Полный текст (55 стр.). Показаны 36–55 · переход к 41.
стр. 36
وأما البطريق والسبر فلأنهما قليل الذكر بين الناس. وأما البطريق فإصلاحه كإصلاح الزمج سواء وإجابته كذلك، وهذا يطعم على الأرنب ويصيد الحبارى والكروان، ويصيد إذا أرضي الغرنوق وهو الكركي، والبطريق ألطف من الزمج كبير إلا أنه جنس مثل الزمج، وهو أبيض وأسود، وهو يشبه الزمج في طيرانه وأفعاله وله في القطا فعل ليس ذلك لسائر الضواري، وهو جنسان لا غير أبيض وأسود.
والأبيض خير من الأسود، وهو يشبه الزمج إلا جناحيه فإنهما طويلان، وهو أطول نفساً من الزمج وأدون من الشاهين، وإذا طار على الطريدة لا يبصر لشدة طيرانه، وهو يصيد الحبارى والكروان والغرنوق والدّراج والحجل، وهو أوقح الضواري لأنه يأخذ من العقاب اسلب، وكذلك يأخذ من الزمج، ولا يأخذ منه شيئاً سلباً، ولا يكاد يفارق الطريدة، وأوقح هذين الجنسين الأبيض، وكثير من الناس تعجز أن تضريه، وهو شكيس الأخلاق يتعب الحمال كثيراً، ولعله إذا حمل عند قدومه من عند الصياد لا يقعد على اليد، ويتدلى ويبقى ذلك دأبه يومين وثلاثة، وينبغي لحامله أن يدعه على الأرض، ويكثر عليه الكلام ولا يخشى عليه إذا لم يأكل، فإنه يبقى اليومين والخمسة والعشرة وأقل وأكثر، فإذا اعتاد أن يأكل وهو في الأرض، فإنه يأمن إلى أ، يقعد على اليد، فحينئذٍ يحمل في الأسواق على اليد، ولا تفتح عينيه إلى أن يصير له عشرون يوماً، وإذا ما تريض صاد الأرنب والثعلب لا يرجع عن طريدة ولا يخاف مكيدة.
باب ذكر النّصّ
اعلم أرشدك الله للصواب: إن النص أشبه الضواري بالصقر في المطار والجنس، ويسمى في بلاد العراق البذحان، ويسمى في الموصل فرخ البذحان، ويسمى في ديار بكر وحرّان والرها السافد وفي مواضع أخرى أبو الريح. وفي الشام ومصر النص، وهو أجناس كأجناس الصقور، فيه الأسود والأبيض والأحمر والأصفر والأخضر، وفيها أيضاً ما يسمى بلغة الكواخين الأطلس، وذلك أن ظهره وأكتافه يشبه الأطلس أحمر لا يخالطه شيء من نعت الريش كسائر الطير وهو الذكر منها، وهكذا كل ذكور النص إذا تقرنص في البرية يصير أطلساً. وأما الفرخ فإنه تكون له علامات يعرف بها أنه هو الذكر، وهي صغر رأسه، وسعة عينيه وحمرة أفخاذه، وأحسنها الأسود والأحمر والأصفر، وهو يدعى كما تدعى الصقور وإن كانا اثنين، فيستحب أن يكون أسود وأبيض وأحمر وأصفر، وتلعب بها الصبيان في بلاد العراق كثيراً، وهو يصيد السمان والسلوى، ويقال أنه في صعوده ونزوله على الصيد يضحك من رآه، ولا يصلح إلا للصبيان، وما ذكرت من أمره إلا ليحاط به علم.
باب نعت الشقوف
هو من طبع الباز، أصفر العين، طويل الرجلين، واسع الكف، لكنه طويل الذنب، طويل الجناح، والفرخ أحمر الصدر بغير تنقيط إلا أحمر وأصفر، لا يغادره لون آخر وظهره أسود، وهو يدعى كما يدعى البازي إلا أن نفس هذا أطول من البازي، وهو يتبع الطريدة إلى أن يصيدها.
وهكذا أيضاً الآجامي لأنه لا يزال يتصيد في المواضع المقصبة المحدقة بالشجر، ويسمى في العراق الأجم فلهذا سميت آجامي.
والسبر لمن رغب فيه جيد حسن الأخلاق، وله ذكر يقال له الخاطف، وسمي بهذا الاسم لأنه يطير شديداً ويخطف في طيرانه.
قال محمد بن منكلي: إن الأعاجم ذكروا إن من الضواري أجناساً معدومة، ولا رؤيت وهي لاشك موجودة في الدنيا، ولها معادن، والله يهدي من يشاء لما يشاء، لا ربّ غيره ولا معبود سواه.
قال محمد بن منكلي: والفقير يذكر ما جاء في التواريخ من الأوليات في من لعب أولاً، وتصيد في كل نوع من الضواري إن شاء الله تعالى، ومنه استمد المعونة بفضله وكرمه.
باب فيه ذكر أول من تصيد بالبازي
стр. 37
يحكى والله تعالى أعلم، أن بعض الملوك الفرس خرج يوماً يريد الفرجة، واللعب على الخيل، فجاء إلى نهر، وعليه أشجار محدقة، وكان ذلك المكان من أنزه الأماكن، فنصبت فيه الخيام، وأتي بالطعام وسائر ما يحتاج إليه من ملاذ، فبينما هو كذلك إذ نظر إلى طائر قد أقبل وحوله الطيور تطير لمطاره وتهج عند اقترابه، وتشيعه من بعيد إلى أن أقبل إلى بعض الشجر، فقعد في باطن الشجرة فتفرق ما كان حول ذلك المكان من الطيور وفروا هاربين، فقعد قعود الملك إلى أن استغفل طائراً فكسره ثم حمله إلى تحت بعض الشجر بحيث استتر، وجلس عليه ينتفه إلى أن لم يدع على ذلك الطائر من الريش شيئاً ثم أكل من كفايته، وتقدم بعد ذلك، إلى النهر فنزل وسبح فيه وشرب وطار وجلس إلى غصن من أغصان تلك الشجرة، فلما كان آخر النهار فعل كذلك.
فقال الملك لأرباب دولته: (لقد كانت مملكتي ناقصة) ، فرأيت من هذا الطائر ما حير عقلي من عظم رياسته، وإن الطير تخافه، وتجلس بعيداً عنه وهو لا يخافهم، وهم يخافوه.
ورأيت من شدة احتمله، وكبر نفسه وطول صبره وجلالة قدره، وإذا قعد فتش، وإذا ذرق أبعد وإذا انتفض أرعد، وإذا قبض شدد، الرياسة تشهد له. ثم قال: أريد التحيل في تحصيله فلم يزالوا به إلى أن قبضوا عليه وأتوا به إلى الملك، ففرح به فرحاً شديداً، ثم أمر أن يشد ويجعل بين يديه ففعلوا به ذلك فلم يقر ولم يهدأ. فقال الملك: زال طربه وكثر شغبه، فمن يداري هذا، فأقبل بعض الحكماء ينظر إليه ورأى أنه كان إذا فتح عينيه خاف وإن أغمض عينيه أمن. ورأى انطباق عينيه بعضها على بعض كأنها مخيطة.
فقال الحكيم: لو خيطت هذه كما يفعل لما كان يخاف، ففعل به ذلك فآمن وقعد، ولم يزل بين يدي الملك ينظر إليه إلى أن انفتحت عينيه لنفسه وأمن مما كان يخاف.
فقال: هذا ملك الطير، قال، وعرف بذلك جميع البزاة ومعادنها، فحينئذٍ فحصت الحكماء في الأخبار والتواريخ، فوجدت اسم الباز، إنه طائر يصيد ويفرض ٣٧ بفقالوا لا يمكن أن يكون الباز المذكور إلا هذا، وأمر الملك أن يحمل إليه كل طير يصيد مثل ذلك الجنس وغيره حتى يحصل ذلك الجنس، قيل: وحسن أمر ذلك الملك وسلطانه بما نظر من ذلك الباز بعدما كان شديد البطش، قليل الحرمة بين جنده.
ثم قال الملك: إن هذا الطائر علمني كيفية المملكة، وكيفية السخط والرضى ولزوم الحرمة، والاستتار من أوباش الناس، وغضّ الرف لدوام لهيبة ودوام الصمت للخديعة، ولكثرة العقل لقطع الشنعة والسرعة في البطش لتخويف الأعداء، وطول الأكل للاستمراء وتصغير اللقم للأمن من العض، وتشمير الثوب للنظافة، ولقد جمع هذا الطائر جميع الأدب بالعقل الكامل.
وذكر حكماء الروم، أو أول من لعب بالبازي الروم.
قال محمد بن منكلي: والذي يترجح، والله أعلم، أن أول من لعب بالبازي العجم، وقصة حكماء لروم لم أجد لها دليلاً قطعياً، ولم تترجح في مخيلتي، فلم أذكرها إذ لا فائدة من ذكرها.
وقد اختلف في زمان وقعته على صيده إذا كسر، وزمان وقعة الفهد إذا وثب أيهما أسرع. وزعم بعض العلماء أنهما أسرع من السهم في ذلك لأن هذين يتحركان في حالتيهما حركة روحانية متلازمة، والسهم ليس كذلك.
وزعم حكيم أن كسرى أنوشروان أتي بباز قد انكسر جناحه، فوضع بين يديه فنظر إليه طويلاً ثم قال للذي جاء به: لم كسرت جناحه، فقال: هو كسر جناحه أيها الملك.
فقال: إنه نزل على طائر أكبر منه فعالجه وقتله، فأقبلت إليه لآخذ منه الطائر، فرأيته مكسور الجناح.
قال: فكيف رأيت طيرانه.
قال: إذا علا صفّ، وإذا نزل دف، وإذا ضرب رفّ، وإذا وثب ذرق، وإذا عاين سرق، فقال: هذا جبار لا يبقى إذا قدر، ولا يؤمن إذا اشتهر.
ثم سلمه إلى ولده داد بن كسرى، فكان يلعب به، وبسائر الأجناس من الطيور.
وهو الذي سميت بغداد ببغداد، معناها في لغة العجم، بغ يراد بها البستان، وكان اسم ابن كسرى داد، وكانت الزوراء بستاناً، قدر الله بعمارة المكان فسميت بغداد ويقال ذاذ بذالين معجمتين وبالعكس، ويقال أن الأولى معجمة والثانية مهملة وبالعكس.
стр. 38
ويروى في الأخبار الصحاح أن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، اجتاز على بغداد وهي أجمة تأوي فيها السباع والوحوش، فوقف ينظر إليها، ثم قال: إيه يا زوراء كأني بك وأنت عالية القباب، سليطة القحاب، كثيرة الكلاب وكم له من كشف خار، وقتل منافق مارق ﵁ وعن سائر الصحابة.
وداد بن كسرى هو أول من صنع القفاز للباز، وأول من سنّ ركوب الرهاويل للصيد بالبازي.
وأول من أظهر الطبل للبازي، وأول من اختار الدستبان واخترعه، وأول من أدب البازي للإجابة، وأول من حمل البازي على الفرس ورفع قدره عن أن يحمل على يد رجل، ومدح باز:
أيا صاح بازيَّ بازيَّ إنّه ... من البؤس والفقر في الدهر جنّه
باب ذكر أول من لعب بالشاهين
قال القدماء: أول من لعب بالشاهين قسطنطين ملك عمورية، كان إذا ركب سارت الشواهين طائرةً على رأسه حتى ينزل، فاحتال عليها وأضراها.
وقيل: إن ملك يقال له الرديق ركب يوماً فثار بين يديه طائر من الأرض، فنزل عليه بعض شواهين، فأخذهم الملك، وأضرى منهم، وأمر بعد ذلك أن يحفظ ما يوجد من هذا الجنس فعرف بين الناس.
وأما تسميته بالشاهين فإنما سمي بذلك من أجل لزومه الدوران على رأس صاحبه أو على رأس الموكب.
وقيل إن بعض الحكماء سماه بذلك قايسه إلى الشاهين الذين يوزن به، قيس بالشاهين الذي يصاد به، وقيل إن أسماء جميع الطير سماها إسماعيل بن إبراهيم ﵉.
وقيل إن أول من لعب بالشاهين خاقان ملك الترك.
باب ذكر أول من تصيد بالصقر
قيل: إن أول من تصيد بالصقر الحارث بن معاوية بن ثور بن كندة فإنه وقف يوماً يصطاد، وقد نصب للعصافير شبكة؛ فانقض شاهين على عصفور منها قد علق فأكله، والملك يعجب منه، فأتى به وقد أندق جناحه فرماه في كسر البيت فرآه بعد أيام وقد صح ولا يبرح ولا ينفر، وإذا رمي له طعماً يأكله، وإذا رأى لحماً نهض إليه حتى دعي فأجاب وأطعم على اليد. فأمر الملك باتخاذها والتصيد بها، فبينما هو يسير يوماً، وهو معه غذ انفتحت أرنب فطار الصقر إليها فأخذها، فطلب حينئذٍ الطير والأرنب. وأخذته العرب من بعده.
