Полный текст (6 278 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
بِمَنْزِلَةِ الصَّبِيِّ لَا تُعْتَبَرُ خَلْوَتُهُ فِي إيجَابِ الْعِدَّةِ، وَحَيْثُ قَالَ: تَجِبُ الْعِدَّةُ أَرَادَ فِي مَجْبُوبٍ لَهُ مَاءٌ يَسْحَقُ فَيُنْزِلُ فَتَجِبُ الْعِدَّةُ احْتِيَاطًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ خَلَا بِهَا فَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، ثُمَّ بَعْدَ مَا فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَبَتْ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ إذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ إلَى سَنَتَيْنِ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ، وَلَا تَبْطُلُ تِلْكَ الْفُرْقَةُ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ بِاعْتِبَارِ الْإِنْزَالِ بِالسَّحْقِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُبْطِلٍ حَقَّهَا، بِخِلَافِ الْعِنِّينِ إذَا فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا وَهُوَ يَدَّعِي الْوُصُولَ إلَيْهَا ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ يَثْبُتُ النَّسَبُ وَيَبْطُلُ التَّفْرِيقُ؛ لِأَنَّا حِينَ حَكَمْنَا بِثُبُوتِ النَّسَبِ فَقَدْ حَكَمْنَا بِوُصُولِهِ إلَيْهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بَعْدَ التَّفْرِيقِ عَلَى إقْرَارِهَا بِالْوُصُولِ إلَيْهَا قَبْلَ التَّفْرِيقِ بَطَلَ تَفْرِيقِ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا، كَمَا لَوْ عَرَفَ الْقَاضِي إقْرَارَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَرَّتْ بَعْدَ التَّفْرِيقِ أَنَّهُ كَانَ وَصَلَ إلَيْهَا، فَإِنَّ قَوْلَهَا فِي إبْطَالِ التَّفْرِيقِ وَرَفْعِ الطَّلَاقِ الْوَاقِعِ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِكَوْنِهَا مُتَّهَمَةً فِي ذَلِكَ، وَالْخَصِيُّ بِمَنْزِلَةِ الْعِنِّينِ؛ لِأَنَّ رَجَاءَ الْوُصُولِ فِي حَقِّهِ مَوْجُودٌ لِبَقَاءِ الْآلَةِ، وَلَوْ تَزَوَّجَتْ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ وَهِيَ تَعْلَمُ بِحَالِهِ، فَلَا خِيَارَ لَهَا فِيهِ لِأَنَّهَا صَارَتْ رَاضِيَةً بِهِ حِينَ أَقْدَمَتْ عَلَى الْعَقْدِ مَعَ عِلْمِهَا بِحَالِهِ، وَلَوْ رَضِيَتْ بِهِ بَعْدَ الْعَقْدِ بِأَنْ قَالَتْ: رَضِيتُ سَقَطَ خِيَارُهَا فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي قَوْلِهَا رَضِيتُ بِالْمُقَامِ مَعَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ السُّلْطَانِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِحَقِّهَا.
(قَالَ:) وَلَيْسَ يَكُونُ أَجَلُ الْعِنِّينِ إلَّا عِنْدَ قَاضِي مِصْرٍ أَوْ مَدِينَةٍ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَنْ هُوَ دُونَ هَؤُلَاءِ وَمُرَادُهُ بِهَذَا الْإِشَارَةُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ خِيَارِ الْمُعْتَقَةِ وَالْعِنِّينِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ وَهُوَ مِنْ جِهَتِهَا فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا، وَهَذَا يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ وَهُوَ لِمَعْنًى مِنْ الزَّوْجِ، فَلِهَذَا كَانَ طَلَاقًا وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا اللَّفْظِ أَنَّ الْمِصْرَ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ فِي غَيْرِ الْمِصْرِ بِمَنْزِلَةِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْمِصْرِ.
(قَالَ:) وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَوَصَلَ إلَيْهَا ثُمَّ فَارَقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَلَمْ يَصِلْ إلَيْهَا يُؤَجَّلُ كَمَا يُؤَجَّلُ الْعِنِّينُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ الثَّانِي غَيْرُ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، فَلَا يُعْتَبَرُ الْوُصُولُ فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ فِيمَا يُسْتَحَقُّ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي.
(قَالَ:) وَالْخُنْثَى إذَا كَانَ يَبُولُ مِنْ مَبَالِ الرِّجَالِ فَهُوَ رَجُلٌ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً، فَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا أُجِّلَ كَمَا يُؤَجَّلُ الْعِنِّينُ؛ لِأَنَّ رَجَاءَ الْوُصُولِ قَائِمٌ، فَإِنْ كَانَ يَبُولُ مِنْ مَبَالِ النِّسَاءِ فَهُوَ امْرَأَةٌ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ رَجُلًا لَمْ يَعْلَمْ بِحَالِهَا ثُمَّ عَلِمَ بِذَلِكَ بَعْدَهُ، فَلَا خِيَارَ لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي يَدِهِ وَهُوَ نَظِيرُ الرَّتْقَاءِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
(قَالَ:) وَلَوْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ رَتْقَاءَ وَالزَّوْجُ عِنِّينًا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُخَاصِمَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْمُطَالَبَةِ بِالْجِمَاعِ مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ فِيهَا، وَذُكِرَ
стр. 1017
فِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ إذَا زَوَّجَ أُمَّتَهُ فَوَجَدَتْهُ عِنِّينًا أَنَّ الْخُصُومَةَ فِي ذَلِكَ إلَى الْمَوْلَى فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ وَاجِبٌ لَهُ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى أَنْ يُؤَكِّدَ حَقَّهُ، وَلِأَنَّ النَّسْلَ يَكُونُ مِلْكًا لَهُ وَبِكَوْنِهِ عِنِّينًا يَفُوتُ ذَلِكَ، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْخِيَارُ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْوَطْءِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ لَهَا دُونَ الْمَوْلَى فَكَانَ حَقُّ الْمُرَافَعَةِ إلَيْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
[بَابُ نِكَاحِ الشِّغَارِ]
(قَالَ:) ﵁ بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ ﷺ : «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ» وَالشِّغَارُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أُزَوِّجُكَ أُخْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي أُخْتَكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ مَهْرُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِكَاحَ الْأُخْرَى، أَوْ قَالَا ذَلِكَ فِي ابْنَتَيْهِمَا أَوْ أَمَتَيْهِمَا، ثُمَّ النِّكَاحُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَجُوزُ عِنْدَنَا، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ النِّكَاحُ بَاطِلٌ لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَلِأَنَّهُ شَرَطَ الْإِشْرَاكَ فِي بُضْعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حِينَ جَعَلَ النِّصْفَ مِنْهُ صَدَاقًا وَالنِّصْفَ مَنْكُوحَةً، وَمِلْكُ النِّكَاحِ لَا يَحْتَمِلُ الِاشْتِرَاكَ، فَالِاشْتِرَاكُ بِهِ يَكُونُ مُبْطِلًا كَمَا إذَا زَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلَيْنِ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ سَمَّى بِمُقَابَلَةِ بُضْعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا فَكَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْبُضْعِ صَلَاحِيَةَ كَوْنِهِ صَدَاقًا لَمْ يَتَحَقَّقْ الْإِشْرَاكُ فَبَقِيَ هَذَا شَرْطًا فَاسِدًا، وَالنِّكَاحُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، كَمَا لَوْ شَرَطَ أَنْ يَهَبَهَا لِغَيْرِهِ أَوْ نَحْوِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا زَوَّجَتْ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلَيْنِ لِأَنَّهَا تَصْلُحُ مَنْكُوحَةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْإِشْرَاكِ وَاسْتِدْلَالُهُ بِالنَّهْيِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِلْخُلُوِّ عَنْ الْمَهْرِ هَكَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُزَوَّجَ الْمَرْأَةُ بِالْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ مَهْرٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا»، وَهَذَا لِأَنَّ الشِّغَارَ هُوَ الْخُلُوُّ فِي اللُّغَةِ، يُقَالُ: شَغَرَ الْكَلْبُ إذَا رَفَعَ إحْدَى رِجْلَيْهِ لِيَبُولَ، وَبَلْدَةٌ شَاغِرَةٌ إذَا كَانَتْ خَالِيَةً مِنْ السُّلْطَانِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ أَنْ لَا تَخْلُوَ الْمَرْأَةُ بِالنِّكَاحِ عَنْ الْمَهْرِ وَبِهِ نَقُولُ، وَإِنْ سَمَّى لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ مَهْرًا فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَا سُمِّيَ مِنْ الْمَهْرِ، وَاشْتِرَاطُ أَحَدِ الْعَقْدَيْنِ فِي الْآخَرِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ هُنَا؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ وَالنِّكَاحُ لَا يَبْطُلُ بِمِثْلِهِ.
(قَالَ:) وَإِذَا جَعَلَ
стр. 1018
مَهْرَ امْرَأَتِهِ طَلَاقَ أُخْرَى كَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا بِمَهْرِ مِثْلِهَا وَلَمْ يَكُنْ الطَّلَاقُ مَهْرًا، وَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَ الْقِصَاصَ مَهْرًا فَقَدْ وَقَعَ الْعَفْوُ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كُلَّمَا يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ بِالشَّرْطِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَحَقُّقُ الْمُعَاوَضَةِ وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ عِنْدَهُ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا فِي قَوْلِهِ «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ» وَلَكِنَّا نَقُولُ: اشْتِرَاطُ صِفَةِ الْمَالِيَّةِ فِي الصَّدَاقِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَطَلَاقُ الضَّرَّةِ وَالْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ لَيْسَ بِمَالٍ، وَكَذَلِكَ تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ بِحُرْمَةِ مَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ قُلْنَا: إذَا أَعْتَقَ أُمَّتَهُ عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَيَكُونُ الْعِتْقُ صَدَاقًا لَهَا فَزَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إبْطَالٌ لِلرِّقِّ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ جَوَّزَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَعْتَقَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حَيٍّ ﵂ وَتَزَوَّجَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقًا لَهَا» وَلَكِنَّا نَقُولُ: قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِمَهْرٍ جَدِيدٍ، وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَخْصُوصًا بِالنِّكَاحِ بِغَيْرِ مَهْرٍ، وَعَلَى هَذَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَخْدُمَهَا سَنَةً، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ لِتَضَمُّنِهَا تَسْلِيمَ الْمَالِ إلَيْهَا، فَإِنَّ رَقَبَةَ الْعَبْدِ مَالٌ، وَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ، هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَنَحْوُهُ رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَرْعَى غَنَمَهَا سَنَةً يَجُوزُ اسْتِدْلَالًا بِقِصَّةِ مُوسَى مَعَ شُعَيْبٍ ﵉، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: هِيَ مَأْمُورَةٌ بِأَنْ تُعَظِّمَهُ وَتُرَاعِيَ حَقَّهُ، وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ بِاسْتِخْدَامِهَا إيَّاهُ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ خِدْمَتُهَا صَدَاقًا، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي عَمَلِ الرَّعْيِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الِابْنَ لَا يَسْتَأْجِرُ أَبَاهُ لِلْخِدْمَةِ وَيَسْتَأْجِرُهُ لِعَمَلٍ آخَرَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ فِي الْفَصْلَيْنِ رِوَايَتَيْنِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ وَاشْتِرَاطُهَا مِنْ الْحُرِّ لَا يَتَضَمَّنُ تَسْلِيمَ الْمَالِ إلَيْهَا، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَأْخُذُ حُكْمَ الْمَالِيَّةِ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ الْحَيَوَانُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بِمُقَابَلَتِهَا، فَإِذَا لَمْ تَصِحَّ تَسْمِيَةُ الْخِدْمَةِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ سَمَّى مَالًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا لَهَا فَهُوَ كَتَسْمِيَةِ الْخَمْرِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهَا قِيمَةُ خِدْمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْخِدْمَةَ مُتَقَوِّمَةٌ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَالًا، فَإِذَا تَعَذَّرَ سَلَامَتُهَا لَهَا تَجِبُ قِيمَتُهَا، كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ فَاسْتُحِقَّ ثُمَّ قَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا إذَا تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ عَلَى طَلَاقِ ضَرَّتِهَا
стр. 1019
وَبَيْنَ مَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُطَلِّقَ ضَرَّتَهَا فِي حُكْمِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَى الضَّرَّةِ، فَكَذَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى الْقِصَاصِ حَصَلَ الْعَفْوُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَإِذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَعْفُوَ عَنْ الْقِصَاصِ لَمْ يَسْقُطْ الْقِصَاصُ إلَّا بِمُبَاشَرَةِ الْعَفْوِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى عِتْقِ أَبِيهَا عَتَقَ الْأَبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَعْتِقَ أَبَاهَا وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ مَا سُمِّيَ صَدَاقًا مِنْ عِتْقِ الْأَبِ لَيْسَ بِمَالٍ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى عِتْقِ أَبِيهَا عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَمْلِيكَ رَقَبَةِ الْأَبِ مِنْهَا، فَإِنَّ الْعِتْقَ عَنْهَا لَا يَكُونُ إلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ، وَرَقَبَةُ الْأَبِ مَالٌ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا لَهَا.
وَإِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ رَجُلٍ عَلَى مَهْرٍ مُسَمًّى عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ عَلَى مَهْرٍ مُسَمًّى، فَإِنْ زَوَّجَهُ فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَا سُمِّيَ لَهَا مِنْ الْمَهْرِ، وَإِنْ لَمْ يُزَوِّجْهُ الْآخَرُ كَانَ لِلْمُزَوَّجَةِ تَمَامُ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ رِضَاهَا بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ بِاعْتِبَارِ مَنْفَعَةٍ مَشْرُوطَةٍ لِأَبِيهَا، وَمَنْفَعَةُ أَبِيهَا كَمَنْفَعَتِهَا، وَلَوْ شَرَطَ لَهَا مَعَ الْمُسَمَّى مَنْفَعَةً كَانَ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا، كَذَا هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ نِكَاحِ الْأَكْفَاءِ]
(قَالَ) ﵁: قَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ مَا هُوَ مَقْصُودُ هَذَا الْبَابِ وَهُوَ اعْتِبَارُ الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ، وَصِحَّةُ عَقْدِ النِّكَاحِ مِنْ كُفْءٍ بِمَهْرِ مِثْلِهَا بِمُبَاشَرَتِهَا أَوْ بِمُبَاشَرَةِ غَيْرِهَا بِرِضَاهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِآثَارٍ رُوِيَتْ فَمِنْهُ حَدِيثُ جَعْفَرٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَ الَّذِي وَلِيَ عَقْدَ النِّكَاحِ النَّجَاشِيُّ وَمَهَرَهَا عَنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ» وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا زَوَّجَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ غَائِبٌ فَقَالَ: أَمِثْلِي يُفْتَاتُ عَلَيْهِ فِي بَنَاتِهِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: ﵂ أَوَتَرْغَبُ عَنْ الْمُنْذِرِ لَتَمْلِكَنَّ أَمْرَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَمَلَكَهَا فَقَالَ: مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْهُ، وَمِنْهُ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَرْوَانَ ﵁ قَالَ: زَوَّجَتْ امْرَأَةٌ مَعَنَا فِي الدَّارِ ابْنَتَيْهَا فَجَاءَ أَوْلِيَاؤُهَا فَخَاصَمُوهَا إلَى عَلِيٍّ ﵁ فَأَجَازَ النِّكَاحَ، وَمِنْهُ حَدِيثُ بَحْرِيَّةَ بِنْتِ هَانِئ قَالَتْ: زَوَّجْتُ نَفْسِي مِنْ الْقَعْقَاعِ بْنِ شَوْرٍ فَخَاصَمَ أَبِي إلَى عَلِيٍّ ﵁ فَأَجَازَ النِّكَاحَ، وَلَكِنَّ الْحُجَّةَ بِهَذِهِ الْآثَارِ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵁ حَيْثُ يَقُولُ: لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِعِبَارَةِ النِّسَاءِ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَقْوَى الْحُجَّةُ بِبَعْضِ هَذِهِ الْآثَارِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي حَدِيثِ النَّجَاشِيِّ: إنَّهُ كَانَ هُوَ الْوَلِيُّ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُسْلِمَةً فِي وِلَايَتِهِ، فَإِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -
стр. 1020
مِنْ جُمْلَةِ مَنْ هَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ، وَلِأَنَّ عَقْدَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَذَلِكَ مَا أَجَازَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّمَا أَجَازَهُ بِوِلَايَةِ السَّلْطَنَةِ، ثُمَّ اسْتَكْثَرَ مِنْ الشَّوَاهِدِ فِي جَوَازِ تَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا مِنْ كُفْءٍ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْوَلِيَّ لَوْ عَضَلَهَا فَخَاصَمَتْهُ إلَى السُّلْطَانِ، فَإِنَّهُ يَحِقُّ عَلَى السُّلْطَانِ أَنْ يَأْمُرَ الْوَلِيَّ بِذَلِكَ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يُزَوِّجَهَا؛ السُّلْطَانُ، فَإِذَا صَنَعَتْ هِيَ بِنَفْسِهَا كَيْفَ تَحْكُمُ بِبُطْلَانِ مَا صَنَعَتْ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ وَلَهَا وَلَدٌ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ وَلَدَهَا مِنْهُ، أَمَا كَانَ يَجُوزُ هَذَا النِّكَاحُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْوَلِيَّ هَذَا الْوَلَدُ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً أَعْتَقَتْ أَبَاهَا وَهُوَ مَعْتُوهٌ فَزَوَّجَتْهُ أَمَا كَانَ يَجُوزُ هَذَا، فَإِذَا كَانَتْ تَمْلِكُ أَنْ تُزَوِّجَ أَبَاهَا فَكَيْفَ لَا تَمْلِكُ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا، وَاسْتَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الشَّوَاهِدِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي اخْتِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَأَنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يُجِيزَهُ الْقَاضِي أَوْ الْوَلِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ مَا فِيهِ مِنْ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُمَا، وَاَللَّهَ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ
[بَابُ نِكَاحِ الْإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ]
(قَالَ:) ﵁ وَلِلرَّجُلِ الْحُرِّ إذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا مِنْ الْإِمَاءِ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَيْسَ لِلْحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ إلَّا أَمَةً وَاحِدَةً، وَالْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي فُصُولٍ.
(أَحَدُهَا:) أَنَّ الْحُرَّ إذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، وَلَكِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى طَوْلِ الْحُرَّةِ عِنْدَنَا لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَهُ، وَعِنْدَهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: ٢٥] الْآيَةَ إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] فَاَللَّهُ تَعَالَى شَرَطَ لِجَوَازِ نِكَاحِ الْأَمَةِ عَدَمَ طَوْلِ الْحُرَّةِ، وَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ يَقْتَضِي الْفَصْلَ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ لِلْحُرِّ لِضَرُورَةِ خَوْفِ الزِّنَا عَلَى نَفْسِهِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ طَوْلِ الْحُرَّةِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ فِي تَزَوُّجِ الْحُرِّ الْأَمَةَ تَعْرِيضَ وَلَدِهِ لِلرِّقِّ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ جُزْءٌ مِنْهُ وَهُوَ تَابِعٌ لِلْأُمِّ فِي الرِّقِّ، وَكَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِلرِّقِّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعَرِّضَ وَلَدَهُ لِلرِّقِّ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْأَمَةِ إذَا كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى طَوْلِ الْحُرَّةِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَمْتَنِعَ النِّكَاحُ عَلَيْهِ لِحَقِّ الْوَلَدِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ الْمُعْتَدَّةَ مِنْ الْغَيْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ اشْتِبَاهِ نَسَبِ
стр. 1021
الْوَلَدِ، وَلِأَنَّ نِكَاحَ الْأَمَةِ بَدَلٌ فِي حَقِّ الْحُرِّ؛ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ عَقْدُ ازْدِوَاجٍ وَهُوَ يَنْبَنِي عَلَى الْمُسَاوَاةِ فِي الْأَصْلِ، وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ الْحُرِّ وَالْأَمَةِ فَكَانَ نِكَاحُ الْأَمَةِ فِي مَعْنَى الْبَدَلِ، فَكَمَا أَنَّ وُجُودَ الْأَصْلِ يَمْنَعُ الْعُدُولَ إلَى الْبَدَلِ فَكَذَلِكَ لِلْقُدْرَةِ عَلَى تَحْصِيلِهِ كَالتَّيَمُّمِ، فَإِنَّ وُجُودَ الْمَاءِ كَمَا يَمْنَعُ التَّيَمُّمَ فَالْقُدْرَةُ عَلَى تَحْصِيلِهِ بِالشِّرَاءِ تَمْنَعُ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] فَإِذَا اسْتَطَابَ نِكَاحَ الْأَمَةِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ بِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ النِّكَاحَ يَخْتَصُّ بِمَحَلِّ الْحِلِّ، وَالْأَمَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَحَلَّاتِ فِي حَقِّ الْحُرِّ كَالْحُرِّ فَيَكُونُ جَوَازُ نِكَاحِهَا أَصْلًا لَا بَدَلًا وَلَا ضَرُورَةً، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا مُحَلَّلَةٌ لَهُ أَنَّهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ مَحَلًّا لَهُ، وَلَا يَحِلُّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ إلَّا مَا يَحِلُّ بِمِلْكِ النِّكَاحِ وَأَنَّهَا مُحَلَّلَةٌ لِلْعَبْدِ أَصْلًا بِالِاتِّفَاقِ فَكَذَلِكَ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحِلَّ فِي حَقِّ الْحُرِّ أَوْسَعُ مِنْهُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ، لَا يَثْبُتُ الْحِلُّ لِلْعَبْدِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَيَثْبُتُ لِلْحُرِّ، وَهَذَا لِأَنَّ الْأُنْثَى مِنْ بَنَاتِ آدَمَ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ تَحِلُّ لِلذُّكُورِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حُصُولُ النَّسْلِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ ثُمَّ الْحُرْمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَعَانِي نَصَّ عَلَيْهَا الشَّرْعُ مِنْ الْأُمِّيَّةِ وَالْأُخْتِيَّةِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِذَا انْعَدَمَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي كَانَ الْحِلُّ ثَابِتًا بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ، وَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ تَعْرِيضِ الْوَلَدِ لِلرِّقِّ أَيْضًا فَأَنَّ نِكَاحَ الْعَقِيمِ وَالْعَجُوزِ يَجُوزُ، وَفِيهِ تَضْيِيعُ النَّسْلِ أَصْلًا، فَلَأَنْ يَجُوزَ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَضْيِيعُ صِفَةِ الْحُرِّيَّةِ لِلنَّسْلِ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَ أَمَةً ثُمَّ قَدَرَ عَلَى طَوْلِ الْحُرَّةِ أَوْ تَزَوَّجَ حُرَّةً كَانَ لَهُ أَنْ يَطَأَ الْأَمَةَ بِالنِّكَاحِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَفِي هَذَا تَعْرِيضُ وَلَدِهِ لِلرِّقِّ، فَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ اعْتِمَادَهُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا يَصِحُّ، وَكَذَلِكَ دَعْوَاهُ أَنَّ الْأَمَةَ فِي حُكْمِ الْبَدَلِ فَاسِدٌ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ بَدَلًا لَمْ يَبْقَ النِّكَاحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بَعْدَ وُجُودِ الْأَصْلِ، كَمَا لَا يَبْقَى حُكْمُ التَّيَمُّمِ بَعْدَ وُجُودِ الْمَاءِ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: حُرْمَةُ نِكَاحِ الْأَمَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِالنَّصِّ، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ عَلَى مَا قَالَ ﷺ : «لَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ».
أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُرَّةَ لَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ غَائِبَةً لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأَمَةَ، وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يَسْتَغْنِي بِنِكَاحِهَا عَنْ الْأَمَةِ، وَيَخَافُ الْوُقُوعَ فِي الزِّنَا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمَانِعَ هُنَاكَ عَيْنُ نِكَاحِ الْحُرَّةِ لَا الِاسْتِغْنَاءُ بِنِكَاحِهَا، وَكَانَ الْكَرْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ بِنِكَاحِ الْحُرَّةِ يَثْبُتُ لِنَسْلِهِ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ فَهُوَ بِتَزَوُّجِ الْأَمَةِ يُبْطِلُ الْحَقَّ الثَّابِتَ، وَحَقُّ الْحُرِّيَّةِ لَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، فَأَمَّا بِطَوْلِ الْحُرَّةِ لَا يَثْبُتُ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ لِوَلَدِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْأَمَةَ لَيْسَتْ مِنْ جُمْلَةِ الْمَحَلَّاتِ بِالنِّكَاحِ مَضْمُومَةٌ إلَى الْحُرَّةِ وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَحَلَّاتِ مُنْفَرِدَةٌ عَنْ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ عَقْدُ النِّكَاحِ نِعْمَةٌ فِي جَانِبِ الرِّجَالِ
стр. 1022
وَالنِّسَاءِ، فَكَمَا يَتَنَصَّفُ ذَلِكَ الْحِلُّ بِرِقِّ الرَّجُلِ حَتَّى يَتَزَوَّجَ الْعَبْدُ اثْنَتَيْنِ وَالْحُرُّ أَرْبَعًا فَكَذَلِكَ يَتَنَصَّفُ بِرِقِّ الْمَرْأَةِ، وَلَا يُمْكِنُ إظْهَارُ هَذَا التَّنْصِيفِ فِي جَانِبِهَا بِنُقْصَانِ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِوَاحِدٍ فَظَهَرَ التَّنْصِيفُ بِاعْتِبَارِ الْحَالَةِ، فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ: الْأَحْوَالُ ثَلَاثَةٌ حَالُ مَا قَبْلَ نِكَاحِ الْحُرَّةِ وَحَالُ مَا بَعْدَهُ وَحَالُ الْمُقَارَنَةِ، وَلَكِنَّ الْحَالَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَحْتَمِلُ التَّجَزُّؤَ فَتَغْلِبُ الْحُرْمَةُ عَلَى الْحِلِّ فَتُجْعَلُ مُحَلَّلَةً سَابِقَةً عَلَى الْحُرَّةِ وَمُحَرَّمَةً مُقْتَرِنَةً بِالْحُرَّةِ أَوْ مُتَأَخِّرَةً عَنْهَا أَوْ فِي الْحَقِيقَةِ حَالَتَانِ حَالَةُ الِانْضِمَامِ إلَى الْحُرَّةِ وَحَالَةُ الِانْفِرَادِ عَنْهَا، فَتُجْعَلُ مُحَلَّلَةً مُنْفَرِدَةً عَنْ الْحُرَّةِ وَمُحَرَّمَةً مَضْمُومَةً إلَى الْحُرَّةِ، فَإِذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ فَهُوَ بِنِكَاحِ الْأَمَةِ يَضُمُّهَا إلَى الْحُرَّةِ فَلِهَذَا لَا يَصِحُّ، فَأَمَّا مَعَ طَوْلِ الْحُرَّةِ فَهُوَ بِنِكَاحِ الْأَمَةِ لَا يَضُمُّهَا إلَى الْحُرَّةِ فَلِهَذَا جَازَ نِكَاحُهَا، فَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ الْمُرَادَ حَالُ وُجُودِ نِكَاحِ الْحُرَّةِ وَبِهِ نَقُولُ، عَلَى أَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ يَقْتَضِي وُجُودَ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَلَكِنْ لَا يُوجِبُ انْعِدَامَ الْحُكْمِ عِنْدَ انْعِدَامِ الشَّرْطِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ ثَابِتًا قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ لِعِلَّةٍ أُخْرَى.
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى: يَجُوزُ لِلْحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا مِنْ الْإِمَاءِ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا مِنْ الْحَرَائِرِ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ لِلْحُرِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ إلَّا أَمَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ جَوَازَ نِكَاحِ الْأَمَةِ لِلْحُرِّ عِنْدَهُ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ تَرْتَفِعُ بِالْوَاحِدَةِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنْهَا، كَتَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ لَمَّا كَانَ حِلُّهَا لِأَجَلِ الضَّرُورَةِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ، وَعِنْدَنَا نِكَاحُ الْأَمَةِ لِلْحُرِّ مُبَاحٌ مُطْلَقًا كَنِكَاحِ الْحُرَّةِ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا مِنْ الْحَرَائِرِ، وَعَلَى هَذَا يَسْتَوِي عِنْدَنَا إنْ كُنَّ مُسْلِمَاتٍ أَوْ كِتَابِيَّاتٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَرْتَفِعُ عَنْهُ بِنِكَاحِ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ الْكِتَابِيَّةِ أَصْلًا، فَإِنَّ الْكِتَابِيَّةَ تَكُونُ فِي مِلْكِ الْكَافِرِ عَادَةً، وَتَعْرِيضُ وَلَدِهِ لِرِقِّ الْمُسْلِمِ أَهْوَنُ مِنْ تَعْرِيضِهِ لِرِقِّ الْكَافِرِ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] مَعْنَاهُ مِنْ الْحَرَائِرِ فَلَمَّا جَوَّزَ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّةِ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ حُرَّةً، فَإِذَا كَانَتْ أَمَةً لَمْ تَدْخُلْ تَحْتَ النَّصِّ، وَإِنَّمَا دَخَلَتْ تَحْتَ قَوْلِهِ ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وَلِأَنَّ كُفْرَهَا يَغْلُظُ بِبَعْضِ آثَارِهِ وَهُوَ الرِّقُّ، فَلَا يَجُوزُ نِكَاحُهَا أَصْلًا كَالْمَجُوسِيَّةِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْأَمَةَ الْكِتَابِيَّةَ مُحَلَّلَةٌ لِلْمُسْلِمِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَكَذَلِكَ بِمِلْكِ النِّكَاحِ كَالْمُسْلِمَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ مَا لَا يَحِلُّ بِمِلْكِ النِّكَاحِ لَا يَحِلُّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ
стр. 1023
كَالْمَجُوسِيَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّرْعَ سَوَّى بَيْنَ حُكْمِ النِّكَاحِ وَالذَّبِيحَةِ، ثُمَّ فِي حَقِّ حِلِّ الذَّبِيحَةِ الْكِتَابِيَّةُ كَالْمُسْلِمَةِ أَمَةً كَانَتْ أَوْ حُرَّةً فَكَذَلِكَ فِي حُكْمِ النِّكَاحِ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ وَالْمُحْصَنَاتُ الْعَفَائِفُ مِنْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَتَتَنَاوَلُ الْأَمَةَ كَالْحُرَّةِ، وَلَئِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْحَرَائِرَ فَإِبَاحَةُ نِكَاحِ الْحَرَائِرِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى حُرْمَةِ نِكَاحِ الْإِمَاءِ، وَلَكِنَّ هَذَا لِبَيَانِ الْأَوْلَى، وَاسْمُ الْمُشْرِكَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْكِتَابِيَّةَ لِاخْتِصَاصِهَا بِاسْمٍ آخَرَ، أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَطَفَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] الْآيَةَ.
(قَالَ:) وَلَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ حُرَّةً ثُمَّ أَجَازَ مَوْلَى الْأَمَةِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ مِلْكِ الْحِلِّ عِنْدَ الْإِجَازَةِ، وَعِنْدَ الْإِجَازَةِ الْحُرَّةُ تَحْتَهُ، فَبِهَذِهِ الْإِجَازَةِ يَحْصُلُ ضَمُّ الْأَمَةِ إلَى الْحُرَّةِ وَهِيَ لَيْسَتْ مِنْ الْمُحَلَّلَاتِ مَضْمُومَةً إلَى الْحُرَّةِ، وَلِأَنَّهُ اعْتَرَضَ بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ الْإِجَازَةِ مَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ فَيَمْنَعُ الْإِجَازَةَ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً نِكَاحًا مَوْقُوفًا ثُمَّ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا ثُمَّ إنَّ الْأُولَى أَجَازَتْ لَمْ يَجُزْ، أَرَأَيْتَ لَوْ تَزَوَّجَ أُمَّ هَذِهِ الْأَمَةِ أَوْ ابْنَتَهَا وَهِيَ حُرَّةٌ قَبْلَ إجَازَةِ مَوْلَاهَا ثُمَّ أَجَازَ الْمَوْلَى أَكَانَ يَجُوزُ قَالَ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا.
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَ أَمَةً بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا الْمَوْلَى وَلَمْ يَعْلَمْ بِالنِّكَاحِ، فَإِنَّ هَذَا الْعِتْقَ إمْضَاءٌ لِلنِّكَاحِ وَإِجَازَةٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ مُخَاطَبَةٌ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ نُفُوذُ عَقْدِهَا لِحَقِّ الْمَوْلَى، فَإِذَا سَقَطَ حَقُّ الْمَوْلَى نَفَذَ الْعَقْدُ وَكَانَ نُفُوذُ هَذَا الْعَقْدِ مِنْ جِهَتِهَا لَا مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى، وَمَا قَالَ: إنَّهُ إمْضَاءٌ وَإِجَازَةٌ تَوَسُّعٌ فِي الْكَلَامِ، فَأَمَّا نُفُوذُ الْعَقْدِ مِنْ جِهَتِهَا، وَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ لَهَا خِيَارُ الْعِتْقِ كَمَا لَوْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ خِيَارَ الْعِتْقِ إنَّمَا يَثْبُتُ إذَا ازْدَادَ الْمِلْكُ عَلَيْهَا بِالْعِتْقِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا كَانَ نُفُوذُ الْعَقْدِ ابْتِدَاءً بَعْدَ الْعِتْقِ، وَلِهَذَا كَانَ الْمَهْرُ لَهَا إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا قَبْلَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ إنَّمَا يَثْبُتُ عَلَيْهَا فَمَا يَقْبَلُهُ مِنْ الْبَدَلِ يَكُونُ لَهَا، وَعَنْ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: يَبْطُلُ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّ تَوَقُّفَهُ كَانَ عَلَى إجَازَةِ الْمَوْلَى، فَلَا يَنْفُذُ مِنْ جِهَةِ غَيْرِهِ، وَلَا يُمْكِنُ إبْقَاؤُهُ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَتِهِ لِسُقُوطِ حَقِّهِ بِالْعِتْقِ فَتَعَيَّنَ فِيهِ جِهَةُ الْبُطْلَانِ، كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَ الْغَيْرِ، ثُمَّ إنَّ الْمَالِكَ بَاعَهُ مِنْ إنْسَانٍ آخَرَ بَطَلَ بِهِ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ مَا تَوَقَّفَ هَذَا الْعَقْدُ عَلَى إجَازَةِ الْمَوْلَى، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ نُفُوذُهُ لِقِيَامِ حَقِّ الْمَوْلَى وَقَدْ سَقَطَ حَقُّ الْمَوْلَى بِالْعِتْقِ بَعْدَ الْعَقْدِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ مِنْ النُّفُوذِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أَذِنَ لَهَا الْمَوْلَى فِي النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفُذُ ذَلِكَ الْعَقْدُ مَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ بِالْإِذْنِ لَمْ يَسْقُطُ حَقُّ الْمَوْلَى، فَلَا بُدَّ مِنْ إجَازَةِ الْمَوْلَى أَوْ إجَازَةِ مَنْ قَامَ مَقَامَهُ، فَأَمَّا بِالْعِتْقِ هُنَا سَقَطَ حَقُّ الْمَوْلَى، وَهَذَا بِخِلَافِ
стр. 1024
مَا إذَا اشْتَرَتْ شَيْئًا ثُمَّ أَعْتَقَهَا الْمَوْلَى فَإِنَّهُ يَبْطُلُ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الشِّرَاءَ انْعَقَدَ مُوجِبًا الْمِلْكَ لِلْمَوْلَى فَلَوْ نَفَذَ بَعْدَ عِتْقِهَا كَانَ مُوجِبًا الْمِلْكَ لَهَا، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَأَمَّا هُنَا النِّكَاحُ انْعَقَدَ مُوجِبَ الْحِلِّ لَهَا وَبَعْدَ الْعِتْقِ إنَّمَا يَنْفُذُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَلَوْ لَمْ يَعْتِقْهَا، وَلَكِنَّهُ مَاتَ فَوَرِثَهَا ابْنُهُ، فَإِنْ كَانَتْ تَحِلُّ لِلِابْنِ بِأَنْ لَمْ يَمَسَّهَا الْأَبُ بَطَلَ النِّكَاحُ، وَلَيْسَ لِلِابْنِ أَنْ يُجِيزَهُ؛ لِأَنَّهُ طَرَأَ حِلٌّ نَافِذٌ عَلَى الْحِلِّ الْمَوْقُوفِ فَيَكُونُ مُبْطِلًا لِذَلِكَ الْمَوْقُوفِ كَمَا إذَا طَرَأَ مِلْكٌ نَافِذٌ عَلَى مِلْكٍ مَوْقُوفٍ بِأَنْ بَاعَ مِلْكَ الْغَيْرِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْ الْمَالِكِ بَطَلَ ذَلِكَ الْعَقْدُ، وَلَا يَمْلِكُ الْإِجَازَةَ بَعْدُ، وَهَذَا لِأَنَّ بَيْنَ الْمِلْكَيْنِ وَالْحِلَّيْنِ فِي الْمَحَلِّ مُنَافَاةً فَنُفُوذُ أَحَدِهِمَا فِي الْمَحَلِّ يَكُونُ مُبْطِلًا لِلْآخَرِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَحِلُّ لِلِابْنِ فَأَجَازَ الِابْنُ ذَلِكَ النِّكَاحَ جَازَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَبِ فِي هَذِهِ الْإِجَازَةِ وَلَمْ يُوجَدْ الْمُنَافِي وَهُوَ طَرَيَان الْحِلِّ النَّافِذِ عَلَى الْحِلِّ الْمَوْقُوفِ.
وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ زُفَرَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَوَقَّفَ عَلَى إجَازَةِ الْأَبِ، فَلَا يَنْفُذُ بِإِجَازَةِ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهَا الْمَوْلَى أَوْ وَهَبَهَا أَوْ سَلَّمَهَا، فَإِنْ كَانَتْ تَحِلُّ لِلْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ لَمْ يَنْفُذْ ذَلِكَ الْعَقْدُ بِإِجَازَتِهِمَا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَحِلُّ لَهُمَا نَفَذَ الْعَقْدُ بِإِجَازَتِهِمَا عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَوْ كَانَتْ تَحِلُّ لِمَنْ مَلَكَهَا فَدَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ بَعْدَ مَا مَلَكَهَا وَقَدْ أَجَازَ مَنْ مَلَكَهَا النِّكَاحَ أَوْ لَمْ يُجِزْ كَانَ عَلَيْهِ الْأَقَلُّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا وَمِمَّا سَمَّى لَهَا فِي النِّكَاحِ قَبْلَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ حَصَلَ بِشُبْهَةِ النِّكَاحِ فَسَقَطَ الْحَدُّ وَيَجِبُ الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى وَمِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ لِمَالِكِهَا يَوْمَ وَطِئَهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ بَدَلًا عَنْ الْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ وَالْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ مَمْلُوكٌ لِلثَّانِي فَكَانَ الْبَدَلُ لَهُ، وَلَوْ كَانَ قَدْ جَامَعَهَا فِي مِلْكِ الْأَوَّلِ ثُمَّ أَجَازَ النِّكَاحَ الْآخَرُ، فَإِنَّهُ يُجْعَلُ عَلَيْهِ مَهْرٌ وَاحِدٌ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ بِهَا فِي الْمِلْكِ الْأَوَّلِ حَصَلَ بِشُبْهَةِ النِّكَاحِ فَيَجِبُ الْمَهْرُ بِمُقَابَلَةِ الْمُسْتَوْفَى مِنْهَا، وَذَلِكَ الْمُسْتَوْفَى مَمْلُوكٌ لِلْأَوَّلِ فَكَانَ الْمَهْرُ لَهُ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْفُذُ بِإِجَازَةِ الثَّانِي هُنَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَسَدَ حِينَ مَلَكَهَا، وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ هَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ فِي مِلْكِ الْأَوَّلِ وَجَبَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَالْمُعْتَدَّةُ لَا تَحِلُّ لِغَيْرِ الْمُعْتَدِّ مِنْهُ فَهِيَ لَمْ تَصِرْ مُحَلَّلَةً لِلْمَالِكِ الثَّانِي، فَلَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ الْمَوْقُوفُ، فَإِذَا أَجَازَهُ كَانَ صَحِيحًا، وَلَكِنَّا نَقُولُ: مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْعِدَّةِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، فَأَمَّا قَبْلَ التَّفْرِيقِ فَهِيَ لَيْسَتْ بِمُعْتَدَّةٍ فَاعْتِرَاضُ الْمِلْكِ الثَّانِي يُبْطِلُ الْمِلْكَ الْمَوْقُوفَ، وَإِنْ كَانَ هُوَ مَمْنُوعًا مِنْ غِشْيَانِهَا، وَجُعِلَ هَذَا قِيَاسَ الْمَنْعِ بِسَبَبِ الِاسْتِبْرَاءِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ بُطْلَانَ النِّكَاحِ الْمَوْقُوفِ، فَهَذَا مِثْلُهُ.
(قَالَ:) وَلَوْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فِي مِلْكِ الْأَوَّلِ ثُمَّ
стр. 1025
أَعْتَقَهَا جَازَ النِّكَاحُ، وَفِي الْقِيَاسِ عَلَيْهِ مَهْرَانِ مَهْرٌ لِلْمَوْلَى بِالدُّخُولِ بِشُبْهَةِ النِّكَاحِ قَبْلَ الْعِتْقِ وَمَهْرٌ لَهَا لِنُفُوذِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا بَعْدَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْحِلِّ إنَّمَا يَثْبُتُ بَعْدَ الْعِتْقِ، فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِغَيْرِ مَهْرٍ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: لَا يَجِبُ إلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْمَهْرِ بِالدُّخُولِ إنَّمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْعَقْدِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْبِقْ الْعَقْدُ لَا يَجِبُ الْمَهْرُ وَالْعَقْدُ الْوَاحِدُ لَا يُوجِبُ إلَّا مَهْرًا وَاحِدًا، وَإِذَا وَجَبَ بِهِ الْمَهْرُ لِلْمَوْلَى لَا يَجِبُ لَهَا بِهِ مَهْرٌ آخَرُ، تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْإِجَازَةَ وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ الْعِتْقِ فَحُكْمُهَا يَسْتَنِدُ إلَى أَصْلِ الْعَقْدِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الشُّهُودَ يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْعَقْدِ لَا عِنْدَ الْإِذْنِ فَكَذَلِكَ إذَا أَجَازَهُ فِي الِانْتِهَاءِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الشُّهُودِ عِنْدَ الْعَقْدِ لَا عِنْدَ الْإِجَازَةِ وَشَرْطُ الشُّهُودِ اخْتَصَّ بِمِلْكِ الْحِلِّ كَشَرْطِ الْمَهْرِ، فَكَمَا أَنَّ وُجُودَ الشُّهُودِ عِنْدَ الْعَقْدِ يُغْنِي عَنْ اعْتِبَارِهِ عِنْدَ الْإِجَازَةِ فَكَذَا وُجُوبُ الْمَهْرِ لِلْمَوْلَى عِنْدَ الْعَقْدِ يُغْنِي عَنْ اعْتِبَارِ مَهْرٍ آخَرَ لَهَا عِنْدَ الْإِجَازَةِ، وَلَوْ لَمْ يُعْتِقْهَا، وَلَكِنَّهُ أَجَازَ النِّكَاحَ جَعَلَ إجَازَتَهُ فِي الِانْتِهَاءِ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَلَوْ كَانَ أَذِنَ لَهَا فِي النِّكَاحِ جَازَ عَقْدُهَا وَيُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الشُّهُودِ عِنْدَ الْعَقْدِ لَا عِنْدَ الْإِجَازَةِ.
(قَالَ:) وَلِلْمَوْلَى أَنْ يُكْرِهَ أُمَّتَهُ أَوْ عَبْدَهُ عَلَى النِّكَاحِ، أَمَّا الْأَمَةُ فَلِأَنَّ بُضْعَهَا مَمْلُوكٌ لِلْمَوْلَى فَهُوَ إنَّمَا يَعْقِدُ عَلَى مِلْكِ نَفْسِهِ بِتَزْوِيجِهَا، وَلَهُ وِلَايَةُ الْعَقْدِ عَلَى مِلْكِ نَفْسِهِ بِغَيْرِ رِضَاهَا كَمَا لَوْ بَاعَهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْبَدَلَ يَجِبُ لِلْمَوْلَى، وَالنَّفَقَةُ تَسْقُطُ عَنْ الْمَوْلَى فَهُوَ فِيمَا صَنَعَ عَمِلَ لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَلِلْمَوْلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ عِنْدَنَا، وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ مَا تَنَاوَلَهُ النِّكَاحُ مِنْ الْعَبْدِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ فَهُوَ فِي تَزْوِيجِهِ مُتَصَرِّفٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ، فَلَا يَسْتَبِدُّ بِهِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَوْلَى فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ مِنْ عَبْدِهِ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِقْرَارَ عَلَيْهِ بِالْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ دَمَهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ، وَلَا يَمْلِكُ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَةَ الْعَبْدِ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِلْمَوْلَى، فَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَهُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ هَذَا الْعَقْدِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لَهُ، تَوْضِيحُهُ أَنَّ تَزْوِيجَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ لَا يُفِيدُ مَقْصُودَ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِيَدِ الْعَبْدِ فَيُطَلِّقُهَا مِنْ سَاعَتِهِ، وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، فَإِنَّمَا عَقَدَ الْمَوْلَى عَلَى شَيْءٍ لَا يَقْدِرُ الْعَبْدُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ مَمْلُوكُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَيَمْلِكُ نِكَاحَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ كَالْأَمَةِ، وَهَذَا لِأَنَّ فِي الْأَمَةِ إنَّمَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى الْعَقْدَ عَلَيْهَا لِمِلْكِهِ رَقَبَتَهَا لَا لِمِلْكِهِ مَا يُمْلَكُ بِالنِّكَاحِ، فَإِنَّ وِلَايَةَ التَّزْوِيجِ لَا تَسْتَدْعِي مِلْكَ مَا يُمْلَكُ بِالنِّكَاحِ، وَلَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَلِيَّ يُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ عَلَيْهَا مَا يُمْلَكُ بِالنِّكَاحِ، فَثَبَتَ أَنَّ فِي حَقِّ الْأَمَةِ إنَّمَا
стр. 1026
يَمْلِكُ تَزْوِيجَهَا بِمِلْكِهِ رَقَبَتَهَا لَا بِمِلْكِهِ عَلَيْهَا مَا يُمْلَكُ بِالنِّكَاحِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي جَانِبِ الْعَبْدِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ فِي تَزْوِيجِ الْأَمَةِ يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ، وَفِي تَزْوِيجِ الْعَبْدِ إنَّمَا يَنْظُرُ لِلْعَبْدِ، وَلِأَنَّ الْإِمْهَارَ أَحَدُ شَطْرَيْ الْعَقْدِ فَيَمْلِكُهُ الْمَوْلَى بِمِلْكِ الرَّقَبَةِ كَتَمْلِيكِ الْبُضْعِ فِي جَانِبِ الْأَمَةِ، وَمَا قَالَ: إنَّهُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِلْمَوْلَى فَاسِدٌ مِنْ الْكَلَامِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَسْتَبِدُّ بِالنِّكَاحِ بِالِاتِّفَاقِ، وَمَا لَا يَمْلِكُهُ الْمَوْلَى مِنْ عَبْدِهِ، فَالْعَبْدُ فِيهِ مُبْقًى عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ يَسْتَبِدُّ بِهِ كَالْإِقْرَارِ بِالْقِصَاصِ وَإِيقَاعِ الطَّلَاقِ عَلَى زَوْجَتِهِ، وَهُنَا الْعَبْدُ لَمَّا كَانَ لَا يَسْتَبِدُّ بِهِ عَرَفْنَا أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ، وَمُوجِبُ النِّكَاحِ الْحِلُّ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالنِّكَاحِ إلَى أَنْ يَرْتَفِعَ بِالطَّلَاقِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ حِشْمَةَ الْمَوْلَى تَمْنَعُهُ مِنْ إيقَاعِ الطَّلَاقِ.
