← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 5423

المبسوط للسرخسي

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (6 278 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

تَأَخَّرَ الْوُقُوعُ إلَى الْقُدُومِ. وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: أَطْوَلُكُمَا حَيَاةً طَالِقٌ السَّاعَةَ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ حَتَّى تَمُوتَ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ طُولُ الْحَيَاةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا فِي الْمَاضِي حَتَّى إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا بِنْتَ عَشْرِ سِنِينَ، وَالْأُخْرَى بِنْتَ سِتِّينَ سَنَةً لَمْ تَطْلُقْ الْعَجُوزُ فَعَرَفْنَا أَنَّ طُولَ الْحَيَاةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مُرَادٌ وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَمُوتَا مَعًا، فَإِنْ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا طَلُقَتْ الْأُخْرَى فِي الْحَالِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - طَلُقَتْ مِنْ حِينِ تَكَلَّمَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا كَانَتْ أَطْوَلُهُمَا حَيَاةً، وَأَنَّ الزَّوْجَ عَلَّقَ الطَّلَاقَ بِشَرْطٍ مَوْجُودٍ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: مَعْنَى كَلَامِ الزَّوْجِ الَّتِي تَبْقَى مِنْكُمَا بَعْدَ مَوْتِ الْأُخْرَى طَالِقٌ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ قَبْلَ مَوْتِ إحْدَاهُمَا بَلْ هُوَ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَمُوتَا مَعًا فَلِهَذَا انْتَصَبَ شَرْطًا. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ: يَا زَيْنَبُ، فَأَجَابَتْهُ عَمْرَةُ؛ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا طَلُقَتْ الَّتِي أَجَابَتْهُ، لِأَنَّهُ أَتْبَعَ الْإِيقَاعَ الْجَوَابَ فَيَصِيرُ مُخَاطِبًا لِلْمُجِيبَةِ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت زَيْنَبَ قُلْنَا تَطْلُقُ زَيْنَبُ بِقَصْدِهِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي صَرْفِ الْكَلَامِ عَنْ ظَاهِرِهِ فَتَطْلُقُ عَمْرَةُ أَيْضًا بِالظَّاهِرِ كَمَا لَوْ قَالَ: زَيْنَبُ طَالِقٌ، وَلَهُ امْرَأَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِهَذَا الِاسْمِ تَطْلُقُ، فَإِنْ قَالَ: لِي امْرَأَةٌ أُخْرَى بِهَذَا الِاسْمِ تَزَوَّجْتهَا سِرًّا، وَإِيَّاهَا عَنَيْت قُلْنَا تَطْلُقُ تِلْكَ بِنِيَّتِهِ، وَالْمَعْرُوفَةُ بِالظَّاهِرِ، وَلَوْ قَالَ: يَا زَيْنَبُ أَنْتِ طَالِقٌ وَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ طَلُقَتْ زَيْنَبُ؛ لِأَنَّهُ أَتْبَعَ الْإِيقَاعَ النِّدَاءَ فَيَكُونُ خِطَابًا لِلْمُنَادَى وَهِيَ زَيْنَبُ. وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يُشِيرُ إلَيْهَا: يَا زَيْنَبُ أَنْتِ طَالِقٌ فَإِذَا هِيَ عَمْرَةُ طَلُقَتْ عَمْرَةُ، إنْ كَانَتْ امْرَأَتَهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ امْرَأَتُهُ، لَمْ تَطْلُقْ زَيْنَبُ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ بِالْإِشَارَةِ أَبْلَغُ مِنْ التَّعْرِيفِ بِالِاسْمِ، فَإِنَّ التَّعْرِيفَ بِالْإِشَارَةِ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَبِالِاسْمِ لَا، فَكَانَ هَذَا أَقْوَى، وَلَا يَظْهَرُ الضَّعِيفُ فِي مُقَابَلَةِ الْقَوِيِّ؛ فَكَانَ هُوَ مُخَاطِبًا بِالْإِيقَاعِ لِمَنْ أَشَارَ إلَيْهَا خَاصَّةً، وَإِنْ قَالَ: يَا زَيْنَبُ أَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يُشِرْ إلَى شَيْءٍ غَيْرَ أَنَّهُ رَأَى شَخْصًا فَظَنَّهَا زَيْنَبَ، وَهِيَ غَيْرُهَا طَلُقَتْ زَيْنَبُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ بَنَى الْإِيقَاعَ عَلَى التَّعْرِيفِ بِالِاسْمِ هُنَا فَإِنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْمُسَمَّاةِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِظَنِّهِ؛ لِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَحْصُلُ بِهِ فِي الظَّاهِرِ، وَالْقَاضِي مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ. فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَطْلُقُ هِيَ وَلَا الْأُخْرَى؛ لِأَنَّهُ عَنَاهَا بِقَلْبِهِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مُطَّلِعٌ عَلَى مَا فِي ضَمِيرِهِ فَيَمْنَعُ ذَلِكَ الْإِيقَاعُ عَلَى زَيْنَبَ الَّتِي لَمْ يَعْنِهَا بِقَلْبِهِ، وَعَلَى الَّتِي عَنَاهَا بِقَلْبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطِبْهَا بِلِسَانِهِ حِينَ أَتْبَعَ الْخِطَابَ النِّدَاءَ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ هَكَذَا وَأَشَارَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَإِنْ أَشَارَ بِأُصْبُعَيْنِ فَهِيَ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ، وَإِنْ أَشَارَ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ بِالْأَصَابِعِ بِمَنْزِلَةِ التَّصْرِيحِ بِالْعَدَدِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﷺ : «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَخَنَّسَ إبْهَامَهُ

стр. 1262

فِي الثَّالِثَةِ» فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيَانًا أَنَّ الشَّهْرَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا. ثُمَّ الْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْإِشَارَةِ أَنَّهَا تَقَعُ بِالْأَصَابِعِ الْمَنْشُورَةِ لَا بِالْأَصَابِعِ الْمَعْقُودَةِ، وَالْعُرْفُ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا، وَكَذَلِكَ الشَّرْعُ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا خَنَّسَ إبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ كَانَ الِاعْتِبَارُ بِمَا نَشَرَ مِنْ الْأَصَابِعِ دُونَ مَا عَقَدَ حَتَّى لَوْ قَالَ: عَنَيْت الْإِشَارَةَ بِالْأُصْبُعَيْنِ اللَّتَيْنِ عَقَدْت لَمْ يَدِنْ فِي الْقَضَاءِ، وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِكَوْنِ مَا قَالَ مُحْتَمَلًا، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: عَنَيْت الْإِشَارَةَ بِالْكَفِّ دُونَ الْأَصَابِعِ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِكَوْنِهِ مُحْتَمَلًا، وَلَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا. وَبَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُولُونَ إنْ جَعَلَ ظَهْرَ الْكَفِّ إلَيْهَا، وَالْأَصَابِعَ الْمَنْشُورَةَ إلَى نَفْسِهِ، دِينَ فِي الْقَضَاءِ، وَإِنْ جَعَلَ الْأَصَابِعَ الْمَنْشُورَةَ إلَيْهَا، لَمْ يَدِنْ فِي الْقَضَاءِ، وَإِذَا أَشَارَ بِأَصَابِعِهِ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يَقُلْ هَكَذَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ لَا يَتَّصِلُ بِإِشَارَتِهِ إلَّا بِقَوْلِهِ: هَكَذَا فَإِذَا لَمْ يَقُلْ كَانَ وُجُودُ الْإِشَارَةِ كَعَدَمِهَا فَتَطْلُقُ وَاحِدَةً بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ ثَلَاثًا فَأَمْسَكَ رَجُلٌ عَلَى فِيهِ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا بَعْدَ ذِكْرِ الطَّلَاقِ فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الْوُقُوعَ بِلَفْظِهِ لَا بِقَصْدِهِ، وَهُوَ مَا تَلَفَّظَ إلَّا بِقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ مَاتَ الرَّجُلُ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قَوْلِهِ: ثَلَاثًا فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قَوْلِهِ: ثَلَاثًا فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ وَصَلَ لَفْظَ الطَّلَاقِ بِذِكْرِ الْعَدَدِ، فَيَكُونُ الْعَامِلُ هُوَ الْعَدَدَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا تَطْلُقُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْعَدَدِ حَصَلَ بَعْدَ مَوْتِهَا، فَأَمَّا إذَا مَاتَ الرَّجُلُ، فَلَفْظُ الطَّلَاقِ هُنَا لَمْ يَتَّصِلْ بِذِكْرِ الْعَدَدِ فَبَقِيَ قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ فَمَاتَتْ الْمَرْأَةُ قَبْلَ ذِكْرِ الثَّانِيَةِ، طَلُقَتْ وَاحِدَةً؛ لِمَا قُلْنَا أَنَّ كَلَامَهُ هُنَا إيقَاعٌ عَامِلٌ فِي الْوُقُوعِ، فَإِنَّمَا يَقَعُ مَا صَادَفَهَا وَهِيَ حَيَّةٌ دُونَ مَا صَادَفَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَمَاتَتْ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ الْكَلَامِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمَعْطُوفَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ إذَا اتَّصَلَ الشَّرْطُ بِآخِرِهِ؛ يَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ إيقَاعًا كَمَا إذَا اتَّصَلَ الِاسْتِثْنَاءُ بِهِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ اتِّصَالُ الشَّرْطِ بِالْكَلَامِ بَعْدَ مَوْتِهَا. وَإِنْ قَالَ: إحْدَى امْرَأَتَيَّ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَذَلِكَ إلَيْهِ يُوقِعُهَا عَلَى أَيَّتِهِمَا شَاءَ فَإِنَّ إيجَابَ الطَّلَاقِ فِي الْمَجْهُولِ صَحِيحٌ بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ نُفَاةُ الْقِيَاسِ، وَحُجَّتُنَا عَلَيْهِمْ الْحَدِيثُ «كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ»، ثُمَّ الْأَصْلُ أَنَّ الْإِيجَابَ فِي الْمَجْهُولِ يَصِحُّ فِيمَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُعَلَّقِ بِخَطَرِ الْبَيَانِ فِي حَقِّ الْعَيْنِ وَلِأَنَّ مَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الضِّيقِ، وَهُوَ

стр. 1263

الْبَيْعُ يَصِحُّ إيجَابُهُ فِي الْمَجْهُولِ إذَا كَانَ لَا يُؤَدِّي إلَى الْمُنَازَعَةِ، وَهُوَ مَا إذَا بَاعَ قَفِيزًا مِنْ صُبْرَةٍ فَفِيمَا يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى السِّعَةِ؛ لَأَنْ يَصِحَّ إيجَابُهُ فِي الْمَجْهُولِ كَانَ أَوْلَى. وَهَذِهِ الْجَهَالَةُ لَا تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ هُنَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَنْفَرِدُ بِالْبَيَانِ كَمَا يَنْفَرِدُ بِالْإِيقَاعِ فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت هَذِهِ حِينَ تَكَلَّمْت فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِلْإِيقَاعِ عَلَيْهَا فَيَصِحُّ بَيَانُهُ أَيْضًا، وَمَا فِي ضَمِيرِهِ لَا يُوقَفُ عَلَيْهَا إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ، وَإِنْ قَالَ: مَا نَوَيْت وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا يُقَالُ لَهُ: أَوْقِعْ الْآنَ عَلَى أَيَّتِهِمَا شِئْتَ؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ الْأَوَّلَ كَانَ عَلَى مُنَكَّرٍ، وَأَحْكَامُ الطَّلَاقِ تَتَقَرَّرُ فِي الْمُنَكَّرِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ فَلِهَذَا يُقَالُ لَهُ: أَوْقِعْ عَلَى أَيَّتِهِمَا شِئْت. وَإِنْ مَاتَتْ إحْدَاهُمَا قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ طَلُقَتْ الْبَاقِيَةُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ لَا يَتَبَيَّنُ قَبْلَ الْمَوْتِ فِي إحْدَاهُمَا لِمُزَاحَمَةِ الْأُخْرَى مَعَهَا وَقَدْ زَالَتْ بِالْمَوْتِ فَإِنَّ الَّتِي مَاتَتْ خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ، وَتَعْيِينُ الطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ فِي حَقِّ الْعَيْنِ كَابْتِدَاءِ الْإِيقَاعِ، فَإِذَا خَرَجَتْ إحْدَاهُمَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ تَعَيَّنَتْ الْأُخْرَى، وَإِنْ قَالَ: عَنَيْت الْمَيِّتَةَ حِينَ تَكَلَّمْتُ صُدِّقَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ حَتَّى يُبْطِلَ مِيرَاثَهُ عَنْهَا وَلَا يُصَدَّقُ عَلَى إبْطَالِ الطَّلَاقِ عَنْ الْحَيَّةِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ تَعَيَّنَ فِيهَا شَرْعًا فَلَا يَمْلِكُ صَرْفَ الطَّلَاقِ عَنْهَا بِقَوْلِهِ. (قَالَ): وَإِنْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَاطَّلَعَتْ إحْدَاهُنَّ، فَقَالَ الزَّوْجُ الَّتِي اطَّلَعَتْ طَالِقٌ ثَلَاثًا، ثُمَّ لَمْ يَعْلَمْ أَيَّتُهُنَّ هِيَ، وَقَدْ عَلِمَ الزَّوْجُ أَنَّهَا كَانَتْ إحْدَاهُنَّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْرَبَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ حَتَّى يَعْلَمَ الْمُطَلَّقَةَ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ الْوُقُوعَ هُنَا عَلَى الْمُعَيَّنَةِ ابْتِدَاءً فَتَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ. وَلَا طَرِيقَ إلَى التَّحَرِّي فِي هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ التَّحَرِّيَ إنَّمَا يَجُوزُ فِيمَا يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ بِالضَّرُورَةِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْفَرْجِ، وَلَيْسَ لَهُ الْبَيَانُ بِالْإِيقَاعِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ الْإِيقَاعَ عَلَى الْمُعَيَّنَةِ هُنَا، وَقَدْ تَمَّ بِخِلَافِ الْأَوْلَى؛ وَلِأَنَّ الْإِبْهَامَ لَيْسَ مِنْ جِهَتِهِ، بَلْ بِاخْتِلَاطِ الْمُطَلَّقَةِ بِغَيْرِهَا بِخِلَافِ الْأَوْلَى، فَالْإِبْهَامُ هُنَاكَ مِنْهُ، فَكَانَ الْبَيَانُ إلَيْهِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُطَلِّقَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً، وَيَتْرُكَهُنَّ حَتَّى يَبِنَّ، وَلَا يَتَزَوَّجَ شَيْئًا مِنْهُنَّ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَّتُهُنَّ صَاحِبَةُ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي بَابِ الْفَرْجِ وَاجِبٌ شَرْعًا، وَالِاحْتِيَاطُ فِي هَذَا. (قَالَ): فَإِنْ تَزَوَّجَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ فَخَاصَمَتْهُ فِي الطَّلَاقِ يَحْلِفُ لَهَا؛ لِأَنَّهَا تَزْعُمُ أَنَّهَا الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا، وَالزَّوْجُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَتْ الْخُصُومَةُ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يُطَلِّقَهَا كَانَ يَحْلِفُ لَهَا فَكَذَلِكَ بَعْدَهُ، فَإِنْ حَلَفَ أَمْسَكَهَا؛ لِأَنَّا عَرَفْنَاهَا فِي الْأَصْلِ غَيْرَ مُطَلَّقَةٍ ثَلَاثًا فَحِينَ حَلَفَ؛ بَقِيَ الْأَمْرُ فِي الْحُكْمِ عَلَى مَا كَانَ مَعْلُومًا لَنَا قَبْلَ هَذَا، وَكَذَلِكَ إنْ تَزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، فَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ، وَتَزَوَّجْنَ بِأَزْوَاجٍ غَيْرِهِ، وَدَخَلَ بِهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ، ثُمَّ فَارَقُوهُنَّ نَكَحَ أَيَّتَهنَّ

стр. 1264

شَاءَ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا مِنْهُنَّ قَدْ حَلَّتْ لَهُ بِإِصَابَةِ الزَّوْجِ الثَّانِي؛ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ. وَإِنْ ادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَنَّهَا الْمُطَلَّقَةُ، وَلَا بَيِّنَةَ لَهَا، وَجَحَدَ الزَّوْجُ يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى مَا هِيَ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ تَدَّعِي عَلَيْهِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ، فَإِنْ حَلَفَ لَهُنَّ جَمِيعًا بَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى مَا كَانَ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا مُجَازَفَتَهُ فِي هَذِهِ الْأَيْمَانِ، فَإِنَّ الْمُطَلَّقَةَ فِيهِنَّ، وَالْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ لَا تَرْفَعُ الْحُرْمَةَ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا حَلَفَ لِثَلَاثٍ مِنْهُنَّ تَعَيَّنَتْ لِلطَّلَاقِ الرَّابِعَةُ، وَلَا يَحْلِفُ لَهَا وَإِنْ أَبَى أَنْ يَحْلِفَ لَهُنَّ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِمَنْزِلَةِ إقْرَارِهِ أَنَّهَا الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا. (قَالَ): وَإِذَا قَالَ لِنِسْوَةٍ لَهُ: أَيَّتُكُنَّ أَكَلَتْ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ فَهِيَ طَالِقٌ فَأَكَلْنَهُ؛ طَلُقْنَ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ أَيَّ تَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُخَاطَبِينَ عَلَى الِانْفِرَادِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨]، وَحَرْفُ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، فَصَارَ مُعَلِّقًا طَلَاقَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِتَنَاوُلِهَا شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ، وَقَدْ وُجِدَ فِي حَقِّهِنَّ جَمِيعًا. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَيَّتُكُنَّ دَخَلَتْ هَذِهِ الدَّارَ فَدَخَلْنَهَا؛ طَلُقْنَ؛ لِوُجُودِ الشَّرْطِ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَيَّتُكُنَّ شَاءَتْ فَهِيَ طَالِقٌ فَشِئْنَ جَمِيعًا. وَلَوْ قَالَ: أَيَّتُكُنَّ بَشَّرَتْنِي بِكَذَا، فَهِيَ طَالِقٌ فَبَشَّرْنَهُ جَمِيعًا مَعًا؛ طَلُقْنَ؛ لِوُجُودِ الشَّرْطِ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَإِنْ بَشَّرَتْهُ وَاحِدَةٌ بَعْدَ أُخْرَى طَلُقَتْ الْأُولَى وَحْدَهَا؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْبَشِيرَةُ فَإِنَّ الْبِشَارَةَ اسْمٌ لِخَبَرٍ سَارٍّ صِدْقٍ غَابَ عَنْ الْمُخْبَرِ عِلْمُهُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ كُلُّ خَبَرٍ غَابَ عَنْ الْمُخْبَرِ بِهِ عِلْمُهُ، إذَا كَانَ صِدْقًا، فَهُوَ بِشَارَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَبِشَرِّهِمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١]، وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا الْخَبَرُ بِشَارَةً؛ لِتَغَيُّرِ بَشَرَةِ الْوَجْهِ عِنْدَ سَمَاعِهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ مُحْزِنًا يَتَغَيَّرُ إلَى الصُّفْرَةِ، وَإِنْ كَانَ سَارًّا إلَى الْحُمْرَةِ، وَلَكِنْ فِي الْعُرْفِ إنَّمَا يُطْلَقُ هَذَا الِاسْمُ عَلَى الْخَبَرِ السَّارِّ، وَإِنَّمَا وُجِدَ هَذَا فِي الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ بِمَا غَابَ عَنْهُ عِلْمُهُ. فَأَمَّا الثَّانِيَةُ أَخْبَرَتْهُ بِمَا كَانَ مَعْلُومًا لَهُ، فَكَانَتْ مُخْبِرَةً لَا بَشِيرَةً، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَالَ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا طَرِيًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» فَاسْتَبَقَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ أَنْ يُخْبِرَاهُ فَسَبَقَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: بَشَّرَنِي بِهِ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَأَخْبَرَنِي بِهِ عُمَرُ ﵁. (قَالَ): قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ مِلْءَ الدَّارِ، أَوْ مِلْءَ الْجُبِّ، فَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ، وَإِلَّا فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَمْلَأُ الْوِعَاءَ الْعَظِيمَةَ فِي نَفْسِهِ تَارَةً؛ وَلِكَثْرَةِ عَدَدِهِ أُخْرَى، فَإِذَا نَوَى الثَّلَاثَ، عَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ كَثْرَةَ الْعَدَدِ فَكَأَنَّهُ قَالَ

стр. 1265

أَنْتِ طَالِقٌ أَكْثَرَ الْعَدَدِ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْوَصْفَ بِعِظَمِ التَّطْلِيقَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَشْتَدَّ حُكْمُهَا، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ؛ لِأَنَّ فِي وُقُوعِ الْوَاحِدَةِ يَقِينًا، وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهِ شَكًّا، وَإِنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ، فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ؛ لِأَنَّهُ نَوَى مُجَرَّدُ الْعَدَدِ، وَذَلِكَ لَا يَسَعُ فِي هَذَا اللَّفْظِ، وَإِنْ قَالَ: وَاحِدَةٌ تَمْلَأُ الدَّارَ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَلَا تَسَعُ نِيَّةُ الثَّلَاثِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِالْوَاحِدَةِ فَيَبْقَى مَعْنَى الْوَصْفِ بِالْعِظَمِ فَتَكُونُ بَائِنَةً. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهَا تَكُونُ رَجْعِيَّةً؛ لِأَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ بِمَا لَا يُوصَفُ بِهِ فَكَانَ لَاغِيًا فِي وَصْفِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: تَطْلِيقَةٌ تَصِيحُ، أَوْ تَطِيرُ كَانَ هَذَا الْوَصْفُ لَغْوًا، ثُمَّ الْمَذْهَبُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ مَتَى صَرَّحَ بِلَفْظِ الْعِظَمِ يَكُونُ الْوَاقِعُ بَائِنًا سَوَاءٌ شَبَّهَهَا بِعَظِيمٍ، أَوْ صَغِيرٍ حَتَّى إذَا قَالَ: عِظَمَ الْجَبَلِ أَوْ عِظَمَ رَأْسِ الْإِبْرَةِ أَوْ الْخَرْدَلَةِ تَكُونُ بَائِنَةً، وَإِنْ لَمْ تُوصَفْ بِالْعِظَمِ، وَلَكِنْ قَالَ: مِثْلَ الْجَبَلِ، أَوْ مِثْلَ رَأْسِ الْإِبْرَةِ تَكُونُ رَجْعِيَّةً، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى تَكُونُ بَائِنًا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا شَبَّهَ التَّطْلِيقَةَ بِمَا يَكُونُ عَظِيمًا عِنْدَ النَّاسِ كَالْجَبَلِ، تَقَعُ بَائِنَةً، وَإِذَا شَبَّهَهَا بِمَا يَكُونُ حَقِيرًا كَالْخَرْدَلَةِ تَكُونُ رَجْعِيَّةً. وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً عَظِيمَةً، أَوْ كَبِيرَةً، أَوْ شَدِيدَةً، أَوْ طَوِيلَةً، أَوْ عَرِيضَةً فَوَصَفَهَا بِشَيْءٍ يُشَدِّدُهَا بِهِ؛ فَهِيَ بَائِنَةٌ فِي الْقَضَاءِ، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مُرَادَهُ مَعْنَى الشِّدَّةِ عَلَيْهَا فِي حُكْمِهَا، وَذَلِكَ فِي الْبَائِنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَرِدُ بِالتَّدَارُكِ بِخِلَافِ الرَّجْعِيِّ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَى الصِّينِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِفْهَا بِعِظَمٍ، وَلَا كِبَرٍ إنَّمَا مَدّهَا إلَى مَكَان، وَالطَّلَاقُ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ نَفْسَهُ، وَلَا حُكْمَهُ وَلِأَنَّهُ بِهَذَا اللَّفْظِ قَصَرَ حُكْمَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا إذَا وَقَعَتْ تَكُونُ وَاقِعَةً مِنْ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ، فَلَا يَثْبُتُ بِهَذَا اللَّفْظِ زِيَادَةُ شِدَّةٍ. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إلَى الشِّتَاءِ فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً بَعْدَ الْأَجَلِ كَمَا فِي إلَى شَهْرٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إلَى الصَّيْفِ، وَمَعْرِفَةُ دُخُولِ الشِّتَاءِ بِلُبْسِ أَكْثَرِ النَّاسِ الْفَرْوَ، وَالثَّوْبَ الْمَحْشُوَّ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَدُخُولِ الصَّيْفِ بِإِلْقَاءِ أَكْثَرِ النَّاسِ ذَلِكَ حَتَّى يَتَعَجَّبَ مِمَّنْ يُرَى عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالرَّبِيعُ فِي آخِرِ الشِّتَاءِ قَبْلَ دُخُولِ الصَّيْفِ إذَا كَانَ النَّاسُ بَيْنَ لَابِسٍ لِلْمَحْشُوِّ، وَغَيْرِ لَابِسٍ لَا يَعِيبُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ الْخَرِيفُ فِي آخِرِ الصَّيْفِ قَبْلَ دُخُولِ الشِّتَاءِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَقِيلَ: الرَّبِيعُ إذَا نَبَتَ الْعُشْبُ، وَالصَّيْفُ إذَا احْتَرَقَ الْعُشْبُ وَجَفَّ، وَالْخَرِيفُ إذَا أَخَذَ النَّاسُ فِي التَّأَهُّبِ لِلشِّتَاءِ، وَالشِّتَاءُ إذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا بَلْ اثْنَتَيْنِ، فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ لَا بَلْ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَلَطِ بِإِقَامَةِ الثَّانِي

