Полный текст (6 278 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا عَلَيْهِ حِذَاءٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ حَنِثَ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الْقَدَمِ عِبَارَةٌ عَنْ الدُّخُولِ عَرْفًا، فَإِذَا نَوَى حِينَ حَلَفَ أَنْ لَا يَضَعَ قَدَمَهُ مَاشِيًا فَدَخَلَهَا رَاكِبًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ غَيْرُ مَهْجُورَةٍ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا فَقَامَ عَلَى حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِهَا حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ دَخَلَهَا، فَإِنَّ الْقَائِمَ عَلَى حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِهَا لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ السَّارِقَ لَوْ أُخِذَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَمَعَهُ الْمَالُ لَمْ يُقْطَعْ، كَمَا لَوْ أُخِذَ فِي صَحْنِ الدَّارِ. تَوْضِيحُهُ: أَنَّ الدَّارَ اسْمٌ لِمَا أُدِيرَ عَلَيْهِ الْحَائِطُ، فَيَكُونُ الْحَائِطُ دَاخِلًا فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي بَيْعِ الدَّارِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ فِي الدَّارِ، فَقَامَ عَلَى السَّطْحِ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ السَّطْحَ مِنْ الدَّارِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ نَامَ عَلَى سَطْحِ الدَّارِ يَسْتَخِيرُ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَقُولَ: بِتُّ اللَّيْلَةَ فِي دَارِي، وَلَوْ قَامَ فِي طَلْقِ بَابِ الدَّارِ، وَالْبَابُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّارِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْبَابَ لِإِحْرَازِ الدَّارِ وَمَا فِيهَا، فَكُلُّ مَوْضِعٍ إذَا رُدَّ الْبَابُ بَقِيَ خَارِجًا، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الدَّارِ فَلَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهَا، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ رُدَّ الْبَابُ بَقِيَ دَاخِلًا، فَهَذَا قَدْ دَخَلَهَا فَيَحْنَثُ.
وَلَوْ كَانَ دَاخِلًا فِيهَا فَحَلَفَ أَنْ لَا يَخْرُجَ فَقَامَ فِي مَقَامٍ يَكُونُ الْبَابُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّارِ إذَا أُغْلِقَتْ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ انْفِصَالٌ مِنْ الدَّاخِلِ إلَى الْخَارِجِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ حِينَ وَصَلَ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَإِنْ أَخْرَجَ إحْدَى رِجْلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَلِكَ إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا فَأَدْخَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ قِيَامَهُ بِالرِّجْلَيْنِ فَلَا يَكُونُ بِأَحَدِهِمَا خَارِجًا وَلَا دَاخِلًا، أَلَا تَرَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا وَعَدَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنْ يُعَلِّمَهُ سُورَةً لَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ مِثْلُهَا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، فَعَلَّمَهُ بَعْدَ مَا أَخْرَجَ إحْدَى رِجْلَيْهِ»، وَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا لِوَعْدِهِ. مِنْ أَصْحَابنَا مَنْ يَقُولُ: هَذَا إذَا كَانَ الدَّاخِلُ وَالْخَارِجُ مُسْتَوِيَانِ، فَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ أَسْفَلَ مِنْ الْخَارِجِ فَبِإِدْخَالِ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ يَصِيرُ دَاخِلًا؛ لِأَنَّ عَامَّةَ بَدَنِهِ تَمَايَلَ إلَى الدَّاخِلِ، وَإِنْ كَانَ الْخَارِجُ أَسْفَلَ مِنْ الدَّاخِلِ فَبِإِخْرَاجِ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ يَصِيرُ خَارِجًا لِهَذَا الْمَعْنَى، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ الْحِنْثِ حَقِيقَةً، فَلَا يَحْنَثُ، وَاعْتِبَارُ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ حَانِثًا، وَالرِّجْلُ الْأُخْرَى تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَحْنَثُ بِالشَّكِّ، وَإِنْ دَخَلَ مِنْ حَائِطٍ لَهَا حَتَّى قَامَ عَلَى سَطْحٍ مِنْ سُطُوحِهَا، فَقَدْ دَخَلَهَا؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ السَّطْحَ مِمَّا أُدِيرَ عَلَيْهِ الْحَائِطُ فَالدَّاخِلُ إلَيْهِ يَكُونُ دَاخِلًا فِيهَا، وَلَوْ دَخَلَ بَيْتًا مِنْ تِلْكَ الدَّارِ قَدْ شَرَعَ السِّكَّةَ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا أُدِيرَ عَلَيْهِ الْحَائِطُ، وَهَذَا إذَا كَانَ لِذَلِكَ الْبَيْتِ بَابٌ فِي الدَّارِ وَبَابٌ فِي السِّكَّةِ، وَإِنْ دَخَلَ فِي عُلُوِّهَا عَلَى الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ، أَوْ دَخَلَ
стр. 1787
كَنِيفًا مِنْهَا شَارِعًا إلَى الطَّرِيقِ حَنِثَ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ مُفَتَّحَةً فِي الدَّارِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُجَرِ الدَّارِ وَمَرَافِقِهِ، فَالدَّاخِلُ إلَيْهِ لَا يَكُونُ خَارِجًا مِنْ الدَّارِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ خَارِجًا كَانَ دَاخِلًا فِي الدَّارِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
[بَابُ الْخُرُوجِ]
(قَالَ) ﵁: وَإِذَا حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ بِالطَّلَاقِ أَنْ لَا تَخْرُجَ حَتَّى يَأْذَنَ لَهَا فَأَذِنَ لَهَا مَرَّةً سَقَطَتْ الْيَمِينُ؛ لِأَنَّ حَتَّى لِلْغَايَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ.﴾ [القدر: ٥] وَالْيَمِينُ يَتَوَقَّفُ بِالتَّوْقِيتِ، وَمِنْ حُكْمِ الْغَايَةِ أَنْ يَكُونَ مَا بَعْدَهَا بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا، فَإِذَا انْتَهَتْ الْيَمِينُ بِالْإِذْنِ مَرَّةً لَمْ يَحْنَثْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْإِذْنَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُشَدِّدًا الْأَمْرَ عَلَى نَفْسِهِ بِلَفْظٍ يَحْتَمِلُهُ، وَلَوْ قَالَ: إلَّا بِإِذْنِي فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِذْنِ لِكُلِّ مَرَّةٍ حَتَّى إذَا خَرَجَتْ مَرَّةً بِغَيْرِ إذْنِهِ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى خُرُوجًا بِصِفَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِهِ فَإِنَّ الْبَاءَ لِلْإِلْصَاقِ فَكُلُّ خُرُوجٍ لَا يَكُونُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ كَانَ شَرْطُ الْحِنْثِ، وَمَعْنَى كَلَامِهِ إلَّا مُسْتَأْذِنَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿: وَمَا نَتَنَزَّلُ إلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] أَيْ مَأْمُورِينَ بِذَلِكَ، وَنَظِيرِهِ إنْ خَرَجَتْ إلَّا بِقِنَاعٍ أَوْ إلَّا بِمَلَاءَةٍ، فَإِذَا خَرَجَتْ مَرَّةً بِغَيْرِ قِنَاعٍ أَوْ بِغَيْرِ مَلَاءَةٍ حَنِثَ، فَأَمَّا إذَا قَالَ: إلَّا أَنْ آذَنَ لَهَا. فَهَذَا بِمَنْزِلَتِهِ حَتَّى إذَا وُجِدَ الْإِذْنُ مَرَّةً لَا يَبْقَى الْيَمِينُ فِيهِ؛ لِأَنَّ إلَّا أَنْ بِمَعْنَى حَتَّى فِيمَا يَتَوَقَّفُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿: إلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] أَيْ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ إظْهَارُ الْمَصْدَرِ هُنَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ: إلَّا بِإِذْنِي فَإِنَّهُ يَسْتَقِيمُ أَنْ يَقُولَ: إلَّا خُرُوجًا بِإِذْنِي فَعَرَفْنَا أَنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُسْتَثْنِي، وَهُنَا لَوْ قَالَ إلَّا خُرُوجًا إنْ آذَنَ لَك كَانَ كَلَامًا مُخْتَلًّا، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ بِمَعْنَى التَّوْقِيتِ، وَفِيهِ طَعَنَ الْفَرَّاءُ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ.
وَإِنْ حَلَفَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ، فَخَرَجَتْ إلَى الدَّارِ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ الْحِنْثِ الْخُرُوجَ مِنْ الْبَيْتِ نَصًّا، وَالْبَيْتُ غَيْرُ الدَّارِ فَبِالْوُصُولِ إلَى صَحْنِ الدَّارِ صَارَتْ خَارِجَةً مِنْ الْبَيْتِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا تَخْرُجَ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ هُنَا الْخُرُوجُ إلَى السِّكَّةِ، وَالْوُصُولُ إلَى مَوْضِعٍ يَرَاهَا النَّاسُ فِيهِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ بِخُرُوجِهَا إلَى صَحْنِ الدَّارِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ فُلَانٌ بَيْتَهُ، فَدَخَلَ دَارِهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ سَمَّى الْبَيْتَ نَصًّا، وَالدَّارُ غَيْرُ الْبَيْتِ، فَالدَّاخِلُ فِي الدَّارِ لَا يَكُونُ دَاخِلًا فِي الْبَيْتِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَأْذَنُ لِغَيْرِهِ فِي دُخُولِ دَارِهِ وَلَا يَأْذَنُ فِي دُخُولِ بَيْتِهِ.
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ بَابِ هَذِهِ الدَّارِ، فَخَرَجَتْ مِنْ غَيْرِ الْبَابِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ بِتَسْمِيَةِ الْبَابِ.
стр. 1788
فَإِنْ قِيلَ): مَقْصُودُهُ مَنْعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ لِكَيْ لَا يَرَاهَا الْأَجَانِبُ، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِالْبَابِ وَغَيْرِ الْبَابِ. (قُلْنَا): اعْتِبَارُ مَقْصُودِهِ يَكُونُ مَعَ مُرَاعَاةِ لَفْظِهِ، وَلَا يَجُوزُ إلْغَاءُ اللَّفْظِ لِاعْتِبَارِ الْمَقْصُودِ، ثُمَّ قَدْ يَمْنَعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الْبَابِ؛ لِكَيْ لَا يَرَاهَا الْجَارُ الْمُحَاذِي، وَرُبَّمَا يَتَّهِمُهَا بِإِنْسَانٍ إذَا خَرَجَتْ مِنْ الْبَابِ رَآهَا، وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ غَيْرِ الْبَابِ لَمْ يَرَهَا، وَرُبَّمَا يَكُونُ عَلَى الْبَابِ كَلْبٌ عَقُورٌ، فَكَانَ تَقْيِيدُ الْبَابِ مُفِيدًا فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ عَلَى بَابٍ بِعَيْنِهِ، فَخَرَجَتْ مِنْ بَابٍ آخَرَ لَمْ يَحْنَثْ مُرَاعَاةً لِلَفْظِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ يَعْقُوبَ ﵇ قَالَ لِأَوْلَادِهِ ﵈ ﴿: لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ، وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ.﴾ [يوسف: ٦٧] وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ أَمْرًا بِمَا هُوَ مُفِيدٌ.
وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا تَخْرُجَ إلَّا بِإِذْنِهِ، فَأَذِنَ لَهَا مِنْ حَيْثُ لَا تَسْمَعُ، لَمْ يَكُنْ إذْنًا فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هُوَ إذْنٌ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِعْلُ الْأَذَانِ يَتِمُّ بِهِ كَالرِّضَا، وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا تَخْرُجَ إلَّا بِرِضَاهُ فَرَضِيَ بِذَلِكَ، وَلَمْ تَسْمَعْ فَخَرَجَتْ لَمْ يَحْنَثْ، فَهَذَا مِثْلُهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَا: الْإِذْنُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْإِذْنِ، وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالسَّمَاعِ، أَوْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنْ الْأَذَانِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿: وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣]. وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِالسَّمَاعِ، بِخِلَافِ الرِّضَا فَإِنَّهُ بِالْقَلْبِ، يَكُونُ تَوْضِيحُهُ: أَنَّ مَقْصُودَهُ مِنْ هَذَا أَنْ لَا تَتَجَاسَرَ بِالْخُرُوجِ قَبْلَ أَنْ تَسْتَأْذِنَهُ، وَهَذَا الْمَقْصُودُ لَا يَحْصُلُ إذَا لَمْ تَسْمَعْ بِإِذْنِهِ، فَكَانَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.
وَلَوْ حَلَفَ عَلَيْهَا لَا تَخْرُجُ مِنْ الْمَنْزِلِ إلَّا فِي كَذَا فَخَرَجَتْ لِذَلِكَ مَرَّةً، ثُمَّ خَرَجَتْ فِي غَيْرِهِ حَنِثَ لِوُجُودِ الْخُرُوجِ لَا عَلَى الْوَجْهِ الْمُسْتَثْنَى، فَإِنْ كَانَ عَنَى لَا تَخْرُجُ هَذِهِ الْمَرَّةَ إلَّا فِي كَذَا، فَخَرَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ خَرَجَتْ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ خَصَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ بِنِيَّتِهِ، وَإِنْ خَرَجَتْ لِذَلِكَ ثُمَّ بَدَا لَهَا فَانْطَلَقَتْ فِي حَاجَةٍ أُخْرَى، وَلَمْ تَنْطَلِقْ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهَا بِالصِّفَةِ الْمُسْتَثْنِي، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَدَ مِنْهَا الذَّهَابَ فِي حَاجَةٍ أُخْرَى لَا الْخُرُوجَ، وَشَرْطُ حِنْثِهِ الْخُرُوجُ.
وَإِنْ حَلَفَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَخْرُجَ مَعَ فُلَانٍ مِنْ الْمَنْزِلِ، فَخَرَجَتْ مَعَ غَيْرِهِ، أَوْ خَرَجَتْ وَحْدَهَا، ثُمَّ لَحِقَهَا فُلَانٌ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ الِانْفِصَالُ مِنْ الدَّاخِلِ إلَى الْخَارِجِ، وَلَمْ تَكُنْ مَعَ فُلَانٍ، وَذَلِكَ شَرْطُ حِنْثِهِ، فَلِهَذَا لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ لَحِقَهَا فُلَانٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ فُلَانٌ عَلَيْهَا بَيْتًا فَدَخَلَ فُلَانٌ أَوَّلًا، ثُمَّ دَخَلَتْ هِيَ فَاجْتَمَعَا فِيهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى فُلَانٍ، وَشَرْطُ حِنْثِهِ دُخُولُ فُلَانٍ عَلَيْهَا، وَإِنْ حَلَفَ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ الدَّارِ فَدَخَلَتْ بَيْتًا أَوْ كَنِيفًا فِي عُلُوِّهَا شَارِعًا إلَى الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ، لَمْ يَكُنْ خُرُوجُهَا إلَى هَذَا
стр. 1789
الْمَوْضِعِ خُرُوجًا مِنْ الدَّارِ عَلَى مَا بَيَّنَّا أَنَّ الْوَصْلَ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ يَكُونُ دَاخِلًا فِي الدَّارِ، فَلَا تَصِيرُ خَارِجَةً مِنْ الدَّارِ بِالْوُصُولِ إلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الْأَكْلِ]
(قَالَ): وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا، أَوْ لَا يَشْرَبُ شَرَابًا، فَذَاقَ شَرَابًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُدْخِلْهُ حَلْقَهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى فِعْلِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَالذَّوْقُ لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ، فَإِنَّ الْأَكْلَ إيصَالُ الشَّيْءِ إلَى جَوْفِهِ بِفِيهِ مَهْشُومًا، أَوْ غَيْرَ مَهْشُومٍ، مَمْضُوغًا أَوْ غَيْرَ مَمْضُوغٍ، مِمَّا يَتَأَتَّى فِيهِ الْهَشْمُ وَالْمَضْغُ، وَالشُّرْبُ أَيْضًا إيصَالُ الشَّيْءِ إلَى جَوْفِهِ بِفِيهِ مِمَّا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْهَشْمُ وَالْمَضْغُ فِي حَالِ اتِّصَالِهِ، وَالذَّوْقُ مَعْرِفَةُ طَعْمِ الشَّيْءِ بِفِيهِ مِنْ غَيْرِ إدْخَالِ عَيْنِهِ فِي حَلْقِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّائِمَ إذَا ذَاقَ شَيْئًا لَمْ يُفْطِرْهُ، وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ مُفْطِرٌ لَهُ، وَمَتَى عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى فِعْلٍ، فَأَتَى بِمَا هُوَ دُونَهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَتَى بِمَا هُوَ فَوْقَهُ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَزِيَادَةٍ، وَإِنْ كَانَ قَالَ: لَا أَذُوقُ حَنِثَ لِوُجُودِ الذَّوْقِ حَقِيقَةً، وَإِنْ لَمْ يُدْخِلْهُ حَلْقَهُ، إلَّا إذَا تَمَضْمَضَ بِمَاءٍ، فَحِينَئِذٍ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ التَّطْهِيرُ لَا مَعْرِفَةُ طَعْمِ الْمَاءِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ذَوْقًا، وَإِنْ عُنِيَ بِالذَّوْقِ الْأَكْلَ فِي الْمَأْكُولِ وَالشُّرْبَ فِي الْمَشْرُوبِ لَمْ يَحْنَثْ، مَا لَمْ يُدْخِلْهُ فِي حَلْقِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ لَفْظِهِ.