وقال القدماء: إن أول من تصيد به المنذر، فقيل له، وما الذي رأيت أيها الملك من هذا الطائر.
فقال: جميع ما ترون في هذه الأرض من ذوات المخلب عايلة على هذا الطائر، وذلك أنه كلما صاد شيئاً نزل إليه بعض هذه الطيور تركه ومضى إلى آخر يصيده، فإذا صاده نزل إليه آخر فسلمه إليه فكان ذلك دأبه يومه.
فقيل: فما الدليل على كرمه. فقال: الدليل عليه أنه يصيد ولا يأكل من الذي يصطاده، فإذا نزل عليه شيء من الطيور تركه ومضى، ولا يلتفت إلى ما ورائه، فإن المتأسف على الشيء الذاهب منه لا يزال يلتفت إليه، وهذا يدل على كرمه وشجاعته وسرعته في المطار.
قال: فبينما هو كذلك وقد صاد طريدة وقعد ليأكلها فجاء عقاب فأخذها منه والملك وأصحابه ينظرون. فقال الملك: دخل عليّ الضيمّ من أجل هذا الطائر.
قال: ثم طار وارتفع في السماء وعلا في الهواء إلى أن غيب نفسه ثم نزل على العقاب فضربه ضربةً واحدةً فقتله، وأخذ ما كان مع العقاب وأكله. والملك ينظر إليه.
فقال الملك: لله در هذا الطير ما أشجعه، لم يزل يتكلم إلى أن رأى الضيم، فأزاله بقدرته. ثم أمر أن يصاد له ذلك الطائر فنصبت له الأشراك وقبض وحمل إلى الملك وصاد به جميع الطير، وأول ما أضراه على الظبي وصاد به الأرنب.
باب في ذكر أول من لعب بالزمّج
يقال أول من لعب بهذا الفرس أخذوها من جنس البازي وهو كما زعموا وذلك أن بلادهم تحتمل أن يلعب فيها بسائر أجناس البزاة، وهم يذمون من لا يلعب بالزمج، ويقولون: ناقص اللعب.
стр. 39
وذكر بعض الحكماء من العجم أن أحد الملوك كان يسمى بأردشير نظر يوماً إلى صورة البازي وإلى الزمج فأخذها بالشبه، وإنه ما شاركه في إصلاحها أحد، وكان يقول: هو الخفير النافع وأنها قليلة المؤنة، أي شيء أطعمتها أكلته، وعلى أي شيء أرسلتها صادت، وفيها منافع كثيرة، أنها تصيد جميع ما يصيده البازي، وإذا ألقيت في البرية تتصيد شيئاً من الطيور التي توحش قلوب الضواري مثل المحردة وغيرها، فإنها ترسل عليها فلا تخلي منها في تلك ٣٩ أالأرض شيئاً، وهي تصيد الكركي وطير الماء والحبرج والإوز والأرنب والثعلب، وكان أردشير يختارها كما يختار البازي، والزمج مثال الحرد اسم طير يقال له بالفارسية بوازدان.
باب ذكر أول من لعب بالعقاب
قيل: أول من تصيد بالعقاب من الملوك، ملوك الموصل وأصحابها، ومنهم بدأ لعب العقاب، وقد لعب به المعتضد وكان به مغرماً شديد الإرادة، وكان أيضاً يحب اللعب بالفهود، وكان يقتل الأسد بنفسه ولا يشركه فيه أحد، ولم ير مثل مذهبه في الصيد، وكان مشهوراً بالفهود والعقبان، وكان يقول هما سبعا الضواري، وكان يباشرهما بنفسه.
وقيل: أول من لعب بالعقاب رجل بالموصل، كان يصيد الغزال بالفخاخ في موضع يقال له: بلد الفرح وهو كثير الصيد، كثير الغزال. فاتفق أن الصياد وقع له عقاب فحمله إلى داره وخيطه، وإذا هو قد استغفل الصياد وأكل كلباً له كان يتصيد به، واتفق أيضاً أنه قتل ابنة الصياد، وكان سنها فيما يقال عشر سنين، وكان هذا العقاب قد ضري على الغزال، والعقاب كثير في بلاد الموصل وسنجار وحران.
باب كيفية حمل ضواري الطير وأدبه
قال أصحاب التجربة: إن يد الحامل تصلح وتفسد وهي في القياس كالميزان، ينبغي لحامل الباز أن يكون نظيف الثوب، طيب الروائح، طيب الخلاق، عارفاً في حمل البازي، وأن يكون يعتمد في حمله تسريح لحيته بالما ورد فإن البازي يحب الروائح العطرة، ولا يحمله أبخر، فإن البازي إذا حمله أبخر كسر شهوته، وإنه إذا حمله الأبخر يومين ثلاثة، فإنه يعرفه ويهرب منه وعلامته متى ما حمله الأبخر على يده، فإنه لا يزال البازي يميل برأسه عنه، ولا يزال خلقه متوحشاً أبداً، إذا وثب وثب هارباً، وذلك أنه إذا وثب صرصر، وصرصر بمعنى زق زق، ولا يقال في اللغة إلا صرصر، وعلامة البازي إذا كان حماله طيب الرائحة يكون أبداً البازي يلصق بنفسه إلى جانب الحمال، أعني البازيار، ويولع أبداً بمنسره في لحيته، وإذا دعاه البازيار أجابه قبل أن يدعيه ويقعد على يده أو على رأسه أو بين يديه أو على ظهره، فهذه العلامة في الباز كما ذكر وبالله التوفيق.
وقد يكون البازي سيئ الأخلاق من يد حامله عند سوء حمله، وذلك أن يده هي التي توحش أخلاقه وتوحش أيضاً أخلاق البازي سوء أخلاق الحمال وسوء أخلاق من تصيد به وأيضاً وداده الرمي على الصيد، وعند ذبح الطريدة في كفه إذا نازعه البازي الطريدة، وفيهم من ينازع في تناول القطعة اللحم أو الفخذ، فإنه يعسر في تركه الطريدة من كفه، وهذا كثير ما يوجد في اصفر العين، وأما غيره فلا يكون، هكذا قال المجربون.
فإذا نازع الباز البازيار ولم يطلع على يده قبض على كفيه وقلعه عن الطريدة، فإنه متى سلم من أن يفك إحدى كفيه لم يسلم من أن ينزع إحدى مخاليبه، فإن سلم من هذا ومن هذا لم يسلم من أن يخلع إحدى أوراكه، وإن سلم من جميع ما ذكر بردت شهوته عند الصيد. ويتولد ما يفعل به مرة بعد مرة النهيج الذي يلحقه ويظنه البازيار من المرض، لا ولكنه يولد المرض والنقص، ويرخي البازي ويعود ذلك عليه مرضاً حقاً.
وتعتبر ملاحة البازي وحسن ريشه من حسن السياسة وحسن الحمل.
стр. 40
ولقد سئل الشيخ عيسى الأسدي عن ترتيب الحمل لجميع الضواري، فقال له: إن كيف حمل البازي غير حمل الضواري، وإن يد حامل البازي تكون مثل الميزان. وذلك أن يكون راس البازي مقابل أذن الحمال، وأن تكون يده خارجة عن جسده بحيث لا يصل إلى البازي شيء من كتف الحمال، بل يكون كأن في جنبه دمل وأن في سائر أحواله لا يغفل عن بازه، ولا يحط يده إلى الأرض ليأخذ شيئاً، فإن أمن ذلك فلا يعطي الحاجة إلا من خلفه، ولا يقف على يساره أحد من الناس، ولا يمشي مع أحد إلا أن يكون الباز على يسار من يماشيه، ولا يغفل عن البازي من كلب يأتيه من ورائه، وهو لا يعلم ولا ينقله من يد إلى يد إلا بطعم إلا ساعة الصيد في تلك الساعة وإذا سلمه إلى الذي يتصيد به، وهو راجل والذي يتصيد به راكب فحسن، ولا يسلم الباز إلا على هذه الصورة، ولهم في ذلك طرق معروفة، وإذا أفرغ من الطعم أمض به إلى الماء إلى أصلح الأماكن وأطيبها، فإن لم ينزل الماء وإلا ارم في الماء حصى صغاراً، بحيث تحرك الماء حتى يراه، فإن ذلك يطيب للبازي والبازي يحب القعود في الماء، فإذا شرب وخرج فخذه ٤٠ أإلى يدك فإنه غير محتاج إلى الماء، وإن كان يستحم فلا تقربه إلى أن يخرج عن الماء بنفسه، ثم أقم له يدك ليطلع عليها، واحمله عن الماء خطوات ثم شده على القفاز، واجلس قريباً منه حتى تعلم أنه قد نشف وتمشق وتدهن وتنفض، ولم تره يولع بجسمه، فخذه على يدك وسر حيث شئت، ولا يكلف حمال الباشق في الحمل إلى ما كلف حمال البازي في أن يجعل يده معلقة عن جنبه بل يكون عكسه لاصقاً بجنبه، ويكون جنب الباشق إليه، وأن يقوم يده بحيث أنها تكون قائمة في جنبه كأنها مخلوقة لذلك. وأنه متى ما وثب باشقة يلين يده مع وثبة الباشق قليلاً ثم يدير يده إلى ورائه بمقدار ما يحسن الباشق، فإنه يرجع، والباز كذلك إلا أنه يشد يده بمقدار قوة الباز ولا يجاذب الباز، فإن ذلك وبالاً عليه، وليس من طبع البازي ذلك ولا غيره.
ولكن منها ما هو أقوى في الجذب، وليس في ظهره قوة الرجوع، وهذا طبع الشاهين والصقر، وذلك من رخاوة ظهره وقصر رجليه وطول جناحيه، وليس أصفر العين كذلك، ولا يجوز أن يرد هذا رد الباز ولا يرد البازي رد هذا.
باب ما يشد عليه البازي في السفر وما يشد عليه في الحضر
قال أصحاب التجربة: إن البازي لا يصلح له من الأشياء إلا القفاز، وهو مما استقرحه العجم، ولم يكن للبازي غيره، وأما في الحضر فإنه لا يصلح له ذلك إلا في الأوقات التي يشد فيها على الماء وأما ما يشد عليه الصقر والشاهين في السفر الموقع، ومتى ما شدّ الباز على الموقع تكسر ريش ذنبه وهلك وتغير تفريسه. وفي البيوت تصلح للباز الكندرة، وقد تقدم ذكرها وتربيتها وقياسها، وأن يكون عن الأرض ارتفاع ذراع وأطول وتسمى الكندرة المشمسة، وفي العراق يقال لها: الهردي، وللعّاب اصطلاحات في بناء الكنادر في البيوت، يطول الكلام عليها، ولا فائدة في ذكرها إذ قد علمت.
قال محمد بن منكلي، ستره الله: ولا ينبغي أن تحمل الضواري وحاملها جنب ولا سكران، فإنه إذا سكر ربما صاح في وجهها فأفسدها، ولا يصلح للبازيار شرب المسكر ولا لغيره والمجنون مثاب، وصاحب الشراب مأثوم، نسأل الله الحفظ، ولا يجامع بحضرتها وهي تراه، فلعله يحدث عندها شيء، ولعله قد ذكر النهي عن ذلك في كتب القدماء من حيث الخاصية لا من حيث الضوابط الشرعية، وسوف أكشف عن ذلك كشفاً شافياً إن شاء الله تعالى.
وأما الذي تقتضيه الضوابط الشرعية أن النهي ورد بكراهة ذكاة الجنب، وأيضاً ذكر العلماء أنه ينبغي للجنب إذا أكل ولابد فإن يغسل فمه. أما الجواز فلا نزاع فيه.
حدثني بعض العلماء أن والده خرج من بيته لشراء حاجة موجودة من دكان العطار، فقيل له ما هي عندي، فتوجه إلى غيره، فقال كالأول، فجاء إلى ثالث، فقال: كالثاني، فجاء إلى رابع، فقال كذلك، فقال: سبحان الله هذه الحاجة موجودة ولا قيمة لها، فكيف هذا الأمر، فرجع واغتسل وخرج فطلبها فوجدها عند بعض من قال له من تلك العطارين. فقال العطار: أنت قلت من ساعة ما هي عندي.
فقال له: لعلك كنت جنباً، قال: نعم، وهذه حكاية غريبة.
стр. 41
وأما من ذكر من العلماء رحمهم الله تعالى في كراهة نوم الجنب فكثير والجواز معلوم، ولو ذكر التفصيل في ذلك، وفعل النبي ﷺ فيه ليخرج عن ما الكتاب بصدده، ومن الله تعالى يسأل التوفيق والتوبة.
