← Тараджим

Тараджим · id 5402

رجال المعلقات العشر

مصطفى الغلاييني

Полный текст (62 стр.). Показаны 36–62 · переход к 41.

стр. 36

"هذه التربية التي لا تذكي نارا، ولا توهل دارا، ولا تسر جارا، عودها ضئيل، وفرعها كليل، وخيرها قليل. أقبح البقول مرعى، وأقصرها فرعا، وأشدها قلعا، فتعسا لها وجدعا. بلدها شاسع، وآكلها جائع، والمقيم عليها قانع. إلقوا بي أخا عبس، أرده عنكم بتعس ونكس، وأتركه من أمره في لبس" قالوا: "نصبح غدا ونرى فيك رأينا" فقال لهم عامر: انظروا إلى غلامكم هذا، "يعني لبدا" فإن رأيتموه نائما فليس من أمره شيء، إنما هو يتكلم بما جاء على لسانه، ويهذي بما يهجس به خاطره. وإذا رأيتموه ساهرا فهو صاحبه" فرمقوه فوجدوه وقد ركب رحلا فهو يكدم وسطه. حتى أصبح. فقالوا: "أنت صاحبه". فعمدوا إليه، فحلقوا رأسه وتركوا ذؤابته وألبسوه حلة. ثم غدوا به معهم على (النعمان) . فوجدوه يتغدى، ومعه (الربيع) ، وهما يأكلان لا ثالث لهما. والدار والمجالس مملوءة من الوفود. فلما فرغ من الغداء أذن للجعفريين، فدخلوا عليه: "وكان أمرهم قد تقارب" فذكروا للنعمان الذي قدموا له من حاجتهم. فاعترض "الربيع بن زياد" في كلامهم. فقام "لبيد" يرتجز ويقول: أكل يوم هامتى مقزعه؟ ... يا رب هيجا هي خير من دعه يا واهب الخير الكثير من سعة، ... إليك جاوزنا بلادا مسبعه نحن بنو أم البنين الأربعة، ... سيوف حق، وجفان مترعه نحن خيار عامر بن صعصعة، ... والضاربون الهام تحت الخيضعه والمطعمون الجفنة المدعدعه ... مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه ثم ذكر بعدها بيتين رأينا الأدب يجبهنا دون ذكرهما. فلما سمع "النعمان" كلام "لبيد" رفع يده من الطعام، وقال "خبثت - والله - علي طعامي يا غلام. وما رأيت كاليوم". ثم التفت إلى "الربيع" شزرا فقال: "أكذا أنت؟ ". قال: لا والله، لقد كذب علي ابن الأحمق اللئيم". ثم قضى "النعمان" حوائج "الجعفريين" من وقته وصرفهم. ومضى "الربيع" إلى منزله. فبعث إليه "النعمان" بضعف ما كان يحبوه به، وأمره بالانصراف إلى أهله. فكتب إليه "الربيع": إني تخوفت أن يكون قد وقر في صدرك ما قاله "لبيد"، ولست برائم حتى تبعث من يبحث عن الأمر، فيعلم من حضرك إني لست كما قال فأرسل إليه (النعمان) : "إنك لست صانعا باتقائك مما قال "لبيد" شيئا، ولا قادرا على ما زلت به الألسن. فالحق بأهلك" فلحق بأهله. ثم أرسل إلى "النعمان" بأبيات شعر قالها. ومنها هذا البيت: لئن رحلت جمالي إن لي سعة، ... ما مثلها سعة، عرضا ولا طولا فكتب إليه (النعمان) : شرد برحلك عني حيث شئت، ولا ... تكثر علي، ودع عنك الأباطيلا قد قيل ما قيل ... إن صدقا وإن كذبا فما اعتذارك من قول إذا قيلا؟ فالحق بحيث رأيت الأرض واسعة، ... وانشر بها الطرف، إن عرضا وإن طولا حاله بعد الإسلام أسلم "لبيد" قبل الفتح، وحسن إسلامه، وهاجر، ولم يصح عنه إنه قال شيئا من الشعر بعد الإسلام إلا قوله: ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه القرين الصالح قيل وقوله أيضا: الحمد لله: إذ لم يأتني أجلي، ... حتى اكتسيت من الإسلام سربالا والصحيح أن البيت الثاني ليس له، وإنما هو لرجل سلولي من المعمرين. والسبب في عدم قوله الشعر أنه لما أسلم وقرأ القرآن شغل بما فيه من حكمة رائعة، وموعظة حسنة، وبلاغة مدهشة، صرفته عن الشعر. يدلك إلى عامله (المغيرة بن شعبة) بالكوفة: "أن استنشد من عندك من شعراء مصرك ما قالوه في الإسلام" (أي بعد دخلوا فيه) فأرسل إلى (الأغلب العجلي) : أن أنشدني. فقال: لقد طلبت هينا موجودا ... أرجزا تريد أم قصيدا ثم أرسل إلى (لبيد) : أن أنشدني. فقال: "إن شئت ما عفي عنه (يعني الجاهلية) . فقال: "لا. أنشدني ما قلت في الإسلام". فانطلق إلى بيته. فكتب (سورة البقرة) في صحيفة، ثم أتى بها، فقال "أبدلني الله هذه في الإسلام مكان الشعر". فكتب بذلك (المغيرة) إلى (عمر) فنقص من عطاء (الأغلب) خمس مئة وزادها في عطاء (لبيد) ، فكان عطاؤه ألفين وخمس مئة فكتب (الأغلب) إلى (عمر) : "يا أمير المؤمنين، تنقص عطائي إن أطعتك؟ " فرد عليه ما نقصه وأقر (لبيدا) على الألفين والخمس مئة.

стр. 37

فلما كان زمن (معاوية) أراد معاوية أن ينقصه من عطائه. فقال له: هذان الفودان (يعني الألفين) فما هذه العلاوة؟ (يعني الخمسمائة) . فقال له (لبيد) : "أموت ويبقى لك الفوادان والعلاوة. وإنما أنا هامة اليوم أو الغد ولعلي لا أقبضها". فرق له (معاوية) وترك له عطاءه على حاله. فمات ولم يقبضها. وكان (لبيد) من الأجواد المشهورين. وكان شريفا في الجاهلية والإسلام. وكان قدت نذر أن لا تهب الصبا إلا نحر وأطعم. وكانت له جفنتان يغدو بهما ويروح كل يوم على مسجد قومه فيطعمهم. فهبت الصبا يوما وهو بالكوفة مقتر مملق. فعلم بذلك (الوليد بن عقبة) - وكان أميرا عليها - فصعد المنبر، فخطب الناس، فقال: قد عرفتم أن أخاكم (لبيد بن ربيعة) قد نذر في الجاهلية أن لا تهب الصبا إلا أطعم. وهذا اليوم من أيامه. وقد هبت الصبا، فأعينوه. وأنا أول من فعل". ثم نزل عن المنبر. فأرسل إليه بمئة ناقة. وبعث إليه الناس حتى اجتمع لديه شيء كثير. فقضى نذره وأطعم الناس. وبعث إليه (الوليد) مع النوق بأبيات شعر قالها وهي: أرى الجزار يشحذ شفرتيه ... إذا هبت رياح أبي عقيل أغر الوجه، أصيد عامري، ... طويل الباع، كالسيف الصقيل وفى ابن الجعفري بحلقتيه، ... على العلات والمال القليل بنحر الكوم إذ سحبت عليه ... ذيول صبا تجاوب بالأصيل فلما أتاه الشعر (وكان قد ترك قوله) قال لابنته: "أجيبيه. فلقد عشت برهة وما أعيا بجواب شاعر". فقالت: إذا هبت رياح أبي عقيل ... دعونا عند هبتها الوليدا أشم الأنف، أروع، عبشميا ... أعان على مروءته لبيدا بأمثال الهضاب، كأن ركبا ... عليها من بني حام قعودا أبا وهب ... جزاك الله خيرا ، نحرناها وأطعمنا الثريدا فعد، إن الكريم له معاد ... وظني بابن أروى أن يعودا فقال لها (لبيد) : "أحسنت، لولا أنك استطعمته". فقالت: "والله ما استزدته، إلا أنه ملك، والملوك لا يستحيا من مسألتهم. ولو كان سوقة لم أفعل "فقال: وأنت يا بنية في هذه أشعر". وفاة لبيد بعد أن وفد (لبيد) هو وقومه على النبي ﷺ فأسلم هو وإياهم، رجع قومه إلى بلادهم. وقدم هو (الكوفة) فأقام بها إلى أن مات، وله من العمر مئة وخمس وأربعون سنة (١٤٥) على الصحيح. ويقال أن وفاته كانت في أول مدة (معاوية بن أبي سفيان) . وهو المشهور. وقيل: بل في أيام (الوليد بن عقبة) في خلافة (عثمان بن عفان) ﵁ فبعث (الوليد) إلى منزله عشرين جزورا فنحرت عنه وأكلها الناس. و (لبيد) مذكور في طبقات المعمرين. وروى (أبو حاتم السجستاني) في (كتاب المعمرين) أن (الشعبي) قال: "أرسل إلي (عبد الملك بن مروان) في حياته. فدخلت عليه فقلت: "كيف أصبحت يا أمير المؤمنين فقال أصبحت كما قال (عمرو بن قميئة) الشاعر: كأني وقد جاوزت سبعين حجة، ... (خلعت بها عني عذار لجامي) رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى، ... فكيف بمن يرمي وليس برام فلو أنها نبل، إذن لاتقيتها، ... ولكنني أرمى بغير سهام إذا ما رآني الناس قالوا: ألم تكن ... جليدا، شديد البطش، غير كهام؟ فقلت: "لا يا أمير المؤمنين، ولكنك كما قال (لبيد بن ربيعة) ، وذلك لما بلغ سبعا وسبعين سنة. أنشأ يقول: باتت تشكي إلى النفس مجهشة: ... لقد حملتك سبعا بعد سبعينا فإن تزادي ثلاثا تبلغي أملا، ... وفي الثلاث وفاء للثمانيا ثم عاش حتى بلغ تسعين سنة، فقال: كأني ... وقد جاوزت تسعين حجة خلعت بها عن منكبي ردائيا ثم عاش حتى بلغ مئة حجة وعشرا، فأنشأ يقول: أليس في مئة قد عاشها رجل ... وفي تكامل عشر بعدها عمر؟ ثم عاش حتى بلغ مئة وعشرين سنة، فأنشأ يقول: ولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس: كيف لبيد؟ غلب الرجال، وكان غير مغلب ... دهر جديد دائم ممدود يوم أرى يأتي علي وليلة، ... وكلاهما بعد المضاء يعود فقال عبد الملك: "والله ما بي من بأس. اقعد وحدثني ما بينك وبين الليل. فقعدت فحدثته حتى أمسيت. ثم فارقته. فمات في ليلته.

стр. 38

ولما حضرت (لبيدا) الوفاة قال مخاطبا لابنتيه: تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر؟ إذا حان يوما أن يموت أبوكما ... فلا تخمشا وجها، ولا تحلقا شعر وقولا: هو المرء الذي ليس جاره ... مضاعا، ولا خان الصديق، ولا غدر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر فكانتا تذهبان إلى قبره كل يوم، وتترحمان عليه، وتبكيان من غير ندب ولا صياح ولا لطم، ثم تأتيان نادي (بني كلاب) فتذكران مآثره: ثم تنصرفان. فأقامتا على ذلك إلى أن تم الحول. وقال لابن أخيه لما حضرته الوفاة (ولم يكن له ولد ذكر) : يا بني، إن أباك لم يمت ولكنه فني. فإذا قبض أبوك فأقبله القبلة، وسجه بثوبه، ولا تصرخن عليه صارخة. وأنظر جفنتي اللتين كنت اصنعهما فاصنهما، ثم احملهما إلى المسجد. فإذا سلم الإمام فقدمهما إليهم. فإذا طعموا فقل لهم: فليحضروا جنازة أخيهم". ففعل ابن أخيه ما أمره (لبيد) به. وكانت وفاته سنة (٦٠) للهجرة. وقال (ابن عفير) : "مات (لبيد) سنة إحدى وأربعين من الهجرة يوم دخل معاوية (الكوفة) ونزل "النخيلة". وقد قضى من عمره تسعين سنة في الجاهلية وسائرها في الإسلام. ﵀". الكلام على شعره كان ﵀ من فحول الشعراء المخضرمين. وقد شهد له النابغة بأنه أشعر العرب، لأنه كان يغوص على المعنى الغريب والحكمة البليغة. وذلك أن "النابغة الذبياني" نظر إليه - وهو صبي - مع أعمامه على باب "النعمان بن المنذر"، فسأل عنه، فنسب إليه. فقال له: "يا غلام، إن عينيك لعيني شاعر. أفتقرض من الشعر شيئا؟ " قال: "نعم". قال: "فأنشدني". فأنشده قوله: ألم تلمم على الدمن الخوالي ... لسلمى، بالمذائب فالقفال؟ فقال له النابغة: "أنت أشعر بني عامر. زدني". فأنشده: طلل لخولة بالرسيس قديم، ... بمعاقل فالأنعمين، وشوم فقال: "أنت أشعر هوازن. زدني". فأنشده معلقته: عفت الديار، محلها فمقامها ... بمنى. تأبد غولها فرجامها روي أن الفرزدق مر بمسجد "بني أقيصر" بالكوفة وعليه رجل ينشد: وجلا السيول عن الطلول، كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها فسجد. فقيل له: "ما هذا يا أبا فراس؟ ". فقال: "أنتم تعرفون سجدة القرآن، وأنا أعرف سجدة الشعر". وبالجملة فمحل لبيد في الشعر مشهور. وقال من قدمه على غيره: "إنه أقل الشعراء لغوا في شعره، وحكمه في الشعر كثيرة". ومن شعره قوله من قصيدة: إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل أحمد الله، ولا ند له، ... بيديه الخير، ما شاء فعل من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال، ومن شاء أضل وفي هذه القصيدة يقول - وهو من خير ما قال: واكذب النفس إذا حدثتها: ... إن صدق النفس يزري بالأمل وقال مادحا: وبنو الريان لا يأتون (لا) ... وعلى ألسنتهم خفت (نعم) زينت أحلامهم أحسابهم ... وكذاك الحلم زين للكرم وكان "المعتصم" يعجب بشعر "لبيد". فقال: من منكم يروي قوله: بلينا وما تبلى النجوم الطوالع. فقال بعض الجلساء: "أنا" فقال: "أنشدنيها". فأنشد: بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع وقد كنت في أكناف دار مضنة، ... ففارقني جار بأربة نافع فبكى (المعتصم) حتى جرت دموعه. وترحم على المأمون. وقال: "هكذا كان، رحمة الله عليه". ثم اندفع وهو ينشد باقيها، ويقول: فلا جزع إن فرق الدهر بيننا، ... فكل امرئ يوما له الدهر فاجع وما المرء إلا كالشهاب وضوئه: ... يحور رمادا بعد ما هو ساطع وما المرء إلا مضمرات من التقى ... وما المال والأهلون إلا ودائع وما الناس إلا عاملان: فعامل ... يتبر ما يبني، وآخر رافع فمنهم سعيد آخذ بنصيبه، ... ومنهم شقي بالمعيشة قانع أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنو عليها الأصابع أخبر أخبار القرون التي مضت، ... أدب كأني كلما قمت راكع فأصبحت مثل السيف أخلق جفنه ... تقادم عهد القين، والنصل قاطع