وَفِيهِ عُرْفٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ: مَا ذُقْت الْيَوْمَ شَيْئًا، أَيْ مَا أَكَلْت، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَتَفَرَّقُونَ إلَّا عَنْ ذَوْقٍ، فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ عَمِلَتْ نِيَّتُهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَيَمِينُهُ عَلَى حَقِيقَةِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُتَعَارَفٌ أَيْضًا، إلَّا أَنَّهُ رَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إذَا تَقَدَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ الْأَكْلُ، لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَأْكُلْ بِأَنْ قَالَ: تَغَدَّ مَعِي فَحَلَفَ أَنْ لَا يَذُوقَ طَعَامَهُ، فَيَمِينُهُ عَلَى الْأَكْلِ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فَوْقَ نِيَّتِهِ، وَإِنْ قَالَ: لَا أَذُوقُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا فَذَاقَ أَحَدَهُمَا حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ كَرَّرَ حَرْفَ النَّفْيِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ نَفْيُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿: لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥]، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ كَذَا وَلَا كَذَا، أَوْ لَا أُكَلِّمُ فُلَانًا وَلَا فُلَانًا، وَكَذَلِكَ إنْ أَدْخَلَ حَرْفَ أَوْ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ حَرْفُ أَوْ بِمَعْنَى وَلَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿: وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] يَعْنِي وَلَا كَفُورًا، فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَأَنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ بِانْفِرَادِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا ذَكَر حَرْفَ الْوَاوِ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ يُعِدْ حَرْفَ النَّفْيِ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ فَيَصِيرُ فِي الْمَعْنَى جَامِعًا بَيْنَهُمَا، وَلَا يَتِمُّ الْحِنْثُ إلَّا بِوُجُودِهِمَا.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، فَأَكَلَ سَمَكًا
стр. 1790
طَرِيًّا أَوْ مَالِحًا لَمْ يَحْنَثْ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، فَإِنَّهُ يَحْمِلُ الْأَيْمَانَ عَلَى أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿: لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، وَقَدْ بَيَّنَّا بَعْدُ هَذَا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً فَرَكِبَ كَافِرًا لَا يَحْنَثُ، وَقَدْ قَالَ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٥٥]، ثُمَّ مَعْنَى اللَّحْمِيَّةِ نَاقِصٌ فِي السَّمَكِ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْ الدَّمِ وَلَيْسَ فِي السَّمَكِ دَمٌ، وَمُطْلَقُ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ، وَكَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْعُرْفِ لَا يُسْتَعْمَلُ السَّمَكُ اسْتِعْمَالَ اللَّحْمِ فِي اتِّخَاذِ الْبَاحَاتِ مِنْهُ، وَبَائِعُ السَّمَكِ لَا يُسَمَّى لَحَّامًا، وَالْعُرْفُ فِي الْيَمِينِ مُعْتَبَرٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى السَّمَكَ، فَحِينَئِذٍ تَعْمَلُ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ مِنْ وَجْهٍ، وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: كُلُّ امْرَأَةٍ لَهُ طَالِقٌ لَا تَدْخُلُ الْمُخْتَلِعَةُ فِيهِ إلَّا بِالنِّيَّةِ: وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُكَاتَبُ.
قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنْ أَكَلَ رِئَةً أَوْ كَبِدًا لَمْ يَحْنَثْ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ طِحَالًا، وَإِنْ أَكَلَ لَحْمَ غَنَمٍ أَوْ طَيْرٍ مَشْوِيٍّ أَوْ مَطْبُوخٍ أَوْ قَدِيدٍ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْمَأْكُولَ لَحْمٌ مُطْلَقٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَعْنَى الْغِذَاءِ تَامٌّ فِيهِ، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ حَتَّى لَوْ أَكَلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ أَوْ إنْسَانٍ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ لَا نُقْصَانَ فِي مَعْنَى اللَّحْمِيَّةِ فِيهِ، فَإِنَّ كَمَالَ مَعْنَى اللَّحْمِيَّةِ بِتَوَلُّدِهِ مِنْ الدَّمِ، وَمَا يَحِلُّ وَمَا يَحْرُمُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَالطُّيُورِ فِيهَا دَمٌ. (قَالَ): وَكَذَلِكَ لَوْ أَكَلَ شَيْئًا مِنْ الرُّءُوسِ فَإِنَّمَا عَلَى الرَّأْسِ لَحْمٌ لَا يُقْصَدُ بِأَكْلِهِ سِوَى أَكْلِ اللَّحْمِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْتَرِي لَحْمًا فَاشْتَرَى رَأْسًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الشِّرَاءِ لَا يَتِمُّ بِهِ بِدُونِ الْبَائِعِ، وَبَائِعُ الرَّأْسِ يُسَمَّى رَآَّسًا لَا لَحَّامًا، فَكَذَلِكَ هُوَ لَا يُسَمَّى مُشْتَرِيًا لِلَّحْمِ بِشِرَاءِ الرَّأْسِ، فَأَمَّا الْأَكْلُ يَتِمُّ بِهِ وَحْدَهُ، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ حَقِيقَةُ الْمَأْكُولِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَكَلَ شَيْئًا مِنْ الْبُطُونِ كَالْكِرَاشِ وَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ قِيلَ: هَذَا بِنَاءً عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَإِنَّهُمْ يَبِيعُونَ ذَلِكَ مَعَ اللَّحْمِ فَأَمَّا فِي الْبِلَادِ الَّتِي لَا يُبَاعُ مَعَ اللَّحْمِ عَادَةً، لَا يَحْنَثُ بِكُلِّ حَالٍ، وَقِيلَ: بَلْ يَحْنَثُ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ اللَّحْمِ لِاِتِّخَاذِ الْمَرَقَةِ، وَاللَّحْمُ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْ الدَّمِ وَالْكَبِدِ، وَالطِّحَالُ عَيْنُهُ دَمٌ فَمَعْنَى اللَّحْمِيَّةِ فِيهَا أَظْهَرُ وَكَذَلِكَ إنْ أَكَلَ شَحْمَ الظَّهْرِ فَإِنَّهُ لَحْمٌ، إلَّا أَنَّهُ سَمِينٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُبَاعُ مَعَ اللَّحْمِ، وَأَنَّهُ يُسَمَّى سَمِينَ اللَّحْمِ، وَلَا يَحْنَثُ فِي شَحْمِ الْبَطْنِ وَالْأَلْيَةِ؛ لِأَنَّهُ يَنْفِي عَنْهُ اسْمَ اللَّحْمِ، وَيُقَالُ: إنَّهُ شَحْمٌ، وَلَيْسَ بِلَحْمٍ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ اللَّحْمِ فِي اتِّخَاذِ الْبَاحَاتِ وَالْأَلْيَةِ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِلَحْمٍ وَلَا شَحْمٍ بَلْ لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ، وَفِيهِ مَقْصُودٌ لَا يَحْصُلُ بِغَيْرِهِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ فَحِينَئِذٍ تُعْمَلُ فِيهِ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ لَفْظِهِ وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَيْهِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ إدَامًا وَلَا نِيَّةَ لَهُ، فَالْإِدَامُ الْخَلُّ وَالزَّيْتُ وَاللَّبَنُ وَالزُّبْدُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِمَّا يَصْطَبِغُ الْخُبْزُ بِهِ، وَيَخْتَلِطُ
стр. 1791
بِهِ فَأَمَّا الْجُبْنُ وَالسَّمَكُ وَالْبَيْضُ وَاللَّحْمُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِإِدَامٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأَمَالِي، وَرَوَى هِشَامٌ عَنْهُ أَنَّ الْجَوْزَ الْيَابِسَ إدَامٌ كَالْجُبْنِ. وَجْهُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْإِدَامَ مَا يُؤْكَلُ مَعَ الْخُبْزِ غَالِبًا فَإِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمُؤَادَمَةِ، وَهُوَ الْمُوَافَقَةُ «قَالَ ﷺ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: لَوْ نَظَرْتَ إلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا»، أَيْ يُوَفَّقَ فِيمَا يُؤْكَلُ مَعَ الْخُبْزِ غَالِبًا، فَهُوَ مُوَافِقٌ لَهُ فَيَكُونُ إدَامًا، وَقَالَ ﷺ «سَيِّدُ إدَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اللَّحْمُ، وَأَخَذَ لُقْمَةً بِيَمِينِهِ وَتَمْرَةً بِشِمَالِهِ، وَقَالَ: هَذِهِ إدَامُ هَذِهِ»، فَعَرَفْنَا أَنَّ مَا يُوَافِقُ الْخُبْزَ فِي الْأَكْلِ، فَهُوَ إدَامٌ، إلَّا أَنَّا خَصَّصْنَا مَا يُؤْكَلُ غَالِبًا وَحْدَهُ كَالْبِطِّيخِ وَالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ؛ لِأَنَّ الْإِدَامَ تَبَعٌ فَمَا يُؤْكَلُ وَحْدُهُ غَالِبًا لَا يَكُونُ تَبَعًا، فَأَمَّا الْجُبْنُ وَالْبَيْضُ وَاللَّحْمُ لَا يُؤْكَلُ وَحْدُهُ غَالِبًا فَكَانَ إدَامًا، وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: الْإِدَامُ تَبَعٌ وَلَكِنْ حَقِيقَةُ التَّبَعِيَّةِ فِيمَا يَخْتَلِطُ بِالْخُبْزِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُحْمَلَ مَعَهُ كَالْخَلِّ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ»، فَمَا يَصْطَبِغُ بِهِ فَهُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَأَمَّا اللَّحْمُ وَالْجُبْنُ وَالْبَيْضُ يُحْمَلُ مَعَ الْخُبْزِ فَلَا يَكُونُ إدَامًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُؤْكَلُ مَعَهُ كَالْعِنَبِ، تَوْضِيحُهُ: أَنَّ الْإِدَامَ مَا لَا يَتَأَتَّى أَكْلُهُ وَحْدَهُ كَالْمِلْحِ، فَإِنَّهُ إدَامٌ، وَالْخَلُّ وَاللَّبَنُ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْأَكْلُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ شَرَابًا لَا أَكْلًا فَعَرَفْنَا أَنَّهُ إدَامٌ، فَأَمَّا اللَّحْمُ وَالْجُبْنُ وَالْبَيْضُ يَتَأَتَّى الْأَكْلُ فِيهَا وَحْدَهَا، فَلَمْ تَكُنْ إدَامًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ فَتُعْمَلُ نِيَّتُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْدِيدِ عَلَيْهِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا، يَنْوِي طَعَامًا بِعَيْنِهِ، أَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا، يَنْوِي لَحْمًا بِعَيْنِهِ، فَأَكَلَ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ، إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ بِالطَّلَاقِ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الطَّعَامَ مُنْكَرًا فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ، وَالنَّكِرَةُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ تَعُمُّ، وَإِنْ قَالَ: لَا آكُلُ وَعَنِيَ طَعَامًا دُونَ طَعَامٍ، لَمْ يَدِنْ فِي الْقَضَاءِ، وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ يَقْتَضِي مَأْكُولًا، فَكَأَنَّهُ صَرَّحَ بِذِكْرِ الطَّعَامِ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَنَّ الثَّابِتَ بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ كَالْمَلْفُوظِ، فَأَمَّا عِنْدَنَا لَا عُمُومَ لِلْمُقْتَضَى، وَنِيَّةُ التَّخْصِيصِ إنَّمَا تَصِحُّ فِيمَا لَهُ عُمُومٌ دُونَ مَا لَا عُمُومَ لَهُ، فَالْأَصْلُ عِنْدَنَا أَنَّهُ مَتَى ذَكَرَ الْفِعْلَ، وَنَوَى التَّخْصِيصَ فِي الْمَفْعُولِ، أَوْ الْحَالِ أَوْ الصِّفَةِ كَانَتْ نِيَّتُهُ لَغْوًا؛ لِأَنَّهُ تَخْصِيصُ مَا لَا لَفْظَ لَهُ، أَمَّا نِيَّةُ التَّخْصِيصِ فِي الْمَفْعُولِ كَمَا بَيَّنَّا، وَنِيَّةُ التَّخْصِيصِ فِي الْحَالِ بِأَنْ يَقُولَ: لَا أُكَلِّمُ هَذَا الرَّجُلَ، وَهُوَ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَنَوَى
стр. 1792
حَالَ قِيَامِهِ فَنِيَّتُهُ لَغْوٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: هَذَا الرَّجُلُ الْقَائِمُ، وَهُوَ يَنْوِي حَالَ قِيَامِهِ، فَإِنَّ نِيَّتَهُ تَعْمَلُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَخْصِيصُ الصِّفَةِ أَنْ يَقُولَ: لَا أَتَزَوَّجُ امْرَأَةً، وَهُوَ يَنْوِي كُوفِيَّةً أَوْ بَصْرِيَّةً، فَإِنَّ نِيَّتَهُ لَغْوٌ، وَلَوْ نَوَى عَرَبِيَّةً أَوْ حَبَشِيَّةً عَمِلَتْ نِيَّتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي الْجِنْسِ، وَذَلِكَ فِي لَفْظِهِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شِوَاءً، وَلَا نِيَّةَ لَهُ، فَهُوَ عَلَى اللَّحْمِ خَاصَّةً مَا لَمْ يَنْوِ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُطْلِقُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَلَى اللَّحْمِ عَادَةً دُونَ الْفُجْلِ وَالْجَزَرِ الْمَشْوِيِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّوَّاءَ اسْمٌ لِمَنْ يَبِيعُ اللَّحْمَ الْمَشْوِيَّ، فَمُطْلَقُ لَفْظِهِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ لِلْعُرْفِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ كُلَّ مَا يُشْوَى مِنْ بَيْضٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَتَعْمَلُ نِيَّتُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْدِيدِ عَلَيْهِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا. قَالَ: فَهَذَا عَلَى رُءُوسِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَهَذَا لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ رَأْسَ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ رَأْسَ الْجَرَادِ وَالْعُصْفُورِ لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا، وَهُوَ رَأْسٌ حَقِيقَةً فَإِذَا عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْحَقِيقَةَ، وَجَبَ اعْتِبَارُ الْعُرْفِ، وَهُوَ الرَّأْسُ الَّذِي يُشْوَى فِي التَّنَانِيرِ، وَيُبَاعُ مَشْوِيًّا، فَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ أَوَّلًا: يَدْخُلُ فِيهِ رَأْسُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ؛ لِأَنَّهُ رَأَى عَادَةَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَإِنَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الرُّءُوس الثَّلَاثَةِ، ثُمَّ تَرَكُوا هَذِهِ الْعَادَةَ، فَرَجَعَ وَقَالَ: يَحْنَثُ فِي رَأْسِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ خَاصَّةً، ثُمَّ إنَّ أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدًا رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى شَاهَدَا عَادَةَ أَهْلِ بَغْدَادَ وَسَائِرِ الْبُلْدَانِ، أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إلَّا فِي رَأْسِ الْغَنَمِ خَاصَّةً، فَقَالَا: لَا يَحْنَثُ إلَّا فِي رُءُوسِ الْغَنَمِ، فَعُلِمَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ اخْتِلَافُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ لَا اخْتِلَافُ حُكْمٍ وَبَيَانٍ، وَالْعُرْفُ الظَّاهِرُ أَصْلٌ فِي مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا، فَهُوَ عَلَى بَيْضِ الطَّيْرِ مِنْ الدَّجَاجِ وَالْإِوَزِّ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا يَدْخُلُ بَيْضُ السَّمَكِ وَنَحْوُهُ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُرَادُ بِهَذَا بَيْضُ كُلِّ شَيْءٍ، فَإِنَّ بِيضَ الدُّودِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ، فَإِنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْبَيْضِ، وَيُؤْكَلُ عَادَةً، وَهُوَ كُلُّ بَيْضٍ لَهُ قِشْرٌ كَبَيْضِ الدَّجَاجَةِ وَنَحْوِهَا.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَبِيخًا، فَهُوَ عَلَى اللَّحْمِ خَاصَّةً مَا لَمْ يَنْوِ غَيْرَهُ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ يَحْنَثُ فِي اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مَطْبُوخٌ، وَلَكِنَّ الْأَخْذَ بِالْقِيَاسِ يَفْحُشُ، فَإِنَّ الْمُسَهَّلَ مِنْ الدَّوَاءِ مَطْبُوخٌ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ، فَحَمَلْنَاهُ عَلَى أَخَصِّ الْخُصُوصِ وَهُوَ اللَّحْمُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُطْبَخُ فِي الْعَادَاتِ الظَّاهِرَةِ، فَإِنَّ الطَّبِيخَ فِي الْعَادَةِ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْأَلْوَانِ وَالْمُبَاحَاتِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى مُتَّخِذُ ذَلِكَ طَبَّاخًا، فَأَمَّا مَنْ يَطْبُخُ الْآجُرَّ لَا يُسَمَّى طَبَّاخًا. قَالُوا: وَإِنَّمَا يَحْنَثُ إذَا أَكَلَ اللَّحْمَ الْمَطْبُوخَ، فَأَمَّا الْمَقْلِيَّةُ الْيَابِسَةُ فَلَا، وَمَا طُبِخَ بِالْمَاءِ، إذَا أَكَلَ الْمَرَقَةَ مَعَ الْخُبْزِ يَحْنَثُ، وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ عَيْنَ اللَّحْمِ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ اللَّحْمِ فِيهِ؛ وَلِأَنَّ تِلْكَ الْمَرَقَةَ تُسَمَّى طَبِيخًا.
وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ
стр. 1793
فَاكِهَةً، فَأَكَلَ عِنَبًا أَوْ رُطَبًا أَوْ رُمَّانًا لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيَحْنَثُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْفَاكِهَةَ مَا يُؤْكَلُ عَلَى سَبِيلِ التَّفَكُّهِ، وَهُوَ التَّنَعُّمُ، وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ أَكْمَلُ مَا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ، وَمُطْلَقُ الِاسْمِ يَتَنَاوَلُ الْكَامِلَ، وَكَذَلِكَ الْفَاكِهَةُ مَا يُقَدَّمُ بَيْنَ يَدِي الضِّيفَانِ لِلتَّفَكُّهِ بِهِ لَا لِلشِّبَعِ، وَالرُّمَّانُ وَالرُّطَبُ مِنْ أَنْفَسِ ذَلِكَ كَالتِّينِ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: هَذِهِ الْأَشْيَاءُ غَيْرُ الْفَاكِهَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ.﴾ [الرحمن: ٦٨] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٨] ﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلا﴾ [عبس: ٢٩] ﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا﴾ [عبس: ٣٠] ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١]، فَتَارَةً عَطَفَ الْفَاكِهَةَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَتَارَةً عَطَفَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْفَاكِهَةِ، وَالشَّيْءُ لَا يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ أَنَّهُ مَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِ الْمِنَّةِ، وَلَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ ذِكْرُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي مَوْضِعِ الْمِنَّةِ بِلَفْظَيْنِ، ثُمَّ الِاسْمُ مُشْتَقٌّ مِنْ التَّفَكُّهِ، وَهُوَ التَّنَعُّمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] أَيْ مُتَنَعِّمِينَ، وَذَلِكَ مَعْنًى زَائِدٌ عَلَى مَا بِهِ الْقَوَامُ وَالْبَقَاءُ، وَالْعِنَبُ وَالرُّطَبُ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا الْقَوَامُ، وَقَدْ يُجْتَزَى بِهِمَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، وَالرُّمَّانُ كَذَلِكَ فِي الْأَدْوِيَةِ، فَلَا يَتَنَاوَلُهَا مُطْلَقُ اسْمِ الْفَاكِهَةِ، أَلَا تَرَى أَنْ يَابِسَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَيْسَ مِنْ الْفَوَاكِهِ، فَإِنَّ الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ قُوتٌ، وَحَبُّ الرُّمَّانِ مِنْ التَّوَابِلِ دُونَ الْفَوَاكِهِ، وَمَا يَكُونُ رَطْبُهُ مِنْ الْفَوَاكِهِ فَيَابِسُهُ مِنْ الْفَوَاكِهِ أَيْضًا كَالتِّينِ وَالْمِشْمِشِ وَالْخَوْخِ، وَمَا لَا يَكُونُ يَابِسُهُ مِنْ الْفَوَاكِهِ، فَرَطْبُهُ لَا يَكُونُ مِنْ الْفَوَاكِهِ كَالْبِطِّيخِ، فَإِنَّهُ يُقَدَّمُ مَعَ الْفَوَاكِهِ بَيْنَ يَدَيْ الضِّيفَانِ، وَلَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْفَاكِهَةِ، وَأَمَّا الْقِثَّاءُ وَالْفُولُ وَالْجَزَرُ، لَيْسَ مِنْ الْفَوَاكِهِ، إنَّمَا هِيَ مِنْ الْبُقُولِ وَالتَّوَابِلِ، بَعْضُهَا يُوضَعُ عَلَى الْمَائِدَةِ مَعَ الْبَقْلِ، وَبَعْضُهَا يُجْعَلُ فِي الْقِدْرِ مَعَ التَّوَابِلِ. قَالَ: وَيَدْخُلُ فِي الْفَاكِهَةِ الْيَابِسَةِ اللَّوْزُ وَالْجَوْزُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجْعَلُ الْجَوْزَ الْيَابِسَ مِنْ الْإِدَامِ دُونَ الْفَاكِهَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَفَكَّهُ بِهِ عَادَةً، إنَّمَا يُؤْكَلُ مَعَ الْخُبْزِ كَالْجُبْنِ، أَوْ يُجْعَلُ مَعَ التَّوَابِلِ فِي الْقِدْرِ، وَلَكِنْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَقُولُ: رَطْبُ الْجَوْزِ مِنْ الْفَوَاكِهِ، فَكَذَلِكَ يَابِسُهُ لِلْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا، فَأَكَلَ خُبْزًا أَوْ فَاكِهَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ حَنِثَ، وَمُرَادُهُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُسَمَّى طَعَامًا عَادَةً، دُونَ مَا لَهُ طَعْمٌ حَقِيقَةً، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ السَّقَمُونْيَا بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَهُ طَعْمٌ عَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ مَا يُسَمَّى فِي الْعَادَةِ طَعَامًا، وَيُؤْكَلُ عَلَى سَبِيلِ التَّطَعُّمِ، وَلَوْ حَلَفَ لِيَأْكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ الْيَوْمَ، فَأَكَلَهُ غَيْرُهُ فِي الْيَوْمِ لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَحْنَثُ إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْيَمِينَ إذَا كَانَتْ مُؤَقَّتَةً بِوَقْتٍ، فَانْعِقَادُهَا مُوجِبًا لِلْبِرِّ فِي آخِرِ
стр. 1794
ذَلِكَ الْيَوْمِ، إلَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وُجُودُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ، حَتَّى إذَا قَالَ: لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ، وَلَا مَاءَ فِيهِ، تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ، فَكَذَلِكَ هُنَا انْعِدَامُ الطَّعَامِ فِي آخِرِ الْيَوْمِ عِنْدَهُ، لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْيَمِينِ، فَإِذَا انْعَقَدَتْ، وَتَحَقَّقَ فَوْتُ شَرْطِ الْبِرِّ حَنِثَ فِيهَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى انْعِدَامُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْيَمِينِ، كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الشُّرْبِ، فَلَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ هُنَا لَمَّا انْعَدَمَ الطَّعَامُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ شَرْطَ حِنْثِهِ تَرْكُ أَكْلِ الطَّعَامِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْيَوْمِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَبْقَ الطَّعَامُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ بِدُونِ تَوَهُّمِ الْبِرِّ لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقَّتَ فِيهِ وَقْتًا حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ انْعَقَدَتْ فِي الْحَالِ لِتَوَهُّمِ الْبِرِّ فِيهَا لِكَوْنِ الطَّعَامِ قَائِمًا فِي الْحَالِ، ثُمَّ فَاتَ شَرْطُ الْبِرِّ بِأَكْلِ الْغَيْرِ إيَّاهُ، فَيَحْنَثُ (قَالَ): وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الْحَالِفُ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَهُ، وَالطَّعَامُ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْبِرِّ قَدْ فَاتَ بِمَوْتِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ مَضَتْ الْمُدَّةُ، وَهُوَ حَيٌّ، وَالطَّعَامُ قَائِمٌ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْبِرِّ فِعْلُ الْأَكْلِ فِي الْوَقْتِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ فَوْتُهُ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ، فَحَنِثَ فِي يَمِينِهِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ حَقَّ فُلَانٍ غَدًا، فَقَضَاهُ الْيَوْمَ لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَيَحْنَثُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، كَمَا جَاءَ الْغَدُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ كَمَا جَاءَ الْغَدُ انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ، فَإِنَّ عَدَمَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، لَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْيَمِينِ عِنْدَهُ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ فُلَانٌ، فَأَكَلَ مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ فُلَانٌ مَعَ آخَرَ حَنِثَ؛ لِأَنَّ مَا اشْتَرَاهُ فُلَانٌ مِنْ ذَلِكَ طَعَامٌ، وَقَدْ أَكَلَهُ، فَإِنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الطَّعَامِ يُسَمَّى طَعَامًا، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارًا اشْتَرَاهَا فُلَانٌ، فَسَكَنَ دَارًا اشْتَرَاهَا فُلَانٌ وَآخَرُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الدَّارِ لَا يُسَمَّى دَارًا، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى فِي الطَّعَامِ أَنْ يَشْتَرِيَ هُوَ وَحْدُهُ، فَتَعْمَلُ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ، فَإِنَّ شِرَاءَ الطَّعَامِ قَدْ يَكُونُ وَحْدُهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَعَ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ طَعَامٍ يَمْلِكُهُ فُلَانٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا لِفُلَانٍ، أَوْ ثَوْبًا اشْتَرَاهُ فُلَانٌ؛ لِأَنَّ اسْمَ الثَّوْبِ لِلْكُلِّ، وَبَعْضُ الثَّوْبِ لَيْسَ بِثَوْبٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: هَذَا الثَّوْبُ لِفُلَانٍ، وَهُوَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخَرَ، كَانَ كَذِبًا، وَلَوْ قَالَ: هَذَا الطَّعَامُ لِفُلَانٍ وَهُوَ يَعْنِي نِصْفَهُ كَانَ صِدْقًا.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ شَيْئًا، فَأَكَلَ خُبْزَهُ حَنِثَ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الدَّقِيقِ لَا يُؤْكَلُ عَادَةً، فَتَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَى مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ، وَاخْتَلَفَ مَشَايِخُنَا فِيمَا لَوْ أَكَلَ عَيْنَ الدَّقِيقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ الدَّقِيقَ حَقِيقَةً، وَالْعُرْفُ وَإِنْ اُعْتُبِرَ، فَالْحَقِيقَةُ لَا تَسْقُطُ بِهِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ عَيْنَ الدَّقِيقِ مَأْكُولٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ
стр. 1795
لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ حَقِيقَةٌ مَهْجُورَةٌ، وَلَمَّا انْصَرَفَتْ الْيَمِينُ إلَى مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ لِلْعُرْفِ، يَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْحَقِيقَةِ كَمَنْ قَالَ لِلْأَجْنَبِيَّةِ: إنْ نَكَحْتُكِ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَزَنَى بِهَا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا انْصَرَفَ إلَى الْعَقْدِ لَمْ يَتَنَاوَلْ حَقِيقَةَ الْوَطْءِ، وَإِنْ كَانَ عَنِيَ أَكْلَ الدَّقِيقِ بِعَيْنِهِ، لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْخُبْزِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ شَيْئًا، فَإِنْ نَوَى يَأْكُلُهَا حَبًّا، كَمَا هُوَ فَأَكَلَ مِنْ خُبْزِهَا أَوْ سَوِيقِهَا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ حَقِيقَةُ كَلَامِهِ، فَهُوَ كَالْمَلْفُوظِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، فَأَكَلَ مِنْ خُبْزِهَا لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيَحْنَثُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي الْكِتَابِ: يَمِينُهُ عَلَى مَا يَصْنَعُ مِنْهَا، وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ عِنْدَهُمَا لَوْ أَكَلَ مِنْ عَيْنِهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَلَكِنْ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: وَإِنْ أَكَلَ مِنْ خُبْزِهَا يَحْنَثُ عِنْدَهُمَا أَيْضًا، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَحْنَثُ بِتَنَاوُلِ عَيْنِ الْحِنْطَةِ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَجْهُ قَوْلِهِمَا: إنْ أَكَلَ الْحِنْطَةَ فِي الْعَادَةِ هَكَذَا يَكُونُ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَكَلْنَا أَجْوَدَ حِنْطَةٍ فِي الْأَرْضِ، تُرِيدُ الْخُبْزَ، وَيُقَالُ: أَهْلُ بَلْدَةِ كَذَا يَأْكُلُونَ الْحِنْطَةَ، وَأَهْلُ بَلْدَةِ كَذَا يَأْكُلُونَ الشَّعِيرَ، وَالْمُرَادُ الْخُبْزُ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: عَيْنُ الْحِنْطَةِ مَأْكُولٌ عَادَةً، فَإِنَّهَا تُقْلَى فَتُؤْكَلُ، وَتُغْلَى فَتُؤْكَلُ، وَيُتَّخَذُ مِنْهَا الْهَرِيسَةُ، وَمَنْ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ عَلَى أَكْلِ عَيْنٍ مَأْكُولَةٍ، يَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَى أَكْلِ عَيْنِهِ دُونَ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ كَالْعِنَبِ وَالرُّطَبِ؛ وَهَذَا لِأَنَّ لِكَلَامِهِ حَقِيقَةً مُسْتَعْمَلَةً وَمَجَازًا مُتَعَارَفًا، وَلَا يُرَادُ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ مُسْتَعَارٌ، وَالثَّوْبُ الْوَاحِدُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا وَعَارِيَّةً، فَإِذَا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُرَادَةً هُنَا يَتَنَحَّى الْمَجَازُ، وَهُمَا لَا يُنْكِرَانِ هَذَا الْأَصْلَ، وَلَكِنَّهُمَا يَقُولَانِ: إذَا أَكَلَ الْحِنْطَةَ إنَّمَا يَحْنَثُ بِاعْتِبَارِ عُمُومِ الْمَجَازِ لَا بِاعْتِبَارِ الْحَقِيقَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظَائِرَهُ فِي وَضْعِ الْقَدَمِ وَغَيْرِهِ. (قَالَ): وَإِذَا أَكَلَ مِنْ سَوِيقِهَا لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَلِكَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَوْجُودَ فِي الْحِنْطَةِ لُبُّهَا، وَهُوَ مَا يَصِيرُ بِالطَّحْنِ دَقِيقًا، وَمِنْ أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ السَّوِيقَ جِنْسٌ آخَرُ غَيْرُ الدَّقِيقِ، وَلِهَذَا جَوَّزَا بَيْعَ السَّوِيقِ بِالدَّقِيقِ مُتَفَاضِلًا، فَمَا تَنَاوَلَ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا كَانَ مَوْجُودًا فِي الْحِنْطَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا فَلَا يَحْنَثُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَمِينُهُ تَنَاوَلَتْ الْحَقِيقَةَ، فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ السَّوِيقِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الطَّلْعِ شَيْئًا، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْدَ مَا صَارَ بُسْرًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الطَّلْعَ عَيْنُهُ مَأْكُولٌ، وَمَتَى عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى أَكْلِ مَا تُؤْكَلُ عَيْنُهُ، لَا يَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَى مَا يَكُونُ مِنْهُ، ثُمَّ الْبُسْرُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الطَّلْعِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ بَيْعَ الْبُسْرِ
стр. 1796
بِالطَّلْعِ يَجُوزُ كَيْف مَا كَانَ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الْبُسْرِ فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْدَ مَا صَارَ رُطَبًا؛ لِأَنَّ الْبُسْرَ عَيْنُهُ مَأْكُولٌ، وَلِأَنَّ الرُّطَبَ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْبُسْرِ، إلَّا أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَمْتَنِعُ مِنْ تَنَاوُلِ الْبُسْرِ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ تَنَاوُلِ الرُّطَبِ، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ مَتَى عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى عَيْنٍ بِوَصْفٍ، يَدْعُو ذَلِكَ الْوَصْفَ إلَى الْيَمِينِ، يَتَقَيَّدُ الْيَمِينُ بِبَقَاءِ ذَلِكَ الْوَصْفِ، وَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الِاسْمِ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الرُّطَبِ، فَأَكَلَهُ بَعْدَ مَا صَارَ تَمْرًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الرُّطُوبَةِ دَاعِيَةٌ إلَى الْيَمِينِ، فَقَدْ يَمْتَنِعُ الْإِنْسَانُ مِنْ تَنَاوُلِ الرُّطَبِ دُونَ التَّمْرِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ هَذَا الشَّابَّ، فَكَلَّمَهُ بَعْدَ مَا شَاخَ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الشَّابِّ لَيْسَتْ بِدَاعِيَةٍ إلَى الْيَمِينِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الْحَمْلِ، فَأَكَلَهُ بَعْدَ مَا كَبِرَ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ الْمَذْكُورَةَ لَيْسَتْ بِدَاعِيَةٍ إلَى الْيَمِينِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا السَّوِيقِ، فَشَرِبَهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ غَيْرُ الْأَكْلِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿: كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ٦٠]، وَالشَّيْءُ لَا يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا حَدَّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ فَشَرِبَهُ، أَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُهُ، فَأَكَلَهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَأَكْلُ اللَّبَنِ بِأَنْ يُثْرَدَ فِيهِ الْخُبْزُ، وَشُرْبُهُ أَنْ يَشْرَبَهُ كَمَا هُوَ، وَلَوْ تَنَاوَلَ شَيْئًا مِمَّا يُصْنَعُ مِنْهُ كَالْجُبْنِ وَالْأَقِطِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ مَأْكُولٌ، وَقَدْ عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَذُوقُ مِنْ هَذَا الْخَمْرِ، فَذَاقَهُ بَعْدَ مَا صَارَ خَلًّا لَمْ يَحْنَثْ.
وَلَوْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا السَّوِيقَ، فَأَكَلَهُ كُلَّهُ إلَّا حَبَّةً مِنْهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى فِي الْعَادَةِ أَكْلٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَكْلُ كُلِّهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُبْقِي حَبَّةً فِي الْإِنَاءِ، وَبَيْنَ لَهَوَاتِهِ وَأَسْنَانِهِ، فَتُحْمَلُ يَمِينُهُ عَلَى مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْبِرُّ إذَا كَانَ ذَلِكَ مُتَعَارَفًا بَيْنَ النَّاسِ، وَعَلَى هَذَا لَوْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذِهِ الرُّمَّانَةَ، فَأَكَلَهَا كُلَّهَا إلَّا حَبَّةً وَاحِدَةً، كَانَ قَدْ بَرَّ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ أَكْلَ الرُّمَّانَةِ هَكَذَا يَكُونُ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْكُلَهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُسْقِطُ مِنْهُ حَبَّةً، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ قَدْ شَدَّدَ عَلَى نَفْسِهِ بِنِيَّةِ حَقِيقَةِ كَلَامِهِ، وَلَوْ مَصَّ مَاءَهَا وَرَمَى بِالْحَبِّ لَمْ يَحْنَثْ، سَوَاءٌ حَلَفَ عَلَى أَكْلِهَا أَوْ شُرْبِهَا؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ، وَلَكِنَّهُ مَصٌّ، وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: أَيَّتُكُمَا أَكَلَتْ هَذِهِ الرُّمَّانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ، فَأَكَلَتَا جَمِيعًا لَمْ تَطْلُقَا؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ أَيِّ تَتَنَاوَلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُخَاطَبَيْنِ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَشَرْطُ الطَّلَاقِ أَكْلُ الْوَاحِدَةِ جَمِيعَ الرُّمَّانَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، فَلِهَذَا لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلَنَّ سَمْنًا، فَأَكَلَ سَوِيقًا، قَدْ لُتَّ بِسَمْنٍ، وَأَوْسَعَ حَتَّى يَسْتَبِينَ فِيهِ طَعْمَهُ، وَيَرَى مَكَانَهُ حَنِثَ، وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ سَمْنٌ يُوجَدُ طَعْمُهُ، وَيَسْتَبِينُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُوجَدُ طَعْمُهُ، وَلَا يُرَى مَكَانُهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ
стр. 1797
عَلَى أَكْلِ عَيْنِ السَّمْنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ قِيَامِ عَيْنِهِ عِنْدَ الْأَكْلِ لِيَحْنَثَ وَقِيَامِ عَيْنِ الْمَأْكُولِ بِذَاتِهِ أَوْ طَعْمِهِ، فَإِذَا كَانَ يُرَى مَكَانُهُ، وَيَسْتَبِينُ فِيهِ طَعْمُهُ، فَقَدْ عَلِمْنَا وُجُودَ شَرْطِ حِنْثِهِ، زَادَ هِشَامٌ فِي نَوَادِرِهِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ يُمْكِنُ عَصْرُ السَّمْنِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يُرَى مَكَانُهُ، وَلَا يَسْتَبِينُ طَعْمُهُ فِيهِ، فَقَدْ صَارَ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَا إذَا عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى مَائِعٍ فَاخْتَلَطَ بِمَائِعٍ آخَرَ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَبَنًا، فَصَبَّ الْمَاءَ فِي اللَّبَنِ وَشَرِبَهُ، فَإِنْ كَانَ اللَّوْنُ فِيمَا شَرِبَ لَوْنَ اللَّبَنِ، وَيُوجَدُ طَعْمُهُ، وَهُوَ الْغَالِبُ فَيَحْنَثُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ اللَّوْنُ لَوْنَ الْمَاءِ فِيهِ، عَلِمْنَا أَنَّ اللَّبَنَ مَغْلُوبٌ مُسْتَهْلَكٌ، فَلَا يَحْنَثُ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ لِلْأَوَّلِ: لَبَنٌ مَغْشُوشٌ، وَلِلثَّانِي مَاءٌ خَالَطَهُ لَبَنٌ، وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي نَسْخِ الْأَصْلِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْغَلَبَةُ مِنْ حَيْثُ الْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ؛ لِأَنَّ الْقَلِيلَ لَا يَظْهَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْكَثِيرِ، وَإِنْ كَانَا سَوَاءً لَمْ يَحْنَثْ فِي الْقِيَاسِ لِلشَّكِّ وَالتَّرَدُّدِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ هُوَ حَانِثٌ؛ لِأَنَّ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ لَمْ يَصِرْ مَغْلُوبًا بِمَا سِوَاهُ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ لَبَنَ هَذِهِ الْبَقَرَةِ، فَخَلَطَهُ بِلَبَنِ بَقَرَةٍ أُخْرَى، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الْمَغْلُوبَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَهْلَكِ، سَوَاءٌ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مِنْ خِلَافِ جِنْسِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَحْنَثُ هُنَا عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ يَكْثُرُ بِجِنْسِهِ، وَلَا يَصِيرُ مُسْتَهْلَكًا بِهِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ التَّمْرَةَ، فَاخْتَلَطَتْ بِتَمْرٍ فَأَكَلَ ذَلِكَ التَّمْرَ كُلَّهُ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَكَلَ تِلْكَ التَّمْرَةَ حَقِيقَةً، فَإِنَّهُ يَأْكُلُ تَمْرَةً تَمْرَةً، وَجَهْلُهُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ حِنْثَهُ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَعِيرًا، فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيهَا شَعِيرٌ حَبَّةً حَبَّةً حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَكَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ بِيَقِينٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ السَّمْنِ، إذَا كَانَ يُرَى مَكَانُهُ فِي السَّوِيقِ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ يَأْكُلُ الْكُلَّ جُمْلَةً، فَمَا يَأْكُلُهُ مِنْ السَّمْنِ مُسْتَهْلَكٌ إذَا كَانَ لَا يُرَى مَكَانُهُ، وَهُنَا إنَّمَا يَأْكُلُ حَبَّةً حَبَّةً، فَإِذَا أَكَلَ حَبَّةَ الشَّعِيرِ وَحْدَهَا، فَقَدْ وُجِدَ شَرْطُ الْحِنْثِ، حَتَّى إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى الشِّرَاءِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِي الْكُلَّ جُمْلَةً، وَمُشْتَرِي الْحِنْطَةِ لَا يُسَمَّى مُشْتَرِيًا لِلشَّعِيرِ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا حَبَّاتُ الشَّعِيرِ؛ لِأَنَّ بَائِعَهَا لَا يُسَمَّى بَائِعَ الشَّعِيرِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا، فَإِنْ أَكَلَ شَحْمَ الْبَطْنِ، فَهُوَ حَانِثٌ، وَإِنْ أَكَلَ لَحْمًا يُخَالِطُهُ شَحْمُ الْبَطْنِ، فَهُوَ حَانِثٌ، وَإِنْ أَكَلَ لَحْمًا يُخَالِطُهُ شَحْمٌ، يَعْنِي شَحْمَ الظَّهْرِ لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ حَانِثٌ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -
стр. 1798
أَنَّ شَحْمَ الظَّهْرِ شَحْمٌ بِذَاتِهِ، وَيَصْلُحُ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ الشَّحْمُ، فَكَانَ كَشَحْمِ الْبَطْنِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿: وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا.﴾ [الأنعام: ١٤٦] وَالْمُسْتَثْنَى مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ الْحَقِيقَةُ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: هَذَا لَحْمٌ عِنْدَ النَّاسِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا يَحْنَثُ بِهَذَا، وَكَذَلِكَ فِي الْعَادَةِ يُقَالُ فِي الْعَرَبِيَّةِ: سَمِينُ اللَّحْمِ وَبِالْفَارِسِيَّةِ فربهن، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ يَمِينَهُ لَوْ كَانَ عَلَى الشِّرَاءِ لَمْ يَحْنَثْ بِهَذَا، إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُفَرَّقُ بِمَا ذَكَرْنَا، أَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَتِمُّ بِهِ وَحْدَهُ، بِخِلَافِ الْأَكْلِ، ثُمَّ سَمِينُ اللَّحْمِ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ اللُّحُومِ فِي اتِّخَاذِ الْقَلَايَا وَالْبَاحَاتِ كَاسْتِعْمَالِ الشُّحُومِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَيْمَانَ لَا تَنْبَنِي عَلَى أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ، وَفِي الْآيَةِ اسْتِثْنَاءُ الْحَوَايَا أَيْضًا، وَمَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ وَاحِدٍ لَا يَقُولُ: أَنَّ مُخَّ الْعَظْمِ يَكُونُ شَحْمًا.
وَإِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بُسْرًا، فَأَكَلَ بُسْرًا مُذَنَّبًا حَنِثَ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا، فَأَكَلَ رُطَبًا فِيهِ بَعْضُ الْبُسْرِ، فَهُوَ حَانِثٌ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا، فَأَكَلَ بُسْرًا مُذَنَّبًا، حَنِثَ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ بُسْرًا، فَأَكَلَ رُطَبًا، وَفِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْبُسْرِ، فَهُوَ عَلَى الْخِلَافِ وَأَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: الْمُذَنِّبُ لَا يُسَمَّى رُطَبًا، وَإِنَّمَا يُسَمَّى بُسْرًا حَتَّى يَحْنَثَ بِأَكْلِهِ، لَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى الْبُسْرِ، فَكَيْفَ يَكُونُ رُطَبًا وَبُسْرًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؟ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَا: الْجَانِبُ الَّذِي أَرْطَبَ مِنْهُ رَطُبَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ مَيَّزَ ذَلِكَ، وَأَكَلَهُ وَحْدَهُ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ، فَكَذَلِكَ إذَا أَكَلَهُ مَعَ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا يَحْنَثُ لَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى أَكْلِ الْبُسْرِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْجَانِبَيْنِ مِنْهُ بُسْرٌ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّا، فَإِنْ الرُّطَبَ وَالْبُسْرَ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَمِنْ أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمَغْلُوبَ مُسْتَهْلَكٌ بِالْغَالِبِ، وَإِنْ كَانَ الْجِنْسُ وَاحِدًا، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لَا يَكُونُ الْأَقَلُّ مُسْتَهْلَكًا بِالْأَكْثَرِ، فَيُعْتَبَرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الْعِنَبِ شَيْئًا، فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْدَ مَا صَارَ زَبِيبًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ الْمَذْكُورَ دَاعٍ إلَى الْيَمِينِ، فَقَدْ يَمْتَنِعُ الْمَرْءُ مِنْ تَنَاوُلِ الْعِنَبِ دُونَ الزَّبِيبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا نَظِيرَهُ فِي الرُّطَبِ مَعَ التَّمْرِ؛ وَلِأَنَّ الزَّبِيبَ غَيْرُ الْعِنَبِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ عِنَبًا، فَجَعَلَهُ زَبِيبًا انْقَطَعَ حَقُّ صَاحِبِهِ عَنْهُ، وَيَمِينُهُ عَلَى عَيْنٍ مَأْكُولٍ، فَلَا يَتَنَاوَلُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ جَوْزًا، فَأَكَلَ مِنْهُ رَطْبًا أَوْ يَابِسًا حَنِثَ، وَكَذَلِكَ اللَّوْزُ وَالْفُسْتُقُ وَالتِّينُ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ الَّذِي عُقِدَ بِهِ الْيَمِينُ حَقِيقَةٌ فِي الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ بَعْدَ
стр. 1799
الْيُبْسِ لَا يَتَجَدَّدُ لِلْعَيْنِ اسْمٌ آخَرُ بِخِلَافِ الزَّبِيبِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا مِنْ الْحُلْوِ، فَأَيُّ شَيْءٍ مِنْ الْحُلْوِ أَكَلَهُ مِنْ خَبِيصٍ أَوْ عَسَلٍ أَوْ سُكَّرٍ أَوْ نَاطِفٍ حَنِثَ، وَالْحُلْوُ اسْمٌ لِكُلِّ شَيْءٍ حُلْوٍ، لَا يَكُونُ مِنْ جِنْسِهِ غَيْرُ حُلْوٍ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَإِنْ أَكَلَ عِنَبًا أَوْ بِطِّيخًا لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ كَانَ حُلْوًا؛ لِأَنَّ مِنْ جِنْسِهِ حَامِضٌ غَيْرُ حُلْوٍ خُصُوصًا بِأُوزَجَنْدَ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خَبِيصًا، فَأَكَلَ مِنْهُ يَابِسًا أَوْ رَطْبًا حَنِثَ؛ لِأَنَّ الرَّطْبَ وَالْيَابِسَ خَبِيصٌ حَقِيقَةً وَعُرْفًا.
وَإِنْ حَلَفَ طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا أَنْ لَا يَأْكُلَ شَيْئًا سَمَّاهُ، فَأُكْرِهَ حَتَّى أَكَلَهُ حَنِثَ؛ وَهَذَا لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ لَا يَعْدِمُ الْقَصْدَ، وَلَا يَمْنَعُ عَقْدَ الْيَمِينِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الطَّلَاقِ، وَبَعْدَ انْعِقَادِ الْيَمِينِ شَرْطُ حِنْثِهِ الْأَكْلُ، وَذَلِكَ فِعْلٌ مَحْسُوسٌ، وَلَا يَنْعَدِمُ بِالْإِكْرَاهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ حُصُولَ الشِّبَعِ وَالرَّيِّ بِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ أَكَلَهُ، وَهُوَ مَغْمِيٌّ عَلَيْهِ أَوْ مَجْنُونٌ؛ لِأَنَّ شَرْطَ حِنْثِهِ الْأَكْلُ، وَالْجُنُونُ وَالْإِغْمَاءُ لَا يَعْدِمُ فِعْلَ الْأَكْلِ، وَوُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِالْيَمِينِ لَا بِالْحِنْثِ، وَهُوَ كَانَ صَحِيحًا عِنْدَ الْيَمِينِ، فَيَحْنَثُ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَإِنْ أُوجِرَ أَوْ صُبَّ فِي حَلْقِهِ مُكْرَهًا، وَقَدْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَهُوَ لَيْسَ بِفَاعِلٍ، بَلْ هُوَ مَفْعُولٌ بِهِ فَلَا يَحْنَثُ، وَلَكِنْ لَوْ شَرِبَ مِنْهُ بَعْدَ هَذَا حَنِثَ؛ لِأَنَّ مَا سَبَقَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي إيجَادِ شَرْطِ الْحِنْثِ، وَلَكِنْ لَا يَرْتَفِعُ الْيَمِينُ بِهِ؛ لِأَنَّ ارْتِفَاعَهَا بِوُجُودِ شَرْطِ الْحِنْثِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا سَمَّاهُ، فَمَضَغَهُ حَتَّى دَخَلَ جَوْفَهُ مِنْ مَاؤُهُ، ثُمَّ أَلْقَاهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ مَا وَصَلَ إلَى جَوْفِهِ عَيْنُ الطَّعَامِ، وَلَا مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْمَضْغُ وَالْهَشْمُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْأَكْلَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهَذَا.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ تَمْرًا، فَأَكَلَ قَسْبًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْقَسْبَ يَابِسُ الْبُسْرِ، وَلَوْ أَكَلَهُ رَطْبًا لَمْ يَحْنَثْ، فَكَذَلِكَ إذَا أَكَلَهُ يَابِسًا، وَكَذَلِكَ إنْ أَكَلَ بُسْرًا مَطْبُوخًا، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ حَبًّا، فَأَيُّ حَبٍّ أَكَلَ مِنْ سِمْسِمٍ أَوْ غَيْرِهِ حَنِثَ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَبِّ مِمَّا يَأْكُلُهُ النَّاسُ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي يَمِينِهِ بِاعْتِبَارِ الْعَادَةِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ، فَيَكُونُ عَلَى مَا نَوَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَكُلُّ شَيْءٍ يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ كَالسَّوِيقِ وَالْعَسَلِ وَاللَّبَنِ، فَإِنْ عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى أَكْلِهِ، لَمْ يَحْنَثْ بِشُرْبِهِ، وَإِنْ عَقَدَ عَلَى شُرْبِهِ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِهِ؛ لِأَنَّهُمَا فِعْلَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَإِنْ كَانَ الْمَحِلُّ وَاحِدًا، وَشَرْطُ حِنْثِهِ الْفِعْلُ دُونَ الْمَحِلِّ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا، فَأَكَلَ خُبْزَ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ خُبْزٌ حَقِيقَةً وَعُرْفًا، وَإِنْ أَكَلَ مِنْ خُبْزِ غَيْرِهِمَا لَمْ يَحْنَثْ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى خُبْزًا
стр. 1800
مُطْلَقًا، وَلَا يُؤْكَلُ ذَلِكَ عَادَةً فِي عَامَّةِ الْأَمْصَارِ، وَإِنْ أَكَلَ خُبْزَ قَطَائِفَ لَمْ يَحْنَثْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَاهُ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى خُبْزًا مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا يُسَمَّى قَطَائِفَ، وَإِنْ نَوَاهُ فَالْمَنْوِيُّ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ لَفْظِهِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى خُبْزًا مُقَيَّدًا، وَإِنْ أَكَلَ خُبْزَ الْأُرْزِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَلَدٍ ذَلِكَ طَعَامُهُمْ كَأَهْلِ طَبَرِسْتَانَ فَهُوَ حَانِثٌ، فَأَمَّا فِي دِيَارِنَا لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ أَكْلَ خُبْزِ الْأُرْزِ غَيْرُ مُعْتَادٍ فِي دِيَارِنَا، وَلَا يُسَمَّى خُبْزًا مُطْلَقًا، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ تَمْرًا، فَأَكَلَ حَيْسًا حَنِثَ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ التَّمْرُ بِعَيْنِهِ، لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَإِنَّ الْحَيْسَ تَمْرٌ يُنْقَعُ فِي اللَّبَنِ حَتَّى يَنْتَفِخَ فَيُؤْكَلَ.
دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ فَدَعَاهُ إلَى الْغَدَاء فَحَلَفَ أَنْ لَا يَتَغَدَّى، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ فَتَغَدَّى لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ يَمِينَهُ إنَّمَا وَقَعَتْ جَوَابًا لِكَلَامِهِ، وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ مُطْلَقَ الْكَلَامِ يَتَقَيَّدُ بِمَا سَبَقَ فِعْلًا أَوْ قَوْلًا، حَتَّى لَوْ قَامَتْ امْرَأَتُهُ لِتَخْرُجَ، فَقَالَ لَهَا: إنْ خَرَجْت فَأَنْتِ طَالِقٌ. كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى تِلْكَ الْخَرْجَةِ، فَكَذَلِكَ إذَا دَعَاهُ إلَى الْغَدَاءِ، فَقَالَ: إنْ تَغَدَّيْت مَعْنَاهُ الْغَدَاءُ الَّذِي دَعَوْتَنِي إلَيْهِ، وَلَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ وَتَغَدَّى، وَلَا إذَا تَغَدَّى عِنْدَهُ فِي يَوْمٍ آخَرَ، فَكَذَلِكَ هُنَا. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
[بَابُ الْيَمِينِ فِي الشَّرَابِ]
(قَالَ) ﵁: رَجُلٌ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ شَرَابًا فَأَيُّ شَرَابٍ شَرِبَهُ مِنْ مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، حَنِثَ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرَابَ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ فِعْلُ الشُّرْبِ، وَقَدْ بَيَّنَّا حَدَّهُ، وَالْمَاءُ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ شَرَابٌ طَهُورٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿: وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا.﴾ [الإنسان: ٢١] فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ كُلُّ شَرَابٍ تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ، وَإِنْ عَيَّنَ شَرَابًا بِعَيْنِهِ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ نَبِيذًا، فَأَيُّ نَبِيذٍ شَرِبَهُ حَنِثَ، وَالنَّبِيذُ الزَّبِيبُ أَوْ التَّمْرُ يُنْقَعُ فِي الْمَاءِ، فَتُسْتَخْرَجُ حَلَاوَتُهَا، ثُمَّ يُجْعَلُ شَرَابًا مَأْخُوذًا مِنْ النَّبْذِ، وَهُوَ الطَّرْحُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ.﴾ [آل عمران: ١٨٧] فَإِنْ شَرِبَ مُسْكِرًا أَوْ فَضِيخًا أَوْ عَصِيرًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيذٍ، وَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ النَّبِيذِ عَادَةً، وَلَكِنْ هَذَا إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ، أَمَّا بِالْفَارِسِيَّةِ اسْمُ النَّبِيذِ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مُسْكِرٍ، وَالْأَيْمَانُ تَنْبَنِي عَلَى الْعُرْفِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً، فَشَرِبَ نَبِيذًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ قَدْ تَغَيَّرَ بِمَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ حَلَاوَةِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، وَإِنْ
стр. 1801
طُبِخَ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ أَنَّهُ غَيْرُ الْمَاءِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَعَ فُلَانٍ شَرَابًا، فَشَرِبَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مِنْ شَرَابٍ وَاحِدٍ حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ الْإِنَاءُ الَّذِي يَشْرَبَانِ مِنْهُ مُخْتَلِفًا، فَإِنْ شَرِبَ الْحَالِفُ مِنْ شَرَابٍ، وَالْآخَرُ مِنْ شَرَابٍ غَيْرِهِ، وَقَدْ ضَمَّهُمَا مَجْلِسٌ وَاحِدٌ حَنِثَ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ مُنَادَمَتِهِ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ إذَا جَمَعَهُمَا مَجْلِسٌ وَاحِدٌ سَوَاءٌ كَانَ الشَّرَابُ وَاحِدًا أَوْ مُخْتَلِفًا، وَالْإِنَاءُ الَّذِي يَشْرَبَانِ فِيهِ وَاحِدًا أَوْ مُخْتَلِفًا؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ مَعَ الْغَيْرِ هَكَذَا يَكُونُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمِيرَ مَعَ نُدَمَائِهِ يَشْرَبُ، ثُمَّ إنَاؤُهُ الَّذِي يَشْرَبُ مِنْهُ غَيْرُ إنَائِهِمْ، وَرُبَّمَا يَشْرَبُ الصَّرْفَ، وَيَمْزُجُ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى شَرَابًا وَاحِدًا حِينَ حَلَفَ فَحِينَئِذٍ قَدْ نَوَى أَكْمَلَ مَا يَكُونُ مِنْ الشُّرْبِ مَعَ فُلَانٍ، وَنِيَّتُهُ لِذَلِكَ صَحِيحٌ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ، فَأَكَلَ مِنْهُ شَيْئًا يَسِيرًا حَنِثَ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ حَقِيقَةٌ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَالْفِعْلُ يَتَحَقَّقُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، فَإِذَا عَنِيَ الْمَاءَ كُلَّهُ وَالطَّعَامَ، لَمْ يَحْنَثْ بِهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَاءَ وَالطَّعَامَ اسْمُ جِنْسٍ، فَإِذَا عَنِيَ الْكُلَّ، فَإِنَّمَا نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، فَتَعْمَلُ نِيَّتُهُ فَلَا يَحْنَثُ بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَشْرَبَ الْمَاءَ كُلَّهُ، وَلَا أَنْ يَأْكُلَ الطَّعَامَ كُلَّهُ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَذُوقُ شَرَابًا، وَهُوَ يَعْنِي لَا يَشْرَبُ النَّبِيذَ خَاصَّةً، فَأَكَلَهُ أَكْلًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الشَّرَابَ، وَالشَّرَابُ يُشْرَبُ، فَنِيَّةُ الشُّرْبِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الذَّوْقِ صَحِيحٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ مَتَى عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى فِعْلِ الشُّرْبِ، لَمْ يَحْنَثْ بِالْأَكْلِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَذُوقُ لَبَنًا، وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَأَكَلَهُ، أَوْ شَرِبَهُ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَاقَهُ، وَزَادَ عَلَيْهِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ دِجْلَةَ، فَغَرَفَ مِنْهَا بِقَدَحٍ وَشَرِبَهُ، لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، إلَّا أَنْ يَضَعَ فَاهُ عَلَى دِجْلَةَ بِعَيْنِهَا فَيَشْرَبَ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الشُّرْبَ مِنْ دِجْلَةَ هَكَذَا يَكُونُ فِي الْعَادَةِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: أَهْلُ بَلْدَةِ كَذَا يَشْرَبُونَ مِنْ دِجْلَةَ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِطَرِيقِ الِاغْتِرَافِ فِي الْأَوَانِي، وَلَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: حَقِيقَةُ الشُّرْبِ مِنْ دِجْلَةَ يَكُونُ بِالْكُرَاعِ، وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ، جَاءَ فِي «حَدِيثٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِقَوْمٍ نَزَلَ عِنْدَهُمْ: هَلْ عِنْدَكُمْ مَاءٌ بَاتَ فِي شَنٍّ وَإِلَّا كَرَعْنَا؟» وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ إذَا كَانَتْ مُسْتَعْمَلَةً، فَاللَّفْظُ يُحْمَلُ عَلَيْهِ دُونَ الْمَجَازِ، وَالْحَقِيقَةُ مُرَادَةٌ، فَإِنَّهُ لَوْ كَرَعَ يَحْنَثُ، وَهُوَ حَقِيقَةُ الشُّرْبِ مِنْ دِجْلَةَ؛ لِأَنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ، فَالْحَقِيقَةُ أَنْ يَضَعَ فَاهُ عَلَى بَعْضِ دِجْلَة، وَالْحَقِيقَةُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي مَوْضِعِهِ، وَالْمَجَازُ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ مُسْتَعْمَلًا فِي مَوْضِعِهِ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ، فَلِهَذَا وَمَا تَقَدَّمَ
стр. 1802
مِنْ مَسْأَلَةِ الْحِنْطَةِ سَوَاءٌ، وَأَنَّ عِنْدَهُمَا فِي الْفَصْلَيْنِ، إنَّمَا يَحْنَثُ لِعُمُومِ الْمَجَازِ.