(قَالَ:) وَلَوْ أَقَرَّ الْمَوْلَى بِالنِّكَاحِ عَلَى عَبْدِهِ لَمْ يَصِحَّ إقْرَارُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، بِخِلَافِ مَا لَوْ أَقَرَّ عَلَى أَمَتِهِ بِالنِّكَاحِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا سَبَقَ، وَذَكَرَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى عَكْسِ هَذَا أَنَّ إقْرَارَ الْمَوْلَى بِالنِّكَاحِ عَلَى عَبْدِهِ صَحِيحٌ، وَعَلَى أَمَتِهِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهَا فَرْجٌ، فَلَا تَحِلُّ لِلزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الْمَوْلَى بِغَيْرِ شُهُودٍ.
(قَالَ:) وَإِذَا عَتَقَتْ الْأَمَةُ الْمَنْكُوحَةُ فَلَهَا الْخِيَارُ كَمَا بَيَّنَّا، فَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَقَدْ دَخَلَ الزَّوْجُ بِهَا فَالْمَهْرُ الْمُسَمَّى وَاجِبٌ لِسَيِّدِهَا؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ حَصَلَ بِحُكْمِ نِكَاحٍ صَحِيحٍ فَتَقَرَّرَ بِهِ الْمُسَمَّى، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، فَلَا مَهْرَ لَهَا، وَلَا لِسَيِّدِهَا؛ لِأَنَّ اخْتِيَارَهَا نَفْسَهَا فَسْخٌ لِلنِّكَاحِ مِنْ أَصْلِهِ فَيَسْقُطُ بِهِ جَمِيعُ الْمَهْرِ، كَمَا إذَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِانْعِدَامِ الْكَفَاءَةِ، فَإِنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَالْمَهْرُ لِسَيِّدِهَا دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى وَجَبَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ بِمُقَابَلَةِ مَا مَلَكَهُ الزَّوْجُ، وَإِنَّمَا مَلَكَ ذَلِكَ عَلَى الْمَوْلَى فَكَانَ الْبَدَلُ لِلْمَوْلَى، وَلَوْ لَمْ يُعْتِقْهَا كَانَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الصَّدَاقَ مِنْ زَوْجِهَا، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يُسَلِّمَهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى فِي اسْتِحْقَاقِ صَدَاقِ الْأَمَةِ كَالْحُرَّةِ فِي اسْتِحْقَاقِ صَدَاقِ نَفْسِهَا، وَهُنَاكَ لَهَا أَنْ تَحْبِسَ نَفْسَهَا لِاسْتِيفَاءِ صَدَاقِهَا فَهُنَا أَيْضًا لِلْمَوْلَى أَنْ يَحْبِسَهَا إذَا كَانَ الصَّدَاقُ حَالًّا، وَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ مُؤَجَّلًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهَا، وَلَا لِلْحُرَّةِ أَنْ تَحْبِسَ نَفْسَهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى قِيَاسِ الْمَبِيعِ لَا يُحْبَسُ بِالثَّمَنِ الْمُؤَجَّلِ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ مُؤَجَّلًا فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَحْبِسَ نَفْسَهَا لِاسْتِيفَائِهِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ تَسْلِيمَ النَّفْسِ عَلَيْهَا فِي جَمِيعِ الْعُمُرِ، وَالْمُطَالَبَةُ بِالصَّدَاقِ ثَابِتٌ لَهَا فِي الْعُمُرِ، وَفِي الْبَيْعِ اسْتِحْقَاقُ التَّسْلِيمِ عَقِيبَ الْعَقْدِ، وَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ بِالثَّمَنِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ إذَا كَانَ مُؤَجَّلًا، فَإِنْ كَانَ
стр. 1027
اسْتَوْفَى الْمَوْلَى صَدَاقَهَا أُمِرَ الْمَوْلَى أَنْ يُدْخِلَهَا عَلَى زَوْجِهَا، وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُبَوِّئَهَا مَعَهُ بَيْتًا؛ لِأَنَّ خِدْمَتَهَا حَقُّ الْمَوْلَى، فَلَا تَقَعُ الْحَيْلُولَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ، وَلَكِنَّهَا تَخْدُمُ الْمَوْلَى فِي بَيْتِهِ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ مِنْ قَبْلُ.
وَمَتَى مَا وَجَدَ الزَّوْجُ مِنْهَا خَلْوَةً أَوْ فَرَاغًا قَضَى حَاجَتَهُ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى قَتَلَهَا مَوْلَاهَا فَعَلَيْهِ رَدُّ جَمِيعِ الصَّدَاقِ عَلَى الزَّوْجِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقْبِضْ الصَّدَاقَ سَقَطَ جَمِيعُ حَقِّهِ عَنْ الزَّوْجِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهَا الْمَوْلَى فِي مَكَان لَا يَقْدِرُ الزَّوْجُ عَلَيْهَا، وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْقَتْلَ مَوْتٌ بِأَجَلٍ فَيَتَقَرَّرُ بِهِ جَمِيعُ الصَّدَاقِ كَمَا لَوْ قَتَلَهَا غَيْرُ الْمَوْلَى، وَهَذَا لِأَنَّ بِالْمَوْتِ تَنْتَهِي مُدَّةُ النِّكَاحِ، فَإِنَّ النِّكَاحَ يُعْقَدُ لِلْعُمُرِ فَبِمُضِيِّ مُدَّتِهِ يَنْتَهِي الْعَقْدُ، وَانْتِهَاءُ الْعَقْدِ مُوجِبٌ تَقْرِيرَ الْبَدَلِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرِثُ مِنْ صَاحِبِهِ حَتَّى لَوْ جَرَحَهَا الْمَوْلَى ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَاكْتَسَبَتْ مَالًا ثُمَّ مَاتَتْ مِنْ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ، فَإِنَّ الزَّوْجَ يَرِثُهَا، وَلَوْ مَاتَ الزَّوْجُ قَبْلَهَا وَرِثَتْهُ أَيْضًا، وَالتَّوْرِيثُ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ انْتِهَاءِ النِّكَاحِ بِالْمَوْتِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يُفْسَخْ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا، وَسُقُوطُ الْمَهْرِ مِنْ حُكْمِ انْفِسَاخِ النِّكَاحِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: مَنْ لَهُ الْحَقُّ فِي الْبَدَلِ اكْتَسَبَ سَبَبَ فَوَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ فِي الْمُطَالَبَةِ بِالْبَدَلِ، كَمَا لَوْ أَعْتَقَهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقَتْلَ مَوْتٌ كَمَا قَالَ، وَلَكِنْ يَتَضَمَّنُ فَوَاتَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى هُوَ الَّذِي اكْتَسَبَ سَبَبَهُ يُجْعَلُ التَّفْوِيتُ مُحَالًا بِهِ إلَيْهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَائِعَ لَوْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَسْقُطُ حَقُّهُ فِي حِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَلَوْ قَتَلَ الْعَبْدُ الْمَبِيعَ يَسْقُطُ جَمِيعُ الثَّمَنِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقَتْلَ فِي الْحَقِيقَةِ مَوْتٌ بِأَجَلٍ، وَلَكِنْ فِي حَقِّ الْقَاتِلِ جُعِلَ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا كَأَنَّهُ غَيْرُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجِبَ عَلَى الْقَاتِلِ الْقِصَاصُ وَالْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ إنْ كَانَ خَطَأً، وَمَنْ ذَبَحَ شَاةَ إنْسَانٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ يَكُونُ ضَامِنًا وَبِاعْتِبَارِ مَوْتِهِ هُوَ مُحْسِنٌ إلَى صَاحِبِ الشَّاةِ فِيمَا صَنَعَهُ غَيْرُ مُتْلِفٍ عَلَيْهِ شَيْئًا، تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْمَوْلَى لَوْ غَيَّبَ أَمَتَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الزَّوْجَ بِصَدَاقِهَا، فَإِذَا أَتْلَفَهَا أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ بِصَدَاقِهَا، وَهَذَا الْكَلَامُ يَتَّضِحُ فِيمَا إذَا بَاعَهَا فِي مَكَان لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الزَّوْجُ، فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَمَا إذَا غَيَّبَهَا مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ، أَمَّا الْمِيرَاثُ فَنَقُولُ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ مَوْتٌ، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ إتْلَافًا فِي حَقِّ الْقَاتِلِ، وَالْمِيرَاثُ لَيْسَ لِلْقَاتِلِ، بَلْ ذَلِكَ شَيْءٌ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ، وَفِيمَا بَيْنَهُمَا هَذَا مَوْتٌ مُنْهٍ لِلنِّكَاحِ
، وَلَوْ قَتَلَتْ الْحُرَّةُ الْمَنْكُوحَةُ نَفْسَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا الزَّوْجُ لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ
стр. 1028
الْحَقَّ فِي الْمَهْرِ لَهَا وَقَدْ فَوَّتَتْ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالتَّسْلِيمِ فَصَارَ كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ قَتَلَ الْمَوْلَى أَمَتَهُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: قَتْلُهَا نَفْسَهَا فِي الْإِحْكَامِ كَمَوْتِهَا، وَلَوْ كَانَتْ مَاتَتْ لَمْ يَسْقُطْ مَهْرُهَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَتْلَهَا نَفْسَهَا هَدَرٌ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا إنَّمَا تُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ فَهُوَ كَمَوْتِهَا، بِخِلَافِ قَتْلِ الْمَوْلَى أَمَتَهُ، فَإِنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي الْأَحْكَامِ حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِهِ الْكَفَّارَةُ إنْ كَانَ خَطَأً وَالضَّمَانُ إنْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ، تَوْضِيحُهُ أَنَّ بَعْدَ قَتْلِهَا نَفْسَهَا الْمُهُورُ لِوَرَثَتِهَا لَا لَهَا، وَلَمْ يُوجَدُ مِنْ الْوَرَثَةِ مَا كَانَ تَفْوِيتًا لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْقَتْلَ مَوْتٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الْقَاتِلِ، فَأَمَّا الْمَهْرُ لِلْمَوْلَى بَعْدَ قَتْلِ الْأَمَةِ وَالتَّفْوِيتُ وُجِدَ مِنْ جِهَتِهِ، فَإِنْ قِيلَ: مَا تَقُولُ فِيمَا إذَا كَانَ الْوَارِثُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهَا.؟ قُلْنَا: الْوَارِثُ إذَا قَتَلَهَا صَارَ مَحْرُومًا عَنْ الْمِيرَاثِ، وَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْمِيرَاثِ هُنَا، فَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ فِعْلُهُ فِي إسْقَاطِ مَهْرِهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ رِدَّتِهَا؛ لِأَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَلِأَنَّ الْمَهْرَ لَهَا بَعْدَ الرِّدَّةِ، وَتَفْوِيتُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَانَ مِنْهَا
فَأَمَّا الْأَمَةُ إذَا قَتَلَتْ نَفْسَهَا فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا كَالْحُرَّةِ إذَا قَتَلَتْ نَفْسَهَا بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ هُنَا لِمَوْلَاهَا، وَفِي الْأُخْرَى يَسْقُطُ مَهْرُهَا كَمَا لَوْ ارْتَدَّتْ، وَهَذَا لِأَنَّ فِعْلَ الْمَمْلُوكِ مُضَافٌ إلَى الْمَالِكِ فِي مُوجِبِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ قَتَلَتْ غَيْرَهَا كَانَ الْمَوْلَى هُوَ الْمُخَاطَبُ بِدَفْعِهَا أَوْ فِدَائِهَا، فَإِذَا قَتَلَتْ نَفْسَهَا جُعِلَ فِي الْحُكْمِ كَأَنَّ الْمَوْلَى قَتَلَهَا فَلِهَذَا يَسْقُطُ مَهْرُهَا.
(قَالَ:) وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَأَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنَّهَا حُرَّةٌ وَلَمْ يُزَوِّجْهَا إيَّاهُ، وَلَكِنَّ الرَّجُلَ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَإِذَا هِيَ أَمَةٌ وَقَدْ وَلَدَتْ لَهُ ضَمِنَ الزَّوْجُ قِيمَةَ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ، وَوَلَدُ الْمَغْرُورِ حُرٌّ بِالْقِيمَةِ، بِهِ قَضَى عُمَرُ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِرِقِّ مَائِهِ، وَلَكِنْ كَمَا يُعْتَبَرُ حَقُّهُ يُعْتَبَرُ حَقُّ الْمُسْتَحِقِّ فَيَكُونُ الْوَلَدُ حُرًّا بِالْقِيمَةِ نَظَرًا مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَلَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى الْمُخْبِرِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَ لَهُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَخْبَرَهُ بِخَبَرٍ كَانَ كَاذِبًا فِيهِ، وَذَلِكَ لَا يُثْبِتُ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ أَنَّ الطَّرِيقَ آمِنٌ فَسَلَكَ فِيهِ فَأَخَذَ اللُّصُوصُ مَتَاعَهُ، وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْأَمَةِ إذَا أُعْتِقَتْ؛ لِأَنَّهَا غَرَّتْهُ حِينَ زَوَّجَتْهُ نَفْسَهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ، وَضَمَانُ الْغَرَرِ كَضَمَانِ الْكَفَالَةِ، فَإِنَّهَا ضَمِنَتْ لَهُ سَلَامَةَ الْوَلَدِ بِمَا ذَكَرَتْ مِنْ الْحُرِّيَّةِ فِي الْعَقْدِ، وَضَمَانُ الْكَفَالَةِ يَجِبُ عَلَى الْأَمَةِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَيَضْمَنُ الزَّوْجُ الْعُقْرَ لِلْمَوْلَى، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ عِوَضُ مَا اسْتَوْفَى مِنْهَا، وَالْمُسْتَوْفَى كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى وَهُوَ الَّذِي نَالَ اللَّذَّةَ بِاسْتِيفَائِهِ.
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَتْ الْمُسْتَسْعَاةُ فِي بَعْضِ قِيمَتِهَا ثُمَّ
стр. 1029
أَدَّتْ السِّعَايَةَ فَعَتَقَتْ خُيِّرَتْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْمُسْتَسْعَاةَ كَالْمُكَاتَبَةِ عِنْدَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ إذَا أَعْتَقَتْ وَقَدْ كَانَتْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا خُيِّرَتْ.
(قَالَ:) وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْأَمَةِ فِي عِدَّةِ حُرَّةٍ مِنْ فُرْقَةٍ أَوْ طَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ ثَلَاثٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَوْ كَانَتْ مُعْتَدَّةً مِنْ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ لَمْ يَجُزْ نِكَاحُ الْأَمَةِ فِي عِدَّتِهَا بِالِاتِّفَاقِ فَهُمْ يَقُولُونَ: الْمُحَرَّمُ نِكَاحُ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ كَمَا قَالَ ﷺ : «لَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ» وَالتَّزَوُّجُ عَلَيْهَا إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ مِلْكُهُ بَاقِيًا عَلَيْهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ أَوْ قَبْلَ الطَّلَاقِ، فَأَمَّا بَعْدَ الْفُرْقَةِ لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا نِكَاحٌ، فَلَا يَكُونُ مُتَزَوِّجًا عَلَيْهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ الْحُرَّةُ تَعْتَدُّ مِنْهُ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ فَتَزَوَّجَ أَمَةً يَجُوزُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ تَزَوَّجْتُ عَلَيْكِ امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً بَعْدَ مَا أَبَانَهَا لَمْ تَطْلُقْ، بِخِلَافِ مَا لَوْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ أَوْ قَبْلَهُ فَثَبَتَ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَزَوِّجٍ عَلَيْهَا بَعْدَ مَا أَبَانَهَا، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَنْعِ مِنْ نِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ الْأُخْتِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ هُنَاكَ الْجَمْعُ، فَإِذَا تَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا صَارَ جَامِعًا بَيْنَهُمَا فِي حُقُوقِ النِّكَاحِ، وَهَذَا الْمَنْعُ لَيْسَ لِأَجْلِ الْجَمْعِ، فَإِنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ الْأَمَةَ ثُمَّ الْحُرَّةَ صَحَّ نِكَاحُهَا، وَلَكِنَّ الْمَنْعَ مِنْ تَزَوُّجِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إدْخَالِ نَاقِصَةِ الْحَالِ فِي مُزَاحَمَةِ كَامِلَةِ الْحَالِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْمَنْعُ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ ثَبَتَ بِنِكَاحِ الْحُرَّةِ، وَكُلُّ مَنْعٍ ثَبَتَ بِسَبَبِ النِّكَاحِ يَبْقَى بِبَقَاءِ الْعِدَّةِ كَالْمَنْعِ مِنْ نِكَاحِ الْأُخْتِ وَالْأَرْبَعِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعِدَّةَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ، وَحَقُّ الشَّيْءِ كَنَفْسِ ذَلِكَ الشَّيْءِ فِي إبْقَاءِ الْحُرْمَةِ، وَنِكَاحُ الْأَمَةِ إنَّمَا لَا يَجُوزُ بَعْدَ الْحُرَّةِ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَتَبْقَى تِلْكَ الْحُرْمَةُ بِبَقَاءِ عِدَّتِهَا، فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ مَضْمُومَةٌ إلَى الْحُرَّةِ، وَفِي هَذَا نَوْعُ ضَمٍّ فِي فِرَاشِ النِّكَاحِ، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْحُرَّةُ تَعْتَدُّ مِنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ قَوْلُهُمَا، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ، وَبَعْدَ التَّسْلِيمِ يَقُولُ: هُنَاكَ الْمَنْعُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ حَتَّى يُقَالُ: يَبْقَى ذَلِكَ بِبَقَاءِ الْعِدَّةِ، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْيَمِينِ قُلْنَا فِي الْأَيْمَانِ: الْمُعْتَبَرُ الْعُرْفُ، وَفِي الْعُرْفِ لَا يُسَمَّى مُتَزَوِّجًا عَلَيْهَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَلِهَذَا لَا تَطْلُقُ، فَأَمَّا فِي أَلْفَاظِ الشَّرْعِ الْمُعْتَبَرُ الْمَعْنَى، وَمَعْنَى الْحُرْمَةِ بَاقٍ بِبَقَاءِ الْعِدَّةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَ مُدَبَّرَةً أَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ فِي عِدَّةِ حُرَّةٍ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ فِي هَؤُلَاءِ بَاقٍ، وَحُكْمُهُنَّ فِي النِّكَاحِ حُكْمُ الْأَمَةِ الْقِنَّةِ.
(قَالَ:) رَجُلٌ تَزَوَّجَ خَمْسَ حَرَائِرَ وَأَرْبَعَ إمَاءٍ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ
стр. 1030
جَازَ نِكَاحُ الْإِمَاءِ دُونَ الْحَرَائِرِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْحَرَائِرِ لَوْ انْفَرَدَ عَنْ نِكَاحِ الْإِمَاءِ لَمْ يَصِحَّ هُنَا، فَإِنَّهُنَّ خَمْسٌ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ نِكَاحِهِنَّ، وَلَيْسَ بَعْضُهُنَّ بِأَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ، فَيَلْغُو ضَمُّهُنَّ إلَى الْإِمَاءِ وَيَبْقَى الْمُعْتَبَرُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ وَهُنَّ أَرْبَعٌ يَجُوزُ نِكَاحُهُنَّ لِلْحُرِّ عِنْدَنَا، فَلِهَذَا جَازَ نِكَاحُ الْإِمَاءِ، وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً وَأَمَةً فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ وَلِلْحُرَّةِ زَوْجٌ؛ لِأَنَّ نِكَاحَ الْمَنْكُوحَةِ بَاطِلٌ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى كَانَ لَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْحُرَّةِ وَحْدَهَا، فَضَمُّهَا إلَى الْأَمَةِ وُجُودًا وَعَدَمًا سَوَاءٌ، فَأَمَّا إذَا كَانَ يَصِحُّ نِكَاحُ الْحُرَّةِ وَحْدَهَا يَتَحَقَّقُ ضَمُّ الْحُرَّةِ إلَى الْأَمَةِ فَيَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَمَةِ وَيَجُوزُ نِكَاحُ الْحُرَّةِ عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَاحِدٌ، فَإِذَا بَطَلَ بَعْضُهُ بَطَلَ كُلُّهُ، كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: نِكَاحُ الْحُرَّةِ أَقْوَى مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، وَالضَّعِيفُ لَا يَدْفَعُ الْقَوِيَّ، وَلَكِنَّهُ يَنْدَفِعُ بِهِ، بِخِلَافِ الْأُخْتَيْنِ، فَإِنَّهُمَا مُسْتَوِيَتَانِ فَيَنْدَفِعُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالْأُخْرَى، تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْأَمَةَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ مَضْمُومَةٌ إلَى الْحُرَّةِ، وَالْحُرَّةُ مِنْ الْمُحَلَّلَاتِ، فَصَارَ هُوَ جَامِعًا بَيْنَ مُحَرَّمَةٍ وَمُحَلَّلَةٍ فَيَجُوزُ الْعَقْدُ فِي الْمُحَلَّلَةِ دُونَ الْمُحَرَّمَةِ.
(قَالَ:) وَإِذَا زَوَّجَ مُدَبَّرَتَهُ أَوْ أُمَّتَهُ أَوْ أُمَّ وَلَدِهِ وَبَوَّأَهَا مَعَ الزَّوْجِ بَيْتًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا إلَى خِدْمَتِهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ خِدْمَتَهَا حَقُّ الْمَوْلَى وَهُوَ بِالتَّبْوِئَةِ يَصِيرُ كَالْمُعِيرِ لَهَا مِنْ زَوْجِهَا فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا مَتَى شَاءَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ شَرَطَ ذَلِكَ لِلزَّوْجِ كَانَ الشَّرْطُ بَاطِلًا لَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَسْتَخْدِمَ أَمَتَهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ لِلزَّوْجِ بِالنِّكَاحِ مِلْكُ الْحِلِّ لَا غَيْرُ، فَاشْتِرَاطُهُ شَيْئًا آخَرَ غَيْرُ مُلْزِمٍ إيَّاهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ إلْزَامُهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِجْبَارِ، فَإِنَّ الْمُدَّةَ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، وَلَا بِطَرِيقِ الْإِعَارَةِ، فَإِنَّ الْإِعَارَةَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا اللُّزُومُ.
(قَالَ:) وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهَا أَمَةٌ قَدْ أَذِنَ الْمَوْلَى لَهَا فِي النِّكَاحِ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، إنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ؛ لِأَنَّ ظُهُورَ رَقِّهَا نَوْعُ عَيْبٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْعَيْبَ لَا يُثْبِتُ الْخِيَارَ لِلزَّوْجِ غَيْرَ أَنَّ مَا وُلِدَ لَهُ مِنْ وَلَدٍ فِيمَا مَضَى وَمَا كَانَ فِي بَطْنِهَا فَهُوَ حُرٌّ لِأَجْلِ الْغُرُورِ، وَعَلَى الْأَبِ قِيمَةُ الْوَلَدِ يَوْمَ يَخْتَصِمُونَ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ فِي يَدِهِ بِصِفَةِ الْأَمَانَةِ مَا لَمْ يُخَاصِمْ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ أَعْلَى حَالًا مِنْ وَلَدِ الْمَغْصُوبَةِ، وَوَلَدُ الْمَغْصُوبَةِ أَمَانَةٌ مَا لَمْ يُطَالِبْ بِالرَّدِّ، فَكَذَلِكَ وَلَدُ الْمَغْرُورِ، حَتَّى إذَا مَاتَ قَبْلَ الْخُصُومَةِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَبِ فِيهِ، وَلَكِنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مَانِعًا لِلْوَلَدِ بَعْدَ الطَّلَبِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْخُصُومَةِ فَلِهَذَا تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ وَقْتَ الْخُصُومَةِ، وَهَذَا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهَا أَمَةٌ أَوْ مُدَبَّرَةٌ، وَكَذَلِكَ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى
стр. 1031
لَا تَجِبُ قِيمَةُ الْوَلَدِ هُنَا؛ لِأَنَّ وَلَدَ أُمِّ الْوَلَدِ كَأُمِّهِ لَا قِيمَةَ لِرِقِّهِ حَتَّى لَا يُضْمَنَ بِالْغَصْبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَكَذَلِكَ بِالْمَنْعِ بَعْدَ الطَّلَبِ، وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْوَلَدَ إنَّمَا يَصِيرُ كَأُمِّهِ إذَا ثَبَتَ فِيهِ حَقُّ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ، وَذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ الرِّقِّ فِيهِ، وَهُنَا عُلِّقَ الْوَلَدُ حُرَّ الْأَصْلِ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حَقُّ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ، وَلَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا مُكَاتَبَةٌ فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْجَوَابُ كَذَلِكَ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ قِيمَةَ الْوَلَدِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ ضَمِنَ إنَّمَا يَضْمَنُ لَهَا، وَهِيَ إنَّمَا تَسْعَى لِتَحْصِيلِ الْحُرِّيَّةِ لِنَفْسِهَا وَوَلَدِهَا فَفِي حُرِّيَّةِ وَلَدِهَا يَحْصُلُ بَعْضُ مَقْصُودِهَا، فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ لَرَجَعَ عَلَيْهَا بِمَا ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْغُرُورَ كَانَ مِنْهَا، فَلَا يَكُونُ مُفِيدًا شَيْئًا، وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِضَمَانِ قِيمَةِ وَلَدِ الْغُرُورِ وَقَدْ تَقَرَّرَ هُنَا، وَرُجُوعُهُ عَلَيْهَا يَكُونُ بَعْدَ الْعِتْقِ وَهِيَ سَتُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَيْهِ لِلْحَالِ فَكَانَ مُفِيدًا، وَإِنَّمَا يُرْجَعُ عَلَى الْأَمَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبَةِ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ بَعْدَ الْعِتْقِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ ضَمَانَ الْغُرُورِ كَضَمَانِ الْكَفَالَةِ، وَضَمَانُ الْكَفَالَةِ فِي حَقِّ هَؤُلَاءِ مُؤَخَّرٌ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ.
