Полный текст (6 278 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
الْعَبْدَ إنَّمَا عَتَقَ بِحَلِّ الْقَيْدِ لَا بِشَهَادَتِهِمَا فَلَا يَضْمَنَانِ عِنْدَهُمَا شَيْئًا.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا عَتَقَ الْعَبْدُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي لِنُفُوذِ قَضَائِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَقَضَاءُ الْقَاضِي كَانَ بِشَهَادَتِهِمَا فَلِهَذَا ضَمِنَا قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّهُمَا شَهِدَ بِالْبَاطِلِ (فَإِنْ قِيلَ) هُمَا إنَّمَا شَهِدَا بِشَرْطِ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا بِوَزْنِ الْقَيْدِ أَنَّهُ دُونَ عَشَرَةِ أَرْطَالٍ، وَذَلِكَ شَرْطُ الْعِتْقِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى شُهُودِ الشَّرْطِ (قُلْنَا) لَا كَذَلِكَ بَلْ شَهِدَا بِتَنْجِيزِ الْعِتْقِ؛ لِأَنَّهُمَا زَعَمَا أَنَّ الْمَوْلَى عَلَّقَ عِتْقَهُ بِشَرْطٍ مَوْجُودٍ، وَالتَّعْلِيقُ بِشَرْطٍ مَوْجُودٍ يَكُونُ تَنْجِيزًا حَتَّى يَمْلِكَهُ الْوَكِيلُ بِالتَّنْجِيزِ، وَشُهُودُ الْعِتْقِ يَضْمَنُونَ عِنْدَ الرُّجُوعِ.
(فَإِنْ قِيلَ) قَضَاءُ الْقَاضِي إنَّمَا يَنْفُذُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إذَا لَمْ يَتَيَقَّنْ بِبُطْلَانِهِ فَأَمَّا بَعْدَ التَّيَقُّنِ بِبُطْلَانِهِ لَا يَنْفُذُ كَمَا لَوْ ظَهَرَ أَنَّ الشُّهُودَ عَبِيدٌ، أَوْ كُفَّارٌ، وَهُنَا قَدْ تَيَقَّنَّا بِبُطْلَانِ الْحُجَّةِ حِينَ كَانَ، وَزْنُ الْقَيْدِ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ، وَبَعْدَمَا عَلِمَ كَذِبَهُمْ بِيَقِينٍ لَا يَنْفُذُ الْقَضَاءُ بَاطِنًا فَإِنَّمَا عَتَقَ بِحَلِّ الْقَيْدِ.
(قُلْنَا) لَا كَذَلِكَ بَلْ نُفُوذُ الْقَضَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْ الْقَاضِي تَعَرُّفُ مَا لَا طَرِيقَ لَهُ إلَى مَعْرِفَتِهِ، وَهُوَ حَقِيقَةُ صِدْقِ الشُّهُودِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْوُقُوفُ عَلَى مَا يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ كُفْرُهُمْ، وَرِقُّهُمْ؛ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ يَثْبُتُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَى الْقَاضِي هُنَا الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَةِ، وَزْنِ الْقَيْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَحِلَّهُ وَإِذَا حَلَّهُ عَتَقَ الْعَبْدُ فَيَسْقُطُ عَنْهُ حَقِيقَةُ مَعْرِفَةِ وَزْنِ الْقَيْدِ وَنَفَذَ قَضَاؤُهُ بِالْعِتْقِ بِشَهَادَتِهِمَا ظَاهِرًا، وَبَاطِنًا.
(فَإِنْ قِيلَ) لَا كَذَلِكَ فَقَدْ يُمْكِنُهُ مَعْرِفَةُ وَزْنِ الْقَيْدِ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّهُ، بِأَنْ يَضَعَ رِجْلَيْ الْعَبْدِ مَعَ الْقَيْدِ فِي طَسْتٍ، وَيَصُبَّ فِيهِ الْمَاءَ حَتَّى يَعْلُوَا الْقَيْدُ، ثُمَّ يَجْعَلَ عَلَى مَبْلَغِ الْمَاءِ عَلَامَةً، ثُمَّ يَرْفَعَ الْقَيْدَ إلَى سَاقِهِ، وَيَضَعَ حَدِيدًا فِي الطَّسْتِ إلَى أَنْ يَصِلَ الْمَاءُ إلَى تِلْكَ الْعَلَامَةِ ثُمَّ يَزِنَ ذَلِكَ الْحَدِيدَ فَيَعْرِفُ بِهِ وَزْنَ الْقَيْدِ.
(قُلْنَا) هَذَا مِنْ أَعْمَالِ الْمُهَنْدِسِينَ، وَلَا تَنْبَنِي أَحْكَامُ الشَّرْعِ عَلَى مِثْلِهِ مَعَ أَنَّهُ إنَّمَا يُعْرَفُ وَزْنُ الْقَيْدِ بِهَذَا الطَّرِيق إذَا اسْتَوَى الْحَدِيدَانِ فِي الثِّقَلِ، وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ.
وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ سَالِمًا، وَلَهُ عَبْدَانِ اسْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَالِمٌ، وَالْمَوْلَى يَجْحَدُ ذَلِكَ لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الدَّعْوَى لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ عِنْدَهُ، وَالدَّعْوَى لَا تَتَحَقَّقُ مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَتَمَكَّنُ الشُّهُودُ مِنْ تَعْيِينِهِ فَبَطَلَتْ شَهَادَتُهُمَا لِهَذَا وَإِنْ قَالَا قَدْ سَمَّاهُ لَنَا فَنَسِينَا اسْمَهُ فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ لِإِقْرَارِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالْغَفْلَةِ، وَبِأَنَّهُمَا ضَيَّعَا شَهَادَتَهُمَا، وَحُكِيَ عَنْ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الشَّهَادَةَ تُقْبَلُ وَيُقَالُ لِلْمَوْلَى: بَيِّنْ؛ لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ كَلَامَ الْمَوْلَى فَثَبَتَ بِشَهَادَتِهَا أَنَّ الْمَوْلَى أَعْتَقَ عَبْدًا
стр. 1472
لَهُ، وَالْجَهَالَةُ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْعِتْقِ فَكَانَ الْمَوْلَى مُجْبَرًا عَلَى الْبَيَانِ.
وَلَوْ شَهِدَا أَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ بِغَيْرِ عَيْنِهِ، وَالْمَوْلَى يَجْحَدُ ذَلِكَ فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الدَّعْوَى شَرْطٌ لِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْعِتْقِ عِنْدَهُ، وَالدَّعْوَى مِنْ الْمَجْهُولِ لَا تَتَحَقَّقُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ الدَّعْوَى مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ، وَالْمَشْهُودُ بِهِ عِتْقٌ فِي مُنْكَرٍ لَا فِي مُعَيَّنٍ فَلَا تُقْبَلُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَفِي مَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ: تُقْبَلُ، وَيُؤْمَرُ الْمَوْلَى بِالْبَيَانِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الْعِتْقِ عِنْدَهُمَا تُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ دَعْوًى فَيَثْبُتُ بِهِ أَنَّ الْمَوْلَى أَعْتَقَ أَحَدَهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَيُؤْمَرُ بِالْبَيَانِ لِهَذَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَا بِأَنَّهُ أَعْتَقَ أَحَدَ أَمَتَيْهِ (فَإِنْ قِيلَ) فِي هَذَا الْفَصْلِ يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَشْتَرِطُ الدَّعْوَى فِي الشَّهَادَةِ عَلَى عِتْقِ الْأَمَةِ (قُلْنَا) نَعَمْ إنَّمَا لَا يَشْتَرِطُ الدَّعْوَى فِي الشَّهَادَةِ عَلَى عِتْقِ أَمَةٍ بِعَيْنِهَا؛ لِمَا فِيهَا مِنْ تَحْرِيمِ الْفَرْجِ فَأَمَّا الْعِتْقُ الْمُبْهَمُ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْفَرْجِ عِنْدَهُ، وَلِهَذَا قَالَ لَا يَكُونُ الْوَطْءُ بَيَانًا، فَلِهَذَا كَانَ الْجَوَابُ فِي الْعَبْدِ، وَالْأَمَةِ سَوَاءً هُنَا، إلَّا إنْ شَهِدَا أَنَّ هَذَا كَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْهُ فَحِينَئِذٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا عِنْدَهُ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا تُقْبَلُ لِانْعِدَامِ شَرْطِ الْقَبُولِ، وَهُوَ الدَّعْوَى كَمَا لَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ، وَصِحَّتِهِ، وَالِاسْتِحْسَانُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ الْعِتْقَ الْمُبْهَمَ يَشِيعُ فِيهِمَا بِالْمَوْتِ حَتَّى يَعْتِقَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ فَتَتَحَقَّقُ الدَّعْوَى مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالثَّانِي - أَنَّ الْعِتْقَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ بِمَنْزِلَةِ الْوَصِيَّةِ حَتَّى يُعْتَبَرَ مِنْ الثُّلُثِ، وَوُجُوبُ تَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ لِحَقِّ الْمُوصَى فَتَتَحَقَّقُ الدَّعْوَى مِنْ وَصِيِّهِ، أَوْ وَارِثِهِ هُنَا فَلِهَذَا قُبِلَتْ الْبَيِّنَةُ.
وَلَوْ شَهِدَا أَنَّ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ أَعْتَقَ عَبْدَهُ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ مَجْهُولٌ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ فَإِنَّ الْإِنْكَارَ شَرْطٌ لِقَبُولِ الْبَيِّنَةِ، وَالْإِنْكَارُ مِنْ الْمَجْهُولِ لَا يَتَحَقَّقُ؛ وَلِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَضَاءِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ.
وَإِنْ ادَّعَى الْعَبْدُ، أَوْ الْأَمَةُ الْعِتْقَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ لَمْ يُحَلْ بَيْنَ الْمَوْلَى، وَبَيْنَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى لَا يَثْبُتُ اسْتِحْقَاقُ الْعَبْدِ الْعِتْقَ فَإِنَّهُ خَبَرٌ مُتَمَثِّلٌ بَيْنَ الصِّدْقِ، وَبَيْنَ الْكَذِبِ، وَالْمُخْبِرُ غَيْرُ مَوْثُوقٍ فِيهِ؛ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَظِّ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ ﵊، وَفِي قَوْلِهِ لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ، وَأَمْوَالَهُمْ، وَالْيَدُ حَقٌّ لِلْمَوْلَى فِي مَمْلُوكِهِ فَكَمَا لَا يَجُوزُ إبْطَالُ الْمِلْكِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إبْطَالُ الْيَدِ بِالْحَيْلُولَةِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَتِمُّ بِشَهَادَةِ الْوَاحِدِ، وَهَذَا الْجَوَابُ فِي الْعَبْدِ، فَأَمَّا فِي الْأَمَةِ الْحَيْلُولَةُ تَثْبُتُ إذَا ادَّعَتْ أَنَّ شَاهِدَهَا الْآخَرَ
стр. 1473
حَاضِرٌ احْتِيَاطًا لِأَمْرِ الْفَرْجِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِيمَا أَمْلَيْنَاهُ مِنْ شَرْحِ الْجَامِعِ.
وَإِنْ أَقَامَ شَاهِدَيْنِ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْلَاهُ حَتَّى يَنْظُرَ فِي أَمْرِ الشَّاهِدَيْنِ، وَهَذَا إذَا كَانَ مَوْلَاهُ فَاسِقًا، أَوْ مَخُوفًا عَلَيْهِ عَلَى مَا فَسَّرْنَاهُ فِي الْجَامِعِ، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْحُجَّةَ هُنَا تَمَّتْ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ حَتَّى لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ عَدَالَتُهُمَا نَفَذَ قَضَاؤُهُ فَثَبَتَ بِهِ الْحَيْلُولَةُ احْتِيَاطًا بِخِلَافِ مَا إذَا أَقَامَ شَاهِدًا وَاحِدًا.
فَإِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا آخَرَ لَهُ، وَشَهِدَ آخَرُ أَنَّهُ، وَهَبَهُ لِنَفْسِهِ فَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ لَفْظًا، فَإِنَّ الْهِبَةَ غَيْرُ الْعِتْقِ، وَضْعًا؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ، وَالْإِعْتَاقُ إحْدَاثُ الْقُوَّةِ أَوْ إبْطَالُ الْمِلْكِ، وَاخْتِلَافُهُمَا فِي الْمَشْهُودِ بِهِ لَفْظًا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، وَإِنْ شَهِدَا جَمِيعًا أَنَّهُ، وَهَبَ عَبْدَهُ لِنَفْسِهِ فَالْعَبْدُ حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهُ نَفْسَهُ، وَمَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ يُعْتَقُ كَالْمُرَاغِمِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهِبَةُ إعْتَاقًا كَمَا لَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ، وَهَبَهُ مِنْ قَرِيبِهِ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُقْضَى بِعِتْقِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّهُ إذَا قَالَ: لَمْ أَنْوِ بِهِ الْعِتْقَ لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ.
وَإِذَا قَالَ أَنْتَ حُرٌّ إنْ فَعَلْت كَذَا، وَذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ كَالصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ وَدُخُولِ الدَّارِ وَنَحْوِهِ فَقَالَ الْعَبْدُ: فَعَلْت لَا يُصَدَّقُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ، أَوْ يُقِرَّ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ إنَّمَا يَتَنَجَّزُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فَالْعَبْدُ بِدَعْوَاهُ وُجُودَ الشَّرْطِ يَدَّعِي تَنْجِيزَ الْعِتْقِ فِيهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُصَدَّقٌ فِي ذَلِكَ إلَّا بِحُجَّةٍ بِخِلَافِ قَوْلِهِ إنْ كُنْت تُحِبُّنِي، أَوْ تَبْغَضُنِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ فَوَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ (فَإِنْ قِيلَ) فَالصَّوْمُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ رَبِّهِ لَا يَقِفُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ (قُلْنَا) لَا كَذَلِكَ فَإِنَّ رُكْنَ الصَّوْمِ هُوَ الْكَفُّ، وَذَلِكَ أَمْرٌ ظَاهِرٌ يَقِفُ عَلَيْهِ النَّاسُ بِوُقُوفِهِمْ عَلَى ضِدِّهِ، وَهُوَ الْأَكْلُ.
وَلَوْ قَالَ لِرَجُلٍ أَعْتِقْ أَيَّ عَبِيدِي شِئْت فَأَعْتَقَهُمْ جَمِيعًا لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُمْ إلَّا وَاحِدٌ وَالْأَمْرُ فِي بَيَانِهِ إلَى الْمَوْلَى بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ أَيُّكُمْ شَاءَ الْعِتْقَ فَهُوَ حُرٌّ فَشَاءُوا جَمِيعًا عَتَقُوا؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ أَيٍّ فِيهَا مَعْنَى الْعُمُومِ، وَالْخُصُوصِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُخَاطَبِينَ عَلَى الِانْفِرَادِ، فَإِذَا أَضَافَ الْمَشِيئَةَ بِهَا إلَى عَامٍّ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْخُصُوصِ فَلَا يَتَنَاوَلُ إلَّا وَاحِدًا مِنْهُمْ وَإِذَا أَضَافَ الْمَشِيئَةَ بِهَا إلَى عَامٍّ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْعُمُومِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ إنَّمَا تُوجِبُ التَّعْمِيمَ فِيمَنْ دَخَلَ تَحْتَهَا دُونَ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ وَالدَّاخِلُ تَحْتَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ - الْعَبِيدُ دُونَ الْمُخَاطَبِ بِالْمَشِيئَةِ، وَإِذَا قَالَ شِئْت فَلَا يَكُونُ شَرْطُ الْعِتْقِ إلَّا مَشِيئَةٌ وَاحِدَةٌ، وَبِالْمَشِيئَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْهُ لَا يَعْتِقُ إلَّا عَبْدٌ وَاحِدٌ فَأَمَّا فِي قَوْلِهِ شَاءَ إنَّمَا أَضَافَ الْمَشِيئَةَ إلَى الْعَبِيدِ، وَكَلِمَةُ أَيٍّ اقْتَضَتْ التَّعْمِيمَ فِي الْعَبِيدِ فَصَارَتْ مَشِيئَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَرْطًا لِعِتْقِهِ فَلِهَذَا عَتَقُوا
стр. 1474
ثُمَّ الْبَيَانُ إلَى الْمَوْلَى دُونَ الْمُخَاطَبِ بِالْمَشِيئَةِ؛ لِأَنَّ مَا فُوِّضَ إلَيْهِ قَدْ انْتَهَى بِوُجُودِ الْمَشِيئَةِ مِنْهُ بَقِيَ الْعِتْقُ، وَاقِعًا عَلَى أَحَدِهِمْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ بِإِيقَاعِ الْمَوْلَى فَالْبَيَانُ إلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ: أَيُّكُمْ دَخَلَ الدَّارَ فَهُوَ حُرٌّ فَدَخَلُوا عَتَقُوا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ دُخُولُ مَنْ دَخَلَ تَحْتَ كَلِمَةِ أَيٍّ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَيُّكُمْ بَشَّرَنِي بِكَذَا فَهُوَ حُرٌّ فَبَشَّرُوهُ مَعًا عَتَقُوا: لِأَنَّ الشَّرْطَ وُجُودُ الْبِشَارَةِ مِمَّنْ دَخَلَ تَحْتَ كَلِمَةِ أَيٍّ فَيَتَعَمَّمُ بِتَعْمِيمِهِ، وَإِنْ قَالَ: عَيَّنْت وَاحِدًا مِنْهُمْ لَمْ يُدَيَّنْ فِي الْقَضَاءِ، وَهُوَ مَدِينٌ فِيمَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ، وَإِنْ بَشَّرَهُ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ فَالْأَوَّلُ هُوَ الْبَشِيرُ، وَلَا يَعْتِقُ غَيْرُهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ: أَنَّ الْبِشَارَةَ اسْمٌ لِخَبَرٍ سَارٍّ صِدْقٍ غَابَ عَنْ الْمُخْبَرِ عِلْمُهُ.
وَإِذَا قَالَ لِآخَرَ: أَخْبِرْ عَبْدِي بِعِتْقِهِ، أَوْ أَنَّهُ حُرٌّ، أَوْ بَشِّرْهُ بِعِتْقِهِ، فَهُوَ حُرٌّ سَاعَةَ تَكَلَّمَ بِهِ الْمَوْلَى أُخْبِرَ الْعَبْدُ بِهِ، أَوْ لَمْ يُخْبَرْ؛ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ إلْصَاقُ الْإِخْبَارِ بِعِتْقٍ مَوْجُودٍ مِنْهُ لَا مَعْدُومٍ
؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَهُ بِنَفْسِهِ بِأَنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ تَضَمَّنَ ذَلِكَ تَنْجِيزَ الْعِتْقِ مِنْ جِهَتِهِ حَتَّى يَكُونَ خَبَرُهُ حَقًّا فَكَذَلِكَ إنْ أَمَرَ غَيْرَهُ حَتَّى يُخْبِرَهُ بِهِ، وَيَصِيرَ كَأَنَّهُ قَالَ: أَعْتِقْهُ فَبَشَّرَهُ بِذَلِكَ أَوْ أَخْبَرَهُ فَيُعْتَقُ سَوَاءٌ أَخْبَرَهُ أَوْ لَمْ يُخْبِرْهُ.
وَإِذَا قَالَ لِعَبْدٍ لَهُ: يَا سَالِمُ أَنْتَ حُرٌّ، وَهُوَ يَعْنِي إنْسَانًا بَيْنَ يَدَيْهِ غَيْرَ سَالِمٍ فَإِنَّ سَالِمًا حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ أَتْبَعَ الْإِيقَاعَ النِّدَاءَ فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمُنَادَى.
وَإِذَا قَالَ: أَوَّلُ عَبْدٍ يَدْخُلُ عَلَيَّ مِنْ عَبِيدِي فَهُوَ حُرٌّ فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ عَبْدٌ مَيِّتٌ ثُمَّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ عَبْدٌ حَيٌّ فَإِنَّهُ يَعْتِقُ الْحَيُّ، قَالَ: لِأَنَّهُ هُوَ الْأَوَّلُ، وَلَا يَحْتَسِبُ بِالْمَيِّتِ وَلَا يَكُونُ الْمَيِّتُ أَوَّلًا، وَآخِرًا، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الْإِدْخَالَ عَلَيْهِ لِلْإِكْرَامِ، أَوْ الْإِهَانَةِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْمَيِّتِ فَتَصِيرُ الْحَيَاةُ ثَابِتَةً بِمُقْتَضَى كَلَامِهِ، وَكَأَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ عَبْدٍ حَيٍّ مِنْ عَبِيدِي؛ وَلِأَنَّهُ جَازَاهُ بِالْحُرِّيَّةِ، وَإِنَّمَا يُجَازِي بِهِ الْحَيَّ دُونَ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِإِيجَابِ الْعِتْقِ فِيهِ وَالثَّابِتُ بِمُقْتَضَى الْكَلَامِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ.
وَإِنْ أُدْخِلَ عَلَيْهِ عَبْدَانِ حَيَّانِ جَمِيعًا مَعًا لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ اسْمٌ لِفَرْدٍ سَابِقٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَلَمْ يَتَّصِفْ، وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِالْفَرْدِيَّةِ عِنْدَ الْإِدْخَالِ عَلَيْهِ فَإِنْ أُدْخِلَ بَعْدَهُمَا عَبْدٌ آخَرُ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ اتَّصَفَ بِالْفَرْدِيَّةِ فَلَمْ يَتَّصِفْ بِالسَّبْقِ فَقَدْ تَقَدَّمَهُ عَبْدَانِ.
وَلَوْ قَالَ: أَوَّلُ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَمَلَكَ عَبْدَيْنِ مَعًا لَمْ يَعْتِقْ، وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّصِفْ، وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِالْفَرْدِيَّةِ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ، وَإِنْ مَلَكَ بَعْدَهُمَا آخَرَ لَمْ يُعْتَقْ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَّصِفْ بِالسَّبْقِ.
وَلَوْ قَالَ: آخِرُ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَمَلَكَ عَبْدَيْنِ ثُمَّ عَبْدًا ثُمَّ مَاتَ الْمَوْلَى عَتَقَ الثَّالِثُ؛ لِأَنَّ الْآخَرَ اسْمٌ لِفَرْدٍ مُتَأَخِّرٍ، وَقَدْ اتَّصَفَ بِهِ الثَّالِثُ حِينَ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ حِينَ مَاتَ ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَعْتِقُ
стр. 1475
مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ إذَا كَانَ تَمَلَّكَهُ فِي الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْآخِرِيَّةِ ثَابِتٌ لَهُ مِنْ حِينِ تَمَلَّكَهُ فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ عَتَقَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَعِنْدَهُمَا يَعْتِقُ مِنْ الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ نُزُولَ الْعِتْقِ عِنْدَهُمَا، وَقْتَ الْمَوْتِ لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ فِيهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الطَّلَاقِ، وَلَوْ قَالَ: آخِرُ عَبْدٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ هَذَا أَوَّلٌ، وَصِفَةُ الْأَوَّلِيَّةِ، وَالْآخِرِيَّةِ لَا يَجْتَمِعُ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ، وَإِنْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ بَعْدَهُ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مَا اتَّصَفَ بِالْآخِرِيَّةِ لِيَكُونَ آخِرًا، وَالْعَبْدَانِ لَمْ يَتَّصِفْ، وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِالْفَرْدِيَّةِ فَلَا يَكُونُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا آخِرًا.
وَلَوْ قَالَ لِأَمَةٍ لَمْ يَمْلِكْهَا: أَنْتِ حُرَّةٌ مِنْ مَالِي فَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ تَنْجِيزَ الْعِتْقِ لَا يَصِحُّ إلَّا بَعْدَ وُجُودِ الْمِلْكِ فِي الْمَحَلِّ، وَلَمْ يُوجَدْ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: إذَا مَلَكْتُك؛ لِأَنَّ بِذَلِكَ اللَّفْظِ لَا يَصِيرُ مُضِيفًا لِلْعِتْقِ إلَى الْمِلْكِ، وَلَا إلَى سَبَبِهِ وَهُوَ فَضْلٌ مِنْ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مِنْ جِهَتِهِ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ مَالِهِ فَلَا يَخْرُجُ بِهِ كَلَامُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ تَنْجِيزًا، وَلَوْ قَالَ: إذَا اشْتَرَيْتُك فَأَنْتِ حُرَّةٌ، أَوْ إنْ جَامَعْتُك فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَاشْتَرَاهَا، وَتَسَرَّاهَا، أَوْ جَامَعَهَا لَمْ تَعْتِقْ إلَّا عَلَى قَوْلِ زُفَرَ فَإِنَّهُ يَقُولُ: التَّسَرِّي وَالْجِمَاعُ لَا يَحِلُّ إلَّا فِي الْمِلْكِ فَكَانَ هَذَا فِي مَعْنَى إضَافَةِ الْعِتْقِ إلَى الْمِلْكِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: إنْ اشْتَرَيْتُك، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْجِمَاعُ يَتَحَقَّقُ فِي غَيْرِ الْمِلْكِ فَكَذَلِكَ التَّسَرِّي فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ التَّحْصِينِ وَالْمَنْعِ مِنْ الْخُرُوجِ، وَهُوَ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْمِلْكِ فَلَا يَتَحَقَّقُ بِهِ إضَافَةُ الْعِتْقِ إلَى الْمِلْكِ صُورَةً، وَلَا مَعْنًى فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إذَا كَلَّمْتُك فَأَنْتِ حُرَّةٌ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ فَإِنَّهُ سَبَبٌ لِلْمِلْكِ
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ كُلُّ جَارِيَةٍ أَتَسَرَّى بِهَا فَهِيَ حُرَّةٌ فَاشْتَرَى جَارِيَةً بَعْدَ يَمِينِهِ وَتَسَرَّاهَا لَمْ تُعْتَقْ، وَلَوْ تَسَرَّى جَارِيَةً كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ وَقْتَ يَمِينِهِ عَتَقَتْ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ فِي حَقِّهَا يَصِحُّ لِوُجُودِ الْمِلْكِ فِي الْمَحَلِّ وَقْتَ الْإِيجَابِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ كُلُّ جَارِيَةٍ أَمْلِكُهَا فَهِيَ حُرَّةٌ ثُمَّ تَسَرَّى فَالشَّرْطُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يُبَوِّئَهَا بَيْتًا، وَيُحَصِّنَهَا، وَيُجَامِعَهَا، وَطَلَبُ الْوَلَدِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَكُونُ تَسَرِّيًا إلَّا بِطَلَبِ الْوَلَدِ مَعَ هَذَا لِلْعَادَةِ الظَّاهِرَةِ أَنَّ النَّاسَ يَطْلُبُونَ الْأَوْلَادَ مِنْ السَّرَارِي، وَفِي الْأَيْمَانِ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ، وَهُمَا يَقُولَانِ: لَيْسَ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ التَّسَرِّي إمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ التَّسَرُّرِ كَالتَّقَضِّي وَذَلِكَ الْإِخْفَاءُ، أَوْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ السِّرَارِ، وَمَعْنَاهُ التَّحْصِينُ وَالْمَنْعُ مِنْ الْخُرُوجِ، أَوْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنْ السِّرِّ الَّذِي هُوَ الْجِمَاعُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا) فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَا يُنْبِئُ عَنْ طَلَبِ الْوَلَدِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ، وَكَيْفَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ وَبِحُصُولِ الْوَلَدِ تَخْرُجُ
стр. 1476
مِنْ أَنْ تَكُونَ سُرِّيَّةً؛ لِأَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ فَطَلَبُهُ يُخْرِجُهُ حَقِيقَةً مِنْ أَنْ تَكُونَ سُرِّيَّةً فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ شَرْطًا لِتَحْقِيقِ التَّسَرِّي، وَلَوْ وَطِئَ جَارِيَةً فَعَلِقَتْ مِنْهُ لَمْ تَعْتِقْ؛ لِأَنَّ التَّسَرِّي بِالتَّحْصِينِ، وَالْمَنْعِ مِنْ الْخُرُوجِ، وَلَمْ يُوجَدْ.