باب كيفية إرسال الصقور على النعام والحيلة في صيدها
قد علم أن النعام من حيث تنظر الشخص أو الفارس لا تزال تعدو إلى أن تواري نفسها، وهي تعدو الفرسخ والفرسخين، فإذا عاينه من يرسل عليه، كشف رؤوس الصقور، وأرسل وركض هو وأرسل الكلب المستريح، وأقل ما يرسل عليها خمسة منها، واحد للرأس ولوسط الرقبة وللركبتين صقران والكلب والأكثر ستة، ثلاثة للرقبة صقران لكتفين وصقر للركبة مع الكلب المستريح، والكلب لعله يأتي لمكان الخلو، وهو أحد الركبتين.
وينبغي أن يكون الكلب طويل النفس، مجنس ما بين السلوقي والزغواني، وقد تقدم ذكر الكلاب ونسبتها، فإن الصقور إذا واصلت إلى النعام تعلقت في رقبتها أو رأسها لحق الكلب، وهذا أهون ما يكون على الصقور، لولا أنها تجعل من بعيد.
وأما الحيلة في صيدها، فمن أهون ما يكون إن شاء الله تعالى.
قال أصحاب التجارب: يحتاج من التمس النعام إلى أن يعلم أن أشد ما يكون عدوه وأسرعه إذا استقبل الريح، وكلما كانت الريح أعصف كان حصر النعام أسرع، ومن عرف هذا احتال لانقطاعها عنه وأخذ الريح عليها حتى يظفر بها، وهي أشد الوحوش نفاراً، وتصاد بالخرق السود تعلق في مواضعه، فإذا أحست بالخرق السود وزال ذعرها، لبس القانص ثوباً اسود وانتصب له قائماً، فإنه لا يستوحش منه، فيصيده، وتكون الخرق معلقة مربوطة بقوة على خشب أطول من القامة قليلاً، والخشب مؤبدة في الأرض.
قال محمد بن منكلي: ولا بأس أن يوضع حول تلك الأخشاب ما تكون النعام تلتقطه وتستطيبه، وربما ترسل الصور والكلب والحالة هذه وتصاد في زمن الصيف لانسحاق خفها، وتساقط ريشها، وكثرة لحمها وسمنها، وتدركه الرجالة فتصيده.
ومما جرب أن الحديد الذي يبتلعه النعام ويخرج، يعمل منه سكين أو سيف لم يكل، ولم يقم له شيء.
عظمه: أكله يورثه السل. مرازله سم، وإن عمل من جلدها سمكة وجعلت في جام فيه خل سبحت فيه.
قال الفقيه محمد بن منكلي، غفر الله له: أردت أن لا أخلي هذا التأليف من ذكر النسر والحدأة والرخمة، وذكر خواصهم، لأنهم من جنس الضواري.
قال أهل التجربة: إن الحدأة تبيض بيضتين، وربما باضت ثلاثة، يخرج منها ثلاثة أفراخ وهي تحضن عشرين يوماً، وإن الحدأة لا تصيد وإنما تخطف، وفي طبعها أنها تقف في الطيران، وليس ذلك لغيرها.
قال ابن وحشية: إن العقاب والحدأة يتبدلان فيصير الحدأة عقاباً، والعقاب حدأة.
ويقال إن الحدأة أحسن الطير مجاورة لما جاورها من الطيران، ولو ماتت جوعاً لا تعدو على أفراخ جيرانها ويروي في الأخبار، أن الحدأة كانت من جوارح نبي الله، سليمان بن داود، ﵉، وإنما امتنعت من أن تألف أو تملك، لأنها من الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، ولو كانت مما يصاد بها لما كان في الكواسر أحسن صيداً منها، ولا أجل ثمناً.
وفي طبعها أنها لا تخطف إلا من يمين من يخطف منه دون شماله، حتى يقال أنها عسرى وليس فيها لحم، وإنما هي عظام وعصب وجلد وريش.
خواص الحدأة: إذا سحقت مرارة الحدأة وذرت في موضع فيه حيات يموتون، وإذا جففت هذه المرارة وسحقت، واكتحل بها من لسعه العقرب في الجانب الذي لسعت فيه، فإن الوجع يسكن، وكذلك يفعل في لسعة الزنبور.
دمها: إذا سحق بخل ودهن وطلي به على الجذام والبرص أزال ذلك.
وإن شوي قلب الحدأة، وأطعم لصبي هرج شجاعاً قوي القلب، وإن بخر بشيء من جناحها في بيت فيه سراج وفيه جماعة لم ينظر بعضهم بعضاً وأظلم البيت، وإذا صلبت في بيت ذهب منه الحيات والعقارب، قاله ابن زهر في خواصه.
وإذا سحقت مرارة حدأة، وجعلت في سلة الحاوي، قتلت ما فيها من الحيات.
стр. 42
مرارة الحدأة: إذا ذبحت وأخذت مرارتها وجففت في ظل، ويختم عليها في قارورة بحيث لا يقربها جنب ولا ضامت، فمن أصيب بأفعى أو عقرب أو أي ذوات السموم، كان على اختلاف أنواعها، فيحك من المرارة بماء عذب على صدفة، ويكتحل في العين المخالفة للجانب المصاب ثلاثة أميال، برئ في المكان، ويسعط محكوكاً بالماء لمن عضه كلب كلِبَ يبرأ بإذن الله. ويكتحل بها للبياض في العين المظلمة أيضاً.
ويروى أن حدأة شكت زوجها لسليمان بن داود ﵉، فقالت: يا نبي الله إن زوجي لا يقربني، فقال: يا نبي الله كذبت، فقال له نبي الله: إن أنت واقعتها فصح فهو من ذلك الوقت وإلى الآن إذا أسفد صاح.
باب ذكر النسر وخواصه وطباعه
اعلم حفظك الله، إن النسر ليس بذي مخلب، وإنما أظفار حداد كالمخاليب، لأن المخلب ما قبض به صاحبه كقبض الصقر والبازي، وهو يسفد كالديك.
وزعم المجربون أن الأنثى تبيض الذكر إليها، فتجري حركة الشهوة للسفاد منها مجرى السفاد، فتلذ بذلك، وهي لا تحضن، وإنما تبيض في الأماكن العالية الضاحية للشمس، فيقوم حر الشمس مقام الحضن، وينسب النسر إلى قلة المعرفة والكيس والفطنة، ويوصف بحدة حاسة البصر حتى أنه يرى الجيفة فيما يقال من أربع مائة فرسخ، وكذلك حاسة الشم إلا أنه إذا شم الطيب مات.
وهو أشد الطير طيراناً وأقواها جناحاً، يقال إنه يطير ما بين المشرق والمغرب في يوم واحد، وتخافه كل لجوارح، ولا يقوم له شيء منها وهو شره.
فإذا سقط على الجيفة وامتلأ منها لم يستطع الطيران، حتى يثب وثبات إلى أن يدخل تحت الريح، وكل من أصابه بعد امتلائه ضربة إن شاء بعصا أو ٤٢ أبغيرها، فربما صاده الضعيف من الناس، وفي طبعها أن الأنثى تخاف على بيضها من الخنافس فتلهم إلى أن تفرش في عشها ورق الدّلب لتنفر منه الخنافس، وهو مثل اليمام إذا فقدت الأنثى الذكر امتنعت عن المطعم والحركة أياماً، وتلزم العيش، وربما قتلها الحزن عليه، وهو أطول الطير عمراً، يقال إنه يعيش ألف سنة وهو ألوان، منها: السود البهيم والرمادي، وذكر أن طائراً يسمى البلح يصيد كل طائر، ولا يقرب جيفة ولا ميتة، والنسر أعلم الطير بعد البلح.
خواص النسر
مرارته: إذا اكتحل بها من فد نزل الماء في عينه سبع مرات بماء بارد، وطلي حول العين منها نفعه ذلك بقدرة الله تعالى.
دماغه: يذاب بشيء من قطران خالص وزيت ويسعط به صاحب الجذام الذي قد تنثر الحاجب منه يبرأ بإذن الله تعالى.
مرارته أيضاً ودماغه: يؤخذ منها وزن دانق، ويذاب بثلاثة قراريط قطران، وأربعة قراريط قار ويسعط به للمرة السوداء التي قد خالطت الدماغ ينفعه ذلك جداً.
والمرارة: إذا اكتحل بها قطعت الدمعة من العين.
شحمه: يذاب ويصير في الأذن فاتراً يمنع من الصمم وثقل السمع.
لحمه: يطبخ ويخلط معه ورس وملح وكمون أبيض وعسل، ويرفع في إناء ينفع للسع الدبيب والهوام فإنه عجيب.
قلبه: إذا جفف وشد على يد فإنه جاه.
عينه: تشد على العضد تكون أماناً من الجن.
باب ذكر الرّخمة وطباعها وخواصها
وتسميه العرب الأنوق، وتضرب المثل بامتناع بيضها على من رامه، فيقولون "أعز من بيض الأنوق" وفي طباعه، أنه لا يرضى من الجبال إلا بالوحشي منها، ومن الأماكن إلا بأسحقها، ويقال أن الأنثى منه لا تمكن من نفسها غير ذكرها، وأنها تبيض بيضة واحدة، ويقال: إنها لا تبيض عن سفاد بل بالمذافة. ومن عادتها إنها تحمي بيضها وتحمي فراخها.
خواصها، ريش الرخمة: إذا بخر به بيت طرد الهوام، وأما عظم رأسها، فإنه إن علق على من به وجع الرأس، نفعه بإذن الله تعالى. وأما كبدها إذا شد على جلد خروف وعلق على مجذوم نفعه. وأما مرارتها، إذا علقت على عين رمدة برئت، وأما دماغها إذا أخذ منه مجذوم سبعة أيام متوالية نفعه ووافقه بإذن الله تعالى، بطنها إذا جفف وخلط ٤٢ ببملح داراني وشرب ومسح به الذكر نفع من سلس البول، وأما عظم صدغيها الأيمن: يعلق به على صاحب الصداع في الجانب الأيمن يبرأ بإذن الله. وكذلك يفعل في الجانب الأيسر للأيسر.
عينها اليمنى: توضع في خرقة وتعلق على العضد، وهي قبول للسلطان.
باب ذكر جناح الطير
стр. 43
قال أهل التجربة: الجناح عشر ريشات، يقال لها الأولة، وأول ريشة في الجناح تعرف بالسكين وأما الشاميون، يقولون النيم وهي السكين بلغة أهل العراق، والنيم أيضاً لغة لعجم، وكل مصيب، فأما العراقيون فقاسوها بالسكين إذ تشبه من نصفها لشلف السكين، والباقي كالنصاب، وأما العجم جعلوها نيماً لأنها مثل نصف التي تليها وهي الثانية، وقياس العراقيين أبلغ، والنيم ليست إلا للبازي فقط، وباقي الضواري لا تشف عن الثانية إلا قليلاً، وإن قيل أنها في سائر أصفر العين، فصحيح.
وأما الجناح، فيقال له السكين، إلى التاسعة، والفارقة هي التي تفرق الجناح من الخوافي، ولا يقال العاشرة إلا في الحمام، وهي لغة أهل الحمام، وما سميت الفارقة إلا أنها تفرق الجناح من الخوافي، ولو سموها لعاب الحمام. الفارقة لما أخطوا.
وقال لعاب الضواري: قد علمنا إنها عاشرة الجناح غير أننا إذا قلنا عاشرة الجناح قد جعلنا أن الجناح أكثر من العشرة، وقد سبقت القدماء بذكر كل نوع منها بذاته.
وقيل إن القوادم هي التي تحمل الطير جميعاً، ويحمل الجميع الذي خلق كل شيء لا إله إلا هو اعلم أن الجناح غير الخوافي، والخوافي غير الجناح، وصح أن الجناح هو ما يمكن أن يطار به ونظر في جميع الريش إذا سقط منه شيء ما تقل بسقوطه منه الطيران من اللواتي لا يسقط كالغير، فوجد في جميع الريش إذا سقط منه شيء ما ثقل الخوافي جميعها إذا سقطت لم يزل الطائر يطير، وإذا سقطت من الجناح فهي القوادم من السكين، وهي أول الجناح إلى الفارقة وهي التي تفرق الجناح من الخوافي وأقصاها ثلاث ريشات، فإذا زالت لم يقدر الطيران الطائر وقد يزول ذنب الطائر بكماله وهو يطير.
