← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 5423

المبسوط للسرخسي

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (6 278 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وَالْأَبُ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ قَاصِدٌ إلَى الْإِضْرَارِ وَالتَّعَنُّتِ حِينَ رَضِيَ بِدَفْعِ مِقْدَارٍ إلَى الظِّئْرِ وَلَا رَضِيَ بِدَفْعِ مِثْلِ ذَلِكَ إلَى الْأُمِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقَعَ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ فَلَا أَجْرَ لَهَا عَلَى الرَّضَاعِ، وَإِنْ أَبَتْ أَنْ تَرْضِعَ لَمْ تُكْرَهْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهَا بِالنِّكَاحِ تَسْلِيمُ النَّفْسِ إلَى الزَّوْجِ لِلِاسْتِمْتَاعِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَالِ تُؤْمَرُ بِهِ تَدَيُّنًا وَلَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ نَحْوِ كَنْسِ الْبَيْتِ وَغَسْلِ الثِّيَابِ وَالطَّبْخِ وَالْخَبْزِ فَكَذَلِكَ إرْضَاعُ الْوَلَدِ (قَالَ:) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّبِيِّ أَبٌ وَكَانَ لَهُ أُمٌّ وَعَمٌّ فَالرَّضَاعُ عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمَا إنْ كَانَا مُوسِرِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَقَدْ اُعْتُبِرَ صِفَةُ الْوِرَاثَةِ فِي حَقِّ غَيْرِ الْأَبِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى الْوَرَثَةِ بِحَسَبِ الْمِيرَاثِ وَلَكِنْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَعَلَى الْوَارِثِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنَّ قِرَاءَتَهُ لَا تَخْتَلِفُ عَنْ رِوَايَتِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ هَذَا إلَّا سَمَاعًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ فِي النَّفَقَةِ بَعْدَ الْفِطَامِ الْجَوَابُ هَكَذَا، وَكَذَلِكَ فِيمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ قَبْلَ الْفِطَامِ فَأَمَّا الرَّضَاعُ فَإِنَّهُ كُلُّهُ عَلَى الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا مُوسِرَةٌ بِاللَّبَنِ وَالْعَمُّ مُعْسِرٌ فِي ذَلِكَ وَلَكِنْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَالَ: قُدْرَةُ الْعَمِّ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ بِمَالِهِ يَجْعَلُهُ مُوسِرًا فِيهِ فَلِهَذَا كَانَ عَلَيْهِمَا إثْلَاثًا وَالْأُمُّ أَحَقُّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا حَتَّى يَبْلُغَ مَا وَصَفْنَا، فَإِنْ كَانَ الْعَمُّ فَقِيرًا وَالْأُمُّ غَنِيَّةً فَالرَّضَاعُ وَالنَّفَقَةُ عَلَى الْأُمِّ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْعَمِّ مُسْتَحَقَّةٌ فِي مَالِهِ لَا فِي كَسْبِهِ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي نَفَقَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْمُعْسِرُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ النَّفَقَةِ بَلْ هُوَ كَالْمَعْدُومِ فَكَانَتْ النَّفَقَةُ عَلَى الْأُمِّ فَإِنْ كَانَ لَهُ أُمٌّ وَأَخٌ لِأَبٍ وَأُمٌّ وَعَمٌّ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ فَالرَّضَاعُ عَلَى الْأُمِّ وَالْأَخِ أَثْلَاثًا بِحَسَبِ الْمِيرَاثِ وَلَا شَيْءَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْعَمِّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَارِثٍ مَعَ الْأَخِ وَالْغُرْمُ مُقَابَلٌ بِالْغُنْمِ وَإِنَّمَا يُسْتَحَقُّ عَلَى مَنْ يَكُونُ الْغُنْمُ لَهُ إذَا مَاتَ الْوَلَدُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَعْدَ الْأَبِ النَّفَقَةُ عَلَى كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ إذَا كَانُوا أَغْنِيَاءَ عَلَى حَسَبِ الْمِيرَاثِ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ فَقِيرًا لَمْ يُجْبَرْ عَلَى النَّفَقَةِ فَإِنْ تَطَوَّعَ بِشَيْءٍ فَهُوَ أَفْضَلُ فَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ فَقِيرَةً وَلِلْوَلَدِ عَمَّةٌ وَخَالَةٌ غَنِيَّتَانِ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا أَثْلَاثًا عَلَى الْعَمَّةِ الثُّلُثَانِ وَعَلَى الْخَالَةِ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّ الْأُمَّ الْفَقِيرَةَ كَالْمَعْدُومَةِ وَبَعْدَهَا الْمِيرَاثُ بَيْنَ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ أَثْلَاثًا فَكَذَا النَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ لَهُ ابْنُ عَمٍّ هُوَ وَارِثُهُ فَإِنَّ ابْنَ الْعَمِّ لَيْسَ بِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ بَلْ يُجْعَلُ هُوَ فِي حَقِّ النَّفَقَةِ كَالْمَعْدُومِ وَتَكُونُ النَّفَقَةُ عَلَى الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ أَثْلَاثًا

стр. 1122

وَإِنْ كَانَ الْمِيرَاثُ لِابْنِ الْعَمِّ، وَكَذَلِكَ كُلُّ عَصَبَةٍ لَيْسَ بِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْمِيرَاثُ لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ عَصَبَةٌ فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ وَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ مَنْ لَيْسَ بِمُجَرَّدٍ مِنْ الْأَقَارِبِ (قَالَ:) وَيُؤْمَرُ الْمُوسِرُ وَالْوَسَطُ لِوَلَدِهِ إذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ بِخَادِمٍ، فَإِنْ لَمْ يَكْفِهِمْ فَخَادِمَانِ يَقُومَانِ عَلَيْهِمْ فِي خِدْمَتِهِمْ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ كِفَايَتِهِمْ فَتَكُونُ عَلَى الْأَبِ كَالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ إلَّا أَنَّ الْمُعْسِرَ عَاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ وَالتَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ فَأَمَّا الْمُوسِرُ وَوَسَطُ الْحَالِ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَيُؤْمَرُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا تَقَعُ بِهِ الْكِفَايَةُ. (قَالَ) فَإِنْ تَزَوَّجَتْ الْأُمُّ فَلِلْأَبِ أَنْ يَأْخُذَ الْوَلَدَ مِنْهَا لِقَوْلِهِ ﷺ «مَا لَمْ تَتَزَوَّجِي» فَإِنَّمَا جَعَلَ الْحَقَّ لَهَا إلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ وَحُكْمُ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهَا لَمَّا تَزَوَّجَتْ فَقَدْ اشْتَغَلَتْ بِخِدْمَةِ زَوْجِهَا فَلَا تَتَفَرَّغُ لِتَرْبِيَةِ الْوَلَدِ وَالْوَلَدُ فِي الْعَادَةِ يَلْحَقُهُ الْجَفَاءُ وَالْمَذَلَّةُ مِنْ زَوْجِ الْأُمِّ فَكَانَ لِلْأَبِ أَنْ لَا يَرْضَى بِذَلِكَ فَيَأْخُذَ الْوَلَدَ مِنْهَا. (قَالَ:) وَأُمُّ الْأُمِّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ بَعْدَهَا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحَضَانَةِ بِسَبَبِ الْأُمُومَةِ وَهِيَ أُمٌّ تُدْلِي بِأُمٍّ فَهِيَ أَوْلَى مِنْ أُمِّ الْأَبِ؛ لِأَنَّهَا تُدْلِي بِقَرَابَةِ الْأَبِ، وَقَرَابَةُ الْأُمِّ فِي الْحَضَانَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى قَرَابَةِ الْأَبِ. (قَالَ:) وَيَسْتَوِي إنْ كَانَتْ الْأُمُّ مُسْلِمَةً، أَوْ كِتَابِيَّةً أَوْ مَجُوسِيَّةً؛ لِأَنَّ حَقَّ الْحَضَانَةِ لَهَا لِلشَّفَقَةِ عَلَى الْوَلَدِ وَلَا يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ عَلَى مَا قِيلَ: كُلُّ شَيْءٍ يُحِبُّ وَلَدَهُ حَتَّى الْحُبَارَى. وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ يَقُولُ: إذَا كَانَتْ كَافِرَةً فَعَقَلَ الْوَلَدُ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهَا جَارِيَةً كَانَتْ، أَوْ غُلَامًا؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ بِإِسْلَامِ الْأَبِ وَإِنَّهَا تُعَلِّمُهَا الْكُفْرَ فَلَا تُؤْمَنُ مِنْ الْفِتْنَةِ إذَا تُرِكَتْ عِنْدَهَا فَلِهَذَا تُؤْخَذُ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ لِأُمِّ الْأُمِّ زَوْجٌ نَظَرْنَا، فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا جَدُّ الْوَلَدِ فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ؛ لِأَنَّ جَدَّ الْوَلَدِ يَكُونُ مُشْفِقًا عَلَيْهِ وَلَا يَلْحَقُهُ الْأَذَى وَالْجَفَاءُ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا فَلَا حَقَّ لَهَا فِي الْوَلَدِ كَالْأُمِّ إذَا تَزَوَّجَتْ أَجْنَبِيًّا. (قَالَ:) وَأُمُّ الْأَبِ بَعْدَهَا أَحَقُّ بِهِمْ عِنْدَنَا وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأُخْتُ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ، أَوْ مِنْ الْأُمِّ، أَوْ الْخَالَةُ أَحَقُّ مِنْ الْجَدَّةِ أَمِّ الْأَبِ؛ لِأَنَّهَا تُدْلِي بِقَرَابَةِ الْأَبِ، وَمَنْ سَمَّيْنَا بِقَرَابَةِ الْأُمِّ. وَاسْتِحْقَاقُ الْحَضَانَةِ بِاعْتِبَارِ قَرَابَةِ الْأُمِّ. وَلَكِنَّا نَقُولُ هَذِهِ أُمٌّ فِي نَفْسِهَا كَأُمِّ الْأُمِّ، وَالْأُمُّ مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا فِي الْحَضَانَةِ، ثُمَّ أَصْلُ الشَّفَقَةِ بِاعْتِبَارِ الْوِلَادِ وَذَلِكَ لِلْجَدَّاتِ دُونَ الْأَخَوَاتِ وَالْخَالَاتِ فَلِهَذَا كَانَتْ أُمُّ الْأَبِ أَحَقُّ، وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ، فَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا جَدُّ الْوَلَدِ، فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا أَجْنَبِيًّا، أَوْ كَانَتْ هِيَ مَيِّتَةً فَحَقُّ الْحَضَانَةِ إلَى الْأَخَوَاتِ وَالْأُخْتُ لِأَبٍ وَأُمٍّ أَوْلَى مِنْ الْأُخْتِ لِأُمٍّ. وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُمَا مُسْتَوِيَتَانِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ هَذَا الْحَقِّ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ وَهُمَا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ

стр. 1123

وَلَكِنَّا نَقُولُ قَرَابَةُ الْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ مِنْ جِهَتَيْنِ، وَالشَّفَقَةُ بِالْقَرَابَةِ، فَذُو الْقَرَابَتَيْنِ يَكُونُ أَشْفَقَ فَكَانَ بِالْحَضَانَةِ أَحَقَّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ التَّرْجِيحُ بِمَا لَا يَكُونُ عِلَّةَ الِاسْتِحْقَاقِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَخَ لِأَبٍ وَأُمٍّ مُقَدَّمٌ فِي الْعُصُوبَةِ عَلَى الْأَخِ لِأَبٍ بِسَبَبِ قَرَابَةِ الْأُمِّ، وَقَرَابَةُ الْأُمِّ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِاسْتِحْقَاقِ الْعُصُوبَةِ بِهَا ثُمَّ الْأُخْتُ لِأُمٍّ تُقَدَّمُ عَلَى الْأُخْتِ لِأَبٍ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْحَضَانَةِ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ وَهِيَ تُدْلِي بِقَرَابَةِ الْأُمِّ وَالْأُخْرَى إنَّمَا تُدْلِي بِقَرَابَةِ الْأَبِ، ثُمَّ بَعْدَ الْأُخْتِ لِأُمٍّ قَالَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ الْأُخْتُ لِأَبٍ أَوْلَى مِنْ الْخَالَةِ وَفِي كِتَابِ الطَّلَاقِ قَالَ: الْخَالَةُ أَوْلَى مِنْ الْأُخْتِ لِأَبٍ فَفِي رِوَايَةِ كِتَابِ النِّكَاحِ اعْتَبَرَ قُرْبَ الْقَرَابَةِ، وَالْأُخْتُ لِأَبٍ أَقْرَبُ؛ لِأَنَّهَا وَلَدُ الْأَبِ وَالْخَالَةُ وَلَدُ الْجَدِّ وَفِي كِتَابِ الطَّلَاقِ اعْتَبَرَ الْمُدْلِي بِهِ فَقَالَ: الْخَالَةُ تُدْلِي بِالْأُمِّ وَالْأُخْتُ لِأَبٍ تُدْلِي بِالْأَبِ وَالْأُمُّ فِي حَقِّ الْحَضَانَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأَبِ، فَكَذَلِكَ مَنْ يُدْلِي بِقَرَابَةِ الْأُمِّ يَكُونُ مُقَدَّمًا عَلَى مِنْ يُدْلِي بِقَرَابَةِ الْأَبِ، ثُمَّ بَعْدَ الْأَخَوَاتِ بَنَاتُهُنَّ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْأَخَوَاتِ. وَبَنَاتُ الْأَخَوَاتِ فِي الْحَضَانَةِ أَحَقُّ مِنْ بَنَاتِ الْإِخْوَةِ؛ لِأَنَّ الْمُدْلِي بِهِ فِي بَنَاتِ الْإِخْوَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِي الْحَضَانَةِ بِخِلَافِ بَنَاتِ الْأَخَوَاتِ، ثُمَّ بَعْدَهُنَّ الْخَالَةُ لِأَبٍ وَأُمٍّ، ثُمَّ بَعْدَهَا الْخَالَةُ لِأَبٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ حَقِّ الْحَضَانَةِ لِلْخَالَاتِ مَا رُوِيَ «أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَجَعْفَرًا وَزَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ﵃ اخْتَصَمُوا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ابْنَةِ حَمْزَةَ ﵁ فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ بِنْتُ عَمِّي فَأَنَا أَحَقُّ بِهَا وَقَالَ جَعْفَرٌ ﵁ ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا عِنْدِي وَقَالَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ﵁ ابْنَةُ أَخِي آخَيْت بَيْنِي وَبَيْنَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجَعْفَرٍ ﵁» فَقَالَ الْخَالَةُ أُمٌّ. وَالتَّرْتِيبُ فِي الْخَالَاتِ عَلَى قِيَاسِ التَّرْتِيبِ فِي الْأَخَوَاتِ وَهُنَّ أَحَقُّ بِالْحَضَانَةِ مِنْ الْعَمَّاتِ؛ لِأَنَّ الْخَالَةَ تُدْلِي بِالْأُمِّ وَالْعَمَّةُ تُدْلِي بِالْأَبِ وَاسْتِحْقَاقُ الْحَضَانَةِ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ فَلِهَذَا قُدِّمَتْ الْخَالَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْعَمَّةِ، ثُمَّ بَعْدَ الْخَالَاتِ الْعَمَّاتُ فَاَلَّتِي مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ تُقَدَّمُ، ثُمَّ بَعْدَهَا الَّتِي مِنْ الْأُمِّ، ثُمَّ الَّتِي مِنْ الْأَبِ عَلَى قِيَاسِ الْخَالَاتِ وَبِنْتُ الْأَخِ أَوْلَى مِنْ الْعَمَّاتِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تُدْلِي بِمَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِي الْحَضَانَةِ وَلَكِنْ بِنْتُ الْأَخِ أَقْرَبُ وَالْخَالَةُ أَوْلَى مِنْ بِنْتِ الْأَخِ؛ لِأَنَّ الْخَالَةَ تُدْلِي بِمَنْ لَهَا حَقٌّ فِي الْحَضَانَةِ وَهِيَ الْأُمُّ وَابْنَةُ الْأَخِ تُدْلِي بِمَنْ لَيْسَ لَهُ حَقٌّ فِي الْحَضَانَةِ فَلِهَذَا كَانَتْ الْخَالَةُ أَحَقَّ. (قَالَ:) وَلَيْسَ لِمَنْ سِوَى الْأُمِّ وَالْجَدَّتَيْنِ حَقٌّ فِي الْوَلَدِ إذَا أَكَلَ وَشَرِبَ وَلَبِسَ وَحْدَهُ جَارِيَةً كَانَتْ، أَوْ غُلَامًا؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْجَارِيَةِ عِنْدَ الْأُمِّ وَالْجَدَّتَيْنِ لِتَعْلِيمِ أَعْمَالٍ دَاخِلَ الْبَيْتِ وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى

стр. 1124

ذَلِكَ بِالِاسْتِخْدَامِ وَلِلْأُمِّ وَالْجَدَّتَيْنِ حَقُّ الِاسْتِخْدَامِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِنَّ مِمَّنْ سَمَّيْنَا حَقُّ الِاسْتِخْدَامِ وَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ تَعْلِيمِ الْأَعْمَالِ إلَّا بِذَلِكَ فَلِهَذَا أُخِذَ مِنْهُنَّ، ثُمَّ بَعْدَمَا اسْتَغْنَى الْغُلَامُ، أَوْ حَاضَتْ الْجَارِيَةُ عِنْدَ الْأُمِّ وَالْجَدَّتَيْنِ، أَوْ اسْتَغْنَتْ عِنْدَ غَيْرِهِنَّ فَالْأَبُ أَحَقُّ بِالْوَلَدِ، ثُمَّ بَعْدَهُ الْجَدَّاتُ لِأَبٍ، ثُمَّ الْأَخُ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ، ثُمَّ الْأَخُ مِنْ الْأَبِ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الضَّمِّ إلَى نَفْسِهِ بَعْدَ هَذَا بِاعْتِبَارِ الْعُصُوبَةِ فَمَنْ يَكُونُ مُقَدَّمًا فِي الْعُصُوبَةِ مِنْ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ أَوْلَى بِذَلِكَ وَقَدْ بَيَّنَّا تَرْتِيبَ الْعَصَبَاتِ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَلَا حَقَّ لِابْنِ الْعَمِّ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رَحِمٌ غَيْرُ مَحْرَمٍ فَلَا يُؤْمَنُ مِنْهُ أَنْ يَطْمَعَ فِيهَا فَلِهَذَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَضُمَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ وِلَايَةُ التَّزْوِيجِ لَهُ بِاعْتِبَارِ الْعُصُوبَةِ. (قَالَ:) وَإِذَا اجْتَمَعَ إخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَأَفْضَلُهُمْ صَلَاحًا وَوَرَعًا أَحَقُّ بِهِ؛ لِأَنَّ ضَمَّهُ إلَى أَقْرَبِ الْعَصَبَاتِ لِمَنْفَعَةِ الْوَلَدِ؛ وَلِهَذَا قُدِّمَ الْأَقْرَبُ. وَضَمُّهُ إلَى أَبْيَنِهِمْ صَلَاحًا أَنْفَعُ لِلْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ يَتَخَلَّقُ بِأَخْلَاقِهِ فَإِنْ كَانُوا فِي ذَلِكَ سَوَاءً فَأَكْبَرُهُمْ أَحَقُّ لِقَوْلِهِ ﷺ «الْكِبَرُ الْكِبَرُ» وَلِأَنَّ حَقَّ أَكْبَرِهِمْ أَسْرَعُ ثُبُوتًا فَعِنْدَ التَّعَارُضِ يَتَرَجَّحُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ الْأَعْمَامُ بَعْدَ الْإِخْوَةِ ثُمَّ الْغُلَامُ إذَا بَلَغَ رَشِيدًا فَلَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالسُّكْنَى وَلَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يَضُمَّهُ إلَى نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُفْسِدًا مَخُوفًا عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ لَهُ أَنْ يَضُمَّهُ إلَى نَفْسِهِ اعْتِبَارًا لِنَفْسِهِ بِمَالِهِ فَإِنَّهُ بَعْدَ مَا بَلَغَ رَشِيدًا لَا يَبْقَى لِلْأَبِ يَدٌ فِي مَالِهِ فَكَذَلِكَ فِي نَفْسِهِ وَإِذَا بَلَغَ مُبَذِّرًا كَانَ لِلْأَبِ وِلَايَةُ حِفْظِ مَالِهِ، فَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَضُمَّهُ إلَى نَفْسِهِ إمَّا لِدَفْعِ الْفِتْنَةِ، أَوْ لِدَفْعِ الْعَارِ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُعَيَّرُ بِفَسَادِ وَلَدِهِ. فَأَمَّا الْجَارِيَةُ إذَا كَانَتْ بِكْرًا فَلِلْأَبِ أَنْ يَضُمَّهَا إلَى نَفْسِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْتَبِرْ الرِّجَالَ فَتَكُونُ سَرِيعَةَ الِانْخِدَاعِ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ ثَيِّبًا فَلَهَا أَنْ تَنْفَرِدَ بِالسُّكْنَى؛ لِأَنَّهَا قَدْ اخْتَبَرَتْ الرِّجَالَ وَعَرَفَتْ كَيْدَهُمْ وَمَكْرَهُمْ فَلَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يَضُمَّهَا إلَى نَفْسِهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ قَدْ زَالَتْ بِالْبُلُوغِ وَإِنَّمَا بَقِيَ حَقُّ الضَّمِّ فِي الْبِكْرِ؛ لِأَنَّهَا عُرْضَةٌ لِلْفِتْنَةِ وَلِلِانْخِدَاعِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ» وَقَالَ: ﷺ «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» يَعْنِي فِي التَّفَرُّدِ بِالسُّكْنَى وَلَكِنَّ هَذَا إذَا كَانَتْ مَأْمُونَةً عَلَى نَفْسِهَا. وَذَكَرَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ أَنَّ الثَّيِّبَ إذَا كَانَتْ مَخُوفَةً عَلَى نَفْسِهَا لَا يُوثَقُ بِهَا فَلِلْأَبِ أَنْ يَضُمَّهَا إلَى نَفْسِهِ لِبَقَاءِ الْخَوْفِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ وِلَايَةَ الضَّمِّ فِي الْبِكْرِ لِكَوْنِهَا مَخُوفًا عَلَيْهَا فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الثَّيِّبِ كَانَ لَهُ أَنْ يَضُمَّهَا إلَى نَفْسِهِ وَأَمَّا الْبِكْرُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَبٌ وَلَا جَدٌّ وَكَانَ لَهَا أَخٌ، أَوْ عَمٌّ فَلَهُ أَنْ يَضُمَّهَا إلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مُشْفِقٌ عَلَيْهَا فَيَقُومُ بِحِفْظِهَا، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَبْلُغُ شَفَقَتُهُ

