذا بال يقعر أم يبعثر؟ قالت الجارية: بل يبعثر، فقالت: لا حاجة لي فيه.
ولبعضهم هو أبو تمام: [الكامل]
أحلى الرجال من النساء مواقعاً ... من أشبههم بهن خدودا
آخر: [البسيط]
أرى شيب الرجال من الغواني ... بموضع شيبهن من الرجال
آخر:
كفى لذي الشيب ذنباً عند غانية ... وبالشباب شفيعاً أيها الرجل
وقيل كانت لبعض الأعراب امرأة تشاوره، وتؤذيه، وقال قد أسن وامتنع عن النكاح، فقال له صاحبه أما نصلح بينكما؟ قال: لا، قال له: ولمَ؟ قال: لأن لذي كان يصلح بيننا قد مات. يعني ذكره.
عوتب بعضهم على ترك لحيته بيضاء، فقال: [الوافر]
وقائلة لي اخضب فالغواني ... نوافر عن ملاحظة الفتير
فقلت لها الفتير نذير عمري ... ولست مسوداً وجه النذير
قال العتبي حدثني أبي عن الحكم بن صخر الثقفي قال: خرجت حاجاً متخفياً، فلما كنت ببعض الطريق لقيتني جاريتان من بني عقيل لم أر أحسن منهما وجهاً، ولا أظرف ألسناً، ولا أكثر علماً فقصدت لهما يومي وكسوتهما، ثم حججت من قابل معي ومعي أهلي، وقد أصابتني علة نصل حضابي، فلما صرت إلى ذلك الموضع، إذ أنا بإحداهما قد دخلت علي، فسألتني مسألة منكر، فقلت فلانة، فقالت فداك أبي أو تعرفني، وأنكرك؟ فقلت: أنا الحكم بن صخر، قالت إني رأيتك عام أول شاباً سوقة، وأراك العام شيخاً ملكاً، وفي دون هذا ما ينكر المرء صاحبه. قلت: فما فعلت أختك، قالت: تزوجها ابن عم لها وخرج بها إلى أضاح، فذلك حين أقول: [الطويل]
إذا ما قفلنا نحو نجد وأهله ... فحسبي من الدنيا قفول إلى نجد
فقلت لو أدركتها تزوجتها، قالت: فما يمنعك من شقيقتها في حسنها ونظرتها إلى جمالها، تعني نفسها، قلت بمعنى كثير: [الطويل]
إذا وصلتنا خلة لي يزيلنا ... أبينا وقلنا الحاجبية أول
قالت وكثير بيني وبينك أليس هو القائل: [البسيط]
هل وصل عزة إلا وصل غانية ... في وصل غانية من وصلها خلف
قال: فسكت عن جوابها.
حكى الأصمعي عن بعض أشياخ أهل البصرة: أن رجلاً وامرأته اختصما إلى أمير من أمراء العراق، وكانت المرأة حسنة المتنقب، قبيحة المسفر، وكان لها إنسان فكأن الأمير مال معها، فقال يعمد أحدكم إلى المرأة الكريمة، فيتزوجها، ثم يسيء إليها، فأهوى روحها، فألقى النقاب عن وجهها، فقال الأمير: لعنة الله كلام مظلوم، ووجه مظلوم.
وقال أعرابي يذم امرأة لها جسم برغوث وساق بعوضة ووجه كوجه القرد بل هو أقبح:
لها جسم برغوث وساق بعوضة ... ووجه كوجه القرد بل هو أقبح
تبرزق عينيها إذا ما رأيتها ... وتعبس في وجه الضجيج ويكلح
وتفتح لا كانت، فما لو رأيته ... توهمته باباً من الدرب يفتح
وما ضحكت في القوم إلا صننتها ... أمامهم كلباً يهر ويسنح
إذا عاين الشيطان صورة وجهها ... تعوذ منها حين يمسي ويصبح
وقد أعجبتها نفسها فتملحت ... بأي جمال ليت شعري تملح
ورأى أعرابي امرأة في شارة وهيئة، فظن بها جمالاً، فلما أسفرت إذا هي غول، فقال: [الطويل]
فأظهرها ربي بمن وقدرة على ... ولولا ذاك مت من الكرب
فلما بدت شحت من قبح وجهه ... وقلت لها الساجور خير من الكلب
قال عبد الملك بن عمير: قدم علينا الأحنف بن قيس الكوفة مع مصعب بن الزبير، فما رأيت خلة تذم إلا ورأيتها فيه، كان أصلع الرأس متراكب الأسنان أشدق، مائل الذقن، ناتئ الجبهة، ماحق العين، خفيف العارضين، أحنف، ولكنه كان إذا تكلم جلا عن نفسه، وقال له رجل يوماً (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) .
فقال له: وما ذممت مني يا ابن أخي، الدمامة وقصر القامة، ثم قال له: لقد عبت علي ما لم أومر فيه.
قيل لإياس بن معاوية بن قرة: فيك أربع خصال: دمامة، وكثرة كلام، وإعجاب بنفسك، وتعجيل بالقضاء، قال: أما الدمامة، والأمر فيها إلى غيره لم يكن من صنعتي، وأما كثرة الكلام فبصواب أتكلم أم بخطأ قالوا بصواب قال: فالإكثار من الصواب أمثل، وأما إعجابي بنفسي أفيعجبكم ما ترون مني؟ قالوا: نعم، قال: فإني أحق أن أعجب بنفسي.
стр. 59
وأما قولكم أنك تعجل بالقضية فكم هذه، وأشار إلى أصابعه قالوا خمسة قالوا أعجلتم ألا قلتم اثنين وثلاثة، وأربعة وخمسة قالوا ما تعد شيئاً قد عرفناه، قال فكذلك لا أحبس شيئاً قد تبين لي فيه الحكم.
وفي رواية الحاجب بن العلاف عن الحمامي بإسناده عن موسى ﵇ قال يا رب دلني على عمل، فأوحى الله إليه: عليك باللطف، بالصبيان فإني جعلتهم على فطرتي، وإن توفيتهم على رحمتي.
قال أبو الأسود الدؤلي لابنته إياك والغيرة، فإنا مفتاح الطلاق، وعليك بالزينة، والطيب، فإن أزين الزينة الكحل، وأطيب الطيب، إسباغ الوضوء، وكوني، كما قلت لأمك: [الطويل]
خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
ولا تنقريني نقرة الدف مرة ... فيا باك قلبي، والقلوب تقلب
فإني وجدت الحب في الصدر والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب
وأي فتاة لا توقر بعلها ... وتكرمه إلا ويوماً ستعطب
ويروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "المرأة خلقت من ضلع عوجاء فإن تحرص على إقامتها تكسرها فدارها تعش بها".
وأنشد ابن الأعرابي: [الطويل]
هي الضلع العوجاء تقيمها ... إلا أن تقويم الضلوع انكسارها
أيجمعن ضعفاً واقتداراً على الفتى ... أليس عجيباً ضعفها واقتدارها
قال عمر ﵁ النساء عورة فاستروا عوراتهن بالبيوت، وداووا ضعفهن بالسكوت.
وفي حديث آخر لعمر، لا تسكن نساءكم الغرف، ولا تعلموهن الكتابة، واستعينوا عليهن بالجوع، والعري فإنهن إذا جعن لا يمرحن، وإن عرين لم يتبرجن.
في كتاب (حلة الأولياء) عن يزيد الرقاشي عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "من لقم أخاه لقمة حلو صرف الله عنه مرارة الموقف يوم القيامة".
وبإسناده أن النبي ﷺ قال: "من خدم مؤمناً، أو خف له من شيء من حوائجه كان حقاً على الله أن يخدمه وصيفاً في الجنة".
قبل أبو المعيثل يد طاهر بن عبد الله، فقال له: قد أذت خشونة شاربك يدي، قال إن شوك القنفذ لا تضر ببرثن الأسد.
قال يحيى بن زياد لمطيع لا مرحباً بعيش أنفرد به عنك، ويوم لا أكتحل فيه بك.
حكى عن الرئيس الأجل الكافي أبو دلف محمد بن هبة الله ابن رهمويه قال: أهديت لبعض الصدور بطيخاً بعد أن بذلك الجهد في انتقائه وانتخابه فأخلف، ولم يكن كظاهره فعاتبني في ذلك فكتبت إليه: [الطويل]
لك الخير لم أترك مزيداً لناظرٍ ... فخير حسناً ظاهراً عن مغيب
خلقن كأمثال النساء فكم ترى ... جمالاً له ضد القلي، والتجنب
ومن منظر شينٍ وعند مراسه ... يسيغك في اللذات أعذب مشرب
ولو أني أستطيع فض ختامها ... لجاءك منها كل عنقاء مغرب
قيل كان عند الحجاج منجم، فأخذ الحجاج حصيات بيده، قد عرف عددها، فقال للمنجم: كم بيدي؟ فحسب فأصاب، ثم اعتقله الحجاج، فأخذ حصيات لا يعرف عددها، وقال للمنجم، كم بيدي فحسب فأخطأ، ثم حسب فأخطأ، فقال: أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها في يدك، قال له الحجاج: فما الفرق بينهما؟ قال إن ذاك أحصيته فخرج عن حد الغيب، وإن هذا لا تعرف عدده فصار غيباً ولا يعلم الغيب إلا الله : [البسيط]
لا تأمنن إلى هذا الزمان ولا ... أبنائه أبداً واستعمل الحذرا
فإن أبيت فجرب من تفضله ... حتى يقول لك التجريب كيف ترا
قال ميمون بن مهران: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فقال لآذنه انظر من بالباب، فقال رجل قد أناخ قبيل رحل، قال سله من أين هو؟ قال ابن بلال مؤذن رسول الله ﷺ قال ائذن له، فلما دخل قام عمر، وأخذ بيده، وأجلسه معه، وقال حدثني ما سمعته من أبيك وسمعه أبوك من النبي ﷺ ، قال حدثني أبي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ولي شيئاً من أمور الدنيا للمسلمين، ثم حجب عنهم حجب الله عنه يوم القيامة".
فما رأى على بابه حاجب حتى مات.
في القيام للزائر قال أنس: استأذن علي ﵇ على النبي ﷺ فلما دخل عليه قام فاعتنق ودخل يمسح وجهه بوجهه ﷺ .
стр. 60
وقال المنصور حدثني أبي قال ابن علي عن أبيه علي بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن العباس قال كنت أنا، وأبي العباس بن عبد المطلب جالسين عند النبي ﷺ إذ دخل علي بن أبي طالب ﵇ فسلم فرد عليه رسول الله ﷺ واستبشر به وقام إليه واعتنقه، وقبل بين عينيه، وأجلسه عن يمينه، فقال العباس: يا رسول الله أتحب هذا؟ فقال رسول الله ﷺ : "يا عم رسول الله، والله الله أشد حباً له مني، إن الله جعل ذرية كل نبي من صلبه، وجعل ذريتي من صلب هذا ".
قالت عائشة أم المؤمنين ﵂ ما رأيت أحد أشبه كلماً وحديثاً لرسول الله من فاطمة ﵍، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبلها، ورحب بها، وأخذ بيدها، فأجلسها في مجلسه، وكان هو إذا دخل إليها قامت إليه وقبلته، وأخذت بيده فأجلسته.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال لما قدم عليه جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، قام إليه النبي ﷺ وقبل بين عينيه.
وقال أبو سعيد الخدري لما نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ أرسل النبي ﷺ "قوموا إلى سيدكم" يعني الأنصار.
وعن أبي إمامة قال رسول الله ﷺ : "يقوم الرجل لأخيه عن مقعده، إلا بني هاشم فإنها لا تقوم لأحد".
وقال أبو هريرة: كان النبي ﷺ إذا دخل منزلاً قمنا إليه، حتى يدخل.