باب تضحيك الملوك
إذا أريد ذلك يعلم الصقر على هيئة من يختار من غلمان الملك: يحكى أنه كان في بلاد الحلة في زمان دبيس بن مزيد ملك العرب وزير له يسمى ابن طراد، وقيل اسمه طيب وكان لقبه جمال الدين، وكانت جامكيات الحاشية عليه وكان في جملة البازيارية رجل يسمى حميد الشهير بالمواليا، كانت جامكيتة على الوزير، وهو يدافعه بنعم إلى أن بلغ منه وأضجره، فأخذ حميد البازيار خمسة صقور وأضراها على صورة جمال الدين الوزير إلى أن كملت، وهو مع الملك في الميدان، فتقدم واستأذن الملك أن ترسل عليه تلك الصقور، فأذن له على سبيل الاستهزاء، فمضى وأرسل الصقور الخمسة وهو قريب الملك، فأقبلت الصقور على الوزير، فبدره منها صقر ورمى عمامته عن رأسه، وانتشب الأخرى في عنقه فتردى عن بغلته. فقال الملك: لا يخلصه إلا حميد البازيار، فنزل، حميد غليه، وكل صقر في طرف من أطرافه، فقال الوزير لحميد: خلصني ولك عندي جميع ما تريد، فخلصه، فأقبل إلى داره ونفذ إلى الملك أن يقيله من الوزارة، فأبى الملك ذلك. وقال له: إن كنت تريد حميدأً، فاصنع به ما شئت، فأبى ذلك، وطلب الوزير حميد، وأعطاه جميع ما عليه وأعطاه البغلة وخمسين ديناراً، وقال له: لك علي كل سنة هكذا حين حكمني الملك فيك، وهذا لا يجوز أن يعمل إلا بأوباش الناس، وهذا العمل ليس بعيب، فقد فعل مثل ذلك خلق كثير بين يدي الملوك مثل أصحاب الموصل وفي بغداد وفي بلاد العجم، وهذا مستفاد من بين الملوك، ومن عمل عليه هذه الصقور، فليعمل على رأسه ورقبته ما يستره من المخاليب، وإذا وقع فليقع على وجهه خوفاً على عينه.
حدثني الأخ سيف الدين تمربغا الأحمدي تغمده الله تعالى برحمته أن ببلاد التتار من يعلم طيور الجارح على ما يختاروه مثل الأيل وغيره، فسألته عن الكيفية، فقال: يعلموهم على أعين الحيوان المطلوب، يوضع على أعينها قطع اللحم.
باب الصيد بالشرك لسائر الوحش والطير عرضاً على المسامع المصونة ما قاله الأستاذ عيسى الأسدي رحمه الله تعالى
стр. 44
قال يصاد الغزال والأرنب بالشبك، وكل شركة معروفة، ولها قدر، فأما شرك الغزال فإنه يكون من العقب، ويكون له في حبل واحد، المائة عين والمائتان وأكثر تنصب في المراعي، وفي الطرقات وعلى المشارع، ولا تنصب إلا في الأماكن المعشبة حتى يخفى الشرك بالعشب وإن كانت الأرض تربة تغطى بالتراب، ويثقل في كل ثلاث باعات أو أربعة بحجر لئلا ينكب إذا جذبه الغزال، ولا يثقل بحيث لا يقدر الغزال أن يجذبها بل إذا حصل الغزال في شيء من الأعين جذب الجميع من أماكنها، بحيث يكون في الجميع خمسة أرطال يعني الرطل المصري، والشرك خمسة أرطال إلى ما هو أكثر من ذلك، وكلما كان في الشرك ثقلاً أخف الحجر، وينقل من مكان إلى مكان لئلا ينكره الغزال.
وصيد الغزال بالفخ، فأما صيده في الطرقات فهو أن ينصب الفخ في الطريق الذي له كما ينبغي، فهو أن يخفي الأثر ويستر الفخ بما استطاع، ويكون الفخ بما يثق به من أن يلين فلا يرجع السهم الذي فيه إلا أن يكون الشرك الذي له سمك الإصبع إما كتان أو قطن أو شعر، وإن كان حريراً لا بأس، ولكن يكون أدق من الجميع، ثم يكون في طوله باعاً منه الدائر على كفة الفخ شبرين ونصف، يعلق على رأس السهم بعروة من خيط دقيق عن مقدار شبرين ونصف، فإذا قام السهم جذب ذلك المقدار معه من على رأس الكفة جذبة شديدة، بحيث يحفظ على رجل الغزال، وباقي الشرك في أسفله طول شبر وعقد، يحفر لها حفيرة في الأرض تحت الفخ طول ذراع. ضيقة الرأس، وسيعة الأسفل، فإذا صاد غزالاً وذبحه وأخذ دمه في شيء، وأخذ عند شق بطنه الروث في آنية، وقلب عليها الدم وخلطهما، ثم مضى به الصياد إلى مظنة الغزال، وجعله على أي مكان اختار من الأرض، ونصب عليه الفخ والفخين بالقرب منه عن ذراع أو أكثر، فإن الغزال يشم ذلك ويقصده ويخور عليه مثل البقر، وهذه حيلة جيدة.
وأما صيد الغزال على البعر، فإن الغزال إذا عاين مكاناً فيه بعر، يعبر عليه، ويكثر الشم منه، فإذا نصب عليه الفخ صيده عليه، وكذلك يصاد في المرايغ والمشارع، وينصب المنجل مثل ما ينصب الفخ إلا أن المنجل يكون شركه أرق، لأنه يتبع الغزال، ويكون مقدار طول الشركة التي تدور على الكفة شبرين ونصف، ومنها مقدار نصف ذراع أو أقل مشدوداً في المنجل، ومقدار طول المنجل شبر وأربع أصابع، يعمل لها مثل القبضة خشبة قوية والمنجل خارج الطرفين من تلك الخشبة والشركة مربوطة في تلك الخشبة، وتكون الكفة التي تدور عليها الشركة في دور كفة الفخ إلا أن هذه خلاف تلك الكفة، وذلك أنه يعمد إلى خيط ليف فيعمل منه حلقة وسعها شبر وينحت له خلالات دقاق الرؤوس، غلاظ الأسافل على هيئة الأوتاد إلا أنها أخلة ويكون من أصلب الخشب، طول كل خلال منها ما إذا أجاز منها في تلك الحلقة خلالاً، وأجاز مقابلته آخر النقب الرأسان بحيث يجيز فيها ما دار حبل الحلقة الملوي من هذه الأخلة خلال بجانب خلال والجميع تلتقي رؤوسها بعضها إلى بعض ما لا يجوز بينها رأس الإصبع، بحيث إذا وضعت على رأس حفيرة، وجعل عليها تراباً خفيفاً ما يخفيها عن أن ترى وتكبس بالإصبع مقدار وطية الغزال وما هو أخف من الغزال، فتنزل رؤوس الأخلة، ويعبر ذلك برأس الإصبع، فإذا نزلت رأس الإصبع، وقبضت رؤوس الأخلة على الإصبع، واشتالت الكفة، ولم تقع على الإصبع إلا بعد أن تنخرط تلك الزيقة التي هي دائرة عليها، فإذا تمكنت الزيقة وقعت الكفة، ولا يكون مع المنجل شيء آخر غيرها، بحيث إذا قفز الغزال من خوف المنجل ضرب المنجل رجليه وجنبه فيعطب، وغزال المنجل وغزال الفخ عاطب أبداً، وغزال المصائد، وهي التي تبني في الجبال تسمى الصير، وغزال الشرك سالم، قال بعض الشعراء:
قد أغتدي قبل وجوب الفرض ... والجفن قد ودّع طيب الغمض
طارقها في قلق ونفض ... يضرب بعض ريشه ببعض
باب صيد الأرنب بالشرك والفخ
стр. 45
قال الأستاذ: إذا أرت أن تصيد الأرنب بالشبكة، فأكثر لها العلف في زمان يباس الخضرة من الأرض، فاخلط الشعير في التبن ووطيه في المكان الذي تريد أن تنصب فيه الشبكة، وتكثر فيه الشعير والحمص، فإن الأرنب يعتاد ذلك، ويكثر التردد إليه، فإذا علمت أن الأرنب كثر عليهم فانصب عليه الشبكة وادفنها في التبن، وينبغي أن تكون الشبكة واسعة العين بحيث لا يخرج رأس الأرنب منه، فإن الأرنب إذا خرج رأسه من مكان جاز جميعه فيه، فإن أكثر الأرنب اقلب الشبكة عليه، وشد الجذب في بعض الأوتاد ليتجنب الخوف من أن يرتفع الحبل الذي عليه قيام الشبكة، وينبغي أن تكون الشبكة كثيرة العرض حتى يكون على ما تحتها فضلة، وكلما كانت رخوة كان الصياد آمن من أن يخرج ما تحتها، وأما من أراد أن يصيد الأرنب بالفخ فله أن يعمل في المواضع التي يطرقها الأرنب في الرعي، ويقطع عليه الطرق بالشرك، ويخلي له أبواب بمقدار ما يجوز الأرنب فقط، وفخ الأرنب مثل فخ الجمل والدراج إلا أن هذه تكون الخراطة أقوى.
باب صيد الغزال بالشبك
قال أصحاب التاريخ: إن أول من تصيد بالشبكة المتوكل، وقيل للمعتصم، وكان للمستنجد بالله شبكة ولا يصلح أن تكون الشبكة إلا لسلطان، ولا يزيد ما تحمل عليه الشبكة إلا بكلفة أنها تكون عشرين حملاً، وأكثر من ذلك، وكان المستنجد بالله يتصيد بها في أرض يقال لها الأحمرية لأنها كثيرة الغزال، وهذه الشبكة تقوم على أعمدة كما تقوم سقاق الخيمة، ويكون لها زاوية طويلة. إذا انتهى الغزال دخل في تلك الزاوية، ويكون في تلك الزاوية أكمام إذا دخل الغزال فيها لا يقدر على الخروج إذا نطح الشبكة، ويكون لها جناحان كلما جاءت أبعدت بعضها عن بعض إلى أن تأخذ من الأرض مد البصر، والخيل تحوي الغزال من كل جهة، حتى إذا وجد الغزال له السبيل في وسط الشبكة، وهو الباب المفتوح، دخل الجميع فيها، أمرت الرجال الذين معهم طرفا الشبكة بأن يميلوا إلى الوسط، وتكون أول الشبكة على بغلين عليهما غلامان عند الرأسين، وفي كل جوكة من الجوكات التي يسار بها رجال ركبان، كل رجل معه جوكة يمشي وراءه ببكرة إلى أن تلتقي الرأسان، فإذا التقت الرأسان دقت خلف الجوك الأوتاد وخليت قائمة، ودخل من يريد أن يتفرج هو ومن أراد فيصيد جميع ما فيها إن شاء، وإن شاء قبض، وهذا لا يفعله أحد إلا صاحب همة. ومبدأ، هذا من العراق، وقيل أول من عمل المصائد والصير لصيد الغزال، ملك كان قد جمع الوحش في مضيق فلزّ الغزال فيه، وكان هناك مكان منخسف كالبئر، فصار الغزال يقفز ذلك المكان، فيقع في تلك البئر إلى أن صار فيه غزال كثير، فقال الملك: لو عملنا مثل هذا لوقع فيه الغزال، فأمر من يعمل له مثل ذلك من الصير والزوايا، فحفرت فيه الآبار، ورفعت حيطان وهي المصائد.
قال محمد بن منكلي: أما الشباك المذكورة والمصائد فإن عملها في زماننا ممتنع، وما ذكرت في هذا التأليف المختصر إلا لتذكر في هذا التأليف، ويقرأ القارئ ذكرها والله الموفق بفضله.
باب قتل المؤذيات من سبع وغيره
قالوا: ومن أراد قتل المؤذيات من السباع فلينصب له قوسين على باب صيرة، ويجعل في تلك الصيرة رمة مربوطة وثيقة، ثم ينصب قوسين من أقواس الرمي كالقوس في حد من حدود تلك الصيرة، مفتوح في كبده سهم مفوق، وللسهم مجرى يجري فيه، حتى لا يخطئ ذلك السهم، ويجعل الوتر في عصفورة كما يفعل بقوس الجرخ، ويجعل بفتح العصفورة خيط يعمل في العصفورة من تحت القالب، ويكون رأس الخيط في القوس الآخر بمقدار ما تعمل السهمان، تلتقي إذا فقس القوسان، ويجعل الخيط في الباب، ويجعل قدام البيت حجارة مبنية إلى صدر الأسد، والخيط قدام ذلك بذراع واحد، بحيث أنه إذا وصل السد، وقفز تلك الحجارة جاء بحدته، فأخذ الخيط في طريقه فانفقست القوسان عند جذبه الخيط، وكان فيها هلاكه إن شاء الله تعالى.
وقد ذكرت في هذا طرق وحيل الصيد كثيرة.
باب في كيفية الزجر حين الخروج إلى الصيد
قال المؤلف: وقد علم بحمد الله أن الزجر لم يكن له أصل من جهة شرعياً، وإنما هو أمر قد اعتمده القدماء.
стр. 46
وأردت أن أذكر فيه ما اعتمد عليه الأولون، ليكون تأليفي غير خالٍ مما ذكر حتى قالوا: يعتمد على ذلك من جهة مباشرات الحواس البصرية والسمعية لرؤية الأشخاص الفلكية والحيوانات الأرضية، ومن جهة مباشرات الحواس السمعية للأصوات المسموعة من المزجور عليها ليكون ذلك أدل مما يحاول في هذا الضد، حتى أنهم قالوا في الزجر على الكواكب في وقت الأشخاص للمتصيدات استعمال اليقظة والنظر علواً وسفلاً، فمتى رأى كوكباً متقدماً أو متأخراً، وهو كالسانح. ثم رأى بعد ذلك عائداً إلى ناحية الشمال دل على قلة الصيد، وإن نيل منه شيء فنزر وإن رأى بعد ذلك عند الدنو من المتصيدات كوكباً سانحاً كان ذلك دليلاً على كثرة الصيد والظفر به، فيكون نزراً، وإن كان الأمر على خلاف ذلك كان المنال منه كثيراً.
