← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 5423

المبسوط للسرخسي

شمس الأئمة السرخسي

Полный текст (6 278 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

التِّجَارَةِ فَلَحِقَهُ دَيْنٌ، ثُمَّ مَاتَتْ كَانَ غُرَمَاءُ الْعَبْدِ أَحَقَّ بِمَالِيَّةِ الرَّقَبَةِ مِنْ غُرَمَائِهَا فَكَذَلِكَ الْوَلَدُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ لَهَا بَعْدَ مَا يَفْرُغُ مِنْ حَاجَتِهِ فَإِنَّ حَاجَةَ الْمُكْتَسِبِ فِي كَسْبِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَاجَةِ غَيْرِهِ. مُكَاتَبَةٌ وَلَدَتْ بِنْتًا فَكَبِرَتْ وَارْتَدَّتْ وَلَحِقَتْ بِالدَّارِ، ثُمَّ أُسِرَتْ لَمْ تَكُنْ فَيْئًا؛ لِأَنَّهَا مُكَاتَبَةٌ تَبَعٌ لِأُمِّهَا وَالْمُكَاتَبَةُ لَا تُمْلَكُ بِالْأَسْرِ فَتُحْبَسُ حَتَّى تَتُوبَ أَوْ تَمُوتَ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُمُّ هِيَ الَّتِي فَعَلَتْ ذَلِكَ وَبِهَذَا وَنَحْوِهِ يَتَبَيَّنُ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ أَحَدًا لَا يَتَكَاتَبُ عَلَى أَحَدٍ فَإِنَّ الِابْنَةَ لَوْ لَمْ تَصِرْ مُكَاتَبَةً حَقِيقَةً لَصَارَتْ فَيْئًا بِالْأَسْرِ فَإِنْ مَاتَتْ الْمُكَاتَبَةُ عَنْ غَيْرِ وَفَاءٍ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُخْرِجُ الِابْنَةَ مِنْ الْحَبْسِ حَتَّى تَسْعَى فِيمَا عَلَى أُمِّهَا؛ لِأَنَّ حَبْسَهَا لِحَقِّ الشَّرْعِ، وَحَقُّ الْأَمَةِ وَالْمَوْلَى فِيهَا، وَفِي سِعَايَتِهَا مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الشَّرْعِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمَةَ إذَا ارْتَدَّتْ لَمْ تُحْبَسْ وَلَكِنَّهَا تُدْفَعُ إلَى الْمَوْلَى يَسْتَخْدِمُهَا وَيَحْبِسُهَا فَكَذَلِكَ الِابْنَةُ هُنَا تَخْرُجُ لِتَسْعَى فِيمَا عَلَى أُمِّهَا مُكَاتَبَةٌ وَلَدَتْ وَلَدًا، ثُمَّ قَتَلَهَا الْوَلَدُ فَقَتْلُهَا بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ جِنَايَتِهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا فَكَأَنَّهَا جَنَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَلِأَنَّهُ لَوْ جَنَى عَلَى غَيْرِهَا كَانَ مُوجِبُ جِنَايَتِهِ فِي كَسْبِهِ وَكَسْبُهُ لَهَا فَلَوْ وَجَبَ لَهَا بِجِنَايَتِهِ شَيْءٌ إنَّمَا يَجِبُ فِيمَا هُوَ مِنْ حَقِّهَا فَلَا يَكُونُ مُفِيدًا وَإِنْ جَنَتْ الْأُمُّ جِنَايَةً عَلَى إنْسَانٍ، ثُمَّ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهَا بِشَيْءٍ سَعَى الْوَلَدُ فِي الْجِنَايَةِ وَالْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهَا، وَهِيَ فِي حَيَاتِهَا كَانَتْ تَسْعَى فِيهَا فَإِنْ عَجَزَ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ الْقَاضِي قَضَى لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ بِالْقِيمَةِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الدَّيْنِ عَلَى الْوَلَدِ يُبَاعُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ الْقَاضِي لَمْ يَقْضِ لِوَلِيِّ الْجِنَايَةِ بِشَيْءٍ بَطَلَتْ الْجِنَايَةُ بِعَجْزِهِ كَمَا لَوْ عَجَزَتْ فِي حَالِ حَيَاتِهَا قَبْلَ قَضَاءِ الْقَاضِي، ثُمَّ مَاتَتْ وَهَذَا؛ لِأَنَّ حَقَّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فِي رَقَبَتِهَا وَإِنَّمَا يَصِيرُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا بِقَضَاءِ الْقَاضِي فَإِذَا مَاتَتْ قَبْلَ الْقَضَاءِ بَطَلَ حَقُّهُ لِفَوَاتِ مَحِلِّهِ فَكَذَلِكَ هُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ مُكَاتَبَةِ الرَّجُلَيْنِ] (قَالَ): وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلَانِ عَبْدَهُمَا مُكَاتَبَةً وَاحِدَةً فَأَدَّى إلَى أَحَدِهِمَا حِصَّتَهُ لَمْ يَعْتِقْ نَصِيبَهُ مِنْهُ مَا لَمْ يُؤَدِّ جَمِيعَ الْمُكَاتَبَةِ إلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَاحِدٌ فِي حَقِّ الْمُكَاتَبِ فَلَا يَعْتِقُ شَيْءٌ مِنْهُ بِأَدَاءِ بَعْضِ الْبَدَلِ كَمَا لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ غَيْرُ سَالِمٍ لِلْقَابِضِ بَلْ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ نِصْفَهُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ وَجَبَ لَهُمَا بِسَبَبٍ وَاحِدٍ عِوَضًا عَمَّا هُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا فَكَانَ أَدَاؤُهُ إلَى أَحَدِهِمَا كَأَدَائِهِ إلَيْهِمَا وَإِنْ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِنَصِيبِهِ مُتَمَكِّنٌ مِنْ إعْتَاقِهِ

стр. 1647

بَعْدَ الْكِتَابَةِ كَمَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إنْ وَهَبَ لَهُ نَصِيبَهُ مِنْ الْمُكَاتَبَةِ أَوْ أَبْرَأَهُ عَنْهُ عَتَقَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَالِكًا لِجَمِيعِهِ كَانَ مُعْتِقًا لَهُ بِإِبْرَائِهِ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَلِ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مَالِكًا لِبَعْضِهِ كَانَ مُعْتِقًا لِحِصَّتِهِ بِإِبْرَائِهِ إيَّاهُ عَنْ حِصَّتِهِ مِنْ الْبَدَلِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَالَ لَهُ أَنْتَ حُرٌّ بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَوْفَى حِصَّتَهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَا أَسْقَطَ بِالْهِبَةِ وَالْإِبْرَاءِ نَصِيبُهُ خَاصَّةً فَيَتَحَقَّقُ بِهِ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ عَنْ نَصِيبِهِ فَأَمَّا الْمُسْتَوْفِي لَيْسَ بِنَصِيبِهِ خَاصَّةً حَتَّى كَانَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يُشَارِكَهُ فَلَا يَتِمُّ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ عَنْ نَصِيبِهِ بِهَذَا الِاسْتِيفَاءِ وَكَذَلِكَ إنْ سَلَّمَ الشَّرِيكُ لِلْقَابِضِ مَا قَبَضَ أَوْ كَانَ قَبَضَ نَصِيبَهُ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ سَلَامَةُ الْمَقْبُوضِ لَهُ بِهَذَا أَيْضًا حَتَّى لَوْ عَجَزَ الْغُلَامُ كَانَ الْمَأْخُوذُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَلَّمَ الْمَقْبُوضَ بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ لَهُ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ فَإِذَا فَاتَ شَرْطُهُ بِالْعَجْزِ رَجَعَ بِنِصْفِ مَا قَبَضَ كَالْمُحَالِ عَلَيْهِ إذَا مَاتَ مُفْلِسًا يَعُودُ الدَّيْنُ إلَى ذِمَّةِ الْمُحِيلِ، ثُمَّ الْمُكَاتَبُ بِالْخِيَارِ بَعْدَ إعْتَاقِ أَحَدِهِمَا إيَّاهُ إنْ شَاءَ عَجَزَ وَيَكُونُ الشَّرِيكُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ التَّضْمِينِ وَالسِّعَايَةِ فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ وَالْعِتْقِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَبَيْنَ الْعِتْقِ وَالسِّعَايَةِ إنْ كَانَ الْمُعْتَقُ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّهُ بِتَعْجِيزِهِ نَفْسَهُ انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ يُعْتِقُهُ أَحَدُهُمَا وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَضْمَنُ الْمُعْتِقُ نِصْفَ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ مُعْسِرًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ فِي الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَضْمَنُ الْأَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ وَنِصْفِ مَا بَقِيَ مِنْ الْكِتَابَةِ وَكَذَلِكَ يَسْعَى الْعَبْدُ فِي الْأَقَلِّ عِنْدَ عُسْرَةِ الْمُعْتِقِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ وَالسِّعَايَةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الشَّرِيكِ وَيَنْدَفِعُ الضَّرَرُ عَنْهُ بِإِيجَابِ الْأَقَلِّ كَأَنَّ حَقَّهُ وَقْتَ الْإِعْتَاقِ كَانَ فِي الْأَقَلِّ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُعْتِقُ نَصِيبَهُ بِاتِّصَالِ ذَلِكَ إلَيْهِ وَالضَّرَرُ يَنْدَفِعُ عَنْهُ بِاتِّصَالِ حَقِّهِ إلَيْهِ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ اعْتِبَارُ الْأَقَلِّ بِحُكْمِ بَقَاءِ الْكِتَابَةِ وَحِينَ عَجَزَ نَفْسُهُ فَقَدْ انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ فَكَانَ حَقُّ السَّاكِتِ فِي نِصْفِ الْعَبْدِ عَيْنًا وَلَا يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ عَنْهُ إلَّا بِاتِّصَالِ نِصْفِ الْقِيمَةِ إلَيْهِ وَلَا مَعْنَى لِاعْتِبَارِ الْأَقَلِّ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ اخْتَارَ الْمُضِيَّ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ، ثُمَّ مَاتَ عَنْ مَالٍ كَثِيرٍ أَخَذَ الْمَوْلَى الَّذِي لَمْ يُعْتِقْ نِصْفَ الْمُكَاتَبَةِ مِنْ مَالِهِ كَمَا كَانَ يُطَالِبُهُ بِهِ فِي حَيَاتِهِ، ثُمَّ الْبَاقِي بَعْدَ ذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ. وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلَانِ عَبْدَيْنِ بَيْنَهُمَا مُكَاتَبَةً وَاحِدَةً إنْ أَدَّيَا عَتَقَا وَإِنْ عَجَزَا رُدَّا فَإِنَّهُ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَاتَبًا بَيْنَهُمَا عَلَى حِدَةٍ بِحِصَّتِهِ وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَسَّمَ الْمُسَمَّى عَلَى قِيمَتِهِمَا فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُكَاتَبًا بِحِصَّتِهِ وَإِذَا أَدَّى أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ إلَيْهِمَا عَتَقَ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا

стр. 1648

يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُلْتَزِمًا لِجَمِيعِ الْبَدَلِ، الْبَعْضُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَالْبَعْضُ بِطَرِيقِ الْكَفَالَةِ مُرَاعَاةً لِشَرْطِ الْمَوْلَى، وَالْمَالِكُ وَاحِدٌ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمَا كَفَالَةً عَلَى الْحَقِيقَةِ. فَأَمَّا هُنَا نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِمَالِكٍ عَلَى حِدَةٍ فَلَوْ جَعَلْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُطَالَبًا بِجَمِيعِ الْبَدَلِ كَانَ بِحُكْمِ الْكَفَالَةِ فِي الْبَعْضِ، وَفِي نِصْفِ ذَلِكَ كَفَالَةً مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ مَمْلُوكٍ هُوَ لِغَيْرِ مَوْلَاهُ فَيَكُونُ كَفَالَةً حَقِيقَةً وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ مِنْ الْمُكَاتَبِ وَلَا بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ فَلِهَذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُطَالَبًا بِحِصَّتِهِ خَاصَّةً يَعْتِقُ بِأَدَاءِ ذَلِكَ إلَيْهِمَا كَمَا لَوْ كَاتَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَقْدٍ عَلَى حِدَةٍ. عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَاتَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَلِلشَّرِيكِ أَنْ يَرُدَّ الْمُكَاتَبَةَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ أَوْ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ؛ لِأَنَّ تَصَرُّفَ الْمُكَاتَبِ لَاقَى خَالِصَ مِلْكِهِ وَلَكِنَّا نَقُولُ هَذَا عَقْدٌ مُحْتَمِلٌ لِلْفَسْخِ، وَفِي إبْقَائِهِ ضَرَرٌ عَلَى الشَّرِيكِ الْآخَرِ، أَمَّا فِي الْحَالِ فَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ بَيْعُ نَصِيبِهِ، وَأَمَّا بَعْدَ الْأَدَاءِ فَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ فِي نَصِيبِهِ فَلِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ يَتَمَكَّنُ مِنْ فَسْخِ عَقْدِ شَرِيكِهِ وَإِذَا جَازَ فَسْخُ الْكِتَابَةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَلَأَنْ يَجُوزَ فَسْخُهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَمْ يَرْضَ بِعَقْدِهِمَا أَوْلَى، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُلَاقِيَ تَصَرُّفُ الْإِنْسَانِ مِلْكَهُ، ثُمَّ لِلْغَيْرِ أَنْ يَفْسَخَهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ كَالرَّاهِنِ يَبِيعُ الْمَرْهُونَ أَوْ الْآجِرِ يَبِيعُ الْمُؤَاجَرَ فَإِنْ أَعْتَقَهُ الشَّرِيكُ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ نَفَذَ عِتْقُهُ عِنْدَنَا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى لَا يَنْفُذُ عِتْقُهُ حَتَّى يُنْظَرَ مَاذَا يَصْنَعُ فِي الْمُكَاتَبَةِ فَإِنْ أَدَّاهَا عَتَقَ وَضَمِنَ الَّذِي كَاتَبَهُ نَصِيبَ شَرِيكِهِ وَالْوَلَاءُ كُلُّهُ لَهُ وَإِنْ عَجَزَ يَنْفُذُ عِتْقُهُ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَتَجَزَّى وَأَنَّ الْمَوْلَى بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ يَسْتَحِقُّ الْوَلَاءَ فَإِذَا صَارَ الْمُكَاتَبُ مُسْتَحِقًّا لِجَمِيعِ وَلَائِهِ لَا يَمْلِكُ الْآخَرُ إبْطَالَهُ عَلَيْهِ بِالْإِعْتَاقِ وَلَكِنْ يَتَوَقَّفُ حُكْمُ إعْتَاقِهِ لِتَوَقُّفِ مِلْكِهِ فِي نَصِيبِهِ فَإِنْ أَدَّى الْكِتَابَةَ تَبَيَّنَ أَنَّ نَصِيبَ الشَّرِيكِ كَانَ مُنْتَقِلًا إلَى الْمُكَاتَبِ فَيَضْمَنُ الْمُكَاتَبُ لَهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ، وَالْوَلَاءُ كُلُّهُ لَهُ وَإِنْ عَجَزَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَيَنْفُذُ عِتْقُ الْمُعْتِقِ فِي نَصِيبِهِ فَأَمَّا عِنْدَنَا: نَصِيبُ الشَّرِيكِ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - غَيْرَ مُكَاتَبٍ وَعِنْدَهُمَا مُكَاتَبٌ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ فَسْخِ الْكِتَابَةِ فَيَعْتِقُ نَصِيبُهُ بِإِعْتَاقِهِ وَإِذَا أُعْتِقَ فَالْمُكَاتَبُ بِالْخِيَارِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ شَاءَ مَضَى عَلَى الْكِتَابَةِ وَأَدَّى الْبَدَلَ وَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُمَا، وَإِذَا اخْتَارَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعْتِقَ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ مَا أَتْلَفَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِ وَإِنْ شَاءَ عَجَّزَ نَفْسَهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُخَيَّرُ الَّذِي كَاتَبَهُ بَيْنَ عِتْقِهِ

стр. 1649

وَاسْتِسْعَائِهِ، وَتَضْمِينِ شَرِيكِهِ لِمَا بَيَّنَّا. وَعِنْدَهُمَا يَعْتِقُ كُلُّهُ بِإِعْتَاقِ أَحَدِهِمَا وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا فَلِلْآخَرِ حَقُّ التَّضْمِينِ فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلِلْآخَرِ حَقُّ الِاسْتِسْعَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمَا وَعَلَى هَذَا لَوْ كَاتَبَ الْآخَرُ نَصِيبَهُ أَيْضًا عِنْدَ ابْنِ أَبِي لَيْلَى لَا يَنْفُذُ مِنْهُ وَعِنْدَنَا يَنْفُذُ وَيَكُونُ مُكَاتَبًا بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ الْأَوَّلِ أَنْ يَفْسَخَ عَقْدَ الثَّانِي وَإِنْ بَاشَرَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ حَقِّ الْفَسْخِ لِمَعْنَى دَفْعِ الضَّرَرِ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ هُنَا؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ مُكَاتَبٌ، ثُمَّ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابَةِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ وَيَسْتَوْفِي الْبَدَلَ قَبْلَ أَنْ يَفْسَخَ الشَّرِيكُ الْكِتَابَةَ فَنَقُولُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَعْتِقُ نَصِيبُهُ لِوُجُودِ شَرْطِ الْعِتْقِ، وَهُوَ أَدَاءُ الْبَدَلِ، ثُمَّ يَكُونُ لِلسَّاكِتِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُكَاتَبِ نِصْفَ مَا أَخَذَ مِنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَدَّى كَسْبُهُ وَكَسْبُهُ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ ذَلِكَ مِنْهُ وَنِصْفَ مَا بَقِيَ مِنْ الْكَسْبِ فِي يَدِ الْعَبْدِ أَيْضًا، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُكَاتَبُ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُ شَرِيكُهُ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْبَدَلِ كَانَ بِمُقَابَلَةِ نَصِيبِهِ وَقَدْ سَلَّمَ نَصِيبَهُ لِلْعَبْدِ أَيْضًا وَلَمْ يُسَلِّمْ لِلْمَوْلَى نِصْفَ الْبَدَلِ فَيَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ اسْتَحَقَّهُ مُسْتَحِقٌّ آخَرُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ مُوسِرًا فَلِلشَّرِيكِ خِيَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ وَإِذَا اخْتَارَ التَّضْمِينَ يَرْجِعُ الْمُكَاتَبُ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْعَبْدِ، وَيَكُونُ الْوَلَاءُ كُلُّهُ لَهُ وَإِنْ اخْتَارَ الِاسْتِسْعَاءَ أَوْ الْإِعْتَاقَ أَوْ كَانَ الْمُكَاتَبُ مُعْسِرًا فَالْوَلَاءُ بَيْنَهُمَا. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى الْجَوَابُ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ بِالنِّصْفِ الَّذِي أَخَذَهُ شَرِيكُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمَا صَارَ الْكُلُّ مُكَاتَبًا فَإِنَّ جَمِيعَ الْبَدَلِ مُقَابَلٌ بِجَمِيعِ الْكَسْبِ وَلَمْ يُسَلِّمْ لَهُ إلَّا النِّصْفَ وَقَدْ سَلَّمَ لِلْمَوْلَى مِنْ جِهَتِهِ نِصْفَ الْبَدَلِ أَيْضًا، ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ مُوسِرًا فَلَيْسَ لِلسَّاكِتِ إلَّا التَّضْمِينُ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الِاسْتِسْعَاءُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُكَاتِبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا اسْتَوْفَى الْبَدَلَ عَتَقَ نَصِيبُهُ وَلِلشَّرِيكِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ مَا أَخَذَ أَيْضًا وَبِنِصْفِ مَا بَقِيَ مِنْ الْكَسْبِ فِي يَدِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ مِنْ كَسْبِهِ وَإِذْنُهُ فِي الْعَقْدِ لَا يَكُونُ إذْنًا فِي قَبْضِ الْبَدَلِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَكِيلَ بِالْكِتَابَةِ لَا يَمْلِكُ قَبْضَ الْبَدَلِ فَلِهَذَا كَانَ هَذَا الْفَصْلُ وَالْفَصْلُ الْأَوَّلُ سَوَاءٌ عِنْدَهُ إلَّا فِي حُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْآخَرِ حَقُّ فَسْخِ الْكِتَابَةِ، وَالْآخَرُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُكَاتَبَ بَعْدَ الْعِتْقِ لِوُجُودِ الرِّضَا مِنْهُ بِالسَّبَبِ وَعَلَى قَوْلِهِمَا إذْنُهُ فِي كِتَابَةِ نَصِيبِهِ يَكُونُ إذْنًا فِي كِتَابَةِ الْكُلِّ فَيَصِيرُ الْكُلُّ مُكَاتِبًا بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَقْبِضَ أَحَدُهُمَا جَمِيعَ الْبَدَلِ لَا يَعْتِقُ مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْآخَرِ نَصِيبُهُ؛ لِأَنَّ

стр. 1650

الْمُكَاتَبَ فِي نَصِيبِهِ كَانَ وَكِيلًا وَالْوَكِيلُ بِالْكِتَابَةِ لَا يَمْلِكُ الْقَبْضَ لِلْبَدَلِ فَإِنْ وَصَلَ إلَى الْآخَرِ نَصِيبُهُ حِينَئِذٍ يَعْتِقُ وَمَا بَقِيَ مِنْ الْكَسْبِ كُلُّهُ سَالِمٌ لِلْعَبْدِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَأْذَنَ أَحَدُهُمَا لِشَرِيكِهِ فِي أَنْ يُكَاتِبَ نَصِيبَهُ وَيَقْبِضَ الْبَدَلَ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا قَبَضَ الْمَكَاتِبُ الْبَدَلَ فَلَيْسَ لَلشَّرِيكِ أَنْ يَرْجِعَ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَقْبُوضِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَهُ بِرِضَاهُ وَصَارَ هُوَ آذِنًا لِلْعَبْدِ فِي أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ بِكَسْبِهِ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ اسْتِرْدَادِ شَيْءٍ مِنْ الْقَابِضِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَعْتِقُ كُلُّهُ بِقَبْضِ الْمَكَاتِبِ سَوَاءٌ وَصَلَ إلَى الشَّرِيكِ نَصِيبُهُ أَوْ لَمْ يَصِلْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَكِيلًا مِنْ جِهَتِهِ فِي قَبْضِ الْبَدَلِ فَيَعْتِقُ الْعَبْدُ بِالْأَدَاءِ إلَيْهِ وَالْمَقْبُوضُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَلَا سَبِيلَ لَلشَّرِيكِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنْ كَسْبِ الْعَبْدِ فِي يَدِهِ سَوَاءٌ وَصَلَ إلَيْهِ نَصِيبُهُ مِمَّا قَبَضَهُ الْمَكَاتِبُ أَوْ لَمْ يَصِلْ بِأَنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّ هَلَاكَ نَصِيبِهِ فِي يَدِ وَكِيلِهِ كَهَلَاكِهِ فِي يَدِهِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ كَاتَبَ جَمِيعَ الْعَبْدِ فَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا كَقَوْلِهِمَا حَتَّى إذَا عَتَقَ بِالْأَدَاءِ إلَيْهِ رَجَعَ الشَّرِيكُ عَلَيْهِ بِنِصْفِ الْمَقْبُوضِ وَإِذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْعَبْدِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْبَدَلِ هُنَا بِمُقَابَلَةِ جَمِيعِ الْكَسْبِ وَالرَّقَبَةِ وَلَمْ يُسَلَّمْ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْمَكَاتِبِ إلَّا النِّصْفُ وَقَدْ سَلَّمَ لِلْمَكَاتِبِ نِصْفَ الْبَدَلِ أَيْضًا فَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ آخَرَ فَإِنْ أَذِنَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَنْ يُكَاتِبَ نَصِيبَهُ وَيَقْبِضَ الْبَدَلَ، ثُمَّ نَهَاهُ بَعْدَ مَا قَبَضَ بَعْضَهُ صَحَّ نَهْيُهُ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ لِلْمُكَاتَبِ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ بِنَصِيبِهِ مِنْ الْكَسْبِ لَا يَكُونُ مُلْزِمًا شَيْئًا إيَّاهُ فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى يُشَارِكَهُ فِيمَا يَقْبِضُ بَعْدَهُ وَلَا يُشَارِكُهُ فِيمَا كَانَ قَبَضَ قَبْلَ النَّهْيِ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ. وَإِنْ كَاتَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ شَرِيكُهُ حَتَّى كَاتَبَهُ نَصِيبَهُ بِإِذْنِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ عَلِمَ بِكِتَابَةِ الْأَوَّلِ فَأَرَادَ رَدَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِمُبَاشَرَةِ الْكِتَابَةِ فِي نَصِيبِهِ صَارَ مُسْقِطًا لِخِيَارِهِ فَإِنَّ الْخِيَارَ لَهُ كَانَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، وَقَدْ الْتَزَمَ ذَلِكَ الضَّرَرَ، ثُمَّ مَا يَأْخُذُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بَعْدَ هَذَا مِنْهُ فَهُوَ سَالِمٌ لَهُ لَا يُشَارِكُهُ الْآخَرُ فِيهِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَارَ مُكَاتَبًا بِعَقْدٍ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا فِي الْبَدَلِ شَرِكَةً كَمَا لَوْ بَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَهُ بِعَقْدٍ عَلَى حِدَةٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَاتَبَاهُ مَعًا؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ هُنَاكَ وَجَبَ لَهُمَا بِعَقْدٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا قَبْلَ كِتَابَةِ الثَّانِي كَانَ لِلثَّانِي أَنْ يُشَارِكَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ إنَّمَا يَكُونُ مُسْقِطًا حَقَّهُ عَنْ كَسْبِهِ بِكِتَابَةِ نَفْسِهِ فَيَقْتَصِرُ ذَلِكَ عَلَى مَا يَكْتَسِبُهُ بَعْدَ كِتَابَتِهِ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ وَإِنْ أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي مُكَاتَبَةِ نَصِيبِهِ مِنْهُ فَهَذَا إذْنٌ لَهُ