قال أبو هشام محمد بن يزيد الرفاعي القاضي، قام وكيع بن الجراح، لسفيان الثوري فأنكر عليه قيامه له، فقال وكيع أتستنكر علي قيامي لك، وأنت حدثتني عن عمرو بن دينا عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم" فأخذ سفيان بيد وكيع فأجلسه إلى جانبه، قال الأعشى: [الخفيف]
أريحي صلتٌ يظل له النا ... س قياماً قيامهم للهلال
وأخذ منه الفرزدق لما قال لسعيد بن العاص:
ترى الغر الجحاجج من قريش ... إذا االأمر بالحدثان عالا
قياماً ينظرون إلى سعيد ... وكأنهم يرون به الهلالا
فقال له مروان: لم ترض أن جلسنا قعوداً ننظر إليه، حتى أقمتنا، قال: وأنك يا أبا عبد الملك منهم.
وقال ابن الجارود: [الكامل]
ما زلت تحسن، ثم تحسن عائداً ... فأعود شاكر نعمة فتعود
فتزيدني نعماً فأشكر جاهداً ... فكذاك نحن تزيدني، وأزيد
وتقوم لي كرماً إذا أبصرتني ... متلقياً والأميون قعود
حضر جماعة من الكبار، وأهل الفضل، بباب ثعلب النحوي، فلما خرج إليهم، قاموا، فأنكر ذلك، فلما جلس أنشدهم: [المتقارب]
فلما بصرنا به مقبلاً ... حللنا الحبا وابتدرنا قياما
فلا تنكرون قيامي له ... فإن الكريم يجل إكراما
آخر: [الوافر]
أتعجب أن أقوم إذا بدا لي ... لأكرمه، وأعظمه هشام
فلا تعجب لإسراعي إليه ... فإن لمثله حق القيام
وللبحتري في عبيد الله بن يحيى: [الكامل]
ومبجل وسط الرجال حقوقهم ... لقيامه وقيامهم ليقعوده
فالله يلكؤه لنا ويحوطه ... ويعزه ويزيد في تأييده
وللبحتري أيضاً: [الكامل]
نفسي فداؤك من عميد رعية ... نجت نجوم العدل في أيامه
ملك تقوم له الملوك إذا بدا ... وتخر للأذقان عند قيامه
قال أبو أمامة خرج علينا رسول الله ﷺ وهو متوكئ على عصا، فقاموا إليه، فقال: "لا تفعلوا، كما يفعل أهل الفرس بعظمائهم".
وقال عبادة بن الصامت: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال أبو بكر: قوموا نستغيث برسول الله من هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ : "لا يقام إلى أحد، إنما يقام لله ".
روى معاوية قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحب أن يستحكم بخادم قياماً وجبت له النار".
وقال عبد الله بن الزبير، قال: قال رسول الله ﷺ : "من أحب أن تمتثل له الرجال قياماً وليتبوأ مقعده في النار".
قال أنس: ما كان أحب شخص إلينا من رسول الله ﷺ وكانوا إذا رأوه لا يقومون له، لما يعلمون من كراهيته لذلك ﷺ .
стр. 61
اعتنق رسول الله ﷺ جعفراً، واصحابه لما قدموا من الحبشة. وقبله بين عينيه. قال العباس بن أبي الفرج الرياشي، أول من عانق إبراهيم، خليل الرحمن ﷺ وذكر عن تميم الداري أنه سأل رسول الله ﷺ عن معانقة الرجل للرجل إذا لقيه فقال: كانت تحية الأمم، وخالص ودهم أن أول عانق إبراهيم، وقبل ذلك، كان السجود، هذا لهذا، ثم جاء الله بالصفاح مع الإسلام، لم يسج، ولم يعانق، ولا تفرق الأصابع، حتى يغفر الله لكل مصالح، ولما قدم عمر الشام، تلقاه أبو عبيدة بن الجراح ﵄ على حمار خطوم بجبل من ليف، فنزل أبو عبيدة ونزل عمر، فقال عمر مرحباً برجل لم تضره الدنيا واعتنقه وجلسا يتباكيان، لابن أبي فنن: [المتقارب]
خلوت فعانقتها ليلة ... على مثلها يحسد الحاسد
كأنا وثوب الدجى مسبل ... علينا لمبصرنا واحد
وكفى يجول علي خصرها ... وخدي على خدها راكد
فإن هي عادت إلى وصلها ... فكن ضامناً أنني عائد
لابن أبي مرة المكي: [الخفيف]
وليس عندي النوى بعظيم ... فيه همي وفيه كشف همومي
من يكن يكره الفراق فإني ... أشتهيه لموضع التسليم
إن فيه اعتناقه لوداع ... وانتظار اعتناقه لقدوم
ولكم قبلة وغربة شهر ... هو خير من امتناع مقيم
للحسين بن الضحاك: [المنسرح]
واجهني إذ بدا بلوغه لا ... وعاد من بعدها إلى نعم
أباحني صوته ووسدني ... إحدى يديه وبات ملتزمي
فبت في ليلة نعمت بها ... ألثم دراً مفلجاً بفم
في تقبيل اليد
أسامة بن شريك، قال: قمنا إلى رسول الله فقبلنا يده، وقال عمر: قبلنا يد رسول الله ﷺ وقال ابن عباس: صنع رسول الله ﷺ معروفاً إلى رجل فقبل يد رسول الله ﷺ خمس مرات.
وقال بريدة إن أعرابياً قال يا رسول الله ائذن لي فأقبل رأسك، ويدك فأذن له ففعل، وقال صفوان بن عسال: إن قوماً من اليهود، قبلوا يد النبي ﷺ وكعب بن مالك لما نزلت توبته، وقال أبو شذب لما قدم أبو مسلم البصرة، قال: قد لقي أبو عبيدة وعمر بن الخطاب، قبل يديه، فقبل أتشبه أبا مسلم بعمر بن الخطاب، فقال أتشبهوني أنا بأبي عبيدة.
وصلى زيد بن ثابت على أمه، ثم قدمت إليه دابته فأخذ ابن عباس بركابه، فقال زيد بدعة فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقال له زيد: أخرج يدك، فأخرجها ابن عباس فقبلها زيد وقال هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا ﷺ .
وقال سليم بن عبد الحميد، رأيت يزيد بن المهلب، قبل يد الحسن، فأخذ له بالركاب وسوى له ثوبه.
قال سليم فذكرت ذلك لسوار بن عبد الله، فقال: تلك فضيلة ليزيد بن المهلب، ولما قدم المهلب بن أبي صفرة خراسان. جاءته عجوز من الأزد متوكئة على عصا، فقالت: السلام عليك يا أبا سعيد إني نذرت إن رأيت أن أقبل يدم، وأن تهب لي جارية، فناولها يده فقبلتها ثم أمر لها بجارية، وقال يا عمة إياك ومثل هذه النذر، فليس في كل حين تجدين من يبر نذرك.
وقال أبو بكر بن خلاد: رأيت الفضيل بن عياض، قبل يد حسين بن الجعفي يحيى، قال: إن له حقاً علي علمني القرآن. وقيل: أنه دخل رجل من أهل الكوفة على بعض خلفاء بني أمية فقال: يا أمير المؤمنين: يدك أحق بالتقبيل لعلوها في المكارم وطهورها من المآثم، فأنت تمني بقلة التثريب، وتؤثر الصفح عن الذنوب، فمن أرادك بأمر، رده بسوء فجعله الله حصيد سيفك وطريد خوفك.
لابن الرومي في عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: [الطويل]
مقبِّل ظهر الكف وهَّابٌ بطنها ... له راحة فيها الحطيم وزمزم
فظاهرها للناس ركن مقبل ... وباطنها عين من العرق غيلم
لإبراهيم بن العباس الصولي في الفضل بن سهل:
لفضل بن سهل يد تقاصر عنها المثل ... منبسطها للغنى وسطوتها للأجل
وباطنها للندى وظاهرها للقبل
ومنه أخذ ابن الرومي قوله: [الكامل]
أصبحت بين خصاصة وتجمل ... والمرء بينهما يموت هزيلا
فامدد إلي يداً تعود بطنها ... بذل النوال وظهرها التقبيلا
стр. 62
وحكي أنه دخل عقال بن شبة على هشام بن عبد الملك، فأراد أن يقبل يده فمنعه، وقال: لا تفعل، فإنه لا يفعل هكذا من العرب إلا الهلوع، ونم العجم إلا الخنوع.
وقال العتبي: استأذن رجل مروان الجعدي في تقبيل يده فأبى وقال إنها من العرب ذلة، ومن العجم خدعة، ولا حاجة لي أن تذل لي أو تخدعني.
وقيل أنه دخل عمران بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع العدوي، على أبي العباس في أول وفد، وفد من المدينة، فأمروا بتقبيل يده فتبادرها وعمران واقف، ثم حياه بالخلافة، وذكر حيه ونسبه، ثم قال: يا أمير المؤمنين إنها والله لو كانت تزيدك رفعة، وتزيدني من الوسيلة إليك ما سبقني بها أحد، وإنك وإنى لغني عما لا أجر فيه، وعلينا فيه منعه، ثم جلس فوالله ما نقص من حظ أصحابه في كراهية التقبيل: وقد كره مالك تقبيل اليدين، حتى تقبيل العبد يد مولاه.
وقال سفيان بن عيينة رأيت أبا مسلم في حجته سنة اثنين وثلاثين ومائة، وقد قامت إليه امرأة فقالت: يا أمين آل محمد، إني أنذرت إن رأيتك أن أقبل يدل، فقال قبلي الحجر، فإنك تقضين نذرين تصيبين أجراً.
وصاح به رجل يا قاتل الجائرين، فقال له: من هذا إنما ذلك الله، ثم تحفل في الحرم فتحفا الناس، فقبل له في ذلك، فقال: إني سمعت الله سبحانه يقول لموسى ﵇ ﴿فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس﴾ [طه:١٢] وهذا الوادي أكرم من ذلك الوادي.
في تقبيل الرأس
قال أبو رجاء العطاردي: دخلت المدينة في خلافة أبي بكر ﵁ فرأيت رجلاً يقبل رأس رجل، فسألت عنهما، فقيل: عمر يقبل رأس أبي بكر، ويصوبه في قتال أهل الردة، وقد قبل النبي ﷺ بين عيني جعفر بن أبي طالب لما قدم من الحبشة، وبين عيني العباس ﵄ وكان النبي عليه الصلاة والتسليم لا ينام، حتى يقبل عرض وجه فاطمة ﵍.
ودخل أبو بكر الصديق على عائشة وهي مضجعة محمومة، فأكب عليها فقبل خدها، وقال: كيف تجدينك يا بنية.
وقبل ﵇ الحسن بن علي، والأقرع بن حابس التميمي جالس، فقال إن لي عشرة من الولد ما قبلت أحد منهم قط، فنظر إليه رسول الله ﷺ ثم قال: "من لا يرحم لا يرحم".
وقبل عبد الله بن عمر سالماً، وهو شيخ، ويقول شيخ يقبل شيخاً.
قيل: لا تجالس عدوك فيحفظ عليك عيوبك، ويمار بك في صوابك.
ولبعضهم: [الكامل]
شر العداوة ما أرتك محبة ... وطوت على البغضاء والشنآن
يأتيك صاحبها ليحفظ زلة ... وتراه زاد زيادة الأخوان
سمع أعرابي رجلاً ينادي على جارية له يريد بيعها: [الطويل]
هي الجمر حراً إذا أردت حرارة ... وأضيق من سم الخياط مضيقها
وأيبس من صم الحنادل مهبلاً ... وألين من خز العراق قليقها
وأظهر من يمشي على الأرض غلمة ... وأعذبهم ريقاً إذا مص ريقها
وقال بعض الأدباء الغربة ذلة، فإن أردفتها قلة، وأعقبتها علة، فهي نفس مضمحلة.