باب الزجر على الثلج
ومتى رأى الثلج مستقبلاً ومستدبراً وساقطاً من جهة الشمال، فدليل على وجود الصيد، وينال منه نزر يسير والله تعالى أعلم.
باب الزجر على العقبان
إذا رأى عند الدنو من المتصيدات عقاباً نازحاً أو واقعاً من ناحية الشمال، أو كان نازحاً ثم عاد بعد ذلك إلى ناحية اليمين، فدليل على وجود الصيد، فإذا رأى عقاباً سائحاً فدليل أيضاً على سهولة الصيد.
وقد يزجر على كثير من الجوارح الوحشية حسب ما يزجر على العقبان.
باب ما يزجر على الغراب الأبقع
قالوا: إذا رأى عند الدنو من الصيد غراباً ساقطاً من ناحية الشمال، فدليل على الظفر، بالصيد إلا أنه نزر يسير وقد يقع على سائر الغربان ما يقع على الغراب الأبقع.
باب في الزجر على الكلاب
قالوا: وإذا رأى عند الدنو من الصيد كلباً مجتازاً من ناحية الشمال دل على الظفر بالصيد والسرور به، وإن كان الكلب أحمر اللون، كان أجود الألوان في الزجر.
باب في الزجر على الثعالب
قالوا: وإن رأى ثعلباً عند الدنو من الصيد مستقبلاً سائحاً أو نازحاً مستدبراً، وهو يصيح، ثم رأى عائداً إلى ناحية الشمال أو رأى ثعلبين مستقبلين أو مستدبرين من ناحية اليمين أو الشمال أو هما مدمني النظر إلى كلاب الصيد، فدليل على قلة الصيد والظفر به والله أعلم.
باب في الزجر على الظباء
قالوا: وإذا رأى عند الدنو من المتصيدات ظبياً مقبلاً أو سانحاً يعني معترضاً أو مستدبراً أو رابضاً في الناحية اليمنى أو مقبلاً نازحاً بمعنى بعيداً ثم رآه عائداً إلى ناحية الشمال، أو رأى ظبيين قائمين مستقبلين برأسيهما أو مستدبرين بذنبيهما يميناً أو شمالاً، فإن ذلك دليل على جودة الصيد والظفر به، إن شاء الله تعالى.
فهذه جملة ما وقعت الأوائل عليها من حيث التجربة وبالله التوفيق.
باب في الأسماء التي يتفاءل بها الصياديون
وقد قيل: إن من الناس من يرغب في هذا كثير، مما يتفاءل في الأسماء الصالحة الموافقة، ولا سيما أهل المصائد والطرائد.
ومن عادة الصياد إذا خرج إلى الصيد أن يتسمع من يصيح من ورائه بالاسم الذي يرضيه وهو ن ٤٦ أيقال يا صالح، يا صلاح، يا مصلح، يا مفلح، يا نجاح، يا منجح، يا فلاح، يا مسعود، يا سعيد، يا سعادة، يا مساعد، يا معاضد، يا عاضد، يا منصور، يا نصر، يا ناصر، يا مقبل، يا عون، يا معين، يا مبارك، يا مباركة، يا سعيدة، يا راشد، وما شاكل ذلك، وقد قيل في المعنى: الفأل مقترن باليمن طائره والنحس منصرفٌ وليس بضائر.
وأرى سعوداً قد أتتك سريعةً ... فابشر بإقبالٍ وعزٍ ظاهر
وقد وردت آيات وأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: "تفاءلوا ولا تطيروا"، وقال: "الفأل موكل بالمنطق"، وقال: إياكم وذوي العاهات. وقال: من سمى ولده وأحسن اسمه فقد حببه إلى الناس، وقال: حسنوا أسماء أولادكم.
وقال خالد بن صفوان: خرجت يوماً مع السفاح إلى الصيد، وكان كثير الولوع بالضواري، وكان تلك الليلة قد شكا إليّ من كثرة إحرام ضواريه في الصيد، وإنه طلب التصيد والتفرد.
وقل: يا خالد آمر أن ينادى في لناس أن لا يتبعني أحد، فإنني أخجل من قلة عمل الضواري، فنودي في العسكر، أن ارجعوا فرجعوا إلا من اختاره السفاح، فسرنا غير بعيد.
стр. 47
فقال: إن سررنا في هذا اليوم بالصيد تصدقت لله تعالى بكذا وكذا، وكان قد اختار من ضواريه القليل، وترك الباقي في المخيم، وإذا بأعرابي ينادي بجارية به مع إبله: يا سعادة، يا سعادة، يا سعادة، فرأيت السفاح، والله كأنه أطلق من سجن، وقد فرح وتهلل وجهه، ثم قال: ويلك يا خالد قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: إني قد سررت بهذا الاسم، وإن ظني قد اتضح له أن الضواري تصيد في هذا اليوم جميعها.
ثم قال لبعض الغلمان: امض وآتِ بباقي الضواري ولا تخلي في المخيم منها شيئاً، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن هذا لعجب، كنت تشكو إليّ من الضواري وإحرامها، ثم أنت قد استبشرت بهذا الاسم، وغلب ظنك أن النجاح في هذا اليوم فقال: نعم، ستجد ما أقول لك.
فوصلنا إلى لمتصيد وجيء بما تبقى من الضواري فتصيدنا إلى أن مللنا الصيد، وحلف أنه تصيد بشيء من الضواري لم تكن قبل ذلك اليوم صادت شيئاً، فتعجبت من ذلك.
وخرج يوماً إلى التصيد فرأى غلاماً بدوياً صبيح الوجه، فقال له: ما اسمك، قال: مسعود، قال: دلنا على مكان الصيد، فدلنا، فصدنا ما شاء الله أن نصيده، ثم عدنا إلى المخيم، فأنعم على الأعرابي بما كان غناؤه فيه.
وخرج يوماً إلى الصيد، وإذ منادٍ ينادي: يا سعيد مرتين أو ثلاثة، ثم نادى: يا شقي، فقال السفاح: يومنا هذا أوله طيب وآخره رديء، فكان كذلك، لما وجدنا في آخر النهار من التعب وقلة الصيد ورداوة الضواري.
قال الأستاذ عيسى الأسدي، ﵀: إن بعض الناس حدثه ببغداد، قال: كنت مع صاحب لي فخرجت إلى الصيد، وكنت أتطير بهذه الأسماء والألوان، وهو بالضد مني ويهزأ بي، وأنا أحمل من ذلك الغيظ، قال: فوصلنا إلى بعض الطريق غذ مر بنا رجل أعور العين اليمنى يعرج برجله اليسرى، وعينه الصحيحة حولاء، فنظرت إليه ونظر إليه صاحبي، فتغير لوني وحركت رأسي، فقال لي صديقي: ما تقول يا فلان، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذه صفة ما رأيتها من عمري، فقال: سر ولا تهذِ، فسرنا غير بعيد، وقد ثارت ضبع، فركض عليها الغلمان، فوقع بعضهم فمات، فقلت: بالله ألا ما رجعت، قال: سر بنا ودعنا من هذا، فسرنا فوا الله لقد مر علينا أنحس يوم يكون حتى لقد ضاعت من الضواري خيرها، وهو يلح في الصيد، ولم يزل إلى أن رمى به فرسه فاندقت يده ورجله، ولم يفق إلا بعد حين.
ومن التفاؤل بالسماء التي أولها: كلاحق وملاحق ولازم وملازم، وفي الأشعار ما كان أول البيت:
ولازال سيفي مغمد في جماجم ... لأعدائهم والرمح في اللهوات
وكقوله:
لا والذي تسجد الجباه له ... مالي بما تحت ذيلها خبر
ولا بفيها ولا هممت بها ... ما كان إلا الحديث والنظر
باب في طرد المؤذيات من الأماكن والكروم وبالله المستعان
والمؤذيات المطرودة هي كل داعر من خنزير وضبع وذئب وثعلب وابن آوى وغزال وأرنب.
стр. 48
فمن أراد طردهن من مكانه أو كرمه أو قصبه أو زرعه، فليستعن بالله وليأخذ قدراً كبيراً من خزف ويخرق أسفلها حيث يدخل إليها يداه في دفعة واحدة، ويجعل سفلها بوسع رأسها وتكون القدر كبيرة لها جون وسيع ثم يرقم رأسها بجلد شديد، ويشد كما يشد رقم الطبل ويدعه إلى أن يجف، ثم يخرق وسط الرقم بشفا يعني مخرز غليظ، ويجيز من ذلك الخرم شيئاً من شعر فرس أطول شيء وأخشن شيء يكون من الرقم إلى جوف القدر ما يفضل عن القدر إلى خارج القدر من أسفلها، ويكون مقدار سمك الشعر خمسين شعرة إلى ستين، هذا المقدار لا غير ويعمل في أسفل الشعر ما يمنعه أن يجوز عن الرقم إذا جذب ذلك الشعر من داخل مربوط بحبل قوي ثم لا ينتهزه بالنهر لئلا يراه أحد أو يسمعه إلا في وقت حاجته إليه. وهو إذا انتصف الليل خرج إلى المكان الذي يريد أن يطرد عنه الوحش يجلس في وسط المكان سواء، ولف على كفيه ومسبحتيه خرقاً مبلولة، وكلما نشفت بلها، وأدخل يده في القدر من أسفلها، وقبض على تلك الخصلة الشعر، ويشد القدر برجليه الزوج، ويجر لك الشعر إلى منتهى الشعر، فإذا انتهت بيده أجاز يده الأخرى، وقبض قبل انتهاء اليد الأولى، وفعل مثل ما فعل بتلك اليد الأولى، بعد أن يكون قد خلاه من يده الأولى عند الانتهاء، واعتبار ذلك إذاً قل الشوط، فإنه متى فعل ذلك ثلاث ليال متواليات في نصف الليل وفي آخر الليل لم يدخل إلى كرمه أو أرضه شيء من المؤذيات بقوة الله تعالى، والسبب الداعي في تنفير هذه المؤذيات هو الصوت الذي يخرج من القذر المذكور لأنه يشبه أزيز الأسد، وهو أشد ما يكون، وإن أزيز الأسد يصل في الليل دون الفرسخ ويزيد مع العارف به ما يفعله في ترتيب الصوت الخارج من القدر.
ولا ينبغي أن يطنب به في كل ليلة غير تلك الليالي الأول، ولا يزيد على أكثر من ثلاث ليال والصواب فيه أن يكون ما يفعله يخرج أول الليل وآخره، وهو إذا مضى من الليل النصف الأول وآخر الليل الصباح الأول، وشرطه الكتمان وقليل فاعله، ومتى ما لعب به فسد الأمر وانكشف، ولا يفيد بعد.
والقنُّ يذكر نكتاً في الكتمان، قال نبي الله سليمان بن داود ﵉: ليكن أصدقاؤك كثيراً، ويكون صاحب سرك واحداً من ألف.
وقيل: إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه، فصدر الذي يستودع السر أضيق.
أما في وقتنا هذا، فيعسر كتمان الأسرار خصوصاً عند أصحاب القهوة، فإنه لا يجوز أن يستودعوا سراً بالجملة الكافية.
وأقول أيضاً: كل من له صبوة بصورة فمن المحال أن يكتم ممن يحبه سره، وقلة الثقة بالناس من أكبر السياسات كما قيل، رجل يساوي ألف رجل، وألف رجل لا يساوي رجلاً.
وكقول رسول الله ﷺ : "الناس كإبل مائة ما توجد فيها راحلة" كل ذلك يريد أن الفضل قليل والنقص كثير، نسأل الله الرشد والتوفيق والحفظ بمنه وكرمه.
والقنّ يمدح هذا الرجل الذي يكتم الأسرار بهذا البيت، وأكرره في العقول ليكون ذخيرة المأمول:
عذراً إليه فإننا من عجزنا ... وقصورنا عن مدحه نستغفر
ويرجع إلى ما استخير في تأليفه.
باب طرد الغربان عن الزرع
تؤخذ دجاجة سوداء لا بياض فيها، صادقة السواد، وتشد بخيط طويل وله مائتي ذراع، ترمى في الزرع، وتلزم طرف الخيط، وتجر في ذلك الزرع، فإن الغربان يخرجون من الزرع. وينبغي أن تكون الدجاجة صياحة.