стр. 39

فلا تبعدن، إن المنية موعد ... علينا: فدان للطلوع وطالع أعاذل ما يدريك ... إلا تظنيا إذا رحل السفار من هو راجع أتجزع مما أحدث الدهر بالفتى؟ ... وأي كريم لم تصبه القوارع لعمرك، ما تدري الضوارب بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع وقصيدته هذه قالها يرثي أخاه (أربد) . وكان أخاه لأمه. وذلك أنه وفد على النبي ﷺ هو و (عامر بن الطفيل) في وفد (بني عامر بن صعصعة) فأضمر هو و (عامر) الشر للنبي ﵊. فرد الله كيدهما في نحرهما. ثم رجعا إلى بلادهما. حتى إذا كانا ببعض الطريق بعث الله على (عامر بن الطفيل) الطاعون في عنقه. فقتله الله. فلما قدم (أربد) إلى قومه. قالوا: "ما وراءك يا أربد؟ ". فقال: "لقد دعانا (يعني النبي) إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بنبلي هذه حتى أقتله". ثم خرج بعد مقالته هذه بيوم أو يومين معه جمل له يبيعه. فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما. ويقال: هو الذي نزلت فيه الآية: (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء) . وفيه أيضا يقول أخوه (لبيد) راثيا: أخشى على (أربد) الحتوف، ولا ... أرهب نوء السماك والأسد فجعني الرعد والصواعق ... بالفارس يوم الكريهة النجد ياعين، هلا بكيت (أربد) إذ ... قمنا وقام الخصوم في كبد إن يشغبوا لا يبال شغبهم، ... أو يقصدوا في الخصام يقتصد ومن جيد شعره البالغ النهاية في الحسن والرونق والحكمة وبليغ المعنى قوله: ألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى؟ أم ضلال وباطل حبائله مبثوثة في سبيله ... ويفنى إذا ما أخطأته الحبائل إذا المرء أسرى ليلة خال أنه ... قضى عملا، والمرء ما عاش عامل فقولا له إن كان يقسم أمره: ... ألما يعظك الدهر؟ أمك هابل فتعلم أن لا أنت مدرك ما مضى، ... ولا أنت مما تحذر النفس وائل فإن أنت لم تصدقك نفسك فانتسب ... لعلك تهديك القرون الأوائل فإن لم تجد من دون (عدنان) باقيا ... ودون (معد) فلتزعك العواذل أرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ... بلى، كل ذي رأي إلى الله واسل ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية، تصفر منها الأنامل وكل امرئ يوما سيعلم سعيه، ... إذا كشفت عند الإله الحصائل وقد روي أن النبي صلى الله عليله وسلم قال: "أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد: "ألا كل شيء ما خلا الله باطلا" وللبيد أخبار كثيرة وشعر أكثر من أن يحصى. فقد روي عن (عائشة) أم المؤمنين أنها قالت: رويت للبيد اثني عشر ألف بيت" معلقته وسبب نظمها الحق أن معلقة (لبيد) لم تحو ما حواه غيرها من الحكمة والمعاني الاجتماعية. إلا أنها حوت سبكا متينا، وتشابيه لطيفة، ووصفا رائعا، سوى أبيات يسيرة من الحكمة الجليلة. وقد افتخر فيها بمآثر قومه. ولم نظفر بالسبب الذي دعاه إل نظمها. نخبة من معلقته عفت الديار، محلها فمقامها ... بمنى تأبد غولها فرجامها فمدافع الريان عري رسمها ... خلقا، كما ضمن الوحي سلامها دمن تجرم بعد عهد أنيسها ... حجح خلون، حلالها وحرامها وجلا السيول عن الطلول، كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها فوقفت أسألها، وكيف سؤالنا ... صما خوالد، يبين كلامها؟ عريت، وكان بها الجميع، فأبكروا ... منها، وغودر نؤيها وثمامها شاقتك ظعن الحي حين تحملوا، ... فتكنسوا قطنا، تصر خيامها بل ما تذكر من نوار، وقد نأت، ... وتقطعت أسبابها ورمامها؟ مرية، حلت بفيد، وجاورت ... أهل الحجاز، فأين منك مرامها؟ فاقطع لبانه من تعرض وصله، ... ولشر واصل خلة صرامها أفتلك؟ أم وحشية مسبوعة ... خذلت، وهادية الصوار قوامها خنساء، ضيعت الفرير، فلم يرم ... عرض الشقائق طوفها وبغامها لمعفر قهد، تنازع شلوه ... غبس، كواسب، لا يمن طعامها

стр. 40

صادفن منها غرة فأصبنها ... إن المنايا لا تطيش سهامها باتت، وأسبل واكف من ديمة، ... يروي الخمائل دائما تسجامها يعلو طريقة متنها متواتر، ... في ليلة كفر النجوم ظلامها فبتلك (إذ رقص اللوامع بالضحى ... واجتاب أردية السراب إكامها) أقضي اللبانة، لا أفرط ريبة، ... أو أن يلوم بحاجة لوامها أولم تكن تدري نوار بأنني ... وصال عقد حبائل، جذامها؟ تراك أمكنة إذا لم أرضها، ... أو يعتقي بعض النفوس حمامها بل أنت لا تدرين كم من ليلة ... طلق، لذيذ لهوها وندامها قد بت سامرها، وغاية تاجر ... وافيت، إذ رفعت وعز مدامها ولقد حميت الحي، تحمل شكتي ... فرط، وشاحي إذ غدوت لجامها فعلوت مرتقيا على ذي هبوة، ... حرج إلى أعلامهن قتامها حتى إذا ألقت يدا في كافر، ... وأجن عورات الثغور ظلامها أسهلت، وانتصبت كجذع منيفة، ... جرداء، يحصر دونها جرامها وكثيرة غرباؤها، مجهولة، ... ترجى نوافلها، ويخشى ذامها أنكرت باطلها، وبؤت بحقها ... عندي، ولم يفخر على كرامها إنا إذا التقت المجامع لم يزل ... منا لزاز عظيمة، جشامها من معشر سنت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنة وإمامها لا يطبعون، ولا يبور فعالهم: ... إذ لا يميل مع الهوى أحلامها فاقنع بما قسم المليك، فإنما ... قسم الخلائق بيننا علامها وإذا الأمانة قسمت في معشر ... أوفى بأوفر حظنا قسامها فبنى لنا بيتا رفيعا سمكه، ... فسما إليه كهلها وغلامها وهم السعاة إذا العشيرة أفظعت ... وهم فوارسها وهم حكامها وهم ربيع للمجاور فيهم، ... والمرملات إذا تطاول عامها عمرو بن كلثوم توفي سنة (٦٠٠) م (٥٢) قبل الهجرة هو (عمرو بن كلثوم بن مالك بن عتاب بن زهير التغلبي) من (تغلب بن وائل) ونتهي نسبة على (معد بن عدنان) . وأمه هي (ليلى) بنت (مهلهل) الذي هو أخو (كليب) المشهور. وقد ساد (عمرو بن كلثوم) قومه وهو ابن خمسة عشر عاما. ومات وله من العمر مئة وخمسون سنة (١٥٠) . وكان فارسا أبيا جريئا، حتى بلغ من أمره أن فتك بالطاغية (عمرو بن هند) في بلاط سلطانة. كما سيأتي تفصيل ذلك. وكان له أخ يقال له (مرة بن كلثوم) وهو الذي قتل المنذر بن النعمان. وأخاه. وإياهما عني (الأخطل) بقوله: أبني كليب، إن عمي اللذا ... قتلا الملوك، وفككا الأغلال وقال (الفرزدق) يرد على (جرير) في هجائه (الأخطل) : ماضر تغلب وائل؟ أهجوتها؟، ... أم بلت حيث تناطح البحران؟ قوم هم قتلوا ابن هند عنوة ... عمرا، وهم قسطوا على النعمان وكان له ابن يقال له (عباد) وهو قاتل (بشر بن عمرو بن عدس) وكان (عمرو بن كلثوم) شجاعا مظفرا مقداما فتاكا. وبه يضرب المثل في الفتك، فيقال: أفتك من (عمرو بن كلثوم) ، لفتكه بعمرو بن هند. وكان من حديث (عمرو بن كلثوم) أنه أغار على (بني تميم) . ثم مر من غزوه ذلك على حي من (بني قيس بن ثعلبة) ، فملأ يديه منهم، وأصاب أسارى وسبايا. وكان فيمن أصاب (أحمد بن جندل السعدي) . ثم انتهى إلى بني (حنيفة) باليمامة وفيهم أناس من (عجل) . فسمع به أهل (حجر) فكان أول من أتاه من بني حنيفة (بنو سحيم) عليهم (يزيد بن عمرو بن شمر) . فلما رآهم (عمرو بن كلثوم) ارتجز فقال: من عاذ مني بعدها فلا اجتبر، ... ولا سقى الماء ولا أرعى الشجر بنو لجيم وجعاسيس مضر ... بجانب الدو، يديهون العكر فانتهى إليه (يزيد بن عمرو) فطعنه فصرعه عن فرسه وأسره. وكان (يزيد) شديدا جسيما فشده في القد، وقال له: أنت الذي تقول؟: متى تعقد قرينتنا بحبل ... تجذ الحبل أو تقص القرينا أما إن سأقرنك إلى ناقتي هذه فأطردكما جميعا. فنادى (عمرو بن كلثوم) : "يا لربيعة، أمثلة؟ ". فاجتمعت فنهوه (ولم يكن يريد ذلك به) فسار به حتى أتى قصرا في (حجر) من قصورهم. وضرب عليه قبة ونحر له وكساه وحمله على نجيبه وسقاه الخمر فلما أخذت الخمر برأسه تغنى فقال: أأجمع صحبتي السحر ارتحالا، ... ولم أشعر ببين منك هالا

стр. 41

ولم أر مثل هالة في معد ... أشبه حسنها إلا الهلالا ألا أبلغ بني جشم بن بكر ... وتغلب (كلما أتيا حلالا) بأن الماجد القرم بن عمرو ... غداة نطاع قد صدق القتالا كتيبته ململمة رداح، ... إذا يرمونها تفني النبالا جزى الله الأغر يزيد خيرا، ... ولقاه المسرة والجمالا قيل: إن أمه (ليلى) لما حملت به قالت: أتاني آت في المنام فقال: يا لك ليلى من ولد، ... يقدم إقدام الأسد من جشم، فيه العدد ... أقول قولا لا فند فولدت غلاما وسمته (عمرا) . فلما أتت عليه سنة قالت: "أتاني ذلك الآتي في الليل فأشار إلى الصبي" وقال: إني زعيم لك، أم عمرو، ... بماجد الجد كريم النجر أشجع من ذي لبدة هزبر، ... وقاص آداب، شديد الأسر يسودهم في خمسة وعشر فكان كما قال، ساد وهو ابن خمسة عشر عاما. قتله (عمرو بن هند) الملك: كانت (بنو تغلب بن وائل) قوم (عمرو بن كلثوم) من أشد الناس في الجاهلية. ولو أبطأ الإسلام قليلا لأكلت (بنو تغلب الناس) . وقد قال (عمرو بن هند) الملك ذات يوم لندمائه: "هل تعلمون أحدا من العرب تأنف أمه من خدمة أمي". قالوا: "نعم، أم عمرو بن كلثوم" قال: "ولم؟ ". قالوا: "لأن أباها (مهلهل بن ربيعة) وعمها (كليب بن وائل) أعز العرب، وبعلها (كلثوم بن مالك) أفرس العرب، وابنها (عمرو) وهو سيد قومه". فأرسل (عمرو بن هند) إلى (عمرو بن كلثوم) يستزيره، ويسأله أن يزير أمه أمه. فأقبل (عمرو) من (الجزيرة) إلى (الحيرة) في جماعة من (بني تغلب) . وأقبلت (ليلى بنت المهلهل) في ظعن من (بني تغلب) . فأمر (عمرو بن هند) برواقه فضرب فيما بين (الحيرة) و (الفرات) وأرسل إلى جوه أهل مملكته فحضروا، فدخل (عمرو بن كلثوم) على (عمرو بن هند) في رواقه. ودخلت (ليلى أم عمرو بن كلثوم) و (هندام عمرو بن هند) في قبة من جانب الرواق. وقد كان (عمرو بن هند) قد أمر أمه أن تنحي الخدم إذا دعا بالطرف وتستخدم (ليلى) . فدعا (عمرو بن هند) بمائدة، ثم دعا بالطرف. فقالت (هند) "ناوليني يا ليلى ذاك الطبق". فقالت ليلى: "لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها". فأعادت إليها وألحت. فصاحت (ليلى) : "وا ذلاه، يا لتغلب". فسمعها ولدها (عمرو) فثار الدم في وجهه. ونظر إليه (عمرو بن هند) فعرف الشر في وجهه. فوثب (عمرو بن كلثوم) إلى سيف (عمرو بن هند) معلق بالرواق - ليس هنالك سيفا غيره - فضرب به رأس (عمرو بن هند) . ونادى في (تغلب) . فانتبهوا ما في الرواق وساقوا نجائبه وساروا نحو الجزيرة. ففي ذلك يقول "عمرو بن كلثوم" في معلقته: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا بأي مشيئة ... عمرو بن هند نكون لقيلكم فيها قطينا تهددنا وتوعدنا؟ رويدا، ... متى كنا لأمك مقتوينا؟ فإن قناتنا ... يا عمرو أعيت على الأعداء قبلك أن تلينا وفي ذلك يقول "أفنون بن صريم التغلبي" يفخر بفعل "عمرو بن كلثوم": لعمرك ما عمرو بن هند ... وقد دعا لتخدم أمي أمه بموفق فقام ابن كلثوم إلى السيف مصلتا، ... فأمسك من ندمانه بالمخنق وجلله عمرو على الرأس ضربة ... بذي شطب، صافي الحديدة، رونق وفاة عمرو بن كلثوم عمرو بن كلثوم مذكور في طبقات المعمرين الذين بلغوا من الكبر عتيا. وقد ذكروا أنه لما حضرته الوفاة جمع بنيه، فقال: "يا بني، قد بلغت من العمر ما لم يبلغه أحد من آبائي. ولا بد أن ينزل بي ما نزل بهم من الموت. وإني والله ما عيرت أحدا بشيء إلا عيرت بمثله، إن كان حقا فحقا، وإن كان باطلا فباطلا. ومن سب سب، فكفوا عن الشتم، فإنه أسلم لكم. وأحسنوا جواركم يحسن ثناؤكم. وامنعوا من ضيم الغريب، فرب رجل خير من ألف، ورد خير من خلف. وإذا حدثتم فعوا، وإذا حدثتم فأوجزوا، فإنه مع الإكثار يكون الإهذار. وأشجع القوم العطوف بعد الكر، كما أن أكرم المنايا القتل. ولا خير فيمن لا روية له عند الغضب، ولا فيمن إذا عوتب لم يعتب. ومن الناس من لا يرجى خيره، ولا يخاف شره، فبكؤه خير من دره، وعقوقه خير من بره. ولا تتزوجوا في حيكم، فإنه يؤدي إلى قبيح البغض".