(قَالَ): أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْجُبِّ، فَغَرَفَ مِنْهُ بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، وَهَذَا عِنْدَهُمَا، فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا كَانَ مَلْآنًا، فَيَمِينُهُ عَلَى الْكَرْعِ خَاصَّةً، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَلْآنًا، فَحِينَئِذٍ الْجَوَابُ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ الْكَرْعَ لَا يَتَأَتَّى هُنَا، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْبِئْرِ، وَإِنْ تَكَلَّفَ لِلْكَرْعِ مِنْ الْبِئْرِ، فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسْأَلَةِ الدَّقِيقِ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
стр. 1803
[بَابُ الْكِسْوَةِ]
(قَالَ) ﵁: وَإِذَا حَلَفَ لَا يَشْتَرِي ثَوْبًا وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَاشْتَرَى كِسَاءَ خَزٍّ أَوْ طَيْلَسَانًا أَوْ فَرْوًا أَوْ قَبَاءً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَلْبَسُ النَّاسُ حَنِثَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الثَّوْبِ حَقِيقَةٌ لِهَذَا وَيَنْطَلِقُ عَلَيْهِ عُرْفًا، وَإِنْ اشْتَرَى مِسْحًا أَوْ بِسَاطًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ اسْمَ الثَّوْبِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ عَادَةً وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى مَلْبُوسِ بَنِي آدَمَ، وَفِي الْأَيْمَانِ لِلْعَادَةِ عِبْرَةٌ.
وَلَوْ اشْتَرَى قَلَنْسُوَةً لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِثَوْبٍ فَالثَّوْبُ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى خِرْقَةً لَا تَكُونُ أَيْ لَا تَبْلُغُ نِصْفَ ثَوْبٍ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الْكِسْوَةُ فِي الْكَفَّارَةِ وَإِنْ اشْتَرَى أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الثَّوْبِ حَنِثَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الثَّوْبِ يَنْطَلِقُ عَلَى أَكْثَرِ الثَّوْبِ وَلِأَنَّهُ يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ وَكَذَلِكَ إنْ اشْتَرَى ثَوْبًا صَغِيرًا حَنِثَ وَمُرَادُهُ مَا يَكُونُ إزَارًا أَوْ سَرَاوِيلَ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهِ وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا فَلَوْ سَمَّى ثَوْبًا بِعَيْنِهِ وَلَبِسَ مِنْهُ طَائِفَةً يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِهِ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى لَابِسًا لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَلْبَسُ الرِّدَاءَ وَبَعْضُ جَوَانِبِهِ عَلَى الْأَرْضِ
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا بِعَيْنِهِ فَاِتَّخَذَ مِنْهُ جُبَّةً وَحَشَاهَا وَلَبِسَهَا حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ حِنْثِهِ لُبْسُ الْعَيْنِ وَعَقَدَ الْيَمِينَ بِاسْمِ الثَّوْبِ وَالثَّوْبُ بَاقٍ بَعْدَ مَا اتَّخَذَ مِنْهُ الْجُبَّةَ فَإِنَّ لَابِسَ الْجُبَّةِ يُسَمَّى لَابِسًا لِلثَّوْبِ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ عَلَى قَمِيصٍ لَا يَلْبَسُهُ أَبَدًا فَجَعَلَ مِنْهُ قَبَاءً فَلَبِسَهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْيَمِينَ بِاسْمِ الْقَمِيصِ وَلَا يَبْقَى هَذَا الِاسْمُ بَعْدَ مَا جَعَلَهُ قَبَاءً أَلَا تَرَى أَنَّ لَابِسَ الْقَبَاءِ لَا يُسَمَّى لَابِسًا لِلْقَمِيصِ؟
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ شَيْئًا فَلَبِسَ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا حَنِثَ؛ لِأَنَّ لُبْسَ الْغَزْلِ هَكَذَا يَكُونُ فِي الْعَادَةِ وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ غَيْرُ الْغَزْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ غَزْلًا فَنَسَجَهُ كَانَ الثَّوْبُ لَهُ؟ وَلَكِنَّهُ تَرَكَ هَذَا الْقِيَاسَ لِلْعُرْفِ فَإِنَّ أَحَدًا لَا يَلُفُّ الْغَزْلَ عَلَى نَفْسِهِ هَكَذَا، وَلَوْ فَعَلَهُ لَا يُسَمَّى لَابِسًا ثَوْبًا وَإِنَّمَا يُسَمَّى لَابِسًا لِلْغَزْلِ، وَإِنْ نَوَى الْغَزْلَ بِعَيْنِهِ قَبْلَ أَنْ يُنْسَجَ لَمْ يَحْنَثْ إذَا لَبِسَهُ
стр. 1804
يَعْنِي ثَوْبًا؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِ فُلَانَةَ فَلَبِسَ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا وَغَزْلِ أُخْرَى لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الَّذِي مِنْ غَزْلِهَا بَعْضُ الثَّوْبِ، وَيَسْتَوِي إنْ نُسِجَ غَزْلُهُمَا مُخْتَلَطًا أَوْ غَزْلُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي جَانِبٍ عَلَى حِدَةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ نَسْجِ فُلَانٍ أَوْ مِنْ شِرَاءِ فُلَانٍ وَهَذَا إذَا كَانَ فُلَانٌ ذَلِكَ يُبَاشِرُ الشِّرَاءَ وَالنَّسْجَ بِيَدِهِ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَنْسِجُ لَهُ غِلْمَانُهُ وَأُجَرَاؤُهُ فَهُوَ حَانِثٌ إذَا لَبِسَ ثَوْبًا نَسَجُوهُ لَهُ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْحَالِفِ مُعْتَبَرٌ فِي الْيَمِينِ
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ خَزًّا فَلَبِسَ ثَوْبًا مِنْ هَذَا الَّذِي يُسَمِّيه النَّاسُ الْخَزُّ حَنِثَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَالِصًا؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الِاسْمِ مُنْصَرِفٌ إلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعُرْفَ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ طَرَأَ عَلَى أَصْلِ اللُّغَةِ وَهُوَ مَقْصُودُ الْمُتَكَلِّمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ حَرِيرًا أَوْ إبْرَيْسَمًا فَلَبِسَ ثَوْبَ خَزٍّ سَدَاهُ حَرِيرٌ وَإِبْرَيْسَمٌ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ لَا يُنْسَبُ إلَى سَدَاهُ وَإِنَّمَا يُنْسَبُ إلَى لُحْمَتِهِ فَإِنَّ اللُّحْمَةَ هِيَ الَّتِي تَظْهَرُ دُونَ السَّدَا، أَلَا تَرَى أَنَّ لُبْسَ الْحَرِيرِ حَرَامٌ عَلَى الذُّكُورِ ثُمَّ لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْعَتَّابِيِّ وَالْمُصْمَتِ وَإِنْ كَانَ سَدَاهُ حَرِيرًا؛ لِأَنَّ لُحْمَتَهُ غَزْلٌ؟
وَلَوْ لَبِسَ ثَوْبًا لُحْمَتُهُ إبْرَيْسَمٌ أَوْ حَرِيرٌ حَنِثَ عِنْدنَا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ حَرِيرًا كُلَّهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلرِّجَالِ لُبْسُهُ؟ وَالشَّافِعِيُّ يَعْتَبِرُ اللَّوْنَ وَالْبَرِيقَ فَيَقُولُ: إنْ كَانَ الْغَالِبَ عَلَيْهِ بَرِيقَ الْإِبْرَيْسَمِ وَلِينَهُ حَنِثَ وَإِلَّا فَلَا، وَأَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْخَزِّ وَلَا مَعْنًى لِلْفَرْقِ سِوَى الْعُرْفِ، فَإِنَّ النَّاسَ يُسَمُّونَهُ ثَوْبَ الْخَزِّ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لُحْمَتُهُ خَزًّا وَلَا يُسَمُّونَهُ ثَوْبَ الْحَرِيرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ حَرِيرًا كُلَّهُ أَوْ يَكُونَ لُحْمَتُهُ حَرِيرًا.
(قَالَ) إلَّا أَنْ يَعْنِيَ سَدَا الثَّوْبِ أَوْ لُحْمَتَهُ أَوْ عَلَمَهُ فَحِينَئِذٍ يَحْنَثُ إذَا لَبِسَهُ بِتِلْكَ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّهُ شَدَّدَ الْأَمْرَ عَلَى نَفْسِهِ بِنِيَّتِهِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ قُطْنًا فَلَبِسَ ثَوْبَ قُطْنٍ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْقُطْنَ هَكَذَا يُلْبَسُ، وَإِنْ لَبِسَ قَبَاءً لُبِسَ بِقُطْنِ وَلَكِنَّهُ مَحْشُوٌّ بِقُطْنٍ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْقَبَاءَ يُنْسَبُ إلَى الظِّهَارَةِ لَا إلَى الْحَشْوِ، وَلَا يُسَمَّى فِي النَّاسِ لَابِسًا لِلْحَشْوِ وَإِنَّمَا يُسَمَّى لَابِسًا لِلْقَبَاءِ الْمَحْشُوِّ فَلَا يَحْنَثُ لِكَوْنِ حَشْوِهِ قُطْنًا إلَّا أَنْ يَعْنِيَهُ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ كَتَّانًا فَلَبِسَ ثَوْبًا مِنْ قُطْنٍ وَكَتَّانٍ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَبِسَ الْكَتَّانَ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَ كَتَّانٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَمَّى الثَّوْبَ فَشَرْطُ حِنْثِهِ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُ كَتَّانًا وَلَمْ يُوجَدْ، وَإِذَا سَمَّى الْكَتَّانَ فَشَرْطُ حِنْثِهِ وَهُوَ لُبْسُ الْكَتَّانِ قَدْ وُجِدَ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ: هَذَا ثَوْبُ قُطْنٍ وَكَتَّانٍ فَإِنَّ الْقُطْنَ وَالْكَتَّانَ يَسْتَوِيَانِ فِي إضَافَةِ الثَّوْبِ إلَيْهِمَا فَلَا يَصِيرُ مَنْسُوبًا إلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، بِخِلَافِ الْخَزِّ فَإِنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الْإِبْرَيْسَمِ فِي نِسْبَةِ الثَّوْبِ
стр. 1805
إلَيْهِ وَبِخِلَافِ الْإِبْرَيْسَمِ مَعَ الْغَزْلِ فَإِنَّ الْإِبْرَيْسَمَ يَغْلِبُ عَلَى الْغَزْلِ فِي نِسْبَةِ الثَّوْبِ إلَيْهِ حَتَّى يُسَمَّى مُلْحَمًا وَإِنْ كَانَ سَدَاهُ قُطْنًا وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ هَذَا الْقُطْنَ فَجَعَلَهُ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْقُطْنَ هَكَذَا يُلْبَسُ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ بَنَى هَذِهِ الْمَسَائِلَ عَلَى مَعَانِي كَلَامِ النَّاسِ فَلَا يَشْكُلُ عَلَى مَنْ يَتَأَمَّلُ فِي كَلَامِ النَّاسِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا قَدْ سَمَّاهُ بِعَيْنِهِ فَاتَّزَرَ بِهِ أَوْ ارْتَدَى أَوْ اشْتَمَلَ بِهِ حَنِثَ، وَالْقَمِيصُ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: لَا أَلْبَسُ قَمِيصًا فَاتَّزَرَ بِقَمِيصٍ أَوْ ارْتَدَى بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي الْقِيَاسِ فِي الْفَصْلَيْنِ سَوَاءٌ، وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بِنَاءً عَلَى الْحَرْفِ الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّ الْوَصْفَ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ مُعْتَبَرٌ وَفِي الْمُعَيَّنِ لَا يُعْتَبَرُ إنَّمَا يَصِيرُ مَعْلُومًا بِوَصْفِهِ، ثُمَّ لُبْسُ الْقَمِيصِ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ مُتَعَارَفٌ وَالثَّابِتُ بِالْعُرْفِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ، وَإِذَا لَمْ يُعَيِّنْ الْقَمِيصَ انْصَرَفَتْ يَمِينُهُ إلَى اللُّبْسِ بِالصِّفَةِ الْمَعْرُوفَةِ فَإِذَا اتَّزَرَ بِهِ أَوْ ارْتَدَى بِهِ لَمْ يَحْنَثْ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَا لَبِسْت الْيَوْمَ قَمِيصًا كَانَ صِدْقًا؟ وَأَمَّا فِي الْمُعَيَّنِ لَا يُعْتَبَرُ الْوَصْفُ فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ لَبِسَهُ كَانَ حَانِثًا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَا لَبِسْت هَذَا الْقَمِيصَ وَقَدْ اتَّزَرَ بِهِ كَانَ كَاذِبًا؟ وَإِنْ لَبِسَ قَمِيصًا لَيْسَ لَهُ كُمَّانِ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى قَمِيصًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُمٌّ؛ لِأَنَّ الْقَمِيصَ كَالدِّرْعِ وَقَدْ يَشْتَرِي الرَّجُلُ لِدِرْعِهِ كُمَّيْنِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْقَمِيصَ وَالدِّرْعَ يُنْسَبُ إلَى الْبَدَنِ فَلَا يَنْعَدِمُ الِاسْمُ بِعَدَمِ الْكُمَّيْنِ، كَالرَّجُلِ يُسَمَّى رَجُلًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ يَدَانِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا فَوَضَعَهُ عَلَى عَاتِقِهِ يُرِيدُ بِهِ الْحَمْلَ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ حَامِلٌ حَافِظٌ لَا مُسْتَعْمِلٌ لَابِسٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمِينَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِالْأَمَانَةِ لَمْ يَضْمَنْ؟ وَإِنْ نَوَى نَوْعًا مِنْ الثِّيَابِ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يُدَنْ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ مِنْ ثَوْبِ فُلَانٍ شَيْئًا وَهُوَ يَنْوِي مَا عِنْدَهُ فَاشْتَرَى فُلَانٌ ثِيَابًا فَلَبِسَ مِنْهَا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ مِنْ مُحْتَمَلَاتِ لَفْظِهِ فَإِنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى فِعْلٍ فِي مِلْكٍ مُضَافٍ إلَى فُلَانٍ وَنَوَى حَقِيقَةَ الْإِضَافَةِ فِي الْحَالِ فَتَصِحُّ نِيَّتُهُ وَيُجْعَلُ مَا نَوَى كَالْمَلْفُوظِ بِهِ
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَكْسُو فُلَانًا شَيْئًا وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَكَسَاهُ قَلَنْسُوَةً أَوْ خُفَّيْنِ أَوْ نَعْلَيْنِ أَوْ جَوْرَبَيْنِ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْكِسْوَةَ عِبَارَةٌ عَنْ التَّمْلِيكِ وَمَا مَلَكَهُ شَيْءٌ فَيَتِمُّ شَرْطُ حِنْثِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَكْسُوهُ ثَوْبًا فَإِنَّ الثَّوْبَ مَا يَكُونُ سَاتِرًا لِبَدَنِهِ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْخُفِّ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَلِهَذَا لَا تَتَأَدَّى بِهِمَا الْكِسْوَةُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَكْسُوهُ ثَوْبًا فَأَعْطَاهُ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِهَا ثَوْبًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ مَا كَسَاهُ الثَّوْبَ وَإِنَّمَا وَهَبَ لَهُ الدَّرَاهِمَ وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِمَشُورَةٍ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ اشْتَرَى بِهَا ثَوْبًا وَإِنْ شَاءَ غَيْرَهُ فَلَوْ أَرْسَلَ إلَيْهِ بِثَوْبِ كِسْوَةٍ
стр. 1806
حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَسَاهُ فَإِنَّ فِعْلَ رَسُولِهِ كَفِعْلِهِ فَإِنْ نَوَى أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ يَدِهِ إلَى يَدِهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ سِلَاحًا فَتَقَلَّدَ سَيْفًا أَوْ تَنَكَّبَ قَوْسًا أَوْ تُرْسًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى فِي النَّاسِ لَابِسًا وَإِنَّمَا يُسَمَّى مُتَقَلِّدًا لِلسَّيْفِ أَوْ حَامِلًا لِلسِّلَاحِ أَوْ مُعَلِّقًا لَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ لَبِسَ دِرْعَ حَدِيدٍ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى بِهِ لَابِسًا لِلسِّلَاحِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ دِرْعًا فَلَبِسَ دِرْعَ حَدِيدٍ أَوْ دِرْعَ امْرَأَةٍ حَنِثَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الدِّرْعِ تَنَاوَلَهُمَا حَقِيقَةً وَعَادَةً فَإِنْ عَنِيَ أَحَدُهُمَا فَقَدْ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ، فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِلُبْسِ مَا عَنِيَ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ شَيْئًا فَلَبِسَ دِرْعَ حَدِيدٍ أَوْ دِرْعَ امْرَأَةٍ أَوْ خُفَّيْنِ أَوْ قَلَنْسُوَةً حَنِثَ فِي كُلِّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى فِعْلِ اللُّبْسِ فِي مَحَلٍّ هُوَ شَيْءٌ وَاسْمُ الشَّيْءِ يَتَنَاوَلُ هَذَا كُلَّهُ، وَفِعْلُ اللُّبْسِ يُوجَدُ فِي كُلِّهَا فَلِهَذَا حَنِثَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الْقَضَاءِ فِي الْيَمِينِ]
(قَالَ) وَإِذَا حَلَفَ لَيُعْطِيَنَّ فُلَانًا مَالَهُ رَأْسَ الشَّهْرِ أَوْ عِنْدَ الْهِلَالِ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَلَهُ اللَّيْلَةُ الَّتِي يُهِلُّ فِيهَا الْهِلَالُ وَيَوْمُهَا كُلُّهَا؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ جُزْءٌ مِنْ الزَّمَانِ يَشْتَمِلُ عَلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَرَأْسُ كُلِّ شَهْرٍ أَوَّلُهُ، فَأَوَّلُ اللَّيْلَةِ وَأَوَّلُ الْيَوْمِ مِنْ الشَّهْرِ يَكُونُ رَأْسَ الشَّهْرِ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْعُرْفِ يُقَالُ: الْيَوْمُ رَأْسُ الشَّهْرِ وَإِنَّمَا أَهَلَّ الْبَارِحَةَ، وَعِنْدَ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُرْبِ وَذِكْرُهُ فِي الْمَعْنَى وَذِكْرُ الرَّأْسِ سَوَاءٌ
وَإِنْ حَلَفَ لَيُعْطِيهِ حَقَّهُ صَلَاةَ الظُّهْرِ فَلَهُ وَقْتُ الظُّهْرِ كُلُّهُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تُذْكَرُ بِمَعْنَى الْوَقْتِ. قَالَ ﵊ «إنَّ لِلصَّلَاةِ أَوَّلًا وَآخِرًا» وَالْمُرَادُ الْوَقْتُ، وَلِأَنَّ الْإِعْطَاءَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الزَّمَانِ لَا فِي الصَّلَاةِ فَعَرَفْنَا أَنَّ مُرَادَهُ الْوَقْتُ.