وقال آخر لا تنهض عن وكرك، فتنتقصك الغربة، وتضنيك الوحدة، ويقال أن الخالي عن مسقط رأسه كالعير الناشز عن موضعه الذي هو لكل سبع فريسة، ولكل كلب قنيصة، ولكل رام رمية.
لبعضهم: [الطويل]
وإن اغتراب المرء من غير خلة ... ولا همة تسمو لها لعجيب
وحسب الفتى ذلاً وإن أدرك ... الغنى ونال ثراء أن يقال غريب
قيل للعباس ابن عم النبي ﷺ : أنت أكبر، أو رسول الله ﷺ فقال هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله، وقيل الحجاج للمهلب أنا أطول منك أم أنت؟ فقال المهلب الأمير أطول مني، وأنا أبسط قامة. وقيل إنه وقف المهدي على امرأة من بني ثعل، فقال لها: ممن العجوز؟ قالت من طي، قال ما منع طياً أن يكون فيها آخر مثل حاتم؟ قالت: الذي منع العرب أن يكون فيها مثلك، فأعجب بقولها، ووصلها. وقدم قوم من العراق على عمر بن عبد العزيز فنظر فيهم إلى شاب يريد الكلام، فقال له عمر: الكبر الكبر تعني دع يتكلم أولو الأسنان، فقال الفتى: يا أمير المؤمنين، ليس الأمر بالسن، ولو كان كذلك تولى هذا الأمر من هو أسن منك، قال له: صدقت بارك الله فيك.
стр. 63
فقال: إنا وفد العراق، لم نأتك لرغبة ولا رهبة، لأن الرعية قد أحضيت من بلادنا، وحصلت لنا بفضلك والرهبة قد أمناها بعد لك. قال: فما أنتم؟ قال: وفد الشكر، فقال: عمر الله أنت، فما أحسن منطقك، وانشد عمر رحمة الله عليه: [الطويل]
تعلم فليس المرء يولد عالماً ... وليس أخا علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغيراً إذا التفت عليه المحافل
روي أن مصعب بن الزبير أخذ رجلاً من أصحاب المختار فأمر بضرب عنقه، فقال أيها الأمير ما أقبح بك أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة فأتعلق بأطرافك، وأقول يا رب سل مصعباً فيم قتلني؟ فقال: أطلقوه، فقال: أيها الأمير اجعل ما وهبت لي من عمر في حفظ، فقال أعطوه مائة ألف درهم، قال بأبي أنت، أشهدك أن لابن قيس الرقيات نصفها لقوله فيك: [الخفيف]
إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء
ملكه ملك رأفة ليس فيه ... جبروت يخشى، ولا كبرياء
يتقي الله في الأمور وقد أفل ... ح من كان شأنه الاتقاء
فضحك مصعب وقال: تلطفت، وإن فيك موضعاً للصنيعة، وأمر له بمائة ألف درهم أخرى، ولابن قيس الرقيات بخمسين ألفاً.
دخل رجل على خالد بن عبد الله القسري، في دية، فقال خالد: يا غلام هات ألف دينار، فأحضرت في كيس، فقال بعض جلساء خالد، فوالله ما رأى حاتم مثلها، فقال الرجل: حاتم، والله أكرم من أن يجتمع عنده مثلها، قال ابن المقفع: وجدت المودة بين الكرام، بمنزلة آنية الذهب، بطيء الانكسار، بطيء الانجبار.
سئل أفلاطون عن الأصدقاء، فقال: نفس واحدة في أجساد متفرقة.
قال الاسكندر لأصحابه: أيما أفضل، العدل، أو الشجاعة؟ فقالوا: إذا استعمل العدل، استغني عن الشجاعة.
دخل على الاسكندر بطارقته فقالوا: أيها الملك قد بسط الله ملكك، فأكثر من النساء ليكثر ولدك، قال لا يحسن بمن غلب الرجال أن تغلبه النساء.
حكى الزبيريون أن امرأة عرضت لكثير عزة فقالت: أنت القائل: [الطويل]
فما روضة بالحزن طيبة الثرى ... تمج الندى جئجائها وعرارها
ما حسن وجهاً أو ما عذب ريقة ... لعزة لما أتحفت بمرارها
لبعضهم: [الرمل]
صاح إن الدهر لا تعرفه ... فخذ الصفو ودع عنك الكدر
كمخطوب قد تصوبت لها ... وهي مثل الثمار ترمي بالشرر
خذل الإخوان فيها كلهم ... وأعان الله فيها ونصر
يروى أن علياً ﵇ دخل على أبي بكر الصديق ﵁ بعد البيعة، فقال أبو بكر: والله يا أبا الحسن، إن عصابة أنت فيها لمعصومة، وأمة أنت فيها لمرحومة، وإنا نخاف الله إذا غضبت، ونرجوه إذا رضيت، ولقد حط الله عن كاهلك، ما أثقل به ظهري، ولولا أني جذبت لهذا الأمر، لما أجبت إليه، وإنا إليك لمحتاجون، وبفضلك عالمون، وعلى الله في أحوالنا متوكلون.
في ذكر المعاريض: ساوم رجل رجلاً في ناقة له، فقال له: كيف لبنها؟ قال احلب في أي إناء شئت، قال: وكيف سيرها؟ قال إذا رأيتها في الإبل عرفتها من غيرها، قال كيف ظهرها؟ قال افرش ونم، فقال فكيف حملها؟ قال: علي أحمل الحائط ما شئت فاشتراها فلم يجد شيئاً من ذلك فاستقاله فأقاله.
وسئل ابن شبرمة عن رجل، فقال له: بين وقدم وشرف. يعني بيتاً يسكنه، وقدماً يمشي عيه وشرفه أدناه ومتكاه.
لبعض الشعراء: [الطويل]
وما الحلي إلا زينة لنقيصة ... يتمم حسناً حيث ما الحسن قصرا
فأما إذا كان الجمال موفراً ... لحسنك لم يحتج إلى أن يزورا
يروى أنه لما جاء إلى المهدي بالولاية، وهو جالس بين أصحابه سجدوا شكراً لله تعالى سبحانه، ما خلا عمارة بن حمزة بن ميمون: فقال له المهدي: ما بالك لا تسجد؟ فقال عمارة مقام شكر، وهو علي إن كنت معنا فطرت، وتركتنا، فقال فإن طرنا بك معنا، قال الآن طاب السجود وسجد.
قال المنصور لعمرو بن عبيد قد كثر ببابنا من يمت بالنصيحة، ويسأل الاستخدام، فقال يا أمير المؤمنين ابتلهم بالهوان، والحرمان، فمن شكا الهوان دون الحرمان، فاستخدمه، من شكا الحرمان دون الهوان فأعرض عنه، فإن من يكره الهوان، عزيز النفس، ومن صبر عليه فهو خسيس الهمة دنيءٌ ومثله يستخدم.
стр. 64
قال الرياشي البخل قبيح في كل أحد، وهو في ثلاثة: في الشجاع لا يجود بنفسه فكيف يبخل بماله، ومن الشاعر فإنه يذم البخل، ويعيش، ويكرم، ومن الملك فإنه لا يخاف الفقر.
سأل أبو عون الشاعر رجلاً شيئاً، فلم يعطه فألح عليه، فأعطاه، لما أخذ قال: اللهم السائل، والمسؤول نسألهم إلحافاً، ويعطونا كرهاً، فلا يبارك لنا فيهن ولا يؤجرون عليه.
روي أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، تلوت عني الدنيا، وقلت ذات يدي، فال رسول الله: "فأين أنت عن صلاة الملائكة وتسبيح الخلق وبها يرزقون".
فقلت وماذا يا رسول الله؟ فقال: قل: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، أستغفره مائة مرة، ما بين طلوع الفجر إلى أن تصلي الصبح، تأتيك الدنيا راغمة صاغرة، ويخلق الله من كل كلمة ملكاً يسبح الله إلى يوم القيامة لك ثوابه".
لمهيار: [الوافر]
أخو وجهين تخبره رقاحاً ... وتبصر بظاهره حيييا
وهوباً سالبا وأخاً عدوا ... بفطرته ومنقاداً أبيا
فطنت لخلقه فزهدت فيه ... وبعض القوم يحسبني غبيا
وقد روينا في كتاب (حلية الأولياء) عن علي بن الحسين، قال: كتب ملك الروم إلى عبد الملك بن مروان، يتهدده ويتواعده، ويحلف له ليحملن إليه مائة ألف من البر ومائة ألف من البحر أو يؤدي إليه الجزية، فسقط في درعه، فكتب إلى الحجاج أن اكتب إلى محمد بن الحنفية بكتاب شديد فتهدده وتواعده ثم أعلمني ما يرده عليك، فكتب الحجاج ذلك، وشدد فيه، وتواعده بالقتل فكتب إليه ابن الحنفية: إن لله ثلاثمائة وستين لحظة إلى خلقه، وأنا أرجو أن ينظر الله إلي نظرة واحدة، يمنعني بها منك، فبعث الحجاج بكتابه إلى عبد الملك بن مروان، فكتب عبد الملك إلى ملك الروم بنسخته، فقال ملك الروم ما هذا خرج منك ولا أنت كتبته، ما خرج إلا من بيت نبوة.
قال علي بن الحسين ﵉ لبنيه: جالسوا أهل الدين، والمعرفة، فإن لم تقدروا عليهم فالوحدة أنس، فإن أبيتم إلا مجالسة الناس، فجالسوا أهل المروءات فإنهم لا يرفثون في مجالسهم. قال الصولي عشق المأمون جارية لامرأته، أم عيسى بنت موسى الهادي، فبلغها ذلك فغضبت عليه، ثم أنهما التقيا على غير موعد ورضى، فقال المأمون: [الوافر]
زمان اللهو يقصر عن تجن ... وأعراض تجر إلى صدود
ذري عنك الذنوب إذا التقينا ... تعالي لا أعود، ولا تعودي
قال علي بن الجهم، سألني أمير المؤمنين المأمون حاجة، وأراد بذلك فرحي فسرت علي فوقع إلى: [السريع]
تعجيل جود المرء إكرامه ... ينشر عنه طيب الذكر
والحر لا يمطل معروفه ... ولا يلي المطل بالحر
قال محمد بن العباس الهاشمي: رأيت دعبل بن علي الشاعر وقفاً عند خشبة بابك الخرمي على برذون أشهب، يتأمل الذي في اليوم الذي مات فيه المعتصم، وجلس الواثق، فقلت، له، ويحك، هذا موقف مثلك، امض إلى منزلك لا يصيبك هنه، فتأتي عليك، فقال: ويحك يا هاشمي، أرأيت أعجب مما نحن فيه، ثم أنشأ يقول: رافعاً صوته: [البسيط]
خليفة مات لم يحزن له أحد ... وآخر قام لم يفرح به أحد
قد مر ذاك ومر الشؤم يتبعه ... وقام هذا فقام الشؤم والنكد
قيل لأعرابي أي الروائح أطيب؟ قال: بدن تحبه، وولد تربه.
أنشد المبرد لمحمد بن زياد الحارثي: [الطويل]
تخالهم صماً عن الجهل، والخنا ... وخرساً عن الفحشاء عند التهاجر
ومرضى إذا لاقوا حباً وعفة ... وعند الحفاظ كالليوث الخوادر
لهم ذل إنصاف وأنس تواضع ... بهم ولهم ذلك رقاب المعاشر
كأن بهم وضماً يخافون عار ... وما وصمهم إلا اتقاء المعاثر
قال العتبي يقال أن الرجل إذا مرض، ثم عوفي، ولم يحدث خيراً، ولم يكف عن شر. لقيت الملائكة بعضها بعضاً، فقالوا: فلان داويناه، فلم ينفعه الدواء.