стр. 42

وكانت وفاته سنة (٦٠٠) لميلاد المسيح ﵇، وسنة (٥٢) قبل الهجرة النبوية. وله من العمر خمسون سنة ومئة (١٥٠) . الكلام على شعره كان شاعرا فحلا مطبوعا، صافي الديباجة، كثير الطلاوة، حسن السبك، واضح المعاني. شديد الفخر، قوي الشكيمة في الحماسة. ولم أر بين شعراء المعلقات وغيرهم من شعراء الجاهلية من يدانيه في فخرياته إلا (الحارث بن حلزة اليشكري) صاحب المعلقة السابعة، وفي حماسياته إلا (عنترة بن شداد) صاحب المعلقة السادسة. فهو في شعره مهبط الحماسة، وموحى الفخر. مع لفظ جزل وأسلوب رائع. ومن شعره قوله يخاطب أحد أمراء (غسان) : ألا فاعلم ... أبيت اللعن أنا على عمد سنأتي ما نريد تعلم أن محملنا ثقيل، ... وأن زناد كبتنا شديد وأنا ليس حي من معد ... يوازينا إذا لبس الحديد وهجا (النعمان بن المنذر) هجاء كثيرا. منه قوله يعيره بأمه: حلت سليمى بخبت بعد فرناج ... وقد تكون قديما في بني تاج إذ لا ترجى سليمى أن يكون لها ... من بالخورنق من قين ونساج وأن يكون على أبوابها حرس، ... كما تلفف قبطي بديباج تمشي بعدلين من لؤم ومنقصة ... مشي المقيد في الينبوت والحاج وقال فيه: لحا لله أدنانا إلى اللؤم زلفة، ... وألأمنا خالا، وأعجزنا أبا أجدرنا أن ينفخ الكير خاله، ... يصوغ القروط والشنوف بيثربا ومن شعره قوله: معاذ الإله أن تنوح نساؤنا ... على هالك، أو أن تضج من القتل قراع السيوف بالسيوف أحلنا ... بأرض براح ذي أراك وذي أثل فما أبقت الأيام ملمال عندنا ... سوى جذم أذواد محذفة النسل ثلاثة أثلاث: فأثمان خيلنا، ... وأقواتنا، وما نسوق إلى القتل معلقته وسبب نظمها معلقة (عمرو بن كلثوم) أشهر شعره وأشعره. وهي حماسية فخرية. قيل: أنها كانت ألف بيت ونيف. وما وصل إلينا هو جزء يسير منها. قال (معاوية بن أبي سفيان) : "قصيدة (عمرو بن كلثوم) وقصيدة (الحارث ابن حلزة) من مفاخر العرب، وكانتا معلقتين بالكعبة". وقد قام (عمرو) بها خطيبا في (سوق عكاظ) ، وقام بها في موسم (مكة) . و (بنو تغلب) تعظمها جدا، ويرويها صغارهم وكبارهم. حتى هجوا بذلك. قال بعض شعراء (بكر بن وائل) : ألهى بني تغلب عن كل مكرمة ... قصيدة قالها عمرو بن كلثوم يروونها أبدا مذ كان أولهم ... يا للرجال لشعر غير مسؤوم والخطب الذي دعا إلى نظمها ليس واحدا على ما يتراءى لمن يتتبع أبيات القصيدة. ويفهم ذلك من اختلاف الرواة في سبب نظمها. ففي (كتاب الأغاني) يصرح أنه قالها على أثر ما جرى لأمه عند (عمرو بن هند) كما ذكرنا ذلك في ترجمته. وفي كتاب (خزانة الأدب) للبغدادي نقلا عن (الخطب التبريزي) أنه أنشدها بحضرة الملك (عمرو بن هند) . فلعله نظمها في واقعتين: الأولى كانت على أثر الخلاف الذي كان بين قومه (التغلبيين) وبين بني أعمامهم (البكريين) ، وتقاضيهم إلى (عمرو بن هند) وكان قد أصلح بينهما بعد حرب (البسوس) الشهيرة. وشرط عليهما شروطا إذا اختصما. فلما جاؤوه للتقاضي كان (ابن كلثوم) سيد (تغلب) . (النعمان بن هرم) سيد (بكر) فجرى بينهما جدال بين يدي (عمرو بن هند) ملك (الحيرة) . وكان (ابن هند) يؤثر (بني تغلب) على (بني بكر) فغضب فضبا شديدا حتى هم بطرد (النعمان) . فأنشد إذ ذاك (عمرو بن كلثوم) قصيدته. (كما سيأتي تفصيل الحادثة بأوسع من هذا الكلام على ترجمة (الحارث بن حلزة) إن شاء الله تعالى) . والواقعة الثانية كانت على أثر احتقار (أم عمرو بن هند) لأم (عمرو بن كلثوم) كما فصلنا ذلك من قبل. ثم أتم قصيدته مفصلا فيها هذه الواقعة الثانية. نخبة من معلقته ألا هبي بصحنك، فاصبحينا ... (ولا تبقي خمور الأندرينا) مشعشعة، كأن الحص فيها، ... إذا ما الماء خالطها سخينا تجور بذي اللبانة عن هواه ... (إذا ما ذاقها) حتى يلينا ترى اللحز الشحيح إذا أمرت ... عليه لماله فيها مهينا وإنا سوف تدركنا المنايا ... مقدرة لنا، ومقدرينا قفي قبل التفرق ... يا ظعينا نخبرك اليقين، وتخبرينا

стр. 43

بيوم كريهة ضربا وطعنا ... أقر به مواليك العيونا قفي نسألك: هل أحدثت صرما ... لوشك البين، أو خنت الأمينا وإن غدا وإن اليوم رهن ... وبعد غد بما لا تعلمينا أبا هند، فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا بأنا نورد الرايات بيضا، ... ونصدرهن حمرا قد روينا وأيام لنا غر طوال، ... عصينا الملك فيها أن ندينا وسيد معشر قد توجوه ... بتاج الملك، يحمي المجحرينا تركنا الخيل عاكفة عليه، ... مقلدة أعنتها صفونا متى ننقل إلى قوم رحانا ... يكونوا في اللقاء لها طحينا نزلتم منزل الأضياف منا، ... فأعجلنا القرى أن تشتمونا: قريناكم ... فعجلنا عراكم قبيل الصبح مرداة طحونا نطاعن ما تراخى الناس عنا ... ونضرب بالسيوف إذا غشينا نشق بها رؤوس القوم شقا، ... ونخليها الرقاب فتختلينا كأن جماجم الأبطال فيها ... وسوق، بالأماعز يرتمينا وإن الضغن بعد الضغن يبدو ... عليك، ويخرج الداء الدفينا ورثنا المجد ... قد علمت معد نطاعن دونه، حتى يبينا نجذ رؤوسهم في غير بر، ... فما يدرون ماذا يتقونا كأن سيوفنا ... فينا وفيهم مخاريق بأيدي لاعبينا كأن ثيابنا ... منا ومنهم خضبن بأرجوان، أو طلينا إذا ما عي بالإسناف حي ... (من الهول المشبه أن يكونا) نصبنا مثل رهوة ذات حد، ... محافظة، وكنا السابقينا بشبان يرون القتل مجدا، ... وشيب في الحروب مجربينا ألا لا يعلم الأقوام أنا ... تضعضعنا، وأنا قد ونينا ألا لا يجهلن أحد علينا، ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا بأي مشيئة ... عمرو به هند نكون لقيلكم فيها قطينا بأي مشيئة ... عمرو بن هند تطيع بنا الوشاة، وتزدرينا تهددنا وتوعدنا؟ رويدا، ... متى كنا لأمك مقتوينا؟ فإن قناتنا ... يا عمرو أعيت على الأعداء قبلك أن تلينا متى نعقد قرينتنا بحبل ... تجذ الحبل أو تقص القرينا ونوجد نحن أمنعهم ذمارا، ... وأوفاهم إذا عقدوا يمينا ونحن غداة أوقد في خزارى ... رفدنا فوق رفد الرافدينا وكنا الأيمنين إذ التقينا، ... وكان الأيسرين بنو أبينا فصالوا صولة فيمن يليهم، ... وصلنا صولة فيمن يلينا فآبوا بالنهاب وبالسبايا، ... وأبنا بالملوك مصفدينا إليكم ... يا بني بكر إليكم ألما تعرفوا من اليقينا؟ ألما تعرفوا ... منا ومنكم كتائب يطعن، ويرتمينا علينا البيض، واليلب اليماني، ... وأسياف يقمن، وينحنينا علينا كل سابغة دلاص، ... ترى فوق النطاق لها غضوبا على آثارنا بيض حسان، ... (نحاذر أن تقسم، أو تهونا) يقتن جيادنا. ويقلن: لستم ... بعولتنا، إذا لم تمنعونا إذا لم نحمهن فلا بقينا ... لشيء بعدهن، ولا حيينا كأنا ... والسيوف مسللات ولدنا الناس طرا، أجمعينا وقد علم القبائل من معد ... (إذا قبب بأبطحها بنينا) بأنا المطعمون بكل كحل، ... وأنا المهلكون إذا ابتلينا وأنا المانعون لما أردنا، ... وأنا النازلون بحيث شينا وأنا التاركون إذا سخطنا، ... وأنا الآخذون إذا رضينا وأنا العاصمون إذا أطعنا، ... وأنا العارمون إذا عصينا ونشرب إن وردنا الماء صفوا، ... ويشرب غيرنا كدرا وطينا إذا ما الملك سام الناس خسفا ... أبينا أن نقر الذل فينا ملأنا البر، حتى ضاق عنا ... وظهر البحر نملؤه سفينا إذا بلغ الرضيع لنا فطاما ... تخر له الجبابر ساجدينا عنترة بن شداد توفي سنة (٦٠٠) أو (٦١٥) وسنة (٢٢) قبل الهجرة هو (عنترة بن شداد بن عمرو بن معاوية بن قراد العبسي) من أهل نجد وينتهي نسبه إلى مضر، قال الكلبي:

стр. 44

"شداد جده غلب على اسم أبيه، وإنما هو عنترة بن عمرو بن شداد". وقال غيره "شداد عمه تكفاه بعد موت أبيه ونشأ في حجره فنسب إليه". ويلقب (عنترة) بالفلحاء، فيقال (عنترة الفلحاء) . وكنت أمه أمة حبشية يقال لها (زبيبة) وكان لها أولاد عبيد عن غير شداد، وكانوا أخوة عنترة لأمه. وكان أبوه قد نفاه (وكان العرب في الجاهلية إذا كان لأحدهم ولد من أمة استعبده) ثم ادعاه بعد الكبر واعترف به وألحقه بنسبه. وكانت العرب تفعل ذلك: تستعبد بني الإماء، فإن أنجبوا اعترفوا بهم، وإلا بقوا عبيدا. وكان سبب ادعاء أبيه إياه أن بعض أحياء العرب أغاروا على (بني عبس) فأصابوا منهم واستاقوا إبلا فتبعهم (العبسيون) فلحقوهم فقاتلوهم عما معهم، و (عنترة) يرمئذ فيهم، فقال له أبوه: "كر يا عنترة" فقال عنترة: "العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الحلاب والصر" فقال: "كر وأنت حر. فكر، وقاتل يومئذ قتالا حسنا فادعاه أبوه بعد ذلك وألحقه بنسبه. وقيل: إن السبب في هذا أن عبسا أغاروا على طيء فأصابوا نعما، فلما أرادوا القسمة قالوا لعنترة: لا نقسم لك نصيبا مثل أنصبائنا، لأنك عبد. فلما طال بينهم الخطب كرت عليهم طيء فاعتزلهم عنترة، وقال: "دونكم القوم، فإنكم عددهم". واستنقذت طيء الإبل، فقال له أبوه: "كر يا عنترة" فقال: "أو يحسن العبد الكر؟ " فقال له أبوه: "العبد غيرك" فاعترف به، فكر واستنقذ النعم. وكان عنترة أحد أغربة العرب في الجاهلية، وهم ثلاثة: (عنترة وخفاف ابن ندبة السلمي (وندبة أمه) والسليك بن سلكة) . أخلاقه وشجاعته هو من الشعراء الفرسان. وكان شاعر بني عبس وفارسهم المشهور. وكان جريئا شديد البطش. وكان مع شدة بطشه لين الطباع، حليما، سهل الأخلاق، لطيف الحاضرة. وكان من أشد أهل زمانه وأجودهم بما ملكت يداه. وكان سمحا، أبي النفس، لا يقر على ضيم ولا يغمض على قذى. ولما أنشد للنبي ﷺ قوله: ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل قال ﵊: "ما وصف لي أعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة"-. قال (الهيثم بن عدي) : قيل لعنترة: أنت أشجع العرب وأشدها. قال: لا. قيل: فبماذا شاع لك هذا في الناس؟. قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزما، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزما. ولا أدخل موضعا إلا أرى لي منه مخرجا. وكنت أعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة يطير لها قلب الشجاع، فأثني عليه فأقتله". وحدث (عمر بن شبة) قال: قال عمر بن الخطاب للحطيئة: "كيف كنتم في حربكم. قال: كنا ألف فارس حازم. قال: وكيف يكون ذلك؟ قال: كان (قيس بن زهير) فينا وكان حازما فكنا لا نعصيه، وكان فارسنا (عنترة) فكنا نحمل إذا حمل ونحجم إذا أحجم، وكان فينا (الربيع بن زياد) وكان ذا رأي فكنا نستشيره ولا نخالفه، وكان فينا (عروة بن الورد) فكنا نأتم بشعره. فكنا كما وصفت لك. فقال عمر: صدقت". وقد بلغ من الشجاعته أن قومه (بني عبس) غزوا (بني تميم) وعليهم (قيس بن زهير) ، فانهزمت بنو عبس، وطلبتهم بنو تميم، فوقف لهم عنترة، ولحقتهم كوكبة من الخيل، فحامى عنترة عن الناس، فلم يصب مدبر. وكان (قيس بن زهير) سيدهم، فساءه ما صنع (عنترة) يومئذ فقال حين رجع: "ما حمى الناس إلا ابن السوداء" وكان (قيس) أكولا فبلغ (عنترة) ما قال قيس بن زهير، فقال يعرض به: بكرت تخوفني الحتوف كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل فأجبتها: إن المنية منهل، ... لا بد أن أسقى بكأس المنهل فاقني حياءك ... لا أبالك واعلمي أني امرؤ سأموت إن لم أقتل إن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي، إذا نزلوا بضنك المنزل إني امرؤ من خير عبس منصبا ... شطري، وأحمي سائري بالمنصل وإذا الكتيبة أحجمت وتلاحظت ... ألفيت خيرا من معم مخول والخيل تعلم والفوارس أنني ... فرقت جمعهم بضربة فيصلي إذ لا أبادر في المضيق فوارسي، ... ولا أوكل بالرعيل الأول إن يلحعوا أكرر، وإن يستلحموا ... أشدد، وإن يلفوا بضيق أنزل والخيل ساهمة الوجوه، كأنما ... تسقى فوارسها نقيع الحنظل ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل

стр. 45

وكان قد حضر (حرب داحس والغبراء) وحسن فيها بلاؤه وحمدت مشاهده. وحدثت حروب بين (جديلة) و (ثعل) وكان عنترة مع (جديلة) فنصرهم فانتصروا. فشكاه (الثعلبيون) إلى (غطفان) . ووقائعه كثيرة يشتبه فيها الصحيح بالموضوع. وكان (عمرو بن معد يكرب) معاصرا لعنترة، وقد روي عنه أنه قال: "لو سرت بظعينه وحدي على مياه (معد) كلها ما خفت أن أغلب عليها، ما لم يلقني حراها أو عبداها. فأما الحران (فعامر بن الطفيل) و (عتيبة بن الحارث بن شهاب) ، وأما العبدان فأسود بني عبس (يعني عنترة) و (السليك بن سلكة) ، وكلهم قد لقيت، فأما (عامر بن الطفيل) فسريع الطعن على الصوت، وأما (عتيبة) فأول الخيل إذا أغارت وآخرها إذا آبت، وأما (عنترة) فقليل الكبوة شديد الجلب، وأما (السليك) فبعيد الغارة كالليث الضاري. موت عنترة ذكروا لموته أسبابا: فقال (ابن حبيب) و (ابن الكلبي) : "أغار (عنترة) على (بني نبهان) من طيء، فأطرد لهم طريدة وهو شيخ كبير، فجعل يرتجز وهو يطردها. وكان (وزر ابن جابر النبهاني) في فتوة فرماه وقال خذها وأنا ابن سلمى، فقطع مطاه. فتحامل بالرمية حتى أتى أهله، فقال وهو مجروح: وإن ابن سلمى عنده ... فاعلموا دمي وهيهات لا يرجى ابن سلمى ولا دمي إذا ما تمشى بين أجيال طيء ... مكان الثريا، ليس بالمتهضم رماني ... ولم يدهش بأزرق لهذم، عشية حلوا بين نعف ومخرم قال ابن الكلبي: وكان الذي قتله يلقب بالأسد الرهيص. وذكر (أبو عمرو الشيباني) أنه غزا (طيئا) مع قومه، فانهزمت (عبس) فخر (عنترة) عن فرسه، ولم يقدر من الكبر أن يعود فيركب، فدخل دغلا. وأبصره ربيئة طيء، فنزل إليه، وهاب أن يأخذه أسيرا، فرماه وقتله. وذكر أبو عبيدة أنه كان قد أسن واحتاج وعجز بكبر سنه عن الغارات. وكان له على رجل من (غطفان) دين. فخرج يتقاضاه إياه. فهاجت عليه ريح من صيف، وهو بين (شرج) و (ناظرة) فأصابته وقتلته. والله أعلم. قصته لم يشتهر أحد من الجاهلية وكثير من أهل الإسلام بين العامة والخاصة اشتهار عنترة، فلا تكاد ترى رجلا أو امرأة أو صبيا أو صبية، عالما أو جاهلا، فقيرا أو غنيا، إلا وهو يعرف اسمه أو يسمع شيئا عنه. وسبب اشتهاره قصته المشهورة التي لم يعب أحد سماعها. والقصة عبارة عن رواية تاريخية وضعت بعد صدر الإسلام، ولم يعرف واضعها، غير أنهم ينسبونه إلى (الأصمعي) - في أوائل القرن الثالث للهجرة - لنه قد ورد اسمه فيها رواية عنه. وأكثر ما ورد عنه إنما هو من قبيل الروايات الخيالية وكثيرا ما تنسب وقائع جرت لغيره له. لذلك قد التبس الصحيح منها بالموضوع. غير أن بعضها صحيح لأنه يقويه ما ورد في كتب التاريخ والأدب. والقصة لم تؤلف دفعة واحدة على ما يظهر، وإنما وضعت شيئا فشيئا حتى بلغت ما هي عليه الآن. وقد جمعت بمصر في أواخر القرن الرابع الهجري في زمن الخليفة الفاطمي (العزيز بالله) . وقد رووا في سبب جمعها وتدوينها أن رجلا يقال له (الشيخ يوسف بن إسماعيل) كان له اتصال بباب (العزيز بالله) . فاتفق أن حدثت ريبة في دار العزيز فلهج بها الناس، فساء العزيز ذلك، فأشار على (الشيخ يوسف) هذا أن يضع للناس ما يلهيهم عما حدث، وكان (الشيخ يوسف) كثير الرواية لأخبار العرب واسع التحديث بها كثير النوادر، وهو يروي روايات كثيرة عن (أبي عبيدة) و (نجد بن هشام) و (جهينة الأخبار) و (الأصمعي) وغيرهم من الرواة المشهورين. فجمع شتات هذه القصة وزاد فيها كثيرا من أخبار العرب ووقائعهم، وأسند روايتها إلى الأصمعي، ووزعها على الناس فأعجبوا بها حتى شغلتهم عن ذلك. وقد قسمها إلى اثنين وسبعين كتابا، وكان يقطع الكلام حيث يشوق القارئ إلى ما بعده، فيضطر إلى البحث عن الكتاب التالي. فإذا وقف عليه انتهى به إلى مثل ما انتهى في الأول، وهكذا حتى يحدوه الشوق إلى إتمام القصة. الكلام على شعره

