← Акыда

Акыда · id 5367

التصوف - المنشأ والمصادر

إحسان إلهي ظهير

Полный текст (291 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وكان عازما على الصدقة بثلثي ماله , وفي رواية أخرى: بماله كله , فسأله الرسول ﷺ عما ترك لولده - وفي رواية أنه لم يكن له إلا بنت - , فقال: الثلث , والثلث كثير , إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس (١). وكذلك نهى كعب بن مالك عن التصدق بجميع ماله كما ورد في الصحيحين أن عبيد الله بن كعب بن مالك قال: (سمعت كعب بن مالك يحدث بحديث توبته , قال فقلت: يا رسول الله , إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ فقال: أمسك بعض مالك فهو خير لك) (٢). وعن عمرو بن العاص ﵁ قال: (نعم المال الصالح للرجل الصالح) (٣). وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق , ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها) (٤). وفي الصحيحين أيضا عن أم سليم أنها قالت: (يا رسول الله , خادمك أنس ادع له - فدعا له رسول الله ﵊ وفيما دعا له أن يكثر ماله , وإليك النص: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيهما) (٥). وكان ﷺ يردد كثيرا: (ما نفعني مال كمال أبي بكر) (٦). و (إن من أمنَّ الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر) (٧). كما أمر أم هانئ باتخاذ الغنم حيث قال: (اتخذي غنما , فإن فيها بركة) (٨).

стр. 72

وادخر رسول الله ﷺ لأهله قوت سنة كما ورد في الصحاح , واللفظ لمسلم عن عمر أنه قال: (كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب , فكانت للنبي ﷺ خاصة , فكان ينفق على أهله نفقة سنة , وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله - وفي رواية - كان يحبس منه قوت أهله لسنة) (١). وبين رسول الله ﷺ أحكام الزكاة والصدقات والإنفاق في سبيل الله , ولم تكن هذه الأحكام إلا لمن يملكه , ولو لم يكن ما كان لبيانها غرض ولا فائدة. فهذه هي تعاليم الكتاب والسنة , وفي ضوء هذه نرى الصوفية والمتقدمين منهم بالأخص والمتأخرين أيضا بأيتهما يتمسكون؟ لكي يتضح الأمر عن مرجع تصوفهم ومعول أمرهم. فذكر المحاسبي المتوفى ٢٤٣ هـ عن صوفي قديم آخر إبراهيم بن أدهم أنه قال: إن كنت تحب أن تكون لله وليا , وهو لك محبا فدع الدنيا والآخرة , ولا ترغبن فيهما (٢). ونقل السهر وردي والسراج الطوسي والقشيري عن السري السقطي المتوفى سنة ٢٥١ هـ أنه قال: (لا يكن معك شيء تعطي منه أحد) (٣). وذكر القشيري عن واحد آخر من الصوفية الأوائل داود الطائي المتوفى ١٦٥ هـ أنه قال: (صم عن الدنيا , واجعل فطرك الموت , وفر من الناس كفرارك من السبع) (٤). وسيد الطائفة الجنيد البغدادي يقول:

стр. 73

(أحب للمريد المبتدئ أن لا يشغل قلبه بالتكسب , وإلا تغير حاله) (١). ويقول أيضا: (ما أخذنا التصوف عن القيل والقال , لكن عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات والمستحسنات) (٢). ويبين ابن عجيبة الحسني حالة أهل التصوف في كتابه (إيقاظ الهمم): (وكان بعضهم إذا أصبح عنده شيء أصبح حزينا , وإذا لم يصبح عنده سيء أصبح فرحا مسرورا) (٣). وقال أيضا: (الفقر أساس التصوف , وبه قوامه) (٤). وروى مثل ذلك عن أبي محمد رويم المتوفى ٣٠٣ هـ أنه قال: (مبنى التصوف على الفقر) (٥). نعم , الفقر الذي تعوذ منه سيد الخلائق المدعم بالوحي , والمعصوم بعصمة الله وقال: (اللهم إني أعوذ بك من الفقر) (٦). فجعلوا ذلك الفقر أساس التصوف وقوامه , وأقاموا بناءه عليه. ونقل الطوسي عن الجنيد أنه سئل عن الزهد فقال: (الزهد هو تخلي الأيدي من الأملاك) (٧). وبمثل ذلك قال رويم بن أحمد الصوفي المتوفى ٣٠٣ هـ حينما سئل عن الزهد ما هو؟. فقال: (هو ترك حظوظ النفس من جميع ما في الدنيا) (٨).

стр. 74

وذكر الشعراني عن ابن عربي أنه قال: (من أراد فهم المعاني الغامضة من كلام الله وكلام رسوله وأوليائه فليزهد في الدنيا حتى يصير ينقبض خاطره من دخولها , ويفرح لزوالها) (١). وينقل أيضا عن إبراهيم المتبولي أنه قال: (كل فقير لا يحصل له جوع ولا عري فهو من أبناء الدنيا) (٢). وذكر الصوفي عماد الدين الأموي في كتابه (حياة القلوب) أن رجلا دخل على بعض الصوفية يتكلم في الزهد وعنده قميص معلق وعليه آخر , فقال: يا شيخ , أما تستحي أن تتكلم في الزهد ولك قميصان (٣). وزجر السري السقطي رجلا كان يملك عشرة دراهم وقال: أنت تقعد مع الفقراء ومعك عشرة دراهم (٤). وذكر الكلاباذي عن أحمد بن السمين أنه قال: كنت أمشي في طريق مكة , فإذا أنا برجل يصيح: أغثني يا رجل , الله , الله. قلت مالك , مالك؟ خذ مني هذه الدراهم , فإني ما أقدر أن أذكر الله وهي معي , فأخذتها منه فصاح: لبيك اللهم لبيك , وكانت أربعة عشر درهما (٥). وقال سهل بن عبد الله التستري: اجتمع الخير كله في هذه الأربع خصال , وبها صار الأبدال أبدالا: أخماص البطون , والصمت والخلوة , والسهر (٦). وينقل الهجويري عن أبي بكر الشبلي أن واحدا من علماء الظاهر سأله على سبيل التجربة عن الزكاة قائلا: (ما الذي يجب أن يعطى من الزكاة؟. قال: حين يكون البخل موجودا ويحصل المال فيجب أن يعطى خمسة دراهم

стр. 75

عن كل مائتي درهم , ونصف دينار عن كل عشرين دينارا , هذا في مذهبك. أما في مذهبي فيجب أن لا تملك شيئا حتى تتخلص من مشغلة الزكاة) (١). وقال الهجويري: (السكون إلى مألوفات الطبع يقطع صاحبها عن بلوغ درجات الحقائق) (٢). وينقلون عن الرفاعي أحمد بن أحمد بن أبي الحسين صاحب الطريقة الرفاعية أنه كان يقول: (أكره للفقراء دخول الحمام , وأحب لجميع أصحابي الجوع والعري والفقر والذل والمسكنة , وأفرح لهم إذا نزل بهم ذلك) (٣). ونقل أبو المظفر أن أبا بكر الوراق قال: (الزهد مركب من الحروف الثلاثة: الزاء , والهاء , والدال , فالزاي ترك الزينة , والهاء ترك الهوى , والدال ترك الدنيا) (٤). ونقل أبو طالب المكي عن سفيان أنه قال: (الصائم إذا اهتم في أول النهار بعشائه كتب عليه خطيئة , وكان سهل (التستري) يقول: إن ذلك ينقص من صومه) (٥). ونقل عن حذيفة المرعشي أنه قال: (منذ أربعين سنة لم أملك إلا قميصا واحدا) (٦). وذكر الكلاباذي في تعرفة عن أبي الحسن محمد بن أحمد الفارسي أنه قال: (من أركان التصوف ترك الاكتساب وتحريم الادخار) (٧). ونقل نجم الدين الكبري المتوفى ٦١٨ هـ: التصوف هو نبذ الدنيا كلها (٨).

стр. 76

ويقول الهروي عبد الله الأنصاري المتوفي ٤٨١ هـ: (الزهد أصله تعذيب الظاهر بترك الدنيا) (١). وينقل ابن الملقن عن أستاذ الجنيد أنه قال: (علامة الفقير الصادق أن يفتقر بعد الغنى , وينحط بعد الشهرة) (٢). وينقل السلمي عن سمنون المحب - وهو من أصحاب السري السقطي - أنه سئل عن الفقير الصادق فقال: (الذي يأنس بالعدم كما يأنس الجاهل بالغنى , ويستوحش من الغنى كما يستوحش الجاهل من الفقر) (٣). وذكروا عن أبي يزيد البسطامي أنه سئل: بأي شيء نلت هذه المعرفة؟ فقال: (ببطن جائع وبدن عار) (٤). وأخيرا ذكر الكلاباذي عن الصوفية فقال: (أنهم قوم تركوا الدنيا فخرجوا عن الأوطان , وهجروا الأخدان , وساحوا في البلاد , وأجاعوا الأكباد , وأعروا الأجساد) (٥). مع اعترافهم بأن هذه هي المسيحية كما نص على ذلك أبو طالب المكي حيث قال: (روينا عن عيسى ﵇ أنه قال: (أجيعوا أكبادكم , وأعروا أجسادكم لعل قلوبكم ترى الله (٦). فالنصوص في هذا المعنى أكثر من أن تعد وتحصى , وأن يسعها كتاب فهيهات هيهات أن يسعها باب أو جزء من الباب , وكل هذه النصوص تنطق صراحة عن مصدرها الأصلي ومرجعها الحقيقي , ولا علاقة لها بتعاليم الإسلام وإرشاداته , بل أنها مخالفة تماما لتلك , ولكي يسهل على القراء والباحثين المقارنة ذكرنا ما ورد في القرآن والسنة في هذا الخصوص , كما أوردنا قبل ذلك توجيهات مسيحية وتعاليم

стр. 77

رهبانية وعلى ذلك قال C.H. BECKER وآسين بلاثيوس , ونيكلسون بأن ترك الدنيا , ومعنى التوكل جاء في التصوف من المسيحية. ونص فون كريمر على أن الزهد الصوفي نشأ بتأثير من الزهد المسيحي (١). وقال جولد زيهر: (إن مدح الفقر وإيثاره على الغنى كان من العناصر النصرانية) (٢). وأقر بذلك الكاتب الإيراني الكبير الدكتور قاسم غني في كتابه (تاريخ التصوف في الإسلام) (٣).

