← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 5423

المبسوط للسرخسي

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (6 278 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

قُرْبَانَ الرَّابِعَةِ إلَّا بِكَفَّارَةٍ تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ يُتِمُّ شَرْطَ الْحِنْثِ بِقُرْبَانِهَا فَيَكُونُ مُولِيًا مِنْهَا وَيَكُونُ مَعْنَى كَلَامِهِ إنْ قَرُبْتُ ثَلَاثًا مِنْكُنَّ، فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُ الرَّابِعَةَ. (وَجْهُ قَوْلِنَا) أَنَّهُ مُضَارٌّ مُتَعَنِّتٌ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُنَّ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ فَيَكُونُ مُولِيًا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَمَا لَوْ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَى الِانْفِرَادِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِقُرْبَانِ بَعْضِهِنَّ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ مُوجِبُ الْحِنْثِ فَلَا تَجِبُ مَا لَمْ يَتِمَّ شَرْطُ الْحِنْثِ، وَلَكِنْ عِنْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ لَا يَكُونُ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِقُرْبَانِ الْآخِرَةِ فَقَطْ بَلْ بِقُرْبَانِهِنَّ جَمِيعًا فَأَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ بِاعْتِبَارِ الْبِرِّ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَهُنَا بِنَّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إنْ قَرُبْتُ ثَلَاثًا مِنْكُنَّ فَوَاَللَّهِ، لَا أَقْرَبُ الرَّابِعَةَ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ مَا عَقَدَ الْيَمِينَ فِي الْحَالِ بَلْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ فَلَا يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، فَإِنْ جَامَعَ بَعْضَهُنَّ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ سَقَطَ عَمَّنْ جَامَعَ مِنْهُنَّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَاءَ إلَيْهَا فِي الْمُدَّةِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَمَامِ شَرْطِ الْحِنْثِ فَإِذَا تَمَّتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بَانَتْ الَّتِي لَمْ يُجَامِعْهَا؛ لِأَنَّ الْفَيْءَ فِي حَقِّهَا لَمْ يُوجِبْ فَبَقِيَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّهَا فَتَبِينُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَلَوْ لَمْ يُجَامِعْ شَيْئًا مِنْهُنَّ، وَلَكِنْ طَلَّقَ إحْدَاهُنَّ ثَلَاثًا كَانَ مُولِيًا عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ حِنْثِهِ مُنْتَظِرٌ، إنْ جَامَعَهُنَّ حَنِثَ إذْ لَيْسَ فِي يَمِينِهِ تَقْيِيدُ الْجِمَاعِ بِمَا قَبْلَ الطَّلَاقِ، وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْ وَلَكِنْ مَاتَتْ إحْدَاهُنَّ بَطَلَ الْإِيلَاءُ عَنْهُنَّ؛ لِأَنَّ شَرْطَ حِنْثِهِ قَدْ فَاتَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِجِمَاعِ مَنْ بَقِيَ بَعْدَ هَذَا وَلَا بِجِمَاعِ الْمَيِّتَةِ، وَالْيَمِينُ لَا يَبْقَى بَعْدَ فَوَاتِ شَرْطِ الْحِنْثِ فَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ الْإِيلَاءُ عَنْهُنَّ. (قَالَ): وَإِنْ حَلَفَ لَا يَقْرَبُ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَهُوَ مُولٍ مِنْهُنَّ فَإِنْ مَضَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ بِنَّ جَمِيعًا. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: يَكُونُ مُولِيًا مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَتَّى إذَا مَضَتْ الْمُدَّةُ طَلُقَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِغَيْرِ عَيْنِهَا؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ عَنْ قُرْبَانِ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَرُبَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، وَحُكْمُ الطَّلَاقِ يَنْبَنِي عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الْقُرْبَانِ فَعِنْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَى إحْدَاهُنَّ بِغَيْرِ عَيْنِهَا كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُ إحْدَاكُنَّ، وَوَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْوَاحِدَةَ مُنَكِّرًا فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَانَ مَنْفِيٌّ، وَالنَّكِرَةُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ تَعُمُّ بِخِلَافِ النَّكِرَةِ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ رَأَيْت الْيَوْمَ رَجُلًا يَقْتَضِي رُؤْيَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ قَالَ مَا رَأَيْت الْيَوْمَ رَجُلًا يَقْتَضِي نَفْيَ رُؤْيَةِ جَمِيعِ الرِّجَالِ، وَهَذَا لِأَنَّ مَعْنَى التَّنْكِيرِ فِي مَحَلِّ الْفَيْءِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالتَّعْمِيمِ فَفِيمَا يَنْبَنِي عَلَى نَفْيِ الْقُرْبَانِ وَهُوَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عِنْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ يَتَنَاوَلُهُنَّ كَلَامُهُ جَمِيعًا وَفِيمَا يَنْبَنِي عَلَى وُجُودِ الْقُرْبَانِ وَهِيَ الْكَفَّارَةُ

стр. 1402

يَتَنَاوَلُ كَلَامُهُ إحْدَاهُنَّ فَلِهَذَا إذَا قَرُبَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَسَقَطَ الْإِيلَاءُ عَنْهُنَّ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ تَمَامِ الشَّرْطِ وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ إحْدَاكُنَّ فَإِنَّ مَعْنَى التَّعْمِيمِ هُنَاكَ لَا يَتَحَقَّقُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَرَنَ بِكَلَامِهِ حَرْفَ كُلٍّ بِأَنْ قَالَ: كُلُّ إحْدَاكُنَّ لَا يَتَنَاوَلُهُنَّ جَمِيعًا، وَهُنَا لَوْ قَرَنَ بِكَلَامِهِ حَرْفَ كُلٍّ فَقَالَ: كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ تَنَاوَلَهُنَّ جَمِيعًا فَكَذَلِكَ بِسَبَبِ التَّنْكِيرِ، وَإِنْ كَانَ نَوَى وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا دُونَ غَيْرِهَا فَهُوَ مُولٍ مِنْهَا خَاصَّةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَا نَوَاهُ مُحْتَمِلٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ وَنَوَى وَاحِدَةً بِعَيْنِهَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ فَكَذَلِكَ فِي الْإِيلَاءِ، وَلَكِنْ لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ. (قَالَ): وَإِذَا آلَى مِنْ وَاحِدَةٍ لَمْ يُسَمِّيهَا، وَلَمْ يَنْوِهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ يُوقِعُ الطَّلَاقَ عَلَى أَيَّتِهِنَّ شَاءَ فَتَبِينُ بِهِ وَحْدَهَا وَلَوْ أَرَادَ التَّعْيِينَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ لَمْ يَمْلِكْ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْيِيرَ حُكْمِ الْيَمِينِ فَإِنَّهُ قَبْلَ التَّعْيِينِ يَحْنَثُ بِقُرْبَانِ وَاحِدَةٍ أَيَّتُهُنَّ قَرُبَ، وَبَعْدَ التَّعْيِينِ لَا يَحْنَثُ بِقُرْبَانِ الْبَوَاقِي وَكَمَا لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حُكْمِ الْيَمِينِ لَا يَمْلِكُ تَغْيِيرَهُ، فَأَمَّا بَعْدَ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ مَلَكَ تَعْيِينَ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا تَغْيِيرُ حُكْمِ الْيَمِينِ، وَلَكِنَّهُ تَعْيِينُ الطَّلَاقِ الْمُبْهَمِ وَذَلِكَ إلَى الزَّوْجِ ثُمَّ إذَا عَيَّنَ الطَّلَاقَ فِي إحْدَاهُنَّ لَا يَتَعَيَّنُ يَمِينُهُ فِيهَا إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ. (قَالَ): وَإِذَا آلَى الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَسِيرَةُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ أَجْزَأَهُ إنْ فَاءَ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ الْجِمَاعِ فِي الْمُدَّةِ يَكُونُ فَيْؤُهُ بِاللِّسَانِ عِنْدَنَا، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْفَيْءُ بِاللِّسَانِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالْفَيْءِ حُكْمَانِ: وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ، وَامْتِنَاعُ حُكْمِ الْفُرْقَةِ ثُمَّ الْفَيْءُ بِاللِّسَانِ لَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ، فَكَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ الْآخَرِ، وَلَكِنَّا نَقُولُ الْكَفَّارَةُ تَجِبُ بِالْحِنْثِ وَالْحِنْثُ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْفَيْءِ بِاللِّسَانِ، فَأَمَّا وُقُوعُ الطَّلَاقِ عِنْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْإِضْرَارِ وَالتَّعَنُّتِ وَذَلِكَ يَنْعَدِمُ فِي الْفَيْءِ بِاللِّسَانِ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْفَيْءِ بِالْجِمَاعِ فَكَانَ الْفَيْءُ بِالْجِمَاعِ أَصْلًا وَبِاللِّسَانِ بَدَلًا عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْفَيْءَ عِبَارَةٌ عَنْ الرُّجُوعِ، وَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْجِمَاعِ فَإِنَّمَا قَصَدَ الْإِضْرَارَ وَالتَّعَنُّتَ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ فَفَيْؤُهُ بِالرُّجُوعِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ يُجَامِعَهَا وَإِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ الْجِمَاعِ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ الْإِضْرَارَ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْجِمَاعِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِإِيحَاشِهَا بِلِسَانِهِ فَفَيْؤُهُ بِالرُّجُوعِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ يُرْضِيَهَا بِلِسَانِهِ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ بِحَسَبِ الْجِنَايَةِ، ثُمَّ الْعَجْزُ عَنْ الْجِمَاعِ تَارَةً يَكُونُ بِبُعْدِ الْمَسَافَةِ وَتَارَةً بِالْمَرَضِ فَإِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرُ

стр. 1403

فَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ جِمَاعِهَا فِي الْمُدَّةِ فَيَكُونُ فَيْؤُهُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْجِمَاعِ فَلَا يَكُونُ فَيْؤُهُ إلَّا بِالْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْبَدَلِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْأَصْلِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَرِيضًا حِينَ آلَى فَفَيْؤُهُ الرِّضَا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ إنْ تَمَّتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَهُوَ مَرِيضٌ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْجِمَاعِ لِمَرَضِهِ وَكَذَلِكَ إنْ اتَّصَلَ مَرَضُهُ بِالْإِيلَاءِ فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا حِينَ آلَى وَبَقِيَ صَحِيحًا بَعْدَ إيلَائِهِ مِقْدَارَ مَا يَسْتَطِيعُ فِيهِ أَنْ يُجَامِعَهَا ثُمَّ مَرِضَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَيْؤُهُ إلَّا بِالْجِمَاعِ، وَقَالَ زُفَرُ فَيْؤُهُ بِاللِّسَانِ لِتَحَقُّقِ عَجْزِهِ عَنْ الْجِمَاعِ وَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُ آخِرُ الْمُدَّةِ كَمَا لَوْ كَانَ وَاجِدًا لِلْمَاءِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ حَتَّى عَدِمَ الْمَاءَ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ وَلَكِنَّا نَقُولُ لَمَّا تَمَكَّنَ مِنْ جِمَاعِهَا فَقَدْ تَحَقَّقَ مِنْهُ الْإِضْرَارُ، وَالتَّعَنُّتُ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ فَلَا يَكُونُ رُجُوعُهُ إلَّا بِإِيفَاءِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مَرِيضًا حِينَ آلَى ثُمَّ صَحَّ قَبْلَ تَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ فَيْؤُهُ إلَّا بِالْجِمَاعِ وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ فَاءَ إلَيْهَا فِي مَرَضِهِ أَوْ لَمْ يَفِئْ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ فَإِنَّ تَمَامَ الْمَقْصُودِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَسَقَطَ اعْتِبَارُ حُكْمِ الْبَدَلِ بِهَذِهِ الْقُدْرَةِ كَالْمُتَيَمِّمِ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَرِيضَةً أَوْ صَغِيرَةً لَا تُجَامَعُ فَفَيْؤُهُ الرِّضَا بِاللِّسَانِ وَذَكَرَ فِي اخْتِلَافِ زُفَرَ وَيَعْقُوبَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: أَنَّ الزَّوْجَ إذَا كَانَ مَرِيضًا حِينَ آلَى ثُمَّ مَرِضَتْ الْمَرْأَةُ ثُمَّ صَحَّ الزَّوْجُ قَبْلَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَفَيْؤُهُ الرِّضَا بِاللِّسَانِ عِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَ مَرَضِهَا فِي الْمَنْعِ مِنْ الْجِمَاعِ كَتَأْثِيرِ مَرَضِهِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ: لَا يَكُونُ فَيْؤُهُ إلَّا بِالْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ الَّذِي كَانَ لِأَجْلِهِ فَيْؤُهُ الرِّضَا بِاللِّسَانِ قَدْ زَالَ قَبْلَ تَمَامِ الْمُدَّةِ فَكَانَ ذَلِكَ كَالْمَعْلُومِ أَصْلًا، وَلَوْ كَانَا مُحْرِمَيْنِ بِالْحَجِّ أَوْ أَحَدُهُمَا فَآلَى وَقْتَ أَدَاءِ الْحَجِّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ فَيْؤُهُ إلَّا بِالْجِمَاعِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ حَرَامًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: فَيْؤُهُ الرِّضَا بِاللِّسَانِ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ جِمَاعِهَا فِي الْمُدَّةِ شَرْعًا فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ مَمْنُوعًا حِسًّا بِبُعْدِ الْمَسَافَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ خَلَى بِامْرَأَتِهِ وَأَحَدُهُمَا مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ لَمْ تَصِحَّ الْخَلْوَةُ كَمَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا ثَالِثٌ وَمَتَى وَطِئَهَا بَعْدَ الْفَيْءِ بِاللِّسَانِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْفَيْءَ بِاللِّسَانِ يَمْنَعُ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، وَلَا يَرْتَفِعُ الْيَمِينُ فَيَتَحَقَّقُ شَرْطُ الْحِنْثِ مَتَى جَامَعَهَا. (قَالَ): وَإِيلَاءُ النَّائِمِ وَالصَّبِيِّ، وَالْمَجْنُونِ، وَالْمَعْتُوهِ الَّذِي يَهْذِي بَاطِلٌ بِمَنْزِلَةِ طَلَاقِ هَؤُلَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْيَمِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ لَا يَنْعَقِدُ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي اللُّزُومِ (قَالَ): وَإِذَا آلَى الرَّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا أَبَدًا ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا بَطَلَ الْإِيلَاءُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ طَلَاقٌ مُؤَجَّلٌ فَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ عَلَى

стр. 1404

التَّطْلِيقَاتِ الْمَمْلُوكَةِ وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْدَ وُقُوعِ الثَّلَاثِ عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ لَوْ بَانَتْ بِالْإِيلَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَإِنْ قَرُبَهَا كَفَّرَ يَمِينَهُ؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ لِنَفَاذِ مِلْكِ الطَّلَاقِ فَقَدْ بَقِيَتْ الْيَمِينُ فَإِذَا قَرُبَهَا تَمَّ شَرْطُ الْحِنْثِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ بَقَاءِ الْيَمِينِ حُكْمُ الْإِيلَاءِ كَمَا لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا وَإِنْ قَرُبَهَا كَفَّرَ يَمِينَهُ وَإِنْ كَانَ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً بَائِنَةً فَإِنْ تَمَّتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ وَقَعَتْ عَلَيْهَا تَطْلِيقَةٌ بِالْإِيلَاءِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي الْعِدَّةِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْمُولِي فِي الْمَعْنَى كَالْمُعَلِّقِ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً بِمُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ قَبْلَ أَنْ يَفِيءَ إلَيْهَا وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ فِي الْمِلْكِ فَلَا يَبْطُلُ بِالْبَيْنُونَةِ، وَلَكِنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهَا إلَّا فِي الْعِدَّةِ فَإِذَا تَمَّتْ الْعِدَّةُ وَهِيَ مَحَلٌّ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا طَلُقَتْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَحَلًّا بِأَنْ كَانَتْ مُنْقَضِيَةَ الْعِدَّةِ لَمْ تَطْلُقْ فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا فَهُوَ مُولٍ مِنْهَا وَتَسْتَأْنِفُ شُهُورَ الْإِيلَاءِ مِنْ حِينِ تَزَوَّجَهَا، وَلَا يَحْتَسِبُ بِمَا مَضَى مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ لَا تَنْعَقِدُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ إذْ لَيْسَ لَهُ عَلَى الْمَحَلِّ مِلْكٌ وَلَا يَدٌ فَإِنَّمَا يَكُونُ ابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنْ حِينِ تَزَوَّجَهَا وَلَوْ كَانَ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ يَحْتَسِبُ بِمَا مَضَى مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا مَا بَقِيَتْ فِي الْعِدَّةِ فَهِيَ مَحَلٌّ لِوُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا فَيَبْقَى حُكْمُ الْمُدَّةِ، أَرَأَيْتَ لَوْ تَزَوَّجَتْ بِزَوْجٍ آخَرَ أَكَانَ يَبْقَى حُكْمُ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ، وَكَذَلِكَ بَعْدَ مَا حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ بِانْقِضَاءِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ. (قَالَ): وَلَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً ثُمَّ آلَى مِنْهَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا وَإِنْ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِيلَاءِ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ، وَلَا حَقَّ لَهَا فِي الْجِمَاعِ بَعْدَ مَا بَانَتْ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْإِيلَاءِ إزَالَةُ ظُلْمِ التَّعْلِيقِ عَنْهَا وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ فِي الْأَصْلِ إيلَاءً لَا يَصِيرُ إيلَاءً وَإِنْ تَزَوَّجَهَا كَمَا فِي الْأَجْنَبِيَّةِ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ؛ لِأَنَّ أَصْلَ كَلَامِهِ هُنَاكَ كَانَ إيلَاءً صَحِيحًا فَلَا يَبْطُلُ بِالْبَيْنُونَةِ وَانْقِضَاءُ الْعِدَّةِ وَإِنْ بَطَلَتْ الْمُدَّةُ لِخُرُوجِهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِطَلَاقِهِ فَإِذَا تَزَوَّجَهَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا مِنْهَا وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ فَصْلًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ فَبَانَتْ بِمُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ هَلْ تَنْعَقِدُ مُدَّةٌ أُخْرَى قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا أَمْ لَا وَكَانَ أَبُو سَهْلٍ ﵀ يَقُولُ تَنْعَقِدُ حَتَّى إذَا تَمَّتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَقَعَتْ تَطْلِيقَةً أُخْرَى، وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةُ، قَالَ: لِأَنَّ مَعْنَى الْإِيلَاءِ كُلَّمَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلَمْ أَقْرَبْكِ فِيهِنَّ فَأَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً، وَلَوْ صَرَّحَ بِهَذَا كَانَ الْحُكْمُ مَا بَيَّنَّا. وَفِقْهُهُ أَنَّ انْعِقَادَ الْمُدَّةِ مِنْ حُكْمِ بَقَاءِ الْيَمِينِ هُنَا، وَابْتِدَاءُ الْيَمِينِ لَا يَنْعَقِدُ إيلَاءً بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ وَلَكِنَّهَا تَبْقَى بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَمَّتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَهُوَ مَجْنُونٌ

стр. 1405

ثُمَّ زَوَّجَهَا وَلِيُّهُ مِنْهُ انْعَقَدَتْ مُدَّةُ الْإِيلَاءِ وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاءُ الْيَمِينِ مِنْ الْمَجْنُونِ لَا يَصِحُّ، وَكَانَ الْكَرْخِيُّ ﵁ يَقُولُ: لَا تَنْعَقِدُ الْمُدَّةُ الثَّانِيَةُ مَا لَمْ يَتَزَوَّجْهَا وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ فِي انْعِقَادِ الْمُدَّةِ ابْتِدَاءً لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ مَعْنَى الْإِضْرَارِ، وَذَلِكَ لَا يَتَقَرَّرُ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ مَا لَمْ يَتَزَوَّجْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهَا فِي الْجِمَاعِ فَلِهَذَا لَمْ تَنْعَقِدْ الْمُدَّةُ مَا لَمْ يَتَزَوَّجْهَا. (قَالَ): وَلَوْ آلَى مِنْ أَمَتِهِ أَوْ أُمِّ وَلَدِهِ لَا يَكُونُ مُولِيًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبَّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وَهَذِهِ لَيْسَتْ مِنْ نِسَائِهِ؛ وَلِأَنَّ الْإِيلَاءَ طَلَاقٌ مُؤَجَّلٌ وَالْمَمْلُوكَةُ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِلطَّلَاقِ. وَلِأَنَّ حُكْمَ الْإِيلَاءِ مَنْعُ الْقُرْبَانِ الْمُسْتَحَقِّ، وَالْأَمَةُ لَا تَسْتَحِقُّ ذَلِكَ عَلَى الْمُولِي، وَكَذَلِكَ لَوْ آلَى مِنْ أَجْنَبِيَّةٍ فَهُوَ بَاطِلٌ لِهَذِهِ الْمَعَانِي بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إنْ تَزَوَّجْتُك فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك فَتَزَوَّجَهَا كَانَ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْإِيلَاءَ بِالتَّزَوُّجِ، وَالْمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنَجَّزِ. وَإِنْ حَلَفَ لَا يَقْرَبُ امْرَأَتَهُ إلَّا فِي أَرْضِ كَذَا وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ تِلْكَ الْأَرْضِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا فِي الْمُدَّةِ إلَّا بِحِنْثٍ يَلْزَمُهُ فَإِنَّ الْمُسْتَثْنَى مَكَانٌ لَا يَصِلُ إلَيْهِ فِي الْمُدَّةِ فَلِهَذَا كَانَ مُولِيًا (قَالَ): وَلَوْ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ وَهُوَ فِي سِجْنٍ أَوْ حَبْسٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَيْءٌ إلَّا الْجِمَاعُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَخْرُجَ إلَيْهَا فَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَدْخُلَ إلَيْهِ لِيُجَامِعَهَا فَإِنَّ السِّجْنَ مَوْضِعٌ لِلْمُجَامَعَةِ وَمَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ لَا عِبْرَةَ لِلْبَدَلِ (قَالَ): وَإِنْ أَصَابَ الْمُولِي مِنْ امْرَأَتِهِ مَا دُونَ الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَيْئًا؛ لِأَنَّ حَقَّهَا فِي الْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ فَلَا يَتَأَدَّى بِمَا دُونَهُ وَالْفَيْءُ مَا فِيهِ إيفَاءُ حَقِّهَا وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ قَدْ جَامَعَهَا فَإِنْ ادَّعَى فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَإِنْ ادَّعَى ذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الْمَعْرُوفِ أَنَّهُ مَتَى أَقَرَّ بِمَا يَمْلِكُ إنْشَاءَهُ لَا يَكُونُ مُتَّهَمًا، فَلَوْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ عَلَى مَقَالَتِهِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ أَنَّهُ قَدْ جَامَعَهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ مِنْ إقْرَارِهِ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ وَهِيَ مِنْ أَعْجَبِ الْمَسَائِلِ أَنْ لَا يُقْبَلَ إقْرَارُهُ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، ثُمَّ يَتَمَكَّنُ مِنْ إثْبَاتِهِ بِالْبَيِّنَةِ وَكَذَلِكَ إنْ صَدَّقَتْهُ الْمَرْأَةُ فَالْحَقُّ لَهُمَا لَا يَعْدُوهُمَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَسَعُهَا أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ إذَا كَانَتْ تَعْلَمُ كَذِبَهُ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَإِذَا عَلِمَتْ هِيَ عَلَيْهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا مِنْهُ بِأَنْ تَهْرَبَ أَوْ تَفْتَدِيَ بِمَالِهَا إلَّا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا نِكَاحًا جَدِيدًا. (قَالَ): وَلَوْ آلَى مِنْهَا بَعْدَ مَا طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً رَجْعِيَّةً فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّ جِمَاعَهَا لَهُ حَلَالٌ، فَإِنْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ سَقَطَ حُكْمُ الْإِيلَاءِ لِخُرُوجِهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِطَلَاقِهِ فَإِذَا تَزَوَّجَهَا يَسْتَقْبِلُ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ مِنْ حِينِ تَزَوَّجَهَا. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ. . (قَالَ): وَإِذَا آلَى الرَّجُلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ تَكْرَارَ