وَإِنْ قَالَ لِعَبْدَيْهِ أَيُّكُمَا أَكَلَ هَذَا الرَّغِيفَ فَهُوَ حُرٌّ فَأَكَلَاهُ جَمِيعًا لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَكْلُ الْوَاحِدِ لِجَمِيعِ الرَّغِيفِ، وَلَمْ يُوجَدْ إنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ أَكَلَهُ فَأَعْتَقَهُ الْقَاضِي ثُمَّ أَقَامَ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَكَلَهُ لَمْ يُعْتِقْهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَوَّلَ آكِلًا فَلَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَهُ كَوْنُ الثَّانِي آكِلًا لَهُ إذْ الرَّغِيفُ الْوَاحِدُ لَا يَتَكَرَّرُ فِيهِ فِعْلُ الْأَكْلِ، وَهَذِهِ الْبَيِّنَةُ إنَّمَا تَقُومُ لِإِبْطَالِ الْقَضَاءِ الْأَوَّلِ، وَالْبَيِّنَةُ لِإِبْطَالِ الْقَضَاءِ لَا تُقْبَلُ: تَوْضِيحَهُ إنَّا نَتَيَقَّنُ بِكَذِبِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ وَقَدْ تَرَجَّحَ مَعْنَى الصِّدْقِ فِي شَهَادَةِ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ بِالْقَضَاءِ فَتَعَيَّنَ مَعْنَى الْكَذِبِ فِي شَهَادَةِ الْفَرِيقِ الثَّانِي وَإِنْ جَاءَتْ الْبَيِّنَتَانِ مَعًا لَمْ يَعْتِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَتَيَقَّنُ بِكَذِبِ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، وَلَا يَعْرِفُ الصَّادِقَ مِنْ الْكَاذِبِ، وَإِذَا كَانَتْ تُهْمَةُ الْكَذِبِ تَمْنَعُ الْقَضَاءَ بِالشَّهَادَةِ فَالتَّيَقُّنُ بِالْكَذِبِ أَوْلَى.
وَعَلَى هَذَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ سَالِمًا يَوْمَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ فَأَعْتَقَهُ الْقَاضِي ثُمَّ شَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ أَعْتَقَ سَرِيعًا يَوْمَ النَّحْرِ بِالْكُوفَةِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنْ جَاءَتْ الْبَيِّنَتَانِ مَعًا لَمْ تُقْبَلْ، وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، وَهَذَا، وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، وَإِنْ رَدَّهُمَا ثُمَّ مَاتَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ فَأَعَادَ الْآخَرُ بَيِّنَتَهُ تِلْكَ لَمْ يَقْبَلْ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَدَّهَا لِلتُّهْمَةِ فَلَا يَقْبَلُهَا أَبَدًا كَمَا لَوْ رَدَّ شَهَادَةَ الْفَاسِقِ ثُمَّ تَابَ فَأَعَادَهَا وَإِنْ لَمْ تَمُتْ وَاحِدَةٌ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ حَتَّى جَاءَ أَحَدُ الْغُلَامَيْنِ بِشَاهِدَيْنِ آخَرَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى مَا شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ الْأُولَى، وَجَاءَ الْآخَرُ بِشُهُودِهِ الَّذِينَ كَانُوا شَهِدُوا فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُجِيزُ شَهَادَةَ الْآخَرَيْنِ اللَّذَيْنِ لَمْ يَكُونَا شَهِدَا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَرِيقَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ قَدْ بَطَلَتْ لِلتَّعَارُضِ، وَصَارَتْ كَالْمَعْدُومَةِ وَإِنَّمَا بَقِيَ شَهَادَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي لِأَحَدِهِمَا، وَلَا مُعَارِضَ لَهُ فَثَبَتَ الْمَشْهُودُ بِهِ بِشَهَادَتِهِمَا، وَلَا يُعْتَبَرُ بِمَا أَعَادَهُ الْعَبْدُ الثَّانِي؛ لِأَنَّ تِلْكَ شَهَادَةٌ حُكِمَ بِبُطْلَانِهَا، وَكَمَا لَا تَقُومُ حُجَّةُ الْقَضَاءِ بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فَكَذَلِكَ الْمُعَارَضَةُ لَا تَثْبُتُ بِهَا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
[بَابُ عِتْقِ الْعَبْدِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ]
أَكْثَرُ مَسَائِلِ هَذَا الْبَابِ تَنْبَنِي عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّ الْعِتْقَ عِنْدَهُ
стр. 1477
يَتَجَزَّأُ حَتَّى إنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي إنْ شَاءَ أَعْتَقَهُ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَاهُ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ، وَمَا لَمْ يُؤَدِّ السِّعَايَةَ فَهُوَ كَالْمُكَاتَبِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - يَعْتِقُ كُلُّهُ وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ عَبْدِهِ فَهُوَ حُرٌّ كُلُّهُ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ شَرِيكٌ»، وَفِي الْكِتَابِ ذُكِرَ هَذَا اللَّفْظُ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا ﵁، وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْعِتْقَ إسْقَاطٌ لِلرِّقِّ، وَالرِّقُّ لَا يَتَجَزَّأُ ابْتِدَاءً، وَبَقَاءً فَإِسْقَاطُهُ بِالْعِتْقِ لَا يَتَجَزَّأُ أَيْضًا كَمَا أَنَّ الْحِلَّ لَمَّا كَانَ لَا يَتَجَزَّأُ ابْتِدَاءً، وَبَقَاءً فَإِبْطَالُهُ بِالطَّلَاقِ لَا يَتَجَزَّأُ، وَبَيَانُهُ أَنَّ فِعْلَهُ إعْتَاقٌ فَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِانْفِعَالِ الْعِتْقِ فِي الْمَحَلِّ، وَبَعْدَ انْفِعَالِ الْعِتْقِ فِي بَعْضِ الشَّخْصِ لَوْ بَقِيَ الرِّقُّ فِي شَيْءٍ مِنْهُ كَانَ فِي ذَلِكَ تَجَزِّي الرِّقُّ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَإِنَّ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَى الْعِتْقِ مِنْ الْأَحْكَامِ يُضَادَّ أَحْكَامَ الرِّقِّ مِنْ تَكْمِيلِ الْحُدُودِ، وَالْأَهْلِيَّةِ لِلشَّهَادَاتِ، وَالْإِرْثِ، وَالْوِلَايَاتِ وَلَا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ؛ وَلِأَنَّ اتِّصَالَ أَحَدِ النِّصْفَيْنِ بِالْآخَرِ أَقْوَى مِنْ اتِّصَالِ الْجَنِينِ بِالْأُمِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِغَرَضِ الْفَصْلِ، ثُمَّ إعْتَاقُ الْأُمِّ يُوجِبُ عِتْقَ الْجَنِينِ لَا مَحَالَةَ فَإِعْتَاقُ أَحَدِ النِّصْفَيْنِ لَأَنْ يُوجِبَ عِتْقَ النِّصْفِ الْآخَرِ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِيلَادَ يُوجِبُ حَقَّ الْعِتْقِ، وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ الْوَصْفَ بِالتَّجَزِّي فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَحَقِيقَةُ الْعِتْقِ أَوْلَى.
وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِحَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مَا عَتَقَ، وَرَقَّ مَا رَقَّ»، وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: يُعْتِقُ الرَّجُلُ مِنْ عَبْدِهِ مَا شَاءَ وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ ﷺ ، فَهُوَ حُرٌّ كُلُّهُ سَيَصِيرُ حُرًّا كُلُّهُ بِإِخْرَاجِ الْبَاقِي إلَى الْحُرِّيَّةِ بِالسِّعَايَةِ، فَيَكُونُ فِيهِ بَيَانًا أَنَّهُ لَا يُسْتَدَامُ الرِّقُّ فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ، وَهُوَ مَذْهَبُنَا؛ وَلِأَنَّ هَذَا إزَالَةُ مِلْكِ الْيَمِينِ، فَيُجْزِئُ فِي الْمَحَلِّ كَالْبَيْعِ، وَتَأْثِيرُهُ أَنَّ نُفُوذَ تَصَرُّفِ الْمَالِكِ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ، وَهُوَ مَالِكٌ لِلْمَالِيَّةِ دُونَ الرِّقِّ فَالرِّقُّ اسْمٌ لِضَعْفٍ ثَابِتٍ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ مُجَازَاةً وَعُقُوبَةً عَلَى كُفْرِهِمْ، وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ كَالْحَيَاةِ إلَّا أَنَّ بَقَاءَ مِلْكِهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِبَقَاءِ صِفَةِ الرِّقِّ فِي الْمَحَلِّ كَمَا لَا يَكُونُ حَيًّا إلَّا بِاعْتِبَارِ صِفَةِ الْحَيَاةِ فِي الْمَحَلِّ فَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَيَاةَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَالِيَّةَ، وَمِلْكُ الْمَالِيَّةِ يَحْتَمِلُ التَّجَزُّؤَ فَإِنَّمَا يَزُولُ بِقَدْرِ مَا يُزِيلُهُ، وَلِهَذَا لَا يَعْتِقُ شَيْءٌ مِنْهُ بِإِعْتَاقِ الْبَعْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى كَانَ مُعْتَقُ الْبَعْضِ كَالْمُكَاتَبِ إلَّا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ إذَا عَجَزَ يُرَدُّ فِي الرِّقِّ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُنَاكَ عَقْدٌ مُحْتَمِلٌ لِلْفَسْخِ.
وَهَذَا إذَا عَجَزَ عَنْ السِّعَايَةِ لَا يُرَدُّ فِي الرِّقِّ؛ لِأَنَّ
стр. 1478
سَبَبَهُ إزَالَةُ مِلْكٍ لَا إلَى أَحَدٍ وَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى فِعْلُهُ إعْتَاقًا مَجَازًا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إذَا تَمَّ إزَالَةُ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الْإِسْقَاطِ يَعْقُبُهُ الْعِتْقُ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُوَّةِ لَا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمُزِيلُ مُلَاقِيًا لِلرِّقِّ، كَالْقَاتِلِ فِعْلُهُ لَا يَحِلُّ الرُّوحَ، وَإِنَّمَا يَحِلُّ الْبِنْيَةَ، ثُمَّ بِنَقْضِ الْبِنْيَةِ تُزْهَقُ الرُّوحُ فَيَكُونُ فِعْلُهُ قَتْلًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَئِنْ كَانَ فِعْلُهُ إعْتَاقًا فَالْعِتْقُ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَى الْإِعْتَاقِ لَا يَتَجَزَّأُ، وَالْإِعْتَاقُ فِي نَفْسِهِ مُنَجَّزٌ حَتَّى يُتَصَوَّرَ مِنْ جَمَاعَةٍ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَالْعِتْقُ لِلْبَعْضِ إنَّمَا يُوجَدُ شَطْرُ الْعِلَّةِ فَيَتَوَقَّفُ عِتْقُ الْمَحَلِّ إلَى تَكْمِيلِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ إبَاحَةِ أَدَاءِ الصَّلَاةِ تَنْبَنِي عَلَى غَسْلِ أَعْضَاءٍ هِيَ مُتَجَزِّئَةٌ فِي نَفْسِهَا حَتَّى يَكُونَ غُسْلُ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ مُطَهِّرًا ثُمَّ يَتَوَقَّفُ إبَاحَةُ أَدَاءِ الصَّلَاةِ عَلَى إكْمَالِ الْعَدَدِ، وَحُرْمَةُ الْمَحَلِّ لَا تَتَجَزَّى، وَإِنْ كَانَ يَنْبَنِي عَلَى طَلْقَاتٍ هِيَ مُتَجَزِّئَةٌ حَتَّى كَانَ الْمُوَقِّعُ لِلتَّطْلِيقَةِ، وَالتَّطْلِيقَتَيْنِ مُطَلِّقًا، وَيَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ عَلَى كَمَالِ الْعَدَدِ، فَهُنَا أَيْضًا نُزُولُ الْعِتْقِ فِي الْمَحَلِّ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَمَامِ الْعِلَّةِ بِإِعْتَاقِ مَا بَقِيَ، وَإِنْ كَانَ مُعْتَقُ الْبَعْضِ مُعْتَقًا؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ يَقْتَضِي انْفِعَالَ الْعِتْقِ كَمَا قَالَ، وَلَكِنْ لَا يَقْتَضِي الِاتِّصَالَ بِالْإِعْتَاقِ بَلْ يَثْبُتُ اسْتِحْقَاقُ الْإِعْتَاقِ، وَيَتَأَخَّرُ ثُبُوتُهُ فِي الْمَحَلِّ إلَى إكْمَالِ الْعِلَّةِ فَأَمَّا الِاسْتِرْقَاقُ فَقَدْ قِيلَ يَحْتَمِلُ الْوَصْفَ بِالتَّجَزِّي حَتَّى لَوْ فَتَحَ الْإِمَامُ بَلْدَةً، وَرَأَى الصَّوَابَ فِي أَنْ يَسْتَرِقَّ أَنْصَافَهُمْ صَحَّ ذَلِكَ مِنْهُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ، وَهُوَ الْقَهْرُ لَا يَتَجَزَّأُ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ قَهْرُ نِصْفِ الشَّخْصِ دُونَ النِّصْفِ، وَالْحُكْمُ يَنْبَنِي عَلَى السَّبَبِ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِيلَادُ سَبَبُهُ لَا يَتَجَزَّأُ، وَهُوَ نَسَبُ الْوَلَدِ فَأَمَّا عِتْقُ الْجَنِينِ عِنْدَ إعْتَاقِ الْأُمِّ لَيْسَ لِأَجْلِ الِاتِّصَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّ إعْتَاقَ الْجَنِينِ لَا يُوجِبُ إعْتَاقَ الْأُمِّ وَالِاتِّصَالُ مَوْجُودٌ، وَلَكِنَّ الْجَنِينَ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا كَيَدِهَا، وَرِجْلِهَا، وَثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي التَّبَعِ ثُبُوتُهُ فِي الْمَتْبُوعِ وَأَحَدُ النِّصْفَيْنِ لَيْسَ بِتَبَعٍ لِلنِّصْفِ الْبَاقِي فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ إعْتَاقُ أَحَدِ النِّصْفَيْنِ مُوجِبًا لِلْعِتْقِ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي.
فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ جَازَ ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا فَلِلسَّاكِتِ ثَلَاثُ خِيَارَاتٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنْ شَاءَ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ فِي قِيمَةِ نَصِيبِهِ فَإِذَا أَدَّى السِّعَايَةَ إلَيْهِ عَتَقَ، وَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْمُعْتِقُ نِصْفَ قِيمَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ الْمُعْتِقُ عَلَى الْعَبْدِ وَالْوَلَاءُ كُلُّهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا فَلِلسَّاكِتِ خِيَارَانِ: إنْ شَاءَ أَعْتَقَ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى، وَلَيْسَ لَهُ حَقُّ تَضْمِينِ الشَّرِيكِ إلَّا عَلَى قَوْلِ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ، وَالْقِيَاسُ فِي أَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَمَّا وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُعْتِقِ مُوسِرًا كَانَ، أَوْ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّهُ بِإِعْتَاقِ نَصِيبِهِ يُفْسِدُ عَلَى الشَّرِيكِ
стр. 1479
نَصِيبَهُ فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةُ مِلْكِهِ، وَالتَّصَرُّفُ فِي نَصِيبِهِ، وَضَمَانُ الْإِفْسَادِ لَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ، وَالْعُسْرَةِ، أَوْ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَى الْمُعْتِقِ ضَمَانٌ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ وَالْمُتَصَرِّفُ فِي مِلْكِهِ لَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا، وَلَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، وَإِنْ تَعَدَّى ضَرَرُ تَصَرُّفِهِ إلَى مِلْكِ غَيْرِهِ، كَمَنْ سَقَى أَرْضَهُ فَنَزَّتْ أَرْضُ جَارِهِ أَوْ أَحْرَقَ الْحَصَائِدَ فِي أَرْضِهِ فَاحْتَرَقَ شَيْءٌ مِنْ مِلْكِ جَارِهِ.
وَلَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَيْنِ لِلْآثَارِ فَمِنْهُ مَا رُوِيَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «فِي الرَّجُلِ يُعْتِقُ نَصِيبَهُ فِي الْمَمْلُوكِ: إنْ كَانَ غَنِيًّا ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا يَسْعَى فِي حِصَّةِ الْآخَرِ» وَهَكَذَا رَوَى عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ وَعُمَرَ بْنِ شُهَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -: «أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ جُهَيْنَةَ كَانَ بَيْنَهُمَا عَبْدٌ فَأَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا فَرَفَعَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَمَّنَهُ نَصِيبَ صَاحِبِهِ، وَحَبَسَهُ حَتَّى بَاعَ غَنِيمَةً لَهُ فِي ذَلِكَ»، وَذَكَرَ الْحَسَنُ عَنْ عُمَرَ ﵁ فِي الْعَبْدِ بَيْنَ اثْنَيْنِ يُعْتِقُهُ أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَضْمَنُ نَصِيبَ صَاحِبِهِ إنْ كَانَ غَنِيًّا، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا يَسْعَى الْعَبْدُ فِي النِّصْفِ لِصَاحِبِهِ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ وَلِإِخْوَةٍ لَهُ صِغَارٍ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُمَرَ ﵁ فَقَالَ يُسْتَأْنَى بِالصِّغَارِ حَتَّى يُدْرِكُوا فَإِنْ شَاءُوا أَعْتَقُوا، وَإِنْ شَاءُوا أَخَذُوا الْقِيمَةَ فَلِهَذِهِ الْآثَارِ قُلْنَا بِوُجُوبِ الضَّمَانِ فِي حَالَةِ الْيَسَارِ دُونَ الْعُسْرَةِ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَبَرَ يَسَارُ الْيُسْرِ، لَا يَسَارُ الْغِنَى حَتَّى إذَا كَانَ لَهُ مِنْ الْمَالِ قَدْرُ قِيمَةِ الْمَمْلُوكِ - فَهُوَ ضَامِنٌ، وَإِنْ كَانَتْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ هَكَذَا ذَكَرَهُ فِي حَدِيثِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَالَ: قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ إنْ كَانَ لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ ذَلِكَ»، وَلِأَنَّهُ قَصَدَ التَّقَرُّبَ، وَالصِّلَةَ بِإِعْتَاقِ نَصِيبِهِ وَتَمَامُ ذَلِكَ بِعِتْقِ مَا بَقِيَ فَإِنْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ إتْمَامِهِ بِمِلْكِهِ مِقْدَارَ مَا يُؤَدِّيه إلَى شَرِيكِهِ كَانَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ اخْتِلَافَ هَذَا الضَّمَانِ بِالْيَسَارِ، وَالْإِعْسَارِ لِتَحْقِيقِ مَعْنَى النَّظَرِ لَلشَّرِيكِ فَإِنَّهُ إذَا اسْتَسْعَى الْعَبْدَ يَتَأَخَّرُ وُصُولُ حَقِّهِ إلَيْهِ، وَإِذَا ضَمَّنَ شَرِيكَهُ يَتَوَصَّلُ إلَى مَالِيَّةِ نَصِيبِهِ فِي الْحَالِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا إذَا كَانَ مُوسِرًا لَهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ ثُمَّ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ لَا خِيَار لِلسَّاكِتِ، وَإِنَّمَا لَهُ تَضْمِينُ الشَّرِيكِ إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَاسْتِسْعَاءُ الْعَبْدِ إنْ كَانَ مُعْسِرًا أَخْذًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَبِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمَا أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَتَجَزَّأُ.
وَلِهَذَا كَانَ الْوَلَاءُ عِنْدَهُمَا كُلُّهُ لِلْمُعْتِقِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى إلَّا فِي حَرْفٍ، وَاحِدٍ يَقُولُ إذَا سَعَى الْعَبْدُ رَجَعَ بِهِ عَلَى الْمُعْتِقِ إذَا أَيْسَرَ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَلْزَمَهُ ذَلِكَ
стр. 1480
بِفِعْلِهِ، وَقَاسَ بِالْعَبْدِ الْمَرْهُونَ إذَا أَعْتَقَهُ الرَّاهِنُ، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَسَعَى الْعَبْدُ فِي الدَّيْنِ رَجَعَ بِهِ عَلَى الرَّاهِنِ إذَا أَيْسَرَ، وَلَكِنَّا نَقُولُ إذَا كَانَتْ عُسْرَةُ الْمُعْتِقِ تَمْنَعُ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ لِلسَّاكِتِ فَكَذَلِكَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ لِلْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يَسْعَى الْعَبْدُ فِي بَدَلِ رَقَبَتِهِ، وَمَالِيَّتِهِ، وَقَدْ سَلَّمَ لَهُ ذَلِكَ فَلَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ بِخِلَافِ الْمَرْهُونِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي بَدَلِ رَقَبَتِهِ بَلْ فِي الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ فِي ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وَمَنْ كَانَ مُجْبَرًا عَلَى قَضَاءِ دَيْنٍ فِي ذِمَّةِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ الْتِزَامٍ مِنْ جِهَتِهِ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِهِ عَلَيْهِ فَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنْ كَانَ الْمُعْتَقُ مُوسِرًا يَعْتِقُ كُلُّهُ، وَهُوَ ضَامِنٌ لِنَصِيبِ شَرِيكِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلِلشَّرِيكِ أَنْ يَسْتَدِيمَ الرِّقَّ فِي نَصِيبِهِ، وَيَتَصَرَّفَ فِيهِ بِمَا شَاءَ، وَقَالَ لَا أَعْرِفُ السِّعَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ، وَوَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ عُسْرَةَ الْعَبْدِ أَظْهَرُ مِنْ عُسْرَةِ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل مِلْكِ الْمَالِ فَإِذَا لَمْ يَجِبْ الضَّمَانُ عَلَى الْمُعْتِقِ لِعُسْرَتِهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمُعْتِقَ مُعْسِرٌ جَانٍ وَالْعَبْدُ مُعْسِرٌ غَيْرُ جَانٍ، وَهَذَا لَوْ لَزِمَهُ السِّعَايَةُ إنَّمَا تَلْزَمُهُ فِي بَدَلِ رَقَبَتِهِ.
، وَلَيْسَ لِلْمَوْلَى وِلَايَةُ إلْزَامِهِ الْمَالَ بَدَلًا عَنْ رَقَبَتِهِ فِي ذِمَّتِهِ كَمَا لَوْ كَاتَبَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ فَلَأَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ لِغَيْرِ الْمَالِكِ، أَوْلَى.