стр. 1125

شَفَقَةَ الْأَبِ بِمَنْزِلَةِ وِلَايَةِ التَّزْوِيجِ يَثْبُتُ لِلْعَمِّ وَالْأَخِ بَعْدَ الْأَبِ وَالْجَدِّ، فَإِنْ كَانَ أَخُوهَا، أَوْ عَمُّهَا مُفْسِدًا مَخُوفًا لَمْ يُخَلَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا؛ لِأَنَّ ضَمَّهَا إلَيْهِ لِدَفْعِ الْفِتْنَةِ فَإِذَا كَانَ سَبَبًا لِلْفِتْنَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ ضَمِّهَا إلَيْهِ بَلْ يُجْعَلُ هُوَ كَالْمَعْدُومِ فَتَكُونُ وِلَايَةُ النَّظَرِ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي يَنْظُرُ امْرَأَةً مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثِقَةً فَيَضَعُهَا عِنْدَهَا وَكَمَا يَثْبُتُ لِلْقَاضِي وِلَايَةُ النَّظَرِ فِي مَالِهَا عِنْدَ عَجْزِهَا عَنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ نَفْسِهَا، فَإِنْ كَانَتْ الْبِكْرُ قَدْ دَخَلَتْ فِي السِّنِّ فَاجْتَمَعَ لَهَا رَأْيُهَا وَعَقْلُهَا وَأَخُوهَا أَوْ عَمُّهَا مَخُوفٌ عَلَيْهَا فَلَهَا أَنْ تَنْزِلَ حَيْثُ شَاءَتْ فِي مَكَان لَا يُخَافُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ الضَّمَّ كَانَ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ بِسَبَبِ الِانْخِدَاعِ وَفَرْطِ الشَّبَقِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ حِينَ دَخَلَتْ فِي السِّنِّ وَاجْتَمَعَ لَهَا رَأْيُهَا وَعَقْلُهَا (قَالَ:) وَأُمُّ الْوَلَدِ إذَا أَعْتَقَهَا مَوْلَاهَا فِي الْوَلَدِ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ الْمُطَلَّقَةِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ هَذَا الْحَقِّ لِلْأُمِّ بِاعْتِبَارِ شَفَقَتِهَا عَلَى الْوَلَدِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ أُمِّ الْوَلَدِ، بَلْ شَفَقَتُهُنَّ عَلَى أَوْلَادِهِنَّ أَظْهَرُ مِنْ شَفَقَةِ الْحَرَائِرِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ كَانَ سَبَبَ عِتْقِهَا إلَّا أَنَّ قَبْلَ الْعِتْقِ لَيْسَ لَهَا حَقُّ الْحَضَانَةِ لِاشْتِغَالِهَا بِخِدْمَةِ مَوْلَاهَا وَلِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ لَا عَلَى نَفْسِهَا وَحَقُّ الْحَضَانَةِ نَوْعُ وِلَايَةٍ فَكَمَا لَا يَثْبُتُ سَائِرُ الْوِلَايَاتِ لِلرَّقِيقِ، فَكَذَلِكَ فِي الْحَضَانَةِ وَهَذَا الْمَعْنَى يَزُولُ بِالْعِتْقِ فَكَانَتْ فِي الْحَضَانَةِ بَعْدَ الْعِتْقِ كَالْحُرَّةِ الْأَصْلِيَّةِ (قَالَ:) وَالْأَمَةُ إذَا فَارَقَهَا زَوْجُهَا فَإِنَّ الْوَلَدَ رَقِيقٌ لِمَوْلَى الْأَمَةِ يَأْخُذُهُمْ الْمَوْلَى وَهُوَ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ الْأَبِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ تَبَعُ الْأُمِّ فِي الْمِلْكِ وَالْمَمْلُوكُ مَالِكُهُ أَحَقُّ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا لَمْ يُفَارِقْ أُمَّهُ فَالْمَوْلَى أَوْلَى بِالْوَلَدِ لِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ وَبَيْنَ أُمِّهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدَهَا فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ [بَابُ مَتَاعِ الْبَيْتِ] (قَالَ) ﵁ وَإِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَمَا كَانَ لِلنِّسَاءِ كَالدِّرْعِ وَالْخِمَارِ وَالْمَغَازِلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ وَمَا كَانَ لِلرِّجَالِ كَالسِّلَاحِ وَالْقَبَاءِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْمِنْطَقَةِ وَالطَّيْلَسَانِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْفَرَسِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ وَمَا كَانَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ كَالْخَادِمِ وَالْعَبْدِ وَالشَّاةِ وَالْفُرُشِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَا حَيَّيْنِ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْحَيِّ مِنْهَا وَوَرَثَةِ الْمَيِّتِ فَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا أَيِّهِمَا كَانَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 1126

مَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ إنْ كَانَ حَيًّا وَلِوَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تُعْطَى الْمَرْأَةُ جِهَازَ مِثْلِهَا وَالْبَاقِي لِلرَّجُلِ، اُسْتُحْسِنَ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: مَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَهُوَ لِلزَّوْجِ إنْ كَانَ حَيًّا وَلِوَرَثَتِهِ إنْ كَانَ مَيِّتًا وَإِنَّمَا لَهَا مَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ خَاصَّةً. وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ شُبْرُمَةَ الْمَتَاعُ كُلُّهُ لِلرَّجُلِ إلَّا مَا عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ ثِيَابِ بَدَنِهَا. وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمَتَاعُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ إذَا لَمْ تَقُمْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَحَدُ أَقَاوِيلِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَفِي قَوْلٍ آخَرَ الْمُشْكِلُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَعَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إنْ كَانَ الْبَيْتُ بَيْتَ الْمَرْأَةِ فَالْمَتَاعُ كُلُّهُ لَهَا إلَّا مَا عَلَى الزَّوْجِ مِنْ ثِيَابِ بَدَنِهِ، وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ بَيْتَ الزَّوْجِ فَالْمَتَاعُ كُلُّهُ لَهُ؛ لِأَنَّ يَدَ صَاحِبِ الْبَيْتِ عَلَى مَا فِي الْبَيْتِ أَقْوَى وَأَظْهَرُ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ سَاكِنَةُ الْبَيْتِ. أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُسَمَّى قَعِيدَةً فَإِذَا كَانَ الْبَيْتُ لَهَا فَالْبَيْتُ مَعَ مَا فِيهِ فِي يَدِهَا وَعِنْدَ دَعْوَى مُطْلَقِ الْمِلْكِ الْقَوْلُ قَوْلُ ذِي الْيَدِ وَمَنْ يَقُولُ الْمَتَاعُ كُلُّهُ لِلزَّوْجِ قَالَ: لِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي يَدِ الزَّوْجِ فَمَا فِي بَيْتِهَا يَكُونُ فِي يَدِ الزَّوْجِ أَيْضًا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ وَأَنَّ الْمَنْزِلَ يُضَافُ إلَيْهِ وَلِهَذَا لَوْ تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي امْرَأَةٍ وَهِيَ فِي بَيْتِ أَحَدِهِمَا فَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ كَانَتْ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ أَوْلَى، وَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْأَجِيرِ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ إذَا اخْتَلَفَا فِي مَتَاعِ الْحَانُوتِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ وَلَيْسَ لِلْأَجِيرِ إلَّا مَا عَلَيْهِ مِنْ ثِيَابِ بَدَنِهِ، فَهَذَا مِثْلُهُ، وَمَنْ يَقُولُ: الْكُلُّ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ يَقُولُ: اسْتَوَيَا فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّهُمَا سَاكِنَانِ فِي الْبَيْتِ فَالْبَيْتُ مَعَ مَا فِيهِ يَكُونُ فِي يَدِهِمَا وَلَا مُعْتَبَرَ فِي الدَّعْوَى وَالْخُصُومَاتِ بِالشَّبَهِ أَلَا تَرَى أَنَّ إسْكَافًا وَعَطَّارًا لَوْ تَنَازَعَا فِي آلَاتِ الْأَسَاكِفَةِ، أَوْ آلَاتِ الْعَطَّارِينَ وَهُوَ فِي أَيْدِيهِمَا قُضِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى مَا يَصْلُحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَّخِذُ الشَّيْءَ لِاسْتِعْمَالِهِ وَقَدْ يَتَّخِذُهُ لِيَتَّجِرَ فِيهِ، فَكَذَلِكَ هَذَا وَمَنْ يَقُولُ: إنَّ الْمُشْكِلَ بَيْنَهُمَا، يَقُولُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يَصْلُحُ لَهُ نَوْعُ تَرْجِيحٍ مِنْ حَيْثُ إنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي اتَّخَذَهُ لِاسْتِعْمَالِهِ فَيَتَرَجَّحُ بِهِ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَ صَاحِبُ الدَّارِ مَعَ سُكَّانِهَا فِي لَوْحٍ مَوْضُوعٍ فِي الدَّارِ وَنَقْشُهُ يُشْبِهُ نَقْشَ الْأَلْوَاحِ الَّتِي فِي السَّقْفِ وَمَوْضِعُهُ مِنْ السَّقْفِ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ صَاحِبِ الدَّارِ لِأَجْلِ شَهَادَةِ الظَّاهِرِ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ السَّاكِنِ كَسَائِرِ الْأَمْتِعَةِ فَأَمَّا فِي الْمُشْكِلِ لَا تَرْجِيحَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُسَاوَاةُ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ. وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْكُلُّ لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ مَعَ مَا فِي يَدِهَا فِي يَدِ الزَّوْجِ إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا لَا تُزَفُّ إلَى

стр. 1127

بَيْتِ زَوْجِهَا إلَّا مَعَ جِهَازِ مِثْلِهَا فَفِي مِقْدَارِ جِهَازِ مِثْلِهَا يُتْرَكُ الْقِيَاسُ لِلْعُرْفِ الظَّاهِرِ وَيُجْعَلُ ذَلِكَ لَهَا وَفِيمَا زَادَ عَلَى الْقَوْلِ قَوْلُ الزَّوْجِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ الَّذِي قُلْنَا. وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: مَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ اسْتِعْمَالِ الرَّجُلِ وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ اسْتِعْمَالِهَا وَالِاسْتِعْمَالُ يَدٌ حَتَّى لَوْ تَنَازَعَ رَجُلَانِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَأَحَدُهُمَا لَابِسُهُ وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِذَيْلِهِ، أَوْ تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ وَأَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا وَالْآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِلِجَامِهَا يُجْعَلُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُسْتَعْمِلِ فَكَانَتْ يَدُ الْمُسْتَعْمِلِ هُنَا أَقْوَى فِيمَا هُوَ صَالِحٌ لِأَحَدِهِمَا فَأَمَّا فِيمَا يَصْلُحُ لَهُمَا فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ الرَّجُلِ فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْبَيْتِ فَقَدْ كَانَتْ هِيَ مَعَ الْمَتَاعِ فِي يَدِهِ فَأَمَّا بَعْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَرَثَةُ الزَّوْجِ يَقُومُونَ مَقَامَ الزَّوْجِ فَكَمَا أَنَّ فِي الْمُشْكِلِ الْقَوْلَ قَوْلُهُ فِي حَيَاتِهِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ الْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَتِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَدُ الْبَاقِي مِنْهُمَا إلَى الْمَتَاعِ أَسْبَقُ؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ إنَّمَا يُثْبِتُ يَدَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ، وَكَمَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ هُنَا بِقُوَّةِ الْيَدِ لِصَلَاحِيَّةِ الِاسْتِعْمَالِ فَكَذَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ بِسَبْقِ الْيَدِ وَلِأَنَّ يَدَ الْبَاقِي مِنْهُمَا يَدُ نَفْسِهِ وَيَدُ الْوَارِثِ قَائِمَةٌ مَقَامَ يَدِ مُوَرِّثِهِ فَلِهَذَا النَّوْعِ مِنْ التَّرْجِيحِ كَانَ الْمُشْكِلُ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا أَيِّهِمَا كَانَ. وَمَا كَانَ مِنْ مَتَاعِ التِّجَارَةِ وَالرَّجُلُ مَعْرُوفٌ بِتِلْكَ التِّجَارَةِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ، وَالْجُبَّةُ الْمَحْشُوَّةُ وَجُبَّةُ الْقَزِّ وَالْخَزِّ وَالْبُرْدِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ إذَا كَانَتْ ذَاتَ لَبَّةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا يَسْتَعْمِلُهُ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ. وَالْمُسْتُقَةُ وَالْبُرُّ كَانَ الْمَعْلَمُ مِمَّا يَكُونُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ حُرًّا وَالْآخَرُ مَمْلُوكًا، أَوْ مُكَاتَبًا فَالْمَتَاعُ لِلْحُرِّ مِنْهُمَا أَيِّهِمَا كَانَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى هَذَا وَمَا لَوْ كَانَا حُرَّيْنِ سَوَاءٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ قَوْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْمَمْلُوكَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فِي الِاسْتِحْقَاقِ بِالْيَدِ؛ لِأَنَّ لَهُ يَدًا مُعْتَبَرَةً. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَنَازَعَ حُرٌّ وَمَمْلُوكٌ فِي مَتَاعٍ فِي يَدِهِمَا كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَلَا تَتَرَجَّحُ يَدُ الْحُرِّ بِحُرِّيَّتِهِ، فَكَذَلِكَ هَذَا. وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ يَدُ الْحُرِّ أَقْوَى فَإِنَّهَا يَدُ مِلْكٍ وَيَدُ الْعَبْدِ لَيْسَتْ بِيَدِ مِلْكٍ فَكَمَا يَقَعُ التَّرْجِيحُ هُنَا بِقُوَّةِ الْيَدِ يَقَعُ بِالْقُرْبِ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ بِخِلَافِ سَائِرِ الدَّعَاوَى وَالْخُصُومَاتِ، فَكَذَلِكَ يَقَعُ التَّرْجِيحُ هُنَا بِقُوَّةِ الْيَدِ بِالْحُرِّيَّةِ، تَوْضِيحُهُ أَنَّ يَدَ الْحُرِّ يَدُ نَفْسِهِ وَيَدَ الْعَبْدِ مِنْ وَجْهٍ كَأَنَّهَا يَدُ مَوْلَاهُ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّرْجِيحَ هُنَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ يَدَهُ يَدُ نَفْسِهِ كَمَا بَعْدَ مَوْتِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَافِرًا وَالْآخَرُ مُسْلِمًا فَالْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ فِي

стр. 1128

ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُمَا فِي قُوَّةِ الْيَدِ يَسْتَوِيَانِ فَإِنَّ يَدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدُ نَفْسِهِ وَهِيَ يَدُ مِلْكٍ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَيَسْتَوِي إنْ وَقَعَتْ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا فِي حَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ، أَوْ بَعْدَ وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بِأَيِّ وَجْهٍ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ كَانَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ، وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَأُعْتِقَتْ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَمَا عُرِفَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ تُعْتَقَ فَهُوَ لِلرَّجُلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ وَقَعَتْ الْمُنَازَعَةُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ عِتْقِهَا وَمَا أَحْدَثَا بَعْدَ الْعِتْقِ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا فَهُوَ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ يَدَهَا بِالْعِتْقِ تَتَقَوَّى فَتَسْتَوِي بِيَدِ الرَّجُلِ فِيمَا أَحْدَثَ بَعْدَ الْعِتْقِ (قَالَ:) فَإِنْ كَانَ لَهُ نِسْوَةٌ فَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ، فَإِنْ كُنَّ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ فَمَتَاعُ النِّسْوَةِ بَيْنَهُنَّ سَوَاءٌ لِلْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُنَّ فِي سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ الْقُرْبُ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ وَقُوَّةُ الْيَدِ بِسَبَبِهِ، وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ فَمَا فِي بَيْتِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا عَلَى مَا وَصَفْنَا وَلَا يُشَارِكُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فِيمَا فِي بَيْتِ ضَرَّتِهَا فَلَا تَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ. (قَالَ:) وَإِذَا أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِمَتَاعٍ أَنَّ الرَّجُلَ اشْتَرَاهُ فَهُوَ لِلرَّجُلِ؛ لِأَنَّ الشِّرَاءَ سَبَبٌ مُوجِبٌ لِلْمِلْكِ وَقَدْ أَقَرَّتْ لَهُ بِمُبَاشَرَةِ هَذَا السَّبَبِ؛ وَلِأَنَّ مَا أَقَرَّتْ بِهِ كَالْمُعَايَنِ، وَلَوْ عَايَنَاهُ اشْتَرَى شَيْئًا كَانَ ذَلِكَ مَمْلُوكًا لَهُ، فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّتْ هِيَ بِشِرَائِهِ. (قَالَ:) وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ فَقَالَتْ الْوَرَثَةُ لِلْمَرْأَةِ قَدْ كَانَ طَلَّقَك فِي حَيَاتِهِ ثَلَاثًا وَأَرَادُوا أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهَا الْمُشْكِلَ لَمْ يُصَدَّقُوا عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا التَّفْرِيعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَقُولُ: إذَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِالطَّلَاقِ فَفِي الْمُشْكِلِ الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ وَإِذَا وَقَعَتْ بِالْمَوْتِ فَفِي الْمُشْكِلِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْبَاقِي مِنْهُمَا، ثُمَّ هُنَا الْوَرَثَةُ يَدَّعُونَ طَلَاقًا لَمْ يَظْهَرْ سَبَبُهُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَرَادُوا مَنْعَ مِيرَاثِهَا بِهَذِهِ الدَّعْوَى لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ فِي ذَلِكَ وَلِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا بَعْدَ مَا تَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَنَّهَا مَا تَعْلَمُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ أَقَرَّتْ بِالطَّلَاقِ لَزِمَهَا فَإِذَا أَنْكَرَتْ حَلَفَتْ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ الِاسْتِحْلَافَ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ يَكُونُ عَلَى الْعِلْمِ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي صِحَّتِهِ ثَلَاثًا ثُمَّ مَاتَ، أَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَفِي الْمُشْكِلِ الْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَةِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَجْنَبِيَّةً بِهَذَا الطَّلَاقِ وَلَوْ وَقَعَتْ الْمُنَازَعَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْمُشْكِلِ بَعْدَ الطَّلَاقِ كَانَ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ الزَّوْجِ، فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ وَرَثَتِهِ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْمَرَضِ لَا يَجْعَلُهَا أَجْنَبِيَّةً مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا. أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَرِثُهُ بِالزَّوْجِيَّةِ إذَا مَاتَ فَكَانَ هَذَا وَمَا لَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا

стр. 1129

بِالْمَوْتِ سَوَاءٌ؛ فَلِهَذَا كَانَ الْقَوْلُ فِي الْمُشْكِلِ قَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَا مَمْلُوكَيْنِ أَوْ مُكَاتَبَيْنِ، أَوْ كَافِرَيْنِ فَالْقَوْلُ فِي الْمَتَاعِ عَلَى مَا وَصَفْنَا فِي الْحُرَّيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الدَّعْوَى وَالْخُصُومَةِ. وَالْكُفَّارُ وَالْمَمَالِيكُ فِي ذَلِكَ يَسْتَوُونَ بِالْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي سَائِرِ الْخُصُومَاتِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ [بَابُ الْقِسْمَةِ بَيْنَ النِّسَاءِ] اعْلَمْ بِأَنَّ الزَّوْجَ مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ فِي الْقِسْمَةِ فِيمَا بَيْنَ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] إلَى قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] مَعْنَاهُ: أَنْ لَا تَجُورُوا، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنْ لَا تَكْثُرَ عِيَالُكُمْ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِ السَّلَفِ فَالْمَنْقُولُ عَنْهُمْ أَنْ لَا تَمِيلُوا، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ خَطَأٌ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ كَثْرَةَ الْعِيَالِ لَكَانَ يَقُولُ: أَنْ لَا تُعِيلُوا. يُقَالُ: عَالَ إذَا مَالَ، وَأَعَالَ إذَا صَارَ مُعِيلًا، وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَذَلِكَ أَيْضًا غَلَطٌ، فَإِنَّهُ أَمَرَ بِالِاكْتِفَاءِ بِالْوَاحِدَةِ وَاِتِّخَاذِ مَا بَيَّنَّا مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ عِنْدَ هَذَا الْجَوْرِ، وَمَعْنَى كَثْرَةِ الْعِيَالِ وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ يَحْصُلُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ، كَمَا يَحْصُلُ فِي مِلْكِ النِّكَاحِ وَإِنَّمَا يَنْعَدِمُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ اسْتِحْقَاقُ التَّسْوِيَةِ فِي الْقِسْمَةِ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْدِلُ فِي الْقِسْمَةِ بَيْنَ نِسَائِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تُؤَاخِذْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ» يَعْنِي: مِنْ زِيَادَةِ الْمَحَبَّةِ لِبَعْضِهِنَّ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَتَانِ فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا فِي الْقَسْمِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ»؛ وَلِأَنَّ النِّسَاءَ رَعَايَاهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَحْفَظُهُنَّ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِنَّ وَكُلُّ رَاعٍ مَأْمُورٌ بِالْعَدْلِ فِي رَعِيَّتِهِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ الْحُرِّ، أَوْ الْمَمْلُوكِ امْرَأَتَانِ حُرَّتَانِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يَوْمًا وَلَيْلَةً وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَعَلَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ، فَأَمَّا فِي مِقْدَارِ الدَّوْرِ فَالِاخْتِيَارُ إلَيْهِ، وَهَذِهِ التَّسْوِيَةُ فِي الْبَيْتُوتَةِ عِنْدَهَا لِلصُّحْبَةِ وَالْمُؤَانَسَةِ لَا فِي الْمُجَامَعَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْبَنِي عَلَى النَّشَاطِ وَلَا يُقْدَرُ عَلَى اعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ، فَهُوَ نَظِيرُ الْمَحَبَّةِ فِي الْقَلْبِ. وَرُوِيَ عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ الْحَكَمِ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ ﵂ حِينَ دَخَلَ