стр. 1406

يَمِينٍ وَاحِدَةً فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إذَا قَرُبَهَا، وَلَا يَقَعُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ إلَّا تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ إنْ لَمْ يَقْرَبْهَا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ لِوَاحِدٍ قَدْ يُكَرَّرُ وَلَا يُرَادُ حُكْمُهُ بِالتَّكْرَارِ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ التَّغْلِيظَ وَالتَّجْدِيدَ فَإِنْ قَرُبَهَا فَعَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّغْلِيظِ تَجَدُّدُ عَقْدِ الْيَمِينِ فَكَانَ حَالِفًا بِثَلَاثَةِ أَيْمَانٍ وَبِالْقُرْبَانِ مَرَّةً يَتِمُّ شَرْطُ الْحِنْثِ فِي الْأَيْمَانِ كُلِّهَا، وَإِنْ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى مَضَتْ الْمُدَّةُ فَفِي الْقِيَاسِ تَطْلُقُ ثَلَاثًا يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى إذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَا يَقَعُ إلَّا وَاحِدَةً، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - تَبِينُ بِتَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ سَوَاءٌ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا. وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ ابْتِدَاءَ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ مِنْ الْوَقْتِ الْمُتَّصِلِ بِعَقْدِ الْيَمِينِ وَفِي الْإِيلَاءِ الْمُعْتَبَرُ أَوَّلُ الْمُدَّةِ فَقَدْ انْعَقَدَتْ بِاعْتِبَارِ كُلِّ يَمِينٍ مُدَّةً فَيَقَعُ عِنْدَ تَمَامِ كُلِّ مُدَّةٍ تَطْلِيقَةً حَتَّى تَبِينَ بِثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأَيْمَانُ فِي مَجَالِسَ مُخْتَلِفَةٍ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ يَتَأَخَّرُ انْعِقَادُ الْمُدَّةِ بَعْدَ الْيَمِينِ إلَى حَالِ افْتِرَاقِهِمَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ بَقِيَا فِي الْمَجْلِسِ يَوْمًا أَوْ أَكْثَرَ فَتَمَّتْ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ حَلَفَ بَانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمَجْلِسَ وَالْمَجَالِسَ فِي هَذَا الْحُكْمِ سَوَاءٌ كَمَا فِي حُكْمِ الْحِنْثِ، وَهُوَ الْكَفَّارَةُ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمَجْلِسَ الْوَاحِدَ يَجْمَعُ الْكَلِمَاتِ الْمُتَفَرِّقَةَ وَيَجْعَلُهَا كَالْمَوْجُودِ جُمْلَةً بِدَلِيلِ الْقَبُولِ مَعَ الْإِيجَابِ إذَا وُجِدَا فِي الْمَجْلِسِ يَجْعَلُ كَأَنَّهُمَا وُجِدَا مَعًا وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ لَوْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ جَعَلَ كَأَنَّهُ أَوْقَعَ الثَّلَاثَ جُمْلَةً حَتَّى يَسْتَحِقَّ جَمِيعَ الْأَلْفِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا قُلْنَا: حَالَةُ الْمَجْلِسِ كَحَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يَنْعَقِدُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ إلَّا مُدَّةً وَاحِدَةً فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ الْأَيْمَانُ كَمَا لَوْ قَالَ إذَا جَاءَ غَدٌ فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ ثَانِيًا، وَثَالِثًا ثُمَّ جَاءَ الْغَدُ تَنْعَقِدُ ثَلَاثَةَ أَيْمَانٍ فِي حُكْمِ الْكَفَّارَةِ، وَمُدَّةً وَاحِدَةً فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ، وَبِهَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بِالْآخَرِ وَعَلَى عَكْسِ هَذَا لَوْ قَالَ كُلَّمَا دَخَلْتُ الدَّارَ فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك فَدَخَلَ الدَّارَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تَنْعَقِدُ ثَلَاثَ إيلَاءَاتٍ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ، وَلَوْ قَرُبَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا كَفَّارَةً وَاحِدَةً وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْأَيْمَانُ فِي مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ هُنَاكَ مَا يَجْمَعُ الْأَحْوَالَ فَاعْتَبَرْنَا كُلَّ حَالَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَانْعَقَدَتْ مُدَّةٌ جَدِيدَةٌ لِتَجْدِيدِ الْيَمِينِ فِي كُلِّ حَالَةٍ. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ لَهَا: إنْ قَرُبْتُك فَعَلَيَّ يَمِينٌ أَوْ عَلَيَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فَعَلَيَّ يَمِينٌ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَإِنَّ مُوجِبَ الْيَمِينِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْحِنْثِ فَقَدْ صَارَتْ بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا فِي الْمُدَّةِ إلَّا بِكَفَّارَةٍ تَلْزَمُهُ (قَالَ): وَإِيلَاءُ الْحُرَّةِ

стр. 1407

أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ تَحْتَ حُرٍّ كَانَتْ أَوْ تَحْتَ عَبْدٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] وَاَلَّذِينَ يَتَنَاوَلُ الْأَحْرَارَ وَالْعَبِيدَ، وَإِيلَاءُ الْأَمَةِ شَهْرَانِ عِنْدَنَا، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْمُدَّةَ فُسْحَةٌ لِلزَّوْجِ لَا عَلَيْهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِرِقِّهَا وَلَا بِحُرِّيَّتِهَا، وَلَكِنَّا نَقُولُ: مُدَّةُ الْإِيلَاءِ مَذْكُورَةٌ فِي الْقُرْآنِ بِلَفْظِ التَّرَبُّصِ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ بِالنِّكَاحِ فَيَتَنَصَّفُ بِالرِّقِّ كَمُدَّةِ الْعِدَّةِ وَفِي الْعِدَّةِ مَعْنَى الْفُسْحَةِ لِلزَّوْجِ خُصُوصًا مِنْ عِدَّةٍ فِي طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ ثُمَّ تُنَصَّفُ بِرِقِّهَا (قَالَ): وَالْمَرِيضُ الَّذِي يَهْذِي فِي الْإِيلَاءِ كَالنَّائِمِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. (قَالَ): وَإِيلَاءُ الْأَخْرَسِ جَائِزٌ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْكُنْيَةَ وَالْإِشَارَةَ مِنْهُ إذَا كَانَتْ تُعْرَفُ بِمَنْزِلَةِ عِبَارَةِ النَّاطِقِ (قَالَ): وَإِنْ قَالَ إنْ قَرُبْتُك فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا فِي الْمُدَّةِ إلَّا بِظِهَارٍ يَلْزَمُهُ، وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ إنْ قَرُبْتُك فَأَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَهُوَ يَنْوِي الطَّلَاقَ بِذَلِكَ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا فِي الْمُدَّةِ إلَّا بِطَلَاقٍ يَلْزَمُهُ وَإِنْ كَانَ يَنْوِي الْيَمِينَ فَهُوَ مُولٍ أَيْضًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَلَا يَكُونُ مُولِيًا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - مَا لَمْ يُقِرَّ بِهَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ عِنْدَ إرَادَةِ الْيَمِينِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك حَتَّى لَوْ أَرْسَلَهُ كَانَ بِهِ مُولِيًا فِي الْحَالِ فَإِذَا عَلَّقَهُ بِالْقُرْبَانِ لَا يَصِيرُ بِهِ مُولِيًا إلَّا بَعْدَ الْقُرْبَانِ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ قَرُبْتُك فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: صَارَ مَمْنُوعًا عَنْ قُرْبَانِهَا فِي الْمُدَّةِ حِينَ عَلَّقَ بِالْقُرْبَانِ حُرْمَتَهَا عَلَيْهِ فَيَكُونُ مُولِيًا فِي الْحَالِ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ قَرُبْتُك فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ مُوجِبُهُ التَّحْرِيمِ إلَى وَقْتِ الْكَفَّارَةِ وَلَوْ قَالَ لَهَا: أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ أَوْ كَالدَّمِ يَعْنِي التَّحْرِيمَ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِمُحَرَّمَةِ الْعَيْنِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ كَامْرَأَةِ فُلَانٍ وَقَدْ كَانَ فُلَانٌ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ يَنْوِي الْإِيلَاءَ كَانَ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِامْرَأَةِ فُلَانٍ، وَقَدْ يَكُونُ التَّشْبِيهُ فِي وَصْفٍ خَاصٍّ فَإِذَا نَوَى التَّحْرِيمَ أَوْ الْإِيلَاءَ فَقَدْ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ فَيَكُونُ مُولِيًا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ. (قَالَ): وَإِنْ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَةٍ لَهُ أُخْرَى: قَدْ أَشْرَكْتُك فِي إيلَاءِ هَذِهِ كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّ الْإِشْرَاكَ يُغَيِّرُ حُكْمَ يَمِينِهِ فَإِنَّ قَبْلَ الْإِشْرَاكِ كَانَ يَحْنَثُ بِقُرْبَانِ الْأُولَى، وَبَعْدَ الْإِشْرَاكِ لَا يَحْنَثُ بِقُرْبَانِ الْأُولَى مَا لَمْ يَقْرَبْهُمَا كَمَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُمَا وَهُوَ لَا يَمْلِكُ تَغْيِيرَ حُكْمِ الْيَمِينِ مَعَ بَقَائِهِ، وَلَوْ صَحَّ مِنْهُ هَذَا الْإِشْرَاكَ لَكَانَ يُشْرِكُ أَجْنَبِيَّةً مَعَ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ يَقْرَبُ امْرَأَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَبِهَذَا فَارَقَ الظِّهَارَ؛ لِأَنَّ إشْرَاكَ الثَّانِيَةِ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الظِّهَارِ فِي الْأُولَى، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ فِي

стр. 1408

الْإِيلَاءِ لِلْمَرْأَةِ الثَّانِيَةِ: أَنْتِ عَلَيَّ مِثْلَ هَذِهِ يَنْوِي الْإِيلَاءَ فِيهَا فَبِهَذَا لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّ الْأُولَى، وَيَصِحُّ مِنْهُ عَقْدُ الْإِيلَاءِ فِي حَقِّ الثَّانِيَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ. (قَالَ): وَإِذَا آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ، وَهِيَ أَمَةٌ ثُمَّ أُعْتِقَتْ قَبْلَ انْقِضَاءِ شَهْرَيْنِ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ آلَى؛ لِأَنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ نَظِيرُ مُدَّةِ الْعِدَّةِ مِنْ طَلَاقِ رَجْعِيٍّ مِنْ حَيْثُ إنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ لَا يَرْتَفِعُ مَعَ بَقَائِهَا، وَالْمُعْتَقَةُ بَعْدَ الطَّلَاقِ هُنَاكَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْحُرَّةِ عِنْدَ الطَّلَاقِ وَكَذَلِكَ هُنَا وَهَذَا؛ لِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ تَمَّ عَلَيْهَا لَمَّا تَمَّ حِلُّهَا بِالْعِتْقِ، وَلَا يَزُولُ الْمِلْكُ التَّامُّ إلَّا بِمُدَّةٍ تَامَّةٍ. (قَالَ): وَلَوْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا فِي الشَّهْرَيْنِ تَطْلِيقَةً بَائِنَةً ثُمَّ أُعْتِقَتْ فِيهِمَا كَانَتْ عِدَّتُهَا لِلطَّلَاقِ عِدَّةَ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا أُعْتِقَتْ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ، وَمُدَّةُ إيلَائِهَا مُدَّةُ الْحُرَّةِ؛ لِأَنَّهَا أُعْتِقَتْ قَبْلَ تَمَامِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ فَكَانَ فِي حُكْمِ الْإِيلَاءِ هَذَا وَمَا لَوْ كَانَتْ حُرَّةً حِينَ آلَى مِنْهَا سَوَاءٌ، وَقَدْ طَعَنَ بَعْضُهُمْ الْجَوَابَ فَقَالُوا لَمْ يَتِمَّ مِلْكُهُ عَلَيْهَا بِهَذَا الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهَا عَتَقَتْ بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مُدَّةُ إيلَائِهَا شَهْرَيْنِ كَمَا فِي حُكْمِ الْعِدَّةِ. وَلَكِنَّا نَقُولُ: الطَّلَاقُ الْوَاقِعُ لَيْسَ مِنْ حُكْمِ الْإِيلَاءِ فِي شَيْءٍ فَالْبَائِنُ وَالرَّجْعِيُّ فِيهِ سَوَاءٌ، وَلَوْ كَانَ رَجْعِيًّا صَارَتْ مُدَّةُ إيلَائِهَا بِالْعِتْقِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بِالنَّصِّ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَتْ بَائِنَةً بِخِلَافِ الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَعْقُبُ الطَّلَاقَ فَيُعْتَبَرُ فِيهَا صِفَةُ الطَّلَاقِ؛ وَلِأَنَّ فِي زِيَادَةِ مُدَّةِ الْعِدَّةِ بِالْعِتْقِ إضْرَارًا بِهَا؛ لِأَنَّهَا تُمْنَعُ مِنْ الْأَزْوَاجِ فِي الْعِدَّةِ وَلَيْسَ فِي زِيَادَةِ مُدَّةِ الْإِيلَاءِ بِالْعِتْقِ إضْرَارٌ بِهَا فَلِهَذَا كَانَ الْمُعْتَبَرُ حُصُولُ الْعِتْقِ مَعَ بَقَاءِ الْمُدَّةِ. (قَالَ): وَإِنْ حَلَفَ لَا يَقْرَبُ امْرَأَتَهُ وَامْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً مَعَهَا حُرَّةً أَوْ أَمَةً لَمْ يَكُنْ مُولِيًا مِنْ امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ وَهُوَ لَيْسَ بِمُولٍ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيَّةِ، فَلَا يُعْتَبَرُ قُرْبَانُ الْأَجْنَبِيَّةِ فِي حُكْمِ الْإِيلَاءِ مِنْ امْرَأَتِهِ، وَإِنْ اعْتَبَرَ حَالَ امْرَأَتِهِ وَحْدَهَا وَهُوَ يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا مِنْهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: لِامْرَأَتَيْنِ لَهُ لَا أَقْرَبُكُمَا لِأَنَّهُمَا مُسْتَوِيَتَانِ فِي حُكْمِ الْإِيلَاءِ هُنَاكَ فَيُجْعَلَانِ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهُمَا إلَّا بِكَفَّارَةٍ تَلْزَمُهُ فَكَانَ مُولِيًا مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ، فَإِنْ جَامَعَ الْأَجْنَبِيَّةَ صَارَ مُولِيًا مِنْ امْرَأَتِهِ مِنْ السَّاعَةِ الَّتِي جَامَعَ فِيهَا تِلْكَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِحَالٍ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا إلَّا بِكَفَّارَةٍ تَلْزَمُهُ فَيَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْإِضْرَارِ وَالتَّعَنُّتِ فِي حَقِّهَا الْآنَ فَيَكُونُ مُولِيًا مِنْهَا وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك إذَا أَتَيْتُ مَكَانَ كَذَا لَا يَكُونُ مُولِيًا مَا لَمْ يَأْتِ ذَلِكَ الْمَكَانِ أَوْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك إذَا جَامَعْت هَذِهِ الْأَجْنَبِيَّةَ فَإِذَا جَامَعَهَا كَانَ مُولِيًا مِنْ امْرَأَتِهِ. (قَالَ): وَإِنْ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ ارْتَدَّتْ وَلَحِقَتْ بِدَارُ الْحَرْبِ ثُمَّ سُبِيَتْ فَأَسْلَمَتْ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَهُوَ مُولٍ مِنْهَا إنْ مَضَى شَهْرَانِ مِنْ يَوْمِ

стр. 1409

تَزَوَّجَهَا بَانَتْ بِالْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا يَبْطُلُ بِلَحَاقِهَا فَإِنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ مُنْتَظَرٌ بَعْدُ. وَأَصْلُ كَلَامِهِ كَانَ إيلَاءً صَحِيحًا، فَإِذَا تَزَوَّجَهَا مَعَ بَقَاءِ تِلْكَ الْيَمِينِ كَانَ مُولِيًا مِنْهَا حِينَ تَزَوَّجَهَا، وَإِنَّمَا انْعَقَدَتْ الْمُدَّةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ أَمَةٌ، وَمُدَّةُ إيلَاءِ الْأَمَةِ شَهْرَانِ. (قَالَ): وَإِنْ آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ وَهِيَ أَمَةٌ ثُمَّ اشْتَرَاهَا سَقَطَ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِحَيْثُ لَا يَقَعُ طَلَاقُهَا عَلَيْهَا، وَمُوجِبُ الْمُدَّةِ الْمُنْعَقِدَةُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عِنْدَ مُضِيِّهَا فَإِذَا خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِذَلِكَ سَقَطَ حُكْمُ تِلْكَ الْمُدَّةِ، كَمَا لَوْ أَبَانَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَإِنْ بَاعَهَا أَوْ أَعْتَقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، فَهُوَ مُولٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ بِحَالٍ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا، وَالْيَمِينُ بَاقِيَةٌ فَتَنْعَقِدُ الْمُدَّةُ مِنْ حِينِ تَزَوَّجَهَا، وَكَذَلِكَ الْحُرَّةُ إذَا اشْتَرَتْ زَوْجَهَا فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ عِصْمَةَ النِّكَاحِ تَنْقَطِعُ بِالْمِلْكِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ عَلَيْهَا، فَإِنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ مَحَلًّا لِطَلَاقِهِ بِاعْتِبَارِ مِلْكِ الْيَدِ لَهُ عَلَيْهَا، وَمِلْكُ الْيَمِينِ كَمَا يُنَافِي أَصْلَ مِلْكِ النِّكَاحِ يُنَافِي مِلْكَ الْيَدِ الثَّابِتِ بِالنِّكَاحِ، وَلِهَذَا لَا تَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى فِي عِدَّتِهَا. (قَالَ) وَإِذَا حَلَفَ الْعَبْدُ بِالْعِتْقِ أَوْ الصَّدَقَةِ أَنْ لَا يَقْرَبَ امْرَأَتَهُ لَا يَكُونُ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ، فَإِنَّهُ لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ، وَمُرَادُهُ مِنْ الصَّدَقَةِ أَنْ يَلْتَزِمَ الصَّدَقَةَ بِمَالٍ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ الْمَالَ فَيَكُونُ الْتِزَامُهُ التَّصَدُّقَ بِهِ لَغْوًا. (قَالَ): وَإِنْ حَلَفَ بِحَجٍّ أَوْ صَوْمٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ كَانَ مُولِيًا؛ لِأَنَّ الْتِزَامَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ صَحِيحٌ مِنْهُ كَمَا يَصِحُّ مِنْ الْحُرِّ، فَإِذَا عَلَّقَهَا بِالْقُرْبَانِ فَهُوَ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا فِي الْمُدَّةِ إلَّا بِشَيْءٍ يَلْزَمُهُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ عَلَّقَ بِالْقُرْبَانِ الْتِزَامَ الصَّدَقَةِ فِي ذِمَّتِهِ. (قَالَ): وَإِذَا حَلَفَ الذِّمِّيُّ أَنْ لَا يَقْرَبَ امْرَأَتَهُ فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: فِي وَجْهٍ يَكُونُ مُولِيًا بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ مَا إذَا حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ وَالطَّلَاقَ يَصِحُّ مِنْهُ كَمَا يَصِحُّ مِنْ الْمُسْلِمِ، وَفِي وَجْهٍ لَا يَكُونُ مُولِيًا بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ مَا إذَا حَلَفَ بِحَجٍّ أَوْ صَوْمٍ أَوْ صَدَقَةٍ؛ لِأَنَّ الْتِزَامَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنْهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ وَمَا فِيهِ مِنْ الشِّرْكِ يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِذَلِكَ وَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْإِيلَاءَ مِنْهُ بِالْحَجِّ صَحِيحٌ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ فِي حُكْمِ الْتِزَامِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ يَنْفَصِلُ عَنْ الْآخَرِ عِنْدَهُ كَمَا فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَأَمَّا إيلَاؤُهُ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى يَنْعَقِدُ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بَانَتْ بِالْإِيلَاءِ وَلَوْ قَرُبَهَا لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْقِسْمِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا فِي الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ

стр. 1410

شَيْءٌ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْإِيلَاءِ، وَهُوَ قَصْدُ الْإِضْرَارِ بِمَنْعِ حَقِّهَا فِي الْجِمَاعِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى لِوُجُوبِ تَعْظِيمِ الْمُقْسَمِ بِهِ وَمَعَ الشِّرْكِ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ هَذَا التَّعْظِيمُ كَمَا لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ هَذَا الِالْتِزَامُ الْتِزَامُ الْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ فِيهَا ذِكْرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ مُعْتَبَرٌ مِنْ الذِّمِّيِّ حَتَّى تَحِلَّ ذَبِيحَةُ الْكِتَابِيِّ إذَا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَكَذَلِكَ يُسْتَحْلَفُ فِي الْمَظَالِمِ وَالْخُصُومَاتِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْكُفَّارِ أَيْمَانًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢] وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْيَمِينِ صَارَ هُوَ بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا إلَّا بِحِنْثٍ يَلْزَمُهُ فَيَكُونَ مُولِيًا ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الْحِنْثِ، وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَكِنَّ حُكْمَ الطَّلَاقِ يَنْفَصِلُ عَنْ حُكْمِ الْكَفَّارَةِ فِي الْإِيلَاءِ كَمَا لَوْ قَالَ لِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ: لَا أَقْرَبُكُنَّ يَكُونُ مُولِيًا مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَإِنْ كَانَ لَوْ قَرُبَ ثَلَاثًا مِنْهُنَّ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ وَلِأَنَّ لِهَذِهِ الْيَمِينِ حُكْمَيْنِ. أَحَدُهُمَا الطَّلَاقُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ وَالْآخَرُ الْكَفَّارَةُ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحُكْمَيْنِ مَقْصُودٌ بِهَذَا الْيَمِينِ فَامْتِنَاعُ ثُبُوتِ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ لِانْعِدَامِ الْأَهْلِيَّةِ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ الثَّانِي مَعَ وُجُودِ الْأَهْلِيَّةِ. (قَالَ): وَإِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ بِعِتْقِ عَبْدِهِ لَا يَقْرَبُ امْرَأَتَهُ فَهُوَ مُولٍ إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَقُولُ: يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا فِي الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ، بِأَنْ يَبِيعَ عَبْدَهُ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ هُوَ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا إلَّا بِعِتْقٍ يَلْزَمُهُ فَيَكُونَ مُولِيًا، وَلَا يُعْتَبَرُ تَمَكُّنُهُ مِنْ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَتِمُّ بِهِ وَحْدَهُ وَرُبَّمَا لَا يَجِدُ مُشْتَرِيًا يَشْتَرِيهِ مِنْهُ فَإِنْ بَاعَ الْعَبْدَ سَقَطَ عَنْهُ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِحَالٍ يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ فَإِنْ اشْتَرَاهُ لَزِمَهُ الْإِيلَاءُ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّةَ الْأُولَى قَدْ بَطَلَتْ فَيَسْتَأْنِفُ الْمُدَّةَ مِنْ وَقْتِ الشِّرَاءِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِحَالٍ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا إلَّا بِعِتْقٍ يَلْزَمُهُ، وَلَوْ كَانَ جَامَعَهَا بَعْدَمَا بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَاهُ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ قَدْ سَقَطَتْ بِوُجُودِ شَرْطِ الْحِنْثِ بَعْدَ بَيْعِ الْعَبْدِ فَهُوَ يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ، وَإِذَا مَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ سَقَطَ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ قُرْبَانِهَا بَعْدَ مَوْتِ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ عَلَى إيلَاءِ هَذِهِ بِطَلَاقِ أُخْرَى ثُمَّ مَاتَتْ تِلْكَ أَوْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا بَعْدَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْرَبَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ، وَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا مِنْ هَذِهِ أَيْضًا إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى تَطْلِيقَاتِ ذَلِكَ الْمِلْكِ وَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْدَ إيقَاعِ الثَّلَاثِ