стр. 1266

مَقَامَ الْأَوَّلِ، وَالرُّجُوعِ عَنْ الْأَوَّلِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عَمَّا أَوْقَعَهُ وَلَكِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إيقَاعِ أُخْرَيَيْنِ، إذَا كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا لِهَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالْأُولَى لَا إلَى عِدَّةٍ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْهَا، وَلَا عَلَى إقَامَةِ الثِّنْتَيْنِ مَقَامَهَا بِإِيقَاعِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ فَلُغِيَ آخِرُ كَلَامِهِ، وَإِنْ قَالَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا: نَوَيْت بِالِاثْنَتَيْنِ تِلْكَ الْوَاحِدَةَ، وَأُخْرَى مَعَهَا لَمْ يَدِنْ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الثِّنْتَيْنِ غَيْرُ الْوَاحِدَةِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ؛ وَلِأَنَّ كَلَامَهُ إيقَاعُ مُبْتَدَأٌ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ مَدِينٌ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ. (قَالَ): وَإِذَا قَالَ: قَدْ كُنْتُ طَلَّقْتُكِ أَمْسِ وَاحِدَةً، لَا، بَلْ اثْنَتَيْنِ فَهِيَ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ تَطْلُقُ ثَلَاثًا، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَمَا فِي الْإِيقَاعِ؛ لِأَنَّ اثْنَتَيْنِ غَيْرُ وَاحِدَةٍ فَرُجُوعُهُ عَنْ الْإِقْرَارِ بِالْوَاحِدَةِ بَاطِلٌ، وَإِقْرَارُهُ بِالثِّنْتَيْنِ صَحِيحٌ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَقُولُ الْإِقْرَارُ إخْبَارٌ، وَهُوَ مِمَّا يَتَكَرَّرُ بِخِلَافِ الْإِيقَاعِ، وَالْعَادَةِ. الظَّاهِرُ أَنَّ فِي الْإِخْبَارِ بِهَذَا اللَّفْظِ يُرَادُ تَدَارُكُ الْغَلَطِ بِإِثْبَاتِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْعَدَدِ الْأَوَّلِ مَعَ إعَادَتِهَا فَإِنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ: حَجَجْتُ حَجَّةً، لَا، بَلْ حَجَّتَيْنِ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْإِخْبَارِ حَجَّتَيْنِ، وَإِذَا قَالَ: سِنِّي سِتُّونَ سَنَةً لَا، بَلْ سَبْعُونَ، يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْإِخْبَارِ سَبْعِينَ لَا غَيْرُ، وَمُطْلَقُ الْكَلَامِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُتَعَارَفِ فَلِهَذَا تَطْلُقُ اثْنَتَيْنِ، وَإِنْ قَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ، لَا بَلْ فُلَانَةُ طَلُقَتَا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الثَّانِيَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا خَبَرًا فَيَكُونُ خَبَرُ الْأُولَى خَبَرًا لَهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا، بَلْ فُلَانَةُ طَالِقٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَا، بَلْ فُلَانَةُ، أَوْ قَالَ، بَلْ فُلَانَةُ تَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا. وَإِنْ قَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ ثَلَاثًا، لَا بَلْ فُلَانَةُ طَالِقٌ طَلُقَتْ الْأُولَى ثَلَاثًا، وَالثَّانِيَةُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ لِلثَّانِيَةِ خَبَرًا فَوَقَعَ الِاسْتِغْنَاءُ بِذَلِكَ عَنْ جَعْلِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ خَبَرًا لَهَا. وَإِنْ قَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ، أَوْ فُلَانَةُ طَلُقَتْ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّ مُوجِبَ كَلِمَةِ " أَوْ " إذَا دَخَلَتْ بَيْنَ اثْنَيْنِ إثْبَاتُ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ، بَيَانُهُ فِي آيَةِ الْكَفَّارَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إحْدَاهُمَا طَالِقٌ، وَمَنْ يَقُولُ أَنَّ حَرْفَ " أَوْ " لِلتَّشْكِيكِ، فَهُوَ مُخْطِئٌ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّشْكِيكَ لَا يَكُونُ مَقْصُودًا لِيُوضَعَ لَهُ حَرْفٌ، وَلَكِنَّ حَقِيقَتَهُ مَا بَيَّنَّا أَنَّ مُوجِبَهُ إثْبَاتُ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ فَالْخِيَارُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ حَرْفَ " أَوْ " بَيْنَ عَدَدَيْنِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ أَحَدَهُمَا، وَالْبَيَانُ إلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا: كُلَّمَا حَبِلْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَكُلَّمَا وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَحَبِلَتْ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ، وَوَلَدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ فَقَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا حِينَ حَبِلَتْ بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَانْقَضَتْ الْعِدَّةُ بِالْوِلَادَةِ فَلَا يَقَعُ بِهِ عَلَيْهَا شَيْءٌ، فَإِنْ كَانَ وَطِئَهَا، وَهِيَ حُبْلَى، فَذَلِكَ مِنْهُ رَجْعَةٌ، ثُمَّ تَطْلُقُ بِالْوِلَادَةِ تَطْلِيقَةً أُخْرَى بِالْكَلَامِ الثَّانِي، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَهُوَ أَمْلَكُ بِرَجْعَتِهَا، فَإِنْ

стр. 1267

حَبِلَتْ، وَقَعَتْ الثَّالِثَةُ عَلَيْهَا بِالْكَلَامِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ كُلَّمَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ، ثُمَّ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِالْوِلَادَةِ؛ لِأَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ وَضَعَتْ جَمِيعَ مَا فِي بَطْنِهَا. (قَالَ): رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَةٍ لَا يَمْلِكُهَا: يَوْمَ أَتَزَوَّجُك فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَالَ، إنْ تَزَوَّجْتُك، أَوْ إذَا تَزَوَّجْتُك، أَوْ مَتَى تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَطَالِقٌ، وَطَالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَطْلُقُ ثَلَاثًا، حُجَّتُهُمَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَّقَ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ مُجْتَمِعَاتٍ بِشَرْطِ التَّزَوُّجِ فَيَقَعْنَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ مَعًا كَمَا لَوْ أَخَّرَ الشَّرْطَ، فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَطَالِقٌ، وَطَالِقٌ إذَا تَزَوَّجْتُك، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ دُونَ التَّرْتِيبِ، بَيَانُهُ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ ثَبَتَتْ بِهِ فَرْضِيَّةُ الطَّهَارَةِ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ، وَالرَّجُلُ يَقُولُ: جَاءَنِي زَيْدٌ وَعَمْرٌو فَيَكُونُ مُخْبِرًا بِمَجِيئِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ بَيْنَهُمَا فِي الْمَجِيءِ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ: وَطَالِقٌ جُمْلَةٌ نَاقِصَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمْلَةِ التَّامَّةِ، فَالْمَذْكُورُ فِي الْجُمْلَةِ التَّامَّةِ يَصِيرُ مُعَادًا فِي الْجُمْلَةِ النَّاقِصَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاَللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] مَعْنَاهُ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ فَهُنَا يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: وَأَنْتِ طَالِقٌ إذَا تَزَوَّجْتُك، وَأَنْتِ طَالِقٌ إذَا تَزَوَّجْتُك، وَلَوْ صَرَّحَ بِهَذَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا طَلُقَتْ ثَلَاثًا جُمْلَةً، فَهَذَا مِثْلُهُ، وَبِأَنْ كَانَ لَوْ نَجَّزَ الطَّلَاقَ بِهَذَا اللَّفْظِ يَتَفَرَّقُ الْوُقُوعُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا عَلَّقَ يَتَفَرَّقُ كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا: إنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا، بَلْ اثْنَتَيْنِ فَدَخَلَتْ الدَّارَ؛ تَطْلُقُ ثَلَاثًا، وَلَوْ نَجَّزَ بِهَذَا اللَّفْظِ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُنَجَّزَ طَلَاقٌ فَتَبِينُ بِالْأُولَى قَبْلَ ذِكْرِ الثَّانِيَةِ، وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ لَيْسَ بِطَلَاقٍ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ طَلَاقًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَمَا صَحَّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ يَنْزِلُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ جُمْلَةً إذَا لَمْ يَكُنْ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: تَعَلَّقَ بِالشَّرْطِ ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ فَيَقَعْنَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَذَلِكَ كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَبَعْدَهَا أُخْرَى، وَبَعْدَهَا أُخْرَى، فَإِذَا وَقَعْنَ مُتَفَرِّقَاتٍ، بَانَتْ بِالْأُولَى فَلَا تَقَعُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ كَمَا لَوْ نَجَّزَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ فِي اللُّغَةِ لِعَطْفٍ مُطْلَقٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْتَضِيَ جَمْعًا، وَلَا تَرْتِيبًا كَمَا فِي قَوْلِهِ: جَاءَنِي زَيْدٌ، وَعَمْرٌو، لَا يَقْتَضِي جَمْعًا حَتَّى يَسْتَقِيمَ أَنْ يَقُولَ وَعَمْرٌو بَعْدَهُ كَمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَقُولَ: وَعَمْرٌو مَعَهُ، فَإِذَا كَانَ لِلْعَطْفِ فَالتَّطْلِيقَةُ الْأُولَى تَعَلَّقَتْ بِالشَّرْطِ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَالثَّانِيَةُ بِوَاسِطَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهَا كَالْقِنْدِيلِ إذَا عُلِّقَ بِحَبْلٍ بِحَلَقٍ يَتَعَلَّقُ بِالْحَلَقَةِ الْأُولَى بِلَا وَاسِطَةٍ، وَبِالْحَلَقَةِ الثَّانِيَةِ بِوَاسِطَةِ الْأُولَى، وَكَعِقْدِ لُؤْلُؤٍ، وَإِنَّمَا يَنْزِلُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَمَا تَعَلَّقَ وَهَبْ

стр. 1268

أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا يَوْمئِذٍ فَإِنَّمَا يَصِيرُ طَلَاقًا كَمَا تَعَلَّقَ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعَادَ الشَّرْطَ عِنْدَ ذِكْرِ كُلِّ تَطْلِيقَةٍ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ كُلِّ تَطْلِيقَةٍ هُنَاكَ بِالشَّرْطِ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَإِنَّمَا التَّفَرُّقُ فِي أَزْمِنَةِ التَّعْلِيقِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ تَفَرُّقًا فِي الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ وَبِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا، بَلْ اثْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ لَا، بَلْ لِاسْتِدْرَاكِ الْغَلَطِ بِإِقَامَةِ الثَّانِي مَقَامَ الْأَوَّلِ، وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ لِبَقَاءِ الْمَحَلِّ بَعْدَ مَا تَعَلَّقَ الْأَوَّلُ بِالشَّرْطِ فَتَعَلَّقَ الثِّنْتَانِ بِالشَّرْطِ بِلَا وَاسِطَةٍ كَالْأُولَى، وَهُنَا حَرْفُ الْوَاوِ لِلْعَطْفِ، وَبِخِلَافِ مَا لَوْ نَجَّزَ بِقَوْلِهِ لَا، بَلْ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالْأُولَى فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُ التَّكَلُّمُ بِالثِّنْتَيْنِ، لِعَدَمِ الْمَحَلِّ، وَأَمَّا إذَا أَخَّرَ الشَّرْطَ فَنَقُولُ: أَوَّلُ الْكَلَامِ يَتَوَقَّفُ عَلَى آخِرِهِ إذَا كَانَ فِي آخِرِهِ مَا يُغَيِّرُ مُوجِبَ أَوَّلِهِ، وَهُنَا فِي آخِرِهِ مَا يُغَيِّرُ مُوجِبَ أَوَّلِهِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُ إيقَاعٌ وَبِآخِرِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ تَعْلِيقٌ، فَإِذَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ تَعَلَّقَ الْكُلُّ بِالشَّرْطِ جُمْلَةً، وَأَمَّا إذَا قَدَّمَ الشَّرْطَ فَلَيْسَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ مَا يُغَيِّرُ مُوجِبَ أَوَّلِهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ أَوَّلُهُ عَلَى آخِرِهِ، فَإِذَا لَمْ يَتَوَقَّفْ، كَانَ هَذَا، وَالتَّنْجِيزُ سَوَاءً، وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ تَزَوَّجَ أَمَتَيْنِ نِكَاحًا مَوْقُوفًا، فَقَالَ الْمَوْلَى: أَعْتَقَتْ هَذِهِ وَهَذِهِ، بَطَلَ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي آخِرِهِ مَا يُغَيِّرُ مُوجِبَ أَوَّلِهِ فَلَمْ يُجْعَلْ كَعِتْقِهِمَا مَعًا، وَلَوْ زَوَّجَ أُخْتَيْنِ مِنْ رَجُلٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فِي عُقْدَتَيْنِ، فَقَالَ الزَّوْجُ: أَجَزْت نِكَاحَ هَذِهِ وَهَذِهِ، بَطَلَ نِكَاحُهُمَا كَمَا لَوْ قَالَ: أَجَزْتهمَا؛ لِأَنَّ فِي آخِرِهِ مَا يُغَيِّرُ مُوجِبَ أَوَّلِهِ، وَإِنْ قَالَ: إذَا تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا طَلُقَتْ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ مَا عَطَفَ الثَّانِيَةَ، وَالثَّالِثَةَ عَلَى الْأُولَى فَتَتَعَلَّقُ الْأُولَى بِالشَّرْطِ وَتَلْغُو الثَّانِيَةُ، وَالثَّالِثَةُ. وَلَوْ قَالَ: إذَا تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا طَلُقَتْ وَسَقَطَ عَنْهُ الظِّهَارُ، وَالْإِيلَاءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ تَعَلَّقَهُمَا بِالشَّرْطِ بِوَاسِطَةِ الطَّلَاقِ فَبِسَبْقِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ تَبِينُ لَا إلَى عِدَّةٍ فَلَا يَكُونُ مُظَاهِرًا مُولِيًا بَعْدَ مَا خَرَجَتْ مِنْ مِلْكِهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ﵀ هُوَ مُطَلِّقٌ مُظَاهِرٌ مُولٍ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ تَعَلَّقَ بِالتَّزْوِيجِ عِنْدَهُمَا جُمْلَةً، وَلَوْ قَالَ: إذَا تَزَوَّجْتُك فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك، وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَقَعَ هَذَا كُلُّهُ عَلَيْهَا، أَمَّا عِنْدَهُمَا لَا إشْكَالَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَ الْإِيلَاءُ، وَتَكُونُ بَعْدَهُ مَحَلًّا لِلظِّهَارِ فَيَصِيرُ مُظَاهِرًا، ثُمَّ تَكُونُ بَعْدَهُمَا مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ أَيْضًا وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا: إنْ كَلَّمْتِ فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ فَكَلَّمَتْهُ، فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعِنْدَهُمَا تَقَعُ ثَلَاثًا نَصَّ عَلَى قَوْلِهِمَا رِوَايَةُ أَبِي سُلَيْمَانَ. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَطَالِقٌ إذَا كَلَّمْتُ فُلَانًا فَكَلَّمَ فُلَانًا؛ تَطْلُقُ ثَلَاثًا بِالِاتِّفَاقِ، وَالْفَرْقُ لِأَبِي حَنِيفَةَ مَا ذَكَرْنَا وَلَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ

стр. 1269

فَطَالِقٌ فَطَالِقٌ، ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ ﵀ أَنَّ هَذَا عَلَى الْخِلَافِ أَيْضًا، وَحَرْفُ الْفَاءِ لِلْعَطْفِ كَحَرْفِ الْوَاوِ فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا عِنْدَهُمَا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ لَا لِعَطْفٍ مُطْلَقٍ فَإِنَّ كُلَّ حَرْفٍ مَوْضُوعٌ لِمَعْنًى خَاصٍّ، وَإِذَا كَانَ لِلتَّعْقِيبِ، فَفِي كَلَامِهِ تَنْصِيصٌ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَةَ تَعْقُبُ الْأُولَى فَتَبِينُ بِالْأُولَى لَا إلَى عِدَّةٍ بِخِلَافِ الْوَاوِ. وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا، فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا تَطْلُقُ اثْنَتَيْنِ فِي الْحَالِ، وَالثَّالِثَةُ تَعَلَّقَتْ بِالْكَلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، طَلُقَتْ وَاحِدَةً فِي الْحَالِ وَيَلْغُو مَا سِوَاهَا؛ لِأَنَّهُ مَا عَطَفَ التَّطْلِيقَاتِ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَوْ قَالَ: إنْ كَلَّمْتِ فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ طَالِقٌ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا تَعَلَّقَتْ الْأُولَى بِالْكَلَامِ، وَوَقَعَتْ الثَّانِيَةُ، وَالثَّالِثَةُ فِي الْحَالِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، تَعَلَّقَتْ الْأُولَى بِالْكَلَامِ وَتَقَعُ الثَّانِيَةُ فِي الْحَالِ، وَالثَّالِثَةُ لَغْوٌ. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَالِقٌ، ثُمَّ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْتِ فُلَانًا، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا يَقَعُ فِي الْحَالِ اثْنَتَانِ، وَالثَّالِثَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْكَلَامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا، تَقَعُ وَاحِدَةً فِي الْحَالِ، وَيَلْغُو مَا سِوَى ذَلِكَ، وَإِذَا قَدَّمَ الشَّرْطَ، فَقَالَ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ طَالِقٌ، ثُمَّ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا تَعَلَّقَتْ الْأُولَى بِالشَّرْطِ، وَوَقَعَتْ الثَّانِيَةُ، وَالثَّالِثَةُ فِي الْحَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا تَعَلَّقَتْ الْأُولَى بِالشَّرْطِ، وَوَقَعَتْ الثَّانِيَةُ فِي الْحَالِ، وَالثَّالِثَةُ لَغْوٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى سَوَاءٌ قَدَّمَ الشَّرْطَ أَوْ أَخَّرَ تَتَعَلَّقُ الثَّلَاثُ بِالشَّرْطِ إلَّا أَنَّ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا، تَطْلُقُ ثَلَاثًا، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً فَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: كَلِمَةُ " ثُمَّ " لِلتَّعْقِيبِ مَعَ التَّرَاخِي، فَإِذَا أَدْخَلَهُ بَيْنَ الطَّلَاقَيْنِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ سَكْتَةٍ بَيْنَهُمَا، وَهُمَا يَقُولَانِ حَرْفُ " ثُمَّ " لِلْعَطْفِ، وَلَكِنْ بِقَيْدِ التَّرَاخِي، فَلِوُجُودِ مَعْنَى الْعَطْفِ يَتَعَلَّقُ الْكُلُّ بِالشَّرْطِ؛ وَلِمَعْنَى التَّرَاخِي يَقَعُ مُرَتَّبًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ. وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَدَخَلَ بِهَا فِي كُلِّ مَرَّةٍ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا فِي الْأَصْلِ، قَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأَمَالِي: تَطْلُقُ اثْنَتَيْنِ، وَعَلَيْهِ لَهَا مَهْرَانِ وَنِصْفٌ، وَقَالَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: تَطْلُقُ ثَلَاثًا، وَعَلَيْهِ لَهَا أَرْبَعَةُ مُهُورٍ وَنِصْفٌ، ذَكَرَهُ فِي الرُّقَيَّاتِ. وَجْهُ تَخْرِيجِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَمَّا تَزَوَّجَهَا وَقَعَتْ تَطْلِيقَةٌ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَزِمَهُ نِصْفُ مَهْرٍ فَلَمَّا دَخَلَ بِهَا لَزِمَهُ بِالدُّخُولِ، ثُمَّ لَمَّا تَزَوَّجَهَا، وَقَعَتْ تَطْلِيقَةٌ أُخْرَى بِكَلِمَةِ كُلَّمَا وَلَكِنَّهَا تَكُونُ رَجْعِيَّةً عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْهُ وَبِنَفْسِ التَّزَوُّجِ وَجَبَ مَهْرٌ آخَرُ، وَذَلِكَ مَهْرَانِ وَنِصْفٌ، ثُمَّ

стр. 1270

بِالدُّخُولِ يَصِيرُ مُرَاجِعًا، وَالتَّزَوُّجُ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ لَغْوٌ فَهِيَ عِنْدَهُ بِتَطْلِيقَةٍ، وَعَلَيْهِ لَهَا مَهْرَانِ وَنِصْفٌ، وَتَخْرِيجُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ بِالتَّزَوُّجِ الْأَوَّلِ وَقَعَتْ تَطْلِيقَةٌ، وَوَجَبَ نِصْفُ مَهْرٍ بِالطَّلَاقِ، وَمَهْرٌ بِالدُّخُولِ، وَكَذَلِكَ بِالتَّزَوُّجِ الثَّانِي، وَالثَّالِثِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ، وَإِنْ حَصَلَ التَّزَوُّجُ فِي الْعِدَّةِ لَا يَخْرُجُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا قَبْلَ الدُّخُولِ فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا وَعَلَيْهِ أَرْبَعَةُ مُهُورٍ وَنِصْفٌ، وَلَوْ قَالَ: كُلَّمَا تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ بَائِنٌ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا، وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَطْلُقُ ثَلَاثًا بِكُلِّ تَزَوُّجٍ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ، وَعَلَيْهِ خَمْسَةُ مُهُورٍ وَنِصْفٌ؛ لِأَنَّ بِالْعَقْدِ الثَّانِي، وَالثَّالِثِ فِي الْعِدَّةِ كَمَا وَقَعَ طَلَاقٌ بَائِنٌ وَجَبَ مَهْرٌ تَامٌّ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ بِكُلِّ دُخُولٍ مَهْرٌ تَامٌّ، فَإِذَا جَمَعْت ذَلِكَ كَانَ خَمْسَةَ مُهُورٍ وَنِصْفًا، وَإِذَا: قَالَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا أَبَدًا فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً فَطَلُقَتْ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا ثَانِيَةً لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ " كُلِّ " تَقْتَضِي جَمِيعَ الْأَسْمَاءِ لَا تَكْرَارَ الْأَفْعَالِ، فَإِنَّمَا يَتَجَدَّدُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِتَجَدُّدِ الِاسْمِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ بِعَقْدَيْنِ عَلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ بِخِلَافِ كَلِمَةِ كُلَّمَا فَإِنَّهَا تَقْتَضِي تَكْرَارَ الْأَفْعَالِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى كَلِمَةِ كُلِّ الْجَمْعُ فِيمَا يَتَعَقَّبُهَا، وَاَلَّذِي يَتَعَقَّبُ الْكُلَّ الِاسْمُ دُونَ الْفِعْلِ يُقَالُ: كُلُّ رَجُلٍ وَكُلُّ امْرَأَةٍ، وَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ ضَرَبَ، وَكُلٌّ دَخَلَ وَاَلَّذِي يَتَعَقَّبُهُ كَلِمَةُ كُلَّمَا الْفِعْلَ دُونَ الِاسْمِ يُقَالُ، كُلَّمَا ضَرَبَ، وَكُلَّمَا دَخَلَ، وَلَا يُقَالُ: كُلَّمَا زَيْدٌ، وَكُلَّمَا عَمْرٌو. (قَالَ): وَإِذَا قَالَ: أَوَّلُ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ فِي عُقْدَةٍ، ثُمَّ وَاحِدَةً فِي عُقْدَةٍ لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْمٌ لِفَرْدٍ سَابِقٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَلَمْ تُوجَدْ صِفَةُ الْفَرْدِيَّةِ فِي الْأُولَيَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُزَاحِمَةٌ لِلْأُخْرَى فِي الْعَقْدِ وَلَمْ تُوجَدْ صِفَةُ السَّبْقِ فِي الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَهَا امْرَأَتَانِ فَلَمْ تَثْبُتْ صِفَةُ الْأَوَّلِيَّةِ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَلَوْ كَانَ قَالَ مَعَ هَذَا: وَآخِرُ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ الثَّالِثَةُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْآخِرَ اسْمٌ لِفَرْدٍ مُتَأَخِّرٌ لَا يَعْقُبُهُ غَيْرُهُ، وَنَحْنُ لَا نَدْرِي أَنَّ الثَّالِثَةَ هَلْ هِيَ آخِرٌ أَمْ لَا؛ لِجَوَازِ أَنْ يَتَزَوَّجَ بَعْدَهَا غَيْرَهَا، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْرَى طَلُقَتْ الثَّالِثَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ حِينِ تَزَوَّجَهَا حَتَّى لَا يَلْزَمَهَا الْعِدَّةُ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَلَا مِيرَاثَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا؛ فَلَهَا عَلَيْهِ مَهْرٌ وَنِصْفُ نِصْفِ مَهْرٍ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَمَهْرٌ بِالدُّخُولِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا تَطْلُقُ الثَّالِثَةُ قُبَيْلَ الْمَوْتِ حَتَّى يَكُونَ لَهَا الْمِيرَاثُ إذَا كَانَ دَخَلَ بِهَا، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ بِالدُّخُولِ سِوَى مَهْرِ النِّكَاحِ، وَعَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَالطَّلَاقِ جَمِيعًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ عَلَيْهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ

стр. 1271

الثَّالِثَةَ إنَّمَا اسْتَحَقَّتْ صِفَةَ الْآخِرِيَّةِ حِينَ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ وَعَجَزَ عَنْ التَّزَوُّجِ بِغَيْرِهَا فَتَطْلُقُ فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ لَهَا: إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك أُخْرَى فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّمَا تَطْلُقُ قُبَيْلَ مَوْتِهِ بِلَا فَصْلٍ، وَهُمَا فِي الْمَعْنَى سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ آخِرًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ بَعْدَهَا غَيْرَهَا إلَّا أَنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَمَّا أَخَذَتْ الْمِيرَاثَ بِحُكْمِ الْفِرَارِ لَزِمَهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ مَعَ عِدَّةِ الطَّلَاقِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَلْزَمُهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ، وَإِنْ وَرِثَتْهُ بِالْفِرَارِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: لَمَّا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْأُولَيَيْنِ فَقَدْ اتَّصَفَتْ بِصِفَةِ الْآخِرِيَّةِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ بِعَرْضِ أَنْ تَزُولَ عَنْهَا بِأَنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَهَا فَلَا يُحْكَمُ بِالطَّلَاقِ لِهَذَا، فَإِذَا لَمْ يَتَزَوَّج غَيْرَهَا حَتَّى مَاتَ تَقَرَّرَتْ صِفَةُ الْآخِرِيَّةِ فِيهَا مِنْ حِينِ تَزَوَّجَهَا فَتَطْلُقُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَرَأَتْ الدَّمَ لَا يُحْكَمُ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ: لِجَوَازِ أَنْ يَنْقَطِعَ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ، وَإِنْ اسْتَمَرَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الطَّلَاقَ كَانَ وَاقِعًا مَعَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ الدَّمِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ عَدَمَ التَّزَوُّجِ شَرْطًا مُفْصِحًا بِهِ لِلطَّلَاقِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا الشَّرْطُ إلَّا عِنْدَ مَوْتِهِ، وَمَا لَمْ يَتَحَقَّقْ الشَّرْطُ لَا يَنْزِلُ الْجَزَاءُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ الْفَصْلَانِ؛ لِاخْتِلَافِ اللَّفْظِ مَعَ التَّقَارُبِ فِي الْمَعْنَى كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ لَمْ أَشَأْ طَلَاقَك فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: لَا أَشَاءُ لَا تَطْلُقُ مَادَامَ حَيًّا وَلَوْ قَالَ: إنْ أَبَيْتُ طَلَاقَك فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَبَيْتُ طَلَاقَك تَطْلُقُ، وَهُمَا فِي الْمَعْنَى سَوَاءٌ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْجَوَابُ لِاخْتِلَافِ لَفْظِ الشَّرْطِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ: آخِرُ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ وَاحِدَةً لَمْ يَتَزَوَّجْ قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا حَتَّى مَاتَ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا فَلَا تَكُونُ آخِرَ امْرَأَةٍ فَإِنَّ صِفَةَ الْأَوَّلِيَّةِ، وَالْآخِرِيَّةِ لَا تَجْتَمِعُ فِي مَخْلُوقٍ وَاحِدٍ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّضَادِّ فِي الْمَعْنَى فِي الْمَخْلُوقِينَ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا لِمَعْنَى السَّبْقِ، وَالْآخَرَ لِمَعْنَى التَّأَخُّرِ فِي الزَّمَانِ، وَلَوْ قَالَ: أَوَّلُ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ فِي عُقْدَةٍ، وَإِحْدَاهُمَا مُعْتَدَّةٌ، وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَى الَّتِي صَحَّ نِكَاحُهَا؛ لِأَنَّ شَرْطَ التَّزَوُّجِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ الصَّحِيحَ دُونَ الْفَاسِدِ، وَنِكَاحُ الْمُعْتَدَّةِ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا صَحَّ نِكَاحُ الْأُخْرَى فَهِيَ فَرْدٌ سَابِقٌ فِي نِكَاحِهِ فَكَانَتْ أَوَّلًا، وَكَذَلِكَ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً نِكَاحًا فَاسِدًا، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَعْدَهَا بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ طَلُقَتْ هَذِهِ؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَمَّا لَمْ يَصِحَّ نِكَاحُهَا لَمْ تَكُنْ دَاخِلَةً فِي كَلَامِهِ، وَإِنَّمَا دَخَلَتْ فِي كَلَامِهِ الثَّانِيَةُ الَّتِي صَحَّ نِكَاحُهَا فَهِيَ أَوَّلُ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْك الْيَوْمَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً نِكَاحًا فَاسِدًا لَمْ يَبَرَّ فِي يَمِينِهِ بِهَذَا؛ لِأَنَّ ذِكْرَ التَّزَوُّجِ فِي

стр. 1272

الْمُسْتَقْبَلِ يَنْصَرِفُ إلَى الْعَقْدِ الصَّحِيحِ سَوَاءٌ ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ أَوْ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّزَوُّجِ الْحِلُّ، وَالْعِفَّةُ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْعَقْدِ الصَّحِيحِ دُونَ الْفَاسِدِ. (قَالَ): وَإِنْ قَالَ: أَوَّلُ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً طَلُقَتْ حِينَ تَزَوَّجَهَا إنْ مَاتَ أَوْلَمَ يَمُتْ؛ لِأَنَّهَا بِنَفْسِ الْعَقْدِ اسْتَحَقَّتْ اسْمَ الْأَوَّلِيَّةِ بِصِفَةِ الْفَرْدِيَّةِ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا مَهْرٌ وَنِصْفُ مَهْرٍ، وَنِصْفُ مَهْرٍ بِالطَّلَاقِ الْوَاقِعِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَمَهْرٌ بِالدُّخُولِ بِهَا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ قَدْ سَقَطَ عَنْهُ بِشُبْهَةِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، وَالْوَطْءُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ حَدٍّ أَوْ مَهْرٍ فَإِذَا سَقَطَ الْحَدُّ لِشُبْهَةٍ وَجَبَ الْمَهْرُ، وَإِنْ قَالَ: إذَا تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ فِي عُقْدَةٍ فَإِحْدَاهُمَا طَالِقٌ، وَالْخِيَارُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَهُوَ تَزَوُّجُ امْرَأَةٍ فَإِنَّ فِي الْمَرْأَتَيْنِ امْرَأَةً فَلِهَذَا طَلُقَتْ إحْدَاهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تُزَاحِمُ الْأُخْرَى فِي الِاسْمِ الَّذِي أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِهِ، وَلَا وَجْهَ لِلْإِيقَاعِ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ بِالتَّزَوُّجِ طَلَاقَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ لَا طَلَاقَ امْرَأَتَيْنِ فَلِهَذَا تَطْلُقُ إحْدَاهُمَا، وَالْخِيَارُ إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ نَوَى امْرَأَةً وَحْدَهَا لَمْ يَدِنْ فِي الْقَضَاءِ وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ التَّزَوُّجَ بِامْرَأَةٍ مُطْلَقًا، ثُمَّ قَيَّدَهَا بِنِيَّتِهِ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ وَحْدَهَا، وَتَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ كَتَخْصِيصِ الْعَامِّ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ نِيَّةَ التَّخْصِيصِ فِي الْعَامِّ صَحِيحَةٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ صَحِيحَةٍ فِي الْقَضَاءِ فَكَذَلِكَ التَّقْيِيدُ. وَإِنْ كَانَ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْت امْرَأَةً وَحْدَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَ امْرَأَتَيْنِ فِي عُقْدَةٍ لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ هُنَا بِنَصِّ كَلَامِهِ، وَوَاحِدَةٌ مِنْهُمَا لَمْ تَتَّصِفْ مِنْهُمَا بِتِلْكَ الصِّفَةِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا فِي الشَّرْطِ؛ لِانْضِمَامِ الْأُخْرَى إلَيْهَا فِي الْعَقْدِ، وَإِنْ تَزَوَّجَ أُخْرَى بَعْدَهُمَا طَلُقَتْ؛ لِأَنَّهَا مَوْصُوفَةٌ بِالصِّفَةِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا فِي الشَّرْطِ فَإِنَّهَا امْرَأَةٌ تَزَوَّجَهَا وَحْدَهَا، وَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: إذَا تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً سَوْدَاءَ فَهِيَ طَالِقٌ فَتَزَوَّجَ بَيْضَاوَيْنِ، ثُمَّ تَزَوَّجَ سَوْدَاءَ تَطْلُقُ الثَّالِثَةُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: أَوَّلُ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ نَصٌّ فِي الشَّرْطِ عَلَى وَصْفَيْنِ: الْفَرْدِيَّةُ، وَالسَّبْقُ، وَقَدْ انْعَدَمَ فِي الثَّالِثَةِ صِفَةُ السَّبْقِ، وَهُنَا الشَّرْطُ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْفَرْدِيَّةُ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي الثَّالِثَةِ؛ فَلِهَذَا تَطْلُقُ. وَإِنْ قَالَ: يَوْمَ أَتَزَوَّجُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ فَأَمَرَ رَجُلًا فَزَوَّجَهَا إيَّاهُ فَهِيَ طَالِقٌ؛ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِعِبَارَةِ الْوَكِيلِ فَكَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِعِبَارَةِ نَفْسِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي النِّكَاحِ مُعَبِّرٌ حَتَّى لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْعُهْدَةِ، وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ، وَبِهِ فَارَقَ الْبَيْعَ، وَالشِّرَاءَ إذَا حَلَفَ لَا يَفْعَلُهُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ حَتَّى بَاشَرَهُ لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ لِغَيْرِهِ فِي الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ كَالْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ حَتَّى تَتَعَلَّقَ بِهِ الْعُهْدَةُ، وَيَسْتَغْنِيَ عَنْ إضَافَةِ الْعَقْدِ إلَى الْمُوَكِّلِ، وَلَا يَصِيرُ الْمُوَكِّلُ عَاقِدًا

стр. 1273

بِمُبَاشَرَةِ الْوَكِيلِ، وَإِنْ عَنِيَ فِي النِّكَاحِ مَا وَلِيَ عَقْدَهُ بِنَفْسِهِ لَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ، وَهُوَ مَدِينٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى نِيَّةِ التَّخْصِيصِ فِي الْعَامِّ فَإِنَّ مُطْلَقَ اللَّفْظِ يَتَنَاوَلُ مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ وَمُبَاشَرَةَ الْغَيْرِ لَهُ بِأَمْرِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَطَلَّقَهَا حَنِثَ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ هُوَ الْمُطَلِّقُ بِعِبَارَةِ الْوَكِيلِ فَإِنَّ الْوَكِيلَ بِالطَّلَاقِ مُعَبِّرٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شِئْتِ فَشَاءَتْ أَوْ قَالَ: اخْتَارِي فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمُطَلِّقَ لَهَا فَكَذَلِكَ هُنَا، وَإِنْ قَالَ: نَوَيْت أَنْ أُطَلِّقَهَا بِلِسَانِي لَمْ يَدِنْ فِي الْقَضَاءِ وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ. وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَطَالِقٌ، وَطَالِقٌ بَانَتْ بِالْأُولَى عِنْدَنَا، وَعِنْدَ مَالِكٍ ﵀ تَطْلُقُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ فَجَمْعُهُ بَيْنَ التَّطْلِيقَاتِ بِحَرْفِ الْجَمْعِ كَجَمْعِهِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ بِأَنْ يَقُولَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْوَاوُ لِلْعَطْفِ فَلَا يَقْتَضِي جَمْعًا، وَلَيْسَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ مَا يُغَيِّرُ مُوجِبَ أَوَّلِهِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ أَوَّلِ الْكَلَامِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ، وَهُوَ وَاقِعٌ أَوْقَعَ الثَّانِيَةَ، وَالثَّالِثَةَ، أَوْ لَمْ يُوقِعْ فَتَبِينُ بِالْأُولَى كَمَا تَكَلَّمَ بِهَا، ثُمَّ قَدْ تَكَلَّمَ بِالثَّانِيَةِ، وَهِيَ لَيْسَتْ فِي عِدَّتِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ ذَكَرَ شَرْطًا، أَوْ اسْتِثْنَاءً فِي آخِرِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ فِي آخِرِ كَلَامِهِ مَا يُغَيِّرُ مُوجِبَ أَوَّلِهِ فَتَوَقَّفَ أَوَّلُهُ عَلَى آخِرِهِ. (قَالَ): وَإِنْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَعْدَهَا أُخْرَى، أَوْ قَبْلَ أُخْرَى فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً، وَهَذَا الْجِنْسُ مِنْ الْمَسَائِلِ يَنْبَنِي عَلَى أَصْلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ النَّعْتَ بَيْنَ اسْمَيْنِ فَإِنْ أَلْحَقَ بِهِ حَرْفَ الْكِنَايَةِ، وَهُوَ حَرْفُ الْهَاءِ كَانَ نَعْتًا لِلْمَذْكُورِ آخِرًا، وَإِنْ لَمْ يُلْحِقْ كَانَ نَعْتًا لِلْمَذْكُورِ أَوَّلًا تَقُولُ: جَاءَنِي زَيْدٌ قَبْلَ عَمْرٍو فَيَكُونُ قَبْلُ نَعْتًا لِمَجِيءِ زَيْدٍ، وَإِذَا قُلْتَ: قَبْلَهُ عَمْرٌو كَانَ نَعْتًا لِمَجِيءِ عَمْرٍو. (وَالثَّانِي) أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِطَلَاقٍ سَابِقٍ يَكُونُ ذَلِكَ إيقَاعًا مِنْهُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ الِاسْتِنَادِ الْوُقُوعَ فِي الْحَالِ، وَهُوَ مَالِكٌ لِلْإِيقَاعِ غَيْرُ مَالِكٍ لِلْإِسْنَادِ، إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَ أُخْرَى تَطْلُقُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ قَبْلَ نَعْتٌ لِلْأُولَى، وَمَعْنَاهُ قَبْلَ أُخْرَى تَقَعُ عَلَيْك فَتَبِينُ بِالْأُولَى، وَلَوْ قَالَ قَبْلَهَا أُخْرَى تَطْلُقُ اثْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ قَبْلَ نَعْتٌ لِلْمَذْكُورِ آخِرًا فَكَأَنَّهُ قَالَ: قَبْلَهَا أُخْرَى وَقَعَتْ عَلَيْك، وَهَذَا مِنْهُ إسْنَادٌ لِلثَّانِيَةِ إلَى وَقْتٍ مَاضٍ فَيَكُونُ مُوقِعًا لَهَا فِي الْحَالِ مَعَ الْأُولَى. وَلَوْ قَالَ: بَعْدَ أُخْرَى تَطْلُقُ اثْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ نَعْتٌ لِلْأُولَى فَيَكُونُ مَعْنَاهُ بَعْدَ أُخْرَى وَقَعَتْ عَلَيْك، وَلَوْ قَالَ: بَعْدَهَا أُخْرَى تَطْلُقُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ بَعْدَهَا هُنَا نَعْتٌ لِلثَّانِيَةِ، وَمَعْنَاهُ بَعْدَهَا أُخْرَى تَقَعُ عَلَيْك فَتَبِينُ بِالْأُولَى. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ: مَعَ أُخْرَى، أَوْ مَعَهَا أُخْرَى تَطْلُقُ

стр. 1274

اثْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ مَعَ لِلْقِرَانِ فَقَدْ قَرَنَ إحْدَى التَّطْلِيقَتَيْنِ بِالْأُخْرَى، وَأَوْقَعَهُمَا جَمِيعًا، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: اثْنَتَيْنِ مَعَ وَاحِدَةٍ، أَوْ مَعَهَا وَاحِدَةٌ، أَوْ قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا؛ لِمَا قُلْنَا. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَنِصْفًا قَبْلَ الدُّخُولِ كَانَتْ طَالِقًا اثْنَتَيْنِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ نِصْفَ التَّطْلِيقَةِ كَمَالُهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَلَكِنَّا نَقُولُ هَذَا كُلُّهُ كَكَلَامٍ وَاحِدٍ مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ وَاحِدَةٍ وَنِصْفٍ بِعِبَارَةٍ أَوْجَزَ مِنْ هَذِهِ فَإِنَّ لِوَاحِدَةٍ وَنِصْفٍ عِبَارَتَيْنِ، إمَّا هَذِهِ، وَإِمَّا اثْنَتَانِ إلَّا نِصْفٌ، وَذَلِكَ لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا إلَّا بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ فِي نَفْسِهِ فَهُوَ أَوْلَى الْعِبَارَتَيْنِ، وَإِذَا كَانَ كَلَامًا وَاحِدًا مَعْنَى لَا يُفْصَلُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: وَاحِدَةً، وَوَاحِدَةً فَكَأَنَّهُمَا عِبَارَتَانِ؛ لِأَنَّ لِلِاثْنَتَيْنِ عِبَارَةً أَوْجَزَ مِنْ هَذِهِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ اثْنَتَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إحْدَى وَعِشْرِينَ، عِنْدَنَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا الْعَدَدِ عِبَارَةٌ أَوْجَزُ مِنْ هَذِهِ فَكَانَ الْكَلَامُ وَاحِدًا مَعْنًى، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَطْلُقُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُمَا كَلَامَانِ أَحَدُهُمَا مَعْطُوفٌ عَلَى الْآخَرِ فَتَبِينُ بِالْأُولَى. وَإِنْ قَالَ: إحْدَى عَشْرَةَ تَطْلُقُ ثَلَاثًا بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمَا حَرْفُ الْعَطْفِ فَكَانَ الْكُلُّ وَاحِدًا، وَلَوْ قَالَ: إحْدَى وَعَشْرَةً، عِنْدَنَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ حَرْفَ الْعَطْفِ كَانَ كَلَامَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: وَاحِدَةً وَمِائَةً، عِنْدَنَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَاحِدَةً. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ هُنَا تَطْلُقُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الْعِبَارَةَ الْمَعْرُوفَةَ لِهَذَا الْعَدَدِ مِائَةٌ وَوَاحِدَةٌ، فَإِذَا غَيَّرَ ذَلِكَ تَفَرَّقَ كَلَامُهُ فَتَبِينُ بِالْأُولَى. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ، أَوْ قَالَ: الْبَائِنُ يَنْوِي ثَلَاثًا فَهِيَ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ أَلْبَتَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَطْعِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْقَطْعَ نَوْعَانِ، فَهُوَ بِنِيَّةِ الثَّلَاثِ يَنْوِي أَحَدَ نَوْعَيْ الْقَطْعِ فَيَعْمَلُ بِنِيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ حَرَامًا يَنْوِي ثَلَاثًا، فَهُوَ كَمَا نَوَى؛ لِأَنَّهُ نَوَى أَحَدَ نَوْعَيْ الْحُرْمَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: طَالِقٌ الْحَرَامَ، فَهَذَا وَقَوْلُهُ حَرَامٌ سَوَاءٌ، وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا؛ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّ مَا ذَكَرَ بَعْدَ قَوْلِهِ طَالِقٌ تَفْسِيرٌ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، فَهَذَا وَقَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا سَوَاءٌ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ أَوْ طَلَاقًا، فَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَإِنْ عَنَى بِطَالِقٍ تَطْلِيقَةً، وَبِالطَّلَاقِ أُخْرَى فَهِيَ ثِنْتَانِ رَجْعِيَّتَانِ إنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ لَفْظِ صَرِيحِ الطَّلَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، فَإِنَّهُ لَمَّا نَوَى بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَطْلِيقَةً كَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَنْتِ طَالِقٌ فَتَبِينُ بِالْأُولَى. فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الطَّلَاقَ كُلَّهُ فَهِيَ طَالِقٌ