стр. 78

الزّاويَةُ وَالملْبَسُ وأما التزام الصوفية لبس الصوف لكونه شعارا وعلامة لهم فأيضا مأخوذ من رهبنة المسيحية لأنه كان زيهم الخاص بهم كما أقر بذلك الصوفي المشهور في طبقاته عن أبي العالية أنه كان (يكره للرجل زي الرهبان من الصوف , ويقول: زينة المسلمين التجمل بلباسهم) (١) ز ومثل ذلك نقل ابن عبد ربه في (العقد الفريد) عن حماد بن سلمة أنه قال لفرقد السنجي حينما رآه لابسا الصوف: (دع عنك هذه النصرانية) (٢). وأورد ابن الجوزي مثل هذه الرواية بسنده حيث قال: (أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد , حدثنا حمد بن أحمد الحداد , حدثنا أبو نعيم الحافظ , حدثنا أبو حامد بن جبلة , حدثنا حمد بن إسحاق , حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث , حدثنا هارون بن معروف , عن ضمرة , قال: سمعت رجلا يقول: قدم حماد بن سلمة البصرة , فجاءه فرقد السنجي وعليه ثوب صوف , فقال له حماد: ضع عنك نصرانيتك هذه , فلقد رأيتنا ننتظر إبراهيم - يعني النخعي - فيخرج علينا وعليه معصفرة) (٣). وأورد أيضا رواية أخرى مسندة بطريق البخاري رحمة الله عليه قال: أخبرنا محمد بن ناصر وعمر بن ظفر , قالا: حدثنا محمد بن الحسن الباقلاوي , حدثنا القاضي أبو العلاء الواسطي , حدثنا أبو نصر أحمد بن محمد السازكي , حدثنا أبو الخير أحمد بن حمد البزار , حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري , حدثنا علي بن حجر , حدثنا صالح بن عمر الواسطي عن أبي خالد , قال: جاء عبد الكريم أبو أمية إلى أبي العالية وعليه ثياب صوف , فقال له أبو العالية: (إنما هذه ثياب الرهبان , إن المسلمين إذا تزوروا تجملوا) (٤).

стр. 79

ونقل الشعراني عن سهل التستري حكاية باطلة غريبة تدل على أن الصوف كان لباس أصحاب المسيح , وهذا هو نصها: أن سهل بن عبد الله التستري كان يقول: (اجتمعت بشخص من أصحاب المسيح ﵇ في ديار قوم عاد فسلمت عليه , فرد علي السلام , فرأيت عليه جبة من صوف فيها طراوة , فقال لي: إن لها علي من أيام المسيح , فتعجبت من ذلك. فقال: يا سهل إن الأبدان لا تخلق الثياب , إنما يخلقها رائحة الذنوب , ومطاعم السحت , فقلت له: فكم لهذه الجبة عليك؟ فقال: لها سبعمائة سنة) (١). وذكر السهر وردي أيضا أنه كان الصوف لباس عيسى ﵇ فقال: (كان عيسى ﵇ يلبس الصوف , ويأكل من الشجرة , ويبيت حيث أمسى) (٢). ومثل ذلك ذكر الكلاباذي (٣). (وعلى ذلك قال نولدكة ونيكلسون وماسينيون إن التصوف الإسلامي أخذ لبسة الصوف من الرهبان النصارى). وزاد نيكلسون أشياء في مقالاته العديدة التي نشرت في دوائر المعارف , وجمعت بعضها باسم (الدراسات في التصوف الإسلامي وتاريخه) منها ما قاله تحت عنوان: الزهد في الإسلام: (كان عرب الجاهلية على حظ قليل من التفكير الديني , وكان تفكيرهم في هذه الناحية مضطرباً وغامضاً. وقد شغلهم انهماكهم في متع الحياة ومتاعبها عن التفكير في حياة أخروية , ولم يخطر ببالهم أن يعدوا أنفسهم لحياة روحية وراء حدود القبر. وقد غرست المسيحية - لا الكنيسة المسيحية , بل المسيحية غير التقليدية وغير المنظمة - بذور الزهد في بلاد العرب قبل البعثة المحمدية , وظل أثرها يعمل عمله في تطور الزهد في الإمبراطورية الإسلامية في عصورها الأولى. ونحن نعلم أن المسيحية

стр. 80

كانت منتشرة قبل الإسلام بين قبائل شمالي الجزيرة العربية , وأن كثيراً من العرب كانوا على شيء من العلم - مهما كان قليلا وسطحيا - بعقائد الديانة المسيحية وطقوسها. بل إن الإشارات التي وردت في الشعر الجاهلي عن رهبان المسيحيين لتدل على أن عرب البادية كانوا يجلون هؤلاء الرهبان ويعظمونهم , وكانوا يهتدون بأنوارهم المنبعثة من صوامعهم في ظلام الليل وهم يسيرون في الصحراء فضرب هؤلاء الرهبان وغيرهم من الزهاد الهائمين على وجوههم , مثلا للعرب الوثنيين في الزهد , وحركوا في نفوس بعضهم , وهم المعروفون بالحنفاء , ميلاً إلى النفور من الأوثان ورفض عبادتها. فدان هؤلاء بعقيدة التوحيد , واصطنع بعضهم الزهد ومجاهدة النفس , ولبسوا الصوف وحرموا على أنفسهم بعض أنواع الطعام) (١). وقال أيضا: (كانت الثياب المصنوعة من خشن الصوف علامة على الزهد قبل الإسلام , وفي هذا حاكى العرب رهبان المسيحيين. وقد شاع استعمال هذا النوع من الثياب بين زهاد المسلمين الأوائل , ومنه اشتق اسم الصوفية الذي استعمل قبل نهاية القرن الثاني الهجري. على أن اسما آخر أطلق على هؤلاء الزهاد وإن كان أقل شيوعا من اسم الصوفي وهو (مسوحي) نسبة إلى مسوح جمع مسح وهو اللباس من الشعر. وقد جرت العادة بأن يلبس الزهاد , رجالا كانوا أو نساء , جبة مدرعة من الصوف وأن تلبس المرأة أحيانا غطاء على الرأس من القماش نفسه , وهذا الغطاء هو المعروف بالخمار. وقد استنكر سفيان الثوري المتوفى سنة ١٦١ هـ لبس الصوف , وعده بدعة , واستنكر كذلك غيره من المسلمين لأنهم اعتبروه رمزا للمسيحية وعلامة على الرياء) (٢). وقال أيضا تحت عنوان التصوف باحثا عن كلمة الصوفي نقلا عن نولدكه: (إن المسلمين في القرنين الأولين للإسلام كانوا يلبسون الصوف , وبخاصة من سلك منهم طريق الزهد , وأنهم كانوا يقولون: لبس فلان الصوف: بمعنى تزهد ورغب عن الدنيا.

стр. 81

فلما انتقل الزهد إلى التصوف قالوا: لبس فلان الصوف بمعنى: أصبح صوفيا. وكذلك الحال في اللغة الفارسية: فإن قولهم (بشمينا بوش) معناه: يلبس لباس الصوف. وقد أخذ زهاد المسلمين الأوائل عادة لبس الصوف عن رهبان المسيحيين ونساكهم , يدل على ذلك أن حماد بن أبي سليمان قدم البصرة , فجاءه فرقد السنجي وعليه ثياب صوف فقال له حماد ضع عنك نصرانيتك هذه. وقد أطلقوا على هذه الثياب (زي الرهبان) , واستشهدوا بحديث معناه أن النبي ﷺ قال: إن عيسى كان يلبس ثياب الصوف) (١) ... . وقال جولدزيهر: (وقد حاكى هؤلاء الزهاد المسلمون وعبادهم نساك النصارى ورهبانهم , فارتدوا الصوف الخشن) (٢). هذا وبمثل هذا قال الدكتور قاسم غني: (إن ارتداء الملابس الصوفية أو التصوف الذي نشأ عنه كلمة الصوفية كما تقدم كان من عادات الرهبان المسيحيين , ثم صار فيما بعد شعارا للزهد عند الصوفية. والدلق الذي ورد ذكره في أشعار الصوفية وكتبهم استعمل في معنى لباس الصوفية في كل مكان. أي الخرقة التي كانوا يرتدونها فوق جميع الملابس والظاهر أنها كانت من صوف. والدلق إما أن يكون من قطعة واحدة أو مرقعا , ويسمى بالدلق المرقع في هذه الحال , وإذا كان من ألوان مختلفة يسمى حينئذ (الدلق الملمع) والدلق عند صوفية الإسلام سواء كان لونه أزرق أو كان أسود يسمى دائما: (بالدلق الأزرق) وخرقة الرهبان التي كانت على ما يظهر بيضاء في بادئ الأمر صارت بعد ذلك سوداء وزمرة (السوكواران) أي المفجوعون , الذين يتكلم عنهم الفردوسي في الشاهنامة ليسوا إلا أساقفة المناظرة المسيحيين ممن لجأوا إلى إيران في القرن الثالث الميلادي وهم الذين كانوا يلبسون ملابس الصوف الخشنة على أجسامهم كي يكون ذلك نوعا من التقشف والأخششان , فكان إصطلاح (صوفي) و (وصوفية) الذي هو بالفارسية

стр. 82

(بشمينه بوش) أي لابس الصوف وكان يطلق على رجال المسيحيين ونسائهم) (١). ولا بأس من إيراد تعليقة ذكرت تحت هذه العبارة: (ويقول ياقوت في كتاب (معجم البلدان) في حواشي (دير العذارى): وقال أبو الفرج: ودير العذارى بسر من رأى إلى الآن موجود يسكنه الرواهب. وحدث الجاحظ في كتاب (المعلمين) قال: حدثني ابن الفرج الثعلبي: أن فتيانا من بني ملاص من ثعلبة أرادوا القطع على مال يمر بهم قرب دير العذارى فجاءهم من أخبرهم أن السلطان قد علم بهم وأن الخيل قد أقبلت تريدهم , فاستخفوا في دير العذارى , فلما صاروا فيه سمعوا وقع حوافر الخيل التي تطلبهم راجعة , فأمنوا ثم قال بعضهم لبعض: ما لذي يمنعكم أن تأخذوا بالقس فتشدوا وثاقه ثم يخلوا كل واحد منكم بهذه الأبكار , فإذا طلع الفجر تفرقنا في البلاد , وكنا جماعة بعدد الأبكار اللواتي كن أبكارا في حسابنا. ففعلنا ما اجتمعنا عليه , فوجدناهن جميعا ثيبات قد فرغ منهن القس قبلنا .. فقال بعضنا: ودير العذارى فضوح لهن ... وعند القسوس حديث عجيب خلونا بعشرين صوفية ... نيك الرواهب أمر غريب إذا هن يرهزن رهز الظراف ... وباب المدينة فج رحيب ويبدو من تعبير (الصوفية) في هذا الشعر أن المقصود منه الراهبات المسيحيات) (٢). ولذلك خالف علماء الأمة وفقهاؤها لبسه. فلقد نقل الإمام ابن تيمية عن أبي الشيخ الأصبهاني عن إسناده أن ابن سيرين بلغه أن قوما يفضلون لباس الصوف فقال: (إن قوما يتخيرون الصوف يقولون إنهم متشبهون بعيسى بن مريم , وهدي نبينا أحب إلينا , وكان النبي ﷺ يلبس القطن وغيره) (٣).