стр. 1651

فِي الْقَبْضِ وَلَا يَرْجِعُ أَحَدُهُمَا فِيمَا قَبَضَ الْآخَرُ وَلَا يُشَارِكُهُ. وَقَوْلُهُ وَهَذَا إذْنٌ لَهُ فِي الْقَبْضِ تَجَوُّزٌ فِي الْعِبَارَةِ فَإِنَّ الْإِذْنَ فِي الْكِتَابَةِ لَا يَكُونُ إذْنًا فِي الْقَبْضِ وَلَكِنْ إنَّمَا لَا يَرْجِعُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ صَارَ أَحَقَّ بِجَمِيعِ كَسْبِهِ، وَنُصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ الْبَدَلِ وَاجِبٌ بِعَقْدٍ عَلَى حِدَةٍ فَلَا شَرِكَةَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَقْبُوضِ. وَإِنْ كَاتَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْهُ بَعْدَ مَا أَذِنَ لَهُ صَاحِبُهُ فِي الْكِتَابَةِ وَالْقَبْضِ فَقَبَضَ بَعْضَ الْكِتَابَةِ، ثُمَّ عَجَزَ الْغُلَامُ فَفِي الْقِيَاسِ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْقَابِضِ بِنِصْفِ الْمَقْبُوضِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِقَبْضِهِ لِيُعْتِقَ نَصِيبَهُ بِهِ وَلَمْ يُعْتِقْ حِينَ عَجَزَ الْغُلَامُ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ الْآذِنُ بِأَنْ يَقْضِيَ الْعَبْدُ دَيْنَهُ بِنَصِيبِهِ مِنْ الْكَسْبِ وَبَعْدَ الْعَجْزِ لَا دَيْنَ فَبَقِيَ هُوَ كَسْبُ عَبْدٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ نِصْفَهُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ فِيمَا قَبَضَ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْقِطًا حَقَّهُ عَنْ الْمَقْبُوضِ حِينَ أَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِهِ فَلَا يَعُودُ حَقُّهُ فِيهِ بِعَجْزِ الْغُلَامِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَبَرَّعَ إنْسَانٌ بِقَضَاءِ بَعْضِ الْبَدَلِ عَنْ الْمُكَاتَبِ، ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ عَمَّا بَقِيَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَبَرِّعِ اسْتِرْدَادُ مَا تَبَرَّعَ بِهِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَإِذَا كَاتَبَ أَحَدُهُمَا كُلَّهُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، ثُمَّ وَهَبَ لِلْعَبْدِ نِصْفَ الْمُكَاتَبَةِ لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ كَمَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ كُلُّهُ لَهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْهِبَةَ إلَى نِصْفٍ شَائِعٍ فَلَا يَتَعَيَّنُ لِذَلِكَ حِصَّةُ نَصِيبِهِ خَاصَّةً فَلِهَذَا لَا يَعْتِقُ. وَإِنْ قَالَ وَهَبْتُ لَكَ جَمِيعَ حِصَّتِي مِنْ هَذِهِ الْمُكَاتَبَةِ عَتَقَ إمَّا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْبَدَلِ وَجَبَ بِعَقْدِهِ فَكَانَ هَذَا وَقَوْلُهُ وَهَبْتُ لَكَ الْمُكَاتَبَةَ كُلَّهَا سَوَاءٌ أَوْ؛ لِأَنَّهُ بَرِيءَ مِنْ حِصَّتِهِ مِنْ الْبَدَلِ حِينَ أَضَافَ الْهِبَةَ إلَى نَصِيبِهِ خَاصَّةً بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَاتَبَاهُ، ثُمَّ وَهَبَ أَحَدُهُمَا جَمِيعَ حِصَّتِهِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ هُنَا لَا يَعْتِقُ إلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْبَدَلِ إلَيْهِ فَعَلِمَ أَنَّ هِبَةَ جَمِيعِ حِصَّتِهِ تَكُونُ هِبَةً لِجَمِيعِ الْمُكَاتَبَةِ مُكَاتَبَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ عَلِقَتْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَهِيَ بِالْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ تَلْقَاهَا جِهَتَا حُرِّيَّةٍ فَإِنْ شَاءَ عَجَزَتْ فَكَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَيَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا وَنِصْفَ عُقْرِهَا؛ لِأَنَّهَا أَمَةٌ بَيْنَهُمَا وَقَدْ اسْتَوْلَدَهَا وَإِنْ شَاءَتْ مَضَتْ عَلَى الْكِتَابَةِ وَأَخَذَتْ عُقْرَهَا فَإِنْ مَضَتْ عَلَى الْكِتَابَةِ، ثُمَّ عَلِقَتْ مِنْ الْآخَرِ، ثُمَّ عَجَزَتْ فَالْوَلَدُ الْأَوَّلُ لِلْأَوَّلِ، وَالْوَلَدُ الثَّانِي لِلثَّانِي؛ لِأَنَّ نِصْفَهَا فِي الظَّاهِرِ مُكَاتَبٌ لَهُ حِينَ اسْتَوْلَدَهَا وَذَلِكَ يَكْفِي لِثُبُوتِ نَسَبِ الْوَلَدِ الثَّانِي مِنْهُ، وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ حَقَّ أُمِّيَّةَ الْوَلَدِ فِي جَمِيعِهَا إلَّا أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ كَانَ مَانِعًا مِنْ ظُهُورِ هَذَا الِاسْتِحْقَاقِ قَبْلَ الْعَجْزِ وَقَدْ ارْتَفَعَ هَذَا الْمَانِعُ بِالْعَجْزِ فَصَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْخِيَارَ إذَا سَقَطَ فِي الْبَيْعِ

стр. 1652

بِشَرْطِ الْخِيَارِ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ الزَّوَائِدَ وَإِذَا صَارَتْ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ فَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهَا لِلثَّانِي وَعَلَى الثَّانِي جَمِيعُ قِيمَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَوْلَدَ مَمْلُوكَةَ الْغَيْرِ وَلَكِنَّهُ كَانَ مَغْرُورًا بِاعْتِبَارِ ظَاهِرِ الْمِلْكِ فَيَكُونُ وَلَدُهُ حُرًّا بِالْقِيمَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الْعُقْرِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ وَجَبَ نِصْفُ الْعُقْرِ عَلَى الثَّانِي وَنِصْفُ الْعُقْرِ عَلَى الْأَوَّلِ فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا قِصَاصًا بِالْآخَرِ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الدَّعْوَى أَنَّ الْأَصَحَّ وُجُوبُ جَمِيعِ الْعُقْرِ عَلَى الثَّانِي، ثُمَّ يَكُونُ النِّصْفُ بِالنِّصْفِ قِصَاصًا وَيَبْقَى لِلْأَوَّلِ نِصْفُ الْعُقْرِ عَلَى الثَّانِي، وَبَيَّنَّا هُنَاكَ أَنَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا أَنَّهُ حِينَ اسْتَوْلَدَهَا أَحَدُهُمَا صَارَ الْكُلُّ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ فَلَا يَصِحُّ اسْتِيلَادُ الثَّانِي بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ بِالدَّعْوَى. مُكَاتَبَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَلَدَتْ بِنْتًا، ثُمَّ وَطِئَ أَحَدُهُمَا الِابْنَةَ فَعَلِقَتْ مِنْهُ قَالَ ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الِابْنَةَ بِمَنْزِلَةِ أَمَةٍ مُكَاتَبَةٍ بَيْنَهُمَا فَيَثْبُتُ نَسَبُ وَلَدِهَا مِنْ أَحَدِهِمَا بِالدَّعْوَى كَمَا ثَبَتَ نَسَبُ وَلَدِ الْمُكَاتَبَةِ وَالِابْنَةُ عَلَى حَالِهَا لَيْسَ لَهَا أَنْ تُخْرِجَ نَفْسَهَا مِنْ الْمُكَاتَبَةِ لِتَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ لِلْمُسْتَوْلِدِ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ فِي الْعَقْدِ فَلَا تَمْلِكُ فَسْخَ الْعَقْدِ فِي حَقِّ نَفْسِهَا مَقْصُودًا وَلَا وِلَايَةَ لَهَا عَلَى فَسْخِ الْعَقْدِ فِي حَقِّ أُمِّهَا وَلِأَنَّ الْأُمَّ إنَّمَا كَانَتْ تُعْجِزُ نَفْسَهَا عَمَّا عَلَيْهَا مِنْ الْبَدَلِ وَلَيْسَ عَلَى الْوَلَدِ شَيْءٌ مِنْ الْبَدَلِ وَقَدْ كَانَ لِلْأُمِّ مَنْفَعَةٌ فِي التَّخْيِيرِ فَخَيَّرْنَاهَا وَلَا مَنْفَعَةَ لِلِابْنَةِ فِي ذَلِكَ وَعَلَى الْمُسْتَوْلِدِ عُقْرُهَا؛ لِأَنَّهُ وَطِئَهَا، وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ وَلَكِنَّ عُقْرَهَا لِلْأُمِّ بِمَنْزِلَةِ كَسْبِهَا وَأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْأُمِّ فِي الْكِتَابَةِ فَإِنْ عَجَزَتْ الْمُكَاتَبَةُ صَارَتْ الِابْنَةُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْوَاطِئِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ ظُهُورِ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ فِي نَصِيبِ شَرِيكِهِ مِنْهَا قَدْ ارْتَفَعَ بِعَجْزِ الْأُمِّ وَإِنَّمَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ مِنْ حِينَ عَلِقَتْ مِنْهُ فَلِهَذَا يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ نِصْفَ قِيمَتِهَا يَوْمَ عَلِقَتْ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ تُعْجِزْ فَأَعْتَقَ الشَّرِيكُ الْآخَرُ الِابْنَةَ بَعْدَ عُلُوقِهَا مِنْ الْأَوَّلِ عَتَقَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ مِنْ الِابْنَةِ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ مَا بَقِيَتْ الْكِتَابَةُ فِيهَا فَيَنْفُذُ عِتْقُهُ وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الْمُعْتَقِ عَتَقَ بِإِعْتَاقِهِ وَنَصِيبَ الْآخَرِ بِمَنْزِلَةِ أُمِّ الْوَلَدِ وَلَا سِعَايَةَ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ لِلْمُسْتَوْلِدِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَنْزِلَةِ أُمِّ وَلَدٍ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ أَعْتَقَهَا أَحَدُهُمَا وَوَلَدُهَا حُرٌّ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتُ النَّسَبِ مِنْ الْمُسْتَوْلِدِ وَقَدْ عَتَقَتْ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ إعْتَاقِهِ وَلَا سِعَايَةَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَيْضًا؛ لِأَنَّ إعْتَاقَ الشَّرِيكِ نَصِيبَهُ مِنْ الْأُمِّ يَكُونُ إعْتَاقًا لِنَصِيبِهِ مِنْهُ كَمَا بَيَّنَّا مِنْ عِتْقِ السُّفْلَى بِإِعْتَاقِ الْعُلْيَا عَلَى أَصْلِهِ وَالْمُكَاتَبَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى حَالِهَا تَعْتِقُ بِالْأَدَاءِ أَوْ تَعْجِزُ فَتَكُونُ أَمَةً بَيْنَهُمَا. مُكَاتَبَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَلَدَتْ فَأَعْتَقَ

стр. 1653

أَحَدُهُمَا الْوَلَدَ عَتَقَ نَصِيبُهُ مِنْهُ لِكَوْنِهِ مَالِكًا لِنَصِيبِهِ بِسَبَبِ دُخُولِهِ فِي مُكَاتَبَةِ الْأُمِّ، وَهُوَ عَلَى حَالِهِ حَتَّى تَعْجِزَ الْأُمُّ أَوْ تَعْتِقَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ تَبَعًا لِأُمِّهِ فِي الْكِتَابَةِ لَا يَنْقَلِبُ مَقْصُودًا مَا بَقِيَ حُكْمُ التَّبَعِيَّةِ وَلِأَنَّ الْأُمَّ لَهَا حَقٌّ فِي كَسْبِ الْوَلَدِ فَلَا يَتَمَكَّنُ الْمُعْتِقُ مِنْ إبْطَالِ حَقِّهَا فِي كَسْبِهِ فَإِنْ عَتَقَتْ عَتَقَ مَعَهَا لِبَقَاءِ حُكْمِ التَّبَعِيَّةِ فِي النِّصْفِ الَّذِي بَقِيَ رَقِيقًا مِنْهُ فَإِنْ عَجَزَتْ فَقَدْ زَالَ مَعْنَى التَّبَعِيَّةِ، وَصَارَ الْوَلَدُ مَقْصُودًا، وَهُوَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ يُعْتِقُهُ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَإِذَا اخْتَارَ التَّضْمِينَ يُضَمِّنُهُ نِصْفَ قِيمَتِهِ وَقْتَ إعْتَاقِهِ لَا وَقْتَ عَجْزِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ بِسَبَبِ الْإِعْتَاقِ فَتُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ عِنْدَ ذَلِكَ كَمَا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْمَغْصُوبِ وَقْتَ الْغَصْبِ. مُكَاتَبَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَلَدَتْ بِنْتًا فَوَطِئَا الِابْنَةَ فَعَلِقَتْ فَوَلَدَتْ مِنْهُمَا، ثُمَّ مَاتَا فَالِابْنَةُ حُرَّةٌ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُمَا فَتَعْتِقُ بِمَوْتِهِمَا كَمَا لَوْ أَعْتَقَاهَا وَهَذَا؛ لِأَنَّهَا اسْتَغْنَتْ عَنْ تَبَعِيَّةِ الْأُمِّ لِمَا ظَهَرَ لَهَا مِنْ سَبَبِ الْعِتْقِ مَجَّانًا وَتَبْقَى الْأُمُّ عَلَى مُكَاتَبَتِهَا؛ لِأَنَّ نُفُوذَ الْعِتْقِ فِي التَّبَعِ لَا يُوجِبُ عِتْقَ الْأَصْلِ وَلَوْ كَانَتْ الْأُمُّ هِيَ الَّتِي وَلَدَتْ مِنْهُمَا، ثُمَّ مَاتَا عَتَقَتْ هِيَ بِجِهَةِ الِاسْتِيلَادِ وَعَتَقَ وَلَدُهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهَا وَثُبُوتُ الْعِتْقِ فِي التَّبَعِ بِثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ وَلِأَنَّ عِتْقَهَا بِالِاسْتِيلَادِ كَعِتْقِهَا بِإِعْتَاقٍ مِنْهُمَا ابْتِدَاءً وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمَا إذَا أَعْتَقَاهَا عَتَقَ الْوَلَدُ مَعَهَا؛ لِأَنَّ إعْتَاقَهُمَا إيَّاهَا بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِيفَاءِ لِمَا عَلَيْهَا مِنْ الْمُكَاتَبَةِ وَإِنْ عَجَزَتْ، ثُمَّ وَلَدَتْ مِنْهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَالْوَلَدُ الْأَوَّلُ رَقِيقٌ؛ لِأَنَّ بِعَجْزِهَا انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ وَصَارَ الْوَلَدُ الْأَوَّلُ رَقِيقًا، ثُمَّ يَثْبُتُ فِيهَا حَقُّ أُمِّيَّةِ الْوَلَدِ بَعْدَ انْفِصَالِ هَذَا الْوَلَدِ عَنْهَا وَحَقُّ الْعِتْقِ لَا يَسْرِي إلَى الْوَلَدِ الْمُنْفَصِلِ كَحَقِيقَةِ الْعِتْقِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إذَا كَاتَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، ثُمَّ عَلِقَتْ مِنْهُ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا لَا يُخَالِفُهُمَا؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الشَّرِيكِ عِنْدَهُ لَمْ يَصِرْ مُكَاتَبًا فَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْمُشْتَرِي وَلَكِنَّهُ حَفِظَ جَوَابَهُمَا وَلَمْ يَحْفَظْ جَوَابَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ عَلَى حَالِهَا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تُنَافِي الِاسْتِيلَادَ سَابِقًا وَلَا طَارِئًا وَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا، وَنِصْفَ عُقْرِهَا لَلشَّرِيكِ وَهَذِهِ إجَازَةٌ لِلْمُكَاتَبَةِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي حَقِّ الشَّرِيكِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِتَحَوُّلِ نَصِيبِهِ إلَى الْمُسْتَوْلِدِ قَالَ وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ كَاتَبَهَا يُرِيدُ بِهِ التَّشْبِيهَ فِي حُكْمِ لُزُومِ الْكِتَابَةِ. فَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الْأَصْلِ الْمُسْتَوْلِدُ ضَامِنٌ نِصْفَ الْعُقْرِ؛ لِأَنَّ كِتَابَتَهُ فِي نَصِيبِهِ كَانَ نَافِذًا وَمَنْ اسْتَوْلَدَ مُكَاتَبَتَهُ يَلْزَمُهُ الْعُقْرُ لَهَا وَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْدَ هَذَا فَقَالَ جَارِيَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَاتَبَهَا أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ، ثُمَّ

стр. 1654

وَطِئَ الَّذِي كَاتَبَهَا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ شَرِيكُهُ بِالْمُكَاتَبَةِ فَوَلَدَتْ مِنْهُ فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ وَالْمُكَاتَبَةُ جَائِزَةٌ وَيَضْمَنُ الْوَاطِئُ نِصْفَ قِيمَتِهَا، وَنِصْفَ عُقْرَهَا لَلشَّرِيكِ، وَنِصْفُ الْعُقْرِ لَهَا وَلِلْمُكَاتَبَةِ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ تَلْقَاهَا جِهَتَا حُرِّيَّةٍ فَإِنْ اخْتَارَتْ الْكِتَابَةَ أَخَذَتْ نِصْفَ الْعُقْرِ مِنْهُ وَإِنْ اخْتَارَتْ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ لَمْ يَكُنْ لَهَا نِصْفُ الْعُقْرِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَهَا نِصْفَ الْعُقْرِ لِكَوْنِهَا أَحَقَّ بِنَفْسِهَا بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ حِينَ اخْتَارَتْ الِاسْتِيلَادَ فَإِنَّ أُمَّ الْوَلَدِ لَا تَسْتَوْجِبُ عَلَى مَوْلَاهَا دَيْنًا وَإِنْ أَجَازَ شَرِيكُهُ الْمُكَاتَبَةَ بَعْدَ مَا عَلِقَتْ مِنْهُ فَإِجَازَتُهُ بَاطِلَةٌ، وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ؛ لِأَنَّهُ أَجَازَ عَقْدًا بَاطِلًا وَلِأَنَّ نَصِيبَهُ تَحَوَّلَ إلَى الْمَكَاتِبِ بِالِاسْتِيلَادِ وَإِنَّمَا كَانَ يُعْتَبَرُ إجَازَتُهُ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ فَإِنْ وَطِئَهَا الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْ فَعَلِقَتْ مِنْهُ فَهِيَ أُمُّ وَلَدِ الَّذِي عَلِقَتْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لِنَصِيبِهِ مِنْهَا فَصَحَّ اسْتِيلَادُهُ فِيهَا وَالْمُكَاتَبَةُ عَلَى حَالِهَا جَائِزَةٌ حَتَّى يَرُدَّهَا الْوَاطِئُ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الِاسْتِيلَادِ وَالْكِتَابَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَطْرَأُ عَلَى صَاحِبِهِ فَلَمْ يَكُنْ إقْدَامُهُ عَلَى الِاسْتِيلَادِ إبْطَالًا مِنْهُ لِلْكِتَابَةِ وَلَكِنَّهُ لَوْ انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ بَعْدَ ذَلِكَ صَارَ الْكُلُّ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ انْتِقَالِ نَصِيبِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ بِالِاسْتِيلَادِ هُوَ الْكِتَابَةُ وَقَدْ ارْتَفَعَتْ وَإِنْ كَاتَبَهَا أَحَدُهُمَا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ، ثُمَّ اسْتَوْلَدَهَا الْآخَرُ فَإِنْ شَاءَتْ عَجَزَتْ، وَكَانَتْ أُمَّ وَلَدِ الْمُسْتَوْلِدِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ، وَإِنْ شَاءَتْ مَضَتْ عَلَى كِتَابَتِهَا وَأَخَذَتْ مِنْهُ نِصْفَ الْعُقْرِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ فِي نَصِيبِ الشَّرِيكِ لَازِمَةٌ حِينَ بَاشَرَهَا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ وَتَأْخُذُ مِنْهُ نِصْفَ الْعُقْرِ؛ لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِنَفْسِهَا فِي ذَلِكَ النِّصْفِ فَإِذَا أَدَّتْ الْمُكَاتَبَةُ عَتَقَتْ وَلَمْ تَسْعَ لِلْمُسْتَوْلِدِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ مِنْهَا أُمُّ وَلَدٍ وَلَا سِعَايَةَ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ لِلْمُسْتَوْلِدِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. وَإِنْ كَاتَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَاكْتَسَبَتْ مَالًا وَقَضَتْ مِنْهُ الْكِتَابَةَ فَعَتَقَتْ، ثُمَّ اكْتَسَبَتْ مَالًا، ثُمَّ حَضَرَ الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْ فَلَهُ نِصْفُ مَا اكْتَسَبَتْهُ قَبْلَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ وَلَهَا نِصْفُهُ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الْمَكَاتِبِ مِنْهَا مُكَاتَبٌ، وَنُصِيبَ الشَّرِيكِ مَمْلُوكٌ لَهُ وَالْكَسْبُ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ وَمَا اكْتَسَبَتْهُ بَعْدَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ فَهُوَ لَهَا؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا تَعْتِقُ كُلُّهَا بِعِتْقِ الْبَعْضِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَعْتِقُ نَصِيبُ الْمَكَاتِبِ وَنُصِيبُ الشَّرِيكِ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ لِمَا عَلَيْهَا مِنْ السِّعَايَةِ وَالْمُكَاتَبُ أَحَقُّ بِكَسْبِهِ مِنْ الْمَوْلَى فَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لِلشَّرِيكِ شَيْءٌ مِمَّا اكْتَسَبَتْ بَعْدَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ فَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تُؤَدِّيَ شَيْئًا وَتَرَكَتْ مَالًا فَنِصْفُهُ لِلَّذِي لَمْ يُكَاتِبْ؛ لِأَنَّهُ كَسَبَ نَصِيبَهُ مِنْهَا وَيَأْخُذُ الَّذِي كَاتَبَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ فِي الْمُكَاتَبَةِ؛ لِأَنَّ كَسْبَ نَصِيبِهِ مِنْهَا وَالْمُكَاتَبَةُ كَانَتْ نَافِذَةً فِي نَصِيبِهِ فَيَأْخُذُ بَدَلَ

стр. 1655

الْكِتَابَةِ فِي تَرِكَتِهَا بَعْدَ مَوْتِهَا، ثُمَّ يَأْخُذُ الَّذِي لَمْ يُكَاتِبْ نِصْفَ قِيمَتِهَا مِمَّا بَقِيَ إنْ كَانَ شَرِيكُهُ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ حَقُّ اسْتِسْعَائِهَا فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ إنْ كَانَتْ حَيَّةً وَقَدْ مَاتَتْ عَنْ مَالٍ فَيَأْخُذُ تِلْكَ السِّعَايَةَ مِنْ مَالِهَا وَالْبَاقِي مِيرَاثٌ لِوَرَثَتِهَا الْأَحْرَارِ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ بِعِتْقِهَا بِأَدَاءِ السِّعَايَةِ مُسْتَنِدًا إلَى حَالِ حَيَاتِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَارِثٌ غَيْرَهُمَا كَانَ مَا بَقِيَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَتَقَ عَلَى مِلْكِهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهِيَ مَوْلَاةٌ لَهُمَا وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُضَمِّنَ شَرِيكَهُ؛ لِأَنَّهُ مُوسِرًا كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَكَاتِبَ صَارَ مُعْتِقًا لِنَصِيبِهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ الْمَكَاتِبُ فِي مَالِهَا كَمَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً وَيَكُونُ وَلَاؤُهَا وَمِيرَاثُهَا لَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَارِثٌ؛ لِأَنَّهُ تَمَلَّكَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ بِالضَّمَانِ. وَإِنْ كَانَتْ مَاتَتْ بَعْدَ مَا أَدَّتْ الْمُكَاتَبَةَ وَقَدْ تَرَكَتْ مَالًا لَا يُدْرَى مَتَى اكْتَسَبَتْهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ أَوْ بَعْدَهُ فَالْمَالُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ حَادِثٌ فَيُحَالُ حُدُوثَهُ إلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ، وَهُوَ مَا بَعْدَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ وَلِأَنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقَاقِ لَهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ، وَهُوَ اكْتِسَابُهَا، وَاسْتِحْقَاقُ النِّصْفِ لِشَرِيكِهِ لَمْ يُعْلَمْ سَبَبُهُ، وَهُوَ كَوْنُ نَصِيبِهِ قِنًّا حِينَ اكْتَسَبَ وَلَا يُقَالُ قَدْ عَرَفْنَا نَصِيبَهُ مَمْلُوكًا قِنًّا لَهُ فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ بِذَلِكَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ عُلِمَ زَوَالُهُ بَعْدَ مَا أَدَّتْ الْكِتَابَةَ وَاسْتِصْحَابُ الْحَالِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ إذَا لَمْ يَكُنْ خِلَافُهُ مَعْلُومًا فِي الْحَالِ. جَارِيَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَاتَبَهَا أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَأَدَّتْ إلَيْهِ الْكِتَابَةَ، ثُمَّ وَطِئَهَا الْآخَرُ فَعَلِقَتْ مِنْهُ قَالَ تَسْعَى لَهُ فِي نَصِيبِهِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتِبِ لِمَا عَلَيْهَا مِنْ السِّعَايَةِ وَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ أَمَّا عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّهَا عَتَقَتْ بِأَدَاءِ الْكِتَابَةِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِدَامَةُ الْمِلْكِ لَمَا نَفَذَ فِيهَا مِنْ الْعِتْقِ مِنْ جِهَةِ الْمَكَاتِبِ وَإِنَّمَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ إذَا عَجَزَتْ عَنْ السِّعَايَةِ وَلَيْسَ لَهَا ذَلِكَ هَهُنَا حَتَّى لَوْ مَاتَ الْمُسْتَوْلِدُ قَبْلَ أَنْ تُؤَدِّيَ السِّعَايَةَ عَتَقَ نَصِيبُهُ بِجِهَةِ الِاسْتِيلَادِ وَسَقَطَ عَنْهَا السِّعَايَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. رَجُلٌ كَاتَبَ جَارِيَةً، ثُمَّ مَاتَ عَنْ ابْنَيْنِ فَاسْتَوْلَدَهَا أَحَدُهُمَا فَهِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَتْ عَجَزَتْ فَكَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ وَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا وَنِصْفَ عُقْرِهَا لِشَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ انْفَسَخَتْ بِالْعَجْزِ فَصَارَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا إرْثًا قَدْ اسْتَوْلَدَهَا أَحَدُهُمَا وَإِنْ شَاءَتْ مَضَتْ عَلَى كِتَابَتِهَا وَأَخَذَتْ عُقْرَهَا؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يُورَثُ مَا بَقِيَتْ الْكِتَابَةُ وَقَدْ سَقَطَ الْحَدُّ عَنْ الْوَاطِئِ بِشُبْهَةِ حَقِّ الْمِلْكِ الثَّابِتِ لَهُ فِيهَا بِانْعِقَادِ سَبَبِهِ فَيَجِبُ الْعُقْرُ لَهَا. وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلَانِ جَارِيَةً بَيْنَهُمَا مُكَاتَبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ ارْتَدَّ أَحَدُهُمَا عَنْ الْإِسْلَامِ فَأَدَّتْ الْمُكَاتَبَةَ إلَيْهِمَا، ثُمَّ قُتِلَ مُرْتَدًّا قَالَ لَا تَعْتِقُ وَلَيْسَ أَدَاؤُهَا إلَى الْمُرْتَدِّ بِشَيْءٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 1656

وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى تَعْتِقُ؛ لِأَنَّ قَبْضَ الْمُرْتَدِّ عِنْدَهُمَا جَائِزٌ كَقَبْضِ الْمُسْلِمِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمَا فِي تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ وَأَمَّا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ تَتَوَقَّفُ وَتَبْطُلُ بِقَتْلِهِ فَكَذَلِكَ قَبْضُهُ نَصِيبَهُ مِنْ الْبَدَلِ كَانَ مَوْقُوفًا وَبِالْقَتْلِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ حَقَّ الْوَارِثِ فَكَانَ قَبْضُهُ بَاطِلًا وَتَرْجِعُ الْوَرَثَةُ عَلَى الشَّرِيكِ بِنِصْفِ مَا أَخَذَ كَمَا لَوْ كَانَ هُوَ أَخَذَ نَصِيبَهُ وَحْدَهُ وَلِهَذَا لَا يَعْتِقُ نَصِيبُ الشَّرِيكِ مِنْهَا أَيْضًا، ثُمَّ يَسْتَسْعُونَهَا فِي النِّصْفِ الْبَاقِي فَإِنْ عَجَزَتْ رُدَّتْ فِي الرِّقِّ بِمَنْزِلَةِ مُكَاتَبَةٍ أَدَّتْ نِصْفَ الْبَدَلِ إلَى الْمَوْلَيَيْنِ، ثُمَّ عَجَزَتْ، ثُمَّ أَشَارَ فِي الْأَصْلِ إلَى أَنَّهُ وَإِنْ كَاتَبَهُ فِي حَالَةِ الرِّدَّةِ لَمْ يَجُزْ قَبْضُهُ لِبَدَلِ الْكِتَابَةِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ فِي حَالَةِ الرِّدَّةِ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ كَانَ جَائِزًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ بِالرِّدَّةِ صَارَ مَالُهُ كَأَنَّهُ لِلْوَارِثِ وَالْعَاقِدُ فِي بَابِ الْكِتَابَةِ لَا يَسْتَحِقُّ قَبْضَ الْبَدَلِ بِعَقْدِهِ إذَا كَانَتْ الْمُكَاتَبَةُ لِغَيْرِهِ بِخِلَافِ الْعَاقِدِ فِي بَابِ الْبَيْعِ فَإِنَّ حَقَّ قَبْضِ الثَّمَنِ لَهُ وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ لِغَيْرِهِ وَكَأَنَّ فِي هَذَا الْكَلَامِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ فِي كَسْبِ إسْلَامِهِ لَا يَنْفُذُ بَعْدَ الرِّدَّةِ مَا لَمْ يُسْلِمْ وَبَعْدَ الْإِسْلَامِ يَجُوزُ قَبْضُهُ فِي الْمُكَاتَبَةِ، وَفِي الثَّمَنِ جَمِيعًا وَإِنَّمَا هَذَا الْفَرْقُ فِيمَا إذَا كَانَ الْبَيْعُ وَالْكِتَابَةُ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَلَا يَجُوزُ قَبْضُهُ لِبَدَلِ الْكِتَابَةِ بَعْدَ الرِّدَّةِ وَيَجُوزُ قَبْضُهُ الثَّمَنَ بِحَقِّ الْعَقْدِ وَإِنَّمَا لَحِقَهُ الْحَجْرُ بِالرِّدَّةِ كَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ إذَا بَاعَ شَيْئًا، ثُمَّ حَجَرَ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ كَانَ قَبْضُهُ الثَّمَنَ صَحِيحًا وَلَوْ لَحِقَ الْمُرْتَدُّ مِنْهُمَا بِدَارِ الْحَرْبِ فَأَدَّتْ جَمِيعَ الْكِتَابَةِ إلَى الشَّرِيكِ الْآخَرِ لَمْ تَعْتِقْ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ نَصِيبَ وَرَثَةِ الْمُرْتَدِّ بَاطِلٌ وَإِنْ أَدَّتْ إلَى الشَّرِيكِ الْبَاقِي وَإِلَى وَرَثَةِ الْمُرْتَدِّ عَتَقَتْ إذَا كَانَ قَدْ قَضَى بِلَحَاقِهِ كَمَا لَوْ مَاتَ فَدَفَعَتْ الْكِتَابَةَ إلَى الشَّرِيكِ الْحَيِّ وَإِلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ وَإِنْ عَجَزَتْ بَعْدَ مَا ارْتَدَّ أَحَدُهُمَا فَرَدَّهَا فِي الرِّقِّ، ثُمَّ قُتِلَ الْمُرْتَدُّ عَلَى رِدَّتِهِ فَهِيَ عَلَى مُكَاتَبَتِهَا؛ لِأَنَّ فَسْخَ الْكِتَابَةِ فِي نَصِيبِ الْمُرْتَدِّ بَاطِلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَكِتَابَتِهِ وَالْكِتَابَةُ إذَا كَانَتْ وَاحِدَةً لَا يُمْكِنُ فَسْخُهَا فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ بِسَبَبِ الْعَجْزِ كَمَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الْمَوْلَيَيْنِ غَائِبًا فَعَجَزَتْ عَنْ الْمُكَاتَبَةِ لَمْ يَفْسَخْ الْقَاضِي الْعَقْدَ بِخُصُومَةِ الشَّاهِدِ مِنْهُمَا حَتَّى يَحْضُرَ الْآخَرُ. وَإِذَا ارْتَدَّ الشَّرِيكَانِ مَعًا، ثُمَّ عَجَزَتْ الْمُكَاتَبَةُ فَرَدَّاهَا فِي الرِّقِّ فَإِنْ أَسْلَمَا فَهِيَ أَمَةٌ قِنَّةٌ بَيْنَهُمَا وَإِنْ قُتِلَا عَلَى الرِّدَّةِ فَهِيَ عَلَى مُكَاتَبَتِهَا. وَإِنْ كَانَتْ الْمُكَاتَبَةُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَوَلَدَتْ بِنْتًا، ثُمَّ إنَّ أَحَدَ الْمَوْلَيَيْنِ وَطِئَ الِابْنَةَ فَعَلِقَتْ مِنْهُ وَوَطِىءَ الْآخَرُ الْأُمَّ فَعَلِقَتْ مِنْهُ فَقَالَتَا نَحْنُ نَعْجِزُ فَذَلِكَ لَهُمَا وَمُرَادُهُ أَنَّ لِلْأُمِّ أَنْ تُعْجِزَ نَفْسَهَا؛ لِأَنَّهُ تَلْقَاهَا جِهَتَا حُرِّيَّةٍ وَأَمَّا الْوَلَدُ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْخِيَارِ فِي شَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْبَدَلِ

стр. 1657

فَإِذَا اخْتَارَتْ الْأُمُّ الْمُضِيَّ عَلَى الْكِتَابَةِ أَخَذَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُقْرَهَا مِنْ الْوَاطِئَ، وَعُقْرُ الِابْنَةِ يَكُونُ لِلْأُمِّ بِمَنْزِلَةِ الْكَسْبِ وَإِنْ عَجَزَتْ كَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أُمَّ وَلَدٍ لِلَّذِي وَطِئَهَا وَيَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهَا وَنِصْفَ عُقْرِهَا لِشَرِيكِهِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ نَصِيبَهُ مِنْ عَبْدِهِ بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ فَلِلشَّرِيكِ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ وَلَا يَرُدَّهُ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي إلَّا أَنْ يَرْضَى الْعَبْدُ وَمَوْلَاهُ الَّذِي كَاتَبَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْكِتَابَةَ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَيْضًا؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ حَقِّ الْفَسْخِ لِلْآخَرِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَلَا يَتِمُّ إلَّا بِقَضَاءِ الْقَاضِي أَوْ التَّرَاضِي كَالرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْفَاسِخَ إنَّمَا يَفْسَخُ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ وَالْعَاقِدُ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ أَيْضًا فَإِذَا اسْتَوَتْ الْأَقْدَامُ كَانَ الْفَصْلُ إلَى الْقَاضِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ. [بَابُ مُكَاتَبَةِ الرَّجُلِ شِقْصًا مِنْ عَبْدِهِ] (قَالَ) ﵁: وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ نِصْفَ عَبْدِهِ جَازَ ذَلِكَ وَصَارَ كُلُّهُ مُكَاتَبًا بِذَلِكَ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عِنْدَهُمَا لَا تَتَجَزَّأُ كَالْعِتْقِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقْتَصِرُ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي كَاتَبَ مِنْهُ فَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبَةَ عَتَقَ مِنْهُ ذَلِكَ الْقَدْرُ وَيَسْعَى فِيمَا بَقِيَ مِنْ قِيمَتِهِ عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدِهِ وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمَوْلَى أَنْ يُطَالِبَهُ بِالسِّعَايَةِ فِي الْحَالِ وَلَكِنْ يَجْعَلُهُ مُنَجَّمًا عَلَيْهِ بِحَسَبِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُطِيقُ أَدَاءَهُ؛ لِأَنَّهُ مُعْسِرٌ فَيَسْتَحِقُّ النَّظِرَةَ إلَى الْمَيْسَرَةِ بِالنَّصِّ؛ وَلِأَنَّ مَقْصُودَهُ تَكْمِيلُ الْعِتْقِ دُونَ التَّضْيِيقِ عَلَيْهِ، وَإِنْ اكْتَسَبَ الْعَبْدُ مَالًا قَبْلَ الْأَدَاءِ إلَيْهِ فَنِصْفُهُ لَهُ وَنِصْفُهُ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ مَمْلُوكٌ لِلْمَوْلَى غَيْرُ مُكَاتَبٍ وَالْكَسْبُ يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَصْلِ وَمَا اكْتَسَبَ بَعْدَ الْأَدَاءِ لَيْسَ لِلْمَوْلَى مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ مِنْهُ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ، وَالنِّصْفَ الْآخَرَ يُسْتَسْعَى كَالْمُكَاتَبِ فَيَكُونُ هُوَ أَحَقَّ بِجَمِيعِ كَسْبِهِ بَعْدَ الْأَدَاءِ. وَإِذَا كَاتَبَ نِصْفَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَسْبِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْمَوْلَى بِالْكِتَابَةِ تَمْكِينُهُ مِنْ التَّقَلُّبِ وَالتَّكَسُّبِ لِيُؤَدِّيَ بِهِ الْبَدَلَ، وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْحَقُّ لِلْمُكَاتَبِ بِكِتَابَةِ النِّصْفِ لَازِمًا فَكَمَا لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْكِتَابَةَ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَسْبِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمِصْرِ فَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ فِي الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ مَمْلُوكٌ لَهُ وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَمْنَعَ مِلْكَهُ مِنْ السَّفَرِ وَلَا يَتَأَتَّى السَّفَرُ فِي قَدْرِ مَا صَارَ مُكَاتَبًا

стр. 1658

مِنْهُ وَحْدَهُ فَكَانَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَمْنَعَهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ مِلْكِهِ كَمَنْ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا هُوَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرْكِبَ غَيْرَهُ أَوْ اسْتَأْجَرَ ثَوْبًا لِيَلْبَسَهُ هُوَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُلْبِسَ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الرُّكُوبَ وَاللُّبْسَ يَتَفَاوَتُ فِيهِ النَّاسُ فَيَصِيرُ الْمُسْتَأْجِرُ مَمْنُوعًا مِنْ التَّصَرُّفِ فِيمَا يَمْلِكُهُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ عَلَى وَجْهٍ يُلْحِقُ الضَّرَرَ بِصَاحِبِ الثَّوْبِ وَلَكِنَّهُ فِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى أَثْبَتَ لَهُ حَقَّ التَّقَلُّبِ وَالتَّكَسُّبِ وَرُبَّمَا لَا يَحْصُلُ لَهُ هَذَا الْمَقْصُودُ فِي الْمِصْرِ وَالْخُرُوجُ مِنْ الْمِصْرِ لِلطَّلَبِ طَرِيقٌ ظَاهِرٌ بَيْنَ النَّاسِ فَيَصِيرُ مُثْبِتًا لَهُ ذَلِكَ الْحَقَّ حِينَ كَاتَبَ نِصْفَهُ فَلَا يَمْنَعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُ وَهَذَا أَوْلَى الْوَجْهَيْنِ بِالْأَخْذِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الْعَقْدِ الْإِرْفَاقُ بِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ أَوْ يَسْتَسْعِيَهُ يَوْمًا وَيُخَلِّيَ عَنْهُ يَوْمًا لِلْكَسْبِ فَلَهُ ذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ خِدْمَتَهُ وَمَنْفَعَتَهُ كَكَسْبِهِ فَكَمَا أَنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ كَسْبِهِ فَكَذَلِكَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ نِصْفَ خِدْمَتِهِ لِنَفْسِهِ بِالتَّهَايُؤِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَعْرِضُ لَهُ فِي شَيْءٍ حَتَّى يُؤَدِّيَ أَوْ يَعْجِزَ؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ حَقَّ التَّقَلُّبِ وَالتَّكَسُّبِ وَذَلِكَ بِمَنَافِعِهِ يَكُونُ فَمِنْ ضَرُورَةِ ثُبُوتِ هَذَا الْحَقِّ لَهُ لَازِمًا أَنْ يَكُونَ أَحَقَّ بِمَنَافِعِهِ وَهَذَا أَوْلَى الْوَجْهَيْنِ بِالْأَخْذِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إرْفَاقٌ بِهِ وَلَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى مَوْلَاهُ فَإِنَّهُ إذَا اكْتَسَبَ بِمَنَافِعِهِ كَانَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَهُ فَيَكُونَ هَذَا تَحْوِيلًا لِحَقِّهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ إلَى الْكَسْبِ وَلَا ضَرَرَ فِيهِ لَوْ جَعَلْنَا الْمُكَاتَبَ أَحَقَّ بِكَسْبِهِ كَانَ فِيهِ إبْطَالُ حَقِّ الْمَوْلَى عَنْ نِصْفِ الْكَسْبِ فَلِهَذَا لَا يُعْتَبَرُ الْإِرْفَاقُ فِي ذَلِكَ. وَإِذَا كَاتَبَ نِصْفَ جَارِيَتِهِ فَوَلَدَتْ وَلَدًا كَانَ وَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا وَنِصْفُ كَسْبِهِ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْوَلَدِ مَمْلُوكٌ كَنِصْفِ الْأُمِّ وَنِصْفُ كَسْبِهِ لِلْأُمِّ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي كِتَابَتِهَا فَتَأْخُذُ حِصَّةَ ذَلِكَ مِنْ كَسْبِهِ فَإِنْ أَدَّتْ عَتَقَ نِصْفُهَا وَنِصْفُ الْوَلَدِ مَعَهَا وَيَسْعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعْتَقُ الْبَعْضِ وَقَدْ احْتَبَسَ مَا بَقِيَ مِنْ مِلْكِ الْمَوْلَى فِيهِ عِنْدَهُ وَكُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودٌ فِي هَذِهِ السِّعَايَةِ فَإِذَا اكْتَسَبَ الْوَلَدُ بَعْدَ ذَلِكَ فَذَلِكَ الْكَسْبُ لَهُ دُونَ أُمِّهِ وَمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ كَالْمُكَاتَبِ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ السِّعَايَةِ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ مَقْصُودًا، وَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ قَبْلَ أَنْ تُؤَدِّيَ شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهَا يَسْعَى الْوَلَدُ فِي الْمُكَاتَبَةِ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ تَبَعٌ لِلْأُمِّ فِي الْكِتَابَةِ فَيَقُومُ مَقَامَهَا بَعْدَ مَوْتِهَا فِي السِّعَايَةِ، وَفِي الْمُكَاتَبَةِ فَإِذَا أَدَّاهَا عَتَقَ نِصْفُهَا كَمَا لَوْ أَدَّتْ فِي حَالِ حَيَاتِهَا وَيَسْعَى بَعْدَ ذَلِكَ فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ وَلَا يَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ فِي السِّعَايَةِ فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُودٌ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهَا مِنْ السِّعَايَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي حُكْمِ التَّبَعِيَّةِ وَلَا تَبَعِيَّةَ هُنَا فِي حَقِّ

стр. 1659

ذَلِكَ النِّصْفِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَعْتَقَ نِصْفَ جَارِيَتِهِ وَنِصْفَ وَلَدِهَا ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمُّ فَلَا سِعَايَةَ عَلَى الْوَلَدِ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ. وَلَوْ كَانَ أَعْتَقَ نِصْفَ أَمَتِهِ وَهِيَ حُبْلَى فَوَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ حَبِلَتْ بَعْدَ الْعِتْقِ فَهَذَا الْوَلَدُ يَسْعَى فِيمَا عَلَى أُمِّهِ إذَا مَاتَتْ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْوَلَدِ تَبَعٌ لَهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ السِّعَايَةِ مَقْصُودًا فَيَسْعَى فِيمَا عَلَيْهَا بَعْدَ مَوْتِهَا وَإِذَا كَاتَبَ نِصْفَ أَمَتِهِ فَوَلَدَتْ وَلَدًا ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمُّ وَتَرَكَتْ مَالًا وَعَلَيْهَا دَيْنٌ قُضِيَ الدَّيْنُ مِنْ جَمِيعِ تَرِكَتِهَا أَوَّلًا؛ لِأَنَّ نِصْفَهَا مُكَاتَبٌ وَنِصْفَهَا مَأْذُونٌ وَدَيْنُ الْمَأْذُونِ فِي كَسْبِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمَوْلَى وَيَكُونُ لِلْمَوْلَى نِصْفُ مَا بَقِيَ بَعْدَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ مِلْكُهُ وَكَسْبُ ذَلِكَ النِّصْفِ لَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الدَّيْنِ وَنِصْفَ الْمُكْتَسِبِ لَهَا فَيُؤَدِّي مِنْ ذَلِكَ كِتَابَتَهَا فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ أَخَذَ الْمَوْلَى نِصْفَ قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَسْعِيهَا فِي نِصْفِ الْقِيمَةِ بَعْدَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ لَوْ كَانَتْ حَيَّةً فَيَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهَا بَعْدَ مَوْتِهَا وَالْبَاقِي مِيرَاثٌ لِوَرَثَتِهَا؛ لِأَنَّا حَكَمْنَا بِمَوْتِهَا حُرَّةً وَلَا يَرِثُ هَذَا الْوَلَدُ مِنْهَا شَيْئًا؛ لِأَنَّ اسْتِنَادَ الْعِتْقِ فِي الْوَلَدِ إلَى حَالِ حَيَاتِهَا كَانَ فِي النِّصْفِ الَّذِي هُوَ تَبَعٌ لَهَا، وَفِي النِّصْفِ الْبَاقِي الْوَلَدُ مَقْصُودٌ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ وَلَا يُعْتَقُ إلَّا بَعْدَ أَدَاءِ سِعَايَتِهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَمْلُوكِ عِنْدَ مَوْتِ أُمِّهِ فَإِنْ لَمْ تَدَعْ الْأُمُّ شَيْئًا سَعَى الْوَلَدُ فِي الدَّيْنِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّ فِي حُكْمِ الدَّيْنِ الْوَلَدُ قَائِمٌ مَقَامَ الْأُمِّ كَوَلَدِ الْمَأْذُونَةِ، وَوَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ يَسْعَى فِي الْكِتَابَةِ أَيْضًا لِهَذَا الْمَعْنَى ثُمَّ يَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَةِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَقُ النِّصْفِ بَعْدَ أَدَاءِ الْكِتَابَةِ وَلَا يَسْعَى فِي نِصْفِ قِيمَةِ الْأُمِّ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِتَبَعٍ لَهَا فِي هَذَا النِّصْفِ فَإِنْ أَدَّى الْكِتَابَةَ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ دَيْنَ الْغُرَمَاءِ عَتَقَ نِصْفُهُ وَنِصْفُ أُمِّهِ كَمَا لَوْ أَدَّتْ فِي حَيَاتِهَا وَلَمْ يَرْجِعْ الْغُرَمَاءُ عَلَى الْمَوْلَى بِمَا أَخَذَ لَكِنَّهُمْ يُتْبِعُونَ الْوَلَدَ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهَا، فَأَخْذُهُ بَدَلَ الْكِتَابَةِ مِنْهُ كَأَخْذِهِ مِنْهَا وَإِذَا أَخَذَ مِنْهَا كَانَ الْمَأْخُوذُ سَالِمًا وَالْغُرَمَاءُ يُتْبِعُونَهَا بِدُيُونِهِمْ فَكَذَلِكَ الْوَلَدُ وَمَا اكْتَسَبَ الْوَلَدُ قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ الْكِتَابَةَ فَنِصْفُهُ لِلْمَوْلَى بَعْدَ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ بِمَنْزِلَتِهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالدَّيْنِ مِنْ كَسْبِهَا ثُمَّ يُسَلِّمُ لِلْمَوْلَى نِصْفَ مَا بَقِيَ بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ فِي نِصْفِهَا فَكَذَلِكَ الْوَلَدُ. رَجُلٌ كَاتَبَ نِصْفَ أَمَتِهِ فَاسْتَدَانَتْ دَيْنًا سَعَتْ فِي جَمِيعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ كِتَابَةَ النِّصْفِ مِنْ الْمَوْلَى يَتَضَمَّنُ الْإِذْنَ لِلنِّصْفِ الْآخَرِ فِي التِّجَارَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّهُ تَمْلِيكٌ لَهَا مِنْ التَّقَلُّبِ وَالتَّكَسُّبِ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ الْإِذْنُ فِي التِّجَارَةِ فَإِنْ عَجَزَتْ كَانَ جَمِيعُ الدَّيْنِ فِي جَمِيعِ رَقَبَتِهَا تُبَاعُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الدَّيْنِ ظَهَرَ وُجُوبُهُ فِي حَقِّ الْمَوْلَى بِاعْتِبَارِ الْإِذْنِ

стр. 1660

فَتُبَاعُ فِيهِ بَعْدَ الْعَجْزِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ لِشَرِيكَيْنِ وَكَاتَبَهَا أَحَدُهُمَا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ فَاسْتَدَانَتْ دَيْنًا ثُمَّ عَجَزَتْ فَالدَّيْنُ فِي جَمِيعِ رَقَبَتِهَا تُبَاعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ رِضَا الشَّرِيكِ بِالْكِتَابَةِ يَتَضَمَّنُ الْإِذْنَ لَهَا فِي التِّجَارَةِ فِي نَصِيبِ نَفْسِهِ ضَرُورَةً. عَبْدٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَذِنَ لَهُ أَحَدُهُمَا فِي التِّجَارَةِ فَاسْتَدَانَ دَيْنًا فَهُوَ فِي نَصِيبِ الْآذِنِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْآذِنَ رَضِيَ بِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِمَالِيَّةِ رَقَبَتِهِ وَذَلِكَ مِنْهُ صَحِيحٌ فِي نَصِيبِهِ دُونَ نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَكَذَلِكَ إنْ كَاتَبَ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ شَرِيكِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرِيكَ لَمْ يَرْضَ بِتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِنَصِيبِهِ وَلَا بِثُبُوتِ حُكْمِ الْإِذْنِ فِي نَصِيبِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْكِتَابَةُ بِإِذْنِهِ فَإِنْ اشْتَرَى الَّذِي أَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ نَصِيبَ شَرِيكِهِ بَعْدَ مَا لَحِقَهُ الدَّيْنُ فَالدَّيْنُ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ خَاصَّةً كَمَا لَوْ كَانَ قَبْلَ شِرَائِهِ وَكَذَلِكَ مَا اسْتَدَانَ بَعْدَ هَذَا بِغَيْرِ عِلْمِ مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِذْنِ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ شِرَائِهِ وَهَذَا النِّصْفُ كَانَ مَحْجُورًا قَبْلَ الشِّرَاءِ وَتَأْثِيرُ الشِّرَاءِ فِي رَفْعِ الْإِذْنِ الثَّابِتِ لَا فِي إثْبَاتِهِ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَشْتَرِي وَيَبِيعُ فَلَمْ يَنْهَهُ فَالْقِيَاسُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ شِرَاءَهُ وَبَيْعَهُ صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِ الْإِذْنِ فِي نِصْفِهِ وَتَأْثِيرِ سُكُوتِ الْمَوْلَى فِي إثْبَاتِ الرِّضَا بِتَصَرُّفِهِ لِيَنْفُذَ ذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَالْغُرُورِ عَمَّنْ عَامَلَهُ وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِدُونِ ثُبُوتِ الْإِذْنِ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي فَلَا يُجْعَلُ سُكُوتُهُ إذْنًا. وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الرَّقَبَةِ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْكُلُّ مَحْجُورًا فَرَآهُ الْمَوْلَى يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فَلَمْ يَنْهَهُ صَارَ الْكُلُّ مَأْذُونًا فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ النِّصْفُ مَحْجُورًا؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُ عَنْ النَّهْيِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِتَصَرُّفِهِ بِمَنْزِلَةِ التَّصْرِيحِ بِالْإِذْنِ، وَإِنْ كَاتَبَ نِصْفَ عَبْدِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْبَاقِيَ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لِلْعَبْدِ حَقُّ التَّكَسُّبِ وَالتَّقَلُّبِ لَازِمًا، وَفِي بَيْعِ الْبَاقِي إبْطَالُ هَذَا الْحَقِّ عَلَيْهِ فَإِنْ بَاعَهُ مِنْ الْعَبْدِ عَتَقَ النِّصْفُ الَّذِي بَاعَهُ؛ لِأَنَّ بَيْعَ النِّصْفِ مِنْ نَفْسِهِ إعْتَاقٌ وَكِتَابَةُ الْبَعْضِ لَا تَمْنَعُ إعْتَاقَ مَا بَقِيَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ فِي الْإِعْتَاقِ تَقْرِيرَ حَقِّهِ لَا إبْطَالَهُ وَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ عَجَزَ وَسَعَى فِي نِصْفِ قِيمَتِهِ، وَإِنْ شَاءَ مَضَى عَلَى الْكِتَابَةِ فَإِنْ مَضَى عَلَى الْكِتَابَةِ وَأَدَّى بَعْضَهَا ثُمَّ عَجَزَ حُسِبَ لَهُ مَا أَدَّى مِنْ نِصْفِ الْقِيمَةِ وَسَعَى فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ بِعِتْقِ النِّصْفِ صَارَ هُوَ أَحَقَّ بِجَمِيعِ كَسْبِهِ وَلِلْمَوْلَى عَلَيْهِ إمَّا الْكِتَابَةُ وَإِمَّا نِصْفُ الْقِيمَةِ فَمَا سَبَقَ فِيهِ يَكُونُ مَحْسُوبًا مِمَّا لَهُ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ بَدَلُ الْكِتَابَةِ فِي حَالِ قِيَامِ الْعَقْدِ أَوْ نِصْفِ الْقِيمَةِ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ، وَمَا كَانَ كَسَبَهُ قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ نَفْسَهُ فَلَهُ نِصْفُهُ وَلِلْمَوْلَى نِصْفُهُ؛ لِأَنَّ نِصْفَهُ كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى حِينَ اكْتَسَبَ هَذَا الْمَالَ فَإِنْ كَانَ أَدَّى إلَى الْمَوْلَى شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَشْتَرِيَ نَفْسَهُ فَقَالَ الْمَوْلَى اطْرَحْ نِصْفَ ذَلِكَ الْمُؤَدَّى؛ لِأَنَّ لِي نِصْفَ الْكَسْبِ فَلَهُ ذَلِكَ إنْ كَانَ أَدَّاهُ