стр. 1275

ثَلَاثًا كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ، أَوْ لَمْ تَكُنْ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِإِيقَاعِ كُلِّ الطَّلَاقِ، وَهُوَ ثَلَاثٌ، وَمَعَ التَّصْرِيحِ لَا حَاجَةَ إلَى النِّيَّةِ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَخْبَثَ الطَّلَاقِ، أَوْ أَشَدَّ الطَّلَاقِ، أَوْ أَعْظَمَ الطَّلَاقِ، أَوْ أَكْبَرَ الطَّلَاقِ فَهَذَا كُلُّهُ بَابٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً، أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى الْعِظَمِ، وَالْكِبَرِ، وَالشِّدَّةِ يَظْهَرُ فِي الْحُكْمِ فَهَذَا، وَقَوْلُهُ طَالِقٌ بَائِنٌ سَوَاءٌ. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَكْبَرَ الطَّلَاقِ فَهِيَ ثَلَاثٌ لَا يَدِينُ فِيهَا إذَا قَالَ: نَوَيْتُ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ، وَالْقِلَّةَ فِي الْعَدَدِ، فَقَدْ صَرَّحَ بِإِيقَاعِ أَكْثَرِ مَا يَمْلِكُ عَلَيْهَا مِنْ الطَّلَاقِ، وَمَعَ التَّصْرِيحِ لَا حَاجَةَ إلَى النِّيَّةِ وَلَوْ قَالَ: أَسْوَأَ الطَّلَاقِ، أَوْ شَرَّهُ، أَوْ أَفْحَشَهُ، فَهُوَ وَقَوْلُهُ أَخْبَثَ الطَّلَاقِ سَوَاءٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَإِنْ قَالَ: أَكْمَلَ الطَّلَاقِ، أَوْ أَتَمَّ الطَّلَاقِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يُنْبِئُ عَنْ الْعِظَمِ، وَالشِّدَّةِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طُولَ كَذَا، أَوْ عَرْضَ كَذَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ؛ لِأَنَّ الطُّولَ، وَالْعَرْضَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى مَعْنَى الشِّدَّةِ فَإِنَّ الْأَمْرَ إذَا اشْتَدَّ عَلَى إنْسَانٍ يَقُولُ: كَانَ لِهَذَا الْأَمْرِ طُولٌ وَعَرْضٌ فَتَكُونُ وَاحِدَةً بَائِنَةً، وَلَا تَكُونُ ثَلَاثًا، وَإِنْ نَوَاهَا؛ لِأَنَّ الطُّولَ، وَالْعَرْضَ لِلشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً طُولُهَا وَعَرْضُهَا كَذَا، وَهَذَا لَا تَسَعُ فِيهِ نِيَّةُ الثَّلَاثِ. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ خَيْرَ الطَّلَاقِ، أَوْ أَعْدَلَ الطَّلَاقِ، أَوْ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَعْدَلَ، وَالْأَحْسَنَ مَا يُوَافِقُ السُّنَّةَ، وَإِنَّمَا يُوصَفُ بِالْخَيْرِيَّةِ مَا يُوَافِقُ السُّنَّةَ حَتَّى يَقَعَ بِهَذَا تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ فِي وَقْتِ السُّنَّةِ، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ، أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ رَكِبْتِ، وَهِيَ رَاكِبَةٌ فَمَكَثَتْ كَذَلِكَ سَاعَةً طَلُقَتْ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ مُسْتَدَامٌ حَتَّى تُضْرَبَ لَهُ الْمُدَّةُ يُقَالُ: رَكِبَتْ يَوْمًا، وَالِاسْتِدَامَةُ عَلَى مَا يُسْتَدَامُ إنْشَاءٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى﴾ [الأنعام: ٦٨] أَيْ لَا تَمْكُثْ قَاعِدًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ قَعَدْتِ، وَهِيَ قَاعِدَةٌ، أَوْ إنْ قُمْت، وَهِيَ قَائِمَةٌ، أَوْ إنْ مَشَيْتِ، وَهِيَ مَاشِيَةٌ، أَوْ إنْ اتَّكَأْتِ، وَهِيَ مُتَّكِئَةٌ فَمَكَثَتْ كَذَلِكَ سَاعَةً يَحْنَثُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، وَهِيَ فِي الدَّارِ فَمَكَثَتْ كَذَلِكَ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَخْرُجَ وَتَدْخُلَ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ لَيْسَ بِمُسْتَدَامٍ فَإِنَّهُ انْفِصَالٌ مِنْ الْخَارِجِ إلَى الدَّاخِلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا تُضْرَبُ لَهُ الْمُدَّةُ، فَلَا يُقَالُ: دَخَلَ يَوْمًا، وَإِنَّمَا يُقَالُ: دَخَلَ، وَإِنَّمَا يُقَالُ: دَخَلَ وَسَكَنَ يَوْمًا، وَالْخُرُوجُ نَظِيرُ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهُ انْفِصَالٌ مِنْ الدَّاخِلِ إلَى الْخَارِجِ فَلَا يَكُونُ لِاسْتِدَامَتِهِ حُكْمُ إنْشَائِهِ. وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا بَيْنَ تَطْلِيقَةٍ إلَى ثَلَاثٍ، أَوْ مِنْ تَطْلِيقَةٍ إلَى ثَلَاثٍ فَفِي الْقِيَاسِ تَطْلُقُ وَاحِدَةً، وَهُوَ

стр. 1276

قَوْلُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأُولَى، وَالثَّالِثَةَ غَايَةً، وَالْغَايَةُ حَدٌّ فَلَا تَدْخُلُ فِي الْمَحْدُودِ كَقَوْلِهِ: بِعْتُ مِنْكَ مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى هَذَا الْحَائِطِ، فَيَكُونُ الْوَاقِعُ مَا بَيْنَ الْغَايَتَيْنِ، وَهِيَ الْوَاحِدَةُ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى تَطْلُقُ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ الْحَدَّ إنَّمَا يَكُونُ فِي ذَوِي الْمِسَاحَاتِ، فَأَمَّا فِي عُرْفِ اللِّسَانِ إنَّمَا يُرَادُ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ دُخُولُ الْكُلِّ، فَإِنَّ الرَّجُلُ يَقُولُ: خُذْ مِنْ مَالِي مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشْرَةٍ، فَيَكُونُ لَهُ أَخْذُ الْعَشَرَةِ، وَيَقُولُ: كُلْ مِنْ الْمِلْحِ إلَى الْحُلْوِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ تَعْمِيمَ الْإِذْنِ، وَمُطْلَقُ الْكَلَامِ مَحْمُولٌ عَلَى عُرْفِ أَهْلِ اللِّسَانِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْقِيَاسُ مَا قَالَهُ زُفَرُ أَنَّ الْحَدَّ غَيْرُ الْمَحْدُودِ، وَلَكِنْ فِي إدْخَالِ الْأُولَى ضَرُورَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الثَّانِيَةَ، وَلَا ثَانِيَةَ قَبْلَ الْأُولَى، وَلَا بُدَّ لِلْكَلَامِ مِنْ ابْتِدَاءٍ. فَإِذَا لَمْ يُوقِعْ الْأُولَى؛ تَصِيرُ الثَّانِيَةُ ابْتِدَاءً فَلَا يُمْكِنُ إيقَاعُهَا أَيْضًا فَلِأَجْلِ الضَّرُورَةِ؛ أَدْخَلَتْ الْغَايَةُ الْأُولَى، وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْغَايَةِ الثَّانِيَةِ فَأَخَذْتُ فِيهَا بِالْقِيَاسِ وَقُلْتُ: تَطْلُقُ اثْنَتَيْنِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْغَايَةَ الَّتِي يَنْتَهِي الْكَلَامُ إلَيْهَا قَدْ لَا تَدْخُلُ كَاللَّيْلِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وَقَدْ تَدْخُلُ كَالْمَرَافِقِ، وَالْكَعْبَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، وَالطَّلَاقُ بِالشَّكِّ لَا يَقَعُ، فَإِنْ: قَالَ أَرَدْت وَاحِدَةً لَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ، وَهُوَ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِاحْتِمَالِ الْكَلَامِ مَا نَوَى، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا بَيْنَ وَاحِدَةٍ إلَى أُخْرَى فَفِي الْقِيَاسِ قَوْلُ زُفَرَ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَفِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: تَطْلُقُ وَاحِدَةً، وَعِنْدَهُمَا تَطْلُقُ اثْنَتَيْنِ. وَإِنْ قَالَ: مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى وَاحِدَةٍ قِيلَ: هُوَ عَلَى الْخِلَافِ، وَقِيلَ: تَقَعُ وَاحِدَةٌ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ غَايَةَ نَفْسِهِ فَكَانَ قَوْلُهُ: إلَى وَاحِدَةٍ لَغْوًا، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً، أَوْ لَا شَيْءَ فَهِيَ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً رَجْعِيَّةً فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ: لَا يَقَعُ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، أَوْ لَا شَيْءَ فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ. وَجْهُ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ أَنَّ حَرْفَ " أَوْ "؛ لِإِثْبَاتِ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ فِيمَا يَتَخَلَّلُهُمَا، وَإِنَّمَا يَتَخَلَّلُ هُنَا قَوْلُهُ: وَاحِدَةً، أَوْ لَا شَيْءَ، وَقَوْلُهُ ثَلَاثًا، أَوْ لَا شَيْءَ فَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ هَذَا اللَّفْظِ، وَيَبْقَى قَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ فَيَقَعُ بِهِ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ. وَجْهُ قَوْلِهِ الْآخَرِ أَنَّ حَرْفَ " أَوْ " لِلتَّخْيِيرِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ إثْبَاتُ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ فَقَدْ خَيَّرَ نَفْسَهُ بَيْنَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهَا وَاحِدَةٌ، أَوْ لَا يَقَعَ عَلَيْهَا شَيْءٌ، وَأَحَدُهُمَا مَوْجُودٌ فَلَا يَثْبُتُ بِهَذَا الْكَلَامِ شَيْءٌ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ، وَقَالَ: هَذِهِ طَالِقٌ، أَوْ هَذِهِ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ إذَا اقْتَرَنَ بِهِ ذِكْرُ الْعَدَدِ كَانَ الْعَامِلُ هُوَ الْعَدَدَ لَا قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَقَدْ خَرَجَ ذِكْرَ الْعَدَدِ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَزِيمَةً

стр. 1277

بِحَرْفِ " أَوْ " فَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ. وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ. أَوْ غَيْرُ طَالِقٍ، أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ لَا، أَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ لَا شَيْءَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَدْخَلَ حَرْفَ الْوَاوِ بَيْنَ طَلَاقٍ وَغَيْرِ طَلَاقٍ فَتَخْرُجُ بِهِ كَلِمَةُ الْإِيقَاعِ مِنْ أَنْ تَكُونَ عَزِيمَةً فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي اثْنَتَيْنِ فَهُوَ ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ حَرْفَ فِي قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْوَاوِ؛ لِأَنَّ حُرُوفَ الصِّلَاتِ يَقُومُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ. وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً مَعَ اثْنَتَيْنِ يَقَعُ ثَلَاثٌ أَيْضًا سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا؛ لِأَنَّ حَرْفَ " فِي " يُذْكَرُ بِمَعْنَى " مَعَ " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] أَيْ مَعَ عِبَادِي، وَيُقَالُ: دَخَلَ الْأَمِيرُ الْبَلْدَةَ فِي جُنْدِهِ، أَيْ مَعَ جُنْدِهِ، وَإِنْ نَوَى حِسَابَ الضَّرْبِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اثْنَتَانِ؛ لِأَنَّ هَذَا شَيْءٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحِسَابِ أَنَّ وَاحِدًا إذَا ضُرِبَ فِي اثْنَيْنِ يَكُونُ اثْنَيْنِ فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَيْهِمَا إذَا نَوَى، وَلَكِنَّا نَقُولُ الضَّرْبُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَمْسُوحَاتِ لَا فِي الطَّلَاقِ، وَتَأْثِيرُ الضَّرْبِ فِي تَكْثِيرِ الْأَجْزَاءِ لَا فِي زِيَادَةِ الْمَالِ، وَالتَّطْلِيقَةُ الْوَاحِدَةُ، وَإِنْ كَثُرَتْ أَجْزَاؤُهَا لَا تَصِيرُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَسُدُسَهَا وَثُلُثَهَا لَمْ يَقَعْ إلَّا وَاحِدَةٌ، فَهَذَا مِثْلُهُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: اثْنَتَيْنِ فِي اثْنَتَيْنِ وَنَوَى الضَّرْبَ عِنْدَنَا تَطْلُقُ اثْنَتَيْنِ، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ اثْنَيْنِ فِي اثْنَيْنِ يَكُونُ أَرْبَعَةً، وَلَكِنَّ الطَّلَاقَ لَا يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَعَلَى هَذَا مَسَائِلُ الْإِقْرَارِ، إذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَنَوَى حِسَابَ الضَّرْبِ فَعَلَيْهِ عَشَرَةٌ عِنْدنَا، وَمِائَةٌ عِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ نَوَى عَشَرَةً وَعَشَرَةً فَعَلَيْهِ عِشْرُونَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: دِرْهَمٌ فِي دِينَارٍ، أَوْ كُرُّ حِنْطَةٍ فِي كُرِّ شَعِيرٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إلَّا الْمَذْكُورُ أَوَّلًا عِنْدَنَا إلَّا أَنْ يَقُولَ نَوَيْتُ الْوَاوَ، أَوْ حَرْفَ مَعَ فَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ، وَيُحَلِّفُهُ الْقَاضِي بِاَللَّهِ مَا أَرَدْتَ الْإِقْرَارَ بِذَلِكَ كُلِّهِ يَعْنِي إذَا كَانَ الْخَصْمُ مُدَّعِيًا بِجَمِيعِ ذَلِكَ. (قَالَ): وَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ، فَقَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَفُلَانَةُ، أَوْ فُلَانَةُ فَالْأُولَى طَالِقٌ، وَالْخِيَارُ إلَيْهِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ يُوقِعُ عَلَى أَيَّتِهِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ حَرْفَ التَّخْيِيرِ إنَّمَا ذُكِرَ بَيْنَ الْأُخْرَيَيْنِ فَكَانَ كَلَامُهُ عَزِيمَةً فِي الْأُولَى فَيَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا وَيُخَيَّرُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: هَذِهِ طَالِقٌ، وَإِحْدَى هَاتَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الْعِتْقِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْفَصْلَيْنِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا وَفُلَانًا أَوْ فُلَانًا فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الْجَامِعِ، وَاسْتَوْضَحَ فِي الْكِتَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِمَا إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَقَدْ اسْتَقْرَضَتْ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ كَانَ الطَّلَاقُ وَاقِعًا عَلَيْهَا، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي الْأَلْفِ يُقِرُّ بِهَا.

стр. 1278

لِأَحَدِهِمَا، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ مَا اسْتَقْرَضَ مِنْهُ شَيْئًا، وَهَذَا غَيْرُ مُشْكِلٍ؛ لِأَنَّ حَرْفَ التَّخْيِيرِ إنَّمَا ذُكِرَ فِي الْإِقْرَارِ لَا فِي الْإِيقَاعِ فَيَبْقَى مُوقِعًا لِلطَّلَاقِ عَلَى امْرَأَتِهِ عَزْمًا. وَلَوْ قَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ ثَلَاثًا أَوْ فُلَانَةُ وَفُلَانَةُ طَلُقَتْ الثَّالِثَةُ، وَالْخِيَارُ إلَيْهِ فِي الْأُولَيَيْنِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَدْخَلَ حَرْفَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْأُولَيَيْنِ، وَابْنُ سِمَاعَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَرْوِي عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْإِيقَاعِ عَلَى الْأُولَى، وَالْأُخْرَيَيْنِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: هَذَا طَالِقٌ أَوْ هَاتَانِ وَجَعَلَ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ كَمَسْأَلَةِ الْيَمِينِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ قَدْ اسْتَقْصَيْنَا شَرْحَهُ فِي الْجَامِعِ. وَإِنْ قَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَفُلَانَةُ مَعَهَا يَقَعُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ؛ لِأَنَّهُ عَطَفَ الثَّانِيَةَ عَلَى الْأُولَى، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهَا خَبَرًا فَيَكُونُ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ خَبَرًا لِلثَّانِي؛ كَمَا هُوَ مُوجَبُ الْعَطْفِ؛ وَلِأَنَّهُ ضَمَّ الثَّانِيَةَ إلَى الْأُولَى بِقَوْلِهِ: مَعَهَا، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ هَذَا الضَّمُّ إذَا وَقَعَ عَلَيْهَا مِثْلُ مَا وَقَعَ عَلَى الْأُولَى، فَإِنْ قَالَ: عَنَيْت أَنَّ فُلَانَةَ مَعَهَا شَاهِدَةٌ لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ، وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ أَضْمَرَ لِلثَّانِيَةِ خَبَرًا آخَرَ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ، وَإِنْ قَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: أَشْرَكْتُ فُلَانَةَ مَعَهَا فِي الطَّلَاقِ وَقَعَ عَلَى الْأُخْرَى ثَلَاثٌ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الِاشْتِرَاكِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مِيرَاثِ أَوْلَادِ الْأُمِّ: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] فَيَسْتَوِي فِيهِ الذُّكُورُ، وَالْإِنَاثُ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ أَشْرَكَهَا فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِمَّا وَقَعَتْ عَلَى الْأُولَى وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْنِ لَهُ: بَيْنَكُمَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ حَيْثُ تَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ اثْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ لَمْ يَسْبِقْ وُقُوعُ شَيْءٍ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَتَنْقَسِمُ الثَّلَاثُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ قِسْمَةً وَاحِدَةً، وَهُنَا قَدْ وَقَعَ الثَّلَاثُ عَلَى الْأُولَى فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْفَعَ شَيْئًا مِمَّا أَوْقَعَ عَلَيْهَا بِإِشْرَاكِ الثَّانِيَةِ، وَإِنَّمَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُسَوِّيَ الثَّانِيَةَ بِهَا بِإِيقَاعِ الثَّلَاثِ عَلَيْهَا حَتَّى لَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْنِ: أَشْرَكْتُكُمَا فِي ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ لَمْ يَقَعْ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ إلَّا اثْنَتَانِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا أَوْقَعَ الثَّلَاثَ عَلَى الْأُولَى فَكَلَامُهُ فِي حَقِّ الثَّانِيَةِ إشْرَاكٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: بَيْنَكُمَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ، وَهُوَ يَنْوِي أَنَّ كُلَّ تَطْلِيقَةٍ بَيْنَهُمَا فَلِهَذَا تَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ثَلَاثًا. وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْنِ لَهُ: أَنْتُمَا طَالِقَانِ ثَلَاثًا يَنْوِي أَنَّ الثَّلَاثَ بَيْنَهُمَا فَهُوَ مَدِينٌ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِكَوْنِ الْمَنْوِيِّ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ لَفْظِهِ، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ، وَتَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ ثَلَاثًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ: أَنْتُنَّ طَوَالِقُ ثَلَاثًا يَنْوِي أَنَّ الثَّلَاثَ بَيْنَهُنَّ كَانَ مَدِينًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَتَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ وَاحِدَةً.

стр. 1279

أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: أَكَلْنَ أَرْبَعَةَ أَرْغِفَةٍ عَلَى مَعْنَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ أَكَلَتْ رَغِيفًا وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فِي الْوَصْفِ فَلَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ وَتَطْلُقُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثًا، وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ كَامِلَةٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ نُفَاةِ الْقِيَاسِ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ نِصْفَ التَّطْلِيقَةِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَإِيقَاعُ مَا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ مِنْ الزَّوْجِ بَاطِلٌ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: مَا لَا يَحْتَمِلُ الْوَصْفَ بِالتَّجَزِّي فَذِكْرُ بَعْضِهِ كَذِكْرِ كُلِّهِ، فَكَانَ هُوَ مُوقِعًا تَطْلِيقَةً كَامِلَةً بِهَذَا اللَّفْظِ، وَإِيقَاعُ التَّطْلِيقَةِ مَشْرُوعٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ جُزْءٍ سَمَّاهُ مِنْ نِصْفٍ، أَوْ ثُلُثٍ، أَوْ رُبُعٍ فَهُوَ كَذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَيْ تَطْلِيقَةٍ فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْقَعَ أَجْزَاءَ تَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ. (قَالَ): وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ مِنْ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ، وَثُلُثَ تَطْلِيقَةٍ، وَرُبُعَ تَطْلِيقَةٍ، وَقَدْ دَخَلَ بِهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ مِنْ كُلِّ تَطْلِيقَةٍ مِنْ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ جُزْءٌ فَإِنَّهُ نَكَّرَ التَّطْلِيقَةَ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ، وَالْمُنَكَّرُ إذَا أُعِيدَ مُنَكَّرًا فَالثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦]: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ، وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثَهَا وَسُدُسَهَا لَمْ تَطْلُقْ إلَّا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْأَجْزَاءَ الْمَذْكُورَةَ إلَى تَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ بِحَرْفِ الْكِنَايَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ وَثُلُثَهَا وَرُبُعَهَا، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ هُنَا: تَطْلُقُ اثْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّكَ إذَا جَمَعْت هَذِهِ الْأَجْزَاءَ الْمَذْكُورَةَ تَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ إلَّا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْأَجْزَاءَ الْمَذْكُورَةَ إلَى تَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ بِحَرْفِ الْكِنَايَةِ فَلَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةٌ. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ تَصْنَعِي كَذَا وَكَذَا لِعَمَلٍ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَصْنَعُهُ أَبَدًا نَحْوُ: أَنْ يَقُولَ: إنْ لَمْ تَمَسِّي السَّمَاءَ بِيَدِكِ، أَوْ إنْ لَمْ تُحَوِّلِي هَذَا الْحَجَرَ ذَهَبًا فَهِيَ طَالِقً سَاعَةَ تَكَلَّمَ بِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: إنْ لَمْ تَدْخُلِي الدَّارَ فَإِنَّ هُنَاكَ لَا تَطْلُقُ حَتَّى تَمُوتَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فَوَاتُ الدُّخُولِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا عِنْدَ مَوْتِهَا، فَإِنَّ الدُّخُولَ مِنْهَا يَتَأَتَّى مَا دَامَتْ حَيَّةً، فَأَمَّا هُنَا الشَّرْطُ عَدَمُ مَسِّ السَّمَاءِ مِنْهَا، أَوْ تَحْوِيلُ الْحَجَرِ ذَهَبًا، وَذَلِكَ مُتَحَقِّقٌ فِي الْحَالِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ، وَلِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي الِانْتِظَارِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ عَجْزٌ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا قَبْلَهُ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الدُّخُولِ عَلَى مَا بَيَّنَّا لَوْ وَقَّتَ وَقْتًا، فَقَالَ أَنْتَ طَالِقٌ إنْ لَمْ تُمْسِي السَّمَاءَ الْيَوْمَ لَمْ تَطْلُقْ إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ الْيَوْمِ عِنْدَنَا، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: تَطْلُقُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ فَوْتَ الشَّرْطِ مُتَحَقِّقٌ فِي الْحَالِ؛ وَلِأَنَّ الْوَقْتَ فِي الْيَمِينِ الْمُؤَقَّتِ كَالْعُمْرِ فِي الْمُطْلَقِ فَكَمَا لَا يُنْتَظَرُ هُنَاكَ مَوْتُهَا؛ فَكَذَلِكَ هُنَا لَا يُنْتَظَرُ مُضِيُّ الْمُدَّةِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: عِنْدَ ذِكْرِ الْوَقْتِ الشَّرْطُ عَدَمُ الْفِعْلِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ النَّهَارِ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ

стр. 1280

قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلِأَنَّهُ بِذِكْرِ الْوَقْتِ قَصَدَ التَّرْفِيهَ عَلَى نَفْسِهِ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إذَا ذَهَبَ هَذَا الْيَوْمُ، فَمَا لَمْ يَذْهَبْ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ. (قَالَ): رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا مُطَلَّقَةُ فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ حِينَ نَادَاهَا بِهِ فَكَانَ هَذَا وَقَوْلُهُ: أَنْتِ طَالِقٌ سَوَاءً أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: يَا زَانِيَةُ كَانَ قَاذِفًا لَهَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: أَنْتِ زَانِيَةٌ، فَإِنْ قَالَ: عَنَيْتُ أَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ مِنْ زَوْجٍ لَهَا قَبْلِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَى كَلَامِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْمُحَالَ، وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ قَبْلَهُ فَهُوَ مَدِينٌ فِي الْقَضَاءِ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ فَإِنَّ النِّدَاءَ فِي الْحَقِيقَةِ بِوَصْفٍ مَوْجُودٍ، وَذَلِكَ مِنْ طَلَاقِ زَوْجٍ كَانَ قَبْلَهُ وَلِأَنَّ حَقِيقَةَ كَلَامِهِ الْوَصْفُ، وَهُوَ غَيْرُ الْإِيقَاعِ. (قَالَ): وَإِنْ قَالَ لَهَا: طَلَّقْتُك أَمْسِ، وَهُوَ كَاذِبٌ كَانَتْ طَالِقًا فِي الْقَضَاءِ، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَهِيَ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إخْبَارٌ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ، وَالْكَذِبِ إلَّا أَنَّ دِينَهُ وَعَقْلَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى الصِّدْقِ وَيَمْنَعُهُ عَنْ الْكَذِبِ فَحَمَلْنَا كَلَامَهُ فِي الظَّاهِرِ عَلَى الصِّدْقِ، فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَالْمُخْبَرُ عَنْهُ إذَا كَانَ كَذِبًا لَا يَصِيرُ بِالْإِخْبَارِ عَنْهُ صِدْقًا؛ فَلِهَذَا لَا يَقَعُ شَيْءٌ. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ لَهَا: يَا بَائِنُ، أَوْ يَا حَرَامُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي يُشْبِهُ الْفُرْقَةَ، وَهُوَ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يُسَمِّيَهَا تَسْمِيَةً، وَلَا يَنْوِي الطَّلَاقَ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا فِي قَوْلِهِ أَنْتِ بَائِنٌ أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إلَّا إذَا نَوَى؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُبْهَمٌ مُحْتَمِلٌ، فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: يَا بَائِنُ، فَإِذَا قَالَ: لَمْ أَنْوِ الطَّلَاقَ كَانَ مُدَيَّنًا فِي الْقَضَاءِ، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَإِنْ قَالَ: يَا مُطَلَّقَةُ يُرِيدُ أَنْ يُسَمِّيَهَا بِذَلِكَ، وَلَا يُرِيدُ الطَّلَاقَ وَسِعَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ صَرِيحٌ فَوُقُوعُ الطَّلَاقِ بِهِ يَكُونُ بِعَيْنِهِ لَا بِنِيَّتِهِ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ إلَّا أَنَّ مَا نَوَاهُ مُحْتَمَلٌ فَيُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: عَنَيْتُ الطَّلَاقَ عَنْ الْوَثَاقِ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: يَا حُرُّ يُرِيدُ أَنْ يُسَمِّيَهُ بِذَلِكَ فَهُوَ مُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنْ يُعْتَقُ بِهِ فِي الْقَضَاءِ. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَذِهِ أُخْتِي فَهُوَ صَادِقٌ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُحْتَمِلٌ لِلْأُخُوَّةِ فِي الدِّينِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وَفِي الْقَبِيلَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] وَبِالْمُحْتَمِلِ لَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِمَمْلُوكِهِ: هَذَا أَخِي كَانَ صَادِقًا وَلَمْ يُعْتَقْ، وَإِنْ قَالَ هَذِهِ أُمِّي أَوْ ابْنَتِي مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ قَالَ هِيَ عَمَّتِي أَوْ خَالَتِي مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ فَإِنَّهُ يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ قَالَ: كَذَبْتُ أَوْ تَوَهَّمْتُ فَهِيَ امْرَأَتُهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا إذَا قَالَ لِمَمْلُوكِهِ وَلِزَوْجَتِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: يَا أُمَّاهُ، أَوْ يَا بِنْتَاهُ، أَوْ يَا عَمَّتَاهُ، أَوْ يَا خَالَتَاهُ