стр. 83

كما نقل ابن الجوزي عن أحمد بن أبي الجواري أنه قال: قال لي سليمان بن أبي سليمان: (أي شيء أرادوا بلباس الصوف؟ قلت: التواضع. قال: ما يتكبر أحد إلا إذا لبس الصوف. ونقل عن سفيان الثوري أنه قال لرجل عليه صوف: لباسك هذا بدعة. كما روى عن الحسن بن الربيع أنه قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول لرجل رأى عليه صوفا مشهورا: أكره هذا , أكره هذا. وروي عن بشر بن الحارث أنه سئل عن لبس الصوف. فشق عليه , وتبين الكراهة في وجهه , ثم قال: لبس الخز والمعصفر أحب إلي من لبس الصوف في الأمصار. وروي عن أبي سليمان الداراني أنه قال لرجل لبس الصوف: إنك قد أظهرت آلة الزاهدين , فماذا أورثك هذا الصوف. كما رو يعن النضر بن شميل أنه قال لبعض الصوفية: تبيع جبتك الصوف؟ فقال: إذا باع الصياد شبكته بأي شيء يصطاد) (١). هذا ونقل عن غيره مثل هذا. هذا من ناحية الملابس. وأما اتخاذهم الخانقاوات والتكايا والزوايا , وانعزالهم عن الدنيا فلم تكن إلا مأخوذة من الرهبنة المسيحية أيضا كما ذكرنا فيما مر نقلا عن الجامي في نفحاته أن أول خانقاه بنيت هي التي بناها أمير مسيحي من الرملة في الشام (٢). وهي تشبه تماما أديرة الرهبان النصارى ذات الأسوار العالية البعيدة عن عالم الناس والعمران , نتيجة للهروب من عالم الترف المادي إلى عالم الترف الروحي , ومن هذه الأديرة تطورت كثير من الأفكار الإيجابية , خرج بها رهبان لفتح حقول جديدة على مبادئ من الطهارة والفقر والخضوع.

стр. 84

(أما الطهارة فكان معناها ليس تطهير الجسد بالصوم , بل كانت تعني فوق ذلك قطع علاقات محبة الأب أو الأم أو الابن أو الأخت حتى يكون الراهب أقدر على خدمة البشر , وتصبح المحبة هنا ديانة إنسانية شاملة ز أما الفقر فكان يعني التحرر المطلق من قيود الأشياء , ورفض المصالح المادية من أجل خدمة الإنسان , وكان الخضوع يعني الاستسلام الكامل لإرادة الله للقيام بالواجبات) (١). ولقد صرح الكتور قاسم غني أن المسيحية: (استطاعت أن تعلم صوفية المسلمين آدابا وعادات كثيرة عن طريق زمرة المتقشفين وفرق الرهبان المتجولين , ولا سيما الجماعات السورية المتجولة في كل مكان ممن كانوا على الأغلب من فرق النصارى النسطوريين , في حين أن تأثير كنائس المسيحية في المسلمين كان في نطاق محدود جدا. وأن الحياة في الصوامع والخانقاوات كانت أيضا مقتبسة من المسيحية إلى حد كبير) (٢). وبمثل ذلك قال نيلكسون , المستشرق الإنجليزي الكبير الذي عرف باختصاصه في الدراسات عن التصوف , حيث يذكر تحت تطور الزهد في العصور الوسطى: (لم يخرج الصوفية كثيرا على الحديث القائل: لا رهبانية في الإسلام إلا بعد مضي عدة قرون - إلى أن يقول -: وإننا لا نعلم إلا القليل عن نظام الزهد الرهباني ونشأته في العصور الإسلامية الأولى , ويقال: أن أول خانقاه أسست لمتصوفة المسلمين كانت برملة في فلسطين قبل نهاية المائة الثامنة الميلادية على ما يظهر , وأن مؤسسها كان راهبا مسيحيا ... وقد الصوفية بعض الأحاديث المدخولة على النبي , التي تشير لإباحة العزوبة لجميع المسلمين بعد المائتين من الهجرة فقد ظهر نظام الرهبنة في الإسلام حوالي هذا التاريخ تقريبا. نعم لم يعم الزهد في العالم الإسلامي , ولم تظهر فيه الربط والزوايا المنظمة إلا في عصر متأخر , لأن القارئ للكتب التي ألفت في التصوف حتى منتصف القرن الخامس الهجري , مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي , وحلية الأولياء لأبي نعيم , والرسالة للقشيري , قلما يجد

стр. 85

فيها إشارة إلى هذا الربط والزوايا , ومع ذلك نجد أن كبار الصوفية من رجال القرنين الثالث والرابع قد اجتمع حولهم المريدون ليأخذوا عنهم الطريق ويتأدبوا بآدابه. ومن الطبيعي أن هؤلاء المريدين أقاموا في بيوت دينية من نوع ما , كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا. ويذكر المقريزي أن الخانقاوات وجدت في الإسلام في القرن الخامس الهجري المقابل للقرن الحادي عشر الميلادي. وإذا سلمنا بقول المقريزي فعلى معنى أن خانقاوات الصوفية التي كان يجتمع فيها المريدون تحت إشراف مشايخهم , لم تكثر وتنتشر في بلاد المملكة الإسلامية إلا في هذا التاريخ , وهذا يتفق مع ما ورد في كتاب آثار البلاد للقزويني حيث يقول إن أبا سعيد بن أبي الخير (المتوفى ١٠٤٩ م لا حوالي ٨١٥ كما يقول دي ساسي خطأ - ولا كما يقول دوزي وفون كريمر نقلا عن دي ساسي) يذكر عنه أنه مؤسس نظام الرهبنة في التصوف الإسلامي وأول واضع لقواعده وقوانينه. وبعد ذلك بمائتي سنة - أي بين ٤٥٠ , ٦٥٠ - زيد في نظام الرهبنة وانتشر هذا النظام على أيدي رجال الطرق , كالعدوية والقادرية والرفاعية وغير ذلك من الطرق التي توالى ظهورها سريعا) (١). هذا بالنظر إلى أنه لا يوجد في تعاليم القرآن والسنة رسم ولا أثر لهذه التكايا والزوايا والخانقاوات والربط , بل أمر المسلمين ببناء المسجد للعبادة كما أمروا بتعمير بيوتهم بقراءة القرآن فيها والعبادة. وأما بناء الأمكنة الخاصة للتعبد والذكر والأوراد فليس إلا تقليلا لشأن المساجد , وصرف الناس عنها , وإعطاء التكايا والزوايا والربط مكانتها وشأنها , وفي هذا مخالفة لأوامر الله وتعاليم رسوله صلوات الله وسلامه عليه. وعلى ذلك قال ابن الجوزي: (أما بناء الأربطة فإن قوما من المتعبدين الماضين اتخذوها للانفراد بالتعبد , وهؤلاء إذا صح قصدهم فهم على الخطأ من ستة أوجه: أحدها: أنهم ابتدعوا هذا البناء وإنما بنيان أهل الإسلام المساجد. والثاني: أنهم جعلوا للمساجد نظيرا يقلل جمعها. والثالث: أنهم أفاتوا أنفسهم نقل الخطى إلى المساجد. والرابع: أنهم تشبهوا بالنصارى بانفرادهم في الأديرة.

стр. 86

والخامس: أنهم تعزبوا وهم شباب وأكثرهم محتاج إلى النكاح. والسادس: أنهم جعلوا لأنفسهم علما ينطق بأنهم زهاد فيوجب ذلك زيارتهم والتبرك بهم. وإن كان قصدهم غير صحيح فإنهم قد بنوا دكاكين للكوبة ومناخا للبطالة وأعلاما لإظهار الزهد. وقد رأينا جمهور المتأخرين منهم مستريحين في الأربطة من كد المعاش متشاغلين بالأكل والشرب والغناء والرقص يطلبون الدنيا من كل ظالم ولا يتورعون من عطاء ماكس. وأكثر أربطتهم قد بناها الظلمة , ووقفوا عليها الأموال الخبيثة. وقد لبس عليهم إبليس أن ما يصل إليكم رزقكم فاسقطوا عن أنفسكم كلفة الورع. فهمتهم دوران المطبخ والطعام والماء البارد. فأين جوع بشر , وأين ورع سري , وأين جد الجنيد. وهؤلاء أكثر زمانهم ينقضي في التفكه بالحديث أو زيارة أبناء الدنيا , فإذا أفلح أحدهم أدخل رأسه في زرمانقته فغلبت عليه السوداء , فيقول: حدثنا قلبي عن ربي. ولقد بلغني أن رجلا قرأ القرآن في رباط فمنعوه , وأن قوما قرأوا الحديث في رباط , فقالوا لهم: ليس هذا موضعه) (١). هذا وقد أورد ابن الجوزي حديثا بسنده إلى الرسول ﷺ عن أبي عمامة أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سرية من سراياه , قال: فمر رجل بغار فيه شيء من ماء , قال: فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه , وفيه شيء من ماء , ويصيب ما حوله من البقل , ويتخلى عن الدنيا. ثم قال: لو أني أتيت نبي الله ﷺ فذكرت ذلك له , فإن أذن لي فعلت , وإلا لم افعل , فأتاه فقال: يا نبي الله , إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا. قال: فقال نبي الله ﷺ : (إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكنني بعثت بالحنيفية السمحة , والذي نفس محمد بيده , لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها) (٢). وأما استماعهم إلى نصائح الرهبان ودروسهم ومواعظهم , وإنصاتهم لهم