(وَحُجَّتُنَا) فِي ذَلِكَ حَدِيثُ بِشْرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ عَبْدٍ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا قِيمَةَ عَدْلٍ، وَلَا يُسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي نَصِيبِهِ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ عَلَيْهِ» وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ نَصِيبَ الشَّرِيكِ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ، وَقَدْ اُحْتُبِسَ عِنْدَ الْعَبْدِ لِمَا قُلْنَا أَنَّ بَعْدَ إعْتَاقِ الْبَعْضِ يَمْتَنِعُ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ فِيمَا بَقِيَ لِوُجُوبِ تَكْمِيلِ الْعِتْقِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَالَةُ الْيَسَارِ فَإِنَّ حُكْمَ الْمَحَلِّ لَا يَخْتَلِفُ بِيَسَارِ الْمُعْتِقِ، وَعُسْرَتِهِ، وَمَنْ احْتَبَسَ مِلْكَ الْغَيْرِ عِنْدَهُ يَكُونُ ضَامِنًا لَهُ مُوسِرًا كَانَ، أَوْ مُعْسِرًا وُجِدَ مِنْهُ الصُّنْعُ، أَوْ لَمْ يُوجَدْ كَمَا لَوْ هَبَّتْ الرِّيحُ بِثَوْبِ إنْسَانٍ، وَأَلْقَتْهُ فِي صَبْغِ إنْسَانٍ فَانْصَبَغَ كَانَ لِصَاحِبِ الصَّبْغِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ صَبْغِهِ إذَا اخْتَارَ صَاحِبُ الثَّوْبِ إمْسَاكَ الثَّوْبِ، وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَوْلَدَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْجَارِيَةَ الْمُشْتَرَكَةَ يَضْمَنُ نَصِيبَ شَرِيكِهِ مُوسِرًا كَانَ، أَوْ مُعْسِرًا لِاحْتِبَاسٍ نَصِيبِ الشَّرِيكِ عِنْدَهُ فَكَذَلِكَ هُنَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ السِّعَايَةُ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا لِاحْتِبَاسِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ عِنْدَهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ بِعَقْدِ التَّرَاضِي، وَوُجُوبَ السِّعَايَةِ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ لِلِاحْتِبَاسِ، وَذَلِكَ مُتَقَرِّرٌ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ الْعَبْدُ فَأَمَّا بَيَانُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَنَقُولُ: عِنْدَهُ الْعِتْقُ يَتَجَزَّأُ فَإِنَّمَا عَتَقَ نَصِيبُ الْمُعْتِقِ فَقَطْ وَبَقِيَ نَصِيبُ الْآخَرِ عَلَى مِلْكِهِ فَلَهُ أَنْ يَعْتِقَهُ كَمَا كَانَ لَهُ أَنْ
стр. 1481
يَعْتِقَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِذَا أَعْتَقَهُ كَانَ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ أَعْتَقَاهُ مَعًا، وَلَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ فِي نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ اُحْتُبِسَ عِنْدَ الْعَبْدِ حِينَ تَعَذَّرَ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ فِيهِ، وَإِذَا اسْتَسْعَاهُ فَأَدَّى السِّعَايَةَ عَتَقَ، وَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ عَتَقَ مِنْ جِهَتِهِ، وَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ شَرِيكَهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا؛ لِأَنَّهُ مُفْسِدٌ عَلَيْهِ نَصِيبَهُ لَمَّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ بِإِعْتَاقِ نَصِيبِهِ ثُمَّ بِالتَّضْمِينِ يَصِيرُ مُمَلَّكًا نَصِيبَهُ مِنْ شَرِيكِهِ فَيَلْتَحِقُ بِمَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ كُلُّهُ لَهُ فَأَعْتَقَ نِصْفَهُ حَتَّى يَتَخَيَّرَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي بَيْنَ أَنْ يَعْتِقَهُ، وَأَنْ يَسْتَسْعِيَهُ؛ وَلِأَنَّهُ بِالتَّضْمِينِ يُقِيمُ الْمُعْتَقَ فِي نَصِيبِهِ مَقَامَ نَفْسِهِ، وَقَدْ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يَعْتِقَهُ، أَوْ يَسْتَسْعِيَهُ فَيَثْبُتَ ذَلِكَ لِلْمُعْتَقِ بَعْدَ أَدَاءِ الضَّمَانِ فَلِهَذَا قَالَ يَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا ضَمِنَ، وَالْوَلَاءُ كُلُّهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عَتَقَ مِنْ جِهَتِهِ، وَإِنْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَ شَرِيكِهِ مِنْهُ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْغَيْرِ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْعِتْقِ فِي حَقِّهِ، وَالسِّرَايَةُ عِنْدَهُمَا إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ مُصَادَفَةِ الْعِتْقِ مَحَلَّهُ، وَإِذَا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ كَانَ لَغْوًا.
وَلَوْ دَبَّرَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، وَهُوَ مُوسِرٌ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: التَّدْبِيرُ يَتَجَزَّأُ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ فَيَكُونُ مُعْتَبَرًا بِحَقِيقَةِ الْحُرِّيَّةِ فَيَبْقَى بَعْدَ تَدْبِيرِ الْمُدَبِّرِ نَصِيبُ الْآخَرِ عَلَى مِلْكِهِ فَيَنْفُذُ عِتْقُهُ فِيهِ وَلِلْمُدَبِّرِ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُعْتِقَ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مُدَبَّرًا، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَمَكَّنَ نُقْصَانٌ فِي نَصِيبِهِ بِالتَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ امْتَنَعَ الْبَيْعُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ اسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ إلَى مَوْتِهِ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِإِعْتَاقِ الشَّرِيكِ فَيُضَمِّنُهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَإِنَّمَا يُضَمِّنُهُ مُدَبِّرًا؛ لِأَنَّهُ أَفْسَدَهُ، وَهُوَ مَنْقُوصٌ بِنُقْصَانِ التَّدْبِيرِ، وَلَمْ يَرْجِعْ الْمُعْتِقُ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا ضَمِنَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ مَنْ ضَمَّنَهُ، وَقَدْ كَانَ لِلْمُدَبِّرِ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ قِيمَةَ نَصِيبِهِ مُدَبِّرًا، وَأَيُّ ذَلِكَ فَعَلَ فَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا هُنَا؛ لِأَنَّهُ بِالتَّدْبِيرِ اسْتَحَقَّ وَلَاءَ نَصِيبِهِ فَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ، وَإِنْ ضَمِنَ شَرِيكَهُ بِخِلَافِ الْقِنِّ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - حِينَ دَبَّرَهُ الْأَوَّلُ صَارَ الْكُلُّ مُدَبَّرًا لَهُ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ عِنْدَهُمَا لَا يَتَجَزَّأُ كَالْعِتْقِ، وَيَضْمَنُ قِيمَةَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ مُوسِرًا كَانَ، أَوْ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُتَمَلِّكًا عَلَى شَرِيكِهِ نَصِيبَهُ، وَضَمَانُ التَّمَلُّكِ لَا يَخْتَلِفُ بِالْيَسَارِ، وَالْإِعْسَارِ ثُمَّ إعْتَاقُ الثَّانِي بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَ مَا لَا يَمْلِكُهُ.
وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ فَدَبَّرَهُ أَحَدُهُمْ ثُمَّ أَعْتَقَهُ الثَّانِي وَهُمَا مُوسِرَانِ فَجَوَابُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا، وَالْأَوَّلِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَ دَبَّرَهُ أَحَدُهُمْ صَارَ الْكُلُّ مُدَبَّرًا لَهُ، وَهُوَ ضَامِنٌ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ لِشَرِيكَيْهِ مُوسِرًا كَانَ، أَوْ مُعْسِرًا، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ دَبَّرَهُ أَحَدُهُمْ، وَأَعْتَقَهُ الْآخَرُ فَالْإِعْتَاقُ مِنْ الثَّانِي بَعْدَ ذَلِكَ لَغْوٌ، وَأَمَّا عِنْدَ
стр. 1482
أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَدْبِيرُ الْمُدَبَّرِ يَقْتَصِرُ عَلَى نَصِيبِهِ.
وَالْإِعْتَاقُ مِنْ الثَّانِي صَحِيحٌ لِمُصَادَفَتِهِ الْمَحَلَّ ثُمَّ لِلسَّاكِتِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُدَبَّرَ ثُلُثَ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ؛ لِأَنَّ بِالتَّدْبِيرِ السَّابِقِ صَارَ نَصِيبُهُ بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ إلَّا إلَى الْمُدَبَّرِ بِالضَّمَانِ فَلَوْ أَثْبَتَ لَهُ حَقَّ تَضْمِينِ الْمُعْتِقِ انْتَقَلَ نَصِيبُهُ إلَى الْمُعْتِقِ بِالضَّمَانِ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ بِالتَّدْبِيرِ السَّابِقِ فَلِهَذَا يَضْمَنُ الْمُدَبَّرُ دُونَ الْمُعْتِقِ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ ثُلُثَ قِيمَتِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَعْتَقَهُ، وَإِذَا ضَمَّنَ الْمُدَبَّرَ فَلِلْمُدَبَّرِ أَنْ يَرْجِعَ بِذَلِكَ عَلَى الْعَبْدِ فَيَسْعَى لَهُ فِيهِ، وَلِلْمُدَبَّرِ أَيْضًا أَنْ يُضَمِّنَ الَّذِي أَعْتَقَ ثُلُثَ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ فِي نَصِيبِهِ بِإِعْتَاقِ الْمُعْتِقِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ ثُلُثَ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ مَا أَدَّى إلَى السَّاكِتِ مِنْ قِيمَةِ نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّ السَّاكِتَ لَمْ يَكُنْ مُتَمَكِّنًا مِنْ تَضْمِينِ الْمُعْتِقِ فَكَذَلِكَ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَلِأَنَّ صُنْعَهُ، وَهُوَ الْإِعْتَاقُ وُجِدَ قَبْلَ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْمُدَبَّرُ نَصِيبَ السَّاكِتِ فَلِهَذَا لَا يُضَمِّنُهُ قِيمَةَ هَذَا الثُّلُثِ وَيَكُونُ الْوَلَاءُ بَيْنَ الْمُدَبَّرِ وَالْمُعْتِقِ أَثْلَاثًا ثُلُثَاهُ لِلْمُدَبَّرِ وَثُلُثُهُ لِلْمُعْتَقِ.
وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَشَهِدَ كُلُّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ، وَصَاحِبُهُ مُنْكِرٌ ذَلِكَ فَالْعَبْدُ يَسْعَى فِي جَمِيعِ قِيمَتِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ مُوسِرَيْنِ، أَوْ مُعْسِرَيْنِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ.
فَأَمَّا فَسَادُ رِقِّ الْعَبْدِ فَلِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى ذَلِكَ، وَهُمَا يَمْلِكَانِهِ بِطَرِيقِ الْإِنْشَاءِ ثُمَّ يَسَارُ الْمُعْتِقِ عِنْدَهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ السِّعَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَهَادَتِهِ عَلَى شَرِيكِهِ يَدَّعِي السِّعَايَةَ لِنَفْسِهِ فِي قِيمَةِ نَصِيبِهِ عَلَى الْعَبْدِ، وَيَدَّعِي الضَّمَانَ عَلَى شَرِيكِهِ إلَّا أَنَّ الضَّمَانَ لَمْ يَثْبُتْ لِإِنْكَارِ الشَّرِيكِ فَتَبْقَى السِّعَايَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْعَبْدِ، وَعِنْدَ الْأَدَاءِ يُعْتَقُ نَصِيبُ كُلِّ، وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ جِهَتِهِ فَكَانَ الْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ ﵀: إنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ فَهُوَ حُرٌّ، وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمَا تَصَادَقَا عَلَى حُرِّيَّتِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَبَرَّأُ مِنْ جِهَةِ السِّعَايَةِ، وَيَدَّعِي الضَّمَانَ عَلَى شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ عِنْدَهُمَا يَمْنَعُ وُجُوبَ السِّعَايَةِ عَلَيْهِ، وَمَا ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الضَّمَانِ عَلَى شَرِيكِهِ لَمْ يَثْبُتْ لِإِنْكَارِ شَرِيكِهِ وَإِنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ يَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي السِّعَايَةَ هُنَا فَإِنَّهُ يَقُولُ شَرِيكِي مُعْتِقٌ، وَهُوَ مُعْسِرٌ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا، وَالْآخَرُ مُعْسِرًا يَسْعَى لِلْمُوسِرِ مِنْهُمَا فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ، وَلَمْ يَسْعَ لِلْمُعْسِرِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمُوسِرَ يَدَّعِي السِّعَايَةَ فَإِنَّهُ يَقُولُ شَرِيكِي مُعْتِقٌ، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَلِي اسْتِسْعَاءُ الْعَبْدِ فِي قِيمَةِ نَصِيبِي، وَأَمَّا الْمُعْسِرُ يَتَبَرَّى مِنْ السِّعَايَةِ، وَيَقُولُ شَرِيكِي مُعْتِقٌ وَهُوَ مُوسِرٌ فَحَقِّي
стр. 1483
فِي الضَّمَانِ قِبَلَهُ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ بِالتَّبَرِّي مِنْهُ، وَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ لَهُ عَلَى شَرِيكِهِ بِجُحُودِهِ وَالْوَلَاءُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفِي الْوَلَاءَ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِلْمُعْتِقِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَزْعُمُ أَنَّ صَاحِبَهُ هُوَ الْمُعْتِقُ فَلِهَذَا تَوَقَّفَ الْوَلَاءُ، وَإِذَا أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْعَبْدَ، وَاخْتَارَ الْآخَرُ تَضْمِينَهُ فَاخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ يَوْمَ أَعْتَقَهُ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَائِمًا نَظَرَ إلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ ظَهَرَ الْعِتْقُ حَتَّى إذَا لَمْ يَتَصَادَقَا فِيمَا مَضَى يُقَوَّمُ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ حَادِثٌ فَيُحَالُ بِحُدُوثِهِ عَلَى أَقْرَبِ أَوْقَاتِ ظُهُورِهِ، وَوُجُوبُ الضَّمَانِ بِالْإِفْسَادِ أَوْ الْإِتْلَافِ فَيَكُونُ الْمُعْتَبَرُ قِيمَتَهُ وَقْتَ تَقَرَّرَ السَّبَبُ، وَذَلِكَ عِنْدَ ظُهُورِ الْعِتْقِ فَلِهَذَا يُقَوَّمُ فِي الْحَالِ.
وَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ نَصِيبَهُ السَّاعَةَ فَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ فِي قِيمَةِ نَصِيبِهِ السَّاعَةَ، وَلَوْ تَصَادَقَا أَنَّهُ أَعْتَقَهُ قَبْلَ هَذَا كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ الْقِيمَةِ يَوْمَ أَعْتَقَهُ حَتَّى إذَا انْتَقَصَتْ قِيمَتُهُ بِزِيَادَةِ السِّنِّ فَإِنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الزِّيَادَةُ، وَالنُّقْصَانُ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ عَلَى الشَّرِيكِ هُوَ الْعِتْقُ فَيُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهِ عِنْدَ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمَغْصُوبِ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْغَصْبِ.
، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ عَلَيْهِ فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي مِقْدَارِهِ كَمَا فِي الْمَغْصُوبِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَ يَدَّعِي عَلَيْهِ الزِّيَادَةَ، وَهُوَ مُنْكِرٌ، وَهَذَا بِخِلَافِ الشُّفْعَةِ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ أَحْرَقَ الْبِنَاءَ كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ الْعَرْصَةَ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ فِي قِسْمَةِ الثَّمَنِ، وَيَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ الْأَرْضِ فِي الْحَالِ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي قِيمَةِ الْبِنَاءِ قَوْلَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ هُنَاكَ يَتَمَلَّكُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْعَرْصَةَ فَهُوَ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي حَقَّ التَّمَلُّكِ بِأَقَلِّ الْمَالَيْنِ وَالْمُشْتَرِي يُنْكِرُ ذَلِكَ، وَهُنَا السَّاكِتُ يُمَلِّكُ الْمُعْتِقَ نَصِيبَهُ بِالضَّمَانِ، فَهُوَ يَدَّعِي عَلَيْهِ حَقَّ التَّمْلِيكِ فِيهِ بِأَكْثَرِ الْمَالَيْنِ، وَالْمُعْتِقُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ فَإِنْ مَاتَ الَّذِي لَمْ يَعْتِقْ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ شَيْئًا كَانَ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْخِيَارِ مَا كَانَ لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ وَلَيْسَ فِي هَذَا تَوْرِيثُ الْخِيَارِ بَلْ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ كَانَ الْخِيَارُ ثَابِتًا لِلْمُوَرِّثِ مَوْجُودٌ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ فَإِنْ شَاءُوا أَعْتَقُوا، وَإِنْ شَاءُوا اسْتَسْعَوْا الْعَبْدَ، وَإِنْ شَاءُوا ضَمَّنُوا الْمُعْتِقَ فَإِنْ ضَمَّنُوهُ فَالْوَلَاءُ كُلُّهُ لِلْمُعْتَقِ؛ لِأَنَّهُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ إلَيْهِمْ يَتَمَلَّكُ نَصِيبَهُمْ كَمَا كَانَ يَتَمَلَّكُ بِالْأَدَاءِ إلَى الْمُوَرِّثِ، وَإِنْ اخْتَارُوا الْإِعْتَاقَ، أَوْ الِاسْتِسْعَاءَ فَالْوَلَاءُ فِي هَذَا النَّصِيبِ لِلذُّكُورِ مِنْ أَوْلَادِ الْمَيِّتِ دُونَ الْإِنَاثِ؛ لِأَنَّ مُعْتَقَ الْبَعْضِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ، وَالْمُكَاتَبُ لَا تُورَثُ عَيْنُهُ، وَإِنْ كَانَ يُورَثُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ فَإِنَّمَا عَتَقَ نَصِيبُ السَّاكِتِ عَلَى مِلْكِهِ وَالْوَلَاءُ يَكُونُ لَهُ فَيَخْلُفُهُ فِي ذَلِكَ الذُّكُورُ مِنْ أَوْلَادِهِ دُونَ الْإِنَاثِ إذْ الْوَلَاءُ
стр. 1484
لَا يُورَثُ.
وَإِنْ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ السِّعَايَةَ، وَبَعْضُهُمْ الضَّمَانَ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا اخْتَارَ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِيمَا نَالَهُ قَامَ مَقَامَ الْمَيِّتِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ بِالْإِرْثِ يَثْبُتُ حُكْمًا فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْكِ بِالضَّمَانِ فَكَمَا أَنَّ نَصِيبَ السَّاكِتِ يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ بِالضَّمَانِ مِنْ الْمُعْتِقِ فَكَذَلِكَ يَحْتَمِلُ الِانْتِقَالَ إلَى الْوَرَثَةِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى التَّضْمِينِ، أَوْ الِاسْتِسْعَاءِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ، وَالْمُكَاتَبُ لَا يُمْلَكُ بِالْإِرْثِ فَكَذَلِكَ هُمْ لَا يَمْلِكُونَ نَصِيبَ السَّاكِتِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ فَصْلُ الْوَلَاءِ الَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُمْ بِالْإِعْتَاقِ ابْتِدَاءً، وَلَكِنَّهُمْ خَلَفُ الْمُوَرَّثِ يَقُومُونَ مَقَامَهُ، وَلَيْسَ لِلْمُوَرَّثِ أَنْ يَخْتَارَ التَّضْمِينَ فِي الْبَعْضِ، وَالسِّعَايَةَ فِي الْبَعْضِ فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ ذَلِكَ، وَفَرَّعَ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ.
وَقَالَ لَوْ أَعْتَقَ أَحَدُ الْوَرَثَةِ نَصِيبَهُ لَا يَعْتِقُ مَا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى إعْتَاقِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ يُعْتِقُهُ أَحَدُ الْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرَّثِ لَا يَعْتِقُ، وَلَا يَسْقُطُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَهَذَا كَذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَمُتْ السَّاكِتُ، وَلَكِنَّ الْعَبْدَ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ الشَّرِيكُ شَيْئًا فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ قِيمَةَ نَصِيبِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ بَعْدَ مَوْتِ الْعَبْدِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ نَصِيبَهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، وَالضَّمَانُ غَيْرُ مُتَقَرَّرٍ عَلَى الشَّرِيكِ مَا لَمْ يَخْتَرْ ضَمَانَهُ فَإِذَا هَلَكَ عَلَى مِلْكِهِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَرِّرَ الضَّمَانَ عَلَى شَرِيكِهِ بِاخْتِيَارِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ صِحَّةَ اخْتِيَارِ التَّضْمِينِ مُتَعَلِّقٌ بِشَرْطٍ، وَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ نَصِيبَهُ مِنْهُ بِالضَّمَانِ، وَقَدْ فَاتَ هَذَا الشَّرْطُ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ، وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِالْإِعْتَاقِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ، وَهُوَ فَسَادٌ قَدْ تَحَقَّقَ بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْغَصْبِ، وَمَوْتُ الْعَبْدِ بَعْدَ الْغَصْبِ لَا يَمْنَعُ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ مِنْ تَضْمِينِ الْغَاصِبِ وَإِنْ كَانَ التَّمْلِيكُ مِنْهُ فِي حُكْمِ ذَلِكَ الزَّمَانِ فَكَذَلِكَ هُنَا وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَضْمَنُهُ مِنْ وَقْتِ الْعِتْقِ، وَكَانَ مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ عِنْدَ ذَلِكَ فَذَلِكَ الْحُكْمُ لَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ، وَإِنْ خَرَجَ بِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحْتَمِلًا لِلتَّمْلِيكِ فِي الْحَالِ فَإِذَا ضَمِنَ الْمُعْتِقُ رَجَعَ بِمَا ضَمِنَ فِي تَرِكَةِ الْغُلَامِ؛ لِأَنَّ فِي حَالِ حَيَاتِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَهُ فِيمَا ضَمِنَ فَإِذَا مَاتَ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ فِي تَرِكَتِهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا رَجَعَ الشَّرِيكُ بِقِيمَةِ نَصِيبِهِ فِي تَرِكَةِ الْغُلَامِ؛ لِأَنَّ السِّعَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ مُسْتَحَقَّةٌ كَبَدَلِ الْكِتَابَةِ فَيَسْتَوْفِيَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ تَرَكَ مَالًا قَدْ اكْتَسَبَ بَعْضَهُ قَبْلَ الْعِتْقِ وَبَعْضَهُ بَعْدَ الْعِتْقِ فَمَا اكْتَسَبَ قَبْلَ الْعِتْقِ بَيْنَ الْمَوْلَيَيْنِ نِصْفَانِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى مِلْكِهِمَا حِينَ اكْتَسَبَ هَذَا الْمَالَ، وَالْكَسْبُ لِمَالِكِ
стр. 1485
الْأَصْلِ، وَمَا اكْتَسَبَ بَعْدَ الْعِتْقِ فَهُوَ تَرِكَةُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ اكْتَسَبَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ يَرْجِعُ فِيهِ السَّاكِتُ، أَوْ الْمُعْتِقُ إذَا ضَمِنَ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ مِيرَاثٌ لِلْمُعْتَقِ؛ لِأَنَّهُ بِالضَّمَانِ مَلَكَ نَصِيبَ صَاحِبِهِ فَكَانَ الْوَلَاءُ فِي الْكُلِّ لَهُ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هَذَا مِمَّا اكْتَسَبَهُ قَبْلَ الْعِتْقِ، وَهُوَ بَيْنَنَا، وَقَالَ الْآخَرُ: اكْتَسَبَ بَعْدَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا اكْتَسَبَ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ حَادِثٌ فَيُحَالُ بِحُدُوثِهِ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ، وَمَنْ ادَّعَى فِيهِ تَارِيخًا سَابِقًا لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِحُجَّةٍ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ، وَالْمُعْتِقُ مُوسِرٌ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَيِّتٌ لَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ فِي الْحَالِ لِيُسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى قِيمَتِهِ فِيمَا مَضَى، فَيَتَعَيَّنُ ظَاهِرُ الدَّعْوَى وَالْإِنْكَارُ، وَالسَّاكِتُ يَدَّعِي لِنَفْسِهِ زِيَادَةً، وَالْمُعْتِقُ مُنْكِرٌ لِذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا، وَلَا كَسْبَ لِلْعَبْدِ فَنِصْفُ الْقِيمَةِ دَيْنٌ لِلسَّاكِتِ عَلَى الْعَبْدِ إنْ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ يُسْتَوْفَى مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فَلَيْسَ هَذَا بِأَوَّلِ مَدِينٍ هَلَكَ مُفْلِسًا، وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ حَيًّا فَصَالَحَهُ السَّاكِتُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَوْجَبَ عَلَيْهِ نِصْفَ قِيمَتِهِ فَهُوَ بِالصُّلْحِ أَسْقَطَ بَعْضَ حَقِّهِ، وَاسْتَوْفَى الْبَعْضَ، وَذَلِكَ يَسْتَقِيمُ كَمَا فِي الْكِتَابَةِ، وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ بِذَهَبٍ، أَوْ وَرِقٍ، فَالْفَضْلُ بَاطِلٌ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّ الْوَاجِبَ لَهُ نِصْفُ الْقِيمَةِ شَرْعًا فَالصُّلْحُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ جِنْسِهِ يَكُونُ رِبًا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِنْ بَقِيَ لَهُ الْمِلْكُ فِي نَصِيبِهِ، وَلَكِنَّ الْعَبْدَ اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ عِنْدَ أَدَاءِ نِصْفِ الْقِيمَةِ شَرْعًا، فَلَا يُمْكِنُ إبْطَالُ ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقِ بِالصُّلْحِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ إنْ صَالَحَ الْمُعْتِقُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ فَالْفَضْلُ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ حَقَّهُ قَبْلَ الْعِتْقِ يَتَقَدَّرُ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ فَالصُّلْحُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ يَكُونُ رِبًا، ثُمَّ هَذَا عَلَى أَصْلِهِمَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ الصُّلْحَ عَلَى الْمَغْصُوبِ الْهَالِكِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا فَكَذَلِكَ هُنَا وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُفَرِّقُ وَيَقُولُ: هُنَاكَ الْمَغْصُوبُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلَمْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ تَمْلِيكَهُ مِنْ الْغَاصِبِ حَتَّى إنَّ لَهُ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِنْ الضَّمَانِ لِيَبْقَى هَالِكًا عَلَى مِلْكِهِ فَإِذَا صَالَحَهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ كَانَ بَدَلُ الصُّلْحِ بِمُقَابَلَةِ مِلْكِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ شَرْعًا فَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ الرِّبَا، وَهُنَا السَّاكِتُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ اسْتِبْقَاءِ نَصِيبِهِ عَلَى مِلْكِهِ وَلَكِنْ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ إزَالَتَهُ عَنْ مِلْكِهِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ إمَّا سِعَايَةً عَلَى الْعَبْدِ، أَوْ ضَمَانًا يَسْتَوْفِيَهُ مِنْ الشَّرِيكِ فَإِذَا صَالَحَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ كَانَ فِي هَذَا الصُّلْحِ إبْطَالُ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ شَرْعًا تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْمُعْتِقَ يَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا يَضْمَنُ فَلَوْ صَحَّحْنَا هَذَا الصُّلْحَ رَجَعَ عَلَى الْعَبْدِ بِالزِّيَادَةِ وَكَمَا لَيْسَ لِلسَّاكِتِ أَنْ يُلْزِمَ الْعَبْدَ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ بِالصُّلْحِ فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُلْزِمَ مَنْ يَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ.
وَإِنْ صَالَحَهُ عَلَى
стр. 1486
عَرُوضٍ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ الرِّبَا لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ بِخِلَافِ مَا إذَا صَالَحَ عَلَى الذَّهَبِ، أَوْ الْوَرِقِ، وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ هُنَاكَ أَيْضًا إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِقَدْرِ مَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ، فَأَمَّا مِقْدَارُ مَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ عَفْوٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فَلَا يَتَيَقَّنُ بِالزِّيَادَةِ.