стр. 1130

بِهَا: إنْ شِئْت سَبَّعْتُ لَك وَسَبَّعْتُ لَهُنَّ»، زَادَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «إنْ شِئْت ثَلَّثْتُ لَك وَثَلَّثْتُ لَهُنَّ»، وَفِي رِوَايَةٍ «وَإِنْ شِئْت ثَلَّثْتُ لَك، ثُمَّ دُرْت»، وَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَخَذَ عُلَمَاؤُنَا فَقَالُوا: الْجَدِيدَةُ وَالْقَدِيمَةُ فِي حُكْمِ الْقَسْمِ سَوَاءٌ بِكْرًا كَانَتْ الْجَدِيدَةُ، أَوْ ثَيِّبًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنْ كَانَتْ بِكْرًا يُفَضِّلُهَا بِسَبْعِ لَيَالٍ، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَثَلَاثُ لَيَالٍ، ثُمَّ التَّسْوِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «تُفَضَّلُ الْبِكْرُ بِسَبْعٍ وَالثَّيِّبُ بِثَلَاثٍ»، وَلِأَنَّ الْقَدِيمَةَ قَدْ أَلِفَتْ صُحْبَتَهُ وَأَنِسَتْ بِهِ وَالْجَدِيدَةُ مَا أَلِفَتْ ذَلِكَ بَلْ فِيهَا نَوْعُ نَفْرَةٍ وَوَحْشَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يُزِيلَ ذَلِكَ عَنْهَا بِبَعْضِ الصُّحْبَةِ لِتَسْتَوِيَ بِالْقَدِيمَةِ فِي الْإِلْفِ، ثُمَّ الْمُسَاوَاةُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَتْ بِكْرًا فَفِيهَا زِيَادَةُ نَفْرَةٍ عَنْ الرِّجَالِ فَيُفَضِّلُهَا بِسَبْعِ لَيَالٍ، وَإِذَا كَانَتْ ثَيِّبًا فَهِيَ قَدْ صَحِبَتْ الرِّجَالَ وَإِنَّمَا لَمْ تَصْحَبْهُ خَاصَّةً فَيَكْفِيهَا ثَلَاثُ لَيَالٍ؛ لِتَأْنَسَ بِصُحْبَتِهِ. وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ التَّسْوِيَةِ؛ اجْتِمَاعُهَا فِي نِكَاحِهِ وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَلَوْ وَجَبَ تَفْضِيلُ إحْدَاهُمَا كَانَتْ الْقَدِيمَةُ أَوْلَى بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَحْشَةَ فِي جَانِبِهَا أَكْثَرُ حَيْثُ أَدْخَلَ غَيْرَهَا عَلَيْهَا فَإِنَّ ذَلِكَ يَغِيظُهَا عَادَةً، وَلِأَنَّ لِلْقَدِيمَةِ زِيَادَةَ حُرْمَةٍ بِسَبَبِ الْخِدْمَةِ، كَمَا يُقَالُ لِكُلِّ جَدِيدٍ لَذَّةٌ وَلِكُلِّ قَدِيمٍ حُرْمَةٌ وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَالْمُرَادُ التَّفْضِيلُ بِالْبِدَايَةِ دُونَ الزِّيَادَةِ، كَمَا ذُكِرَ فِي «حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - إنْ شِئْت سَبَّعْت لَك وَسَبَّعْت لَهُنَّ» وَقَوْلُهُ: «إنْ شِئْت ثَلَّثْت لَك، ثُمَّ دُرْت» أَيْ أَخْبَرْت بِمِثْلِ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ إنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَبْدَأَ بِالْجَدِيدَةِ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ اللَّذَّةِ وَلَكِنْ بَعْدَ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا. (قَالَ:) وَالْمُسْلِمَةُ وَالْكَافِرَةُ وَالْمُرَاهِقَةُ وَالْمَجْنُونَةُ وَالْبَالِغَةُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْقَسْمِ سَوَاءٌ لِلْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُنَّ فِي سَبَبِ هَذَا الْحَقِّ وَهُوَ الْحِلُّ الثَّابِتُ بِالنِّكَاحِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ أَكْثَرَ مِمَّا يُقِيمُ عِنْدَ الْأُخْرَى، إلَّا أَنْ تَأْذَنَ لَهُ فِيهِ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَأْذَنَ نِسَاءَهُ فِي مَرَضِهِ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - فَأَذِنَّ لَهُ فِي ذَلِكَ فَكَانَ فِي بَيْتِهَا حَتَّى قُبِضَ ﷺ » فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ وَالْمَرِيضَ فِي الْقَسْمِ سَوَاءٌ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي أَوَّلِ مَرَضِهِ كَانَ يَكُونُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، ثُمَّ لَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ اسْتَأْذَنَهُنَّ فِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ وَالْمَرِيضَ سَوَاءٌ وَأَنَّ عِنْدَ الْإِذْنِ لَهُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ إحْدَاهُنَّ. فَأَمَّا الْأَمَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ تَكُونُ زَوْجَةَ الرَّجُلِ فَيَتَزَوَّجُ عَلَيْهَا حُرَّةً فَلِلْحُرَّةِ يَوْمَانِ وَلِلْأَمَةِ يَوْمٌ وَاحِدٌ؛ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَلَى مَا رَوَيْنَا

стр. 1131

قَالَ: وَلِلْحُرَّةِ الثُّلُثَانِ مِنْ الْقَسْمِ وَلِلْأَمَةِ الثُّلُثُ، وَلِأَنَّ حِلَّ الْأَمَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ حِلِّ الْحُرَّةِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْقَسْمِ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ، وَالرِّقُّ فِي الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُدَبَّرَةِ وَأُمِّ الْوَلَدِ قَائِمٌ. (قَالَ:)، وَإِنْ سَافَرَ الرَّجُلُ مَعَ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ لِحَجٍّ أَوْ غَيْرِهِ فَلَمَّا قَدِمَ طَالَبَتْهُ الثَّانِيَةُ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا مِثْلَ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا مَعَ الْأُخْرَى فِي السَّفَرِ لَمْ يَكُنْ لَهَا ذَلِكَ وَلَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِأَيَّامِ سَفَرِهِ مَعَ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ وَلَكِنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْعَدْلَ بَيْنَهُنَّ، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي فَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِأَيَّتِهِمَا مِنْ غَيْرِ إقْرَاعٍ بَيْنَهُمَا عِنْدَنَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، إلَّا أَنْ يُقْرِعَ بَيْنَهُمَا؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ وَأَصَابَتْنِي الْقُرْعَةُ فِي السَّفْرَةِ الَّتِي أَصَابَنِي فِيهَا مَا أَصَابَنِي». وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَرْأَةِ فِي الْقَسْمِ عِنْدَ سَفَرِ الزَّوْجِ، أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ وَلَا يَسْتَصْحِبَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَلَيْسَ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُنَّ فِي حَالَةِ السَّفَرِ وَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَطْبِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ وَنَفْيًا لِتُهْمَةِ الْمَيْلِ عَنْ نَفْسِهِ، وَبِهِ نَقُولُ: إنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لِلزَّوْجِ، ثُمَّ إذَا سَافَرَ بِبَعْضِهِنَّ لَيْسَ لِلْبَاقِينَ بَعْدَ الرُّجُوعِ الِاحْتِسَابُ عَلَيْهِ بِتِلْكَ الْمُدَّةِ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ سَافَرَ بِبَعْضِهِنَّ بِغَيْرِ اقْتِرَاعٍ فَذَلِكَ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْأُخْرَى بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْإِقْرَاعَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ كَانَتْ مُدَّةُ سَفَرِهِ نَوْبَةَ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْأُخْرَى مِثْلُ ذَلِكَ لِيَتَحَقَّقَ الْعَدْلُ، وَلَكِنَّا نَقُولُ وُجُوبُ التَّسْوِيَةِ فِي وَقْتِ اسْتِحْقَاقِ الْقَسْمِ عَلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْمَرْأَةِ فِي الْقَسْمِ فِي حَالِ سَفَرِ الزَّوْجِ فَلَا يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ التَّسْوِيَةِ بِاعْتِبَارِ تِلْكَ الْمُدَّةِ كَمَا إذَا سَافَرَ بِهَا بِالْقُرْعَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ فِي حَالَةِ الْحَضَرِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْبِدَايَةُ بِإِقْرَاعٍ، أَوْ بِغَيْرِ إقْرَاعٍ، فَكَذَلِكَ فِي السَّفَرِ. (قَالَ:) وَلَوْ أَقَامَ عِنْدَ إحْدَاهُمَا شَهْرًا، ثُمَّ خَاصَمَتْهُ الْأُخْرَى فِي ذَلِكَ قُضِيَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْعَدْلَ بَيْنَهُمَا وَمَا مَضَى فَهُوَ هَدَرٌ، غَيْرَ أَنَّهُ هُوَ فِيهِ آثِمٌ؛ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَكُونُ بَعْدَ الطَّلَبِ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَمَا مَضَى قَبْلَ الطَّلَبِ لَيْسَ مِنْ الْقِسْمَةِ فِي شَيْءٍ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الْعَدْلُ فِي الْقِسْمَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَا مَضَى قَبْلَ نِكَاحِ إحْدَاهُمَا لَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ الَّتِي جَدَّدَ نِكَاحَهَا، فَكَذَلِكَ مَا مَضَى قَبْلَ طَلَبِهَا. (قَالَ:) فَإِنْ عَادَ إلَى الْجَوْرِ بَعْدَ مَا نَهَاهُ الْقَاضِي أَوْجَعَهُ عُقُوبَةً وَأَمَرَهُ بِالْعَدْلِ؛ لِأَنَّهُ أَسَاءَ الْأَدَبَ فِيمَا صَنَعَ وَارْتَكَبَ مَا هُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ وَهُوَ الْجَوْرُ فَيُعَزَّرُ فِي ذَلِكَ وَيُؤْمَرُ بِالْعَدْلِ. (قَالَ:) وَلَوْ كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَةٌ فَدَخَلَتْ فِي سِنِّهَا أَيْ كَبِرَتْ

стр. 1132

فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَبْدِلَ بِهَا شَابَّةً فَطَلَبَتْ أَنْ يُمْسِكَهَا وَيَتَزَوَّجَ بِالْأُخْرَى وَيُقِيمَ عِنْدَ الَّتِي تَزَوَّجَ أَيَّامًا وَيُقِيمَ عِنْدَهَا يَوْمًا فَتَزَوَّجَ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ كَانَ جَائِزًا لَا بَأْسَ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿، وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا، أَوْ إعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ [النساء: ١٢٨] قَالَ عَلِيٌّ ﵁ إنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي هَذَا. وَبَلَغَنَا «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِسَوْدَةِ بِنْتِ زَمْعَةَ ﵂ حِينَ طَعَنَتْ فِي السِّنِّ: اعْتَدِّي فَسَأَلَتْهُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُرَاجِعَهَا وَيَجْعَلَ يَوْمَ نَوْبَتِهَا لِعَائِشَةَ؛ ﵂ لِكَيْ تُحْشَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أَزْوَاجِهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُنَّ فَفَعَلَ.» (قَالَ:) وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ عِنْد إحْدَى امْرَأَتَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يُقِيمُ عِنْدَ الْأُخْرَى إذَا أَذِنَتْ لَهُ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ الْحَدِيثِ فِي مَقَامِهِ ﷺ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ﵂ بِإِذْنِهِنَّ ﵅ وَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٩] قَالَ: هَذَا فِي الْحُبِّ فَأَمَّا فِي الْقَسْمِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْدِلَ وَلَا يُفَضِّلَ إحْدَاهُمَا، إلَّا بِإِذْنِ الْأُخْرَى وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿، وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨] مِثْلُ قَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَكَانَ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الَّتِي رَضِيَتْ أَسْقَطَتْ حَقَّ نَفْسِهَا وَهِيَ مِنْ أَهْلِ أَنْ تُسْقِطَ حَقَّهَا، إلَّا أَنَّ هَذَا الرِّضَا لَيْسَ يُلْزِمُهَا شَيْئًا حَتَّى إذَا أَرَادَتْ أَنْ تَرْجِعَ وَتُطَالِبَ بِالْعَدْلِ فِي الْقَسْمِ فَلَهَا ذَلِكَ. (قَالَ:) وَاذَا أَقَامَ عِنْدَ امْرَأَتِهِ الْأَمَةِ يَوْمًا، ثُمَّ أُعْتِقَتْ لَمْ يُقِمْ عِنْدَ الْحُرَّةِ الْأُخْرَى، إلَّا يَوْمًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَقَةَ اسْتَوَتْ بِالْحُرَّةِ فِي السَّبَبِ فَعَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْقَسْم وَتُجْعَلُ حُرِّيَّتُهَا عِنْدَ انْتِهَاءِ النَّوْبَةِ إلَيْهَا بِمَنْزِلَةِ حُرِّيَّتِهَا عِنْدَ ابْتِدَاءِ النَّوْبَةِ وَلَوْ أَقَامَ عِنْدَ الْحُرَّةِ يَوْمًا، ثُمَّ أَعْتَقَتْ تَحَوَّلَ عَنْهَا إلَى الْمُعْتَقَةِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ اسْتَوَتْ بِهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَضِّلَ الْحُرَّةَ بِشَيْءٍ بَعْدَ مَا اسْتَوَتْ الْمُعْتَقَةُ بِهَا. (قَالَ:) وَإِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ فَكَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ النَّهَارَ فَاسْتَعْدَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِأَنْ يَبِيتَ مَعَهَا وَيُفْطِرَ لَهَا. وَبَلَغَنَا عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنَ سَوْرٍ اقْضِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: أَرَاهَا إحْدَى نِسَائِهِ الْأَرْبَعِ لَهُنَّ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَلَهَا يَوْمُ وَلَيْلَةٌ. وَقِصَّةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَالَتْ: إنَّ زَوْجِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، فَقَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ زَوْجُك، فَأَعَادَتْ كَلَامَهَا مِرَارًا، فِي كُلِّ ذَلِكَ يُجِيبُهَا عُمَرُ ﵁ بِهَذَا، فَقَالَ كَعْبُ بْنُ سَوْرٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّهَا تَشْكُو مِنْ زَوْجِهَا فِي أَنَّهُ هَجَرَ مِنْ صُحْبَتِهَا فَتَعَجَّبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ فِطْنَتِهِ وَقَالَ اقْضِ بَيْنَهُمَا، فَقَضَى كَعْبٌ ﵁ بِمَا ذُكِرَ فَوَلَّاهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -

стр. 1133

قَضَاءَ الْبَصْرَةِ، ثُمَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يَتَعَيَّنُ حَقُّهَا فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ وَلَكِنْ يُؤْمَرُ الزَّوْجُ بِأَنْ يُرَاعِيَ قَلْبَهَا وَيَبِيتَ مَعَهَا أَحْيَانًا. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: إذَا كَانَ لِلرَّجُلِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ فَاشْتَغَلَ عَنْهَا بِالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، أَوْ بِصُحْبَةِ الْإِمَاءِ فَخَاصَمَتْهُ فِي ذَلِكَ قَضَى الْقَاضِي لَهَا بِلَيْلَةٍ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ سَوْرٍ، وَلِأَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهَا عَنْ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ ثَلَاثًا سِوَاهَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْقِطَ حَقَّهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْقِسْمَةَ وَالْعَدْلَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ وَلَا مُزَاحَمَةَ هُنَا حِينَ لَمْ يَكُنْ فِي نِكَاحِهِ، إلَّا وَاحِدَةٌ، أَرَأَيْت لَوْ كَانَ تَحْتَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ أَكَانَ يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَلَا يَشْتَغِلُ بِالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ أَبَدًا، حَتَّى لَا يَصُومَ لَا رَمَضَانَ وَلَا غَيْرَهُ، هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِأَنْ يُؤْنِسَهَا بِصُحْبَتِهِ أَحْيَانًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ تَلْحَقُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الْمُغَايَظَةُ لِمَقَامِهِ عِنْدَ الْأُخْرَى، فَيُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الْمُزَاحَمَةِ. (قَالَ:) وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ عَلَى أَنْ يُقِيمَ عِنْدَ إحْدَاهُمَا يَوْمًا وَالْأُخْرَى يَوْمَيْنِ، ثُمَّ طَلَبَتْ الَّتِي لَهَا الْيَوْمُ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمَا فَلَهَا ذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهَا رَضِيَتْ بِتَرْكِ الْعَدْلِ فِيمَا مَضَى مِنْ الْمُدَّةِ فَلَا يُلْزِمُهَا ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ شَيْئًا، وَلِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الشَّرْعِ وَهُوَ بَاطِلٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ بَاطِلٌ.» (قَالَ:) وَالْمَجْبُوبُ وَالْخَصِيُّ وَالْعِنِّينُ فِي الْقِسْمَةِ سَوَاءٌ بَيْنَ النِّسَاءِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ وُجُوبَ الْقَسْمِ وَالْعَدْلِ لِلصُّحْبَةِ وَالْمُؤَانَسَةِ دُونَ الْمُجَامَعَةِ وَحَالُ هَؤُلَاءِ فِي هَذَا كَحَالِ الْفَحْلِ، وَكَذَلِكَ الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ إذَا دَخَلَ بِامْرَأَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا فِي الْقَسْمِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ التَّسْوِيَةِ لِحَقِّ النِّسَاءِ، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ تَتَوَجَّهُ عَلَى الصِّبْيَانِ عِنْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ كَمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْبَالِغِينَ. (قَالَ:) وَإِذَا جَعَلَتْ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا جُعْلًا عَلَى أَنْ يَزِيدَهَا فِي الْقَسْمِ يَوْمًا فَفَعَلَ لَمْ يَجُزْ، وَتَرْجِعُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهَا رَشَتْهُ عَلَى أَنْ يَجُورَ وَالرِّشْوَةُ حَرَامٌ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الرِّشْوَةِ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ مِنْ السُّحْتِ؛ فَلِهَذَا تَسْتَرِدُّ مَا أَعْطَتْ وَعَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ فِي الْقَسْمِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَطَّتْ لَهُ شَيْئًا مِنْ الْمَهْرِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، أَوْ زَادَهَا الزَّوْجُ فِي مَهْرِهَا، أَوْ جَعَلَ لَهَا جُعْلًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ نَوْبَتَهَا لِفُلَانَةَ فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهَا بِهَذَا لَا يَمْلِكُ الزَّوْجُ شَيْئًا فَلَا تَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ الْمَالَ بِمُقَابِلَتِهِ وَلِأَنَّهَا أَخَذَتْ الرِّشْوَةَ عَلَى أَنْ

стр. 1134

تَرْضَى بِالْجَوْرِ وَذَلِكَ حَرَامٌ، فَكَانَ الْجُعْلُ مَرْدُودًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ. [بَابُ نَفَقَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ] (قَالَ:) ﵁ وَيُجْبَرُ الرَّجُلُ الْمُوسِرُ عَلَى نَفَقَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ إذَا كَانَا مُحْتَاجَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] نَهَى عَنْ التَّأْفِيفِ لِمَعْنَى الْأَذَى، وَمَعْنَى الْأَذَى فِي مَنْعِ النَّفَقَةِ عِنْدَ حَاجَتِهِمَا أَكْثَرُ؛ وَلِهَذَا يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمَا، وَإِنْ كَانَا قَادِرَيْنِ عَلَى الْكَسْبِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْأَذَى فِي الْكَدِّ وَالتَّعَبِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي التَّأْفِيفِ وَقَالَ: ﷺ «إنَّ أَطْيَبَ مَا يَأْكُلُ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ لَمِنْ كَسْبِهِ؛ فَكُلُوا مِمَّا كَسَبَ أَوْلَادُكُمْ.» وَإِذَا كَانَ الْأَوْلَادُ ذُكُورًا وَإِنَاثًا مُوسِرِينَ فَنَفَقَةُ الْأَبَوَيْنِ عَلَيْهِمْ بِالسَّوِيَّةِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ النَّفَقَةَ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ عَلَى قِيَاسِ الْمِيرَاثِ وَعَلَى قِيَاسِ نَفَقَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأَبَوَيْنِ النَّفَقَةَ بِاعْتِبَارِ التَّأْوِيلِ وَحَقُّ الْمِلْكِ لَهُمَا فِي مَالِ الْوَلَدِ، كَمَا قَالَ: ﷺ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» وَفِي هَذَا الذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ سَوَاءٌ وَلِهَذَا يَثْبُتُ لَهُمَا هَذَا الِاسْتِحْقَاقُ مَعَ اخْتِلَافِ الْمِلَّةِ، وَإِنْ انْعَدَمَ التَّوَارُثُ بِسَبَبِ اخْتِلَافِ الْمِلَّةِ. (قَالَ:) وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مُعْسِرًا وَهُمَا مُعْسِرَانِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا لَمَّا اسْتَوَيَا فِي الْحَالِ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا بِإِيجَابِ نَفَقَتِهِ عَلَى صَاحِبِهِ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: إذَا كَانَ الْأَبُ زَمِنًا وَكَسْبُ الِابْنِ لَا يَفْضُلُ عَنْ نَفَقَتِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَضُمَّ الْأَبَ إلَى نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ ضَاعَ الْأَبُ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَا يَخْشَى الْهَلَاكَ عَلَى الْوَلَدِ وَالْإِنْسَانُ لَا يَهْلِكُ عَلَى نِصْفِ بَطْنِهِ. (قَالَ:)، وَكَذَلِكَ الْجَدُّ أَبُ الْأَبِ وَالْجَدَّةُ أُمُّ الْأُمِّ وَأُمُّ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ الْوَالِدَيْنِ وَحَالُهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ كَحَالِ الْأَبَوَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّأْوِيلَ فِي مَالِ النَّافِلَةِ يَثْبُتُ لِلْجَدِّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ كَمَا يَثْبُتُ لِلْأَبِ. (قَالَ:) وَيُجْبَرُ الرَّجُلُ عَلَى نَفَقَةِ أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ لِقَوْلِهِ ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وَالنَّفَقَةُ بَعْدَ الْفِطَامِ بِمَنْزِلَةِ مُؤْنَةِ الرَّضَاعِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْوَلَدَ جُزْءٌ مِنْ الْأَبِ فَتَكُونُ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ كَنَفَقَتِهِ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَا يُشَارِكُ الْأَبَ فِي النَّفَقَةِ أَحَدٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى الْأَبِ وَالْأُمِّ أَثْلَاثًا بِحَسَبِ مِيرَاثِهِمَا مِنْ الْوَلَدِ فَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، كَمَا لَا يُشَارِكُ