قال: حكي أن أبا حنيفة قال لجعفر الصادق ﵁: لم حرم الله الخمر؟ قال: لأنه ما يشربها أحد قط إلا استشعر الظلم، قال: فلم حرم الله الزنا؟ قال: لأنه ما زنا أحد قط إلا سُلب الحياء، قال: فلم حرم الله أكل الميتة؟ قال: لأن ما أكلها أحد قط إلا قسا قلبه، قال: فلم حرم الله الدم؟ قال: لأنه يورث الجذام.
стр. 65
قال: فلم حرم الله تعالى لحم الخنزير؟ قال: لأنه يورث البرص، قال: فلم حرم الله الربا؟ قال: لئلا يتدافع الناس المعروف.
قال محمد بن مسعر كنت جالساً مع حماد بن زيد، فمر بنا عمرو بن بانة المغني، فقلت له: قل لنا شيئاً فرفع صوته وعنى: [الخفيف]
ما جرت خطرة على القلب من ... إلا استترت من أصحابي
من دموعٍ تجري فإن كنت وحدي ... خالياً استعدت دمعي انتحابي
فبكى حماد وقال هذا شوق مخلوق آدمي إلى آدمي مثله فكيف الشوق إلى الحور العين، وما وصفهن الله به.
كان الحسن يقول: لا تحمل على هم يومك هم غدك، فحسب كل يوم همه.
قال كسرى أنوشروان: إنه لا يصلح الملك إلا لرجل صدوق، شجاع، حلين، جواد، لأن الملك إذا كان كذوباً لم يطمع فيه وليه. إذا أطعمه، ولم يغدوه إذا أخافه، وإذا كان جباناً لم يدفع عن بيضة ملكه، وإذا لم يكن حليماً استنفره الشيء اليسير، ثم يذم عليه، وإذا كان شحيحاً لم يكن مناصحاً.
قال أبو مسلم صاحب الدولة إذا طلب المذنب العفو، وضمن التوبة، فمعاقبة في عقوبة ألأم منه في معصيته.
حكي عن أمير المؤمنين علي ﵇ أنه قال: في الطيب ثلاث خصال، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، ما مس رحلاً طيباً إلا زاد في عقله، ولا حضر مجلساً إلا ورفع له عن صدره، وسمعوا قوله، ولا مر في طريق إلا قال الناس من مر في الطريق.
يروى عن رسول الله ﷺ خرج يوماً على أصحابه، وقد أعلنوا بمفاخرهم في الجاهلية، فقال لعلي ﵇: "قم فاذكر مفاخرك في الإسلام".
فقال، فقال شعراً: [الوافر]
محمد النبي أخي وصهري ... وحمزة سيد الشهداء عمي
وجعفر الذي يضحي ويمسي ... يطير مع لملائكة ابن أمي
وبنت محمد سكني وعرسي ... منوط لحمها بدمي ولحمي
وسبطا أحمد ابناي منها ... فمن هذا له سهم كسهمي
سبقتكم إلا الإسلام طراً ... غلاماً ما بلغت أوان حلمي
قال النبي ﷺ : "صدقت يا أبا الحسن" جاء في الخبر عن النبي ﷺ : "من أراد أن يؤمنه الله من الفاقة، والفقر، فليقل: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
لبعضهم:
لم أنس إذ قالت غداة النوى ... ودمعها منحدر واكف
لأنت أحلى من لذيذ الكرى ... ومن أمان قاله خائف
قال جعفر بن محمد الصادق ﵇: ثلاث القليل منهن كثير: الفقر منه كثير، والمرض منه كثر، والعداوة منه كثير.
ودع العتابي رجلاً يريد بغداد، فقال له: إنك تأتي بلداً قد اصطلح أهله على سقم السريرة، وزور العلانية، كلهم يعدك كله، ويمنعك أهون شيء عليه.
قال الجمال: قالت لي امرأتي، وقد أصبحنا في يوم مطير ليس بطيب اليوم فقلت لها: الطلاق فسكتت عني.
قال بعضهم: كان في جوارنا فتى من عذرة يهوى ابنة عم له، فبلغه أن عبداً أسوداً كان يأتيها لمرتبله فغمه لك، فمر ببابها يوماً، فقال ورفع عقيرته: [البسيط]
شابت أعالي فروتي وامتحا شعري ... فيما أحدث عن قمرية الوادي
نبئت أن غراباً بات محتضناً ... قمرية بين أغصان، وأعوادي
قال فسمعت شعره فخرجت إليه تقول مجيبة له: [البسيط]
حاشا لقمرية بالطلح مسكنها ... إن سبيتم إلى الغربان في الوادي
لا تقبلن من الواشي فإن له ... قولاً يفرق بين الماء والادي
قال الحسن البصري: لا يخرج العبد من الدنيا إلا بثلاث حسرات: حسرة أنه لم يدرك ما أمل، وأخرى أنه لم يشبع بما جمع، وأنه لم يحسن الزاد فيما يقدم عليه.
قال محمد بن داود الأصفهاني الهجر على أربعة أضرب: هجر ملال، وهجر دلال، وهجر مكافأة على الذنوب، وهجر البغض الطبيعي المتمكن في القلب، فأما الهجر الملال فيبطله مرور الأيام والليالي، وأما هجر الدلال فهو من كثر الوصال، وأما الهجر الذي يتولد عن الذنب فالتوبة تخرجه عن القلب، وأما الهجر الذي يوجبه البغض الطبيعي، فهو الذي لا دواء له إلا الموت الحقيقي.
стр. 66
قال إبراهيم المدبر اختصم رجلان إلى القاضي قد قدم أحدهما هدية، وأراد أن يقضي عليه بحق وجب، فدنا منه، فساره، وقال له، قد وجهت إلى دارك شبابيط دجليبه وفراريج كسرويه وجبنة دينورية وحنطة بلدية وشهدة رومية، فقال له: قم، وصاح عليه ما هذا تشاورني فيه، وتساررني به يا جاهل، إن كانت لك بينة، انتظرناها، وأخرنا الحكم، وصيرنا لك أجلاً، فقال الخصم: [الوافر]
إذا ما صب في القنديل زيت ... تحولت القضية للمقندل
وعند قضاتنا حكم وعلم ... وزرع حين ترشوهم يسنبل
قيل للاسكندر ما بلغ من شجاعة أصحابك؟ قال: رأيت تسألون أين العدو، ولا تسألون كم العدو.
وقال بعض الحكماء: ينبغي للعاقل أن يظهر من نعمة الله، ما لا يحتقر معه، ويستر منها ما يخاف أن يعاد بسببه.
ذكر أبو عبيدة أنه لما ولى أبو بكر يزيد بن سفيان الشام، أوصاه بتقوى الله ثم قال له: إنك نشأت بخير، وذكرلات بخير، وذلك الشيء خلوت به من نفسك، وقد أردت أستخرجك من قومك، وأنظر كيف خبرتك وعملك، فإن أحسنت زدتك، وإن أسأت رفضتك، عليك بتقوى الله، فإنه يرى من باطنك ما يرى في ظاهرك، فإن أطوع الناس لله أشدهم بغضاً لمعصيته، وإن أولى الناس بالله أشدهم تولياً، وقد وليتك عمل خالد بن سعيد، فإياك وغيبة الجاهلية، فإن الله أبغضها.
وأخرج الناس منها، فإذا أنت قدمت على أهل عملك فابدأهم بالخير وعدهم، وإذا وعدتهم فأنجز لهم، ولا تكثر عليهم، فإن كثير القول ينسى بعضه، وإنما لك ما وعي عنك، وأصلح نفسك يصلح الناس، فإن الوالي قدوة يعمل أهل عملة بعمله، وإذا قدم رسل عدوك، فأكرم منزلتهم، وأقلل حبسهم.
حتى يخرجوا من عندك جاهلين بعسكرك، ولا تريهم جيشك، فيروا خللك، وأنزلهم في ثروة عسكرك، وامنع من قبلك محادثهم، وكن أنت الذي تلي كلامهم، ولا تجعل سرك مع علانيتك، فيمزج أمرك، وإذا استشرت فاصدق الخبر تصدقك المشورة، ولا تكتم المستشار خبراً فتوناً من قبل نفسك، وإذا بلغك عن العدو عورة فاكتمها، حتى تواتيها.
واستمر في عسكرك تأتك الأخبار، وأكثر مفاجأة حرسك بغير علمهم، فمن أغفل محرسه فعاقبه واجعله نوباً بالليل، والنهار، ولا تتخذ حشماً دون غيرهم فيطعن الناس عليك، ويستحلوا معصيتك، ولا تلجن في عقوبة أدناها وجع، ولا تسرع إليها، وأنت مكتفي بغيرها وأصدق الله تعالى إذا لقيت، ولا تجبن فيجبن الناس، ولا تقدم في الغلول فإنه تورث وسطي النصر.
قال بعض الحكماء: وجدت لذيذ العيش في ثلاث: صديق تأمن منه في صداقته ما يرصدك به في عداوته، وامرأة تسرك إذا دخلت إليها، وتحفظك إذا غبت عنها، ومملوك باقي على ما في نفسك من خدمتك كأنه مطلع على غيبك عالماً بإرادتك.
كان مقاتل بن سليمان يقسم أنه من دعا بهذا الدعاء لم يرد، هو أن يقول بعد أن يصلي الغداة (بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم مائة مرة، ثم يقول بعد ذلك يا قديم يا دايم يا فرد يا وتر يا أحد يا صمد يا سند يا من إليه المستند يا من لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد صلى على محمد على آل محمد) ثم يسأل حاجته من دنياه، وأخراه إلا أجاب الله دعاءه، ولم يرده، وكان مقاتل يقول: من دعا بهذا الدعاء، فلم يستجب له فليلعن مقاتل.
قال بعض الحكماء لرجل: أعلمك بيتين خير لك من ألف درهم، فقال: وما هما فقال: [الخفيف]
اخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل المقال
ليس المقول رحمة حين يبدو ... بقبيح يكون أو بجمال
أنشدني الشيخ أبو زكريا التبريزي اللغوي: [مخلع البسيط]
لما رأيت الزمان نكساً ... وليس في الخدمة انتفاع
كل رئيس به ملال ... وكل رأس به صداع
لزمت بيتي وصنت عرضاً ... به عن البذلة امتناع
أشرب مما اقتنيت براحاً ... بها إلى راحتي شعاع
لي من قواريرها ندامى ... ومن قراقيرها سماع
وأجتني من عقول قوم ... قد أقفرت منهم البقاع
стр. 67
دخل أعرابي على بعض ملوك الإسلام، قال: مما يطعمني في بقاء النعمة عليك، ويزيدني بصيرة في العلم بدوامها إليك، إنك أخذتها بحقها واستوجبتها بما في حقها من أسبابها، ومن شأن الأشكال أن تقاوم، والأجناس أن تتواصل، والمشي يتغلغل إلى معدته، ويحن إلى عنصره فإذا صادق منبته ضرب بعرقه وبسق تفرعه، وتمكن تمكن الإقامة وثبت ثبات الطبيعة.
قال أمير المؤمنين علي ﵇: لا تطيعوا النساء على حال، ولا تأمنوهن، ولا تذروهن إلا لتدبير العيال، إن تركن، وما يردن أردن المهالك، وأزلن الممالك، لا دين لهم، ولا ورع لهن عند شهوتهن، ينسين الخير، ويحفظن الشر، يتهافتن بالبهتان، ويتمادين بالطغيان، ويتصدين للشيطان.
قال الاسكندر: ما نلت من الملك شيئاً هو أحب إلي من أني قدرت علي المكافآت بالإساءة فلم أفعل.