باب في ترحيل الجراد عن الزرع
قال أهل الفضيلة: من دخل في زرعه أو كرمه جراد، فليأت إلى وسط الجراد ويزعق بأعلى صوته "جند الله"، فإن شاء أرسله نعمة، وإن شاء أرسله نقمة، ثم يزعق: "أيها الجند المطيع لله سألتك بأم الكتاب، وبمن هزم الأحزاب، وبمن أخرج الحبة من التراب، أسألك باسم الله الرحمن الرحيم بحم حم القرآن العظيم ألا رحلت عن أرضي وزرعي، فإنه يرحل بأمر الله تعالى، قيل في نعت جرادة:
وطيارة تمشي بساق كأنها ... عروس تجلت في عطاف معنبر
غدت في عداد الطير وهي منوطة ... بوجه حصان فيه شدق غضنفر
وقد رزقت بطن الشجاع وأعطيت ... قفا كجريان القميص المزور
حوت صوراً شتى قلله درهما ... لقد تيمت عقلي بأحسن منظر
باب طرد الفأر عن الزرع
إذا أخذت مرائر البقر ونقعت في ماء ثم يبل بذلك الماء ذلك البذر لم يقربه فأر.
стр. 49
وفي نجاة الدجاج من سنانير البر أنه إذا علق في باطن أجنحة الدجاج شيئاً من سذاب أو يطلي ظاهر أجنحتهن ورؤوسهن بماء السذاب نجت بقدرة الله من سنانير البر.
باب في طرد فأر البيت
قال أهل الحكمة: من سحق مرداسنج وهو المرتك بدقيق خشكار وجعله حرابل وأطعم لفأر البيت، فإنه إذا أكله يموت، وإذا أخذ رماد حطب البلوط ويطرح في أحجرتهن، فإذا وجدت ريحه أكلن بعضهن بعضا، وأيضاً إذا خلط تراب الحديد بعجين وطرح للفأر وأكله مات.
باب ترحيل النمل
قال الحكماء: من أخذ كراويا فدقت وصبت في أحجرة النمل، ويكتب في شيء ويعلق في زوايا الدار بسم الله الرحمن الرحيم، "إن كنتم تؤمنون بالله وباليوم الآخر، وبياسين وبما أنزل فيها، وأنشدكم بحق الله وحق نبينا ونبيكم، وما أنزل عليهما ألا تحولتم عن مساكننا".
باب في الاستعداد لدفع شر الحيّات
قال أضعف خلق الله تعالى: مؤلف هذا الكتاب محمد بن منكلي، عامله الله تعالى بلطفه: قصدت أن لا أخلي تأليفي هذا من ذكر ما لا يجوز للإنسان إلقاء نفسه لما يضره، وذلك أن الحيات بمنزلة السباع، إذ هي أكلة اللحم، وهذا لا شكّ فيه، وما فيها من العداوة للإنسان بالطبع وهي من ذوات الأنياب.
قال محمد بن إبراهيم بن يحيى الشهير بالوراق في كتابه مباهج الفكر مناهج العبر: وإنما سميت الحية حية لأنها تحوت أي اجتمعت، وتطلق على الذكر والأنثى، وهي أصناف كثيرة لا تحصى وشرها الأفاعي ومساكنها الرمال والجبال ويضرب المثل فيها بأفعى سجستان.
ومن التهويل في أمرها ما حكاه ابن شبرمة أن أفعى نهشت غلاماً في رجله فانصدعت جبهته.
ويحكى أن شبيباً دخل على المنصور، فقال: يا شبيب دخلت على سجستان، قال: نعم، قال: فصف لي أفاعيها، فقال: يا أمير المؤمنين، هي دقاق الأعناق، صغار الأذناب، مفلطحة الرؤوس رقش برش كبارهن حتوف، وصغارهن سيوف.
قال المؤلف: وقد قتلت من صغارهن ما أرجو به الثواب عند الله تعالى.
وقيل: إن من الأفاعي من يتسافد بأفواهها، فإذا أعطي الذكر الأنثى وقع كالمغشي عليه فتعمد الأنثى إلى موضع مذاكيره فتقطعها نهشاً فيموت من ساعته، فيبقى في بطنها حتى تخرج الأولاد وتموت الأم من ساعتها، فيكون طلبها للولد هلاكاً لها وللذكر. وذكرها يسمى الأفعوان يأتيها أيام الصراف فيصوت بها فتأتيه، وبيضها مستطيل أكدر اللون وأخضر وأصفر وأسود وأبيض وأرقط وفي بعضه نمش ولمع، وأما داخله فاسمج من الصديد.
والحية مشقوقة اللسان ولذلك يظن أن لها لسانين وتوصف بالنهم والشره لأنها تبلع الفراخ من غير مضغ كما يفعل الأسد، ومن عادتها أنها إذا نهشت انقلبت فيتوهم أنها فعلت ذلك لنزع سمها وليس الأمر كذلك، وإنما في نابها عضل، فإذا عضت استغرق إدخال الناب كله، وقيل أن لها ثلاثين ضلعاً ومن الخواص: إذا ضربت بالقصب الفارسي ضربة ماتت، وإن ضربت بسوط قد مسه عرق الخيل ماتت.
وليس في الأرض شيء مثل جسم الحية إلا والحية أقوى بدناً منه.
وتعيش في البر بعد ما صارت مدة في الماء.
ومن طبعها أنها لا تطلب الماء ولا تريده لغلبة الأرضية عليها، وفي طبعها أنها إذا لم تجد طعاماً تعيش بالنسيم وتقتات به الزمن الطويل.
وإن عينها إذا قلعت عادت وكذلك نابها يطلع بعد ثلاثة أيام، وكذلك ذنبها إذا قطع.
وفي طبعها أنها تهرب من الرجل العريان.
قال المؤلف: وهو المراد للاستعانة على قتلها، وقد قتلت ببيسان أصلة عظيمة كبيرة الرأس جداً وأنها لا يأتيها الرجل إلا منحرفاً عنها قليلاً لا مسامت لها، وينبغي أن لا يهمل أمرها حين المراوغة ورميت مرة سهام على شجاع منهم رقه رق الإصبع، ويكون طوله أطول من الذراع، وهو وثاب فرميت عليه خمسة أسهم اتقاءً لشره، وأنا أحترس منه، فأصيب في رأسه بسادس سهم، ورأسه صغيرة جداً قدر البندقية الصغيرة، فرأيته يروغ عن السهم كالرجال الحاذق، وقيل إنها ما تموت ومن أصنافها ما هو أزعر، وقتلت واحدة ببرية الفيوم، إذ فيها حيات كثيرة مؤذيات.
ومنها ما هو الأحمر، ومنها ما يسمى السود، ولم أر أجرى منه، وقد ركضت خلفه في حال صباي، وأنا على فرس قوي الجري، وبيدي سيف، فلم ألحقه إلى أن توارى بحجر ففاتني، واشر ما يوجد هذا الصنف في أرض مصر في أرض الزرع. وهذا الصنف يعظم جداً.
стр. 50
وإذا رأى الإنسان قصده، فإذا كان في الإنسان يقظة أخذ حذره منه، وقاتله إن كان معه سلاح، وهو يراوغ في قتاله كالمحتال أو لاعب الشطرنج يقصد من مقابلة وجهه، فإذا رآه قد اشتغل عنه بحفظها منه نهشه في غيرها، فاحذره ولا تتعرض له إلا إذا كنت قد مارست الأمر قبل ذلك، فإن نهشته والكفن. فإذا تقدمت إليه فلابد من لبس خفك في رجلك وهو كالمتآقف، فارم عليه بالضرب كالحمائلي، واخلف عليه المضارب، وأقدم عليه بمطرق طويل أو بسيف واستعن بالله في كل أمورك، وإياك والإعجاب بعلم أو عمل، فليس ذلك من أخلاق الرجال ذوي الهمم.
ومن أصنافها ما يسمى أصلة، وهو عظيم جداً، وله وجه كوجه الإنسان، ويقال أنه يصير كذلك إذا مرت عليه ألوف من السنين فيقتل بالنظر، وقالوا بالمسامته.
قال محمد بن منكلي: ومن حنان نبينا محمد رسول الله ﷺ على أمته أن علمهم التعويذات لتكون حرزاً لهم حرزاً من المؤذيات، فمن ذلك قوله ﷺ : "أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق".
وذرا وبرأ وأمر ﷺ في الصحيح، أن تستأذن حيات الدور بخلاف حيات البراري، فإن لم تروح وإلا قتلت، وجاء عنه وصح أنه قال: من نزل منزلاً ثم قال: بسم الله أعوذ بكلمات الله كلها ٤٩ أمن شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله، وقد جرب ذلك قديماً وحديثاً.
وحكي عن سلمان الفارسي، ﵁ أنه كان ليلة ينظر إلى بنات نعش إلى النجم الأوسط من الثلاثة، فيها نجم لطيف ملاصق النجم الوسطاني تسميه العامة السّها ويسمى أصلم، فكان إذا نظر إليه قال: اللهم رب أصلم صل على محمد وعلى آل محمد، وسلمنا ثلاث مرات، فسئل عن ذلك، فقال من قال ذلك أمن في ليلته من العقرب.
باب ذكر الطاووس وطباعه
قال المؤلف: قصدت أن أذكر الطاووس وطباعه لئلا يقال لم لا أذكره لأنه من جنس الطير، ولعل ذلك أن يحاط بما يذكر علمه، فمن الطاووس ما هو أخضر وأرقط وأبيض ويوجد في كلها التخيل، ولا تعرف هذه الألوان إلا في بلاد الزابج، وما عداها، وهو في طباعه كالفرس في الدواب عزاً وحسناً، غير أن الناس يتطيرون به ويكرهونه كونه في دورهم.
وفي طبعه العفة وحب الزهو بنفسه ولا تبيض أنثاه حتى يأتي عليها من العمر ثلاث سنين والأنثى تبيض في السنة مرتين كل مرة اثنتي عشر بيضة وأقل وأكثر ولا تبيض متتابعة، ويسفد في أول الربيع ويلقي الريش في أول الخريف، وهو كثير العبث بالأنثى إذا حضنت، وربما كسر البيض، ولهذه العلة يحضن بيضه تحت الدجاج، والدجاجة لا تقوى على أكثر من بيضتين منها، والفرخ الذي يخرج من تحت الدجاجة، قليل الحسن، ناقص الخلقة.
قال بعض الفضلاء: يغلب عبث الطاووس بأنثاه أوان حضنها غيرةً منه أن يخرج من البيضة ما يشبهه في حسن ريشه وبهاء خلقته.
قال أرسطو: إن الطاووس يعمر خمساً وعشرين سنة.
قال أبو الصلت بن عبد العزيز الأندلسي يصف الطاووس:
أبدى لنا الطاووس عن منظرٍ ... لم تر عيني مثله منظرا
في كل عضو ذهبٌ مفرغٌ ... في سندسٍ من ريشه أخضرا
خواصه
إذا رأى طعاماً فيه سم فرح ونفض جناحيه ورقص وبان السرور عليه، وإن طلي زبله على التآليل قلعتها.
وإن سقي المبطون من مرارته بالسكنجبين والماء الحار برئ بإذن الله تعالى.
باب ذكر طير الليل
أما الخفاش، فإنه يلد ما بين الثلاثة إلى السبعة، وكثير ما يسفد وهو طائر في الهواء، كما أن الظباء قد تتسافد في أهمى عدوها، وأسرع حضرها. ويقال أن له بين جناحية شيء مثل الكيس في ظهره يحمل فيه من الثمر شيئاً كثيراً وليس ٤٩ ب في الحيوان، يحمل ولده غيره والقرد والإنسان وفي طبعه أنه متى أصابه شجر الدلب خدر ولم يطر.
والكروان، من طير الليل، وفي طبعه الإدلاج والصياح بالأسحار والإشراف على مواضع العساكر ويوصف بالحمق، ومن حمقه يقال أنه إذا قيل له: أطرق كرا فيلتصق في الأرض حتى يرمى، وتقول العرب أطرق كراً، "إن النعام في القرى".
خواصه
لحم الكروان: إذا أكل زاد في الباه.
دماغه: يعجن بسمن بقري وعسل ثم يرفع في برينة ويؤخذ منه مقدار ملعقة عند النوم فيكثر الاتعاظ، وأما طير الليل فلعله يكثر في أرض دون أرض، هكذا ظهر في مخيلتي والله أعلم.
стр. 51
باب ذكر البراغيث وطباعها
قال المؤلف: وإنما ذكر من ذي الجناح لأنه من الحيوان الذي له الوثوب، وقد حكى الجاحظ، أن البرغوث من الخلق الذي يعرض له الطيران كما يعرض للنمل. والبرغوث مشاءً وثّاب. والوثاب من البراغيث لا يمشي وهو يطيل السفاد وتبيض ويفرخ، وهو يتولد من التراب لا سيما في المواضع المظلمة، ولا يوجد منه شيء منه في البلاد الحارة مثل صعيد مصر، ولا في البلاد الباردة الشديدة البرد، وقيل أذى البراغيث إذا البرى غيث، وقيل إذا نقع اسفيذاج الرصاص في الماء ورش في بيت امتنع منه البراغيث وأنشد:
ما للبراغيث أفنى الله عدتها ... من يلقى منهم ما لاقيت لم ينم
ذودهن بكف غير غافلة ... عن منكبي وعن جنبي وعن قدم
قال أضعف خلق الله تعالى مؤلفه: قصدت أن اذكر شيئاً في تأليفي من طبائع حيوان البحر ليكون تذكرة.