стр. 1411

وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَّقَ هَذِهِ الَّتِي آلَى مِنْهَا ثَلَاثًا سَقَطَ الْإِيلَاءُ؛ لِأَنَّ إيلَاءَهُ فِي حُكْمِ الطَّلَاقِ بِاعْتِبَارِ التَّطْلِيقَاتِ الْمَمْلُوكَةِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ بَعْدَ إيقَاعِ الثَّلَاثِ، وَلَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا، وَلَكِنَّهُ جَامَعَهَا طَلُقَتْ الْأُخْرَى لِوُجُودِ شَرْطِ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا وَارْتَفَعَتْ الْيَمِينُ، فَإِنْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَعُدْ الْإِيلَاءُ، وَإِنْ لَمْ يُجَامِعْهَا وَلَكِنَّهُ طَلَّقَ الْأُخْرَى، وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا سَقَطَ الْإِيلَاءُ عَنْ هَذِهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ قُرْبَانِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ، وَهَذَا وَبَيْعُهُ الْعَبْدَ سَوَاءٌ عَلَى مَا بَيَّنَّا. (قَالَ): وَإِذَا حَلَفَ لَا يَقْرَبُ امْرَأَتَهُ حَتَّى يَمُوتَ هُوَ أَوْ تَمُوتَ هِيَ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا فِي الْمُدَّةِ إلَّا بِحِنْثٍ يَلْزَمُهُ وَبَعْدَ مَوْتِ أَحَدُهُمَا لَا يَبْقَى النِّكَاحُ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: لَا أَقْرَبُكِ مَا دُمْتِ فِي نِكَاحِي وَيَتِمُّ بِهَذَا مَنْعُ حَقِّهَا فِي الْقُرْبَانِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَا أَقْرَبُك حَتَّى يَمُوتَ فُلَانٌ؛ لِأَنَّ مَوْتَ فُلَانٍ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ مَوْهُومٌ فِي الْمُدَّةِ فَيُتَوَهَّمُ أَنْ يَقْرَبَهَا فِي الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِ فُلَانٍ فَلِهَذَا لَا يَكُونُ مُولِيًا، وَقَدْ بَيَّنَّا الْقِيَاسَ وَالِاسْتِحْسَانَ فِي قَوْلِهِ: حَتَّى يَخْرُجَ الدَّجَّالُ أَوْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَإِنْ قَالَ حَتَّى الْقِيَامَةِ، فَهُوَ مُولٍ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَهَذَا وَقَوْلُهُ أَبَدًا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَصَوُّرَ لِبَقَاءِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ وُجُودِ مَا جَعَلَهُ غَايَةً، بِخِلَافِ خُرُوجِ الدَّجَّالِ عَلَى طَرِيقَةِ الْقِيَاسِ. (قَالَ): وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى تَفْطِمَ صَبِيًّا لَهَا وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِطَامِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ مِنْهُ أَنْ يَقْرَبَهَا بَعْدَ الْفِطَامِ فِي الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ، وَلَمَّا كَانَ مَا جَعَلَهُ غَايَةً لِيَمِينِهِ يُوجَدُ قَبْلَ تَمَامِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَانَتْ هَذِهِ الْيَمِينُ بِمَنْزِلَةِ الْيَمِينِ عَلَى الْقُرْبَانِ فِي أَقَلَّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ؛ لِأَنَّ بَعْدَ وُجُودِ الْغَايَةِ لَا يَبْقَى الْيَمِينُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِطَامِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرُ وَهُوَ يَنْوِي ذَلِكَ الْفِطَامَ لَا يَنْوِي دُونَهُ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ انْعَقَدَتْ مُوجِبَةً لِلْمَنْعِ مِنْ الْقُرْبَانِ فِي الْمُدَّةِ وَلَوْ مَاتَ الصَّبِيُّ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ سَقَطَ الْإِيلَاءُ لِفَوَاتِ مَا جَعَلَهُ غَايَةً لِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ لَا يَبْقَى بَعْدَ فَوَاتِ الْغَايَةِ إلَّا فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهِيَ مَسْأَلَةُ كِتَابِ الْأَيْمَانِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ فُلَانٌ فَمَاتَ فُلَانٌ فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ بَطَلَتْ الْيَمِينُ لِفَوَاتِ الْغَايَةِ، وَلَوْ بَقِيَ فُلَانٌ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَلَمْ يَكُنْ قَرُبَهَا لَمْ يَكُنْ مُولِيًا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ قُرْبَانِهَا إذَا أَذِنَ لَهُ فُلَانٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ وَفِي الْكِتَابِ قَالَ: يَنْبَغِي فِي الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَكُونَ مُولِيًا وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا سِوَى هَذَا فَلَيْسَ مُرَادُهُ: أَنَّ هَذَا اسْتِحْسَانٌ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفُصُولِ. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ إنْ قَرُبْتُكِ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فِيمَا أَسْتَقْبِلُ فَهُوَ حُرٌّ فَهُوَ

стр. 1412

مُولٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَكُونُ مُولِيًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ بِالْقُرْبَانِ شَيْءٌ، وَهُوَ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ لَا يَتَمَلَّكَ مَمْلُوكًا بَعْدَهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَا: لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ قُرْبَانِهَا إلَّا بِيَمِينٍ بِالْعِتْقِ يَلْزَمُهُ فَيَكُونَ مُولِيًا كَمَا لَوْ قَالَ إنْ قَرُبْتُك فَهَذَا الْمُدَبَّرُ حُرٌّ، إنْ دَخَلَ الدَّارَ يَكُونُ مُولِيًا مِنْهَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْ الْيَمِينِ بِالْعِتْقِ كَمَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْ مُوجِبِ الْيَمِينِ فَيَصِيرُ بِهَذَا اللَّفْظِ مَانِعًا حَقَّهَا: يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ قَدْ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ غَيْرِ صَنْعَةٍ، كَالْمِيرَاثِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهِ، وَلَوْ قَالَ إنْ قَرُبْتُك فَعَلَيَّ حَجَّةٌ بَعْدَمَا أَقْرَبُك بِسَنَةٍ أَوْ قَبْلَ أَنْ أَقْرَبَك بِيَوْمٍ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ قُرْبَانِهَا إلَّا بِحَجَّةٍ تَلْزَمُهُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا (قَالَ): وَإِذَا قَالَ: إنْ قَرُبْتُكِ فَعَلَيَّ صَوْمُ هَذَا الشَّهْرِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ لَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْمُدَّةِ، فَإِنَّ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ يَسْقُطُ الْيَمِينُ وَيَصِيرُ بِحَيْثُ يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْزَمَهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الْتِزَامَ الصَّوْمِ مُضَافًا إلَى الزَّمَانِ الْمَاضِي لَا يَصِحُّ فَيَصِيرُ عِنْدَ الْقُرْبَانِ كَأَنَّهُ قَالَ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ، وَذَلِكَ لَغْوٌ وَلَوْ قَالَ إنْ قَرُبْتُكِ فَعَلَيَّ طَعَامُ مِسْكِينٍ، أَوْ صَوْمُ يَوْمٍ، أَوْ صَدَقَةٌ، أَوْ حَجٌّ، أَوْ هَدْيٌ، فَهُوَ مُولٍ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ قَالَ: فَعَلَيَّ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فَهُوَ مُولٍ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلِ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا يَكُونُ مُولِيًا. وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ عَلَّقَ بِالْقُرْبَانِ الْتِزَامَ مَا هُوَ قُرْبَةٌ فَيَكُونُ مُولِيًا كَمَا فِي الْحَجِّ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْأَمَالِي: وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى الْحَجِّ إلَّا بِمَالٍ وَيَتَوَصَّلُ إلَى الصَّلَاةِ بِدُونِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ قَرُبْتُكِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ يَكُنْ مُولِيًا عِنْدَهُمَا، وَهُوَ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى مَا الْتَزَمَ إلَّا بِالْمَالِ. وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ بِهَذَا اللَّفْظِ لَا يَتَحَقَّقُ مَنْعُ الْقُرْبَانِ الْمُسْتَحَقِّ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْ الْتِزَامِ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ إذْ لَا يَلْحَقُهُ فِي أَدَائِهَا مَشَقَّةٌ، وَلَا خُسْرَانٌ فِي مَالِهِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْقُرَبِ: تَوْضِيحُهُ أَنَّهُ إنْ عَلَّقَ بِالْقُرْبَانِ إطْعَامَ مِسْكِينٍ فَهُوَ مُوجِبُ الْيَمِينِ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةَ، وَالصَّوْمَ وَكَذَلِكَ الْهَدْيَ وَالْحَجَّ، فَإِنَّهُ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى أَدَائِهِمَا إلَّا بِمَالٍ. وَالتَّكْفِيرُ بِالْمَالِ مُوجِبٌ الْيَمِينَ عِنْدَ الْحِنْثِ فَهُوَ كَمَا لَوْ عَلَّقَ الْيَمِينَ بِالْقُرْبَانِ. فَأَمَّا الصَّلَاةُ لَيْسَتْ بِمُوجِبٍ الْيَمِينَ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ؛ لِأَنَّ الْمَكَانَ لَا يَتَعَيَّنُ لِأَدَاءِ الْمَنْذُورِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَإِنْ قَالَ إنْ قَرُبْتُكِ فَعَبْدِي فُلَانٌ حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي، وَقَدْ ظَاهَرَ أَوْ لَمْ يُظَاهِرْ فَهُوَ مُولٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قُرْبَانَهَا إلَّا بِعِتْقٍ يَتَنَجَّزُ فِي الْعَبْدِ، وَتَنَجُّزُ الْعِتْقِ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلظِّهَارِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ إنْ قَرُبْتُكِ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتِقَ فُلَانًا عَنْ ظِهَارِي

стр. 1413

وَهُوَ مُظَاهِرٌ فَلَيْسَ بِمُولٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ بِالْقُرْبَانِ وُجُوبَ الْعِتْقِ عَلَيْهِ عَنْ الظِّهَارِ وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقُرْبَانِ فَلَا يَكُونُ مُلْتَزِمًا بِالْقُرْبَانِ شَيْئًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ اللِّعَانِ .] اعْلَمْ بِأَنَّ مُوجِبَ قَذْفِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ كَانَ هُوَ الْحَدُّ فِي الِابْتِدَاءِ كَمَا فِي الْأَجْنَبِيَّةِ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الْآيَةَ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ «أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إذْ دَخَلَ رَجُلٌ أَنْصَارِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَإِنْ قَتَلَ قَتَلْتُمُوهُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى غَيْظٍ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ افْتَحْ فَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ.» «وَقَالَ ﷺ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ حِين قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاء: ائْتِ بِأَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَى صِدْقِ مَقَالَتِك وَإِلَّا فَحَدٌّ عَلَى ظَهْرِك»، وَقَالَتْ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -: الْآنَ يُجْلَدُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ ﵁ فَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُ فِي الْمُسْلِمِينَ فَثَبَتَ أَنَّ مُوجِبَ الْقَذْفِ كَانَ هُوَ الْحَدُّ، ثُمَّ انْتَسَخَ ذَلِكَ بِاللِّعَانِ فِي حَقِّ الزَّوْجَيْنِ وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّ مُوجِبَ قَذْفِ الزَّوْجِ الزَّوْجَةَ - اللِّعَانُ بِشَرَائِطَ نَذْكُرُهَا، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ مُوجِبُهُ الْحَدُّ، وَلَكِنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إسْقَاطِ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِاللِّعَانِ حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنْ اللِّعَانِ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ وَعِنْدَنَا يُحْبَسُ حَتَّى يُلَاعِنَ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤]. ثُمَّ فِي آيَةِ اللِّعَانِ بَيَانُ الْمَخْرَجِ لِلزَّوْجِ بِأَنْ تُقَامَ كَلِمَاتُ اللِّعَانِ مَقَامَ أَرْبَعَةٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ؛ لِأَنَّ فِي كَلِمَاتِ اللِّعَانِ لَفْظَةُ الشَّهَادَةِ وَهِيَ شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَةٌ بِالْأَيْمَانِ، مُزَكَّاةٌ بِاللَّعْنِ، مُؤَكَّدَةٌ بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ أَنَّ الزَّوْجَ لَا يُلَوِّثُ الْفِرَاشَ عَلَى نَفْسِهِ كَاذِبًا وَلِهَذَا قُلْت بِلِعَانِهِ يَجِبُ حَدُّ الزِّنَا عَلَيْهَا ثُمَّ تَتَمَكَّنُ هِيَ مِنْ إسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْ نَفْسِهَا بِلِعَانِهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِعَانُهَا مُعَارِضًا لِحُجَّةِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَاتٌ مُؤَكَّدَةٌ بِالْأَيْمَانِ، مُزَكَّاةٌ بِالْتِزَامِ الْغَضَبِ، مُؤَيِّدَةٌ بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُسْلِمَةَ تَمْتَنِعُ مِنْ ارْتِكَابِ الْحَرَامِ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إشَارَةٌ إلَى هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] أَيْ يَسْقُطُ الْحَدُّ الْوَاجِبُ بِلِعَانِ الزَّوْجِ. (وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ جَمِيعَ مُوجِبِ قَذْفِ الزَّوْجَةِ، وَذَلِكَ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ الْحَدُّ مُوجِبَ هَذَا الْقَذْفِ مَعَ اللِّعَانِ، وَلَوْ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِ لَمْ يَسْقُطْ إلَّا بِحُجَّةٍ، وَكَلِمَاتُ اللِّعَانِ قَذْفٌ أَيْضًا فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْقَذْفُ مُسْقِطًا لِمُوجِبِ الْقَذْفِ

стр. 1414

فَعَرَفْنَا أَنَّهُ هُوَ الْمُوجِبُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْتِزَامِ اللَّعْنِ، وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْهُ يُحْبَسُ حَتَّى يُلَاعِنَ؛ لِأَنَّ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ إيفَاءِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ لَا تَجْرِي النِّيَابَةُ فِي إيفَائِهِ - يُحْبَسُ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا حَدٌّ بِلِعَانِهِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ لَا تَكُونُ حُجَّةً فِي اسْتِحْقَاقِ مَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ عَلَى الْغَيْرِ ابْتِدَاءً فَكَيْف تَكُونُ حُجَّةً فِي اسْتِحْقَاقِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشَّهَادَاتِ، وَإِنْ تَكَرَّرَتْ مِنْ وَاحِدٍ لَيْسَ بِخَصْمٍ لَا تَتِمُّ الْحُجَّةُ بِهَا فَمِنْ الْخَصْمِ أَوْلَى. وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ شَهِدَ الزَّوْجُ مَعَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالزِّنَا لَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهَا فَكَيْفَ يَجِبُ الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَلَكِنَّ اللِّعَانَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهَا كَمَا هُوَ عَلَى الزَّوْجِ فَإِذَا امْتَنَعَتْ حُبِسَتْ. وَالْمُرَادُ مَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨] الْحَبْسُ لَا الْحَدُّ. إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: مِنْ شَرَائِطِ اللِّعَانِ عِنْدَنَا - كَوْنُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَذَا لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَلَكِنْ كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الطَّلَاقِ عِنْدَهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّعَانِ، وَهَذَا مِنْهُ تَنَاقُضٌ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ كَلِمَاتِ اللِّعَانِ شَهَادَاتٍ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ بِهَا ثُمَّ لَا يَشْتَرِطُ الْأَهْلِيَّةَ لِلشَّهَادَةِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: اللِّعَانُ مِنْ كَلَامِ الزَّوْجِ مُوجِبٌ لِلْفُرْقَةِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ. (وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ مَا بَدَأَ بِهِ الْبَابَ فَقَالَ: بَلَغَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا لِعَانَ بَيْنَ أَهْلِ الْكُفْرِ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَلَا بَيْنَ الْعَبْدِ وَامْرَأَتِهِ»، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَرْوُونَ هَذَا بِلَفْظٍ آخَرَ وَقَدْ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُشَافَهَاتِ فِي تَفْسِيرِهِ (أَرْبَعَةٌ لَا لِعَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نِسَائِهِمْ الْمُسْلِمُ إذَا كَانَ تَحْتَهُ كَافِرَةٌ وَالْكَافِرُ إذَا كَانَ تَحْتَهُ مُسْلِمَةٌ وَالْحُرُّ إذَا كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ وَالْعَبْدُ إذَا كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ) فَذَلِكَ تَنْصِيصٌ عَلَى اشْتِرَاطِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ فِيهِمَا وَفِي الْآيَةِ إشَارَةٌ إلَى هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلَّا أَنْفُسُهُمْ) وَالْمُرَادُ بِالشُّهَدَاءِ مَنْ يَكُونُ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ مُطْلَقًا، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦] وَهَذَا شَأْنُ شَهَادَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ مِمَّنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلشَّهَادَةِ، ثُمَّ الْمُسْلِمُ إذَا كَانَ تَحْتَهُ كَافِرَةٌ فَهِيَ لَيْسَتْ بِمُحْصَنَةٍ وَكَمَا أَنَّ قَذْفَ الْأَجْنَبِيَّةِ إذَا لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، فَكَذَلِكَ قَذْفُ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ إذَا لَمْ تَكُنْ مُحْصَنَةً لَا يُوجِبُ اللِّعَانَ وَكَذَلِكَ الْحُرُّ إذَا كَانَ تَحْتَهُ أَمَةٌ فَأَمَّا الْكَافِرُ إذَا كَانَ تَحْتَهُ مُسْلِمَةٌ بِأَنْ أَسْلَمَتْ امْرَأَتُهُ فَقَذَفَهَا قَبْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، فَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا كَانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ فَلَا يَكُونُ قَذْفُهُ إيَّاهَا مُوجِبًا لِلِّعَانِ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ مُوجِبًا حَدَّ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ بِالزِّنَا لَا يَنْفَكُّ عَنْ مُوجِبٍ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا لِلِّعَانِ لِمَعْنًى فِي الْقَاذِفِ

стр. 1415

كَانَ مُوجِبًا لِلْحَدِّ، وَكَذَلِكَ الْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ إذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ قَامَتْ لَنَا عَلَى أَنَّ إقَامَةَ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَيْهِ مُبْطِلٌ لِشَهَادَتِهِ، وَمُخْرِجٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَحْدُودَةً فِي قَذْفٍ فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ فِي جَانِبِهَا إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَتْ هِيَ الْمَحْدُودَةُ فِي الْقَذْفِ فَلَا حَدَّ عَلَى الزَّوْجِ، وَلَا لِعَانَ؛ لِأَنَّ قَذْفَهُ بِاعْتِبَارِ حَالِهِ مُوجِبٌ لِلِّعَانِ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ إذْ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمُوجِبَيْنِ وَلَكِنْ امْتَنَعَ جَرَيَانَ اللِّعَانِ لِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهَا فَهُوَ كَمَا لَوْ صَدَقَتْ الزَّوْجَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْمَحْدُودُ؛ لِأَنَّ قَذْفَهُ بِاعْتِبَارِ حَالِهِ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلِّعَانِ فَكَانَ مُوجِبًا لِلْحَدِّ إذْ هِيَ مُحْصَنَةٌ. وَلَوْ كَانَا مَحْدُودَيْنِ فِي قَذْفٍ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ قَذْفَهُ بِاعْتِبَارِ حَالِهِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلِّعَانِ فَيَكُونُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ امْتِنَاعُ جَرَيَانِ اللِّعَانِ هُنَا لِكَوْنِهَا مَحْدُودَةً؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْقَذْفِ يَكُونُ مِنْ الرَّجُلِ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ حُكْمُ الْمَانِعِ فِي جَانِبِهَا بَعْدَ قِيَامِ الْأَهْلِيَّةِ فِي جَانِبِ الرَّجُلِ فَأَمَّا بِدُونِ الْأَهْلِيَّةِ فِي جَانِبِهِ لَا مُعْتَبَرَ بِحَالِهَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يَقْذِفُ الْحُرَّةَ الْمَحْدُودَةَ تَحْتَهُ لِأَنَّهَا مُحْصَنَةٌ وَإِنْ قَذَفَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ، وَهِيَ مَمْلُوكَةً أَوْ مُكَاتَبَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا وَلَا لِعَانَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُحْصَنَةٍ وَكَذَلِكَ الْحُرُّ يَقْذِفُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ أَمَةٌ، أَوْ مُدَبَّرَةٌ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ أَوْ مُكَاتَبَةٌ أَوْ مُسْتَسْعَاةٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبَةِ فَلَا تَكُونُ مُحْصَنَةً مَعَ قِيَامِ الرِّقِّ، وَلَكِنَّهُ يُعْذَرُ لِذَلِكَ أَسْوَاطًا؛ لِأَنَّ قَذْفَ الْمَمْلُوكِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ لِمَعْنَى هَتْكِ السِّتْرِ، وَإِشَاعَةِ الْفَاحِشَةِ، وَالْعَبْدُ إذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ قَذْفَهُ بِاعْتِبَارِ حَالِهِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلِّعَانِ فَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ لِكَوْنِهَا مُحْصَنَةً. (قَالَ): إذَا قَذَفَ الْأَعْمَى امْرَأَتَهُ، وَهِيَ عَمْيَاءُ وَالْفَاسِقُ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَعَلَيْهِمَا اللِّعَانُ؛ لِأَنَّ الْفَاسِقَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ، وَلَكِنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِعَدَمِ ظُهُورِ رُجْحَانِ جَانِبِ الصِّدْقِ، وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّثَبُّتِ فِي خَبَرِهِ، وَالتَّثَبُّتُ غَيْرُ الرَّدِّ. بِخِلَافِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ فَإِنَّهُ مَحْكُومٌ بِبُطْلَانِ شَهَادَتِهِ، كَمَا قَالَتْ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - فَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُ فِي الْمُسْلِمِينَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْفَاسِقَ إذَا شَهِدَ فِي حَادِثَةٍ فَرَدَّ الْقَاضِي شَهَادَتَهُ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ التَّوْبَةِ لَمْ تُقْبَلْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَرْدُودُ شَهَادَةً لَكَانَتْ مَقْبُولَةً بَعْدَ التَّوْبَةِ. وَكَذَلِكَ الْأَعْمَى مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ إلَّا أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ؛ لِنُقْصَانٍ فِي ذَاتِهِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْمَشْهُودِ لَهُ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ إلَّا بِالصَّوْتِ وَالنَّغْمَةِ؛ وَلِأَنَّ شَهَادَتَهُ جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ يَعْنِي إذَا تَحَمَّلَ، وَهُوَ بَصِيرٌ ثُمَّ أَدَّى بَعْدَ الْعَمَى تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ كَانَ مِنْ أَهْلِ اللِّعَانِ أَيْضًا. (قَالَ): وَإِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ وَقَدْ زَنَتْ

стр. 1416

فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا لِعَانَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُحْصَنَةٍ، وَهُوَ صَادِقٌ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا، وَكَذَلِكَ إنْ وُطِئَتْ وَطْئًا حَرَامًا يُرِيدُ بِهِ الْوَطْءَ بِشُبْهَةٍ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: يُلَاعِنُهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَطْءَ مُثْبِتٌ لِلنَّسَبِ مُوجِبٌ لِلْعِدَّةِ وَالْمَهْرِ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْإِحْصَانُ كَوَطْءِ الْمَنْكُوحَةِ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: وَطْءُ غَيْرِ مَمْلُوكٍ فَيَكُونُ فِي مَعْنَى الزِّنَا فَيَسْقُطُ بِهِ الْإِحْصَانُ وَلَكِنْ لَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ. وَالشُّبْهَةُ تَصْلُحُ لِإِسْقَاطِ الْحَدِّ لَا لِإِيجَابِهِ فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَى قَاذِفِهَا الْحَدَّ وَاللِّعَانَ كَانَ فِيهِ إيجَابُ الْحَدِّ بِالشُّبْهَةِ، وَبِهَذَا فَارَقَ حُكْمَ النَّسَبِ وَالْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ. (قَالَ): وَإِذَا قَذَفَهَا وَهِيَ صَغِيرَةٌ أَوْ هُوَ صَغِيرٌ فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ، أَمَّا الصَّبِيُّ فَقَوْلُهُ هَدَرٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ اللُّزُومُ، وَالصَّغِيرَةُ لَيْسَتْ بِمُحْصَنَةٍ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَجْنُونًا أَوْ مَعْتُوهًا، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَخْرَسُ أَمَّا إذَا كَانَ الزَّوْجُ هُوَ الْأَخْرَسُ فَقَذْفُهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَلَا اللِّعَانَ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُوجِبُ؛ لِأَنَّ إشَارَةَ الْأَخْرَسِ كَعِبَارَةِ النَّاطِقِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ الزِّنَا لِيَكُونَ قَذْفًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ، أَوْ اللِّعَانِ، وَلَا يَتَأَتَّى هَذَا التَّصْرِيحُ فِي إشَارَةِ الْأَخْرَسِ، فَإِنَّ إشَارَتَهُ دُونَ عِبَارَةِ النَّاطِقِ بِالْكِتَابَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الشَّهَادَةِ فِي اللِّعَانِ حَتَّى أَنَّ النَّاطِقَ لَوْ قَالَ: أَحْلِفُ مَكَانَ قَوْلِهِ أَشْهَدُ لَا يَكُونُ صَحِيحًا. وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَرْتَكِبُونَ هَذَا، وَلَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ، فَإِذًا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الشَّهَادَةِ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ بِإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ هِيَ خَرْسَاءُ؛ لِأَنَّ قَذْفَ الْخَرْسَاءِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ لِجَوَازِ أَنْ تَصْدُقَهُ لَوْ كَانَتْ تَنْطِقُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى إظْهَارِ هَذَا التَّصْدِيقِ بِإِشَارَتِهَا، وَإِقَامَةُ الْحَدِّ مَعَ الشُّبْهَةِ لَا يَجُوزُ. (قَالَ): وَإِذَا قَذَفَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ امْرَأَتَهُ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ بِالزِّنَا، فَإِنْ كَفَّتْ عَنْ مُرَافَعَتِهِ فَهِيَ امْرَأَتُهُ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ زِنَاهَا لَا يُنَافِي بَقَاءَ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا فَالنَّسَبُ إلَى الزِّنَا أَوْلَى، وَاللِّعَانُ هُنَا كَالْحَدِّ فِي قَذْفِ الْأَجَانِبِ، وَذَلِكَ لَا يُسْتَوْفَى إلَّا بِطَلَبِ الْمَقْذُوفِ فَهَذَا مِثْلُهُ، وَإِنْ دَفَعَتْهُ بَدَأَ الْإِمَامُ بِالرَّجُلِ فَأَمَرَهُ أَنْ يُلَاعِنَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ. يَقُومُ فَيَشْهَدُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا وَالْخَامِسَةَ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا ثُمَّ تَقُومُ الْمَرْأَةُ فَتَشْهَدُ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا أَمَّا قِيَامُهُمَا لَيْسَ بِشَرْطٍ فَسَّرَهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: لَا يَضُرُّهُ اللِّعَانُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ شَهَادَةٌ أَوْ يَمِينٌ فَالْقَائِمُ وَالْقَاعِدُ فِيهِ سَوَاءٌ.