стр. 46

كانت (عنترة) شاعرا مجيدا فصيح الألفاظ، بين المعاني نبيلها. كان كأنما الحماسة أنزلت عليه آياتها. وكان رقيق الشعر، لا يؤخذ مأخذ الجاهلية في ضخامة الألفاظ وخشونة المعاني. وكان يهوى ابنة عمه (عبلة بنت مالك بن قراد) ، فهاجت شاعريته لذلك، وكان كثيرا ما يذكرها في شعره، وكان أبوها يمنعه من زواجه بها، فهام بها حتى اشتد وجده، وقيل: إنه قد تزوجها بعد جهد وعناء. ومن رقيق شعره فيها: يا عبل لا أخشى الحمام وإنما ... أخشى على عينيك وقت بكاك وله شعر سار مسير الركبان. ومن جيد شعره قوله: بكرت تخوفني كأنني ... أصبحت عن غرض الحتوف بمعزل إلى آخر القصيدة التي ذكرناها قبل هذا الفصل. وقوله يفتخر بأخواله السودان: إني لتعرف في الحروب مواقفي، ... من آل عبس منصبي وفعالي منهم أبي شداد أكرم والد ... والأم من حام، فهم أخوالي وأنا المنية في المواطن كلها، ... والطعن مني سابق الآجال ومن تشابيهه قوله يصف النجوم: أراعي نجوم الليل، وهي كأنها ... قوارير، فيها زئبق يترجرج وقوله يصف روضة: وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا، كفعل الشارب المترنم هزجا يحك ذراعه بذراعه، ... قدح المكب على الزناد الأجذم ومما ينسب إليه وليس له: أحبك يا ظلوم، فأنت عندي ... مكان الروح من جسد الجبان ولو أنني أقول مكان روحي ... خشيت عليك بادرة الطعان وكان (عنترة) قبل أن يدعيه أبوه شكته امرأة أبيه. قالت: "إنه يراودني عن نفسي". فغضب أبوه من ذلك غضبا شديدا، وضربه ضربا مبرحا، وضربه بالسيف. فوقعت عليه امرأة أبيه، وكفته عنه. فلما رأت ما به من الجراح بكت. وكان اسمها (سمية) فقال (عنترة) : أمن (سمية) دمع العين مذروف؟، ... لو أن فيك قبل اليوم معروف كأنها ... يوم صدرت ما تكلمني ظبي بعسفان، ساجي العين، مطروف تجللتني ... إذ أهوى العصا قلبي كأنها صنم يعتاد، معكوف ألعبد عبدكم والمال مالكم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف؟ تنسى بلائي إذا ما غارة لحقت، ... تخرج منها الطوالات السراعيف يخرجن منها ... وقد بلت رحائلها بالماء يقدمها الشم الغطاريف من جيد ما ينسب إليه قوله: سيذكرني قومي إذا الخيل أقبلت ... وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر يعيبون لوني بالسواد جهالة ... ولولا سواد الليل ما طلع الفجر وإن كان لوني أسودا ففعائلي ... بياض، ومن كفي يستنزل القطر وقوله: لقد وجدنا زبيدا غير صابرة ... يوم التقينا، وخيل الموت تستبق إذ أدبروا، فعملنا في ظهورهم ... ما تعمل النار في الحلفى فتحترق خلقت للحرب أحميها إذا بردت، ... وأصطلي بلظاها حيث أخترق وألتقي الطعن تحت النقع مبتسما ... والخيل عابسة قد بلها العرق لو سابقتني المنايا وهي طالبة ... قبض النفوس أتاني قبلها السبق أنا الهزبر إذا خيل العدى طلعت ... يوم الوغى، ودماء الشوس تندفق ما عبست حومه الهيجاء وجه فتى، ... إلا ووجهي إليها باسم طلق وقوله: قف بالمنازل إن شجتك ربوعها، ... فلعل عينك تستهل دموعها واسأل عن الأظعان: أين سرت بها ... آباؤها؟. ومتى يكون رجوعها دار لعبلة شط عنك مزارها، ... ونأت، ففارق مقلتيك هجوعها فسقتك يا أرض الشربة مزنة ... منهلة، يروي ثراك هموعها وكسا الربيع رباك من أزهاره ... حللا، إذا ما الأرض فاح ربيعها يا عبل لا تخشي علي من العدى ... يوما، إذا اجتمعت علي جموعها: إن المنية يا عبيلة دوحة، ... وأنا ورمحي أصلها وفروعها وقوله سلوا صرف هذا الدهر كم شن غارة، ... ففرجتها والموت فيها مشمر بصارم عزم لو ضربت بحده ... دجى الليل ولى وهو بالنجم يعثر وقوله (وكان قد أخذ أسيرا في حرب بين العرب والعجم، وكانت عبلة في جملة السبايا) : لهفي عليك إذا بقيت سبية، ... تدعين عنتر وهو عنك بعيد

стр. 47

ولقد لقيت الفرس يا ابنة مالك، ... وجيوشها قد ضاق عنها البيد وتموج موج البحر، إلا أنها ... لاقت أسودا فوقهن حديد جاروا، فحكمنا الصوارم بيننا، ... فقضت، وأطراف الرماح شهود يا عبل كم جحفل فرقته، ... والجو أسود، والجبال تميد فسطا علي الدهر سطوة غادر ... والدهر يبخل تارة، ويجود وقوله يخاطب امرأة من بجيلة كانت تلومه في فرس كان مولعا به (وهذا الشعر من الثابت له) : لا تذكري فرسي وما أطعمته، ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب إن الرجال لهم إليك وسيلة: ... إن يأخذوك تكحلي وتخضبي وأنا امرؤ، إن يأخذوني عنوة ... أقرن إلى قد الركاب وأجنب ويكون مركبك القعود ورحله ... وابن النعامة عند ذلك مركبي وقوله يتوعد (النعمان بن المنذر) ملك العرب ويفتخر بقومه: لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب، ... ولا ينال العلا من طبعه الغضب قد كنت فيما مضى أرعى جمالهم، ... واليوم أحمي حماهم كلما نكبوا لله در بني عبس: لقد نسلوا ... من الأكارم ما قد تنسل العرب لئن يعيبوا سوادي فهو لي نسب ... يوم النزال، إذا ما فاتني النسب إن كنت تعلم يا نعمان أن يدي ... قصيرة عنك، فالأيام تنقلب إن الأفاعي ... وإن لانت ملامسها عند التقلب في أنيابها العطب والخيل تشهد لي أني أكفكفها، ... والطعن مثل شرار النار يلتهب إذا التقيت الأعادي يوم معركة، ... تركت جمعهم المغرور ينتهب لي النفوس، وللطير اللحوم ... وللوحش العظام، وللخيالة السلب وهذا الشعر لو ثبت له لكان له الفخر أبد الدهر. معلقته وسبب نظمها معلقته هي الشعر الثابت له بلا اختلاف. أما غيرها فمنها ما هو ثابت له، ومنها ما هو مختلف فيه، ومنها ما ليس له قطعا. كأكثر ما في ديوانه المشهور. وسبب نظمها ما حكوا من أنه جلس يوما في مجلس (بعد ما كان قد أبلى وحسنت وقائعه واعترف به أبوه وأعتقه) فسابه رجل من (بني عبس) وعاب عليه سوادت أمه وإخوته وأنه لا يقول الشعر. فسبه (عنترة) وفخر عليه وقال له: "والله إن الناس ليترافدون للطعمة، فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك مرافد الناس قط وإن الناس ليدعون في الغارات فيعرفون بتسويمهم، فما رأيتك في خيل مغيرة في أوائل الناس قط. وإن اللبس ليكون بيننا فما حضرت أنت ولا أبوك ولا جدك خطة فصل. وإنما أنت فقع بقرقر. وأني لأحتضر البأس، وأوافي المغنم، وأعف عند المسألة، وأجود بما ملكت يدي، وأفصل الخطة الصماء. وأما الشعر فستعلم". فكان أول ما قال معلقته. وكان قبل ذلك ينظم البيت والبيتين. وقد استهل معلقته بالغرام وشكوى البعد وغير ذلك من أنواع النسيب. ثم تخلص إلى الفخر والحماسة وذكر وقائعه ومشاهده. نخبة من معلقته هل غادر الشعراء من متردم؟، ... أم هل عرفت الدار بعد توهم؟ يا دار عبلة بالجواء، تكلمي ... وعمي صباحا دار عبلة واسلمي فوقفت فيها ناقتي ... وكأنها فدن لأقضي حاجة المتلوم حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم ولقد نزلت ... فلا تظني غيره مني بمزلة المحب المكرم إن تغدفي دوني القناع فإنني ... طب بأخذ الفارس المستسلم أثني علي بما علمت، فإنني ... سمح مخالطتي، إذا لم أظلم فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل، ... مر مذاقته، كطعم العلقم ولقد شربت من المدامة (بعدما ... ركد الهواجر، بالمشوف المعلم) بزجاجة صفراء ذات أسرة، ... قرنت بأزهر في الشمال مفدم فإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي، وعرضي وافر، لم يكلم وإذا صحوت فما أقصر عن ندى، ... وكما علمت شمائلي وتكرمي وحليل غانية تركت مجدلا، ... تمكو فريضته كشدق الأعلم سبقت يداي له بعاجل طعنة، ... ورشاش نافذة كلون العندم هلا سألت الخيل يا ابنة مالك، ... إن كنت جاهلة بما لم تعلمي (إذ لا أزال على رحالة سابح ... نهد، تعاوره الكمأة مكلم

стр. 48

يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى، وأعف عند المغنم ومدجج (كره الكمأة نزاله ... لا ممعن هربا ولا مستسلم جادت له كفي بعاجل طعنة ... بمثقف، صدق الكعوب، مقوم فشككت بالرمح الأصم ثيابه، ... (ليس الكريم على القنا بمحرم) فتركته جزر السباع ينشنه، ... يقضمن حسن بنانه والمعصم نبئت عمرا غير شاكر نعمتي ... والكفر مخبثة لنفس المنعم ولقد حفظت وصاة عمي بالضحى، ... إذ تقلص الشفتان عن وضح الفم في حومة الحرب التي لا تشتكي ... غمراتها الأبطال، غير تغمغم إذ يتقون بي الأسنة، لم أخم ... عنها، ولكني تضايق مقدمي لما رأيت القوم أقبل جمعهم ... يتذامرون، كررت غير مذمم يدعون عنتر، والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم ما زلت أرميهم بثغرة نحره ... ولبانه، حتى تسربل بالدم فازور من وقع القنا بلبانه، ... وشكا إلأى بعبرة وتحمحم لو كان يدري ما المحاورة اشتكى، ... ولكان لو علم الكلام مكلمي ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قبل الفوارس: ويك عنتر أقدم والخيل تقتحم الخبار عوابسا، ... من بين شيظمة وأجرد شيظم ذلل ركاب، حيث شئت مشايعي ... لبي، وأحفزه بأمر مبرم إني عداني أن أزورك ... فاعلمي ما قد علمت، وبعض ما لم تعلمي حالت رماح ابني بغيض دونكم، ... وزوت جواني الحرب من لم يجرم ولقد خشيت بأن أموت، ولم تدر ... للحرب دائرة على ابني ضمضم الشاتمي عرضي، ولم أشتمهما ... والناذرين إذا لقيتهما دمي إن يفعلا، فلقد تركت أباهما ... جزر السباع، وكل نسر قشعم الحارث بن حلزة اليشكري توفي سنة (٥٢٠) وقيل سنة (٦٥٠) وقيل سنة (٥٨٠) م وسنة (٥٢) قبل الهجرة هو (أبر عبيدة الحارث بن حلزة بن مكروه) من أهل العراق. وينتهي نسبه (يشكر بن بكر بن وائل) وينتهي نسب (وائل) إلى (نزار بن معد بن عدنان) . وقد شهد (الحارث بن حلزة حرب "البسوس") . معلقته وشيء من أخباره وشعره كان (الحارث بن حلزة) خبيرا بقرض الشعر ومذاهب الكلام، ومعلقته قد جمعت طائفة من أيام العرب وأخبارها، ووعت ضروبا من المفاخر يقام لها ويقعد. وقد ارتجلها بين يدي (عمرو بن هند) الملك وهو غضبان متوكئ على عنزة أو على قوسه. وقيل "بل كان قد أعدها قبل ذلك". وليس ببعيد عن الصواب. لما سترى من اختلاف الرواية في ذلك. وسبب هذه المعلقة أن (عمرو بن هند) كان قد جمع (بني تغلب) و (بني بكر) ابني (وائل) عنده وأصلح بينهما بعد حرب (البسوس) . وأخذ من كل حي منهما مئة غلام رهنا، ليكف بعضهم عن بعض. فكان أولئك الرهن يسيرون ويغزون معه. فأصابتهم في بعض مسيرهم ريح سموم. فهلك عامة التغلبيين. وسلم البكريون. فقالت (بنو تغلب) لبني (بكر بن وائل) : "أعطونا ديات أبنائنا، فإن ذلك لازم لكم". فأبت (بكر) . فاجتمعت (تغلب) إلى (عمرو بن كلثوم) - صاحب المعلقة الخامسة - فقال (عمرو) لتغلب: "بمن ترون (بكرا) تعصب أمرها اليوم؟ " قالوا: "بمن عسى إلا برجل من بني ثعلبة". قال (عمرو) : "وأرى الأمر والله سنجلي عن أحمر أصلع أصم من بني يشكر". ثم إن (بكرا) جاءت ومعها (النعمان بن هرم) أحد (بني ثعلبة بن غنم بن يشكر) وهو خطيبها، و (الحارث بن حلزة) وهو شاعرها. وجاءت (بنو تغلب) بفارسها وشاعرها (عمرو بن كلثوم) . فلما اجتمعوا عند الملك (عمرو بن هند) قال (عمرو بن كلثوم) للنعمان بن هرم: "يا أصم، جاءت بك أولاد (ثعلبة) تناضل عنهم، وقد يفخرون عليك". فقال (النعمان بن هرم) : "وعلى من أظلت السماء يفخرون ولا ينكر عليهم ذلك". قال (عمرو بن كلثوم) : "والله لو أني لطمتك لطمة ماخذوا لك بها". قال: "والله ولو فعلت ما أفلت بها قيس بن أبيك". فغضب (عمرو بن هند) الملك (وكان يؤثر بن تغلب على بني بكر) فقال: "يا نعمان، أيسرك أني أبوك؟ " قال: لا. ولكني وددت أن تكون أمي". فغضب (عمرو بن هند) حتى هم بالنعمان.