(قَالَ)، وَإِنْ صَالَحَ الْعَبْدُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ إلَى أَجَلٍ فَهُوَ جَائِزٌ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابَةِ قَالَ عِيسَى: هَذَا غَلَطٌ فَإِنَّهُ اسْتَحَقَّ السِّعَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ، وَهُوَ نِصْفُ الْقِيمَةِ فَإِذَا صَالَحَ عَلَى حَيَوَانٍ كَانَ ذَلِكَ بَدَلًا عَنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ الْمُسْتَحَقِّ لَهُ، وَلَا يَثْبُتُ الْحَيَوَانُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بَدَلًا عَنْ مَا هُوَ مَالٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَالَحَ الْمُعْتِقُ عَلَى الْحَيَوَانِ فِي الذِّمَّةِ لَا يَجُوزُ فَكَذَلِكَ إذَا صَالَحَ الْعَبْدُ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ السَّاكِتِ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ فَإِذَا صَالَحَ عَلَى حَيَوَانٍ إلَى أَجَلٍ فَكَأَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الصُّلْحِ إبْطَالُ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ لِلْعَبْدِ بِخِلَافِ مَا إذَا صَالَحَهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ، وَبِخِلَافِ مَا إذَا صَالَحَ الْمُعْتِقُ عَلَى الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ يَمْلِكُ نَصِيبَهُ بِمَا يَصِحُّ الْعِتْقُ عَلَيْهِ، وَالْحَيَوَانُ يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بَدَلًا عَنْ الْعِتْقِ.
وَإِذَا أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ مُعْسِرٌ ثُمَّ أَيْسَرَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْيَسَارِ فِي الْعِتْقِ تُعْتَبَرُ لِإِيجَابِ الضَّمَانِ فَإِذَا انْعَدَمَ، وَقْتَ الْإِعْتَاقِ تَقَرَّرَ الْعِتْقُ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلضَّمَانِ فَلَا يَصِيرُ مُوجِبًا بَعْدَ ذَلِكَ كَمَنْ قَطَعَ يَدَ مُرْتَدٍّ ثُمَّ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ
وَإِنْ قَالَ الْمُعْتِقُ أَعْتَقْت، وَأَنَا مُعْسِرٌ وَقَالَ الشَّرِيكُ بَلْ أَعْتَقْت، وَأَنْتَ مُوسِرٌ نُظِرَ إلَى حَالِهِ يَوْمَ ظَهَرَ الْعِتْقُ إمَّا؛ لِأَنَّهُ كَالْمُنْشِئِ لِلْعِتْقِ فِي الْحَالِ، أَوْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيمَا مَضَى يَحْكُمُ الْحَالُ فَإِذَا كَانَ الْحَالُ مُوسِرًا فَالظَّاهِرُ شَاهِدٌ لِمَنْ يَدَّعِي الْيَسَارَ فِيمَا مَضَى، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فِي الْحَالِ فَالظَّاهِرُ شَاهِدٌ لِمَنْ يَدَّعِي الْعُسْرَةَ فِيمَا مَضَى، وَهُوَ كَشُرْبِ الرَّحَا مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ إذَا اخْتَلَفَا فِي جَرَيَانِ الْمَاءِ فِي الْمُدَّةِ يَحْكُمُ الْحَالُ فَإِنْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ كَانَ سَابِقًا مِنْهُ فِي مُدَّةٍ قَدْ يَخْتَلِفُ حَالُهُ فِيهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ فِي إنْكَارِ يَسَارِهِ؛ وَلِأَنَّهُ يُنْكِرُ الْمَعْنَى الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ فَهُوَ كَإِنْكَارِهِ أَصْلَ الْإِعْتَاقِ.
(قَالَ) وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا يَوْمَ أَعْتَقَهُ فَاخْتَارَ الشَّرِيكُ ضَمَانَهُ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يُبَرِّئَهُ، وَيَسْتَسْعِيَ الْغُلَامَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَوْ قَضَى الْقَاضِي لَهُ بِالضَّمَانِ، أَوْ رَضِيَ بِهِ الْمُعْتِقُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْغُلَامَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَهُ ذَلِكَ.
قِيلَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ مُطْلَقًا مَحْمُولٌ عَلَى ذَلِكَ التَّفْصِيلِ وَقِيلَ بَلْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُخْبِرَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَالْغَاصِبِ مَعَ غَاصِبِ الْغَاصِبِ إذَا اخْتَارَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ تَضْمِينَ
стр. 1487
أَحَدِهِمَا، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ التَّضْمِينَ يَصِيرُ مُمَلَّكًا نَصِيبَهُ مِنْ الْمُعْتِقِ حَتَّى يَكُونَ، وَلَاؤُهُ لَهُ وَالْوَلَاءُ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَلَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَمِنْ ضَرُورَةِ تَمْلِيكِهِ مِنْهُ إسْقَاطُ حَقِّهِ فِي السِّعَايَةِ قِبَلَ الْعَبْدِ، وَوَجْهُ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ التَّمْلِيكَ مِنْهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْقَضَاءِ، أَوْ الرِّضَا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَحَقًّا شَرْعًا كَالتَّمْلِيكِ بِالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَحَقُّهُ فِي الضَّمَانِ لَا يَتَقَرَّرُ مَا لَمْ يَتِمَّ التَّمْلِيكُ، وَسُقُوطُ حَقِّهِ فِي الِاسْتِسْعَاءِ بِنَاءً عَلَى تَقَرُّرِ حَقِّهِ فِي الضَّمَانِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: هَكَذَا يَنْبَغِي فِي الْغَاصِبِ، وَغَاصِبِ الْغَاصِبِ أَنَّهُ إذَا اخْتَارَ تَضْمِينَ أَحَدِهِمَا فَقَبِلَ الْقَضَاءَ، أَوْ الرِّضَا مِمَّنْ اخْتَارَ ضَمَانَهُ يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيُضَمِّنَهُ الْآخَرَ، فَأَمَّا إذَا اخْتَارَ اسْتِسْعَاءَ الْعَبْدِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الشَّرِيكَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَمْلِيكُ أَحَدٍ بَلْ فِيهِ تَقْرِيرٌ لِمِلْكِهِ، وَإِبْرَاءٌ لِلْمُعْتِقِ عَنْ الضَّمَانِ، وَذَلِكَ يَتِمُّ بِهِ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي أَنْ يَعْتِقَ نَصِيبَهُ
وَلَوْ أَنَّ الْمُعْتِقَ رَجَعَ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ الضَّمَانِ ثُمَّ أَحَالَ السَّاكِتَ عَلَيْهِ وَوَكَّلَهُ بِقَبْضِ السِّعَايَةِ مِنْهُ اقْتِضَاءً مِنْ حَقِّهِ كَانَ جَائِزًا وَالْوِلَايَةُ لِلْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ لِلْمُعْتِقِ وَالْمَوْلَى إذَا أَحَالَ غَرِيمًا لَهُ بِدَيْنِهِ عَلَى مُكَاتَبِهِ لِيَقْبِضَهُ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ كَانَ صَحِيحًا، وَكَانَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ يَقْبِضُ لَهُ أَوَّلًا ثُمَّ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ شَيْئًا حَتَّى جَرَحَهُ إنْسَانٌ كَانَ الْأَرْشُ عَلَيْهِ لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ السِّعَايَةِ إمَّا لِلسَّاكِتِ أَوْ لِلْمُعْتِقِ.
وَمَنْ جَنَى عَلَى مُكَاتَبِهِ، أَوْ عَلَى مُكَاتَبِ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الْأَرْشُ يَقْبِضُهُ فَيَسْتَعِينُ بِهِ فِي سِعَايَتِهِ، وَلَا تَكُونُ جِنَايَتُهُ اخْتِيَارًا مِنْهُ لِلسِّعَايَةِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ جِنَايَتِهِ لَا يَخْتَلِفُ بِالِاسْتِسْعَاءِ، أَوْ تَضْمِينِ الشَّرِيكِ فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِيَارِ السِّعَايَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ اغْتَصَبَ مِنْهُ مَالًا فِيهِ، وَفَاءً بِنِصْفِ قِيمَتِهِ، أَوْ أَقْرَضَ الْعَبْدَ، أَوْ بَايَعَهُ كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ لَهُ، أَوْ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ عَلَى خِيَارِهِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ هَذِهِ الْمُعَامَلَةِ لَا يَخْتَلِفُ بِالِاسْتِسْعَاءِ، وَالتَّضْمِينِ
وَلَوْ أَعْتَقَ جُزْءًا مِنْ عَبْدِهِ، أَوْ شِقْصًا مِنْهُ، أَوْ بَعْضَهُ فَعِنْدَهُمَا يَعْتِقُ كُلُّهُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْبَيَانُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا سُمِّيَ يُطْلَقُ عَلَى الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ مِنْهُ فَأَيُّ مِقْدَارِ عُنِيَ مِنْهُ يُعْتَقُ ذَلِكَ الْقَدْرُ وَيَسْتَسْعِيهِ فِيمَا بَقِيَ، وَإِنْ أَعْتَقَ سَهْمًا مِنْهُ فَالسَّهْمُ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: السُّدُسُ كَمَا قَالَ فِي الْوَصِيَّةِ بِسَهْمٍ مِنْ مَالِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي الْإِقْرَارِ فَيَسْتَسْعِيَهُ فِي خَمْسَةِ أَسْدَاسٍ.
وَإِذَا أَعْتَقَ أَمَةً بَيْنَهُ، وَبَيْنَ آخَرَ ثُمَّ وَلَدَتْ فَلِلشَّرِيكِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ قِيمَةَ نَصِيبِهِ يَوْمَ أَعْتَقَ وَلَا يُضَمِّنَهُ شَيْئًا مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ مَا صَنَعَ فِي الْوَلَدِ شَيْئًا؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ حَقَّ الشَّرِيكِ فِي الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُكَاتَبَةً
стр. 1488
حِينَ وَلَدَتْ، وَالْمُكَاتَبَةُ أَحَقُّ بِوَلَدِهَا كَمَا أَنَّهَا أَحَقُّ بِكَسْبِهَا.
وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ رَهْطٍ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ، وَدَبَّرَ الْآخَرُ، وَكَاتَبَ الْآخَرُ، وَلَا يُعْلَمُ أَيُّهُمْ أَوَّلُ، فَنَقُولُ: أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عِتْقُ الْمُعْتِقِ فِي نَصِيبِهِ نَافِذٌ وَلَا ضَمَانَ لَهُ عَلَى أَحَدٍ تَقَدَّمَ تَصَرُّفُهُ، أَوْ تَأَخَّرَ، وَتَدْبِيرُ الْمُدَبَّرِ فِي نَصِيبِهِ أَيْضًا نَافِذٌ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ فِي ثُلُثِ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُعْتِقَ فَإِذَا اخْتَارَ التَّضْمِينَ ضَمَّنَهُ سُدُسَ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا، وَرَجَعَ عَلَى الْعَبْدِ بِسُدُسِ قِيمَتِهِ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّضْمِينِ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ مِنْهُ إنْ سَبَقَ فَلَهُ حَقُّ تَضْمِينِ الْمُعْتِقِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ فَلَيْسَ لَهُ حَقُّ تَضْمِينِهِ، وَالضَّمَانُ لَا يَجِبُ بِالشَّكِّ؛ وَلِأَنَّ تَدْبِيرَهُ مَانِعٌ مِنْ تَمْلِيكِ نَصِيبِهِ مِنْ الْمُعْتِقِ بِالضَّمَانِ، وَهُوَ شَرْطُ التَّضْمِينِ إذَا سَبَقَ الْعِتْقُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ اُعْتُبِرَ الْأَحْوَالُ فَقَالَ مِنْ وَجْهٍ: هُوَ قِيَاسٌ لَهُ ثُلُثُ قِيمَتِهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ التَّدْبِيرُ سَابِقًا مِنْ وَجْهٍ لَا يَكُونُ ضَامِنًا شَيْئًا فَيُضَمِّنُهُ سُدُسَ الْقِيمَةِ بِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ وَمِنْ وَجْهٍ يَسْتَسْعِيَ الْعَبْدَ فِيمَا بَقِيَ، وَهُوَ سُدُسُ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَوْجِبُ السِّعَايَةَ عَلَيْهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَإِنْ مَضَى الْعَبْدُ عَلَى كِتَابَتِهِ يُؤَدِّي إلَيْهِ مَالَ الْكِتَابَةِ، وَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا، وَإِنْ عَجَزَ كَانَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ، وَالْمُدَبَّرَ قِيمَةَ نَصِيبِهِ نِصْفَيْنِ إذَا كَانَا مُوسِرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ وَيَرْجِعَانِ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا ضَمِنَا وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْكِتَابِ.
وَذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ إذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا، وَدَبَّرَهُ الْآخَرُ، وَلَا يُعْلَمُ أَيُّهُمَا أَوَّلٌ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ يَتَرَجَّحُ الْعِتْقُ عَلَى التَّدْبِيرِ فَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِلَّذِي أَعْتَقَهُ، وَلِلْمُدَبَّرِ أَنْ يُضَمِّنَ شَرِيكَهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ فِيمَا إذَا كَانَ مُوسِرًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُجْعَلُ كَأَنَّهُمَا وَقَعَا مَعًا ثُمَّ يَغْلِبُ الْعِتْقُ فَيَعْتِقُ كُلُّهُ، وَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا، وَلِلْمُدَبَّرِ أَنْ يُعْتِقَ نِصْفَ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا إذَا عَرَفْنَا هَذَا فَنَقُولُ: الْكِتَابَةُ مِنْ الثَّالِثِ أَوَّلٌ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَسْبِقُ الْعِتْقُ فَيَكُونُ لِلْمُكَاتَبِ، وَالْمُدَبَّرِ ضَمَانُ قِيمَةِ الثُّلُثَيْنِ عَلَى الْمُعْتِقِ، وَالْوَلَاءُ كُلُّهُ لِلْمُعْتِقِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمُكَاتَبُ يُضَمِّنُ الْمُدَبَّرَ وَالْمُعْتِقَ قِيمَةَ نَصِيبِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ كَأَنَّهُمَا وَقَعَا مَعًا، وَقِيلَ بَلْ ذَلِكَ فِي نَصِيبِهِ خَاصَّةً فَأَمَّا فِي نَصِيبِ الْمُكَاتَبِ الْعِتْقُ أَقْوَى مِنْ تَدْبِيرٍ فَإِنَّمَا يَضْمَنُ الْمُعْتِقُ قِيمَةَ نَصِيبِهِ إذَا كَانَ مُوسِرًا.
وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ خَمْسَةِ رَهْطٍ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمْ، وَدَبَّرَ الْآخَرُ، وَكَاتَبَ الثَّالِثُ نَصِيبَهُ، وَبَاعَ الرَّابِعُ نَصِيبَهُ، وَقَبَضَ الثَّمَنَ وَتَزَوَّجَ الْخَامِسُ عَلَى نَصِيبِهِ، وَلَمْ يُعْلَمُ أَيُّهُمْ أَوَّلٌ فَنَقُولُ:
стр. 1489
أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَحُكْمُ الْعِتْقِ، وَالتَّدْبِيرِ عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّ التَّضْمِينَ، وَالِاسْتِسْعَاءَ هُنَاكَ فِي الثُّلُثِ، وَهُنَا فِي الْخُمُسِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الْمُدَبَّرِ الْخُمُسُ هُنَا فَأَمَّا فِي الْبَيْعِ فَإِنْ تَصَادَقَا أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَالتَّدْبِيرِ، أَوْ قَالَ الْبَائِعُ كَانَ قَبْلَ الْعِتْقِ، وَالْعَبْدُ فِي يَدِهِ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي كَانَ بَعْدَهُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ مُعْتَقَ الْبَعْضِ لَا يُبَاعُ فَالْمُبْطِلُ لِلْبَيْعِ ظَاهِرٌ فِي الْحَالِ، أَوْ يُجْعَلُ كَأَنَّهُمَا وَقَعَا مَعًا فَكَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا، وَإِنْ تَصَادَقَا أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ نَقَضَ الْبَيْعَ لِتَغَيُّرِ الْمَبِيعِ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهُ وَأَعْتَقَ نَصِيبَهُ، وَاسْتَسْعَاهُ فَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُعْتِقَ وَالْمُدَبَّرَ قِيمَةَ نَصِيبِهِ إنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ إذَا لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَيَرْجِعَانِ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنْ تَصَادَقَا أَنَّ التَّزْوِيجَ كَانَ بَعْدَ الْعِتْقِ، أَوْ التَّدْبِيرِ فَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ، وَلَهَا خُمُسُ قِيمَتِهِ عَلَى الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى مَنْ هُوَ كَالْمُكَاتَبِ، وَإِنْ تَصَادَقَا عَلَى أَنَّ التَّزْوِيجَ كَانَ قَبْلَ الْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ فَلَهَا الْخِيَارُ لِلتَّغَيُّرِ إنْ شَاءَتْ تَرَكَتْ الْمُسَمَّى، وَضَمَّنَتْ الزَّوْجَ خُمُسَ قِيمَتِهِ، وَإِنْ شَاءَتْ أَجَازَتْ، وَأَعْتَقَتْ، وَاسْتَسْعَتْ الْعَبْدَ فِي خُمُسِ قِيمَتِهِ، وَوَلَاءُ خُمُسِهِ لَهَا وَإِنْ شَاءَتْ ضَمَّنَتْ الْمُعْتِقَ وَالْمُدَبِّرَ خُمُسَ قِيمَتِهِ نِصْفَيْنِ ثُمَّ لَا تَتَصَدَّقُ هِيَ بِالزِّيَادَةِ إنْ كَانَتْ بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنَّمَا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ بِمَالٍ فَيَتَصَدَّقُ بِرِبْحٍ حَصَلَ لَا عَلَى ضَمَانِهِ، وَالْمَرْأَةُ تَمَلَّكَتْ ذَلِكَ لَا بِأَدَاءِ مَالٍ لَا يَظْهَرُ الرِّبْحُ فِي حَقِّهَا.
فَأَمَّا نَصِيبُ الْمُكَاتَبِ فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا إنْ أَدَّى الْبَدَلَ إلَيْهِ عَتَقَ مِنْ قِبَلِهِ وَإِنْ عَجَزَ كَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُدَبَّرَ، وَالْمُعْتِقَ قِيمَةَ نَصِيبِهِ نِصْفَيْنِ إنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فَالْجَوَابُ فِي الْعِتْقِ، وَالتَّدْبِيرِ عَلَى مَا قُلْنَا، فَأَمَّا الْبَيْعُ فَإِنْ تَصَادَقَا أَنَّهُ كَانَ الْبَيْعُ أَوَّلًا ثُمَّ الْعِتْقُ ثُمَّ التَّدْبِيرُ فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ، وَإِذَا اخْتَارَ إمْضَاءَ الْبَيْعِ ضَمِنَ الْمُعْتِقُ خُمُسَ قِيمَتِهِ إذَا كَانَ مُوسِرًا لَيْسَ لَهُ إلَّا ذَلِكَ، وَإِنْ تَصَادَقَا أَنَّهُ كَانَ الْبَيْعُ ثُمَّ التَّدْبِيرُ ثُمَّ الْعِتْقُ وَاخْتَارَ الْمُشْتَرِي الْإِمْضَاءَ لِلتَّدْبِيرِ ضَمِنَ الْمُدَبَّرُ خُمُسَ قِيمَتِهِ مُوسِرًا كَانَ، أَوْ مُعْسِرًا لَيْسَ لَهُ إلَّا ذَلِكَ، وَأَمَّا التَّزْوِيجُ فَإِنْ تَصَادَقَا أَنَّهُ كَانَ التَّزْوِيجُ ثُمَّ الْعِتْقُ ثُمَّ التَّدْبِيرُ فَاخْتَارَتْ الْإِجَازَةَ ضَمَّنَتْ الْمُعْتِقَ خُمُسَ الْقِيمَةِ لَيْسَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ إذَا كَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا اسْتَسْعَتْ الْغُلَامَ فِي خُمُسِ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ التَّزْوِيجُ ثُمَّ التَّدْبِيرُ ثُمَّ الْعِتْقُ ضَمَّنَتْ الْمُدَبَّرَ خُمُسَ قِيمَتِهِ مُوسِرًا كَانَ، أَوْ مُعْسِرًا لَيْسَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ، وَإِنْ تَصَادَقَا أَنَّ التَّزْوِيجَ كَانَ بَعْدَ الْعِتْقِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَرْجِعُ عَلَى الزَّوْجِ بِخُمُسِ الْقِيمَةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ
стр. 1490
- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى حُرٍّ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ اخْتِلَافَهُمَا فِيمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ فَإِذَا هُوَ حُرٌّ.
فَأَمَّا الْكِتَابَةُ فَهُوَ بَاطِلٌ عِنْدَهُمَا كَمَا بَيَّنَّا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ قِيمَةَ نَصِيبِهِ إذَا كَانَ مُعْسِرًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُضَمِّنَهُ الْأَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ نَصِيبِهِ وَمِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ عَلَى الْقِيَاسِ مَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا مِنْ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْمُكَاتَبِ بَيْنَ اثْنَيْنِ يُعْتِقُهُ أَحَدُهُمَا، وَلَوْ كَانَ فِي الْعَبْدِ شَرِيكٌ سَادِسٌ، وَهَبَ نَصِيبَهُ لِابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ لَا يَعْلَمُ قَبْلَ الْعِتْقِ كَانَ، أَوْ بَعْدَهُ فَالْقَوْلُ فِيهِ قَوْلُ الْأَبِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُمَلِّكُ فَإِنْ قَالَ: الْهِبَةُ بَعْدَ الْعِتْقِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ قَالَ: الْهِبَةُ قَبْلَ الْعِتْقِ فَالْهِبَةُ جَائِزَةٌ، ثُمَّ يَقُومُ الْأَبُ فِي نَصِيبِ الِابْنِ مَقَامَ الِابْنِ إنْ لَوْ كَانَ بَالِغًا فِي التَّضْمِينِ، أَوْ الِاسْتِسْعَاءِ وَلَيْسَ لَهُ حَقُّ الْإِعْتَاقِ فَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ، وَالْمُدَبَّرُ مُوسِرَيْنِ ضَمَّنَهُمَا سُدُسَ قِيمَتِهِ لِلِابْنِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِسْعَاءَ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابَةِ وَلِلْأَبِ وِلَايَةُ الْكِتَابَةِ فِي مَالِ وَلَدِهِ.
وَإِذَا أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ، وَلَا يَهَبَهُ، وَلَا يُمْهِرَهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ وَالْمُكَاتَبُ لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَسْبَابِ فَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ طَرَحَ الْفَضْلَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِسْعَاءِ مِنْهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَوْ اسْتَسْعَاهُ وَصَالَحَهُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ دَرَاهِمَ، أَوْ دَنَانِيرَ فَالْفَضْلُ مَرْدُودٌ وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى عُرُوضٍ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ جَازَ كَمَا لَوْ صَالَحَهُ مِنْ السِّعَايَةِ عَلَى عُرُوضٍ؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ لَا يَتَحَقَّقُ هُنَا فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْكِتَابَةِ سَقَطَ عَنْهُ مَا الْتَزَمَ مِنْ الْعُرُوضِ وَيُجْبَرُ عَلَى السِّعَايَةِ فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْكِتَابَةِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الشَّرِيكَ شَيْئًا؛ لِأَنَّ مُكَاتَبَتَهُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِسْعَاءِ مِنْهُ، وَاخْتِيَارُهُ السِّعَايَةَ يُسْقِطُ حَقَّهُ فِي تَضْمِينِ الشَّرِيكِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ فَيُضَمِّنَهُ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ قَالَ قَدْ اخْتَرْت السِّعَايَةَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الشَّرِيكَ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْخِيَارُ فِي هَذَا عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ ثَابِتٌ لِلسَّاكِتِ شَرْعًا فَمَنْ يَخْتَارُ بِنَفْسِهِ يَكُونُ مُلْتَزِمًا إيَّاهُ، وَلَوْ لَمْ يَخْتَرْ وَاحِدًا مِنْهُمَا حَتَّى يَمُوتَ الْمُعْتِقُ كَانَ لِلسَّاكِتِ أَنْ يَرْجِعَ بِالضَّمَانِ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ التَّضْمِينِ قَدْ ثَبَتَ لَهُ بِالْعِتْقِ فِي الصِّحَّةِ فَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ كَسَائِرِ دُيُونِهِ
وَإِذَا بَاعَ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ نَصِيبَهُ مِنْ الْمُعْتِقِ، أَوْ وَهَبَهُ عَلَى عِوَضٍ أَخَذَهُ مِنْهُ فَإِنَّ هَذَا وَاخْتِيَارَ الضَّمَانِ سَوَاءٌ فِي الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ لِنَصِيبِهِ مِنْهُ بِعِوَضٍ يَسْتَوْفِيهِ مِنْهُ، وَالتَّضْمِينُ لَيْسَ إلَّا هَذَا غَيْرَ أَنْ هَذَا فُحْشُهُمَا؛ لِأَنَّ فِي التَّضْمِينِ تَمْلِيكًا حُكْمًا بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعِتْقِ، وَفِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ بِعِوَضٍ تَمْلِيكٌ مُبْتَدَأٌ بِسَبَبٍ يَنْشَآنِهِ فِي الْحَالِ، وَمُعْتَقُ الْبَعْضِ لَا يَحْتَمِلُ
стр. 1491
ذَلِكَ فَبِاعْتِبَارِ السَّبَبِ كَانَ هَذَا أَفْحَشُ وَبِاعْتِبَارِ حُكْمِ السَّبَبِ كَانَ هَذَا، وَالتَّضْمِينُ سَوَاءٌ، وَالْمَقْصُودُ الْحُكْمُ دُونَ السَّبَبِ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ الْعِوَضُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ مِنْ الدَّرَاهِمِ، أَوْ الدَّنَانِيرِ فَالْفَضْلُ بَاطِلٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الصُّلْحِ، وَإِنْ دَبَّرَ السَّاكِتُ نَصِيبَهُ فَتَدْبِيرُهُ اخْتِيَارٌ لِلسِّعَايَةِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ التَّضْمِينِ تَمْلِيكُ نَصِيبِهِ مِنْ صَاحِبِهِ بِالضَّمَانِ، وَقَدْ فَوَّتَ ذَلِكَ بِالتَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ وَلَاءَ نَصِيبِهِ فَكَانَ ذَلِكَ إبْرَاءً لِلْمُعْتِقِ عَنْ الضَّمَانِ، وَاخْتِيَارًا لِلسِّعَايَةِ.