стр. 1661

مِنْ شَيْءٍ اكْتَسَبَهُ، وَإِنْ كَانَ أَدَّاهُ مِنْ دَيْنٍ اسْتَدَانَهُ فَلَا شَيْءَ لِلْمَوْلَى مِنْ ذَلِكَ لِمَا قُلْنَا أَنَّهُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ مَأْذُونٌ لَهُ وَلَا يُسَلَّمُ كَسْبُهُ لِلْمَوْلَى إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ دَيْنِهِ. وَلَوْ كَاتَبَ نِصْفَ عَبْدِهِ ثُمَّ اشْتَرَى السَّيِّدُ مِنْ الْمُكَاتَبِ شَيْئًا جَازَ الشِّرَاءُ فِي نِصْفِهِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ مِنْهُ مُكَاتَبٌ وَالنِّصْفَ مَأْذُونٌ، وَشِرَاءُ الْمَوْلَى مِنْ مُكَاتَبِهِ مُفِيدٌ وَشِرَاؤُهُ مِنْ الْمَأْذُونِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ غَيْرُ مُفِيدٍ فَلِهَذَا كَانَ نِصْفُ الْمُشْتَرِي لِلسَّيِّدِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لِلسَّيِّدِ بِقَدِيمِ مِلْكِهِ، وَإِنْ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ مِنْ مَوْلَاهُ عَبْدًا فَفِي الِاسْتِحْسَانِ جَازَ شِرَاؤُهُ فِي الْكُلِّ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ مِنْهُ مُكَاتَبٌ وَالنِّصْفَ مَأْذُونٌ. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ شِرَاؤُهُ إلَّا فِي النِّصْفِ؛ لِأَنَّ النِّصْفَ مِنْهُ مُكَاتَبٌ وَالنِّصْفَ مَمْلُوكٌ لِلْمَوْلَى وَشِرَاءُ الْمَمْلُوكِ مِنْ مَوْلَاهُ لَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ وَيَجُوزُ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِأَنَّهُ مُفِيدٌ فَكَذَلِكَ هُنَا وَبِالْقِيَاسِ نَأْخُذُ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى الْوَجْهَيْنِ فَالْعُقُودُ الشَّرْعِيَّةُ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ بِعَيْنِهَا بَلْ لِفَائِدَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ. [بَابُ كِتَابَةِ الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ] (قَالَ) ﵁ وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ جَازَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِرَقَبَتِهِ أَوْ لَا يُحِيطُ بِهَا فَلِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَرُدُّوا الْكِتَابَةَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاعَهُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْغُرَمَاءُ يَتَوَصَّلُونَ إلَى حَقِّهِمْ مِنْ الثَّمَنِ فِي الْحَالِ وَهُنَا لَا يَتَوَصَّلُونَ إلَى حَقِّهِمْ؛ لِأَنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ مُنَجَّمٌ مُؤَجَّلٌ عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَنْقُضُوا الْبَيْعَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُمْ فَلَأَنْ يَكُونَ لَهُمْ أَنْ يَنْقُضُوا الْكِتَابَةَ أَوْلَى فَإِنْ أَخَذَ الْمَوْلَى الْكِتَابَةَ أَوْ بَعْضَهَا ثُمَّ عَلِمَ الْغُرَمَاءُ بِذَلِكَ فَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ فِي كَسْبِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمَوْلَى فَلَا يُسَلَّمُ لِلْمَوْلَى شَيْءٌ مِنْ كَسْبِهِ مَا بَقِيَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ وَلَكِنَّ الْعَبْدَ قَدْ عَتَقَ إنْ كَانَ أَدَّى جَمِيعَ الْكِتَابَةِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَعْتَقَهُ الْمَوْلَى فَإِنَّ قِيَامَ الدَّيْنِ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ إعْتَاقِ الْمَوْلَى إيَّاهُ فَإِنْ بَقِيَ مِنْ دَيْنِهِمْ شَيْءٌ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُضَمِّنُوا الْمَوْلَى قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّ مَالِيَّةَ رَقَبَتِهِ كَانَ حَقًّا لِلْغُرَمَاءِ حَتَّى يَبِيعُوهُ فِي دَيْنِهِمْ وَقَدْ أَبْطَلَ الْمَوْلَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالْإِعْتَاقِ فَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ ثُمَّ يُتْبِعُونَ الْعَبْدَ بِبَقِيَّةِ دَيْنِهِمْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ وَبِالْعِتْقِ تَقْوَى ذِمَّتُهُ وَلَا يَرْجِعُ الْمَوْلَى عَلَى الْعَبْدِ بِالْمُكَاتَبَةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا كَاتَبَهُ لِيُؤَدِّيَ الْبَدَلَ مِنْ كَسْبِهِ وَهُوَ كَانَ عَالِمًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَنَّ كَسْبَهُ مَشْغُولٌ بِالدَّيْنِ فَيَكُونُ رَاضِيًا بِقَبْضِ الْبَدَلِ مَشْغُولًا وَلِأَنَّ

стр. 1662

الْبَدَلَ لِلْمَوْلَى بِمَا أَوْجَبَهُ لِلْعَبْدِ مِنْ الْحَقِّ فِي كَسْبِهِ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَ لَهُ الْحَقَّ فِي كَسْبِهِ مَشْغُولًا بِالدَّيْنِ فَإِذَا سَلَّمَ الْبَدَلَ لِلْمَوْلَى مَشْغُولًا بِالدَّيْنِ تَتَحَقَّقُ الْمُسَاوَاةُ. وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ الْمَوْلَى الْمُكَاتَبَةَ وَلَمْ يَرُدَّهَا الْغُرَمَاءُ حَتَّى قَضَى الْمَوْلَى دَيْنَهُمْ جَازَتْ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ دَيْنُهُمْ وَقَدْ ارْتَفَعَ بِوُصُولِ دَيْنِهِمْ فَجَازَتْ الْكِتَابَةُ كَمَا لَوْ بَاعَهُ ثُمَّ قَضَى الدَّيْنَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ حَقُّ الْغُرَمَاءِ وَقَدْ ارْتَفَعَ بِوُصُولِ دَيْنِهِمْ إلَيْهِمْ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ مِلْكُهُ بِمَا أَدَّى فَهُوَ كَمَا إذَا أَدَّى الْفِدَاءَ عَنْ الْعَبْدِ الْجَانِي وَلِأَنَّهُ أَصْلَحَ مُكَاتَبَتَهُ فَيَكُونُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فِي ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُطَالَبًا بِأَدَاءِ هَذَا الدَّيْنِ وَكَانَ هُوَ فِي الْأَدَاءِ كَمُتَبَرِّعٍ آخَرَ وَكَذَلِكَ إنْ أَبَى الْمَوْلَى أَنْ يُؤَدِّيَ الدَّيْنَ فَأَدَّاهُ الْغُلَامُ عَاجِلًا؛ لِأَنَّهُ سَقَطَ حَقُّهُمْ بِوُصُولِ دَيْنِهِمْ إلَيْهِمْ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ. رَجُلٌ كَاتَبَ أُمَّتَهُ وَعَلَيْهَا دَيْنٌ فَوَلَدَتْ وَلَدًا وَأَدَّتْ الْمُكَاتَبَةَ ثُمَّ حَضَرَ الْغُرَمَاءُ فَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا الْمُكَاتَبَةَ مِنْ السَّيِّدِ؛ لِأَنَّهُ كَسْبُهَا وَيُضَمِّنُونَهُ قِيمَةَ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَالِيَّتَهَا عَلَيْهِمْ بِالْعِتْقِ وَيَرْجِعُونَ بِفَضْلِ الدَّيْنِ إنْ شَاءُوا عَلَى الْجَارِيَةِ، وَإِنْ شَاءُوا عَلَى الْوَلَدِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِمَالِيَّةِ الْوَلَدِ لَمَّا انْفَصَلَ بَعْدَ لُحُوقِ الدَّيْنِ إيَّاهَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُبَاعُ فِي دُيُونِهِمْ وَقَدْ احْتَبَسَتْ تِلْكَ الْمَالِيَّةُ عِنْدَ الْوَلَدِ بِالْعِتْقِ فَيَبِيعُونَهُ بِدَيْنِهِمْ إنْ شَاءُوا وَلَكِنْ لَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ إلَّا مِقْدَارَ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الدَّيْنِ عَلَيْهِ بِاحْتِبَاسِ مَالِيَّتِهِ عِنْدَهُ فَيَتَقَدَّرُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ، وَإِنْ شَاءُوا رَجَعُوا عَلَى الْجَارِيَةِ بِجَمِيعِ دُيُونِهِمْ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهَا تَأَكَّدَتْ بِالْعِتْقِ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُضَمِّنُوا الْمَوْلَى قِيمَةَ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ مَا صَنَعَ فِي الْوَلَدِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا عَتَقَ الْوَلَدُ تَبَعًا لِلْأُمِّ بِجِهَةِ الْكِتَابَةِ، وَإِنْ مَاتَتْ الْأُمُّ بَعْدَ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَعَلَى الْوَلَدِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ الدَّيْنِ لِمَا قُلْنَا. أَمَةٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَذِنَ لَهُمَا أَحَدُهُمَا فِي التِّجَارَةِ فَاسْتَدَانَتْ دَيْنًا ثُمَّ كَاتَبَ الْآخَرُ نَصِيبَهُ مِنْهَا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ فَأَبَى الْغُرَمَاءُ أَنْ يُجِيزُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ اسْتَحَقُّوا بَيْعَ نَصِيبِ الْآذِنِ، وَفِي دُيُونِهِمْ، وَفِي لُزُومِ الْكِتَابَةِ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ إبْطَالُ هَذَا الْحَقِّ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ مُكَاتَبَ الْبَعْضِ لَا يُبَاعُ وَلِأَنَّ إذْنَ الشَّرِيكِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ فِي نَصِيبِهِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّهِ فَيُجْعَلُ وُجُودُ إذْنِهِ كَعَدَمِهِ فَإِنْ رَضَوْا بِهِ جَازَ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ حَقُّهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ الْغُرَمَاءُ حَتَّى أَخَذَ الْمَوْلَى الْكِتَابَةَ عَتَقَ نَصِيبُهُ لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَيَأْخُذُ الْغُرَمَاءُ نِصْفَ مَا أَخَذَ مِنْ كَسْبِهِ وَنِصْفَ حِصَّةِ نَصِيبِ الْآذِنِ وَهُوَ مَشْغُولٌ بِدُيُونِهِمْ ثُمَّ يَرْجِعُ بِهِ الَّذِي كَاتَبَهُ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الْمُكَاتَبِ مِنْ الْكَسْبِ قَدْ سَلِمَ لَهَا، وَلَمْ يَسْلَمْ لَهُ جَمِيعُ الْبَدَلِ

стр. 1663

مِنْ جِهَتِهَا فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا بِمَا اسْتَحَقَّ مِنْ ذَلِكَ مِنْ يَدِهِ. أَمَةٌ مَأْذُونٌ لَهَا فِي التِّجَارَةِ عَلَيْهَا دَيْنٌ فَوَلَدَتْ وَلَدًا وَكَاتَبَ السَّيِّدُ الْوَلَدَ فَلِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَرُدُّوا ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ بِالْأُمِّ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ تَعَلَّقَ بِمَالِيَّةِ الْوَلَدِ حَتَّى يُبَاعَ بِهِ فِي دُيُونِهِمْ، وَفِي الْكِتَابَةِ إبْطَالُ ذَلِكَ الْحَقِّ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا وَفَاءٌ جَازَتْ الْكِتَابَةُ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ يَصِلُ إلَيْهِمْ مِنْ مَالِيَّةِ الْأُمِّ بِبَيْعِهَا فِي دُيُونِهِمْ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْأُمَّ أَصْلٌ، وَالْوَلَدَ تَبَعٌ وَإِذَا كَانَ فِي الْأَصْلِ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ التَّبَعِ مَشْغُولًا بِالدَّيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي كَسْبِهَا وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ لَا تُبَاعُ رَقَبَتُهَا فِيهِ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ فِيهَا وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ لَا يُبَاعُ وَلَدُهَا فِيهِ فَلِهَذَا جَازَتْ الْكِتَابَةُ فَإِنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ الْوَلَدَ كَانَ لَهُمْ أَنْ يُضَمِّنُوهُ قِيمَتَهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْأُمِّ وَفَاءٌ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ تَعَلَّقَ بِمَالِيَّتِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَفَاءِ فِي الْأُمِّ، وَقَدْ أَتْلَفَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالْإِعْتَاقِ فَيَضْمَنُ لَهُمْ قِيمَتَهُ كَمَا لَوْ أَعْتَقَ الْأُمَّ فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ مُعْسِرًا فَلَهُمْ أَنْ يَسْتَسْعَوْا الِابْنَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِمَالِيَّتِهِ وَقَدْ احْتَبَسَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِالْعِتْقِ فَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَسْتَسْعُوهُ فِي الْأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ، وَمِمَّا بَقِيَ مِنْ الدَّيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ عَلَيْهَا دَيْنٌ فَوَلَدَتْ وَلَدًا فَشَبَّ الْوَلَدُ وَبَاعَ وَاشْتَرَى وَلَزِمَهُ دَيْنٌ ثُمَّ جَاءَ الْغُرَمَاءُ الْأَوَّلُونَ فَرَدُّوا الْمُكَاتَبَةَ فَقَدْ بَطَلَتْ الْمُكَاتَبَةُ بِرَدِّهِمْ لِقِيَامِ حَقِّهِمْ فِي مَالِيَّةِ الْأُمِّ تُبَاعُ الْأُمُّ لِغُرَمَائِهَا وَيُبَاعُ الْوَلَدُ لِغُرَمَائِهِ خَاصَّةً دُونَ غُرَمَاءِ أُمِّهِ؛ لِأَنَّ دَيْنَهُ فِي ذِمَّتِهِ وَقَدْ تَعَلَّقَ بِمَالِيَّتِهِ فَهُوَ آكَدُ مِنْ دَيْنِ غُرَمَاءِ الْأُمِّ إذْ لَيْسَ فِي ذِمَّتِهِ مِنْ دُيُونِهِمْ شَيْءٌ أَلَا تَرَى أَنَّ دَيْنَ الْعَبْدِ وَدَيْنَ الْمَوْلَى إذَا اجْتَمَعَا فِي مَالِيَّةِ الْعَبْدِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى يُقَدَّمُ دَيْنُهُ عَلَى دَيْنِ الْمَوْلَى. (فَإِنْ قِيلَ) هُنَاكَ دَيْنُهُ أَسْبَقُ تَعَلُّقًا بِمَالِيَّتِهِ وَهُنَا دَيْنُ غُرَمَاءِ الْأُمِّ أَسْبَقُ تَعَلُّقًا بِمَالِيَّةِ الْوَلَدِ (قُلْنَا) التَّرْجِيحُ بِالسَّبْقِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْقُوَّةِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ دَيْنَ الْوَلَدِ أَقْوَى حَتَّى يَبْقَى كُلُّهُ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَالضَّعِيفُ لَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْقَوِيِّ وَلَا مَعْنَى لِلتَّرْجِيحِ بِالسَّبْقِ مَعَ التَّفَاوُتِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ كَاتَبَ الْأُمَّ وَلَكِنَّهُ أَذِنَ لِلْوَلَدِ فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ بِالْإِذْنِ يَتَعَلَّقُ دَيْنُهُ بِمَالِيَّةِ رَقَبَتِهِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِثُبُوتِ حُكْمِ الْكِتَابَةِ فِيهِ. رَجُلٌ كَاتَبَ عَبْدَيْنِ لَهُ تَاجِرَيْنِ عَلَيْهِمَا دَيْنٌ مُكَاتَبَةً وَاحِدَةً فَغَابَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ جَاءَ الْغُرَمَاءُ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا الْحَاضِرَ فِي الرِّقِّ؛ لِأَنَّ كِتَابَتَهُمَا وَاحِدَةٌ فَلَا يُرَدَّانِ فِي الرِّقِّ إلَّا مَعًا وَالْحَاضِرُ لَا يَنْتَصِبُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ فَكَانَ غَيْبَةُ أَحَدِهِمَا كَغِيبَتِهِمَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ رُدَّ الْحَاضِرُ فِي الرِّقِّ وَبِيعَ فِي الدَّيْنِ ثُمَّ أَدَّى الْغَائِبُ الْبَدَلَ عَتَقَا جَمِيعًا، وَبَطَلَ الْبَيْعُ فَعَرَفْنَا أَنَّ رَدَّ الْحَاضِرِ فِي الرِّقِّ غَيْرُ مُفِيدٍ شَيْئًا وَلَكِنَّهُمْ يَسْتَسْعَوْنَهُ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ دُيُونَهُمْ ثَابِتَةٌ

стр. 1664

فِي ذِمَّتِهِ فَيَأْخُذُونَ ذَلِكَ مِنْ كَسْبِهِ وَمَا أَدَّى مِنْ الْمُكَاتَبَةِ فَالْغُرَمَاءُ أَحَقُّ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَسْبِهِ أَيْضًا وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُضَمِّنُوا الْمَوْلَى قِيمَتَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى مَا أَتْلَفَ مَالِيَّتَهُمَا عَلَى الْغُرَمَاءِ وَلَا كَسْبَهُمَا أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ حَضَرَا رُدَّا فِي الرِّقِّ وَبِيعَا لِلْغُرَمَاءِ فِي الدَّيْنِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ إتْلَافَ الْمَالِيَّةِ عَلَى الْغُرَمَاءِ يَكُونُ بِثُبُوتِ حَقِيقَةِ الْعِتْقِ فِي الرَّقَبَةِ أَوْ حَقِّ الْعِتْقِ وَبِمُجَرَّدِ الْكِتَابَةِ لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلِهَذَا احْتَمَلَ الْكِتَابَةَ الْفَسْخُ أَلَا تَرَى أَنَّ حَقَّ الْغُرَمَاءِ بِمَنْزِلَةِ حَقِّ الشَّرِيكِ وَلَوْ كَاتَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لَمْ يَكُنْ لَلشَّرِيكُ الْآخَرِ أَنْ يُضَمِّنَهُ شَيْئًا قَبْلَ أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَكَذَلِكَ الْغُرَمَاءُ وَلَكِنَّهُمْ إنْ شَاءُوا ضَمَّنُوهُ قِيمَةَ هَذَا الْعَبْدِ الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَهُمْ مِنْ بَيْعِهِ بِتَصَرُّفِهِ وَالتَّأْخِيرُ كَالْإِبْطَالِ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ وَلَوْ أَبْطَلَ حَقَّ الْبَيْعِ بِتَصَرُّفِهِ بِالتَّدْبِيرِ كَانَ ضَامِنًا لَهُمْ فَكَذَلِكَ إذَا أَخَّرَهُ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُضَمِّنُوهُ قِيمَةَ الْغَائِبِ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ بَيْعِهِ لَيْسَ بِتَصَرُّفِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ حَضَرَ تَمَكَّنُوا مِنْ بَيْعِهِ. وَلَوْ حَضَرَ الْعَبْدَانِ فَأَجَازَ الْغُرَمَاءُ مُكَاتَبَةَ أَحَدِهِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا الْآخَرَ فِي الرِّقِّ؛ لِأَنَّ مُكَاتَبَتَهُمَا وَاحِدَةٌ فَإِجَازَتُهُمْ الْعَقْدَ فِي أَحَدِهِمَا يَكُونُ إجَازَةً فِي الْآخَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ مِيرَاثِ الْمُكَاتَبِ] (قَالَ): وَإِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ عَنْ وَفَاءٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ وَصَايَا مِنْ تَدْبِيرٍ وَغَيْرِهِ وَتَرَكَ وَلَدًا حُرًّا وَوَلَدًا وُلِدَ فِي الْمُكَاتَبَةِ مِنْ أَمَتِهِ بُدِئَ مِنْ تَرِكَتِهِ بِدُيُونِ الْأَجَانِبِ؛ لِأَنَّ دَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ أَقْوَى مِنْ دَيْنِ الْمَوْلَى حَتَّى يَبْقَى دَيْنُ الْأَجْنَبِيِّ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَجْزِ دُونَ دَيْنِ الْمَوْلَى ثُمَّ بِدَيْنِ الْمَوْلَى إنْ كَانَ ثُمَّ بِالْمُكَاتَبَةِ؛ لِأَنَّ دَيْنَ الْمَوْلَى أَقْوَى مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ إذْ لَيْسَ لِبَدَلِ الْكِتَابَةِ حُكْمُ الدَّيْنِ مَا لَمْ يَقْبِضْ وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَنْ يُعْجِزَ نَفْسَهُ عَنْ الْمُكَاتَبَةِ فَيُسْقِطُهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يَمْلِكُ أَنْ يُعْجِزَ نَفْسَهُ عَنْ سَائِرِ الدُّيُونِ سِوَى الْمُكَاتَبَةِ ثُمَّ بِالْمُكَاتَبَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ أُدِّيَتْ حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ وَالْبَاقِي مِيرَاثٌ بَيْنَ أَوْلَادِهِ وَبَطَلَتْ وَصَايَاهُ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اسْتِنَادَ الْعِتْقِ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي حُكْمِ الْكِتَابَةِ دُونَ وَصَايَاهُ وَوَصَايَا الْمُكَاتَبِ فِي الْحَاصِلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: (أَحَدُهُمَا) أَنْ يُوصِيَ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْيَانِ كَسْبِهِ فَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ سَوَاءٌ أَدَّى الْكِتَابَةَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ أَوْ مَاتَ قَبْلَ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْعَيْنِ يُرَاعَى قِيَامُ مِلْكِ الْمُوصِي وَقْتَ الْإِيصَاءِ وَمِلْكُهُ وَقْتَ الْإِيصَاءِ لَا يَحْتَمِلُ الْوَصِيَّةَ. (وَالثَّانِي) أَنْ يَقُولَ إذَا عَتَقْتُ فَثُلُثُ مَالِي وَصِيَّةٌ لَكَ فَإِنْ أَدَّى بَدَلَ الْكِتَابَةَ وَعَتَقَ ثُمَّ

стр. 1665

مَاتَ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالشَّرْطِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَالْمُنَجَّزِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّ حَتَّى مَاتَ فَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ. (وَالثَّالِثُ) أَنْ يَقُولَ ثُلُثُ مَالِي وَصِيَّةٌ لِفُلَانٍ ثُمَّ يُؤَدِّي بَدَلَ الْكِتَابَةِ ثُمَّ يَمُوتُ فَهَذِهِ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَحِيحَةٌ عِنْدَهُمَا وَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْعَتَاقِ إذَا قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فِيمَا اسْتَقْبَلَ فَهُوَ حُرٌّ ثُمَّ عَتَقَ فَمَلَكَ مَمْلُوكًا فَإِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ أَلْفًا وَعَلَيْهِ لِلْمَوْلَى أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنٌ وَبَدَلُ الْكِتَابَةِ بُدِئَ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ اسْتِحْسَانًا. وَفِي الْقِيَاسِ يَبْدَأُ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ أَقْوَى مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَلِلِاسْتِحْسَانِ وَجْهَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْمَوْلَى لَوْ قَبَضَ هَذَا الْمَالَ بِجِهَةِ الْكِتَابَةِ يُسَلَّمُ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ وَلَوْ قَبَضَهُ مِنْ جِهَةِ الدَّيْنِ لَا يُسَلَّمُ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَاتَ عَاجِزًا وَالْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا. (وَالثَّانِي) أَنَّهُ إذَا قَبَضَ بِجِهَةِ الْكِتَابَةِ سَلَّمَ الْمَالَ لَهُ وَوَصَلَ الْمُكَاتَبُ إلَى شَرَفِ الْحُرِّيَّةِ وَإِذَا قَبَضَ بِجِهَةِ الدَّيْنِ لَا يُسَلَّمُ لَهُ إلَّا ذَلِكَ الْمَالُ أَيْضًا وَلَا تَحْصُلُ الْحُرِّيَّةُ لِلْعَبْدِ فَكَانَ قَبْضُهُ مِنْ جِهَةٍ يَحْصُلُ بِهَا لِلْعَبْدِ الْحُرِّيَّةُ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا إلَّا دَيْنًا عَلَى إنْسَانٍ فَاسْتَسْعَى الْوَلَدُ الْمَوْلُودُ فِي الْكِتَابَةِ وَلَا دَيْنَ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ سِوَاهَا فَعَجَزَ عَنْهُ وَقَدْ أَيِسَ مِنْ الدَّيْنِ أَنْ يَخْرُجَ فَإِنَّهُ يُرَدُّ فِي الرِّقِّ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ الْمَأْيُوسَ تَاوٍ فَلَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِهِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَدَاءِ وَبِدُونِهِ قَدْ تَحَقَّقَ عَجْزُ الْوَلَدِ وَلَوْ تَحَقَّقَ عَجْزُ الْأُمِّ فِي حَيَاتِهَا لَكَانَتْ تُرَدُّ فِي الرِّقِّ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالدَّيْنِ الْمَأْيُوسِ عَنْ خُرُوجِهِ فَكَذَلِكَ إذَا تَحَقَّقَ عَجْزُ الْوَلَدِ فَإِذَا خَرَجَ الدَّيْنُ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ كَسْبُ أَمَتِهِ. وَإِذَا مَاتَتْ الْمُكَاتَبَةُ عَنْ وَفَاءٍ وَوَلَدٍ قَدْ كُوتِبَ عَلَيْهِ مُكَاتَبَةً وَاحِدَةً وَهُوَ صَغِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ أَوْ عَنْ وَلَدٍ مَوْلُودٍ فِي مُكَاتَبَتِهَا وَرِثَهُ بَعْدَ قَضَاءِ مُكَاتَبَتِهَا؛ لِأَنَّ عِتْقَ الْوَلَدِ لَا يَسْتَنِدُ إلَى مَا يَسْتَنِدُ إلَيْهِ عِتْقُ الْأَبِ إمَّا؛ لِأَنَّهُ مُكَاتَبٌ مَعَهُ مَضْمُومٌ إلَيْهِ فِي الْعَقْدِ أَوْ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ مُنْفَرِدًا بِكِتَابَتِهِ فَأَدَّاهَا بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ قَبْلَ قَضَاءِ مُكَاتَبَةِ الْأَبِ أَوْ بَعْدَهُ لَمْ يَرِثْهُ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ بِالْكِتَابَةِ فَإِنَّمَا يُعْتَقُ مِنْ وَقْتِ أَدَاءِ الْبَدَلِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنَادَ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَقِّهِ هُنَا فَإِذَا لَمْ يَسْتَنِدْ عِتْقُهُ كَانَ هُوَ عَبْدًا عِنْدَ مَوْتِ أَبِيهِ فَلِهَذَا لَا يَرِثُهُ. وَإِنْ مَاتَ الْمَوْلَى عَنْ مُكَاتَبِهِ وَلَهُ وَرَثَةٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ ثُمَّ مَاتَ الْمُكَاتَبُ عَنْ وَفَاءِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي كِتَابَتَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْنَ جَمِيعِ وَرَثَةِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مَالُهُ فَيَكُونُ مِيرَاثًا لَهُمْ عَنْهُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ وَمَا فَضَلَ عَنْهَا فَلِلذُّكُورِ مِنْهُمْ دُونَ الْإِنَاثِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكَاتَبِ وَارِثٌ سِوَى وَرَثَةِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ بِأَدَاءِ مُكَاتَبَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ يُحْكَمُ بِحُرِّيَّتِهِ وَكَانَ وَلَاؤُهُ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقُّ وَلَاءَهُ بِكِتَابَتِهِ فِي حَيَاتِهِ فَإِنَّمَا يَخْلُفُهُ فِي الْمِيرَاثِ