стр. 1417

وَذُكِرَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُكِ بِهِ مِنْ الزِّنَا، وَهِيَ تَقُولُ أَنْتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَيْتَنِي بِهِ مِنْ الزِّنَا؛ لِأَنَّهُ إذَا ذُكِرَ بِلَفْظَةِ الْغَائِبَةِ يَتَمَكَّنُ فِيهِ شُبْهَةٌ وَاحْتِمَالٌ فَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظِ الْخِطَابِ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُشِيرُ إلَى صَاحِبِهِ، وَالْإِشَارَةُ أَبْلَغُ أَسْبَابَ التَّعْرِيفِ فَإِذَا فَرَغَا مِنْ اللِّعَانِ، فَرَّقَ الْإِمَامُ بَيْنَهُمَا لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا لَاعَنَ بَيْنَ الْعَجْلَانِيِّ وَامْرَأَتِهِ فَقَالَ الْعَجْلَانَيْ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أَمْسَكْتُهَا، فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَفَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يُفَارِقَهَا» فَكَانَتْ سُنَّةً فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ الْفُرْقَةُ لَا تَقَعُ عِنْدَنَا إلَّا بِتَفْرِيقِ الْقَاضِي، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَقَعُ بِنَفْسِ لِعَانِ الزَّوْجِ، وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقَعُ الْفُرْقَةُ بِلِعَانِهِمَا فَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: سَبَبُ هَذِهِ الْفُرْقَةِ قَوْلٌ مِنْ الزَّوْجِ مُخْتَصٌّ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ فَيَتِمُّ بِهِ كَالطَّلَاقِ وَزُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ: ﷺ «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» فَنَفْيُ الِاجْتِمَاعِ بَعْدَ التَّلَاعُنِ تَنْصِيصٌ عَلَى وُقُوعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنَّا نَسْتَدِلُّ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَا فَإِنَّ الْعَجْلَانِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَوْقَعَ الثَّلَاثَ عَلَيْهَا بَعْدَ التَّلَاعُنِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَوْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا لَأَنْكَرَ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ اذْهَبْ فَلَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا (قُلْنَا) ذَاكَ مُنْصَرِفٌ إلَى طَلَبِهِ رَدَّ الْمَهْرَ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «إنْ كُنْتَ صَادِقًا فَهُوَ لَهَا بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَابْعُدْ اذْهَبْ فَلَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا»؛ وَلِأَنَّ الرَّاوِيَ قَالَ فَذَلِكَ السُّنَّةُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَدَلَّ أَنَّهُ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ إلَّا بِالتَّفْرِيقِ، وَكَانَ التَّفْرِيقُ هُنَا بِمَنْزِلَةِ فَسْخِ الْبَيْعِ بِسَبَبِ التَّحَالُفِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الثَّمَنِ ثُمَّ هُنَاكَ لَا يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ مَا لَمْ يَفْسَخْ الْقَاضِي، فَكَذَلِكَ هُنَا، وَهَذَا لِأَنَّ مُجَرَّدَ اللِّعَانِ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِلْفُرْقَةِ، وَلَا هُوَ مُنَافٍ لِلنِّكَاحِ إلَّا أَنَّ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا لِقَطْعِ الْمُنَازَعَةِ، وَالْخُصُومَةِ، وَفَوَاتِ الْمَقْصُودِ بِالنِّكَاحِ مَعَ إصْرَارِهِمَا عَلَى كَلَامِهِمَا فَلَا يَتِمُّ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَأَمَّا قَوْلُهُ: ﷺ «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» حَقِيقَةُ هَذَا اللَّفْظِ حَالَ تَشَاغُلِهِمَا بِاللِّعَانِ كَالْمُتَقَاتَلِينَ وَالْمُتَضَارَبِينَ فَزُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُوَافِقُنَا، أَنَّ فِي حَالِ تَشَاغُلِهِمَا بِاللِّعَانِ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا. ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ إبْرَاهِيمَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: اللِّعَانُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ وَإِذَا أَكْذَبَ الْمُلَاعِنُ عَنْ نَفْسِهِ جُلِدَ الْحَدَّ وَكَانَ خَاطِبًا مِنْ الْخُطَّابِ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 1418

فَقَالَا: الْفُرْقَةُ بِاللِّعَانِ تَكُونُ فُرْقَةً بِالطَّلَاقِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀: تَكُونُ فُرْقَةً بِغَيْرِ طَلَاقٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَثْبُتُ بِاللِّعَانِ الْحُرْمَةُ الْمُؤَبَّدَةُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - لَا تَتَأَبَّدُ الْحُرْمَةُ بِسَبَبِ اللِّعَانِ: حَجَّتُهُمَا فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﷺ «الْمُتَلَاعِنَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا» وَهَكَذَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ سَبَبَ هَذِهِ الْفُرْقَةِ يَشْتَرِكُ فِيهِ الزَّوْجَانِ وَالطَّلَاقُ يَخْتَصُّ بِهِ الزَّوْجُ فَمَا يَشْتَرِكُ الزَّوْجَانِ فِيهِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا. وَمِثْلُ هَذَا السَّبَبِ مَتَى كَانَ مُوجِبًا لِلْحُرْمَةِ كَانَتْ مُؤَبَّدَةً كَالْحُرْمَةِ بِالرَّضَاعِ: تَوْضِيحُهُ أَنَّ ثُبُوتَ الْحُرْمَةِ هُنَا بِاللِّعَانِ نَظِيرُ حُرْمَةِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الْحَدِّ فِي قَذْفِ الْأَجْنَبِيِّ، وَذَلِكَ يَتَأَبَّدُ فَكَذَلِكَ هُنَا وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ اللِّعَانُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَلَوْ أَثْبَتنَا بِهِ الْحُرْمَةَ الْمُؤَبَّدَةَ كَانَ زِيَادَةً عَلَى النَّصِّ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ خُصُوصًا فِيمَا كَانَ طَرِيقُهُ الْعُقُوبَاتُ، ثُمَّ هَذِهِ فُرْقَةٌ تَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْحُكْمِ وَلَا يَتَقَرَّرُ سَبَبُهُ إلَّا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ فَيَكُونُ فُرْقَةً بِطَلَاقٍ كَالْفُرْقَةِ بِسَبَبِ الْجُبِّ وَالْعُنَّةِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّ بِاللِّعَانِ يَفُوتُ الْإِمْسَاكُ بِالْمَعْرُوفِ فَيَتَعَيَّنُ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ. فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْهُ نَابَ الْقَاضِي مَنَابَهُ فَيَكُونُ فِعْلُ الْقَاضِي كَفِعْلِ الزَّوْجِ وَإِذًا ثَبَتَ أَنَّهُ طَلَاقٌ، وَالْحُرْمَةُ بِسَبَبِ الطَّلَاقِ لَا تَتَأَبَّدُ، فَأَمَّا الْحَدِيثُ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَقِيقَةَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ حَالَ تَشَاغُلِهِمَا بِاللِّعَانِ وَمِنْ حَيْثُ الْمَجَازِ إنَّمَا يُسَمَّيَانِ مُتَلَاعِنَيْنِ مَا بَقِيَ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا حُكْمًا وَعِنْدَنَا لَا يَجْتَمِعَانِ مَا بَقِيَ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا حُكْمًا وَإِنَّمَا تَجُوزُ الْمُنَاكَحَةُ بَيْنَهُمَا إذَا لَمْ يَبْقَ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ إذَا أَكْذَبَ نَفْسَهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِإِقْرَارِهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْتِزَامِ الْحَدِّ، وَمِنْ ضَرُورَةِ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ بُطْلَانُ اللِّعَانِ، وَلَا يَبْقَى أَهْلًا لِلِّعَانِ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ، وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرَّتْ الْمَرْأَةُ بِالزِّنَا فَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ أَهْلًا لِلِّعَانِ، وَكَذَلِكَ إنْ قَذَفَتْ رَجُلًا فَأُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ فَعَرَفْنَا أَنَّ حِلَّ الْمُنَاكَحَةِ بَيْنَهُمَا بَعْدَ مَا بَطَلَ حُكْمُ اللِّعَانِ فَلَا يَكُونُ فِي هَذَا إثْبَاتُ الِاجْتِمَاعِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ. (قَالَ): وَإِذَا أَنْكَرَ الزَّوْجُ الْقَذْفَ فَأَقَامَتْ الْمَرْأَةُ بِهِ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ وَجَبَ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى يُلَاعِنُ وَيُحَدُّ، أَمَّا اللِّعَانُ؛ فَلِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: إنْكَارُهُ بِمَنْزِلَةِ إكْذَابِهِ نَفْسَهُ فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَكِنَّا نَقُولُ إنْكَارُهُ نَفْيُ الْقَذْفِ وَإِكْذَابُهُ نَفْسَهُ تَقْرِيرُ الْقَذْفِ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ إقَامَةَ إنْكَارِهِ مُقَامَ إكْذَابِهِ نَفْسِهِ فَلِهَذَا لَا يُحَدُّ. (قَالَ): وَإِذَا نَفَى الرَّجُلُ حَبَلَ امْرَأَتِهِ فَقَالَ هُوَ مَنْ زِنًا فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا وَلَا حَدَّ قَبْلَ الْوَضْعِ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 1419

يُلَاعِنُهَا لِحَدِيثِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ فَإِنَّهُ قَذَفَ امْرَأَتَهُ بِنَفْيِ الْحَمْلِ وَقَدْ لَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا؛ وَلِأَنَّ الْحَبَلَ يُعْرَفُ وُجُودُهُ بِالظَّاهِرِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامٌ شَرْعًا نَحْوُ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَالْمِيرَاثِ، وَالْوَصِيَّةِ بِهِ وَلَهُ فَكَذَلِكَ يَثْبُتُ حُكْمُ اللِّعَانِ بِنَفْيِهِ. (وَحُجَّتُنَا) مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ نَفْيَ الْحَبَلِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ رِيحٌ، وَاللِّعَانُ فِي قَذْفِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَدِّ فِي قَذْفِ الْأَجْنَبِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ إقَامَتُهُ مَعَ الشُّبْهَةِ بِخِلَافِ حُكْمِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، وَالْإِرْثُ وَالْوَصِيَّةُ تَتَوَقَّفُ عَلَى انْفِصَالِ الْوَلَدِ وَلَا تَتَقَرَّرُ فِي الْحَالِ، فَأَمَّا الْحَدِيثُ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: إنَّهُ قَذَفَهَا بِالزِّنَا نَصًّا فَإِنَّهُ قَالَ: وَجَدْت شَرِيكَ ابْنَ سَحْمَاءَ عَلَى بَطْنِهَا يَزْنِي بِهَا، ثُمَّ نَفْيُ الْحَبَلِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَعِنْدَنَا إذَا قَذَفَهَا بِالزِّنَا نَصًّا يُلَاعِنُهَا عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَفَ مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ أَنَّهَا حُبْلَى حَتَّى قَالَ «إنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ عَلَى نَعْتِ كَذَا، فَهُوَ لِهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا حَمَالِيًا فَهُوَ لِشَرِيكٍ فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ فَقَالَ ﷺ لَوْلَا الْأَيْمَانُ الَّتِي سَبَقَتْ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» وَمِثْلُ هَذَا لَا يُعْرَفُ إلَّا بِطَرِيقِ الْوَحْيِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ مِثْلُهُ فِي زَمَانِنَا ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: إذَا جَاءَتْ بِالْوَلَدِ يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْ الزَّوْجِ، وَلَا يَجْرِي اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا بِذَلِكَ النَّفْيِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - إذَا جَاءَتْ بِالْوَلَدِ لِأَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ نُفِيَ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَاعَنَ، وَلَزِمَ الْوَلَدُ أُمَّهُ، لِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ الْحَبَلَ كَانَ مَوْجُودًا حِينَ نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ فَكَانَ هَذَا وَنَفْيُهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ سَوَاءٌ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ وَالْمِيرَاثِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ إذَا جَاءَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لِتَيَقُّنِنَا أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ السَّبَبِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: أَصْلُ هَذَا الْقَذْفِ لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا لِلِّعَانِ فَلَا يَصِيرُ مُوجِبًا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ هَذَا فِي مَعْنَى قَذْفٍ مُضَافٍ، وَالْقَذْفُ لَا يَحْتَمِلُ الْإِضَافَةَ، وَلَا التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ وَبِهِ فَارَقَ الْوَصِيَّةَ وَالْمِيرَاثَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّوَقُّفِ وَالْإِضَافَةِ إلَى مَا بَعْدَ الِانْفِصَالِ: يُقَرِّرُهُ أَنَّهُ لَوْ لَاعَنَهَا قَبْلَ الْوَضْعِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ يُحْكَمُ عَلَى الْحَبَلِ بِقَطْعِ نَسَبِهِ مِنْ الزَّوْجِ، إذْ النَّسَبُ مِنْ حَقِّ الْوَلَدِ، وَإِلْزَامُ الْحُكْمُ عَلَى الْحَمْلِ لَا يَجُوزُ فَإِذَا تَعَذَّرَ نَفْيُ النَّسَبِ عِنْدَ النَّفْيِ لَا يَصِيرُ مُحْتَمَلًا لِلنَّفْيِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَوْ لَاعَنَهَا بَعْدَ الْوَضْعِ لَنُفِيَ النَّسَبُ عَنْهُ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَإِذَا تَعَذَّرَ نَفْيُ النَّسَبِ يَتَعَذَّرُ اللِّعَانُ كَمَا لَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا مَيِّتًا، وَإِذَا لَاعَنَهَا بِغَيْرِ وَلَدٍ فَلَهَا النَّفَقَةُ، وَالسُّكْنَى فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ، وَلِهَذَا كَانَ طَلَاقًا فَإِذَا جَاءَتْ بِوَلَدِ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَنَتَيْنِ لَزِمَهُ الْوَلَدُ؛ لِأَنَّهَا جَاءَتْ بِهِ لِمُدَّةٍ يُتَوَهَّمُ

стр. 1420

أَنَّ الْعُلُوقَ فِي حَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ لَزِمَهُ الْوَلَدُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، كَمَا لَوْ وَقَعْت الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا بِسَبَبٍ آخَرَ، وَلَوْ نَفَى هَذَا الْوَلَدَ لَمْ يَجْرِ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا عِنْدَنَا. وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجْرِي اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ أَنَّ اللِّعَانَ يَجْرِي لِنَفْيِ الْوَلَدِ مَقْصُودًا، وَلِهَذَا قَالَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ: إذَا دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَنَفَاهُ يَجْرِي اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا لِنَفْيِ الْوَلَدِ مَقْصُودًا، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى أَنْ يَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ نَسَبًا لَيْسَ مِنْهُ، وَاللِّعَانُ مَشْرُوعٌ لِحَاجَتِهِ فَأَمَّا عِنْدَنَا حُكْمُ اللِّعَانِ ثَبَتَ بِالنَّصِّ فِي الزَّوْجَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] وَلَا زَوْجِيَّةَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَلَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ جَرَى اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا إنَّمَا يَجْرِي لِنَفْيِ الْوَلَدِ، وَقَدْ حَكَمَ الشَّرْعُ بِثُبُوتِ نَسَبِ الْوَلَدِ مِنْهُ حِينَ أَوْجَبَ الْمَهْرَ وَالْعِدَّةَ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ، وَبَعْدَ الْحُكْمِ بِثُبُوتِ النَّسَبِ لَا يُتَصَوَّرُ نَفْيَهُ: تَوْضِيحُهُ أَنَّ نَفْيَ النَّسَبِ تَبَعٌ لِقَطْعِ الزَّوْجِيَّةِ، وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا، وَقِيَامِ التَّبَعِ بِالْمَتْبُوعِ فَإِذَا تَعَذَّرَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِقَطْعِ الزَّوْجِيَّةِ يَمْتَنِعُ جَرَيَانُ اللِّعَانِ بَيْنَهَا. (قَالَ): وَإِذَا لَاعَنَهَا بِوَلَدٍ ثُمَّ جَاءَتْ بِوَلَدٍ بَعْدَ ذَلِكَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّنَتَيْنِ لَزِمَهُ هَذَا الْوَلَدُ؛ لِأَنَّ الْعُلُوقَ بِهِ مَوْهُومٌ أَنَّهُ كَانَ فِي حَالِ قِيَامِ النِّكَاحِ. (قَالَ): وَإِذَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فَأَقَرَّ بِالْأَوَّلِ وَنَفَى الثَّانِيَ لَزِمَهُ الْوَلَدَانِ وَيُلَاعِنَانِ فَإِنْ نَفَى الْأَوَّلَ، وَأَقَرَّ بِالثَّانِي لَزِمَاهُ وَيُحَدُّ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِنَسَبِ أَحَدِهِمَا إقْرَارٌ بِنَسَبِهِمَا، فَإِنَّهُمَا تَوْأَمٌ لَا يَنْفَصِلُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ فِي حُكْمِ النَّسَبِ لِعِلْمِنَا أَنَّهُمَا خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا أَقَرَّ بِالْأَوَّلِ كَانَ هَذَا كَإِقْرَارِهِ بِهِمَا ثُمَّ فِي نَفْيِ الثَّانِي هُوَ قَاذِفٌ لَهَا بِالزِّنَا فَيُلَاعِنُهَا، وَإِنْ نَفَى الْأَوَّلَ فَقَدْ صَارَ قَاذِفًا لَهَا بِالزِّنَا وَحِينَ أَقَرَّ بِالثَّانِي فَقَدْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ فَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ، وَنَسَبُ الْوَلَدَيْنِ ثَابِتٌ مِنْهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِأَحَدِهِمَا كَإِقْرَارِهِ بِهِمَا وَإِنْ نَفَاهُمَا ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ اللِّعَانِ فَإِنَّهُ يُلَاعِنُ عَلَى الْحَيِّ مِنْهُمَا وَهُمَا وَلَدَاهُ؛ لِأَنَّ الَّذِي مَاتَ قَدْ لَزِمَهُ نَسَبُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَرِثُهُ لَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَأَنَّهُ لَوْ قُتِلَ كَانَ لَهُ الْمِيرَاثُ مِنْ دِيَتِهِ. وَالْحُكْمُ بِثُبُوتِ نَسَبِ أَحَدِهِمَا مِنْهُ حُكْمٌ بِثُبُوتِ نَسَبِهِمَا فَلَا يُحْتَمَلُ النَّفْيُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ نَسَبَ هَذَا الْحَيِّ مِنْهُ قَطَعَ نَسَبَ الْمَيِّتِ أَيْضًا وَالنَّسَبُ كَمَا لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِالدَّعْوَةِ لَا يُمْكِنُ قَطْعُهُ بِالنَّفْيِ؛ لِأَنَّ فِيهِ إلْزَامَ الْحُكْمِ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ خَصْمٍ عَنْهُ فَإِنَّ الْأَخَ لَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ أَخِيهِ، وَلَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ جَرَيَانُ اللِّعَانِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَذَفَهَا بِالزِّنَا وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ اللِّعَانِ قَطْعُ النَّسَبِ وَالنَّسَبُ إنَّمَا لَزِمَهُ حُكْمًا فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ إكْذَابِهِ نَفْسَهُ فِي مَنْعِ جَرَيَانِ اللِّعَانِ بَيْنَهُمَا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ وَلَدَتْ أَحَدَهُمَا مَيِّتًا فَنَفَاهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَوْلُودَ مَيِّتًا ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْهُ

стр. 1421

حَتَّى لَوْ ضَرَبَ إنْسَانٌ بَطْنَهَا فَلَزِمَتْهُ الْغُرَّةُ كَانَ لِلْوَالِدِ مِنْهُ الْمِيرَاثُ، وَإِذَا لَزِمَهُ نَسَبُ أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ نَسَبُهُمَا. (قَالَ): وَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدًا فَنَفَاهُ وَلَاعَنَ بِهِ ثُمَّ وَلَدَتْ مِنْ الْغَدِ وَلَدًا آخَرَ لَزِمَهُ الْوَلَدَانِ جَمِيعًا، وَاللِّعَانُ مَاضٍ؛ لِأَنَّ نَسَبَ الَّذِي كَانَ فِي الْبَطْنِ لَمْ يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ لِمَا فِيهِ مِنْ إلْزَامِ الْحُكْمِ عَلَى الْحَمْلِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى الِانْفِصَالِ فَإِذَا انْفَصَلَ كَانَ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنْهُ، وَهُمَا تَوْأَمٌ إذْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا مُدَّةُ حَبَلٍ تَامٍّ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ نَسَبِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ نَسَبِ الْآخَرِ، وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ جَانِبِ الَّذِي كَانَ مُنْفَصِلًا وَقْتَ اللِّعَانِ يُوجِبُهُ نَفْيُ النَّسَبِ، وَاعْتِبَارُ جَانِبِ الْآخَرِ يَثْبُتُ النَّسَبُ، وَإِنَّمَا يُحْتَاطُ لِإِثْبَاتِ النَّسَبِ لَا لِنَفْيِهِ فَإِنْ قَالَ هُمَا ابْنَايَ كَانَ صَادِقًا، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ نَسَبَهُمَا مِنْهُ يَثْبُتُ شَرْعًا، فَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ يُخْبِرُ عَمَّا يَلْزَمُهُ شَرْعًا فَلَا يَكُونُ إكْذَابًا مِنْهُ نَفْسَهُ: تَوْضِيحُهُ أَنَّ كَلَامَهُ مُحْتَمِلٌ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْإِكْذَابَ بِدَعْوَى النَّسَبِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْإِخْبَارَ بِمَا لَزِمَهُ شَرْعًا، وَالْحَدُّ لَا يَجِبُ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَإِنْ قَالَ لَيْسَا بِابْنَيَّ كَانَا ابْنَيْهِ؛ لِأَنَّ نَسَبَهُمَا لَزِمَهُ حُكْمًا فَلَا يَمْلِكُ نَفْيَهُ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ بِهَذَا اللَّفْظِ كَرَّرَ الْقَذْفَ الَّذِي لَاعَنَهَا بِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ بِالتَّكْرَارِ حَدٌّ. وَلَوْ قَالَ كَذَبْتُ فِي اللِّعَانِ وَفِيمَا قَذَفْتُهَا بِهِ كَانَ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِإِكْذَابِهِ نَفْسَهُ وَذَلِكَ يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَيْهِ. (قَالَ): وَلَوْ نَفَى وَلَدَ زَوْجَةٍ مَحْدُودَةٍ، أَوْ كِتَابِيَّةٍ، أَوْ مَمْلُوكَةٍ وَالزَّوْجُ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ كَانَ نَفْيُهُ بَاطِلًا وَيَلْزَمُ الْوَلَدُ إيَّاهُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ قَدْ ثَبَتَ مِنْهُ بِالْفِرَاشِ فَلَا يَنْقَطِعُ إلَّا بِاللِّعَانِ وَقَدْ تَعَذَّرَ إثْبَاتٌ بَيْنَهُمَا لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الشَّهَادَةِ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا فَيَبْقَى النَّسَبُ ثَابِتًا مِنْهُ، وَلَا حَدَّ عَلَى الزَّوْجِ وَلَا لِعَانَ وَقَدْ أَجْمَلَ هَذَا الْجَوَابَ؛ لِأَنَّهُ فِي السُّؤَالِ ذَكَرَ الزَّوْجَ الْعَبْدَ وَالْمَرْأَةَ الْمَحْدُودَةَ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ الْمَحْدُودَةَ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ فَيُحْمَلُ هَذَا الْجَوَابُ عَلَى مَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ حُرًّا مُسْلِمًا حَتَّى يَمْتَنِعَ جَرَيَانُ اللِّعَانِ مِنْ قِبَلِهَا فَحِينَئِذٍ لَا يَجِبُ الْحَدُّ، وَلَا اللِّعَانُ. (قَالَ): وَإِذَا الْتَعَنَ الرَّجُلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَالْتَعَنَتْ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا فَقَدْ أَخْطَأَ السُّنَّةَ، وَالْفُرْقَةُ جَائِزَةٌ عِنْدَنَا وَعَلَى قَوْلِ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - حُكْمُهُ بِخِلَافِ السُّنَّةِ بَاطِلٌ، فَلَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِخِلَافِ النَّصِّ، فَإِنَّ اللِّعَانَ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ خَمْسُ مَرَّاتٍ وَالْحُكْمُ بِخِلَافِ النَّصِّ بَاطِلٌ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِشَهَادَةٍ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ فِي حَدِّ الزِّنَا أَوْ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ بِالْمَالِ. (وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ: أَنَّ هَذَا حُكْمٌ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ فَيَجُوزُ وَيَنْفُذُ كَالْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ وَنَحْوِهَا وَبَيَانَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ مَا شُرِعَ مُكَرَّرًا مِنْ وَاحِدٍ فَقَدْ يُقَامُ الْأَكْثَرُ مِنْهُ مَقَامَ