وَإِنْ قَالَ: عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ فَهُوَ إلَى أَنْ تَبْيَضَّ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ نَهْي عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ثُمَّ النَّهْيُ يَمْتَدُّ إلَى أَنْ تَبْيَضَّ.
وَإِنْ قَالَ: ضَحْوَةً فَوَقْتُ الضَّحْوَةِ مِنْ حِينَ تَبْيَضُّ الشَّمْسُ إلَى أَنْ تَزُولَ.
وَإِنْ قَالَ: مَسَاءً فَالْمَسَاءُ مَسَاءَانِ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَالْآخَرُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأَيُّهُمَا نَوَى صَحَّتْ نِيَّتُهُ.
وَإِنْ قَالَ: سَحَرًا فَوَقْتُ السَّحَرِ مِمَّا بَعْدَ ذَهَابِ ثُلُثَيْ اللَّيْلِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي، فَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ حَتَّى مَضَى الْوَقْتُ الَّذِي سَمَّاهُ حَنِثَ لِفَوَاتِ شَرْطِ الْبِرِّ.
وَإِنْ قَالَ: يَوْمَ كَذَا فَلَهُ ذَلِكَ الْيَوْمُ كُلُّهُ فَإِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أَلَا تَرَى أَنَّ صَوْمَ الْيَوْمِ يَتَأَدَّى بِوُجُودِ الْإِمْسَاكِ فِي هَذَا الْقَدْرِ، وَإِنْ أَعْطَاهُ قَبْلَ
стр. 1807
مَجِيءِ الْوَقْتِ الْمُسَمَّى أَوْ وَهَبَهُ لَهُ أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ ثُمَّ جَاءَ الْوَقْتُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْيَمِينَ الْمُؤَقَّتَةَ إنَّمَا تَنْعَقِدُ مُوجَبًا فِي آخِرِ الْوَقْتِ الْمُسَمَّى، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ وَفِي مِثْلِهِ لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ مُضِيِّ الْوَقْتِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ شَرْطَ حِنْثِهِ تَرْكُ فِعْلِ الْأَدَاءِ فِي آخِرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَيْهِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَضَى إلَى وَكِيلِ الطَّالِبِ بَرَّ؛ لِأَنَّ دَفْعَهُ إلَى وَكِيلِ الطَّالِبِ كَدَفْعِهِ إلَى الطَّالِبِ
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُعْطِيَهُ حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ فُلَانٌ فَمَاتَ فُلَانٌ قَبْلَ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فَأَعْطَاهُ لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَيَحْنَثُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى فِعْلِ الْإِعْطَاءِ وَجَعَلَ لِذَلِكَ غَايَةً وَهُوَ إذْنُ فُلَانٍ فَبِمَوْتِ فُلَانٍ تَفُوتُ الْغَايَةُ وَذَلِكَ يُوجِبُ صَيْرُورَةَ الْيَمِينِ مُطْلَقَةً لِإِطْلَاقِهَا وَإِذْنُ فُلَانٍ كَانَ مَانِعًا مِنْ الْحِنْثِ فَبِفَوَاتِهِ يَتَحَقَّقُ اتِّحَادُ شَرْطِ الْحِنْثِ وَلَا يَنْعَدِمُ وَهُمَا يَقُولَانِ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ حُرْمَةُ الدَّفْعِ إلَى غَايَةٍ وَهُوَ إذْنُ فُلَانٍ وَقَدْ فَاتَ إذْنُهُ بِمَوْتِهِ فَيَفُوتُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ وَالْعَقْدُ لَا يَبْقَى بَعْدَ فَوَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ تَوْضِيحُهُ أَنَّهَا لَوْ بَقِيَتْ بَقِيَتْ حُرْمَةُ الدَّفْعِ مُطْلَقًا لَا مُؤَقَّتًا وَهَذَا الْمُطْلَقُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا بِيَمِينِهِ فَلَا يَثْبُتُ مِنْ بَعْدُ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ حِنْثِهِ تَرْكَ الِاسْتِئْذَانِ مِنْ فُلَانٍ قَبْلَ الْإِعْطَاءِ وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ بَعْدَ مَوْتِ فُلَانٍ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ يَفُوتُ شَرْطُ الْحِنْثِ بِمَوْتِ فُلَانٍ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا مَالَهُ وَفُلَانٌ قَدْ مَاتَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حِنْثٌ فِي يَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ بِمَوْتِهِ حِينَ حَلَفَ حَنِثَ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ أَوْ لَيُكَلِّمَنَّهُ أَوْ لَيَقْتُلَنَّهُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -: يَحْنَثُ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ؛ لِأَنَّهُ أَضَافَ الْيَمِينَ إلَى مَحَلِّهَا فَانْعَقَدَتْ، ثُمَّ شَرْطُ الْبِرِّ فَاتَ مِنْهُ، وَفَوَاتُ شَرْطِ الْبِرِّ يُوجِبُ الْحِنْثَ كَمَا لَوْ كَانَ عَالِمًا بِمَوْتِهِ أَوْ كَانَ حَيًّا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَبَيَانُ الْوَصْفِ أَنَّ مَحَلَّ الْيَمِينِ خَبَرٌ فِي الْمُسْتَقْبِلِ سَوَاءٌ كَانَ الْحَالِفُ قَادِرًا عَلَيْهِ أَوْ عَاجِزًا عَنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَمَسَّنَّ السَّمَاءَ أَوْ لَأُحَوِلَنَّ هَذَا الْحَجَرَ ذَهَبًا انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ؟ لِأَنَّهُ عَقَدَهَا عَلَى خَبَرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ عَاجِزًا عَنْ إيجَادِهِ فَهَذَا مِثْلُهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ قَالَا: مَحَلُّ الْيَمِينِ الْمَعْقُودَةِ خَبَرٌ فِيهِ رَجَاءُ الصِّدْقِ؛ لِأَنَّهَا تُعْقَدُ لِلْحَظْرِ أَوْ لِلْإِيجَابِ أَوْ لِإِظْهَارِ مَعْنَى الصِّدْقِ، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ رَجَاءُ الصِّدْقِ فَلَا تَنْعَقِدُ أَصْلًا كَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ ثُمَّ إذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ بِمَوْتِهِ فَمَقْصُودُهُ إزْهَاقُ رُوحٍ مَوْجُودَةٍ فِيهِ وَقْتَ
стр. 1808
الْيَمِينِ وَلَا تَصَوُّرَ لِهَذَا إذَا كَانَ مَيِّتًا، وَإِذَا كَانَ يَعْلَمُ بِمَوْتِهِ فَمَقْصُودُهُ إزْهَاقُ رُوحٍ يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ إذَا أَحْيَاهُ، وَذَلِكَ مُتَوَهَّمٌ فَانْعَقَدَتْ يَمِينُهُ ثُمَّ حَنِثَ لِوُقُوعِ الْيَأْسِ عَمَّا هُوَ شَرْطُ الْبِرِّ ظَاهِرًا، وَعَلَى هَذَا: وَاَللَّهِ لَأَشْرَبَنَّ هَذَا الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِي الْكُوزِ لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى خَبَرٍ لَيْسَ فِيهِ رَجَاءُ الصِّدْقِ، إلَّا أَنَّهُ لَا فَرْقَ هُنَا بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْكُوزَ لَا مَاءَ فِيهِ أَوْ لَا يَعْلَمَ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى شُرْبِ الْمَاءِ الْمَوْجُودِ فِي الْكُوزِ وَاَللَّهِ تَعَالَى إنْ أَحْدَثَ فِي الْكُوزِ مَاءً فَلَيْسَ هُوَ الْمَاءُ الَّذِي كَانَ مَوْجُودًا فِي الْكُوزِ وَقْتَ الْيَمِينِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ إذَا كَانَ يَعْلَمُ بِمَوْتِ فُلَانٍ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى فِعْلِ الْقَتْلِ فِي فُلَانٍ فَإِذَا أَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ فُلَانٌ فَكَانَ مَا عَقَدَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ مُتَوَهَّمًا.
وَوِزَانُ هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْكُوزِ إنْ لَوْ قَالَ: لَأَقْتُلَنَّ هَذَا الْمَيِّتَ فَإِنَّ يَمِينَهُ لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهُ لَا تَصَوُّرَ لِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إذَا أَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى يَتَحَقَّقَ فِيهِ فِعْلُ الْقَتْلِ لَا يَكُونُ مَيِّتًا، وَفِي مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ رِوَايَةُ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ضِدِّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ بِمَوْتِهِ يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ بِاعْتِبَارِ مَا يَتَوَهَّمُهُ بِجَعْلِهِ كَالْمَوْجُودِ حَقِيقَةً فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ بِمَوْتِهِ لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ فَأَمَّا إذَا حَلَفَ لَيَمَسَّنَّ السَّمَاءَ فَهُوَ آثِمٌ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْيَمِينِ تَعْظِيمُ الْمُقْسَمِ بِهِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِيَمِينِهِ هَتْكُ حُرْمَةِ الِاسْمِ بِاسْتِعْمَالِ الْيَمِينِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، وَلَكِنْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ يَعْتَبِرُ لِعَقْدِ الْيَمِينِ أَنْ يَكُونَ مَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ فِي وُسْعِهِ إيجَادُهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هُنَا وَلَكِنَّا نَقُولُ: انْعِقَادُ الْيَمِينِ بِاعْتِبَارِ تَوَهُّمِ الصِّدْقِ فِي الْخَبَرِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ، فَإِنَّ السَّمَاءَ عَيْنٌ مَمْسُوسٌ وَالْمَلَائِكَةُ يَصْعَدُونَ السَّمَاءَ.
وَلَوْ أَقْدَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى صُعُودِ السَّمَاءِ يَصْعَدُ وَكَذَلِكَ الْحَجَرُ مَحَلٌّ قَابِلٌ لِلتَّحَوُّلِ لِوُجُودِهِ فَانْعَقَدَتْ يَمِينُهُ ثُمَّ حَنِثَ فِي الْحَالِ لِعَجْزِهِ عَنْ إيجَادِ شَرْطِ الْبِرِّ ظَاهِرًا وَذَلِكَ كَافٍ لِلْحِنْثِ، أَلَا تَرَى أَنَّ فِي الْفِعْلِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ يَحْنَثُ إذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ؛ لِوُجُودِ الْعَجْزِ عَنْ إيجَادِ شَرْطِ الْبِرِّ ظَاهِرًا وَلَا فَائِدَةَ فِي انْتِظَارِ الْمَوْتِ هُنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْعَجْزَ ثَابِتٌ فِي الْحَالِ وَلَا يُقَالُ: إعَادَةُ الزَّمَانِ الْمَاضِي فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا وَقَدْ فَعَلَهُ لِسُلَيْمَانَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه، فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْعَقِدَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ بِالطَّرِيقِ الَّذِي قُلْتُمْ وَهَذَا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ أَخْبَرَ عَنْ فِعْلٍ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ وَذَلِكَ لَا كَوْنَ لَهُ وَاَللَّهِ تَعَالَى.
وَإِنْ أَعَادَ الزَّمَانَ الْمَاضِيَ لَا يَصِيرُ الْفِعْلُ مَوْجُودًا مِنْ الْحَالِفِ حَتَّى يَفْعَلَهُ وَفِي مَسْأَلَةِ مَسِّ السَّمَاءِ لَوْ وَقَّتَ يَمِينَهُ لَمْ يَحْنَثْ مَا لَمْ يَمْضِ ذَلِكَ الْوَقْتُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ انْعِقَادَ الْيَمِينِ الْمُؤَقَّتَةِ
стр. 1809
فِي آخِرِ الْوَقْتِ الْمُسَمَّى وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَوَقَّتُ انْعِقَادُ الْيَمِينِ إذَا كَانَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فِي وُسْعِهِ إيجَادُهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِهِ إيجَادُهُ كَانَ تَوْقِيتُهُ لَغْوًا فَيَحْنَثُ فِي الْحَالِ، وَهَكَذَا عَلَى مَذْهَبِهِ فِي مَسْأَلَةِ شُرْبِ الْمَاءِ الَّذِي فِي الْكُوزِ إذَا وَقَّتَ يَمِينَهُ، فَإِنْ كَانَ فِي الْكُوزِ مَاءٌ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا فِي آخِرِ الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكُوزِ مَاءٌ حَنِثَ فِي الْحَالِ.
وَلَوْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ لَيَأْتِيَنَّ الْبَصْرَةَ فَمَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ طَلُقَتْ عِنْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ بِمَوْتِهِ فَاتَ شَرْطُ الْبِرِّ وَهُوَ إتْيَانُ الْبَصْرَةِ، وَلَا نَقُولُ: إنَّهُ يَحْنَثُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَكِنَّهُ كَمَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ وَتَحَقَّقَ عَجْزُهُ عَنْ إتْيَانِ الْبَصْرَةِ حَنِثَ حَتَّى إنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا مِيرَاثَ لَهَا وَلَا عِدَّةَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمِيرَاثُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَتَعْتَدُّ إلَى أَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ بِمَنْزِلَةِ امْرَأَةِ الْفَارِّ، فَإِنْ مَاتَتْ هِيَ وَهُوَ حَيٌّ لَمْ تَطْلُقْ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إتْيَانِ الْبَصْرَةِ بَعْدَ مَوْتِهَا فَلَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُ الْحِنْثِ بِمَوْتِهَا.
وَلَوْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ إنْ لَمْ تَأْتِ الْبَصْرَةَ هِيَ فَمَاتَتْ فَلَا مِيرَاثَ لِلزَّوْجِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَوْتِ فَقَدْ تَحَقَّقَ عَجْزُهَا عَنْ إتْيَانِ الْبَصْرَةِ فَتَطْلُقُ ثَلَاثًا قَبْلَ مَوْتِهَا، وَلَوْ مَاتَ الزَّوْجُ كَانَ لَهَا الْمِيرَاثُ؛ لِأَنَّهَا تَقْدِرُ عَلَى إتْيَانِ الْبَصْرَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَلَوْ حَلَفَ بِعِتْقِ كُلِّ مَمْلُوكٍ لَهُ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فَإِنَّمَا يَتَنَاوَلُ هَذَا اللَّفْظُ الْمَوْجُودَ فِي مِلْكِهِ حِينَ حَلَفَ، فَإِنْ بَقِيَ فِي مِلْكِهِ إلَى وَقْتِ الْكَلَامِ عَتَقَ وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِلْكِهِ حِينَ حَلَفَ مَمْلُوكٌ لَمْ يَنْعَقِدْ يَمِينُهُ.
وَلَوْ قَالَ: إذَا كَلَّمْت فُلَانًا فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي يَوْمَ أُكَلِّمُهُ حُرٌّ فَهُوَ كَمَا قَالَ، إذَا مَلَكَ مَمْلُوكًا ثُمَّ كَلَّمَهُ عَتَقَ.
وَإِنْ قَالَ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَشْتَرِيهِ حُرٌّ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَاشْتَرَى رَقِيقًا ثُمَّ كَلَّمَ فُلَانًا ثُمَّ اشْتَرَى آخَرِينَ عَتَقَ الَّذِينَ اشْتَرَاهُمْ قَبْلَ الْكَلَامِ وَلَمْ يَعْتِقْ الَّذِينَ اشْتَرَاهُمْ بَعْدَ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَشْتَرِيه شَرْطٌ، وَقَوْلُهُ فَهُوَ حُرٌّ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا جَزَاءً لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْجَزَاءَ مَا يَتَعَقَّبُ حَرْفَ الْجَزَاءِ، فَإِنَّمَا جَعَلَ الْجَزَاءَ عِتْقًا مُعَلَّقًا بِالْكَلَامِ، وَهَذَا يَتَحَقَّقُ فِي الَّذِينَ اشْتَرَاهُمْ قَبْلَ الْكَلَامِ.
وَلَوْ تَنَاوَلَ كَلَامُهُ الَّذِينَ اشْتَرَاهُمْ بَعْدَ الْكَلَامِ لَعَتَقُوا بِنَفْسِ الشِّرَاءِ فَلَمْ يَكُنْ هَذَا هُوَ الْجَزَاءُ الَّذِي عَلَّقَهُ بِالشِّرَاءِ، وَإِنْ حَلَفَ بِعِتْقِ عَبْدِهِ إنْ لَمْ يُكَلِّمْ فُلَانًا فَمَاتَ الْحَالِفُ عَتَقَ الْعَبْدَ مِنْ ثُلُثِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ حِنْثِهِ فَوْتُ الْكَلَامِ فِي حَيَاتِهِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ عِنْدَ مَوْتِهِ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ فَيُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِهِ.