стр. 1135

الْأَبُ فِي مُؤْنَةِ الرَّضَاعِ أَحَدٌ، فَكَذَلِكَ فِي النَّفَقَةِ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا وَالْأُمُّ مُوسِرَةٌ أُمِرَتْ بِأَنْ تُنْفِقَ مِنْ مَالِهَا عَلَى الْوَلَدِ وَيَكُونُ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَى الْأَبِ إذَا أَيْسَرَ، وَكَذَلِكَ الْأَبُ إذَا كَانَ مُعْسِرًا وَلَهُ أَخٌ مُوسِرٌ فَإِنَّ الْأَخَ وَهُوَ عَمُّ الْوَلَدِ يُعْطِي نَفَقَةَ الْوَلَدِ وَيَكُونُ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَى الْأَبِ لَهُ إذَا أَيْسَرَ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ النَّفَقَةِ عَلَى الْأَبِ وَلَكِنَّ الْإِنْفَاقَ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْخِيرَ فَيُقَامُ مَالُ الْغَيْرِ مَقَامَ مَالِهِ فِي أَدَاءِ مِقْدَارِ الْحَاجَةِ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ إذَا أَيْسَرَ وَاَلَّذِي قُلْنَا فِي الصِّغَارِ مِنْ الْأَوْلَادِ كَذَلِكَ فِي الْكِبَارِ إذَا كُنَّ إنَاثًا؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ عَاجِزَاتٌ عَنْ الْكَسْبِ؛ وَاسْتِحْقَاقُ النَّفَقَةِ لِعَجْزِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ عَنْ كَسْبِهِ. وَإِنْ كَانُوا ذُكُورًا بَالِغِينَ لَمْ يُجْبَرْ الْأَبُ عَلَى الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى الْكَسْبِ، إلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ زَمِنًا، أَوْ أَعْمَى، أَوْ مُقْعَدًا، أَوْ أَشَلَّ الْيَدَيْنِ لَا يَنْتَفِعُ بِهِمَا، أَوْ مَفْلُوجًا، أَوْ مَعْتُوهًا فَحِينَئِذٍ تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى الْوَالِدِ لِعَجْزِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ عَنْ الْكَسْبِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَلَدِ مَالٌ فَإِذَا كَانَ لِلْوَلَدِ مَالٌ فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ مُوسِرٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ وَاسْتِحْقَاقُ النَّفَقَةِ عَلَى الْغَنِيِّ لِلْمُعْسِرِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ إذْ لَيْسَ أَحَدُ الْمُوسِرِينَ بِإِيجَابِ نَفَقَتِهِ عَلَى صَاحِبِهِ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْعَقْدِ لِتَفْرِيغِهَا نَفْسَهَا لَهُ فَتَسْتَحِقُّ مُوسِرَةً كَانَتْ، أَوْ مُعْسِرَةً فَأَمَّا الِاسْتِحْقَاقُ هُنَا بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ فَلَا يَثْبُتُ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ. (قَالَ:) فَإِنْ كَانَ مَالُ الْوَلَدِ غَائِبًا أُمِرَ الْأَبُ بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ فِي مَالِ الْوَلَدِ إذَا حَضَرَ مَالُهُ لَكِنَّهُ إنْ أَشْهَدَ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ أَنْفَقَ بِغَيْرِ إشْهَادٍ لَكِنْ عَلَى نِيَّةِ الرُّجُوعِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الْحُكْمِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَقْصِدُ التَّبَرُّعَ بِمِثْلِ هَذَا، وَالْقَاضِي يَتَّبِعُ الظَّاهِرَ فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِمَا فِي ضَمِيرِهِ. (قَالَ:)، وَكَذَلِكَ يُجْبَرُ عَلَى نَفَقَةِ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ الصِّغَارُ وَالنِّسَاءُ وَأَهْلُ الزَّمَانَةِ مِنْ الرِّجَالِ إذَا كَانُوا ذَوِي حَاجَةٍ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى غَيْرِ الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: تَجِبُ النَّفَقَةُ عَلَى كُلِّ وَارِثٍ مَحْرَمًا كَانَ، أَوْ غَيْرَ مَحْرَمٍ وَاسْتَدَلَّ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَلَكِنَّا نَقُولُ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَعَلَى الْوَارِثِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِثْلُ ذَلِكَ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَبْنِي عَلَى أَصْلِهِ فَإِنَّ عِنْدَهُ اسْتِحْقَاقَ الصِّلَةِ بِاعْتِبَارِ الْوِلَادِ دُونَ الْقَرَابَةِ حَتَّى لَا يُعْتَقَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، إلَّا الْوَالِدَيْنِ وَالْمَوْلُودِينَ عِنْدَهُ وَجَعَلَ قَرَابَةَ الْأُخُوَّةِ فِي ذَلِكَ كَقَرَابَةِ بَنِي الْأَعْمَامِ، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ اسْتِحْقَاقِ

стр. 1136

النَّفَقَةِ وَفِيمَا بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَوْلَادِ الِاسْتِحْقَاقُ بِعِلَّةِ الْجُزْئِيَّةِ دُونَ الْقَرَابَةِ وَحُمِلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] عَلَى نَفْيِ الْمُضَارَّةِ دُونَ النَّفَقَةِ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ عُمَرَ وَزَيْدٍ ﵄ فَإِنَّهُمَا قَالَا وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ النَّفَقَةِ، ثُمَّ نَفْيُ الْمُضَارَّةِ لَا يَخْتَصُّ بِهِ الْوَارِثُ بَلْ يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْوَارِثِ، كَمَا يَجِبُ عَلَى الْوَارِثِ عَلَى أَنَّ الْكِنَايَةَ فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ تَكُونُ عَنْ الْأَبْعَدِ وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْأَقْرَبُ يُقَالُ هَذَا فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ عَرَفْنَا أَنَّهُ مُنْصَرِفٌ إلَى قَوْلِهِ ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْقَرَابَةَ الْقَرِيبَةَ يُفْتَرَضُ وَصْلُهَا وَيَحْرُمُ قَطْعُهَا قَالَ: ﷺ «ثَلَاثٌ مُعَلَّقَاتٌ بِالْعَرْشِ النِّعْمَةُ وَالْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ تَقُولُ النِّعْمَةُ: كُفِرْت وَلَمْ أُشْكَرْ، وَتَقُولُ الْأَمَانَةُ: خُوِّنْت وَلَمْ أُرَدَّ، وَيَقُولُ الرَّحِمُ: قُطِعْت وَلَمْ أُوصَلْ.» وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى قَطِيعَةَ الرَّحِمِ مِنْ الْمَلَاعِنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ﴾ [النساء: ٥٢] وَمَنْعُ النَّفَقَةِ مَعَ يَسَارِ الْمُنْفِقِ وَصِدْقِ حَاجَةِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ يُؤَدِّي إلَى قَطِيعَةِ الرَّحِمِ؛ وَلِهَذَا اخْتَصَّ بِهِ ذُو الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ إذَا بَعُدَتْ لَا يُفْرَضُ وَصْلُهَا؛ وَلِهَذَا لَا تَثْبُتُ الْمَحْرَمِيَّةُ بِهَا، وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ الْمُوسِرَةُ تُجْبَرُ عَلَى مَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ الرَّجُلُ مِنْ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِحْقَاقَ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ كَالْعِتْقِ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الْمِلْكِ. (قَالَ:) وَلَا يُجْبَرُ الْمُعْسِرُ عَلَى نَفَقَةِ أَحَدٍ، إلَّا عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ الصَّغِيرِ، أَمَّا اسْتِحْقَاقُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ بِاعْتِبَارِ الْعَقْدِ وَأَمَّا الْأَوْلَادُ الصِّغَارُ فَلِأَنَّهُمْ أَجْزَاؤُهُ فَكَمَا لَا تَسْقُطُ عَنْهُ نَفَقَةُ نَفْسِهِ لِعُسْرَتِهِ، فَكَذَلِكَ نَفَقَةُ أَوْلَادِهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] فَأَمَّا نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ اسْتِحْقَاقُهَا بِطَرِيقِ الصِّلَةِ فَتَكُونُ عَلَى الْمُوسِرِينَ دُونَ الْمُعْسِرِينَ كَالزَّكَاةِ وَعَلَى هَذَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلٌ عَلَى حَاجَتِهِ مِقْدَارَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ الْأَقَارِبِ إلَّا أَنَّهُ يَرْوِي هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: إذَا كَانَ كَسْبُهُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمًا وَيَكْفِيه لِنَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ أَرْبَعَةُ دَوَانِقَ يُؤْمَرُ بِصَرْفِ الْفَضْلِ إلَى أَقَارِبِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ فَيُعْتَبَرُ فِي جَانِبِ الْمُؤَدِّي لِتَيْسِيرِ الْأَدَاءِ وَتَيْسِيرُ الْأَدَاءِ مَوْجُودٌ إذَا كَانَ كَسْبُهُ يَفْضُلُ عَنْ نَفَقَتِهِ. (قَالَ:) وَإِذَا امْتَنَعَ الْأَبُ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ حُبِسَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ سَائِرِ الدُّيُونِ فَإِنَّ الْوَالِدَ غَيْرُ مَحْبُوسٍ فِيهِ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّفَقَةَ لِحَاجَةِ الْوَقْتِ فَهُوَ بِالْمَنْعِ يَكُونُ قَاصِدًا إلَى إتْلَافِهِ وَالْأَبُ يَسْتَوْجِبُ الْعُقُوبَةَ عِنْدَ قَصْدِهِ إلَى إتْلَافِ وَلَدِهِ، كَمَا لَوْ عَدَا عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ دَفْعًا لَهُ بِخِلَافِ سَائِرِ الدُّيُونِ

стр. 1137

لَا تَسْقُطُ بِتَأْخِيرِ الْأَدَاءِ وَالنَّفَقَةُ لَا تَصِيرُ دَيْنًا بَلْ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ فَيَسْتَوْجِبُ الْحَبْسَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْأَدَاءِ وَهُوَ نَظِيرُ مَا قُلْنَا إنَّ مَنْ جَارَ فِي الْقَسْمِ يَوْجَعُ عُقُوبَةً وَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ إيفَاءِ حَقٍّ آخَرَ لَا يُحْبَسُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحَقَّ لَا يَسْقُطُ بِتَأْخِيرِ الْأَدَاءِ وَمَا جَارَ فِيهِ مِنْ الزَّمَانِ لَا يَصِيرُ دِينًا فَيَوْجَعُ عُقُوبَةً لِيَمْتَنِعَ مِنْ الْجَوْرِ. (قَالَ:) وَمَنْ كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ، أَوْ خَادِمٌ لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ فَعَلَى الْمُوسِرِ مِنْ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ نَفَقَتُهُ وَقَالَ الْخَصَّافُ فِي كِتَابِهِ بَعْدَ مَا رَوَى هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَالَ غَيْرُهُ لَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُ بِعْ مَسْكَنَك وَخَادِمَك وَأَنْفِقْ عَلَى نَفْسِك؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِمَنْزِلٍ يُكْرَى فَأَمَّا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْمَنْزِلُ وَالْخَادِمُ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَنْعَدِمُ بِمِلْكِهَا حَاجَتُهُ. (قَالَ:) وَلَا يُقْضَى بِالنَّفَقَةِ فِي مَالِ أَحَدٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا إذَا كَانَ رَبُّ الْمَالِ غَائِبًا، أَوْ مَفْقُودًا مَا خَلَا الْوَالِدَيْنِ وَالزَّوْجَةَ فَإِنِّي أَقْضِي لَهُمْ مِنْ مَالِ الْغَائِبِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَا كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَلَا يَتَقَوَّى، إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يُوجِدَ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ فَأَمَّا مَا كَانَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَهُوَ ثَابِتٌ بِنَفْسِهِ وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ فَيَأْخُذَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي وَلِلْقَاضِي أَنْ يُعِينَهُ عَلَى ذَلِكَ إذَا كَانَ صَاحِبُ الْمَالِ حَاضِرًا، أَوْ غَائِبًا وَالسَّبَبُ مَعْلُومًا لِلْقَاضِي، أَلَا تَرَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِهِنْدَ ﵂ خُذِي مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» وَهُوَ كَانَ غَائِبًا وَقَالَ فِي كِتَابِ الْمَفْقُودِ وَإِنْ اسْتَوْثَقَ مِنْهُ بِكَفِيلٍ فَحَسَنٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ أَخَذَ النَّفَقَةَ، أَوْ بَعَثَ الْغَائِبُ بِنَفَقَتِهِ فَيَقْصِدُ الْأَخْذَ ثَانِيًا وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ لِكُلِّ مَنْ عَجَزَ عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ فَإِذَا كَانَ الْغَائِبُ عَاجِزًا عَنْ النَّظَرِ لِنَفْسِهِ نَظَرَ الْقَاضِي لَهُ بِأَخْذِ الْكَفِيلِ إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَهُمْ ذَلِكَ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُمْ كَفِيلًا فَهُوَ مُسْتَقِيمٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَا خَصْمٌ يَطْلُبُ مِنْ الْقَاضِي أَخْذَ الْكَفِيلِ وَإِنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى الْقَاضِي عِنْدَ طَلَبِ الْخَصْمِ. (قَالَ:) فَإِنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مَالٌ فَأَنْفَقَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَجَزْتُهُ وَلَمْ أُضَمِّنْهُ؛ لِأَنَّهُ ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَاهُمْ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي حَتَّى أَنْفَقُوا كَانَ ضَامِنًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْحِفْظِ. وَدَفْعُهُ إلَى غَيْرِهِ لِيُنْفِقَ لَيْسَ مِنْ الْحِفْظِ فَيَصِيرُ بِهِ مُخَالِفًا ضَامِنًا وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ أَرَادَ الْمُودَعُ أَنْ يَقْضِيَ الْوَدِيعَةِ دَيْنَ الْمُودِعِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَيَصِيرُ ضَامِنًا إنْ فَعَلَهُ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الدَّيْنِ إذَا ظَفِرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ. (قَالَ:)، وَإِنْ بَاعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَتَاعَ الْغَائِبِ لِلنَّفَقَةِ أَبْطَلْتُ بَيْعَهُ مَا خَلَا الْأَبَ الْمُحْتَاجَ فَإِنِّي أُجِيزُ بَيْعَهُ عَلَى وَلَدِهِ الْغَائِبِ فِيمَا سِوَى الْعَقَارِ اسْتِحْسَانًا لِمَا يُنْفِقُهُ عَلَى

стр. 1138

نَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ فِي الْعَقَارِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ صَغِيرًا، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الْمَفْقُودِ. (قَالَ)، وَكَذَلِكَ قِيَاسُ قَوْلِهِ فِي الْمَفْقُودِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأَبِ أَيْضًا عَلَى ابْنِهِ الْكَبِيرِ الْغَائِبِ فِي الْعَقَارِ، كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ غَيْرِهِ وَالْقِيَاسُ مَا قَالَا؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْأَبِ قَدْ زَالَتْ بِبُلُوغِ الصَّبِيِّ عَنْ عَقْلٍ فَيَكُونُ هُوَ فِي بَيْعِ أَمْوَالِهِ كَغَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ النَّفَقَةَ لَا تَكُونُ أَوْجَبَ مِنْ سَائِرِ الدُّيُونِ وَلَيْسَ لِلْأَبِ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ مَتَاعِ وَلَدِهِ فِي دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ وَلَا يَقْضِي الْقَاضِي بِذَلِكَ أَيْضًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ، فَكَذَلِكَ فِي النَّفَقَةِ وَاسْتِحْقَاقِ الْأُمِّ النَّفَقَةَ كَاسْتِحْقَاقِ الْأَبِ، ثُمَّ الْأُمُّ لَا تَبِيعُ عُرُوضَ الْوَلَدِ فِي نَفَقَتِهَا فَكَذَلِكَ الْأَبُ وَاسْتَحْسَنَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ: وِلَايَةُ الْأَبِ، وَإِنْ زَالَتْ بِالْبُلُوغِ وَلَكِنْ بَقِيَ أَثَرُهَا وَلِهَذَا صَحَّ مِنْهُ الِاسْتِيلَادُ فِي جَارِيَةِ الِابْنِ فَلِبَقَاءِ أَثَرِ وِلَايَتِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْعُرُوضَ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْعُرُوضِ مِنْ الْحِفْظِ، فَإِنَّ الْعُرُوضَ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ الْهَلَاكِ، وَحِفْظُ الثَّمَنِ أَيْسَرُ، وَوِلَايَةُ الْحِفْظِ تَثْبُتُ لِمَنْ يَثْبُتُ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ كَالْوَصِيِّ فِي حَقِّ الْوَارِثِ الْكَبِيرِ الْغَائِبِ لَهُ وِلَايَةُ الْحِفْظِ وَبَيْعُ الْعُرُوضِ، فَكَذَلِكَ لِلْأَبِ ذَلِكَ وَبَعْدَ الْبَيْعِ الثَّمَنُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مِقْدَارَ النَّفَقَةِ، فَأَمَّا بَيْعُ الْعَقَارِ لَيْسَ مِنْ الْحِفْظِ؛ لِأَنَّهُ مُحَصَّنٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ، إلَّا بِمُطْلَقِ الْوِلَايَةِ وَهُوَ عِنْدَ صِغَرِ الْوَلَدِ أَوْ جُنُونِهِ وَإِذَا بَاعَ عِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ مِنْ الثَّمَنِ نَفَقَتَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ وَبِخِلَافِ الْأُمِّ وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ فِي حَالَةِ الصِّغَرِ لِيَبْقَى أَثَرُ تِلْكَ الْوِلَايَةِ بَعْدَ الْبُلُوغِ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُمْ وِلَايَةُ حِفْظِ الْمَالِ فَلِهَذَا لَا يَجُوزُ مِنْهُمْ بَيْعُ الْعُرُوضِ. (قَالَ:) وَلَا يُجْبَرُ الْمُسْلِمُ عَلَى نَفَقَةِ الْكُفَّارِ مِنْ قَرَابَتِهِ وَلَا الْكُفَّارُ عَلَى نَفَقَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَرَابَتِهِمْ؛ لِأَنَّ هَذَا الِاسْتِحْقَاقَ بِعِلَّةِ وِلَايَةِ الْوِرَاثَةِ شَرْعًا وَبِسَبَبِ اخْتِلَافِ الدِّينِ يَنْعَدِمُ التَّوَارُثُ، إلَّا الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدَ وَالزَّوْجَةَ، أَمَّا اسْتِحْقَاقُ الزَّوْجَةِ لِلنَّفَقَةِ بِسَبَبِ الْعَقْدِ وَذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ، أَمَّا فِي حَقِّ الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَثْبُتَ اسْتِحْقَاقُ النَّفَقَةِ مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا بِطَرِيقِ الصِّلَةِ كَنَفَقَةِ الْأَقَارِبِ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ الْمُسْلِمِ نَفَقَةُ أَبَوَيْهِ الذِّمِّيَّيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وَلَيْسَ مِنْ الْمُصَاحَبَةِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَتَقَلَّبَ فِي نِعَمِ اللَّهِ وَيَدَعَهُمَا يَمُوتَانِ جُوعًا وَالنَّوَافِلُ وَالْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ وَالْأُمِّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبَوَيْنِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهُمْ بِاعْتِبَارِ الْوِلَادِ بِمَنْزِلَةِ اسْتِحْقَاقِ الْأَبَوَيْنِ. (قَالَ:) وَإِذَا مَاتَ الْأَبُ وَلِلْوَلَدِ الصَّغِيرِ أُمٌّ وَجَدٌّ أَبُ الْأَبِ فَنَفَقَتُهُ

стр. 1139

عَلَيْهِمَا عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمَا أَثْلَاثًا بِخِلَافِ الْأَبِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُشَارِكُهُ فِي النَّفَقَةِ أَحَدٌ لِحَقِيقَةِ الْجُزْئِيَّةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوَلَدِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي حَقِّ الْجَدِّ فَإِنَّ اتِّصَالَ النَّافِلَةِ بِوَاسِطَةِ الْأَبِ كَاتِّصَالِ الْأَخِ فَكَمَا أَنَّ فِي الْأَخِ وَالْأُمِّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِمَا بِحَسَبِ الْمِيرَاثِ إذَا كَانَا مُوسِرَيْنِ، فَكَذَلِكَ فِي الْجَدِّ وَالْأُمِّ النَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا بِحَسَبِ الْمِيرَاثِ. (قَالَ:)، وَإِنْ كَانَ لِلْوَلَدِ خَالٌ مُوسِرٌ وَابْنُ عَمٍّ مُوسِرٌ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْخَالِ دُونَ ابْنِ الْعَمِّ، وَإِنْ كَانَ الْمِيرَاثُ لِابْنِ الْعَمِّ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ وَابْنُ الْعَمِّ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ فَلَا نَفَقَةَ عَلَيْهِ وَالْخَالُ مَحْرَمٌ فَتَكُونُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ مُوسِرًا. (قَالَ:) وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ زَمِنًا مُعْسِرًا وَلَهُ ابْنٌ مُعْسِرٌ صَغِيرٌ، أَوْ كَبِيرٌ زَمِنٌ وَلِلرَّجُلِ ثَلَاثَةُ إخْوَةٍ مُتَفَرِّقِينَ أَهْلُ يَسَارٍ فَنَفَقَةُ الرَّجُلِ تَكُونُ عَلَى أَخِيهِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَعَلَى أَخِيهِ لِأُمٍّ أَسْدَاسًا بِحَسَبِ مِيرَاثِهِمَا مِنْهُ وَأَمَّا نَفَقَةُ الْأَوْلَادِ فَعَلَى الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ لَهُ مِيرَاثَ الْوَلَدِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ خَاصَّةً، فَإِنَّهُ عَمٌّ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَلَا يَرِثُ مَعَهُ الْعَمُّ لِأَبٍ وَلَا الْعَمُّ لِأُمٍّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ يَكُونُ مُحْتَاجًا يُجْعَلُ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ فَتَكُونُ النَّفَقَةُ بَعْدَهُ عَلَى مَنْ يَكُونُ وَارِثًا بِحَسَبِ مِيرَاثِهِ وَإِذَا كَانَ الْوَلَدُ بِنْتًا كَانَتْ نَفَقَةُ الْأَبِ وَالْبِنْتِ عَلَى الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ خَاصَّةً، أَمَّا نَفَقَةُ الْبِنْتِ؛ فَلِمَا بَيَّنَّا، وَأَمَّا نَفَقَةُ الْأَبِ فَلِأَنَّ الْوَارِثَ هُنَا هُوَ الْأَخُ لِأَبٍ وَأُمٍّ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْأَخَ لِأَبٍ وَأُمٍّ يَرِثُ مَعَ الْبِنْتِ وَالْأَخُ لِأُمٍّ لَا يَرِثُ مَعَ الْبِنْتِ؛ فَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ تُجْعَلَ الْبِنْتُ كَالْمَعْدُومَةِ وَلَكِنْ تُعْتَبَرُ صِفَةُ الْوِرَاثَةِ مَعَ بَقَائِهَا بِخِلَافِ الِابْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ الْإِخْوَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُجْعَلَ كَالْمُعْدِمِ وَإِذَا جُعِلَ كَذَلِكَ فَمِيرَاثُ الْأَبِ بَيْنَ الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَالْأَخِ لِأُمٍّ أَسْدَاسًا فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا بِحَسَبِ ذَلِكَ. (قَالَ:)، وَإِنْ كَانَ مَكَانَ الْإِخْوَةِ أَخَوَاتٌ مُتَفَرِّقَاتٌ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ ذَكَرًا فَنَفَقَةُ الْأَبِ عَلَى أَخَوَاتِهِ أَخْمَاسًا؛ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ الْأَخَوَاتِ لَا يَرِثُ مَعَ الِابْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُجْعَلَ الِابْنُ كَالْمَعْدُومِ وَبَعْدَ ذَلِكَ الْمِيرَاثُ بَيْنَهُنَّ أَخْمَاسًا ثَلَاثَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَخَمْسَةٌ لِلْأُخْتِ لِأَبٍ وَخَمْسَةٌ لِلْأُخْتِ لِأُمٍّ بِطَرِيقِ الْفَرْضِ وَالرَّدِّ، فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَنَفَقَةُ الْوَلَدِ عَلَى الْأُخْتِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ خَاصَّةً فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا؛ لِأَنَّ مِيرَاثَهُ إذَا مَاتَ عِنْدَ عَدَمِ الْوَالِدِ لِلْعَمَّةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ خَاصَّةً دُونَ الْعَمَّةِ لِأَبٍ، أَوْ لِأُمٍّ. أَمَّا فِي قَوْلِ مَنْ يُوَرِّثُ الْعَمَّاتِ الْمُتَفَرِّقَاتِ كَمَا يُوَرِّثُ الْأَخَوَاتِ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ التَّنْزِيلِ فَنَفَقَةُ الْوَلَدِ عَلَيْهِنَّ أَيْضًا أَخْمَاسًا بِحَسَبِ الْمِيرَاثِ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي الْمِيرَاثِ قَالَ: نَفَقَةُ الْأَبِ تَكُونُ عَلَى الْأُخْتِ لِأَبٍ