وَإِنْ كَانَ الْعِتْقُ بَعْدَ التَّدْبِيرِ ضَمِنَ الْمُعْتِقُ نِصْف قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا إنْ كَانَ مُوسِرًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ فِي نَصِيبِهِ بِإِعْتَاقِ الْمُعْتِقِ، وَكَانَ نَصِيبُهُ عِنْدَ الْإِعْتَاقِ مُدَبَّرًا فَلِهَذَا ضَمَّنَهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَيُّهُمَا أَوَّلٌ فَهُوَ عَلَى الْقِيَاسِ، وَالِاسْتِحْسَانُ الَّذِي بَيَّنَّا فِي الْقِيَاسِ لَا ضَمَانَ عَلَى الْمُعْتِقِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَضْمَنُ رُبُعَ قِيمَتِهِ مُدَبَّرًا، وَيَرْجِعُ بِهِ الْمُعْتِقُ عَلَى الْعَبْدِ، وَعَلَى الْعَبْدِ مِثْلُ ذَلِكَ لِلْمُدَبَّرِ، وَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا.
وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ فَأَعْتَقَهُ الْكَبِيرُ، وَهُوَ غَنِيٌّ وَلِلصَّغِيرِ أَبٌ، أَوْ وَصِيٌّ فَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَهُ فِي اخْتِيَارِ التَّضْمِينِ، أَوْ الِاسْتِسْعَاءِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، وَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ لِلْأَبِ، وَالْوَصِيِّ فِي مَالِ الْوَلَدِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ، وَلَا وَصِيٌّ أَسْتُؤْنِيَ بِهِ بُلُوغُهُ لِيَخْتَارَ إمَّا الضَّمَانَ، أَوْ الْإِعْتَاقَ، أَوْ الِاسْتِسْعَاءَ، وَقِيلَ هَذَا إذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا قَاضِيَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ فِيهِ قَاضٍ نَصَبَ الْقَاضِي لَهُ قَيِّمًا يَخْتَارُ التَّضْمِينَ، أَوْ الِاسْتِسْعَاءَ فَإِنَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ لِلصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ التَّصَرُّفُ فِي نَصِيبِ الصَّبِيِّ مِنْ الْعَبْدِ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ مَكَانَ الصَّبِيِّ مُكَاتَبٌ، أَوْ عَبْدٌ مَأْذُونٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الضَّمَانِ، وَالسِّعَايَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْتِقَ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ لَا يَحْتَمِلُهُ كَسْبُ الْمُكَاتَبِ، وَالْمَأْذُونِ فَأَمَّا التَّضْمِينُ، وَالِاسْتِسْعَاءُ فَلَهُ ذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ يَمْلِكُ أَنْ يُكَاتِبَ، وَالِاسْتِسْعَاءُ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابَةِ فَأَمَّا فِي الْعَبْدِ الْمَدْيُونِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ حَقُّ التَّضْمِينِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الِاسْتِسْعَاءَ بِمَنْزِلَةِ الْكِتَابَةِ، وَلَيْسَ لِلْمَأْذُونِ أَنْ يُكَاتِبَ، وَلَكِنْ قَالَ سَبَبُ الِاسْتِسْعَاءِ قَدْ تَقَرَّرَ، وَهُوَ عِتْقُ الشَّرِيكِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُمْكِنُ إبْطَالُهُ، وَرُبَّمَا يَكُونُ الِاسْتِسْعَاءُ أَنْفَعَ مِنْ التَّضْمِينِ فَلِهَذَا مَلَكَ الْمَأْذُونُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَا يَمْلِكُ الْكِتَابَةَ ابْتِدَاءً، وَإِذَا اخْتَارَ الْمُكَاتَبُ، أَوْ الْمَأْذُونُ التَّضْمِينَ، أَوْ الِاسْتِسْعَاءَ، فَوَلَاءُ نَصِيبِهِمَا لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوَلَاءِ فَثَبَتَ الْوَلَاءُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إلَيْهِمَا، وَهُوَ الْمَوْلَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ فَالْخِيَارُ لِلْمَوْلَى كَمَا يَكُونُ بَيْنَ حُرَّيْنِ؛ لِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ مَمْلُوكٌ لِلْمَوْلَى فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
وَإِذَا قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلْعَبْدِ: إنْ دَخَلْت الْمَسْجِدَ الْيَوْمَ فَأَنْتَ حُرٌّ، وَقَالَ: لَهُ الْآخَرُ إنْ لَمْ تَدْخُلْ الْمَسْجِدَ الْيَوْمَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَمَضَى
стр. 1492
الْيَوْمُ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: حَنِثَ صَاحِبِي فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - يَسْقُطُ نِصْفُ السِّعَايَةِ عَنْ الْعَبْدِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَسْقُطُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ السِّعَايَةِ إذَا كَانَا مُعْسِرَيْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ شَاهِدٌ عَلَى صَاحِبِهِ بِالْعِتْقِ فَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ السِّعَايَةِ عَنْ الْعَبْدِ إذَا كَانَا مُعْسِرَيْنِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ بِسُقُوطِ حَقِّهِ فِي السِّعَايَةِ مَجْهُولٌ، وَالْقَضَاءُ بِالْمَجْهُولِ لَا يَجُوزُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا عَبْدَانِ سَالِمٌ، وَبُزَيْغٌ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إنْ دَخَلْت الْمَسْجِدَ الْيَوْمَ فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَقَالَ الْآخَرُ إنْ لَمْ تَدْخُلْ الْيَوْمَ فَبُزَيْغٌ حُرٌّ فَمَضَى الْيَوْمُ، وَلَا يُدْرَى أَدَخَلَ، أَوْ لَمْ يَدْخُلْ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ السِّعَايَةِ عَنْ الْعَبْدِ؛ لِجَهَالَةِ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ مِنْهُمَا فَهَذَا مِثْلُهُ، وَهُمَا يَقُولَانِ تَيَقَّنَ الْقَاضِي بِحِنْثِ أَحَدِهِمَا وَسُقُوطِ نِصْفِ السِّعَايَةِ عَنْ الْعَبْدِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِوُجُوبِ مَا تَيَقَّنَ سُقُوطَهُ، كَمَنْ طَلَّقَ إحْدَى نِسَائِهِ الْأَرْبَعِ قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ سَقَطَ نِصْفُ الصَّدَاقِ لِلتَّيَقُّنِ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهَا مِنْهُنَّ مَجْهُولًا، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَقْضِيُّ لَهُ مَعْلُومًا جَازَ الْقَضَاءُ بِهِ فَهُنَا أَيْضًا الْمَقْضِيُّ لَهُ بِسُقُوطِ نِصْفِ السِّعَايَةِ عَنْهُ مَعْلُومٌ، وَهُوَ الْعَبْدُ فَيَجُوزُ الْقَضَاءُ بِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ مَجْهُولًا بِخِلَافِ الْعَبْدَيْنِ، فَإِنَّ الْجَهَالَةَ هُنَاكَ فِي الْمَقْضِيِّ لَهُ وَالْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ جَمِيعًا فَيَمْتَنِعُ الْقَضَاءُ لِتَفَاحُشِ الْجَهَالَةِ، وَبِخِلَافِ مَا لَوْ شَهِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْعِتْقِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِسُقُوطِ شَيْءٍ مِنْ السِّعَايَةِ عَنْ الْعَبْدِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَا كَاذِبَيْنِ فِي شَهَادَتِهِمَا، وَهُنَا تَيَقَّنَّا بِسُقُوطِ نِصْفِ السِّعَايَةِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْمَوْلَيَيْنِ حَانِثٌ لَا مَحَالَةَ.
ثُمَّ تَخْرِيجُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَبْدَ يَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ مُوسِرَيْنِ كَانَا، أَوْ مُعْسِرَيْنِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا، وَالْآخَرُ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ فِي السِّعَايَةِ بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَيَسَارُ الْمُعْتِقِ عِنْدَهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ السِّعَايَةِ عَلَى الْعَبْدِ فَيَتَوَزَّعُ السَّاقِطُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، وَيَكُونُ الْبَاقِي، وَهُوَ نِصْفُ الْقِيمَةِ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ، وَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ لَمْ يَسَعْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي الضَّمَانَ عَلَى شَرِيكِهِ، وَيَتَبَرَّى مِنْ السِّعَايَةِ فَإِنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ عِنْدَهُ يَمْنَعُ وُجُوبَ السِّعَايَةِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا، وَالْآخَرُ مُعْسِرٌ يَسْعَى فِي رُبُعِ قِيمَتِهِ لِلْمُوسِرِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُعْسِرَ يَتَبَرَّأُ مِنْ السِّعَايَةِ، وَالْمُوسِرُ يَقُولُ شَرِيكِي مُعْتِقٌ، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَلِي حَقُّ اسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ فَلِهَذَا يَسْعَى لَهُ فِي رُبُعِ قِيمَتِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَا مُعْسِرَيْنِ يَسْعَى فِي جَمِيعِ قِيمَتِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ لَا يَسْعَى لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ
стр. 1493
وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَبَرَّأَ مِنْ السِّعَايَةِ فَإِنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ عِنْدَهُ يَمْنَعُ وُجُوبَ السِّعَايَةِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا، وَالْآخَرُ مُعْسِرًا يَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ لِلْمُوسِرِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي السِّعَايَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يَسْعَى لِلْمُعْسِرِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ يَتَبَرَّأُ مِنْ السِّعَايَةِ، وَيَدَّعِي الضَّمَانَ عَلَى شَرِيكِهِ فَعَلَيْهِ إثْبَاتُهُ بِالْحُجَّةِ.
رَجُلٌ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ فَأَمْرُ الْعَبْدِ مَوْقُوفٌ فِي جِنَايَتِهِ، وَشَهَادَتِهِ، وَنِكَاحِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْلَى وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ، وَهَبَهُ مِنْ إنْسَانٍ فِي مَرَضِهِ فَإِنَّ الْهِبَةَ تَكُونُ صَحِيحَةً حَتَّى لَوْ كَانَتْ جَارِيَةً حَلَّ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَطْؤُهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ نُفُوذِهِ فَهُوَ نَافِذٌ مِنْ الْمَرِيضِ لِقِيَامِ مِلْكِهِ فِي الْحَالِ، وَالْهِبَةُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، وَكُلُّ تَصَرُّفٍ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ نُفُوذِهِ يَتَوَقَّفُ مِنْ الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ يَبْرَأَ فَيَكُونَ مُتَصَرِّفًا فِي حَقِّ نَفْسِهِ، أَوْ يَمُوتَ فَيَكُونَ مُتَصَرِّفًا فِي حَقِّ وَرَثَتِهِ، وَلَا يُمْكِنُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ الْوَرَثَةِ بِالْإِبْطَالِ بَعْدَ النُّفُوذِ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ التَّصَرُّفِ لَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فَيَدْفَعُ الضَّرَرَ عَنْهُمْ يَتَوَقَّفُ حُكْمُ التَّصَرُّفِ عَلَى مَا يَتَبَيَّنُ فِي الثَّانِي، وَالْعِتْقُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ فَيُوقَفُ مِنْهُ حَتَّى إذَا بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ نَافِذًا، وَأَنَّ فِي الْجِنَايَةِ، وَالشَّهَادَةِ كَحَالِ الْحُرِّ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ، وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَاهُ فَعَلَيْهِ السِّعَايَةُ فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ فِي الْمَرَضِ، وَصِيَّةٌ لَا تَنْفُذُ إلَّا مِنْ الثُّلُثِ، وَمَادَامَ يَسْعَى فَهُوَ كَالْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ سِعَايَتَهُ فِي بَدَلِ رَقَبَتِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مُعْتَقِ الْبَعْضِ يَكُونُ كَالْمُكَاتَبِ مَادَامَ يَسْعَى بِخِلَافِ الْمَرْهُونِ يُعْتِقُهُ الرَّاهِنُ، وَهُوَ مُعْسِرٌ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ يَسْعَى فِي الدَّيْنِ إلَّا أَنَّ السِّعَايَةَ هُنَاكَ لَيْسَ فِي بَدَلِ الرَّقَبَةِ بَلْ فِي الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ عَلَى الرَّاهِنِ، وَلِهَذَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا أَيْسَرَ فَلَا يَمْنَعُ سَلَامَةَ الرَّقَبَةِ لَهُ، وَهُنَا السِّعَايَةُ فِي بَدَلِ الرَّقَبَةِ فَلَا تَسْلَمُ لَهُ رَقَبَتُهُ مَا لَمْ يُؤَدِّهَا.
وَإِذَا أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ وَهُوَ مُوسِرٌ لَمْ يَضْمَنْ حِصَّةَ شَرِيكِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَا هُوَ ضَامِنٌ لِشَرِيكِهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ تُسْتَوْفَى مِنْ تَرِكَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا ضَمَانُ الْإِتْلَافِ، وَالْإِفْسَادِ فَإِذَا تَقَرَّرَ سَبَبُهُ مِنْ الْمَرِيضِ كَانَ هُوَ، وَالصَّحِيحُ سَوَاءٌ، كَضَمَانِ الْمَغْصُوبِ، وَالْمُتْلَفَاتِ، وَهَذَا ضَمَانُ التَّمَلُّكِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الصَّحِيحُ، وَالْمَرِيضُ كَالضَّمَانِ بِالِاسْتِيلَادِ، وَالْحَجْرُ بِسَبَبِ الْمَرَضِ لَا يَكُونُ أَعْلَى مِنْ الْحَجْرِ بِسَبَبِ الرِّقِّ ثُمَّ الْمُكَاتَبُ لَوْ كَاتَبَ نَصِيبَهُ كَانَ ضَامِنًا لِنَصِيبِ شَرِيكِهِ فَالْمَرِيضُ أَوْلَى.
وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ مِنْ قَبْلُ: أَنَّ الضَّمَانَ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَالِ الْوَرَثَةِ يَعْنِي أَنَّ تَرِكَتَهُ تَنْتَقِلُ إلَى وَرَثَتِهِ بِالْمَوْتِ فَلَوْ اسْتَوْفَى ضَمَانَ الْعِتْقِ إنَّمَا يَسْتَوْفِي مِنْ مَالِ الْوَارِثِ
стр. 1494
وَلَا سَبَبَ لِوُجُوبِ هَذَا الضَّمَانِ عَلَى الْوَارِثِ.
(فَإِنْ قِيلَ) لَا كَذَلِكَ بَلْ هَذَا دَيْنٌ لَزِمَهُ فَيَمْنَعُ انْتِقَالَ الْمَالِ إلَى وَارِثِهِ.
(قُلْنَا) مَا لَزِمَهُ شَيْءٌ قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ الشَّرِيكُ ضَمَانَهُ، وَلَوْ لَزِمَهُ فَهَذَا لَيْسَ بِدَيْنٍ صَحِيحٍ يَتَقَرَّرُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعُسْرَةَ تَمْنَعُ وُجُوبَهُ، وَمِثْلُ هَذَا الدَّيْنِ لَا يَمْنَعُ مِلْكَ الْوَارِثِ ثُمَّ تَقْرِيرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ هَذَا فِي الصُّورَةِ دَيْنٌ وَفِي الْمَعْنَى صِلَةٌ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا لِإِكْمَالِ الصِّلَةِ، وَهُوَ الْعِتْقُ وَالصِّلَةُ، وَإِنْ تَقَرَّرَ سَبَبُهَا فِي حَيَاتِهِ يُجْعَلُ كَالْمُضَافِ إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ حَتَّى يَتَعَيَّنَ مِنْ الثُّلُثِ وَلِهَذَا الْحَرْفِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: إنْ كَانَ الضَّمَانُ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ يَجِبُ، وَإِلَّا فَلَا، وَلَكِنَّا نَقُولُ: لِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ الصِّلَاتِ لَا يَمْنَعُ نَقْلَ الْمِلْكِ إلَى الْوَارِثِ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ مَالِ الْوَارِثِ لِمَا قُلْنَا؛ وَلِأَنَّ الْمَرَضَ أَنْفَى لِلضَّمَانِ مِنْ الْفَقْرِ حَتَّى أَنَّ الْفَقْرَ لَا يَمْنَعُ ضَمَانَ الْكَفَالَةِ، وَالْمَرَضُ يَمْنَعُ مِنْهُ فِيمَا إذَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ فَإِذَا كَانَ الْفَقْرُ يَنْفِي وُجُوبَ الضَّمَانِ لِلْعِتْقِ أَصْلًا فَلَأَنْ يَنْفِيَهُ مِنْ مَرَضِ الْمَوْتِ أَصْلًا أَوْلَى، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ هُنَاكَ يَجِبُ فِي كَسْبِهِ وَهُوَ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ يَدًا، وَتَصَرُّفًا إنَّمَا يَنْعَدِمُ بِسَبَبِ الرِّقِّ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ، وَالْغِنَى، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِالْغِنَى فِي وُجُوبِ ضَمَانِ الْعِتْقِ إنَّمَا الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْيُسْرُ، وَالْأَدَاءُ عَلَى الْمُكَاتَبِ مُتَيَسِّرٌ هُنَاكَ مِنْ كَسْبِهِ، وَالْمُكَاتَبُ فِيمَا يَتَقَرَّرُ مِنْهُ مِنْ أَسْبَابِ الصِّلَةِ كَالْحُرِّ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحَابَاةَ الْيَسِيرَةَ تَصِحُّ مِنْهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَمِنْ الْمَرِيضِ تُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِهِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْعِتْقُ فِي الصِّحَّةِ فَإِنَّ الضَّمَانَ يُسْتَوْفَى مِنْ تَرِكَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ هُنَاكَ تَقَرَّرَ فِي حَالِ كَوْنِهِ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ فِي الصِّلَاتِ فَيَتَقَرَّرُ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَفَلَ بِمَالٍ فِي صِحَّتِهِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَفَلَ فِي مَرَضِهِ فَهَذَا مِثْلُهُ.
وَإِذَا أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْعَبْدَ ثُمَّ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْمُعْتِقُ: أَعْتَقْته، وَأَنَا مُعْسِرٌ عَامَ أَوَّلٍ ثُمَّ أَصَبْت مَالًا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَالَ الْآخَرُ: بَلْ أَعْتَقْته عَامَ أَوَّلٍ، وَأَنْتَ مُوسِرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ يَتَبَدَّلُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ السَّاكِتِ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ الْيَسَارَ، وَالضَّمَانَ لِنَفْسِهِ بِسَبَبِهِ.
وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إنْ لَمْ أَضْرِبْهُ الْيَوْمَ فَهُوَ حُرٌّ، وَقَالَ الْآخَرُ: إنْ ضَرَبْته سَوْطًا فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبَهُ سَوْطَيْنِ ثُمَّ مَاتَ مِنْهُمَا فَفِي الْمَسْأَلَةِ حُكْمَانِ حُكْمُ الْعِتْقِ، وَحُكْمُ الْجِنَايَةِ أَمَّا حُكْمُ الْعِتْقِ أَنَّهُ يُعْتِقُ نَصِيبَ الَّذِي لَمْ يَضْرِبْهُ لِوُجُودِ شَرْطِ حِنْثِهِ حِينَ ضَرَبَهُ سَوْطًا، وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَلِلضَّارِبِ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَضْرُوبًا سَوْطًا وَبَيْنَ أَنْ يُسْتَسْعَى الْعَبْدُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا صَارَ مُعْتِقًا لَهُ، وَهُوَ مَنْقُوصٌ بِضَرْبِ السَّوْطِ الْأَوَّلِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ إيجَادَ الشَّرْطِ
стр. 1495
مِنْ الضَّارِبِ لَا يُسْقِطُ حَقَّهُ فِي الضَّمَانِ فَلِهَذَا كَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَضْرُوبًا سَوْطًا، وَأَمَّا حُكْمُ الْجِنَايَةِ فَإِنَّ الضَّارِبَ يَضْمَنُ نِصْفَ مَا نَقَصَهُ السَّوْطُ الْأَوَّلُ لِشَرِيكِهِ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ جِنَايَتَهُ بِضَرْبِ السَّوْطِ الْأَوَّلِ لَاقَى مِلْكًا مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا ثُمَّ قَدْ انْقَطَعَتْ سِرَايَةُ هَذِهِ الْجِنَايَةِ بِالْعِتْقِ بَعْدَهَا، وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْمَمَالِيكِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ لَا تَعْقِلُهُ الْعَاقِلَةُ فَلِهَذَا يَضْمَنُ لَهُ نِصْفَ النُّقْصَانِ بِالسَّوْطِ الْأَوَّلِ فِي مَالِهِ ثُمَّ يَضْمَنُ مَا نَقَصَهُ السَّوْطُ الْآخَرُ كُلُّهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ؛ حِينَ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ، وَجِنَايَتُهُ عَلَى مُكَاتَبِهِ، وَعَلَى مُكَاتَبِ غَيْرِهِ مُوجِبَةٌ لِلضَّمَانِ عَلَيْهِ وَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ بَعْدَ السَّوْطَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ السَّوْطَيْنِ جَمِيعًا وَأَحَدُهُمَا صَارَ هَدَرًا، وَالْآخَرُ مُعْتَبَرٌ فَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَضْرُوبًا سَوْطَيْنِ، وَيَجْمَعُ ذَلِكَ مَعَ نُقْصَانِ السَّوْطِ الثَّانِي فَيَكُونُ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ الثَّانِيَةَ صَارَتْ نَفْسًا فَمَا يَجِبُ بِاعْتِبَارِهَا يَكُونُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَهَذَا تَرِكَةُ الْعَبْدِ يَسْتَوْفِي مِنْهُ الشَّرِيكُ مَا ضَمِنَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا ضَمِنَ لِشَرِيكِهِ فَيَرْجِعُ فِي تَرِكَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَمَا بَقِيَ بَعْدَهُ فَهُوَ مِيرَاثٌ لِلْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ قَدْ صَارَ لَهُ فِي الْكُلِّ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَغْرَمُ نُقْصَانَ السَّوْطِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ بِعِتْقِ الْبَعْضِ عَتَقَ كُلُّهُ، وَالنُّقْصَانُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى الْأَحْرَارِ، وَلَكِنْ يَجِبُ نِصْفُ دِيَتِهِ عَلَى عَاقِلَتِهِ فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ فَهُوَ لِوَارِثِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْمُعْتِقِ، وَلَا يَرْجِعُ فِيهِ بِشَيْءٍ مِمَّا ضَمِنَ لِشَرِيكِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُعْسِرًا فَإِنَّ الشَّرِيكَ الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ لَمْ يَرْجِعْ بِمَا غَرِمَهُ مِنْ نُقْصَانِ السَّوْطِ الْآخَرِ، وَمِنْ نِصْفِ قِيمَتِهِ مَضْرُوبًا بِسَوْطَيْنِ بَلْ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ حَقُّ اسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ فِي ذَلِكَ فَيَسْتَوْفِيهِ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ بَيْنَ الشَّرِيكِ، وَالْمُعْتِقِ، وَبَيْنَ أَقْرَبِ النَّاسِ إلَى الضَّارِبِ مِنْ الْعَصَبَةِ.
لِأَنَّ الْوَلَاءَ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنَّ الضَّارِبَ قَاتِلٌ فَيَكُونُ مَحْرُومًا عَنْ الْمِيرَاثِ، وَيُجْعَلُ كَالْمَيِّتِ فَيَقُومُ أَقْرَبُ عَصَبَةٍ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ وَعِنْدَهُمَا الْوَاجِبُ نِصْفُ الدِّيَةِ يَسْتَوْفِي مِنْهُ الضَّارِبُ نِصْفَ الْقِيمَةِ، وَهُوَ السِّعَايَةُ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ كُلُّهُ لِلْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ فِي الْكُلِّ لَهُ عِنْدَهُمَا
وَإِذَا قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فِيمَا أَسْتَقْبِلُ فَهُوَ حُرٌّ فَمَلَكَ مَمْلُوكًا مَعَ غَيْرِهِ لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ عِتْقِهِ أَنْ يَمْلِكَ مَمْلُوكًا مُطْلَقًا، وَنِصْفُ الْمَمْلُوكِ لَا يَتَنَاوَلُهُ هَذَا الِاسْمُ فَإِنْ اشْتَرَى نَصِيبَ شَرِيكِهِ عَتَقَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ قَدْ تَمَّ حِينَ صَارَ الْمِلْكُ فِي الْكُلِّ لَهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَمْلِكَ الْمَمْلُوكَ جُمْلَةً، أَوْ مُتَفَرِّقًا، وَإِنْ بَاعَ نَصِيبَهُ أَوَّلًا ثُمَّ اشْتَرَى نَصِيبَ شَرِيكِهِ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ فِي مِلْكِهِ مَمْلُوكٌ تَامٌّ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِ وَالْعُرْفُ الظَّاهِرُ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهَذَا اللَّفْظِ الْمِلْكَ التَّامَّ.
وَلَوْ قَالَ لِمَمْلُوكٍ بِعَيْنِهِ: إذَا مَلَكْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ فَاشْتَرَى
стр. 1496
نِصْفَهُ ثُمَّ بَاعَ ثُمَّ اشْتَرَى النِّصْفَ الْبَاقِيَ عَتَقَ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ قَدْ تَمَّ حِينَ اشْتَرَى النِّصْفَ الْبَاقِيَ وَالْمَوْجُودُ فِي مِلْكِهِ هَذَا النِّصْفُ يَعْتِقُ، وَالْقِيَاسُ فِي الْمُعَيَّنِ، وَغَيْرِ الْمُعَيَّنِ سَوَاءٌ غَيْرَ أَنَّهُ اُسْتُحْسِنَ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِحَرْفَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْوَصْفَ فِي الْمُعَيَّنِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَالِاجْتِمَاعُ فِي الْمِلْكِ، وَصْفٌ فَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُعَيَّنِ (وَالثَّانِي) الْعَادَةُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَقُولُ مَا مَلَكْت قَطُّ مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَيُرِيدُ بِذَلِكَ مُجْتَمِعًا لَا مُتَفَرِّقًا، وَفِي الْمُعَيَّنِ لَا يَقُولُ مَا مَلَكْت هَذِهِ الْمِائَةَ دِرْهَمٍ إذَا كَانَ مِلْكُهَا مُتَفَرِّقًا.
وَإِنْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْته فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِدًا لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ شَرْطَ حِنْثِهِ تَمَّ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، وَلَا مِلْكَ لَهُ فِي الْقَبْضِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ حِينَ اشْتَرَاهُ عَتَقَ، وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ مَضْمُونًا بِنَفْسِهِ فِي يَدِهِ حَتَّى يَنُوبَ، قَبَضَهُ عَنْ قَبْضِ الشِّرَاءِ فَيَصِيرُ مُتَمَلِّكًا بِنَفْسِ الشِّرَاءِ فَيَعْتِقُ لِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَإِذَا جَنَى الْمُسْتَسْعَى فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْأَقَلِّ مِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، وَمِنْ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الرِّقَّ فِيهِ بَاقٍ، وَهُوَ أَحَقُّ بِمَكَاسِبِهِ فَيَكُونُ كَالْمُكَاتَبِ فِي جِنَايَتِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَالْمُكَاتَبِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ فَإِنْ جَنَى جِنَايَةً أُخْرَى بَعْدَ الْحُكْمِ بِالْأُولَى حُكِمَ فِي الثَّانِيَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأُولَى بِالْقَضَاءِ تَحَوَّلَتْ إلَى كَسْبِهِ فَتَتَعَلَّقُ الثَّانِيَةُ بِرَقَبَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكِمَ بِالْأُولَى تَحَاصَّا فِي الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُمَا تَعَلَّقَا بِرَقَبَتِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ بِاعْتِبَارِهِمَا إلَّا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَبَيَانُ هَذِهِ الْفُصُولِ فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ.
وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَوَقَعَ فِيهِ إنْسَانٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى فِي قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِيهِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الضَّمَانِ كَجِنَايَتِهِ بِيَدِهِ، وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ آخَرُ اشْتَرَكُوا فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ لِاسْتِنَادِ الْجِنَايَتَيْنِ إلَى سَبَبٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْحَفْرُ، وَلَا يَجِبُ بِالسَّبَبِ الْوَاحِدِ إلَّا قِيمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ وُجِدَ فِي دَارِهِ قَتِيلٌ سَعَى فِي قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ فِي حِفْظِ دَارِهِ إلَيْهِ فَكَانَ حُكْمُ الْقَتِيلِ الْمَوْجُودِ فِيهَا كَحُكْمِ الَّذِي جَنَى عَلَيْهِ بِيَدِهِ، وَمَا أَفْسَدَ مِنْ الْأَمْوَالِ فَهُوَ عَلَيْهِ بَالِغًا مَا بَلَغَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا هُوَ حُرٌّ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ.
وَإِذَا أَعْتَقَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْجَارِيَةَ، وَهِيَ حَامِلٌ ثُمَّ أَعْتَقَ الْآخَرُ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُضَمِّنَ شَرِيكَهُ نِصْفَ قِيمَةَ الْأُمِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَهَذَا اخْتِيَارٌ مِنْهُ لِلسِّعَايَةِ؛ لِأَنَّهُ بِإِعْتَاقِ الْجَنِينِ اسْتَحَقَّ وَلَاءَهُ، وَهُوَ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْأُمِّ وَلَوْ اكْتَسَبَ سَبَبَ الْوَلَاءِ فِي جُزْءٍ مِنْهَا سَقَطَ حَقُّهُ فِي تَضْمِينِ الشَّرِيكِ؛ وَلِأَنَّهُ مَنَعَ تَمْلِيكَ مَا فِي بَطْنِهَا مِنْ الشَّرِيكِ بِالضَّمَانِ فَلِهَذَا صَارَ بِهِ مُخْتَارًا لِلسِّعَايَةِ، وَلَوْ أَعْتَقَا جَمِيعًا مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا الْأُمَّ، وَهُوَ مُوسِرٌ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يُضَمِّنَهُ نِصْفَ قِيمَتِهَا إنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ بَعْدَ إعْتَاقِ الْجَنِينِ كَانَا يَتَمَكَّنَانِ
стр. 1497
مِنْ اسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ فِيهَا، وَالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْوَضْعِ، وَقَدْ امْتَنَعَ عَلَى السَّاكِتِ ذَلِكَ بِإِعْتَاقِ الشَّرِيكِ، وَهُوَ مُوسِرٌ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ نِصْفَ قِيمَتِهَا إنْ شَاءَ، وَالْحَبَلُ نُقْصَانٌ فِي بَنَاتِ آدَمَ لَا زِيَادَةٌ فَإِنَّمَا يُضَمِّنُهُ نِصْفَ قِيمَتِهَا حَامِلًا؛ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهَا، وَهِيَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الشَّهَادَةِ فِي عِتْقِ الشُّرَكَاءِ]
(قَالَ) وَإِذَا شَهِدَ الشَّاهِدَانِ أَنَّ أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ أَعْتَقَ الْعَبْدَ وَلَا يَدْرُونَ أَيُّهُمَا هُوَ وَجَحَدَ الْمَوْلَيَانِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّهُمَا لَمْ يُبَيِّنَا الْمُعْتِقَ مِنْهُمَا وَالْحُجَّةُ هِيَ الْبَيِّنَةُ فَمَا لَا تَكُونُ مُبَيِّنَةً لَا تَكُونُ حُجَّةً وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَا تُوجِبُ شَيْئًا بِدُونِ الْقَضَاءِ وَلَا يَتَمَكَّنُ الْقَاضِي مِنْ الْإِيجَابِ عَلَى الْمَجْهُولِ
فَإِنْ شَهِدَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ بِالْعِتْقِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ يَدَّعِي إمَّا الضَّمَانَ عَلَى شَرِيكِهِ أَوْ السِّعَايَةَ عَلَى الْعَبْدِ فِي نَصِيبِهِ وَلَكِنَّ الرِّقَّ يَفْسُدُ بِإِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إفْسَادِ الرِّقِّ بِإِعْتَاقِهِ فَإِذَا أَقَرَّ بِفَسَادِ الرِّقِّ بِإِعْتَاقِ الشَّرِيكِ يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ فِي ذَلِكَ ثُمَّ يَسْعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُوسِرَيْنِ كَانَا أَوْ مُعْسِرَيْنِ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوسِرًا وَالْآخَرُ مُعْسِرًا لِأَنَّ يَسَارَ الْمُعْتِقِ عِنْدَهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ السِّعَايَةِ فَالشَّاهِدُ مِنْهُمَا يَقُولُ: شَرِيكٌ مُعْتِقٌ وَلِي حَقُّ اسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ مَعَ يَسَارِهِ، وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ يَقُولُ: الشَّاهِدُ كَاذِبٌ وَلَا ضَمَانَ لِي عَلَيْهِ وَلَكِنْ لِي حَقُّ اسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ لِاحْتِبَاسِ نَصِيبِي عِنْدَهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إنْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مُعْسِرًا فَكَذَلِكَ الْجَوَابُ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا يَسْعَى لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ وَلَا يَسْعَى لِلشَّاهِدِ فِي شَيْءٍ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ يَدَّعِي السِّعَايَةَ مَعَ يَسَارِ الشَّاهِدِ فَإِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ وَلَيْسَ بِمُعْتِقٍ فَلَا يَضْمَنُ شَيْئًا مَعَ يَسَارِهِ فَإِنَّ الشَّاهِدَ تَبَرَّأَ مِنْ السِّعَايَةِ عِنْدَ يَسَارِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَقُولُ هُوَ مُعْتِقٌ ضَامِنٌ لِنَصِيبِي وَيَدَّعِي السِّعَايَةَ عِنْدَ عُسْرَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ فَيَسْعَى لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ
وَلَوْ شَهِدَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ مَعَ آخَرَ عَلَى شَرِيكِهِ بِاسْتِيفَاءِ السِّعَايَةِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّهُ شَهِدَ لِعَبْدِهِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ لَهُمَا مَا دَامَ يَسْعَى وَالْمُكَاتَبُ عَبْدٌ لِمَوْلَاهُ وَلِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ فَلَعَلَّهُ قَصَدَ اسْتِخْلَاصَ كَسْبِهِ لِنَفْسِهِ بِشَهَادَتِهِ عَلَى صَاحِبِهِ بِالِاسْتِيفَاءِ،
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِغَصْبٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أَوْ شَيْءٍ يَجِبُ بِهِ عَلَيْهِ مَالٌ فَشَهَادَتُهُ مَرْدُودَةٌ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ لِعَبْدِهِ. عَبْدٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ شَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِمَا أَنَّهُ أَعْتَقَهُ فَحُكِمَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَسْعَى لَهُمْ فِي قِيمَتِهِ فَأَدَّى إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا كَانَ
стр. 1498
ذَلِكَ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا لِأَنَّ السِّعَايَةَ وَجَبَتْ لَهُمْ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ الْمُسْتَوْفَى مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ وَلِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ لَهُمْ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمْ الِاخْتِصَاصُ بِشَيْءٍ مِنْ كَسْبِهِ، فَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى الْآخَرِ أَنَّهُ اسْتَوْفَى مِنْهُ حِصَّتَهُ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمَا يَجُرَّانِ إلَى أَنْفُسِهِمَا مَنْفَعَةً حَتَّى يَأْخُذَا مِنْهُ ثُلُثَيْ مَا اسْتَوْفَاهُ، وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَا أَنَّهُ اسْتَوْفَى الْمَالَ كُلَّهُ بِوَكَالَةٍ مِنْهُمَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهِ لِمَا قُلْنَا وَيَبْرَأُ الْعَبْدُ مِنْ حِصَّتِهِمَا لِإِقْرَارِهِمَا فِيهِ بِقَبْضٍ مُبْرِئٍ، فَإِنْ قَبَضَ وَكِيلُهُمَا فِي بَرَاءَةِ الْمَدْيُونِ كَقَبْضِهِمَا وَيَسْتَوْفِي الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ حِصَّتَهُ مِنْ الْعَبْدِ وَلَا يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ الشَّاهِدَانِ لِأَنَّهُمَا أَسْقَطَا حَقَّهُمَا بِالشَّهَادَةِ السَّابِقَةِ وَلِأَنَّهُمَا يَزْعُمَانِ أَنَّهُ ظَالِمٌ فِي هَذَا الِاسْتِيفَاءِ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ وَلَا لَهُمَا وَإِنْ شَهِدَا بِدَيْنٍ لِهَذَا الْعَبْدِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ لَمْ تُقْبَلْ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ عَبْدِهِمَا مَا دَامَ يَسْعَى
وَإِذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنَّ شَرِيكَهُ الْغَائِبَ أَعْتَقَ حِصَّتَهُ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ وَيُقْضَى بِعِتْقِهِ لِأَنَّ الْعِتْقَ عِنْدَهُمَا لَا يَتَجَزَّأُ فَيَنْتَصِبُ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ وَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ يَشْهَدَانِ عَلَى الْحَاضِرِ بِعِتْقِ نَصِيبِهِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا تُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ لِأَنَّ الْعِتْقَ عِنْدَهُ يَتَجَزَّأُ فَإِنَّمَا يَشْهَدَانِ بِعِتْقِ نَصِيبِ الْغَائِبِ خَاصَّةً وَلَيْسَ عَنْهُ خَصْمٌ حَاضِرٌ وَالْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ بِالشَّهَادَةِ لَا يَجُوزُ وَلَكِنْ يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا الْحَاضِرِ أَنْ يَسْتَرِقَّهُ، وَيُوقَفُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يُحَالُ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَيْلُولَةُ تَنْبَنِي عَلَى ثُبُوتِ الْعِتْقِ فِي نَصِيبِ الْغَائِبِ وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ بِدُونِ الْقَضَاءِ وَلَكِنْ فِي الِاسْتِحْسَانِ، قَالَ: هُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى الْغَائِبِ بِالْعِتْقِ وَعَلَى الْحَاضِرِ بِقِصَرِ يَدِهِ عَنْهُ لِأَنَّ مُعْتَقَ الْبَعْضِ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ لَا يَدَ عَلَيْهِ لِمَوْلَاهُ وَالْحَاضِرُ خَصْمٌ فِي إثْبَاتِ قِصَرِ يَدِهِ عِنْدَهُ فَتُقْبَلُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ إذْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فَهُوَ نَظِيرُ مَنْ وَكَّلَ بِعِتْقِ عَبْدِهِ فَأَقَامَ الْعَبْدُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْوَكِيلِ أَنَّ مَوْلَاهُ أَعْتَقَهُ لَا يُحْكَمُ بِعِتْقِهِ وَلَكِنْ يُحْكَمُ بِقِصَرِ يَدِ الْوَكِيلِ عَنْهُ حَتَّى يَحْضُرَ الْمَوْلَى فَتُعَادُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ فَكَذَلِكَ هُنَا إذَا حَضَرَ الْغَائِبُ فَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ لِلْحُكْمِ بِعِتْقِهِ؛ لِأَنَّ الْأُولَى قَامَتْ عَلَى غَيْرِ خَصْمٍ، فَإِنْ كَانَا غَائِبَيْنِ فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ أَنَّهُ أَعْتَقَ الْعَبْدَ لَمْ تُقْبَلْ هَذِهِ الشَّهَادَةُ إلَّا بِخُصُومَةٍ تَقَعُ مِنْ قِبَلِ قَذْفٍ أَوْ جِنَايَةٍ أَوْ وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ فَحِينَئِذٍ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ إذَا قَامَتْ عَلَى أَنَّ الْمَوْلَيَيْنِ أَعْتَقَاهُ أَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَعْتَقَهُ وَاسْتَوْفَى الْآخَرُ السِّعَايَةَ مِنْهُ لِأَنَّ الْخَصْمَ الْحَاضِرَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إثْبَاتِ مَا يَدَّعِيهِ عَلَى الْعَبْدِ إلَّا بِإِثْبَاتِ حُرِّيَّتِهِ وَالْعَبْدُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ دَفْعِهِ إلَّا بِإِنْكَارِ حُرِّيَّتِهِ
стр. 1499
فَيَنْتَصِبُ خَصْمًا عَلَى الْغَائِبَيْنِ فِي ذَلِكَ
وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ وَشَهِدَ آخَرُ عَلَى الشَّرِيكِ الْآخَرِ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمَا أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَشْكُلُ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ مُخْتَلِفٌ وَالْمَشْهُودُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَلِأَنَّ أَحَدَهُمَا شَهِدَ بِعِتْقٍ يَبْرَأُ فِيهِ مِنْ نَصِيبِ زَيْدٍ إلَى نَصِيبِ عَمْرٍو، وَالْآخَرُ شَهِدَ بِعِتْقٍ يَبْرَأُ فِيهِ مِنْ نَصِيبِ عَمْرٍو إلَى نَصِيبِ زَيْدٍ وَلَمْ يَتَّفِقْ الشَّاهِدَانِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ فَلَا يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِمَا
وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ لِمُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ شَهِدَ نَصْرَانِيَّانِ عَلَيْهِمَا بِالْعِتْقِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى النَّصْرَانِيِّ لِأَنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مَقْبُولَةٌ وَشَهَادَتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَرْدُودَةٌ فَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ فِي نَصِيبِ النَّصْرَانِيِّ خَاصَّةً فَهَذَا وَمَا لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ سَوَاءٌ حَتَّى يُخَيَّرَ الْمُسْلِمُ بَيْنَ الْإِعْتَاقِ وَالتَّضْمِينِ وَالِاسْتِسْعَاءِ، فَإِنْ شَهِدَا عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْهُمَا بِأَنَّهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ فَالشَّهَادَةُ بَاطِلَةٌ وَالْعَبْدُ مَمْلُوكٌ لَهُمَا عَلَى حَالِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدَ النَّصْرَانِيُّ عَلَى شَرِيكِهِ بِالْعِتْقِ فَإِنَّ ذَلِكَ إقْرَارٌ مِنْهُ فِي نَصِيبِهِ بِفَسَادِ الرِّقِّ، وَالْإِقْرَارُ يَلْزَمُ بِنَفْسِهِ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَهَذِهِ شَهَادَةٌ لَا تُوجِبُ شَيْئًا إلَّا بِالْقَضَاءِ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ عَلَى الْمُسْلِمِ بِشَهَادَةِ النَّصْرَانِيِّ
وَلَوْ شَهِدَ نَصْرَانِيَّانِ عَلَى شَهَادَةِ مُسْلِمَيْنِ أَنَّ النَّصْرَانِيَّ أَعْتَقَهُ فَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ شَهَادَةَ الْمُسْلِمَيْنِ عِنْدَ الْقَاضِي وَكَمَا لَا يَثْبُتُ قَضَاءُ الْقَاضِي عَلَى الْمُسْلِمَيْنِ بِشَهَادَةِ النَّصْرَانِيِّ وَإِنْ كَانَ الْخَصْمُ نَصْرَانِيًّا فَكَذَلِكَ لَا تَثْبُتُ شَهَادَةُ الْمُسْلِمَيْنِ بِشَهَادَةِ النَّصْرَانِيِّ
وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ ادَّعَى أَحَدُهُمْ أَنَّهُ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ عَلَى أَلْفٍ وَشَهِدَ لَهُ شَرِيكَاهُ عَلَى الْعَبْدِ فَالشَّهَادَةُ جَائِزَةٌ لِأَنَّ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَبْدِ قَدْ عَتَقَ بِإِقْرَارِهِ وَإِنَّمَا بَقِيَ دَعْوَاهُ الْمَالَ عَلَيْهِ فَالْآخَرَانِ يَشْهَدَانِ بِالْمَالِ عَلَى أَحَدِهِمَا وَلَا تُهْمَةَ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ
وَلَوْ شَهِدَ ابْنَا أَحَدِ الشُّرَكَاءِ أَنَّ أَبَاهُمَا قَدْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ بِغَيْرِ جُعْلٍ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ عَلَى أَبِيهِمَا، وَشَهَادَةُ ابْنِ الْعَبْدِ بِالْعِتْقِ تُقْبَلُ إنْ كَانَ الْعَبْدُ يُنْكِرُ ذَلِكَ وَالْمَوْلَى يَدَّعِيهِ وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ يَدَّعِي ذَلِكَ لَا تُقْبَلُ لِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ لِأَبِيهِمَا، وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَا بِوُجُودِ شَرْطِ الْعِتْقِ بَعْدَ ظُهُورِ التَّعْلِيقِ فَإِنَّمَا يَشْهَدَانِ لِأَبِيهِمَا فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا
وَلَوْ ادَّعَى الْمَوْلَى أَنَّهُ أَعْتَقَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَالَ الْعَبْدُ أَعْتَقَنِي بِغَيْرِ شَيْءٍ فَشَهِدَ ابْنَا الْمَوْلَى لِلْعَبْدِ بِمَا ادَّعَى وَأَقَامَ الْأَبُ شَاهِدَيْنِ عَلَى أَنَّهُ أَعْتَقَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ لَهُ بِأَلْفٍ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ الْمَالُ بِبَيِّنَةٍ وَالْعَبْدُ يَنْفِي الْمَالَ بِمَا يُقِيمُ مِنْ الْبَيِّنَةِ وَعِنْدَ التَّعَارُضِ يُرَجَّحُ بَيْنَ الْبَيِّنَتَيْنِ
وَإِذَا كَانَتْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَشَهِدَ ابْنَا
стр. 1500
أَحَدِهِمَا عَلَى الشَّرِيكِ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا فَشَهَادَتُهُمَا بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُمَا شَهِدَا لِأَمَةِ أَبِيهِمَا وَلِأَنَّهُمَا يَشْهَدَانِ لِأَبِيهِمَا بِثُبُوتِ حَقِّ التَّضْمِينِ لَهُ قَبْلَ الشَّرِيكِ إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَلَوْ شَهِدَا عَلَى أَبِيهِمَا أَنَّهُ أَعْتَقَهَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا تُهْمَةَ فِي شَهَادَتِهِمَا عَلَى أَبِيهِمَا، فَإِنْ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا ثُمَّ مَاتَتْ الْخَادِمَةُ وَتَرَكَتْ مَالًا وَقَدْ وَلَدَتْ بَعْدَ الْعِتْقِ وَلَدًا فَأَرَادَ الشَّرِيكُ أَنْ يَسْتَسْعِيَ الْوَلَدَ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا فِي حَيَاةِ الْأُمِّ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ عَلَى اسْتِسْعَاءِ الْوَلَدِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهَا إذَا خَلَّفَتْ مَالًا، وَلَكِنَّهُ يَضْمَنُ الشَّرِيكُ كَمَا كَانَ يَضْمَنُهُ فِي حَيَاتِهَا ثُمَّ يَرْجِعُ الشَّرِيكُ بِمَا يَضْمَنُ فِي تَرِكَتِهَا كَمَا كَانَ يَرْجِعُ عَلَيْهَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً وَمَا بَقِيَ فَهُوَ مِيرَاثٌ لِلِابْنِ لِأَنَّ بِأَدَاءِ مَا عَلَيْهَا مِنْ السِّعَايَةِ يُحْكَمُ بِعِتْقِهَا وَعِتْقِ وَلَدِهَا مُسْتَنِدًا إلَى حَالِ حَيَاتِهَا عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي الْمُكَاتَبَةِ، وَإِنْ لَمْ تَدَعْ مَالًا رَجَعَ بِذَلِكَ عَلَى الِابْنِ لِأَنَّ الِابْنَ مَوْلُودٌ فِي الْكِتَابَةِ وَالْمَوْلُودُ فِي الْكِتَابَةِ يَسْعَى فِيمَا عَلَى أُمِّهِ بَعْدَ مَوْتِهَا لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا فَبَقَاؤُهُ كَبَقَائِهَا وَلِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَى تَحْصِيلِ الْعِتْقِ لِنَفْسِهِ وَلَا يَتَوَصَّلُ إلَى ذَلِكَ إلَّا بِأَدَاءِ مَا عَلَى أُمِّهِ، وَإِنْ لَمْ تَمُتْ فَاخْتَارَ الشَّرِيكُ أَنْ يَسْتَسْعِيَهَا فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبَةِ فِي تِلْكَ السِّعَايَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَعْدَ مَوْتِهَا لَيْسَ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَسْتَسْعِيَهَا بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ الْوَلَدِ وَفِي حَالِ حَيَاتِهَا لَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَهَا لِأَنَّ حَقَّ الِاسْتِسْعَاءِ بِاعْتِبَارِ احْتِبَاسِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ عِنْدَهَا وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ مَوْتِهَا وَلَا حَقَّ لِلشَّرِيكِ فِي وَلَدِهَا فَلِهَذَا لَا يَسْتَسْعِيهَا بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ الْوَلَدِ وَلَا بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ الْمَالِ وَلَكِنَّهُ يَضْمَنُ الشَّرِيكُ، وَأَمَّا فِي حَالِ حَيَاتِهَا فَقَدْ تَقَرَّرَ احْتِبَاسُ نَصِيبِ الشَّرِيكِ عِنْدَهَا فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَسْعِيَهَا وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبَةِ مَا دَامَتْ تَسْعَى حَتَّى لَيْسَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِدُونِ إذْنِ مَوْلَاهَا وَإِنْ وَلَدَتْ فَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا وَإِنْ اشْتَرَتْ أَبَاهَا أَوْ أُمَّهَا أَوْ وَلَدَهَا فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَبِيعَهُمْ وَلَوْ اشْتَرَتْ أَخَاهَا أَوْ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهَا فَلَهَا أَنْ تَبِيعَهُمْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اسْتِحْسَانًا وَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الْقِيَاسُ. أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمُكَاتَبِ. وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ الْحُرَّ لَوْ اشْتَرَى أَخَاهُ يَصِيرُ فِي مِثْلِ حَالِهِ
فَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ إذَا اشْتَرَى أَخَاهُ يَصِيرُ فِي مِثْلِ حَالِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْآبَاءِ وَالْأَوْلَادِ لَا يُفْصَلُ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَبَيْنَ الْحُرِّ حَتَّى يَصِيرَ فِي مِثْلِ حَالِهِ فِي الْوَجْهَيْنِ فَكَذَلِكَ فِي كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ الْمُتَأَيِّدَةَ بِالْمَحْرَمِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْوِلَادِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحُرِّيَّةِ كَمَا فِي اسْتِحْقَاقِ الْعِتْقِ بِهَا وَهَذَا لِأَنَّ مَا لِلْمُكَاتَبِ مِنْ الْحَقِّ فِي كَسْبِهِ يَحْتَمِلُ الْكِتَابَةَ حَتَّى لَوْ كَاتَبَ عَبْدَهُ صَحَّ كَمَا أَنَّ مَا لِلْحُرِّ مِنْ الْمِلْكِ يَحْتَمِلُ الْعِتْقَ فَإِذَا سَوَّى هُنَاكَ بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَالْآبَاءِ فِي إثْبَاتِ مَا يَحْتَمِلُهُ مِلْكُ الْحُرِّ
стр. 1501
فَكَذَلِكَ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا هُنَا فِي إثْبَاتِ مَا يَحْتَمِلُهُ كَسْبُ الْمُكَاتَبِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ تَكَاتَبَ عَلَيْهِ يَكُونُ تَبَعًا لَهُ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بِبَدَلٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْبَدَلِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ تَبَعٌ وَمَعْنَى الْأَصَالَةِ وَالتَّبَعِيَّةِ يَتَحَقَّقُ فِيمَا بَيْنَ الْآبَاءِ وَالْأَوْلَادِ لِأَجْلِ الْجُزْئِيَّةِ فَيَسْتَقِيمُ أَنْ يَتَكَاتَبَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْجُزْئِيَّةِ فَأَمَّا مَعْنَى الْأَصَالَةِ وَالتَّبَعِيَّةِ لَا يَتَحَقَّقُ بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَسَائِرِ الْقَرَابَاتِ فَلَا يَتَكَاتَبُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْمُكَاتَبَ كَسَائِرِ الْآبَاءِ وَالْأَوْلَادِ يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ الْكَسْبِ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَ بَعْدَ ظُهُورِ الْمِلْكِ فَإِنَّ الِابْنَ إذَا كَانَ مُكْتَسِبًا يُقْضَى عَلَيْهِ بِنَفَقَةِ أَبِيهِ عَلَى أَنْ يَمْلِكَ بِالِاكْتِسَابِ فَيُؤَدِّي، فَكَذَلِكَ هُنَا ثَبَتَ حَقُّ الْآبَاءِ وَالْأَوْلَادِ فِي الْكَسْبِ عَلَى أَنَّهُ مَتَى ثَبَتَ الْمِلْكُ بِالْعِتْقِ عَتَقَ عَلَيْهِ فَيَمْتَنِعُ بَيْعُهُمْ لِهَذَا، وَلَا يَثْبُتُ حَقُّ الْإِخْوَةِ فِي الْكَسْبِ عَلَى أَنْ يُوَفِّيَ مِنْ الْمِلْكِ إذَا ظَهَرَ فَكَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ حَقُّ الْإِخْوَةِ فِي كَسْبِ الْمُكَاتَبِ وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَيْعُهُمْ وَلَا يَدْخُلُ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَى الْمُكَاتَبِ بِالنَّفَقَةِ لِآبَائِهِ وَأَوْلَادِهِ الْأَحْرَارِ لِأَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالْكَسْبِ عَلَى أَنْ يَقْضِيَ مِنْ الْمِلْكِ وَهُنَا لَوْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالنَّفَقَةِ لَزِمَهُ ذَلِكَ قَبْلَ تَمَامِ الْمِلْكِ لَهُ بِالْعِتْقِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مَالَهُ مِنْ الْحَقِّ قَبْلَ الْعِتْقِ لَا يَحْتَمِلُ الصِّلَةَ التَّامَّةَ. تَوْضِيحُهُ أَنَّ الْأَقَارِبَ يَكْثُرُونَ فَلَوْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ بَيْعُهُمْ إذَا دَخَلُوا فِي مِلْكِهِ أَدَّى إلَى تَفْوِيتِ الْمَقْصُودِ بِالْكِتَابَةِ وَهُوَ تَحْصِيلُ الْمَالِ لِيُؤَدِّيَ فَيَعْتِقَ وَلَا يُوجَدُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْآبَاءِ فَلِهَذَا اسْتَحْسَنَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
وَإِنْ اشْتَرَتْ زَوْجَهَا لَمْ يَفْسُدْ النِّكَاحَ وَلَهَا أَنْ تَبِيعَهُ كَالْمُكَاتَبِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ لَهَا حَقُّ الْمِلْكِ فِي رَقَبَةِ الزَّوْجِ وَحَقُّ الْمِلْكِ لَا يَرْفَعُ النِّكَاحَ لِأَنَّهُ أَضْعَفُ مِنْهُ وَالضَّعِيفُ لَا يَرْفَعُ الْقَوِيَّ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ عَبْدٌ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَاشْتَرَى امْرَأَتَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا إنْ لَمْ تَكُنْ وَلَدَتْ مِنْهُ وَإِنْ كَانَتْ وَلَدَتْ مِنْهُ فَاشْتَرَى وَلَدَهَا مَعَهَا فَهِيَ بِمَنْزِلَتِهِ لِأَنَّ حَقَّ الْأُمِّ تَبَعٌ لِحَقِّ الْوَلَدِ وَثُبُوتُ التَّبَعِ بِثُبُوتِ الْمَتْبُوعِ وَقَدْ امْتَنَعَ عَلَيْهِ بَيْعُ الْوَلَدِ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ بَيْعُ الْأُمِّ أَيْضًا، وَإِنْ كَفَلَ عَنْ الْمُسْتَسْعَى رَجُلٌ بِسِعَايَتِهِ لِمَوْلَاهُ فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ السِّعَايَةَ كَبَدَلِ الْكِتَابَةِ وَالْكَفَالَةُ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ عَبْدُهُ فَلَا يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ دَيْنُهُ فَهَذَا مِثْلُهُ.
وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا حَاضِرًا وَتَرَكَ دَيْنًا عَلَى النَّاسِ فَلَمْ يَخْتَصِمُوا فِي أَمْرِهِ حَتَّى خَرَجَ الدَّيْنُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ الْحَاضِرِ يُؤَدَّى مِنْهُ سِعَايَتُهُ وَيَكُونُ مَا بَقِيَ مِيرَاثًا وَالْوَلَدُ الْحُرُّ وَالْمَوْلُودُ فِي السِّعَايَةِ وَالْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ لِأَنَّ الْكُلَّ يُعْتَقُونَ بِعِتْقِهِ ثُمَّ يَجُرُّ وَلَاءَ وَلَدِهِ الْحُرِّ لِأَنَّ الْأَبَ فِي الْوَلَاءِ أَصْلٌ كَمَا فِي النَّسَبِ وَإِنَّمَا كَانَ وَلَاؤُهُ لِمَوَالِي الْأُمِّ لِعَدَمِ الْوَلَاءِ
стр. 1502
فِي جَانِبِ الْأَبِ فَإِذَا ظَهَرَ الْوَلَاءُ فِي جَانِبِهِ انْجَرَّ إلَيْهِ وَلَاءُ أَوْلَادِهِ وَسَنُقَرِّرُ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الدَّيْنُ حَتَّى جَنَى وَلَدُهُ الْحُرُّ كَانَتْ الْجِنَايَةُ عَلَى عَاقِلَةِ أُمِّهِ لِأَنَّهُ مَوْلًى لِمَوَالِي الْأُمِّ مَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ وَلَاءٌ فِي جَانِبِ الْأَبِ، فَإِنْ اخْتَصَمَ مَوَالِي الْأُمِّ وَمَوَالِي الْأَبِ فِي وِلَايَتِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الدَّيْنِ فَقُضِيَ بِهِ لِمَوَالِي الْأُمِّ ثُمَّ خَرَجَ الدَّيْنُ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ الدَّيْنُ لِمَوَالِي الْأَبِ كُلُّهُ لَا يَكُونُ لِلِابْنِ فِيهِ شَيْءٌ فِي الْقِيَاسِ، وَلَكِنَّا نَدَعُ الْعَتَاقَيْنِ وَنَجْعَلُ السِّعَايَةَ لِلْمَوْلَى وَمَا بَقِيَ مِيرَاثًا لِلِابْنِ. وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ الْقَاضِيَ لَمَّا حَكَمَ بِوَلَائِهِ لِمَوَالِي الْأُمِّ فَقَدْ حَكَمَ بِرِقِّ الْأَبِ إلَى هَذَا الْوَقْتِ وَهُوَ مَيِّتٌ وَالرَّقِيقُ لَا يَرِثُهُ الْحُرُّ. تَوْضِيحُهُ أَنَّهُ قَطَعَهُ عَنْ جَانِبِ الْأَبِ حِينَ قَضَى بِوَلَائِهِ لِمَوَالِي الْأُمِّ وَقَضَى بِجِنَايَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ حُكْمَ الْكِتَابَةِ فِيهِ لِكَوْنِهِ مُعْتَقَ الْبَعْضِ وَذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَيَبْقَى بَعْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي حُكْمُ الْكِتَابَةِ فِيهِ عَلَى حَالِهِ فَإِذَا خَرَجَ مَالُهُ يُؤَدِّي كِتَابَتَهُ وَيُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ مُسْتَنِدًا إلَى حَالِ حَيَاتِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِحُرِّيَّتِهِ مَقْصُورًا عَلَى الْحَالِ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَاتَ حُرًّا وَالْحُرُّ يَرِثُهُ ابْنُهُ الْحُرُّ وَالْقَاضِي مَا قَضَى بِقَطْعِ نَسَبِهِ عَنْ أَبِيهِ.
وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ فِي سِعَايَةٍ وَلَهُ وَلَدٌ مِنْ أَمَةٍ لَهُ ثُمَّ مَاتَ الْعَبْدُ كَانَ لِلِابْنِ أَنْ يَسْعَى فِيمَا عَلَى أَبِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ
وَلَوْ كَانَ عَبْدٌ وَأَمَةٌ زَوْجَيْنِ لِرَجُلٍ وَأَعْتَقَ نِصْفَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَضَى عَلَيْهِمَا بِالسِّعَايَةِ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِمَا ثُمَّ وَلَدَتْ وَلَدًا فَقُتِلَ الْوَلَدُ وَتَرَكَ مَالًا فَدِيَتُهُ وَمَالُهُ لِأُمِّهِ لِأَنَّ الْوَلَدَ جُزْءٌ مِنْ أُمِّهِ يَتْبَعُهَا فِي الْمِلْكِ وَالرِّقِّ وَلَمْ يَعْتِقْ فَكَانَ تَابِعًا لِأُمِّهِ دَاخِلًا فِي سِعَايَتِهَا فَلِهَذَا كَانَ بَدَلُ نَفْسِهِ وَمَالِهِ لَهَا
وَلَوْ جَنَى الْوَلَدُ جِنَايَةً سَعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الْجِنَايَةِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ فِي جِنَايَةِ الْمُكَاتَبِ
وَلَوْ مَاتَ أَبَوَاهُ سَعَى فِيمَا بَقِيَ عَلَى أُمِّهِ دُونَ أَبِيهِ لِأَنَّهُ يَتْبَعُهَا فِي حُكْمِ الْكِتَابَةِ دُونَ الْأَبِ فَيَقُومُ مَقَامَهَا فِي السِّعَايَةِ فِيمَا عَلَيْهَا
وَلَوْ مَاتَتْ أُمُّهُ عَنْ مَالٍ أَدَّى مِنْهُ سِعَايَتَهَا وَمَا بَقِيَ فَهُوَ مِيرَاثٌ لِلِابْنِ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ بِعِتْقِهَا وَلَا مِيرَاثَ لِلزَّوْجِ مِنْهَا لِأَنَّ الزَّوْجَ مُكَاتَبٌ مَا لَمْ يُؤَدِّ السِّعَايَةَ
وَإِنْ مَاتَ الزَّوْجُ عَنْ مَالٍ يُؤَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ سِعَايَتِهِ، وَمَا بَقِيَ مِيرَاثٌ لِمُعْتِقِهِ لَا يَرِثُ ابْنُهُ وَلَا امْرَأَتُهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبَيْنِ مَا لَمْ تُؤَدِّ الْأُمُّ سِعَايَتَهَا وَهَذَا وَمَا لَوْ كُوتِبَ الزَّوْجَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَقْدٍ عَلَى حِدَةٍ سَوَاءٌ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا، وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّ مُعْتَقَ النِّصْفِ إذَا جَنَى فَنِصْفُ جِنَايَتِهِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالنِّصْفُ عَلَيْهِ وَإِذَا جُنِيَ عَلَيْهِ فَأَرْشُ نِصْفِ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ أَرْشَ الْعَبِيدِ، وَأَرْشُ النِّصْفِ الْآخَرِ أَرْشَ الْأَحْرَارِ وَكَأَنَّهُ اعْتَبَرَ الْبَعْضَ بِالْكُلِّ وَلَسْنَا نَأْخُذُ بِهَذَا بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ فِي الْجِنَايَةِ
стр. 1503
وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ لِأَنَّ بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ مُنَافَاةٌ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ فِيمَا سَبَقَ
وَإِذَا شَهِدَ الشَّاهِدَانِ عَلَى أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ أَنَّهُ أَقَرَّ بِعِتْقِ الْمَمْلُوكِ وَهُوَ مُوسِرٌ جَازَ ذَلِكَ وَثُبُوتُ إقْرَارِهِ بِالْبَيِّنَةِ كَثُبُوتِهِ بِسَمَاعِ الْقَاضِي مِنْهُ وَيَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا نِصْفَ قِيمَتِهِ وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الْغُلَامِ وَالْوَلَاءُ لَهُ إنْ كَانَ جَاحِدًا لِلْعِتْقِ لِأَنَّ الْقَاضِيَ حَكَمَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ زَعْمِهِ وَبِقَضَاءِ الْقَاضِي سَقَطَ اعْتِبَارُ زَعْمِهِ بِخِلَافِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبْدَ لَوْ كَانَ كُلُّهُ لَهُ فَشَهِدَا عَلَيْهِ بِعِتْقِهِ كَانَ الْوَلَاءُ لَهُ وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا
وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ حُرُّ الْأَصْلِ عَتَقَ وَلَا وَلَاءَ لَهُ لِأَنَّ الثَّابِتَ مِنْ إقْرَارِهِ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِالْمُعَايَنَةِ وَإِنَّمَا يَقْضِي الْقَاضِي عَلَى الْمُقِرِّ بِمَا يُقِرُّ بِهِ وَيَجْعَلُهُ فِي حَقِّهِ كَأَنَّهُ حَقٌّ، وَحُرِّيَّةُ الْأَصْلِ لَا تَعْقُبُ الْوَلَاءَ
وَإِنْ شَهِدُوا عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّ الَّذِي بَاعَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ عَتَقَ كَمَا لَوْ سَمِعَ الْقَاضِي إقْرَارَهُ بِذَلِكَ وَهَذَا لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِنُفُوذِ الْعِتْقِ فِيهِ مِمَّنْ كَانَ مَالِكًا لَهُ وَوَلَاؤُهُ مَوْقُوفٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفِيهِ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ الْبَائِعَ يَقُولُ: أَنَا مَا أَعْتَقْته وَإِنَّمَا عَتَقَ بِإِقْرَارِ الْمُشْتَرِي فَلَهُ وَلَاؤُهُ، وَالْمُشْتَرِي: يَقُولُ بَلْ أَعْتَقَهُ الْبَائِعُ فَالْوَلَاءُ لَهُ فَلِهَذَا تَوَقَّفَ وَلَاؤُهُ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ أَحَدُهُمَا إلَى تَصْدِيقِ صَاحِبِهِ فَيَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُ لِأَنَّ الْوَلَاءَ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فَلَا يَبْطُلُ بِالتَّكْذِيبِ أَصْلًا وَلَكِنْ يَبْقَى مَوْقُوفًا فَإِذَا صَدَّقَهُ ثَبَتَ مِنْهُ
وَإِنْ شَهِدَا عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّ الْبَائِعَ كَانَ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَ أُمَّهُ أَوْ أَنَّ الْبَائِعَ كَانَ اسْتَوْلَدَهَا قَبْلَ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ مِلْكِهِ لِإِقْرَارِهِ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُمَا بِالشِّرَاءِ وَأَنَّهُمَا بَاقِيَانِ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ لِأَنَّ إقْرَارَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْبَائِعِ فِي إبْطَالِ الْبَيْعِ وَقَدْ اسْتَحَقَّ الْبَائِعُ الثَّمَنَ بِهِ وَلَا يَعْتِقَانِ حَتَّى يَمُوتَ الْبَائِعُ فَإِذَا مَاتَ عَتَقَا لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَقَرَّ بِتَعَلُّقِ عِتْقِهِمَا بِمَوْتِ الْبَائِعِ وَالْبَائِعُ كَانَ مُقِرًّا بِأَنَّ إقْرَارَ الْمُشْتَرِي فِيهِمَا نَافِذٌ لَأَنْ يَمْلِكَهُمَا فَعِنْدَ مَوْتِ الْبَائِعِ يَحْصُلُ التَّصَادُقُ مِنْهُمَا عَلَى الْحُرِّيَّةِ إذَا كَانَ الْمُدَبَّرُ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْبَائِعِ فَلِهَذَا يُحْكَمُ بِعِتْقِهِمَا وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِمَا كَالْجِنَايَةِ عَلَى مَمْلُوكَيْنِ قَبْلَ مَوْتِ الْبَائِعِ لِأَنَّهُمَا لَا يَعْتِقَانِ إلَّا بِمَوْتِهِ وَتُوقَفُ جِنَايَتُهُمَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ السِّعَايَةُ فِي الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِمَا وَأَرْشُ جِنَايَتِهِمَا، وَالْقِيَاسُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إنْ كَانَ صَادِقًا فَمُوجِبُ جِنَايَتِهِمَا عَلَى الْبَائِعِ ابْتِدَاءً لِأَنَّ مُوجِبَ جِنَايَةِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ الْقِيمَةُ عَلَى الْمَوْلَى ابْتِدَاءً، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَجِنَايَتُهُمَا تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِمَا وَيُخَاطَبُ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ وَمَعَ جَهَالَةِ الْمُسْتَحَقِّ عَلَيْهِ لَا يَتَمَكَّنُ الْقَاضِي مِنْ الْقَضَاءِ بِشَيْءٍ فَلِهَذَا تَتَوَقَّفُ جِنَايَتُهُمَا وَلَكِنَّهُمَا اسْتَحْسَنَا فَقَالَا هُمَا بِمَنْزِلَةِ
стр. 1504
الْمُكَاتَبَيْنِ فِي الْحَالِ حَتَّى يَكْتَسِبَانِ وَيُنْفِقَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْ كَسْبِهِمَا وَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ عَلَى أَخْذِ الْكَسْبِ مِنْهُمَا وَإِنَّمَا كَانَ مُوجِبُ جِنَايَةِ الْمُكَاتَبِ عَلَى نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ أَحَقَّ بِكَسْبِهِ فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى هُنَا قُلْنَا عَلَيْهِمَا السِّعَايَةُ فِي الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِمَا وَمِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ
وَكَذَلِكَ أَمَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْ الْآخَرِ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ ذَلِكَ فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ تَخْدِمُ الْمُنْكِرَ يَوْمًا وَيُرْفَعُ عَنْهَا يَوْمٌ وَلَا سَبِيلَ لِلْمُقَرِّ عَلَيْهَا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى الْآخَرِ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهَا لِلْمُنْكِرِ لِأَنَّ إقْرَارَ أَحَدِهِمَا عَلَى شَرِيكِهِ بِأُمِّيَّةِ الْوَلَدِ كَشَهَادَتِهِ عَلَيْهِ بِعِتْقِ نَصِيبِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هُنَاكَ يَسْعَى لِلْمُنْكِرِ فِي نَصِيبِهِ فَكَذَلِكَ هُنَا وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ هُنَاكَ تَعَذَّرَ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ لِأَنَّ مَا أَقَرَّ بِهِ لَوْ كَانَ حَقًّا كَانَ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ فِيهَا مُمْتَنِعًا فَلِهَذَا تَخْرُجُ إلَى الْحُرِّيَّةِ بِالسِّعَايَةِ وَهُنَا مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ لَوْ كَانَ حَقًّا لَمْ يَكُنْ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ فِيهَا مُمْتَنِعًا فَلَا مَعْنَى لِإِيجَابِ السِّعَايَةِ عَلَيْهَا لِلْمُنْكِرِ وَلَكِنْ فِي زَعْمِ الْمُنْكِرِ أَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا كَمَا كَانَتْ وَأَنَّ شَرِيكَهُ كَاذِبٌ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا يَوْمًا مِنْ كُلِّ يَوْمَيْنِ كَمَا قَبْلَ هَذَا الْأَوَانِ وَلَيْسَ لِلْمُقِرِّ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا فِي الْيَوْمِ الْآخَرِ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِشَرِيكِهِ وَأَنَّ حَقَّهُ فِي الضَّمَانِ قَبْلَ شَرِيكِهِ وَلَا حَقَّ لَهُ فِي الِاسْتِخْدَامِ فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُقَرِّ عَلَيْهَا سَبِيلٌ وَجِنَايَتُهَا وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهَا تَكُونُ مَوْقُوفَةً فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبَةِ تَسْعَى فِي الْجِنَايَةِ عَلَيْهَا بِأَخْذِ الْأَرْشِ فَتَسْتَعِينُ بِهَا، هَكَذَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا لَمَّا قَضَى عَلَيْهَا بِالسِّعَايَةِ فِي نَصِيبِ الْجَاحِدِ كَانَتْ كَالْمُكَاتَبِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا كَانَتْ مَوْقُوفَةَ الْحَالِ لَا يُقْضَى فِيهَا بِشَيْءٍ فَكَذَلِكَ حُكْمُ جِنَايَتِهَا وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهَا، وَقِيلَ الصَّحِيحُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ نِصْفُ جِنَايَتِهَا عَلَى الْجَاحِدِ لِأَنَّ نِصْفَهَا مَمْلُوكٌ لَهُ مُطْلَقًا حَتَّى يَسْتَخْدِمَهَا بِقَدْرِهِ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ يَتَوَقَّفُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ جِنَايَتُهَا عَلَيْهَا تَسْعَى فِي الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهَا وَمِنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِكَسْبِهَا.