стр. 49

ثم تحاكموا. فقال (عمرو بن هند) الملك: ما كنت لأحكم بينكم حتى تأتوني بسبعين رجلا من أشراف (بكر بن وائل) ، فأجعلهم في وثاق عندي. فإن كان الحق لبني (تغلب) دفعتهم إليهم. وإن لم يكن لهم حق خليت سبيلهم" ففعلوا ذلك وتواعدوا يوما بعينه يجتمعون فيه. وفي أثناء الهدنة جاء أناس من (بني تغلب) إلى (بني بكر) يستسقونهم. فطردتهم (بكر) للحقد الذي كان بينهم. فرجعوا. فمات منهم سبعون رجلا عطشا. ثم إن (بني تغلب) اجتمعوا لحرب (بني بكر) واستعدت لهم (بكر) . حتى إذا التقوا كرهوا الحرب وخافوا أن تعود الحرب بينهم كما كانت. فدعا بعضهم بعضا إلى الصلح. فلما كان اليوم الذي ضربوه موعد للاجتماع عند (عمرو بن هند) جاءت (تغلب) في ذلك اليوم يقودها (عمرو بن كلثوم) حتى جلس إلى الملك. وقال (الحارث بن حلزة لقومه "وهو رئيس بكر بن وائل") : "إني قد قلت قصيدة فمن قام بها ظفر بحجته وفلح على خصمه" فرواها أناسا منهم. فلما قاموا بين يديه لم يرضه إنشادهم. فحين علم (الحارث) أنه لا يقوم بها أحد مقامه قال لهم: "والله إني لأكره أن آتي الملك فيكلمني من وراء سبعة ستور وينضح أثري بالماء إذا انصرفت. غير أني لا أرى أحدا يقوم بها مقامي، وإني محتمل ذلك لكم". (وكان بالحارث وضح. وكانوا يفعلون ذلك بمن به برص. وقيل: "بل كان (عمرو بن هند) يفعل ذلك لعظم سلطانة وكبريائه، ولا ينظر إلى به سوء) ". فانطلق (الحارث) حتى أتى الملك. فقيل للملك: "إن به وضحا". فأمر أن دونهما سبع ستور. فجعلت. فلما نظر (عمرو بن كلثوم) إلى (الحارث) قال للملك (عمرو بن هند) : "أهذا يناطقني؟ وهو لا يطيق صدر راحلته". فأجابه الملك حتى أفحمه. وأنشد (الحارث) معلقته. وهو من وراء سبعة ستور. وكانت (هند) أم الملك تسمع. فلما سمعتها قالت: "تالله ما رأيت كاليوم قط رجلا يقول مثل هذا القول، يكلم من وراء سبعة ستور". فقال الملك: ارفعوا سترا. ودنا. فما زالت تقول ويرفع ستر وستر حتى صار مع الملك على مجلسه. ثم أطعمه في جفنته. وأمر أن لا ينضح أثره بالماء. وجز نواصي السبعين الذين كانوا في يديه من (بكر) ودفعها إلى (الحارث) . وأمره أن لا ينشد قصيدته إلا متوضئا. فلم تزل تلك النواصي في (بني يشكر) بعد (الحارث) يفتخرون بها. ثم إن (عمرو بن هند) حكم أنه لا يلزم (بني بكر) ما حدث على رهائن (بني تغلب) . فتفرقوا على هذه الحال. ثم لم يزل في نفسه من ذلك شيء حتى هم باستخدام (أم عمرو بن كلثوم) تعرضا لهم وإذلالا، فكان من ذلك أن قتله (عمرو بن كلثوم) . كما تقدم في خبره. وقد ضرب (بالحارث) المثل بالفخر فقيل: "أفخر من الحارث بن حلزة". والمشهور من الروايات أن (الحارث) قال معلقته ارتجالا وهو متوكئ على قوسه. وقد زعموا أنه اقتطم كفه من الغضب وهولا يشعر حين إنشادها. وقال (ابن السيد) في (أدب الكاتب) : "كان متوكئا على عنزة فارتزت في جسده وهو لا يشعر". قال (يعقوب بن السكيت) : كان (أبو عمر الشيباني) يعجب لارتجال (الحارث) هذه القصيدة في موقف واحد. ويقول: لو قالها في حول لم يلم" قال: "وقد جمع فيها ذكر عدة من أيام العرب عير ببعضا (بني تغلب) تصريحا، وعرض ببعضها (لعمرو بن هند) . غير أن الرواية التي رويناها هناك تدل على أنه لم يرتجلها، وإنما كان قد أعدها قبل إنشادها. والله أعلم بالصواب. أما شعره فهو قليل جدا لأنه كان من المقلين. وإنما اشتهر بمعلقته هذه التي رفعت من قدره، وجعلته في صف شعراء الجاهلية المجيدين. ومن شعره قوله يمدح رجلا يقال له (قيس بن شراحيل) وكان هذا في جملة من سعى بالصلح: فهلا سعيت لصلح الصديق ... كصلح ابن مارية الأقصم وقيس تدارك بكر العراق ... وتغلب من شرها الأعظم وبيت شراحيل في وائل ... مكان الثريا من الأنجم فأصلح ما أفسدوا بينهم ... كذلك فعل الفتى الأكرم قال (يعقوب بن السكيت) أنشدني (النضر بن شميل) للحارث بن حلزة، وكان يستحسنها ويستجيدها. وذلك قوله: من حاكم بيني وبين ... الدهر مال علي عمدا أودى بسادتنا، وقد ... تركوا لنا حلقا وجردا خيلي وفارسها ... ورب أبيك كان أعز فقدا فلو أن ما يأوي إلى ... أصاب من ثهلان فندا

стр. 50

أو رأس رهوة أو رؤوس ... شمارخ، لهددن هدا فضعي قناعك، إن ريب ... الدهر قد أفنى معدا فلكم رأيت معاشرا ... قد جمعوا مالا وولد وهم رباب حائر، ... لا يسمع الآذان رعدا فعش بجد لا يضرك ... النوك ما لاقيت جدا والنوك خير في ظلال ... العيش ممن عاش كدا والبيت الأخير فيه إيجاز مخل لأن ألفاظه لا تفي بمراد الشاعر. إذ يريد أن يقول: "إن العيش الرغد مع الحمق خير من العيش الشاق مع العقل". نخبة من معلقته تنبيه - الرواة مختلفون في ترتيب أبيات هذه القصيدة. وقد رتبنا ما اخترناه منها ترتيبا متسقا، فجعلنا الأبيات منظمة الحوادث. لتكون المعاني آخذا بعضها برقاب بعض. آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء لا أرى من عهدت فيها، فأبكي ... اليوم دلها وما يحير البكاء؟ وبعينيك أوقدت هند النار ... أخيرا، تلوي بها العلياء فتنورت نارها من بعيد ... بحزازى، هيهات منك الصلاء أوقدتها ... بين العقيق فشخصين بعود، كما يلوح الضياء وأتانا من الحوادث والأنباء ... خطب، نعنى به، ونساء إن إخواننا الأراقم يغلون ... علينا، في قيلهم إحفاء يخلطون البرئ منا بذي الذنب ... (ولا ينفع الخلي الخلاء) أجمعوا أمرهم عشاء فلما ... أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء أيها الناطق المرقش عنا ... عند عمرو (وهل لذاك بقاء) لا تخلنا على غراتك إنا ... قبل ما قد وشى بنا الأعداء فبقينا ... على الشناءة تنمينا جدود، وعزة قعساء ملك مقسط، وأفضل من يمشي، ... ومن دون ما لديه الثناء ملك أضرع البرية، لا ... يوجد فيها لما لديه كفاء أيما خطة أردتم فأدوها ... إلينا، تمشي بها الأملاء لا يقيم العزيز بالبلد السهل ... ولا ينفع الذليل النجاء ليس ينجي موائلا من حذار ... راس طود، وحرة رجلاء أيها الناطق المبلغ عنا ... عند عمرو (وهل لذاك انتهاء) من لنا عنده من الخير آيات ... ثلاث، في كلهن القضاء آية شارق الشقيقة إذ جاءوا ... جميعا، لكل حي لواء حول قيس، مستلمئين بكبش ... قرظي، كأنه عبلاء فرددناهم بطعن، كما يخرج ... من خربة المزاد الماء ثم حجرا، أعني ابن أم قطام ... وله فارسية خضراء أسد في اللقاء، ورد هموس ... وربيع إن شمرت غبراء قد جبهناهم بطعن، كما تنهز ... في جمة الطوي الدلاء وفعلنا بهم، كما علم الله ... وما إن للمائنين دماء وأتيناكم بتسعة أملاك ... كرام أسلابهم أغلاء وفككنا غل امرئ القيس عنه، ... بعد ما طال حبسه والعناء وأقدناه رب غسان بالمنذر ... كرها، إذ لا تكال الدماء فاتركوا الطيخ والتعاشي وإما ... تتعاشوا ففي التعاشي الداء أعلينا جناح كندة: أن يغنم ... غازيهم، ومن الجزاء؟ أم علينا جرى إياد؟ كما قيل ... لطسم: أخوكم الأباء أم علينا جرى حنيفة؟، أو ما ... جمعت من محارب غبراء أم علينا جرى قضاعة؟ أم ليس ... علينا فيما جنوا أنداء؟ ثم خيل من بعد ذاك مع الغلاق ... لا رأفة ولا إبقاء ما أصابوا من تغلبي فمطلول ... عليه إذا أصيب العفاء كتكاليف قومنا إذ غزا المنذر: ... هل نحن لابن هند رعاء إذ تمنونهم غرورا، فساقتهم ... إليكم أمنية أشراء لم يغروكم غرورا، ولكن ... رفع الآل شخصهم والضحاء الأعشى ميمون توفي سنة (٦٢٩) م. وسنة (٧) هـ- هو (الأعشى بن قيس بن جندل بن شراحيل) وينتهي نسب شراحيل إلى (بكر بن وائل) وينتهي نسب وائل إلى (معد بن عدنان) . وكان يكنى (أبا بصير) . وكانوا يسمونه (صناجة العرب) لجودة شعره، أو لأنه كان يتغنى به. ويقال لأبيه (قتيل الجوع) لأنه دخل غارا يستظل فيه من الحر، فوقعت صخرة عظيمة من الجبل فسدت فم الغار، فمات فيه جوعا. شيء من أخباره كان قد مدح (سلامة ذا فائش الحميري) بقصيدته التي مطلعها:

стр. 51

الشعر قلدته سلامة ذا ... فائش. الشيء حيث ما جعلا فلما أنشده هذا الشعر قال: "صدقت، الشيء حيث ما جعل". وأعطاه مئة من الإبل وكساه حللا كرشا مدبوغة مملوءة عنبر. وقال: "إياك أن تخدع عنها. فانصرف عنه حتى أتى (الحيرة) فباعها بثلاث مئة ناقة حمراء. فخاف أن ينتهب ماله، فستجار (بعلقمة بن علاثة العامري) فقال له: "أجيرك من الأسود والأحمر" فقال: "ومن الموت". قال: "لا" فأتى (عامر بن الطفيل) فقال له مثل مقالة (علقمة) . فقال له (الأعشى) : ومن الموت. قال: نعم. قال: "وكيف؟ ". قال: "إن مت في جواري وديتك". فلما سمع (علقمة) جواب (عامر) قال: "لو علمت أن ذلك مراده لهان علي. وكان ذلك في أوان منافرة عامر وعلقمة المشهور. (ولهذه المنافرة قصة طويلة مذكورة في الجزء الخامس عشر من كتاب الأغاني) وكان العرب تهاب أن تنفر أحدهما على الآخر. ثم إن الأعشى ركب ناقته ونفر (عامرا) وفضله عل (علقمة) بقصيدة سيأتي بعض أبياتها. فهدر علقمة دمه. وجعل على كل طريق رصدا. فهجاه الأعشى أيضا بقصيدة يقول فيها: تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا وقد كذب في هجوه لعلقمة، فإنه كان من أجواد العرب. وقد أسلم وحسن إسلامه. ولما بلغ ذلك علقمة رفع يده وقال: "لعنه الله. أنحن نفعل هذا بجاراتنا؟ ". ثم إن (الأعشى) سافر ومعه دليل، فأخطأ به الطريق، فألقاه في ديار (بني عامر بن صعصعة) فأخذ رهط (علقمة بن علاثة) فأتوه به. فقال: "الحمد لله الذي أمكنني منك". فقال (الأعشى) : أعلقم، قد صيرتني الأمور ... إليك وما أنت لي منقص فهب لي نفسي فدتك النفوس، ... ولا زلت تنمو ولا تنقص فقال قوم علقمة: "اقتله وأرحنا والعرب من شر لسانه". فقال علقمة: "إذن تطلبوا بدمه، ولا ينغسل عني ما قاله، ولا يعرف فضلي عند القدرة" وقيل: بل دخل (علقمة) على أمه وقال لها: "لقد أمكنني الله من هذا الأعمى الخبيث". قالت: "فما تراك فاعلا به؟ ". قال: "سأقتله شر قتلة". فقالت: "يا بني، لقد كنت أرجوك لقومك عامة، وإني اليوم لا أرجوك إلا لنفسك خاصة. وإنما الرأي أن تكسوه وتحمله وتسيره إلأى بلاده، فإنه لا يمحو عنك ما قاله إلا هو". ففعل ما أمرته به، وحل وثاقه، وألقى عليه حلة، وحمله على ناقة، وأحسن عطاءه. وقال له: "انج حيث شئت". وأخرج معه من (بني كلاب) من يبلغه مأمنه. فجعل بعد ذلك يمدحه. ومن ذلك قوله فيه: علقم، يا خير بني عامر ... للضيف والصاحب والزائر والضاحك السن على همه، ... والغافر العثرة للعاثر

стр. 52

ومن حديثه أنه كان لأبي المحلق شرف وكان قد أتلف ماله. وبقي (المحلق) وثلاث أخوات له. ولم يترك لهم إلا ناقة واحدة وحلتي برود جيدة كان يسد بها الحقوق. فأقبل (الأعشى) من بعض أسفاره يريد منزله باليمامة. فنزل الماء الذي به (المحلق) . فقراه أهل الماء فأحسنوا قراه. فأقبلت عمة المحلق، فقالت له: "يا ابن أخي" هذا الأعشى قد نزل بمائنا، وقد قراه أهل الماء. والعرب تزعم أنه لم يمدح قوما إلا رفعهم، ولم يهج قوما إلا وضعهم. فانظر ما أقول لك: احتل في زق من خمر من عند بعض التجار، فأرسل إليه بهذه الناقة والزق وبردتي أبيك. فوالله لئن اعتلج الكبد والسنام والخمر في جوفه ونظر إلى عطفيه في البردتين ليقولن فيك شعرا يرفعك به". قال: "ما أملك غير هذه الناقة وأنا أتوقع رسلها". فأقبل يدخل ويخرج، ويهم ولا يفعل. فكلما دخل على عمته حضته. حتى دخل عليها فقال: "قد ارتحل الرجل ومضى". قالت: "الآن والله أحسن كان القرى: تتبعه ذلك مع مولى أبيك (وكان لأبيه مولى أسود شيخ) فحيثما لحقه أخبره عنك كنت غائبا عن الماء عند نزوله إياه، وإنك لما وردت الماء فعلمت أنه به كرهت أن يفوتك قراه. فإن هذا هو أحسن لموقعه عنده". فلم تزل تحضه حتى أتى بعض التجار فكلمه أن يقرضه ثمن زق خمر وأتاه بمن يضمن ذلك عنه فأعطاه. فوجه بالناقة والخمر والبردين مع مولى أبيه. فخرج يتبعه. فكلما مر بماء قيل: ارتحل أمس عنه. حتى صار إلى منزل (الأعشى) في (منفوحة) باليمامة. فوجد عنده عدة من الفتيان قد غداهم بغير لحم وصب لهم فضيخاً. فهم يشربون منه إذ قرع الباب، فقال: "انظروا من هذا؟ " فخرجوا فإذا رسول (المحلق) يقول كذا وكذا. فدخلوا عليه وقالوا: هذا رسول المحلق الكلابي أتاك بكيت وكيت. فقال: "ويحكم، أعرابي، والذي أرسل إلي لا قدر له. والله لئن اعتلج الكبد والسنام والخمر في جوفي لأقولن فيه شعر لم أقل قط مثله". ثم أذن للرسول فدخل وأناخ الجزور بالباب ووضع الزق والبردين بين يديه. فقال له: "أقره السلام وقل له: وصلتك رحم. سيأتيك ثناؤنا". وقام الفتيان إلى الجزور فنحروها وشقوا خاصرتها عن كبدها وجلدها عن سنامها، ث جاءوا بهما. فأقبلوا يشوون، وصبوا الخمر فشربوه. وأكل معهم (الأعشى) وشرب ولبس البردين ونظر إلى عطفيه فيهما فأنشأ يقول: أرقت، وما هذا السهاد المؤرق؟. ... وما بي من سقم، وما بي من معشق ومنها: لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع، تحرق تشب لمقررين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق إلى أن يقول: أبا مسمع، سار الذي قد فعلتم، ... فانجد أقوام به، ثم أعرقوا به تعقد الأجمال في كل منزل، ... وتعقد أطراف الحبال، وتطلق فسار الشعر وذاع في العرب. فما أتت على المحلق سنة حتى زوج أخواته الثلاث، كلك واحدة على مئة ناقة. فأيسر وشرف. وقد رويت هذه القصة على غير هذا الوجه. وفي إحدى الروايات أنه أنشد الشعر بسوق عكاظ وقد اجتمعت عليه الناس، وإنه حض القوم على زواج بناته، وإنه ناداه بقوله: "مرحبا بسيدي وسيد قومه". وفي هذه الرواية: إن العوانس كن بناته لا أخواته، وكن ثمانية. والله أعلم. ومن أخباره أنه هجا رجلا من (بني كلب) فقال: بنو الشهر الحرام فلست منهم ... ولست من الكرام: بني عبيد ولا من رهط جبار بن قرط ... ولا من رهط حارثة بن زيد فقال له: "لا أبا لك. أنا أشرف من هؤلاء كلهم". وقد سبه الناس بهجاء الأعشى إياه.