стр. 1140

السُّدُسُ مِنْ ذَلِكَ وَالْبَاقِي أَرْبَاعٌ عَلَى الْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَعَلَى الْأُخْتِ لِأُمٍّ رُبْعُهُ بِحَسَبِ الْمِيرَاثِ، فَإِنَّهُ لَا يَرَى الرَّدَّ عَلَى الْأُخْتِ لِأَبٍ مَعَ الْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ بِنْتًا فَنَفَقَةُ الْأَبِ عَلَى الْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهَا وَارِثَةٌ مَعَ الْبَنَاتِ فَإِنَّ الْأَخَوَاتِ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَةٌ فَلَا تُجْعَلُ الْبِنْتُ كَالْمَعْدُومِ هُنَا وَلَكِنْ لَوْ مَاتَ الْأَبُ كَانَ نِصْفُ مِيرَاثِهِ لِلْبِنْتِ وَالْبَاقِي لِلْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهُ عَلَى الْأُخْتِ لِأَبٍ وَأُمٍّ، وَكَذَلِكَ نَفَقَةُ الْبِنْتِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، إلَّا فِي قَوْلِ أَهْلِ التَّنْزِيلِ، فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ الْمِيرَاثَ بَيْنَ الْعَمَّاتِ أَخْمَاسًا فَنَفَقَةُ الْبِنْتِ عَلَيْهِنَّ أَخْمَاسًا أَيْضًا، وَأَمَّا عِنْدَنَا مِيرَاثُ الْبِنْتِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ كُلُّهُ لِلْعَمَّةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَالنَّفَقَةُ عَلَيْهَا أَيْضًا، ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْأَصْلِ الَّذِي قُلْنَا أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى وَارِثِ الْأَبِ فَإِنْ كَانَ يُحْرِزُ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ جَعَلْته كَالْمَيِّتِ، ثُمَّ نَظَرْت إلَى مَنْ يَرِثُهُ فَجَعَلْت النَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَرِثُهُ لَا يُحْرِزُ الْمِيرَاثَ كُلَّهُ جَعَلْت النَّفَقَةَ عَلَى مَنْ يَرِثُ مَعَهُ. (قَالَ:) امْرَأَةٌ مُعْسِرَةٌ وَلَهَا وَلَدٌ مُوسِرٌ وَأُمٌّ مُوسِرَةٌ فَنَفَقَتُهَا عَلَى الْوَلَدِ دُونَ الْأُمِّ، وَكَذَلِكَ الْأَبُ نَفَقَتُهُ عَلَى ابْنِهِ دُونَ أَبِيهِ لِلتَّأْوِيلِ الثَّابِتِ لَهُ فِي مَالِ وَلَدِهِ بِقَوْلِهِ ﷺ «أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك» وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْوَالِدِ وَلَا فِي حَقِّ الْأُمِّ وَكَمَا لَا يُشَارِكُ الْوَالِدَ فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْوَلَدِ أَحَدٌ، فَكَذَلِكَ لَا يُشَارِكُ الْوَلَدَ فِي النَّفَقَةِ عَلَى الْوَالِدَيْنِ أَحَدٌ مِنْ أُمٍّ وَلَا أَبٍ وَلَا جَدٍّ. (قَالَ:) وَيُجْبَرُ أَهْلُ الذِّمَّةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى النَّفَقَةِ، كَمَا يُجْبَرُ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مِلَلُهُمْ فِي الْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ يَتَوَارَثُونَ مَعَ اخْتِلَافِ النِّحَلِ فَيَثْبُتُ حُكْمُ اسْتِحْقَاقِ النَّفَقَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَيْضًا وَلَا يُجْبَرُ الْمُوسِرُ عَلَى نَفَقَةِ الْمُعْسِرِ مِنْ قَرَابَتِهِ إذَا كَانَ رَجُلًا صَحِيحًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَسْبِ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي لَا زَمَانَةَ بِهِ لَا يَعْجِزُ عَنْ كَسْبِ الْقُوتِ عَادَةً وَبِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الْعَادَةِ الظَّاهِرَةِ دُونَ النَّادِرِ، إلَّا فِي الْوَالِدَيْنِ خَاصَّةً وَفِي الْجَدِّ أَبِ الْأَبِ إذَا مَاتَ أَبُو الْوَلَدِ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ الْوَلَدُ عَلَى نَفَقَتِهِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا لِدَفْعِ الْأَذَى الَّذِي يَلْحَقُهُ لِلْكَدِّ وَالتَّعَبِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. (قَالَ:) وَلَا يُجْبَرُ الْمَمْلُوكُ وَالْمُكَاتَبُ عَلَى نَفَقَةِ أَحَدٍ مِنْ قَرَابَتِهِ؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْمَمْلُوكِ لِمَوْلَاهُ وَالْمُكَاتَبُ لَيْسَ لَهُ فِي كَسْبِهِ مِلْكٌ فِي الْحَقِيقَةِ بَلْ هُوَ دَائِرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْلَاهُ فَلَا يَلْزَمُهُ نَفَقَةُ أَحَدٍ مِنْ قَرَابَتِهِ، إلَّا وَلَدَهُ الْمَوْلُودَ فِي الْكِتَابَةِ مِنْ أَمَتِهِ، فَإِنَّهُ دَاخِلٌ فِي كِتَابَتِهِ وَكَسْبِهِ لَهُ لِتَكُونَ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ. (قَالَ:) وَلَا يُجْبَرُ الْمُسْلِمُ وَلَا الذِّمِّيُّ عَلَى النَّفَقَةِ لِوَالِدَيْهِ وَوَلَدِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَإِنْ كَانُوا مُسْتَأْمَنِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِطَرِيقِ الصِّلَةِ وَلَا يَثْبُتُ لِلْحَرْبِيِّ اسْتِحْقَاقُ الصِّلَةِ عَلَى مَنْ هُوَ

стр. 1141

أَهْلُ دَارِ الْإِسْلَامِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ، وَإِنْ كَانَا عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ الْكُفْرِ فَكَذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ النَّفَقَةِ لِبَعْضِهِمْ عَلَى الْبَعْضِ (قَالَ:) وَنَفَقَةُ الْمَعْتُوهِ عَلَى ابْنِهِ دُونَ أَبِيهِ لِتَأْوِيلِ الْمِلْكِ لَهُ فِي مَالِ ابْنِهِ دُونَ مَالِ أَبِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا مُعْسِرًا كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى الِابْنِ دُونَ الْأَبِ، فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَعْتُوهًا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ

стр. 1142

[كِتَابُ الطَّلَاقِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الطَّلَاقِ (قَالَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إمْلَاءً الطَّلَاقِ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إزَالَةِ الْقَيْدِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الْإِطْلَاقِ يَقُولُ الرَّجُلُ أَطْلَقْت إبِلِي وَأَطْلَقْت أَسِيرِي وَطَلَّقْت امْرَأَتِي فَالْكُلُّ مِنْ الْإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ اللَّفْظُ لِاخْتِلَافِ الْمَعْنَى فَفِي الْمَرْأَةِ يَتَكَرَّرُ الطَّلَاقُ، وَإِذَا تَمَّ رَفْعُ الْقَيْدِ بِتَكَرُّرِ الطَّلَاقِ لَا يَأْتِي تَقْيِيدُهُ ثَانِيًا فِي الْحَالِ فَفِي التَّفْعِيلِ مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ؛ فَلِهَذَا يُقَالُ فِي الْمَرْأَةِ طَلُقَتْ، وَهُوَ كَقَوْلِهِمْ حِصَانٌ وَحِصَانٌ لَكِنْ يُقَالُ فِي الْفَرَسِ حِصَانٌ أَيْ بَيِّنُ التَّحَصُّنِ، وَفِي الْمَرْأَةِ حَصَانٌ أَيْ بَيِّنَةُ الْحِصْنِ، وَكَذَا يُقَالُ عَدْلٌ وَعَدِيلٌ وَكِلَاهُمَا مُشْتَقٌّ مِنْ الْعَدَالَةِ وَالْمُعَادَلَةِ وَلَكِنْ يَخْتَصُّ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ بِالْآدَمِيِّ لِمَعْنًى اخْتَصَّ بِهِ وَمُوجِبُ الطَّلَاقِ فِي الشَّرِيعَةِ رَفْعُ الْحِلِّ الَّذِي بِهِ صَارَتْ الْمَرْأَةُ مَحِلًّا لِلنِّكَاحِ إذَا تَمَّ الْعَدَدُ ثَلَاثًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وَيُوجِبُ زَوَالُ الْمِلْكِ بِاعْتِبَارِ سُقُوطِ الْيَدِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَانْعِدَامِ الْعِدَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الدُّخُولِ وَالِاعْتِيَاضِ عِنْدَ الْخُلْعِ. فَالِاسْمُ شَرْعِيٌّ فِيهِ مَعْنَى اللُّغَةِ وَإِيقَاعُ الطَّلَاقِ مُبَاحٌ وَإِنْ كَانَ مُبْغَضًا فِي الْأَصْلِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ لَا يُبَاحُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَعَنَ اللَّهُ كُلَّ ذَوَّاقٍ مِطْلَاقٍ» وَقَالَ ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا مِنْ نُشُوزٍ فَعَلَيْهَا لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ فِي الرَّجُلِ يَخْلَعُ امْرَأَتَهُ وَلِأَنَّ فِيهِ كُفْرَانَ النِّعْمَةِ فَإِنَّ النِّكَاحَ نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم: ٢١] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ﴾ [آل عمران: ١٤] الْآيَةَ وَكُفْرَانُ النِّعْمَةِ حَرَامٌ، وَهُوَ رَفْعُ النِّكَاحِ الْمَسْنُونِ فَلَا يَحِلُّ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَذَلِكَ إمَّا كِبَرُ السِّنِّ لِمَا رُوِيَ أَنَّ سَوْدَةَ لَمَّا طَعَنَتْ فِي السِّنِّ طَلَّقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِمَّا لِرِيبَةٍ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى

стр. 1143

النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ إنَّ امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه طَلِّقْهَا فَقَالَ إنِّي أُحِبُّهَا فَقَالَ ﷺ أَمْسِكْهَا إذَنْ». وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وَذَلِكَ كُلُّهُ يَقْتَضِي كُلُّهُ إبَاحَةَ الْإِيقَاعِ «وَطَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَفْصَةَ ﵂ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يَأْمُرُهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ» وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ كِبَرُ سِنٍّ وَلَا رِيبَةَ وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ طَلَّقَ أُمَّ عَاصِمٍ ﵂ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ طَلَّقَ تُمَاضِرَ ﵂ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ﵁ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَأَقَامَهُنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ صَفًّا وَقَالَ أَنْتُنَّ حِسَانُ الْأَخْلَاقِ نَاعِمَاتُ الْأَرْدَافِ طَوِيلَاتُ الْأَعْنَاقِ اذْهَبْنَ فَأَنْتُنَّ طَلَاقٌ وَأَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ﵄ اسْتَكْثَرَ مِنْ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ بِالْكُوفَةِ حَتَّى قَالَ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ إنَّ ابْنِي هَذَا مِطْلَاقٌ فَلَا تُزَوِّجُوهُ فَقَالُوا إنَّا نُزَوِّجُهُ ثُمَّ نُزَوِّجُهُ وَلِأَنَّ هَذَا إزَالَةُ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الْإِسْقَاطِ فَيَكُونُ مُبَاحًا فِي الْأَصْلِ كَالْإِعْتَاقِ، وَفِيهِ مَعْنَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ مِنْ وَجْهٍ وَمَعْنَى إزَالَةِ الرِّقِّ مِنْ وَجْهٍ فَالنِّكَاحُ رِقٌّ قَالَ ﷺ «النِّكَاحُ رِقٌّ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ أَيْنَ يَضَعُ كَرِيمَتَهُ». وَرُوِيَ «بِمَ يَرِقُّ كَرِيمَتَهُ» وَلِهَذَا صَانَ الشَّرْعُ الْقَرَابَةَ الْقَرِيبَةَ عَنْ هَذَا الرِّقِّ حَيْثُ حَرَّمَ نِكَاحَ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ. وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ: «وَإِنَّ أَبْغَضَ الْمُبَاحَاتِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ» فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ مُبَاحٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ الرِّقِّ وَمُبْغِضٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ ثُمَّ مَعْنَى النِّعْمَةِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَ مُوَافَقَةِ الْأَخْلَاقِ فَأَمَّا عِنْدَ عَدَمِ مُوَافَقَةِ الْأَخْلَاقِ فَاسْتِدَامَةُ النِّكَاحِ سَبَبٌ لِامْتِدَادِ الْمُنَازَعَاتِ فَكَانَ الطَّلَاقُ مَشْرُوعًا مُبَاحًا لِلتَّفَصِّي عَنْ عُهْدَةِ النِّكَاحِ عِنْدَ عَدَمِ مُوَافَقَةِ الْأَخْلَاقِ. ثُمَّ هُوَ نَوْعَانِ طَلَاقُ سُنَّةٍ وَطَلَاقُ بِدْعَةٍ وَالسُّنَّةُ فِي الطَّلَاقِ نَوْعَانِ سُنَّةٌ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ وَسُنَّةٌ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتُ فَالسُّنَّةُ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ مَا بَدَأَ بِبَيَانِهِ الْكِتَابُ، وَهُوَ نَوْعَانِ حَسَنٌ وَأَحْسَنُ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَاحِدَةً فِي وَقْتِ السَّنَةِ، وَيَدَعَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا. هَكَذَا نُقِلَ عَنْ إبْرَاهِيمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا يَسْتَحْسِنُونَ أَنْ لَا يَزِيدُوا فِي الطَّلَاقِ عَلَى وَاحِدَةٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ وَأَنَّ هَذَا أَفْضَلُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ ثَلَاثًا عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ وَاحِدَةً وَلِأَنَّهُ مُبْغَضٌ شَرْعًا لَكِنَّهُ مُبَاحٌ لِمَقْصُودِ التَّفَصِّي عَنْ عُهْدَةِ النِّكَاحِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْوَاحِدَةِ وَلَا يَرْتَفِعُ بِهَا الْحِلُّ الَّذِي هُوَ

стр. 1144

نِعْمَةٌ فَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا أَحْسَنُ وَالْحَسَنُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ وَاحِدَةً. وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا أَعْرِفُ الْمُبَاحَ مِنْ الطَّلَاقِ إلَّا وَاحِدَةً، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِابْنِ عُمَرَ ﵁: «إنَّمَا السُّنَّةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ اسْتِقْبَالًا فَتُطَلِّقَهَا لِكُلِّ طُهْرٍ تَطْلِيقَةً فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ». يُرِيدُ بِهِ الْإِشَارَةَ إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. وَلَمَّا قَابَلَ اللَّهُ تَعَالَى الطَّلَاقَ بِالْعِدَّةِ، وَالطَّلَاقُ ذُو عَدَدٍ وَالْعِدَّةُ ذَاتُ عَدَدٍ تَنْقَسِمُ آحَادُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ أَعْطِ هَؤُلَاءِ الرِّجَالَ الثَّلَاثَةَ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَلِأَنَّ عَدَمَ مُوَافَقَةِ الْأَخْلَاقِ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُوقَفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَأَقَامَ الشَّرْعُ السَّبَبَ الظَّاهِرَ الدَّالَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الطُّهْرُ الَّذِي لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ مَقَامَ حَقِيقَةِ الْحَاجَةِ لِعَدَمِ مُوَافَقَةِ الْأَخْلَاقِ لِأَنَّهُ زَمَانُ الرَّغْبَةِ فِيهَا طَبْعًا وَشَرْعًا فَلَا يَخْتَارُ فِرَاقَهَا إلَّا لِلْحَاجَةِ وَمَتَى قَامَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَ الْمَعْنَى الْبَاطِنِ دَارَ الْحُكْمُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا. وَهَذَا السَّبَبُ الظَّاهِرُ مُتَكَرِّرٌ فَتَتَكَرَّرُ إبَاحَةُ الطَّلَاقِ بِتَكَرُّرِهِ وَيُجْعَلُ ذَلِكَ قَائِمٌ مَقَامَ تَجَدُّدِ الْحَاجَةِ حُكْمًا وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فَقَالَ إذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِلسُّنَّةِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَهِيَ طَاهِرَةٌ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا طَلَّقَهَا بَعْدَ مَا تَحِيضُ وَتَطْهُرُ ثُمَّ يَدَعُهَا حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ ثُمَّ يُطَلِّقَهَا أُخْرَى فَكَانَتْ قَدْ بَانَتْ مِنْهُ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ وَبَقِيَ عَلَيْهَا مِنْ عِدَّتِهَا حَيْضَةٌ. وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ إيقَاعُ الثَّلَاثِ جُمْلَةً بِدْعَةٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا أَعْرِفُ فِي الْجَمْعِ بِدْعَةً وَلَا فِي التَّفْرِيقِ سُنَّةً بَلْ الْكُلُّ مُبَاحٌ وَرُبَّمَا يَقُولُ إيقَاعُ الثَّلَاثِ جُمْلَةً سُنَّةٌ حَتَّى إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ وَقَعَ الْكُلُّ فِي الْحَالِ عِنْدَهُ قَالَ وَبِالِاتِّفَاقِ لَوْ نَوَى وُقُوعَ الثَّلَاثِ جُمْلَةً يَقَعُ جُمْلَةً وَلَوْ لَمْ يَكُنْ سُنَّةٌ لَمَا عَمِلْت نِيَّتُهُ لِأَنَّ النِّيَّةَ بِخِلَافِ الْمَلْفُوظِ بَاطِلٌ وَاسْتُدِلَّ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ «الْعَجْلَانِيِّ فَإِنَّهُ لَمَّا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ قَالَ كَذَبْت عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَمْسَكْتهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إيقَاعَ الثَّلَاثِ جُمْلَةً» وَقَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَتْ «فَلَمْ يَجْعَلْ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَفَقَةً وَلَا سُكْنَى» وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تُمَاضِرَ ﵂ ثَلَاثًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ﵄ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ شَهْبَاءَ ﵂ ثَلَاثًا حِينَ هَنَّأَتْهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ مَوْتِ عَلِيٍّ. ﵁ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ إزَالَةَ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الْإِسْقَاطِ فَيَكُونُ مُبَاحًا مُطْلَقًا جَمَعَ أَوْ

стр. 1145

فَرَّقَ كَالْعِتْقِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ لَهُ جُمْلَةً كَانَ مُبَاحًا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ فَرَّقَ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْوَاحِدَةِ بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ هَذَا يُزِيلُ الْمِلْكَ عَنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُنَاكَ الْإِيقَاعُ يُزِيلُ الْمِلْكَ عَنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ تَصَرُّفُ مَمْلُوكٍ بِالنِّكَاحِ فَيَكُونُ مُبَاحًا فِي الْأَصْلِ وَالتَّحْرِيمُ فِيهِ لِمَعْنًى عَارِضٍ كَالظِّهَارِ الَّذِي انْضَمَّ إلَيْهِ وَصْفُ كَوْنِهِ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا وَالْإِيلَاءُ الَّذِي انْضَمَّ إلَيْهِ مَعْنَى قَطْعِ الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى وَجْهِ الْإِضْرَارِ وَالتَّعَنُّتِ فَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ مُبَاحُ الْإِيقَاعِ إلَّا إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ مَعْنًى مُحَرَّمٌ وَهُوَ الْإِضْرَارُ بِهَا بِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا إذَا طَلَّقَهَا فِي حَالَةِ الْحَيْضِ. وَتَلْبِيسِ أَمْرِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا إذَا طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ قَدْ جَامَعَهَا فِيهِ لِأَنَّهَا لَا تَدْرِي أَنَّهَا حَامِلٌ فَتَعْتَدُّ بِوَضْعِ الْحَمْلِ أَوْ حَائِلٌ فَتَعْتَدُّ بِالْأَقْرَاءِ وَذَلِكَ مُنْعَدِمٌ إذَا طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ سَوَاءٌ أَوْقَعَ الثَّلَاثَ أَوْ الْوَاحِدَةَ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ هَذَا طَلَاقٌ صَادَفَ زَمَانَ الِاحْتِسَابِ مَعَ زَوَالِ الِارْتِيَابِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] مَعْنَاهُ دَفْعَتَانِ كَقَوْلِهِ أَعْطَيْته مَرَّتَيْنِ وَضَرَبْته مَرَّتَيْنِ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْجِنْسِ فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ الطَّلَاقِ الْمُبَاحِ فِي دَفْعَتَيْنِ وَدَفْعَةٍ ثَالِثَةٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] أَوْ فِي قَوْلِهِ ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] عَلَى حَسَبِ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ التَّفْسِيرِ. وَفِي حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - «أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مُغْضَبًا فَقَالَ أَتَلْعَبُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ» وَاللَّعِبُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ فَدَلَّ أَنَّ مَوْقِعَ الثَّلَاثِ جُمْلَةً مُخَالِفٌ لِلْعَمَلِ بِمَا فِي الْكِتَابِ وَأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] تَفْرِيقُ الطَّلْقَاتِ عَلَى عَدَدِ أَقْرَاءِ الْعِدَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ خَاطَبَ الزَّوْجَ بِالْأَمْرِ بِإِحْصَاءِ الْعِدَّةِ وَفَائِدَتُهُ التَّفْرِيقُ فَإِنَّهُ قَالَ ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] أَيْ يَبْدُو لَهُ فَيُرَاجِعُهَا وَذَلِكَ عِنْدَ التَّفْرِيقِ لَا عِنْدَ الْجَمْعِ، وَفِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ «أَنَّ قَوْمًا جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا إنَّ أَبَانَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْفًا فَقَالَ ﷺ بَانَتْ امْرَأَتُهُ بِثَلَاثٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَقِيَ تِسْعُمِائَةٍ وَسَبْعَةٍ وَتِسْعِينَ وِزْرًا فِي عُنُقِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» «وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَقَالَ أَرَأَيْت لَوْ طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا أَكَانَتْ تَحِلُّ لِي فَقَالَ ﷺ لَا بَانَتْ مِنْك» وَهِيَ مَعْصِيَةٌ. وَبِهَذِهِ الْآثَارِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ الْإِنْكَارَ عَلَى الْعَجْلَانِيِّ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ شَفَقَةً عَلَيْهِ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لِشِدَّةِ الْغَضَبِ رُبَّمَا لَا يَقْبَلُ قَوْلَهُ فَيُكَفِّرُ فَأَخَّرَ الْإِنْكَارَ إلَى وَقْتٍ آخَرَ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ «اذْهَبْ