(قَالَ:) وَلَوْ مَاتَ الْوَلَدُ وَتَرَكَ مَالًا فَمَالُهُ لِأَبِيهِ بِحُكْمِ الْإِرْثِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَبِ فِيهِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْمَنْعَ بَعْدَ الطَّلَبِ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ، وَلَوْ قُتِلَ الْوَلَدُ يَأْخُذُ الْأَبُ دِيَتَهُ وَكَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ سَلَّمَ لَهُ بَدَلَ نَفْسِهِ، وَحُكْمُ الْبَدَلِ كَحُكْمِ الْمُبْدَلِ فَيَتَحَقَّقُ بِهِ الْمَنْعُ بَعْدَ الطَّلَبِ فَلِهَذَا كَانَ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ ضَرَبَ إنْسَانٌ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا كَانَ عَلَى الضَّارِب خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ بَدَلُ الْجَنِينِ الْحُرِّ؛ لِأَنَّهُ عُلِّقَ حُرَّ الْأَصْلِ، وَعَلَى الْأَبِ نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِهِ لِلْمَوْلَى إنْ كَانَ ذَكَرًا أَوْ عُشْرُ قِيمَتِهَا إنْ كَانَتْ أُنْثَى؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُسْتَحَقِّ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ، فَلَا يَغْرَمُ لَهُ الْأَبُ إلَّا بَدَلَ جَنِينِ الْأَمَةِ، وَإِنْ سَلِمَ لَهُ بَدَلُ جَنِينِ الْحُرَّةِ كَمَا لَوْ قُتِلَ بَعْدَ الِانْفِصَالِ.
(قَالَ:) وَلَوْ مَاتَ الْأَبُ وَبَقِيَ الْوَلَدُ أَخَذَ الْمَوْلَى قِيمَتَهُ مِنْ تَرِكَةِ الْأَبِ، وَلَا يَرْجِعُ بِهَا بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ فِي حِصَّةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ قَدْ تَحَقَّقَ، وَذَلِكَ مُوجِبٌ ضَمَانَ الْقِيمَةِ عَلَى الْأَبِ فَيُسْتَوْفَى مِنْ تَرِكَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَضَاءُ دَيْنِ الْأَبِ لَا يَكُونُ عَلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ دُونَ الْبَعْضِ، فَلِهَذَا لَا يَرْجِعُونَ فِي حِصَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ الْأَبُ شَيْئًا لَمْ يُؤْخَذْ الْوَلَدُ بِشَيْءٍ كَمَا لَا يُؤْخَذُ بِسَائِرِ دُيُونِ الْأَبِ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ إنْ كَانَ مَوْلَى الْجَارِيَةِ عَمَّا لِلْوَلَدِ؛ لِأَنَّ عِتْقَ الْغُلَامِ هُنَا لَيْسَ بِاعْتِبَارِ الْقَرَابَةِ بَلْ بِالْغُرُورِ، فَإِنَّهُ عُلِّقَ حُرَّ الْأَصْلِ، وَالْعِتْقُ بِالْقَرَابَةِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْمِلْكِ لِلْعَمِّ فِيهِ، فَلِهَذَا كَانَ الْعَمُّ فِيهِ وَغَيْرُهُ فِي هَذَا سَوَاءً.
(قَالَ:) وَإِنْ كَانَتْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى أَخَذَهَا الْمَوْلَى وَعُقْرَهَا وَالْجَوَابُ فِي قِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَإِنْ كَانَ الَّذِي غَرَّهُ غَيْرَ الْأَمَةِ
стр. 1032
بِأَنْ زَوَّجَهَا مِنْهُ حُرٌّ عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَهَذَا وَمَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ إلَّا أَنَّ الْأَبَ يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْمُزَوِّجِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْغُرُورِ كَضَمَانِ الْكَفَالَةِ، وَالْحُرُّ يُؤَاخَذُ بِضَمَانِ الْكَفَالَةِ فِي الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي غَرَّهُ فِيهَا عَبْدًا أَوْ مُكَاتَبًا فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُعْتَقُوا سَوَاءٌ كَانَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّ الْمَأْذُونَ إنَّمَا يُؤَاخَذُ بِضَمَانِ التِّجَارَةِ فِي الْحَالِ لَا بِضَمَانِ الْكَفَالَةِ فَيَتَأَخَّرُ إلَى عِتْقِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْلَى أَمَرَ الْعَبْدَ أَوْ الْمُدَبَّرَ بِذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ كَفَالَةَ الْعَبْدِ بِإِذْنِ الْمَوْلَى مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ، فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ حَتَّى يُعْتَقَ سَوَاءٌ فَعَلَهُ بِإِذْنِ الْمَوْلَى أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّصَرُّفِ فِي كَسْبِهِ، فَلَا يُعْتَبَرُ إذْنُهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُتَزَوِّجُ الْمَغْرُورُ عَبْدًا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ مُكَاتَبًا بِأَنْ تَزَوَّجَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ بِإِذْنِ الْمَوْلَى امْرَأَةً عَلَى أَنَّهَا حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ لَهُ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهَا أَمَةٌ فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، نَصَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الدَّعْوَى، وَفِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْوَلَدُ حُرٌّ بِقِيمَتِهِ عَلَى الْأَبِ إذَا عَتَقَ، وَيَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الَّذِي غَرَّهُ، وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلْحُرِّيَّةِ الْغُرُورُ، وَاشْتِرَاطُ الْحُرِّيَّةِ فِيهَا عِنْدَ النِّكَاحِ، وَهَذَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الرَّقِيقِ كَمَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الْحُرِّ، وَكَمَا يَحْتَاجُ الْحُرُّ إلَى حُرِّيَّةِ الْوَلَدِ فَالْمَمْلُوكُ مُحْتَاجٌ إلَى ذَلِكَ بَلْ حَاجَتُهُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَتَطَرَّقُ بِهِ إلَى حُرِّيَّةِ نَفْسِهِ، تَوْضِيحُهُ أَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِرِقِّ الزَّوْجِ وَحُرِّيَّتِهِ فِي رَقِّ الْوَلَدِ بَلْ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ جَانِبُ الْأُمِّ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُرَّ إذَا تَزَوَّجَ أَمَةً وَهُوَ يَعْلَمُ بِحَالِهَا كَانَ وَلَدُهُ رَقِيقًا، فَإِذَا كَانَ الْمُعْتَبَرُ رِقَّ الْأُمِّ وَقَدْ سَقَطَ اعْتِبَارُ رِقِّهَا فِي حَقِّ الْوَلَدِ عِنْدَ اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ إذَا كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا؛ لِأَنَّ مَا شُرِطَ مِنْ الْحُرِّيَّةِ يُجْعَلُ كَالْمُتَحَقِّقِ فِي حُرِّيَّةِ الْوَلَدِ، فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَا: هَذَا الْوَلَدُ مَخْلُوقٌ مِنْ مَاءِ رَقِيقَيْنِ فَيَكُونُ رَقِيقًا، وَهَذَا لِأَنَّ الْوَلَدَ مُتَفَرِّعٌ مِنْ الْأَصْلِ، فَإِنَّمَا يَتَفَرَّعُ بِصِفَةِ الْأَصْلِ، وَإِذَا كَانَ الْأَصْلَانِ رَقِيقَيْنِ لَا تَثْبُتُ الْحُرِّيَّةُ لِلْوَلَدِ مِنْ غَيْرِ عِتْقٍ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا فَقَدْ ثَبَتَ حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ هُنَاكَ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ ﵃، بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، وَهَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى ذَاكَ؛ لِأَنَّ مَاءَ الرَّجُلِ هُنَاكَ بِصِفَتِهِ حُرٌّ، فَإِنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ رَقِيقًا بِاتِّصَالِهِ بِرَحِمِ الْأَمَةِ فَتَأْثِيرُ الْغُرُورِ فِي الْمَنْعِ مِنْ ثُبُوتِ الرِّقِّ فِي مَائِهِ بِالِاتِّصَالِ بِرَحِمِ الْأَمَةِ، وَهُنَا مَاءُ الْعَبْدِ رَقِيقٌ كَنَفْسِهِ، فَالْحَاجَةُ إلَى إثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ لِمَائِهِ وَمَا لَا يَصْلُحُ لِإِبْقَاءِ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ لَا يَصْلُحُ لِإِيجَابِ مَا لَمْ يَكُنْ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ
стр. 1033
الْحَاجَةَ هُنَاكَ إلَى التَّرْجِيحِ عِنْدَ التَّعَارُضِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ جَانِبِ مَائِهِ يُوجِبُ حُرِّيَّةَ الْوَلَدِ، وَاعْتِبَارُ جَانِبِ مَائِهَا يُوجِبُ رِقَّ الْوَلَدِ فَجَعَلْنَا الْغُرُورَ دَلِيلًا مُرَجِّحًا، وَهُنَا الْحَاجَةُ إلَى إثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ دُونَ التَّرْجِيحِ، وَمَا يَصْلُحُ مُرَجِّحًا لَا يَصْلُحُ مُوجِبًا، تَوْضِيحُهُ أَنَّهُ هُنَاكَ ثَبَتَ حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ بِضَمَانِ قِيمَتِهِ عَلَى الْأَبِ فِي الْحَالِ فَيَنْدَفِعُ الضَّرَرُ بِهِ عَنْهُ، وَهُنَا لَوْ ثَبَتَ حُرِّيَّةُ الْوَلَدِ إنَّمَا تَثْبُتُ بِضَمَانِ قِيمَتِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ فَيَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُسْتَحِقُّ فِي الْحَالِ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ وَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْأَصْلِ فَكَانَ الْوَلَدُ رَقِيقًا بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ ثُمَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَ التَّزَوُّجُ مِنْ هَؤُلَاءِ بِإِذْنِ السَّيِّدِ فَعَلَيْهِمْ قِيمَةُ الْوَلَدِ وَالْمَهْرُ فِي الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّد فَعَلَيْهِمْ قِيمَةُ الْوَلَدِ وَالْمَهْرُ بَعْدَ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ كُلَّ دَيْنٍ وَجَبَ عَلَى الْمَمْلُوكِ بِسَبَبٍ مَأْذُونٍ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ، وَكُلُّ دَيْنٍ وَجَبَ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَإِنَّمَا يُؤَاخَذُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ.
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَمَةٌ أَوْ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهَا حُرَّةٌ وَلَمْ يَغُرَّهُ فِيهَا أَحَدٌ فَأَوْلَادُهُ أَرِقَّاءُ؛ لِأَنَّ هَذَا ظَنٌّ مِنْهُ وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا، وَلِأَنَّ الْمُوجِبَ لِحُرِّيَّةِ الْوَلَدِ الْغُرُورُ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْغُرُورُ هُنَا، وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً بَيْنَ رَجُلَيْنِ زَوَّجَهَا أَحَدُهُمَا مِنْ رَجُلٍ وَدَخَلَ الزَّوْجُ بِهَا فَلِلْآخَرِ أَنْ يُبْطِلَ النِّكَاحَ؛ لِأَنَّ الْمُزَوِّجَ لَا يَمْلِكُ إلَّا نِصْفَهَا، وَمِلْكُ نِصْفِ الْأَمَةِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِوِلَايَةِ التَّزْوِيجِ، فَلَمْ يَنْفُذْ عَقْدُهُ عَلَيْهَا، وَقَدْ تَنَاوَلَ عَقْدُهُ نَصِيبَ الشَّرِيكِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ عَقْدَهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ وَقَدْ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الزَّوْجِ لِشُبْهَةِ النِّكَاحِ فَيَجِبُ الْمَهْرُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّ فِي نَصِيبِ الْمُزَوِّجِ يَجِبُ الْأَقَلُّ مِنْ نِصْفِ الْمُسَمَّى، وَمِنْ نِصْفِ مَهْرِ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ رَاضٍ بِالْمُسَمَّى وَرِضَاهُ صَحِيحٌ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ، فَأَمَّا فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ يَجِبُ نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِسُقُوطِ شَيْءٍ مِنْ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ إبْطَالُ النِّكَاحِ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَلَا مَهْرَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا سَوَاءٌ خَلَا بِهَا الزَّوْجُ أَوْ لَمْ يَخْلُ؛ لِأَنَّ الْخَلْوَةَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، وَهَذَا الْعَقْدُ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، فَلَا تُعْتَبَرُ الْخَلْوَةُ فِيهِ.
(قَالَ:) وَإِذَا زَوَّجَ أَمَةَ ابْنِهِ الصَّغِيرِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ إذَا زَوَّجَ أَمَةَ الْيَتِيمِ، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ إذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُفَاوَضُ إذَا زَوَّجَ أَمَةً مِنْ الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَ الْأَمَةِ مِنْ عُقُودِ الِاكْتِسَابِ، فَإِنَّهُ يَكْتَسِبُ بِهِ الْمَهْرَ وَيَسْقُطُ بِهِ نَفَقَتُهَا عَنْهُ، وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ يَمْلِكُونَ الِاكْتِسَابَ، أَمَّا الْمُكَاتَبُ فَهُوَ مُنْفَكُّ الْحَجْرِ عَنْهُ فِي اكْتِسَابِ الْمَالِ، وَأَمَّا الْأَبُ وَالْوَصِيُّ، فَإِنَّهُمَا أُمِرَا بِالنَّظَرِ لِلصَّغِيرِ، وَعَقْدُ اكْتِسَابِ الْمَالِ مِنْ النَّظَرِ، وَأَمَّا الْمُفَاوَضُ فَإِنَّ الْمُتَفَاوِضَيْنِ إنَّمَا عَقَدَا الْمُفَاوَضَةَ لِاكْتِسَابِ الْمَالِ، وَلَا يَمْلِكُ هَؤُلَاءِ تَزْوِيجَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ
стр. 1034
اكْتِسَابُ الْمَالِ بَلْ فِيهِ تَعْيِيبُ الْعَبْدِ وَشَغْلُ ذِمَّتِهِ بِالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
(قَالَ:) وَلَوْ زَوَّجَ الْأَبُ أَوْ الْوَصِيُّ أَمَةَ الصَّبِيِّ مِنْ عَبْدِهِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ أَيْضًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمَأْذُونِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الصَّبِيِّ، فَإِنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ بِهَذَا الْعَقْدِ، وَنَفَقَتُهُمَا عَلَيْهِ بَعْدَ النِّكَاحِ كَمَا كَانَا قَبْلَهُ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلصَّبِيِّ مِنْ حَيْثُ النَّسْلِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ مِنْ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ كَإِنْزَاءِ الْفَحْلِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ عَلَى أَتَانِهِ، وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ فِي هَذَا تَعْيِيبًا لَهُمَا؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ عَيْبٌ فِي الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ جَمِيعًا، وَمَنْفَعَةُ النَّسْلِ مَوْهُوبَةٌ وَالْمَنْفَعَةُ الْمَوْهُوبَةُ لَا تَكُونُ جَائِزَةً لِلضَّرَرِ الْمُتَحَقِّقِ، فَلِهَذَا لَا يَصِحُّ هَذَا الْعَقْدُ مِنْهُمَا، وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ أَوْ الْمُضَارِبُ أَوْ الشَّرِيكُ شَرِكَةَ عِنَانٍ إذَا زَوَّجَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْأَمَةَ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ اكْتِسَابِ الْمَالِ وَهَؤُلَاءِ يَمْلِكُونَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ فِي الْحَقِيقَةِ مَنْفَعَةٌ، وَلِهَذَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمَهْرَ أَجْرًا، وَهَؤُلَاءِ يَمْلِكُونَ الْإِجَارَةَ فَكَذَلِكَ يَمْلِكُونَ التَّزْوِيجَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَا: الْمَأْذُونُ إنَّمَا كَانَ مُنْفَكَّ الْحَجْرِ عَنْهُ فِي التِّجَارَةِ، وَالتَّزْوِيجُ لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ التِّجَارَةِ، فَإِنَّ التُّجَّارَ لَا يَعْتَادُونَ اكْتِسَابَ الْمَالِ بِتَزْوِيجِ الْإِمَاءِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ بِعَبْدٍ وَنَوَتْ التِّجَارَةَ عِنْدَ الْعَقْدِ لَا يَصِيرُ الْعَبْدُ بِهِ لِلتِّجَارَةِ، وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ مِنْ التِّجَارَةِ لَصَارَ الْعَبْدُ بِهِ لِلتِّجَارَةِ، فَإِنَّ نِيَّةَ التِّجَارَةِ مَتَى اقْتَرَنَتْ بِعَمَلِ التِّجَارَةِ يَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ النِّكَاحُ مِنْ التِّجَارَةِ، فَلَا يَمْلِكُهُ هَؤُلَاءِ كَالْكِتَابَةِ وَبِهِ فَارَقَ الْأَرْبَعَةَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، فَإِنَّ أُولَئِكَ يَمْلِكُونَ الْكِتَابَةَ فَعَرَفْنَا أَنَّ تَصَرُّفَهُمْ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى التِّجَارَةِ، وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ لَا يَمْلِكُونَ الْكِتَابَةَ فَعَرَفْنَا أَنَّ تَصَرُّفَهُمْ مَقْصُورٌ عَلَى التِّجَارَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ لَا يُزَوِّجُونَ الْعَبْدَ؛ لِأَنَّ تَزْوِيجَ الْعَبْدِ لَيْسَ مِنْ الِاكْتِسَابِ، وَلَا مِنْ التِّجَارَةِ.
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَ الْحُرُّ أَمَةَ ابْنِهِ جَازَ النِّكَاحُ عِنْدَنَا، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقِيلَ هَذَا بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ لِلْحُرِّ نِكَاحُ الْأَمَةِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ طَوْلِ الْحُرَّةِ، وَعَلَى الِابْنِ أَنْ يُعِفَّ أَبَاهُ فَيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ، وَلَكِنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةَ غَيْرِهِ صَحَّ النِّكَاحُ إذْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ الْحُرَّةَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُبْتَدَأَةٌ، فَوَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ لِلْأَبِ حَقَّ الْمِلْكِ فِي مَالِ وَلَدِهِ حَتَّى لَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ ابْنِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِحُرْمَتِهَا لَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، كَالْمَوْلَى إذَا تَزَوَّجَ أَمَةً مِنْ كَسْبِ مُكَاتَبِهِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمِلْكِ فِي مَالِ وَلَدِهِ أَظْهَرُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ اسْتِيلَادَهُ فِي جَارِيَةِ الِابْنِ صَحِيحٌ، وَاسْتِيلَادُ
стр. 1035
الْمَوْلَى أَمَةَ مُكَاتَبِهِ لَا يَصِحُّ، تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْوَلَدَ كَسْبُهُ قَالَ ﷺ : «إنَّ أَطْيَبَ مَا يَأْكُلُ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ» فَجَارِيَةُ الِابْنِ كَسْبُ كَسْبِهِ، فَلَا يَمْلِكُ التَّزَوُّجَ كَأَمَةِ عَبْدِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَيْسَ لَهُ فِي جَارِيَةِ وَلَدِهِ مِلْكٌ، وَلَا حَقُّ مِلْكٍ، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَأَمَةِ أَبِيهِ وَأَخِيهِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لِلِابْنِ أَنْ يَطَأَ جَارِيَتَهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَوْ كَانَ لِأَبِيهِ فِيهَا حَقُّ الْمِلْكِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤُهَا كَالْمُكَاتَبِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَطَأَ أَمَتَهُ لِمَا كَانَ لِلْمَوْلَى فِيهَا حَقُّ الْمِلْكِ، فَأَمَّا سُقُوطُ الْحَدِّ، فَلَيْسَ لِقِيَامِ حَقِّ الْمِلْكِ لَهُ فِي الْجَارِيَةِ، وَلَكِنْ لِظَاهِرِ الْإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَهَذَا الظَّاهِرُ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَكُنْ مَعْمُولًا بِهِ فِي إيجَابِ مِلْكٍ أَوْ حَقِّ مِلْكٍ لَهُ فِيهَا يَصِيرُ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ وَلَا حَقَّ الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي ثُمَّ يَسْقُطُ الْحَدُّ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْعَقْدُ الْفَاسِدُ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ بَيْعٍ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْوَلَدُ وَإِنْ كَانَ كَسْبًا لَهُ فَهُوَ كَسْبُ حُرٍّ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الْمِلْكِ فِي كَسْبِهِ، بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْمُعْتَقِ لَا حَقَّ لِلْمُعْتِقِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَقُ كَسْبًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ كَسْبُ حُرٍّ، فَأَمَّا صِحَّةُ الِاسْتِيلَادِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ حَقِّ الْمِلْكِ لَهُ فِيهَا بَلْ بِوِلَايَةِ التَّمَلُّكِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَتَقَرُّرِ حَاجَتِهِ إلَى صِيَانَةِ مَائِهِ كَيْ لَا يَضِيعَ نَسْلُهُ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدًا كَانَ الْوَلَدُ حُرًّا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الْمِلْكِ فَمَوْلَى الْجَارِيَةِ هُنَا مَلَكَ أَخَاهُ فَيُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ، وَلَا تَصِيرُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَكَذَا إذَا اسْتَوْلَدَهَا بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ أَوْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ عِنْدَنَا لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ خِلَافًا لِزُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَحُجَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ اسْتَوْلَدَهَا بِفُجُورٍ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، فَإِذَا اسْتَوْلَدَهَا بِنِكَاحٍ أَوْ بِشُبْهَةِ نِكَاحٍ أَوْلَى أَنْ تَصِيرَ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ إذَا اسْتَوْلَدَهَا بِغَيْرِ شُبْهَةٍ فَهُنَاكَ يَصِيرُ مُتَمَلِّكًا لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ كَيْ لَا يَضِيعَ مَاؤُهُ، فَإِنَّ إثْبَاتَ النَّسَبِ غَيْرُ مُمْكِنٍ بِدُونِ التَّمَلُّكِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِيهَا مِلْكٌ وَلَا حَقُّ مِلْكٍ، فَإِذَا تَمَلَّكَهَا سَابِقًا عَلَى الِاسْتِيلَادِ كَانَ الِاسْتِيلَادُ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، فَلِهَذَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَهُنَا غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى تَمَلُّكِهَا لِإِثْبَاتِ النَّسَبِ بَلْ النِّكَاحُ أَوْ شُبْهَةُ النِّكَاحِ يَكْفِي؛ لِذَلِكَ فَلَمْ يَصِرْ مُتَمَلِّكًا لَهَا، فَلِهَذَا لَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ.