стр. 1666

بِالْوَلَاءِ الذُّكُورُ مِنْ عَصَبَتِهِ دُونَ الْإِنَاثِ وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَمُتْ الْمُكَاتَبُ حَتَّى أَدَّى الْمُكَاتَبَةَ إلَيْهِمْ أَوْ وَهَبُوهَا لَهُ أَوْ أَعْتَقُوهُ ثُمَّ مَاتَ فَمِيرَاثُهُ لِلذُّكُورِ مِنْ وَرَثَةِ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ عَتَقَ عَلَى مِلْكِهِ فَإِنَّهُ عَتَقَ وَهُوَ مُكَاتَبٌ وَالْمُكَاتَبُ لَا يُورَثُ فَلِهَذَا كَانَ وَلَاؤُهُ لِلْمَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ. [بَابُ مُكَاتَبَةِ الصَّغِيرِ] (قَالَ) ﵁ رَجُلٌ كَاتَبَ عَبْدًا صَغِيرًا لَمْ يَعْقِلْ لَمْ تَجُزْ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِالْقَبُولِ وَاَلَّذِي لَا يَعْقِلُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ فَإِنْ كَانَ يَعْقِلُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقَبُولِ أَلَا تَرَى أَنَّ إذْنَ الْمَوْلَى لَهُ فِي التِّجَارَةِ يَصِحُّ، وَإِنَّهُ يَقْبَلُ الْهِبَةَ وَالصَّدَقَةَ؛ لِأَنَّهُ نَفْعٌ فَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ وَإِذَا صَحَّ الْعَقْدُ كَانَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْكَبِيرِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْقِلُ فَكَاتَبَهُ ثُمَّ أَدَّاهَا عَنْهُ رَجُلٌ فَقَبِلَهَا الْمَوْلَى لَمْ يُعْتَقْ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الْبَدَلِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ بَعْدَ انْعِقَادِ الْعَقْدِ وَلَمْ يَنْعَقِدْ الْعَقْدُ حِينَ لَمْ يَقْبَلْهُ أَحَدٌ فَلَا يَحْصُلُ الْعِتْقُ بِالْأَدَاءِ. كَمَا لَوْ كَاتَبَ مَا فِي بَطْنِ جَارِيَتِهِ فَجَاءَ رَجُلٌ وَأَدَّى عَنْهُ الْمَالَ لَمْ يُعْتَقْ ثُمَّ يُرَدُّ الْمَالُ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ أَدَاءَهُ لِمَقْصُودٍ وَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ الْمَقْصُودُ وَلِأَنَّهُ أَدَّاهُ بِاعْتِبَارِ سَبَبٍ بَاطِلٍ. وَإِذَا كَاتَبَ عَبْدَيْنِ صَغِيرَيْنِ يَعْقِلَانِ مُكَاتَبَةً وَاحِدَةً فَهُمَا كَالْكَبِيرَيْنِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي يَعْقِلُ مِنْ أَهْلِ قَبُولِ الْكِتَابَةِ فَكَانَ كَالْكَبِيرِ فِيمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ حَقِيقَةَ الْكَفَالَةِ لَا تَثْبُتُ فِي هَذِهِ الْكِتَابَةِ إذَا كَانَ الْعَبْدَانِ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ وَالصَّغِيرَانِ فِيهِ كَالْكَبِيرَيْنِ. رَجُلٌ كَاتَبَ عَلَى عَبْدٍ لِرَجُلٍ رَضِيعٍ رَضِيَ الْمَوْلَى بِذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْقَابِلِ عَلَى عَبْدِ الْغَيْرِ وَلَا يَلْزَمُهُ الْبَدَلُ بِالْقَبُولِ فِي كِتَابَةِ الْغَيْرِ وَلَكِنْ إنْ أَدَّى إلَيْهِ الْمُكَاتَبَةَ عَتَقَ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يُعْتَقُ لِمَا بَيَّنَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ قَبُولَ الرَّجُلِ عَلَى الرَّضِيعِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ هُنَا فَقَالَ يُعْتَقُ وَقَالَ فِي وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ: أَجْعَلُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ خَاطَبَ الْأَجْنَبِيَّ هُنَا بِالْعَقْدِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُعَلَّقًا عِتْقُهُ بِأَدَاءِ الْأَجْنَبِيِّ، وَفِي الْأَوَّلِ مَا خَاطَبَ الْأَجْنَبِيَّ بِعَقْدٍ إنَّمَا خَاطَبَ بِهِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُعَلَّقًا عِتْقُهُ بِأَدَاءِ الْأَجْنَبِيِّ وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ الْعَقْدَ هُنَا مُنْعَقِدٌ لِقَبُولِ الْأَجْنَبِيِّ وَلَكِنْ لَمْ يَلْزَمْ مُرَاعَاةٌ لِحَقِّ الْمَوْلَى حَتَّى لَمْ يَجِبْ لَهُ الْبَدَلُ عَلَى أَحَدٍ فَإِذَا أَدَّى إلَيْهِ الْمُكَاتَبَةَ فَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ حَقُّهُ فَقُلْنَا بِأَنَّهُ يُعْتَقُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَاتَبَ حُرًّا عَلَى عَبْدٍ لَهُ غَائِبٍ

стр. 1667

ثُمَّ رَجَعَ الْغَائِبُ فَأَجَازَ كَانَ الْعَقْدُ جَائِرًا وَلَوْ أَدَّى الْقَابِلُ قَبْلَ رُجُوعِ الْغَائِبِ عَتَقَ الْغَائِبُ وَلَوْ أَدَّى الْبَدَلَ إلَّا دِرْهَمًا ثُمَّ رَجَعَ الْغَائِبُ فَأَجَازَ فَعَلَيْهِ أَدَاءُ الدَّرَاهِمِ الْبَاقِي وَيُعْتَقُ إذَا أَدَّى فَبِهَذَا تَبَيَّنَ مَعْنَى الِاسْتِحْسَانِ فِي الرَّضِيعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ مُكَاتَبَةِ عَبْدِهِ عَلَى نَفْسِهِ] (قَالَ) ﵁ رَجُلٌ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى عَبْدٍ لَهُ آخَرَ غَائِبٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ مُكَاتَبَةً وَاحِدَةً وَضَمِنَهَا الْحَاضِرُ فَإِنَّ مُكَاتَبَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ جَائِزَةٌ وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْغَائِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ فِي الْإِلْزَامِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ عَلَى طَرِيقَةِ الْقِيَاسِ الْحَاضِرِ يَصِيرُ مُكَاتَبًا بِحِصَّتِهِ مِنْ الْبَدَلِ وَعَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِحْسَانِ يَصِيرُ مُكَاتَبًا بِجَمِيعِ الْبَدَلِ وَيَثْبُتُ حُكْمُ الْعَقْدِ فِي حَقِّ الْغَائِبِ فِيمَا لَا يَضُرُّهُ حَتَّى يَمْتَنِعَ بَيْعُهُ وَيُعْتَقَ بِأَدَاءِ الْحَاضِرِ جَمِيعَ الْمَالِ وَلَا يَرْجِعُ هُوَ عَلَى الْغَائِبِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْغَائِبِ شَيْءٌ مِنْ الْبَدَلِ وَلَا كَانَ هُوَ مَأْمُورًا بِالْأَدَاءِ عَنْهُ، وَإِنْ عَجَزَ الْحَاضِرُ رُدَّ فِي الرِّقِّ؛ لِأَنَّ الْمَالَ عَلَيْهِ خَاصَّةً وَقَدْ تَحَقَّقَ عَجْزُهُ وَلَا قَوْلَ لِلْغَائِبِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَبُولٍ وَلَا رَدٍّ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى إجَازَتِهِ بَلْ قَدْ نَفَذَ حِينَ وَجَبَ جَمِيعُ الْمَالِ عَلَى الْحَاضِرِ. وَإِنَّمَا ثَبَتَ حُكْمُ الْعَقْدِ فِي حَقِّهِ تَبَعًا وَلَا قَوْلَ لِلتَّبَعِ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ، وَإِنْ أَدَّى الْحَاضِرُ حِصَّتَهُ لَمْ تُعْتَقْ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ مُلْتَزِمٌ جَمِيعَ الْبَدَلِ وَالْمَوْلَى غَيْرُ رَاضٍ بِعِتْقِهِ مَا لَمْ يُؤَدِّ جَمِيعَ الْبَدَلِ، وَإِنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَفَاءٍ فَإِنْ عَجَّلَ الْآخَرُ جَمِيعَ الْمُكَاتَبَةِ قُبِلَ مِنْهُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ فِي حُكْمِ الْعَقْدِ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ الْمُشْتَرِي فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَذَلِكَ إنْ وَقَعَ الْعَقْدُ مَعَ هَذَا وَالْآخَرُ حَاضِرٌ سَاكِتٌ؛ لِأَنَّ سُكُوتَهُ لَا يَكُونُ الْتِزَامًا لِلْبَدَلِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْبَدَلِ فَحُضُورُهُ وَغَيْبَتُهُ سَوَاءٌ، وَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ عَلَى نَفْسِهِ وَوَلَدٌ لَهُ صَغِيرٌ إذْ لَا وِلَايَةَ لِلْمَمْلُوكِ عَلَى وَلَدِهِ فِي إلْزَامِ الْبَدَلِ إلَّا فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ إنْ مَاتَ الْوَالِدُ سَعَى الْوَلَدُ فِي الْمُكَاتَبَةِ عَلَى نُجُومِهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ الْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى هَذَا. رَجُلٌ كَاتَبَ جَارِيَةً لَهُ عَلَى نَفْسِهَا وَعَلَى جَارِيَةٍ أُخْرَى ثُمَّ اسْتَوْلَدَ السَّيِّدُ الْمُكَاتَبَةَ فَاخْتَارَتْ الْعَجْزَ فَلَهَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَقْصُودَةٌ فِي الْكِتَابَةِ وَالْمَالُ كُلُّهُ عَلَيْهَا وَقَدْ تَلْقَاهَا جِهَتَا حُرِّيَّةٍ فَلَهَا الْخِيَارُ، وَإِنْ اسْتَوْلَدَ الْأُخْرَى فَعَلَى طَرِيقَةِ الْقِيَاسِ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْكِتَابَةِ وَتَسْعَى الْمُكَاتَبَةُ فِي حِصَّتِهَا مِنْ الْمَالِ وَعَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِحْسَانِ تَكُونُ عَلَى حَالِهَا حَتَّى يَنْظُرَ مَا تَصْنَعُ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْكِتَابَةِ

стр. 1668

قَدْ تَنَاوَلَهَا تَبَعًا وَلِهَذَا امْتَنَعَ بَيْعُهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ قَوْلَ التَّابِعِ لَا يُعْتَبَرُ، وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ حَقٌّ عَتَقَ لِجِهَةٍ أُخْرَى فَإِذَا أَدَّتْ الْأُخْرَى عَتَقَا جَمِيعًا، وَإِنْ عَجَزَتْ فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَإِنْ كَانَ دَبَّرَ لَمْ يَرْفَعْ عَنْ الْمُكَاتَبَةِ شَيْءٌ مِنْ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ بِالتَّدْبِيرِ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُ الْكِتَابَةِ فِيهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعْتَقَهَا فَإِنَّهُ يُسْقِطُ حِصَّتَهَا مِنْ الْبَدَلِ لِتَغَيُّرِ حُكْمِ الْعَقْدِ فِيهَا بِالْإِعْتَاقِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَ الْحَاضِرَةَ مِنْهُمَا سَقَطَ حِصَّتُهَا وَجُعِلَ كَالْقَابِضِ لِلْمَالِ مِنْهُمَا فَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَ الْأُخْرَى يُجْعَلُ كَالْقَابِضِ لِحِصَّتِهَا مِنْ الْبَدَلِ؛ لِأَنَّ الْأُخْرَى إنَّمَا الْتَزَمَتْ الْمَالَ عَنْهُمَا وَلَوْ أَدَّتْ الْغَائِبَةُ وَجَبَ الْقَبُولُ مِنْهَا فَكَذَلِكَ تَسْقُطُ حِصَّتُهَا بِإِعْتَاقِهِ إيَّاهَا، وَإِنْ لَمْ يُدَبِّرْهَا وَلَكِنَّهَا وَلَدَتْ وَلَدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ وَلَدَهَا؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ وَمَا كَانَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا لِثُبُوتِ حُكْمِ الْكِتَابَةِ فِيهَا فَكَذَلِكَ لَا يَبِيعُ وَلَدَهَا وَأَكْرَهُ لِلْمَوْلَى أَنْ يَطَأَهَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْكِتَابَةِ قَدْ ثَبَتَ فِيهَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ امْتَنَعَ بَيْعُهَا فَكَذَلِكَ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا كَالْوَلَدِ الْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ. وَإِنْ قَتَلَتْ فَأَخَذَ الْمَوْلَى قِيمَتُهَا، وَفِيهَا وَفَاءٌ بِالْكِتَابَةِ عَتَقَتْ الْمُكَاتَبَةُ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ نَفْسِهَا كَكَسْبِهَا وَلَوْ مَاتَتْ عَنْ كَسْبٍ كَانَ يُوَفِّي بَدَلَ الْكِتَابَةِ مِنْ كَسْبِهَا وَيَحْكُمُ بِحُرِّيَّتِهَا فَكَذَلِكَ يُجْعَلُ الْمَوْلَى مُسْتَوْفِيًا لِبَدَلِ الْكِتَابَةِ بِمَا أَخَذَ مِنْ قِيمَتِهَا وَلَمْ يَرْجِعْ الْمَوْلَى عَلَى الْمُكَاتَبَةِ بِشَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَيَّةً فَأَدَّتْ الْكِتَابَةَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ بِشَيْءٍ فَكَذَلِكَ مِنْ خَلْفِهَا وَهُوَ الْوَلِيُّ بِسَبَبِ الْوَلَاءِ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ بِشَيْءٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ. [بَابُ الْكِتَابَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ] (قَالَ) رَجُلٌ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى عَبْدٍ مُؤَجَّلٍ أَوْ عَلَى وَصَيْفٍ جَازَ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِتَسْمِيَةِ الْبَدَلِ فَلَا يَثْبُتُ الْحَيَوَانُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ قَالَ هَذَا عَقْدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ فِي حُكْمِ الْبَدَلِ وَالْبَدَلُ بِمُقَابَلَةِ مَا يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ مِنْ صِفَةِ الْمَالِكِيَّةِ وَذَلِكَ لَيْسَ بِمَالٍ، وَالْحَيَوَانُ يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بَدَلًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ كَمَا فِي الصَّدَاقِ ثُمَّ قِيمَةُ الْوَصِيفِ أَرْبَعُونَ دِينَارًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ، وَإِنْ جَاءَ بِوَصِيفٍ وَسَطٍ أَوْ قِيمَتِهِ أُجْبِرَ الْمَوْلَى عَلَى الْقَبُولِ كَمَا فِي الصَّدَاقِ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى هَذَا فِي النِّكَاحِ. وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ ثَوْبٍ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يُبَيِّنَ الْجِنْسَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الدَّابَّةِ وَالثَّوْبِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَجْنَاسٍ وَمَعَ جَهَالَةِ الْجِنْسِ لَا تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعُقُودِ

стр. 1669

كَمَا فِي الصَّدَاقِ وَالْخُلْعِ. رَجُلٌ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى جَارِيَةٍ فَدَفَعَهَا إلَيْهِ فَوَطِئَهَا الْمَوْلَى فَوَلَدَتْ مِنْهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ قَالَ يَأْخُذُهَا الْمُسْتَحِقُّ وَعَلَى الْمَوْلَى عُقْرُهَا وَقِيمَةُ وَلَدِهَا؛ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ فَإِنَّهُ اسْتَوْلَدَهَا عَلَى أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَوْلَى بِقِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَلَا يَرْجِعُ بِالْعُقْرِ؛ لِأَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَةِ الْمُكَاتَبِ وَالْمَغْرُورُ يَرْجِعُ عَلَى الْغَارِّ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ دُونَ الْعُقْرِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ فِي حُكْمِ الْغُرُورِ مِنْ الْمَوْلَى كَالْأَجْنَبِيِّ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ابْتَاعَ مُكَاتَبٌ لَهُ جَارِيَةً فَاسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا مُسْتَحِقٌّ أَخَذَهَا وَعُقْرَهَا وَقِيمَةَ وَلَدِهَا وَيَرْجِعُ الْمَوْلَى عَلَى الْمُكَاتَبِ بِالثَّمَنِ وَبِقِيمَةِ الْوَلَدِ كَمَا لَوْ اشْتَرَاهَا مِنْ أَجْنَبِيٍّ آخَرَ ثُمَّ لَمْ يَبْطُلْ عِتْقُ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَتَقَ بِتَسْلِيمِ الْجَارِيَةِ إلَى الْمَوْلَى وَالْعِتْقُ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا يَبْطُلُ بِاسْتِحْقَاقِ الْبَدَلِ وَلَكِنْ يَرْجِعُ الْمَوْلَى عَلَى الْمُكَاتَبِ بِالْجَارِيَةِ الَّتِي كَاتَبَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ قَبْضَهُ انْتَقَضَ بِالِاسْتِحْقَاقِ مِنْ الْأَصْلِ فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ فَيَكُونُ رُجُوعُهُ بِمُوجِبِ الْعَقْدِ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ عَلَى دَرَاهِمَ فَاسْتُحِقَّتْ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَإِنْ كَاتَبَ عَلَى دَارٍ قَدْ سَمَّاهَا وَوَصَفَهَا أَوْ عَلَى أَرْضٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الدَّارَ وَالْأَرْضَ لَا تُثْبِتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعُقُودِ وَهُوَ مَجْهُولٌ جَهَالَةً فَاحِشَةً وَإِلَى نَحْوِ هَذَا أَشَارَ فَإِذَا لَمْ يُعَيِّنْ الدَّارَ فَقَدْ كَاتَبَ عَلَى شَيْءٍ لَا يُعْرَفُ وَإِذَا عَيَّنَهَا فَقَدْ كَاتَبَ عَلَى مَا لَا يَمْلِكُ دَيْنًا وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ فِي الْكِتَابَةِ عَلَى الْأَعْيَانِ. وَلَوْ كَاتَبَهَا عَلَى يَاقُوتَةٍ أَوْ لُؤْلُؤَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعُرُوضِ لَمْ يَجُزْ أَمَّا إذَا كَانَتْ بِعَيْنِهَا فَلِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ، وَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ عَيْنِهَا فَإِنَّ الْيَاقُوتَةَ وَاللُّؤْلُؤَةَ لَا تُثْبِتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ صَدَاقًا فَكَذَلِكَ فِي الْكِتَابَةِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْيَوَاقِيتِ وَاللُّؤْلُؤِ عَظِيمٌ فِي الْمَالِيَّةِ وَهَذِهِ الْجَهَالَةُ فَوْقَ جَهَالَةِ الْجِنْسِ فِي مَعْنَى التَّفَاوُتِ فِي الْمَالِيَّةِ وَهُوَ مَقْصُودٌ. وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى كُرِّ حِنْطَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ جَازَ وَلَهُ الْوَسَطُ مِنْ جِنْسِهِ؛ لِأَنَّ جِنْسَ الْمُسَمَّى مَعْلُومٌ وَجَهَالَةُ الصِّفَةِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسْمِيَةِ فِي الْكِتَابَةِ بِخِلَافِ السَّلَمِ. وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى وَصِيفٍ فَأَعْطَاهُ وَصِيفًا، وَعَتَقَ بِهِ ثُمَّ أَصَابَ السَّيِّدُ بِهِ عَيْبًا فَاحِشًا رَدَّهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَيَرْجِعُ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ كَالصَّدَاقِ يُرَدُّ بِالْعَيْبِ الْفَاحِشِ وَلَمْ يَرْجِعْ الْمُكَاتَبُ رَقِيقًا بَعْدَ مَا عَتَقَ وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْوَصِيفِ كَانَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَرُدَّ مَا بَقِيَ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ فَاحِشٌ يُرَدُّ الصَّدَاقُ بِهِ فَكَذَلِكَ بَدَلُ الْكِتَابَةِ فَيَرُدُّهُ إنْشَاءً وَيُطَالِبُهُ بِمُوجِبِ الْعَقْدِ وَهُوَ وَصِيفٌ وَسَطٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.

стр. 1670

[بَابُ كِتَابَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ] (قَالَ) ﵁: ذِمِّيٌّ ابْتَاعَ عَبْدًا مُسْلِمًا فَكَاتَبَهُ فَهُوَ جَائِزٌ وَلَا يُرَدُّ؛ لِأَنَّ شِرَاءَهُ صَحِيحٌ عِنْدَنَا فَإِنَّمَا كَاتَبَ مِلْكَهُ وَكَانَ مُجْبَرًا عَلَى بَيْعِهِ لِيَزُولَ بِهِ ذُلُّ الْكُفْرِ عَنْ الْمُسْلِمِ، وَقَدْ حَصَلَ هَذَا بِالْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ يَدًا. وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الْقَابِلَ مُسْلِمٌ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ أَنْ يَلْتَزِمَ فِي ذِمَّتِهِ الْخَمْرَ بِالْعَقْدِ وَلَكِنَّهُ إنْ أَدَّى الْخَمْرَ عَتَقَ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ انْعَقَدَتْ مَعَ الْفَسَادِ فَيُعْتَقُ بِأَدَاءِ الْبَدَلِ الْمَشْرُوطِ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّ رَقَبَتَهُ سَلِمَتْ لَهُ بِحُكْمِ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَوْلَى هُوَ الْمُسْلِمَ وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْحُكْمَ فِيمَا إذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَإِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا أَوْلَى. ذِمِّيٌّ كَاتَبَ عَبْدًا كَافِرًا عَلَى خَمْرٍ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ فِي حَقِّهِمْ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ بِمَنْزِلَةِ الْخَلِّ وَالْعَصِيرِ فِي حَقِّنَا فَإِنْ أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَالْمُكَاتَبَةُ جَائِزَةٌ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْخَمْرِ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَفِي الْقِيَاسِ يَبْطُلُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَرَدَ وَالْحَرَامُ مَمْلُوكٌ بِالْعَقْدِ غَيْرُ مَقْبُوضٍ فَيُجْعَلُ كَالْمُقْتَرِنِ بِالْعَقْدِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ، فَقَالَ قَدْ صَحَّتْ الْكِتَابَةُ بِصِحَّةِ التَّسْمِيَةِ فِي الِابْتِدَاءِ وَبِاعْتِبَارِ صِحَّةِ الْعَقْدِ يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ صِفَةُ الْمَالِكِيَّةِ يَدًا فَبِإِسْلَامِهِ يَتَأَكَّدُ مِلْكُ الْمَالِكِيَّةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إسْلَامُهُ مُبْطِلًا مَالِكِيَّتَهُ وَإِذَا بَقِيَتْ الْكِتَابَةُ وَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْخَمْرِ بِإِسْلَامِهِ مَعَ بَقَاءِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلتَّسْلِيمِ فَيَجِبُ قِيمَتُهُ كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ ذِمِّيَّةً عَلَى خَمْرٍ بِغَيْرِ عَيْنِهَا ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُنَاكَ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْعَقْدِ بَعْدَ فَسَادِ التَّسْمِيَةِ هُنَاكَ مُمْكِنٌ فَيُجْعَلُ الْإِسْلَامُ الطَّارِئُ كَالْمُقَارَنِ وَهُنَا لَا يُمْكِنُ إبْقَاءُ الْعَقْدِ مَعَ فَسَادِ التَّسْمِيَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ إبْقَاءِ الْعَقْدِ لِمَا قُلْنَا فَتَبْقَى التَّسْمِيَةُ مُعْتَبَرَةً أَيْضًا، فَلِهَذَا يَجِبُ قِيمَةُ الْخَمْرِ. وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى مَيْتَةٍ أَوْ دَمٍ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَالٍ فِي حَقِّهِمْ وَشَرْطُ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ فِي الْكِتَابَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى مَالًا ثُمَّ قَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ هَذَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ بِالْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ أَصْلًا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْلَى قَالَ فِي الْكِتَابَةِ: إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ أَدَّاهُ وَقَبِلَهُ السَّيِّدُ فَيُعْتَقُ بِقَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ لَا بِالْأَدَاءِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ السَّيِّدُ بِشَيْءٍ فَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّ مَعْنَى انْعِدَامِ الْمَالِيَّةِ فِي الْمَيْتَةِ يَعُمُّهُمَا. وَإِذَا كَاتَبَ النَّصْرَانِيُّ أُمَّ وَلَدِهِ فَأَدَّتْ بَعْضَ الْكِتَابَةِ ثُمَّ أَسْلَمَتْ ثُمَّ عَجَزَتْ فَرَدَّهَا الْقَاضِي وَقَضَى عَلَيْهَا بِالْقِيمَةِ لِتَعَذُّرِ بَيْعِهَا بِسَبَبِ الِاسْتِيلَادِ فَإِنَّهُ لَا يُحْتَسَبُ بِمَا أَخَذَهُ السَّيِّدُ مِنْهَا بِهَذِهِ الْقِيمَةِ وَكَذَلِكَ إنْ أَدَّتْهُ بَعْدَ إسْلَامِهَا؛ لِأَنَّهَا حِينَ