стр. 1146

فَلَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا» أَوْ كَرَاهَةُ إيقَاعِ الثَّلَاثِ لِمَا فِيهِ مِنْ سَدِّ بَابِ التَّلَافِي مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي حَقِّ الْعَجْلَانِيِّ لِأَنَّ بَابَ التَّلَافِي بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ مُنْسَدٌّ مَا دَامَا مُصِرَّيْنِ عَلَى اللِّعَانِ وَالْعَجْلَانِيُّ كَانَ مُصِرًّا عَلَى اللِّعَانِ وَلَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - كَرَاهَةُ إيقَاعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ قَالَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ طَلَّقُوا نِسَاءَهُمْ كَمَا أُمِرُوا لَمَا فَارَقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَلَهُ إلَيْهَا حَاجَةٌ إنَّ أَحَدَكُمْ يَذْهَبُ فَيُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَعْصِرُ عَيْنَيْهِ مَهْلًا مَهْلًا بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِيكُمْ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ فَمَاذَا بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ إلَّا الضَّلَالُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ لَا أَعْرِفُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا إنَّ إيقَاعَ الثَّلَاثِ جُمْلَةً مَكْرُوهٌ إلَّا قَوْلَ ابْنِ سِيرِينَ وَأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَيَتَبَيَّنُ بِهَذَا أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّمَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ وَأَنَّ الْحَسَنَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّمَا قَالَ لِشَهْبَاءَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ وَعِنْدَنَا لَا بَأْسَ بِهِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ تَحْرِيمُ الْبُضْعِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَيَكُونُ مَكْرُوهًا كَالظِّهَارِ بَلْ أَوْلَى فَإِنَّ الظِّهَارَ تَحْرِيمُ الْبُضْعِ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ إزَالَةِ الْمِلْكِ، وَفِي إيقَاعِ الثَّلَاثِ تَحْرِيمُ الْبُضْعِ مَعَ إزَالَةِ الْمِلْكِ وَالْفِقْهُ فِيهِ مَا بَيَّنَّا أَنَّ إبَاحَةَ الْإِيقَاعِ لِلْحَاجَةِ إلَى التَّفَصِّي عَنْ عُهْدَةِ النِّكَاحِ عِنْدَ عَدَمِ مُوَافَقَةِ الْأَخْلَاقِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْوَاحِدَةِ وَلَا يَحْصُلُ بِهَا تَحْرِيمُ الْبُضْعِ فَلَا تَتَحَقَّقُ الْحَاجَةُ إلَى مَا يَكُونُ مُحَرِّمًا لِلْبُضْعِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبَاحَ أَصْلًا. وَلَكِنْ أُبِيحَ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْأَطْهَارِ لِتَجَدُّدِ الْحَاجَةِ حُكْمًا عَلَى مَا قَرَّرْنَا وَلِأَنَّ فِي إيقَاعِ الثَّلَاثِ قَطْعُ بَابِ التَّلَافِي وَتَفْوِيتُ التَّدَارُكِ عِنْدَ النَّدَمِ، وَفِيهِ مَعْنَى مُعَارَضَةِ الشَّرْعِ فَالْإِسْقَاطَاتُ فِي الْأَصْلِ لَا تَتَعَدَّدُ كَالْعَتَاقِ وَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا جَعَلَ الشَّرْعُ الطَّلَاقَ مُتَعَدِّدًا لِمَعْنَى التَّدَارُكِ عِنْدَ النَّدَمِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ تَفْوِيتُ هَذَا الْمَعْنَى فِي نَفْسِهِ بَعْدَ مَا نَظَرَ الشَّرْعُ لَهُ كَمَا لَا يُبَاحُ لَهُ الْإِيقَاعُ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ لِأَنَّهُ حَالَةُ نَفْرَةِ الطَّبْعِ عَنْهَا وَكَوْنُهُ مَمْنُوعًا شَرْعًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَنْدَمُ إذَا جَاءَ زَمَانُ الطُّهْرِ فَيُكْرَهُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ لِمَعْنَى خَوْفِ النَّدَمِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فِي الطُّهْرِ ثُمَّ أُخْرَى فِي الْحَيْضِ يَكُونُ مَكْرُوهًا وَلَيْسَ فِي إيقَاعِ الثَّانِيَةِ فِي الْحَيْضِ مَعْنَى تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ وَلَا مَعْنَى اشْتِبَاهِ أَمْرِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا فَدَلَّ أَنْ مَعْنَى كَرَاهَةِ الْإِيقَاعِ لِمَعْنَى خَوْفِ النَّدَمِ إذَا جَاءَ زَمَانُ الطُّهْرِ وَهَذَا فِي إيقَاعِ الثَّلَاثِ أَظْهَرُ فَكَانَ مَكْرُوهًا وَيَسْتَوِي فِي هَذَا الْمَدْخُولُ بِهَا

стр. 1147

وَغَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا لِأَنَّ مَعْنَى تَحْرِيمِ الْبُضْعِ بِإِيقَاعِ الثَّلَاثِ يَحْصُلُ فِي الْحَالَتَيْنِ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ. وَكَذَلِكَ يَسْتَوِي فِي الْكَرَاهَةِ إيقَاعُ الثَّلَاثِ جُمْلَةً وَإِيقَاعُ الثِّنْتَيْنِ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِمَعْنَى عَدَمِ الْحَاجَةِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الثَّانِيَةِ كَوُجُودِهِ فِي الثَّالِثَةِ وَلِأَنَّ إيقَاعَ الثِّنْتَيْنِ وَإِنْ كَانَ لَا يَحْصُلُ بِهِ تَحْرِيمُ الْبُضْعِ فَإِنَّهُ يَقْرُبُ مِنْهُ وَهَذَا الْقُرْبُ مُعْتَبَرٌ فِي الْحُكْمِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا قَالَتْ لِزَوْجِهَا طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ وَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً يَجِبُ ثُلُثُ الْأَلْفِ وَلَوْ طَلَّقَهَا اثْنَتَيْنِ يَجِبُ ثُلُثَا الْأَلْفِ وَكَمَا أَنَّ سَدَّ بَابِ التَّلَافِي حَرَامٌ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَكَذَلِكَ مَا يَقْرُبُ مِنْهُ يَكُونُ حَرَامًا. وَأَمَّا السُّنَّةُ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتِ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّ الْمَدْخُولِ بِهَا وَذَلِكَ أَنْ يُطَلِّقَهَا إذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا فِيهِ قَالَ فِي الْكِتَابِ بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُرَادُ مِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «فَإِنَّهُ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا هَكَذَا أَمَرَك اللَّهُ يَا ابْنَ عُمَرَ إنَّمَا السُّنَّةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ اسْتِقْبَالًا» الْحَدِيثَ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «إنَّ ابْنَك أَخْطَأَ السُّنَّةَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا إنْ شَاءَ طَاهِرَةً مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ أَوْ حَامِلًا قَدْ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ» وَجَاءَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أَيْ يُطَلِّقُهَا طَاهِرَةً مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ إبَاحَةَ الْإِيقَاعِ لِلتَّفَصِّي عَنْ عُهْدَةِ النِّكَاحِ عِنْدَ عَدَمِ مُوَافَقَةِ الْأَخْلَاقِ وَذَلِكَ لَا يَظْهَرُ بِالْإِيقَاعِ حَالَةَ الْحَيْضِ لِأَنَّهَا حَالُ نَفْرَةِ الطَّبْعِ عَنْهَا وَكَوْنُهُ مَمْنُوعًا عَنْهَا شَرْعًا فَرُبَّمَا يَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى الطَّلَاقِ وَكَذَلِكَ فِي الطُّهْرِ الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ مَقْصُودُهُ مِنْهَا فَنَقَلَ رَغْبَتَهُ فِيهَا فَلَا يَكُونُ الْإِيقَاعُ دَلِيلَ عَدَمِ مُوَافَقَةِ الْأَخْلَاقِ فَأَمَّا فِي الطُّهْرِ الَّذِي لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ تَعْظُمُ رَغْبَتُهُ فِيهَا فَلَا يَقْدُمُ عَلَى الطَّلَاقِ إلَّا لِعَدَمِ مُوَافَقَةِ الْأَخْلَاقِ؛ فَلِهَذَا اخْتَصَّتْ إبَاحَةُ الْإِيقَاعِ بِهِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّهُ يُكْرَهُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ مِنْ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا لِأَنَّ مَعْنَى نَفْرَةِ الطَّبْعِ وَالْمَنْعِ شَرْعًا لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ كَوْنِهَا مَدْخُولًا بِهَا أَوْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا وَمَعْنًى آخَرُ فِيهِ أَنَّ فِي الْإِيقَاعِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ إضْرَارًا بِهَا مِنْ حَيْثُ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا لِأَنَّ هَذِهِ الْحَيْضَةَ لَا تَكُونُ مَحْسُوبَةً مِنْ الْعِدَّةِ وَتَطْوِيلُ الْعِدَّةِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]. وَفِي الْإِيقَاعِ فِي طُهْرٍ قَدْ جَامَعَهَا فِيهِ إضْرَارٌ بِهَا مِنْ حَيْثُ اشْتِبَاهِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَلِهَذَا قُلْنَا لَا بَأْسَ

стр. 1148

بِإِيقَاعِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ عَلَى غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَلِأَنَّ رَغْبَتَهُ فِيهَا كَانَتْ بِالنِّكَاحِ فَلَا يَقِلُّ ذَلِكَ بِحَيْضِهَا مَا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُ مِنْهَا فَكَانَ الْإِيقَاعُ دَلِيلَ عَدَمِ مُوَافَقَةِ الْأَخْلَاقِ بِخِلَافِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَإِنَّ مَقْصُودَهُ بِالنِّكَاحِ قَدْ حَصَلَ مِنْهَا وَإِنَّمَا رَغْبَتُهُ فِيهَا فِي الطُّهْرِ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَمَكُّنِهِ فِيهِ مِنْ غَشَيَانِهَا وَيَنْعَدِمُ ذَلِكَ بِالْحَيْضِ؛ تَوْضِيحُهُ أَنَّ إبَاحَةَ الْإِيقَاعِ بِشَرْطِ أَنْ يَأْمَنَ النَّدَمَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، وَفِي الْإِيقَاعِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ عَلَى الْمَدْخُولِ بِهَا لَا يَأْمَنُ النَّدَمَ إذَا جَاءَ زَمَانُ الطُّهْرِ وَالرَّغْبَةِ فِيهَا وَكَذَلِكَ فِي الْإِيقَاعِ فِي طُهْرٍ قَدْ جَامَعَهَا فِيهِ لَا يَأْمَنُ النَّدَمَ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَظْهَرُ بِهَا حَبَلٌ فَتَحْمِلُهُ شَفَقَتُهُ عَلَى الْوَلَدِ عَلَى تَحَمُّلِ سُوءِ خُلُقِهَا وَإِلَى نَحْوِهِ أَشَارَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ فَقَالَ لَعَلَّ شَفَقَةَ الْوَلَدِ تُنْدِمُهُ؛ فَلِهَذَا كُرِهَ الْإِيقَاعُ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً إذَا طَهُرَتْ مِنْ الْحَيْضِ وَاخْتَارَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى تَأْخِيرَ الْإِيقَاعِ إلَى آخِرِ الطُّهْرِ لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ وَظَاهِرُ مَا يَقُولُ فِي الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُطَلِّقُهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ الْحَيْضِ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ الْإِيقَاعَ رُبَّمَا يُجَامِعُهَا وَمِنْ قَصْدِهِ أَنَّهُ يُطَلِّقُهَا فَيُبْتَلَى بِالْإِيقَاعِ عَقِيبَ الْجِمَاعِ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ؛ فَلِهَذَا طَلَّقَهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ حَيْضِهَا فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ طَلَّقَهَا أُخْرَى وَاحْتَسَبَ بِهَذِهِ الْحَيْضَةِ مِنْ عِدَّتِهَا فَإِذَا حَاضَتْ الثَّالِثَةَ وَطَهُرَتْ طَلَّقَهَا أُخْرَى وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهَا مِنْ عِدَّتِهَا حَيْضَةٌ وَلِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْلٌ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْعِدَّةِ مِنْ آخِرِ التَّطْلِيقَاتِ إذَا تَكَرَّرَ الْإِيقَاعُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بَعْدَ الدُّخُولِ مُوجِبٌ لِلْعِدَّةِ كَالْحَدَثِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ مُوجِبٌ لِلْوُضُوءِ فَكَمَا أَنَّهُ إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ غَسْلِ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ فَكَذَلِكَ إذَا تَكَرَّرَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا يَلْزَمُهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ وَلَكِنَّا نَقُولُ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلْعِدَّةِ الدُّخُولُ وَإِنَّمَا تَصِيرُ شَارِعَةً فِي الْعِدَّةِ حِينَ يَصِيرُ الزَّوْجُ غَيْرَ مُرِيدٍ لَهَا وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِالتَّطْلِيقَةِ الْأُولَى ثُمَّ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ تُقَرِّرَ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَلَا تُبْطِلُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا لِأَنَّ بِالرَّجْعَةِ يَنْعَدِمُ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُرِيدًا لَهَا. تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ تَبَيُّنُ فَرَاغِ الرَّحِمِ وَذَلِكَ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَكَرُّرِ الطَّلَاقِ وَعَدَمِ التَّكَرُّرِ؛ فَلِهَذَا كَانَتْ عِدَّتُهَا مِنْ التَّطْلِيقَةِ الْأُولَى وَعَلَى هَذَا اتَّفَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِي اللَّه عَنْهُمْ. . (قَالَ) وَلَا تَحِلُّ لَهُ الْمَرْأَةُ بَعْدَ مَا وَقَعَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ يَدْخُلُ بِهَا وَالطَّلَاقُ مَحْصُورٌ بِعَدَدِ الثَّلَاثِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ بَيَانَ التَّطْلِيقَتَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا

стр. 1149

فِي الثَّالِثَةِ فَقِيلَ هِيَ فِي قَوْلِهِ ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَهَكَذَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا رَزِينٍ الْعُقَيْلِيَّ ﵁ «سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ عَرَفْنَا التَّطْلِيقَتَيْنِ فِي الْقُرْآنِ فَأَيْنَ الثَّالِثَةُ فَقَالَ ﷺ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]» وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ بَيَانَ الثَّالِثَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] لِأَنَّهُ عِنْدَ ذِكْرِهَا ذَكَرَ مَا هُوَ حُكْمُ الثَّالِثَةِ، وَهُوَ حُرْمَةُ الْمَحِلِّ إلَى غَايَةٍ وَمَعْنَاهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا الثَّالِثَةَ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النِّكَاحَ الصَّحِيحَ شَرْطُ الْحِلِّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ بَعْدَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ عَلَيْهَا. وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الدُّخُولَ بِهَا شَرْطٌ أَيْضًا وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَيْسَ بِشَرْطٍ لِأَنَّ فِي الْقُرْآنِ شَرْطُ الْعَقْدِ فَقَطْ وَلَا زِيَادَةَ بِالرَّأْيِ وَلَكِنَّ هَذَا قَوْلٌ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَلَوْ قَضَى بِهِ قَاضٍ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فَإِنَّ شَرْطَ الدُّخُولِ ثَابِتٌ بِالْآثَارِ الْمَشْهُورَةِ فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ لَمْ تَحِلَّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِهِ وَيَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِهَا» وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ ﵁ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَأَبَتَّ طَلَاقَهَا فَتَزَوَّجَتْ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵁ ثُمَّ جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ مَا وَجَدْت مَعَهُ إلَّا مِثْلَ هَذِهِ وَأَشَارَتْ إلَى هُدْبَةِ ثَوْبِهَا فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ ضَبَطَ نَفْسَهُ فَقَالَ أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ فَقَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ لَا حَتَّى يَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِك وَتَذُوقِي مِنْ عُسَيْلَتِهِ» وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ «أَنَّ عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ ﵁ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْعُمَيْصَاءَ ﵂ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ فَلَمَّا خَلَا بِهَا جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَشْكُو ضَعْفَ حَالِهِ فِي بَابِ النِّسَاءِ فَقَالَ ﷺ هَلْ أَصَابَك فَقَالَتْ لَا فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه لَا تَحِلِّينَ لِعَمْرٍو حَتَّى تَذُوقِي مِنْ عُسَيْلَتِهِ وَيَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِك». وَقَبْلُ فِي الْقُرْآنِ ذَكَرَ الدُّخُولَ إشَارَةً فَإِنَّهُ أَضَافَ فِعْلَ النِّكَاحِ إلَى الزَّوْجِ وَإِلَيْهَا فَيَقْتَضِي ذَلِكَ فِعْلُ النِّكَاحِ بَعْدَ الزَّوْجِيَّةِ وَذَلِكَ الْوَطْءُ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَنْعُ الْأَزْوَاجِ مِنْ الِاسْتِكْثَارِ مِنْ الطَّلَاقِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالدُّخُولِ فَفِيهِ مُغَايَظَةَ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَدُخُولُ الثَّانِي بِهَا بِالنِّكَاحِ مُبَاحٌ مُبْغَضٌ عِنْدَ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ كَمَا أَنَّ الِاسْتِكْثَارَ مِنْ الطَّلَاقِ مُبْغَضٌ شَرْعًا لِيَكُونَ الْجَزَاءُ بِحَسَبِ الْعَمَلِ. (قَالَ) فَإِنْ تَزَوَّجَ بِهَا الثَّانِي عَلَى قَصْدِ أَنْ يُحَلِّلَهَا لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ صَحَّ النِّكَاحُ وَيَثْبُتُ الْحِلُّ لِلْأَوَّلِ إذَا دَخَلَ بِهَا الثَّانِي وَفَارَقَهَا

стр. 1150

فَإِنْ شَرَطَ أَنْ يُحَلِّلَهَا لِلْأَوَّلِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْجَوَابُ كَذَلِكَ وَيُكْرَهُ هَذَا الشَّرْطُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - النِّكَاحُ جَائِزٌ وَلَكِنْ لَا تَحِلُّ بِهِ لِلْأَوَّلِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - النِّكَاحُ فَاسِدٌ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» وَعَقْدُ النِّكَاحِ سُنَّةٌ وَنِعْمَةٌ فَمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْمَرْءُ اللَّعْنَ لَا يَكُونُ نِكَاحًا صَحِيحًا وَلِأَنَّ هَذَا فِي مَعْنَى شَرْطِ التَّوْقِيتِ وَشَرْطُ التَّوْقِيتِ مُبْطِلٌ لِلنِّكَاحِ وَلَكِنْ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ هَذَا لَيْسَ بِتَوْقِيتٍ فِي النِّكَاحِ وَلَكِنَّهُ اسْتِعْجَالٌ لِمَا هُوَ مُؤَخَّرٌ شَرْعًا فَيُعَاقَبُ بِالْحِرْمَانِ كَمَنْ قَتَلَ مُورِثَهُ يُحْرَمُ مِنْ الْمِيرَاثِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ هَذَا الشَّرْطُ وَرَاءَ مَا يَتِمُّ بِهِ الْعَقْدُ فَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ شَرْطٌ فَاسِدٌ وَالنِّكَاحُ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ ثُمَّ النَّهْيُ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ النِّكَاحِ فَإِنَّ هَذَا النِّكَاحَ شَرْعًا مُوجِبٌ حِلَّهَا لِلْأَوَّلِ فَعَرَفْنَا أَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَذَلِكَ لَا يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ فَلِهَذَا ثَبَتَ الْحِلُّ لِلْأَوَّلِ إذَا دَخَلَ بِهَا الثَّانِي بِحُكْمِ هَذَا النِّكَاحِ الصَّحِيحِ. (قَالَ)، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً مَتَى شَاءَ حَتَّى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُطَلِّقَهَا عَقِيبَ الْجِمَاعِ لِأَنَّ كَرَاهَةَ الْإِيقَاعِ عَقِيبَ الْجِمَاعِ لِاشْتِبَاهِ أَمْرِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَخَوْفِ النَّدَمِ إذَا ظَهَرَ بِهَا حَبَلٌ وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا وَلِأَنَّ الْحَبَلَ يَزِيدُ فِي رَغْبَتِهِ فِيهَا فَيَكُونُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ بَعْدَ ظُهُورِهِ دَلِيلُ عَدَمِ مُوَافَقَةِ الْأَخْلَاقِ. (قَالَ) فَإِنْ كَانَ جَامَعَهَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا فَلَهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَيَفْصِلُ بَيْنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ بِشَهْرٍ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَا تَطْلُقُ الْحَامِلُ لِلسُّنَّةِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدَةٍ، وَفِي الْكِتَابِ قَالَ بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ إذَا كَانَ فَقِيهًا مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي طَلَاقِ السُّنَّةِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ بِفَصْلٍ مَحْسُوبٍ مِنْ فُصُولِ الْعِدَّةِ كَمَا فِي حَقِّ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ وَالْآيِسَةِ وَالشَّهْرُ فِي حَقِّ الْحَامِلِ لَيْسَ بِفَصْلٍ مَحْسُوبٍ مِنْ فُصُولِ الْعِدَّةِ فَلَا يُفْصَلُ بِهِ بَيْنَ طَلَاقَيْ السُّنَّةِ وَهَذَا لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُقَابَلٌ بِفُصُولِ الْعِدَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّ عِدَّةَ الْأَمَةِ لَمَّا تَقَدَّرَتْ بِحَيْضَتَيْنِ مَلَكَ عَلَيْهَا تَطْلِيقَتَيْنِ وَإِنْ بِسَبَبِ عَدَمِ الدُّخُولِ لَمَّا انْعَدَمَتْ فُصُولُ الْعِدَّةِ انْعَدَمَ مِلْكُ التَّفْرِيقِ إلَّا أَنَّ النِّكَاح يُعْقَدُ لِلدُّخُولِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي مِلْكِ أَصْلِ الطَّلَاقِ لِهَذَا فَعَرَفْنَا أَنَّ التَّفْرِيقَ بِاعْتِبَارِ فُصُولِ الْعِدَّةِ وَمُدَّةُ الْحَبَلِ طَالَتْ أَوْ قَصُرَتْ بِمَنْزِلَةِ فَصْلٍ وَاحِدٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الِاسْتِبْرَاءَ يَتَقَدَّرُ بِهَا. وَفِي الْفَصْلِ الْوَاحِدِ لَا يَمْلِكُ تَفْرِيقَ الطَّلْقَاتِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ

стр. 1151

وَلِأَنَّ هَذَا شَهْرٌ فِي حَقِّ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ فَلَا يَصْلُحُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ طَلَاقَيْ السُّنَّةِ كَمَا فِي الْمُمْتَدَّةِ طُهْرُهَا بِخِلَافِ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا نَوْعُ عِدَّةٍ فَيَكُونُ مَحَلًّا لِتَفْرِيقِ الطَّلْقَاتِ الْمَمْلُوكَةِ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ كَالْأَقْرَاءِ وَالْأَشْهُرِ وَهَذَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مَحَلَّ إيقَاعِ الطَّلْقَاتِ الْعِدَّةَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وَعِدَّةُ الْحَامِلِ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِدَّةِ بَلْ هِيَ الْأَصْلُ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعِدَّةِ تَبَيُّنُ فَرَاغِ الرَّحِمِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُقَالَ لَا يَمْلِكُ تَفْرِيقَ الطَّلَاقِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْعِدَّةِ. وَفِي حَقِّ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ فُصُولُ الْعِدَّةِ إنَّمَا تَقَعُ اتِّفَاقًا لَا قَصْدًا فَأَمَّا الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرُ تَجَدُّدُ زَمَانِ الرَّغْبَةِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِمُضِيِّ حَيْضَةٍ، وَفِي حَقِّ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ لَا يُوجَدُ هَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّ الْأَوْقَاتَ فِي حَقِّهَا سَوَاءٌ وَلَا بُدَّ مِنْ إبَاحَةِ التَّفْرِيقِ فِي عِدَّتِهَا فَأَقَمْنَا الشَّهْرَ فِي حَقِّهَا مَقَامَ الْحَيْضَةِ فِي حَقِّ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ فَصْلٌ مِنْ فُصُولِ الْعِدَّةِ ثُمَّ يَنْعَدِمُ هَذَا الْمَعْنَى فِي حَقِّ الْحَامِلِ فَلَا بُدَّ مِنْ إبَاحَةِ التَّفْرِيقِ فِي عِدَّتِهَا فَأَقَمْنَا الشَّهْرَ فِي حَقِّ الْآيِسَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ شَهْرٌ فِي عِدَّةٍ لَا حَيْضَ فِيهَا. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِفُصُولِ الْعِدَّةِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ الصَّغِيرَةِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ يَقَعُ عَلَيْهَا لِلْحَالِ وَاحِدَةٌ فَإِذَا مَضَى شَهْرٌ وَقَعَتْ أُخْرَى، وَإِذَا مَضَى شَهْرٌ وَقَعَتْ أُخْرَى ثُمَّ إذَا حَاضَتْ يَلْزَمُهَا اسْتِئْنَافُ الْعِدَّةِ وَالتَّطْلِيقَاتُ الثَّلَاثُ وَقَعَتْ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِفُصُولِ الْعِدَّةِ ثُمَّ الْحَامِلُ لَا تَحِيضُ وَالشَّهْرُ فِي حَقِّ مَنْ لَا تَحِيضُ فَصْلٌ مِنْ فُصُولِ الْعِدَّةِ فِي حَقِّ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَتَفْرِيقِ الطَّلَاقِ وَلَكِنْ هُنَا فِي حَقِّ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَجَدْنَا مَا هُوَ أَقْوَى مِنْ الشَّهْرِ، وَهُوَ وَضْعُ الْحَمْلِ، وَفِي حَقِّ التَّفْرِيقِ بِالطَّلَاقِ لَمْ نَجِدْ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْ الشَّهْرِ فَبَقِيَ الشَّهْرُ فَصْلًا مِنْ فُصُولِ الْعِدَّةِ فِي حَقِّ تَفْرِيقِ الطَّلَاقِ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِي حَقِّ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ كَمَا فِي الصَّغِيرَةِ إذَا حَاضَتْ يُقَرِّرُهُ أَنَّ الْحَبَلَ يُؤَثِّرُ فِي إبَاحَةِ إيقَاعٍ كَانَ مُحَرَّمًا قَبْلَهُ، وَهُوَ الطَّلَاقُ عَقِيبَ الْجِمَاعِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي الْمَنْعِ مِمَّا كَانَ مُبَاحًا قَبْلَهُ وَلَا يَدْخُلُ عَلَى مَا قُلْنَا إذَا بَقِيَ مِنْ مُدَّةِ حَمْلِهَا يَوْمٌ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ لِمُدَّةِ الْحَمْلِ وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ يَوْمًا إلَّا أَنَّ التَّفْرِيطَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ حِينَ أَخَّرَ الْإِيقَاعَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ الْمُدَّةِ فَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الْمُدَّةِ قَابِلًا لِتَفْرِيقِ الثَّلَاثِ كَالْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ حِينَ أَخَّرَ الْإِسْلَامَ. وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَ أَنَّ مُدَّةَ الْحَبَلِ كَحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ هِيَ بِمَنْزِلَةِ ثَلَاثِ حِيَضٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ بِهَا الْعِدَّةُ وَلَكِنَّ الِاسْتِبْرَاءَ إنَّمَا لَا يُقَدَّرُ بِبَعْضِ

стр. 1152

مُدَّةِ الْحَبَلِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَبَيُّنُ فَرَاغِ الرَّحِمِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ قَبْلَ الْوَضْعِ فَزِيدَ فِي مُدَّةِ الِاسْتِبْرَاءِ إذَا كَانَتْ حَامِلًا لِهَذَا الْمَعْنَى لَا أَنْ تَجْعَلَ مُدَّةَ الْحَبَلِ كَحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَامِلَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَإِنَّهُ لَزِمَهَا صِفَةٌ مُنَافِيَةٌ لِلْحَيْضِ حَتَّى أَنَّهَا وَإِنْ رَأَتْ الدَّمَ لَا يَكُونُ حَيْضًا بِخِلَافِ الْمُمْتَدَّةِ طُهْرُهَا. (قَالَ)، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَهِيَ لَا تَحِيضُ مِنْ كِبَرٍ أَوْ صِغَرٍ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً مَتَى شَاءَ عِنْدَنَا وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا عَقِيبَ الْجِمَاعِ حَتَّى بِمُضِيِّ الشَّهْرِ لِأَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَالْجِمَاعِ بِمَا يَفْصِلُ بِهِ بَيْنَ الطَّلَاقَيْنِ فِي عِدَّةٍ هِيَ ذَاتُ فُصُولٍ كَمَا فِي حَقِّ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ ثُمَّ هُنَا يَفْصِلُ بَيْنَ طَلَاقَيْهَا بِشَهْرٍ فَكَذَلِكَ يَفْصِلُ بَيْنَ طَلَاقِهَا وَجِمَاعِهَا بِشَهْرٍ وَلَكِنَّا نَقُولُ إنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْحَامِلِ فِي أَنَّهَا لَا حَيْضَ فِي عِدَّتِهَا فَيُبَاحُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا عَقِيبَ الْجِمَاعِ كَمَا يُبَاحُ الْإِيقَاعُ عَلَى الْحَامِلِ وَكَأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ فِي حَقِّ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ إنَّمَا كُرِهَ إيقَاعُ الطَّلَاقِ عَقِيبَ الْجِمَاعِ لِتَوَهُّمِ الْحَبَلِ وَهَذَا لَا يُوجَدُ هُنَا فَكَانَ إيقَاعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا عَقِيبَ الْجِمَاعِ مُبَاحًا. فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا طَلَّقَهَا بَعْدَ شَهْرٍ آخَرَ ثُمَّ بَعْدَ شَهْرٍ آخَرَ وَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ مِنْ التَّطْلِيقَةِ الْأُولَى وَذَلِكَ يُتْلَى فِي الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] وَالْمُرَادُ الصَّغِيرَةُ وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْإِيقَاعَ إذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ تُعْتَبَرُ الشُّهُورُ بِالْأَهِلَّةِ نَاقِصَةً أَوْ كَامِلَةً فَإِنْ كَانَ الْإِيقَاعُ فِي وَسَطِ الشَّهْرِ فَفِي حَقِّ تَفْرِيقِ الطَّلَاقِ يُعْتَبَرُ كُلُّ شَهْرٍ بِالْأَيَّامِ وَذَلِكَ ثَلَاثُونَ يَوْمًا بِالِاتِّفَاقِ. وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تُعْتَبَرُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ بِالْأَيَّامِ وَعِنْدَهُمَا يُعْتَبَرُ شَهْرٌ وَاحِدٌ بِالْأَيَّامِ وَشَهْرَانِ بِالْأَهِلَّةِ لِأَنَّ الْأَهِلَّةَ هِيَ الْأَصْلُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٩] وَالْأَيَّامُ بَدَلٌ عَنْهَا فَفِي الشَّهْرِ الْوَاحِدِ تَعَذَّرَ اعْتِبَارُ مَا هُوَ الْأَصْلُ فَاعْتُبِرَ الْبَدَلُ، وَفِي الشَّهْرَيْنِ لَمْ يَتَعَذَّرْ اعْتِبَارُ مَا هُوَ الْأَصْلُ وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ مَا لَمْ يَتِمَّ الشَّهْرُ الْأَوَّلُ لَا يَدْخُلُ الشَّهْرُ الثَّانِي فَدُخُولُ الشَّهْرِ الثَّانِي وَسَطُ الشَّهْرِ الثَّانِي أَيْضًا وَكَذَلِكَ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ فَيَتَعَذَّرُ اعْتِبَارُ الْكُلِّ بِالْأَهِلَّةِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا بِالْأَيَّامِ وَلَا يُحْكَمُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا إلَّا بِتَمَامِ تِسْعِينَ يَوْمًا مِنْ حِينِ طَلَّقَهَا. وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ الشَّهْرَ فِي حَقِّ الَّتِي لَا تَحِيضُ بِمَنْزِلَةِ الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ فِي حَقِّ الَّتِي تَحِيضُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الشَّهْرُ فِي حَقِّهَا بِمَنْزِلَةِ الْحَيْضِ فِي حَقِّ الَّتِي تَحِيضُ حَتَّى يَتَقَدَّرَ بِهِ الِاسْتِبْرَاءُ وَيُفْصَلَ بِهِ بَيْنَ طَلَاقَيْ السُّنَّةِ وَهَذَا لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حَقِّ ذَوَاتِ الْقُرْءِ الْحَيْضُ وَلَكِنْ لَا يُتَصَوَّرُ الْحَيْضُ إلَّا بِتَخَلُّلِ الطُّهْرِ، وَفِي

стр. 1153

الشُّهُورِ يَنْعَدِمُ هَذَا الْمَعْنَى فَكَانَ الشَّهْرُ قَائِمًا مَقَامَ مَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ، وَإِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ فَهُوَ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ مَا لَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ وَهَذَا حُكْمٌ ثَبَتَ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ فَإِنَّ إزَالَةَ الْمِلْكِ بِالطَّلَاقِ إسْقَاطٌ وَالْإِسْقَاطُ يَتِمُّ بِنَفْسِهِ كَالْعِتْقِ وَلَكِنَّ الشَّرْعَ أَثْبَتَ لِلزَّوْجِ حَقَّ الرَّجْعَةِ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ التَّطْلِيقَةِ وَالتَّطْلِيقَتَيْنِ لِلتَّدَارُكِ عِنْدَ النَّدَمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿، وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] مَعْنَاهُ قُرْبَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهِنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِالْمُرَاجَعَةِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَالْمُرَادُ بِالْإِمْسَاكِ الْمُرَاجَعَةُ بَعْدَ التَّطْلِيقَتَيْنِ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ ثَبَتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَعِدَّةُ الَّتِي تَحِيضُ ثَلَاثُ حِيَضٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وَهُوَ حُكْمٌ مَقْطُوعٌ بِهِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ مَا هُوَ مُجْتَهَدٌ فِيهِ فَقَالَ الْقُرْءُ هِيَ الْحَيْضُ وَهَذَا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هِيَ الْأَطْهَارُ حَتَّى أَنَّ عَلَى مَذْهَبِهِ كَمَا طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ يُحْكَمُ بِانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَعِنْدَنَا مَا لَمْ تَطْهُرْ مِنْ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ لَا يُحْكَمُ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. وَأَصْلُ الْخِلَافِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ فَقَدْ رَوَى الشَّعْبِيُّ ﵁ عَنْ بِضْعَة عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ الْحَبْرِ فَالْحَبْرِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - قَالَ الزَّوْجُ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا مَا لَمْ تَحِلَّ لَهَا الصَّلَاةُ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - قَالُوا الْأَقْرَاءُ الْأَطْهَارُ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ تَبِينُ مِنْ زَوْجِهَا وَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ حَتَّى تَطْهُرَ. وَكَذَلِكَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُطْلِقُونَ اسْمَ الْقُرْءِ عَلَى الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ جَمِيعًا قَالَ الْقَائِلُ. يَا رُبَّ ذِي ضَغَنٍ وَضَبٍّ فَارِضٍ ... لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الْحَائِضِ وَقَالَ الْأَعْشَى مُورِثَةُ مَالٍ وَفِي الْحَيِّ رِفْعَةٌ ... لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا وَالْمُرَادُ الْأَطْهَارُ لِأَنَّ زَمَانَ الْحَيْضِ يَضِيعُ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ الْوَقْتُ قَالَ الْقَائِلُ إذَا هَبَّتْ لِقَارِئِهَا الرِّيَاحُ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ وَقْتُ الطُّهْرِ بِهِ أَشْبَهُ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الِاجْتِمَاعِ يُقَالُ مَا قَرَأَتْ النَّافَّةُ سُلًّا قَطُّ أَيْ مَا جَمَعَتْ فِي رَحِمِهَا وَلَدًا قَطُّ وَاجْتِمَاعُ الدَّمِ فِي الرَّحِمِ فِي حَالَةِ الطُّهْرِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ وَقْتُ الْحَيْضِ بِهِ أَشْبَهُ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ عَارِضٌ لِلنِّسَاءِ فَوَقْتُ الطُّهْرِ أَصْلٌ وَوَقْتُ الْحَيْضِ عَارِضٌ مَعَ أَنَّ اجْتِمَاعَ الدَّمِ فِي حَالَةِ الطُّهْرِ لَا يُعْلَمُ حَقِيقَةً وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ

стр. 1154

فَإِنَّمَا يُسَمَّى ذَلِكَ الْوَقْتُ قُرْءًا بِاعْتِبَارِ الدَّمِ الْمُجْتَمِعِ ثُمَّ إنَّ عِنْدَ اخْتِلَافِ أَهْلِ اللُّغَةِ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى لُغَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي التَّابُوتِ وَالتَّابُوهِ رَجَّحُوا لُغَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا اُكْتُبُوا بِالتَّاءِ وَالْقُرْءُ فِي لُغَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَيْضُ «قَالَ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ إذَا أَتَاك قُرْؤُك فَدَعِي الصَّلَاةَ» وَقَالَ ﷺ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا» وَالْقُرْءُ وَالْأَقْرَاءُ كِلَاهُمَا جَمْعٌ كَمَا يُقَالُ فَلْسٌ وَفُلُوسٌ وَنُزُلٌ وَأَنْزَالٌ ثُمَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَجَّحَ الْأَطْهَارَ بِاعْتِبَارِ حَرْفِ الْهَاءِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ فَقَالَ جَمْعُ الْمُذَكَّرِ يُؤَنَّثُ وَالطُّهْرُ هُوَ الْمُذَكَّرُ وَلَكِنَّا نَقُولُ الْإِعْرَابُ يَتْبَعُ اللَّفْظَ دُونَ الْمَعْنَى يُقَالُ ثَلَاثَةُ أَفْرَاسٍ وَثَلَاثُ دَوَابَّ وَقَالَ أَيْضًا الْقُرْءُ عِبَارَةٌ عَنْ الِانْتِقَالِ يُقَالُ قَرَأَ النَّجْمَ إذَا انْتَقَلَ وَكَمَا طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ وُجِدَ ثَلَاثُ انْتِقَالَاتٍ مِنْ الطُّهْرِ وَلَكِنْ هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ فَالِانْتِقَالُ مِنْ الْحَيْضِ إلَى الطُّهْرِ أَيْضًا قُرْءٌ فَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ إذَا طَعَنَتْ فِي الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ وَأَحَدٌ لَمْ يَقُلْ بِهَذَا. وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ مَا قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ جَمْعًا مَقْرُونًا بِالْعَدَدِ اقْتَضَى الْكَوَامِلَ مِنْهُ وَالطَّلَاقُ هُوَ الْمُبَاحُ فِي حَالَةِ الطُّهْرِ فَلَوْ جَعَلْنَا الْقُرْءَ الْأَطْهَارَ لَكَانَ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ بِقُرْأَيْنِ وَبَعْضِ الثَّالِثِ وَهَذَا يَسْتَقِيمُ فِي جَمْعٍ غَيْرِ مَقْرُونٍ بِالْعَدَدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] فَأَمَّا فِي جَمْعٍ مَقْرُونٍ بِالْعَدَدِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْكَوَامِلِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إذَا حُمِلَ الْقُرْءُ عَلَى الْحَيْضِ فَيَكُونُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ بِثَلَاثِ حِيَضٍ كَوَامِلَ. وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] مَعْنَاهُ فِي عِدَّتِهِنَّ وَالطَّلَاقُ الْمُبَاحُ فِي حَالَةِ الطُّهْرِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْعِدَّةَ بِالطُّهْرِ وَقَدْ فَسَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ لِابْنِ عُمَرَ ﵁ «إنَّمَا السُّنَّةُ أَنْ تَسْتَقْبِلَ الطُّهْرَ اسْتِقْبَالًا فَتُطَلِّقَهَا لِكُلِّ قُرْءٍ تَطْلِيقَةً فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» وَاسْتَدَلَّ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ الْحَيْضِ وَالْحَبَلِ فَهُوَ بَيَانُ الْمُرَادِ بِالْقُرُوءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤] الْآيَةَ وَإِنَّمَا نَقَلَ إلَى الْأَشْهُرِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَيْضِ وَالنَّقْلُ إلَى الْبَدَلِ يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ الْأَصْلِ فَهُوَ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْءِ الْحَيْضُ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أَيْ قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ كَمَا يُقَالُ زَيَّنْتُ الدَّارَ لِقُدُومِ الْحَاجِّ وَتَوَضَّأْتُ لِلصَّلَاةِ أَيْ قَبْلَهَا، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ مَعَ أَنَّ الْمُرَادَ عِدَّةُ الْإِيقَاعِ وَنَحْنُ نَقُولُ إنَّ عِدَّةَ الْإِيقَاعِ

стр. 1155

بِالْأَطْهَارِ. فَأَمَّا عِدَّةُ الِاعْتِدَادِ بِالْحِيَضِ بَيَانُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - وَابْنِ عُمَرَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «طَلَاقُ الْأَمَةِ ثِنْتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» وَمِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى هُوَ يَقُولُ الطَّلَاقُ السُّنِّيُّ يَسْتَعْقِبُ جُزْءًا مَحْسُوبًا مِنْ الْعِدَّةِ كَمَا فِي الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الِاعْتِدَادُ بِالْأَطْهَارِ وَنَحْنُ نَقُولُ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْعِدَّةِ تَبَيُّنُ فَرَاغِ الرَّحِمِ وَلِهَذَا لَا تَجِبُ إلَّا عِنْدَ تَوَهُّمِ اشْتِغَالِ الرَّحِمِ وَلِهَذَا يُعْتَبَرُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ إذَا كَانَتْ حَامِلًا وَالْحَيْضِ؛ هِيَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَبَيُّنِ فَرَاغِ الرَّحِمِ دُونَ الطُّهْرِ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِالْحَيْضِ أَوْلَى ثُمَّ الْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَى أَرْكَانٍ يَنْفَصِلُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ أَنَّ الْأَدَاءَ لَا يَتَّصِلُ بِالشُّرُوعِ فِيهَا كَمَا فِي الْحَجِّ. وَفِيمَا يَكُونُ مُتَّصِلُ الْأَرْكَانِ يَتَّصِلُ الْأَدَاءُ بِالشُّرُوعِ كَالصَّلَاةِ وَالْعِدَّةُ بِالْأَشْهُرِ مُتَّصِلَةُ الْأَرْكَانِ فَيَتَّصِلُ الْأَدَاءُ بِالشُّرُوعِ فِيهَا وَالْعِدَّةُ بِالْأَقْرَاءِ مُنْفَصِلَةُ الْأَرْكَانِ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ فَلَا يَجِبُ أَنْ يَتَّصِلَ الْأَدَاءُ بِالشُّرُوعِ فِيهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْنَا الِاسْتِبْرَاءُ فَإِنَّهُ مُعْتَبَرٌ بِالْحَيْضِ بِالنَّصِّ وَالْمَقْصُودُ تَبَيُّنُ فَرَاغِ الرَّحِمِ فَكَذَلِكَ الْعِدَّةُ. (قَالَ) وَعِدَّةُ الْحَامِلِ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا وَلَوْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ بِيَوْمٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَلِأَنَّ وَضْعَ الْحَمْلِ أَدَلُّ عَلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ مَعْرِفَةُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ الْأَقْرَاءِ وَعِدَّةُ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ بِالنَّصِّ وَتَكَلَّمُوا فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿إنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] قَالَ مَالِكٌ ﵁ الْمُرَادُ ارْتِيَابُهَا فِي حَالِ نَفْسِهَا أَنَّهَا هَلْ تَحِيضُ بَعْدَ هَذَا أَوْ لَا حَتَّى قَالَ إذَا ارْتَابَتْ تَرَبَّصَتْ سَنَةً ثُمَّ اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَلَكِنَّا نَقُولُ لَمَّا نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قَالَتْ الصَّحَابَةُ ﵃ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ مِنْ صِغَرٍ أَوْ كِبَرٍ وَارْتَابُوا فِي ذَلِكَ فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاَللَّائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إنْ ارْتَبْتُمْ﴾ [الطلاق: ٤]، وَفِي قَوْلِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ الْقُرْءِ الْحَيْضَ. (قَالَ) وَالْكِتَابِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمَةِ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِمُرَاعَاةِ وَقْتِ السُّنَّةِ الزَّوْجُ، وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَفِي الْعِدَّةِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا حَقُّ الزَّوْجِ، وَهُوَ مُسْلِمٌ. (قَالَ) وَالْأَمَةُ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ فِي وَقْتِ السُّنَّةِ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ بِمُرَاعَاةِ وَقْتِ السُّنَّةِ الزَّوْجُ وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِكَوْنِهَا حُرَّةً أَوْ أَمَةً وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا وَلِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عِدَّةُ الْأَمَةِ حَيْضَتَانِ وَلَوْ اسْتَطَعْت لَجَعَلْتهَا حَيْضَةً وَنِصْفًا بَيَّنَ أَنَّ التَّنْصِيفَ بِسَبَبِ الرِّقِّ يَثْبُتُ فِي الْعِدَّةِ وَلَكِنْ بِقَدْرِ الْمُمْكِنِ وَالْحَيْضَةُ الْوَاحِدَةُ لَا تَحْتَمِلُ التَّنْصِيفَ وَإِنْ كَانَتْ آيِسَةً أَوْ صَغِيرَةً فَعِدَّتُهَا شَهْرٌ