стр. 87

وتلمذهم عليهم , وتمجيدهم إياهم , والثناء عليهم فمنقول عنهم بكثرة , فإن إبراهيم بن أدهم - وهو من أوائل الصوفية - صرح بذلك حيث قال: (تعلمت المعرفة من راهب يقال له: سمعان , دخلت عليه في صومعته فقلت له: يا سمعان , منذ كم وأنت في صومعتك هذه؟. قال: منذ سبعين سنة. قلت: ما طعامك؟ قال: يا حنيفي وما دعاك إلى هذا؟ قلت: أحببت أن أعلم. قال: في ليلة حمصة. قلت: فمن الذي يهيج من قلبك حتى تكفيك هذه الحمصة؟ قال: ترى الذين بحذائك؟ قلت: نعم , قال إنهم يأتونني في كل سنة يوما واحدا فيزنون صومعتي , ويطوفون حولها , يعظمونني بذلك , وكلما تثاقلت نفسي عن العبادة ذكرتها تلك الساعة , فأنا أحتمل جهد سنة لعزّ ساعة , فاحتمل يا حنيفي جهد ساعة لعزّ الأبد , فوقر في قلبي المعرفة , فقال: أزيدك؟ قلت: نعم , قال: أنزل عن الصومعة , فنزلت فأدلى إليّ ركوة فيها عشرون حمصة. فقال لي: أدخل الدير فقد رأوا ما أدليت إليك , فلما دخلت الدير اجتمعت النصارى , فقالوا: يا حنيفي , ما الذي أدلى إليك الشيخ؟ قلت: من قوته , قالوا: وما تصنع به؟ نحن أحق به. ساوم , قلت: عشرين دينارا , فأعطوني عشرين دينارا , فرجعت إلى الشيخ , فقال: أخطأت لو ساومتهم عشرين ألفا لأعطوك , هذا عز من لايعبده , فانظر كيف تكون بعز من تعبده يا حنيفي , أقبل على ربك) (١). ونقل الهجويري عن صوفي قديم آخر , وهو: إبراهيم الخواص أنه قال: (سمعت ذات مرة أن ببلاد الروم راهبا مقيما بالدير منذ سبعين سنة بحكم الرهبانية , فقلت: واعجبا ! شرط الرهبانية أربعون سنة. بأي شرف أخلد هذا الرجل إلى الدير سبعين سنة؟ وقصدته , فلما اقتربت من ديره فتح كوة وقال لي:

стр. 88

يا إبراهيم! عرفت لأي أمر جئت. أنا لم أقم هنا رهبانية في هذه السبعين عاما , بل لأن لي كلبا هائجا , فأقمت هنا أحرسه وأكفي الخلق شره , وإلا فلست أنا هذا (الذي تظن). فلما سمعت منه هذا الكلام قلت: يا إلهي تعاليت! أنت قادر على أن تهدي العبد طريق الصواب في عين الضلالة , وتكرمه بالصراط المستقيم. فقال لي: يا إبراهيم! إلام تطلب الناس؟ إمض واطلب نفسك , وإذا وجدتها فاحرسها , لأن الهوى يرتدي ثوب الإلهية كل يوم على ثلثمائة وستين لونا , ويدعو العبد إلى الضلالة) (١). وذكر الشعراني أن بعض أسلاف الصوفية حاولوا تقرير مذهب رهبان النصارى , وكونهم على الحق والصواب , ومن قبل رسول الله الناطق بالوحي صلوات الله وسلامه عليه - كذبا وزورا -: (أن قوله ﷺ : دعوا الرهبان وما انقطعوا إليه , تقرير لهم على ما هم عليه من حيث عموم رسالته ﷺ كما قرر أهل الكتاب على سكنى دار الإسلام بالجزية. قالوا: وهي مسألة خفية جليلة في عموم رسالته ﷺ . لا ينتبه لها إلا الغواصون على الدقائق) (٢). هذا ولقد ذكر في طبقاته عن صوفي آخر - وهو إبراهيم بن عصفير - الذي يقول عنه: (كان كثير الكشف , وله وقائع مشهورة , وظهرت له الكرامات وهو صغير , وكان يأتي البلد وهو راكب الذئب أو الضبع , وكان يمشي على الماء لا يحتاج إلى مركب , وكان بوله كاللبن الحليب أبيض , ... وما ضبطت عليه كشفا أخرم فيه. يكتب عن هذا الصوفي الذي بلغ أقصى درجات الولاية: (كان أكثر نومه في الكنيسة , ويقول: النصارى لا يسرقون النعال في الكنيسة بخلاف المسلمين , وكان ﵁ يقول: أنا ما عندي من صوم حقيقة إلا من لا يأكل لحم الضأن أيام الصوم كالنصارى , وأما المسلمون الذين يأكلون لحم الضأن والدجاج أيام الصوم فصومهم عندي باطل) (٣). وكذلك وجد مدح الرهبان النصارى في كتب صوفية كثيرة مثل ما ذكر الأصبهاني في حليته عن عبد الله بن الفرج أنه قال له رجل:

стр. 89

(يا أبا محمد , هؤلاء الرهبان يتكلمون بالحكمة وهم أهل كفر وضلالة , فمم ذلك؟ قال: ميراث الجوع , متعت بك) (١). وأيضا ذكر عن إبراهيم بن الجنيد أنه قال: وجدت هذه الأبيات على ظهر كتاب لمحمد بن الحسين البرجلاني: (مواعظ رهبان وذكر فعالهم ... وأخبار صدق عن نفوس كوافر مواعظ تشفينا فنحن نحوزها ... وإن كانت الأنباء عن كل كافر مواعظ بر تورث النفس عبرة ... وتتركها ولهاء حول المقابر مواعظ أنَّى تسأم النفس ذكرها ... تهيج أحزانا من القلب ثائر) (٢). ومثل ذلك ما نقله أبو طالب المكي عن عيسى ﵇ أنه قال: (المحب لله يحب النصب. وروى عنه أنه مر على طائفة من العباد قد احترقوا من العبادة كأنهم الشنان البالية , فقال: ما أنتم؟ فقالوا: نحن عباد. قال: لأي شيء تعبدتم؟ قالوا: خوفنا الله من النار فخفنا منها , فقال: حق على الله أن يؤمنكم ما خفتم. ثم جاوزهم فمر بآخرين أشد عبادة منهم , فقال: لأي شيء تعبدتم؟ قالوا: شوقنا الله إلى الجنان وما أعد فيها لأوليائه , فنحن نرجو ذلك , فقال: حق على الله أن يعطيكم ما رجوتم. ثم جاوزهم , فمر بآخرين يتعبدون , فقال: ما أنتم؟ قالوا: نحن المحبون لله لم نعبده خوفا من نار , ولا شوقا إلى جنة ولكن حبا له وتعظيما لجلاله , فقال: أنتم أولياء الله حقا , معكم أمرت أن أقيم , فأقام بين أظهرهم وفي لفظ آخر قال للأولين: مخلوقا خفتم , ومخلوقا أحببتم. وقال لهؤلاء: أنتم المقربون) (٣).

стр. 90

(ويستخلص من هذا أن الصوفية المسلمين لم يجدوا حرجا في الإستماع إلى مواعظ الرهبان وأخبار رياضاتهم الروحية والإستفادة منها , رغم أنها صادرة عن نصارى , ونحن نجد فعلا كثيرا من أخبار رياضات الرهبان وأقوالهم في ثنايا كتب الصوفية وطبقات الصوفية) (١). وقبل هذا كتب الدكتور البدوي في هذا الكتاب الذي اقتبسنا منه الأسطر الأخيرة , والذي دافع فيه عن التصوف دفاعا شديدا , وحاول فيه محاولة فاشلة لإثبات أصول التصوف ومصادره في الإسلام , ومن تعاليمه , كتب فيه: (الاختلاط بين المسلمين والنصارى العرب في الحيرة والكوفة ودمشق ونجران وخصوصا في مضارب القبائل العربية التي انتشرت فيها المسيحية قبل الإسلام وبعده: بنو تغلب , قضاعة , تنوخ , وتتحدث بعض الأحبار عن أن بعض الصوفية المسلمين الأوائل كانوا يستشيرون بعض الرهبان النصارى في أمور الدين: كما يروي عبد الواحد بن زيد , والعتابي , وأبي سليمان الداراني) (٢). وهذه هي الأشياء التي جعلت نيلكسون الإنجليزي , وفون كريمر الألماني , وجولد زيهر النمساوي يضطرون إلى أن يقولوا , واللفظ للأول: (ويجب ألا ننسى في هذا المقام أثر المسيحية في الزهد الإسلامي في العصر المبكر فإن الأمر لم يقتصر على اللباس وعهود الصمت وكثير من آداب طريق الزهد التي يمكن ردها إلى أصل مسيحي , بل إننا نجد في أقدم كتب تراجم الصوفية - إلى جانبي الحكايات العديدة التي تمثل الراهب المسيحي يلقي المواعظ في صومعته أو عموده على زهاد المسلمين السائحين في الصحراء - أدلة قاطعة على أن مذاهب هؤلاء الزهاد كانت إلى حد كبير مستندة إلى تعاليم وتقاليد يهودية ومسيحية. ومن ذلك آيات كثيرة من التوراة والإنجيل مذكورة بين الأقوال المنسوبة إلى أولياء المسلمين , وأن القصص الإنجيلية التي كان يقصها رهبان المسيحيين على طريقتهم الخاصة كان يتلهف على قراءتها المسلمون: مثال ذلك المجموعة المعروفة باسم الإسرائيليات التي يقال إن وهب بن منبه (المتوفى سنة ٦٢٨ م) قد جمعها , وكتاب