стр. 1671

رُدَّتْ فِي الرِّقِّ صَارَتْ مَمْلُوكَةً لَهُ وَصَارَ هُوَ أَحَقُّ بِجَمِيعِ مَكَاسِبِهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ اسْتِدَامَةِ الْمِلْكِ فِيهَا وَكَسْبُهَا سَالِمٌ لَهُ فَإِنَّمَا قَضَى عَلَيْهَا بِالسِّعَايَةِ بَعْدَ مَا صَارَ هَذَا الْمَالُ لِلسَّيِّدِ فَلِهَذَا لَا يُحْتَسَبُ بِذَلِكَ الْمَالِ مِنْ هَذِهِ الْقِيمَةِ. ذِمِّيٌّ وَطِئَ مُكَاتَبَتَهُ فَوَلَدَتْ مِنْهُ فَهِيَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَتْ مَضَتْ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَإِنْ شَاءَتْ عَجَزَتْ وَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمَتْ فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا فَإِنْ مَضَتْ عَلَى الْكِتَابَةِ أَخَذَتْ عُقْرَهَا مِنْ سَيِّدِهَا، وَإِنْ عَجَزَتْ نَفْسُهَا قُضِيَ عَلَيْهَا بِالسِّعَايَةِ فِي قِيمَتِهَا؛ لِأَنَّهَا أَسْلَمَتْ وَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ وَلَا عُقْرَ عَلَى السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ عُقْرَهَا كَكَسْبِهَا وَقَدْ بَيَّنَّا حُكْمَ الْكَسْبِ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ فَكَذَلِكَ هُنَا. عَبْدٌ كَافِرٌ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ فَكَاتَبَ الذِّمِّيُّ نَصِيبَهُ بِإِذْنِ شَرِيكِهِ عَلَى خَمْرٍ تَجُوزُ الْمُكَاتَبَةُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَا تَجُوزُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ عِنْدَهُمَا الْكِتَابَةَ لَا تَتَجَزَّى وَلَا يُمْكِنُ تَنْفِيذُهَا فِي نَصِيبِ الْمُسْلِمِ بِالْخَمْرِ فَكَذَلِكَ فِي نَصِيبِ الْكَافِرِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْكِتَابَةُ تَتَجَزَّى فَيُقْتَصَرُ الْعَقْدُ عَلَى نَصِيبِ الْكَافِرِ خَاصَّةً وَلَوْ بَاعَهُ مِنْ كَافِرٍ بِخَمْرٍ جَازَ فَكَذَلِكَ إذَا كَاتَبَهُ عَلَى خَمْرٍ وَلَا يَضْمَنُ لِلْمُسْلِمِ فِيمَا أَخَذَ النَّصْرَانِيُّ مِنْ الْخَمْرِ سَوَاءٌ كَاتَبَ بِإِذْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَالْعَبْدُ قَضَى بِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَقَدْ اسْتَهْلَكَهُ الْقَابِضُ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ لَا يَضْمَنُ الْخَمْرَ لِلْمُسْلِمِ بِالِاسْتِهْلَاكِ، وَإِنْ كَاتَبَاهُ جَمِيعًا عَلَى خَمْرٍ مُكَاتَبَةً وَاحِدَةً لَمْ يَجُزْ فِي نَصِيبِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَاحِدٌ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُعْتَقُ إلَّا بِأَدَاءِ جَمِيعِ الْبَدَلِ وَلَوْ كَانَ دَرَاهِمَ وَقَدْ تَعَذَّرَ تَصْحِيحُهُ فِي نَصِيبِ الْمُسْلِمِ إذَا كَانَ الْبَدَلُ خَمْرًا فَلَا يَصِحُّ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ أَيْضًا إذْ لَوْ صَحَّحْنَاهُ يُعْتَقُ بِأَدَاءِ نَصِيبِ الْآخَرِ مِنْ الْخَمْرِ إلَيْهِ وَذَلِكَ خِلَافُ شَرْطِهِمَا فَإِنْ أَدَّى إلَيْهِمَا عَتَقَ لِوُجُودِ الشَّرْطِ وَعَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي نَصِيبِهِ فَاسِدٌ، وَقَدْ تَقَرَّرَ بِالْأَدَاءِ مَعَ صِفَةِ الْفَسَادِ فَيَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ بِقِيمَةِ نَصِيبِهِ وَلِلذِّمِّيِّ نِصْفُ الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ الْمُفْسِدَ قَدْ زَالَ فِي نَصِيبِهِ حِينَ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ وَتَسْمِيَةُ الْخَمْرِ فِي حَقِّهِ كَانَ صَحِيحًا وَقَدْ سَلِمَ لَهُ نِصْفُ الْخَمْرِ كَمَا شَرَطَ فَلِهَذَا لَا يَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ بِشَيْءٍ وَلَوْ أَنَّ ذِمِّيَّيْنِ كَاتَبَا عَبْدًا عَلَى خَمْرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا فَلَهُمَا جَمِيعًا قِيمَةُ الْخَمْرِ يَوْمَ أَسْلَمَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَاحِدٌ فَيُجْعَلُ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا فِي تَعَذُّرِ قَبْضِ الْخَمْرِ كَإِسْلَامِهِمَا وَلَوْ أَسْلَمَا تَحَوَّلَ الْخَمْرُ قِيمَةً عَلَيْهِ وَلَا يُعْتَقُ بِأَدَاءِ الْخَمْرِ بَعْدَ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ إذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَهَذَا؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الْمُسْلِمِ تَحَوَّلَ إلَى الدَّرَاهِمِ بِإِسْلَامِهِ وَمِنْ ضَرُورَتِهِ تَحَوَّلَ نَصِيبُ الْآخَرِ إلَى الدَّرَاهِمِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي نَصِيبِهِمَا وَاحِدٌ فَلِهَذَا

стр. 1672

لَا يُعْتَقُ نَصِيبُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَدَاءِ الْخَمْرِ وَإِذَا قَبَضَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ مِنْ الْقِيمَةِ كَانَ الْمَقْبُوضُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا وَالْبَاقِي مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا الْخَمْرَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ إنَّمَا سُمِّيَتْ قِيمَةً لِقِيَامِهَا مَقَامَ الْعَيْنِ. وَإِذَا مَاتَ عَبْدُ الْمُكَاتَبِ فَالْمُكَاتَبُ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ كَسْبُهُ وَقَدْ كَانَ أَحَقَّ بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَعَلَيْهِ كَفَنُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَيَكُونُ هُوَ أَحَقَّ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ حَضَرَ مَوْلَاهُ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَدِّمَهُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ مَوْلَاهُ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ تَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ لِلصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لَهُ. حَرْبِيٌّ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَاشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا وَكَاتَبَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالشِّرَاءِ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَهُ أَوْ دَبَّرَهُ جَازَ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ إذَا كَاتَبَهُ فَإِنْ أَدْخَلَهُ مَعَهُ دَارَ الْحَرْبِ فَهُوَ حُرٌّ سَاعَةَ أَدْخَلَهُ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَهُ قَبْلَ الْكِتَابَةِ عَتَقَ عِنْدَهُ فَكَذَلِكَ إذَا أَدْخَلَهُ بَعْدَ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ لَوْ أَعْتَقَهُ جَازَ عِتْقُهُ وَإِدْخَالُهُ إيَّاهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ بِمَنْزِلَةِ إعْتَاقِهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ لَا يَثْبُتُ لَهُ الْمِلْكُ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ فَكَذَلِكَ لَا يَبْقَى لَهُ عَلَيْهِ الْمِلْكُ وَتَمَامُ بَيَانِ هَذَا فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ دَبَّرَهُ فَقَضَى الْقَاضِي عَلَيْهِ بِالسِّعَايَةِ فِي قِيمَتِهِ أَوْ لَمْ يَقْضِ حَتَّى أَدْخَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ كَانَتْ جَارِيَةً فَاسْتَوْلَدَهَا ثُمَّ أَدْخَلَهَا دَارَ الْحَرْبِ فَإِنَّهَا تُعْتَقُ وَتَسْقُطُ السِّعَايَةُ عَنْهَا وَعَنْ الْمُدَبَّرِ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهَا وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْعَبْدُ ذِمِّيًّا أَوْ الْأَمَةُ ذِمِّيَّةً؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْمُسْلِمِ، وَإِنْ كَانَ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ فَكَاتَبَهُمَا مُكَاتَبَةً وَاحِدَةً ثُمَّ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بِأَحَدِهِمَا فَاَلَّذِي أَدْخَلَهُ مَعَهُ دَارَ الْحَرْبِ حُرٌّ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ قَصْدًا وَالْآخَرُ لَا يُعْتَقُ بِإِعْتَاقِ أَحَدِهِمَا قَصْدًا وَلَكِنَّهُ عَلَى مُكَاتَبَتِهِ يَسْعَى فِي حِصَّتِهِ مِنْهَا فَإِنْ رَجَعَ الْحَرْبِيُّ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَدَّاهَا إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَأَدَّاهَا إلَى الْقَاضِي عَتَقَ؛ لِأَنَّ مَنْ فِي دَارِ الْحَرْبِ حَرْبِيٌّ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَالْمَيِّتِ وَلِلْقَاضِي وِلَايَةٌ فِي قَبْضِ دُيُونِ الْمَيِّتِ فَلِهَذَا يُعْتَقُ الْمُكَاتَبِ بِأَدَاءِ الْبَدَلِ إلَى الْقَاضِي وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَالُ لِلْحَرْبِيِّ إذَا جَاءَ أَخَذَهُ لِبَقَاءِ حُكْمِ الْأَمَانِ لَهُ فِي الْمَالِ الَّذِي خَلَفَهُ فِي دَارِنَا وَوَلَاءُ الْعَبْدِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ وَلَاءَهُ حِينَ عَتَقَ عَلَى مِلْكِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَعْتَقَهُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ عَادَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ وَلَاءَ الْعَبْدِ يَكُونُ لَهُ. حَرْبِيٌّ مُسْتَأْمَنٌ فِي دَارِنَا اشْتَرَى عَبْدًا فَأَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ عَتَقَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَاؤُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ حِينَ أَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ فَقَدْ سَقَطَتْ حُرْمَةُ مِلْكِهِ وَبَقِيَ الْعَبْدُ فِي يَدِ نَفْسِهِ وَيَدُهُ مُحْتَرَمَةٌ فَيُعْتَقُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَهَرَ مَوْلَاهُ صَارَ هُوَ مَالِكًا وَالْمَوْلَى مَمْلُوكًا فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَوْلَى عَلَى نَفْسِهِ

стр. 1673

وَمَتَى كَانَ عِتْقُ الْعَبْدِ لِتَمَلُّكِهِ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ وَلَاءٌ كَالْمُرَاغَمِ. وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لَا يُعْتَقُ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ إذَا أَدْخَلَهُ دَارَ الْحَرْبِ حَتَّى يَظْهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ أَوْ يَهْرَبَ مِنْهُ إلَيْنَا بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ الْحَرْبِيِّ إذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: إذَا أَعْتَقَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَبْدًا مُسْلِمًا فَالْعِتْقُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ بِالْقَهْرِ فَإِنَّ حُرِّيَّتَهُ تَتَأَكَّدُ بِإِسْلَامِهِ فَلِهَذَا نَفَذَ إعْتَاقُهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَهُ وَلَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ وَالنَّسَبُ يَثْبُتُ مِمَّنْ بَاشَرَ سَبَبَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَمَا يَثْبُتُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ، وَقَدْ بَاشَرَ الْحَرْبِيُّ هُنَا اكْتِسَابَ سَبَبِ الْوَلَاءِ وَهُوَ إعْتَاقُهُ إيَّاهُ وَكُلُّ مُعْتَقٍ يَجْرِي عَلَيْهِ السَّبْيُ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَالْمَوْلَى حَرْبِيٌّ أَوْ مُسْلِمٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلْمُعْتَقِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ إنْ أَعْتَقَ الْحَرْبِيُّ عَبْدَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَنْفُذُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَنَّ الطَّحَاوِيَّ ﵁ جَعَلَ هَذَا الْخِلَافَ فِي الْوَلَاءِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ كِتَابِ الْمُكَاتَبِ فَإِنَّهُ نَصَّ هُنَا عَلَى الْخِلَافِ فِي الْوَلَاءِ أَنَّ لِلْمُعْتَقِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَلَاؤُهُ الَّذِي أَعْتَقَهُ اسْتِحْسَانًا، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ جَعَلَ ذَلِكَ الِاسْتِحْسَانَ مِنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمُسْلِمِ خَاصَّةً يُعْتَقُ الْحَرْبِيُّ أَنَّ لَهُ وَلَاءَهُ بِمَنْزِلَةِ الْحَرْبِيَّيْنِ يُعْتِقُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ثُمَّ أَسْلَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْمَوْلَى إذَا كَانَ مُسْلِمًا حُكْمُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَفِي التَّعْلِيلِ أَشَارَ إلَى أَنَّ الِاسْتِحْسَانَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَوْلَى مُسْلِمًا. وَفِي قَوْلِهِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَرْبِيَّيْنِ يُعْتِقُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ ثُمَّ أَسْلَمَا أَشَارَ إلَى الِاسْتِحْسَانِ فِي الْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا فَاشْتَبَهَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْفَصْلَيْنِ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ حَرْبِيٌّ فَمَا دَامَ فِي دَارِ الْحَرْبِ لَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ وَإِلْزَامُ الْوَلَاءِ عَلَيْهِ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَإِنْ خَرَجَ إلَيْنَا فَقَدْ خَرَجَ وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ فَلَهُ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ. [بَابُ ضَمَانِ الْمُكَاتَبِ] (قَالَ) ﵁ وَلَا يَجُوزُ كَفَالَةُ الْمُكَاتَبِ بِالْمَالِ بِأَمْرِ الْمَكْفُولِ عَنْهُ وَلَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ وَاصْطِنَاعُ مَعْرُوفٍ فَإِنَّهُ يَلْتَزِمُ لِلْغُرَمَاءِ مَالًا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ لَهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ صَنِيعِ

стр. 1674

التُّجَّارِ عَادَةً بَلْ يَحْتَرِزُونَ عَنْهَا وَكَذَلِكَ كَفَالَتُهُ بِالنَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ بِطَرِيقِ التَّبَرُّعِ وَهُوَ يَتَضَرَّرُ بِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُحْبَسُ إذَا غَابَ الْمَطْلُوبُ وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ بِإِذْنِ مَوْلَاهُ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لِلْمَوْلَى فِي مَنَافِعِهِ وَمَكَاسِبِهِ فَوُجُودُ إذْنِهِ فِيمَا هُوَ تَبَرُّعٌ كَعَدَمِهِ وَلِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِلْمَوْلَى فِي إلْزَامِ شَيْءٍ فِي ذِمَّتِهِ وَكَذَلِكَ قَبُولُ الْحَوَالَةِ فَإِنَّ مَعْنَى الْتِزَامِ الْمَالِ فِي قَبُولِ الْحَوَالَةِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي الْكَفَالَةِ فَإِنْ كَفَلَ بِمَالٍ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ثُمَّ عَجَزَ لَمْ تَلْزَمْهُ تِلْكَ الْكَفَالَةُ؛ لِأَنَّ أَصْلَ ضَمَانِهِ كَانَ بَاطِلًا فِي حَالَةِ رِقِّهِ لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ التَّبَرُّعِ مَعَ الرِّقِّ وَبِالْعَجْزِ يَتَأَكَّدُ رِقُّهُ وَلَا مُعْتَبَرَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ حِينَ كَفَلَ، وَإِنْ أَدَّى فَعَتَقَ لَزِمَتْهُ الْكَفَالَةُ؛ لِأَنَّ الْتِزَامَهُ صَحِيحٌ فِي ذِمَّتِهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ لَهُ قَوْلُ مُلْزِمٍ وَلَا يَكُونُ هُوَ فِي هَذَا الِالْتِزَامِ أَدْوَنَ مِنْ الْعَبْدِ وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا مَحْجُورًا كَفَلَ بِكَفَالَةٍ ثُمَّ عَتَقَ لَزِمَتْهُ فَالْمُكَاتَبُ مِثْلُهُ إلَّا أَنَّ الْعَبْدَ إذَا كَفَلَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ يُطَالَبُ بِهِ فِي حَالِ رِقِّهِ؛ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ إلْزَامِ الْمَالِ فِي رَقَبَتِهِ بِخِلَافِ الْمُكَاتَبِ وَلَوْ كَانَ الْمُكَاتَبُ صَغِيرًا حِينَ كَفَلَ لَمْ يُؤْخَذْ بِهَا، وَإِنْ عَتَقَ؛ لِأَنَّ الصَّغِيرَ لَيْسَ لَهُ قَوْلٌ مُلْزِمٌ فِي التَّبَرُّعَاتِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يَلْزَمْهُ بِذَلِكَ شَيْءٌ فَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَ بَعْدَ الْكَفَالَةِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ الْمُكَاتَبِ، وَأَبُوهُ وَقَرَابَتُهُ؛ لِأَنَّهُ مَنْ دَخَلَ فِي كِتَابَتِهِ فَحَالُهُ كَحَالِ الْمُكَاتَبِ وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي كِتَابَتِهِ فَهُوَ عَبْدٌ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فَلَا تَصِحُّ كَفَالَتُهُ. وَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيمَا يَمْلِكُ مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَفَلَ لَهُ سَيِّدُهُ بِمَالٍ عَلَى إنْسَانٍ جَازَ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيِّ عَنْهُ حَتَّى يَشْتَرِيَ مِنْهُ وَيَبِيعَ كَسَائِرِ الْأَجَانِبِ وَكَفَالَةُ الْأَجْنَبِيِّ لَهُ بِالْمَالِ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ عَلَيْهِ لَا مِنْهُ فَكَذَلِكَ كَفَالَةُ الْمَوْلَى فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ رَجَعَ السَّيِّدُ بِالْمَالِ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ إنْ كَانَ كَفَلَ بِأَمْرِهِ، وَإِنْ كَانَ كَفَلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ بَطَلَ الْمَالُ عَنْهُمَا جَمِيعًا وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مَا فِي ذِمَّةِ الْأَجْنَبِيِّ وَهُوَ الْمَالُ الْمَكْفُولُ بِهِ كَسْبُ الْمُكَاتَبِ وَكَسْبُهُ بِالْعَجْزِ يَصِيرُ مِلْكًا لِمَوْلَاهُ فَكَانَ مِلْكُ الْمَوْلَى الْمَالَ الْمَكْفُولَ بِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ كَمِلْكِهِ وَالْهِبَةُ مِنْهُ وَهُنَاكَ يَسْقُطُ عَنْهُمَا جَمِيعًا وَيَرْجِعُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ إنْ كَانَ كَفَلَ بِأَمْرِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ إذَا كَفَلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَلَوْ كَانَ أَدَّى السَّيِّدَ الْمَالَ ثُمَّ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ رَجَعَ بِهِ الْمَوْلَى عَلَى الَّذِي ضَمِنَهُ بِأَمْرِهِ؛ لِأَنَّهُ بِالْأَدَاءِ اسْتَوْجَبَ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ وَصَارَ ذَلِكَ دَيْنًا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ فَلَا يَسْقُطُ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الْمَقْبُوضُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ فِي يَدِ الْمُكَاتَبِ أَوْ مُسْتَهْلَكًا؛ لِأَنَّ مَا قَبَضَهُ الْمُكَاتَبُ الْتَحَقَ بِسَائِرِ أَمْوَالِهِ فَكَمَا أَنَّ عَوْدَ مَالِهِ إلَى الْمَوْلَى بِالْعَجْزِ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ الرُّجُوعِ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ

стр. 1675

فَكَذَلِكَ عَوْدُ هَذَا الْمَالِ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَّتْ الْمُكَاتَبَةُ فَصَارَتْ قِصَاصًا بِمَالِهِ عَلَى الْمَوْلَى مِنْ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى بِالْمُقَاصَّةِ يَصِيرُ قَاضِيًا دَيْنَ الْكَفَالَةِ لِلْمُكَاتَبِ أَوْ يَصِيرُ مُتَمَلِّكًا مَا فِي ذِمَّتِهِ فَيَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ إذَا كَانَ كَفَلَ بِأَمْرِهِ. وَلَا تَجُوزُ مُكَاتَبَةُ مَا فِي الْبَطْنِ، وَإِنْ قَبِلَتْهَا الْأُمُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا فِي الْبَطْنِ غَيْرُ مَعْلُومِ الْوُجُودِ وَالْحَيَاةِ وَلَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ فِي الْقَبُولِ وَالْقَبُولُ مِنْهُ لَا يُتَصَوَّرُ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ كِتَابَةَ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ بَاطِلٌ فَمَا فِي الْبَطْنِ أَوْلَى وَكَذَلِكَ إنْ تَوَلَّى قَبُولُ ذَلِكَ حُرٌّ عَلَى مَا فِي الْبَطْنِ وَضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْقَبُولِ وَمَا فِي الْبَطْنِ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْكِتَابَةِ وَالْعَقْدِ مَتَى أُضِيفَ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ كَانَ بَاطِلًا، وَإِنَّمَا يُجْعَلُ قَبُولُ الْغَيْرِ كَقَبُولِ مَنْ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي مَوْضِعٍ يَتَحَقَّقُ الْقَبُولُ فِيهِ مِمَّنْ هُوَ الْمَقْصُودُ إلَّا أَنَّ الْمَوْلَى إنْ كَانَ قَالَ لِلْحُرِّ إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ أَلْفًا فَهُوَ حُرٌّ فَأَدَّاهُ عَتَقَ إذَا وَضَعَتْ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ حَتَّى يَتَيَقَّنَ بِوُجُودِهِ فِي الْبَطْنِ يَوْمَئِذٍ وَهَذَا؛ لِأَنَّ مَا فِي الْبَطْنِ مَحَلُّ تَنْجِيزِ الْعِتْقِ فَيَكُونُ مَحَلًّا لِتَعْلِيقِ عِتْقِهِ بِالشَّرْطِ وَيَعْتِقُ بِوُجُودِ شَرْطِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ صَاحِبُ الْمَالِ بِمَالِهِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَدِّيَ لَمْ يَمْلِكْهُ مِنْ الْمَوْلَى بِسَبَبٍ صَحِيحٍ وَعِتْقُ الْجَنِينِ كَانَ بِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَالشَّرْطُ هُوَ الْأَدَاءُ إلَى الْمَوْلَى دُونَ التَّمْلِيكِ مِنْهُ فَبَقِيَ الْمَالُ عَلَى مِلْكِ الْمُؤَدِّي؛ فَلَهَدَا يَرْجِعُ بِهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَتَقَ الْجَنِينُ. وَإِذَا وَهَبَ الْمُكَاتَبُ هِبَةً أَوْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ فَإِنْ عَتَقَ بِالْأَدَاءِ رُدَّتْ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ حَيْثُ كَانَتْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِمَا صَنَعَ وَلَا كَانَ كَسْبُهُ مُحْتَمِلًا لَهُ فَلَغَا فِعْلَهُ وَبَقِيَ الْمَالُ عَلَى مِلْكِهِ فَيَأْخُذُهُ حَيْثُ مَا يَجِدُهُ بَعْدَ الْعِتْقِ بِخِلَافِ كَفَالَتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ الْتِزَامٌ فِي ذِمَّتِهِ وَلَهُ ذِمَّةٌ صَالِحَةٌ لِالْتِزَامِ الْحُقُوقِ فَيَنْفُذُ ذَلِكَ بَعْدَ عِتْقِهِ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَوْ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَتِهِ بِاسْتِهْلَاكِهِ مَالًا لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ يَسْتَوْفِي ذَلِكَ مِنْهُ الْمُكَاتَبُ فِي حَالِ قِيَامِ الْكِتَابَةِ وَبَعْدَ الْعِتْقِ وَيَسْتَوْفِيهِ الْمَوْلَى بَعْدَ عَجْزِ الْمُكَاتَبِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي كَسْبِهِ خَلَصَ لَهُ. وَإِذَا اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ عَبْدًا مِنْ مَوْلَاهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ فِي حُقُوقِ عَقْدِ الشِّرَاءِ كَالْحُرِّ وَالْمَوْلَى مِنْهُ فِي ذَلِكَ كَأَجْنَبِيٍّ آخَرَ فَإِنْ عَجَزَ ثُمَّ وَجَدَ السَّيِّدُ بِهِ عَيْبًا وَقَدْ اشْتَرَاهُ الْمُكَاتَبُ مِنْ غَيْرِ السَّيِّدِ فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَرُدَّهُ بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يَخْلُصُ لَهُ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ كَمَا يَخْلُصُ لِلْمُكَاتَبِ بِعِتْقِهِ ثُمَّ لَا يُمْتَنَعُ عَلَيْهِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْعِتْقِ فَكَذَلِكَ عَلَى الْمَوْلَى بَعْدَ الْعَجْزِ وَالْمَوْلَى يَخْلُفُ فِي كَسْبِهِ بَعْدَ الْعَجْزِ خِلَافَةَ الْوَارِثِ الْمُوَرِّثَ، وَلِلْوَارِثِ حَقُّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ فِيمَا اشْتَرَاهُ مُوَرِّثُهُ فَكَذَلِكَ لِلْمَوْلَى ذَلِكَ وَلَكِنَّ الْمُكَاتَبَ هُوَ الَّذِي يَلِي رَدَّهُ؛ لِأَنَّ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مِنْ حُقُوقِ الْعَقْدِ