(قَالَ:) وَلَوْ كَانَ الِابْنُ هُوَ الَّذِي تَزَوَّجَ أَمَةَ أَبِيهِ بِتَزْوِيجِ الْأَبِ إيَّاهَا مِنْهُ جَازَ النِّكَاحُ، فَإِذَا وَلَدَتْ فَالْوَلَدُ حُرٌّ؛ لِأَنَّ الْأَبَ مَلَّكَ الِابْنَ أَمَتَهُ، وَلَا تَصِيرُ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ الِابْنُ وَطِئَهَا بِغَيْرِ نِكَاحٍ أَوْ شُبْهَةِ نِكَاحٍ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَإِنْ ادَّعَاهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّمَلُّكِ فِي جَارِيَةِ أَبِيهِ، وَلَكِنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ إنْ قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِلُّ لِي، وَإِنْ قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّهَا عَلَيَّ حَرَامٌ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ
стр. 1036
عِنْدَ الظَّنِّ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مَا يَشْتَبِهُ فَيَسْقُطُ الْحَدُّ بِهِ، وَعِنْدَ الْعِلْمِ بِالْحُرْمَةِ لَا شُبْهَةَ لَهُ فِي الْمَحَلِّ حَقِيقَةً وَلَا صُورَةً وَلَمْ يَشْتَبِهْ عَلَيْهِ أَمْرُهَا فَلَزِمَهُ الْحَدُّ، وَإِنْ صَدَّقَهُ الْأَبُ فِي أَنَّهُ وَطِئَهَا وَأَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ عَتَقَ الْوَلَدُ بِإِقْرَارِهِ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ ابْنَهُ مِنْ الزِّنَا عَتَقَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ إذَا مَلَكَ ابْنَ ابْنِهِ مِنْ الزِّنَا، وَلَكِنْ لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ لِمَا بَيَّنَّا، بِخِلَافِ الْأَبِ إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي اسْتَوْلَدَ جَارِيَةَ ابْنِهِ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى تَصْدِيقِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَهُ وِلَايَةُ تَمَلُّكِ جَارِيَةِ الِابْنِ، فَإِنَّمَا يَكُونُ مُسْتَوْلِدًا لَهَا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، وَلِهَذَا ضَمِنَ قِيمَتَهَا لِابْنِهِ، وَلَيْسَ لِلِابْنِ هَذِهِ الْوِلَايَةُ فِي جَارِيَةِ أَبِيهِ، فَلِهَذَا لَا يُعْتَقُ الْوَلَدُ إلَّا إذَا صَدَّقَهُ الْأَبُ فِيهِ.
(قَالَ:) وَلَا يَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ، وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ الرِّقَّ لَا يُؤَثِّرُ فِي مَالِكِيَّةِ النِّكَاحِ حَتَّى لَا يَخْرُجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِمِلْكِ النِّكَاحِ وَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الرِّقُّ فَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ فِيهِ سَوَاءٌ كَمِلْكِ الطَّلَاقِ وَمِلْكِ الدَّمِ فِي الْإِقْرَارِ بِالْعُقُودِ، وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: لَا يَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَلِأَنَّ الرِّقَّ مُؤَثِّرٌ فِي تَنْصِيفِ مَا كَانَ مُتَعَدِّدًا فِي نَفْسِهِ كَالْجَلَدَاتِ فِي الْحُدُودِ وَعَدَدِ الطَّلَاقِ وَأَقْرَاءِ الْعِدَّةِ، وَهَذَا لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحِلِّ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ أَهْلًا لِلنِّكَاحِ، وَذَلِكَ الْحِلُّ يَتَّسِعُ بِزِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ وَيَتَضَيَّقُ بِنُقْصَانِ الْحَالِ.
أَلَا تَرَى «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مَخْصُوصًا بِإِبَاحَةِ تِسْعِ نِسْوَةٍ» لِفَضِيلَةِ النُّبُوَّةِ الَّتِي اُخْتُصَّ بِهَا، فَكَانَ الْحِلُّ فِي حَقِّهِ مُتَّسِعًا لِتِسْعِ نِسْوَةٍ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، فَكَذَلِكَ يَتَّسِعُ الْحِلُّ لِفَضِيلَةِ الْحُرِّيَّةِ فَيَتَزَوَّجُ الْحُرُّ أَرْبَعًا، وَلَا يَتَزَوَّجُ الْعَبْدُ إلَّا اثْنَتَيْنِ، يُوَضِّحُهُ أَنَّ الرِّقَّ يُنَصِّفُ الْحِلَّ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي جَانِبِ الْأَمَةِ يَتَنَصَّفُ حِلُّهَا بِالرِّقِّ، حَتَّى أَنَّ مَا يَنْبَنِي عَلَى الْحِلِّ وَهُوَ الْقَسْمُ يَكُونُ حَالُهَا فِيهِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَالِ الْحُرَّةِ، وَكَذَلِكَ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَوْفِي لِهَذَا الْحِلِّ بِغَيْرِ طَرِيقِهِ وَهُوَ الْحِلُّ يَتَنَصَّفُ بِالرِّقِّ حَتَّى يَجِبَ عَلَى الْعَبْدِ بِالزِّنَا خَمْسُونَ جَلْدَةً، وَعَلَى الْحُرِّ مِائَةُ جَلْدَةٍ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحِلَّ يَتَنَصَّفُ بِالرِّقِّ وَعَلَيْهِ يَنْبَنِي عَدَدُ الْمَنْكُوحَاتِ فَقُلْنَا: حَالُ الْعَبْدِ فِيهِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حَالِ الْحُرِّ فَيَتَزَوَّجُ ثِنْتَانِ الْحُرَّتَانِ وَالْأَمَتَانِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُنَا لَا يُخَالِفُنَا؛ لِأَنَّ فِي حَقِّ الْعَبْدِ نِكَاحَ الْأَمَةِ أَصْلٌ وَلَيْسَ بِبَدَلٍ، إذْ لَيْسَ فِيهِ تَعْرِيضُ شَيْءٍ لِلرِّقِّ، فَإِنَّهُ رَقِيقٌ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ، فَلِهَذَا جُوِّزَ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَتَيْنِ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً عَلَى حُرَّةٍ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْأَمَةَ لَيْسَتْ مِنْ الْمُحَلَّلَاتِ مَضْمُومَةً إلَى الْحُرَّةِ فِي حَقِّ الْحُرِّ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَبْدِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ، وَابْنُ أُمِّ الْوَلَدِ فِي هَذَا كَالْعَبْدِ
стр. 1037
لِأَنَّ الرِّقَّ الْمُنَصِّفَ لِلْحِلِّ فِيهِمْ قَائِمٌ.
(قَالَ:) وَلَا يَجُوزُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي مَالِكِيَّةِ النِّكَاحِ فَيَسْتَبِدُّ الْعَبْدُ بِهِ كَالطَّلَاقِ، وَأَصْحَابُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - اسْتَدَلُّوا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] وَالنِّكَاحُ شَيْءٌ، فَلَا يَمْلِكُهُ الْعَبْدُ بِنَفْسِهِ، وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَهُوَ عَاهِرٌ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ فِي النِّكَاحِ تَعْيِيبَهُ، وَفِيهِ شَغْلُ مَالِيَّتِهِ بِالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَمَالِيَّتُهُ مِلْكُ مَوْلَاهُ، فَلَا يَمْلِكُ شَغْلَ ذَلِكَ بِتَصَرُّفِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى، يُوَضِّحُهُ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ رَقَبَتَهُ أَوْ رَهَنَهُ بِمَالٍ لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ مَنْفَعَةُ ذَلِكَ تَرْجِعُ إلَى الْمَوْلَى، فَإِذَا تَزَوَّجَ وَلَا مَنْفَعَةَ فِي عَقْدِهِ لِلْمَوْلَى أَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ، وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ وَابْنُ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبُ لَا يَتَزَوَّجُ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الرِّقَّ الْمُوجِبَ لِلْحَجْرِ فِيهِمْ، فَإِنْ أَذِنَ الْمَوْلَى لَهُمْ فِي ذَلِكَ جَازَ الْعَقْدُ، فَإِنَّ الْمَوْلَى لَوْ بَاشَرَ تَزْوِيجَهُمْ جَازَ فَكَذَلِكَ إذَا أَذِنَ لَهُمْ فِيهِ، إلَّا أَنَّ فِي الْمُكَاتَبِ يُحْتَاجُ إلَى رِضَاهُ إذَا بَاشَرَهُ الْمَوْلَى، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْمَوْلَى فَبَاشَرَهُ الْمُكَاتَبُ يَجُوزُ أَيْضًا، وَهَذَا بِخِلَافِ تَزْوِيجِ الْأَمَةِ، فَإِنَّ الْمُكَاتَبَ يُزَوِّجُ أَمَتَهُ بِغَيْرِ رِضَا الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ أَمَتَهُ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِلْمَوْلَى وَتَزْوِيجُهَا مِنْ عُقُودِ الِاكْتِسَابِ فَيَمْلِكُهُ الْمُكَاتَبُ، فَأَمَّا تَزْوِيجُهُ لِنَفْسِهِ لَيْسَ مِنْ عُقُودِ الِاكْتِسَابِ وَرَقَبَتُهُ مَمْلُوكَةٌ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ زَوَّجَتْ أَمَتَهَا جَازَ ذَلِكَ، وَلَوْ تَزَوَّجَتْ بِنَفْسِهَا لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِ الْمَوْلَى لِقِيَامِ مِلْكِ الْمَوْلَى فِي رَقَبَتِهَا.
(قَالَ:) وَلَوْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَأَجَازَهُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ فِي الِانْتِهَاءِ كَإِذْنِهِ فِي الِابْتِدَاءِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا الْعَبْدُ ثَلَاثًا بَعْدَ إجَازَةِ الْمَوْلَى طَلُقَتْ ثَلَاثًا وَلَمْ يَجُزْ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَمَّا صَحَّ كَانَ الْعَبْدُ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا كَالْحُرِّ، وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْلَ إجَازَةِ الْمَوْلَى النِّكَاحَ لَمْ يَقَعْ النِّكَاحُ، وَلَكِنْ يَكُونُ هَذَا مُتَارَكَةً لِلنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الطَّلَاقِ يَخْتَصُّ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَنِكَاحُهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا، فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ، وَلَكِنَّ إيقَاعَ الطَّلَاقِ يُؤَثِّرُ فِي إزَالَةِ الْحِلِّ عَنْ الْمَحَلِّ وَإِيقَاعِ الْفُرْقَةِ إذَا كَانَ صَحِيحًا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ النِّكَاحُ نِكَاحًا صَحِيحًا، فَلَا يُؤَثِّرُ فِي هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ، وَلَكِنْ يُؤَثِّرُ فِي رَفْعِ الشُّبْهَةِ حَتَّى لَوْ وَطِئَهَا قَبْلَ الطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ، وَلَوْ وَطِئَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ يَلْزَمُهُ الْحَدُّ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ الْمَوْلَى ذَلِكَ الْعَقْدَ، وَلَكِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ابْتِدَاءً، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَحَلِّ بِوُقُوعِ التَّطْلِيقَاتِ عَلَى الْمَحَلِّ وَلَمْ يَقَعْ هُنَا، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا لَا يَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الْمَحَلِّ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ لَمَّا لَمْ يَصِحَّ كَانَ
стр. 1038
هَذَا طَلَاقًا قَبْلَ النِّكَاحِ، وَقَالَ ﵊: «لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ» وَلَوْ أَجَازَ الْمَوْلَى ذَلِكَ النِّكَاحَ فَإِجَازَتُهُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ إنَّمَا تَعْمَلُ فِي حَالِ تَوَقُّفِ الْعَقْدِ وَقَدْ ارْتَفَعَ الْعَقْدُ بِمَا أَوْقَعَهُ الْعَبْدُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَبِدُّ بِالطَّلَاقِ لَوْ أَوْقَعَهُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ارْتَفَعَ النِّكَاحُ، فَإِذَا أَوْقَعَهُ فِي الْعَقْدِ الْمَوْقُوفِ أَوْلَى أَنْ يَرْتَفِعَ الْعَقْدُ بِهِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ هَذَا كَرِهْتُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا.
وَلَوْ فَعَلَ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَجْهُ قَوْلِهِ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الطَّلَاقَ غَيْرُ وَاقِعٍ عَلَى الْمَحَلِّ، وَحُرْمَةُ الْمَحَلِّ بِاعْتِبَارِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ، وَلِأَنَّ إجَازَةَ الْمَوْلَى لِلْعَقْدِ بَاطِلٌ فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَلَوْ لَمْ يُجِزْ الْعَقْدَ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِإِذْنِهِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ إجَازَتِهِ، وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الطَّلَاقَ تَصَرُّفٌ يَنْبَنِي عَلَى النِّكَاحِ، وَإِجَازَةُ الْعُقُودِ يَتَضَمَّنُ إجَازَةَ مَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ، فَاعْتِبَارُ هَذَا الْمَعْنَى يُوجِبُ نُفُوذَ الطَّلَاقِ وَحُرْمَةَ الْمَحَلِّ فَجَعَلْنَاهُ مُعْتَبَرًا فِي الْكَرَاهَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا فِي حَقِيقَةِ حُرْمَةِ الْمَحَلِّ، وَلَكِنَّ هَذَا عَلَى أَصْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - غَيْرُ صَحِيحٍ، فَإِنَّ عِنْدَهُ الْمُشْتَرَى مِنْ الْغَاصِبِ إذَا أُعْتِقَ ثُمَّ أَجَازَ الْمَوْلَى لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ، وَعَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا يَصِحُّ هَذَا أَنْ لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْمَوْلَى، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ طَلَاقَ الْعَبْدِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْمَوْلَى، لَكِنَّ الْوَجْهَ فِيهِ أَنْ نَقُولَ: الْإِجَازَةُ فِي الِانْتِهَاءِ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَالْإِذْنُ فِي الِابْتِدَاءِ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا تَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الْمَحَلِّ حَقِيقَةً فَكَذَلِكَ بِوُجُودِ صُورَةِ الْإِجَازَةِ فِي الِانْتِهَاءِ تَثْبُتُ الْكَرَاهَةُ، تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْعَبْدَ أَهْلٌ لِلنِّكَاحِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَلِهَذَا لَوْ أُعْتِقَ قَبْلَ إجَازَةِ الْمَوْلَى نَفَذَ نِكَاحُهُ فَاعْتِبَارُ هَذَا الْجَانِبِ يُوجِبُ نُفُوذَ طَلَاقِهِ، وَاعْتِبَارُ جَانِبِ حَقِّ الْمَوْلَى يَمْنَعُ نُفُوذَ طَلَاقِهِ، فَلِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ قُلْنَا لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ حَقِيقَةً، وَلَكِنْ تَثْبُتُ صِفَةُ الْكَرَاهَةِ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهُ إنْ تَرَكَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ تَحِلُّ لَهُ كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ.
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ حُرَّةً بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهَا ثُمَّ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى جَازَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ لَهُ قَوْلٌ مُلْزِمٌ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ نُفُوذُ نِكَاحِهِ لِحَقِّ مَوْلَاهُ، فَإِذَا أَسْقَطَ الْمَوْلَى حَقَّهُ بِالْعِتْقِ فَيَنْفُذُ النِّكَاحُ لِزَوَالِ الْمَانِعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ فَأَجَازَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ قَامَ مَقَامَ الْبَائِعِ فِي مِلْكِهِ رَقَبَتَهُ فَكَذَلِكَ فِي إجَازَةِ عَقْدِهِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مَا طَرَأَ بِالْبَيْعِ حِلٌّ نَافِذٌ عَلَى الْحِلِّ الْمَوْقُوفِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَحِلُّ لِلْمُشْتَرِي فَلِهَذَا كَانَتْ إجَازَتُهُ كَإِجَازَةِ الْبَائِعِ، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَنْفُذُ بِإِجَازَةِ الْمُشْتَرِي وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا، وَكَذَلِكَ لَوْ أَجَازَ وَارِثُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
(قَالَ:) وَلَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ لَمْ يَمْلِكْ أَنْ يَتَزَوَّجَ إلَّا امْرَأَةً وَاحِدَةً عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
стр. 1039
لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَنَّ النِّكَاحَ مَمْلُوكٌ لِلْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ عِنْدَنَا حَتَّى يُزَوِّجَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ فَيَكُونَ الْعَبْدُ فِيهِ نَائِبًا عَنْ مَوْلَاهُ، فَهُوَ كَالْحُرِّ يَأْمُرُ غَيْرَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ فَلَا يُزَوِّجَهُ بِمُطْلَقِ الْوَكَالَةِ إلَّا امْرَأَةً وَاحِدَةً، وَعِنْدَهُمَا النِّكَاحُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لِلْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ، وَلَكِنَّ الْعَبْدَ هُوَ الْمَالِكُ لَهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ مِنْهُ بِدُونِ إذْنِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ ضَرَرَهُ يَتَعَدَّى إلَى حَقِّ الْمَوْلَى، فَإِذَا أَذِنَ الْمَوْلَى لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ بِالْتِزَامِ هَذَا الضَّرَرِ وَأَسْقَطَ حَقَّ نَفْسِهِ فَكَانَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ، وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ فِي عُقْدَةٍ لَا يَجُوزُ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إلَّا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: يَجُوزُ نِكَاحُ إحْدَاهُمَا وَالْبَيَانُ فِيهِ إلَى الْعَبْدِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ وَكَّلَ وَكِيلًا أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً فَزَوَّجَهُ امْرَأَتَيْنِ عِنْدَهُ يَصِحُّ نِكَاحُ إحْدَاهُمَا وَالْخِيَارُ إلَى الزَّوْجِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنْ قَالَ الْمَوْلَى: عَنَيْتُ نِكَاحَ امْرَأَتَيْنِ جَازَ نِكَاحُهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَجَازَ نِكَاحَ امْرَأَتَيْنِ جَازَ، فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: نَوَيْتُ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِذْنِ؛ لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ لَفْظِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَّهَمٍ فِي هَذَا الْبَيَانِ.
(قَالَ:) وَإِذَا أَذِنَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ وَاحِدَةً فَتَزَوَّجَهَا نِكَاحًا فَاسِدًا وَدَخَلَ بِهَا أُخِذَ بِالْمَهْرِ فِي حَالَةِ الرِّقِّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُؤْخَذُ بِهِ حَتَّى يُعْتَقَ، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ عِنْدَهُمَا إذْنُ الْمَوْلَى لِعَبْدِهِ فِي النِّكَاحِ يَنْصَرِفُ إلَى الْعَقْدِ الصَّحِيحِ دُونَ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ تَحْصِيلُ الْعِفَّةِ بِهِ لِلْعَبْدِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ دُونَ الْفَاسِدِ، وَاسْتِدْلَالًا بِمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ يَنْصَرِفَ يَمِينُهُ إلَى الْعَقْدِ الصَّحِيحِ دُونَ الْفَاسِدِ، فَعَرَفْنَا بِهِ أَنَّ الْفَاسِدَ لَيْسَ بِنِكَاحٍ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ إذْنُ الْمَوْلَى وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْفَسَادُ وَالصِّحَّةُ صِفَةُ الْعَقْدِ وَالْإِذْنُ مِنْ الْمَوْلَى فِي أَصْلِ الْعَقْدِ، فَلَا يَتَقَيَّدُ بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، كَالْإِذْنِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِلْوَكِيلِ أَوْ لِلْعَبْدِ يَتَنَاوَلُ الْفَاسِدَ وَالصَّحِيحَ جَمِيعًا، وَهَذَا لِأَنَّ بَعْضَ الْمَقَاصِدِ يَثْبُتُ بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ نَحْوَ النَّسَبِ وَالْمَهْرِ وَالْعِدَّةِ عِنْدَ الدُّخُولِ، وَهَذَا لَوْ حَلَفَ أَنَّهُ مَا تَزَوَّجَ فِي الْمَاضِي وَقَدْ كَانَ تَزَوَّجَ فَاسِدًا أَوْ صَحِيحًا كَانَ حَانِثًا فِي يَمِينِهِ، وَفِي الْمُسْتَقْبَلِ إنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْعَقْدِ الصَّحِيحِ لِدَلَالَةِ الْعُرْفِ، فَإِنَّ الْأَيْمَانَ تَنْبَنِي عَلَى الْعُرْفِ، فَأَمَّا هُنَا اعْتِبَارُ إذْنِ الْمَوْلَى لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ، وَذَلِكَ يَعُمُّ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ، إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا دَخَلَ بِهَا بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ فَقَدْ لَزِمَهُ الْمَهْرُ بِسَبَبٍ كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى فَيُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْحَالِ، وَعِنْدَهُمَا إذْنُ الْمَوْلَى لَا يَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ، فَإِنَّمَا لَزِمَهُ الْمَهْرُ بِسَبَبٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْمَوْلَى فَيَتَأَخَّرُ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ
стр. 1040
وَعَلَى هَذَا لَوْ تَزَوَّجَهَا نِكَاحًا صَحِيحًا بَعْدَ هَذَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ إذْنِ الْمَوْلَى مَا انْتَهَى بِالْعَقْدِ الْفَاسِدِ فَيَكُونُ مُبَاشِرًا الْعَقْدَ الثَّانِي بِإِذْنِهِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ حُكْمَ إذْنِ الْمَوْلَى انْتَهَى بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ فَيُحْتَاجُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي إلَى إذْنٍ جَدِيدٍ.
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ أَجَازَ الْمَوْلَى ذَلِكَ النِّكَاحَ فَعَلَيْهِ مَهْرٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ لَهَا اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ فِي الِانْتِهَاءِ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ، وَفِي الْقِيَاسِ عَلَيْهَا مَهْرَانِ مَهْرُ الْمِثْلِ بِالدُّخُولِ وَالْمُسَمَّى بِنُفُوذِ الْعَقْدِ بِالْإِجَازَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَ هَذَا فِي جَانِبِ الْأَمَةِ فَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْعَبْدِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى حَتَّى نَفَذَ الْعَقْدُ بَعْدَ عِتْقِهِ.
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَ الْمُكَاتَبُ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ أَوْ الْعَبْدُ أَوْ الْمُدَبَّرُ وَدَخَلَ بِهَا ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا السَّيِّدُ، فَلَا مَهْرَ عَلَيْهَا حَتَّى يُعْتَقَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ لَيْسَ مِنْ عُقُودِ التِّجَارَةِ وَلَا مِنْ اكْتِسَابِ الْمَالِ، وَالْمَهْرُ عِنْدَ الدُّخُولِ إنَّمَا يَجِبُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعَقْدِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَقْدُ الْكِتَابَةِ مَتْنًا، وَلَا لِذَلِكَ الْعَقْدِ يَتَأَخَّرُ الْمَالُ الْوَاجِبُ بِسَبَبِهِ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ، وَهَذَا بِخِلَافِ جِنَايَةِ الْمُكَاتَبِ، فَإِنَّ مُوجِبَهُ فِي كَسْبِهِ يَثْبُتُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْفِعْلِ، وَالرِّقُّ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْحَجْرِ عَنْ الْأَفْعَالِ، وَأَمَّا وُجُوبُ الْمَهْرِ هُنَا بِاعْتِبَارِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ بِدُونِ الْعَقْدِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْمَهْرِ، وَلِأَنَّهَا رَاضِيَةٌ بِهَذَا الدُّخُولِ فَلِهَذَا يَتَأَخَّرُ الْوَاجِبُ إلَى مَا بَعْدَ الْعِتْقِ، بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْكَفَالَةِ.