стр. 1281

أَوْ يَا أُخْتَاهُ، أَوْ يَا جَدَّتَاهُ كَانَ هَذَا بَاطِلًا، وَلَا تَقَعُ بِهِ الْفُرْقَةُ؛ لِأَنَّ فِي مَوْضِعِ النِّدَاءِ الْمُرَادَ إحْضَارُهَا لَا تَحْقِيقُ ذَلِكَ الْوَصْفِ فِيهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يُنَادِيهَا بِمَا لَا يَتَحَقَّقُ فِيهَا فِي مَوْضِعِ الْإِهَانَةِ كَالْكَلْبِ، وَالْحِمَارِ، وَفِي مَوْضِعِ الْإِكْرَامِ كَحُورِ الْعِينِ وَنَحْوِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُ التَّحْقِيقَ وَبِدُونِ قَصْدِ التَّحْقِيقِ لَا عَمَلَ لِهَذَا الْكَلَامِ فِي قَطْعِ الزَّوْجِيَّةِ فَلِهَذَا لَا يَقَعُ شَيْءٌ. (قَالَ): قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ: قَدْ وَهَبْتُ لَكِ طَلَاقَكِ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَهِيَ طَالِقٌ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ هَذَا طَلَّقْتُك بِغَيْرِ عِوَضٍ فَإِنَّ هِبَةَ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِهِ جَعْلُهُ لَهُ مَجَّانًا. وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ طَلَاقَكَ بِكَذَا، فَقَالَتْ: قَبِلْتُ طَلُقَتْ فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: وَهَبْت لَك طَلَاقَك تَطْلُقُ، وَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ قَبُولِهَا لِأَجْلِ الْبَدَلِ، وَإِنْ كَانَ يَنْوِي بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ فِي يَدِهَا لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَإِنَّ الْهِبَةَ تُزِيلُ مِلْكَ الْوَاهِبِ عَنْ الْمَوْهُوبِ، وَبِجَعْلِ الطَّلَاقِ فِي يَدِهَا لَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ الطَّلَاقِ، وَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ هِبَةَ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِهِ تَمْلِيكٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ مِنْهُ فِي الظَّاهِرِ؛ فَيَكُونُ هَذَا تَمْلِيكًا لِلْأَمْرِ مِنْهَا، فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ طَلُقَتْ وَإِلَّا فَهِيَ امْرَأَتُهُ. (قَالَ): وَإِذَا قَالَ لِآخَرَ: أَخْبِرْ امْرَأَتِي بِطَلَاقِهَا فَهِيَ طَالِقٌ سَوَاءٌ أَخْبَرَهَا بِهِ أَوْ لَمْ يُخْبِرْهَا؛ لِأَنَّ حَرْفَ الْبَاءِ لِلْإِلْصَاقِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَخْبِرْهَا بِمَا أَوْقَعْتُ عَلَيْهَا مِنْ الطَّلَاقِ مَوْصُولًا بِالْإِيقَاعِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي إيقَاعًا سَابِقًا لَا مَحَالَةَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: احْمِلْ إلَيْهَا طَلَاقَهَا، أَوْ بَشِّرْهَا بِطَلَاقِهَا فَهِيَ طَالِقٌ بَلَغَهَا، أَوْ لَمْ يَبْلُغْهَا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ بَشِّرْهَا بِمَا أَوْقَعْتُ عَلَيْهَا، أَوْ احْمِلْ إلَيْهَا مَا أَوْقَعْتُ عَلَيْهَا. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَخْبِرْهَا أَنَّهَا طَالِقٌ أَوْ قُلْ لَهَا: إنَّهَا طَالِقٌ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ، وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ، وَالْكَذِبَ فَالْأَصْلُ فِيهِ الصِّدْقُ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ إيقَاعِهِ الطَّلَاقَ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: وَهَبْتُ لَك عِتْقَك، أَوْ تَصَدَّقْتُ عَلَيْك بِعِتْقِك، أَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أَخْبِرْهُ أَنَّهُ حُرٌّ، أَوْ بَشِّرْهُ بِأَنَّهُ حُرٌّ أَوْ قُلْ لَهُ أَنَّهُ حُرٌّ كَانَ حُرًّا لِمَا بَيَّنَّا. (قَالَ): وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ، فَقَالَتْ: لَا تُطَلِّقْنِي هَبْ لِي طَلَاقِي، فَقَالَ: قَدْ وَهَبْتُ لَكِ طَلَاقَك يُرِيدُ بِذَلِكَ لَا أُطَلِّقُك فَهِيَ امْرَأَتُهُ فِي الْقَضَاءِ، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ جَوَابٌ لِسُؤَالِهَا، وَهِيَ إنَّمَا سَأَلَتْهُ الْإِعْرَاضَ عَنْ الْإِيقَاعِ، وَقَدْ أَظْهَرَ بِكَلَامِهِ أَنَّهُ أَجَابَهَا إلَى مَا سَأَلَتْهُ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إيقَاعًا مِنْهُ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: قَدْ أَعْرَضْتُ عَنْ طَلَاقِك، أَوْ صَفَحْت عَنْ طَلَاقِك يُرِيدُ بِذَلِكَ الطَّلَاقَ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهُ نَوَى ضِدَّ كَلَامِهِ فَإِنَّ الْإِعْرَاضَ عَنْ الشَّيْءِ بِتَرْكِ الْخَوْضِ فِيهِ، وَهُوَ ضِدُّ الْإِيقَاعِ، وَلَوْ قَالَ: قَدْ تَرَكْتُ طَلَاقَك، أَوْ قَدْ خَلَّيْت

стр. 1282

طَلَاقَك، أَوْ قَدْ خَلَّيْت سَبِيلَ طَلَاقِك، وَهُوَ يُرِيدُ بِذَلِكَ الطَّلَاقَ فَهِيَ طَالِقٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُحْتَمِلٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ تَرْكَهَا بِطَرِيقِ الْإِعْرَاضِ عَنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ تَرَكْتُهَا بِأَنْ أَخْرَجْتُهَا مِنْ يَدِي بِالْإِيقَاعِ فَيَنْوِي فِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ فَهُوَ طَلَاقٌ بِمَنْزِلَةِ الْكِنَايَاتِ. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ، وَقَدْ دَخَلَ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّ يَوْمٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ تَطْلُقْ إلَّا وَاحِدَةً عِنْدَنَا، وَعِنْدَ زُفَرَ تَطْلُقُ ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَنْتِ طَالِقٌ إيقَاعٌ، وَكَلِمَةَ كُلٍّ تَجْمَعُ الْأَسْمَاءَ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ مُوقِعًا لِلطَّلَاقِ عَلَيْهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَذَلِكَ بِتَجَدُّدِ الْوُقُوعِ حَتَّى تَطْلُقَ ثَلَاثًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلِّ يَوْمٍ طَلُقَتْ ثَلَاثًا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَاحِدَةً، وَلَكِنَّا نَقُولُ: كَلَامُهُ صِفَةٌ، وَقَدْ وَصَفَهَا بِالطَّلَاقِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَهِيَ بِالتَّطْلِيقَةِ الْوَاحِدَةِ تَتَّصِفُ بِهِ فِي الْأَيَّامِ كُلِّهَا، وَإِنَّمَا جَعَلْنَا كَلَامَهُ إيقَاعًا لِضَرُورَةِ تَحْقِيقِ الْوَصْفِ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ تَرْتَفِعُ بِالْوَاحِدَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَبَدًا لَمْ تَطْلُقْ إلَّا وَاحِدَةً بِخِلَافِ قَوْلِهِ: فِي كُلِّ يَوْمٍ؛ لِأَنَّ حَرْفَ " فِي " لِلظَّرْفِ، وَالزَّمَانُ ظَرْفٌ لِلطَّلَاقِ مِنْ حَيْثُ الْوُقُوعُ فِيهِ فَمَا يَكُونُ الْيَوْمُ ظَرْفًا لَهُ لَا يَصْلُحُ الْغَدُ ظَرْفًا لَهُ فَيَتَجَدَّدُ الْإِيقَاعُ؛ لِتَحْقِيقِ مَا اقْتَضَاهُ حَرْفُ فِي، وَفِي قَوْلِهِ: كُلَّ يَوْمٍ إنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّهَا طَالِقٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلِيقَةً أُخْرَى فَهُوَ كَمَا نَوَى، وَتَطْلُقُ ثَلَاثًا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إمَّا؛ لِأَنَّهُ أَضْمَرَ حَرْفَ " فِي " أَوْ؛ لِأَنَّهُ أَضْمَرَ التَّطْلِيقَةَ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلِيقَةً. (قَالَ): وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَغَدًا وَبَعْدَ غَدٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهِيَ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ بِوُقُوعِ الْوَاحِدَةِ عَلَيْهَا تَتَّصِفُ بِالطَّلَاقِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَهُوَ كَمَا نَوَى، وَهِيَ طَالِقٌ كُلَّ يَوْمٍ وَاحِدَةً حَتَّى تَسْتَكْمِلَ ثَلَاثًا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ إمَّا؛ لِإِضْمَارِ حَرْفِ " فِي " أَوْ؛ لِإِضْمَارِ التَّطْلِيقَةِ. (قَالَ): وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْك مِنْ الطَّلَاقِ، أَوْ مَا لَا يَقَعُ عَلَيْك مِنْ الطَّلَاقِ فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً؛ لِأَنَّ آخِرَ كَلَامِهِ لَغْوٌ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيمَا يَمْلِكُهُ الزَّوْجُ عَلَيْهَا طَلَاقٌ مَوْصُوفٌ بِمَا ذَكَرَ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَا يَقَعْنَ عَلَيْك، أَوْ ثَلَاثًا لَا يَجُزْنَ عَلَيْك فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا؛ لِمَا بَيَّنَّا، وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَقْبَحَ الطَّلَاقِ قَالَ: عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَطْلُقُ تَطْلِيقَةً رَجْعِيَّةً، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَطْلُقُ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْقُبْحَ صِفَةً لِلطَّلَاقِ، وَذَلِكَ هُوَ الطَّلَاقُ الْمُزِيلُ لِلْمِلْكِ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: قَدْ يَكُونُ الْقُبْحُ بِالْإِيقَاعِ فِي غَيْرِ وَقْتِ السُّنَّةِ فَلَا تَثْبُتُ صِفَةُ الْبَيْنُونَةِ بِالشَّكِّ. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَأَنَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَالْخِيَارُ بَاطِلٌ، وَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ لِلْفَسْخِ بَعْدَ الْوُقُوعِ لَا لِلْمَنْعِ عَنْ الْوُقُوعِ

стр. 1283

وَالطَّلَاقُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بَعْدَ وُقُوعِهِ فَيَلْغُو شَرْطُ الْخِيَارِ فِيهِ، وَالْعِتْقُ كَذَلِكَ. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: اذْهَبِي فَتَزَوَّجِي، فَإِنْ كَانَ نَوَى طَلَاقًا فَهُوَ طَلَاقٌ، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ مُحْتَمَلٌ فَلَا يَتَعَيَّنُ مَعْنَى الطَّلَاقِ فِيهِ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ أَلْزَمَهَا الذَّهَابَ مِنْ بَيْتِهِ، رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا: افْلَحِي أَوْ اسْتَفْلِحِي يَنْوِي بِهِ الطَّلَاقَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: اذْهَبِي؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: أَفْلِحْ بِخَيْرٍ أَيْ اذْهَبْ بِخَيْرٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: اسْتَفْلِحِي؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ اُطْلُبِي فَحْلًا فَكَانَ هَذَا، وَقَوْلُهُ تَزَوَّجِي سَوَاءً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ طَلَاقِ الْأَخْرَسِ] (قَالَ): وَإِذَا طَلَّقَ الْأَخْرَسُ امْرَأَتَهُ فِي كِتَابٍ، وَهُوَ يَكْتُبُ جَازَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ فِي كِتَابِهِ؛ لِأَنَّ الْأَخْرَسَ عَاجِزٌ عَنْ الْكَلَامِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْكِتَابِ فَهُوَ وَالصَّحِيحُ فِي الْكِتَابِ سَوَاءٌ، وَالْأَصْلُ أَنَّ الْبَيَانَ بِالْكِتَابِ بِمَنْزِلَةِ الْبَيَانِ بِاللِّسَانِ؛ لِأَنَّ الْمَكْتُوبَ حُرُوفٌ مَنْظُومَةٌ تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى مَفْهُومٍ كَالْكَلَامِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ مَأْمُورًا بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ، وَقَدْ بَلَّغَ تَارَةً بِالْكِتَابِ وَتَارَةً بِاللِّسَانِ، ثُمَّ الْكِتَابُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: (أَحَدُهَا) أَنْ يَكْتُبَ طَلَاقًا، أَوْ عَتَاقًا عَلَى مَا لَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ الْخَطُّ كَالْهَوَاءِ، وَالْمَاءِ، وَالصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ فَلَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْكِتَابَةِ كَصَوْتٍ لَا يَتَبَيَّنُ مِنْهُ حُرُوفٌ، وَلَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ لَوَقَعَ بِمُجَرَّدِ نِيَّتِهِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ. (الثَّانِي) أَنْ يَكْتُبَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ عَلَى مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ الْخَطُّ، وَلَكِنْ لَا عَلَى رَسْمِ كَتْبِ الرِّسَالَةِ فَهَذَا يَنْوِي فِيهِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْكِتَابَةِ قَدْ تَكُونُ لِلْإِيقَاعِ، وَقَدْ تَكُونُ لِتَجْرِبَةِ الْخَطِّ، وَالْقَلَمِ، وَالْبَيَاضِ، وَفِيهِ يَنْوِي كَمَا فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي تُشْبِهُ الطَّلَاقَ، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا تَبِينُ نِيَّتُهُ بِلِسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ تَبِينُ نِيَّتُهُ بِكِتَابِهِ. (وَالثَّالِثُ) أَنْ يَكْتُبَ عَلَى رَسْمِ كَتْبِ الرِّسَالَةِ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ أَوْ عَتَاقَ عَبْدِهِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ بِهَذَا فِي الْقَضَاءِ، وَإِنْ قَالَ: عَنَيْت بِهِ تَجْرِبَةَ الْخَطِّ لَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: عَنَيْت الطَّلَاقَ مِنْ وَثَاقٍ، ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى الْمَكْتُوبِ، فَإِنْ كَانَ كَتَبَ: امْرَأَتَهُ طَالِقٌ فَهِيَ طَالِقٌ سَوَاءٌ بَعَثَ الْكِتَابَ إلَيْهَا، أَوْ لَمْ يَبْعَثْ، وَإِنْ كَانَ الْمَكْتُوبُ: إذَا وَصَلَ إلَيْك كِتَابِي هَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَمَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ؛ كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ

стр. 1284

بِمَا كَتَبَ، فَإِنْ نَدِمَ عَلَى ذَلِكَ فَمَحَى ذِكْرَ الطَّلَاقِ مِنْ كِتَابِهِ، وَتَرَكَ مَا سِوَى ذَلِكَ، وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ إلَيْهَا فَهِيَ طَالِقٌ إذَا وَصَلَ إلَيْهَا الْكِتَابُ؛ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَمَحْوُهُ كَرُجُوعِهِ عَنْ التَّعْلِيقِ، فَإِنْ مَحَى الْخُطُوطَ كُلَّهَا، وَبَعَثَ بِالْبَيَاضِ إلَيْهَا لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يُوجَدْ فَإِنَّ مَا وَصَلَ إلَيْهَا لَيْسَ بِكِتَابٍ، وَلَوْ جَحَدَ الزَّوْجُ الْكِتَابَ، وَأَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ كَتَبَهُ بِيَدِهِ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِهِ. وَإِنْ كَانَ الْأَخْرَسُ لَا يَكْتُبُ، وَكَانَتْ لَهُ إشَارَةٌ تُعْرَفُ فِي طَلَاقِهِ وَنِكَاحِهِ وَشِرَائِهِ وَبَيْعِهِ فَهُوَ جَائِزٌ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَقَعُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِإِشَارَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَيَّنُ بِإِشَارَتِهِ حُرُوفٌ مَنْظُومَةٌ؛ فَبَقِيَ مُجَرَّدُ قَصْدِهِ الْإِيقَاعَ، وَبِهَذَا لَا يَقَعُ شَيْءٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّحِيحَ لَوْ أَشَارَ لَا يَقَعُ شَيْءٌ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ بِإِشَارَتِهِ وَلَكِنَّهُ اُسْتُحْسِنَ، فَقَالَ: الْإِشَارَةُ مِنْ الْأَخْرَسِ كَالْعِبَارَةِ مِنْ النَّاطِقِ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْعِبَادَاتِ جُعِلَ هَكَذَا حَتَّى إذَا حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقُرْآنِ جُعِلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْقِرَاءَةِ مِنْ النَّاطِقِ، فَكَذَلِكَ فِي الْمُعَامَلَاتِ؛ وَهَذَا لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاطِقُ، فَلَوْ لَمْ يَجْعَلْ إشَارَتَهُ كَعِبَارَةِ النَّاطِقِ أَدَّى إلَى أَنْ يَمُوتَ جُوعًا، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ لَا تَتَأَتَّى فِي حَقِّ النَّاطِقِ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا: الْمَرِيضُ. وَإِنْ اُعْتُقِلَ لِسَانُهُ لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ بِإِشَارَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ الْيَأْسُ عَنْ نُطْقِهِ، وَإِقَامَةُ الْإِشَارَةِ مَقَامَ الْعِبَارَةِ عِنْدَ وُقُوعِ الْيَأْسِ عَنْ النُّطْقِ؛ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ إشَارَةٌ مَعْرُوفَةٌ يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْهُ، أَوْ يُشَكُّ فِيهِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوقَفُ عَلَى مُرَادِهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْإِشَارَةِ؛ فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ حُكْمَ الطَّلَاقِ بِالْفَارِسِيَّةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْفَارِسِيَّ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: هسته، أَوْ قَالَ: از زَنَى هسته، يَنْوِي فِي ذَلِكَ، فَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ فِي حَالِ مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ قَالَ: هِسَته، يَنْوِي فِيهِ، وَلَوْ قَالَ: ازْ زِنِي هِسَته فَهِيَ تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ثَلَاثًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي قَوْلِهِ: بهستمت، أَوْ ازْ زني بهستمت، أَنَّهُ طَلَاقٌ، وَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا هَذَا اللَّفْظَ تَفْسِيرًا لِلتَّخْلِيَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَكُونُ الْوَاقِعُ بِهِ بَائِنًا، وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي مَعْنَى التَّخْلِيَةِ؛ فَيَكُونُ الْوَاقِعُ بِهِ بَائِنًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَعْنَى لَفْظٍ آخَرَ، فَلَا تَثْبُتُ الْبَيْنُونَةُ بِالشَّكِّ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: نَحْنُ أَعْرَفُ بِلُغَتِنَا مِنْهُمْ، وَالْوَاقِعُ بِهَذَا اللَّفْظِ عِنْدَنَا تَطْلِيقَةٌ رَجْعِيَّةٌ سَوَاءٌ نَوَى الطَّلَاقَ، أَوْ لَمْ يَنْوِ، أَوْ نَوَى الثَّلَاثَ أَوْ لَمْ يَنْوِ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ

стр. 1285

فِي لِسَانِنَا صَرِيحٌ بِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى تَفْسِيرِ التَّخْلِيَةِ بَلَّهُ كَرَدْمِ فَيَنْوِي فِي ذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا مُضَافًا إلَى النِّسَاءِ فَهُوَ صَرِيحٌ، وَكُلُّ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي النِّسَاءِ، وَغَيْرِ النِّسَاءِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْكِنَايَةِ يَنْوِي فِيهِ، فَقَوْلُهُ: بَلَّهُ كَرَدْمِ، يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ النِّسَاءِ كَمَا يُسْتَعْمَلُ فِي النِّسَاءِ، فَأَمَّا قَوْلُهُ: هِسَته أَوْ بهستمت لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي النِّسَاءِ فَيَكُونُ صَرِيحًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ، وَالْمَآبُ. [بَابُ الشَّهَادَةِ فِي الطَّلَاقِ] (قَالَ): ﵁ وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ طَلَّقَ إحْدَى امْرَأَتَيْهِ بِعَيْنِهَا، وَقَالَا: قَدْ سَمَّاهَا لَنَا لَكِنَّا نَسِينَاهَا، فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا، وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا إذَا شَهِدَا بِالثَّلَاثِ حَتَّى يُبَيِّنَ الْمُطَلَّقَةَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِشَهَادَتِهِمَا كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ، وَلَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا، وَقَالَ: قَدْ نَسِيتُهَا أُمِرَ أَنْ لَا يَقْرَبَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا حَتَّى يَتَذَكَّرَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الطَّلَاقِ مَقْبُولَةٌ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى، وَإِنَّمَا تَنْعَدِمُ الدَّعْوَى، إذَا لَمْ يَعْرِفَا الْمُطَلَّقَةَ مِنْهُمَا فَوَجَبَ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا بِقَدْرِ مَا حَفِظَا مِنْ كَلَامِ الزَّوْجِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: قَدْ أَقَرَّا عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالْغَفْلَةِ وَبِأَنَّهُمَا ضَيَّعَا شَهَادَتَهُمَا وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ إمَّا أَنْ يَقْضِيَ بِطَلَاقِ إحْدَاهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهَا فَيَكُونُ هَذَا قَضَاءً بِغَيْرِ مَا شَهِدَا، أَوْ يَقْضِيَ بِطَلَاقِ إحْدَاهُمَا بِعَيْنِهَا، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُعَيِّنَا، وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى، فَإِذَا تَعَذَّرَ الْقَضَاءُ بِهَا بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ مُوجِبَةً بِدُونِ الْقَضَاءِ بِخِلَافِ إقْرَارِ الزَّوْجِ فَإِنَّهُ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ الْقَضَاءُ فَكَانَ مُلْزِمًا إيَّاهُ الْبَيَانَ. وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ طَلَّقَ إحْدَاهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهَا، فَفِي الْقِيَاسِ لَا تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ لَهُ مَجْهُولٌ، وَجَهَالَةُ الْمَشْهُودِ لَهُ تَمْنَعُ صِحَّةَ الشَّهَادَةِ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ، فَقَالَ: تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ وَيُجْبَرُ عَلَى أَنْ يُوقِعَ الطَّلَاقَ عَلَى إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْمَشْهُودِ لَهُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الشَّهَادَةِ لِعَيْنِهَا بَلْ؛ لِانْعِدَامِ الدَّعْوَى فَإِنَّ الدَّعْوَى مِنْ الْمَجْهُولِ لَا تَتَحَقَّقُ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الطَّلَاقِ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الطَّلَاقِ تُقْبَلُ حِسْبَةً مِنْ غَيْرِ دَعْوَى، وَهُمَا أَثْبَتَا بِشَهَادَتِهِمَا قَوْلَ الزَّوْجِ إحْدَاهُمَا طَالِقٌ فَكَأَنَّ الْقَاضِيَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ الزَّوْجِ فَيُجْبِرُهُ عَلَى أَنْ يُوقِعَ عَلَى إحْدَاهُمَا. (قَالَ): وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ: فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ طَالِقٌ، وَسَمَّى امْرَأَتَهُ وَنَسِيَهَا، ثُمَّ قَالَ: عَنَيْت بِذَلِكَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً عَلَى ذَلِكَ الِاسْمِ، وَالنَّسَبِ لَمْ يُصَدَّقْ، وَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي

стр. 1286

الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْعَقْلِ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ، وَلَهُ وِلَايَةُ الْإِيقَاعِ عَلَى امْرَأَتِهِ دُونَ الْأَجْنَبِيَّةِ فَلَا يُصَدَّقُ فِيمَا يَدَّعِي مِنْ إلْغَاءِ كَلَامِهِ فِي الْقَضَاءِ، وَلَكِنْ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ مُحْتَمَلٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ أَنَّ فُلَانَةَ طَالِقٌ مِنْ زَوْجِهَا عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْإِيقَاعِ فَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ الزَّوْجِ، وَلَا يَسَعُ امْرَأَتَهُ أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ؛ لِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ كَالْقَاضِي، فَإِنْ قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي عَنَيْتُهَا امْرَأَتِي وَصَدَّقَتْهُ فِي ذَلِكَ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا؛ لِإِقْرَارِ الزَّوْجِ بِأَنَّهَا هِيَ الْمُطَلَّقَةُ، وَلَمْ يُصَدَّقْ عَلَى إبْطَالِ الطَّلَاقِ عَنْ الْمَرْأَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تَعَيَّنَتْ لِلطَّلَاقِ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ مُتَّهَمٌ فِي صَرْفِ الطَّلَاقِ عَنْهَا فَلَا يُصَدَّقُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَى نِكَاحِهَا قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِطَلَاقِهَا، أَوْ عَلَى إقْرَارِهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا دُونَ الْمَعْرُوفَةِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ. وَلَوْ كَانَ تَحْتَهُ مَعْرُوفَتَانِ عَلَى اسْمٍ وَنَسَبٍ وَاحِدٍ فَطَلَّقَ بِذَلِكَ الِاسْمِ، وَالنَّسَبِ؛ كَانَ الْبَيَانُ إلَيْهِ يُوقِعُ الطَّلَاقَ عَلَى أَيَّتِهِمَا شَاءَ فَكَذَلِكَ هُنَا، وَكَذَلِكَ إنْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِذَلِكَ، وَفِي هَذَا نَوْعُ إشْكَالٍ فَإِنَّ الْمَعْرُوفَةَ مُتَّهَمَةٌ فِي هَذَا التَّصْدِيقِ كَمَا أَنَّ الزَّوْجَ مُتَّهَمٌ فِي الْإِقْرَارِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذَا الْجَانِبَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا، وَقَدْ تَصَادَقَا عَلَى قِيَامِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ مُحْتَمَلٍ، وَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى النِّكَاحِ ابْتِدَاءً ثَبَتَ فِي الْحُكْمِ بِتَصَادُقِهِمَا فَكَذَلِكَ إذَا تَصَادَقَا عَلَى بَقَاءِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا. (قَالَ): وَإِنْ قَالَ فُلَانَةُ طَالِقٌ، وَذَلِكَ اسْمُ امْرَأَتِهِ طَلُقَتْ امْرَأَتُهُ، وَلَمْ يُصَدَّقْ عَلَى صَرْفِ الطَّلَاقِ عَنْهَا؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ إيقَاعٌ، وَلَهُ وِلَايَةُ الْإِيقَاعِ عَلَى زَوْجَتِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كَلَامَ الْعَاقِلِ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ فَتَعَيَّنَتْ زَوْجَتُهُ لِهَذَا، وَالْعَتَاقُ فِي هَذَا قِيَاسُ الطَّلَاقِ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ إذَا قَالَ: لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى ذَلِكَ الِاسْمِ وَادَّعَى الْمَالَ لَمْ يَلْزَمْهُ الْمَالُ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ الشُّهُودُ عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّهُ عَنَاهُ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ مِنْ الْمُقِرِّ تَصَرُّفٌ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ حَيْثُ الِالْتِزَامُ فَلَا يَتَعَيَّنُ الْمُقَرُّ لَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ مُوجِبٍ لِلتَّعَيُّنِ، وَذَلِكَ إشَارَتُهُ إلَيْهِ، وَإِقْرَارُهُ أَنَّهُ عَنَاهُ، فَأَمَّا الطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ تَصَرُّفٌ عَلَى الْمَحَلِّ بِالْإِيقَاعِ وَزَوْجَتُهُ وَمَمْلُوكَتُهُ مُتَعَيِّنَةٌ لِذَلِكَ، تَوْضِيحُهُ أَنَّ جَهَالَةَ الْمُقَرِّ لَهُ تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ، وَبِمُجَرَّدِ ذِكْرِ الِاسْمِ لَا تَرْتَفِعُ الْجَهَالَةُ وَجَهَالَةُ الْمُطَلَّقَةِ، وَالْمُعْتَقَةِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِيقَاعِ وَلِأَنَّ الْمَالَ بِالشَّكِّ لَا يُسْتَوْجَبُ، وَالطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ يُؤْخَذُ فِيهِمَا بِالِاحْتِيَاطِ، وَكَذَلِكَ فِي الْإِقْرَارِ، وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانِ بْنِ فُلَانٍ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَالْمُقَرُّ لَهُ بِهَذَا الْقَدْرِ لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا كَمَا فِي الدَّعْوَى، وَالشَّهَادَةُ بِذِكْرِ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ لَا يَصِيرُ مَعْلُومًا إلَّا بِذِكْرِ اسْمِ جَدِّهِ أَوْ بِنَسَبِهِ إلَى فَخِذٍ، أَوْ يُشِيرُ إلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يَصِيرُ

стр. 1287

مَعْلُومًا وَيَلْزَمُهُ الْمَالُ بِالْإِقْرَارِ. (قَالَ): وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَجَحَدَ الزَّوْجُ، وَالْمَرْأَةُ ذَلِكَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ حُرْمَتُهَا عَلَيْهِ، وَالْحِلُّ، وَالْحُرْمَةُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْر دَعْوَى كَمَا لَوْ شَهِدُوا بِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ، وَالْحِلُّ، وَالْحُرْمَةُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ أَنَّ وَطْأَهُ إيَّاهَا بَعْدَ هَذَا زِنًا، وَالشَّهَادَةُ عَلَى الزِّنَا تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى فَكَذَلِكَ عَلَى مَا يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الزِّنَا، وَعَلَى هَذَا الشَّهَادَةُ عَلَى عِتْقِ الْأَمَةِ تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى، وَفِي الشَّهَادَةِ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ اخْتِلَافٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَى وَعِنْدَهُمَا تُقْبَلُ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَالَ): وَإِذَا كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ إحْدَاهُمَا نِكَاحُهَا صَحِيحٌ، وَالْأُخْرَى نِكَاحُهَا فَاسِدٌ وَاسْمُهُمَا وَاحِدٌ وَقَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ، ثُمَّ قَالَ: عَنَيْت الَّتِي نِكَاحُهَا فَاسِدٌ لَمْ يُصَدَّقْ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهَا بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَمْ تَصِرْ مَحَلًّا لِوُقُوعِ طَلَاقِهِ عَلَيْهَا فَهِيَ كَالْأَجْنَبِيَّةِ، وَاَلَّتِي نِكَاحُهَا صَحِيحٌ مَحَلٌّ لِوُقُوعِ طَلَاقِهِ عَلَيْهَا فَمُطْلَقُ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُهَا، وَلَا يُصَدَّقُ فِي صَرْفِهِ عَنْهَا فِي الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ يُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا لَوْ قَالَ: نَوَيْت أَجْنَبِيَّةً، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إحْدَى امْرَأَتَيَّ طَالِقٌ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِهَذَا اللَّفْظِ عَلَى امْرَأَتِهِ، وَهِيَ الَّتِي صَحَّ نِكَاحُهَا دُونَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا تَصِيرُ هِيَ امْرَأَتَهُ فَكَأَنَّهُ لَيْسَ فِي نِكَاحِهِ إلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ: إحْدَى امْرَأَتَيَّ طَالِقٌ، وَلَوْ قَالَ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ امْرَأَتُهُ إلَّا أَنْ يُعَيِّنَهَا؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَلَى إحْدَى اللَّتَيْنِ خَاطَبَهُمَا، وَأَشَارَ إلَيْهِمَا، وَإِحْدَاهُمَا لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِطَلَاقِهِ فَلَا تَتَعَيَّنُ امْرَأَتُهُ إلَّا بِالنِّيَّةِ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ امْرَأَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ، وَقَالَ: إحْدَاكُمَا طَالِقٌ، وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ عَبْدَانِ فَاشْتَرَى أَحَدَهُمَا شِرَاءً صَحِيحًا، وَاشْتَرَى الْآخَرَ شِرَاءً فَاسِدًا، فَقَالَ: أَحَدُكُمَا حُرٌّ، أَوْ أَحَدُ عَبْدَيَّ حُرٌّ فَهُوَ سَوَاءٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْبَيَانِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا صَارَ مَمْلُوكًا لَهُ بِالْقَبْضِ، وَصَارَ مَحَلًّا لِعِتْقِهِ كَالْمُشْتَرَى شِرَاءً صَحِيحًا فَكَانَ كَلَامُهُ إيقَاعًا سَوَاءٌ قَالَ: أَحَدُ عَبْدَيَّ، أَوْ قَالَ: أَحَدُكُمَا فَكَانَ الْبَيَانُ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْأُولَى، فَإِنَّ الَّتِي نِكَاحُهَا فَاسِدٌ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِطَلَاقِهِ. (قَالَ): وَإِنْ قَالَ: فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ طَالِقٌ فَسَمَّى امْرَأَتَهُ، وَنَسَبَهَا إلَى غَيْرِ أَبِيهَا لَمْ تَطْلُقْ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّهُ مَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ مَا أَضَافَهَا إلَى نَفْسِهِ بِالنِّكَاحِ، وَمَا أَشَارَ إلَيْهَا، وَلَا عَرَّفَهَا بِذِكْرِ نَسَبِهَا، إنَّمَا ذَكَرَ امْرَأَةً أُخْرَى، وَأَوْقَعَ الطَّلَاقَ عَلَيْهَا بِمَا ذَكَرَ مِنْ الِاسْمِ، وَالنَّسَبِ فَلَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ امْرَأَتَهُ كَمَا لَوْ أَشَارَ إلَى أَجْنَبِيَّةٍ، وَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ لَمْ تَطْلُقْ امْرَأَتُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فُلَانَةُ الْهَمْدَانِيَّةُ طَالِقٌ

стр. 1288

وَامْرَأَتُهُ تَمِيمِيَّةٌ لَمْ تَطْلُقْ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: فُلَانَةُ الْعَمْيَاءُ طَالِقٌ، وَامْرَأَتُهُ صَحِيحَةُ الْعَيْنَيْنِ، فَإِنْ نَوَى امْرَأَتَهُ بِهَذَا كُلِّهِ طَلُقَتْ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ الْإِيقَاعَ عَلَيْهَا بِذِكْرِ اسْمِهَا، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَضْلٌ مِنْ الْكَلَامِ، وَفِي هَذَا تَشْدِيدٌ عَلَيْهِ فَتَعْمَلُ نِيَّتُهُ. وَإِنْ كَانَ اسْمُ امْرَأَتِهِ زَيْنَبَ، فَقَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ يَعْنِي امْرَأَتَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ: فُلَانَةُ، وَلَمْ يُسَمِّهَا فَالطَّلَاقُ وَاقِعٌ عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَعْنِهَا لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِذِكْرِ مُطْلَقِ الِاسْمِ، وَمُطْلَقُ الِاسْمِ كَمَا يَتَنَاوَلُهَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهَا فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْإِيقَاعِ بِلَفْظِ الْكِنَايَةِ فَيَنْوِي فِي ذَلِكَ؛ لِكَوْنِ اللَّفْظِ مُبْهَمًا مُحْتَمَلًا، وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى تَطْلِيقَتَيْنِ، وَشَاهِدٌ عَلَى ثَلَاثٍ، وَالزَّوْجُ يَجْحَدُ ذَلِكَ، أَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ بِتَطْلِيقَةٍ، وَالْآخَرُ بِتَطْلِيقَتَيْنِ، أَوْ شَاهِدٌ بِتَطْلِيقَةٍ، وَالْآخَرُ بِثَلَاثٍ لَمْ تُقْبَلْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا وَابْنِ أَبِي لَيْلَى تُقْبَلُ عَلَى الْأَقَلِّ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ اتِّفَاقُ الشَّاهِدَيْنِ فِي الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ حَتَّى لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالْهِبَةِ، وَالْآخَرُ بِالتَّخَلِّي تُقْبَلُ، وَقَدْ اتَّفَقَ الشَّاهِدَانِ عَلَى الْأَقَلِّ؛ لِأَنَّ الْأَقَلَّ مَوْجُودٌ فِي الْأَكْثَرِ فَصَارَ كَمَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِأَلْفٍ، وَالْآخَرُ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَالْمُدَّعِي يَدَّعِي الْأَكْثَرَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَى الْأَقَلِّ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا، وَالْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَضَرَّتَهَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عَلَى طَلَاقِهَا؛ لِاتِّفَاقِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْمُوَافَقَةَ كَمَا تُرَاعَى بَيْنَ الشَّاهِدَيْنِ تُرَاعَى بَيْنَ الدَّعْوَى، وَالشَّهَادَةِ. ثُمَّ لَوْ ادَّعَى أَلْفَيْنِ، وَشَهِدَ شَاهِدَانِ بِأَلْفٍ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالِاتِّفَاقِ، فَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ، وَالْآخَرُ بِأَلْفَيْنِ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ عَلَى الْأَقَلِّ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ اخْتَلَفَ الشَّاهِدَانِ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ لَفْظًا وَمَعْنًى فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ كَمَا لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: إنَّهُ قَالَ لَهَا: أَنْتِ خَلِيَّةٌ، وَالْآخَرُ: إنَّهُ قَالَ: لَهَا أَنْتِ بَرِّيَّةٌ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا شَهِدَ بِالْوَاحِدَةِ، وَالْآخَرُ بِثِنْتَيْنِ أَوْ بِثَلَاثٍ، وَالْوَاحِدَةُ أَصْلُ الْعَدَدِ لَا تَرَكُّبَ فِيهَا، وَالِاثْنَانِ، وَالثَّلَاثُ اسْمٌ لِعَدَدٍ مُرَكَّبٍ فَكَانَتْ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْمُضَادَّةِ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ غَيْرُ التَّثْنِيَةِ، وَالْجَمْعِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ مُدَّعِيَ الِاثْنَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ لَا يَكُونُ مُقِرًّا بِالْوَاحِدِ، إذْ لَوْ كَانَ مُقِرًّا بِالْوَاحِدِ لَكَانَ مُرْتَدًّا بِالشِّرْكِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ، وَلِأَنَّ التَّطْلِيقَتَيْنِ اسْمٌ وَاحِدٌ، وَالتَّطْلِيقَةُ كَذَلِكَ، وَبِزِيَادَةِ حَرْفٍ يَتَغَيَّرُ الِاسْمُ كَمَا يُقَالُ: زَيْدٌ وَزِيَادٌ، وَنَصْرٌ وَنَاصِرٌ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَلْفِ، وَالْأَلْفَيْنِ وَإِذَا ثَبَتَتْ الْمُغَايَرَةُ كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ، فَلَا يَتَمَكَّنُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِشَيْءٍ بِخِلَافِ الْأَلْفِ مَعَ الْأَلْفِ

стр. 1289

وَخَمْسِمِائَةٍ فَإِنَّهُمَا اسْمَانِ أَحَدُهُمَا مَعْطُوفٌ عَلَى الْآخَرِ فَيَحْصُلُ الِاتِّفَاقُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْأَلْفِ لَفْظًا وَمَعْنًى، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: طَالِقٌ وَطَالِقٌ، وَفِي قَوْلِهِ: فُلَانَةُ وَفُلَانَةُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الدَّعْوَى مَعَ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّ الِاتِّفَاقَ هُنَاكَ فِي اللَّفْظِ لَيْسَ بِشَرْطٍ. فَأَمَّا بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ الْمُوَافَقَةُ فِي اللَّفْظِ شَرْطٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى الْغَصْبَ، أَوْ الْقَتْلَ وَشَهِدَ شَاهِدَانِ بِالْإِقْرَارِ بِهِ تُقْبَلُ، وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ بِالْغَصْبِ، وَالْآخَرُ بِإِقْرَارٍ بِهِ لَا تُقْبَلُ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَعْتَمِدُ اللَّفْظَ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ مَا لَمْ يَقُلْ: أَشْهَدُ، وَاَلَّذِي يُبْطِلُ مَذْهَبَهُمَا مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الرُّجُوعِ، لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِتَطْلِيقَةٍ، وَشَاهِدَانِ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ، ثُمَّ رَجَعُوا، كَانَ ضَمَانُ نِصْفِ الصَّدَاقِ عَلَى شَاهِدَيْ الثَّلَاثِ دُونَ شَاهِدَيْ الْوَاحِدَةِ، وَلَوْ اُعْتُبِرَ مَا قَالَا أَنَّ الْوَاحِدَةَ تُوجَدُ فِي الثَّلَاثِ؛ لَكَانَ الضَّمَانُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا. وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ، وَأَنَّهَا قَدْ دَخَلَتْ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا إنْ كَلَّمَتْ فُلَانًا، وَأَنَّهَا قَدْ كَلَّمَتْ فُلَانًا فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِغَيْرِ مَا أَوْقَعَ بِهِ صَاحِبُهُ، وَإِنَّمَا شَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِتَعْلِيقٍ آخَرَ مِنْ الزَّوْجِ، وَلَيْسَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ، فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يَنْوِي الثَّلَاثَ فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ؛ لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ لَفْظًا، وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَا فِي أَلْفَاظِ الْكِنَايَاتِ كَالْخَلِيَّةِ، وَالْبَرِيَّةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عِنْدَنَا تَعْمَلُ بِحَقَائِقِ مُوجِبَاتِهَا فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا شَاهِدًا بِالتَّخْلِيَةِ، وَالْآخَرُ بِالْبَرَاءَةِ، وَكَذَلِكَ الِاخْتِلَافُ فِي مَقَادِيرِ الشُّرُوطِ الَّتِي عَلَّقَ بِهَا الطَّلَاقَ، وَفِي التَّعْلِيقِ، وَالْإِرْسَالِ، وَفِي مَقَادِيرِ الْجُعْلِ وَصِفَاتِهَا، وَفِي اشْتِرَاطِهَا وَحَذْفِهَا، كُلُّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ فِي الْمَشْهُودِ بِهِ لَفْظًا وَمَعْنًى فَيَمْتَنِعُ الْقَضَاءُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَبِالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ لَا يَتَمَكَّنُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ، وَإِذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ: إنْ دَخَلَتْ فُلَانَةُ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ وَفُلَانَةُ مَعَهَا، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: إنْ دَخَلَتْ فُلَانَةُ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ وَحْدَهَا، وَقَدْ دَخَلَتْ فُلَانَةُ فَهِيَ طَالِقٌ وَحْدَهَا؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ دُخُولُهَا، وَاتَّفَقَا أَنَّ الْجَزَاءَ طَلَاقُهَا، إنَّمَا تَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِزِيَادَةِ جَزَاءٍ مَعْطُوفٍ عَلَى طَلَاقِهَا، فَيَثْبُتُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَلَا يَثْبُتُ مَا تَفَرَّدَ بِهِ أَحَدُهُمَا. (قَالَ): وَتَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عَلَى طَلَاقِ الْمَرْأَةِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي النِّكَاحِ، وَفِي الْكِتَابِ قَالَ: رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ أَجَازَ شَهَادَةَ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ فِي النِّكَاحِ. (قَالَ): وَالطَّلَاقُ عِنْدَنَا بِمَنْزِلَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى إذَا شَهِدَ بِالطَّلَاقِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ، أَوْ شَهِدَ

стр. 1290

بِهِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ لَيْسَ مَعَهُنَّ رَجُلٌ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ. (قَالَ): وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَلَدِ عَلَى أَبِيهِ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِ بِطَلَاقِ أُمِّهِ إذَا ادَّعَتْ ذَلِكَ أُمُّهُ؛ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ لَهَا، وَالْوَلَدُ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّ أُمِّهِ، فَإِنْ قِيلَ: لَا مُعْتَبَرَ بِدَعْوَاهَا فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الطَّلَاقِ (قُلْنَا): نَعَمْ، وَلَكِنْ إذَا وُجِدَتْ الدَّعْوَى مِنْهَا فَفِي شَهَادَتِهِ إظْهَارُ صِدْقِ دَعْوَاهَا، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهَا حَتَّى لَوْ كَانَتْ هِيَ تَجْحَدُ ذَلِكَ مَعَ الْأَبِ، كَانَتْ شَهَادَتُهُ مَقْبُولَةً عَلَيْهِمَا، وَعَلَى هَذَا لَوْ شَهِدَ الْأَبُ عَلَى طَلَاقِ ابْنَتِهِ لَا تُقْبَلُ إذَا ادَّعَتْهُ، وَيَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَبِ مَعَ رَجُلٍ آخَرَ عَلَى ابْنِهِ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ الِابْنِ عَلَى أَبِيهِ إذَا لَمْ تَكُنْ لِأُمِّهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الطَّلَاقِ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى سَائِرِ الْحُقُوقِ تُقْبَلُ مِنْ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدَيْنِ، وَلَا تُقْبَلُ لَهُمَا وَتُقْبَلُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلَا تُقْبَلُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. (قَالَ): وَإِذَا زَوَّجَ رَجُلٌ أُخْتَهُ، ثُمَّ شَهِدَ هُوَ وَآخَرُ عَلَى الزَّوْجِ بِطَلَاقِهَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْأَخِ لِلْأُخْتِ بِسَائِرِ الْحُقُوقِ مَقْبُولَةٌ فَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ حَادِثٌ بَعْدَ النِّكَاحِ لَا صُنْعَ لِلْأَخِ فِيهِ؛ فَلَا يَمْتَنِعُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ مُبَاشَرَتِهِ لِلنِّكَاحِ بِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَ عَلَى أَصْلِ النِّكَاحِ أَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ أَجَازَتْهُ فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُزَوِّجُ، وَقَدْ قَصَدَ بِشَهَادَتِهِ تَتْمِيمَ فِعْلِهِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِهَذَا. (قَالَ): وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَقَضَى لَهَا بِنِصْفِ الْمَهْرِ، ثُمَّ رَجَعَا ضَمِنَا لِلزَّوْجِ ذَلِكَ إمَّا؛ لِأَنَّهُ مَا قَرَّرَا عَلَيْهِ مَا كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ بِمَجِيءِ الْفُرْقَةِ مِنْ جَانِبِهَا، وَالْمُقَرَّرُ كَالْمُوجَبِ؛ أَوْ لِأَنَّ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ مُسْقِطٌ لِجَمِيعِ الصَّدَاقِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُضَافًا إلَى الزَّوْجِ فَهُمَا بِإِضَافَةِ السَّبَبِ إلَى الزَّوْجِ، وَهُوَ الطَّلَاقُ مَنَعَا الْعِلَّةَ الْمُسْقِطَةَ مِنْ أَنْ تَعْمَلَ عَمَلَهَا فِي النِّصْفِ؛ فَكَانَ ذَلِكَ كَالْإِيجَابِ مِنْهُمَا فَيَضْمَنَانِ إذَا رَجَعَا، وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا ضَمِنَ الرُّبُعَ. وَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَتْ امْرَأَةٌ فَعَلَيْهَا ثَمَنُ الْمَهْرِ، وَإِنْ رَجَعُوا جَمِيعًا فَعَلَى الرَّجُلِ رُبْعُ الْمَهْرِ، وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ ثُمُنُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِشَهَادَةِ الرَّجُلِ ضِعْفُ مَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّ عِنْدَ الِاخْتِلَاطِ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ تَقُومَانِ مَقَامَ رَجُلٍ، ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ فِي الرُّجُوعِ بَقَاءُ مَنْ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ لَا رُجُوعُ مَنْ رَجَعَ حَتَّى لَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ بِحَقٍّ، ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمْ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ مَنْ يُثْبِتُ جَمِيعَ الْحَقِّ بِشَهَادَتِهِ، فَإِنْ كَانَ الشَّاهِدُ بِالطَّلَاقِ رَجُلَيْنِ وَامْرَأَتَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ كَانَ عَلَيْهِمَا ثُمُنُ الْمَهْرِ أَثْلَاثًا ثُلُثَاهُ عَلَى الرَّجُلِ وَثُلُثُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ مَنْ يَقُومُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْحَقِّ بِهِ، فَإِنَّمَا انْعَدَمَتْ الْحُجَّةُ فِي قَدْرِ الرُّبُعِ فَلِهَذَا ضَمِنَا ذَلِكَ