стр. 91

قصص الأنبياء الذي كتبه الثعالبي (المتوفى سنة ١٠٣٦ م) , وهذا الأخير لا يزال موجوداً) (١). وأما قضية المصطلحات التي روجوها بين الناس , واستعملوها فيما بينهم فلا يشك أحد في كونها أجنبية في الإسلام ولغة الإسلام العربية , ومقتبسة مأخوذة من المسيحية بحروفها وألفاظها , معانيها ومدلولاتها مثل: (ناموس , رحموت , رهبوت , لا هوت , جبروت , رباني , روحاني , نفساني , جثماني , شعشعاني , وجدانية , فردانية , رهبانية , عبودية , ربوبية , , ألوهية , كيفوية) (٢). والجدير بالذكر , ومن الأشياء اللافتة للأنظار أن كل من حاول تبرئة التصوف عن كونه مأخوذا ومقتبسا من الرهبنة المسيحية لم يسعه الإنكار عن كون المسيحية إحدى مصادر التصوف , وأنه استفاد منها , ولو أنهم أصروا مع ذلك كونه إسلاميا بحتا , معارضين مع ما قالوه , ومناقضين مع ما أثبتوه , مقرين عليهم بالتعارض الفكري , والتضارب القولي , وإنكار ما هو ثابت لا يمكن رده ولا إنكاره , فيقول واحد من هؤلاء - ولا حظ الزحزحة الفكرية , والتناقض الشديد , والتعارض الغريب , والعجز الظاهر عن الدفاع , وضعف القوة وقلة الحيلة , مع الإنكار والإقرار في وقت واحد , لاحظ واقرأ واستمع - فيقول أحد الكتاب - وهو دكتور في العلوم - ردا على من يجعل النصرانية إحدى مصادر التصوف: (لم يقتصر الكلام في المصادر الصوفية على المصدر الفارسي أو الهندي بل ذهب فريق آخر من الباحثين إلى أن ثمة عناصر أخرى روحية يمكن أن ترد أصولها إلى أصول نصرانية. ويؤيد هذا الفريق مذهبه بما كان يوجد من صلات بين العرب والنصارى سواء في الجاهلية أو في الإسلام , وبما يلاحظ من أوجه الشبه الكثيرة بين حياة الزهاد والصوفية وتعاليمهم وفنونهم في الرياضة والخلوة والتعبد. وبين ما يقابل هذا كله في حياة المسيح وأقواله وأحوال الرهبان والقسيسين وطرقهم في العبادة واللباس. ومن الباحثين والمؤيدين: لهذا الاتجاه (فون كريمر , وجولدزيهر , ونيكولسون وفلسنك وآسين وبلاسيوس , وأندريه وأوليري.

стр. 92

ويرى: (فون كريمر): أن التصوف الإسلامي والأقوال المأثورة عن الصوفية على أنهما ثمرات نمت وترعرعت ونضجت في بلاد العرب تحت تأثير جاهلي , حيث كان كثير من العرب الجاهلين نصارى , وكان كثير من هؤلاء النصارى قسيسين ورهباناً. وجولد زيهر: يستند إلى ما تقرره النصرانية من إيثار الفقر والفقراء على الغنى والأغنياء , فيزعم أن ما ورد في الحديث النبوي من هذا المعنى مستمد من النصرانية , ويعني هذا أن يترتب عليه أن الفقر والتخشن في الحياة إنما يرجع إلى أصل نصراني , ويضيف عليه نيكولسون أيضاً. ما يصطنعه الصوفية من صمت وذكر فيزعم أنه مأخوذ من النصرانية. هذا من حيث: أن التصوف زهد وطريقة في العبادة والرياضة واللباس. أما فيما يتعلق بها من حيث هي مذاهب تصور منازع أصحابها الفلسفية واتجاهاتهم الروحية والفلسفية معاً: فإن هناك طائفة من القصص والأقوال التي تروي عن المسيح مما ورد في كتب الصوفية أنفسهم , ويمكن أن يؤخذ على أنه مصدر لبعض المذاهب الصوفية الإسلامية .... على أننا لا ننكر ولا أحد يستطيع أن ينكر ما يوجد من أوجه الشبه بين حياة الزهاد ولباسهم وبعض تعاليم الصوفية وطرقهم في العبادة ومذاهبهم في الحب الإلهي , وبين حياة الرهبان ولباسهم , وبعض ما اثر عن المسيح وحوارييه من أقوال في المحبة وغيرها من شئون الحياة الروحية. فإننا لا نستطيع مع ذلك أن نجزم بأن مصدر التصوف والحياة الروحية في الإسلام إنما هو نصراني صرف. فصحيح أيضا أنه كان ممن مال إلى الرهبنة من العرب من يبني الأديرة - فقد روى عن حنظلة الطائي أنه فارق قومه وتنسك , وبنى ديراً بالقرب من شاطئ الفرات حيث ترهب فيه حتى مات , وكذلك قيل عن قس بن ساعدة كان يتقفر القفار , ولا تكنه دار , يتحسس بعض الطعام , ويأنس بالوحوش والهوام. وصحيح أنه يروي عن أمية بن أبي الصلت أنه ليس بالمنسوخ تعبداً وأن لكل من قس وأمية نثرا وشعراً وطبعاً بطابع ديني , وأصطبغا بصبغة الزهد في الدنيا والنظر في الكون , وصحيح بعد هذا كله , وفوق هذا كله , أن القسس والرهبان كانوا ينبثون منا

стр. 93

وهناك في أسواق العرب ويبشرون ويتحدثون عن العبث والحساب والجنة والنار كما يدل على ذلك كثير من آيات القرآن الكريم التي تتحدث عنهم وتحكي أقوالهم وتفند مذاهبهم. وتصور إلى أي حد كانت تعاليمهم بين العرب , فهذا كله صحيح لا شبهة فيه ولا غبار عليه ولكن الذي ليس بصحيح هو أن نجعل منه أساساً يبني عليه القول بأن وحدة مصدر التصوف الإسلامي. ولكن هناك تساءلاً وهو لماذا يقصر الباحثون أنظارهم على حياة المسيح وأقواله والرهبان وأحوالهم حين يحاولون ربط الصوفية بالمصادر النصرانية ولم لا يجوز أن يكون هذا التصوف أيضاً كان مسايرة لطبيعة الحياة العربية الجاهلية. وقد كانت وقتئذ حياة خشنة لا حظ لها من ترف , ولا أثر فيها لنعومة بحيث يمكن أن يقال: إن حياة الزهاد والصوفية في الإسلام إنما هي استمرار لهذه الحياة الخشنة البعيدة عن الزخرف والنعيم , والتي كان يحياها العرب الجاهليون بصفة عامة , والتي تصطبغ عند بعضهم بصبغة الخلوة والانقطاع عن الناس , إلى التفكر والتقرب من الآلهة يلتمسون عندهم الخير والحكمة؟ بل وما الذي يمنع أيضاً من أن يكون مرجع الحياة الروحية الإسلامية هو مذهب الحياة التي كان يحياها قوم في الجاهلية يعرفون ببني صوفة , الذين انفردوا لخدمة الله عند بيته الحرام؟ ومع هذا لا أحد ينكر ما للمسيحية والرهبان من تأثير بالغ في الحياة الجاهلية السابقة. وبالإضافة إلى ما نلتقي به في ثنايا بعض النظريات الصوفية في الحب الإلهي ببعض الألفاظ والعبارات والعقائد التي هي من أصل نصراني مثل القول: (باللاهوت والناسوت) أو (حلول اللاهوت في الناسوت) أي حلول الإله (اللاهوت) في المسيح الإنسان (الناسوت) أو حلول الأول في الثاني إذا بلغ هذا درجة معينة من الصفاء الروحي. ومثل القول (بالكلمة) التي هي في النصرانية واسطة بين الله والخلق , والتي اصطنعها بعض الصوفية في التعبير عن نظرياتهم في الحقيقة المحمدية , باعتبارها أول مخلوق خلقه الله , أو: أول تعين للذات الإلهية فاضت منه بقية التعيينات الأخرى

стр. 94

من روحية ومادية , ولم تظهر هذه العناصر النصرانية وأشباهها إلا بعد أن كان المسلمون قد اختلطوا بالنصارى وأخذوا يحاورونهم ويجادلونهم في العقائد , فكان طبيعيا أن ينتشر بعض هذه العقائد النصرانية , وأن يعمل عمله في البيئة الإسلامية , ويتردد صداه في أقاويل الصوفية ومذاهبهم في الحب الإلهي وفيما يتصل به , من اتحاد بين الرب والعبد , ومن حلول الرب في العبد. وهذا أمر طبعي ملازم لسنة الحياة وتطورها: إذ لا يمكن وقد تطور التصوف وقد استحال إلى علم له مناهجه ومذاهبه ومنازعه الروحية المصطبغة بصبغة فلسفية , أن يظل الصوفية بمعزل عن هذا الجو الذي امتلأ بالأفكار والعقائد النصرانية وما يدور حولها وجدل بين المسلمين والنصارى دون أن يكون له أثر فيما صدر عنهم من أقوال , وما ذهبوا إليه من مذاهب , لا سيما إذا كانت هذه الأقوال والمذاهب تدور حول مسائل تتصل من قريب أو بعيد بالعقائد) (١). ويقول الدكتور التفتازاني بعد الرد على المستشرقين القائلين بأن كثيرا من أمور التصوف مأخوذة من النصرانية , يقول بعد الرد عليهم: (ومع هذا لا ننكر تأثر بعض الصوفية المتفلسفين بالمسيحية , على نحو ما نجد عند الحلاج الذي استخدم في تصوفه اصطلاحات مسيحية كالكلمة واللاهوت والناسوت وما إليها , ولكن هذا لم يظهر إلا في وقت متأخر (أواخر القرن الثالث الهجري) بعد أن كان زهد الزهاد قد استقر في القرنين: الأول والثاني الهجريين , واصبح دعامة لكل تصوف لاحق. ولذلك فإن من الإنصاف العلمي القول بأن مذاهب الصوفية في العلم , ورياضاتهم العلمية , ترد إلى مصدر إسلامي , إلا أنه بمرور الوقت وبحكم التقاء الأمم واحتكاك الحضارات , تسرب إليها شيء من المؤثرات المسيحية أو غير المسيحية , فظن بعض المستشرقين خطأ أن الصوفية أخذوا أول ما أخذوا عن المسيحية) (٢). فهذه هي خلاصة الكلام في ذلك , نكتفي بها ظانين بأنها كافية لجلاء الموضوع , وتنوير الطريق لمن أراد أن يتقدم إليه ويسلك فيه.