وَإِنْ مَاتَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ وَبَقِيَ الْحَالِفُ عَتَقَ الْعَبْدُ لِفَوَاتِ شَرْطِ الْبِرِّ وَهُوَ الْكَلَامُ مَعَ فُلَانٍ فَإِنَّ الْمَيِّتَ لَا يُكَلَّمُ، فَإِنَّ
стр. 1810
الْمَقْصُودَ مِنْ الْكَلَامِ الْإِفْهَامُ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَأَمَرَ رَجُلًا فَطَلَّقَهَا أَوْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْمُوقِعَ لِلطَّلَاقِ هُوَ الزَّوْجُ وَلَكِنْ بِعِبَارَةِ الْوَكِيلِ أَوْ بِعِبَارَتِهَا وَحُقُوقُ الْعَقْدِ فِي الطَّلَاقِ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ بَلْ هُوَ مُعَبَّرٌ عَنْ الْآمِرِ فَكَأَنَّهُ طَلَّقَهَا بِنَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ بِلِسَانِهِ فَحِينَئِذٍ يَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَدِينُ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ، وَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَقْصُودَهُ أَنْ لَا يُفَارِقَهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِطَلَاقِهَا، وَلَكِنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مُطَّلِعٌ عَلَى مَا فِي ضَمِيرِهِ، وَلِهَذَا لَوْ خَلَعَهَا وَقَالَ: أَنْتِ بَائِنٌ حَنِثَ؛ لِأَنَّ مَا مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْهُ وَقَصَدَهُ بِيَمِينِهِ قَدْ أَتَى بِهِ.
وَلَوْ آلَى مِنْهَا فَمَضَتْ الْمُدَّةُ بَانَتْ وَحَنِثَ فِي يَمِينِهِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀؛ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ طَلَاقٌ مُؤَجَّلٌ فَعِنْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ يَقَعُ الطَّلَاقُ وَيَكُونُ مُضَافًا إلَى الزَّوْجِ، وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا وَقَعَ حُكْمًا بِاعْتِبَارِ دَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهَا فَلَا يَكُونُ شَرْطُ الْحِنْثِ بِهِ مَوْجُودًا، وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الزَّوْجُ عِنِّينًا فَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُمَا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُنَا رِوَايَتَانِ فِي إحْدَاهُمَا سَوَّى بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْإِيلَاءِ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ نَائِبٌ عَنْ الزَّوْجِ فِي الطَّلَاقِ شَرْعًا بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَفِي الْأُخْرَى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ هُنَا: لَمْ يُوجَدْ مِنْ الزَّوْجِ مَعْنًى يَصِيرُ بِهِ مُبَاشِرًا لِلطَّلَاقِ، وَذَلِكَ شَرْطُ حِنْثِهِ، وَالْعِتْقُ قِيَاسُ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْحُقُوقَ فِيهِ تَتَعَلَّقُ بِمَنْ وَقَعَ لَهُ دُونَ مَنْ بَاشَرَهُ.
فَأَمَّا إذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَفَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ وَالْعَاقِدُ لِغَيْرِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَاقِدِ لِنَفْسِهِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى حُقُوقِ الْعَقْدِ، فَلَا يَصِيرُ الْحَالِفُ بِفِعْلِ الْوَكِيلِ عَاقِدًا إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ لَا يَأْمُرَ غَيْرَهُ فَحِينَئِذٍ قَدْ شَدَّدَ الْأَمْرَ عَلَى نَفْسِهِ بِنِيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْحَالِفُ مِمَّنْ لَا يُبَاشِرُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَتَقَيَّدُ بِمَا عُرِفَ مِنْ مَقْصُودِ الْحَالِفِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَزَوَّجَهُ حَنِثَ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعَقْدِ فِي النِّكَاحِ تَتَعَلَّقُ بِالْآمِرِ دُونَ الْعَاقِدِ، وَلِأَنَّ الْوَكِيلَ لَا يُضِيفُ الْعَقْدَ إلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُضِيفُ إلَى الْمُوَكِّلِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الرَّسُولِ، وَكَذَلِكَ إنْ زَوَّجَهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَأَجَازَهُ بِالْقَوْلِ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْإِجَازَةَ فِي الِانْتِهَاءِ كَالْإِذْنِ فِي الِابْتِدَاءِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ فِي أَصْلِ الْعَقْدِ الْعَاقِدُ لَيْسَ
стр. 1811
بِمُعَبَّرٍ عَنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ مِنْ جِهَتِهِ وَالْإِجَازَةُ لَيْسَتْ بِعَقْدٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَا هُوَ شَرْطُ النِّكَاحِ وَهُوَ الشُّهُودُ لَا يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْإِجَازَةِ؟ فَلِهَذَا لَا يَحْنَثُ وَفِي الْإِجَازَةِ بِالْفِعْلِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ (قَالَ) ﵁: وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يَخْتَصُّ بِالْقَوْلِ حَتَّى لَا يَنْعَقِدَ بِالْفِعْلِ بِحَالٍ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ الْمُجِيزُ بِالْفِعْلِ عَاقِدًا حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا إنَّمَا يَكُونُ رَاضِيًا وَشَرْطُ حِنْثِهِ الْعَقْدُ دُونَ الرِّضَا.
وَإِنْ قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً قَبْلَ الْكَلَامِ وَأُخْرَى بَعْدَهُ تَطْلُقُ الَّتِي تَزَوَّجَ قَبْلَ الْكَلَامِ خَاصَّةً؛ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ التَّزَوُّجَ شَرْطٌ، وَالطَّلَاقُ جَزَاءٌ مُعَلَّقٌ بِالْكَلَامِ، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ فِي الَّتِي تَزَوَّجَهَا قَبْلَ الْكَلَامِ دُونَ الَّتِي يَتَزَوَّجُهَا بَعْدَ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ طَلُقَتْ بِنَفْسِ التَّزَوُّجِ، وَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ جَزَاءَ شَرْطِهِ وَفِيهِ اخْتِلَافُ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْجَامِعِ، وَبَيَّنَّا هُنَاكَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا إذَا وَقَّتَ يَمِينَهُ فَقَالَ: إلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يُوَقِّتْ وَبَيْنَ مَا إذَا قَدَّمَ الشَّرْطَ، أَوْ أَخَّرَ وَقَالَ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَكُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، فَإِنَّمَا تَطْلُقُ بِهَذَا اللَّفْظِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْكَلَامِ وَقَّتَ يَمِينَهُ أَوْ لَمْ يُوَقِّتْ.
وَإِذَا حَلَفَ لَا يَبِيعُ لِرَجُلٍ شَيْئًا قَدْ سَمَّاهُ بِعَيْنِهِ فَبَاعَهُ لِآخَرَ طَلَبَهُ إلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَلِكَ الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا أَبِيعُ لِفُلَانٍ أَيْ لِأَجْلِ فُلَانٍ، وَمَا بَاعَ لِأَجْلِهِ حِينَ أَمَرَهُ بِهِ غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا بَاعَهُ لِأَجْلِ مَنْ أَمَرَ بِهِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: لَا أَبِيعُ ثَوْبًا لِفُلَانٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ لَا أَبِيعُ ثَوْبًا هُوَ مَمْلُوكٌ لِفُلَانٍ وَقَدْ وَجَدَ ذَلِكَ وَإِنْ أَمَرَهُ بِهِ غَيْرُهُ وَإِيضَاحُ هَذَا الْفَرْقِ فِي الْجَامِعِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَهَبُ لِفُلَانٍ هِبَةً فَوَهَبَ وَلَمْ يَقْبَلْ فُلَانٌ أَوْ قَبِلَ وَلَمْ يَقْبِضْ فَهُوَ حَانِثٌ عِنْدَنَا، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ عَقْدُ تَمْلِيكٍ كَالْبَيْعِ وَفِي الْبَيْعِ لَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَقْبَلْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَحْصُلُ قَبْلَ قَبُولِهِ فَكَذَلِكَ فِي الْهِبَةِ، وَلِهَذَا قَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْبَيْعِ: لَوْ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي، وَلَكِنَّا نَقُولُ: الْهِبَةُ تَبَرُّعٌ وَذَلِكَ يَتِمُّ فِي جَانِبِ الْمُتَبَرِّعِ بِفِعْلِهِ؛ لِأَنَّهُ إيجَابٌ لَا يُقَابِلُهُ اسْتِيجَابٌ وَذَلِكَ يَتِمُّ بِالْمُوجِبِ فِي حَقِّهِ كَالْإِقْرَارِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ مُعَاوَضَةٌ وَإِيجَابٌ يُقَابِلُهُ اسْتِيجَابٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْعُرْفُ فَإِنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ: وَهَبْت لِفُلَانٍ فَرَدَّ عَلَيَّ هِبَتِي، وَأَهْدَيْت إلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ هَدِيَّتِي وَكَذَلِكَ كُلُّ عَقْدٍ هُوَ تَبَرُّعٌ كَالصَّدَقَةِ وَالْقَرْضِ حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يُقْرِضُ فُلَانًا شَيْئًا فَأَقْرَضَهُ وَلَمْ يَقْبَلْ حَنِثَ، إلَّا فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: فِي الْقَرْضِ لَا يَحْنَثُ كَمَا فِي الْبَيْعِ فَإِنَّ الْقَرْضَ عَقْدُ ضَمَانٍ فَإِنَّهُ يُوجِبُ ضَمَانَ الْمِثْلِ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِقَبْضِهِ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُفَرِّقُ
стр. 1812
أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَسْتَقْرِضُ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إذَا طَلَبَ الْقَرْضَ مِنْ آخَرَ.
وَإِنْ لَمْ يُقْرِضْهُ؛ لِأَنَّ السِّينَ فِي قَوْلِهِ اسْتَقْرَضْت لِمَعْنَى السُّؤَالِ فَإِنَّمَا شَرْطُ حِنْثِهِ طَلَبُ الْقَرْضِ، وَقَدْ وُجِدَ بِخِلَافِ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يُقْرِضُ أَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ حَتَّى فَعَلَ حَنِثَ وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يَكْسُوهُ أَوْ لَا يَحْمِلُهُ عَلَى دَابَّةٍ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ الْعُقُودِ الَّتِي لَا تَتَعَلَّقُ الْحُقُوقُ فِيهَا بِالْعَاقِدِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: كَسَا الْأَمِيرُ فُلَانًا؟ وَإِنَّمَا أَمَرَ غَيْرَهُ بِهِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ، أَوْ لَيَخِيطَنَّ ثَوْبَهُ، أَوْ لَيَبْنِيَنَّ دَارِهِ فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَفَعَلَ بَرَّ فِي يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ، وَإِنْ أَمَرَ غَيْرَهُ بِهِ فَإِنَّ فِي الْعُرْفِ يُقَالُ: بَنَى فُلَانٌ دَارًا أَوْ خَاطَ فُلَانٌ ثَوْبًا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ أَمَرَ غَيْرَهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ بَنَّاءً وَلَا خَيَّاطًا إلَّا أَنْ يَكُونَ عُنِيَ أَنْ يَبْنِيَهُ بِيَدِهِ فَحِينَئِذٍ الْمَنْوِيُّ حَقِيقَةً فِعْلِهِ وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ يَحْسُنُ فِيهِ أَنْ يَقُولَ فَعَلْته وَقَدْ فَعَلَ وَكِيلُهُ.
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى حُرٍّ لَيَضْرِبَنَّهُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ فَضَرَبَهُ لَمْ يَبَرَّ حَتَّى يَضْرِبَهُ بِيَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْحُرِّ فَلَا يُعْتَبَرُ أَمْرُهُ فِيهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلضَّارِبِ حِلُّ الضَّرْبِ بِاعْتِبَارِ أَمْرِهِ؟ بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ مَمْلُوكٌ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ فَأَمْرُ غَيْرِهِ بِضَرْبِهِ مُعْتَبَرٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الضَّارِبَ يَسْتَفِيدُ بِهِ حِلَّ الضَّرْبِ؟ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ الظَّاهِرَةَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَرَفَّعُ مِنْ ضَرْبِ عَبْدِهِ بِيَدِهِ وَإِنَّمَا يَأْمُرُ بِهِ غَيْرَهُ فَعَرَفْنَا أَنَّ ذَلِكَ مَقْصُودُهُ وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي حَقِّ الْحُرِّ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَالِفُ السُّلْطَانَ أَوْ الْقَاضِيَ فَحِينَئِذٍ يَبَرُّ إذَا أَمَرَ غَيْرَهُ بِضَرْبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبَاشِرُ الضَّرْبَ بِنَفْسِهِ عَادَةً.
وَضَرْبُ الْغَيْرِ بِأَمْرِهِ يُضَافُ إلَيْهِ فَيُقَالُ: الْأَمِيرُ الْيَوْمَ ضَرَبَ فُلَانًا وَضَرَبَ الْقَاضِي فُلَانًا الْحَدَّ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ يَضْرِبَهُ بِيَدِهِ فَحِينَئِذٍ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ فَتَعْمَلُ نِيَّتُهُ وَيَدِينُ فِي الْقَضَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الْيَمِينِ فِي الْخِدْمَةِ]
(قَالَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَإِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ لَا يَسْتَخْدِمُ خَادِمًا قَدْ كَانَتْ تَخْدُمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَجَعَلَتْ الْخَادِمُ تَخْدُمُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهَا حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَخْدِمُهَا بِاسْتِدَامَةِ مِلْكِهِ فِيهَا فَإِنَّهُ إنَّمَا اشْتَرَاهَا لِلْخِدْمَةِ فَمَا دَامَ مُسْتَدِيمًا لِلْمِلِكِ فِيهَا فَهُوَ دَلِيلُ اسْتِخْدَامِهَا وَلِأَنَّهَا كَانَتْ تَخْدُمُهُ قَبْلَ الْيَمِينِ بِاسْتِخْدَامٍ كَانَ مِنْهُ فَإِذَا جَعَلَتْ تَخْدُمُهُ عَلَى حَالِهَا، وَلَمْ يَنْهَهَا فَهُوَ مُسْتَخْدِمٌ لَهَا بِمَا سَبَقَ مِنْهُ حَتَّى لَوْ نَهَاهَا ثُمَّ خَدَمَتْهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّهْيِ قَدْ انْقَطَعَ حُكْمُ الِاسْتِخْدَامِ
стр. 1813
السَّابِقِ وَلِأَنَّ إدَامَةَ الْمِلْكِ دَلِيلُ الِاسْتِخْدَامِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْفِعْلِ بَعْدَ التَّصْرِيحِ بِخِلَافِهِ.
وَلَوْ حَلَفَ عَلَى خَادِمٍ لَا يَمْلِكُهَا أَنْ لَا يَسْتَخْدِمَهَا فَخَدَمَتْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ لِانْعِدَامِ الِاسْتِخْدَامِ صَرِيحًا وَدَلَالَةً فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَالِكٍ لِيَكُونَ طَالِبًا خِدْمَتَهَا بِاسْتِدَامَةِ ذَلِكَ الْمِلْكِ أَوْ لِيَجْعَلَ الِاسْتِخْدَامَ السَّابِقَ بِاعْتِبَارِهِ قَائِمًا، وَإِنْ كَانَ حَلَفَ أَنْ لَا تَخْدُمَهُ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى فِعْلِ الْخَادِم وَقَدْ تَحَقَّقَ مِنْهُ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِخْدَامَ طَلَبُ الْخِدْمَةِ وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ بَيْتِهِ فَإِنَّهُ خِدْمَتُهُ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَتَّخِذُ الْخَادِمَ لِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ سَأَلَهَا وَضُوءًا أَوْ شَرَابًا، أَوْ أَشَارَ، أَوْ أَوْمَأَ إلَيْهَا بِذَلِكَ فَقَدْ اسْتَخْدَمَهَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِخْدَامَ بِالْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ ظَاهِرٌ مِمَّنْ تَرَفَّعَ عَنْ أَنْ يُخَاطِبَ خَدَمَهُ بِالْكَلَامِ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَسْتَعِينَ بِهَا فَأَشَارَ إلَيْهَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَنِثَ إنْ أَعَانَتْهُ أَوْ لَمْ تُعِنْهُ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعَانَةَ طَلَبُ الْإِعَانَةِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ تَفْعَلَهُ فَلَا يَحْنَثُ حِينَئِذٍ حَتَّى تُعِينَهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْإِعَانَةُ دُونَ الِاسْتِعَانَةِ، فَإِذَا ذَكَرَ السَّبَبَ وَعُنِيَ بِهِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ عَمِلَتْ نِيَّتُهُ.
فَإِذَا حَلَفَ لَا يَخْدُمُهُ خَادِمُ فُلَانٍ فَجَلَسَ عَلَى مَائِدَةٍ مَعَ قَوْمٍ يَطْعَمُونَ، وَذَلِكَ الْخَادِمُ يَقُومُ فِي طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ خَدَمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَوُجِدَ بِهِ شَرْطُ الْحِنْثِ فِي حَقِّ الْحَالِفِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ كُنَّ جِوَارِي عُمَرَ ﵁ يَخْدُمْنَ الضِّيفَانَ كَاشِفَاتِ الرُّءُوسِ مُضْطَرِبَاتِ الثَّدْيِ.
وَإِنْ كَانَ حَلَفَ أَنْ لَا يَسْتَخْدِمَهَا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الْيَمِينَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لَهُ وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ إذَا اسْتَخْدَمَ غُلَامًا أَوْ جَارِيَةً صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا؛ لِأَنَّ اسْمَ الْخَادِمِ يَتَنَاوَلُهُمَا وَالِاسْتِخْدَامُ يَتَحَقَّقُ مِنْهُمَا وَهُوَ مُتَعَارَفٌ أَيْضًا فَلِهَذَا حَنِثَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
[بَابُ الْيَمِينِ فِي الرُّكُوبِ]
(قَالَ) ﵁ وَإِذَا حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً فَرَكِبَ حِمَارًا أَوْ فَرَسًا أَوْ بِرْذَوْنًا أَوْ بَغْلًا حَنِثَ وَكَذَلِكَ إنْ رَكِبَ غَيْرَهَا مِنْ الدَّوَابِّ كَالْبَعِيرِ وَالْفِيلِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الدَّابَّةِ يَتَنَاوَلُهُ حَقِيقَةً وَعُرْفًا فَإِنَّ الدَّابَّةَ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٨] الْآيَةَ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَحْنَثُ لِعِلْمِنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ التَّعْمِيمَ فِي كُلِّ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ وَقَدْ وَقَعَ يَمِينُهُ عَلَى فِعْلِ الرُّكُوبِ
стр. 1814
فَيَتَنَاوَلُ مَا يَرْكَبُ مِنْ الدَّوَابِّ فِي غَالِبِ الْبُلْدَانِ وَهُوَ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ وَقَدْ تَأَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وَإِنَّمَا ذَكَرَ الرُّكُوبَ فِي هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فَأَمَّا فِي الْأَنْعَامِ ذَكَرَ مَنْفَعَةَ الْأَكْلِ بِقَوْلِهِ ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾ [النحل: ٥] وَبِأَنْ كَانَ يَرْكَبُ الْفِيلَ وَالْبَعِيرَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ يَتَنَاوَلُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَقَرَ وَالْجَامُوسَ يُرْكَبُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ؟ ثُمَّ لَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: فُلَانٌ رَكِبَ دَابَّةَ الْبَقَرِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ جَمِيعَ ذَلِكَ فَيَكُونَ عَلَى مَا نَوَى؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَيْهِ.