(قَالَ:) وَإِذَا زَوَّجَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ أُمَّتَهُ بِشُهُودٍ فَهُوَ جَائِزٌ، وَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَهْرَ لَوْ وَجَبَ كَانَ لِلْمَوْلَى، وَإِنَّمَا يَجِبُ فِي مَالِيَّةِ الْعَبْدِ وَمَالِيَّتُهُ مَمْلُوكَةٌ لِلْمَوْلَى، فَلَا فَائِدَةَ فِي وُجُوبِهِ أَصْلًا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ عَلَى طَرِيقِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا يَجِبُ ابْتِدَاءً لِحَقِّ الشَّرْعِ ثُمَّ يَسْقُطُ لِقِيَامِ مِلْكِ الْمَوْلَى فِي رَقَبَةِ الزَّوْجِ، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ نَصْرَانِيًّا أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ فِي التَّزَوُّجِ فَأَقَامَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ نَصْرَانِيَّةٌ شَاهِدَيْنِ مِنْ النَّصَارَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ جَاحِدٌ أَجَزْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ هُوَ الْعَبْدُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِهَذَا النِّكَاحِ ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ فَكَذَلِكَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النَّصَارَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ نَصْرَانِيٌّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بَيْعٌ أَوْ شِرَاءٌ وَهُوَ مَأْذُونٌ لَهُ فِي التِّجَارَةِ كَانَتْ الشَّهَادَةُ مَقْبُولَةً فَكَذَلِكَ بِالنِّكَاحِ، فَإِنْ قِيلَ النِّكَاحُ مَمْلُوكٌ لِلْمَوْلَى عَلَى الْعَبْدِ، فَهَذِهِ الشَّهَادَةُ إنَّمَا تَقُومُ عَلَى الْمَوْلَى وَهُوَ مُسْلِمٌ، قُلْنَا: أَصْلُ الْعَقْدِ مَمْلُوكٌ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ، وَلَكِنَّ حُكْمَهُ وَهُوَ مِلْكُ الْحِلِّ يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ، وَالشُّهُودُ إنَّمَا يَشْهَدُونَ لَهَا بِذَلِكَ عَلَى الْعَبْدِ فَلِهَذَا اعْتَبَرْنَا فِيهِ دِينَ الْعَبْدِ، وَقُلْنَا: لَوْ كَانَ الْمَوْلَى كَافِرًا وَالْعَبْدُ مُسْلِمًا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَشَهَادَةُ الْكَافِرِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمُسْلِمِ.
(قَالَ:)
стр. 1041
، وَلَا يَحِلُّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَسَرَّى، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَحِلُّ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُتْعَةِ يَثْبُتُ بِطَرِيقَيْنِ إمَّا عَقْدُ النِّكَاحِ أَوْ التَّسَرِّي، فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ أَهْلًا لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ بِأَحَدِ الطَّرِيقَيْنِ وَهُوَ النِّكَاحُ فَكَذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الْآخَرِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْمُتْعَةِ الَّذِي يَثْبُتُ بِالنِّكَاحِ أَقْوَى مِمَّا يَثْبُتُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] وَهَذِهِ لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ لَهُ وَلَا مَمْلُوكَةٍ لَهُ، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: لَا يَحِلُّ فَرْجُ مَمْلُوكَةٍ إلَّا لِمَنْ إذَا أَعْتَقَ أَوْ وَهَبَ جَازَ، وَالْعَبْدُ لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ وَلَا هِبَتُهُ، فَلَا يَحِلُّ الْفَرْجُ لَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْعَبْدَ مَمْلُوكٌ مَالًا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلْمَالِ لِمَا بَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمَمْلُوكِيَّة مِنْ الْمُنَافَاةِ، وَمِلْكُ الْمُتْعَةِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِثُبُوتِ سَبَبِهِ، فَإِذَا كَانَ سَبَبُهُ وَهُوَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ فَكَذَلِكَ حُكْمُهُ، بِخِلَافِ النِّكَاحِ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِمِلْكِ الْمَالِ قَبْلَ إذْنِ الْمَوْلَى، وَلَا تَأْثِيرَ لِلْإِذْنِ فِي جَعْلِ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ أَهْلًا، وَإِنَّمَا تَأْثِيرُ إذْنِ الْمَوْلَى فِي إسْقَاطِ حَقِّهِ عِنْدَ قِيَامِ أَهْلِيَّةِ الْعَبْدِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُجْعَلَ الْعَبْدُ أَهْلًا لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ بَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمَمْلُوكِيَّة مُنَافَاةٌ، وَلَكِنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ أَهْلًا لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ بِسَبَبِ النِّكَاحِ لِضَرُورَةِ حَاجَتِهِ إلَى قَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَإِبْقَاءِ النَّسْلِ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ تَرْتَفِعُ بِثُبُوتِ الْحِلِّ لَهُ بِالنِّكَاحِ، فَلَا حَاجَةَ هُنَا إلَى أَنْ نَجْعَلَهُ أَهْلًا لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ بِسَبَبِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَكَذَلِكَ الْمُدَبَّرُ وَالْمُكَاتَبُ وَالْمُسْتَسْعَى فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَالْمُكَاتَبِ.
(قَالَ:) وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ زَوَّجَهُ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ الْآخَرِ لَمْ يَجُزْ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ وِلَايَةَ النِّكَاحِ إنَّمَا تُسْتَفَادُ بِمِلْكِ رَقَبَةِ الْعَبْدِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مَالِكٍ لِمَا يُسَمَّى عَبْدًا.
(قَالَ:) وَلَا يَحِلُّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَوْلَاتَهُ وَلَا امْرَأَةً لَهَا فِي رَقَبَتِهِ شِقْصٌ عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ نُفَاةِ الْقِيَاسِ ﵃ يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ الْحُرُّ إذَا تَزَوَّجَ أُمَّتَهُ أَوْ أَمَةً لَهُ فِيهَا شِقْصٌ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَاسْتَدَلُّوا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وَبِقَوْلِهِ: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] الْآيَةَ، فَإِنَّمَا خَاطَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَوَالِيَ بِإِنْكَاحِ الْإِمَاءِ لَا بِنِكَاحِهِنَّ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا تَزَوَّجَ بِمَوْلَاتِهِ فَهِيَ تَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةَ بِالنِّكَاحِ وَهُوَ يَسْتَوْجِبُ عَلَيْهَا النَّفَقَةَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَيَتَقَاصَّانِ وَيَمُوتَانِ جُوعًا، وَفِي هَذَا مِنْ الْفَسَادِ مَا لَا يَخْفَى، وَالْحُرُّ إذَا تَزَوَّجَ أَمَتَهُ، فَهَذَا الْعَقْدُ غَيْرُ مُفِيدٍ؛ لِأَنَّ مُوجَبَ النِّكَاحِ مِلْكُ الْحِلِّ، وَمَحَلُّ الْحِلِّ ثَابِتٌ لَهُ تَبَعًا لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَلِأَنَّ النِّكَاحَ إنَّمَا شُرِعَ فِي الْأَصْلِ لِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَعِنْدَ مِلْكِهِ رَقَبَتَهَا لَا حَاجَةَ فَلَمْ يَكُنْ
стр. 1042
مَشْرُوعًا أَصْلًا، ثُمَّ قِيَامُ الْمِلْكِ فِي شِقْصٍ مِنْهَا يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ قِيَامِ الْمِلْكِ فِي جَمِيعِهَا فِي حُرْمَةِ النِّكَاحِ احْتِيَاطًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ ذَلِكَ فِي حِلِّ الْوَطْءِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ تَزَوَّجَ مُكَاتَبَتَهُ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ لِقِيَامِ الْمِلْكِ لَهُ فِي رَقَبَتِهَا، وَإِنْ كَانَ هُوَ مَمْنُوعًا مِنْ وَطْئِهَا بِسَبَبِ الْكِتَابَةِ، فَإِنْ وَطِئَهَا كَانَ لَهَا الْمَهْرُ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَطِئَهَا قَبْلَ النِّكَاحِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ لِلشُّبْهَةِ فَيَجِبُ الْمَهْرُ، وَهِيَ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ صَارَتْ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا وَمَكَاسِبِهَا، وَالْمُسْتَوْفَى بِالْوَطْءِ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ عَيْنِهَا، وَلَوْ قَطَعَ الْمَوْلَى يَدَهَا كَانَ الْأَرْشُ لَهَا فَكَذَلِكَ إذَا وَطِئَهَا.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَاطِئَ لَوْ كَانَ غَيْرَ الْمَوْلَى كَانَ الْمَهْرُ لَهَا، فَإِنْ عَتَقَتْ بَعْدَ هَذَا النِّكَاحِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ فِيهِ جِهَةُ الْبُطْلَانِ لِمِلْكِهِ رَقَبَتَهَا، فَلَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا، وَإِنْ زَالَ ذَلِكَ الْمِلْكُ، وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَ الْمُكَاتَبُ مَوْلَاتَهُ وَدَخَلَ بِهَا فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ لِسُقُوطِ الْحَدِّ بِشُبْهَةِ النِّكَاحِ، وَلَا يَجُوزُ النِّكَاحُ، وَإِنْ عَتَقَ لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ تَزَوَّجَ الْمُكَاتَبُ أَوْ الْعَبْدُ بِنْتَ مَوْلَاهُ بِإِذْنِهِ جَازَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهَا فِي رَقَبَتِهِ، وَلَا حَقَّ مِلْكٍ مَا دَامَ الْأَبُ حَيًّا، فَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى فَسَدَ نِكَاحُ الْعَبْدِ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ رَقَبَةَ زَوْجِهَا إرْثًا، وَمِلْكُهَا رَقَبَةَ الزَّوْجِ لَوْ اقْتَرَنَ بِالنِّكَاحِ مَنَعَ صِحَّةَ النِّكَاحِ، فَإِذَا طَرَأَ عَلَى النِّكَاحِ يَرْفَعُ النِّكَاحَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُنَافِي يُؤَثِّرُ سَوَاءٌ كَانَ طَارِئًا أَوْ مُقَارِنًا، فَأَمَّا نِكَاحُ الْمُكَاتَبِ لَا يَفْسُدُ بِمَوْتِ الْمَوْلَى عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَفْسُدُ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ رَقَبَةَ الْمُكَاتَبِ لَا تُورَثُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تُورَثُ، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْمَشْغُولَ بِحَاجَةِ الْمُورِثِ لَا يَمْلِكُهُ الْوَارِثُ عِنْدَنَا كَالتَّرِكَةِ الْمُسْتَغْرَقَةِ بِالدَّيْنِ، وَالْمُكَاتَبُ أَيْضًا مَشْغُولٌ بِحَاجَتِهِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كُلُّ مَا كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمُورِثِ، فَإِذَا لَمْ يَخْرُجْ بِمَوْتِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْمُورِثِ يَصِيرُ مَمْلُوكًا لِوَارِثِهِ، وَحُجَّتُهُ عَلَى سَبِيلِ الِابْتِدَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهَا لَوْ تَزَوَّجَتْ بِهِ ابْتِدَاءً بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ، فَكَذَا لَا يَبْقَى النِّكَاحُ كَمَا فِي الْعَبْدِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْوَارِثَ خِلَافَةٌ، وَرَقَبَةُ الْمُكَاتَبِ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لِلْمَوْلَى فَيَخْلُفُهُ وَارِثُهُ فِيهِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عَجَزَ كَانَ مَمْلُوكًا لِلْوَارِثِ وَعَجْزُهُ لَيْسَ بِمُوجِبِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ كَانَ مَالِكًا قَبْلَ ذَلِكَ، وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يُمْلَكُ بِسَائِرِ أَسْبَابِ الْمِلْكِ فَكَذَلِكَ لَا يُمْلَكُ بِالْإِرْثِ كَالْمُدَبَّرِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ أَدَّى بَدَلَ الْكِتَابَةِ كَانَ وَلَاؤُهُ لِلْمَوْلَى، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْوَلَاءُ لِمَنْ يُعْتَقُ عَلَى مِلْكِهِ، فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمَوْلَى لِحَاجَتِهِ إلَى ذَلِكَ وَاسْتِحْقَاقِهِ وَلَاءَهُ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ، وَلِهَذَا يُمْلَكُ بَعْدَ الْعَجْزِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ حَقُّ الْمَوْلَى وَقَدْ زَالَ فَيَكُونُ ذَلِكَ السَّبَبُ عَامِلًا فِي إيجَابِ الْمِلْكِ بَعْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ، وَأَمَّا إذَا تَزَوَّجَتْ
стр. 1043
بِهِ ابْتِدَاءً بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى إنَّمَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهَا حَقُّ أَنْ تَتَمَلَّكَ رَقَبَتَهُ عِنْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ، وَحَقُّ الْمِلْكِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ، وَلَا يَمْنَعُ بَقَاءَهُ، وَلِهَذَا لَوْ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ امْرَأَةَ مَوْلَاهُ لَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ، وَلَوْ تَزَوَّجَ أَمَةَ مُكَاتَبِهِ لَا يَجُوزُ، وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ امْرَأَةَ نَفْسِهِ لَا يَفْسُدُ النِّكَاحُ، وَلَوْ تَزَوَّجَهَا ابْتِدَاءً لَمْ يَصِحَّ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَفَلَ رَجُلٌ عَنْ الْمُكَاتَبِ بِمَالٍ لِابْنِ مَوْلَاهُ فَهُوَ جَائِزٌ، فَإِنْ مَاتَ أَبُوهُ كَانَتْ الْكَفَالَةُ عَلَى حَالِهَا، وَلَوْ كَفَلَ لَهُ بِمَالٍ مُسْتَقْبَلٍ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ لَمْ يَجُزْ، وَمِنْ غَيْرِ هَذَا الْبَابِ الْعِدَّةُ تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ النِّكَاحِ وَلَا تَمْنَعُ الْبَقَاءَ، وَالْإِبَاقُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْبَيْعِ وَلَا يَمْنَعُ الْبَقَاءَ، فَالْقِيَاسُ فِي هَذَا كَثِيرٌ، وَإِذَا ثَبَتَ بَقَاءُ النِّكَاحِ قُلْنَا: إنْ أُعْتِقَ الْمُكَاتَبُ فَهِيَ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّهُ بِالْعِتْقِ ازْدَادَ بُعْدًا عَنْهَا، وَإِنْ عَجَزَ وَرُدَّ فِي الرِّقِّ بَطَلَ النِّكَاحُ، وَلَا مَهْرَ لَهَا إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ النِّكَاحِ يُقَرِّرُ الْمُنَافِي، وَذَلِكَ إذَا وُجِدَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَبْطَلَ النِّكَاحَ مِنْ الْأَصْلِ، فَلَا يُوجِبُ شَيْئًا مِنْ الْمَهْرِ كَالْمَحْرَمِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ فِي رَقَبَتِهِ يَبْطُلُ مِنْهُ بِقَدْرِ حِصَّتِهَا؛ لِأَنَّهَا مَلَكَتْ بَعْضَ رَقَبَتِهِ، وَالْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى مَمْلُوكِهِ دَيْنًا.
(قَالَ:) رَجُلٌ تَزَوَّجَ أَمَةَ رَجُلٍ ثُمَّ اشْتَرَى بَعْضَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَوْ مَلَكَهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَسَدَ النِّكَاحُ لِتَقَرُّرِ الْمُنَافِي وَهُوَ مِلْكُهُ جُزْءًا مِنْ رَقَبَتِهَا، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا فَعَلَيْهِ الْمَهْرُ لِمَوْلَاهَا، وَقَدْ انْتَقَضَ النِّكَاحُ لِمِلْكِهِ جُزْءًا مِنْ رَقَبَتِهَا
وَإِنْ أَتَى الْعَبْدُ الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ فَأَخْبَرَهَا أَنَّهُ حُرٌّ فَتَزَوَّجَهَا عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ عَلِمَتْ أَنَّهُ عَبْدٌ قَدْ أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ فِي التَّزَوُّجِ فَهِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ مَعَهُ، وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهَا، وَلِأَنَّهَا مَا رَضِيَتْ أَنْ يَسْتَفْرِشَهَا مَمْلُوكٌ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ لَهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ إذَا كَتَمَ نَسَبَهُ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ نَسَبَهُ الْمَكْتُومَ دُونَ مَا أَظْهَرَهُ يَكُونُ لَهَا الْخِيَارُ، فَإِذَا أَظْهَرَ الْحُرِّيَّةَ وَتَبَيَّنَ الرِّقُّ لَأَنْ يَثْبُتَ لَهَا الْخِيَارُ كَانَ أَوْلَى، فَإِنْ اخْتَارَتْ الْفُرْقَةَ لَا تَكُونُ هَذِهِ الْفُرْقَةُ إلَّا عِنْدَ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالْفَسْخُ بِعَدَمِ الْكَفَاءَةِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، وَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِأَصْلِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا.
(قَالَ:) عَبْدٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِإِذْنِ مَوْلَاهُ وَلَمْ يُخْبِرْهَا أَنَّهُ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ، ثُمَّ عَلِمَتْ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَإِنْ كَانَ أَوْلِيَاءُ الْمَرْأَةِ زَوَّجُوهَا مِنْهُ بِرِضَاهَا فَلَا خِيَارَ لَهُمْ وَلَا لَهَا؛ لِأَنَّ مُبَاشَرَةَ الْأَوْلِيَاءِ الْعَقْدَ يَكُونُ مُسْقِطًا حَقَّهُمْ فِي طَلَبِ الْكَفَاءَةِ، وَالزَّوْجُ مَا شَرَطَ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا فَاتَ عَلَيْهَا ذَلِكَ إنَّمَا ظَنَّتْ أَنَّهُ حُرٌّ وَظَنُّهَا لَا يُلْزِمَ الزَّوْجَ شَيْئًا، فَلِهَذَا لَا خِيَارَ لَهَا، وَإِنْ كَانَتْ فَعَلَتْهُ بِدُونِ الْأَوْلِيَاءِ فَلَهُمْ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ كُفْءٍ، وَالْمَرْأَةُ إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ فَلِلْأَوْلِيَاءِ
стр. 1044
حَقُّ الِاعْتِرَاضِ دَفْعًا لِلْعَارِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ
[بَابُ الرَّضَاعِ]
(قَالَ:) بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» وَذَكَرَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵄ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ: «يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ بِالْوِلَادَةِ»، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَ مِنْ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ، وَأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ فِي ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ بِالنَّسَبِ لِحَقِيقَةِ الْبَعْضِيَّةِ أَوْ شُبْهَةِ الْبَعْضِيَّةِ، وَفِي الرَّضَاعِ شُبْهَةُ الْبَعْضِيَّةِ بِمَا يَحْصُلُ بِاللَّبَنِ الَّذِي هُوَ جُزْءُ الْآدَمِيَّةِ فِي إنْبَاتِ اللَّحْمِ وَإِنْشَازِ الْعَظْمِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «الرَّضَاعُ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ» وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحُرْمَةَ بِالرَّضَاعِ كَمَا تَثْبُتُ مِنْ جَانِبِ الْأُمَّهَاتِ تَثْبُتُ مِنْ جَانِبِ الْآبَاءِ وَهُوَ الزَّوْجُ الَّذِي نَزَلَ لَبَنُهَا بِوَطْئِهِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَبَّهَهُ بِالنَّسَبِ فِي التَّحْرِيمِ، وَالْحُرْمَةُ بِالنَّسَبِ تَثْبُتُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَكَذَلِكَ بِالرَّضَاعِ، بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ لَا يُحَرِّمُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، احْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ حُرْمَةَ الرَّضَاعِ فِي جَانِبِ النِّسَاءِ فَقَالَ: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] فَلَوْ كَانَتْ الْحُرْمَةُ تَثْبُتُ مِنْ جَانِبِ الرِّجَالِ لَبَيَّنَهَا اللَّهُ تَعَالَى كَمَا بَيَّنَ الْحُرْمَةَ بِالنَّسَبِ، وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ لَا تَثْبُتُ بِحَقِيقَةِ فِعْلِ الْإِرْضَاعِ، فَإِنَّهُ لَوْ نَزَلَ اللَّبَنُ فِي ثُنْدُوَةِ الرَّجُلِ فَأَرْضَعَ بِهِ صَبِيًّا لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ، فَلَأَنْ لَا تَثْبُتُ فِي جَانِبِهِ بِإِرْضَاعِ زَوْجَتِهِ أَوْلَى، وَحُجَّتُنَا ذَلِكَ حَدِيثُ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵄ «قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي فَسَمِعْتُ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى حَفْصَةَ ﵂ فَقُلْتُ هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه مَا أَرَاهُ إلَّا فُلَانًا - عَمَّا لِحَفْصَةَ مِنْ الرَّضَاعِ - فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ فُلَانٌ عَمِّي مِنْ الرَّضَاعِ حَيًّا أَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ.؟ فَقَالَ: نَعَمْ الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَفْلَحَ بْنَ أَبِي قُعَيْسٍ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَّا فِي ثِيَابٍ فَضْلٍ فَقَالَ ﷺ : لِيَلِجْ عَلَيْكِ أَفْلَحُ، فَإِنَّهُ عَمُّكِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، فَقُلْتُ: إنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ لَا الرَّجُلُ، فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه: لِيَلِجْ عَلَيْكِ فَإِنَّهُ عَمُّكِ» وَالْعَمُّ مِنْ الرَّضَاعَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاعْتِبَارِ لَبَنِ الْفَحْلِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ سَبَبَ هَذَا اللَّبَنِ فِعْلُ الْوَاطِئِ، فَالْحُرْمَةُ الَّتِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ تَثْبُتُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَالْوِلَادَةِ، فَأَمَّا مَا قَالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ حُرْمَةَ
стр. 1045
الرَّضَاعِ فِي جَانِبِ النِّسَاءِ قُلْنَا: مِنْ الْأَحْكَامِ مَا يَثْبُتُ بِالْقُرْآنِ، وَمِنْهَا مَا يَثْبُتُ بِالسُّنَّةِ، فَحُرْمَةُ الرَّضَاعِ فِي جَانِبِ الرَّجُلِ مِمَّا يَثْبُتُ بِالسُّنَّةِ، وَالْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ لَا يُوجَدُ فِي إرْضَاعِ الرَّجُلِ، فَإِنَّ مَا نَزَلَ فِي ثُنْدُوَتِهِ لَا يُغَذِّي الصَّبِيَّ، فَلَا يَحْصُلُ بِهِ إنْبَاتُ اللَّحْمِ، فَهَذَا نَظِيرُ وَطْءِ الْمَيِّتَةِ فِي أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ.
(قَالَ:) وَلَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةَ ابْنِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَلَا امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَكَذَلِكَ أَجْدَادُهُ وَنَوَافِلُهُ وَهُوَ نَظِيرُ الْحُرْمَةِ الثَّابِتَةِ بِالنَّسَبِ، وَعَلَى هَذَا الْأَخَوَاتُ مِنْ الرَّضَاعَةِ، أَمَّا إذَا أَرْضَعَتْ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ثِنْتَيْنِ فَهُمَا أُخْتَانِ، فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا وَاحِدًا فَهُمَا أُخْتَانِ لِأَبٍ وَأُمٍّ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا مُخْتَلِفًا عَنْ الْإِرْضَاعَيْنِ فَهُمَا أُخْتَانِ لِأُمٍّ، وَإِنْ كَانَ تَحْتَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ لَبَنٌ مِنْهُ فَأَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا صَبِيَّةً فَهُمَا أُخْتَانِ لِأَبٍ مِنْ الرَّضَاعَةِ؛ لِأَنَّ لَبَنَهُمَا مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَعُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَكَذَلِكَ بَنَاتُ الْأَخِ مِنْ الرَّضَاعِ كَبَنَاتٍ لِأَخٍ مِنْ النَّسَبِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا «عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَ: لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا كَانَتْ تَحِلُّ لِي أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ، فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ تَرْغَبُ فِي قُرَيْشٍ وَتَرْغَبُ عَنَّا، فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ شَيْءٌ.؟ قَالَ: نَعَمْ ابْنَةُ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، فَقَالَ ﷺ : إنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ».