стр. 95

المذاهبُ الهنْديّة وَالفَارسيَّة وأما كون التصوف وتعاليمه وفلسفته , أوراده وأذكاره , وطرق الوصول إلى المعرفة , والمؤدية إلى الفناء , مأخوذة مستقاة من المذاهب الهندية والمانوية , والزرادشتية أيضا فلا ينكرها منكر , ولا يردها أحد , ولا يشك فيها شاك , بل إن كبار الكتاب عن التصوف والباحثين فيه من المستشرقين والمسلمين , وحتى الصوفية أقروا بذلك حيث لم يسعهم إلا الاعتراف بهذه الحقيقة الظاهرة الجلية التي لا يمكن تجاهلها ولا إغفالها البتة. فإن الأستاذ أبا العلاء العفيفي كتب في ثنايا بحثه عن المشتغلين من المستشرقين في الدراسة عن التصوف: (وأما ريتشورد هارتمان , وماركس هورتين فنزعتهما واحدة: وهي أن التصوف يستمد أصوله من الفكر الهندي , وإن كان هورتين قد بذل من المجهود في إثبات هذه النظرية ما لم يبذله أي كاتب آخر. فقد كتب في سنتي ١٩٢٧ , ١٩٢٨ مقالتين حاول أن يثبت في إحداهما , بعد تحليل تصوف الحلاج والبسطامي والجنيد , أن التصوف الإسلامي في القرن الثالث الهجري كان مشبعا بالأفكار الهندية , وأن الأثر الهندي أظهر ما يكون في حالة الحلاج. وفي المقالة الثانية يؤيد النظرية نفسها عن طريق بحث المصطلحات الصوفية الفارسية بحثا فيلولوجيا , وينتهي إلى أن التصوف الإسلامي هو بعينه مذهب الفيدانتا الهندية. ويستند هارتمان في إثبات نفس الدعوى إلى النظر في الصوفية أنفسهم وفي مراكز الثقافة القديمة التي كانت منتشرة في بلادهم , لا إلى المصطلحات الصوفية كما فعل هورتن. وقد نشر في مسألة أصل التصوف مقالا هاماً سنة ١٩١٦ في مجلة Der Islam وخلاصة بحثه أن التصوف الإسلامي مدين للفلسفة الهندية التي وصلت إليه عن طريق مترا وماني من جهة , وللقبّالة اليهودية والرهبنة المسيحية والغنوصية والأفلاطونية الحديثة من جهة أخرى. وهو يرى أن الذي جمع هذه العناصر كلها ومزجها مزجا تاما في التصوف هو أبو القاسم الجنيد البغدادي (المتوفى سنة ٢٩٧ هـ) , فإليه يجب أن تتجه عناية الباحثين. أما حججه في تأييد الأصل الهندي فهي:

стр. 96

أولا: أن معظم أوائل الصوفية من أصل غير عربي كإبراهيم بن أدهم وشقيق البلخي وأبي يزيد البسطامي ويحيى بن معاذ الرازي. ثانيا: أن التصوف ظهر أولا وأنتشر في خراسان. ثالثا: أن تركستان كانت قبل الإسلام مركز تلاقي الديانات والثقافات الشرقية والغربية , فلما دخل أهلها في الإسلام صبغوه بصبغتهم الصوفية القديمة. وهذا كلام أشبه ما يكون بماذكره كل من ثولك وفون كريمر في هذا الموضوع. رابعا: أن المسلمين أنفسهم يعترفون بوجود الأثر الهندي. خامسا: أن الزهد الإسلامي الأول هندي في نزعته وأساليبه. فالرضا فكرة هندية الأصل , واستعمال الزهاد للمخلاة في سياحتهم , واستعمالهم للسبح , عادتان هنديتان) (١). ثم علق الأستاذ عفيفي على كلام هورتمان بقوله: (ولكن المسألة أعقد من ذلك بكثير , فقد تبين لي من البحث في تصوف مشايخ خراسان وتصوف مدرسة نيسابور خاصة , أنه وإن كانت له صبغة محلية إلى حد ما , متأثر بتيارات غير محلية وصلت إليه من مراكز التصوف الأخرى في العراق والشام , وأنه كانت لبعض الحركات غير الدينية - كحركة الفتوة التي كانت في بدء أمرها اجتماعية بحتة - شأن كبير في تشكيل بعض تعاليم هؤلاء الصوفية) (٢). ثم إن الأستاذ عفيفي في مقاله هذا لم يذكر واحدا من المستشرقين الذين كتبوا عن التصوف إلا وقد ذكروا رأيا يشبه رأي هاتمان , وهورتن. وقد سبق هؤلاء المستشرقين والقائلين بهذا الرأي من الباحثين , سبقهم جميعا البيروني , حيث قارن بين العقائد الهندية والعقائد الصوفية في كتابه المشهور (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة). وأوجه الشبه التي ذكرها البيروني بين العقائد الهندية والعقائد الصوفية هي تتلخص في أمور ثلاثة: أولا: الأرواح.

стр. 97

ثانيا: في طريق الخلاص. ثالثا: الغاء التمايز ومحو الأشارة (١). هذا والقارئ لأقوال الصوفية , والعارف بأحوالهم ورياضاتهم ومجاهداتهم يلاحظ بنفسه تشابها كبيرا بين هؤلاء وأولئك , وخاصة في تعذيب النفس , وتحمل المشاق , والتجوع , وحبس النفس , وإماتة الشهوات , والهروب من الأهل والأولاد , والجلوس في الخلوات , مراقبة صورة الشيخ , طرق الذكر , وكثير من العادات والتقاليد والرسوم , حيث لا يرى فيها إلا مشابهة تامة بتلك المذاهب وأصحابها , كمالا يرى فيها أي أثر للإسلام وتعاليمه , ولا ثبوت من حاملي رايته , ومتمسكي سبيله , متبعي طريقه. ولوضع النقاط على الحروف لا نرضى مقولات الناس , بل نورد شهادات داخلية , واعترافات ذاتية , وعبارات ناطقة عن منابعها ومصادرها. فنبدأ بسيد الطائفة الذي قال فيه أبو العباس عطاء: (إمامنا في هذا العلم ومرجعنا المقتدى به) (٢). والذي قيل فيه: (إن الرجال من هذه الطائفة ثلاثة لا رابع لهم: الجنيد ببغداد. وأبو عبد الله بالشام , وأبو عثمان بنيسابور) (٣). ونقل نيكلسون عن الجامي أنه قال: (أن الجنيد أول من صاغ المعاني الصوفية , وشرحها كتابة , وأنه كان يعلّم التصوف في بيوت خاصة وفي السراديب) (٤). ويكفي لبيان مقامه ومكانته عند القوم تلقيبهم إياه بسيد الطائفة , فنبدأ به فيقول: (ما أخذنا التصوف عن القيل والقال , لكن عن الجوع , وترك الدنيا , وقطع المألوفات والمستحسنات) (٥).

стр. 98

وسئل أبو يزيد البسطامي: (بأي شيء وجدت هذه المعرفة؟ فقال: ببطن جائع وبدن عار) (١). ونقل الطوسي عن يحيى بن معاذ أنه قال: (لو علمت أن الجوع يباع في السوق ما كان ينبغي لطلاب الآخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره) (٢). ونقل النفزي الرندي المتوفى ٧٩٢ هـ عن حاتم الأصم أنه قال: (من دخل في مذهبنا هذا فليجعل في نفسه أربع خصال من الموت: موت أحمر , وموت أسود , وموت أبيض , وموت أخضر. فالموت الأبيض الجوع , والموت الأسود احتمال أذى الناس , , والموت الأحمر مخالفة النفس , والموت الأخضر طرح الرقاع بعضها على بعض) (٣). والسلمي أيضا نقل عنه أنه قال: (ما من صباح إلا والشيطان يقول لي: ما تأكل؟ وما تلبس؟ وأين تسكن؟. فأقول: آكل الموت , وألبس الكفن , وأسكن القبر) (٤). والشعراني نقل في طبقاته عن أبي محمد عبد الله الخراز أنه قال: (الجوع طعام الزاهدين) (٥). ونقل الغزالي عن سهل بن عبد الله التستري أنه قال: (ما صار الإبدال إلا بإخماص البطون , والسهر , والصمت , والخلوة) (٦). ثم , وروى الغزالي في إحيائه روايات كثيرة مكذوبة على النبي ﷺ في فضل الجوع (٧).

стр. 99

ومما يجدر ذكره أن المحقق كتب في تعليقاته عن جميع تلك الروايات في فضل الجوع أنه لم يجد لها أصلا (١). هذا , ونقل عماد الدين الأموي عن عيسى ﵇ أنه قال: (طوبى للجياع العطاش فإنهم هم الذين يرون الله) (٢). وقال السهر وردي: (قد اتفق المشائخ على أن بناء أمرهم على أربعة أشياء: قلة الطعام , وقلة المنام , وقلة الكلام , والاعتزال على الناس) (٣). ثم بيّن طريق التدرّب على الجوع , وهي تشبه تماما طريقة يوجا الهندية حذو القذة بالقذة , وطبق النعل , فيقول: (وقد اتفق مشايخ الصوفية على أن بناء أمرهم على أربعة أشياء: قلة الطعام وقلة المنام وقلة الكلام والاعتزال عن الناس , وقد جعل للجوع وقتان , أحدهما: آخر الأربع والعشرين ساعة فيكون من الرطل لكل ساعتين أوقية بأكلة واحدة يجعلها بعد العشاء الآخرة أو يقسمها أكلتين , كما ذكرنا , والوقت الآخر: على رأس اثنتين وسبعين ساعة , فيكون الطي ليلتين والإفطار في الليلة الثالثة , ويكون لكل يوم ثلث رطل , وبين هذين الوقتين وقت وهو أن يفطر من كل ليلتين ليلة , ويكون لكل يوم وليلة نصف رطل , وهذا ينبغي أن يفعله إذا لم ينتج عليه سآمة وضجراً وقلة انشراح في الذكر والمعاملة , فإذا وجد شيئا من ذلك فليفطر كل ليلة ويأكل الرطل في الوقتين أو في الوقت الواحد , فالنفس إذا أخذت بالإفطار من كل ليلتين ليلة , ثم ردت إلى الإفطار كل ليلة تقنع , وإن سومحت بالإفطار كل ليلة لا تقنع بالرطل وتطلب الإدام والشهوات , وقس على هذا , فهي إن أطمعت طمعت , وإن أقنعت قنعت , وقد كان بعضهم ينقص كل ليلة بقدر نشاف العود , ومنهم من كان ينقص كل ليلة ربع سبع الرغيف حتى يفنى الرغيف في شهر , ومنهم من كان يؤخر الأكل ولا يعمل في تقليل القوت ولكن يعمل في تأخيره بالتدريج حتى تندرج ليلة في ليلة , وقد فعل ذلك طائفة حتى انتهى