خرج عمر ﵁ في سرية ومعه العباس عم النبي ﷺ فتأخر العباس فوقف عمر واستوقف الجيش، حتى لحقه العباس، فقال له: ما كان له أن يتقدمكم، فقال العباس: قد تقدمتنا أنت وصاحبك، فقال عمر: ما كان ذلك لفضل رأيناه عليكم، لكن خشينا ضعفائكم، عن هذا الأمر، فقال العباس: بالله العجب ننهض بالنبوة، ولا نعجز، ونضعف عند الخلافة.
قال معاوية: إني لا أضع سوطي في موضع منعني عنه لساني، ولا سيفي في موضع منعني عنه سوطي، ولو أن بيني وبين أحد شعرة لما قطعتها، إذا مدها أرسلتها، وإذا أرسلها مددتها.
قال أعرابي لقبيلة أراد أن يصلح بينهم: هل لكم في الحق، أو فيمنا هو خير لكم من الحق. قالوا: ما خير من الحق. قال: العفو، قال الله تعالى: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى، ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ [البقرة:٢٣٧] قيل للشعبي: كيف أصبحت؟ قال: بين نعمتين، خبر منشور، وشر مستور.
قال بعضهم لرجل: أراك كلمت، فلم تطل! قال: نعم، كان معي حيرة الداخل، وفكر صاحب الحاجة، وذل المسألة، وخوف الرد مع شدة الطمع.
أنشدنا أبو الحسن بن الدهان المرتب، قال أنشدني ابن الشبل لنفسه: [مجزوء الوافر]
إذا ما شح ذو المال ... سخا الدهر بإنهائه
إذا لم يثمر الغصن ... فقطع الغصن أولى به
خطب المنصور بعد مقتل أبي مسلم الخرساني صاحب الدولة، فقال: أيها الناس لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تمشوا في ظلمة الباطل بعد سعيكم في ضياء الحق. إن أبا مسلم أحسن مبتدئأ، وأساء مغضياً.
فأخذ من الناس أكثر مما أعطى، ورجح قبح باطنه على حسن ظاهره، وما علمناه من حيث سريرته وفساد نيته، ما لو علم اللائم لنا فيه، لعذرنا في قتله، وعنفنا في مهاله، وما زال ينقض بيعته، ويحقر ذمته، حتى أحل لنا عقوبته، وأباحنا ذمته، فحكمنا فيه حكمه في غيره، ولم يمنعني من الحق إمضاء الحق فيه، وما أحسن ما قال النابغة: [البسيط]
ومن أطاع فأعقبه بطاعته ... كما أطاعك وادلُله على الرشد
ومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهي الظلوم ولا تقعد على ضمد
وقف بعض الصالحين على قبر بعض الملوك، فقال: كم قتلتها لتستريح منها، وهي اليوم أكبر أشغالك؟ دخل المنكدر على عائشة ﵂ فقال: يا أم المؤمنين أعينيني، فقد أصابتني خصاصة، فلم يكن عندها شيء، فلما خرج جاءتها عشرة آلاف درهم من خالد بن أسيد ما أوشك ما ابتليت، وأرسلتها إليه، فاشترى بها جارية بألفي درهم، فولدت ثلاثة بنين، كانوا عباد المدينة، محمد وأبو بكر وعمرو بني المنكدر.
كان مسلمة بن عبد الملك إذا كثر عليه الحوائج وخاف الضجر قال لآذنه: ائذن لجلسائي، ثم يفيض، ويفيضون، فيما ذكر الأكارم فيطر، ويأذن في قضاء حوائج الناس.
رأى أسماء بن خارجة بباب داره رجلاً جالساً، فقال: ما يجلسك هنا، وألح عليه. فقال: جئت سائلاً فخرجت فتاة من هذه الدار فاختطفت قلبي فلعلي، فقال: على رسلك وعرض عليه جميع الجواد، ثم أخرجها، وقد اشتراها من ابنته بثلاثة آلاف درهم، فدفعها إليه فأخذها الرجل، فغدا، وهو يقول: [الوافر]
إذا ما مات خارجة بن حصن ... فلا قطرت على الأرض السماء
ولا جاء البشير بغيم جيش ... ولا حملت على الظهر النساء
стр. 68
دخل أحمد بن داوود على الواثق، فقال له: يا أحمد كان ابن الزيات هاهنا وذكرك بكل قبيح. فقال: يا أمير المؤمنين الحمد لله الذي أحوجه إلى الكذب من كتم عن قول الحق فيه.
يقال: من كتم السلطان نصحه، والأطباء مرضه، والإخوان بثه، فقد خان نفسه.
كتب الشيخ الإمام العالم الحبر الورع المتبع مهذب الدين بقية السلف شيخ العارفين أبو الحسن سعد الله جامع هذا الكتاب، بارك الله في أنفاسه، وأمتع المسلمين بطيب إيناسه، إلى صديق له، فيما يقتضيه بشيء من الكافور، كان عوده أن ينفذه إليه، فقال: [المنسرح]
ابعث بشيء كتأثير نردك في ... لون نقي كعصرك الصافي
أكسيته منك طيب رائحة ... ومن معانيك أنه شافي
عودتنيه في ذا الأوان مجد ...
فديتك من منعم، ومن وافي
كفاني الله ما أحاذره ... فيك فنعم الوكيل الكافي
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: إن هذه الأخبار، والملح مروءة، فانظروا أين تضعوها.
وقال الخليل بن أحمد: أجمل ما في كتبك، كنز، أو ما تحفظه للنفقة.
وقال بعضهم يذم قوماً: [الطويل]
تواصوا عطل الوعد، ثم تجاسروا ... على اللون حتى جانبوا الوعد، والمطلا
ألا ربما أرقي اللئيم فينثني ... وأعضلي من يجمع اللؤم، والجهلا
ولآخر: [الوافر]
تساوى أهل دهرك في المساوي ... فما يستحسنون سوى القبح
وصار الجود عندهمو جنوناً ... فما يستعقلون سوى الشحيح
وكانوا يغضبون من التهاجي ... فصاروا يغضبون من المديح
في الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: أول من يدعى إلى الجنة يوم القيامة: الذين يحمدون الله على البأساء، والضراء".
يقال إن همتك لا تسع كل شيء، ففرغها للمهم، ومالك، ما يعني كل أحد، فخص به ذوي الحاجة، ومروءتك لا تطيق كل أحد، فأعن أهل الفضل.
قال أفلاطون: إذا درأ الملك حداً عن إنسان فيقضي ملكه، أم يجعل عيشه في حفظ.
ومنه ما حكي أن بعض الملوك كان منزله على ساحل البحر، فكسر مركب بإنسان، فأمر باستنقاذه، فلما مثل بين يديه، سأله عن حاله، فقال: أنا رجل بليت بكثرة عيال، وقلة حال، فحملت نفسي على الركوب في البحر لإحدى حالتين، إما أن أهلك، أو أستريح، وأرجع بعائدة وفائدة، وقد كنت حاصلاً بعرقي هذا إحدى الحالتين، فإن كنت أنقذتني لتردني إلى أهلي، فالذي أخرجتني منه، أحب إلي مما تردني إليهم فأعطاه مالاً جزيلاً.
وقال بعض الفضلاء: [مجزوء الوافر]
علام أعوم في الشبه ... وحالي غير مشتبه
أروح وأغدي طمعاً ... أكثر من أقل به
بفضل غير ذي سنه ... وجد غير مشبه
جاء في الآثار ونقل الأخبار: أن بينما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يعس في سكك المدينة فسمع امرأة تقول: [البسيط]
هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج
إلى فتى ماجد حلو شمائله ... سهل المحيا كريم غير هياج
تنمية أعراق صدق حين تنسبه ... أخي انفراج عن الإخوان فراج
ساجي النواظر من يعدله يقض ... له تضيء صورته في المظلم الداجي
نعم الفتى في سواد الليل تطرقه ... لبائس ولملهوف ومحتاج
فصفق عمر على يديه، وقال: ما أرى بالمصر رجلاً تهتف به العواتق في خدورهن، فلما أصبح قال علي بنصر بن الحجاج، فأُتي به، فإذا هو أحسن الناس، فأمره فاعتم، فافتتن النساء بعينيه فأمره فجز شعره، فخرجت له وجنتان كأنهما قمر، فقال له عمر: لا تساكني في بلد، فأمر به، فسيره إلى البصرة. وجلست ذلك من عمر، فدست إليه أبياتاً: [البسيط]
قل للإمام الذي يخشى بوادره ... مالي، وللخمر، أو نصر بن حجاج
يا منية لم أطأ فيها نضائره ... والناس من هالك فيها ومن ناجي
لا تجعل الظن حقاً، أو تبيه ... إن السبيل سبيل الخائف الراجي
إني رضيت أبا حفص بغيرهما ... شرب الحليب وطرف فاتر ساجي
إن الهوى رمة التقوى فحبسه ... حتى أهم بإلجام وإسراج
فأضرب عمر عنها، وأطال على أم نصر غيبته، فجلست لعمر، حتى خرج من الصلاة، فقالت: والله يا أمير المؤمنين، لأحاسبنك بين يدي الله، تبيت بين عبد الله وعاصم، وبيني وبين ابني، المفاوز، والفيافي.
стр. 69
فقال عمر: إن عبد الله وعاصم لم تهتف بهما العواتق من خدورهن، وأبر عمر إلى البصرة إلى عتبة بن غزوان، ناد إلى من كان له حاجة إلى أمير المؤمنين، أو إلى المدينة، فليكتب، فإن بريد المسلمين خارج فكتب نصر بن حجاج: [الطويل]
لعمري لأن سيرتني وحرمتني ... ما نلت من عرضي عليك حرام
فأصبحت منفياً على غير ريبة ... وقد كان في الحسين مقام
أإن عنيت للدلفاء يوماً بمنية ... وبعض إمامي في النساء غرام
ظننت الظن الذي ليس بعده ... تقاء، فما لي في البذيء كلام
ويمنعها مما تقول صلاتها ... وحالتها في قومها وصيام
فهاتان حالانا فهل أنت راجعي ... فقد جب مني كاهل وسنام
فقال عمر أنا ولى السلطان، فلا، ثم بعث إلى البصرة، فأقطعه ما يقيم به، فلما استشهد عمر ركب راحلته وعاد، ويروى بعد ذلك، أن نصر بن حجاج دخل على مجاشع بن مسعود السلمي بعد وفاة عمر بمدة.
وقد شاب يعود مجاشعاً، فكتبت إليه زوجته: مجاشع على الأرض، والله إني لأحبك حباً لو كان على السماء لأظلك، أو على الأرض لأقلك، فمحاه وكتب: وأنا فنظر زوجها إلى ذلك، فكفا عليه فقرأه بعض عواده، فإذا هوة أنا، فقال لزوجته ما كتبت لنصر بن حجاج؟ كنت أقول كم حلبت ناقتكم، فقال ليس الجواب لذلك، وأنا، ولم يزل يبحث، حتى علم فطلقها، فكان ﵁ كما قال الشاعر: [السريع]
تزيد الأيام إن ساعدت ... شدة علم بتصاريفها
كأنها في حال إسعافها ... تسمعه صيحة تخويفها
وكما قال الآخر: [الطويل]
بصير بأعقاب الأمور كأنما ... يرى بصحيح الرأي ما في العواقب
لأنه ﵁ توسم فيه فتنة النساء.
قال ابن مسعود بن بشر: قيل لابن هبيرة، وكان يباكر الغداء، أصلح الله الأمير، إن الأمراء لغدائهم وقت، وأنت تباكره، فقال: إن في ثلاث خصال: ينشف المرة، ويطي النفس، ويقل الشهوة.
وقال محمد بن سالم: غدوت على عامر الشعبي، فرأيته يتخلل، فقلت: يا أبا عمرة باكرت الغداء، فقال: نعم باكرته، قبل أن يسخن الماء، ويظهر الزمان ويأتيني ثقيل مثلك.