стр. 1156

وَنِصْفٌ لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلِأَنَّ الشَّهْرَ مُحْتَمِلٌ لِلتَّنْصِيفِ وَعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ عِدَّتُهَا بِالشُّهُورِ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَلَكِنَّا نَقُولُ الرِّقُّ يُنَصِّفُ ذَوَاتَ الْأَعْدَادِ بِمَنْزِلَةِ الْجَلَدَاتِ فِي الْحُدُودِ وَعِدَّتُهَا إذَا كَانَتْ حَامِلًا بِوَضْعِ الْحَمْلِ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ تَبَيُّنَ فَرَاغِ الرَّحِمِ لَا يَحْصُلُ قَبْلَ ذَلِكَ. (قَالَ)، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ غَائِبًا عَنْ امْرَأَتِهِ فَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا لِلسُّنَّةِ كَتَبَ إلَيْهَا إذَا جَاءَك كِتَابِي هَذَا ثُمَّ حِضْتِ فَطَهُرْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ امْتَدَّ طُهْرُهَا الَّذِي جَامَعَهَا فِيهِ فَلَوْ كَتَبَ إذَا جَاءَك كِتَابِي هَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ، وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ؛ فَلِهَذَا قُيِّدَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَفِي الرُّقَيَّاتِ زَادَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ وَعَلِمْتِ مَا فِيهِ لِجَوَازِ أَنْ لَا تَقْرَأَ كِتَابَ زَوْجِهَا فَيَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا وَهِيَ لَا تَشْعُرُ بِذَلِكَ وَلَكِنْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لِأَنَّ الْمُغَيَّبَةَ لَا تَكُونُ أَحْرَصَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى قِرَاءَةِ كِتَابِ زَوْجِهَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تُؤَخِّرُ ذَلِكَ. . (قَالَ) فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا كَتَبَ ثُمَّ إذَا حِضْتِ وَطَهُرْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ شَاءَ أَوْجَزَ فَكَتَبَ إذَا جَاءَكِ كِتَابِي هَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ فَيَقَعُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِأَنَّ الْكِتَابَ مِمَّنْ نَأَى بِمَنْزِلَةِ الْخِطَابِ مِمَّنْ دَنَا وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ كَتَبَ إذَا جَاءَكِ كِتَابِي هَذَا ثُمَّ أَهَلَّ شَهْرٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ شَاءَ كَتَبَ إذَا جَاءَك كِتَابِي هَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا لِلسُّنَّةِ إذَا كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ. (قَالَ) وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِامْرَأَتِهِ وَلَمْ يَخْلُ بِهَا فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا مَتَى شَاءَ خِلَافًا لِزُفَرَ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ وَلَيْسَ عَلَيْهَا عِدَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] قَالَ مَشَايِخُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَتْلُوّ لَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ بَلْ الْمَتْلُوُّ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] الْآيَةَ وَلَكِنَّ هَذَا غَلَطٌ وَقَعَ مِنْ الْكَاتِبِ وَتَرَكَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَدْ خَلَا بِهَا فَطَلَاقُهَا وَعِدَّتُهَا مِثْلُ الَّتِي دُخِلَ بِهَا لِأَنَّ الْخَلْوَةَ الصَّحِيحَةَ فِي حُكْمِ الْعِدَّةِ بِمَنْزِلَةِ الدُّخُولِ وَمُرَاعَاةُ وَقْتِ السُّنَّةِ فِي الطَّلَاقِ لِأَجْلِ الْعِدَّةِ فَتُقَامُ الْخَلْوَةُ فِيهِ أَيْضًا مَقَامَ الدُّخُولِ. (قَالَ)، وَإِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَقَدْ أَخْطَأَ السُّنَّةَ وَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ عَلَيْهَا وَعَلَى قَوْلِ الرَّوَافِضِ لَا يَقَعُ، وَفِي الْكِتَابِ ذَكَرَ بَابًا رَدًّا عَلَيْهِمْ فَيُؤَخَّرُ الْكَلَامُ فِيهِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَالْقَدْرُ الَّذِي نَذْكُرُهُ هُنَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعُمَرَ ﵁ مُرْ ابْنَك فَلْيُرَاجِعْهَا» وَالْمُرَاجَعَةُ تَكُونُ بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَلَكِنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّ الْمَرْوِيَّ فَلْيَرْجِعْهَا وَقَدْ كَانَ أَخْرَجَهَا مِنْ بَيْتِهِ فَإِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَرُدَّهَا إلَى بَيْتِهِ وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ الْكَلَامِ فَقَدْ قِيلَ

стр. 1157

لِابْنِ عُمَرَ ﵁ هَلْ احْتَسَبْت بِتِلْكَ الطَّلْقَةِ فَقَالَ وَمَالِي لَا أَحْتَسِبُ بِهَا وَإِنْ اسْتَحْمَقْتُ أَوْ اسْتَجْهَلْتُ أَكَانَ لَا يَقَعُ طَلَاقِي وَلَمَّا ذُكِرَ لِعُمَرَ ﵁ فِي الشُّورَى ابْنُهُ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ أُقَلِّدُ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَمْ يُحْسِنْ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ فَطَلَّقَهَا فِي حَالَةِ الْحَيْضِ فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ ذَلِكَ الطَّلَاقَ كَانَ وَاقِعًا وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَصُونَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ. . (قَالَ) ثُمَّ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلِأَنَّهُ لَوْ رَاجَعَهَا لَمْ تَبِنْ مِنْهُ بِطَلَاقٍ مَحْظُورٍ وَيَنْدَفِعُ عَنْهَا ضَرَرُ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ فَإِذَا لَمْ يُرَاجِعْهَا بَانَتْ مِنْهُ بِطَلَاقٍ مَحْظُورٍ وَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ فَلِهَذَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا. (قَالَ) فَإِذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضَةٍ أُخْرَى طَلَّقَهَا إنْ شَاءَ وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهَا إذَا طَهُرَتْ مِنْ هَذِهِ الْحَيْضَةِ لَا يُبَاحُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ ثُمَّ طَهُرَتْ مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَةِ يُبَاحُ إيقَاعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا وَقِيلَ مَا ذَكَرَهُ الطَّحَاوِيُّ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ وَقْتَ السُّنَّةِ الطُّهْرُ الَّذِي لَا جِمَاعَ فِيهِ وَقَدْ وُجِدَ وَمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ قَوْلُهُمَا لِأَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَ الطَّلَاقَيْنِ بِحَيْضَةٍ كَامِلَةٍ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إذَا طَهُرَتْ مِنْ هَذِهِ الْحَيْضَةِ وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رُوِيَ بِرِوَايَتَيْنِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ «مُرْ ابْنَك فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ وَتَطْهُرَ ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا إنْ شَاءَ» فَهُوَ دَلِيلُ قَوْلِهِمَا وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ «مُرْ ابْنَك فَلْيُرَاجِعْهَا فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا إنْ شَاءَ» وَهَذَا يَحْتَمِلُ بَقِيَّةَ هَذِهِ الْحَيْضَةِ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَذَلِكَ إنْ طَلَّقَهَا فِي حَالَةِ الْحَيْضِ. (قَالَ) وَلَوْ طَلَّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ وَاحِدَةً ثُمَّ رَاجَعَهَا بِالْقَوْلِ فَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا أُخْرَى فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ لِلسُّنَّةِ فَلَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيهِ رِوَايَتَانِ فَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ شَرْطُ الْفَصْلِ بَيْنَ طَلَاقَيْ السُّنَّةِ الْحَيْضَةُ الْكَامِلَةُ كَمَا قَالَ ﷺ «فَلْيُطَلِّقْهَا فِي كُلِّ قُرْءٍ تَطْلِيقَةً» وَلِأَنَّ إيقَاعَ تَطْلِيقَةٍ فِي طُهْرٍ فِي الْمَنْعِ مِنْ تَطْلِيقَةٍ أُخْرَى فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ كَالْجِمَاعِ فَكَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ الْجِمَاعِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ الْفَصْلُ بِالْحَيْضَةِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ إذَا كَانَتْ الثَّانِيَةُ تَقَعُ فِي الْعِدَّةِ وَبِالْمُرَاجَعَةِ قَدْ ارْتَفَعَتْ الْعِدَّةُ فَكَانَتْ الثَّانِيَةُ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ الْإِيقَاعِ وَقَدْ حَصَلَ فِي طُهْرٍ لَا جِمَاعَ فِيهِ ثُمَّ الرَّجْعَةُ تُسْقِطُ جَمِيعَ الْعِدَّةِ وَلَوْ تَخَلَّلَ بَيْنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ مَا يُسْقِطُ بَعْضَ الْعِدَّةِ كَانَتْ الثَّانِيَةُ وَاقِعَةً عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ فَإِذَا تَخَلَّلَ مَا يُسْقِطُ جَمِيعَ الْعِدَّةِ أَوْلَى وَكَذَلِكَ

стр. 1158

لَوْ رَاجَعَهَا بِالتَّقْبِيلِ أَوْ الْمَسِّ عَنْ شَهْوَةٍ حَتَّى رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إذَا كَانَ أَخَذَ بِيَدِ امْرَأَتِهِ عَنْ شَهْوَةٍ فَقَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ يَقَعُ عَلَيْهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ فِي الْحَالِ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا لِأَنَّ كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْهَا تَطْلِيقَةٌ صَارَ مُرَاجِعًا لَهَا فَتَقَعُ أُخْرَى فَأَمَّا إذَا رَاجَعَهَا بِالْجِمَاعِ فَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا أُخْرَى فِي هَذَا الطُّهْرِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ طُهْرٌ قَدْ جَامَعَهَا فِيهِ وَإِنْ رَاجَعَهَا بِالْجِمَاعِ فَحَبِلَتْ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا أُخْرَى أَيْضًا لِأَنَّهُ قَدْ طَلَّقَهَا فِي هَذَا الطُّهْرِ وَاحِدَةً وَالطُّهْرُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ مَحَلًّا لِأَكْثَرَ مِنْ تَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا أُخْرَى لِأَنَّ الْعِدَّةَ الْأُولَى قَدْ سَقَطَتْ وَالطَّلَاقُ عَقِيبَ الْجِمَاعِ فِي الطُّهْرِ إنَّمَا لَا يَحِلُّ لِاشْتِبَاهِ أَمْرِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ إذَا حَبِلَتْ وَظَهَرَ الْحَبَلُ بِهَا. (قَالَ)، وَإِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً بَائِنَةً فَقَدْ أَخْطَأَ السُّنَّةَ وَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ عَلَيْهَا، وَفِي زِيَادَاتِ الزِّيَادَاتِ قَالَ التَّطْلِيقَةُ الْبَائِنَةُ تَقَعُ بِصِفَةِ السُّنَّةِ كَالرَّجْعِيَّةِ لِأَنَّ «ابْنَ رُكَانَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إيقَاعَ الطَّلَاقِ بِهَذَا اللَّفْظِ» فَلَوْ كَانَ خِلَافَ السُّنَّةِ لَأَنْكَرَ عَلَيْهِ كَمَا أَنْكَرَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْوَاقِعُ بِهَذَا اللَّفْظِ يَكُونُ بَائِنًا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْخُلْعُ فَإِنَّهُ يَقَعُ بَائِنًا وَلَا يَكُونُ مَكْرُوهًا فَأَمَّا وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ إبَاحَةَ الْإِيقَاعِ لِلْحَاجَةِ إلَى التَّفَصِّي عَنْ عُهْدَةِ النِّكَاحِ وَلَا حَاجَةَ بِهِ إلَى زِيَادَةِ صِفَةِ الْبَيْنُونَةِ فَكَانَتْ زِيَادَةُ هَذِهِ الصِّفَةِ كَزِيَادَةِ الْعَدَدِ ثُمَّ لَا مَقْصُودَ لَهُ فِي ذَلِكَ سِوَى رَدِّ نَظَرِ الشَّرْعِ لَهُ بِقَطْعِ خِيَارِ الرَّجْعَةِ وَسَدِّ بَابِ التَّلَافِي عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ النَّدَمِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْخُلْعِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ لِاسْتِرْدَادِ مَا سَاقَ لَهَا مِنْ الصَّدَاقِ إذَا كَانَ النُّشُوزُ مِنْهَا مَعَ أَنَّ الْخُلْعَ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ تَحَقُّقِ الْحَاجَةِ وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ وَالطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا يَكُونُ إلَّا بَائِنًا وَاَلَّتِي لَمْ يُدْخَلْ بِهَا لَيْسَتْ نَظِيرَ الَّتِي دُخِلَ بِهَا بِدَلِيلِ الْإِيقَاعِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ ابْنِ رُكَانَةَ ﵁ أَنَّهُ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَقَبْلَ الدُّخُولِ بِأَيِّ لَفْظٍ أَوْقَعَ يَكُونُ بَائِنًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَخَّرَ الْإِنْكَارَ إلَى وَقْتٍ آخَرَ لِعِلْمِهِ أَنَّهُ لِفَرْطِ الْغَيْظِ لَا يَقْبَلُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.

стр. 1159

[بَابُ الرَّجْعَةِ] (قَالَ)، وَإِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فِي الطُّهْرِ أَوْ فِي الْحَيْضِ أَوْ بَعْدَ الْجِمَاعِ فَهُوَ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ مَادَامَ فِي الْعِدَّةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «طَلَّقَ سَوْدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - بِقَوْلِهِ اعْتَدِّي ثُمَّ رَاجَعَهَا» «وَطَلَّقَ حَفْصَةَ ﵂ ثُمَّ رَاجَعَهَا بِالْوَطْءِ» وَيَسْتَوِي إنْ طَالَتْ مُدَّةُ الْعِدَّةِ أَوْ قَصُرَتْ لِأَنَّ النِّكَاحَ بَيْنَهُمَا بَاقٍ مَا بَقِيَتْ الْعِدَّةُ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلْقَمَةَ ﵁ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَارْتَفَعَ حَيْضُهَا سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ مِنْهَا وَقَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَبَسَ مِيرَاثَهَا عَلَيْك فَإِذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ قَبْلَ الرَّجْعَةِ فَقَدْ بَطَلَ حَقُّ الرَّجْعَةِ وَبَانَتْ الْمَرْأَةُ مِنْهُ، وَهُوَ خَاطِبٌ مِنْ الْخُطَّابِ يَتَزَوَّجُهَا بِرِضَاهَا إنْ اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ. وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُرَاجِعَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَأَحْسَنُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَغْشَاهَا حَتَّى يُشْهِدَ شَاهِدَيْنِ عَلَى رَجْعَتِهَا وَالْإِشْهَادُ عَلَى الرَّجْعَةِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَنَا، وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - شَرْطٌ لَا تَصِحُّ الرَّجْعَةُ إلَّا بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْ مَذْهَبِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجْعَلُ الْإِشْهَادَ عَلَى النِّكَاحِ شَرْطًا وَيَجْعَلُ الْإِشْهَادَ عَلَى الرَّجْعَةِ شَرْطًا لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵄ وَلِأَنَّ الرَّجْعَةَ اسْتِدَامَةٌ لِلنِّكَاحِ وَالْإِشْهَادُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي اسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ وَبَيَانُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الرَّجْعَةَ إمْسَاكًا، وَهُوَ مَنْعٌ لِلْمُزِيلِ مِنْ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَلَا يَكُونُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهَا شَرْطًا كَالْفَيْءِ فِي الْإِيلَاءِ وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ الِاسْتِحْبَابُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الرَّجْعَةِ وَالْفُرْقَةِ وَأَمَرَ بِالْإِشْهَادِ عَلَيْهِمَا ثُمَّ الْإِشْهَادُ عَلَى الْفُرْقَةِ مُسْتَحَبٌّ لَا وَاجِبٌ فَكَذَلِكَ عَلَى الرَّجْعَةِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ثُمَّ الْبَيْعُ صَحِيحٌ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ وَلَيْسَ فِي الرَّجْعَةِ عِوَضٌ لَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ لِأَنَّهُ اسْتِدَامَةٌ لِلْمِلْكِ فَلَا يَسْتَدْعِي عِوَضًا وَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ رِضَاهَا وَلَا رِضَى الْمَوْلَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الزَّوْجَ أَحَقَّ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَإِنَّمَا يَكُونُ أَحَقَّ إذَا اسْتَبَدَّ بِهِ وَالْبَعْلُ هُوَ الزَّوْجُ، وَفِي تَسْمِيَتِهِ بَعْلًا بَعْدَ الطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ دَلِيلُ بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا فَالْمُبَاعَلَةُ هِيَ الْمُجَامَعَةُ فَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ وَطْأَهَا حَلَالٌ لَهُ، وَهُوَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا إنَّ الطَّلَاقَ الرَّجْعِيَّ لَا يُحَرِّمُ الْوَطْءَ وَلَكِنْ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا قَبْلَ الْإِشْهَادِ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُرَاجِعًا لَهَا مِنْ غَيْرِ شُهُودٍ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَحْرُمُ عَلَيْهِ

стр. 1160

وَطْؤُهَا مَا لَمْ يُرَاجِعْهَا وَلِهَذَا شُرِطَ الْإِشْهَادُ عَلَى الرَّجْعَةِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِاسْتِبَاحَةِ الْوَطْءِ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إنْ أَرَادُوا إصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَالْإِصْلَاحُ يَكُونُ بَعْدَ تَمَكُّنِ الْفَسَادِ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ الْفَسَادُ هُنَا بِزَوَالِ أَصْلِ الْمِلْكِ عَرَفْنَا أَنَّهُ تَمَكَّنَ الْفَسَادُ بِحُرْمَةِ الْوَطْءِ وَيَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ حُرْمَةَ الْوَطْءِ مَعَ قِيَامِ أَصْلِ الْمِلْكِ كَمَنْ كَاتَبَ أَمَتَهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا وَإِنْ بَقِيَ الْمِلْكُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ مَهْرٌ جَدِيدٌ بِالْوَطْءِ كَمَا فِي الْمُكَاتَبَةِ وَلِأَنَّ هَذَا طَلَاقٌ وَاقِعٌ فَيَحْرُمُ الْوَطْءُ كَالْوَاقِعِ بِقَوْلِهِ أَنْتِ بَائِنٌ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْأَقْرَاءَ يُحْتَسَبُ بِهَا مِنْ الْعِدَّةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَمَعَ بَقَاءِ مِلْكِ النِّكَاحِ مُطْلَقًا لَا يُحْتَسَبُ بِالْأَقْرَاءِ مِنْ الْعِدَّةِ لِأَنَّ الْعِدَّةَ لِصِيَانَةِ الْمَاءِ وَصَوْنُ الْمَاءِ بِالنِّكَاحِ أَبْلَغُ مِنْهُ بِالْعِدَّةِ وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ لِتَبَيُّنِ فَرَاغِ الرَّحِمِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ هِيَ مَشْغُولَةً بِمَا يُبَيِّنُ فَرَاغَ رَحِمِهَا وَيَكُونُ الزَّوْجُ مُسَلَّطًا عَلَى شُغْلِ رَحِمِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ بِالْوَلَدِ إلَى سَنَتَيْنِ يُجْعَلُ هَذَا مِنْ عُلُوقٍ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَلَوْ بَقِيَ الْحِلُّ بَيْنَهُمَا لَكَانَ يَسْتَنِدُ الْعُلُوقُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ وَهِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الرَّجْعَةَ إمْسَاكًا وَذَلِكَ اسْتِدَامَةٌ لِلْمِلْكِ فَدَلَّ أَنَّ الْمِلْكَ بَاقٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَمِلْكُ النِّكَاحِ لَيْسَ إلَّا مِلْكَ الْحِلِّ فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُ عَيْنَهَا وَلَا مَنَافِعَهَا فَبَقَاءُ مِلْكِ النِّكَاحِ مُطْلَقًا يَكُونُ دَلِيلَ بَقَاءِ حِلِّ الْوَطْءِ إلَّا بِعَارِضٍ يَحْرُمُ بِهِ الْوَطْءُ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ كَالْحَيْضِ وَالظِّهَارِ وَاخْتِلَافِ الدِّينِ وَبِكَوْنِهَا مُطَلَّقَةً لَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ أَمَةً فَاشْتَرَاهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ كَانَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا فَكَذَلِكَ لَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ فِي مِلْكِ النِّكَاحِ وَالدَّلِيلُ عَلَى بَقَاءِ الْمِلْكِ مُطْلَقًا أَنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَاتِ كَالظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ وَاللِّعَانِ وَأَنَّهُمَا يَتَوَارَثَانِ وَأَنَّهُ يَمْلِكُ الِاعْتِيَاضَ بِالْخُلْعِ وَمِلْكُ الِاعْتِيَاضِ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ الْمِلْكِ وَأَنَّهُ الرَّجْعَةُ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا وَالرَّجْعَةُ لَيْسَتْ بِسَبَبٍ لِحِلِّ الْوَطْءِ مَقْصُودًا حَتَّى لَا يُعْتَبَرَ فِيهَا الْمَهْرُ وَلَا رِضَاهَا وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الطَّلَاقَ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَاقِعٌ فَلَوْ كَانَ حُكْمُ الطَّلَاقِ زَوَالَ الْمِلْكِ بِهِ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ بَعْدَ الطَّلَاقِ لِأَنَّ الْمُزَالَ لَا يُزَالُ وَكَمَا أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّانِيَ وَاقِعٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزُولَ الْمِلْكُ بِهِ فَكَذَلِكَ الْأَوَّلُ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَصْلِيَّ لِلطَّلَاقِ رَفَعَ الْحِلَّ عَنْ الْمَحَلِّ إذَا تَمَّ ثَلَاثًا. فَأَمَّا زَوَالُ الْمِلْكِ بِهِ مُعَلَّقٌ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ قَبْلَ الرَّجْعَةِ وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عَدَمُ قَبْلِهِ وَإِنَّمَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الرَّجْعَةَ رَدًّا وَإِصْلَاحًا لِأَنَّهُ يُعِيدُهَا بِالرَّجْعَةِ إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى حَتَّى لَا تَبِينَ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ لَا لِأَنَّهُ يُعِيدُهَا إلَى الْمِلْكِ وَمِلْكُ النِّكَاحِ لَيْسَ نَظِيرَ مِلْكِ الْيَمِينِ فَإِنَّ صِفَةَ الْحِلِّ هُنَاكَ تَنْفَصِلُ عَنْ أَصْلِ الْمِلْكِ ابْتِدَاءً وَبَقَاءً كَالْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَالْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ وَهُنَا صِفَةُ الْحِلِّ تَنْفَصِلُ عَنْ أَصْلِ
следующие страницы →