стр. 1676

وَذَلِكَ إلَى الْعَاقِدِ خَاصَّةً مَا بَقِيَ حَيًّا وَهُوَ كَالْعَبْدِ الْمَأْذُونِ يَشْتَرِي شَيْئًا ثُمَّ يَحْجُرُ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ. مُكَاتَبٌ اشْتَرَى عَبْدًا ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ سَيِّدِهِ ثُمَّ عَجَزَ فَوَجَدَ بِهِ السَّيِّدُ عَيْبًا لَمْ يَسْتَطِعْ رَدَّهُ عَلَى عَبْدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوْجِبُ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَإِنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا وَلِأَنَّ حَقَّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْمُطَالَبَةِ بِتَسْلِيمِ الْجُزْءِ الْفَائِتِ وَذَلِكَ غَيْرُ ثَابِتٍ لِلْمَوْلَى عَلَى عَبْدِهِ وَلَا يَرُدُّهُ عَلَى بَائِعِهِ مِنْ عَبْدِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا عَامَلَهُ بِشَيْءٍ وَلَا كَانَ مِلْكُهُ مُسْتَفَادًا بِذَلِكَ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُسْتَفَادُ بِعَقْدِهِ مِلْكَ الْمُكَاتَبِ فَمَا لَمْ يَعُدْ ذَلِكَ الْمِلْكُ لَا تُتَصَوَّرُ الْخُصُومَةُ مَعَهُ فِي الْعَيْبِ وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ بَعْدَ الْعَجْزِ ثُمَّ وَجَدَ السَّيِّدُ بِالْعَبْدِ عَيْبًا لَمْ يَرُدَّهُ؛ لِأَنَّ إعَادَةَ الْمِلْكِ الْمُسْتَفَادِ لِلْمُكَاتَبِ مُتَعَذِّرٌ بَعْدَ مَوْتِهِ عَاجِزًا عَمَّا كَانَ مُتَعَذِّرًا بَعْدَ عَجْزِهِ فِي حَيَاتِهِ فَإِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِمَوْلَاهُ وَدَيْنٌ لِأَجْنَبِيٍّ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ دَيْنُ الْمَوْلَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ فِي ذِمَّةِ الْعَبْدِ لَا يَثْبُتُ إلَّا شَاغِلًا مَالِيَّتَهُ، وَمَالِيَّتُهُ مِلْكُ مَوْلَاهُ وَهُوَ لَا يَسْتَوْجِبُ الدَّيْنَ فِي مِلْكِهِ، وَيُبَاعُ فِي دَيْنِ الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ثَابِتًا فِي ذِمَّتِهِ وَبَقِيَ بَعْدَ الْعَجْزِ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْعَجْزَ لَا يُنَافِي وُجُوبَ الدَّيْنِ عَلَيْهِ لِلْأَجْنَبِيِّ ابْتِدَاءً إذَا وُجِدَتْ سَبَبُهُ فَكَذَلِكَ لَا يُنَافِي بَقَاءَهُ وَإِذَا بَقِيَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِمَالِيَّتِهِ فَيُبَاعُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْجِزْ وَلَكِنَّهُ مَاتَ عَنْ مَالٍ كَثِيرٍ بُدِئَ بِدَيْنِ الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَقْوَى ثُمَّ بِقَضَاءِ دَيْنِ الْمَوْلَى وَمُكَاتَبَتِهِ، وَفِي هَذَا أَشَارَ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُكَاتَبَةِ وَالدَّيْنِ الْآخَرِ لِلْمَوْلَى وَقَدْ ذُكِرَ قَبْلَ هَذَا مُفَسَّرًا أَنَّ دَيْنَ الْمَوْلَى مُقَدَّمٌ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَهُ. وَإِذَا عَجَزَ الْمُكَاتَبُ، وَفِي رَقَبَتِهِ دَيْنٌ فَجَاءَ رَجُلٌ بِعَبْدٍ اشْتَرَاهُ مِنْهُ يُرِيدُ رَدَّهُ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ لَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ اسْتَوْجَبَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْعَجْزِ فَلَا يَبْطُلُ بِالْعَجْزِ فَإِنْ رَدَّهُ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ كَانَ الثَّمَنُ دَيْنًا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ وَالْعَبْدُ الْمَرْدُودُ كَسْبُهُ فَيُبَاعُ وَيُقْسَمُ ثَمَنُهُ بَيْنَ الرَّادِّ وَسَائِرِ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ لِاسْتِوَاءِ حَقِّهِمْ فِي كَسْبِهِ، وَإِنْ قَالَ الرَّادُّ: لَا أَرُدُّهُ حَتَّى آخُذَ ثَمَنَهُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ حَالَ الْمُشْتَرِي مَعَ الْبَائِعِ عِنْدَ الرَّدِّ كَحَالِ الْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ وَقَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ فَكَذَلِكَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الرَّدِّ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ لِاسْتِرْدَادِ الثَّمَنِ وَبِاعْتِبَارِ بَقَاءِ يَدِهِ هُوَ أَحَقُّ بِمَالِيَّتِهِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ فَيُبَاعُ لَهُ خَاصَّةً. وَإِذَا سُبِيَ الْمُكَاتَبُ فَاسْتَدَانَ دَيْنًا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا اسْتَدَانَهُ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَا يُمْلَكُ بِالْأَسْرِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ مَوْلَاهُ مُكَاتَبًا سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَإِنْ ارْتَدَّ الْمُكَاتَبُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَاسْتَدَانَ فِي رِدَّتِهِ أَيْضًا عُلِمَ ذَلِكَ بِإِقْرَارِهِ ثُمَّ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ دَيْنِ الْمَرَضِ حَتَّى يَبْدَأَ بِمَا اسْتَدَانَهُ فِي حَالِ

стр. 1677

الْإِسْلَامِ مِنْ إكْسَابِهِ ثُمَّ مَا بَقِيَ لِلَّذِي أَدَانَهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - الْكُلُّ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحُرَّ بَعْدَ الرِّدَّةِ فِي التَّصَرُّفَاتِ بِمَنْزِلَةِ الصَّحِيحِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ دَفْعِ مَا نَزَلَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِالتَّوْبَةِ فَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ وَمِنْ أَصْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ فِي التَّصَرُّفَاتِ بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ لِكَوْنِهِ مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ فَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ وَمِنْ أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْحُرَّ بِالرِّدَّةِ تَتَوَقَّفُ تَصَرُّفَاتُهُ وَيَصِيرُ فِي حُكْمِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ وَالْمُكَاتَبُ إنَّمَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ لِمُرَاعَاةِ حَقِّ مَوْلَاهُ؛ لِأَنَّ كَسْبَهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ مَوْلَاهُ فَأَمَّا فِي حَقِّ نَفْسِهِ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلْحَجَرِ مُتَقَرِّرٌ فَلِهَذَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ فِيمَا يَلْزَمُهُ بِإِقْرَارِهِ وَيُقَدَّمُ دَيْنُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ وَيَسْتَوِي فِي هَذَا كَسْبُ الْإِسْلَامِ وَمَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمَوْلَى ثَابِتٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لِبَقَاءِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ؛ فَلِهَذَا يَسْتَوِي الْكَسْبَانِ فِيهِ وَمَا بَقِيَ بَعْدَ قَضَاءِ دُيُونِهِ وَأَدَاءِ مُكَاتَبَتِهِ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ قِيَامَ حَقِّ الْمَوْلَى يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يُجْعَلَ كَسْبُ رِدَّتِهِ فَيْئًا فَيَكُونُ مَوْرُوثًا عَنْهُ بَعْدَ عِتْقِهِ كَكَسْبِ إسْلَامِهِ. وَلَوْ ارْتَدَّ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ ثُمَّ اسْتَدَانَ فِي رِدَّتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَجَمِيعُ ذَلِكَ فِي رَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى إذْنِهِ بَعْدَ الرِّدَّةِ فَإِذَا أَسْلَمَ صَارَ كَأَنَّ الرِّدَّةَ لَمْ تَكُنْ فَيَكُونُ هَذَا وَمَا اسْتَدَانَهُ فِي حَالِ إسْلَامِهِ سَوَاءٌ. وَلَوْ قُتِلَ مُرْتَدًّا عَنْ مَالٍ كَانَ غُرَمَاؤُهُ أَحَقَّ بِهِ مِنْ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُمْ فِي حَالِ حَيَاتِهِ كَانُوا أَحَقَّ بِكَسْبِهِ مِنْ الْمَوْلَى فَكَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَإِذَا سَعَى وَلَدُ الْمُكَاتَبِ الْمَوْلُودُ فِي مُكَاتَبَتِهِ وَقَضَى مُكَاتَبَتَهُ وَعَتَقَ ثُمَّ حَضَرَ غُرَمَاءُ أَبِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ الْمَوْلَى مَا أَخَذَ وَلَكِنَّهُمْ يُتْبِعُونَ الْوَلَدَ بِدَيْنِهِمْ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَالْمُكَاتَبُ فِي حَيَاتِهِ لَوْ أَدَّى الْمُكَاتَبَةَ أَوَّلًا عَتَقَ وَلَا سَبِيلَ لِلْغُرَمَاءِ عَلَى مَا أَخَذَهُ الْمَوْلَى فَكَذَلِكَ وَلَدُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ اسْتِحْسَانًا، نَقُولُ فَإِنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ تَرَكَ مَالًا فَأَدَّاهُ الِابْنُ إلَى السَّيِّدِ فَإِنَّ الْغُرَمَاءَ يَرْجِعُونَ بِذَلِكَ الْمَالِ عَلَى السَّيِّدِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ ثَابِتٌ فِي ذَلِكَ الْمَالِ بِمَوْتِ الْمُكَاتَبِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الْمَوْلَى فَلَا يَمْلِكُ الْوَلَدُ إبْطَالَ ذَلِكَ الْحَقِّ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ وَيَعُودُ الِابْنُ مُكَاتَبًا كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ أَدَاءَهُ لَمَّا بَطَلَ صَارَ كَأَنْ لَمْ يُؤَدِّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ إلَى الْمَوْلَى وَقَدْ قَالَ قَبْلَ هَذَا فِي الْفَصْلِ بِعَيْنِهِ إنَّهُ يَكُونُ حُرًّا وَهَكَذَا يُذْكَرُ فِي آخِرِ الْكِتَابِ وَيُضِيفُهُ إلَى أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ ابْنَ الْمُكَاتَبِ إذَا أَدَّى مِنْ تَرِكَةِ الْمُكَاتَبِ مَالًا فِي الْمُكَاتَبَةِ وَلَحِقَهُ دَيْنٌ كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ فَالْعِتْقُ مَاضٍ فَيُؤْخَذُ مِنْ الْمَوْلَى مَا أُخِذَ وَيَرْجِعُ عَلَى الِابْنِ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ شَرْطَ عِتْقِهِ قَدْ وُجِدَ وَهُوَ الْأَدَاءُ فَيُعْتَقُ. وَإِنْ كَانَ الْمَالُ مُسْتَحَقًّا

стр. 1678

لِلْغُرَمَاءِ وَلَكِنْ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَقُولُ هُوَ لَا يَخْلُفُ أَبَاهُ فِي كَسْبِهِ مَا بَقِيَ الرِّقُّ فِيهِ فَلَا مُعْتَبَرَ بِأَدَائِهِ فِي ذَلِكَ وَلَكِنْ يَخْلُفُهُ فِيمَا يَكْتَسِبُهُ بِنَفْسِهِ فَيُعْتَبَرُ أَدَاؤُهُ فِي ذَلِكَ وَلِهَذَا يُسَلَّمُ لِلْمَوْلَى مَا يَقْبِضُهُ مِنْ تَرِكَةِ الْمُكَاتَبِ وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ وُجُوهُ وَصِيَّةِ الْمُكَاتَبِ فَإِنْ أَوْصَى لِعَبْدٍ لَهُ، فَقَالَ بِيعُوهُ بَعْدَ مَوْتِي نَسَمَةً فَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ هَذَا وَصِيَّةٌ لِلْعَبْدِ بِقَدْرِ ثُلُثِهِ فَإِنَّ الْبَيْعَ نَسَمَةٌ يَكُونُ لِلْعِتْقِ وَالْمُشْتَرِي لَا يَرْغَبُ فِيهِ بِمِثْلِ الثَّمَنِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُرَّ لَوْ أَوْصَى بِهَذَا يَحُطُّ عَنْهُ مِنْ الثَّمَنِ بِقَدْرِ ثُلُثِ مَالِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ يَرْغَبُ فِي الشِّرَاءِ بِأَكْثَرَ مِنْهُ وَوَصِيَّةُ الْمُكَاتَبِ بِالثُّلُثِ بَاطِلَةٌ، وَإِنْ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ كَسْبَهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّبَرُّعَ فَإِنْ أَجَازُوا بَعْدَ الْمَوْتِ ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يَدْفَعُوهُ إلَى صَاحِبِهِمْ فَلَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ لَغْوًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ فَلَا تَعْمَلُ الْإِجَازَةُ فِي لُزُومِهِ بِخِلَافِ وَرَثَةِ الْحُرِّ إذَا أَجَازُوا وَصِيَّتَهُ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صَادَفَ مَحَلَّهُ لِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا لَهُ وَلَكِنَّهُ امْتَنَعَ نُفُوذُهُ لَحِقَ الْوَرَثَةَ فَإِجَازَتُهُمْ تَكُونُ إسْقَاطًا لِحَقِّهِمْ فَلِهَذَا يَتِمُّ بِنَفْسِهِ وَهُنَا لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ فَلَا تَعْمَلُ الْإِجَازَةُ فِيهِ وَلَكِنَّهُمْ لَوْ دَفَعُوهُ إلَى صَاحِبِهِ بَعْدَ الْإِجَازَةِ فَفِي الْقِيَاسِ لَهُمْ الِاسْتِرْدَادُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ لَا يَنْعَقِدُ بِهَا الْعَقْدُ ابْتِدَاءً، أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ أَجَازَهُ بَعْدَ الْبُلُوغِ كَانَ لَغْوًا وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ دَفْعُهُمْ الْمَالَ إلَى صَاحِبِهِ تَمْلِيكٌ مِنْهُ لِذَلِكَ الْمَالِ وَتَمْلِيكُهُمْ صَحِيحٌ بَعْدَ مَا خَلَصَ الْمَالُ لَهُمْ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي قَصَدَ تَمْلِيكُهُ فَلِهَذَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِيَحْصُلَ مَقْصُودُهُمْ. وَإِذَا تَصَدَّقَ عَلَى الْمُكَاتَبِ بِصَدَقَةٍ فَقَضَى مِنْهَا الْكِتَابَةَ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا وَفَاءٌ فَعَجَزَ عَنْ الْمُكَاتَبَةِ وَالصَّدَقَةِ فِي يَدِهِ فَهِيَ طَيِّبَةٌ لِلْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تَمَّتْ وَصَارَ الْمَقْبُوضُ كَسْبًا لِلْمُكَاتَبِ فَإِنَّمَا يُسَلَّمُ لِلْمَوْلَى إمَّا بِجِهَةِ الْكِتَابَةِ أَوْ بِجِهَةِ الْخِلَافَةِ عَنْهُ فِي كَسْبِهِ بَعْدَ الْعَجْزِ فَيَكُونُ طَيِّبًا لَهُ كَسَائِرِ أَكْسَابِهِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ بَرِيرَةَ وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا «هِيَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ». وَكَذَلِكَ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى عَبْدِ الْمُكَاتَبِ فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ فِي حُكْمِ الصَّدَقَةِ كَالْفَقِيرِ الْمُحْتَاجِ وَيَجُوزُ التَّصَدُّقُ عَلَى عَبْدِ الْفَقِيرِ بِزَكَاةِ الْمَالِ وَيَحِلُّ ذَلِكَ لِمَوْلَاهُ فَكَذَلِكَ عَلَى الْعَبْدِ الْمُكَاتَبِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ [بَابُ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَكَاتِبِ] (قَالَ) ﵁ قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ ﵏ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ الْمَوْلَى مَعَ الْمُكَاتَبِ فِي مِقْدَارِ الْبَدَلِ أَوْ جِنْسِهِ فِي حُكْمِ التَّحَالُفِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَى

стр. 1679

قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (قَالَ) إذَا قَالَ الْمُكَاتَبُ كَاتَبْتَنِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْمَوْلَى: عَلَى أَلْفَيْنِ فَجَعَلَ الْقَاضِي الْقَوْلَ قَوْلَ الْمُكَاتَبِ مَعَ يَمِينِهِ وَأَلْزَمَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْمُكَاتَبِ، ثُمَّ أَقَامَ السَّيِّدُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفَيْنِ فَبَيِّنَتُهُ مَقْبُولَةٌ لِمَا فِيهَا مِنْ إثْبَاتِ زِيَادَةِ الْمَالِ، وَهُوَ حَقُّهُ، ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُكَاتَبُ لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا بَعْدُ لَمْ يُعْتَقْ إلَّا بِأَدَاءِ الْأَلْفَيْنِ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ بِاتِّفَاقِ الْخَصْمَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَدَّى أَلْفًا وَأَمْضَى الْقَاضِي عِتْقَهُ، ثُمَّ أَقَامَ الْمَوْلَى الْبَيِّنَةَ، فَفِي الْقِيَاسِ هَذَا، وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ بِالْحُجَّةِ أَنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ أَلْفَانِ، وَأَنَّ الْقَاضِي مُخْطِئٌ فِي إمْضَاءِ عِتْقِهِ بَعْدَ أَدَاءِ الْأَلْفِ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: هُوَ حُرٌّ وَعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ قَضَى بِعِتْقِهِ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَالْعِتْقُ بَعْدَ وُقُوعِهِ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْضَ، ثُمَّ بَيِّنَةُ الْمَوْلَى بَعْدَ ذَلِكَ مَقْبُولَةٌ عَلَى إثْبَاتِ الزِّيَادَةِ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عَلَى نَفْيِ الْعِتْقِ الْمَقْضِيِّ بِهِ إذْ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ وُجُوبِ الْمَالِ عَلَى الْمُكَاتَبِ بُطْلَانُ الْعِتْقِ كَمَا لَوْ اسْتَحَقَّ الْبَدَلَ مِنْ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي وَقْتِ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يُعْتَقُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يُعْتَقُ بِأَدَاءِ قَدْرِ قِيمَتِهِ وَقَضَاءُ الْقَاضِي بِعِتْقِهِ صَادَفَ مَوْضِعَ الِاجْتِهَادِ فَكَانَ نَافِذًا فَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَلَمْ يُخَاصِمْهُ إلَى الْقَاضِي حَتَّى أَقَامَ الْمَوْلَى الْبَيِّنَةَ عَلَى الْأَلْفَيْنِ لَمْ يُعْتَقْ حَتَّى يُؤَدِّيَ الْأَلْفَ الْبَاقِيَةَ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ بَدَلَ الْكِتَابَةِ أَلْفَانِ فَلَا يُعْتَقُ بِأَدَاءِ بَعْضِ الْمَالِ، وَلَمَّا لَمْ يُخَاصِمْهُ إلَى الْقَاضِي لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْعِتْقِ لَهُ مُحَالًا بِهِ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي فِي الْمُجْتَهَدَاتِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَمْ يَقْضِ بِشَيْءٍ فَلِهَذَا لَا يُعْتَقُ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الْمَالِ. وَإِذَا اخْتَلَفَا فَقَالَ الْمَوْلَى كَاتَبْتُكَ عَلَى أَلْفَيْنِ، وَقَالَ الْعَبْدُ: كَاتَبْتَنِي عَلَى أَلْفٍ إذَا أَدَّيْتَ فَأَنَا حُرٌّ فَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَإِنَّهُ يَقْضِي عَلَيْهِ بِأَلْفَيْنِ فَيُؤْخَذُ بِبَيِّنَةِ الْمَوْلَى عَلَى الْمَالِ وَبِبَيِّنَةِ الْعَبْدِ عَلَى الْعِتْقِ فَإِذَا أَدَّى أَلْفًا عَتَقَ وَعَلَيْهِ أَلْفٌ أُخْرَى؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ قَدْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى عِتْقِهِ بَعْدَ أَدَاءِ الْأَلْفِ حِين شَهِدَ شُهُودُهُ أَنَّهُ قَالَ إذَا أَدَّى أَلْفًا فَهُوَ حُرٌّ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفٍ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ إلَّا أَنَّ هُنَاكَ أَبْهَمَ الْجَوَابَ وَهُنَا فَسَّرَ وَفَرَّقَ بَيْنَمَا إذَا شَهِدَ شُهُودُ الْعَبْدِ أَنَّهُ قَالَ إذَا أَدَّيْتَ إلَيَّ فَأَنْتَ حُرٌّ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يَشْهَدُوا بِذَلِكَ وَلَكِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ وَنَجَمَهَا عَلَيْهِ نُجُومًا فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ هُنَا حَتَّى يُؤَدِّيَ أَلْفًا أُخْرَى، وَهَذَا الْفَرْقُ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ عِتْقُهُ عِنْدَ أَدَاءِ الْأَلْفِ بِحُكْمِ الشَّرْطِ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي شَهَادَتِهِ وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فَإِنَّهُ يُعْتَقُ بِحُكْمِ الْعَقْدِ، وَقَدْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةِ الْمَوْلَى أَنَّ الْبَدَلَ بِحُكْمِ الْعَقْدِ أَلْفَانِ فَلَا يُعْتَقُ إلَّا بِأَدَاءِ الْأَلْفَيْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ، ثُمَّ جَدَّدَ

стр. 1680

الْكِتَابَةَ عَلَى أَلْفَيْنِ أَوْ زَادَهُ فِي الْمُكَاتَبَةِ أَلْفًا أُخْرَى فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ إلَّا بِأَدَاءِ الْأَلْفَيْنِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّا نَجْعَلُ كَأَنَّ الْأَمْرَيْنِ كَانَا. وَإِنْ اخْتَلَفَا فَقَالَ الْعَبْدُ: كَاتَبْتَنِي عَلَى نَفْسِي وَمَالِي عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْمَوْلَى: بَلْ كَاتَبْتُكَ عَلَى نَفْسِكَ دُونَ مَالِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي هَذَا الْفَصْلِ يَدَّعِي زِيَادَةً فِي حَقِّهِ، وَالْمَوْلَى يُنْكِرُ تِلْكَ الزِّيَادَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ لِإِنْكَارِهِ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ لِمَا فِيهَا مِنْ إثْبَاتِ الزِّيَادَةِ. وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ الْمَوْلَى: كَاتَبْتُكَ عَلَى نَفْسِكَ خَاصَّةً، وَقَالَ الْعَبْدُ: بَلْ عَلَى نَفْسِي وَوَلَدِي. فَإِنْ قَالَ الْمَوْلَى: كَانَ هَذَا الْمَالُ فِي يَدِكَ حِينَ كَاتَبْتُكَ فَهُوَ مَالِي، وَقَالَ الْعَبْدُ: أَصَبْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَبْدِ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ الْمَالَ فِي يَدِ الْعَبْدِ فَهُوَ مُسْتَحَقٌّ بِحُكْمِ يَدِهِ، وَالْمَوْلَى يَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَيْهِ بِالْبَيِّنَةِ وَلِأَنَّ الْكَسْبَ حَادِثٌ فَيُحَالُ بِحُدُوثِهِ عَلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ وَهُوَ مَا بَعْدَ الْكِتَابَةِ وَيَحْتَاجُ الْمَوْلَى إلَى إثْبَاتِ التَّارِيخِ السَّابِقِ بِالْبَيِّنَةِ. وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا فَسَادًا فِي الْمُكَاتَبَةِ وَأَنْكَرَ الْآخَرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ؛ لِأَنَّ اتِّفَاقَهُمَا عَلَى الْعَقْدِ يَكُونُ اتِّفَاقًا مِنْهُمَا عَلَى مَا يَصْلُحُ بِهِ الْعَقْدُ فَإِنَّ مُطْلَقَ فِعْلِ الْمُسْلِمِ مَحْمُولٌ عَلَى الصِّحَّةِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْفَسَادَ إلَّا بِحُجَّةٍ وَلِأَنَّ الْمُفْسَدَ شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَى مَا بِهِ تَتِمُّ الْمُكَاتَبَةُ فَلَا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى قَبْلَ إقَامَةِ الْحُجَّةِ وَلِهَذَا لَوْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ كَانَتْ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةَ مَنْ يَدَّعِي الْفَسَادَ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ زِيَادَةَ شَرْطٍ بِبَيِّنَتِهِ. وَإِنْ قَالَ الْمَوْلَى: كَاتَبْتُكَ عَلَى أَلْفٍ إلَى سَنَةٍ، وَقَالَ الْعَبْدُ إلَى سَنَتَيْنِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقُّ الْعَبْدِ فَهُوَ يَدَّعِي زِيَادَةً فِي حَقِّهِ وَهُوَ مُنْكِرٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَوْلَى لَوْ أَنْكَرَ أَصْلَ الْأَجَلِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ فَكَذَلِكَ إذَا أَنْكَرَ زِيَادَةً فِي الْأَجَلِ. وَإِنْ ادَّعَى أَنَّهُ كَاتَبَهُ نُجُومًا عَلَى أَلْفٍ كُلَّ شَهْرٍ مِائَةٌ، وَقَالَ الْمَوْلَى: نُجُومُكَ مِائَتَانِ كُلَّ شَهْرٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَوْلَى، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي الْحَقِيقَةِ فِي فَصْلِ الْأَجَلِ الْعَبْدُ يَدَّعِي أَنَّ الْأَجَلَ عَشَرَةُ أَشْهُرٍ، وَالْمَوْلَى يَدَّعِي أَنَّ الْأَجَلَ خَمْسَةُ أَشْهُرٍ. وَلَوْ قَالَ الْعَبْدُ: كَاتَبْتَنِي عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَقَالَ الْمَوْلَى: عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ حَقَّ الْمُكَاتَبِ ثَابِتٌ بِاتِّفَاقِهِمَا، وَإِنَّمَا قَامَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِيمَا هُوَ حَقُّ الْمَوْلَى، وَبَيِّنَتُهُ عَلَى إثْبَاتِ حَقِّ نَفْسِهِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ بَيِّنَةِ غَيْرِهِ عَلَى حَقِّهِ. وَلَوْ قَالَ الْمَوْلَى لِمُكَاتَبَتِهِ: وَلَدْتِ هَذَا الْوَلَدَ قَبْلَ أَنْ أُكَاتِبَكِ فَهُوَ عَبْدِي، وَقَالَتْ: بَلْ وَلَدْتُهُ فِي مُكَاتَبَتِي فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ فِي يَدِهِ الْوَلَدُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لَهُ بِاعْتِبَارِ يَدِهِ، وَالْآخَرُ يُرِيدُ اسْتِحْقَاقَهُ عَلَيْهِ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ. (فَإِنْ قِيلَ): إذَا كَانَ فِي يَدِ السَّيِّدِ فَلِمَاذَا يُجْعَلُ الْقَوْلُ قَوْلُهُ وَوِلَادَتُهَا الْوَلَدَ حَادِثٌ وَيُحَالُ بِالْحَادِثِ عَلَى أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ؟