قال بعضهم: العقل عقلان، عقل مستفاد يستفيده الإنسان بأدبه، وتجربته، وعقل تفرد الله بصنعه، ولا سبيل إلى العقل المستفاد إلا بصحة العقل المركب في الجسد، فإذا اجتمعا قوى كل واحد منهما صاحبه.
قال محمد بن جعفر بن محمد الصادق عليه وعلى آبائه السلام، تعرف محبة الرجل لأخيه بجودة أكله في بيته.
قال الفضيل بن عياض: من أوقف نفسه موقف ذل، لطلب الحلال تحاتت ذنوبه، ولو كانت بعدد القطر.
قال مروان بن أبي حفصة: كان معن بن زائدة، قد أبلى في حرب يزيد بن عمر بن هبيرة بالاختباء، فغاظ ذلك المنصور، وجد في طلب معن، وجعل لمن جاء به مالاً جزيلاً، قال مروان، فحدثني معن باليمن أنه اضطره في شدة الطلب إلى أن أمام في الشمس، حتى شحب لونه، وخف عارضه ولحيته، ولبس جبة صوف غليظ، وركب جملاً من الثمالة، وخرج ليمضي البادية.
قال معن: فلما خرجت من باب حرب، تبعني أسود متقلد بسيف، حتى إذا غبت عن الحرس، قبض على خطام الجمل، فأناخه وقبض علي، فقلت: مالك؟ فقال: أنت طلبة أمير المؤمنين، فقلت: ومن أنا حتى يطلبني أمير المؤمنين؟ قال: معن بن زائدة، فقلت: اتق الله، وأين أنا من معن؟ فقال: دع عنك هذا، فأنا أعرف بك من ذلك، فقلت له: وإن كانت الصفة، كما تقول، فهذا جوهر حملته معي بأضعاف ما بذله المنصور لمن جاء بي فخذه، ولا تسفك دمي، قال: هاته، فأخرجته ونظر فيه ساعة وقال: صدقت في قيمته ولست بقابله، حتى أسألك عن شيء، فإن صدقتني أطلقتك.
فقال: إن الناس قد وصفوك بالجود، فأخبرني هل وهبت مالك كله؟ قلت: لا، قال: فنصفه؟ قلت: لا، قال: فثلثه؟ قلت: لا، فلم يزل حتى العشر، فاستحيين وقلت: أظن أني قد فعلت ذلك، فقال: ما أراك فعلته، وأنا، والله رجل راجل رزقي من أبي جعفر عشرون درهماً، وهذا الجوهر قيمته ألوف من الدنانير، وقد وهبته لك، ووهبتك لنفسك، ولجودك المأثور بين الناس. لتعلم أن الدنيا من هو أجود منك، ولتحقر بعد هذا كل شيء فعلته، وتفعله، ولا تقف على مكرمة، ثم رمى بالعقد في مجرى مع خطام البعير وانصرف.
стр. 70
فقلت: يا هذا قد، والله فضحتني، ولسفك دمي أهون علي مما فعلت، فخذ ما دفعته إليك، فانتحى عنه فضحك، ثم قال أردت أن تكذبني في مقام واحد، والله لا آخذه، ولا آخذ على معروف لي ثمناً ومضى، فوالله طلبته بعد أمنت وبذلك لمن جاءني ما شاء، فما عرفت له خبراً، وكأن الأرض ابتلعته.
وكان سبب رضى المنصور عني أني لم أزل مستتراً، فلما كان يوم الهاشمية، ووثب القوم على المنصور وكادوا يقتلونه، وثب معن، وهو متلثم، وانتضى سيفه، وقاتل القوم عنه، ثم جاء والمنصور راكب على بغلة لجامها في يد الربيع فقال: تنح فإني أحق بلجامها منك في هذا الوقت، وأعظم عناء منك، قال المنصور صدق، ادفع إليه اللجام، فأخذه، ولم يزل يقاتل، حتى انكشفت تلك الحال، فقال المنصور من أنت لله أبوك؟ فقال: أنا معن بن زائدة، طلبتك يا أمير المؤمنين، فقال أنت آمن على نفسك ومالك، ومثلك يصطنع، ثم أخذه معه وحباه وخلع عليه، ودعاه يوماً فقال: إني قد أهلتك لأمر عظيم فكيف تكون فيه؟ فقال: كما يحب أمير المؤمنين، فقال: وليتك اليمن، قلت: أبلغ من ذلك منا تحب علي. قال ذلك على المنصور، فقال له: بعد كلام طويل، وقد بلغ أمير المؤمنين شيئاً لولا مكانك عنده ورأيه فيك لقبض عليك، فقال: وما ذاك يا أمير المؤمنين، فوالله ما تعرضت لذمك قال: من ذلك عطاؤك الذي تعطيه لمروان بن أبي حفصة لقوله فيك: [الكامل]
معن بن زائدة الذي زيدت به ... شرفاً على شرف بنو شيبان
إن عد أيام الفخار فإنما ... يوماه يوم ندى ويوم طعان
فقال يا أمير المؤمنين، ما أعطيته ما بلغك لهذا وإنما لقوله: [الكامل]
ما زلت يوم الهاشمية معلناً ... بالسيف دون خليفة الرحمن
فمنعت حوزته وكنت وقاءه ... من حد كل مهند وسنان
قال: فاستحيا المنصور، وقال: إنما أعطيته لهذا؟ فقال: نعم، والله لولا مخافة الشنعة لأمكنته من مفاتيح أبواب بيوت الخزائن، الذي فيها المال، وابحته إياها، فقال المنصور: لله درك من أعرابي، ما أهون عليه ما يعز على الناس.
قيل للعتابي: إن فلاناً قد مات، فقال نحن الأموات لفقده، وهو الحي لمجده، يقال: إن بنية لصاحب سلطان أحب إليه من دولة، لأنه بمنزلة بيان بين صديقه من عدوه، أنشد ناصح الإسلام أبو الخطابي الكلوذاني لنفسه: [الوافر]
لئن جار الزمان على حتى ... رماني منه في ضنك وضيق
فإني قد حمدت له صروفاً ... عرفت بها عدوي من صديقي
للمرتضى: [البسيط]
يبغي الرئاسة قوم لا خلاق لهم ... ومدعيها أناس ما بها وسموا
لا ينزلون من العلياء منزلة ... ولا لهم قدم فيها ولا قدم
وآفة المجد أن تبلى بمنتحل ... لا يهتدي كيف يبنيه فينهدم
قال هشام الأوقص: رأيت الحسن البصري يأكل من دكان بقال زبيبة، وتارة تينة وقسبة ونحوها، فقلت له ما في الورع يا أبا سعيد، فقال: يا لكع إتل آية الأكل، فتلوت، حتى بلغت، أو صديقكم، فقلت: ومن الصديق؟ فقال: الحسن الذي تستريح معه النفس، ويطمئن إليه القلب، فإذا كان كذلك، فلا إذن في ماله.
قدم عبد الملك رجلاً ليضرب عنقه، فدخل ولد لعبد الملك، يبكي من تأديب المعلم له، فجعل عبد الملك يسكنه، فقال الرجل: دعه يبكي، فإنه أنفع لعينيه، وأفتح لذهنه، فقال عبد الملك: إنك لفي شغل عن ذلك، فقال الرجل: إن المسلم لا يشغله عن الحق شيء، فأمر بإطلاقه.
افتتح الاسكندر فظهر من نسائه على جمال أثر في أصحابه، فقال: إن من أقبح القبائح أن تغلب رجل قوم، وتغلبنا نساؤهم.
سُئل الأصمعي عن فصاحته فقال: حفظت لأصلع قريش ثلاثمائة خطبة، فغاصت، ثم غاصت.
ما أحسن ما قال ابن الدمينة:
أبيت خميص البطن غرثان جائعاً ... وأوثر بالزاد الرقيق على نفسي
وأفرشه فرشي وأفترش الثرى ... وأجعل مس الأرض من دونه عيشي
حذار أحاديث المحافل في غد ... إذا ضمني يوماً إلى صدره رمسي
قال سري بن المغلس السقطي ﵀: من يعلم عذره إلا الله فهو معذب. قال بعضهم: احذر الناس، فلن يسلم منهم إلا من لم يظهر منه خير فيحسدونه، أو شر فيهتكونه.
стр. 71
وقال آخر: إذا ولي أخوك ولاية فثبت على نصف مودتك فهو كثير. من سماعنا على الشريف أبي المهدي ﵀، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دامت مائدته منصوبة، أو موضوعة بين يديه، حتى ترفع في خير".
آخر عنه ﵇ أنه قال: "من أكل مع مغفور له، غفر له، ومن صلى على مغفور له، غفر له".
قال علي ﵇: شر الأصدقاء من يتكلف له، أو أحوجك إلى مداراة أو ألجأك إلى اعتذار.
قال جعفر بن محمد ﵇: إذا قعدتم على المائدة مع الأخوان فأطيلوا، فإنها ساعة لا تحسب من أعماركم.
قال الشيخ الرئيس أبو القسم علي بن عيسى بنت داوود بن الجراح الوزير: دخلت على أبي بكر أحمد بن موسى بن مجاهد، وهو مريض، وعنده جماعة قد أطالوا، فقال: يا أبا القاسم عيادة، ثم ماذا فصرفت من حضر وهممت بالانصراف، فأمرني بالرجوع، ثم أنشدني عن محمد بن الجهم: [البسيط]
لا تضجرن مريضاً أنت عائده ... إن العيادة يوم إثر يومين
بل سله عن حالة وادع الإله له ... كقدر بين حلبين
من زار غباً أخاً دامت مودته ... وكان ذلك صلاحاً للخليلين
قيل عن المهدي أنه قال: أنه من أتوسل إلى أحد توسيلة، ولا تذرع بذريعة هي أقرب من تذكيره يداً سلفت مني إليه أتبعها أختها فالحسن، وبها فإن منع الأواخر يقطع شكر الأوائل، هذا البيت يجمع حروف المعجم أوله كله ولا ينقط وآخره كله بنقط، وهذا هو:
مسطح أصدر عكلاً له ... ضغثٌ تستجدُّ فيظنُّ فخرُ
قال الأوقص قاضي للمدينة، وكان قبيح المنظر قالت لي أمي يا بني خلقت خلقة لا تصلح معها مشاهدة القيان، ولا منادمة الفتيان، وإن جلست مجلساً لم ترمقك العيون فيه، ولم تمل نحوك القلوب، فلو ملت إلى العلم الذي ترفع به الخسيسة، وتتم به النقيصة، فقبلت قولها، فنفعني الله به.
قال علي بن عوف كنت يوماً أتغذى مع المأمون فالتفت إلي وقال لي: خلال قبيحة عند الجلوس على المائدة، منها كثرة مسح اليد، ومسح اللحية، والإكباب على المائدة، وكثر أكل البقل.
يقال ثمانية إن أهينوا، فلا يلوموا إلا أنفسهم: الآتي إلى مائدة لم يدع إليها، والمتأمر على رب البيت في بيته، وطالب الخير من أعدائه، وطالب الرفد من اللئام، والداخل بين اثنين في حديث لم يدخلاه فيه، والمستخف بالسلطان، والجالس في مجلس ليس هو له بأهل، والمقبل بحديثه على من لم يسمعه.
دخل أبو علي البصير على عبيد الله بن سليمان، فسأله حاجة كان مطله بها، ثم قام فأنشده في مجلسه: [البسيط]
إن الزمان الذي يضحي الفتى وله ... فضل على الناس فيه خير أزمانه
فلا تضيق بمعروف وجدت له ... وجهاً وبادر به في وقت إبانه
فربما انقبضت من بعد ما انبسطت ... كف وأعورني من بعد إمكانه
فلما قرأها في وقت سئل حاجة إلا قضاها.