باب في ذكر التمساح وخواصه وطباعه
وهو أيضاً من المؤذيات فلأجل ذلك بدئ بذكره وهو لا يكون إلا في نيل مصر، وزعم قوم أنه بنهر في السند، لزعمهم أنه من النيل، وهو شديد البطش، ولا يقتل إلا من تحت إبطيه لأن السيوف لا تعمل في جلده، ويعظم إلى أن يكون طوله عشرون ذراعاً في عرض ذراعين ويفترس الفرس والإنسان وحركته في الرقراق، وإذا أراد السفاد خرج والأنثى إلى البر فيقلبها على ظهرها ويستبطنها، فإذا فرغ قلبها لأنها لا تتمكن من الانقلاب لقصر يديها ورجليها، وهي تبيض في البر، فما وقع في الماء صار تمساحاً، وما بقى في البر صار سقنقوراً.
ويقال إنه ليس له مخرج، وإذا امتلأ بطنه خرج إلى البر، ويفتح فمه، فيأتي طائر فلا يزال ينقر ٥٠ أبمنقاره حتى يأتي عليه أو على بعضه، فيكون ذلك غذاء الطائر وراحة التمساح، ويقال أن للتمساح ستاً وستين عرقاً، ويسفد ستين مرة، ويبيض ويعيش ستين سنة، ويوجد في سطحية جلده مما يلي بظنه سلعه كالبيضة دموية كنافجة المسك لا يغادر من رائحة المسك شيئاً إلا أنها تنقطع رائحتها بعد أشهر.
قال بعضهم:
أضمرت للنيل هجراناً ومثلبة ... مذ قيل أن التمساح في النبل
خواصه: شحمه: إذا عجن بشمع وعمل فتيلة وأسرجت في نهر لم تصح الضفادع مادامت الفتيلة.
وقيل: إنه إذا طيف بجلد تمساح حول قرية ثم علق على دهليزها لم يقع البرد في تلك القرية، وإذا عض التمساح الإنسان فوضع على العضة شحم تمساح برئ لساعته.
زبله: يزيل البياض الحادث والقديم، ورائحته مثل المسك، والقبط يقولون إنه المسك، وإن قلعت عينه وهو حي، وعلقت على من به جذام أوقفه بإذن الله تعالى، وإن علق شيء من أسنانه من الجانب الأيمن على رجل زاد في جماعه.
عينه اليسرى: لمن يشتكي عينه اليمنى وبالعكس، وإن مسح بشحم تمساح كبش نطّاح هربت منه الكباش وإن تعسر شحم تمساح فيؤخذ بدله شحم كلب بحري.
سقنقور: إذا عض إنساناً ولم يغتسل بالماء مات لوقته، فإن استحم الإنسان مات السقنقور.
ومن عجائب البحر لدلفين، يقذفه البحر المالح إلى النيل وهيئته كالزّق المنفوخ، وله رأس صغير جداً، ويقال: ليس في دواب البحر من لا له رئة غيره، فلذلك يسمع له التنفيس والنفخ، وهو إذا ظفر بالغريق كان أقوى السباب في نجاته، فلا يزال يدفعه إلى البر حتى ينجيه، وهو من أقوى الدواب المائية، ور يؤذي ولا يأكل إلا السمك خاصة، وربما ظهر على وجه الماء كأنه ميت. وهو يلد ويرضع وأولاده تتبعه، ولا يلد إلا في الصيف. وفي طبعه الدعة والاستيناس بالناس. وخاصةً بالصبيان، وإذا صيد جاءت الدلافين لقتال صائده، فإذا أطلقه لها انصرفت والكبير منها تتبعه الصغار ليحفظها، وهو إذا رام صيد السمك صار إلى الغمق في طرفة عين، وإذا لبث في الغمق حيناً حبس نفسه ويصعد بعد ذلك مسرعاً مثل السهم لطلب التنفس، وإن كانت بين يديه سفينة وثب وثبة يتجاوز بها إلى الناحية الأخرى ولا يرى ذكر إلا مع أنثى.
باب في ذكر السقنقور وطباعه
يسمى الحرذون البحري، ويقال له: ورل مائي، ومنه ما هو مصري، ومنه ما هو هندي، ويتولد في بلاد الحبشة، وأنثاه تبيض عشرون بيضة وتدفنها في الرمل، فيكون ذلك حضاناً لها، وجلده في غاية الحسن لما من التدبيج بالسواد والصفرة.
وقال التميمي في كتابه المرشد: لأنثاه فرجان ولذكره إحليلين وبينه وبين الحية عداوة.
стр. 52
باب ذكر السلحفاة واللجأة
اللجأة تبيض في البر، فما أقام فيه سمي سلحفاة، وتتوالد تلك السلاحف وتعظم اللجأة حتى لا يكاد الحمار أن يحملها، وهي تبيض أربع مائة بيضة.
والسلحفاة تحضن بيضها بالنظر إليه والرصد لا غير، وهي تبيض تسعة تسعون بيضة وأما الفرس البحري، فلا يوجد إلا في نيل مصر، وخلقته خلقة الفرس إلا أن وجهها أوسع، وله ظلفان كالبقر، وذنبه مثل ذنب الخنزير وصهيله يشبه صهيل الفرس، وجوفه كذلك وقوائمه قصيرة جداً، وهو أعظم من الجاموس وجلده مثل جلده، وله أنياب غلاظ طوال يكسر بها السفن المحكمة، وأسنانه صفان، ويخرج ويرعى الزرع، وهو يقتل التمساح.
وأهل ريف مصر إذا رأوا أثر حافره كان ذلك دليلاً على توفر زيادة النيل، وكثرة الخصب.
وأما الجند بادستر، فإنه يسمى كلب الماء ويسمى السمور (القندر) ويقال أنه على هيئة الثعلب، أحمر اللون لا يدان له، وله رجلان وذنب طويل، ورأسه كراس الإنسان، ووجهه مدور، وهو يمشي مكباً على صدره، وله أربع خصى، اثنان ظاهرتان واثنتان باطنتان، وفيه من أسرار الطبيعة، أنه إذا رأى الصيادين له لأجل الجند بادستر وهو الموجود في خصوبته الظاهرتين فيقطعهما بفيه ويرمي بها اليهم، فغن لم بصرهما الصيادين، وداموا في الجد في طلبه استلقى على ظهره حتى يريهم الدم، فيعلمون أنه قطعهما، فينصرفون عنه، وهو إذا قطع الظاهرتين برزت الباطنتان مكانهما والجند بادستر بالفارسية كند بادستر فعرب وتفسيره الخصية، ويمكنه أن يلبث في الماء في القعر زماناً طويلاً لا يخرج إلى الهواء.
باب في ذكر القندس وطباعه
قال أصحاب الحكمة: إن الله تعالى شرف هذا الحيوان إذ جعل الملوك يتخذون منه التيجان. ويطوقون منه الأطواق والأذيال والأكمام. وقيل أن في طباع هذا الحيوان منهم السادة والعبيد، وأنه يتخذ مساكن مرتبه كترتيب مساكن الناس والأحرار منهم، يتخذون في بيوتهم صففاً يكونون عليها، وفي أسفلها مواضع للعبيد، ولبيوتهم أبواب إلى البر وأبواب إلى البحر، ويغير بعضهم على بعض، والحر لا يتكسب، وإنما يتكسب العبد له ولسيده، ويعرف حال السيد من حال العبد، ويعرف أيضاً جلد السيد من جلد العبد بحسن اللون وبصيصه وأهل بلادهم يسلخون خراطيم هذا الحيوان، وخراطيم السمور، ويتعاملون بها كما يتعامل بالدراهم، وعليها سكة الملك وأما القماقم، فإنه يشبه السنجاب وهو أبيض ويجلب من البحر الخزري، ويشبه جلده جلد الفنك.
باب في ذكر السرطان وطباعه
اعلم، أرشدك الله، أن السرطان سريع العدو، وذو فكين وأظفار حداد، وعيناه على كتفه، وفمه في صدره وفكاه مشقوقتان، وله ثماني أ ﴿جل، وهو يسلخ جلده في كل سنة ست مرات، يتخذ لجحره بابين أحدهما شارع في الماء، والآخر إلى اليبس، فإذا سلخ جلده سد عليه الباب الذي يلي الماء خوفاً على نفسه من السمك، وترك ما يلي اليبس مفتوحاً ليصل إليه الربح، فتجف رطوبته ويشتد، فإذا اشتد فتح ما يلي الماء وطلب معاشه فيه، وهذا دأبه فسبحان الملهم لا ربّ سواه.
باب صيد السمك بالشبكة والقالة والدواه والوهار والطين
قال الأستاذ عيسى ﵀: أما صيد السمك بالشبكة فهو نوعان: أحدهما يصاد بالشبكة المدورة التي ترمي من اليد في الأماكن والجداول والأدوية والغدران التي يظن أن فيها السمك. والنوع الآخر الشبكة الطويلة التي طولها مائتي ذراع، وهي لا يعمل بها إلا جماعة من الناس، ويكون لها مركب لطيف يدور حولها، وهذه لا ترمي إلا مرة أو مرتين لا غير.
وفي ديار مصر شبكة كهيئة الكيس لها خرطوم طويل، يكون طولها عشرون ذراعاً، وأكثر تجعل في مجاري الماء. وهذه تكون في الماء الحاد الشديد الجريان إذا كان الماء واقفاً، وأما في غير الماء الواقف فلا يصح ذلك، ومن ذلك شبكة يقال لها الجاروفة طولها سبعون ذراعاً تصلح للبحر الملح، وقد قيل في وصفها:
كأن يدي الصياد إذا ظفرت به ... مجردة منها سناناً مفضضا
وقد قيل في اختيار الصيادين:
يا رب نهر متأقٍ ملآن ... حم المدود معمر معانِ
من كل مختار من الحيتان ... الزجر والشبوط والبنانِ
كالطلع مجنياً من الجنان ... أو كقدود أذرع الغوانِ
مكسوة من صنعة الرحمن ... مثل دروع السادة الفرسانِ
وقيل في وصف شبكة السمك:
стр. 53
وجدول بين حديقتين ... مطّردٍ مثل حسام القينِ
كسوته واسعة القطرين ... تنظر في الماء بألفِ عينِ
وأما القالة: فهي من جملة آلة الصيد، وهي لا تعرف إلا في بلاد العراق، وهي مثل الكف، منها ما يكون أربعة وثلاثة، وهي حديد، كل إصبع وحده، وبجمع الجميع الكف في كل إصبع منها مثل الكلاب خارج، بحيث إذا ضرب بها شيء لا يخرج منها، وهي التي ذكرها أبو فراس ابن حمدان في قصيدته الشهيرة بالطردية المشهورة بالصيد والطرد، يذكر فيها القالة حين عاين الأرنب في مرقدها، وهي بيتان لقصيده:
ثم أخذتُ عقب قالة كانت معي ... ودورت دورين ولم أوسّع
وقال:
حتى تمكنتُ ولم أخطر الكلب ... لكلّ حتفٍ سبب من السببِ
وهذ تصلح أن تكون مع جميع الصيادين لصيد لسمك وغير السمك، وتكون لمن يصيد الغزال بالليل.
الدالوية: وهو صيد الجلجل والسراج يكون في راس قناة مع غلام لهذا الفن يصاد بها في المخايل الأرنب والغزال والطير جميعه ما دق وما جلّ ومن البر ومن البحر، والدالوية هي الجلجل، قد تفردت به بلاد إربل وشهرزور وبلاد الموصل، قال ذلك الأستاذ.
أما الأرنب: فإنها إذا وجدت راقدة، والغزال أيضاً إذا وجد نائماً، ولطير الماء إذا كسره البازي ووقع في الماء ولم يقدر عليه، وكذلك الحجل إذا صار في المكان الضيق من جحر وغيره ويشال أيضاً لها الحوائج إذا سقطت، ولم يوصل إليها.
وأما الدّوا: فهو شجر يعرف بالضيمر، يكون في البرية، وهي شجرة ذات ورد أصفر كثير ولها رائحة كريهة، وهي في الذوق مرة شديدة المرارة، ترفع عن الأرض القامة، وأكثر من القامة، وأكثر ما تكون بين الزرع، وتوجد في المفوز والفلوات، وتكون على الأنهار، وينشد عندها بيتان فيتساقط من شجرتها زهرها، وهي هذه البيتان:
يا نازلاً بالبلد البلقع ... ويا ديار الظاعنين اسمعي
ما هي بأطلالي ولكنها ... ديار أحبابي فنوحي معي
وأما الأستاذ عيسى ﵀ فلم يصحح هذا، وأنكر على من يصدق ذلك واستضعف عقله.