(قَالَ:) وَإِذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ لَبَنٌ وَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا وَتَزَوَّجَتْ آخَرَ فَحَبِلَتْ مِنْ الْآخَرِ وَنَزَلَ لَهَا اللَّبَنُ فَاللَّبَنُ مِنْ الْأَوَّلِ حَتَّى تَلِدَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِذَا وَلَدَتْ فَاللَّبَنُ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ الثَّانِي، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا عُرِفَ أَنَّ هَذَا اللَّبَنَ مِنْ الْحَبَلِ الثَّانِي فَهُوَ مِنْ الْآخَرِ، وَقَدْ انْقَطَعَ اللَّبَنُ الْأَوَّلُ، وَعَنْهُ فِي رِوَايَةٍ إذَا حَبِلَتْ مِنْ الثَّانِي انْقَطَعَ حُكْمُ لَبَنِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَسْتَحْسِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا جَمِيعًا حَتَّى تَضَعَ مِنْ الْآخَرِ، وَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ مَا كَانَ بِهَا مِنْ اللَّبَنِ فَهُوَ مِنْ الْأَوَّلِ وَمَا ازْدَادَ بِسَبَبِ الْحَبَلِ فَهُوَ مِنْ الثَّانِي، وَبَابُ الْحُرْمَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ فَتَثْبُتُ الْحُرْمَةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا، كَمَا إذَا حَلَبَ لَبَنَ امْرَأَتَيْنِ فِي قَارُورَةٍ وَأَوْجَرَ صَبِيًّا، فَإِذَا وَضَعَتْ مِنْ الثَّانِي فَقَدْ انْتَسَخَ سَبَبُ لَبَنِ الْأَوَّلِ بِاعْتِرَاضِ مِثْلِهِ عَلَيْهِ، فَلِهَذَا كَانَ اللَّبَنُ مِنْ الثَّانِي بَعْدَهُ وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ: اللَّبَنُ يَنْزِلُ تَارَةً بَعْدَ الْوِلَادَةِ وَتَارَةً بَعْدَ الْحَبَلِ قَبْلَ الْوِلَادَةِ، فَإِذَا عُرِفَ نُزُولُ اللَّبَنِ مِنْ الثَّانِي انْتَسَخَ بِهِ حُكْمُ اللَّبَنِ مِنْ الْأَوَّلِ كَمَا يَنْتَسِخُ بِالْوِلَادَةِ مِنْ الثَّانِي، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَقُولُ: لَمَّا كَانَ الْحَبَلُ سَبَبًا لِنُزُولِ اللَّبَنِ، وَحَقِيقَةُ نُزُولِ اللَّبَنِ مِنْ الثَّانِي بَاطِلٌ فَيُقَامُ السَّبَبُ
стр. 1046
الظَّاهِرُ مَقَامَ الْمَعْنَى الْبَاطِنِ تَيْسِيرًا فَيَنْتَسِخُ بِهِ حُكْمُ لَبَنِ الْأَوَّلِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: كَوْنُ اللَّبَنِ مِنْ الْأَوَّلِ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، وَاللَّبَنُ يَزْدَادُ تَارَةً وَيَنْقُصُ أُخْرَى بِاعْتِبَارِ الْغِذَاءِ، فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ قُوَّةِ الْغِذَاءِ لَا مِنْ الْحَبَلِ الثَّانِي، فَلَا يَنْتَسِخُ بِهِ حُكْمُ اللَّبَنِ مِنْ الْأَوَّلِ حَتَّى يَتَعَرَّضَ مِثْلُ ذَلِكَ السَّبَبِ مِنْ الثَّانِي، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْوِلَادَةِ.
(قَالَ:) وَلَا يَجْتَمِعُ حُكْمُ الرَّضَاعِ لِرَجُلَيْنِ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُمَا لَا يَجْتَمِعُ حَلَالًا شَرْعًا فَكَذَلِكَ مَا يَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ السَّبَبِ، وَلَكِنْ مَا بَقِيَ الْأَوَّلُ لَا يَثْبُتُ الثَّانِي وَإِذَا ثَبَتَ الثَّانِي انْتَفَى الْأَوَّلُ.
(قَالَ:) وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً أَرْضَعَتْهُ رَضَاعًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ إلَّا بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ يَكْتَفِي الصَّبِيُّ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَمِنْ أَصْحَابِ الظَّوَاهِرِ مَنْ اعْتَبَرَ ثَلَاثَ رَضَعَاتٍ لِإِيجَابِ الْحُرْمَةِ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ شَرَطَ الْعَدَدَ بِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا تَحْرُمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ، وَلَا الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ.» وَفِي حَدِيثِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ فَنُسِخَ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُتْلَى بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا نَسْخَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَحُجَّتُنَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أَثْبَتَ الْحُرْمَةَ بِفِعْلِ الْإِرْضَاعِ فَاشْتِرَاطُ الْعَدَدِ فِيهِ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ، وَمِثْلُهُ لَا يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الرَّضَاعُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ» يَعْنِي فِي إيجَابِ الْحُرْمَةِ، وَلِأَنَّ هَذَا سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّحْرِيمِ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ كَالْوَطْءِ، أَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَتْلُوًّا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، وَنَسْخُ التِّلَاوَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَجُوزُ فَلِمَاذَا لَا يُتْلَى الْآنَ.؟ وَذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ «فَدَخَلَ دَاجِنٌ الْبَيْتَ فَأَكَلَهُ» وَهَذَا يُقَوِّي قَوْلَ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ ذَهَبَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يُثْبِتْهُ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فِي الْمُصْحَفِ وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ، فَإِنَّمَا كَانَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي كَانَ إرْضَاعُ الْكَبِيرِ مَشْرُوعًا وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ الثَّانِي، فَإِنَّ إنْبَاتَ اللَّحْمِ وَإِنْشَازَ الْعَظْمِ فِي حَقِّ الْكَبِيرِ لَا يَحْصُلُ بِالرَّضْعَةِ الْوَاحِدَةِ، فَكَانَ الْعَدَدُ مَشْرُوعًا فِيهِ ثُمَّ انْتَسَخَ بِانْتِسَاخِ حُكْمِ إرْضَاعِ الْكَبِيرِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(قَالَ:) وَالسَّعُوطُ وَالْوَجُورُ يُثْبِتُ الْحُرْمَةَ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتَغَذَّى بِهِ الصَّبِيُّ، فَإِنَّ السَّعُوطَ يَصِلُ إلَى الدِّمَاغِ فَيَتَقَوَّى بِهِ، وَالْوَجُورُ يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ
стр. 1047
فَيَحْصُلُ بِهِ إنْبَاتُ اللَّحْمِ وَإِنْشَازُ الْعَظْمِ، فَأَمَّا الْإِقْطَارُ فِي الْأُذُنِ لَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى الدِّمَاغِ لِضِيقِ ذَلِكَ الثُّقْبِ، وَكَذَلِكَ الْإِقْطَارُ فِي الْإِحْلِيلِ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ يَصِلُ إلَى الْمَثَانَةِ، فَلَا يَتَغَذَّى بِهِ الصَّبِيُّ عَادَةً، وَكَذَلِكَ الْحُقْنَةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: إذَا احْتَقَنَ صَبِيٌّ بِلَبَنِ امْرَأَةٍ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَفْسُدُ بِهِ الصَّوْمُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَيْسَ الْمُوجِبُ لِلْحُرْمَةِ عَيْنُ الْوُصُولِ إلَى الْجَوْفِ بَلْ حُصُولُ مَعْنَى الْغِذَاءِ لِيَثْبُتَ بِهِ شُبْهَةُ الْبَعْضِيَّةِ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ الْأَعَالِي لَا مِنْ الْأَسَافِلِ ثُمَّ بَيَّنَ مَنْ يَحْرُمُ بِسَبَبِ الرَّضَاعَةِ، وَالْحَاصِلُ فِيهِ مَا بَيَّنَّا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ، فَكَمَا أَنَّ الْحُرْمَةَ الثَّابِتَةَ بِالنَّسَبِ فِي حَقِّ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ تَتَعَدَّى إلَى الْجَدَّاتِ وَالنَّوَافِلِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ فَكَذَلِكَ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ.
(قَالَ:) وَلَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄، وَهَكَذَا رَوَاهُ جَابِرٌ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ، وَلَا يُتْمَ بَعْدَ الْحُلُمِ، وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ، وَلَا وِصَالَ فِي صِيَامٍ، وَلَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَلَا عِتْقَ قَبْلَ الْمِلْكِ، وَلَا وَفَاءَ فِي نَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَا يَمِينَ فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ، وَلَا تَغَرُّبَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَلَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» وَالْكَلَامُ هُنَا فِي فُصُولٍ أَحَدُهَا أَنَّ الْحُرْمَةَ لَا تَثْبُتُ بِإِرْضَاعِ الْكَبِيرِ عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ لِحَدِيثِ «سَهْلَةَ امْرَأَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ ﵄، فَإِنَّهَا جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ مَا انْتَسَخَ حُكْمُ التَّبَنِّي بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ تَبَنَّى سَالِمًا فَكُنَّا نُعِدُّهُ وَلَدًا لَهُ، وَإِنَّ لَنَا بَيْتًا وَاحِدًا فَمَاذَا تَرَى فِي شَأْنِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ «وَإِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيَّ وَأَنَا أَرَى الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ ﵁، فَقَالَ ﷺ : أَرْضِعِي سَالِمًا خَمْسًا تَحْرُمِينَ بِهَا عَلَيْهِ» وَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَخَذَتْ عَائِشَةُ ﵂ حَتَّى كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ الرِّجَالِ أَمَرَتْ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ ﵂ أَوْ بَعْضَ بَنَاتِ أُخْتِهَا أَنْ تَرْضِعَهُ خَمْسًا، ثُمَّ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّ غَيْرَهَا مِنْ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُنَّ يَأْبَيْنَ ذَلِكَ وَيَقُلْنَ لَا نَرَى هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا رُخْصَةً لِسَهْلَةَ خَاصَّةً، ثُمَّ هَذَا الْحُكْمُ انْتَسَخَ بِقَوْلِهِ ﷺ : «الرَّضَاعُ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ» وَذَلِكَ فِي الْكَبِيرِ لَا يَحْصُلُ، وَقَالَ ﷺ : «الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ» يَعْنِي مَا يَرُدُّ الْجُوعَ، وَذَلِكَ بِإِرْضَاعِ الْكَبِيرِ لَا يَحْصُلُ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «الرَّضَاعُ مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ وَكَانَ قَبْلَ الطَّعَامِ» وَالصَّحَابَةُ ﵃ -
стр. 1048
اتَّفَقُوا عَلَى هَذَا، فَقَدْ ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃ قَالَا: لَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ، وَرُوِيَ أَنَّ أَعْرَابِيًّا وَلَدَتْ امْرَأَتُهُ وَمَاتَ الْوَلَدُ فَانْتَفَخَ ثَدْيُهَا مِنْ اللَّبَنِ فَجَعَلَ يَمُصُّهُ وَيَمُجُّ، فَدَخَلَ بَعْضُ اللَّبَنِ فِي حَلْقِهِ فَجَاءَ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ وَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: حَرُمَتْ عَلَيْكَ، فَجَاءَ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هِيَ حَلَالٌ لَكَ، فَأَخْبَرَهُ بِفَتْوَى أَبِي مُوسَى فَقَامَ مَعَهُ إلَى أَبِي مُوسَى ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِهِ وَهُوَ يَقُولُ: أَرَضِيعٌ فِيكُمْ هَذَا لِلِّحْيَانِيِّ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى ﵁ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ مَادَامَ هَذَا الْحَبْرُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: إنَّ لِي جَارِيَةً فَأَرْضَعَتْهَا امْرَأَتِي فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ فَقَالَتْ: خُذْهَا دُونَكَ فَقَدْ وَاَللَّهِ أَرْضَعْتُهَا، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَزَمْتُ عَلَيْكَ أَنْ تَأْتِيَ امْرَأَتَكَ فَتَضْرِبَهَا ثُمَّ تَأْتِيَ جَارِيَتَكَ فَتَطَأَهَا، وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الْآثَارِ انْتِسَاخُ حُكْمِ إرْضَاعِ الْكَبِيرِ
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي تَثْبُتُ فِيهَا حُرْمَةُ الرَّضَاعِ، فَقَدَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِثَلَاثِينَ شَهْرًا وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَدَّرَا ذَلِكَ بِحَوْلَيْنِ وَزُفَرُ قَدَّرَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ سِنِينَ، فَإِذَا وُجِدَ الْإِرْضَاعُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ وَإِلَّا فَلَا، وَاسْتَدَلَّا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، وَلَا زِيَادَةَ بَعْدَ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤]، وَلَا رَضَاعَ بَعْدَ الْفِصَالِ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الصَّبِيَّ فِي مُدَّةِ الْحَوْلَيْنِ يَكْتَفِي بِاللَّبَنِ وَبَعْدَ الْحَوْلَيْنِ لَا يَكْتَفِي بِهِ فَكَانَ هُوَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْكَبِيرِ فِي حُكْمِ الرَّضَاعِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وَظَاهِرُ هَذِهِ الْإِضَافَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الْمَذْكُورِ مُدَّةً لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قَامَ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ الْحَبَلِ لَا تَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ فَبَقِيَ مُدَّةُ الْفِصَالِ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الْآيَةَ فَاعْتُبِرَ التَّرَاضِي وَالتَّشَاوُرُ فِي الْفَصْلَيْنِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِرْضَاعِ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣] قِيلَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ إذَا أَبَتْ الْأُمَّهَاتُ، وَلِأَنَّ اللَّبَنَ كَمَا يُغَذِّي الصَّبِيَّ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ يُغَذِّيهِ بَعْدَهُ وَالْفِطَامُ لَا يَحْصُلُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ لَكِنْ يُفْطَمُ دَرَجَةً فَدَرَجَةً حَتَّى يَنْسَى اللَّبَنَ وَيَتَعَوَّدَ الطَّعَامَ، فَلَا بُدَّ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَى الْحَوْلَيْنِ بِمُدَّةٍ، وَإِذَا وَجَبَتْ الزِّيَادَةُ قَدَّرْنَا تِلْكَ الزِّيَادَةَ بِأَدْنَى مُدَّةِ الْحَبَلِ، وَذَلِكَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ اعْتِبَارًا لِلِانْتِهَاءِ بِالِابْتِدَاءِ، وَبِهَذَا يَحْتَجُّ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
стр. 1049
أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: لَمَّا وَجَبَ اعْتِبَارُ بَعْضِ الْحَوْلِ وَجَبَ اعْتِبَارُ كُلِّهِ، وَتُقَدَّرُ مُدَّةُ الْفِطَامِ بِحَوْلٍ؛ لِأَنَّهُ حَسَنٌ لِلِاخْتِبَارِ وَالتَّحَوُّلِ بِهِ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ.
(قَالَ:) فَإِنْ فُطِمَ الصَّبِيُّ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ ثُمَّ أُرْضِعَ فِي مُدَّةِ ثَلَاثِينَ شَهْرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ فِي مُدَّةِ الْحَوْلَيْنِ عِنْدَهُمَا فَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ لِوُجُودِ الْإِرْضَاعِ فِي الْمُدَّةِ، فَصَارَ الْفِطَامُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: هَذَا إذَا لَمْ يَتَعَوَّدْ الصَّبِيُّ الطَّعَامَ حَتَّى لَا يَكْتَفِي بِهِ بَعْدَ هَذَا الْفِطَامِ، فَأَمَّا إذَا صَارَ بِحَيْثُ يَكْتَفِي بِالطَّعَامِ لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ بِرَضَاعِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَا صَارَ بِحَيْثُ يَكْتَفِي بِالطَّعَامِ فَاللَّبَنُ بَعْدَهُ لَا يُغَذِّيهِ، فَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَعْنَى الْبَعْضِيَّةِ، بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: وَكَانَ قَبْلَ الطَّعَامِ أَيْ قَبْلَ أَنْ يَكْتَفِيَ بِالطَّعَامِ.
(قَالَ:) وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ أُمَّ ابْنِهِ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ فَكَذَلِكَ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَهَا، وَهَذَا مِنْ النَّسَبِ لَا يَحِلُّ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَ ابْنِهِ لَا لِأَجْلِ النَّسَبِ، وَلَكِنْ لِأَنَّهَا رَبِيبَتُهُ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ أُمَّهَا، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الرَّضَاعِ فَلِهَذَا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَكَذَلِكَ يَتَزَوَّجُ أُخْتَ أُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعِ وَمِثْلُهُ مِنْ النَّسَبِ يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَزَوَّجَ أُخْتَ أُخْتِهِ مِنْ النَّسَبِ يَحِلُّ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ لَهُ أَخٌ لِأَبٍ وَأُخْتٌ لِأُمٍّ فَلِأَخِيهِ لِأَبِيهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهُ لِأُمِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَسَبَ بَيْنَهُمَا مُوجِبٌ لِلْحُرْمَةِ فَكَذَلِكَ فِي الرَّضَاعِ، وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَةَ عَمِّهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ ابْنَةَ عَمَّتِهِ أَوْ ابْنَةَ خَالِهِ أَوْ ابْنَةَ خَالَتِهِ كَمَا لَا بَأْسَ بِهِ مِنْ النَّسَبِ، وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ الَّتِي أَرْضَعَتْ أَخَاهُ أَوْ مَا بَدَا لَهُ مِنْ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا رَضَاعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ.
(قَالَ:) وَلَا يَجْمَعُ الرَّجُلُ بَيْنَ أُخْتَيْنِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَابْنَةِ أُخْتِهَا أَوْ ابْنَةِ أَخِيهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ امْرَأَةٍ ذَاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ لِلْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي النَّسَبِ أَنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ لَوْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا ذَكَرًا، وَالْأُخْرَى أُنْثَى لَمْ يَجُزْ لِلذَّكَرِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأُنْثَى، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِالْقِيَاسِ عَلَى حُرْمَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَكَذَلِكَ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ حُرْمَةَ هَذَا الْجَمْعِ لَيْسَ لِقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الرَّضِيعَتَيْنِ رَحِمٌ، وَحُرْمَةُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ثَابِتَةٌ.
(قَالَ:) وَإِذَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ الرَّجُلِ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ وَأَرْضَعَتْ بِلَبَنِ الْأَوَّلِ وَلَدًا وَهِيَ تَحْتَ الزَّوْجِ الثَّانِي فَالرَّضَاعُ مِنْ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ مَنْ كَانَ نُزُولُ اللَّبَنِ مِنْهُ لَا مَنْ هِيَ تَحْتَهُ، وَنُزُولُ هَذَا اللَّبَنِ كَانَ مِنْ الْأَوَّلِ.
(قَالَ:) وَلَا يَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الرَّضَاعِ أَجْنَبِيَّةً كَانَتْ أَوْ أُمَّ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، وَلَا
стр. 1050
يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهَا، وَيَسَعُهُ الْمُقَامُ مَعَهَا حَتَّى يَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ عُدُولٌ، وَهَذَا عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَثْبُتُ الرَّضَاعُ بِشَهَادَةِ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ أَنَّ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ يُعْتَبَرُ فِيهِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ لِتَقُومَ كُلُّ امْرَأَتَيْنِ مَقَامَ رَجُلٍ، وَزَعَمَ أَنَّ الرَّضَاعَ مِمَّا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِالثَّدْيِ، وَلَا تَحِلُّ مُطَالَعَتُهُ لِلْأَجَانِبِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ الرَّضَاعُ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ؛ لِأَنَّ ذَا الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ يَنْظُرُ إلَى الثَّدْيِ وَهُوَ مَقْبُولُ الشَّهَادَةِ فِي ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْحُرْمَةَ كَمَا تَحْصُلُ بِالْإِرْضَاعِ مِنْ الثَّدْيِ تَحْصُلُ بِالْإِيجَارِ مِنْ الْقَارُورَةِ، وَذَلِكَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ، وَكَانَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: تَثْبُتُ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ إذَا كَانَتْ عَدْلًا، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - «أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةَ أَبِي هَانِئٍ فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ وَأَخْبَرَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ ذَكَرَ ثَانِيًا فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ ثَالِثًا فَقَالَ فَارِقْهَا إذَنْ، فَقَالَ: إنَّهَا سَوْدَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ» وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: لَا يُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَيْنِ وَلِأَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْحُرْمَةِ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ كَالْحُرْمَةِ بِالطَّلَاقِ، وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - دَلِيلُنَا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَعْرَضَ عَنْهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ» فَلَوْ كَانَتْ الْحُرْمَةُ ثَابِتَةً لَمَا فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمَّا رَأَى مِنْهُ طُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ إلَى قَوْلِهَا حَيْثُ كَرَّرَ السُّؤَالَ أَمَرَهُ أَنْ يُفَارِقَهَا احْتِيَاطًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ تِلْكَ الشَّهَادَةَ كَانَتْ عَنْ ضِغْنٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: «جَاءَتْ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ تَسْتَطْعِمُنَا فَأَبِينَا أَنْ نُطْعِمَهَا فَجَاءَتْ تَشْهَدُ عَلَى الرَّضَاعِ» وَبِالْإِجْمَاعِ بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ احْتِيَاطًا عَلَى وَجْهِ التَّنَزُّهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ ﷺ فِي قَوْلِهِ: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ» وَعِنْدَنَا إذَا وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنَّهَا صَادِقَةٌ فَالْأَحْوَطُ أَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْهَا وَيَأْخُذَ بِالثِّقَةِ، سَوَاءٌ أَخْبَرَتْ بِذَلِكَ قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ، وَسَوَاءٌ شَهِدَ بِهِ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ، فَأَمَّا الْقَاضِي لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا مَا لَمْ يَشْهَدْ بِهِ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا كَانَ ثِقَةً حَجَّةٌ فِي أُمُورِ الدِّينِ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الْحُكْمِ وَالْقَاضِي لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِالْحُجَّةِ الْحُكْمِيَّةِ، فَأَمَّا إذَا قَامَتْ عِنْدَهُ حُجَّةٌ دِينِيَّةٌ يُفْتِي لَهُ بِأَنْ يَأْخُذَ بِالِاحْتِيَاطِ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَرَكَ نِكَاحَ امْرَأَةٍ تَحِلُّ لَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً لَا تَحِلُّ لَهُ.
(قَالَ:) وَإِذَا نَزَلَ لِلْمَرْأَةِ لَبَنٌ وَهِيَ بِكْرٌ لَمْ تَتَزَوَّجْ فَأَرْضَعَتْ
стр. 1051
شَخْصًا صَغِيرًا فَهُوَ رَضَاعٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ حُصُولُ شُبْهَةِ الْجُزْئِيَّةِ بَيْنَهُمَا وَاَلَّذِي نَزَلَ لَهَا مِنْ اللَّبَنِ جُزْءٌ مِنْهَا سَوَاءٌ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ أَوْ لَمْ تَكُنْ، وَلَبَنُهَا يُغَذِّي الرَّضِيعَ فَتَثْبُتُ بِهِ شُبْهَةُ الْجُزْئِيَّةِ.
(قَالَ:) وَإِذَا حُلِبَ اللَّبَنُ مِنْ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ ثُمَّ مَاتَتْ فَشَرِبَهُ صَبِيٌّ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ لِحُصُولِ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْحُرْمَةِ بِهَذَا اللَّبَنِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِفِعْلِهَا فِي الْإِرْضَاعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ نَائِمَةً فَارْتَضَعَ مِنْ ثَدْيِهَا الصَّبِيُّ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ، وَكَذَلِكَ الْإِيجَارُ لَوْ حَصَلَ فِي حَيَاتِهَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهَا.