كان مطرف بن عبد الله يقول لأصحابه: إذا كان لأحدكم حاجة، فلا يواجهني بها، وليقلها لي في رقعة، فإني أكره أن أرى عليه ذل السؤال، ويتمثل بهذه البيات:
يا أيها المعني بذل السؤال ... وطالب الحاجات من ذي النوال
لا تحسبن الموت موت البلى ... وإنما الموت سؤال الرجال
كلاهما موتٌ ولكن ذا ... أحسن من ذاك على كل حال
فقال خمسة أشياء تقبح في خمسة أصناف من الناس: الشره في الشيوخ، والحرص في القرى، والبخل في ذوي الأموال، وقلة الحياء في ذوي الأحساب، والحدة في السلاطين.
يقال إن أحزم الناس، واصبرهم من لا يفشي سره إلى صديقه، مخافة أن يصير عدوه.
هذا بيت شعر لا يتحرك به اللسان
إن همي، وهم أحبائي همهم ... وما بهم وهمي ما بي
هذه أبيات كتبها مهذب الدين المصنف لهذه المجموعة، يستهدي حلاوة نصف رمضان من له بينهما مباسط: [الطويل]
بلغت المنى شهر الصيام قد انتصف ... وحلم فاستوفى القضية وانتصف
وفيه معان للكرام ظريفة ... وسنته فضل سنها سادة السلف
لما حبس كسرى بزرجمهر، أمره أن يختار لنفسه غداء لا يتغير، ولباساً لا يتغير، ولا يطلب سواه، فاختار اللبن لغذائه، والأدم للباسه، ومكث برهة في الحبس، فلما رضي عنه، وأخرجه، رأى لونه طرياً وبدنه عتياً.
стр. 72
فقال له: أخبرني كيف اخترت اللبن والأدم، فقال: أما اللبن فإنه الغذاء الأول، يقوم به الأود، وأستغني بهد عن تكلف أمر النجو وأما الأدم فلا يحتاج إلى الغسل كل وقت ولا يقمل، ولظاهره برد في الحر ولباطنه دفء الشتاء.
فقال من كانت هذه حالته، كيف كان عيشه؟ فقال: أيها الملك اعلم أني اخترت لنفسي جوارشاً من خمسة أخلاط الأول الثقة بالله سبحانه، والثاني كل مقدور كائن، والثالث الصبر مطية الفرج، الرابع أن أصبر ما أصنعه، الخامس لعل ما أنا فيه خير من غيره. شاعر:
لأن ساءني دهر لقد سرني دهر ... وإن مسني عسر لقد مسني يسر
لكل من اليام عندي عادة ... فإن ساءني صبر، وإن سرني شكر
قال الأصمعي: رأيت شيخاً في جامع البصرة، فتفرست به، أنه شاعر، أو منجم، فقال كلاهما، فقلت: أنشدني شيئاً من أشعارك، فقال تركت الشعر، فقلت أنشدني شيئاً في تركك إياه.. فأنشدني: [الكامل]
قالوا تغير حاله أو عقله ... والهم يمنعني من الأشعار
أما الهجاء ففي مشيي واعظ ... والمدح قل لقلة الأحرار
قال عبد الله بن ببريدة: ينبغي للمؤمن أن يتعاهد من نفسه ثلاثة أشياء لا يدع الأكل فإن منعه يضيق، ولا يدع المشي فإنه يحتاج إليه، فلا يقدر أن يمشي، ولا يدع الجماع فإن البئر إذا لم ينزح ذهب ماؤها.
أنشدني الشيخ أبو بكر المعرف بابن الشبل المقرئ من ساكني درب يعقوب من شارع الرقيق ﵀ لجده أبي علي بن الشبل: [البسيط]
الحمد لله لا حراماً أفاوضه بني ... فبالقول دون المال يسليني
أخفي الأصادق في جسمي سهامهم ... فليس أدري عدوي أين يرمين
ما أخطأتني من الأنبار رامية ... فكل رام بحمد الله يرميني
امنحي لي السجن سكناً والأسى سكناً ... والهم كأسي وأحزاني تعنيني
حتى تخلصت من آباق كيدهم ... تخلص الرخ من عقد الفرازين
وأنشد الظهير أبو إسحاق إبراهيم بن الفراء الآمدي لابن الرومي: [الوافر]
غموض الحق حين تدب عنه ... تفلل ناصر القول المحق
تدق عن الصواب فهوم قوم ... فيقضي للمحل على المدق
كان رجل من أهل الأدب، لا من ذوي الحسب نجا بأدبه، وتخلص بسببه، كما حكي أن الحجاج خرج في عسيسة، فلقي سكراناً، فلما أحضره للعقوبة، قال له: أصدقني ابن من أنت؟ فقال: [الطويل]
أنا أبن الذيب لم ينزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوماً فسوف تعود
ترى الناس أفواجاً على ضوء ناره ... فمنهم قيام تارة وقعود
فقال: أطلقوه، فيوشك أن يكون من أولاد الملوك، فلما أطلقوه، سأله عنه، فقيل أيها الأمير، هذا ابن فلان الباقلاني، فقال: لقد صدقنا في نسبه، وأحسن في كنايته، وأنشأ يقول: [المنسرح]
كن ابن من شئت واكتسب أدباً ... يغنيك مضمونه عن النسب
لبعض مخاليع الأعراب: [الوافر]
أنا شيخ وأمرأتي عجوز ... تطالبني بأمر لا يجوز
تريد جماعها في كل يوم ... وذلك عند أمثالي عزيز
وقالت رق أيرك مذ كبرنا ... فقلت لها بل اتسع القفير
كتب أبو صامد الشاعر إلى أبي القاسم عثمان الغنوي: [البسيط]
رأيت في النوم أني مالك فرساً ... ولي وصيف وفي كفي دنانير
فقال قم لمهم فهم وتجربة ... خيراًَ رأيت والفتك التباشير
فاقصص منامك عند الأمير تجد ... تفسير ذلك وللأحلام تفسير
فوقع في جوابه أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين.
قال منقذ العطار، بينما أنا أسير في أبيات شيبان، وإذا أنا بأعرابية تقول: في غيلمها، ويدها على صبي، والأخرى على صبية: [البسيط]
من سره أن يرى شمياً يقابلها ... بدر وقد طلعا من بين أزراري
فليأت بيتي يرى شمس النهار به ... سلمى وبدر الدجى سعد بن سيار
فقمت أبادر لأنظر إلى هذه الشمسي، والبدر، فلما دنوت، فإذا أنا بظبي وظبية كأنهما بعيران أو عودان محرقان، فذكرت، قول الأول، كل فتاة بها معجبة.
قال الحسن بن شيظم: حججت في بعض السنين، فكنت في بعض المنازل، فإذا بصبية كاملة الجمال بارعة السن.
стр. 73
قد رفعت يدها إلى الله وهي تقول: اللهم ما أنا أمتك الغريبة، وسائلتك الفقيرة بحيث يرى مكاني، ولا يخفي عليك سوء حالي، وقد هتكت الحاجة حجابي، وكشفت الفاقة نقابي، وقد بذلت لهما وجهاً كريماً عن المسألة، ضعيفاً البذلة، طال ستره الحياء وصانه الغناء، وقد حمت عني أكف المخلوقين، وضاقت دوني أنفس المرزوقين، فمن حرمني لم ألمه، ومن وصلني وكلته إلى رحمتك يا أرحم الراحمين، فمررت بها وقلت يا جارين من أين أنت؟ فأنشأت تقول:
بعض النساء أبرزها ... الدهر إلى ما ترى وأحوجها
أخرجها م حجاب نعمتها ... وابتزها ملكها، وأزعجها
وطال ما كانت العيون إذا ... ما برزت تستشيف هودجها
ألعزمها مقبل بصفحته ... متهم قد أقام منهجها
إن كان قد ساءها وأحوجها ... فطال ما سرها وأبهجها
الحمد لله رب داهية ... قد ضمن الله أن يفرجها
قيلا لما ملك أردشير بابك البلاد، وحصل في قبضته السبعة أقاليم استدعى صاحبي إيوان شهر، وقال له: أخبرني بما كان لصاحبك من العجائب، فقال كان له ستة أشياء: أحدها بركة عظيمة كبيرة، كان يجلس عليها للشرب، وكان ندماؤه تحضره كل واحد منهم شرابه من داره، فيطرحه في تلك البركة، فتختلط الشربة على تغير ألوانها وطعومها، وأجناسها، فإذا غرفوا، خرج في قدح كل واحد منهم شرابه إلى جهته غير مختلط بشراب سواه.
الثاني: كان له طائر من النحاس على قبته في داره، فكان إذا دخل المدينة غريب صفر ذلك الطائر صفيراً يسمع كل من في المدينة، فيعلمون بدخول الغريب فيؤخذ، ويحضر بين يدي الملك، فيسخره لأي شيء ورد فعلم ذلك.
الثالث: كان له طبل إذا غاب رجل، وأبطأ، خبره ضرب ذلك الطبل، فإذا كان حياً جاء للطبل صوت.
والرابع: كان له مرآة إذا أراد الإنسان يعلم على أي حبال غائبة فيرى فيها خيراً أو شراً، نظر فيرى الغائب على الحالة التي هو عليها.
الخامس: كان له سروة يقف تحتها الفارس، والاثنين إلى الألف فتظلهم، فإذا زاد عن الألف واحد زال الظل عن الكل وصاروا في الشمس.
السادس كانا كبشين عظيمين من حديد على لوح من حديد، بينهما غدير ماء، فإذا اختصم اثنان، أتيا إلى الكبشين فيحمل أحدهما على الظالم، فينطحه فيرمي به إلى الماء فكتب ابن مسرة إلى أبي الفضائل هذه الأبيات: [الكامل]
أسفي عليك، وقد أرقت صبابة ... من ماء وجهك في سؤال بخيل
ووجدت طعم سؤاله من لومه ... مراً كطعم الحنظل المبلول
ولقيت دون طعامه وشرابه ... رداً كحد الصارم المسلول
أقبلت تنشده، وأطرق معرضاً ... إطراق دم بذحول
حتى ظننتك قائلاً وظننته ... من فرط نخوته ولى قتيل
وكفلت لي عنه بكل كريمة ... ثم انثنيت وأنت شر كفيل
وأتت عليك خلائق حورية ... تأتي إذا ما فاتها بجميل
هلا سألت عن الصناعة أهلها ... فيخبروك بصنعة التطفيل
القوم لا يعشون إلا منزلاً ... يغشى العيون دخانه من ميل
قيل لطفيلي: ما بال لونك أصفر؟ فقال: من الفتوة بين العضارتين أخاف أن يكون قد فني الطعام، فيذهب دمي فأصفر.
قال الأصمعي: رأيت شيخاً من الأعراب متعلقاً بأستار الكعبة، وهو يقول: [الطويل]
أما تستحي يا رزاق الخلق كلهم ... أناجيك عرياناً وأنت كريم
أترزق أولاد المجوس وقد عتوا ... وتترك شيخاً من سراة تميم
فألقيت القميص والأزر، والمناديل من كل جانب، فجعل يأخذها، ويقول شكراً لمن أخاطبه لا لكم.
قال نصر الجهني: كان لي جار طفيلي، وكان إذا دعيت إلى مدعاة، أو حضرت ملاكاً، كرب معي، وجلس حيث أجلس، فيأكل وينصرف، وكان نظيفاً عطراً، حسن اللباس، والمركب، وكنت لا أعرف إلا ظاهره، فاتفق لجعفر بن القاسم الهاشمي حق دعاه إليه أشراف أهل البصرة وكبارها.