стр. 53

ثم اتفق أن الكلبي أغار على قوم قد بات فيهم الأعشى. فأسر منه نفرا وكان الأعشى أحد المأسورين وهو لا يعرفه. ثم جاء الكلبي حتى نزل على (شريح بن السموأل بن عادياء الغساني) صاحب (تيماء) بحصنه (الأبلق الفرد) فمر شريح بالأعشى فناداه الأعشى وأنشده قصيدة قد ارتجلها يستجير به. فجاء شريح بالأعشى إلى الكلبي وقال له: "هب لي هذا الأسير المضرور". فقال: "هو لك". فأطلقه. وقال له أقم عندي حتى أكرمك وأحبوك". فقال له الأعشى: "إن من تمام صنيعك أن تعطيني ناقة نجيبة وتخليني الساعة" فأعطاه ناقة فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبي أن الذي وهب لشريح هو الأعشى. فأرسل إلى شريح أن "ابعث إلي الأسير الذي وهبته لك حتى أحبوه وأعطيه". فقال: "قد مضى" فأرسل الكلبي في إثره فلم يلحقه. والقصيدة التي ارتجلها الأعشى مستجيرا بشريح هي قوله: شريح، لا تتركني بعد ما علقت ... حيالك اليوم بعد القد أظفاري قد جلت ما بين بانقيا إلى عدن، ... وطال في العجم تردادي وتسياري فكان أكرمهم عهدا، وأوثقهم ... مجدا، أبوك، بعرف غير إنكار كالغيث، ما استمطروه جاد وابله، ... وفي الشدائد كالمستأسد الضاري كن كالسموأل، إذ طاف الهمام به ... في جحفل، كهزيع الليل، جرار إذ سامه خطتي خسف فقال له: ... قل ما تشاء، فإني سامع، حار فقال: غدر وثكل أنت بينهما ... فاختر (وما فيهما حظ لمختار) فشك غير طويل، ثم قال له: ... أقتل أسيرك. إني مانع جاري وسوف يعقبنيه ... إن ظفرت به رب كريم، وبيض ذات أطهار لا سرهن لدينا ذاهب هدرا، ... وحافظات إذا استودعهن أسراري فاختار أدراعه كي لا يسب بها ... ولم يكن عهده فيها بختار وكان (امرؤ القيس بن حجر) قد أودع عند (السموأل) دروعه وأهله. (كما قدمنا ذلك في ترجمته) . فأتاه (الحارث ابن ظالم المري) ليأخذها منه عنوة فتحصن منه السموأل. فأخذ الحارث ابنا للسموأل (وكان في الصيد) فقال: إما سلمت إلى الأدرع، وإما قتلت ابنك. فأبى أن يسلمها إليه. فضرب الحارث وسط الغلام بالسيف فقطعه قطعتين. فقال (السموأل) في ذلك: فبنى لي عادياً حصناً حصيناً، ... وبئرا كلما شئت استقيت وأوصى عاديا يوما: بأن لا ... تهدم يا سموأل ما بنيت وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوام وفيت وبالسموأل هذا يضرب المثل بالوفاء. فيقال "أوفى من السموأل". وفاة الأعشى ميمون كان (الأعشى) جاهليا قديما وقد أدرك الإسلام في آخر عمره. وسمع بالنبي ﷺ وما يأمر به من الأخلاق الفاضلة، والشمائل الزاهرة وما ينهي عنه من المنكر والشرك، وغير ذلك من نقائص الأمور. فقال قصيدة يمدحه فيها ورحل إليه يريد لقاءه والإسلام على يديه. فبلغ قريشا خبره وما قد عزمه (وكان إذ ذاك صلح الحديبية بين الرسول وبين مشركي مكة) فرصدوا الأعشى على طريقه (وكان فيهم أبو سفيان بن حرب) وقالوا: "هذه صناجة العرب، وما مدح أحدا قط إلا رفع قدره". فلما ورد عليهم قالوا: "أين أردت يا أبا بصير؟ ". قال: "أردت صاحبكم هذا (يعني النبي ﵇ لأسلم". قالوا: "ينهالك هم خلال ويحرمها عليك، وكلها لك موافق". قال: "وما هي؟ " قالوا: "الزنا والقمار والربا والخمر" قال: "أما الزنا فلقد تركني، وما تركته، وأما القمار فلعلي إن لقيته أن أصيب منه عوضا من القمار، وأما الربا فما دنت وما أدنت، وأما الخمر - أوه - فأرجع إلى صبابة قد بقيت في المهراس فأشربها". فقال (أبو سفيان) "هل لك في خير مما هممت به؟ ". فقال: "وما هو؟ ". قال: "نحن الآن وهو في هدنة، فتأخذ مئة من الإبل وترجع إلى بلدك سنتك هذه، وتنظر ما يصير إليه أمرنا: فإن ظهرنا عليه كنت قد أخذت خلفا، وإن ظهر علينا أتيته". فقال: "ما أكره ذلك". فقال (أبو سفيان) : "يا معشر قريش، هذا الأعشى، والله لئن أتى محمد واتبعه ليضرمن عليكم نيران العرب بشعره، فاجمعوا له مئة من الإبل". ففعلوا. فأخذها (الأعشى) وانطلق إلى بلده فلما كان قريبا من بلده (منفوحة) باليمامة رمى به بعيره فقتله.

стр. 54

وكان موته سنة (٦٢٩) لميلاد المسيح، وسنة (٧) لهجرة الرسول. صلوات الله عليهما. الكلام على شعره هو أحد الأعلام من شعراء الجاهلية وفحولهم. وقد تقدم على سائرهم. وليس ذلك بمجمع عليه لا فيه ولا في غيره. وقد سئل (أبو يونس النحوي) : من أشعر الناس؟ فقال: "لا أومئ إلى رجل بعينه"، ولكني أقول: "امرؤ القيس إذا غضب، والنابغة إذا رهب، وزهير إذا رغب والأعشى إذا طرب" قال (أبو عبيدة) : "من قدم الأعشى يحتج بكثرة طواله الجياد وتصرفه في المديح والهجاء وسائر فنون الشعر، وليس ذلك لغيره". ويقال: هو أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد. وقدم على (كسرى) مرة فسمعه ينشد قوله: أرقت وما هذا لسهاد المؤرق؟، ... وما بي من سقم، وما بي من معشق فقال: "ما يقول هذا العربي؟ " ففسروا له قوله. فقال: إذن فهو لص". وقد روي عنه أنه قال: "أتيت (النعمان) فأنشدته: إليك ... أبيت اللعن كان كلالها، تروح مع الليل البهيم، وتغتدي حتى أتيت على آخرها. فخرج إلى ظهر (النجف) فرآه قد اعتم بنباته من أصفر وأحمر وأخضر، وإذا فيه من هذه الشقائق ما لم ير مثله. فقال: ما أحسن هذا. احموه". فسمي بشقائق النعمان. وكان (أبو عمرو بن العلاء) يعظم محل الأعشى ويقول: شاعر مجيد كثير الأعاريض والافتتان، وإذا سئل عنه وعن (لببيد) قال: "لبيد رجل صالح، والأعشى رجل شاعر" وروي أن (عبد الملك) قال لمؤدب أولاده: "أدبهم بشعر الأعشى، فإنه - قاتله الله - ما كان أعذب بحره وأصلب صخره". وقال (المفضل) : "من زعم أن أحدا أشعر من الأعشى فليس يشعر الشعر". وقال (أبو عبيدة) : "الأعشى رابع الشعراء المتقدمين: امرئ القيس والنابغة وزهير". وقال (يحيى بن الجون العبدي) رواية (بشار) "نحن حاكة الشعر في الجاهلية والإسلام. ونحن أعلم الناس به: أعشى بني قيس أستاذ الشعراء في الجاهلية، و (جرير الخطفي) أستاذهم في الإسلام". وروي عن (الشعبي) أنه قال: "الأعشى أغزل الناس في بيت، وأخنث الناس في بيت، وأشجع الناس في بيت. فأما أغزل بيت فقوله: غراء، فرعاء، مصعول عوارضها. ... تمشي الهوينا، كما يمشي الوجي الوحل وأما أخنث بيت فقوله: قالت هريرة لما جئت زائرها: ... ويلي عليك، وويلي منك، يارجل وأما أشجع بيت فقوله: قالوا: الطراد، فقلنا: تلك عادتنا، ... أو تنزلون، فإنا معشر نزل حدث (يحيى بن متى) رواية الأعشى (وكان نصرانيا عباديا معمرا) قال: كان (الأعشى) قدريا، وكان (لبيد) مثبتا. قال لبيد: من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال، ومن شاء أضل وقال الأعشى: - إستأثر الله بالوفاء ... وبالعدل، وولى الملامة الرجلا قال: وقد أخذ الأعشى مذهبه هذا من العباديين نصارى الحيرة: كان يأتيهم يشتري منهم الخمر فلقنوه ذلك. وكان (الأعشى) فحلا من فحول الشعراء. وكان العرب لا تعد الشاعر فحلا حتى يأتي ببعض الحكمة في شعره. فلم يعدوا امرأ القيس فحلا حتى قال: والله أنجح ما طلبت به، ... والبر خير حقيبة الرحل وكانوا لا يعدون النابغة فحلا حتى قال: نبئت أن أبا فراس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد وكانوا لا يعدون زهيراً فحلا حتى قال: ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم وكانوا لا يعدون الأعشى فحلا حتى قال: قلدتك الشعر يا سلامة ذا ... فائش والشيء حيث ما جعلا ومن شعره قوله يهجو (علقمة بن علاثة) الذي تقدم ذكره: علقم، ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار، والواتر إن تسد الحوص فلم تعدهم ... وعامر ساد بني عامر ساد وألفى قومه سادة ... وكابرا سادوك عن كابر ومن شعره قوله يفتخر بيوم ذي قار (وكان يوما للعرب على الفرس) : لو أن كل معد كان شاركنا ... في يوم ذي قار، ما أخطاهم الشرف لما أمالوا إلى النشاب أيديهم ... ملنا ببيض، فظل الهام تقتطف وخيل بكر فما تنفك تطحنهم ... حتى تولوا، وكاد اليوم ينتصف أما قصيدته التي مدح بها النبي ﷺ فمطلعها:

стр. 55

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا؟ ... وبت كما بات السليم مسهدا ولكن، هو الدهر (الذي هو خائن) ... إذا أصلحت كفاي عاد فأفسدا ومنها يقول في ناقته: فآليت لا أرثي لها من كلالة، ... ولا من حفى، حتى تزور محمدا متى ما تناخي عند باب ابن هاشم ... ترحي، وتلقي من فواصله يدا نبي يرى ما لا ترون وذكره ... أغار لعمري في البلاد، وأنجدا له صدقات ما تغب، ونائل ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا أجدك، لم تسمع وصاة محمد ... نبي الإله، حين أوصى وأشهدا: إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى، ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله، ... فترصد للأمر الذي كان أرصدا وللأعشى أخبار كثيرة وشعر غزير. وقد اكتفينا من ذلك بما قدمناه - وسترى في معلقته من الشعر ما يدهش ويعجب. معلقته وسبب نظمها معلقته قد جمعت رقة التشبيب، ورونق التشبيه، وروائع الفخر، وشديد الحماسة، في لفظ جزل، وأسلوب رائع. وهي قصيدة غراء، تملك القلوب، وتسترق الأسماع، وتأسر الأفهام. وذكروا في سبب نظمها أن رجلا من (بني كعب بن سعد بن مالك) يقال له (ضبيع) قتل رجلا من (بني همام) يقال له (زاهر بن سيار) من (بني ذهل بن شيبان) فهم قومه بقتل (ضبيع) فنهاهم (يزيد ابن مسهر) . أن يقتلوه به (وكان ضبيع مطروقا ضعيف العقل) وقال: اقتلوا به (سعيدا) من (بني سعد بن مالك) وحض (بني سيار) على ذلك وأمرهم به. وبلغ (بني قيس) - وهم عشيرة سعيد - ما قاله (يزيد بن مسهر) . فقال (الأعشى) هذه القصيدة يأمره أن يدع (بني سيار) و (بني كعب) ، ولا يعين (بني سيار) . فإنه إن أعانهم أعانت بنو قيس بني كعب. نخبة من معلقته ودع هريرة، إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل؟ غراء، فرعاء، مصقول عوارضها ... تمشي الهوينا، كما يمشي الوجي الوحل كأن مشيتها من بيت جارتها مر ... السحابة: لا ريث ولا عجل ليست كمن يكره الجيران طلعتها ... ولا تراها لسر الجار تختتل يكاد يصرعها ... لولا تشددها، إذا تقوم إلى جاراتها الكسل إذا تقوم يضوع المسك أصورة ... والزنبق الورد من أردانها شمل ما روضة من رياض الحزن معشبة، ... خضراء، جاد عليها مسبل هطل يضاحك الشمس منها كوكب شرق، ... مؤزر بعميم النبت، مكتهل يوما بأطيب منها نشر رائحة، ... ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل قالت هريرة لما جئت زائرها: ... ويلي عليك، وويلي منك يا رجل إما ترينا حفاة لا نعال لنا، ... إنا كذلك ما: نحفى وننتعل وبلدة مثل ظهر الترس، موحشة، ... للجن بالليل في حافاتها زجل جاوزتها بطليح، جسرة، سرح، ... في مرفقيها إذا استعرضتها فتل بل هل ترى عارضا قد بت أرمقه،=كأنما البرق في حافاته شعل له رداف، وجوز مفأم عمل، ... منطق بسجال الماء، متصل لم يلهني اللهو عنه ... حين أرقبه ولا اللذاذة في كأس، ولا شغل فقلت للشرب في درنا ... وقد ثملوا : شيموا وكيف يشيم الشارب الثمل أبلغ يزيد بني شيبان مألكة: ... أبا ثبيت، أما تنفك تأتكل؟ ألست منتهيا عن نحت أثلتنا؟ ... ولست ضائرها ما أطت الإبل: كناطح صخرة يوما ليوهنها، ... فلم يضرها، وأوهى قرنه الوعل تغري بنا رهط مسعود وإخوته ... يوم اللقاء، فتردي ثم تعتزل لا تقعدن وقد أكلتها حطبا، ... تعوذ من شرها يوما، وتبتهل سائل بني أسد عنا، فقد علموا ... أن سوف يأتيك من أنبائنا شكل وأسأل قشيرا وعبد الله كلهم ... واسأل ربيعة عنا كيف نفتعل؟ إنا نقاتلهم، حتى نقتلهم ... عند اللقاء، فهم جاروا، وهم جهلوا لئن قتلتم عميدا لم يكن صددا ... لنقتلن مثله منكم، فنمتثل لئن منيت بنا عن غب معركة ... لا تلفنا عن دماء القوم ننتقل لا تنتهون (ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل) حتى يظل عميد القوم مرتفقا، ... يدفع بالراح عنه نسوة عجل