стр. 100

طيّهم إلى سبعة أيام وعشرة أيام وخمسة عشر يوما إلى الأربعين. وقد قيل لسهل بن عبد الله: هذا الذي يأكل في كل أربعين وأكثر أكله أين يذهب لهب الجوع عنه؟. قال: يطفئه النور) (١). وكذلك التعري لم يأخذه الصوفية إلا من البوذية والجينية. وجلّ تماثيل البوذا وصور رجال الديانات الهندوكية كلها ناطقة منبئة عمن أخذها القوم هذه القباحة والوقاحة. حتى إن طائفة من طوائف الجينية تسمى ويجامبرة أي أصحاب الزي السماوي , الذين لم يتخذوا كساء لهم غير السماء , وهم الذين يقولون: (إن العرفاء الكاملين لا يقتاتون بشيء , وإن من يملك شيئا من متع الدنيا ولو كان ثوبا واحدا يستر به عورته لا ينجو) (٢). وإننا لنجد كثيراً من الصوفية , ويسمون المجاذيب , يتجردون عن الثياب البتة , ويمشون في الأسواق , ويجلسون في الخانقاوات كما خلقهم الله. ولقد ذكر أصحاب الطبقات الصوفية , الكثيرين من هؤلاء. ونورد ههنا واحدا ممن ذكرهم الشعراني (قطب زمانه وإمام عصره) في طبقاته , فيقول: (الشيخ إبراهيم العريان: كان ﵁ إذا دخل بلدا سلّم على أهلها كبارا وصغارا بأسمائهم , حتى كأنه تربى بينهم (يعني كان يعلم الغيب) , وكان ﵁ يطلع المنبر ويخطب عريانا) (٣). وأما هجر الأهل والأولاد , والخروج إلى الغارات والجبال , والجلوس في البراري والحفرات والسراديب , والمكوث مع الحيات والثعابين فليست منقولة إلا من الديانات الهندية التي عرفت واشتهرت بمثل هذه الأمور. فلقد أوردنا في أول المقال قصة إبراهيم بن أدهم الصوفي القديم , وتركه للأهل والأولاد , مقارنة بقصة بوذا وحياته , وأنها مطابقة تماما لها. وهناك أقوال ونصوص كثيرة في هذا المعنى , ذكرنا بعضا منها فيما مرّ , وسنذكر

стр. 101

البعض الآخر إن شاء الله في الجزء الثاني من هذا الكتاب. وإننا ننقل ههنا بعض الآراء والوقائع التي لها علاقة مباشرة ووطيدة بالمذاهب والفلسفات الهندية. فمنها ترك المال والخروج منه, وحتى القوت الذي يحتاج إليه لإبقاء الحياة, ثم التسول أمام الناس , والاستجداء منهم. كما ذكر أبو طالب المكي عن أحد الصوفية أنه دفع إليه كيس فيه مئون دراهم في أول النهار ففرقه كله , ثم سأل قوتا في يده بعد عشاء الآخرة (١). وأورد الطوسي مثله عن أبي حفص الحداد أنه كان أكثر من عشرين سنة يعمل كل يوم بدينار وينفقه على الصوفية , ثم يخرج بين العشائين فيتصدق من الأبواب (٢). والمعروف أن التسول والاستجداء والوقوف على أبواب الناس , وحمل المخلاة والكشكول من لوازم الديانة البوذية , ومن نصائح بوذا الثمانية المشهورة التي نصح بها دراويشه ورهبانه , كما أنه ألزمهم سير البراري , وقطع الصحاري , أو المكوث في الخانقاوات , والانشغال فيها بالذكر. ولقد أخذت الصوفية هذا النظام بكامله من البوذية , وألزموا أنفسهم به , كأنهم هم الذين نصحهم بوذا بذلك فيقول الطوسي: (الأكل بالسؤال أجمل من الأكل بالتقوى) (٣). وقال: (كان بعض الصوفية ببغداد لا يكاد يأكل شيئا إلا بِذُلّ السؤال) (٤). ويروي الهجويري عن ذي النون المصري أنه قال: (كان لي رفيق موافق دعاه إليه , وأنتقل من محنة الدنيا إلى نعمة العقبى , ورأيته في النوم فقلت له: ما فعل الله بك؟. قال: غفر لي. قلت: بأي خصلة؟. قال: أوقفني وقال: يا عبدي , لقد تحملت كثيرا من الذّل والمشقة من السفلة

стр. 102

والبخلاء ومددت إليهم يدك , وصبرت في ذلك , وقد غفرت لك بذلك) (١). ونقل السهروردي عن إبراهيم بن أدهم أنه كان معتكفا بجامع البصرة مدة , وكان يفطر في كل ثلاث ليال ليلا , وليلة إفطاره يطلب من الأبواب (٢). كما نقل عن أبي جعفر الحداد وكان أستاذ الجنيد أنه كان يخرج بين العشائين , ويسال من باب أو بابين (٣). وذكر عن النوري أنه كان يمدّ يده ويسأل الناس (٤). وذكر النفزي الرندي عن أبي سعيد الخراز أنه كان يمدّ يده ويقول: (ثمّ شيء لله) (٥). وذكر الشعراني أشياء طريفة عن فقراء الزاوية التي بناها يوسف العجمي , الذي قال عنه: هو أول من أحيا طريقة الشيخ الجنيد بمصر بعد إندراسها , يقول الشعراني عن هذا الصوفي وتلاميذه: (كانت طريقة التجريد , وأن يخرج كل يوم من الزاوية فقيرا يسأل الناس إلى آخر النهار فمهما أتى به يكون قوت الفقراء ذلك النهار كائنا من كان. وكان الفقراء يأتي أحدهم بالحمار محملا خبزا وبصلا وخيارا وفجلا ولحما , ويوم سيدي يوسف يأتي ببعض كسيرات يابسة يأكلها فقير واحد , فسألوه عن ذلك , فقال: أنتم بشريتكم باقية , وبينكم وبين الناس ارتباط فيعطونكم , وأنا بشريتي فنيت حتى لا تكاد ترى فليس بيني وبين التجّار والسوقة وأبناء الدنيا كبير مجانسة. وكان صورة سؤاله أن يقف على الحانوت أو الباب ويقول: الله , ويمدّها حتى يغيب , ويكاد يسقط على الأرض , فيقول من لا يعرفه: هذا العجمي راح في الزقزية.

стр. 103

وكان رضى الله عنه يغلق باب الزاوية طول النهار لأحد إلا للصلاة. وكان إذا دقّ داق الباب يقول للنقيب: اذهب فانظر من شقوق الباب , فإن كان معه شيء من الفتوح للفقراء فافتح له , وإلا فهي زيارات فشارات) (١). فلاحظ ما فيه من الطرائف والأضحوكات. وابن عجيبة الحسني ذكر عن التجيبي ابن ليون أنه بين أصل السؤال ومسألة الزنبيل , فيقول: (كيفيته: أن يتوضأ الرجل ويصلي ركعتين , ويأخذ الزنبيل (يعني وعاء) بيده اليمنى , ويخرج إلى السوق ومعه رجل آخر يذكر الله ويذكر الناس , والناس يعطونه في ذلك الزنبيل حتى يجمع ما تيسر من الطعام , ويعبّه بين الفقراء فيأكلون طعاما حلالا بلا تكلف ولا كلفة , هذا ما تيسر لنا في حكم السؤال) (٢). وأما من عاش في الصحارى , وتجوّل في البراري فكثيرون جداً , وقد نقل السهروردي عن بشر بن الحارث أنه قال: (يا معشر القراء , سيحوا تطيبوا) (٣). وقال: أو من جملة المقاصد في السفر: رؤية الآثار والعبر , وتسريح النظر في مسارح الفكر , ومطالعة أجزاء الأرض والجبال ومواطئ أقدام الرجال , واستماع التسبيح من ذوات الجمادات , والفهم من لسان حال القطع المتجاورات , فقد تتجدد اليقظة بتجدد ومستودع العبر والآيات , وتتوفر بمطالعة المشاهد والمواقف الشواهد والدلالات. قال الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. وقد كان السري يقول للصوفية: إذا خرج الشتاء ودخل آذار وأورقت الأشجار طاب الانتشار. ومن جملة المقاصد للسفر: إيثار الخمول وإطراح حظ القبول) (٤).

стр. 104

وكان قسم منهم يسافر دوما , ولذلك سمو بالسياحيين كما قال الكلاباذي: (ولكثرة أسفار سمّوا: سياحين , ومن سياحتهم في البراري وإيوائهم إلى الكهوف عند الضرورات سماهم بعض أهل الديار شكفتية. والشكفت بلغتهم الغار والكهف) (١). وقد ذكر أصحاب الطبقات وكتب الصوفية أحوال الكثيرين منهم. فيذكر أحد الصوفية القدامى الهجويري عن أبي عثمان المغربي: (أنه في بداية حالة أعتزل عشرين سنة في البوادي بحيث لم يكن يسمع آدميا , حتى ذابت بنيته من المشقة , وصارت عيناه كسّم الخياط , وتحول عن صورة الآدميين , وجاءه الأمر بالصحب بعد عشرين عاما , وقيل له: أصحب الخلق. فقال لنفسه: فلأبدأ بصحبة أهل الله ومجاوري بيته , ليكون ذلك أكثر بركة , فقصد مكة , وأطلع المشائخ على مجيئة بقلوبهم , خرجوا لاستقباله , فوجدوه وقد تبدلت صورته , وفي حال لم يكن قد بقي عليه فيها شيء سوى رق الخلقة) (٢). وقال أبو طالب المكي: قد كان الخواص لا يقيم في بلد أكثر مت أربعين يوما , ويرى أن ذلك علّة في توكله , فيعمل في إختبار نفسه وكشف حاله. وحدثنا عن بعض الشيوخ قال: (لبثت في البرية أحد عشر يوما لم أطعم شيئا) (٣). كما يقول: (خرجت طائفة الأبدال إلى الكهوف تخلّيا من أبناء الدنيا) (٤). ونقل السهروردي عن إبراهيم الخواص أنه ما كان يقيم في بلد أكثر من أربعين يوما , وكان يرى: إن أقام أكثر من أربعين يوما يفسد عليه توكله , فكان علم الناس ومعرفتهم إياه سببا ومعلوما. وحكى عنه أنه قال: مكثت في البادية أحد عشر يوما لم آكل , وتطلعت نفسي أن آكل من حشيش البر , فرأيت الخضر مقبلا نحوي فهربت منه , ثم التفت فإذا هو

стр. 105

رجع عني , فقيل: لم هربت منه؟. قال: تشوفت نفسي أن يغيثني , فهؤلاء الفرارون بدينهم) (١). ونقل الشعراني عن عدي بن مسافر الأموي الذي قال فيه: هو أحد أركان الطريقة وأعلى العلماء بها , والذي نقل فيه عن الشيخ عبد القادر أنه قال: لو كانت النبوة تنال بالمجاهدة لنالها عدي بن مسافر , يقول عنه الشعراني: أنه أقام أول أمره زمانا في المغارات والجبال والصحاري مجردا سائحا يأخذ نفسه بأنواع المجاهدات , وكانت الحيات والهوام والسباع تألفه فيها (٢). وكذلك ينقل الشعراني عن شيخه أمين الدين أنه قال: (كان شخص من أرباب الأحوال بناحية شان شلمون بالشرقية جالسا في البرية , وقد حلّق على نفسه بزرب شوك , وعنده داخل هذه الحلقة الحيات والثعالب والثعابين والقطط والذئاب والخرفان والأوز والدجاج) (٣). هذا ومثل هذا كثير في كتب الطبقات العربية والفارسية والأردية , وكتب اللغات الأخرى التي ألفت تراجم الصوفية. وأما الجلوس في الخانقاوات , وملازمة الربط والتكايا والزوايا فهو من لوازم التصوف , فإن الصوفية خصصوا أبوابا مستقلة في كتبهم لبيان فضائل ملازمتها , والمكوث فيها , كما أنهم بيّنوا فيها آداب الخلوة والدخول إليها والمكوث فيها. كما قال السهروردي: (إعلم أن تأسيس هذه الربط من زينة هذه الملة الهادية المهدية , ولسكان الربط أحوال تميزوا بها عن غيرهم من الطوائف , وهم على هدى من ربهم) (٤). وذكر الصوفي المشهور الكمشخانوي في كتابه (جامع الأصول في الأولياء) آداب الخلوة , فيقول: (للدخول في الخلوة آداب وشروط , منها: ١. أن يستأذن الشيخ في دخول الخلوة.