وكان الأمير، فقلت: إن تبعني هذا الرجل لأخزينه، فلما حضرت تبعني ودخل لدخولي وارتفع إلى حيث أجلست، فلما حضر الطعام، قلت: حدثنا درست عن ابن زياد عن أبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله "من دخل دار قوم بغير إذنهم، فكأنما دخل سارقاً، وخرج معيراً، وكمن دعي، فلم يجب، فقد عصى الله ورسوله".
стр. 74
وظننت أني قد أسرفت على الرجل وهرت من لسانه فأقبل علي قال أعيذك بالله يا أبا عمر من هذا الكلام في دار الأمير وعلى مائدته فإن الأشراف لا يحتملون التعريض باللوم، وقد حض الدين التعريض وعزر عليه عمر بن الخطاب، ووليمة الأمير دعاة لأهل مصره، فإنه سليل أهل السقاية، والرفادة، والمطعمين، والأفضلين، الذين هشموا الثريد، وأبرزوا الجفان.
فمن غدا إليهم وراج، ثم لا يوزع، وأنت في بيت العلم، معروف بالحديث عن درست بن زياد، وهو ضعيف جداً عن أبان بن طارق، وهو متروك الحديث، بحكم يرفعه، إلى النبي ﷺ والمسلمون على خلاف لأن حكم السارق القطع، والمغير يرى على ما يراه الإمام وهذان حكمان لا ينفذان على داخل دار، في مجمع فيتناول لقماً من فضل الله، الذي أنا أهلها، ثم لا يحدث حدثاً، حتى يخرج عنها، وقد قال ﵊: "طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة".
حدثنا بذلك عاصم النبيل عن أبي جريج عن أبي هريرة عن جابر عن النبي ﷺ ويعلم فأين أنت من هذا الحديث الصحيح الإسناد، والمتن.
قال نصر فأصابتني خجلة شديدة، فأمسكت، فلما رأى الرجل ما بي، أكل ونهض قبلي، فلما خرجت وجدته واقفاً بالباب على دابته، فلما رآني تبعني، ولم يكلمني، ولا كلَّمته، إلا أنِّي سمعته يتمثل: [المتقارب]
ومن ظنَّ أن سَيُلاقي الُحُروبَ ... وأَنْ لا يصابَ فقد ظنَّ عَجَزا
لبعضهم يهجو طفيلياً: [الكامل]
كَم لَطْمةٍ في حُرِّ وجهك صلبة ... من كفِّ بوَّابٍ شديد ضابطِ
وكان ذاكَ، وكلُّ ما لاقيتهُ ... لمَّا أكلت أصاب عرض الحائطِ
قال عبد الملك بن مروان لجلسائه يوماً: أي المناديل أفضل؟ فقال بعضهم: اليمنية، التي كأنها نور الربيع، وقال بعضهم: المصرية، التي كأنها غرقىء البيض، فقال عبد الملك: ما صنعتم شيئاً ولا قلتم شيئاً، أفضلها مناديل عبدة بن الطبيب، حيث يقول: [البسيط]
ثَمَّ انثنينا إلى جُرد مُسوَّمةٍ ... أعرافهنَّ لأيدينا مناديلُ
وكقول امرىء القيس: [الطويل]
تَمُشُّ بأعرافِ الجيادِ أكُفُّنا ... إذا نحن قمنا عن شواء مُضَهَّبِ
المشّ: مسح اليد بما يقشر عنها الدسم، ويقال: المنديل مشوش.
قيل لأعرابيّ كان يحب امرأة، فزُوجت بابن عمٍّ لها، وعزم أهلها أن يهدوها إلى بعلها، أيسرُّك أن يظفر الليلة بها؟ فقال نعم، والذي أمتعني بحبها، وأشقاني بطلبها، قيل: فما كنت صانعاً؟ قال: كنت أطيع الحب في لثمها، وأعصي الشيطان في إثمها، ولا أفسد عشق سنين بما يبقى ذميماً عاره، وينشر قبيحة أخباره في ساعة تنفد لذتها، وتبقى تبعتها إني إذاً للئيم، ولم يغذني أصل كريم.
قال مالك بن دينار: بينما أنا أطوف بالبيت، وإذا بجارية متعبدة، متعلقة بأستار الكعبة، وهي تقول: يا رب كم شهوة ذهبت لذتها، وبقيت تبعتها، أيا رب ما كان لي أدب إلا بالنار، وهي تبكي، فما زال ذلك مقامها، حتَّى طلع الفجر، فلما رأيت ذلك، وضعت يدي على رأسي صارخاً، وأقول ثكلت مالكاً أمه، وعدمته جويرية، منذ الليلة، وقد بطلته، وأنشدني الحسين في معناه: [الطويل]
وطائفةٍ بالليلِ، والليلُ مظلمُ ... تقول ومنها دمعها يَسَجَّمُ
أيا ربِّ كم منْ شهوةٍ قدْ رزيتها ... ولذَّة عيش حبلها منصرمُ
أمَ كان ربِّي للعباد عقوبةً ... ولا أدبٌ إلا الجحيم المُضرمُ
فشَبَكتُ مني الكفَّ أهتف صارخاً ... على الرأس أبدي بعض ما كنت أكتمُ
وقلت لنفسي إذ تطاولَ ما بها ... وأعيا عليها وردها المتنعِّمُ
ألا ثكلتك اليوم أمُّك مالكاً ... جُويريَّة ألهاك عنها التَّكلُّمُ
فما زلت بطالاتها طول ليلةٍ ... يُنال بها حظَّاً جسيمٍ، وتنَعُّمُ
يروى أنه تزوج رجل من همدان إلى ابنة عمٍّ له، فلم يلبث أن ضرب عليه البعث إلى آذربيجان، فأصاب بها خيراً واستفاد جارية حسناء وفرساً جواداً فسمَّى الجاريو حبابة، وسمَّى الفرس الورد، وأقام بالثغر، فقال له ابن عمه: ما يمنعك من القفول إلى منزلك؟ فقال: أخشى من ابنة عمي أن تحول بيني وبين الجارية، وقد هويتها، ثم أنشد يقول: [الطويل]
ألا لا أُبالي اليوم ما صنعت هندٌ ... إذا بقيت عندي حبابة والوردُ
стр. 75
شديد نياط المنكبين إذا جرى ... وبيضها مثل الرِّيم زينتها العقدُ
فهذا لأيَّام الهياج وهذهِ ... بموضع حاجاتي إذا انصرف الجُنْدُ
فبلغها الأبيات فكتبت إليه تقول: [الطويل]
لعمري لئن شَطَتْ بعثمانَ دارهُ ... وأضحى بالحبابة والوردِ
ألا فأقرئهُ مني السَّلاموقل لهُ ... غنينا بفتيانٍ غطارفةٍ مرُْدِ
إذا شاء منهم ناشئاً مدَّ كفهُ ... إلى كفلِ ريّان أو كعثب نهدِ
إذا رجع الجند الذي أنت فيهمُ ... فزادك ربُّ الناس بعداً على بعدِ
فلما وصلته أبياتها باع الجارية، وأقبل مسرعاً، فوجدها معتكفة في محرابها، فقال: يا هند فعلت ما فعلت، فقالت: أجلّ في عيني، وأعظم عندي أن أرتكب مأثماً، ولكن كيف وجدت طعم الغيرة، وإنك أغضبتني فأغضبتك.
يروى أن رجلاً لقي يعقوب بن داوود ومعه قصة فدفعها إليه، فيها مكتوب: [البسيط]
يا الذي لم تزل يمناه مذْ خُلقتْ ... فيها الباع نوال العلّ، والنهلُ
إن كنت مسدي معروفاً إلى رجلٍ ... لفضلِ ودٍّ فإني ذلك الرجلُ
فأمنن عليَّ بفضل منك يُجبرني ... فإنني شاكر للعرفمحتملُ
فأمر له بعشرة آلاف درهم. قال أحمد بن محمد بن المدبّر: كنت مع أحمد بن خالد بفلسطين، فجاءه رسول، إن صنَّاعك قد أمر بقبضها، فقال لي الفضل بن مروان، والي العسكر في هذا، فكتب وهيأ رسولاً وتحفاً، فلما قرأ الكتاب، قال: أنفذ منها حرفاً واحداً، أصير رسولي إلى الله تعالى.
ثم أبطل تلك الكتب، وأخذ منها ما يريد إنفاذه، فتصدق به، فما مضى خامس عشر، حتّى جاء رسول، بأن الساعي بك وبضياعك، فتبين أمره، فوجدناه كذّاباً مبطلاً، فعلنا به، وفعلنا به، وأمرنا بإطلاق ضياعك،،وأن لا يتعرض بها، ولا بشيء منها، فشكرت الله تعالى، وتبين حسن معاملته وحسن متاجرته.
خرج الاسكندر ليلة فجعل منجّمه يسير له الكواكب، فعثر المنجم فكادت تندق عنقه، فقال له مضحك الاسكندر: من تعاطى علم ما فوق رأسه أتت به البلية من تحت قدميه.
دخل رجل من بني هاشم على المنصور، فسأله عن وفاة أبيه.
فقال: مرض ﵁ يوم كذا ومات ﵁ يوم كذا، وترك ﵁ من المال كذا، فانتهره الربيع، وقال بين يدي أمير المؤمنين، توالي الدعاء لأبيك، فقال الرجل: لا ألومك لأنك لم تعرف حلاوة الآباء.
دخلسعيد بن مسلم الباهليّ على الرشيد فأومأ إليه بعد السلام فجلس وقال يا أمير المؤمنين: أعرابي من باهلة، وقد ورد عليك، وما رأيت قط أشعر منه، فقال له: أما أنت فإنك قد استنجبت هذين فهبي لي أحجارك.
وكان عنده العماني ومنصور النمري، فقال تهيأني لك يا أمير المؤمنين، ثم أذن للأعرابيّ، فدخل وعليه جُبَّة حبر ورداء يماني، قد شدّ وسطه وثناه على عاتقه، وعمامة قد عصتها على حدرية، وأرخى لها عذبة، وألقيت الكراسي فجلس الكسائي، والمفضل الضبي وابن سلم، والفضل بن الربيع.
فقال ابن سلم للأعرابيّ: خذ في شرف أمير المؤمنين، فاندفع الأعرابي في شعره، فقال الرشيد: ما أحسنك في هذا الكلام، وأنا أسمعك مستحسناً لك، متهماً عليك، فإن يكن هذا الشعر لك، وأنت قلته من نفسك فقل لنا في هذين بيتين، يعني الأمين، والمأمون.
فقال: يا أمير المؤمنين حملتني على العذر غير الجد روعة الخلافة وبَهرُ بديهة ونفور القوافي عن الرُّواة! فأمهلني يا أمير المؤمنين، حتى يتآلف إلى هرابها، ويسكن روعي، فقال: أمهلتك يا أعرابي وجعلت اعتذارك بدلاً من امتحانك، فقال: يا أمير المؤمنين، نفست الخناق، وسهّلت ميدان السباق، وأنشد يقول:
بنيت بعبد الله بعد محمدٍ ... ذرى قُبَّة الإسلام فاخضَّر عودها
هما طنباها بارك الله فيهما ... وأنت أمير المؤمنين عمودها
فقال الرشيد: وأنت يا أعرابي، فبارك الله لك فيك، فاسألنا ولا تكُ مسألتك دون إحسانك، فقالت الهنيدة: يا أمير المؤمنين، فتبسم. فقالت امرأتي: طلقتني يا أبا الجوزاء، فقلت: من أين لك هذا؟ قالت: حدثتني جارتي الأنصارية، قلت: ومن أين لها؟ قالت: ذكرت، أو زوجها خبّرها بذلك، قال: فغدوت على ابن عباس فقصصت عليه القصة، فقال لي: أما علمت أن وساوس الرجل تحدث وساوس، فمن ها هنا يفشو السرّ.
следующие страницы →