أَلَا تَرَى أَنَّهَا تُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهَا مِنْ كَسْبِهَا وَلَوْ جَعَلْنَاهَا مَوْقُوفَةً فَمَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهَا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ تُجْعَلَ أَحَقَّ بِكَسْبِهَا كَانَ مُوجِبُ جِنَايَتِهَا فِي كَسْبِهَا كَالْمُكَاتَبَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 1505
[بَابُ عِتْقِ مَا فِي الْبَطْنِ]
(قَالَ) رَجُلٌ قَالَ لِجَارِيَتِهِ كُلُّ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ فَمَا وَلَدَتْهُ فِي مِلْكِهِ فَهُوَ حُرٌّ لِأَنَّ مِلْكَ الْأُمِّ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْوَلَدِ فَإِنَّ الْجَنِينَ يَتْبَعُ الْأُمَّ فِي الْمِلْكِ وَقِيَامُ سَبَبِ الْمِلْكِ عِنْدَ التَّعْلِيقِ كَقِيَامِ الْمِلْكِ فِي صِحَّةِ التَّعْلِيقِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْيَمِينِ الْمُضَافِ جُعِلَ التَّعْلِيقُ بِسَبَبِ الْمِلْكِ وَهُوَ الشِّرَاءُ كَالتَّعْلِيقِ بِالْمِلْكِ وَلَوْ كَانَ الْمِلْكُ مَوْجُودًا فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يُلَاقِيهِ وَقْتَ التَّعْلِيقِ كَانَ التَّعْلِيقُ صَحِيحًا فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ سَبَبُ الْمِلْكِ مَوْجُودًا وَلَا يَعْتِقُ مَا لَمْ تَلِدْ لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ الْعِتْقِ الْوِلَادَةَ
وَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى وَهِيَ حُبْلَى ثُمَّ وَلَدَتْهُ لَمْ تَعْتِقْ لِأَنَّهَا صَارَتْ مِلْكًا لِلْوَارِثِ بِالْمَوْتِ فَإِنَّمَا وُجِدَ الشَّرْطُ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِ الْمُعْتِقِ، وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهَا الْمَوْلَى وَهِيَ حُبْلَى جَازَ بَيْعُهُ لِقِيَامِ مِلْكِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى تَسْلِيمِهَا وَإِذَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَعْتِقْ لِأَنَّ الشَّرْطَ وُجِدَ فِي غَيْرِ مِلْكِ الْحَالِفِ
وَإِنْ ضَرَبَ ضَارِبٌ بَطْنَهَا فَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا كَانَ فِيهِ مَا فِي جَنِينِ الْأَمَةِ لِأَنَّهُ مَادَامَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ رَقِيقٌ
وَلَوْ كَانَ قَالَ كُلُّ وَلَدٍ تَحْبَلِينَ بِهِ فَهُوَ حُرٌّ كَانَ فِيهِ مَا فِي جَنِينِ الْحُرِّ لِأَنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ هُنَا وُجُودُ الْحَبَلِ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الضَّرْبِ فَإِنَّمَا وُجِدَتْ جِنَايَةُ الضَّارِبِ عَلَى جَنِينٍ هُوَ حُرٌّ وَإِنْ وَلَدَتْهُ بَعْدَ الْبَيْعِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ حُرٌّ وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِوُجُودِ الْوَلَدِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَحُرِّيَّتِهِ فَإِنَّمَا بَاعَهَا وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ حُرٌّ فَيَكُونُ الْبَيْعُ بَاطِلًا
وَلَوْ قَالَ لَهَا إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَهُوَ حُرٌّ وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ غُلَامَيْنِ وَجَارِيَتَيْنِ، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّ الْغُلَامَ أَوَّلُ مَا وَلَدَتْ فَهُوَ حُرٌّ وَالْبَاقُونَ أَرِقَّاءُ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ الْجَارِيَةَ أَوَّلُ مَا وَلَدَتْ فَهِيَ مَمْلُوكَةٌ وَالْبَاقُونَ مَعَ الْأُمِّ أَحْرَارٌ لِأَنَّ بِوِلَادَةِ الْجَارِيَةِ الْأُولَى عَتَقَتْ الْأَمَةُ وَإِنَّمَا عَتَقَتْ بَعْدَ انْفِصَالِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ عَنْهَا فَكَانَتْ هِيَ مَمْلُوكَةٌ وَالْبَاقُونَ أَحْرَارٌ لِأَنَّهُمْ انْفَصَلُوا مِنْهَا بَعْدَ حُرِّيَّتِهَا وَالْوَلَدُ لَا يَنْفَصِلُ مِنْ الْحُرَّةِ إلَّا حُرًّا وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمْ أَوَّلٌ يَعْتِقُ مِنْ الْأُمِّ نِصْفُهَا لِأَنَّهَا تَعْتِقُ فِي حَالٍ وَتُرَقُّ فِي حَالٍ وَيَعْتِقُ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغُلَامَيْنِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا حُرٌّ بِيَقِينٍ فَإِنَّهَا إنْ وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا فَهَذَا الْغُلَامُ حُرٌّ وَإِنْ وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا فَالْغُلَامَانِ يَعْتِقَانِ بِعِتْقِ الْأُمِّ فَأَحَدُهُمَا حُرٌّ بِيَقِينٍ وَالْآخَرُ يَعْتِقُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ فَيَعْتِقُ نِصْفُهُ، ثُمَّ حُرِّيَّةٌ وَنِصْفٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ إذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَيَعْتِقُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَيَسْعَى فِي رُبْعِ قِيمَتِهِ وَيَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجَارِيَتَيْنِ رُبْعُهَا لِأَنَّ إحْدَاهُمَا أَمَةٌ بِيَقِينٍ وَالْأُخْرَى تَعْتِقُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ فَإِنَّهَا إنْ
стр. 1506
وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا فَالْجَارِيَتَانِ مَمْلُوكَتَانِ وَإِنْ وَلَدَتْ إحْدَى الْجَارِيَتَيْنِ أَوَّلًا فَهَذِهِ مَمْلُوكَةٌ وَالْأُخْرَى حُرَّةٌ فَإِذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا تَعْتِقُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ يَعْتِقُ نِصْفُهَا وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْأُخْرَى فَكَانَ نِصْفُ الْحُرِّيَّةِ بَيْنَهُمَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا رُبْعُ حُرِّيَّةٍ وَتَسْعَى كُلُّ وَاحِدَةٍ فِي ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ الْقِيمَةِ وَإِنْ تَصَادَقَ الْأُمُّ وَالْمَوْلَى عَلَى أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ أَوَّلٌ عَتَقَ مَا تَصَادَقَا عَلَيْهِ وَالْبَاقُونَ أَرِقَّاءُ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُمَا وَالْقَوْلُ قَوْلُ ذِي الْيَدِ فِيمَنْ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فِي رَقِّهِ وَحُرِّيَّتِهِ، فَإِنْ تَصَادَقَا عَلَى شَيْءٍ وَجَبَ الْأَخْذُ بِمَا تَصَادَقَا عَلَيْهِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الْمُعْتِقَ هُوَ الْمَوْلَى فَكَانَ قَوْلُهُ فِي بَيَانِ مَنْ عَتَقَ مَقْبُولًا مَعَ يَمِينِهِ إنْ ادَّعَتْ الْأُمُّ خِلَافَ ذَلِكَ لِأَنَّهَا تَدَّعِي عَلَيْهِ مَا لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ وَإِنَّمَا يُسْتَحْلَفُ عَلَى الْعِلْمِ بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا لِأَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ عَلَى فِعْلِهَا وَالِاسْتِحْلَافُ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ يَكُونُ عَلَى الْعِلْمِ
وَإِذَا قَالَ لَهَا إنْ كَانَ حَمْلُك غُلَامًا فَأَنْتَ حُرَّةٌ وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَهِيَ حُرَّةٌ فَكَانَ حَمْلُهَا غُلَامًا وَجَارِيَةً لَمْ يَعْتِقْ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِأَنَّ الْحَمْلَ اسْمٌ لِجَمِيعِ مَا فِي الْبَطْنِ قَالَ تَعَالَى ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَالْعِدَّةُ لَا تَنْقَضِي إلَّا بِوَضْعِ جَمِيعِ مَا فِي الْبَطْنِ فَإِنَّمَا جُعِلَ شَرْطُ عِتْقِهَا كَوْنَ جَمِيعِ مَا فِي الْبَطْنِ غُلَامًا وَشَرْطُ عِتْقِ الْجَارِيَةِ كَوْنَهَا جَمِيعَ مَا فِي الْبَطْنِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ إنْ كَانَ مَا فِي بَطْنِك لِأَنَّ مَا هُوَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ فَهُوَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ مَا فِي بَطْنِهَا بِتِلْكَ الصِّفَةِ، وَلَوْ كَانَ قَالَ فِي الْكَلَامَيْنِ إنْ كَانَ فِي بَطْنِك عَتَقَتْ الْجَارِيَةُ وَالْغُلَامُ لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ عِتْقِهَا وُجُودَ الْغُلَامِ فِي بَطْنِهَا وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا وَالتَّعْلِيقُ بِشَرْطٍ مَوْجُودٍ يَكُونُ تَنْجِيزًا فَعَلِمْنَا أَنَّهَا عَتَقَتْ قَبْلَ انْفِصَالِ الْوَلَدَيْنِ عَنْهَا فَيَعْتِقُ الْوَلَدَانِ جَمِيعًا
وَإِذَا قَالَ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَهِيَ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْهُمَا جَمِيعًا، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّ الْغُلَامَ أَوَّلٌ عَتَقَتْ هِيَ مَعَ ابْنَتِهَا وَالْغُلَامِ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهَا وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا عَتَقَتْ الْجَارِيَةُ وَالْأُمُّ مَعَ الْغُلَامِ رَقِيقَانِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ وَاتَّفَقَ الْأُمُّ وَالْمَوْلَى عَلَى شَيْءٍ فَكَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَدَ لَهُمَا وَإِنْ قَالَا لَا نَدْرِي فَالْغُلَامُ رَقِيقٌ وَالِابْنَةُ حُرَّةٌ وَيَعْتِقُ نِصْفُ الْأُمِّ لِأَنَّهَا إنْ وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا فَهِيَ حُرَّةٌ وَالْغُلَامُ رَقِيقٌ وَإِنْ وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا فَالْجَارِيَةُ حُرَّةٌ وَالْغُلَامُ وَالْأُمُّ رَقِيقَانِ فَالْأُمُّ تَعْتِقُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ فَيَعْتِقُ نِصْفُهَا وَالْغُلَامُ عَبْدٌ بِيَقِينٍ وَالْجَارِيَةُ حُرَّةٌ بِيَقِينٍ إمَّا أَنْ تَعْتِقَ بِنَفْسِهَا أَوْ بِعِتْقِ الْأُمِّ
وَلَوْ كَانَ قَالَ إنْ كَانَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً، فَإِنْ وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا فَالْغُلَامُ رَقِيقٌ وَالْأُمُّ وَالْجَارِيَةُ حُرَّتَانِ وَإِنْ وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا فَهُمْ أَرِقَّاءُ فَالْأُمُّ
стр. 1507
تَعْتِقُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ فَيَعْتِقُ نِصْفُهَا، وَكَذَلِكَ الْجَارِيَةُ وَالْغُلَامُ رَقِيقٌ بِيَقِينٍ وَذُكِرَ فِي الْكَيْسَانِيَّاتِ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِعِتْقِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَكِنْ يَحْلِفُ الْمَوْلَى بِاَللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا، فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ فَنُكُولُهُ كَإِقْرَارِهِ وَإِنْ حَلَفَ فَهُمْ أَرِقَّاءُ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِحُرِّيَّةِ بَعْضِهِمْ، وَاعْتِبَارُ الْأَحْوَالِ بَعْدَ التَّيَقُّنِ بِالْحُرِّيَّةِ صَحِيحٌ وَهُنَا لَمْ يُتَيَقَّنْ بِشَيْءٍ مِنْ الْحُرِّيَّةِ لِجَوَازِ أَنَّهَا وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا فَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ الْأَحْوَالِ وَلَكِنَّهَا تَدَّعِي عَلَيْهِ شَرْطَ الْعِتْقِ وَهُوَ مُنْكِرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ
وَلَوْ قَالَ مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ فَوَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَا يَعْتِقُ وَإِنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ عَتَقَ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ الْعِتْقَ لِمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي بَطْنِهَا وَإِذَا وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَقَدْ تَيَقَّنَّا أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فَأَمَّا إذَا وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا لَمْ نَتَيَقَّنْ أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا وَالْعُلُوقُ يُضَافُ إلَى أَدْنَى مُدَّةِ الْحَمْلِ إلَّا فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ وَإِنْ وَلَدَتْ وَاحِدًا لِأَقَلَّ مِنْهَا بِيَوْمٍ وَالْآخَرَ لِأَكْثَرَ مِنْهَا بِيَوْمٍ عَتَقَا لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِوُجُودِ الْأَوَّلِ فِي بَطْنِهَا وَقْتَ الْيَمِينِ حِينَ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَهُمَا تَوْأَمٌ وَاحِدٌ خُلِقَا مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ فَالْحُكْمُ بِوُجُودِ أَحَدِهِمَا فِي الْبَطْنِ فِي وَقْتٍ حُكْمٌ بِوُجُودِهِمَا
وَإِذَا أَعْتَقَ أُمَّتَهُ وَلَهَا زَوْجٌ حُرٌّ فَوَلَدَتْ وَلَدًا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا بَعْدَ الْعِتْقِ فَنَفَاهُ الزَّوْجُ لَاعَنَ وَلَزِمَ الْوَلَدُ أُمَّهُ لِأَنَّ الْحِلَّ قَائِمٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فَإِنَّمَا يَسْتَنِدُ الْعُلُوقُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ وَهُوَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَتَبَيَّنَ أَنَّهَا عَلِقَتْ بِهِ فِي حَالٍ هُمَا أَهْلُ اللِّعَانِ فَيُقْطَعُ النَّسَبُ عَنْهُ بِاللِّعَانِ وَيَكُونُ وَلَاؤُهُ لِمَوَالِي الْأُمِّ لِأَنَّهُ لَا نَسَبَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ وَإِنْ وَضَعَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَزِمَ أَبَاهُ وَلَاعَنَ، أَمَّا اللِّعَانُ فَلِأَنَّهُ قَذَفَهَا فِي الْحَالِ وَهِيَ مُحْصَنَةٌ وَأَمَّا لُزُومُ الْوَلَدِ أَبَاهُ فَلِأَنَّا تَيَقَّنَّا أَنَّ الْعُلُوقَ كَانَ قَبْلَ الْعِتْقِ وَهِيَ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ اللِّعَانِ فَلَزِمَهُ نَسَبُ الْوَلَدِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْلِكُ نَفْيَهُ فَلَا يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ بِالْعِتْقِ بَعْدَهُ وَوَلَاءُ الْوَلَدِ لِمَوَالِي الْأُمِّ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي الْبَطْنِ حِينَ أَعْتَقَ الْأُمَّ فَصَارَ الْوَلَدُ مَقْصُودًا بِالْعِتْقِ وَلَهُ وَلَاءُ نَفْسِهِ
وَلَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ إنْ كُنْت حُبْلَى فَأَنْتِ حُرَّةٌ، فَإِنْ وَلَدَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَهِيَ حُرَّةٌ وَوَلَدُهَا لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُنْجِزًا عِتْقَهَا بِالتَّعْلِيقِ بِشَرْطٍ مَوْجُودٍ وَإِنْ وَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ تَعْتِقْ لِأَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ بِوُجُودِ الشَّرْطِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْوَلَدُ مِنْ عُلُوقٍ حَادِثٍ وَمَا لَمْ نَتَيَقَّنْ بِوُجُودِ الشَّرْطِ لَا يَنْزِلُ الْجَزَاءُ
وَلَوْ قَالَ لَهَا مَا فِي بَطْنِك حُرٌّ فَضَرَبَ رَجُلٌ بَطْنَهَا بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَفِيهِ مَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ لِأَنَّا عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا فِي بَطْنِهَا حِينَ قَالَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ حُكِمَ بِعِتْقِهِ
стр. 1508
فَإِنْ قِيلَ) فَلَعَلَّهُ كَانَ مَيِّتًا وَإِعْتَاقُ الْمَيِّتِ بَاطِلٌ (قُلْنَا) قَدْ ظَهَرَ لِمَوْتِهِ سَبَبٌ وَهُوَ الضَّرْبُ فَيُحَالُ بِالْحُكْمِ عَلَيْهِ وَلَمَّا حَكَمْنَا بِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى الضَّارِبِ فَقَدْ حَكَمْنَا بِحَيَاتِهِ إلَى هَذَا الْوَقْتِ فَعَلَى الْجَانِي مَا فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ
وَلَوْ قَالَ لَهَا إنْ كَانَ أَوَّلُ مَا تَلِدِينَهُ غُلَامًا ثُمَّ جَارِيَةً فَأَنْتِ حُرَّةٌ وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً ثُمَّ غُلَامًا فَالْغُلَامُ حُرٌّ فَوَلَدَتْ غُلَامَيْنِ وَجَارِيَتَيْنِ لَا يُعْلَمُ أَيُّهُمَا أَوَّلٌ عَتَقَ نِصْفُ الْأُمِّ وَرُبْعُ الْأَوْلَادِ لِأَنَّهَا إنْ وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا ثُمَّ الْجَارِيَةَ فَالْأُمُّ حُرَّةٌ وَإِنْ وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا ثُمَّ الْغُلَامَ فَالْأُمُّ رَقِيقَةٌ فَهِيَ تَعْتِقُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ فَيَعْتِقُ نِصْفُهَا وَأَحَدُ الْغُلَامَيْنِ رَقِيقٌ بِيَقِينٍ وَالْآخَرُ يَعْتِقُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ فَيَعْتِقُ رُبْعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَا يُقَالُ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّهَا وَلَدَتْ الْغُلَامَيْنِ أَوَّلًا ثُمَّ الْجَارِيَتَيْنِ لِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ وِلَادَةِ الْغُلَامِ أَوَّلًا ثُمَّ الْجَارِيَةِ، وَإِذَا وَلَدَتْ الْجَارِيَتَيْنِ أَوَّلًا ثُمَّ الْغُلَامَيْنِ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ وِلَادَةِ الْجَارِيَةِ أَوَّلًا ثُمَّ الْغُلَامِ لِأَنَّ الشَّرْطَ وِلَادَةُ الْغُلَامِ بَعْدَ وِلَادَةِ الْجَارِيَةِ وَقَدْ وُجِدَ سَوَاءٌ تَخَلَّلَ بَيْنَهُمَا وِلَادَةُ جَارِيَةٍ أُخْرَى أَوْ لَمْ يَتَخَلَّلْ
وَإِنْ وَلَدَتْ غُلَامًا وَجَارِيَةً فِي بَطْنٍ لَا يُعْلَمُ أَيُّهُمَا أَوَّلٌ عَتَقَ نِصْفُ الْأُمِّ وَنِصْفُ الْغُلَامِ لِأَنَّ الْأُمَّ تَعْتِقُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، وَكَذَلِكَ الْغُلَامُ فَيَعْتِقُ نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَالِابْنَةُ أَمَةٌ لِأَنَّهَا إنْ وَلَدَتْ الْغُلَامَ أَوَّلًا ثُمَّ الْجَارِيَةَ فَإِنَّمَا عَتَقَتْ الْأُمُّ بَعْدَ انْفِصَالِ الْجَارِيَةِ فَهِيَ أَمَةٌ وَإِنْ وَلَدَتْ الْجَارِيَةَ أَوَّلًا فَهِيَ أَمَةٌ فَعَرَفْنَا أَنَّ رِقَّهَا مُتَعَيَّنٌ
وَإِنْ قَالَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ وَلَدًا مَيِّتًا عَتَقَتْ لِأَنَّ الْمَيِّتَ وَلَدٌ كَالْحَيِّ.
أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَارِيَةَ تَصِيرُ بِهِ أُمَّ وَلَدٍ وَالْمَرْأَةَ تَصِيرُ بِهِ نُفَسَاءَ فَيَتِمُّ شَرْطُ عِتْقِهَا بِوِلَادَتِهِ وَلَوْ كَأَنْ قَالَ هُوَ حُرٌّ لَا يَنْحَلُّ يَمِينُهُ بِوِلَادَةِ الْمَيِّتِ حَتَّى إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا حَيًّا بَعْدَ ذَلِكَ عَتَقَ الْوَلَدُ الْحَيُّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَمْ يَعْتِقْ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، وَجْهُ قَوْلِهِمَا إنَّ انْحِلَالَ شَرْطِ الْيَمِينِ تَحَقَّقَ بِوِلَادَةِ الْوَلَدِ الْمَيِّتِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ انْحِلَالِ الْيَمِينِ نُزُولُ الْجَزَاءِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَوَّلُ عَبْدٍ أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَى عَبْدًا لِغَيْرِهِ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى بَعْدَ ذَلِكَ عَبْدًا لِنَفْسِهِ لَمْ يَعْتِقْ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ وَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ فَوَلَدَتْ وَلَدًا مَيِّتًا وَقَعَ الطَّلَاقُ ثُمَّ عِنْدَكُمْ وَلَوْ وَلَدَتْ وَلَدًا حَيًّا بَعْدَ ذَلِكَ يَعْتِقُ الْحَيُّ وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّ الشَّرْطَ إنْ صَارَ مَوْجُودًا بِوِلَادَةِ الْمَيِّتِ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ وَإِنْ لَمْ يَصِرْ مَوْجُودًا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الْحَيَّ ثَانِي وَلَدٍ حَتَّى لَوْ قَالَ ثَانِي وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ يَعْتِقُ هَذَا وَلَا يَكُونُ الشَّخْصُ الْوَاحِدُ أَوَّلًا وَثَانِيًا. وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا حُكِيَ
стр. 1509
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ الْوَلَدُ الْمَيِّتُ وَلَدٌ فِي حَقِّ الْغَيْرِ حَتَّى أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِهِ وَالْجَارِيَةُ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ وَلَيْسَ بِوَلَدٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ حَتَّى لَا يُسَمَّى وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ الْجَزَاءُ عِتْقَ الْأُمِّ أَوْ طَلَاقَ الْمَرْأَةِ كَانَ الْمَيِّتُ وَلَدًا فِيهِ وَإِذَا كَانَ الْجَزَاءُ عِتْقَ الْوَلَدِ لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ وَلَدًا فِيهِ وَلَكِنْ هَذَا تَشَهٍّ وَمَعَ أَنَّهُ تَشَهٍّ لَا مَعْنَى لَهُ فَإِنَّهُ يُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ وَلَدًا فِي حَقِّ الْمَوْلَى حَتَّى يَنْحَلَّ يَمِينُهُ بِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ وَلَدًا فِي حَقِّ الْوَلَدِ الثَّانِي حَتَّى لَا يَعْتِقَ فَالْوَجْهُ الصَّحِيحُ أَنْ يَقُولَ جَازَى بِكَلَامِهِ مَا لَا يُجَازَى بِهِ إلَّا الْحَيُّ فَتَصِيرُ الْحَيَاةُ مُدْرَجَةً فِي كَلَامِهِ وَيَكُونُ الْمُضْمَرُ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ حَيًّا فَهُوَ حُرٌّ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ كَلَامَ الْعَاقِلِ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ مَا أَمْكَنَ وَلَا يَصِحُّ هَذَا الْكَلَامُ إلَّا بِإِضْمَارِ الْحَيَاةِ فِي الْوَلَدِ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ إحْدَاثُ الْقُوَّةِ وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي الْحَيِّ دُونَ الْمَيِّتِ فَتَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ " فَهُوَ حُرٌّ " أَنَّ حَيَاةَ الْوَلَدِ مُضْمَرٌ فِي كَلَامِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا مَيِّتًا فَهُوَ حُرٌّ كَانَ كَلَامُهُ لَغْوًا وَبِهِ فَارَقَ الطَّلَاقَ وَعِتْقَ الْأُمِّ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ فِي تَصْحِيحِ ذَلِكَ الْكَلَامِ إلَى إضْمَارِ الْحَيَاةِ فِي الْوَلَدِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِمَوْتِ الْوَلَدِ كَانَ التَّعْلِيقُ صَحِيحًا ثُمَّ مَا ثَبَتَ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ يُجْعَلُ ثَابِتًا لِلْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ فَفِيمَا تَتَحَقَّقُ فِيهِ الْحَاجَةُ يُجْعَلُ مَدْرَجًا فِي كَلَامِهِ وَفِيمَا لَا تَتَحَقَّقُ فِيهِ الْحَاجَةُ لَا يُجْعَلُ مُدْرَجًا وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ وَاحِدًا ثُمَّ يُحْكَمَ بِوُجُودِهِ فِي بَعْضِ الْجَزَاءِ دُونَ الْبَعْضِ كَمَا لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إذَا حِضْت فَأَنْتِ طَالِقٌ وَفُلَانَةُ مَعَك فَقَالَتْ حِضْت تُصَدَّقُ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا دُونَ ضَرَّتِهَا وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْحَيَاةَ مُدْرَجَةٌ فِي كَلَامِهِ فَاَلَّذِي وَلَدَتْهُ بَعْدَ الْمَيِّتِ أَوَّلُ وَلَدٍ حَيٍّ وَإِنْ كَانَ فِي الصُّورَةِ ثَانِي وَلَدٍ وَلَيْسَ هَذَا كَقَوْلِهِ أَوَّلُ عَبْدٍ أَشْتَرِيهِ فَهُوَ حُرٌّ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لِغَيْرِهِ مَحَلٌّ لِلْعِتْقِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعِتْقَ يَنْفُذُ فِيهِ مِنْ مِلْكِهِ وَمِنْ الْمُشْتَرِي مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَةِ مَالِكِهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى إضْمَارِ الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ لِتَصْحِيحِ الْكَلَامِ وَهَهُنَا الْمَيِّتُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْعِتْقِ أَصْلًا فَلِهَذَا جَعَلْنَا الْحَيَاةَ مُدْرَجَةً فِي كَلَامِهِ
وَإِنْ قَالَ أَوَّلُ وَلَدٍ تَلِدِينَهُ فَهُوَ حُرٌّ فَوَلَدَتْ وَلَدًا وَشَهِدَتْ امْرَأَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ وَكَذَّبَهَا الْمَوْلَى وَقَالَ هَذَا عَبْدِي مِنْ غَيْرِهَا لَمْ يَعْتِقْ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَعْتِقُ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الطَّلَاقِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ مَا هُوَ مِنْ أَحْكَامِ الْوِلَادَةِ عَلَى الْخُصُوصِ وَالْعِتْقُ لَيْسَ مِنْ أَحْكَامِ الْوِلَادَةِ عَلَى الْخُصُوصِ وَعِنْدَهُمَا لَمَّا قُبِلَتْ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ فِي حَقِّ نَسَبِ الْوَلَدِ
стр. 1510
فَكَذَلِكَ تُقْبَلُ فِيمَا جُعِلَ بِنَاءً عَلَى الْوِلَادَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ كَانَ بِهَا حَبْلٌ فَهُوَ مِنِّي ثُمَّ جَاءَتْ امْرَأَةٌ تَشْهَدُ عَلَى الْوِلَادَةِ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ بِيَوْمٍ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَبِالِاسْتِيلَادِ يَثْبُتُ حَقُّ الْحُرِّيَّةِ وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُفَرِّقُ فَيَقُولُ الِاسْتِيلَادُ مِنْ أَحْكَامِ نَسَبِ الْوَلَدِ فَأَمَّا هَذَا الْعِتْقُ لَيْسَ مِنْ حُكْمِ الْوِلَادَةِ وَشَهَادَةُ الْقَابِلَةِ حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَلَا تَكُونُ حُجَّةً إلَّا فِيمَا هُوَ فِي حُكْمِ الْوِلَادَةِ
وَإِنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ حُبْلَى فَإِذَا وَلَدْت فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَشَهِدَتْ امْرَأَةٌ عَلَى الْوِلَادَةِ عَتَقَتْ لَا بِشَهَادَةِ الْقَابِلَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَلْ بِمُجَرَّدِ قَوْلِ الْأَمَةِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِأَنَّهَا حُبْلَى فَقَدْ جَعَلَ شَرْطَ وُقُوعِ الْعِتْقِ عَلَيْهَا ظُهُورَ مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي بَطْنِهَا وَقَدْ ظَهَرَ بِقَوْلِهَا كَمَا إذَا قَالَ لَهَا إذَا حِضْت فَأَنْتِ حُرَّةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَا فِي الطَّلَاقِ
وَإِذَا قَالَ لَهَا إذَا حَبِلْت فَأَنْتِ حُرَّةٌ ثُمَّ وَطِئَهَا فَيَنْبَغِي لَهُ فِي الْوَرَعِ وَالتَّنَزُّهِ أَنْ يَعْتَزِلَهَا حَتَّى يَعْلَمَ أَحَامِلٌ هِيَ أَمْ لَا لِأَنَّ سَبَبَ الْحَبَلِ هُوَ الْوَطْءُ فَبَعْدَ مَا وَطِئَهَا يُحْتَمَلُ أَنَّهَا قَدْ حَبِلَتْ وَقَدْ عَتَقَتْ فَلَوْ وَطِئَهَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ وَالتَّحَرُّزُ عَنْ الْحَرَامِ وَاجِبٌ فَلِهَذَا نَأْمُرُهُ عَلَى طَرِيقِ التَّنَزُّهِ أَنْ يَعْتَزِلَهَا فَإِذَا حَاضَتْ عَلِمْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَامِلٍ فَيَطَأَهَا مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ مَا تَطْهُرُ وَهَكَذَا دَأْبُهُ وَدَأْبُهَا، وَإِنْ وَلَدَتْ بَعْدَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ لِأَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَقَدْ وَطِئَهَا قَبْلَ الْوِلَادَةِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَعَلَيْهِ الْعُقْرُ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِوُجُودِ شَرْطِ الْعِتْقِ بَعْدَ الْيَمِينِ وَتَيَقَّنَّا بِأَنَّهُ وَطِئَهَا بَعْدَ مَا عَلِقَتْ فَإِنَّمَا وَطِئَهَا وَهِيَ حُرَّةٌ بِالشُّبْهَةِ فَعَلَيْهِ الْعُقْرُ وَإِنْ وَلَدَتْهُ لِأَقَلَّ مِنْ سَنَتَيْنِ لَمْ تَعْتِقْ لِأَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ بِوُجُودِ الشَّرْطِ وَهُوَ الْحَبَلُ بَعْدَ الْيَمِينِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْوَلَدُ مِنْ عُلُوقٍ كَانَ قَبْلَ الْيَمِينِ (فَإِنْ قِيلَ) فَأَيْنَ ذَهَبَ قَوْلُكُمْ أَنْ يَسْتَنِدَ الْعُلُوقُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ؟ (قُلْنَا) نَعَمْ يَسْتَنِدُ الْعُلُوقُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إثْبَاتُ الْعِتْقِ بِالشَّكِّ لِأَنَّ الْعِتْقَ بِالشَّكِّ لَا يَنْزِلُ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ فِي الرَّجْعَةِ فِي الطَّلَاقِ
وَإِذَا قَالَ لِأَمَتَيْهِ مَا فِي بَطْنِ إحْدَاكُمَا حُرٌّ فَلَهُ أَنْ يُوقِعَ عَلَى أَيِّهِمَا شَاءَ لِأَنَّ مَا فِي الْبَطْنِ فِي حُكْمِ الْعِتْقِ كَالْمُنْفَصِلِ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْمُنْفَصِلِ أَنَّهُ لَوْ أَوْجَبَ الْعِتْقَ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَانَ الْبَيَانُ إلَيْهِ فَكَذَلِكَ فِيمَا فِي الْبَطْنِ، فَإِنْ ضَرَبَ إنْسَانٌ بَطْنَ أَحَدِهِمَا فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَقَعَ الْعِتْقُ عَلَى مَا فِي بَطْنِ الْأُخْرَى لِأَنَّ الَّذِي انْفَصَلَ مَيِّتًا خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْعِتْقِ وَمُزَاحِمًا لِلْآخَرِ فِيمَا أَوْجَبَ فَيَتَعَيَّنُ الْعِتْقُ فِي الْآخَرِ ضَرُورَةً وَلَوْ ضَرَبَ بَطْنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا رَجُلٌ مَعًا فَأَلْقَتَا جَنِينَيْنِ مَيِّتَيْنِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مُنْذُ تَكَلَّمَ بِالْعِتْقِ كَانَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا فِي جَنِينِ الْأَمَةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَنِينَيْنِ كَانَ مَمْلُوكًا يَقِينًا وَبَعْدَ إيجَابِ الْعِتْقِ فِي الْمَجْهُولِ بَقِيَا كَذَلِكَ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْمُنْفَصِلَيْنِ أَنَّهُ لَوْ قَتَلَ
следующие страницы →