стр. 56

أصابه هندواني فأقصده، ... أو ذابل من رماح الخط معتدل كلا، زعمتم بأنا لا نقاتلكم ... إنا لأمثالكم يا قومنا قتل نحن الفوارس يوم الحنو ضاحية ... جنبي فطيمة، لا ميل، ولا عزل قالوا: الصراد، فقلنا: تلك عادتنا، ... أو تنزلون، فإنا معشر نزل النابغة الذبياني توفي سنة (٦٠٤) م. وسنة (١٨) قبل الهجرة هو (زياد بن معاوية بن ضباب) وينتهي نسبه إلى (سعد بن ذبيان) . ثم إلى (مضر بن نزار بن معد بن عدنان) . وكنيته (أبو أمامة) وإنما لقب بالنابغة لنبوغه في الشعر وبلوغه منه مبلغ الفحول. وقيل: بل لغير ذلك وما ذكرناه هو أقرب إلى الحق. وهو أحد الأشراف الذين غض الشعر منهم. وهو من الطبقة الأولى المقدمين على سائر الشعراء. وكان يضرب له قبة من أدم بسوق عكاظ. فتأتيه الشعراء. فتعرض عليه أشعارها. فكان أول من أنشده في أحد المواسم (الأعشى) ثم (حسان بن ثابت) ثم أنشدته الشعراء. هم أتته (الخنساء) أخت (صخر) فأنشدته قصيدة. منها قولها في أخيها صخر: وإن صخرا لتأتم الهداة به، ... كأنه علم في رأسه نار فقال: "والله لولا أن أبا بصير (يعني الأعشى) أنشدني آنفا لقلت أنك أشعر الجن والإنس". فقام إليه حسان، فقال: "والله لأنا أشعر منك ومن أبيك" فقال له النابغة: "يا ابن أخي، إنك لا تحسن أن تقول: فإنك كالليل الذي هو مدركي، ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع فخنس حسان لقوله: ما جرى للنابغة مع النعمان بن المنذر كان (النابغة) كبيرا عند (النعمان بن المنذر) . وكان من ندمائه وأهل أنسه. وكان مقدما لديه على كل ما يتقرب منه. فكثر ماله، ووفرت نعمته لذلك. حتى إنه لم يكن يأكل إلا في آنية الذهب والفضة من عطاياه وعطايا أبيه وجده، ولا يستعمل غير ذلك. غير أن الوشاية والحسد كالنار تصيب الخشب فتلتهمه التهاما. فقد غضب النعمان على النابغة بوشاية (المنخل بن عبيد اليشكري) . وذلك: أن النابغة والمنخل كانا جالسين عند النعمان (وكان النعمان دميماً أبرش قبيح المنظر. وكان المنخل من أجمل العرب وكان يرمي بالمتجردة زوجة النعمان. فقال النعمان للنابغة: "يا أبا أمامة صف المتجردة في شعرك". فقال قصيدته التي وصفها فيها. (وسيأتي ذكر نبذة منها) وقد وصف فيها كل أعضائها حتى ما يستقبح ذكره. وكان المنخل فاسقا. وكان النابغة عفيفا تقيل. فلحقت المنخل من ذلك غيرة. فقال للنعمان: "ما يستطيع أن يقول هذا الشعر إلا من جرب". فوقر ذلك في نفس النعمان. فخافه النابغة فهرب إلى ملوك غسان بالشام. فلما صار النابغة إلى غسان نزل على (عمرو بن الحارث الأصغر ابن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر) . فمدحه ومدح أخاه (النعمان) ولم يزل مقيما مع (عمرو) حتى مات. وملك أخوه (النعمان) فصار معه. وكان في أثناء ذلك يمدح النعمان بن المنذر ويعتذر إليه. ويتبرأ مما وشى به المنخل. فقال في ذلك قصائد هي قلائد العقيان، وكانت هي أشعر شعره. ثم أتى إلى النعمان بعد هربه منه. وقد سئل (عمرو بن العلاء) فقيل له: (أمن مخافته امتدحه وأتاه بعد هربه منه، أم لغير ذلك؟ ". فقال: "لا لعمر الله، لا لمخافته فعل. إن كان لآمنا من أن يوجه إليه جيشا. وما كانت عشيرته لتسلمه لأول وهلة. ولكنه رغب في عطاياه وعصافيره". وقد حدث (حسان بن ثابت) أنه قدم على النعمان بن المنذر وقد امتدحه. فأمر له بجائزة سنية. وبقي ببابه إلى أن قدم (النابغة) بعد هربه من النعمان وهو في جوار رجلين من (فزارة) كان بينهما وبين النعمان خاصة فضرب عليهما قبة أدم. ولم يشعر بأن النابغة معهما. وقد دس النابغة قينة لتغني النعمان بشعره: يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت، وطال عليها سالف الأبد فلما سمع الشعر قال: "أقسم بالله إنه لشعر النابغة". وسأل عنه فأخبر أنه مع الفزاريين. فخرج إليه فعارضه الفزاريان، وقالا له: "أبيت اللعن. لا تثرب. قد أجرناه والعفو أجمل". فأمنه واستنشده أشعاره. قال حسان: "فحسدته على ثلاث، لا أدري على أيتهن كنت له أشد حسدا: على إدناء النعمان له بعد المباعدة ومسامرته له وإصغائه إليه؟، أم على جودة شعره؟، أم عل مئة بعير من عصافيرة أمر له بها؟ ".

стр. 57

وقيل: إن السبب في رجوعه إلى النعمان أنه بلغه مرضه وأنه لا يرجى فأقلقه ذلك. ولم يملك الصبر على البعد عنه مع علته. فصار إليه. وألفاه محموما على سريره ينقل ما بين الغمر وقصور الحيرة. فقال لحاجبه (عصام بن شهبرة) : ألم أقسم عليك، لتخبرني ... أمحمول على النعش الهمام فإني لا ألومك في دخولي ... ولكن، ما وراءك يا عصام فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس، والشهر الحرام ونمسك بعده بذناب عيش ... أجب الظهر، ليس له سنام موت النابغة قالوا: نبغ النابغة بالشعر بعد ما احتنك. وهلك قبل أن يهتر. ولم أر من ذكر ما بلغ من العمر. غير أنهم قالوا: قد أسن وكبر توفي السنة التي قتل فيها (النعمان بن المنذر) وكان وفاته سنة (٦٠٤) لميلاد المسيح ﵇. وسنة (١٨) قبل الهجرة. الكلام على شعره هو أحد فحول شعراء الجاهلية، ومن أعيانهم المذكورين. ويقال: أنه كان أحسن الناس ديباجة شعر، وأكثرهم رونق كلام، وأجزلهم بيتا. كان شعره كلاما ليس فيه تكلف. وقد عده (الجمحي) في الطبقة الأولى بعد امرئ القيس. وكان لا ينسج كلامه إلا على منوال الفصاحة، ولا يخيطه إلا بخياط البلاغة. فشعره متين السبك، جيد الحبك، صافي الديباجة، واضح المعاني. وقد شهد له عمر بن الخطاب وأبو الأسود الدؤلي وحماد الرواية والأخطل وجميع صاغة الشعر. ويكفيه أنه كانت تضرب له القبة في سوق عكاظ لتعرض عليه الشعراء أشعارها. روى (الشعبي) أن عمر بن الخطاب قال: من أشعر الناس؟. قالوا: أنت أعلم يا أمير المؤمنين. قال من الذي يقول: ألا سليمان، إذ قال الإله له: ... قم في البرية، فاحددها عن الفند وخيس الجن، إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد قالوا: هو النابغة. فقال: فمن الذي يقول: حلفت، فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب؟ قالوا: هو النابغة. قال: فمن الذي يقول: أتيتك عاريا، خلقا ثيابي، ... على وجل، تظن بي الظنون قالوا: هو النابغة. قال: فهو أشعر العرب وقام رجل إلى (ابن عباس) فقال: أي الناس أشعر؟ فقال ابن عباس: أخبره يا أبا الأسود. قال: الذي يقول: فإنك كالليل الذي هو مدركي، ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع وروي عن الأصمعي أنه قال: "سألت بشارا الأعمى: من أشعر الناس؟. فقال: اختلف الناس في ذلك. فأجمع أهل البصرة على امرئ القيس وطرفة بن العبد، وأجمع أهل الكوفة على بشر بن أبي حازم والأعشى الهمداني، وأجمع أهل الحجاز على النابغة الذبياني، وأجمع أهل الحجاز على جرير والفرزدق والأخطل". وروي عنه أيضا أنه قال: "أول ما تكلم به النابغة من الشعر أنه حضر مع عمه عند رجل. وكان عمه يشاهد به الناس، ويخاف أن يكون عييا. فوضع الرجل كأسا في يده، وقال: تطيب كؤوسنا، لولا قذاها، ... ويحتمل الجليس على أذاها فقال النابغة وقد حمي لذلك: قذاها أن شاربها بخيل ... يحاسب نفسه، بكم اشتراها قالوا: وكان النابغة يقوي في شعره. وكان مهيبا لا يستطيع أحد أن يقول له: أقويت. فقدم المدينة فأنشد الناس قصيدة له كان قد أقوى فيها: فما تجاسر أحد أن ينبهه إلى ذلك. فأتوه بقينة فغنت بهذين البيتين أمامه: سقط النصيف، ولم ترد إسقاطه ... فتناولته، وأتقتنا باليد بمخضب رخص، كأن بنانه ... عنم، يكاد من اللطافة يعقد فمدت القينة صوتها باليد فصارت الكسرة ياء، ومدت يعقد فصارت الضمة واوا. فتنبه. ولم يعد إلى الإقواء. وغير الشطر الأخير، وجعله: "غنم على أغصانه لم يعقد". وقد قال: "دخلت (يثرب) وفي شعري بعض العاهة، فخرجت منها وأنا أشعر الناس". من غرار شعره قصيدته التي يصف بها المتجردة. وقد تقدم خبر ذلك. ومطلعها: أمن آل مية رائح أو مغتد؟ ... عجلان، ذا راد، وغير مزود زعم البوارح أن رحلتنا غدا ... وبذاك تنعاب الغراب الأسود لا مرحبا بغد، ولا أهلا به، ... إن كان تفريق الأحبة في غد أزف الترحل، غير ركابنا ... لما تزل برحالنا، وكأن قد

стр. 58

في إثر غانية رمتك بسهمها، ... فأصاب قلبك غير أن لم تقصد كمضيئة صدفية، غواصها ... بهج، متى ينظر إليها يسجد لو أنها عرضت لأشمط راهب، ... يخشى الإله، صرورة، متعبد لرنا لبهجتها وحسن حديثها، ... ولخاله رشدا، وإن لم يرشد قامت تراءى ... بين سجفي كلةٍ كالشمس، يوم طلوعها بالأسعد سقط النصيف ... ولم ترد إسقاطه فتناولته، واتقتنا باليد بمخضب رخص، كأن بنانه ... عنم على أغصانه لم يعقد وبفاحم رجل، أثيث نبته، ... كالكرم، مال على الدعام المسند نظرت إليك بحاجة لم تقضها، ... نظر السقيم إلى وجوه العود وتخالها في البيت ... إذ فاجأتها قد كان محجوبا سراج الموقد ومن شعره (يمدح عمرو بن الحارث الأعرج الغساني) قوله: كليني لهم ... يا أميمة ناصب، وليل أقاسيه بطيء الكواكب تطاول، حتى قلت: ليس بمنقض، ... وليس الذي يهدي النجوم بآيب وصدر أراح الليل عازب همه، ... تضاعف فيه الحزن من كل جائب علي لعمرو نعمة ... بعد نعمة لوالده ليست بذات عقارب لهم شيمة لم يعطها الله غيرهم ... من الناس والأحلام غير عوازب مجلتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير، تهتدي بعصائب على عارفات للطعان، عوابس، ... بهن كلوم، بين دام وجالب إذا استنزلوا للطعن عنهن أرقلوا ... إلى الموت، إرقال الجمال المصاعب ولا عيب فيهم، غير أن سيوفهم ... بهن فلول، من قراع الكتائب تخيرن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب تجذ السلوقي المضاعف نسجه، ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب رقاق النعال، طيب حجزاتهم ... يحيون بالريحان يوم السباسب ولا يحسبون الخير لا شر بعده ... ولا يحسبون الشر ضربة لازب حبوت بها غسان، إذ كنت لاحقا ... بأهلي، وإذ ضاقت علي مذاهبي وقد اشتهرت اعتذاريات النابغة (وهي القصائد التي اعتذر بها للنعمان بن المنذر) اشتهارا عظيما. فمنها قوله: على حين عاتبت المشيب على الصبا، ... وقلت: ألما تصح؟، والشيب وازع وقد حال هم دون ذلك، والج ... مكان الشغاف، تبتغيه الأصابع: وعيد أبي قابوس ... في غير كنهه أتاني، ودوني راكس فالضواجع فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش، في أنيابها السم ناقع أتاني ... أبيت اللعن أنك لمتني وتلك التي تستك منها المسامع أتاك امرؤ مستبطن لي بغضة، ... له من عدو مثل ذلك شافع أتاك بقول هلهل النسج، كاذبا ... ولم يأت بالحق الذي هو ناصع حلفت، فلم أترك لنفسك ريبة، ... وهل يأثمن أمة وهو طائع فإنك كالليل الذي هو مدركي، ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع وأنت ربيع ينعش الناس سيبه، ... وسيف أعيرته المنية قاطع أبى الله إلا عدله ووفاءه ... فلا النكر معروف، ولا العرف ضائع ومن اعتذارياته إليه قوله: أتاني ... أبيت اللعن أنك لمتني وتلك التي أهتم منها وأنصب حلفت، فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب لئن كنت قد بلغت عني خيانة، ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب ولكنني، كنت امرأ لي جانب ... من الأرض، فيه مستراد ومذهب: ملوك وإخوان، إذا ما لقيتهم ... أحكم في أموالهم، وأقرب كفعلك في قوم أراك اصطفيتهم ... فلم ترهم في مثل ذلك أذنبوا ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب؟ فإن أك مظلوما، فعبد ظلمته ... وإن تك ذا عتبى، فمثلك يعتب ألم تر أن الله أعطاك سورة، ... ترى كل ملك دونها يتذبذب بأنك شمس، والملوك كواكب: ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب وقال (يهجو زرعة بن عمرو، وقد بلغه أنه يتوعده) :