(قَالَ:) وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَبَ اللَّبَنَ مِنْ ثَدْيِهَا بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَوْجَرَ الصَّبِيَّ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَثْبُتُ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ اللَّبَنَ لَا يَمُوتُ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُحْلَبُ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ مِنْ الْحَيَوَانِ فَيَكُونُ طَاهِرًا وَمَا فِيهِ الْحَيَاةُ إذَا بَانَ مِنْ الْحَيِّ يَكُونُ مَيِّتًا، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي اللَّبَنِ حَيَاةٌ لَا يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ بَلْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَبْقَى طَاهِرًا وَعِنْدَهُمَا يَتَنَجَّسُ بِنَجَاسَةِ الْوِعَاءِ كَمَا فِي إنْفَحَةِ الْمَيْتَةِ، فَكَأَنَّهُ حَلَبَ لَبَنَ امْرَأَةٍ فِي قَارُورَةٍ نَجِسَةٍ فَأَوْجَرَ الصَّبِيَّ بِهِ فَيَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اللَّبَنُ يَمُوتُ فَيَكُونُ نَجِسَ الْعَيْنِ، وَثُبُوتُ حُرْمَةِ الرَّضَاعِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْكَرَامَةِ، فَلَا تَثْبُتُ بِمَا هُوَ نَجِسُ الْعَيْنِ، وَالْأَصْلُ الثَّانِي أَنَّ عِنْدَهُ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ حَرَامٌ بِعَيْنِهِ وَهُوَ الزِّنَا لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ فَكَذَلِكَ إيجَارُ لَبَنِ الْمَيِّتَةِ حَرَامُ، فَلَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ، ثُمَّ قَاسَ لَبَنَ الْمَيِّتَةِ بِوَطْءِ الْمَيِّتَةِ، وَلَكِنْ عِنْدَنَا، وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ حَرَامًا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ إذَا تَحَقَّقَ فِيهِ الْمَعْنَى الْمُوجِبُ لِلْحُرْمَةِ، وَلِهَذَا أَثْبَتْنَا الْحُرْمَةَ بِالزِّنَا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْبَعْضِيَّةِ لَا يَنْعَدِمُ بِهِ حَقِيقَةً فَكَذَا هُنَا ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ اللَّبَنَ يُغَذِّي الصَّبِيَّ فَيَتَقَوَّى بِهِ، وَلَوْ سَلَّمْنَا لَهُ حُرْمَةَ اللَّبَنِ بِالْمَوْتِ فَبِالْحُرْمَةِ لَا يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُغَذِّيًا.
أَلَا تَرَى أَنَّ لَحْمَ الْمَيْتَةِ مُغَذٍّ فَكَذَلِكَ لَبَنُهَا وَبِهِ فَارَقَ وَطْءَ الْمَيِّتَةِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْبَعْضِيَّةِ يَنْعَدِمُ مِنْهُ أَصْلًا وَهُوَ مَعْنَى مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ: الْجِمَاعُ بَعْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ بِجِمَاعٍ، وَإِيجَارُ لَبَنِ الْمَيِّتَةِ رَضَاعٌ، وَشَبَّهَ اللَّبَنَ بِالْبَيْضَةِ، فَإِنَّ بِالْمَوْتِ لَا تَخْرُجُ الْبَيْضَةُ أَنْ تَكُونَ مُغَذِّيَةً فَكَذَا اللَّبَنُ.
(قَالَ:) وَلَوْ أُرْضِعَ الصَّبِيَّانِ مِنْ بَهِيمَةٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَضَاعًا، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ طَعَامٍ أَكَلَاهُ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ صَاحِبُ الْأَخْبَارِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ، يَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةُ الرَّضَاعِ، فَإِنَّهُ دَخَلَ بُخَارَى فِي زَمَنِ الشَّيْخِ الْإِمَامِ أَبِي حَفْصٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَجَعَلَ يُفْتِي فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَفْعَلْ فَلَسْتَ هُنَالِكَ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ نُصْحَهُ حَتَّى اُسْتُفْتِيَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، إذَا أُرْضِعَ صَبِيَّانِ بِلَبَنِ شَاةٍ
стр. 1052
فَأَفْتَى بِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ، فَاجْتَمَعُوا وَأَخْرَجُوهُ مِنْ بُخَارَى بِسَبَبِ هَذِهِ الْفَتْوَى، وَهَذَا لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ بِسَبَبِ الْكَرَامَةِ، وَذَلِكَ يَخْتَصُّ بِلَبَنِ الْآدَمِيَّةِ دُونَ لَبَنِ الْأَنْعَامِ، وَشُبْهَةُ الْجُزْئِيَّةِ لَا يَثْبُتُ بَيْنَ الْآدَمِيِّ وَالْأَنْعَامِ بِشُرْبِ لَبَنِهَا فَكَذَلِكَ لَا تَثْبُتُ بَيْنَ الْآدَمِيِّينَ بِشُرْبِ لَبَنِ بَهِيمَةٍ، وَهَذَا قِيَاسُ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ الَّتِي تَثْبُتُ بِالْوَطْءِ، وَلَا تَثْبُتُ بِوَطْءِ الْبَهَائِمِ فَكَذَلِكَ هُنَا.
(قَالَ:) وَلَوْ صُنِعَ لَبَنُ امْرَأَةٍ فِي طَعَامٍ فَأَكَلَهُ الصَّبِيُّ، فَإِنْ كَانَتْ النَّارُ قَدْ مَسَّتْ اللَّبَنَ وَأَنْضَجَتْ الطَّعَامَ حَتَّى تَغَيَّرَ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِرَضَاعٍ، وَلَا يُحَرِّمْ؛ لِأَنَّ النَّارَ غَيَّرَتْهُ فَانْعَدَمَ بِهَا مَعْنَى التَّغَذِّي بِاللَّبَنِ، وَإِنْبَاتُ اللَّحْمِ، وَإِنْشَازُ الْعَظْمِ، وَإِنْ كَانَتْ النَّارُ لَمْ تَمَسَّهُ، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ هُوَ الْغَالِبُ لَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَغْلُوبَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكِ، وَلِأَنَّ هَذَا أَكْلٌ وَالْمُوجِبُ لِلْحُرْمَةِ شُرْبُ اللَّبَنِ دُونَ الْأَكْلِ، وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ هُوَ الْغَالِبِ فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ، وَالْغَالِبُ هُوَ اللَّبَنُ وَلَمْ يُغَيِّرْهُ شَيْءٌ عَنْ حَالِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إلْقَاءُ الطَّعَامِ فِي اللَّبَنِ يُغَيِّرُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَرِقُّ بِهِ وَرُبَّمَا يَتَغَيَّرُ بِهِ لَوْنُهُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ غَيَّرَتْهُ النَّارُ، وَقِيلَ هَذَا إذَا كَانَ لَا يَتَقَاطَرُ اللَّبَنُ مِنْ الطَّعَامِ عِنْدَ حَمْلِ اللُّقْمَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ يَتَقَاطَرُ مِنْهُ اللَّبَنُ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْقَطْرَةَ مِنْ اللَّبَنِ إذَا دَخَلَتْ حَلْقَ الصَّبِيِّ كَانَتْ كَافِيَةً لِإِثْبَاتِ الْحُرْمَةِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تَثْبُتُ عَلَى كُلِّ حَالٍ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ التَّغَذِّيَ كَانَ بِالطَّعَامِ دُونَ اللَّبَنِ.
(قَالَ:) وَإِذَا جَعَلَ لَبَنَ امْرَأَةٍ فِي دَوَاءٍ فَأَوْجَرَ مِنْهُ صَبِيًّا أَوْ أَسُعِطَ مِنْهُ وَاللَّبَنُ غَالِبٌ، فَهَذَا رَضَاعٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُجْعَلُ فِي الدَّوَاءِ لِيَصِلَ بِقُوَّةِ الدَّوَاءِ إلَى مَا لَا يَصِلُ إلَيْهِ وَحْدَهُ فَكَانَ هَذَا أَبْلَغَ فِي حُصُولِ مَعْنَى التَّغَذِّي بِهِ فَلِهَذَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ.
(قَالَ:) وَإِنْ جَعَلَ اللَّبَنَ فِي مَاءٍ فَشَرِبَهُ الصَّبِيُّ، فَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ هُوَ الْغَالِبُ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ غَالِبًا لَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ، وَكَذَلِكَ إنْ خَلَطَ لَبَنَ الْآدَمِيَّةِ بِلَبَنِ الْأَنْعَامِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَدْرُ مَا يَحْصُلُ بِهِ خَمْسُ رَضَعَاتٍ مِنْ اللَّبَنِ، إذَا جُعِلَ فِي جُبٍّ مِنْ الْمَاءِ فَشَرِبَهُ الصَّبِيُّ تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ
فَأَمَّا إذَا خَلَطَ لَبَنَ امْرَأَةٍ بِلَبَنِ امْرَأَةٍ أُخْرَى ثُمَّ أَوْجَرَ مِنْهُ صَبِيًّا فَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ مِنْهُمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَكْثُرُ بِجِنْسِهِ، وَلَا يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا بِهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يَكُونُ لَبَنُهَا غَالِبًا؛ لِأَنَّ الْمَغْلُوبَ لَا يَظْهَرُ حُكْمُهُ فِي مُقَابَلَةِ الْغَالِبِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِ رِوَايَتَانِ فِي إحْدَاهُمَا اعْتَبَرَ الْأَغْلَبَ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي الْأُخْرَى قَالَ:
стр. 1053
تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ مِنْهُمَا وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ هَذِهِ الْبَقَرَةِ فَخَلَطَ لَبَنَهَا بِلَبَنِ بَقَرَةٍ أُخْرَى فَشَرِبَهُ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ.
(قَالَ:) الرَّضَاعُ بِمَنْزِلَةِ النَّسَبِ وَالْوَطْءِ فِي إثْبَاتِ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُوجَدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
(قَالَ:) وَإِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ أَوْ لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ أَوْ نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا بِشَهْوَةٍ لَمْ تَحِلَّ لِابْنِهِ، وَلَا لِأَبِيهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ أُمُّهَا، وَلَا ابْنَتُهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ كَمَا لَا تَحِلُّ لِابْنِهِ وَأَبِيهِ نَسَبًا، فَإِنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ تَعَلَّقَتْ بِأَسَامٍ تَثْبُتُ تِلْكَ الْأَسَامِي بِالرَّضَاعَةِ وَهِيَ الْأُبُوَّةُ وَالْأُمُومَةُ، وَكَذَلِكَ لَا يَتَزَوَّجُ عَلَى الْمُعْتَدَّةِ مِنْهُ أُخْتَهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَلَا ذَاتَ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْجَمْعِ مُتَعَلِّقَةٌ بِاسْمِ الْأُخْتِيَّةِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِالرَّضَاعِ كَمَا يَتَحَقَّقُ بِالنَّسَبِ، وَالْعِدَّةُ تَعْمَلُ عَمَلَ صُلْبِ النِّكَاحِ فِي الْمَنْعِ مِنْ النِّكَاحِ.
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الصَّبِيَّةَ فَأَرْضَعَتْهَا أُمُّهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ أَوْ أُمُّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ أَوْ أُخْتُهُ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ امْرَأَةُ ابْنِهِ بِلَبَنِ ابْنِهِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَحْرَمِيَّةَ تَمْنَعُ النِّكَاحَ بِعِلَّةِ الْمُنَافَاةِ، فَإِنَّ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِي الْمَحَلِّ مُنَافَاةً وَالْمُنَافِي كَمَا يُؤَثِّرُ إذَا اقْتَرَنَ بِالنَّسَبِ يُنَافِي الْبَقَاءَ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ، فَإِذَا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ لَزِمَهُ بِذَلِكَ نِصْفُ الْمَهْرِ لَهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ قَبْلَ الدُّخُولِ حَصَلَتْ لَا بِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهَا أَوْ حَصَلَتْ بِمَعْنًى مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ وَهِيَ الْمَحْرَمِيَّةُ، فَيَجِبُ نِصْفُ الصَّدَاقِ لَهَا وَيَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الَّتِي أَرْضَعَتْهَا إنْ كَانَتْ أَرَادَتْ الْفَسَادَ أَوْ عَمَدَتْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ أَخْطَأَتْ أَوْ أَرَادَتْ الْخَيْرَ بِأَنْ خَافَتْ عَلَى الرَّضِيعِ الْهَلَاكَ مِنْ الْجُوعِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَيْهَا، وَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُهَا إنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا تَعَمُّدُ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ فِي بَاطِنِهَا لَا يَقِفُ عَلَيْهِ غَيْرُهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهَا فِيهِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ الْجَوَابُ فِي نِيَّتِهَا إذَا أَرَادَتْ الْفَسَادَ أَوْ لَمْ تُرِدْ؛ لِأَنَّهَا مُسَبِّبَةٌ لِهَذِهِ الْفُرْقَةِ لَا مُبَاشِرَةٌ، فَإِنَّهَا مُبَاشِرَةٌ لِلْإِرْضَاعِ وَهُوَ لَيْسَ بِسَبَبٍ مَوْضُوعٍ لِلْفُرْقَةِ، وَالْمُسَبِّبُ إذَا كَانَ مُتَعَدِّيًا فِي تَسَبُّبِهِ يَكُونُ ضَامِنًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا لَا يَضْمَنُ كَحَافِرِ الْبِئْرِ فِي مِلْكِ نَفْسِهِ لَا يَضْمَنُ مَا يَسْقُطُ فِيهِ، بِخِلَافِ الْحَافِرِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، فَإِذَا أَرَادَتْ الْفَسَادَ كَانَتْ مُتَعَدِّيَةً فِي السَّبَبِ وَإِذَا لَمْ تُرِدْ الْفَسَادَ لَمْ تَكُنْ مُتَعَدِّيَةً فِي السَّبَبِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الصَّدَاقِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْمُتَسَبِّبَ كَالْمُبَاشِرِ، وَلِهَذَا جَعَلَ فَتْحَ بَابِ الْقَفَصِ وَالْإِصْطَبْلِ وَحَلَّ قَيْدِ الْآبِقِ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ، وَفِي الْمُبَاشَرَةِ الْمُتَعَدِّي وَغَيْرُ الْمُتَعَدِّي سَوَاءٌ فَكَذَلِكَ فِي التَّسَبُّبِ عَلَى قَوْلِهِ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَرْجِعُ بِمَهْرِ مِثْلِ الْمَنْكُوحَةِ؛ لِأَنَّهَا أَتْلَفَتْ مِلْكَ نِكَاحِهِ فِيهَا، وَمِلْكُ
стр. 1054
النِّكَاحِ عِنْدَهُ مَضْمُونٌ بِالْإِتْلَافِ حَتَّى قَالَ فِي شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ إذَا رَجَعَا ضَمِنَا مَهْرَ الْمِثْلِ، وَهَذَا لِأَنَّ مِلْكَ الْبُضْعِ يَتَقَوَّمُ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ خُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: إنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكِ عَيْنٍ، وَلَا مَنْفَعَةٍ إنَّمَا هُوَ مِلْكٌ ضَرُورِيٌّ لَا يَظْهَرُ إلَّا فِي حَقِّ الِاسْتِيفَاءِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ النَّقْلِ إلَى الْغَيْرِ وَالِانْتِقَالِ إلَى الْوَرَثَةِ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ التَّقَوُّمِ بِالْمَالِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فِي نَفْسِهِ، فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا بِالْمَالِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْإِتْلَافِ مُقَدَّرٌ بِالْمِثْلِ بِالنَّصِّ، وَتَقَوُّمُ الْبُضْعِ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّهُ تَمَلُّكٌ لِلْبُضْعِ وَهُوَ مُحْتَرَمٌ، فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِعِوَضٍ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ لَا تُوجَدُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ إبْطَالٌ لِلْمِلْكِ لَا تَمْلِيكٌ مِنْهَا، وَإِبْطَالُ الْمِلْكِ لَا يَسْتَدْعِي التَّقَوُّمَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْفَرْقِ أَنَّ الْأَبَ يُزَوِّجُ ابْنَهُ الصَّغِيرَ بِمَالِ الصَّغِيرِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْلَعَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ بِمَالِهَا، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مِلْكِهِ لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَيْهَا بِإِتْلَافِ الْبُضْعِ، وَلَكِنَّهَا قَرَّرَتْ عَلَيْهِ مَا كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ، فَإِنَّ الصَّدَاقَ وَإِنْ وَجَبَ بِالْعَقْدِ فَهُوَ بِعَرْضِ السُّقُوطِ مَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا إذَا جَاءَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهَا فَهِيَ قَرَّرَتْ النِّصْفَ عَلَيْهِ بِمَا فَعَلَتْهُ وَهِيَ مُتَسَبِّبَةٌ فِي ذَلِكَ مُتَعَدِّيَةٌ إذَا تَعَمَّدَتْ الْفَسَادَ فَلِهَذَا رَجَعَ عَلَيْهَا بِذَلِكَ.
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الصَّبِيَّةَ ثُمَّ تَزَوَّجَ عَمَّتَهَا فَنِكَاحُ الْعَمَّةِ بَاطِلٌ لِلنَّهْيِ، فَإِنْ أَرْضَعَتْ أُمُّ الْعَمَّةِ الصَّبِيَّةَ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّةَ وَإِنْ صَارَتْ أُخْتًا لِلْعَمَّةِ بِالرَّضَاعَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُ الْعَمَّةِ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْجَمْعُ الْحَرَامُ فَلِهَذَا بَقِيَ نِكَاحُ الصَّبِيَّةِ.
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَ صَبِيَّتَيْنِ رَضِيعَتَيْنِ فَأَرْضَعَتْهُمَا امْرَأَةٌ مَعًا أَوْ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى بَانَتَا جَمِيعًا لِأَنَّهُمَا صَارَتَا أُخْتَيْنِ حِينَ أَرْضَعَتْ الثَّانِيَةَ مِنْهُمَا فَتَقَرَّرَ الْجَمْعُ الْمُنَافِي، وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِبُطْلَانِ نِكَاحِهَا بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، فَإِذَا بَانَتَا فَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الصَّدَاقِ يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الْمُرْضِعَةِ إنْ تَعَمَّدَتْ الْفَسَادَ لِمَا قُلْنَا، وَلَوْ كُنَّ ثَلَاثًا فَأَرْضَعَتْهُنَّ مَعًا بِأَنْ حَلَبَتْ لَبَنَهَا فِي قَارُورَةٍ وَأَلْقَمَتْ إحْدَى ثَدْيَيْهَا إحْدَاهُنَّ وَالْأُخْرَى لِلْأُخْرَى، وَأَوْجَرَتْ الثَّلَاثَةَ مَعًا بِنَّ جَمِيعًا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُنَّ صِرْنَ أَخَوَاتٍ مَعًا، وَإِنْ أَرْضَعَتْهُنَّ وَاحِدَةً بَعْدَ الْأُخْرَى بَانَتْ الْأُولَيَانِ وَالثَّالِثَةُ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّهَا حِينَ أَرْضَعَتْ الثَّانِيَةَ فَقَدْ تَحَقَّقَتْ الْأُخْتِيَّةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأُولَى فَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا، ثُمَّ أَرْضَعَتْ الثَّالِثَةَ، وَلَيْسَ فِي نِكَاحِهِ غَيْرُهَا فَفِي نِكَاحِهَا، وَإِنْ كُنَّ أَرْبَعًا فَأَرْضَعَتْهُنَّ مَعًا أَوْ وَاحِدَةً ثُمَّ الثَّلَاثَ مَعًا بِنَّ جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ إنْ أَرْضَعَتْهُنَّ جَمِيعًا وَاحِدَةً بَعْدَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَرْضَعَتْ الثَّانِيَةَ بَانَتْ الْأُولَيَانِ لِلْأُخْتِيَّةِ وَحِينَ أَرْضَعَتْ الثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ بَانَتْ الْأُخْرَيَانِ أَيْضًا
стр. 1055
لِلْأُخْتِيَّةِ، وَإِنْ أَرْضَعَتْ الثَّلَاثَ أَوَّلًا مَعًا ثُمَّ الرَّابِعَةَ بَانَتْ الثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ دُونَ الرَّابِعَةِ؛ لِأَنَّهَا حِينَ أَرْضَعَتْهَا فَلَيْسَ فِي نِكَاحِهِ غَيْرُهَا.
(قَالَ:) وَإِنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَصَبِيَّتَيْنِ فَأَرْضَعَتْهُمَا الْمَرْأَةُ إحْدَاهُمَا قَبْلَ الْأُخْرَى وَلَمْ يَدْخُلْ بِالْمَرْأَةِ حُرِّمَتْ الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيَّةُ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا حِينَ أَرْضَعَتْ إحْدَاهُمَا فَقَدْ صَارَتَا أُمًّا وَابْنَةً فَتَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا ثُمَّ أَرْضَعَتْ الثَّانِيَةَ، وَلَيْسَ فِي نِكَاحِهِ غَيْرُهَا فَبَقِيَ نِكَاحُهَا؛ لِأَنَّ السَّابِقَ مُجَرَّدُ الْعَقْدِ عَلَى الْأُمِّ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْبِنْتِ ثُمَّ لَا مَهْرَ لِلْكَبِيرَةِ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَلِلصَّغِيرَةِ نِصْفُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَيْسَتْ مِنْ قِبَلِهَا إنَّمَا كَانَتْ مِنْ جِهَةِ الْكَبِيرَةِ حِينَ أَرْضَعَتْهَا، فَإِنَّ اللَّبَنَ يَصِلُ إلَى جَوْفِهَا مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ مِنْهَا فِي الِارْتِضَاعِ، وَيَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الْكَبِيرَةِ إنْ كَانَتْ تَعَمَّدَتْ الْفَسَادَ لِمَا قُلْنَا، وَلَا تَحِلُّ لَهُ هَذِهِ الْكَبِيرَةُ أَبَدًا؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْدِ عَلَى الْبِنْتِ يُوجِبُ حُرْمَةَ الْأُمِّ، وَأَمَّا الصَّبِيَّةُ فَإِنَّهَا تَحِلُّ لَهُ إذَا فَارَقَتْهُ الَّتِي عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْأُمِّ لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْبِنْتِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مَا دَخَلَ بِالْكَبِيرَةِ حُرِّمْنَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا ابْنَتَهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَالدُّخُولُ بِالْأُمِّ يُحَرِّمُ الْبِنْتَ ثُمَّ لِلْكَبِيرَةِ مَهْرُهَا وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الصَّغِيرَتَيْنِ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَبَدًا لِوُجُودِ الدُّخُولِ بِالْأُمِّ وَصِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَى الْبِنْتِ.
(قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَ كَبِيرَتَيْنِ وَصَغِيرَتَيْنِ فَأَرْضَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْكَبِيرَتَيْنِ صَغِيرَةً وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ؛ لِأَنَّ كُلَّ صَغِيرَةٍ صَارَتْ بِنْتًا لِمَنْ أَرْضَعَتْهَا، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ فِي النِّكَاحِ حَرَامٌ، فَإِنْ كَانَتْ أَرْضَعَتْ إحْدَى الْكَبِيرَتَيْنِ الصَّغِيرَتَيْنِ ثُمَّ أَرْضَعَتْ الْكَبِيرَةُ الْأُخْرَى الصَّغِيرَتَيْنِ، وَذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِالْكَبِيرَتَيْنِ، فَأَمَّا الْكَبِيرَةُ الْأُولَى مَعَ الصَّغِيرَةِ الْأُولَى فَقَدْ بَانَتَا لِمَا قُلْنَا، وَالصَّغِيرَةُ الثَّانِيَةُ لَمْ تَبِنْ مِنْهُ بِإِرْضَاعِ الْكَبِيرَةِ الْأُولَى، فَأَمَّا بِإِرْضَاعِ الْكَبِيرَةِ الثَّانِيَةَ، فَإِنْ بَدَأَتْ بِإِرْضَاعِهَا بَانَتْ مِنْهُ، وَإِنْ بَدَأَتْ بِإِرْضَاعِ الْأُولَى فَالصَّغِيرَةُ الثَّانِيَةُ امْرَأَتُهُ لِأَنَّهَا حِينَ أَرْضَعَتْ الْأُولَى صَارَتْ أُمًّا لَهَا وَفَسَدَ نِكَاحُهَا لِصِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَى الصَّغِيرَةِ الْأُولَى فِيمَا سَبَقَ ثُمَّ أَرْضَعَتْ الثَّانِيَةَ، وَلَيْسَ فِي نِكَاحِهِ غَيْرُهَا فَلِهَذَا لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا.
(قَالَ:) وَإِذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ أُخْتُهُ أَوْ أُمُّهُ أَوْ ابْنَتُهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ ثُمَّ أَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَقَالَ: أَوْهَمْتُ أَوْ أَخْطَأْتُ أَوْ نَسِيتُ وَصَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فَهُمَا مُصَدَّقَانِ عَلَى ذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَإِنْ ثَبَتَ عَلَى قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ: هُوَ حَقٌّ كَمَا قُلْتُ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَفِي الْقِيَاسِ الْجَوَابُ فِي الْفَصْلَيْنِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَالْمُقَرُّ بِهِ يُجْعَلُ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ كَالثَّابِتِ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْمُعَايَنَةِ، وَالرُّجُوعُ عَنْ الْإِقْرَارِ
следующие страницы →