стр. 1681

قُلْنَا): نَعَمْ وَلَكِنَّ هَذَا نَوْعٌ ظَاهِرٌ، وَالظَّاهِرُ يَصْلُحُ حُجَّةً لِدَفْعِ الِاسْتِحْقَاقِ وَلَكِنْ لَا يَثْبُتُ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ، وَالْمُكَاتَبُ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِحْقَاقِ الْيَدِ عَلَى الْمَوْلَى فِي الْوَلَدِ، وَالظَّاهِرُ لِهَذَا لَا يَكْفِي فَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ، فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُكَاتَبَةِ أَمَّا إذَا كَانَ الْوَلَدُ فِي يَدِ الْمَوْلَى فَلِأَنَّهُ يَثْبُتُ الِاسْتِحْقَاقُ بِبَيِّنَتِهَا، وَالْمَوْلَى يَنْفِي ذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقَ وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي يَدِ الْمُكَاتَبَةِ فَإِنَّهَا بِبَيِّنَتِهَا تُثْبِتُ حُكْمَ الْكِتَابَةِ فِي الْوَلَدِ وَحُرِّيَّتِهِ عِنْدَ أَدَائِهَا، وَالْمَوْلَى يَنْفِي ذَلِكَ بِبَيِّنَتِهِ فَكَانَ الْمُثْبَتُ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ أَوْلَى كَمَا لَوْ أَعْتَقَ جَارِيَتَهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي وَلَدِهَا هَذَا الِاخْتِلَافَ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْجَارِيَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ إثْبَاتِ الْعِتْقِ لِلْوَلَدِ. وَإِذَا مَاتَتْ الْمُكَاتَبَةُ، ثُمَّ اخْتَلَفَ وَلَدُهَا، وَالْمَوْلَى فِي الْمُكَاتَبَةِ فَهُوَ كَاخْتِلَافِ الْمَوْلَى، وَالْأُمِّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْآخَرَ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ قَامَ مَقَامَ الْأُمِّ فَاخْتِلَافُهُ مَعَ الْمَوْلَى فِي مِقْدَارِ الْبَدَلِ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلَافِ الْأُمِّ وَلِهَذَا لَوْ ادَّعَى الْوَلَدُ أَنَّهُ أَدَّى الْبَدَلَ أَوْ أَنَّ الْأُمَّ أَدَّتْ الْبَدَلَ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِحُجَّةٍ كَمَا لَوْ ادَّعَتْ الْأُمُّ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهَا وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْمُكَاتَبَةِ وَابْنِ الْمَوْلَى بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْلَى. وَلَوْ كَاتَبَ الذِّمِّيُّ عَبْدًا لَهُ مُسْلِمًا، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الْبَدَلِ وَأَقَامَ الْمَوْلَى بَيِّنَةً مِنْ النَّصَارَى لَمْ تُقْبَلْ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ مُسْلِمٌ وَشَهَادَةُ الْكَافِرِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمُسْلِمِ. حَرْبِيٌّ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَاشْتَرَى عَبْدًا ذِمِّيًّا وَكَاتَبَهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَا فِي الْمُكَاتَبَةِ فَأَقَامَ الْمَوْلَى الْبَيِّنَةَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِمَّنْ دَخَلَ مَعَهُ بِأَمَانٍ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الْعَبْدِ الذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا وَشَهَادَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا لَا تَكُونُ حُجَّةً كَشَهَادَةِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصِّدْقِ، وَالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ، وَالْمَآبُ. [بَابُ مُكَاتَبَةِ الْمَرِيضِ] (قَالَ) ﵁: مَرِيضٌ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ نَجَّمَهَا عَلَيْهِ نُجُومًا وَقِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَهُوَ لَا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِهِ فَإِنَّهُ يُخَيِّرُ الْعَبْدُ إنْ شَاءَ عَجَّلَ مَا زَادَ مِنْ الْقِيمَةِ عَلَى ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ وَإِلَّا رُدَّ فِي الرِّقِّ؛ لِأَنَّهُ بِتَأْجِيلِ الْمَالِ عَلَيْهِ أَخَّرَ حَقَّ الْوَرَثَةِ إلَى مُضِيِّ الْأَجَلِ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ فَلَا يَصِحُّ فِيمَا هُوَ مِنْ حَقِّهِمْ وَهَذَا؛ لِأَنَّ ضَرَرَ التَّأْجِيلِ كَضَرَرِ الْإِبْطَالِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحَيْلُولَةَ تَقَعُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَبَيْنَ حَقِّهِمْ عَقِيبَ مَوْتِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَرِيضَ إذَا أَجَّلَ فِي دَيْنٍ لَهُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ يُعْتَبَرُ لَهُ مِنْ الثُّلُثِ كَمَا لَوْ أَبْرَأَ، وَأَنَّ شُهُودَ التَّأْجِيلِ فِي الدَّيْنِ إذَا رَجَعُوا ضَمِنُوا كَشُهُودِ الْإِبْرَاءِ فَإِنْ عَجَّلَ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ حُسِبَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ نَجْمٍ بِحِصَّتِهِ؛ لِأَنَّ التَّنْجِيمَ كَانَ ثَابِتًا فِي جَمِيعِ الْمَالِ، وَإِنْ

стр. 1682

عَجَّلَ شَيْئًا عِنْدَ اعْتِرَاضِ الْوَرَثَةِ يَشِيعُ الْمُعَجَّلُ فِي جَمِيعِ النُّجُومِ فَيَكُونُ مِنْ كُلِّ نَجْمٍ بِحِصَّتِهِ إذْ لَيْسَ بَعْضُ النُّجُومِ بِأَنْ يَجْعَلَ الْمُؤَجَّلَ عَنْهُ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ. وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفَيْنِ وَقِيمَتُهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ لَا مَالَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ قِيلَ لَهُ عَجِّلْ ثُلُثَيْ الْأَلْفَيْنِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: يُقَالُ لَهُ عَجِّلْ ثُلُثَيْ قِيمَتِكَ؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِمَا أَنَّ مَالَ الْمَوْلَى بَدَلُ الْكِتَابَةِ فَلَا يَصِحُّ تَأْجِيلُهُ إلَّا فِي قَدْرِ الثُّلُثِ وَمِنْ أَصْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مَا زَادَ عَلَى ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ كَانَ الْمَرِيضُ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَنْ لَا يَتَمَلَّكَهُ أَصْلًا فَإِذَا تَمَلَّكَهُ مُؤَجَّلًا لَا يَثْبُتُ لِلْأَوْلِيَاءِ حَقُّ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْأَجَلِ فِيهِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ. وَإِنْ كَاتَبَهُ عَلَى أَلْفٍ وَقِيمَتُهُ أَلْفَانِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ قِيلَ لَهُ عَجِّلْ ثُلُثَيْ قِيمَتِكَ وَأَنْتَ حُرٌّ وَإِلَّا رَدَدْنَاكَ فِي الرِّقِّ؛ لِأَنَّهُ حَابَاهُ بِنِصْفِ الْمَالِ، وَالْمُحَابَاةُ فِي الْمَرَضِ وَصِيَّةٌ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِقَدْرِ ثُلُثِهِ وَإِذَا اسْتَغْرَقَتْ الْمُحَابَاةُ لِلثُّلُثِ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ التَّأْجِيلِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ فَيُؤْمَرُ بِأَنْ يُعَجِّلَ ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ أَوْ يُرَدَّ فِي الرِّقِّ رَجُلٌ كَاتَبَ عَبْدَهُ فِي صِحَّتِهِ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ اسْتَوْفَى بَدَلَ الْكِتَابَةِ فَهُوَ مُصَدَّقٌ وَيُعْتَقُ الْمُكَاتَبُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ عِنْدَ إقْرَارِ الْمَوْلَى بِاسْتِيفَاءِ الْبَدَلِ مِنْهُ لَمَّا كَانَ الْعَقْدُ فِي صِحَّتِهِ وَمَرَضِهِ لَا يُبْطِلُ الِاسْتِحْقَاقَ الثَّابِتَ لِلْمُكَاتِبِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ مِنْ إنْسَانٍ فِي صِحَّتِهِ، ثُمَّ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَاتَبَهُ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ أَقَرَّ بِاسْتِيفَاءِ الْبَدَلِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِقَدْرِ ثُلُثِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا اسْتَحَقَّ هُنَا بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ عِنْدَ إقْرَارِهِ، وَإِنَّمَا اسْتَحَقَّ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ عِنْدَ إيصَالِ الْمَالِ إلَيْهِ ظَاهِرًا لِيَتَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ وَرَثَتِهِ كَمَا كَانَ حَقُّهُمْ مُتَعَلِّقًا بِرَقَبَتِهِ، ثُمَّ تَتَمَكَّنُ تُهْمَةُ الْمُوَاضَعَةِ هُنَا أَنَّهُ قَصَدَ بِتَصَرُّفِهِ تَحْصِيلَ الْعِتْقِ لَهُ فَيُجْعَلُ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ كَأَنَّ الْمَوْلَى أَعْتَقَهُ مَكَانَ الْكِتَابَةِ؛ فَلِهَذَا كَانَ مُعْتَبَرًا مِنْ ثُلُثِهِ. وَلَوْ كَاتَبَهُ فِي صِحَّتِهِ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ وَقِيمَتُهُ خَمْسُمِائَةٍ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَقْبِضْ شَيْئًا فَإِنَّهُ يَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمَوْلَى فِي مَرَضِهِ الْأَقَلُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ فَإِنَّ مَا زَادَ عَلَى الْأَقَلِّ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ بِأَنَّهُ لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَنْ يَعْجِزَ نَفْسَهُ فَلَا يَكُونُ حَقُّهُ إلَّا فِي الْقِيمَةِ فَلِهَذَا يُعْتَبَرُ الثُّلُثُ، وَالثُّلُثَانِ فِي الْأَقَلِّ وَهُوَ قِيمَتُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ وَلِأَنَّ إعْتَاقَهُ إيَّاهُ إبْطَالٌ لِلْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّ الْإِعْتَاقَ الْمُبْتَدَأَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى غَيْرُ الْمُعْتَقِ بِجِهَةِ الْكِتَابَةِ وَإِذَا كَانَ هَذَا إبْطَالًا لِلْكِتَابَةِ جُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يُكَاتِبْهُ وَكَذَلِكَ إنْ وَهَبَ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْكِتَابَةِ فِي مَرَضِهِ وَهُوَ حُرٌّ وَيَسْعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ مَالَ الْمَوْلَى هُوَ الْأَقَلُّ فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ تَبَرُّعُهُ بِالْهِبَةِ مِنْ الثُّلُثِ فِيمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ حَقُّهُ وَهُوَ الْأَقَلُّ، وَفِي الْكِتَابِ قَالَ إنَّهُ مَتَى

стр. 1683

أَدَّى ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ عَتَقَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمُكَاتَبَةِ فِي قَوْلِ يَعْقُوبَ وَمُرَادُهُ قَوْلَ يَعْقُوبَ فِي أَنَّهُ إذَا كَانَ لِعِتْقِهِ وَجْهَانِ سَعَى فِي الْأَقَلِّ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ جِهَةِ السِّعَايَةِ، وَمِنْ جِهَةِ الْمُكَاتَبَةِ وَلَا يُخَيِّرُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْقَلِيلِ، وَالْكَثِيرِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ غَيْرُ مُفِيدٍ. وَعَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا كَاتَبَهُ فِي صِحَّتِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ سَعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ، وَإِنْ شَاءَ سَعَى فِي ثُلُثَيْ مَا عَلَيْهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي كِتَابِ الْعَتَاقِ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْلَى قَدْ قَبَضَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ خَمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ سَعَى فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ وَلَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا أَدَّى قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا عَتَقَ بِالْإِعْتَاقِ الْمُبْتَدَأِ بَطَلَ حُكْمُ الْكِتَابَةِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى فَمَا أَدَّى قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَسْبُ عَبْدِهِ فَيَكُونُ سَالِمًا لَهُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ مِمَّا عَلَيْهِ مِنْ السِّعَايَةِ وَهَذَا عِنْدَهُمَا وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ اخْتَارَ فَسْخَ الْكِتَابَةِ، وَالسِّعَايَةِ فِي ثُلُثَيْ قِيمَتِهِ. (قَالَ): وَإِنْ أَدَّى الْمُكَاتَبَةَ إلَّا مِائَةَ دِرْهَمٍ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ فِي مَرَضِهِ أَوْ وَهَبَ لَهُ الْبَاقِيَ سَعَى فِي ثُلُثَيْ الْمِائَةِ؛ لِأَنَّ مَا بَقِيَ مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ هُنَا أَقَلُّ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَالَ الْمَوْلَى الْقَدْرُ الْمُتَيَقَّنُ بِهِ وَهُوَ الْأَقَلُّ؛ فَلِهَذَا يُعْتَبَرُ الثُّلُثُ، وَالثُّلُثَانِ هُنَا مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ أَقَلُّ. وَإِذَا وَلَدَتْ الْمُكَاتَبَةُ وَلَدًا وَاشْتَرَتْ وَلَدًا آخَرَ لَهَا، ثُمَّ مَاتَتْ سَعَيَا فِي الْكِتَابَةِ عَلَى النُّجُومِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلُودَ فِي الْكِتَابَةِ قَائِمٌ مَقَامَ الْأُمِّ فِي بَقَاءِ النُّجُومِ بِبَقَائِهِ وَهُوَ الْمُطَالَبُ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ وَهُوَ الَّذِي يَلِي الْأَدَاءَ إلَى الْمَوْلَى عِنْدَ حُلُولِ كُلِّ نَجْمٍ دُونَ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِي لَوْ كَانَ وَحْدَهُ لَا يُطَالَبُ بِالْمَالِ عَلَى النُّجُومِ وَلَكِنْ إذَا لَمْ يُؤَدِّ الْمَالَ حَالًّا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ عَبْدِهَا يُبَاعُ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ غَيْرُ قَائِمٍ مَقَامَهَا، وَإِنَّمَا الْقَائِمُ مَقَامَهَا هُوَ الْمَوْلُودُ فِي الْكِتَابَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَحْدَهُ كَانَ الْمَالُ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنَّمَا يُطَالَبُ بِهِ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَصَارَ الْمَوْلُودُ فِي الْكِتَابَةِ فِي حَقِّ الْوَلَدِ الْآخَرِ كَالْأُمِّ وَفِي حَالِ حَيَاتِهَا كَانَتْ هِيَ الَّتِي تُطَالَبُ بِالْمَالِ وَتَلِي الْأَدَاءَ دُونَ الْوَلَدِ فَكَذَا هُنَا فَإِنْ سَعَى الْوَلَدُ فِي الْكِتَابَةِ وَأَدَّى لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَخِيهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى عَنْ أُمِّهِ وَلِأَنَّ كَسْبَهُ فِي أَدَاءِ بَدَلِ الْكِتَابَةِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ تَرِكَتِهَا وَعِنْدَ الْأَدَاءِ مِنْ التَّرِكَةِ لَا يَرْجِعُ عَلَى أَخِيهِ بِشَيْءٍ فَكَذَلِكَ إذَا أَدَّى مِنْ كَسْبِهِ. وَلَوْ اكْتَسَبَ هَذَا الِابْنُ الْمُشْتَرَى كَسْبًا فَلِأَخِيهِ أَنْ يَأْخُذَهُ فَيَسْتَعِينَ بِهِ فِي كِتَابَتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ أُمِّهِ وَكَانَ لَهَا فِي حَيَاتِهَا أَنْ تَأْخُذَ كَسْبَهُ فَكَذَلِكَ لِمَنْ قَامَ مَقَامَهَا وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَقِيَ الْأَجَلُ بِاعْتِبَارِ بَقَاءِ الْمَوْلُودِ فِي الْكِتَابَةِ وَلَا يَبْقَى الْأَجَلُ إلَّا بِاعْتِبَارِ مَنْ هُوَ أَصْلٌ عَرَفْنَا أَنَّهُ أَصْلٌ فِي هَذَا الْعَقْدِ، وَالْمُشْتَرَى تَبَعٌ لَهُ وَعَلَى هَذَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَهُ فِي عَمَلٍ لِيَأْخُذَ كَسْبَهُ فَيَسْتَعِينَ بِهِ فِي مُكَاتَبَتِهِ

стр. 1684

كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَيَأْمُرُهُ الْقَاضِي أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ أَوْ يَأْمُرُ أَخَاهُ أَنْ يُؤَاجِرَهُ كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُمُّ حَيَّةً كَانَ لَهَا أَنْ تُؤَاجِرَهُ بِأَمْرِ الْقَاضِي إذَا أَبَى أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ لِيُؤَدِّيَ الْمُكَاتَبَةَ مِنْ إجَارَتِهِ وَمَا اكْتَسَبَ الْمَوْلُودُ فِي الْمُكَاتَبَةِ بَعْدَ مَوْتِ الْأُمِّ قَبْلَ الْأَدَاءِ فَهُوَ لَهُ خَاصَّةً وَمَا اكْتَسَبَ أَخُوهُ حُسِبَ مِنْ تَرِكَتِهَا فَقَضَى مِنْهُ الْكِتَابَةَ، وَالْبَاقِي مِيرَاثٌ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَى بِمَنْزِلَةِ عَبْدِهَا فَيَكُونُ كَسْبُهُ لَهَا بِمَنْزِلَةِ مَالٍ خَلَّفَتْهُ يَقْضِي مِنْهُ بَدَلَ الْكِتَابَةِ، وَالْبَاقِي مِيرَاثٌ عَنْهَا بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فَأَمَّا الْمَوْلُودُ فِي الْكِتَابَةِ قَدْ انْتَصَبَ أَصْلًا فَإِذَا حَكَمَ بِعِتْقِهِ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ عِتْقِ أُمِّهِ كَانَ مَا اكْتَسَبَ بَعْدَ ذَلِكَ لَهُ خَاصَّةً وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَأَمَّا عِنْدَهُمَا الْوَلَدُ الْمُشْتَرَى، وَالْوَلَدُ الْمَوْلُودُ فِي الْكِتَابَةِ وَكُلُّ مَنْ تَكَاتَبَ عَلَيْهَا فِي حُكْمِ السِّعَايَةِ عَلَى النُّجُومِ سَوَاءٌ فَلَا يَكُونُ لِأَخِيهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ كَسْبِهِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَائِمٌ مَقَامَ الْأُمِّ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا يَتْبَعُ لِصَاحِبِهِ. وَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَمَرِضَ أَحَدُهُمَا، ثُمَّ كَاتَبَ الصَّحِيحُ بِإِذْنِهِ جَازَ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ إبْطَالُهُ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ مُوَرِّثِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُوَرِّثِ إبْطَالُهُ فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ لِوَارِثِهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْإِذْنِ إبْطَالُ شَيْءٍ مِنْ حَقِّ الْوَرَثَةِ عَمَّا تَعَلَّقَ حَقُّهُمْ بِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ إسْقَاطِ خِيَارٍ ثَبَتَ لَهُ. وَكَذَلِكَ إنْ أَذِنَ لَهُ فِي الْقَبْضِ فَقَبَضَ بَعْضَ الْمُكَاتَبَةِ، ثُمَّ مَاتَ الْمَرِيضُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَارِثِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، مِنْ أَصْحَابِنَا ﵃ مَنْ قَالَ هَذَا غَلَطٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْوَارِثِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ فِي الْقَبْضِ رِضًا مِنْهُ بِأَنْ يَقْضِيَ الْمُكَاتَبُ دَيْنَهُ بِنِصْفِ الْكَسْبِ الَّذِي هُوَ حَقُّ الْمَرِيضِ، وَهَذَا تَبَرُّعٌ مِنْهُ فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِهِ وَلَكِنَّا نَقُولُ الْمَرِيضُ يَتَمَكَّنُ مِنْ إسْقَاطِ حَقِّ وَرَثَتِهِ عَنْ كَسْبِهِ بِأَنْ يُسَاعِدَهُ عَلَى الْكِتَابَةِ فَيُعْمَلُ رِضَاهُ أَيْضًا بِقَضَاءٍ بَدَلُ الْكِتَابَةِ مِنْ كَسْبِهِ وَلَا يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ سَبِيلٌ عَلَى إبْطَالِ ذَلِكَ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ وَتَبَرُّعُهُ بِمَنْفَعَةِ نَصِيبِهِ لَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا مِنْ ثُلُثِهِ فَكَذَلِكَ تَبَرُّعُهُ مِنْ بَدَلِ الْمَنْفَعَةِ. وَلَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُزَوِّجَ أُمَّتَهُ مِنْ عَبْدِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْيِيبًا لَهُمَا فَإِنَّ النِّكَاحَ عَيْبٌ فِي الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ جَمِيعًا، وَلَا يَسْقُطُ بِهَذَا الْعَقْدِ نَفَقَتُهَا عَنْهُ وَلَا يَجِبُ الْمَهْرُ أَيْضًا فَكَانَ هَذَا ضَرَرًا فِي حَقِّ الْمَكَاتِبِ فَلِهَذَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ. وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَأْذَنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ وَيَقْصِدُ بِهِ اكْتِسَابَ الْمَالِ، وَالْمُكَاتَبُ مُنْفَكُّ الْحَجْرِ عَنْهُ فِي مِثْلِهِ وَلِأَنَّ الْفَكَّ الثَّابِتَ بِالْكِتَابَةِ فَوْقَ الثَّابِتِ بِالْإِذْنِ وَإِذَا جَازَ لِلْمَأْذُونِ أَنْ يَأْذَنَ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ فَلَأَنْ يَجُوزَ لِلْمُكَاتَبِ أَوْلَى فَإِنْ لَحِقَهُ دَيْنٌ بِيعَ إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ الْمَكَاتِبُ وَيَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ

стр. 1685

الدَّيْنَ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ هَذَا تَصَرُّفٌ تَنَاوَلَهُ الْفَكُّ الثَّابِتُ بِالْكِتَابَةِ، وَالْمُكَاتَبُ فِي مِثْلِهِ كَالْحُرِّ أَلَا تَرَى أَنَّ فِيمَا يَبِيعُ وَيَشْتَرِي بِنَفْسِهِ جُعِلَ كَالْحُرِّ لِهَذَا فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَاتَبُ، وَقَدْ لَحِقَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دَيْنٌ بِيعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي دَيْنِ نَفْسِهِ لَا أَنْ يَفْدِيَهُمَا الْمَوْلَى؛ لِأَنَّ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَمْلُوكًا لِلْمَوْلَى فَيَكُونُ الرَّأْيُ إلَيْهِ فِي أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُمَا الدَّيْنَ أَوْ يُبَاعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي دَيْنِهِ فَإِنْ فَضَلَ مِنْ ثَمَنِ الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ لَمْ يُصْرَفْ فِي دَيْنِ عَبْدِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّ غُرَمَاءِ الْعَبْدِ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِمَالِيَّةِ الْعَبْدِ وَكَسْبِهِ، وَالْمُكَاتَبُ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ بَلْ الْمُكَاتَبُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فَكَمَا لَا يَقْضِي دَيْنَ الْعَبْدِ مِنْ مَالِ مَوْلَاهُ الْحُرِّ فَكَذَلِكَ لَا يَقْضِي مِنْ ثَمَنِ الْمُكَاتَبِ. وَإِنْ فَضَلَ مِنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ شَيْءٌ صُرِفَ فِي دَيْنِ الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ كَسْبُهُ وَحَقُّ غُرَمَائِهِ ثَبَتَ فِي كَسْبِهِ إلَّا أَنَّ دَيْنَ الْعَبْدِ كَانَ مُقَدَّمًا فِي مَالِيَّةِ رَقَبَتِهِ فَمَا يَفْضُلُ مِنْ دَيْنِهِ صُرِفَ فِي دَيْنِ الْمُكَاتَبَةِ، فَإِنْ قَضَى الْمَوْلَى بَعْضَ غُرَمَاءِ الْعَبْدِ دَيْنَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُونَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَلَى مَنْ اقْتَضَى دَيْنَهُ سَبِيلٌ إذَا لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَوْلَى إنَّمَا قَضَى مِنْ خَالِصِ مِلْكِهِ وَلَا حَقَّ لِلْغُرَمَاءِ فِي خَالِصِ مِلْكِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مُتَبَرِّعٍ آخَرَ يَتَبَرَّعُ بِقَضَاءِ بَعْضِ دَيْنِهِ فَلَا يَكُونُ لِلْبَاقِينَ عَلَى الْمُقْتَضِي سَبِيلٌ وَلَكِنَّهُمْ يَأْخُذُونَ الْعَبْدَ بِدَيْنِهِمْ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِمْ بِمَالِيَّةِ رَقَبَتِهِ وَلَا يُخَاصِمُهُمْ الْمَوْلَى بِمَا قَضَى مِنْ دَيْنِهِ فِي رَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوْجِبُ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ عَبْدِهِ وَلَا فِي مَالِيَّةِ رَقَبَتِهِ فَكَانَ هُوَ فِي الْأَدَاءِ بِمَنْزِلَةِ مُتَبَرِّعٍ آخَرَ وَعَجَزَ الْمُكَاتَبُ حَجَرَ عَلَى عَبْدِهِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْإِذْنِ بِاعْتِبَارِ الْفَكِّ الثَّابِتِ لِلْمُكَاتَبِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِعَجْزِهِ فَيَكُونُ عَجْزُهُ كَمَوْتِ الْحُرِّ وَبِمَوْتِ الْحُرِّ يَصِيرُ الْعَبْدُ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ وَكَذَلِكَ بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ مَاتَ عَاجِزًا فَقَدْ انْفَسَخَتْ الْكِتَابَةُ، وَإِنْ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ فَهُوَ كَمَوْتِ الْحُرِّ فَيَكُونُ حَجْرًا عَلَى الْعَبْدِ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فَإِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَأَذِنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَصِحَّ إذْنُهُ؛ لِأَنَّ غُرَمَاءَ الْعَبْدِ أَحَقُّ بِمَالِيَّةِ رَقَبَتِهِ، وَالْوَلَدُ الْمَوْلُودُ فِي الْكِتَابَةِ إنَّمَا يَخْلُفُ أَبَاهُ فِيمَا هُوَ حَقُّهُ، فَأَمَّا فِيمَا هُوَ حَقُّ غُرَمَائِهِ فَلَا فَلِهَذَا لَا يَصِحُّ إذْنُهُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ. وَإِذَا أَذِنَ الْمُكَاتَبُ لِعَبْدِهِ فِي التِّجَارَةِ فَاسْتَدَانَ دَيْنًا فَدَفَعَهُ الْمَوْلَى إلَى الْغُرَمَاءِ بِدَيْنِهِمْ جَازَ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِالْمَوْلَى هُوَ الْمُكَاتَبُ دُونَ مَوْلَى الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِمَوْلَى الْمُكَاتَبِ فِي التَّصَرُّفِ فِي كَسْبِهِ مَا بَقِيَتْ الْكِتَابَةُ، وَالْمُكَاتَبُ فِي التَّصَرُّفِ فِي كَسْبِهِ كَالْحُرِّ فِيمَا تَنَاوَلَهُ الْفَكُّ وَدَفْعُ الْعَبْدِ إلَى الْغُرَمَاءِ بِدَيْنِهِمْ يَجُوزُ مِنْ الْحُرِّ فَكَذَلِكَ مِنْ الْمَكَاتِبِ. وَلَوْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي التَّزْوِيجِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مُبَاشَرَتَهُ بِنَفْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ
следующие страницы →