стр. 106

٢. أن يدخل الشيخ الخلوة ويصلي فيها ركعتين قبل دخول المريد. ٣. أن يدخلها كما يدخل المسجد مقدّما رجله اليمنى , مبسملا متعوذا. ٤. أن تكون الخلوة مظلمة لا يدخلها شعاع الشمس ولا ضوء النهار. ٥. أن لا يستند إلى جدار الخلوة. ٦. الصوم. ٧. أن يعتقد في نفسه أنه إنما يدخل الخلوة لكي يستريح الناس من شره. ٨. أن لا يتكلم مع أحد في الخلوة أو خارجها إلا مع شيخه. ٩. إذا خرج إلى الصلاة أو الوضوء فليغطِّ رأسه ورقبته بشيء مطرقا إلى الأرض غير ناظر إلى أحد. ١٠. دوام تخيل صورة شيخه , وهو الرابطة بينه وبين خالقه ... فإنه إذا همّ بمعصية يتمثل له الشيخ فينزجر عن فعلها - إلى آخر الكلام) (١). وأما التشابه بين الذكر الصوفي وذكر الطوائف الهندية فهو كما ذكر القشيري: (المبتدئ في الأحوال يجب أن يسكن حواسه ولا يتحرك أنفاسه ولا يحرك بدنه , ولا يحرك جزء منه ولا يردد طرفه ولا شيئا , ويكون مراعيا لهمته , ولا يحرك البتة جزء من نفسه ولا من بدنه ولا من باطنه حتى تبدو الأحوال له بعد طول المراعاة. ثم يجب ألا ينظر إليها ولا إلى ما يبدو له البتة لئلا يحجب عنها , فلا يزال في المزيد منها إن شاء الله تعالى. قال: وهذا الطريق الذي هو طريق الله تعالى لا بدّ فيه من طول المجاهدة ومقاساة ما يحتمله الأسماع والقلوب من الشدائد لو حلّت بها ... وكنت أحيانا في بدو المجاهدة وأحوال الذكر لو استتر مني في السماء لكان الستر على أهون من أن أقوم للأكل , وأتحرك للوضوء والفرض لأنه كان يعيب عني الذكر) (٢). وذكر الشعراني عن سيده البدوي أنه لازم الصمت , وما كان يكلم الناس إلا بالإشارة (٣).

стр. 107

وملازمة الصمت من العادات البوذية كما يظهر من تماثيل بوذا. وكذلك ذكر الشعراني أيضا عن سيده عبد الرحمن المجذوب أنه كان ثلاثة أشهر يتكلم , ثلاثة أشهر يسكت (١). وهناك عقيدة بوذية تسمى سمادهي ( SAMADHI) وهذه آخر درجات الذاكر يفنى فيها ذاته في الذات الإلهي (٢). يذكر نفس هذا الشيء صوفي مشهور بحرق الحضرمي في رسالته (ترتيب السلوك) , فيقول: من لم يتيسر له شيخ , وأراد دخول الخلوة فليقدم الاغتسال , وغسل ثيابه ومصلاه , ويهيئ أسبابه بحيث لا يحتاج إلى الخروج , ويرتب لحوائجه من قوت وغيره ... ثم ليلازم الجوع فيكون صائما مقتصرا على قدر معلوم من الطعام والماء مقتصدا لا يزيد عليه أبدا , وليلازم السهر فلا ينام إلا في وقت معلوم , وليلازم الذكر فيقتصر على ملازمة ذكر واحد. ينطق بذلك الذكر بعينه بحيث يظن من يسمعه أن معه في خلوته ألف ذاكر لله , ثم يغلب عليه حال الذكر فلا ينظر في الوجود شيئا يقع عليه نظره إلا معلنا بذلك الذكر بعينه بحيث لو كان عنده ألف شخص , كل منهم يذكر بذكر مخالف للآخر لم يسمعهم ينتطقون إلا بذكره الذي غلب عليه , وحينئذ يبقى منتظرا لما يفتح الله به على قلبه من رحمته وعلم غيبه , وأول ما يظهر غالبا أنوار إلهية كأنها البرق الخاطف تلمع بسرعة , ويختفي وهي لذيذة جدا يحصل بوجودها الوجد , وباختفائها الحنين إليها , وبما غشيته أنوارها. ثم يصير قلبه كالمرآة المجلوه فيكون مقابلا للجناب القدس , فيصير كل شيء كأنه مشاهد للحق سبحانه علما وحالا فانيا عن نفسه , فضلا عن خيرها , فحينئذ يعبد الله كأنه يراه ويشهده (٣). وأما الفناء في الشيخ فيذكر الشعراني في كتابه (الأنوار القدسية): (اعمل أيها المريد على أن تتحد بشيخك , فيكون ما عنده من المعارف عندك على حدّ سواء ويكون تميزه عليك إنما هو بالإضافة لا غير , قال: وقد قال لي الشيخ

стр. 108

أبو الحسن الشاذلي يوما: يا أبا العباس , ما صحبتك إلا لتكون أنت أنا وأنا أنت) (١). وأما تعذيب النفس , وحبس الدم , والرياضات الشاقة فمنها ما ذكرناها أثناء الوقائع التي سردناها آنفا. ومن ذلك ما ذكره الشعراني في طبقاته عن البدوي انه: (كان طول نهاره وليله قائما شاخصا ببصره إلى السماء وقد انقلب سواد عينيه بجمرة تتوقد كالجمر. وكان يمكث الأربعين يوما وأكثر لا يأكل ولا يشرب ولا ينام) (٢). ويقول المنوفي , وأبو الهدى الرفاعي أن مكوثه هذا امتدّ إلى اثنتي عشرة سنة حيث يقولان: (ومكث على السطوح حوالي اثنتي عشرة سنة) (٣). ويذكر الطوسي والقشيري والعطار والهجويري والغزالي والشعراني وغيرهم (أن الشبلي كان يكتحل بالملح ليعتاد السهر ولا يأخذه النوم , وأحيانا كان يحمي الميل فيكتحل به) (٤). وينقل القشيري في رسالته (ترتيب السلوك): (كنت أريد أن لا أنام لئلا أغيب عن الذكر لحظة , فكنت أقعد على حجر ناتئ من جدران بيتنا من الحجر قدر ما أضع عليه قدمي , وتحتي واد , وفوقي شاهق حتى لا يأخذني النوم) (٥). وكتب الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر سابقا , وصوفي مشهور ,

стр. 109

عن أحمد الدردير أنه ردد الذكر ستة أشهر حتى أحرق الذكر جسمه , وأذهب لحمه ودمه حتى صار مجرد الجلد على العظم) (١). وذكر الدريني عبد العزيز الصوفي المتوفى ٦٩٧هـ عن داود بن أبي هند أنه (صام أربعين سنة لم يعد الناس عنه ولا أهل بيته , وكان يؤتى بالإناء ناقصاً فيتمه بالدموع) (٢). ويذكر الطوسي عن أبي عبد الله الصبيحي أنه: (لم يخرج ثلاثين سنة من بيت من تحت الأرض) (٣). ويذكر فريد الدين العطار عن الصوفي المشهور أبي بكر الشبلي أنه (كانت في يده قضيب يضرب به فخذه وساقه حتى تبدد لحمه (٤) وتناثر) (٥).

стр. 110

وحكى عبد العزيز الدباغ عن صوفي أنه (رمى بنفسه في بداية مجاهدته من حلقة داره إلى أسفل تسعين مرة) (١). ويحكي عماد الدين الأموي قصة صوفي هندي دمعت إحدى عينية ولم تبك الأخرى , فقال لعينه التي لم تدمع: (لأحرمنك النظر إلى الدنيا , وغمض عينه , فلم يفتح عينه أكثر من ستين سنة) (٢). وذكر عن صوفي هندي خضر سيوستاني القادري أنه (كان يسكن في المقابر , ولا يلبس إلا رداء واحدا , وكان يأكل العشب وأوراق الأشجار , كان له تنور يحميه ويتعبد فيه , وكانت حيوانات البادية تجالسه وتأوي إليه , وكان يتعبد في فصل الصيف على حجر حارّ خصّه لنفسه) (٣). ويذكر الميرزه محمد أختر الدهلوي عن الصوفي فخر الدين رازي أنه (كان يسكن ليل نهار في الغابات) (٤). وحكى عن صوفي هندي مشهور ميان أمير أنه (كان يسكن الجبال بعيدا عن الناس) (٥). وهناك صوفي مشهور فريد الدين الملقب بكنج شكر فيحكي عنه أنه (علّق نفسه معكوسة في بئر , ولم يزل على هذه الحال أربعين سنة لم يأكل ولم يشرب شيئا) (٦). وصوفي هندي آخر أحمد عبد الحق (حفر لنفسه قبرا , واشتغل فيه بالعبادة ستة أشهر) (٧). وأما حبس الدم فيذكر القشيري: (المبتدئ في الأحوال يجب أن يسكن حواسه , ولا يتحرك أنفاسه) (٨).
следующие страницы →