стр. 1422

الْكُلِّ. وَالثَّانِي - أَنَّ تَكْرَارَ اللِّعَانِ لِلتَّغْلِيظِ وَمَعْنَى التَّغْلِيظِ يَحْصُلُ بِأَكْثَرِ كَلِمَاتِ اللِّعَانِ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَدْنَى الْجَمْعِ كَأَعْلَاهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، فَإِذَا اجْتَهَدَ الْقَاضِي وَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى هَذَا الْحُكْمِ نَفَذَ حُكْمُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ لِعَانِ الزَّوْجِ قَبْلَ لِعَانِ الْمَرْأَةِ يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِكَوْنِهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ فَبَعْدَ مَا أَتَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَكْثَرِ كَلِمَاتِ اللِّعَانِ أَوْلَى. وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَضَاءَهُ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْفُرْقَةِ، وَمَحَلَّهَا غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي النَّصِّ وَهَذَا الِاجْتِهَادُ فِي مَحَلِّ الْفُرْقَةِ، فَإِنَّ مَنْ أَبْطَلَ هَذَا الْقَضَاءَ يَقُولُ: لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ وَإِنْ أَتَمَّتْ الْمَرْأَةُ اللِّعَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ وَإِنْ أَتَمَّ الزَّوْجُ اللِّعَانَ وَإِنَّمَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ عِنْدَهُ بِلِعَانِ الزَّوْجِ، وَلَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بَعْدَمَا الْتَعَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَرَّتَيْنِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ أَكْثَرِ اللِّعَانِ كَبَقَاءِ جَمِيعِهِ فَهَذَا حُكْمٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ أَقَلَّ الشَّيْءِ لَا يَقُومُ مَقَامَ كَمَالِهِ. (قَالَ): وَلَوْ فَرَغَا مِنْ اللِّعَانِ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا حَتَّى مَاتَ أَحَدُهُمَا تَوَارَثَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ عِنْدَنَا لَا تَقَعُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي، فَإِنَّمَا انْتَهَى النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا بِالْمَوْتِ (قَالَ): وَلَوْ أَخْطَأَ الْقَاضِي فَأَمَرَ الْمَرْأَةَ فَبَدَأَتْ بِاللِّعَانِ ثُمَّ الْتَعَنَ الرَّجُلُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَ الْمَرْأَةَ بِإِعَادَةِ اللِّعَانِ؛ لِأَنَّهَا الْتَعَنَتْ قَبْلَ أَوَانِهِ، فَإِنَّ اللِّعَانَ مَشْرُوعٌ فِي جَانِبِهَا لِمُعَارَضَةِ لِعَانِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا لَا يَثْبُتُ بِلِعَانِهَا شَيْءٌ عَلَى الزَّوْجِ، وَمَا حَصَلَ قَبْلَ أَوَانِهِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فَيَأْمُرُهَا بِاسْتِقْبَالِ اللِّعَانِ فَإِنْ لَمْ يَأْمُرْهَا بِذَلِكَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ كَمَا لَوْ الْتَعَنَ الزَّوْجُ وَلَمْ تَلْتَعِنْ الْمَرْأَةُ حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّ فِيمَا طَرِيقُهُ عَلَى طَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَسْبِقَ هَذَا أَوْ ذَاكَ، وَفِي بَابِ التَّحَالُفِ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِيَمِينِ أَيِّهِمَا شَاءَ؛ وَلِأَنَّهُمَا مُتَلَاعِنَانِ سَوَاءٌ بَدَأَتْ هِيَ أَوْ هُوَ وَحُكْمُهُ فِي مَوْضِعِ الِاجْتِهَادِ نَافِدٌ. (قَالَ): وَإِذَا قَذَفَ أَجْنَبِيَّةً ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فَقَذَفَهَا فَرَافَعَتْهُ فِيهِمَا جُلِدَ الْحَدَّ، وَدُرِئَ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ قَذْفِهِ قَبْلَ التَّزَوُّجِ الْحَدُّ، وَمُوجِبَ قَذْفِهِ بَعْدَ التَّزَوُّجِ اللِّعَانُ، وَلَكِنْ مَتَى اجْتَمَعَ الْحَدَّانِ عِنْدَ الْإِمَامِ - وَفِي الْبِدَايَةِ بِأَحَدِهِمَا إسْقَاطُ الْآخَرِ - بُدِئَ بِمَا فِيهِ إسْقَاطُ الْآخَرِ احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ، وَلَوْ بَدَأَ بِاللِّعَانِ هُنَا لَمْ يَسْقُطْ الْحَدُّ وَلَوْ بَدَأَ بِالْحَدِّ يَسْقُطُ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّ الْمَحْدُودَ فِي الْقَذْفِ لَا يُلَاعِنُ امْرَأَتَهُ فَلِهَذَا يُبْدَأُ بِالْحَدِّ، وَلَوْ أَخَذَتْهُ بِالْآخَرِ وَتَرَكَتْ الْأَوَّلَ لَاعَنَهَا؛ لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ لَا يُقَامُ إلَّا بِطَلَبِ الْمَقْذُوفِ فَإِذَا لَمْ يَطْلُبْ صَارَ الْقَذْفُ الْأَوَّلُ كَالْمَعْدُومِ فِي حَقِّ الثَّانِي وَقَدْ وُجِدَ مِنْهَا الْخُصُومَةُ فِي الثَّانِي فَيُلَاعِنُهَا فَإِنْ أَخَذَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْأَوَّلِ ضُرِبَ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ بِتَرْكِ الطَّلَبِ زَمَانًا لَا يَسْقُطُ حَقُّهَا فِي الْمُطَالَبَةِ بِحَدِّ الْقَذْفِ بَعْدَ تَقَرُّرِ الْمُوجِبِ لِحَدِّ الْقَذْفِ. وَإِنْ بَدَأَتْ بِالْأَوَّلِ حُدَّ لَهَا فَإِنْ أَخَذَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْآخَرِ لَمْ يَلْزَمْهُ حَدٌّ

стр. 1423

وَلَا لِعَانٌ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ الثَّانِيَ كَانَ مُوجِبًا لِلِّعَانِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ إقَامَتُهُ حِينَ صَارَ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ، وَلَوْ كَانَ مُوجِبًا لِلْحَدِّ لَا يُقَامُ إلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ وَقَدْ أُقِيمَ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَذْفَيْنِ. (قَالَ): وَإِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ مَرَّاتٍ فَعَلَيْهِ لِعَانٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ فِي كَوْنِهِ مُوجِبَ قَذْفِ الزَّوْجَاتِ كَالْحَدِّ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيَّاتِ وَالْحَدُّ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْقَذْفِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ. (قَالَ): وَإِذَا قَذَفَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ فِي كَلِمَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُلَاعِنَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَى حِدَةٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَذَفَ أَجْنَبِيَّاتٍ، فَإِنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ لَهُنَّ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِإِقَامَةِ حَدٍّ وَاحِدٍ وَهُوَ دَفْعُ عَارِ الزِّنَا عَنْهُنَّ وَهُنَا لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِلِعَانٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ فِي كَلِمَاتِ اللِّعَانِ فَقَدْ يَكُونُ صَادِقًا فِي بَعْضِهِنَّ دُونَ الْبَعْضِ، وَالْمَقْصُودُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِاللِّعَانِ مَعَ بَعْضِهِنَّ فَلِهَذَا يُلَاعِنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُنَّ عَلَى حِدَةٍ حَتَّى لَوْ كَانَ مَحْدُودًا فِي الْقَذْفِ كَانَ عَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ لَهُنَّ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ قَذْفِهِ لَهُنَّ الْحَدُّ هُنَا وَالْمَقْصُودُ يَحْصُلُ بِحَدٍّ وَاحِدٍ كَمَا فِي الْأَجْنَبِيَّاتِ. (قَالَ): وَلَوْ قَذَفَ رَجُلًا فَضُرِبَ بَعْضَ الْحَدِّ ثُمَّ قَذَفَ امْرَأَةَ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ لِعَانٌ، وَعَلَيْهِ تَمَامُ الْحَدِّ لِذَلِكَ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّ قَذْفَهُ إيَّاهَا مُوجِبٌ لِلِّعَانِ، فَإِنَّ بِإِقَامَةِ بَعْضِ الْحَدِّ عَلَيْهِ لَا تَبْطُلُ شَهَادَتُهُ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ إكْمَالِ الْحَدِّ لِذَلِكَ الرَّجُلِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ فِي الْبِدَايَةِ بِهِ إسْقَاطُ اللِّعَانِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ فَيُبْدَأُ بِإِكْمَالِ الْحَدِّ الْأَوَّلِ لِهَذَا. وَلَوْ كَانَ قَذْفُهُ إيَّاهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُوجِبًا لِلْحَدِّ لَمْ يَجِبْ إلَّا كَمَالُ الْحَدِّ الْأَوَّلِ، كَمَا لَوْ قَذَفَ أَجْنَبِيًّا آخَرَ. (قَالَ): وَإِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ بَانَتْ مِنْهُ بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَا لِعَانَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِاللِّعَانِ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ بَعْدِ الْبَيْنُونَةِ فَلَا مَعْنَى لِلِّعَانِ بَعْدَ فَوَاتِ الْمَقْصُودِ بِهِ وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَذْفَهُ كَانَ مُوجِبًا لِلِّعَانِ، وَالْقَذْفُ الْوَاحِدُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّيْنِ، وَلَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ لَمْ يُضْرَبْ الْحَدَّ أَيْضًا لِهَذَا الْمَعْنَى بِخِلَافِ مَا لَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَمَا لَاعَنَهَا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ اللِّعَانِ هُنَاكَ بِأَصْلِ الْقَذْفِ، وَالْحَدُّ بِكَلِمَاتِ اللِّعَانِ فَقَدْ نَسَبَهَا فِيهَا إلَى الزِّنَا وَانْتَزَعَ مَعْنَى الشَّهَادَةِ بِإِكْذَابِهِ نَفْسَهُ فَيَكُونُ هَذَا نَظِيرُ الشُّهُودِ بِالزِّنَا، فَأَمَّا هُنَا لَمْ تُوجَدْ كَلِمَاتُ اللِّعَانِ فَلِهَذَا لَا يُحَدُّ، وَإِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يَا زَانِيَةً كَانَ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِالتَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ فَإِنَّمَا قَذَفَهَا بِالزِّنَا بَعْدَ الْبَيْنُونَةِ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَلَوْ قَالَ يَا زَانِيَةً - أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لَمْ يَلْزَمْهُ حَدٌّ وَلَا لِعَانٌ؛ لِأَنَّهُ قَذَفَهَا، وَهِيَ مَنْكُوحَةٌ، ثُمَّ أَبَانَهَا بِالتَّطْلِيقَاتِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ بَعْدَمَا قَذَفَهَا إذَا أَبَانَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ حَدٌّ وَلَا لِعَانٌ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ ذَكَرَ كَلَامَهُ عَلَى سَبِيلِ النِّدَاءِ فَقَدْ نَسَبَهَا بِهِ إلَى الزِّنَا؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ لِلتَّعْرِيفِ، وَتَعْرِيفُهَا بِهَذَا الْوَصْفِ نِسْبَتُهَا إلَيْهِ بِأَبْلَغِ الْجِهَاتِ.

стр. 1424

قَالَ): وَإِذَا عَلَّقَ الْقَذْفَ بِشَرْطٍ لَمْ يَجِبْ حَدٌّ، وَلَا لِعَانٌ؛ لِأَنَّ الْقَذْفَ مِمَّا لَا يُحْلَفُ بِهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ؛ وَلِأَنَّ التَّعَلُّقَ بِالشَّرْطِ يَمْنَعُ تَحَقُّقَ نِسْبَتِهَا إلَى الزِّنَا فِي الْحَالِ؛ وَلِأَنَّ مَنْ لَا تَكُونُ زَانِيَةً قَبْلَ دُخُولِ الدَّارِ لَا تَكُونُ زَانِيَةً بِدُخُولِ الدَّارِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إذَا تَزَوَّجْتُك، فَأَنْتِ زَانِيَةٌ أَوْ أَنْتِ زَانِيَةٌ إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَهُوَ بَاطِلٌ لِمَا قُلْنَا. (قَالَ): وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ قَدْ زَنَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ أَوْ رَأَيْتُك تَزْنِينَ قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ، فَهُوَ قَاذِفٌ الْيَوْمَ وَعَلَيْهِ اللِّعَانُ، لِأَنَّ الْقَذْفَ نِسْبَتُهَا إلَى الزِّنَا، وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ فِي الْحَالِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ قَذَفْتُك بِالزِّنَا قَبْلَ أَنْ أَتَزَوَّجَكَ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ بِإِقْرَارِهِ قَذْفٌ قَبْلَ التَّزَوُّجِ فَهُوَ كَمَا لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لَهَا زَنَيْتِ، وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ، فَإِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَا لِعَانَ فَإِنَّ فِعْلَ الصَّغِيرَةِ لَا يَكُونُ زِنًا شَرْعًا فَقَدْ نَسَبَهَا إلَى مَا لَا يَتَحَقَّقُ شَرْعًا فَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ نَسَبَهَا إلَى مَا لَا يَتَحَقَّقُ أَصْلًا بِأَنْ قَالَ: زَنَيْتِ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقِي فَأَمَّا مَا قَبْلَ التَّزَوُّجِ يَتَحَقَّقُ مِنْهَا فِعْلُ الزِّنَا شَرْعًا؛ وَلِأَنَّ الصَّغِيرَةَ لَا يَلْحَقُهَا الْعَارُ وَلَا الْإِثْمُ شَرْعًا، وَالْقَذْفُ بِالزِّنَا يَتَعَيَّرُ بِهِ الْمَقْذُوفُ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ آثِمًا شَرْعًا، وَإِنْ قَالَ لَهَا فَرْجُك زَانٍ أَوْ جَسَدُك زَانٍ أَوْ بَدَنُك زَانٍ فَهُوَ قَذْفٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ بِخِلَافِ الرِّجْلِ، وَالْيَدِ، وَبِأَيِّ لُغَةٍ رَمَاهَا بِالزِّنَا، فَهُوَ قَاذِفٌ؛ لِأَنَّ مَا يَلْحَقُهَا مِنْ الْعَارِ وَالشَّنَارِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزِّنَا لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ الْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ وَإِذَا قَالَ وَجَدْتُ رَجُلًا مَعَهَا يُجَامِعُهَا لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ قَدْ يَكُونُ حَلَالًا وَشُبْهَةً وَبِدُونِ التَّصْرِيحِ بِالزِّنَا لَا يَكُونُ الْقَذْفُ مُوجِبًا كَمَا فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالزِّنَا لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ. (قَالَ): رَجُلٌ قَالَ لِامْرَأَتِهِ يَا زَانِيَةً فَقَالَتْ: بَلْ أَنْتِ فَإِنَّهَا تُحَدُّ لَهُ وَيُدْرَأُ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهَا لَا بَلْ أَنْتَ الزَّانِي، وَقَذْفُهَا إيَّاهُ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ وَفِي الْبِدَايَةِ بِهِ إسْقَاطُ اللِّعَانِ؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ مَحْدُودَةً فِي قَذْفٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مَتَى كَانَ فِي الْبِدَايَةِ بِأَحَدِ الْحَدَّيْنِ إسْقَاطُ الْآخَرِ يُبْدَأُ بِهِ، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: لِامْرَأَتِهِ يَا زَانِي فَعَلَيْهِ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّهُ قَاذِفٌ لَهَا وَإِنْ أَسْقَطَ الْهَاءَ مِنْ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ لِلتَّرْخِيمِ عَادَةَ الْعَرَبِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا زَانِيَةً لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْحُدُودِ، وَقَذْفُ الْأَصَمِّ امْرَأَتَهُ يُوجِبُ اللِّعَانَ؛ لِأَنَّ التَّصْرِيحَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الزِّنَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الْأَصَمِّ بِخِلَافِ الْأَخْرَسِ وَلَوْ قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَةَ رَجُلٍ فَقَالَ الزَّوْجُ: صَدَقْتَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ، وَلَا لِعَانٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَصْرِيحٍ بِالنِّسْبَةِ لَهَا إلَى الزِّنَا فَمِنْ الْجَائِزِ أَنَّ مُرَادَهُ صَدَقْتَ، هِيَ امْرَأَتُهُ، وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَكُونُ قَذْفًا فِي حَقِّ الْأَجَانِبِ، فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ. (قَالَ): وَإِنْ قَالَ يَا زَانِيَةً فَقَالَتْ زَنَيْتُ

стр. 1425

بِكَ، فِي الْقِيَاسِ يُلَاعِنُهَا؛ لِأَنَّ كَلَامَهَا لَيْسَ بِإِقْرَارٍ بِالزِّنَا مِنْهَا فَإِنَّ فِعْلَ الْمَرْأَةِ بِزَوْجِهَا لَا يَكُونُ زِنًا وَلَكِنْ فِي الِاسْتِحْسَانِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا حَدٌّ، وَلَا لِعَانٌ؛ لِأَنَّهَا بِأَوَّلِ كَلَامِهَا صَارَتْ مُصَدِّقَةً لَهُ حِينَ قَالَتْ زَنَيْت؛ وَلِأَنَّ كَلَامَهَا مُحْتَمِلٌ: لَعَلَّهَا أَرَادَتْ زَنَيْت بِك قَبْلَ النِّكَاحِ، وَلَعَلَّهَا أَرَادَتْ بَعْدَ النِّكَاحِ فَلِاحْتِمَالِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَسْقُطُ اللِّعَانُ، وَلِاحْتِمَالِ الْوَجْهِ الثَّانِي لَا تَكُونُ هِيَ قَاذِفَةً لَهُ فَلَا يَلْزَمُهَا الْحَدُّ وَإِنْ قَالَ يَا زَانِيَةً فَقَالَتْ أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي فَعَلَيْهِ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّ كَلَامَهَا لَيْسَ بِقَذْفٍ لَهُ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنْتَ أَقْدَرُ عَلَى الزِّنَا مِنِّي، وَلِهَذَا لَوْ قَذَفَ الْأَجْنَبِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ لَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الزَّوْجُ أَنْتِ أَزْنَى مِنْ فُلَانَةَ أَوْ أَنْتِ أَزْنَى النَّاسِ فَلَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ أَنْتِ أَقْدَرُ عَلَى الزِّنَا أَوْ أَكْثَرُ شَبَقًا فَلَا يَتَحَقَّقُ نِسْبَتُهَا إلَى الزِّنَا بِهَذَا اللَّفْظِ، وَإِذَا قَذَفَهَا أَوْ نَفَى نَسَبَ وَلَدِهَا فَصَدَّقَتْهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا حَدٌّ وَلَا لِعَانٌ؛ لِأَنَّهَا بِتَصْدِيقِ الزَّوْجِ فِيمَا نَسَبَهَا إلَيْهِ مِنْ الزِّنَا تَخْرُجُ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُحْصَنَةً، وَالْوَلَدُ وَلَدُهُ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ يَثْبُتُ مِنْهُ بِالْفِرَاشِ فَلَا يَنْتَفِي إلَّا بِاللِّعَانِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ اللِّعَانُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ قَذَفَ امْرَأَةَ رَجُلٍ فَقَالَ الرَّجُلُ: صَدَقْت هِيَ كَمَا قُلْت كَانَ قَاذِفًا لَهَا؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِآخِرِ كَلَامِهِ أَنَّ مُرَادَهُ مِنْ التَّصْدِيقِ أَوَّلُ الْكَلَامِ، وَمَعْنَاهُ هِيَ زَانِيَةٌ كَمَا قُلْت بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ مُطْلَقًا صَدَقْت، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةً بِنْتَ الزَّانِيَةِ فَقَدْ صَارَ قَاذِفًا لَهَا وَلِأُمِّهَا، وَقَذْفُهُ أُمَّهَا مُوجِبٌ لِلْحَدِّ، وَقَذْفُهُ إيَّاهَا مُوجِبٌ لِلِّعَانِ فَإِذَا رَفَعَتْهُ هِيَ وَأُمُّهَا بُدِئَ بِالْحَدِّ لِمَا فِي الْبِدَايَةِ بِهِ مِنْ إسْقَاطِ اللِّعَانِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْأُمُّ مَيِّتَةً فَلِلْبِنْتِ أَنْ تُخَاصِمَ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ؛ لِأَنَّ الْعَارَ يَلْحَقُهَا بِزِنَا أُمِّهَا فَإِذَا خَاصَمَتْ فِي ذَلِكَ حُدَّ لَهَا، وَدُرِئَ اللِّعَانُ، وَإِنْ قَالَ زَنَيْت مُسْتَكْرَهَةً أَوْ زَنَى بِك صَبِيٌّ لَمْ يَكُنْ قَاذِفًا لَهَا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَكْرَهَةَ لَا تَكُونُ زَانِيَةً شَرْعًا فَإِنَّ الْفِعْلَ يَنْعَدِمُ مِنْهَا، وَهُوَ التَّمْكِينُ فِي الْإِكْرَاهِ وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهَا الْحَدُّ، وَكَذَلِكَ فِعْلُ الصَّبِيِّ لَا يَكُونُ زِنًا شَرْعًا وَهِيَ بِالتَّمْكِينِ مِنْ غَيْرِ الزِّنَا لَا تَكُونُ زَانِيَةً، فَلَا يَكُونُ قَاذِفًا لَهَا وَلَوْ قَذَفَهَا ثُمَّ وُطِئَتْ وَطْئًا حَرَامًا سَقَطَ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُحْصَنَةً، وَالْعَارِضُ فِي الْحُدُودِ قَبْلَ الْإِقَامَةِ كَالْمُقْتَرِنِ بِأَصْلِ السَّبَبِ. (قَالَ): وَإِذَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ وَلَدًا ثُمَّ نَفَى الْوَلَدَ بَعْدَ سَنَةٍ لَاعَنَهَا وَلَمْ يَنْتِفْ الْوَلَدُ إنَّمَا اسْتَحْسَنَ إذَا نَفَاهُ حِينَ يُولَدُ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ أَنْ يَنْتَفِيَ بِاللِّعَانِ فَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁، وَلَمْ يَكُنْ وَقَّتَ فِيهِ وَقْتًا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: الْوَقْتُ فِيهِ أَيَّامُ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا: وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ مُدَّةَ النِّفَاسِ كَحَالَةِ الْوِلَادَةِ. بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَصُومُ فِيهِ، وَلَا تُصَلِّي وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْوَلَدُ مِنْهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَسْكُتَ عَنْ نَفْيِهِ بَعْدَ