стр. 1291

الْقَدْرَ أَثْلَاثًا. فَإِنْ رَجَعَتْ الْمَرْأَةُ الْأُخْرَى أَيْضًا لَزِمَهَا مَعَ الرَّاجِعَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ رُبُعُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ رَجُلٌ، وَهُوَ يَقُومُ بِنِصْفِ الْحَقِّ، ثُمَّ نِصْفُ هَذَا الرُّبُعِ عَلَى الرَّجُلِ الرَّاجِعِ، وَنِصْفُهُ عَلَى الْمَرْأَتَيْنِ، وَإِنْ رَجَعُوا جَمِيعًا كَانَ عَلَى الْمَرْأَتَيْنِ سُدُسُ الْمَهْرِ، وَعَلَى الرَّجُلَيْنِ الثُّلُثُ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِشَهَادَةِ كُلِّ رَجُلٍ مِثْلُ الثَّابِتِ بِشَهَادَةِ الْمَرْأَتَيْنِ. (قَالَ): وَإِنْ شَهِدَ رَجُلَانِ بِالدُّخُولِ وَرَجُلَانِ بِالطَّلَاقِ فَأَلْزَمَ الْقَاضِي الزَّوْجَ كَمَالَ الْمَهْرِ، ثُمَّ رَجَعَ شَاهِدَا الطَّلَاقِ فَلَا شَيْء عَلَيْهِمَا عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِمَا ضَمَانُ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ ثَابِتَانِ عَلَى الشَّهَادَةِ فَصَارَ كَأَنَّ الدُّخُولَ ثَابِتٌ بِإِقْرَارِ الزَّوْجِ فَبَقِيَتْ شَهَادَةُ الْآخَرَيْنِ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِمَا إذَا رَجَعَا عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ الْبُضْعَ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ، وَإِتْلَافُ مَا لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَيْهِمَا وَعِنْدَهُ الْبُضْعُ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ بِمَهْرِ الْمِثْلِ كَمَا أَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِ الزَّوْجِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، ثُمَّ نَقُولُ: لَمَّا كَانَ جَمِيعُ الْمَهْرِ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ، وَهُمَا ثَابِتَانِ عَلَى الشَّهَادَةِ لَمْ يَضْمَنْ الرَّاجِعَانِ شَيْئًا، وَإِنْ رَجَعَ شَاهِدَا الدُّخُولِ، وَلَمْ يَرْجِعْ شَاهِدُ الطَّلَاقِ فَعَلَيْهِمَا نِصْفُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ مَنْ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِ نِصْفُ الْمَهْرِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدْ شَاهِدَا الدُّخُولِ كَانَ الْقَاضِي يَقْضِي بِنِصْفِ الْمَهْرِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ فَإِنَّمَا انْعَدَمَتْ الْحُجَّةُ بِرُجُوعِهِمَا فِي نِصْفِ الْمَهْرِ فَيَضْمَنَانِ ذَلِكَ، وَإِنْ رَجَعَ أَحَدُ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ وَأَحَدُ شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ لَمْ يَكُنْ عَلَى شَاهِدِ الطَّلَاقِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِشَهَادَتِهِ وَشَهَادَةِ صَاحِبِهِ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَى الشَّهَادَةِ مَنْ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَهْرِ، وَهُوَ أَحَدُ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ وَأَحَدُ شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ؛ فَلِهَذَا لَا يَضْمَنُ شَاهِدُ الطَّلَاقِ شَيْئًا وَيَضْمَنُ شَاهِدُ الدُّخُولِ رُبُعَ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ قَدْ انْعَدَمَتْ فِي قَدْرِ الرُّبُعِ، وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ نِصْفَ الْمَهْرِ ثَابِتٌ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ خَاصَّةً، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ ثَابِتٌ بِشَهَادَةِ الْأَرْبَعَةِ فَالنِّصْفُ الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ بِشَهَادَتِهِمْ قَدْ بَقِيَ كَمَالُ الْحُجَّةِ فِيهِ بِبَقَاءِ اثْنَيْنِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَالنِّصْفُ الَّذِي قَدْ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ بَقِيَ نِصْفُهُ بِبَقَاءِ أَحَدِهِمَا عَلَى الشَّهَادَةِ، وَانْعَدَمَتْ الْحُجَّةُ فِي نِصْفِهِ فَلِهَذَا ضَمِنَ شَاهِدُ الدُّخُولِ رُبُعَ الْمَهْرِ، وَإِنْ رَجَعَ شَاهِدَا الطَّلَاقِ مَعَ أَحَدِ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ كَانَ عَلَيْهِمْ ضَمَانُ نِصْفِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مَنْ يَثْبُتُ بِشَهَادَتِهِ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَهُوَ أَحَدُ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ فَإِنَّمَا انْعَدَمَتْ الْحُجَّةُ فِي النِّصْفِ نِصْفِ هَذَا النِّصْفِ عَلَى شَاهِدِ الدُّخُولِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْمَهْرِ ثَبَتَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ

стр. 1292

الدُّخُولِ، وَقَدْ بَقِيَ نِصْفُهُ بِبَقَاءِ أَحَدِهِمَا فَيَجِبُ نِصْفُهُ عَلَى الْآخَرِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْأَرْبَعَةِ، وَقَدْ بَقِيَ وَاحِدٌ عَلَى الشَّهَادَةِ فَيَبْقَى نِصْفُ ذَلِكَ النِّصْفِ بِبَقَائِهِ، وَتَنْعَدِمُ الْحُجَّةُ فِي نِصْفِهِ فَيَكُونُ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا. وَإِنْ رَجَعُوا جَمِيعًا كَانَ عَلَى شَاهِدَيْ الدُّخُولِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْمَهْرِ وَعَلَى شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ رُبُعُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ الدُّخُولِ خَاصَّةً فَضَمَانُ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا إذَا رَجَعَا، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ الْأَرْبَعَةِ فَيَكُونُ عَلَيْهِمْ أَرْبَاعًا نِصْفُهُ عَلَى شَاهِدَيْ الدُّخُولِ وَنِصْفُهُ عَلَى شَاهِدَيْ الطَّلَاقِ. (قَالَ): وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ عَلَى الطَّلَاقِ فَسَأَلَتْ الْمَرْأَةُ الْقَاضِيَ أَنْ يَضَعَهَا عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ حَتَّى تَأْتِيَ بِشَاهِدٍ آخَرَ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ، وَدَفَعَهَا إلَى زَوْجِهَا حَتَّى تَأْتِيَ بِبَقِيَّةِ شُهُودِهَا؛ لِأَنَّ قِيَامَ النِّكَاحِ، وَالْحِلِّ بَيْنَهُمَا مَعْلُومٌ وَبِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ لَمْ يَثْبُتْ سَبَبُ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّهَا شَطْرُ الْعِلَّةِ، وَبِشَطْرِ الْعِلَّةِ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ الْحُكْمِ فَيَتَمَسَّكُ الْقَاضِي بِمَا كَانَ مَعْلُومًا لَهُ حَتَّى يَثْبُتَ عِنْدَهُ الْعَارِضُ، فَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ ثَلَاثًا، أَوْ بَائِنًا وَادَّعَتْ أَنَّ بَقِيَّةَ شُهُودِهَا فِي الْمِصْرِ، وَشَاهِدَهَا هَذَا عَدْلٌ حَالَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزَّوْجِ وَأَجَّلَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى يَنْظُرَ مَا تَصْنَعُ فِي شَاهِدِهَا الْآخَرِ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ لَمْ تَتِمَّ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ، فَقَالَ: لِلشَّهَادَةِ طَرَفَانِ الْعَدَدُ، وَالْعَدَالَةُ، وَلَوْ وُجِدَ تَمَامُ الْعَدَدِ تَثْبُتُ بِهِ الْحَيْلُولَةُ قَبْلَ ظُهُورِ الْعَدَالَةِ بِأَنْ شَهِدَ رَجُلَانِ مَسْتُورَانِ فَكَذَلِكَ إذَا وُجِدَتْ الْعَدَالَةُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الَّذِي يَسْبِقُ إلَى وَهْمِ كُلِّ أَحَدٍ أَنَّ الْعَدْلَ صَادِقٌ فِي شَهَادَتِهِ، وَبَابُ الْفَرْجِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاحْتِيَاطِ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْحَيْلُولَةِ كَثِيرُ ضَرَرٍ عَلَى الزَّوْجِ، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا لَا تَكُونُ هَذِهِ الْحَيْلُولَةُ وَاجِبَةً عَلَى الْقَاضِي، بَلْ إنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَل وَدَفَعَهَا إلَى الزَّوْجِ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ حُجَّةَ الْقَضَاءِ بِهِ لَمْ تَتِمَّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَضَى بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ لَمْ يَنْفُذْ قَضَاؤُهُ. (قَالَ): وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى تَطْلِيقَةٍ بَائِنَةٍ، وَشَهِدَ آخَرُ عَلَى تَطْلِيقَةٍ رَجْعِيَّةٍ فَشَهَادَتُهُمَا جَائِزَةٌ عَلَى تَطْلِيقَةٍ رَجْعِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ مَا اتَّفَقَا عَلَى أَصْلِ الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا تَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِزِيَادَةِ صِفَةِ الْبَيْنُونَةِ فَلَا يَثْبُتُ مَا تَفَرَّدَ بِهِ أَحَدُهُمَا، وَالدَّلِيلُ لَهُمَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الثَّلَاثِ مَعَ الْوَاحِدَةِ يَقُولَانِ: تَفَرُّدُ أَحَدِهِمَا بِالْبَيْنُونَةِ الْغَلِيظَةِ كَتَفَرُّدِ أَحَدِهِمَا بِالْبَيْنُونَةِ الْخَفِيفَةِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ الطَّلَاقُ إذَا قُرِنَ بِالْعَدَدِ كَانَ الْعَامِلُ هُوَ الْعَدَدَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدٌ بِالْوُقُوعِ بِلَفْظٍ آخَرَ هُنَاكَ، فَأَمَّا هُنَا، وَإِنْ أَلْحَقَ صِفَةَ الْبَيْنُونَةِ بِالطَّلَاقِ فَوُقُوعُ الطَّلَاقِ يَكُونُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ، وَقَدْ اتَّفَقَ الشَّاهِدَانِ عَلَيْهِ لَفْظًا، تَوْضِيحُهُ أَنَّ بِصِفَةِ الْبَيْنُونَةِ لَا يَتَغَيَّرُ أَصْلُ الطَّلَاقِ، أَلَا تَرَى أَنَّ بِمُضِيِّ الْعِدَّةِ يَنْقَلِبُ الرَّجْعِيُّ بَائِنًا. فَأَمَّا بِانْضِمَامِ الثَّانِي، وَالثَّالِثِ

стр. 1293

يَتَغَيَّرُ حُكْمُ أَصْلِ الطَّلَاقِ وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى تَطْلِيقَةٍ، وَالْآخَرُ عَلَى وَاحِدَةٍ وَوَاحِدَةٍ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا فِي الْوَاحِدَةِ؛ لِاتِّفَاقِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهَا لَفْظًا وَمَعْنًى، وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَعِشْرِينَ، أَوْ وَاحِدَةً وَنِصْفًا فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى الْوَاحِدَةِ فِي لَفْظِهِمَا، وَتَكَلَّمَا بِهَا إنَّمَا تَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا بِزِيَادَةِ لَفْظٍ آخَرَ مَعْطُوفٍ عَلَى لَفْظِ الْوَاحِدِ، فَيَثْبُتُ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَمَا إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِوَاحِدَةٍ، وَالْآخَرُ بِأَحَدَ عَشَرَ قَالَ: هُنَاكَ أَحَدَ عَشَرَ اسْمٌ وَاحِدٌ؛ لِانْعِدَامِ حَرْفِ الْعَطْفِ، فَالشَّاهِدُ بِهَا لَا يَكُونُ شَاهِدًا بِالْوَاحِدَةِ لَفْظًا، فَأَمَّا وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ اسْمَانِ بَيْنَهُمَا حَرْفُ الْعَطْفِ، فَالشَّاهِدُ بِهَا شَاهِدٌ بِالْوَاحِدَةِ لَفْظًا. (قَالَ): وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا نِصْفَ وَاحِدَةٍ، أَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى نِصْفِ وَاحِدَةٍ، وَالْآخَرُ عَلَى ثُلُثِ وَاحِدَةٍ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَتُقْبَلُ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَهُمَا الِاتِّفَاقُ فِي الْمَعْنَى، وَقَدْ وُجِدَ فَإِنَّ نِصْفَ التَّطْلِيقَةِ وَثُلُثَهَا كَمَالُهَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الشَّاهِدَيْنِ لَفْظًا وَمَعْنًى وَبَيْنَ النِّصْفِ، وَالْكُلِّ مُغَايَرَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُضَادَّةِ، وَكَذَلِكَ النِّصْفُ غَيْرُ الثُّلُثِ فَلَمْ يُوجَدْ اتِّفَاقُ الشَّاهِدَيْنِ لَفْظًا؛ فَلِهَذَا قَالَ: لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ، وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ لَا، بَلْ فُلَانَةُ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: فُلَانَةُ طَالِقٌ يُسَمِّي الْأُولَى فَقَدْ جَازَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى طَلَاقِ الْأُولَى؛ لِاتِّفَاقِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَى ذَلِكَ لَفْظًا وَمَعْنًى وَمَا تَفَرَّدَ أَحَدُهُمَا مِنْ الزِّيَادَةِ لَمْ يَثْبُتْ. وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ: أَنْت طَالِقٌ الطَّلَاقَ كُلَّهُ. وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ: أَنْتَ طَالِقٌ بَعْضَ الطَّلَاقِ فَعِنْدَهُمَا يَقْضِي بِتَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِاتِّفَاقِ الشَّاهِدَيْنِ عَلَيْهَا مَعْنًى وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ؛ لِاخْتِلَافِهِمَا لَفْظًا، وَالْمُغَايَرَةُ بَيْنَ الْكُلِّ، وَالْبَعْضِ عَلَى سَبِيلِ الْمُضَادَّةِ. (قَالَ): وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ طَلَّقَهَا فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَوْلٌ، وَصِيغَةُ الْإِقْرَارِ، وَالْإِنْشَاءِ فِيهِ وَاحِدَةٌ، فَاخْتِلَافُ الشُّهُودِ فِي الْإِنْشَاءِ، وَالْإِقْرَارِ لَا يَكُونُ اخْتِلَافًا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَا فِي الْمَكَانِ، وَالزَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ مِمَّا يُعَادُ وَيُكَرَّرُ وَيَكُونُ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلَ فَبِاخْتِلَافِهِمَا فِي الْمَكَانِ، وَالزَّمَانِ لَا يَخْتَلِفُ الْمَشْهُودُ بِهِ لَفْظًا بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ كَالْغَصْبِ، وَالْقَتْلِ. (قَالَ): وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِمَكَّةَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْكُوفَةِ كَانَتْ شَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةً لَا لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ مُخْتَلِفٌ، وَلَكِنْ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِكَذِبِ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لَا يَكُونُ بِمَكَّةَ، وَالْكُوفَةِ، وَإِذَا كَانَتْ تُهْمَةُ الْكَذِبِ تَمْنَعُ الْعَمَلَ بِالشَّهَادَةِ فَالتَّيَقُّنُ بِالْكَذِبِ أَوْلَى، وَلَا

стр. 1294

يُقَالُ: هَذَا يَتَحَقَّقُ فِي كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الْوَلِيِّ لَا يَجْحَدُ مَا أَوْقَعَ مِنْ الطَّلَاقِ حَتَّى يُحْتَاجَ إلَى إثْبَاتِهِ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ؛ وَلِأَنَّا نَبْنِي الْأَحْكَامَ عَلَى الظَّاهِرِ. (قَالَ): وَلَوْ شَهِدَا بِذَلِكَ عَلَى يَوْمَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ بَيْنَهُمَا مِنْ الْأَيَّامِ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ مِنْ الْكُوفَةِ إلَى مَكَّةَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ تُهْمَةَ الْكَذِبِ هُنَا مُنْتَفِيَةٌ؛ لِظُهُورِ عَدَالَتِهِمَا، وَإِنَّمَا تَعَدَّدَ مَكَانُ مَا شَهِدَا بِهِ، وَبِاخْتِلَافِ الْمَكَانِ لَا يَخْتَلِفُ الْمَشْهُودُ بِهِ، وَهُوَ الطَّلَاقُ. (قَالَ): وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ طَلَّقَ عَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْكُوفَةِ، وَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ طَلَّقَ زَيْنَبَ يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ، أَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ فَشَهَادَتُهُمْ جَمِيعًا بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَتَيَقَّنُ بِكَذِبِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، وَلَا يَعْرِفُ الصَّادِقَ مِنْ الْكَاذِبِ، فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِشَهَادَتِهِمَا. (قَالَ): فَإِنْ جَاءَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَحَكَمَ بِهَا، ثُمَّ جَاءَتْ الْأُخْرَى لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ الْأُولَى تَأَكَّدَتْ بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَتَعَيَّنَ الْكَذِبُ فِي الْأُخْرَى إذْ لَا يَجُوزُ نَقْضُ الْقَضَاءِ بِالشَّكِّ، وَهُوَ نَظِيرُ مَا لَوْ ادَّعَى رَجُلَانِ نِكَاحَ امْرَأَةٍ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ وَاسْتَوَيَا لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَوْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، وَقَضَى لَهُ، ثُمَّ أَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ لَمْ تُقْبَلْ بَيِّنَتُهُ؛ لِهَذَا الْمَعْنَى. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتَيْنِ لَهُ: أَيَّتُكُمَا أَكَلَتْ هَذَا الطَّعَامَ فَهِيَ طَالِقٌ فَجَاءَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهَا أَكَلَتْهُ فَشَهَادَتُهُمَا جَمِيعًا بَاطِلَةٌ؛ لِتَيَقُّنِنَا بِكَذِبِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ فَالشَّرْطُ أَكْلُ جَمِيعِ الطَّعَامِ مِنْ وَاحِدَةٍ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَأْكُلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا جَمِيعَ الطَّعَامِ. فَإِنْ جَاءَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ قَبْلَ الْأُخْرَى فَحَكَمَ بِهَا، ثُمَّ جَاءَتْ الْأُخْرَى لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ بِقَضَائِهِ تَعَيَّنَ مَعْنَى الصِّدْقِ فِي شَهَادَةِ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ فَيَتَعَيَّنُ مَعْنَى الْكَذِبِ فِي شَهَادَةِ الْفَرِيقِ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَتَا أَكَلَتَاهُ لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَكْلُ الْوَاحِدَةِ جَمِيعَ الطَّعَامِ فَإِنَّ كَلِمَةَ أَيُّ تَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمُخَاطَبَتَيْنِ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصِّدْقِ، وَالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ، وَالْمَآبُ. [بَابُ طَلَاقِ الْمَرِيضِ] (قَالَ): ﵁، وَإِذَا طَلَّقَ الْمَرِيضُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، أَوْ وَاحِدَةً بَائِنَةً، ثُمَّ مَاتَ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُ فِي الْقِيَاسِ، وَهُوَ أَحَدُ أَقَاوِيلِ الشَّافِعِيِّ ﵁، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ تَرِثُ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُنَا، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا تَرِثُ مِنْهُ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ بِزَوْجٍ آخَرَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَقَالَ مَالِكٌ ﵀، وَإِنْ مَاتَ

стр. 1295

بَعْدَ مَا تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ، فَلَهَا الْمِيرَاثُ مِنْهُ، وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ سَبَبَ الْإِرْثِ انْتِهَاءُ النِّكَاحِ بِالْمَوْتِ، وَلَمْ يُوجَدْ؛ لِارْتِفَاعِهِ بِالتَّطْلِيقَاتِ، وَالْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ السَّبَبِ كَمَا لَوْ كَانَ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ؛ وَلِأَنَّ الْمِيرَاثَ يُسْتَحَقُّ بِالنَّسَبِ تَارَةً وَبِالزَّوْجِيَّةِ أُخْرَى، وَلَوْ انْقَطَعَ النَّسَبُ لَا يَبْقَى اسْتِحْقَاقُ الْمِيرَاثِ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ فِي صِحَّتِهِ، أَوْ فِي مَرَضِهِ فَكَذَلِكَ إذَا انْقَطَعَتْ الزَّوْجِيَّةُ، وَلَكِنَّا اسْتَحْسَنَّا؛ لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ ﵃، فَقَدْ رَوَى إبْرَاهِيمُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: جَاءَ عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ إلَى شُرَيْحٍ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِخَمْسِ خِصَالٍ، مِنْهُنَّ إذَا طَلَّقَ الْمَرِيضُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، وَرِثَتْهُ إذَا مَاتَ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، وَعَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ أُمَّ الْبَنِينَ بِنْتَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيّ كَانَتْ تَحْتَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ فَفَارَقَهَا بَعْدَ مَا حُوصِرَ، فَجَاءَتْ إلَى عَلِيٍّ ﵁ بَعْدَ مَا قُتِلَ، وَأَخْبَرْته بِذَلِكَ، فَقَالَ: تَرَكَهَا حَتَّى إذَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ فَارَقَهَا، وَوَرَّثَهَا مِنْهُ، وَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ﵁ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تُمَاضِرَ آخِرَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ فِي مَرَضِهِ فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ ﵁، وَقَالَ: مَا اتَّهَمْتُهُ، وَلَكِنِّي أَرَدْت السُّنَّةَ، وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ امْرَأَةَ الْفَارِّ تَرِثُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ أَنَّهَا تَرِثُ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَانُوا يَقُولُونَ: مَنْ فَرَّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى رُدَّ إلَيْهِ يَعْنِي هَذَا الْحُكْمَ، وَالْقِيَاسُ يُتْرَكُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃ فَإِنْ قِيلَ: لَا إجْمَاعَ هُنَا، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ﵁ فِي حَدِيثِ تُمَاضِرَ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ إلَيَّ لَمَا وَرَّثْتُهَا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: مَا طَلَّقْتهَا ضِرَارًا وَلَا فِرَارًا، قُلْنَا: مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵁: مَا وَرَّثْتهَا، أَيْ؛ لِجَهْلِي بِوَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ يَخْفَى عَلَيْهِ مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى عُثْمَانَ ﵁، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهَا سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ فَمَعْنَى قَوْلِهَا: مَا وَرَّثَهَا؛ لِأَنَّهَا سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ، وَبِهِ نَقُولُ، وَلَكِنَّ تَوْرِيثَ عُثْمَانَ ﵁ إيَّاهَا بَعْدَ سُؤَالِهَا الطَّلَاقَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُوَرِّثُهَا قَبْلَهُ، وَقَدْ قِيلَ: مَا سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ وَلَكِنَّهُ قَالَ لَهَا: إذَا طَهُرْتِ فَآذِنِينِي، فَلَمَّا طَهُرَتْ آذَنَتْهُ، وَبِهَذَا لَا يَسْقُطُ مِيرَاثُهَا، وَابْنُ عَوْفٍ ﵁ لَمْ يُنْكِرْ التَّوْرِيثَ إنَّمَا نَفَى عَنْ نَفْسِهِ تُهْمَةَ الْفِرَارِ حَتَّى رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ عَادَهُ، فَقَالَ: لَوْ مِتَّ وَرَّثْتُهَا مِنْك، فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ ذَلِكَ مَا طَلَّقْتُهَا ضِرَارًا وَلَا فِرَارًا، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ قَصَدَ إبْطَالَ حَقِّهَا عَنْ الْمِيرَاثِ بِقَوْلِهِ: فَيُرَدُّ عَلَيْهِ قَصْدُهُ كَمَا لَوْ وَهَبَ جَمِيعَ مَالِهِ مِنْ إنْسَانٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِمَرَضِ الْمَوْتِ تَعَلَّقَ حَقُّ الْوَرَثَةِ بِمَالِهِ؛ وَلِهَذَا يُمْنَعُ عَنْ التَّبَرُّعِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، ثُمَّ اسْتِحْقَاقُ الْمِيرَاثِ بِالسَّبَبِ، وَالْمَحَلِّ. فَإِذَا كَانَ تَصَرُّفُهُ فِي الْمَحَلِّ يُجْعَلُ