стр. 59

نبئت زرعة ... والسفاهة كاسمها يهدي إلى غرائب الأشعار فحلفت ... يا زرع بن عمرو أنني مما يشق على العدو ضراري أرأيت يوم عكاظ ... حين لقيتني تحت العجاج فما شققت غباري إنا أقتسمنا خطتينا بيننا: ... فحملت بره، واحتملت فجار ومن شعره قوله: من يطلب الدهر تدرك مخالبه ... والدهر بالوتر ناج، غير مطلوب ما من أناس ذوي مجد ومكرمة ... إلا يشد عليهم شدة الذيب حتى يبيد ... على عمد سراتهم بالنافذات، من النيل المصاييب إني رأيت سهام الموت معرضة ... بكل حتف من الآجال مكتوب وقوله: لا خير في عزم بغير روية ... والشط وهن، إن أردت سراحا واستبق ودك للصديق، ولا تكن ... قتبا، يعض بغارب ملحاحا فالرفق يمن، والأناة سعادة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا واليأس مما فات يعقب راحة ... ولرب مطعمة تعود ذباحا وقال (وفيما قال لباب الحكمة) : المرء يأمل أن يعش ... وطول عيش قد يضره تفنى بشاشته ويبقى ... بعد حلوالعيش مرة وتصرم الأيام حتى ... لا يرى شيئا يسره كم شامت بي إن هلكت ... وقائل: له درة وللنابغة شعر كثير جيد. وقد اكتفينا منه بما ذكرناه، عملا بما اختططناه في تنسيق الكتاب. معلقته وسبب نظمها معلقة النابغة من عيون شعره. وقد اشتملت على ضروب من الوصف والقصص والحكمة والاعتذار. وقد قالها يمدح فيها (النعمان بن المنذر) بعدما جفاه، ويعتذر إليه عما وقع، ويذكر له سابق أياديه عليه، وإدناء منزلته لديه. ويثبت له خيانة الواشين به عنده. كل ذلك بكلام جزل، ومعان تؤثر في النفس. وقد ذكرنا قبل ذلك سبب غضب النعمان عليه. نخبة من معلقته يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت، وطال عليها سالف الأبد وقفت فيها أصيلا كي أسائلها ... عيت جوابا، وما بالربع من أحد أضحت خلاء، وأضحى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخنى على لبد فعد عما مضى، إذ لا ارتجاع له ... وانم القتود على عيرانة أجد كأن رحلي ... وقد زال النهار بنا بذي الجليل على مستأنس وحد من وحش وجرة، موشي أكارعه، ... طاوي المصير، كسيف الصيقل الفرد فتلك تبلغني النعمان، إن له ... فضلا على الناس، في الأدنى وفي البعد ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ... ولا أحاشي من الأقوام من أحد إلا سليمان، إذ قال الإله له: ... قم في البرية، فاحددها عن الفند وخيس الجن، إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد فمن أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أطاعك، وادلل هـ على الرشد ومن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهي الظلوم، ولا تقعد على ضمد واحكم كحكم فتاة الحي، إذ نظرت ... إلى حمام سراع، وارد الثمد يحفه جانبا نيق، وتتبعه ... مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتها ونصفه فقد فحبسوه، فألقوه كما زعمت، ... تسعا وتسعين، لم تنقص، ولم تزد فكملت مئة فيها حمامتها، ... وأسرعت حسبة في ذلك العدد فلا لعمر الذي مسحت كعبته، ... وما هريق على الأنصاب من جسد والمؤمن العائذات الطير، تمسحها ... ركبان مكة، بين الغيل والسعد ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه ... إذا، فلا رفعت سوطي إلى يدي إذا، فعاقبني ربي معاقبة ... قرت بها عين من يأتيك بالحسد هذا، لأبرأ من قول قذفت به، ... طارت نوافذه حرا على كبدي أنبئت أن أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد مهلا فداء لك الأقوام كلهم، ... وما أثمر من مال ومن ولد فما الفرات إذا هب الرياح له، ... ترمي أواذيه العبرين بالزبد يمده كل واد مترع لجب، ... فيه ركام من الينبوت والخصد يظل من خوفه الملاح معتصما ... بالخيزرانة، بعد الأين والنجد

стр. 60

يوما بأجود منه سيب نافلة ... ولا يحول عطاء اليوم دون غذ هذا الثناء فإن تسمع لقائله، ... فلم أعرض أبيت اللعن بالصفد عبيد بن الأبرص توفي سنة (٥٥٥) وقيل سنة (٦٠٥) للميلاد هو (عبيد بن الأبرص الأسدي) وينتهي نسبه إلى دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان) . وهو شاعر فحل فصيح الألفاظ، من شعراء الجاهلية. وجعله ابن سلام في الطبقة الرابعة من فحول الجاهلية وحكمائها ودهاتها، وقرن به طرفة وعلقمة بن عبدة وعدي بن زيد، وكان شاعر بن أسد غير مدافع، قديم الذكر، طائر الشهرة، شهما، كريما مع ضيق ذات يده. شيء من أخباره كان معاصرا لامرئ القيس بن حجر الكندي. وله معه مناظرات كثيرة. وكان من حديثه أنه كان رجلا محتاجا. ولم يكن معه مال. فأقبل ذات يوم ومعه غنيمة له. ومعه أخته ماوية، ليوردا غنمهما. فمنعه رجل من بني مالك بن ثعلبة وجبهه. فانطلق حزينا مهموما للذي صنع به المالكي حتى أتى شجرات، فاستظل تحتها. فنام هو وأخته. فزعموا أن المالكي نظر إليه إلى أخته إلى جنبه، فقال: ذاك عبيد قد أصاب ميا ... يا ليته ألقحها صبيا فحملت، فوضعت ضاويا فسمعه (عبيد) فرفع يديه، ثم ابتهل، فقال: اللهم إن كان فلان ظلمني ورماني بالبهتان فأدلني منه ووضع رأسه ونام. ولم يكن قبل ذلك يقول الشعر. فذكر أنه أتاه في آت في المنام بكبة من شعر حتى ألقاها في فيه. ثم قال: قم. فقام وهو شاعر، فهجا المالكي. ثم استمر بعد ذلك يقول الشعر. فكان شاعر بني أسد. ولما اجتمعت (بنو أسد) بعد (قتلهم حجر بن عمرو) والد امرئ القيس إلى (امرئ القيس) على أن يعطوه ألف بعير دية أبيه، أو يقيدوه من أي رجل شاء من بني أسد، أو يمهلهم حولا - قال لهم امرؤ القيس: "أما الدية فما ظننت أنكم تعرضونها على مثلي، وأما القود فلو قيد إلي ألف من بني أسد ما رضيتهم، ولا رأيتهم كفؤا لحجر، وأما النظرة فلكم. ثم ستعرفونني في فرسان قحطان، أحكم فيكم ظبا السيوف وشبا الأسنة، حتى أشفي نفسي، وأنال ثأري". فلما سمع عبيد كلام امرئ القيس أنشد: يا ذا المخوفنا بقتل ... أبيه إذلالا وحينا أزعمت أنك فاتك ... بسراتنا، كذبا ومينا هلا على حجر ابن أم ... قطام تبكي لا علينا إنا إذا عض الشقاف ... برأس صعدتنا لوينا نحمي حقيقتنا، وبعض ... القوم يسقط بين بينا هلا سألت جموع كندة ... يوم ولوا أين أينا؟ أيام نضرب هامهم ... بنواتر، حتى انحنينا نحن الألى فاجمع جموعك ... ثم وجههم إلينا لا يبلغ الباني ... ولو رفع الدعائم ما بنينا كم من رئيس قد قتلناه ... وضيم قد أبينا إنا لعمرك لا يضام ... حليفنا أبدا لدينا ولما عصى بنو أسد حجرا أبا امرئ القيس وامتنعوا عن دفع الإتاوة وضربوا جابيه وأدموه - جاءهم حجر فقتل منهم وأسر سراتهم. وكان في الأسرى عبيد بن الأبرص. وقد أنشد قصيدة كانت سبب عفوه عنهم. ثم قتلوا حجرا، وشدوا على أمواله نهبا. وقد قدمنا تفصيل الخبر والقصيدة. موت عبيد عمر (عبيد) طويلا. حتى قتله المنذر بن ماء السماء اللخمي. وقيل: قتله (النعمان بن المنذر) وذلك أنه قد وفد عليه وهو لا يعلم في أحد أيام بؤسه التي كان يقتل المنذر فيها كل من يراه. فقال المنذر: "من هذا الشقي؟ " فقيل له: عبيد بن الأبرص الشاعر. فقال بعض من حضر المنذر: "أبيت اللعن. أظن أن عنده من حسن القريض أفضل مما تدرك من قتله. فاسمع منه. فإن سمعت حسنا استزدته. وإن لم يعجبك فما أقدرك على قتله". فقال المنذر: "هلا كان الذبح لغيرك يا عبيد". فقال: "أتتك بحائن رجلاه". فأرسلها مثلا. فقال: "ما ترى يا عبيد؟ " قال: "المنايا على الحوايا" فأرسلها مثلا. فقال: "أنشدني فقد كان يعجبني شعرك" فقال: "حال الجريض دون القريض". فأرسلها مثلا. فقال: "أنشدني: أقفر من أهله ملحوب". فقال: أقفر من أهله عبيد: ... فليس يبدي ولا يعيد عنت له خطة نكود، ... وحان منها له ورود

стр. 61

فقال المنذر: "ما أشد جزعك من الموت! " فقال: "لا يرحل رحلك من ليس معك" فأرسلها مثلا. فقال له النعمان: "لا بد من الموت. ولو أن النعمان (يعنى أباه) عرض لي يوم بؤسي لذبحته. فاختر: إن شئت الأكحل، وإن شئت الأبجل، وإن شئت الوريد". فقال عبيد: "ثلاث خصال كسحابات عاد، واردها شر وراد، وحاديها شر حاد، ومعادها شر معاد، ولا خير فيه لمرتاد. وإن كنت لا محالة قاتلي فاسقني الخمر، حتى إذا ماتت مفاصلي، وذهلت ذواهلي، فشأنك وما تريد". فأمر المنذر بحاجته من الخمر. حتى إذا أخذت منه وطابت نفسه، دعا به المنذر. ليقتله فلما مثل بين يديه أنشأ يقول: ألا أبلغ بني وأعمامهم: ... بأن المنايا هي الواردة لها مدة، فنفوس العباد ... إليها وإن كرهت قاصدة فلا تجزعوا لحمام دنا، ... فللموت ما تلد الوالدة فأمر به المنذر ففصد. فلما مات غرى بدمه الغريين. وكان موته سنة (٥٥٥) أو (٦٠٥) لميلاد المسيح ﵊. وقالوا: أنه عاش فوق مئتي سنة. وذلك قوله: حتى يقال لمن تعرق دهره: ... يا ذا الزمانة، هل رأيت عبيدا مئتى زمان كامل، أو بضعة ... عشرين عشت معمرا محمودا ما تبتغي من بعد هذا عيشة ... إلا الخلود ولن تنال خلودا وليفنين هذا وذاك كلاهما، ... إلا الإله ووجهه العبودا الكلام على شعره كان عبيد من فحول الشعراء الجاهليين. وقد جعلوه في طبقة طرفة بن العبد وأمثاله. وله شعر جميل، وحكمة عالية. ولشعره رونق وبهجة. وقد فقد أكثر شعره. ولكن في القليل الباقي منه ما يشير إلى بلاغته وسمو كعبه في القريض. ومن ذلك قوله (وكان ممن ينادم حجرا أبا امرئ القيس. ثم تغير حجر عليه وتوعده. ثم استصلحه فقال عبيد يخاطبه) : طال الخيال علينا ليلة الوادي، ... من أم عمرو، ولم تلمم لميعاد إني اهتديت لركب طال سيرهم ... في سبسب بين دكداك وأعقاد إذهب، إليك فإني من بني أسد ... أهل القباب وأهل الجرد والنادي أبلغ أبا كرب عني، وإخوته، ... قولا سيذهب غورا بعد أنجاد: لا أعرفنك يوما أنت تندبني، ... وفي حياتي ما زودتني زادي إن أمامك يوما أنت مدركه، ... لا حاضر مفلت منه ولا باد فانظر إلى ظل ملك أنت تاركه: ... هل ترسين أواخيه بأوتاد؟ الخير يبقى، وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت من زاد ومن شعره الجيد قوله: إذا أنت لم تعبأ برأي، ولم تطع ... لنصح، ولم تصغ إلى قول مرشد فلم تتقي ذم العشيرة كلها؟ ... وتدفع عنها باللسان وباليد فلست ... وإن عللت نفسك بالمنى بذي سؤدد باد، ولا كرب سيد لعمرك ما خشي الجليس تفحشي ... عليه، ولا أنأى عن المتودد ولا أبتغي ود امرئ قل خيره، ... ولا أنا عن وصل الصديق بأصيد وإني لأطفي الحرب بعد شبوبها، ... وقد أوقدت للغي في كل موقد وإني لذو رأي يعاش برأيه ... وما أنا من علم الأمور بمبتدي: إذا أنت حملت الخؤون أمانة ... فإنك قد أسندتها شر مسند ولا تظهرن ود امرئ قبل خبره ... وبعد بلاء المرء فاذمم أو احمد وإن أنت في مجد أصبت غنيمة ... فعد للذي صادفت من ذاك وازدد تمنى مريء القيس موتي، وإن مت ... فتلكت سبيل لست فيها بأوحد لعل الذي يرجو رداي وموتتي ... سفاها وجبنا، أن يكون هو الردي وللمرء أيام تعد وقد رعت ... حبال المنايا للفتى كل مرصد فمن لم يمت اليوم لا بد أنه ... سيعلقه حبل المنية في غد ومما يستجاد من شعره قوله: يا أيها السائل عن مجدنا، ... إنك عن مسعاتنا غافل إن كنت لم تسمع بآبائنا ... فسل تنبأ، أيها السائل سائل بنا حجرا غداة الوغى، ... يوم تولى جمعه الحافل قومي بني دودان أهل الندى ... يوما إذا ألحقت الحامل كم فيهم من سيد أيد، ... ذي نفحات، قائل، فاعل من قوله قول، ومن فعله ... فعل، ومن نائله نائل القائل القول الذي مثله ... يمرع منه البلد الماحل

стр. 62

لا يحرم السائل أن جاءه، ... ولا يعفي سيبه العاذل الطاعن الطعنة يوم الوغى ... يذهل منها البطل الباسل معلقته وسبب نظمها معلقة عبيد بائية من مجزوء البسيط، ووزنها: "مستفعلن فاعلن مفعولن". وأكثرها جاءت على وزن مخلع هذا البحر، وذلك باستعمال "مفعولن" على وزن "فعولن" وذلك مستملح في مجزوء البسيط. غير أن جملة من أبياتها جاءت فيه "مفعولن" على وزن "مستفعلن". وذلك غير جائز في البسيط المجزوء الذي عروضه على وزن "مفعولن" وفيها كثير من الأبيات مختلة الوزن. وقد أشار (أبو العلاء المعري) إلى اختلال بائية (عبيد) بقوله: وقد يخطىء الرأي امرؤ وهو حازم، ... كما اختل في وزن القريض عبيد نقول: "والغالب أن ذلك من سوء الرواية. وإلا فعبيد أجل من أن يقع في مثل ذلك. ومعلقته هذه قد جمعت ضروبا من الحكمة والموعظة والوصف. وذلك أكثر ما فيها. وهي مسبوكة سبكا جميلا. وربما ضاع حسن سبكها، وبليغ تركيبها، وجميل حكمتها بهذا البحر الذي اختاره لتسييرها فيه. لأنه بحر ضل فيه كثير من خائضيه قديما وحديثا. أما السبب الذي دعاه إلى نظمها على ما يظهر فليس إلا خواطر من الحكمة والعظة جاشت في نفسه فظهرت على أسلة لسانه. والله أعلم. نخبة من معلقته إقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات، فالذنوب وبدلت منهم وحوشا، ... وغيرت حالها الخطوب أرض توارثها الجدوب، ... فكل من حلها محروب إما قتيلا، وإما هلكا ... والشيب شين لمن يشب عيناك دمعهما سروب، ... كأن شأنيهما شعيب واهية، أو معين معن ... من هضبة دونها لهوب تصبو، وأنى لك التصابي؟ ... أنى، وقد راعك المشيب؟ فكل ذي نعمة مخلوس ... وكل ذي أمل مكذوب وكل ذي إبل موروث ... وكل ذي سلب مسلوب وكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب أعاقر مثل ذات رحم؟ ... أو غانم مثل من يخيب؟ من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب بالله يدرك كل خير ... والقول في بعضه تلغيب والله ليس له شريك، ... علام ما أخفت القلوب أفلح بما شئت قد يبلغ ... بالضعيف، وقد يخدع الأريب لا يعظ الناس من لا يعظ ... الدهر ولا ينفع التلبيب ساعد بأرض تكون فيها، ... ولا تقل: إنني غريب والمرء ما عاش في تكذيب، ... طول الحياة له تعذيب