стр. 1426

الْوِلَادَةِ فَيَكُونُ سُكُوتُهُ عَنْ النَّفْيِ دَلِيلُ الْقَبُولِ، وَكَذَلِكَ يُهَنَّى بِالْوَلَدِ عِنْدَ الْوِلَادَةِ فَقَبُولُهُ بِالتَّهْنِئَةِ إقْرَارٌ مِنْهُ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ يَشْتَرِي مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِصْلَاحِ الْوَلَدِ عَادَةً وَبَعْدَ وُجُودِ دَلِيلِ الْقَبُولِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ نَفْيُهُ إلَّا عَلَى فَوْرِ الْوِلَادَةِ وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فَقَالَ: لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَرْوِيَ النَّظَرَ لِئَلَّا يَكُونَ مُجَازِفًا فِي النَّفْيِ قَالَ: ﷺ «مَنْ نَفَى نَسَبَ وَلَدِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَيْهِ فَهُوَ مَلْعُونٌ»، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَرْوِيَ النَّظَرَ إلَّا بِمُدَّةٍ فَجَعَلْنَا لَهُ مِنْ الْمُدَّةِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ يَسْتَعِدُّ لِلْعَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْعَقِيقَةُ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ وَلَكِنَّ هَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّ نَصْبَ الْمِقْدَارَ بِالرَّأْيِ لَا يَكُونُ. (قَالَ): وَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ غَائِبًا حِينَ وَلَدَتْهُ فَحَضَرَ بَعْدَ مُدَّةٍ يُجْعَلُ مِنْ حَقِّهِ فِي حُكْمِ النَّفْيِ كَأَنَّهَا وَلَدَتْهُ الْآنَ إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: إنْ حَضَرَ قَبْلَ الْفِصَالِ فَلَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ إلَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةٍ وَلَوْ حَضَرَ بَعْدَ الْفِصَالِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ؛ لِأَنَّهُ يُقْضَى بِنَفَقَتِهِ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ الَّذِي خَلَفَهُ، وَلَوْ كَانَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بَعْدَ الْفِصَالِ لَكَانَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بَعْدَ مَا صَارَ شَيْخًا، وَهَذَا قَبِيحٌ. هَذَا كُلُّهُ إنْ لَمْ يَقْبَلْ التَّهْنِئَةَ فَأَمَّا إذَا هُنِّئَ فَسَكَتَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُ عِنْدَ التَّهْنِئَةِ بِمَنْزِلَةِ قَبُولِهِ التَّهْنِئَةِ، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِنَسَبِهِ إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إذَا هُنِّئَ بِوَلَدِ الْأَمَةِ فَسَكَتَ لَمْ يَكُنْ قَبُولًا بِخِلَافِ وَلَدِ الْمَنْكُوحَةِ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْأَمَةِ غَيْرُ ثَابِتِ النَّسَبِ مِنْهُ فَالْحَاجَةُ إلَى الدَّعْوَةِ، وَالسُّكُوتُ لَيْسَ بِدَعْوَةٍ فَأَمَّا نَسَبُ وَلَدِ الْمَنْكُوحَةِ ثَابِتٌ مِنْهُ فَسُكُوتُهُ يَكُونُ مُسْقِطًا حَقَّهُ فِي النَّفْيِ. (قَالَ): وَإِذَا لَاعَنَ بِوَلَدٍ وَلَزِمَ أُمَّهُ ثُمَّ مَاتَ الْوَلَدُ عَنْ مَالِ فَادَّعَاهُ الْأَبُ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى النَّسَبِ، وَالْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ بِالْمَوْتِ قَدْ اسْتَغْنَى عَنْ النَّسَبِ فَكَانَ هَذَا مِنْهُ دَعْوَى الْمِيرَاثِ، وَهُوَ مُنَاقِضٌ فِي دَعْوَاهُ لَكِنْ يُضْرَبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ وَأَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ قَاذِفًا لَهَا فِي كَلِمَاتِ اللِّعَانِ، فَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ ابْنًا لَهُ فَمَاتَ وَتَرَكَ وَلَدًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ الْمُدَّعِي، وَوَرِثَ الْأَبُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ الْبَاقِي مُحْتَاجٌ إلَى النَّسَبِ فَبَقَاؤُهُ كَبَقَاءِ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ. فَأَمَّا إذَا كَانَ وَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ بِنْتًا فَمَاتَتْ عَنْ وَلَدٍ ثُمَّ أَكْذَبَ الْمُلَاعِنُ نَفْسَهُ، فَكَذَا الْجَوَابُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا لَا يَثْبُتُ النَّسَبُ هُنَا؛ لِأَنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ الْقَائِمِ مِنْ جَانِبِ أَبِيهِ لَا مِنْ جَانِبِ أُمِّهِ قَالَ الْقَائِلُ:

стр. 1427

وَإِنَّمَا أُمَّهَاتُ النَّاسِ أَوْعِيَةٌ مُسْتَوْدَعَاتٌ وَلِلْأَنْسَابِ آبَاءٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ أَوْلَادَ الْخُلَفَاءِ مِنْ الْإِمَاءِ يَصْلُحُونَ لِلْخِلَافَةِ، وَهَذَا، وَمَا لَوْ مَاتَتْ لَا عَنْ وَلَدٍ سَوَاءٌ، وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْوَلَدُ يَتَعَيَّرُ بِانْتِفَاءِ نَسَبِ أُمِّهِ كَمَا يَتَعَيَّرُ بِانْتِفَاءِ نَسَبِ أَبِيهِ فَكَانَ هَذَا الْوَلَدُ مُحْتَاجًا إلَى إثْبَاتِ نَسَبِ أُمِّهِ لِيَصِيرَ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ، فَيَكُونُ بَقَاؤُهُ كَبَقَائِهَا كَمَا لَوْ كَانَ وَلَدُ الْمُلَاعَنَةِ ذَكَرًا، وَإِذَا ثَبَتَ النَّسَبُ فَالْمِيرَاثُ يَنْبَنِي عَلَيْهِ حُكْمًا. (قَالَ): وَلَوْ وَلَدَتْ امْرَأَةُ الرَّجُلِ فَقَالَ الزَّوْجُ لَمْ تَلِدْهُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَا لِعَانَ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ وِلَادَتَهَا وَذَلِكَ لَا يَتَضَمَّنُ نِسْبَتَهَا إلَى الزِّنَا، وَلَوْ شَهِدْت امْرَأَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ ثَبَتَ نِسْبَةٌ مِنْهَا لِقِيَامِ الْفِرَاشِ بَيْنَهُمَا، فَإِذَا نَفَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَاعَنَهَا، وَإِنْ قَالَ لَيْسَ هَذَا مِنِّي، وَلَا مِنْك لَمْ يَكُنْ بِهَذَا قَاذِفًا لَهَا؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ وِلَادَتَهَا هَذَا الْوَلَدِ بِهَذَا اللَّفْظِ. (قَالَ): وَإِذَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ ارْتَدَّتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تَأْخُذَهُ بِذَلِكَ الْقَذْفِ؛ لِأَنَّهَا بِالرِّدَّةِ خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُحْصَنَةً، وَلِأَنَّهَا بَانَتْ مِنْهُ بِالرِّدَّةِ، وَلَوْ بَانَتْ بِسَبَبٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ، وَلَا لِعَانٌ فَإِذَا بَانَتْ بِالرِّدَّةِ أَوْلَى (قَالَ): وَإِذَا لَاعَنَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بِغَيْرِ وَلَدٍ ثُمَّ قَذَفَهَا هُوَ أَوْ غَيْرُهُ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهَا بَقِيَتْ مُحْصَنَةً بَعْدَ اللِّعَانِ وَالتَّفْرِيقِ فَإِنَّ اللِّعَانَ بَيْنَهُمَا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا مُحْصَنَةً فَلَا تَخْرُجُ بِهِ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُحْصَنَةً. (قَالَ): وَإِنْ لَاعَنَهَا بِوَلَدٍ ثُمَّ قَذَفَهَا هُوَ، أَوْ غَيْرُهُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَلَا لِعَانَ؛ لِأَنَّهَا فِي صُورَةِ الزَّانِيَاتِ فَإِنَّ فِي حِجْرِهَا وَلَدًا لَا يُعْرَفُ لَهُ وَالِدٌ، فَلَا تَكُونُ مُحْصَنَةً فَإِنْ ادَّعَى الزَّوْجُ الْوَلَدَ فَجُلِدَ الْحَدَّ، وَأُلْزِمَ الْوَلَدُ ثُمَّ قَذَفَهَا قَاذِفٌ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي صُورَةِ الزَّانِيَاتِ حِينَ ثَبَتَ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْ الزَّوْجِ، وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ كَانَ قَذَفَهَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَالَ وُجُودِ السَّبَبِ فِي الْحُدُودِ مُعْتَبَرُ لَا مَحَالَةَ، وَقَدْ كَانَتْ عِنْدَ الْقَذْفِ فِي صُورَةِ الزَّانِيَاتِ. (قَالَ): وَلَوْ ادَّعَى الْوَلَدَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُحَدَّ ثَبَتَ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْهُ بِالدَّعْوَى، وَضُرِبَ مَنْ قَذَفَ الْمَرْأَةَ بَعْدَهُ الْحَدَّ. وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى الزَّوْجِ أَنَّهُ ادَّعَاهُ، وَهُوَ يُنْكِرُ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَضُرِبَ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى الزَّوْجِ أَنَّهُ ادَّعَاهُ كَالثَّابِتِ بِالْإِقْرَارِ، وَمَنْ قَذَفَهَا بَعْدَ ذَلِكَ ضُرِبَ الْحَدَّ؛ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي صُورَةِ الزَّانِيَاتِ. (قَالَ): وَإِذَا قَذَفَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَرَافَعَتْهُ فَأَقَامَتْ

стр. 1428

شَاهِدَيْنِ أَنَّهُ أَكْذَبَ نَفْسَهُ حُدَّ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ أَوْ بِالْمُعَايَنَةِ. (قَالَ): وَإِذَا رَجَعَ الْمُلَاعِنَانِ إلَى حَالٍ لَا يَتَلَاعَنَانِ فِيهِ أَبَدًا فَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّفْرِيقِ حَلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ كَانَ قَبْلَ التَّفْرِيقِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَحَاصِلُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا وَالْحُرْمَةَ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ تَكْرَارِ اللِّعَانِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ الْمَعْنَى حِينَ صَارَ إلَى حَالٍ لَا يَتَلَاعَنَانِ فِيهِ أَبَدًا (قَالَ): وَإِذَا أَسْلَمَتْ امْرَأَةُ الذِّمِّيِّ فَقَذَفَهَا ثُمَّ أَسْلَمَ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُحْصَنَةً حِينَ قَذَفَهَا فَكَانَ اللِّعَانُ مُمْتَنِعًا بِاعْتِبَارِ حَالِ الزَّوْجِ فَإِنَّهُ كَافِرٌ فَلَزِمَهُ الْحَدُّ، ثُمَّ لَا يَسْقُطُ ذَلِكَ بَعْدَ إسْلَامِهِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يَعْتِقُ بَعْدَمَا قَذَفَ امْرَأَتَهُ. (قَالَ): وَلَوْ قَذَفَ الْحُرُّ امْرَأَتَهُ الذِّمِّيَّةَ، أَوْ الْأَمَةَ ثُمَّ أَسْلَمَتْ، أَوْ أُعْتِقَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ، وَلَا لِعَانٌ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ جَرَيَانِ اللِّعَانِ بِمَعْنًى مِنْ جِهَتِهَا عِنْدَ الْقَذْفِ فَلَا يَجْرِي اللِّعَانُ، وَإِنْ ارْتَفَعَ الْمَعْنَى بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِذَا أَعْتَقَتْ الْمَرْأَةُ الْأَمَةُ ثُمَّ قَذَفَهَا الزَّوْجُ، فَعَلَيْهِ اللِّعَانُ لِبَقَاءِ النِّكَاحِ بَيْنَهُمَا عِنْدَنَا بَعْدَ مَا عَتَقَتْ فَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا بَطَلَ اللِّعَانُ لِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا بِاخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا، وَلَا مَهْرَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ بِهَا؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ اخْتَارَتْ حَتَّى يُلَاعِنَهَا وَيُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مُحَالٌ بِهَا عَلَى جَانِبِ الزَّوْجِ هُنَا، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: اللِّعَانُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ دَخَلَ بِهَا ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَلَهَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى فِي الْعِدَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ. [بَابُ الشَّهَادَةِ فِي اللِّعَانِ] (قَالَ): ﵁ وَإِذَا شَهِدَ الزَّوْجُ، وَثَلَاثَةُ نَفَرٍ عَلَى الْمَرْأَةِ بِالزِّنَا جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَأُمْضِيَ عَلَيْهَا الْحَدُّ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ بِالزِّنَا لِأَنَّهُ خَصْمٌ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ قَاذِفًا لَهَا مُسْتَوْجِبًا لِلِّعَانِ، وَلَا شَهَادَةَ لِلْخَصْمِ، وَلِأَنَّهُ شَاهِدٌ طُعِنَ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَغِيظُهُ زِنَاهَا فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهَا لَا بِطَرِيقِ الْحِسْبَةِ وَلِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهَا الْجِنَايَةَ فِي أَمَانَتِهِ فَالْفِرَاشُ أَمَانَةُ الزَّوْجِ عِنْدَهَا، وَلَا شَهَادَةَ لِلْمُدَّعِي، وَلَكِنَّا نَقُولُ: لَوْ شَهِدَ عَلَيْهَا بِحَقِّ آخَرَ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ لِظُهُورِ الْعَدَالَةِ، وَانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فَكَذَلِكَ بِالزِّنَا بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ التُّهْمَةِ هُنَا أَظْهَرُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الزَّوْجَ يَسْتُرُ الزِّنَا عَلَى امْرَأَتِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشِينُهُ وَمَعْنَى الْغَيْظِ الَّذِي قَالَ يَبْطُلُ

стр. 1429

بِالْأَبِ إذَا شَهِدَ عَلَى ابْنَتِهِ بِالزِّنَا تُقْبَلُ، وَإِنْ كَانَ يَغِيظُهُ زِنَاهَا، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ إنَّهُ خَصْمٌ؛ لِأَنَّ إخْرَاجَهُ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الشَّهَادَةِ فِي الِابْتِدَاءِ يَمْنَعُ كَوْنَهُ خَصْمًا مُسْتَوْجِبًا لِلِّعَانِ كَالْأَجْنَبِيِّ، فَإِنَّ قَذْفَ الْأَجْنَبِيِّ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ، ثُمَّ إذَا أَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الشَّهَادَةِ فِي الِابْتِدَاءِ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْجِبًا لِلْحَدِّ، وَكَانَ مُحْتَسِبًا فِي الشَّهَادَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَذَفَهَا أَوَّلًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَوْجِبًا لِلِّعَانِ فَإِنَّمَا يَقْصِدُ بِالشَّهَادَةِ بَعْدَ ذَلِكَ إسْقَاطَ اللِّعَانِ عَنْ نَفْسِهِ، وَالْحَدُّ الْوَاجِبُ بِزِنَاهَا يُخَلِّصُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يَكُونُ الزَّوْجُ مُدَّعِيًا إذَا قَصَدَ بِشَهَادَتِهِ إثْبَاتَ حَقٍّ لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ إثْبَاتُ حَقٍّ لَهُ وَلَوْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ بِأَنْ لَمْ يُعَدَّلُوا لَمْ يَجِبْ اللِّعَانُ عَلَى الزَّوْجِ، كَمَا لَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْأَجَانِبِ لِتَكَامُلِ عَدَدِ الشُّهُودِ، وَذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: لَوْ قَذَفَهَا الزَّوْجُ ثُمَّ جَاءَ بِأَرْبَعَةٍ يَشْهَدُونَ عَلَيْهَا بِالزِّنَا فَلَمْ يُعَدَّلُوا لَاعَنَهَا الزَّوْجُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَوْجَبَ اللِّعَانَ بِقَذْفِهِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ إلَّا بِثُبُوتِ الزِّنَا عَلَيْهَا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُلَاعِنُهَا؛ لِأَنَّ الْقَاذِفَ لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا فَأَقَامَ أَرْبَعَةً مِنْ الشُّهَدَاءِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُحَدَّ، وَكَذَلِكَ لَا يُلَاعِنُهَا الزَّوْجُ. وَلَوْ شَهِدَ مَعَ الزَّوْجِ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْعُمْيَانِ بِالزِّنَا عَلَيْهَا يُحَدُّ الْعُمْيَانُ، وَيُلَاعِنُهَا الزَّوْجُ؛ لِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُ بِكَذِبِ الْعُمْيَانِ فِي الشَّهَادَةِ بِالزِّنَا، فَإِنَّ تَحَمُّلَ هَذِهِ الشَّهَادَةِ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ مُعَايَنَةٍ وَلَيْسَ لِلْعُمْيَانِ تِلْكَ الْآلَةِ فَلَا تُعْتَبَرُ شَهَادَتُهُمْ، وَيَلْزَمُهُمْ الْحَدُّ بِالْقَذْفِ، وَيُلَاعِنُهَا الزَّوْجُ بِقَذْفِهِ أَيْضًا بِخِلَافِ الْفُسَّاقِ فَإِنَّ لَهُمْ فِي الزِّنَا شَهَادَةً؛ لِأَنَّا لَا نَتَيَقَّنُ بِكَذِبِهِمْ فِيهِ. (قَالَ): وَإِذَا شَهِدَ لِلْمَرْأَةِ ابْنَاهَا عَلَى زَوْجِهَا أَنَّهُ قَذَفَهَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ لِأُمِّهِمَا، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ أَبُ الْمَرْأَةِ، وَابْنٌ لَهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ لَهَا رَجُلٌ، وَامْرَأَتَانِ بِالْقَذْفِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ هَذَا حَدٌّ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ هَكَذَا نُقِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَكَذَلِكَ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ فِي كِلَا النَّوْعَيْنِ ضَرْبَ شُبْهَةٍ، وَالْحَدُّ لَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ وَلَكِنْ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ كَلَامٌ، فَإِنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: اللِّعَانُ شَهَادَةٌ فِيهِ مَعْنَى الْيَمِينِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَمِينٌ فِيهِ مَعْنَى الْحَدِّ وَفَائِدَةُ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِيمَا إذَا عُزِلَ الْقَاضِي أَوْ مَاتَ بَعْدَ اللِّعَانِ قَبْلَ التَّفْرِيقِ عِنْدَهُمَا الْقَاضِي الثَّانِي يَسْتَقْبِلُ اللِّعَانَ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا الْحُكْمُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَسْتَقْبِلُهُ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ فِي مَعْنَى الْحَدِّ، وَالْيَمِينُ، وَالْحَدُّ إذَا أَمْضَاهُمَا الْقَاضِي لَا يَسْتَقْبِلُهُمَا قَاضٍ آخَرَ. وَاسْتَدَلَّ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: ﷺ «لَوْلَا الْأَيْمَانُ الَّتِي سَبَقَتْ لَكَانَ لِي، وَلَهَا شَأْنٌ»؛ وَلِأَنَّ فِي كَلِمَاتِ اللِّعَانِ قَوْلُهُ بِاَللَّهِ، وَهَذَا يَمِينٌ وَيَسْتَوِي فِي اللِّعَانِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، وَلَا مُسَاوَاةَ

стр. 1430

بَيْنَهُمَا فِي الشَّهَادَةِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - اسْتَدَلَّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦] وَلِأَنَّهُ يَخْتَصُّ بِمَجْلِسِ الْقَضَاءِ، وَلَفْظِ الشَّهَادَةِ فَيَكُونُ شَهَادَةً فِيهَا مَعْنَى الْيَمِينِ لِقَوْلِهِ بِاَللَّهِ وَلِهَذَا سَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمِينًا، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ (لَوْلَا الشَّهَادَاتُ الَّتِي سَبَقَتْ) وَفِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْوِلَادَةِ يَسْتَوِي فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ حَتَّى تُقْبَلَ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ، وَاحِدَةٍ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ فَهُنَا كَذَلِكَ ثُمَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا التَّعْلِيلُ وَاضِحٌ؛ لِأَنَّ فِي اللِّعَانِ مَعْنَى الْحَدِّ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا مَعْنَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَنَّ قَذْفَ زَوْجَتِهِ قَدْ يَكُونُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ إذَا تَعَذَّرَ اللِّعَانُ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِ فَلِهَذَا لَا يَثْبُتُ بِالْحُجَّةِ الَّتِي فِيهَا شُبْهَةٌ. (قَالَ): وَإِنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالزِّنَا، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ لِوَلَدِهَا: هَذَا مِنْ الزِّنَا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ لَفْظًا، وَمَعْنًى فَإِنَّ نِسْبَةَ الْوَلَدِ إلَى أَنَّهُ مَخْلُوقٌ بِالزِّنَا غَيْرُ قَذْفِهَا بِالزِّنَا، وَالْمُوَافَقَةِ بَيْنَ الشَّاهِدَيْنِ لَفْظًا، وَفِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُعْتَبَرَةٌ وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْآخَرُ أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ لَا تُقْبَلُ، وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ لَهَا: زَنَى بِك فُلَانٌ، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ لَهَا زَنَى بِك فُلَانٌ لِرَجُلٍ آخَرَ فَعَلَيْهِ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّ فِعْلَهَا بِالزِّنَا هُوَ التَّمْكِينُ مِنْ فِعْلِ الزِّنَا وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْفَاعِلِ إذَا كَانَ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَاعِلَيْنِ زِنًا فَقَدْ اتَّفَقَ الشَّاهِدَانِ عَلَى أَنَّهُ قَذَفَهَا بِالزِّنَا لَفْظًا وَمَعْنًى، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِيمَا لَا حَاجَةَ بِهِمَا إلَى ذِكْرِهِ وَلَوْ كَانَ قَذْفُهَا بِرَجُلٍ وَاحِدٍ، وَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَطْلُبُ حَدَّهُ جُلِدَ الْحَدَّ، وَدُرِئَ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عِنْدَ الْإِمَامِ حَدَّانِ فَإِنَّ قَذْفَهُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ، وَفِي حَقِّهَا مُوجِبٌ لِلِّعَانِ، وَمَتَى اجْتَمَعَ حَدَّانِ، وَفِي الْبِدَايَةِ بِأَحَدِهِمَا إسْقَاطُ الْآخَرُ يُبْدَأُ بِذَلِكَ. (قَالَ): وَإِذَا شَهِدَ الشَّاهِدَانِ عَلَى الزَّوْجِ بِالْقَذْفِ حَبَسَهُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ الشَّاهِدَيْنِ، وَلَمْ يَكْفُلْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا كَفَالَةَ فِي الْحُدُودِ، وَهَذَا فِي مَعْنَى الْحَدِّ، فَإِنْ قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّهُ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، وَأُمَّنَا فِي كَلِمَةٍ، وَاحِدَةٍ لَمْ تَجُزْ الشَّهَادَةُ؛ لِأَنَّهَا بَطَلَتْ فِي حَقِّ أُمِّهِمَا فَإِنَّهُمَا يَشْهَدَانِ لَهَا، وَمَتَى بَطَلَتْ الشَّهَادَةُ فِي بَعْضِ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ بَطَلَ فِي كُلِّهَا، وَإِنْ شَهِدَ ابْنَاهُ مِنْ غَيْرِهَا عَلَى قَذْفِهِ إيَّاهَا، وَأُمُّهُمَا عِنْدَهُ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ لِمَا فِيهَا مِنْ نَفْعِ أُمِّهِمَا، فَإِنَّهَا لَوْ قُبِلَتْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِاللِّعَانِ فَيَخْلُصُ الْفِرَاشُ لِأُمِّهِمَا، وَهُوَ كَمَا لَوْ شَهِدَا عَلَيْهِ بِطَلَاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِمَا قَالَ إلَّا أَنَّ الْأَبَ إذَا كَانَ عَبْدًا أَوْ مَحْدُودًا فِي قَذْفٍ فَتَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهِ، وَلَا يُضْرَبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَبِيهِمَا بِالْحَدِّ، وَلَيْسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِأُمِّهِمَا. (قَالَ)، وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِقَذْفِ امْرَأَتِهِ فَعُدِّلَا، ثُمَّ غَابَا أَوْ مَاتَا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا فَإِنَّهُ يُحْكَمُ بِاللِّعَانِ فَإِنَّ الْمَوْتَ، وَالْغَيْبَةَ لَا تَقْدَحُ فِي عَدَالَتِهِمَا بِخِلَافِ مَا لَوْ