стр. 1296

كَالْمُضَافِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ حُكْمًا؛ إبْقَاءً لِحَقِّ الْوَارِثِ، فَتَصَرُّفُهُ بِالسَّبَبِ بِالرَّفْعِ يُجْعَلُ كَالْمُضَافِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ حُكْمًا، بَلْ، أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يُضَافُ إلَى السَّبَبِ دُونَ الْمَحَلِّ، وَإِذَا صَارَ كَالْمُضَافِ، كَانَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا قَائِمًا عِنْدَ الْمَوْتِ حُكْمًا؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: إنَّ عِدَّتَهَا فِي حَقِّ الْمِيرَاثِ لَا تَنْقَضِي حَتَّى إنَّ لَهَا الْمِيرَاثَ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ، فَإِذَا تَزَوَّجَتْ فَهِيَ الَّتِي رَضِيَتْ بِسُقُوطِ حَقِّهَا، وَلَهَا ذَلِكَ كَمَا لَوْ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ فِي الِابْتِدَاءِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا حَلَّ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ حُكْمِيٌّ مُنَافٍ لِلنِّكَاحِ الْأَوَّلِ فَلَا يَبْقَى مَعَهُ النِّكَاحُ حُكْمًا كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ، وَهُوَ نَظِيرُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى الَّتِي انْقَطَعَ دَمُهَا فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ يُجْعَلُ كَأَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي الْحُكْمِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَمَا قَالَهُ مَالِكٌ مِنْ بَقَاءِ الْمِيرَاثِ بَعْدَ التَّزَوُّجِ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَرِثُ مِنْ زَوْجَيْنِ بِحُكْمِ النِّكَاحِ، وَمَا قَالَهُ يُؤَدِّي إلَى هَذَا، ثُمَّ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ يَكُونُ مُسْقِطًا حَقَّهَا بِعِوَضٍ، فَإِنَّهَا تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ فَتَسْتَحِقُّ مِيرَاثَهُ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْ الْمَرِيضِ كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَهُ بِمِثْلِ قِيمَتِهِ، فَأَمَّا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ يَكُونُ هَذَا إبْطَالًا لِحَقِّهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ؛ لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى التَّزَوُّجِ، وَهَذَا بِخِلَافِ النَّسَبِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ، إنَّمَا يَنْقَطِعُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي بِاللِّعَانِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ، ثُمَّ النَّسَبُ بَعْدَ ثُبُوتِهِ لَا يَنْقَطِعُ، وَلَكِنْ يَتَبَيَّنُ بِنَفْيِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا فِي وَلَدِ أُمِّ الْوَلَدِ فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِي مَالِهِ، وَلَكِنَّ الْكَلَامَ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَيْسَ بِقَوِيٍّ، فَإِنَّ بَعْدَ ثُبُوتِ حُرْمَةِ الْمَحَلِّ إمَّا بِالطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ، أَوْ بِالْمُصَاهَرَةِ يَتَعَذَّرُ إبْقَاءُ النِّكَاحِ حُكْمًا، وَلَكِنْ يُجْعَلُ بَقَاءُ الْعِدَّةِ الَّتِي هِيَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ كَبَقَاءِ النِّكَاحِ فِي حُكْمِ التَّوْرِيثِ بِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا تَرِثُ؛ لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَلَكِنَّ هَذَا فِي إبْقَاءِ مَا كَانَ ثَابِتًا لَا فِي إثْبَاتِ مَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا حَتَّى لَوْ كَانَ صَحِيحًا حِينَ طَلَّقَهَا لَمْ تَرِثْ مِنْهُ، وَإِنَّمَا أَقَمْنَا الْعِدَّةَ مَقَامَ النِّكَاحِ؛ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا، فَإِذَا كَانَ الطَّلَاقُ بِسُؤَالِهَا فَقَدْ رَضِيَتْ هِيَ بِسُقُوطِ حَقِّهَا فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُ، وَإِنْ مَاتَ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ. (قَالَ)، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ أَمَةً، أَوْ كِتَابِيَّةً حِينَ أَبَانَهَا فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ وَأَسْلَمَتْ الْكِتَابِيَّةُ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُ، وَإِنْ مَاتَ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَارًّا مِنْ مِيرَاثِهَا يَوْمَ طَلَّقَ إذْ لَمْ يَتَعَلَّقْ حَقُّهَا بِمَالِهِ فِي الْمَرَضِ، فَلَوْ وَرِثَتْ كَانَ فِيهِ إقَامَةُ الْعِدَّةِ مَقَامَ النِّكَاحِ فِي ابْتِدَاءِ الِاسْتِحْقَاقِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَالْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالرَّأْيِ. (قَالَ): وَلَوْ طَلَّقَ الْمَرِيضُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً رَجْعِيَّةً، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَلَا

стр. 1297

مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُ؛ لِانْعِدَامِ السَّبَبِ عِنْدَ الْمَوْتِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، وَأَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَرِثَهُ الْآخَرُ؛ لِانْتِهَاءِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا بِالْمَوْتِ، وَإِذَا طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً، ثُمَّ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَرَضِ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: تَرِثُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُتَّهَمًا بِالْفِرَارِ حِينَ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِهِ؛ وَلِأَنَّ حَقَّهَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِمَالِهِ عِنْدَ الطَّلَاقِ وَعِنْدَ الْمَوْتِ فَلَا يُعْتَبَرُ مَا تَخَلَّى بَيْنَهُمَا، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ حَتَّى مَاتَ فِي مَرَضِهِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: حَقُّهَا إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالِهِ بِمَرَضِ الْمَوْتِ، وَمَرَضُ الْمَوْتِ مَا يَتَّصِلُ بِهِ الْمَوْتُ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، وَكُلُّ مَرَضٍ يُعْقِبُهُ بُرْءٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ حَالَةِ الصِّحَّةِ فَكَأَنَّهُ طَلَّقَهَا، وَهُوَ صَحِيحٌ، ثُمَّ مَرِضَ وَمَاتَ. وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ هِيَ الَّتِي مَاتَتْ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ لَمْ يَرِثْهَا الزَّوْجُ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ السَّبَبَ بِاخْتِيَارِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَقٌّ فِي مَالِهَا فِي حَالِ قِيَامِ الزَّوْجِيَّةِ؛ لِيَبْقَى ذَلِكَ بِبَقَاءِ الْعِدَّةِ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ: أَحَدُهَا أَنْ يُعَلِّقَ طَلَاقَهَا بِفِعْلِ نَفْسِهِ، وَالثَّانِي أَنْ يُعَلِّقَ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ، وَالثَّالِثُ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ، وَالرَّابِعُ بِفِعْلِهَا، وَكُلُّ فَصْلٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ التَّعْلِيقُ، وَالْوُقُوعُ فِي الْمَرَضِ، أَوْ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ، وَالْوُقُوعُ فِي الْمَرَضِ أَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ مَا إذَا عَلَّقَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ، وَقَالَ: إنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، ثُمَّ دَخَلَ الدَّارَ فَلَهَا الْمِيرَاثُ إذَا مَاتَ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ. أَمَّا إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ، وَالْوُقُوعُ فِي الْمَرَضِ فَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِالْفِرَارِ، وَالْقَصْدِ إلَى إبْطَالِ حَقِّهَا عَنْ مَالِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ، وَالْوُقُوعُ فِي الْمَرَضِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقْدَمَ عَلَى الشَّرْطِ فِي الْمَرَضِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ التَّطْلِيقَاتِ عِنْدَهُ تَقَعُ فَقَدْ صَارَ قَاصِدًا إلَى إبْطَالِ حَقِّهَا فَيُجْعَلُ ذَلِكَ كَتَنْجِيزِ الطَّلَاقِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الشَّرْطُ فِعْلًا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ، أَوْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ الْفِعْلِ بُدٌّ فَقَدْ كَانَ لَهُ مِنْ التَّعْلِيقِ أَلْفُ بُدٍّ. فَأَمَّا إذَا عَلَّقَ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ، فَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الْمَرَضِ فَلَهَا الْمِيرَاثُ؛ لِأَنَّهُ قَاصِدٌ إبْطَالَ حَقِّهَا عَنْ مَالِهِ فَهَذَا وَالتَّنْجِيزُ فِي حَقِّهِ سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ فَفَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ الْأَجْنَبِيُّ فِي مَرَضِهِ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُ إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنَجَّزِ مِنْ الْمُعَلَّقِ فَيَصِيرُ عِنْدَ فِعْلِ الْأَجْنَبِيِّ كَأَنَّ الزَّوْجَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَهُوَ مَرِيضٌ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَمْ يُوجَدْ مِنْ الزَّوْجِ قَصْدُ الْفِرَارِ؛ لِأَنَّهُ حِينَ عَلَّقَ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقٌّ فِي مَالِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ جِهَتِهِ صُنْعٌ بَعْدَ ذَلِكَ فِي وُجُودِ الشَّرْطِ، وَلَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَى إبْطَالِ التَّعْلِيقِ وَلَا عَلَى مَنْعِ الْأَجْنَبِيِّ مِنْ إيجَادِ الشَّرْطِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ

стр. 1298

بِأَنْ قَالَ: إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الْمَرَضِ، فَلَهَا الْمِيرَاثُ مِنْهُ؛ لِوُجُودِ قَصْدِهِ إلَى إبْطَالِ حَقِّهَا بَعْدَ مَا تَعَلَّقَ بِمَالِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ، ثُمَّ جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، وَهُوَ مَرِيضٌ لَمْ تَرِثْهُ عِنْدَنَا؛ لِمَا بَيَّنَّا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: تَرِثُهُ، وَهَذَا، وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا غَدًا، ثُمَّ مَرِضَ قَبْلَ مَجِيءِ الْغَدِ فَأَمَّا إذَا عَلَّقَ بِفِعْلِهَا، فَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الْمَرَضِ، وَالْفِعْلُ فِعْلٌ لَهَا مِنْهُ بُدٌّ كَدُخُولِ الدَّارِ وَكَلَامِ أَجْنَبِيٍّ فَفَعَلَتْ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا لَمَّا أَقْدَمَتْ عَلَى إيجَادِ الشَّرْطِ مَعَ اسْتِغْنَائِهَا عَنْهُ فَقَدْ صَارَتْ رَاضِيَةً بِسُقُوطِ حَقِّهَا عَنْ مَالِهِ فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ، وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ فِعْلًا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ كَالْأَكْلِ، وَالشُّرْبِ، وَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَكَلَامِ الْأَبَوَيْنِ، أَوْ أَحَدٍ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا فَلَهَا الْمِيرَاثُ إذَا مَاتَ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، لِأَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ إلَى إيجَادِ هَذَا الشَّرْطِ؛ فَلَا تَصِيرُ بِالْإِقْدَامِ عَلَيْهِ رَاضِيَةً بِسُقُوطِ حَقِّهَا مِنْ مَالِهِ، وَتُقَاضِي دَيْنَهَا مِنْ الْفِعْلِ الَّذِي لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ، إذَا كَانَتْ تَخَافُ فَوْتَ حَقِّهَا بِتَرْكِ التَّقَاضِي، فَأَمَّا إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ فَفَعَلَتْ فِي الْمَرَضِ، فَإِنْ كَانَ لَهَا مِنْ الْفِعْلِ بُدٌّ فَلَا إشْكَالَ أَنَّهَا لَا تَرِثُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ الْفِعْلِ بُدٌّ فَلَهَا الْمِيرَاثَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَا مِيرَاثَ لَهَا فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ حِينَ عَلَّقَ الزَّوْجُ الطَّلَاقَ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي مَالِهِ حَقٌّ؛ فَلَا يُتَّهَمُ بِقَصْدِهِ الْفِرَارَ، وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ صُنْعٌ، وَأَكْثَرُ مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَنْعَدِمَ رِضَاهَا، أَوْ فِعْلُهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا لَا تَجِدُ مِنْهُ بُدًّا؛ فَيَكُونَ هَذَا كَالتَّعْلِيقِ بِفِعْلِ أَجْنَبِيٍّ، أَوْ بِمَجِيءِ رَأْسِ الشَّهْرِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ لَا تَرِثُ إذَا كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ فَكَذَلِكَ هُنَا، وَهُمَا يَقُولَانِ: هِيَ مُضْطَرَّةٌ إلَى الْإِقْدَامِ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ؛ فَإِنَّهَا إنْ لَمْ تُقْدِمْ تَخَافُ عَلَى نَفْسِهَا، أَوْ تَخَافُ الْعُقُوبَةَ، وَإِنْ أَقْدَمَتْ سَقَطَ حَقُّهَا فَكَانَتْ مُضْطَرَّةً مُلْجَأَةً، وَهُوَ الَّذِي أَلْجَأَهَا إلَى ذَلِكَ. وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمُلْجَأَ يَصِيرُ آلَةً لِلْمُلْجِئِ، وَالْفِعْلُ فِي الْحُكْمِ الْمَوْجُودِ مِنْ الْمُلْجِئِ كَالْمُكْرَهِ عَلَى إتْلَافِ الْمَالِ فَبِهَذَا الْمَعْنَى تَصِيرُ كَأَنَّ الْفِعْلَ وُجِدَ مِنْ الزَّوْجِ حُكْمًا فَلَهَا الْمِيرَاثُ. (قَالَ): وَإِذَا بَانَتْ بِالْإِيلَاءِ فِي مَرَضِهِ، فَإِنْ كَانَ الْإِيلَاءُ مِنْهُ فِي مَرَضِهِ فَلَهَا الْمِيرَاثُ إذَا مَاتَ، وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْإِيلَاءِ فِي صِحَّتِهِ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى فِي الْمَعْنَى يَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ: إنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَلَمْ أَقْرَبِك فِيهَا فَأَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي التَّعْلِيقِ بِمَجِيءِ الْوَقْتِ أَنَّهُ إنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الْمَرَضِ، فَلَهَا الْمِيرَاثُ، وَإِنْ كَانَ التَّعْلِيقُ فِي الصِّحَّةِ، فَلَا مِيرَاثَ لَهَا، فَكَذَلِكَ فِي الْإِيلَاءِ، وَلَوْ قَالَ الْمَرِيضُ لِامْرَأَتِهِ: إنْ شِئْتِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَشَاءَتْ، أَوْ خَيَّرَهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا لَمْ تَرِثْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِسُقُوطِ حَقِّهَا فَكَأَنَّهَا سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ، أَوْ

стр. 1299

اخْتَلَعَتْ مِنْهُ. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ لَهَا، وَهُوَ مَرِيضٌ: إذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَجَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، وَهُوَ صَحِيحٌ فَلَا مِيرَاثَ لَهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ آلَى مِنْهَا، وَهُوَ مَرِيضٌ وَتَمَّتْ الْمُدَّةُ، وَهُوَ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقٌّ فِي مَالِهِ فَكَأَنَّهُ نَجَّزَ طَلَاقَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَلَوْ قَالَ لَهَا، وَهُوَ صَحِيحٌ: إذَا مَرِضْتُ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَرِضَ وَمَاتَ وَرِثَتْهُ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنَجَّزِ، وَلَمَّا جَعَلَ الشَّرْطَ مَرَضَهُ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ بِمَرَضِهِ يَتَعَلَّقُ حَقُّهَا بِمَالِهِ فَقَدْ قَصَدَ الْفِرَارَ، وَكَانَ أَبُو الْقَاسِمِ الصَّفَّارُ يَقُولُ: لَا تَرِثُهُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ عَلَيْهَا عِنْدَ ابْتِدَاءِ مَرَضِهِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ هُوَ لَا يَكُونُ صَاحِبَ فِرَاشِ، وَالْمَرِيضُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ حَقُّ الْوَارِثِ بِمَالِهِ مَا يُضْنِيه وَيَجْعَلُهُ صَاحِبَ فِرَاشٍ، وَإِنْ قَالَ فِي مَرَضِهِ: قَدْ كُنْتُ طَلَّقْتُك ثَلَاثًا فِي صِحَّتِي وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا سَاعَةَ أَقَرَّ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ بِالْفِرَارِ بِهَذَا الْإِقْرَارِ، كَمَا يَكُون مُتَّهَمًا بِإِنْشَاءِ الطَّلَاقِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ فِي الْإِسْنَادِ إلَى حَالَةِ الصِّحَّةِ مُتَّهَمٌ فِي حَقِّهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَنْشَأَ الطَّلَاقَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَمْ يَسْقُطْ مِيرَاثُهَا؛ فَلِهَذَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ فِي حَقِّهَا. (قَالَ): وَإِنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ قَدْ جَامَعَ أُمَّ امْرَأَتِهِ فِي الصِّحَّةِ، أَوْ أَنَّ بَيْنَهُمَا رَضَاعًا، أَوْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ، أَوْ فِي عِدَّةِ مِنْ زَوْجٍ كَانَ لَهَا قَبْلَهُ لَمْ يُصَدَّقْ فِي إبْطَالِ مِيرَاثِهَا؛ لِكَوْنِهِ مُتَّهَمًا فِي ذَلِكَ، وَيُجْعَلُ هَذَا كَإِنْشَاءِ سَبَبِ الْفُرْقَةِ مِنْهُ (قَالَ): وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ فِي مَرَضِهِ: إذَا صَحَحْتُ فَأَنْتِ طَالِقٌ، ثُمَّ صَحَّ مِنْ مَرَضِهِ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا؛ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَلَا مِيرَاثَ لَهَا إنْ مَرِضَ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَاتَ؛ لِأَنَّهُ حِينَ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقٌّ فِي مَالِهِ؛ فَلَا يَكُونُ هُوَ قَاصِدًا الْفِرَارَ. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ أُقْتَلَ، أَوْ قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ مِنْ مَرَضِ كَذَا، وَكَذَا بِشَهْرٍ فَمَاتَ مِمَّا قَالَ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ مُضِيِّ شَهْرٍ، أَوْ بَعْدَهُ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّ مَا عُرِفَ الْوَقْتُ بِهِ لَيْسَ بِكَائِنٍ لَا مَحَالَةَ فَصَارَ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ بِمَنْزِلَةِ قُدُومِ فُلَانٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ، لَوَقَعَ بَعْدَهُ، وَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ مَا قُتِلَ؛ فَلِهَذَا لَا تَطْلُقُ، وَلَهَا الْمِيرَاثَ فَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرٍ وَنِصْفٍ، أَوْ بِأَقَلَّ مِنْ شَهْرَيْنِ فَمَاتَ بَعْدَ مُضِيِّ ذَلِكَ الْوَقْتِ الَّذِي قَالَهُ فَجْأَةً، أَوْ مَرِضَ، ثُمَّ مَاتَ؛ وَقَعَ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَبْلَ مَوْتِهِ كَمَا قَالَ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ وَعِنْدَهُمَا لَا تَطْلُقُ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ عِنْدَهُمَا الْمَوْتُ يَصِيرُ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ مُعَرِّفٌ لِلْوَقْتِ، فَإِنَّمَا يَقَعُ الطَّلَاقُ مِنْ أَوَّلِهِ، وَلَكِنَّ عِدَّتَهَا لَا تَنْقَضِي بِمَا دُونَ الشَّهْرَيْنِ، فَكَانَ لَهَا الْمِيرَاثُ وَيَصِيرُ الزَّوْجُ فَارًّا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ

стр. 1300

لَا يَقَعُ مَا لَمْ يُشْرِفْ عَلَى الْمَوْتِ وَيَتَعَلَّقُ حَقُّهَا بِمَالِهِ. وَإِنْ كَانَ قَالَ: قَبْلَ مَوْتِي بِشَهْرَيْنِ، أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ مُضِيِّ الشَّهْرَيْنِ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي أَضَافَ إلَيْهِ الطَّلَاقَ يُوجَدُ بَعْدَ كَلَامِهِ، وَإِنْ عَاشَ مِثْلَ مَا سَمَّى، أَوْ أَكْثَرَ، ثُمَّ مَاتَ وَقَعَ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِمَا سَمَّى، وَلَا مِيرَاث لَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْعِدَّةَ قَدْ تَنْقَضِيَ فِي شَهْرَيْنِ بِثَلَاثِ حِيَضٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ وَقْتَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ مَرِيضًا، إذَا كَانَ الْكَلَامُ فِي الصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً، أَوْ آيِسَةً فَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ مِنْ الْوَقْتِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، أَوْ أَكْثَرَ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَأَمَّا عِنْدَهُمَا لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ وَقَّتَ سَنَةً، وَلَهَا الْمِيرَاثُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا الْمَوْتُ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ فَلَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ لَوَقَعَ بَعْدَهُ (قَالَ): وَإِذَا قَالَ لَهَا، وَهُوَ صَحِيحٌ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا قَبْلَ مَوْتَى بِشَهْرٍ، ثُمَّ مَاتَ فَجْأَةً بِغَيْرِ مَرَضٍ فَلَهَا الْمِيرَاثُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْمَوْتَ فِيمَا وَقَعَ عَلَيْهَا مِنْ الطَّلَاقِ فَيَصِيرُ بِهِ فَارًّا مِنْ مِيرَاثِهَا، وَإِنْ اسْتَنَدَ الْوُقُوعُ إلَى حَالَةِ الصِّحَّةِ إذَا مَاتَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ. (قَالَ): وَإِذَا طَلَّقَ الْمَرِيضُ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً بَائِنَةً، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَعَلَيْهَا عِدَّةٌ مُسْتَقْبَلَةٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِاعْتِبَارِ أَنَّ الدُّخُولَ السَّابِقَ عَلَى الْعَقْدِ الثَّانِي يُجْعَلُ كَالْمَوْجُودِ بَعْدَهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ فَلَهَا الْمَهْرُ كَامِلًا، وَالْمِيرَاثُ، وَلَهُ عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ مَادَامَ فِي الْعِدَّةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الطَّلَاقُ الْأَوَّلُ فِي الصِّحَّةِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا، وَلَهَا نِصْفُ الْمَهْرِ، وَتُتِمُّ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنْ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي حَصَلَ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ حُكْمَ الْمِيرَاثِ، وَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُ عِنْد مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُلْزِمْهَا الْعِدَّةَ بِالطَّلَاقِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ قَبْلَ الدُّخُولِ وَحُكْمُ الْفِرَارِ لَا يَثْبُتُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ. (قَالَ): وَإِذَا اخْتَلَعَتْ نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا فِي مَرَضِهِ، أَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا فَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ بِفِعْلِهَا إمَّا بِقَبُولِهَا الْبَدَلَ، أَوْ بِإِيقَاعِهَا الطَّلَاقَ عَلَى نَفْسِهَا، وَهَذَا أَبْيَنُ فِي إسْقَاطِ حَقِّهَا مِنْ سُؤَالِ الطَّلَاقِ (قَالَ): وَإِذَا قَالَ الْمَرِيضُ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ أَمَةٌ: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا ثَلَاثًا، وَقَالَ الْمَوْلَى لَهَا: أَنْتِ حُرَّةٌ غَدًا فَجَاءَ الْغَدُ وَقَعَ الطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ مَعًا، وَلَا مِيرَاثَ لَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ حِينَ تَكَلَّمَ بِالطَّلَاقِ لَمْ يَقْصِدْ الْفِرَارَ إذْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقٌّ فِي مَالِهِ يَوْمئِذٍ؛ وَلِأَنَّ الطَّلَاقَ، وَالْعَتَاقَ يَقَعَانِ مَعًا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُضَافٌ إلَى الْغَدِ، ثُمَّ الْعِتْقُ يُصَادِفُهَا وَهِيَ رَقِيقَةٌ فَكَذَلِكَ
следующие страницы →