قال محمد بن منكلي: أما الأستاذ فلا يعترض عليه من وجوه، أحدها، إنه قال ذلك شفقة على الصبيان وذوي العقول الناقصة لئلا تعرفهم الشياطين من المتنبلين بمثل ذلك ويخرجونهم من أمر إلى أمر، مثل صبغ ظاهر الآنك بلون الذهب، وصبغ ظاهر الشبه بلون الفضة يخرجونهم من حق إلى باطل.
الأمر الثاني: إن الشيخ في باطن الأمر لا ينكر مثل ذلك.
الثالث: ما الذي ينبني على ذلك، وما الفائدة فيه، فثم أمور يعجز العقل أن يصدقها كما في الخواص.
وأيضاً ثم كلام مؤثر في أسماع الحيوان، مثل ما ذك قبل ذلك في أمر الكروان إذا قيل له أطرق كذا مراراً فإنه يلتصق في الأرض، حتى يرمي مثل هذا كثير.
حدثني والدي، تغمده الله برحمته: إن في بلاد الترك غذ جاءهم المسمى يك يقرأون "صراط فإنهم ينهزمون والنسوان عندنا إذا سمعوا صوت الوزغ يقولون حمص، فإنه يسكت، ولعل معترض يقول: هذه حيوانات تسمع، فكيف تسمع الشجر، فلا يلتفت لهذا بجواب أصلاً وقد خرج بنا عن المقصود، فنطلب الصدر من كل فتى مقصود وصياد السمك يأخذون ورق هذه الشجرة فتدق، وهي في الشجرة.
فإذا وجدوا الماء الواقف لا مادة له، وفيه اسمك، ولم يقدر عليه بشبكة ولا بترول وأعياه ذلك فينزل إلى الماء، وذلك معه، ولا يزال يضرب به الماء إلى أن يتغير طعم الماء منه، ويحرك ذلك الماء حتى يصل إلى القعر، فإن كل سمكة وصل إليها رائحة ذلك الورق طفت على وجه الماء بحيث أنه لا يبقى على الماء شيء إلا صار ظاهراً، فيصاد حينئذٍ إما بالشباك وإما بالمقبلان، وهو شيء يكون في راس عود وطوله خمسة أذرع وأكثر وأقل، ويسمى قم خذ صيدك ويسمة الكلاّب ويسمى المغيت والمعين والمشهل وخصم القاضي. ولبعض الصيادين قصيدة مشهورة أنشدت على شرف الدولة، ﵀، بمدينة الموصل، وقد صاد الصياد سمكة كبيرة بالمقبلان وجاء بها بين يديه فأنشده. وأعطاه جائزة، وكان شرف الدولة يهوى بعض سراريه، فأنشد الصياد في ذلك لمعنى، شعراً:
دقيقة الخصر تحكي الغصن في الحركة ... ريّانة الجسم لكن ردفها تنكه (بتكة)
لما رأت حلقي حتى رأت صلفي ... وحلية المرء قد تثني عن الملكة
وقال يسمى الكلاّب في شعره، وهي قصيدة طويلة:
стр. 54
وأومى بكلاب له نحو صيده ... يقرّبه كالخصم صادفه خصم
وقيل في المقبلان:
وقبلتها بالمقبلان فأقبلت ... ذلولاً وكانت قبل ذلك لي نحفا
وقيل في المغيث:
ولما دنا منها المغيث رأيتها تط ... يع وكانت قبل ذلك مفصل
وقيل في المحيّر في قصيدة طويلة:
وأومأت إليها بالمحير فأقبلت ... كإقبال مخشوش يلاعبه طفل
وقيل في المعين من قصيدة طويلة:
أخذت معيني في يدي وجذبته ... إليّ به جذب الحريص من الحذرِ
وعدت إلى صحبي أكبر بعدها ... وقد أيقنت نفسي هنالك بالظفر
تسمية المسهل:
إذا سهل الرحمن صار مسهلي ... إلى جنبها كالخصم يعلق في الخصم
وقيل في تسمية خصم القاضي:
وقالت لقاضٍ أنفذ الخصم نحوها ... أتيتك نحِ الخصم عني وشيلني
أطعتك فيما تبتغيه وإنني ... إلى ما مضى غيري أبيت محلني
فقلت لها لا تطمعي لست بعدها ... بعائدة يا رزق ويحك طيعني
وأما الوهار: فهي سلة تعمل في بلاد العراق طويلة من العيدان الدقاق، طولها إلى صدر الرجل ورأسها مفتوح، دور الطبق الواسع، وهو الرأس الذي يكون أبداً في الماء حال الصيد بها، ورأس الفوقاني، وهو الذي تجوز منه اليد إذا حصل منها شيء بمقدار ما تجوز فيها اليد. فإذا نزل الماء جعل يده اليسرى في جنبها، وقبض بيده اليمنى على سقتها ثم يمشي قليلاً قليلاً، ويطرح بها الماء، وهذه لا تكون إلا في الماء الراكد، وينبغي أن يكون معه مقبلان طوله شبرين حتى يتمكن به من أخذ السمك الحاصل في الوهار ولبعضهم في الوهار:
يا رب لا تحرمها وهادي ... وارزق الغير على آثاري
وأما الطين: فإنه إذا كان الماء راكداً ولا مادة له فينزل إليه ويطرقه بالطين إلى أن يتكدر ويرمي إليه بالتراب، ويضربه حتى يتكدر، فإن السمك يعمى به، ويقف على رأس الماء، فيصاد حينئذٍ.
ويصاد أيضاً في البحر الملح وغيره من البحار، فيجعل ضوء في مركب، ويأخذ الضوء بيده اليسرى ولا يتكلم ولا يتحرك ولا يكون معه من يشعله، وقف بالنار على رأس الماء، فيخرج السمك إلى ذلك الضوء فإذا عاينه ضربه بالمقبلان أو غرفه بالغرافة.
ومن الناس من يعمل له المصايد بأن يحفر حفيرة غميقة، ويلقي فيها العلف لتجتمع فيها السمك فإذا علم أنها قد امتلأت سد باب الحفيرة بلوح يكون قبل ذلك معد لذلك ثم يصاد بما شاء ثم يعلف بعد ذلك أياماً حتى يألف سمك آخر، فإن السمك يجيء موطنه كالطير وبالله التوفيق.
قال محمد بن منكلي، ختم له بالحسنى: وقد سمي هذا الكتاب "أنس الملا بوحش الفلا" فاقتضى أن صياد السمك يكون في الفلا، ويغيب عن أهله الأيام في البحر الملح وغيره، ويأنس بالصيد، وأيضاً فلا يخلو الكتاب من ذكر الصيد للحيوان البحري، وتبركت بقوله : "أحل لكم صيد البحر وطعامه"، فصيد البحر وطعامه ما نضب عنه الماء. وقوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم" تناله أيديكم أي بيض النعام، ولو بسط الكلام لوقع الملام، وقد اشترط أولاً اختصار كتاب الأقلام، ومنه تعالى يستمد الإكرام وهي حسبي ونعم الوكيل.
باب مستدرك في ما يتحيل به من يريد الصيد عند فقد آلة الصيد من سهم عذار، وبه يتم الكتاب إن شاء الله تعالى
قال المؤلف: ينبغي لمن أراد أن يحتال على الطير ليصيده فليأخذ شيكران ويذيبه بالماء، ويضاف إليه قدر الماء من عسل، ثم انقع فيه براً يوماً وليلة ثم القِ ذلك البر للطير فإنه يغشى عليه، فتأخذه خلاصة يسقى ما فيه سمن.
وأما صيد طير الماء فيوضع لهن في شط الماء الذي يتقربن منه خمراً في إماء قد وضع فيه بنج فيؤخذوا ودردي الخمر يفعل ذلك من البنج.
وأما كيفية صيد الحجل فليعمد إلى دقيق بر غير منخول يعجن بخمر ثم يطرح للحجل في موقع نهر، فإذا أكلوا ذاك أخذوا. وكذلك تفعل بالكركي.
стр. 55
وأما الحيلة في صيد الغزال بغير آلة، فيؤخذ قطران يجعل في ماء في إناء كبير، ولو كان جلد هيئة نطع يوضع على حفرة، ويجعل الماء الذي فيه القطران فيها، كما فعل العرب عند الأثماد للسقي، فمن شرب من ذلك الماء من الغزلان فيسقط فيبادر إليه بالذبح وهو مجرب عند العرب المجربين. وقد تخيلت لو خلط القطران بالقمح أو الشعير وأكله الغزال فربما فعل ذلك والله أعلم.
ومما يستعين به المتصيد ويتحفظ به في البرية إذا نزل ونام فليخط بإصبعه في الأرض في الجهة القبلية يس والقرآن، وفي الجهة الشرقية ص والقرآن، وفي الجهة البحرية ق والقرآن، وفي الجهة الغربية ن والقلم والله من ورائهم محيط إلى آخر السورة.
ومما يصلح للمتصيد أن يفعله عند خروجه إلى الصيد أن يستخبر الله تعالى قبل كل شيء قبل خروجه بصلاة الاستخارة بصلاة ٥٣ بالركعتين ودعاء الاستخارة وهو مشهور صح عن النبي ﷺ فعله وتعليمه، ولا بأس أن تختار من الساعات التي خلقها الله وهي الساعة الثانية والسادسة من يوم الأحد، يوم الاثنين: السابعة والعاشرة، يوم الثلاثاء: السابعة، يوم الأربعاء: عند الشروق، يوم الخميس: بعد طلوع الشمس، يوم الجمعة: الأولى والثانية والخامسة والسادسة والحادية عشر، يوم السبت: الرابعة والسابعة، ذلك تقدير العزيز العليم.
ومما يستعين به المتغرب في صيده إذا اختشى الاحتلام خصوصاً في الشتاء أو في عدم الماء قالوا: أن تكتب في داخل فخذه اليمن هذه الحروف ع م أ.
وأخبرني العبد الصالح الفاضل محمد الشامي، حفظه الله: أنه جرب إذا كتب على الذكر بالتريق هذه الأحرف ود آر ر.
قال محمد بن منكلي: الصحيح عندنا أن طبع هذه الحروف كلها رطبة ما خلا الألف، وإن الألف قد صار طبعها رطباً كأولئك، وهذا لا نزاع فيه عند أهل التبصرة، وقد توهم أن طبعها غير ذلك وغلطوا وأقول، كما قيل لكنهم باحوا فزدت تكتماً.
ومما ينفع المتغرب في طلب الصيد البري أو البحري أن يكون معه صمغ شجر السماق، فإنه يلصق الجراحات الطرية بدمها، وهو عجيب في ذلك، فإن لم يوجد هذا الصمغ وإلا فليستصحب ذروراً مركبة جزء وعفص أخضر زاج أربعة أجزاء، يماني ثمن جزء يسحق الجميع ثم ينخل من خرقة ويدخر، فإذا احتيج إليه ذر منه على الجرح، فإنه جيد إن شاء الله تعالى.
وهو نافع لعقر الفرس إذا كان العقر طرياً.
وأيضاً صمغ الجوز نافع إذا ذر على الجراحات منع انبعاث الدم ويسمى باليونانية سادوران. ويصبغ به العود وماء الورد عوضاً عن المسك فيغشون به العطارين، وكان الأولى في ذكر هذه المنافع أن تكون أول الكتاب في باب آداب المتصيد. لكن الوحدة وعدم المساعد أوجب ذلك والفقير يعتذر في ذلك لكل سيد فاضل مالك. والحمد لله على الوحدة من عدم القرين السوء، وهي من أجل النعم وأسناها.
وهذا آخر ما انتهى غليه الوارد، وهو إن شاء الله تعالى أشرف المقاصد.
كتبه مؤلفه العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن منكلي غفر الله له ولوالديه ولأصحاب الحقوق عليه وذلك لأجل من يقال فيه:
ولازالت الأمة في شكره قاضية دين ... وإحسانه متجدداً أبداً على الجديدين
فالله تعالى يديم بهجة الدنيا بامتداد ظله ... ويلهم أهلها ما يستوجبون به سبوغ عدله
فرغ من كتابة هذا الكتاب المبارك نصف شهر صفر الخير عام ثلاث وسبعين وسبع مائة أحسن الله تقضيها بخير آمين، وصلى الله على سيد الأوائل والأواخر سيدنا محمد المؤرخ بهجرته المختتم بدعوته وعلى آله وعترته وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وكان الفراغ من تعليق هذا الكتاب المبارك من خط مؤلفه يوم الأربعاء الرابع عشر من شهر رمضان المعظم سنة ثلاثة وعشرين وتسعمائة، أحسن الله عاقبتها بخير آمين.
غفر الله تعالى لكاتبه وللناظرين فيه وللمترحم عليه.