стр. 1431

عَمِيَا أَوْ ارْتَدَّا أَوْ فَسَقَا، وَهَكَذَا الْجَوَابُ فِي كُلِّ حَدٍّ مَا خَلَا الرَّجْمَ، فَإِنَّهُ لَا يُقَامُ بَعْدَ مَوْتِ الشُّهُودِ أَوْ فِسْقِهِمْ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِيهِ أَنْ يَبْدَأَ الشُّهُودُ، وَذَلِكَ يَفُوتُ. (قَالَ): وَيُقْبَلُ تَوْكِيلُ الْمَرْأَةِ فِي إثْبَاتِ الْقَذْفِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، كَمَا يُقْبَلُ تَوْكِيلُ الْمَقْذُوفِ إذَا كَانَ أَجْنَبِيًّا فِي إثْبَاتِ الْقَذْفِ فَإِذَا جَاءَ مَوْضِعُ الْإِقَامَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَحْضُرَ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ لَا تَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِالنَّائِبِ. (قَالَ): وَإِذَا أَقَامَ الزَّوْجُ الْقَاذِفُ شَاهِدَيْنِ عَلَى إقْرَارِ الْمَرْأَةِ بِالزِّنَا يَسْقُطُ اللِّعَانُ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِإِقْرَارِهَا، وَبِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ، وَلَا يَلْزَمُهَا حَدُّ الزِّنَا كَمَا لَوْ أَقَرَّتْ مَرَّةً، وَاحِدَةً فَإِنَّ الْأَقَارِيرَ الْأَرْبَعَةَ فِي مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا لِإِقَامَةِ حَدِّ الزِّنَا، وَتَمْتَنِعُ الْإِقَامَةُ بِإِنْكَارِهَا بَعْدَ الْأَقَارِيرِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهَا رَجُلٌ، وَامْرَأَتَانِ بِذَلِكَ دَرَأْتُ اللِّعَانَ أَيْضًا اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ يُلَاعِنُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لِلنِّسَاءِ فِي بَابِ الزِّنَا، فَلَا يَكُونُ لَهُنَّ شَهَادَةً أَيْضًا فِي إثْبَاتِ الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: الْمَقْصُودُ هُنَا دَرْءُ الْحَدِّ لَا إثْبَاتُهُ، وَدَرْءُ الْحَدِّ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ، فَتُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الرِّجَالِ مَعَ النِّسَاءِ، وَلَوْ عَفَّتْ الْمَرْأَةُ عَنْ الْقَذْفِ كَانَ لَهَا أَنْ تُخَاصِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَتُطَالِبَ بِاللِّعَانِ كَمَا فِي الْحُدُودِ فِي قَذْفِ الْأَجَانِبِ عِنْدَنَا. (قَالَ): وَإِنْ شَهِدَ لِلزَّوْجِ ابْنَاهُ مِنْهَا أَنَّهَا أَقَرَّتْ بِالزِّنَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ لِأَبِيهِمَا بِإِسْقَاطِ اللِّعَانِ عَنْهُ، وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ: أَنَّهُ قَذَفَهَا، وَقَذَفَ امْرَأَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ قَبْلَهُ فِي كَلَامٍ مُتَفَرِّقٍ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا لِلْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمَا مُدَّعِيَانِ، وَفِي حَقِّ الْمَرْأَةِ شَاهِدَانِ فَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ مُتَفَرِّقًا فَبُطْلَانُ شَهَادَتِهِمَا فِي أَحَدِ الْكَلَامَيْنِ لَا يُبْطِلُ شَهَادَتَهُمَا فِي الْكَلَامِ الْآخَرِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْكُلُّ فِي كَلَامٍ، وَاحِدٍ (قَالَ): وَإِذَا صَدَّقَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عِنْدَ الْإِمَامِ فَقَالَتْ صَدَقَ، وَلَمْ تَقُلْ زَنَيْت فَأَعَادَتْ ذَلِكَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي مَجَالِسَ مُتَفَرِّقَةٍ لَمْ يَلْزَمْهَا حَدُّ الزِّنَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا: صَدَقَ - كَلَامٌ مُحْتَمَلٌ، وَمَا لَمْ تُفْصِحْ بِالْإِقْرَارِ بِالزِّنَا لَا يَلْزَمُهَا الْحَدُّ وَلَكِنْ يَبْطُلُ اللِّعَانُ، وَلَا يُحَدُّ مِنْ قَذْفِهَا بَعْدَ هَذَا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا صَدَّقَتْهُ فِي نِسْبَتِهَا إلَى الزِّنَا، وَالظَّاهِرُ يَكْفِي لِإِسْقَاطِ إحْصَانِهَا. (قَالَ): وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِالْقَذْفِ فَقَالَ الزَّوْجُ: يَوْمئِذٍ كَانَتْ أَمَةً أَوْ كَافِرَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ وُجُوبَ اللِّعَانِ عَلَيْهِ، وَهِيَ تَدَّعِي وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللِّعَانَ بِمَنْزِلَةِ الْحَدِّ، وَلَا يَمِينَ فِي الْحُدُودِ، فَإِنَّهُ لَوْ اُسْتُحْلِفَ إنَّمَا يُسْتَحْلَفُ لِيُتَوَصَّلَ إلَى اللِّعَانِ بِنُكُولِهِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْرُوفَةَ الْأَصْلِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ فَعَرَفَ ذَلِكَ الْقَاضِي لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى قَوْلِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيمَا يَدَّعِي، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ: الْمَرْأَةُ عَلَى حُرِّيَّتِهَا

стр. 1432

وَإِسْلَامِهَا، وَالزَّوْجُ عَلَى كُفْرِهَا، وَرِقِّهَا وَقْتَ الْقَذْفِ، فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُدَّعِيَةُ؛ لِأَنَّهَا تُثْبِتُ اللِّعَانَ بِبَيِّنَتِهَا، وَالزَّوْجُ يَنْفِي ذَلِكَ فَكَانَتْ بَيِّنَتُهَا أَوْلَى إلَّا أَنْ يُثْبِتَ شُهُودُ الزَّوْجِ رِدَّتَهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ الَّذِي شَهِدَ بِهِ شُهُودُهَا، فَحِينَئِذٍ بَيِّنَتُهُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِثْبَاتِ فِي بَيِّنَتِهِ أَظْهَرُ. (قَالَ): وَإِنْ ادَّعَى الزَّوْجُ بِأَنَّهَا زَانِيَةٌ أَوْ قَدْ وَطِئَتْ وَطْئًا حَرَامًا فَعَلَيْهِ اللِّعَانُ؛ لِأَنَّ إحْصَانَهَا مَعْلُومٌ لِلْقَاضِي بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ. وَالزَّوْجُ يَدَّعِي مَا يُسْقِطُ إحْصَانَهَا فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ كَمَا لَوْ عَلِمَ الْقَاضِي حُرِّيَّتَهَا وَإِسْلَامَهَا، فَإِنْ ادَّعَى الزَّوْجُ بَيِّنَةً عَلَى أَنَّهَا كَمَا قَالَ، أُجِّلَ إلَى قِيَامِ الْقَاضِي فَإِنْ أَحْضَرَ بَيِّنَتَهُ وَإِلَّا لَاعَنَ؛ لِأَنَّ سَبَبَ وُجُوبِ اللِّعَانِ قَدْ ظَهَرَ، وَلَكِنْ يُمَكَّنُ الزَّوْجُ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الدَّفْعِ بِقَدْرِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَذَلِكَ إلَى قِيَامِ الْقَاضِي، وَلَا يُؤَجِّلُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهَا. (قَالَ): وَإِنْ قَالَ الزَّوْجُ قَذَفْتهَا، وَهِيَ صَغِيرَةٌ، وَادَّعَتْ أَنَّهُ قَذَفَهَا بَعْدَ مَا أَدْرَكَتْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ، فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُدَّعِيَةُ وَلِأَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ فَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ قَذَفَهَا مَرَّتَيْنِ. (قَالَ): وَإِذَا ادَّعَتْ عَلَى الزَّوْجِ الْقَذْفَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا بَيِّنَةٌ فَلَا يَمِينَ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ، وَلَا يَمِينَ فِي الْحُدُودِ. وَكَذَلِكَ إنْ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهَا صَدَّقَتْهُ، وَأَرَادَ يَمِينَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا يَمِينٌ؛ لِأَنَّ تَصْدِيقَهَا إقْرَارٌ مِنْهَا بِالزِّنَا، وَلَا يَمِينَ فِي الْإِقْرَارِ بِالزِّنَا. (قَالَ): فَإِنْ ادَّعَتْ قَذْفًا مُتَقَادِمًا، وَأَقَامَتْ عَلَيْهِ شُهُودًا جَازَ؛ لِأَنَّ مُوجَبَ الْقَذْفِ لَا يَبْطُلُ بِالتَّقَادُمِ كَالْحَدِّ فِي قَذْفِ الْأَجَانِبِ، فَإِنْ أَقَامَ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا فَلَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا، وَلَا حَدَّ؛ لِأَنَّ مَا يُثْبِتُهُ الزَّوْجُ بِالْبَيِّنَةِ كَالْمُعَايَنِ. وَالْفُرْقَةُ بَعْدَ الْقَذْفِ مُسْقِطَةٌ لِلِّعَانِ فَيَتَمَكَّنُ الزَّوْجُ مِنْ إثْبَاتِهِ بِالْبَيِّنَةِ، كَمَا لَوْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى فُرْقَةٍ بِرِدَّتِهَا بَعْدَ الْقَذْفِ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ، وَإِذَا أَقَامَتْ الْمَرْأَةُ الْبَيِّنَةَ عَلَى إقْرَارِ الزَّوْجِ بِالْوَلَدِ، وَهُوَ يُنْكِرُ، وَقَدْ نَفَاهُ لَزِمَهُ الْوَلَدُ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْفِيَهُ بَعْدَ إقْرَارِهِ، هَكَذَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَالشَّعْبِيِّ ﵃ قَالُوا: إذَا أَقَرَّ الرَّجُلُ بِوَلَدِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ، وَمَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ فَلَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ، وَإِذَا نَفَاهُ قَبْلَ الْإِقْرَارِ لَاعَنَهَا؛ لِأَنَّهُ بَعْدَمَا أَثْبَتَ وِلَادَتَهَا يَكُونُ هُوَ بِنَفْيٍ الْوَلَدِ قَاذِفًا لَهَا بِالزِّنَا فَإِنْ قِيلُ: لَا كَذَلِكَ فَقَدْ يَكُونُ، وَلَدُهَا مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ قُلْنَا الْوَلَدُ مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ يَكُونُ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنْ إنْسَانٍ، وَاَلَّذِي لَا يَكُونُ ثَابِتَ النَّسَبِ مِنْ أَحَدٍ لَا يَكُونُ مِنْ زِنَا، وَلَا نَسَبَ لِهَذَا الْوَلَدِ مِنْهُ فَإِذَا نَفَاهُ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا نَسَبَ لِوَلَدِهَا هَذَا فَيَكُونُ قَاذِفًا لَهَا بِالزِّنَا، ثُمَّ كَيْفِيَّةُ اللِّعَانِ بِنَفْيِ الْوَلَدِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ: أَشْهَدُ أَنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ مِنْ نَفْيِ وَلَدِهَا، وَهِيَ تَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا

стр. 1433

رَمَانِي بِهِ مِنْ نَفْيِ وَلَدِي، وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: يَقُولُ الزَّوْجُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا وَنَفْيِ وَلَدِهَا وَتَقُولُ الْمَرْأَةُ: أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا وَنَفْيِ وَلَدِي، وَلَيْسَ هَذَا بِاخْتِلَافٍ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْجَوَابُ لِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، فَجَوَابُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا إذَا قَذَفَهَا بِالزِّنَا، وَنَفْيِ وَلَدِهَا وَجَوَابُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا إذَا نَفَى، وَلَدَهَا فَقَطْ. (قَالَ): وَإِذَا فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بَعْدَ اللِّعَانِ يَلْزَمُ الْوَلَدُ أُمَّهُ، وَرَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ الْقَاضِي: فَرَّقْت بَيْنَكُمَا، وَقَطَعْت نَسَبَ هَذَا الْوَلَدِ مِنْهُ حَتَّى، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَا يَنْتَفِي النَّسَبُ عَنْهُ، وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ التَّفْرِيقِ بِاللِّعَانِ نَفْيُ النَّسَبِ كَمَا بَعْدَ مَوْتِ الْوَلَدِ يُفَرِّقُ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بِاللِّعَانِ، وَلَا يَنْتَفِي نَسَبُهُ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُصَرِّحَ الْقَاضِي بِنَفْيِ النَّسَبِ لِهَذَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ. (قَالَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هَذَا آخِرُ شَرْحِ كِتَابِ الطَّلَاقِ بِالْمُؤْثَرَةِ مِنْ الْمَعَانِي الدِّقَاقِ، أَمْلَاهُ الْمَحْصُورُ عَنْ الِانْطِلَاقِ، الْمُبْتَلَى بِوَحْشَةِ الْفِرَاقِ، مُصَلِّيًا عَلَى صَاحِبِ الْبُرَاقِ وَآلِهِ، وَصَحْبِهِ أَهْلُ الْخَيْرِ وَالسِّبَاقِ، صَلَاةً تَتَضَاعَفُ وَتَدُومُ إلَى يَوْمِ التَّلَاقِ كَتَبَهُ الْعَبْدُ الْبَرِيُّ مِنْ النِّفَاقِ.

стр. 1434

[كِتَابُ الْعِتْقِ .] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (وَبِهِ نَسْتَعِينُ وَعَلَيْهِ نَتَوَكَّلُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ). كِتَابُ الْعَتَاقِ. (قَالَ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ الزَّاهِدُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ، وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: اعْلَمْ بِأَنَّ الْإِعْتَاقَ لُغَةً هُوَ إحْدَاثُ الْقُوَّةِ يُقَالُ: عَتَقَ الْفَرْخُ إذَا قَوِيَ فَطَارَ عَنْ، وَكْرِهِ. وَفِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إحْدَاثِ الْمَالِكِيَّةِ وَالِاسْتِبْدَادِ لِلْآدَمِيِّ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ، انْتِفَاءُ صِفَةِ الْمَمْلُوكِيَّةِ، وَالرِّقِّ وَلِهَذَا يَتَعَقَّبُهُ الْوَلَاءُ الَّذِي هُوَ كَالنَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ سَبَبٌ لِإِيجَادِ، وَلَدِهِ فَيَكُونُ الْوَلَدُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ. وَالْعِتْقُ مُسَبِّبٌ لِإِحْدَاثِ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ الَّتِي اخْتَصَّ الْآدَمِيُّ بِهَا فَصَارَ الْمُعْتَقُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ بِالْوَلَاءِ، وَلِهَذَا نَدَبَ الشَّرْعُ إلَيْهِ بَيَانَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أَيُّمَا مُسْلِمٍ أَعْتَقَ مُؤْمِنًا أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْ النَّارِ»، وَلِهَذَا اسْتَحَبُّوا لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْتِقَ الْعَبْدَ، وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَعْتِقَ الْأَمَةَ لِيَتَحَقَّقَ مُقَابَلَةُ الْأَعْضَاءِ بِالْأَعْضَاءِ وَالتَّحْرِيرُ لُغَةً التَّخْلِيصُ يُقَالُ: طِينٌ حُرٌّ - أَيْ خَالِصٌ عَمَّا يَشُوبُهُ - وَأَرْضٌ حُرَّةٌ - أَيْ خَالِصَةٌ - لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا، وَلَا عُشْرَ، وَفِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ جَعْلِ الرَّقَبَةِ خَالِصَةً لِلَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنِّي نَذَرْت لَك مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] وَلِهَذَا شُرِعَ التَّحْرِيرُ فِي التَّكْفِيرِ لِأَجْلِ التَّطْهِيرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وَلِهَذَا نَدَبَ الشَّرْعُ إلَى فَكِّ الرَّقَبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد: ١٢] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٣]، وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ فَقَالَ ﵇: لَئِنْ أَوْجَزْت الْخُطْبَةَ فَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، فَكُّ الرَّقَبَةِ وَعِتْقُ النَّسَمَةِ. قَالَ: أَوْ لَيْسَا وَاحِدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَا عِتْقُ النَّسَمَةِ أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا». «وَسَأَلَ أَبُو ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَفْضَلِ الرِّقَابِ فَقَالَ أَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» فَهَذِهِ الْآثَارُ تُبَيِّنُ أَنَّ الْإِعْتَاقَ مِنْ بَابِ الْبِرِّ، وَالْإِرْفَاقِ، وَأَنَّ أَفْضَلَ الرِّقَابِ أَعَزُّهَا عِنْدَ صَاحِبِهَا ثُمَّ

стр. 1435

بَدَأَ الْكِتَابَ بِحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ لَعِبِ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيْهِ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ ﴿، وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]»، وَقَالَ عَمْرٌو ﵁ مَنْ تَكَلَّمَ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ نِكَاحٍ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَيْهِ أَيْ نَافِذٌ لَازِمٌ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْهَزْلَ بِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ جَدٌّ كَمَا قَالَ: ﷺ «ثَلَاثُ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ» وَالْهَزْلُ، وَاللَّعِبُ سَوَاءٌ، فَإِنَّهُ اسْمٌ لِكَلَامٍ يَكُونُ عَلَى نَهْجِ كَلَامِ الصِّبْيَانِ لَا يُرَادُ بِهِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَنُفُوذُ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ بِوُجُودِ التَّكَلُّمِ بِهَا مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِقَصْدِهِ إلَى حُكْمِهَا؛ لِأَنَّ بِانْعِدَامِ الْقَصْدِ إلَى الْحُكْمِ يَنْعَدِمُ الرِّضَا بِالْحُكْمِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ لُزُومَ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ لَوْ قُرِنَ بِهَا شَرْطُ الْخِيَارِ. وَالْمُرَادُ بِالْآيَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١] الْأَحْكَامُ، وَالْهُزْءُ اللَّعِبُ فَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّهُ لَا لَعِبَ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ، وَذُكِرَ فِي الْأَصْلِ عَنْ الْحَسَنِ ﵀ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِعَبْدٍ فَسَاوَمَ بِهِ، وَلَمْ يَشْتَرِهِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَاشْتَرَاهُ فَأَعْتَقَهُ ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: ﷺ هُوَ أَخُوك، وَمَوْلَاك فَإِنْ شَكَرَك فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَشَرٌّ لَك، وَإِنْ كَفَرَك فَهُوَ شَرٌّ لَهُ، وَخَيْرٌ لَك، وَإِنْ مَاتَ، وَلَمْ يَتْرُكْ، وَارِثًا كُنْت أَنْتَ عَصَبَتَهُ»، وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْمُسَاوَمَةِ لِمَنْ لَا يُرِيدُ الشِّرَاءَ بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ: إنَّ هَذَا اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ. فَإِنَّ فِيهِ فَائِدَةً، وَهُوَ تَرْغِيبُ الْغَيْرِ فِي شِرَائِهِ، وَالرَّجُلُ تَفَرَّسَ فِيهِ خَيْرًا حِينَ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَاوَمَ بِهِ فَلِهَذَا اشْتَرَاهُ، وَأَعْتَقَهُ، وَقَوْلُهُ ﷺ هُوَ أَخُوك أَيْ فِي الدِّينِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوَلَاءَ يَثْبُتُ بِالْعِتْقِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْمُعْتِقُ بِخِلَافِ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ، وَقَوْلُهُ فَإِنْ شَكَرَك أَيْ بِالْمُجَازَاةِ عَلَى مَا صَنَعْت إلَيْهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ انْتَدَبَ إلَى مَا نُدِبَ إلَيْهِ فِي الشَّرْعِ قَالَ: ﷺ مَنْ أَزَلْت إلَيْهِ نِعْمَةً فَلِيَشْكُرْهَا، وَشَرٌّ لَك؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ إلَيْك بَعْضُ الْجَزَاءِ فِي الدُّنْيَا فَيُنْتَقَصُ بِقَدْرِهِ مِنْ ثَوَابِك فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ كَفَرَك فَهُوَ خَيْرٌ لَك؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى ثَوَابُ الْعَمَلِ كُلُّهُ لَكَ فِي الْآخِرَةِ، وَشَرٌّ لَهُ؛ لِأَنَّ كُفْرَانَ النِّعْمَةِ مَذْمُومٌ قَالَ: ﷺ «مَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ»، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُعْتِقَ يَكُونُ عَصَبَةً لِلْمُعْتَقِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ كُنْت أَنْتَ عَصَبَتَهُ، وَيُسْتَدَلُّ بِالظَّاهِرِ مَنْ يُؤَخِّرُ مَوْلَى الْعَتَاقَةِ عَنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا، وَذَوُو الْأَرْحَامِ مِنْ جُمْلَةِ الْوَرَثَةِ، وَلَكِنْ عِنْدَنَا مَوْلَى الْعَتَاقَةِ آخِرُ الْعَصَبَاتِ مُقَدَّمٌ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَمَعْنَى

стр. 1436

الْحَدِيثِ لَمْ يَتْرُكْ، وَارِثًا، هُوَ عَصَبَةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ كُنْت أَنْتَ عَصَبَتَهُ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ لَهُ بِذَلِكَ كِتَابًا، وَالْمَقْصُودُ بِالْكِتَابِ التَّوْثِيقُ فَلْيَكْتُبْ عَلَى أَحْوَطِ الْوُجُوهِ، وَيَتَحَرَّزْ فِيهِ عَنْ طَعْنِ كُلِّ طَاعِنٍ، وَلِهَذَا ذَكَرَ فِيهِ أَنِّي أَعْتِقُك لِوَجْهِ اللَّهِ فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ لَا يَنْفُذُ الْعِتْقُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْمُعْتِقُ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهَذَا حَتَّى لَوْ قَالَ: أَعْتِقُك لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ الشَّيْطَانِ نَفَذَ الْعِتْقُ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي بَدَأَ بِهِ الْكِتَابَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يُذْكَرُ هَذَا لِلتَّحَرُّزِ عَنْ جَهْلِ بَعْضِ الْقُضَاةِ ، وَكَذَلِكَ يَكْتُبُ وَلِي وَلَاؤُك، وَوَلَاءُ عِتْقِك مِنْ بَعْدِك؛ لِأَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: لَا يَثْبُتُ الْوَلَاءُ إلَّا بِالشَّرْطِ فَيَذْكُرُهُ فِي الْكِتَابِ لِلتَّحَرُّزِ عَنْ هَذَا، ثُمَّ الْأَلْفَاظُ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْعِتْقُ نَوْعَانِ: صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ فَالصَّرِيحُ لَفْظُ الْعِتْقِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَالْوَلَاءِ وَيَسْتَوِي إنْ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ، أَوْ الْوَصْفِ، أَوْ النِّدَاءِ، إمَّا بِصِيغَةِ الْخَبَرِ أَنْ يَقُولَ قَدْ أَعْتَقْتُك أَوْ حَرَّرْتُك؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْعَاقِلِ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ، وَوَجْهُ الصِّحَّةِ هُنَا مُتَعَيَّنٌ، وَهُوَ الْإِنْشَاءُ، وَصِيغَةُ الْإِخْبَارِ وَالْإِنْشَاءِ فِي الْعِتْقِ، وَاحِدٌ وَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ الْوَصْفِ أَنْ يَقُولَ: أَنْتَ حُرٌّ أَنْتَ عَتِيقٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَصَفَهُ بِمَا يَمْلِكُ إيجَابَهُ فِيهِ جُعِلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِيجَابِ مِنْهُ لِتَحْقِيقِ وَصْفِهِ فَإِنْ قَالَ: أَرَدْت الْكَذِبَ، وَالْخَبَرَ بِالْبَاطِلِ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلِاحْتِمَالِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي الظَّاهِرِ مَوْضُوعٌ لِإِيجَابِ الْعِتْقِ وَالْقَاضِي يَتْبَعُ الظَّاهِرَ؛ لِأَنَّ مَا، وَرَاءَ ذَلِكَ غَيْبٌ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ يَا حُرُّ يَا عَتِيقُ؛ لِأَنَّ النِّدَاءَ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى، وَذَلِكَ بِذَكَرِ، وَصْفٍ لَهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالنِّدَاءِ فَهَذَا، وَوَصْفُهُ إيَّاهُ بِالْعِتْقِ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: هَذَا مَوْلَايَ أَوْ لِأَمَتِهِ: هَذِهِ مَوْلَاتِي؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى يُذْكَرُ بِمَعْنَى النَّاصِرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا، وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١]، وَلَكِنَّ الْمَالِكَ لَا يَسْتَنْصِرُ بِمَمْلُوكِهِ عَادَةً، وَيُذْكَرُ بِمَعْنَى ابْنِ الْعَمِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنِّي خِفْت الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥] وَلَكِنَّ نَسَبَ الْعَبْدِ مَعْرُوفٌ فَلَا احْتِمَالَ لِهَذَا الْمَعْنَى هُنَا، وَيُذْكَرُ بِمَعْنَى الْمُوَالَاةِ فِي الدِّينِ، وَلَكِنَّهُ نَوْعُ مَجَازٍ، وَالْمَجَازُ لَا يُعَارِضُ الْحَقِيقَةَ، وَيُذْكَرُ بِمَعْنَى الْمَوْلَى الْأَعْلَى وَذَلِكَ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ عِنْدَ الْإِضَافَةِ إلَى الْعَبْدِ فَيَتَعَيَّنُ الْمَوْلَى الْأَسْفَلُ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْعِتْقِ فَلِهَذَا عَتَقَ بِهِ فِي الْقَضَاءِ. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْت بِهِ الْوِلَايَةَ فِي الدِّينِ أَوْ الْكَذِبَ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلِاحْتِمَالِ، وَلَمْ يَدِنْ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَإِنْ قَالَ يَا مَوْلَايَ، فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَعْتِقُ بِهَذَا اللَّفْظِ إلَّا بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي مَوْضِعِ النِّدَاءِ يُقْصَدُ بِهِ

стр. 1437

الْإِكْرَامُ دُونَ التَّحْقِيقِ يُقَالُ: يَا سَيِّدِي، وَيَا مَوْلَايَ وَلَوْ قَالَ لَهُ: يَا سَيِّدِي، وَيَا مَالِكِي لَا يَعْتِقُ بِهِ بِدُونِ النِّيَّةِ فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ يَا مَوْلَايَ، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْكَلَامُ مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ مَا أَمْكَنَ، وَحَقِيقَةُ قَوْلِهِ يَا مَوْلَايَ لَا يَكُونُ إلَّا بِوَلَاءٍ لَهُ عَلَيْهِ، وَالْعِتْقُ مُتَعَيَّنٌ لِذَلِكَ فَهَذَا، وَقَوْلُهُ يَا حُرُّ يَا عَتِيقُ سَوَاءٌ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ يَا سَيِّدِي، وَيَا مَالِكِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ مَا يَخْتَصُّ بِإِعْتَاقِهِ إيَّاهُ، وَمِمَّا يَلْحَقُ بِالصَّرِيحِ هُنَا قَوْلُهُ لِمَمْلُوكِهِ، وَهَبْت نَفْسَك مِنْك أَوْ بِعْت نَفْسَك مِنْك فَإِنَّهُ يَعْتِقُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ؛ لِأَنَّ مُوجَبَ هَذَا اللَّفْظِ إزَالَةُ مِلْكِهِ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَوْجَبَهُ لِإِنْسَانٍ آخَرَ يَكُونُ مُزِيلًا لِمِلْكِهِ إلَيْهِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِهِ. وَإِذَا أَوْجَبَهُ لِلْعَبْدِ يَكُونُ مُزِيلًا بِطَرِيقِ الْإِسْقَاطِ لَا إلَيْهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولِهِ، وَلَا يَرْتَدُّ بِرَدِّهِ. فَأَمَّا بَيَانُ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ: قَوْلُهُ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك فَإِنَّهُ مُحْتَمَلٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ لَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك فِي اللَّوْمِ، وَالْعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّك وَفَيْت بِمَا أَمَرْتُك بِهِ، وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك؛ لِأَنِّي كَاتَبْتُك وَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْك؛ لِأَنِّي أَعْتَقْتُك، وَالْمُحْتَمَلُ لَا تَتَعَيَّنُ جِهَةٌ فِيهِ بِدُونِ النِّيَّةِ فَلَا يَعْتِقُ بِهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْعِتْقَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك يُحْتَمَلُ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك لِأَنِّي بِعْتُك، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ قَدْ خَرَجْت مِنْ مِلْكِي يُحْتَمَلُ هَذَا الْمَعْنَى فَلَا يَعْتِقُ بِهِ مَا لَمْ يَنْوِ، وَيَدِينُ فِي الْقَضَاءِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ قَالَ لَهُ أَطْلَقْتُك يَنْوِي بِهِ الْعِتْقَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِطْلَاقَ يُذْكَرُ بِمَعْنَى التَّحْرِيرِ يُقَالُ: أَطْلَقْتُهُ مِنْ السِّجْنِ، وَحَرَّرْته إذَا خَلَّى سَبِيلَهُ؛ وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الْإِطْلَاقَ مِنْ الرِّقِّ الَّذِي عَلَيْهِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ: لَا رِقَّ لِي عَلَيْك فَأَمَّا إذَا قَالَ لِأَمَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ قَدْ طَلَّقْتُك، وَنَوَى بِهِ الْعِتْقَ لَمْ تَعْتِقْ عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَعْتِقْ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ كَقَوْلِهِ قَدْ بِنْتِ مِنِّي أَوْ حُرِّمْت عَلَيَّ، أَوْ أَنْتِ خَلِيَّةٌ، أَوْ بَرِيَّةٌ، أَوْ بَائِنٌ، أَوْ بَتَّةٌ، أَوْ اُخْرُجِي أَوْ اُغْرُبِي، أَوْ اسْتَبْرِي، أَوْ تَقَنَّعِي أَوْ اذْهَبِي أَوْ قُومِي أَوْ اخْتَارِي فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا أَوْ قَالَ ذَلِكَ لِعَبْدِهِ، فَهُوَ كُلُّهُ عَلَى الْخِلَافِ، وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ صَرِيحَ مَا يَسْرِي كِنَايَةٌ فِيمَا يَسْرِي كَلَفْظِ التَّحْرِيرِ فِي الطَّلَاقِ مَعْنَى صَرِيحِ مَا يَسْرِي مَا وُضِعَ لِمَا يَسْرِي بِطَرِيقِ الْمُطَابَقَةِ كِنَايَةً لِمَا هُوَ وَصْفٌ، وَهُوَ كَوْنُهُ حُرًّا لِمَعْنَى آخَرَ هُوَ مُسَمًّى لِلَفْظٍ آخَرَ، وَتَقْرِيرُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ لِلِاتِّصَالِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مَعْنَى طَرِيقٍ صَحِيحٍ فِي اللُّغَةِ يُقَالُ: لِلْبَلِيدِ حِمَارٌ وَلِلشُّجَاعِ أَسَدٌ لِلِاتِّصَالِ مَعْنًى، وَهُوَ الشَّجَاعَةُ وَالْبَلَادَةُ، وَبَيْنَ الْمِلْكَيْنِ اتِّصَالٌ مِنْ حَيْثُ الْمُشَابَهَةِ مَعْنًى؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ فِيهِ مَعْنَى الرِّقِّ قَالَ ﵊ «النِّكَاحُ رِقٌّ». وَلِأَنَّهُ يُسْتَبَاحُ بِكُلِّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْوَطْءُ فِي مَحَلِّهِ، وَبَيْنَ الْإِزَالَتَيْنِ الِاتِّصَالُ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ كُلَّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا إبْطَالٌ لِلْمِلْكِ وَيَحْتَمِلُ التَّعْلِيقَ

стр. 1438

بِالشَّرْطِ، وَهُوَ يُنَبِّئُ عَنْ السِّرَايَةِ، وَيَلْزَمُ عَلَى، وَجْهٍ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَإِذَا ثَبَّتَتْ الْمُشَابَهَةُ مَعْنًى قُلْنَا مَا كَانَ صَرِيحًا فِي إزَالَةِ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَهُوَ لَفْظُ التَّحْرِيرِ كَانَ كِنَايَةً فِي مِلْكِ النِّكَاحِ فَكَذَلِكَ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي مِلْكِ النِّكَاحِ يُجْعَلُ كِنَايَةً صَحِيحَةً فِي إزَالَةِ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَلِأَنَّ التَّحْرِيمَ مِنْ مُوجِبَاتِ التَّحْرِيرِ فَإِنَّ الْأَمَةَ إذَا أَعْتَقَتْ حُرِّمَتْ عَلَى مَوْلَاهَا وَذِكْرُ الْمُوجَبِ عَلَى سَبِيلِ الْكِنَايَةِ عَنْ الْمُوجِبِ صَحِيحٌ كَقَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ اعْتَدِّي بِنِيَّةِ الطَّلَاقِ (وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ أَنَّهُ نَوَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ لَهَا كُلِي، وَاشْرَبِي وَنَوَى الْعِتْقَ، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ اللَّفْظِ فَقَدْ تَجَرَّدَتْ النِّيَّةُ عَنْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا مُشَابَهَةَ بَيْنَ الْعِتْقِ، وَالطَّلَاقِ صُورَةً، وَلَا مَعْنًى؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إزَالَةُ الْمَانِعِ مِنْ الِانْطِلَاقِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ بَعْدَ عَقْدِ النِّكَاحِ حُرَّةٌ مَحْبُوسَةٌ عِنْدَ الزَّوْجِ فَبِالْفُرْقَةِ - يَزُولُ الْمَانِعُ مِنْ الِانْطِلَاقِ. وَالْإِعْتَاقُ إحْدَاثُ قُوَّةِ الِانْطِلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي الرَّقِيقِ صِفَةُ الْمَالِكِيَّةِ وَبِالْعِتْقِ يَحْدُثُ لَهُ صِفَةُ الْمَالِكِيَّةِ، وَلَا مُشَابَهَةَ بَيْنَ إحْدَاثِ الْقُوَّةِ، وَبَيْنَ إزَالَةِ الْمَانِعِ كَمَا لَا مُشَابَهَةَ بَيْنَ إحْيَاءِ الْمَيِّتِ وَبَيْنَ رَفْعِ الْقَيْدِ عَنْ الْمُقَيَّدِ، وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُشَابَهَةَ فِي الْمَعْنَى طَرِيقُ الِاسْتِعَارَةِ، وَلَكِنْ لَا فِي كُلِّ وَصْفٍ بَلْ فِي الْوَصْفِ الْخَاصِّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالْوَصْفُ الْخَاصُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا بَيَّنَّا دُونَ مَا ذَكَرَهُ الْخَصْمُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُسْتَعَارُ الْأَسَدُ لِلْجَبَانِ، وَالْحِمَارُ لِلذَّكِيِّ، وَبَيْنَهُمَا مُشَابَهَةٌ فِي أَوْصَافٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيَوَانٌ مَوْجُودٌ، وَلَكِنْ لَمَّا انْعَدَمَتْ الْمُشَابَهَةُ فِي الْوَصْفِ الْخَاصِّ لَمْ تَجُزْ الِاسْتِعَارَةُ فَهَذَا مِثْلُهُ فَأَمَّا إذَا اسْتَعْمَلَ لَفْظَ التَّحْرِيرِ فِي الطَّلَاقِ فَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَنَا لِلْمُشَابِهَةِ مَعْنًى بَلْ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ النِّكَاحِ مِلْكُ الْمُتْعَةَ، وَمِلْكُ الرَّقَبَةِ فِي مَحَلِّ الْمُتْعَةِ يُوجِبُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ فَمَا يُزِيلُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ يَكُونُ سَبَبًا لِإِزَالَةِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْهُ فَأَمَّا مَا يُزِيلُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ لَا يَكُونُ سَبَبًا لِإِزَالَةِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ فَلَا يَصْلُحُ كِنَايَةً عَنْهُ، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي طَرَفِ الِاسْتِجْلَابِ أَنَّ مَا وُضِعَ لِاسْتِجْلَابِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ، وَهُوَ لَفْظُ النِّكَاحِ، وَالتَّزْوِيجِ لَا يَثْبُتُ بِهِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ وَمَا وُضِعَ لِاسْتِجْلَابِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَهُوَ لَفْظُ الْهِبَةِ، وَالْبَيْعِ يَصْلُحُ لِإِيجَابِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ، وَهُوَ النِّكَاحُ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ الْبَيْعُ فَإِنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجَارَةُ عَلَى مَا قَالَ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ إذَا بَاعَ سُكْنَى دَارِهِ مِنْ إنْسَانٍ، لَا يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ بِهَذَا اللَّفْظِ ثَبَتَ مِلْكُ الرَّقَبَةِ، وَهُوَ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَنَا: الْإِجَارَةُ تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ، فَإِنَّ الْحُرَّ إذَا قَالَ لِغَيْرِهِ بِعْت نَفْسِي مِنْك شَهْرًا بِدِرْهَمٍ لِعَمَلِ كَذَا يَكُونُ إجَارَةً صَحِيحَةً فَأَمَّا بَيْعُ السُّكْنَى إنَّمَا لَا يَجُوزُ لِانْعِدَامِ الْمَحَلِّ

стр. 1439

لِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ مَوْضُوعٌ لِلتَّمْلِيكِ، وَالْمَنَافِعُ مَعْدُومَةٌ لَا تَقْبَلُ التَّمْلِيكَ. وَلِهَذَا لَوْ أَضَافَ لَفْظَةَ الْإِجَارَةِ إلَى الْمَنْفَعَةِ وَقَالَ أَجَّرْتُك مَنْفَعَةَ هَذِهِ الدَّارِ لَا يَجُوزُ، وَإِذَا أَضَافَ لَفْظَ الْبَيْعِ إلَى عَيْنِ الدَّارِ فَهُوَ عَامِلٌ بِحَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ قَابِلٌ لِلْبَيْعِ فَلَا تُجْعَلُ كِنَايَةً عَنْ الْإِجَارَةِ لِهَذَا وَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَهُ: إنَّهُ ذَكَرَ الْمُوجَبَ، وَعَنَى بِهِ الْمُوجِبَ؛ لِأَنَّ الْمُوجَبَ حُكْمٌ، وَالْحُكْمُ لَا يَصْلُحُ كِنَايَةً عَنْ السَّبَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ بِدُونِ السَّبَبِ، وَالسَّبَبُ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْحُكْمِ فَكَانَ الْحُكْمُ كَالتَّبَعِ، وَالْأَصْلُ يُسْتَعَارُ لِلتَّبَعِ، وَلَا يُسْتَعَارُ التَّبَعُ لِلْأَصْلِ لِافْتِقَارِ التَّبَعِ إلَى الْأَصْلِ وَاسْتِغْنَاءِ الْأَصْلِ عَنْ التَّبَعِ. وَفِي قَوْلِهِ اعْتَدِّي، وُقُوعُ الطَّلَاقِ لَيْسَ بِهَذَا الطَّرِيقِ بَلْ بِطَرِيقِ الْإِضْمَارِ حَتَّى يَقَعَ الطَّلَاقُ بِهِ عَلَى غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا عِدَّةٌ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَذَلِكَ اللَّفْظُ عَامِلٌ بِحَقِيقَتِهِ عِنْدَنَا لَا أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً بِطَرِيقِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْمُوجَبَ وَعَنَى بِهِ الْمُوجِبَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يُنَافِي النِّكَاحَ ابْتِدَاءً، وَبَقَاءً، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ هُنَا فَإِنَّ حُرْمَةَ الْأَمَةِ عَلَيْهِ لَا يُنَافِي الْمِلْكَ ابْتِدَاءً، وَبَقَاءً كَمَا فِي الْمَجُوسِيَّةِ، وَالْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: لَا سُلْطَانَ لِي عَلَيْك وَنَوَى الْعِتْقَ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ انْتِفَاءِ سُلْطَانِهِ عَنْهُ انْتِفَاءُ الْمِلْكِ، كَالْمُكَاتَبِ، فَإِنَّهُ لَا سُلْطَانَ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ وَهُوَ مَمْلُوكٌ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَا: سَبِيلَ لِي عَلَيْك فَإِنَّ مِنْ ضَرُورَةِ انْتِفَاءِ السَّبِيلِ عَنْهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ - الْعِتْقَ؛ لِأَنَّ لَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ سَبِيلًا مِنْ حَيْثُ الْمُطَالَبَةِ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ حَتَّى إذَا انْتَفَى ذَلِكَ بِالْبَرَاءَةِ عَتَقَ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ لِلَّهِ لَمْ يَعْتِقْ، وَإِنْ نَوَى فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي مَقَالَتِهِ. فَالْمَخْلُوقَاتُ كُلُّهَا لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَعْتِقُ بِهِ إذَا نَوَى؛ لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ: أَنْتَ خَالِصٌ لِلَّهِ بِانْتِفَاءِ مِلْكِهِ عَنْهُ فَهُوَ كَقَوْلِهِ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ، وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ يَا بُنَيَّ، أَوْ لِأَمَتِهِ يَا بُنَيَّةُ لَمْ تَعْتِقْ؛ لِأَنَّ هَذَا دُعَاءٌ، وَلُطْفٌ مِنْهُ، مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي مَوْضِعِ النِّدَاءِ يُقْصَدُ بِهِ اسْتِحْضَارُ الْمُنَادَى وَإِكْرَامُهُ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ يَا بُنَيَّ تَصْغِيرُ الِابْنِ، وَلَوْ قَالَ يَا ابْنٌ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي مَقَالَتِهِ، فَإِنَّهُ ابْنٌ لِأَبِيهِ، وَإِنَّمَا الْإِشْكَالُ فِي قَوْلِهِ يَا ابْنِي وَلَا يَعْتِقُ بِهَذَا اللَّفْظِ إلَّا فِي رِوَايَةٍ شَاذَّةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ جَعَلَهُ كَقَوْلِهِ يَا حُرُّ، وَلَكِنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي مَوْضِعِ النِّدَاءِ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى وَتَفْهِيمِهِ لِيَحْضُرَ، وَذَلِكَ بِصُورَةِ اللَّفْظِ لَا بِمَعْنَاهُ، وَوُقُوعُ الْعِتْقِ بِهَذَا اللَّفْظِ لِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْبُنُوَّةِ فَلِهَذَا لَا يَعْتِقُ بِهِ عِنْدَ النِّدَاءِ حَتَّى لَوْ جَعَلَ اسْمَ عَبْدِهِ حُرًّا، وَكَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا عِنْدَ النَّاسِ ثُمَّ نَادَاهُ بِهِ فَقَالَ يَا حُرُّ لَمْ

стр. 1440

يَعْتِقْ أَيْضًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا الِاسْمِ مَعْرُوفًا لَهُ يَعْتِقُ بِهِ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَادَاهُ بِوَصْفٍ يَمْلِكُ إيجَابَهُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ يَا ابْنِي فَإِنَّهُ نَادَاهُ بِوَصْفٍ لَا يَمْلِكُ إيجَابَهُ فَيُنْظَرُ إلَى مَقْصُودِهِ فِيهِ، وَهُوَ الْإِكْرَامُ دُونَ التَّحْقِيقِ، وَإِنْ قَالَ هَذَا ابْنِي، وَمِثْلُهُ يُولَدُ لِمِثْلِهِ عَتَقَ، وَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ دَعْوَةُ النَّسَبِ، وَهُوَ تَصَرُّفٌ يَمْلِكُهُ الْمَوْلَى فِي مَمْلُوكِهِ. فَإِذَا كَانَ الْمَحَلُّ مَحَلًّا قَابِلًا لِلنَّسَبِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى النَّسَبِ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ، وَالنَّسَبُ لَا يَثْبُتُ مَقْصُورًا عَلَى الْحَالِ بَلْ يَثْبُتُ مِنْ وَقْتِ الْعُلُوقِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَلَكَ وَلَدَهُ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ أَعْجَمِيًّا جَلِيبًا، أَوْ مُوَلَّدًا؛ لِأَنَّ صِحَّةَ دَعْوَةِ الْمَوْلَى شَرْعًا بِوَصْلَةِ الْمِلْكِ وَحَاجَةِ الْمَمْلُوكِ إلَى النَّسَبِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: هَذَا أَبِي أَوْ كَانَتْ أَمَةً فَقَالَ: هَذِهِ أُمِّي، وَمِثْلُهُمَا يَلِدُ مِثْلَهُ عِتْقًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبَوَانِ مَعْرُوفَانِ، وَصَدَّقَاهُ فِي ذَلِكَ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُمَا فَقَدْ اُعْتُبِرَ تَصْدِيقُهُمَا فِي دَعْوَى الْأُبُوَّةِ، وَالْأُمُومَةِ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي دَعْوَى الْبُنُوَّةِ؛ لِأَنَّ النَّسَبَ مِنْ حَقِّ الْوَلَدِ، فَإِنَّهُ يَشْرُفُ بِهِ فَمُدَّعِي الْبُنُوَّةِ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَحْمُولِيَّةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَصْدِيقِهِ؛ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ يَلْزَمُ الْمُقِرَّ بِنَفْسِهِ فَأَمَّا مُدَّعِي الْأُبُوَّةِ، وَالْأُمُومَةِ يَحْتَاجُ إلَى تَصْدِيقِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ نَسَبَهُ عَلَى غَيْرِهِ فَيَكُونُ مُدَّعِيًا، وَمُجَرَّدُ الدَّعْوَى لَا يَلْزَمُ شَيْئًا بِدُونِ الْحُجَّةِ فَلِهَذَا يَحْتَاجُ إلَى تَصْدِيقِهِمَا؛ وَلِأَنَّ مُدَّعِي الْأُبُوَّةِ، وَالْأُمُومَةِ يُخْبِرُ أَنَّهُ عَلِقَ مِنْ مَائِهِمَا، وَهُوَ غَيْبٌ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْدِيقِهِمَا، وَمُدَّعِي الْبُنُوَّةِ يُخْبِرُ أَنَّهُ عَلِقَ مِنْ مَائِهِ وَقَدْ يَعْرِفُ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ عَاقِلًا عِنْدَ عُلُوقِهِ، وَإِنْ كَانَ لِلْغُلَامِ نَسَبٌ مَعْرُوفٌ، فَقَالَ هَذَا ابْنِي يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ؛ لِأَنَّهُ مُكَذَّبٌ فِيمَا قَالَ شَرْعًا حِينَ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْ الْغَيْرِ، وَلَكِنَّ هَذَا التَّكْذِيبِ فِي حُكْمِ النَّسَبِ دُونَ الْعِتْقِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْعِتْقِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا نَسَبَ لَهُ وَلِهَذَا قُلْنَا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ إذَا قَالَ هَذَا أَبِي أَوْ أُمِّي، وَكَذَّبَاهُ يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ تَكْذِيبِهِمَا فِي حُكْمِ النَّسَبِ دُونَ الْعِتْقِ: تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْمَمْلُوكَ مُسْتَغْنٍ عَنْ النَّسَبِ إذَا كَانَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَغْنٍ عَنْ الْحُرِّيَّةِ فَيَثْبُتُ بِكَلَامِهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمَمْلُوكُ دُونَ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَذِهِ ابْنَتِي وَهِيَ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ مِنْ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ صَارَ مُكَذَّبًا فِي حُكْمِ النَّسَبِ شَرْعًا، وَلَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ بِأَنْ قَالَ: غَلِطْت لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا نَسَبٌ مَعْرُوفٌ فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ مُكَذَّبًا شَرْعًا، وَهُنَا لَوْ أَكْذَبَ الْمَوْلَى نَفْسَهُ فِي حَقِّ مَنْ لَا نَسَبَ لَهُ كَانَ الْعِتْقُ ثَابِتًا فَكَذَلِكَ إذَا صَارَ مُكَذَّبًا فِي النَّسَبِ شَرْعًا. وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ فِي قَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ هَذِهِ ابْنَتِي غَيْرُ مُقِرٍّ عَلَى نَفْسِهِ بِشَيْءٍ، وَلَكِنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى
следующие страницы →