وَإِنْ عَنِي الْخَيْلَ وَحْدَهُ لَمْ يُدَنْ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ، وَإِنْ قَالَ: لَا أَرْكَبُ وَعَنِيَ الْخَيْلَ وَحْدَهَا لَمْ يُدَنْ فِي الْقَضَاءِ وَلَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ فِي لَفْظِهِ فِعْلُ الرُّكُوبِ، وَالْخَيْلُ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ، وَنِيَّةُ التَّخْصِيصِ تَصِحُّ فِي الْمَلْفُوظِ دُونَ مَا لَا لَفْظَ لَهُ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ فَرَسًا فَرَكِبَ بِرْذَوْنًا لَمْ يَحْنَثْ وَكَذَلِكَ إنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ بِرْذَوْنًا فَرَكِبَ فَرَسًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْبِرْذَوْنَ فَرَسُ الْعَجَمِ وَالْفَرَسُ اسْمُ الْعَرَبِيِّ، فَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ عَرَبِيًّا فَكَلَّمَ عَجَمِيًّا أَوْ عَلَى عَكْسِ هَذَا لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ شَيْئًا مِنْ الْخَيْلِ فَرَكِبَ فَرَسًا أَوْ بِرْذَوْنًا حَنِثَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْخَيْلِ يَجْمَعُ الْكُلَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] الْآيَةَ، وَقَالَ ﷺ «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَلِهَذَا يَسْتَحِقُّ الْغَازِي السَّهْمَ بِالْبِرْذَوْنِ وَالْفَرَسِ جَمِيعًا.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً فَحُمِلَ عَلَيْهَا مُكْرَهًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى فِعْلِهِ فِي الرُّكُوبِ وَهُوَ مَا رَكِبَهَا بَلْ حُمِلَ عَلَيْهَا مُكْرَهًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَمْلَ يَتَحَقَّقُ فِيمَا يَسْتَحِيلُ نِسْبَةُ الْفِعْلِ إلَيْهِ كَالْجَمَادَاتِ.
وَإِنْ رَكِبَ دَابَّةً عُرْيَانًا أَوْ بِسَرْجٍ أَوْ إكَافٍ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ رَكِبَهَا وَالرُّكُوبُ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ مُعْتَادٌ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً لِفُلَانٍ فَرَكِبَ دَابَّةً لِعَبْدِهِ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إلَّا أَنْ يَنْوِيَهَا وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ حَانِثٌ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى دَابَّةٍ هِيَ مَمْلُوكَةٌ لِفُلَانٍ فَإِنَّ اللَّامَ دَلِيلٌ عَلَى الْمِلْكِ، وَكَسْبُ الْعَبْدِ مَمْلُوكٌ لِمَوْلَاهُ فَيَكُونُ حَانِثًا بِهِ، وَكَوْنُهَا فِي يَدِ عَبْدِهِ كَكَوْنِهَا فِي يَدِ أَجِيرِهِ، وَهُمَا يَقُولَانِ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى دَابَّةٍ هِيَ مَنْسُوبَةٌ إلَى فُلَانٍ وَهَذِهِ مَنْسُوبَةٌ إلَى الْعَبْدِ حَقِيقَةً مِنْ حَيْثُ إنَّهُ اكْتَسَبَهَا وَعُرْفًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُقَالُ: دَابَّةُ عَبْدِ فُلَانٍ وَشَرْعًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ» فَقَدْ أَضَافَ الْمَالَ إلَى الْعَبْدِ فَلَا يَحْنَثُ بِهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ وَهُوَ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: لَا أَدْخُلُ دَارًا لِفُلَانٍ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ النِّسْبَةُ بِالسُّكْنَى دُونَ الْمِلْكِ فَهَذَا مِثْلُهُ ثُمَّ عَلَى
стр. 1815
قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنْ كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِكَسْبِهِ وَبِرَقَبَتِهِ لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ نَوَاهَا؛ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْمَوْلَى لَا يَمْلِكُ كَسْبَ عَبْدِهِ الْمَدْيُونِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّ هُنَاكَ إذَا نَوَاهَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ نَوَى إضَافَةَ الْمِلْكِ وَهُوَ مَمْلُوكٌ لَهُ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنْ نَوَاهَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ اسْتِغْرَاقُ كَسْبِ الْعَبْدِ بِالدَّيْنِ لَا يَمْنَعُ مِلْكَ الْمَوْلَى وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَحْنَثُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ عِنْدَهُ إضَافَةُ الْمِلْكِ وَاسْتِغْرَاقُ كَسْبِ الْعَبْدِ بِالدَّيْنِ يَمْنَعُ مِلْكَ الْمَوْلَى.
وَإِنْ رَكِبَ دَابَّةً لِمُكَاتَبِ فُلَانٍ لَمْ يَحْنَثْ وَكَذَلِكَ الدَّارُ وَالثَّوْبُ؛ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَ إضَافَةَ الْمِلْكِ فَكَسْبُ الْمُكَاتَبِ غَيْرُ مَمْلُوكٍ مَا بَقِيَ مُكَاتَبًا، وَإِنْ اعْتَبَرَ إضَافَةَ النِّسْبَةِ فَهِيَ مَنْسُوبَةٌ إلَى الْمُكَاتَبِ دُونَ الْمَوْلَى.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ مَرْكَبًا وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَرَكِبَ سَفِينَةً أَوْ مَحْمَلًا أَوْ دَابَّةً حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْمَرْكَبَ هُنَا وَكُلُّ هَذَا مَرْكَبٌ وَالْمَرْكَبُ مَا يُرْكَبُ، وَمِنْ حَيْثُ الْعُرْفُ تُسَمَّى السَّفِينَةُ مَرْكَبًا، وَكَذَلِكَ شَرْعًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ [هود: ٤٢] ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ [هود: ٤١].
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ بِهَذَا السَّرْجِ فَزَادَ فِيهِ شَيْئًا أَوْ نَقَصَ مِنْهُ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ ذَلِكَ السَّرْجُ الَّذِي عَيَّنَهُ وَقَدْ رَكِبَ بِهِ وَالنُّقْصَانُ وَالزِّيَادَةُ فِي شَيْءٍ لَا يُبَدِّلُ أَصْلَهُ.
وَلَوْ بَدَّلَ السَّرْجَ نَفْسَهُ وَتَرَكَ اللِّبْدَ وَالصُّفَّةَ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ اسْمَ السَّرْجِ لِلْحَنَا أَصْلٌ وَاللِّبْدُ وَالصُّفَّةُ وَصْفٌ فِيهِ، وَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْأَصْلُ دُونَ الْوَصْفِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الَّذِي يَدْعُوهُ إلَى الْيَمِينِ ضِيقُ السَّرْجِ وَسَعَتُهُ وَذَلِكَ يَتَبَدَّلُ بِتَبَدُّلِ الْحَنَا دُونَ اللِّبْدِ وَالصُّفَّةِ.
وَإِذَا حَلَفَ بِاَللَّهِ مَالِهِ مَالٌ وَلَهُ دَيْنٌ عَلَى مُفْلِسٍ أَوْ عَلَى مَلِيٍّ وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَيْسَ بِمَالٍ حَقِيقَةً فَالْمَالُ مَا يُتَمَوَّلُ، وَتَمَوُّلُ مَا فِي الذِّمَّةِ لَا يَتَحَقَّقُ، وَالْمَالُ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى قَضَاءِ الْحَوَائِجِ، وَمَا فِي الذِّمَّةِ بِاعْتِبَارِ عَيْنِهِ غَيْرُ صَالِحٍ لِذَلِكَ بَلْ بِاعْتِبَارِ مَآلِهِ وَهُوَ بِالْقَبْضِ، وَالْمَقْبُوضُ عَيْنٌ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ رَجُلٌ قَدْ غَصَبَهُ مَالًا فَاسْتَهْلَكَهُ وَأَقَرَّ بِهِ أَوْ جَحَدَهُ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ لَمْ يَحْنَثْ أَمَّا إذَا اسْتَهْلَكَهُ فَقَدْ صَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ إذَا كَانَ جَاحِدًا لَهُ فَهُوَ تَاوٍ فِي حَقِّ الْحَالِفِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الزَّكَاةُ بِاعْتِبَارِهِ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ بِاعْتِبَارِهِ؟ وَالتَّاوِي لَا يُمْكِنُ تَمَوُّلُهُ فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مَالًا لَهُ.
وَلَوْ كَانَتْ لَهُ وَدِيعَةٌ عِنْدَ إنْسَانٍ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ عَيْنُ مَالِهِ وَيَدُ مُودَعِهِ كَيَدِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِنْ اسْتِرْدَادِهَا مَتَى شَاءَ، وَأَنَّهُ تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ فِيهَا مُطْلَقًا؟ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَغْصُوبَ إذَا كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ وَالْغَاصِبُ مُقِرٌّ بِهِ قِيلَ هُنَا: يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ اسْتِرْدَادِهَا بِقُوَّةِ السُّلْطَانِ، لَمَّا كَانَ الْغَاصِبُ مُقِرًّا بِهِ وَتَصَرُّفُهُ فِيهِ يَنْفُذُ فَهُوَ كَالْوَدِيعَةِ وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ إذَا كَانَ قَاهِرًا فَالظَّاهِرُ
стр. 1816
أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِرْدَادِ عَنْهُ.
وَإِنْ كَانَ مُقِرًّا وَفِي الْعُرْفِ إذَا صُودِرَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ قَدْ افْتَقَرَ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ مَالٌ.
وَإِنْ كَانَ مَنْ صَادَرَهُ مُقِرًّا وَفِي بَابِ الْأَيْمَانِ الْعُرْفُ مُعْتَبَرٌ.
وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ فِضَّةٌ أَوْ ذَهَبٌ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ حَنِثَ؛ لِأَنَّ النَّقْدَ مَالٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ زَكَاةَ الْمَالِ تَجِبُ فِي النُّقُودِ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ؟ إلَّا أَنَّ اعْتِبَارَ النِّصَابِ هُنَاكَ لِإِثْبَاتِ صِفَةِ الْغِنَى لِلْمَالِكِ بِهَا، أَمَّا هُنَا اسْمُ الْمَالِ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، وَكَذَلِكَ مَالُ التِّجَارَةِ وَالسَّائِمَةِ كَانَ ذَلِكَ مَالًا حَقِيقَةً وَشَرْعًا حَتَّى تَجِبَ الزَّكَاةُ فِيهَا.
وَإِنْ نَوَى الْفِضَّةَ وَالذَّهَبَ خَاصَّةً لَمْ يَدِنْ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ.
وَإِنْ كَانَ لَهُ عُرُوضٌ أَوْ حَيَوَانٌ غَيْرُ السَّائِمَةِ لَمْ يَحْنَثْ وَفِي الْقِيَاسِ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَالٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَتَنَاوَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ؟ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِمَالٍ شَرْعًا وَعُرْفًا حَتَّى لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ فِيهَا وَلَا يُعَدُّ صَاحِبُهَا مُتَمَوِّلًا بِهَا وَالْأَيْمَانُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَكَانَ لَهُ عَبْدٌ لَهُ مَالٌ لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَيَحْنَثُ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهَذَا وَمَسْأَلَةُ الدَّابَّةِ سَوَاءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
[بَابُ الْوَقْتِ فِي الْيَمِينِ]
(قَالَ) ﵁ وَإِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ لَيُعْطِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ إذَا صَلَّى الْأُولَى فَلَهُ وَقْتُ الظُّهْرِ إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِذِكْرِ الصَّلَاةِ الْوَقْتُ وَالْأُولَى هِيَ الظُّهْرُ فِي لِسَانِ النَّاسِ فَلَا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الظُّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيُعْطِيهِ كُلَّ شَهْرٍ دِرْهَمًا وَلَا نِيَّةَ لَهُ وَقَدْ حَلَفَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ فَهَذَا الشَّهْرُ يَدْخُلُ فِي يَمِينِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْطِيَهُ فِيهِ دِرْهَمًا قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَيُعْطِيَنَّهُ فِي الشَّهْرِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُهِلَّ الْهِلَالُ سَوَاءٌ كَانَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ آخِرِهِ؟ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ فِي شَهْرٍ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ الَّذِي فِيهِ أَقْرَبُ الشُّهُورِ إلَيْهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: فِي كُلِّ يَوْمٍ، كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي حَلَفَ فِيهِ دَاخِلًا فِي الْجُمْلَةِ؟ فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمَالُ عَلَيْهِ نُجُومًا عِنْدَ انْسِلَاخِ كُلِّ شَهْرٍ فَحَلَفَ لَيُعْطِيَنَّهُ النُّجُومَ فِي كُلِّ شَهْرٍ كَانَ لَهُ ذَلِكَ الشَّهْرَ الَّذِي حَلَّ فِيهِ النَّجْمُ فَمَتَى أَعْطَاهُ فِي آخِرِ ذَلِكَ الشَّهْرِ فَقَدْ بَرَّ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ الْبِرِّ إعْطَاءَ كُلِّ نَجْمٍ بَعْدَ حُلُولِهِ فِي الشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ اسْمٌ لِجُزْءٍ مِنْ الزَّمَانِ مِنْ حِينَ يُهِلُّ الْهِلَالُ إلَى أَنْ يُهِلَّ الْهِلَالُ فَإِذَا أَعْطَاهُ فِي ذَلِكَ أَوْ فِي آخِرِهِ فَقَدْ
стр. 1817
تَمَّ شَرْطُ بِرِّهِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَيُعْطِيَنَّهُ عَاجِلًا وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَالْعَاجِلُ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ الشَّهْرُ؛ لِأَنَّ الْآجَالَ فِي الْعَادَةِ تُقَدَّرُ بِالشُّهُورِ، وَأَدْنَى ذَلِكَ شَهْرٌ فَمَا دُونَهُ فِي حُكْمِ الْعَاجِلِ وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا عَاجِلًا، فَإِنْ كَانَ يَعْنِي شَيْئًا فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإِذَا كَلَّمَهُ بَعْدَ شَهْرٍ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: مَلِيًّا فَالْمُرَادُ بِهِ الْبَعِيدُ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] وَإِنْ كَانَ يَعْنِي شَيْئًا فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى وَإِلَّا كَانَ عَلَى الشَّهْرِ فَصَاعِدًا؛ لِأَنَّ الْبَعِيدَ وَالْأَجَلَ سَوَاءٌ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيُعْطِيَنَّهُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الدَّاخِلِ فِيهِ فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ مِنْهُ نِصْفُهُ، وَإِنْ مَضَى مِنْهُ نِصْفُهُ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهُ حَنِثَ؛ لِأَنَّ لِلشَّهْرِ أَوَّلًا وَآخِرًا، فَأَوَّلُهُ عِنْدَ الطَّلَاقِ يَتَنَاوَلُ النِّصْفَ الْأَوَّلَ، وَالْآخِرُ مِنْهُ يَتَنَاوَلُ النِّصْفَ الْآخَرَ.
وَعَلَى هَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُهُ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ أَنَّ يَمِينَهُ يَتَنَاوَلُ الْخَامِسَ عَشَرَ وَالسَّادِسَ عَشَرَ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُعْطِيهِ مَالَهُ عَلَيْهِ حِينًا فَأَعْطَاهُ قَبْلَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْحِينَ قَدْ يُذْكَرُ بِمَعْنَى السَّاعَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] وَالْمُرَادُ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَيُذْكَرُ بِمَعْنَى أَرْبَعِينَ سَنَةً. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] وَيُذْكَرُ بِمَعْنَى سِتَّةِ أَشْهُرٍ كَمَا نَقَلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥] أَنَّهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ مِنْ حِينَ يَخْرُجُ الطَّلْعُ إلَى أَنْ يُدْرَكَ التَّمْرُ، فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُحْمَلُ عَلَى الْوَسَطِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ خَيْرَ الْأُمُورِ أَوْسَطُهَا وَلِأَنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ السَّاعَةَ فَإِنَّهُ إذَا قَصَدَ الْمُمَاطَلَةَ سَاعَةً وَاحِدَةً لَا يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَإِنَّهُ إذَا أَرَادَ ذَلِكَ يَقُولُ: أَبَدًا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَالزَّمَانُ فِي هَذَا كَالْحِينِ؛ لِأَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ اسْتِعْمَالًا وَاحِدًا، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ لِغَيْرِهِ: لَمْ أَلْقَك مُنْذُ حِينٍ، لَمْ أَلْقَك مُنْذُ زَمَانٍ وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ ذِكْرُهُ مُعَرَّفًا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أَوْ مُنَكَّرًا؛ لِأَنَّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ لَمَّا صَارَ مَعْهُودًا فِي الْحِينِ وَالزَّمَانِ فَالْمُعَرَّفُ يَنْصَرِفُ إلَى الْمَعْهُودِ.
وَكَذَلِكَ الدَّهْرُ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: لَا أَدْرِي مَا الدَّهْرُ. مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَقُولُ: هَذَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا إذَا ذَكَرَهُ مُنَكَّرًا وَقَالَ: دَهْرًا، فَأَمَّا إذَا ذَكَرَهُ مُعَرَّفًا فَذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ الْعُمْرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] فَقَدْ جَعَلَ الْحِينَ مِنْ الدَّهْرِ جُزْءًا فَيَبْعُدُ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمَا فِي التَّقْدِيرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ الْخِلَافَ فِي الْكُلِّ وَاحِدٌ وَهُمَا يَقُولَانِ الدَّهْرُ فِي الْعُرْفِ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالَ الْحِينِ وَالزَّمَانِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ: لِغَيْرِهِ لَمْ أَلْقَك مُنْذُ دَهْرٍ لَمْ أَلْقَك مُنْذُ حِينٍ وَفِي
стр. 1818
أَلْفَاظِ الْيَمِينِ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْعُرْفُ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: قَدْ عَلِمْت بِالنَّصِّ أَنَّ الْحِينَ بَعْضُ الدَّهْرِ، وَلَمْ أَجِدْ فِي تَقْدِيرِ الدَّهْرِ شَيْئًا نَصًّا وَنَصْبُ الْمَقَادِيرِ بِالرَّأْيِ لَا يَكُونُ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ فِيمَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِخِلَافِهِ فَلِهَذَا تَوَقَّفَ وَلَا عَيْبَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵁ لَمَّا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ: لَا أَدْرِي حِينَ لَمْ يَحْضُرْهُ جَوَابٌ ثُمَّ قَالَ: طُوبَى لِابْنِ عُمَرَ سُئِلَ عَمَّا لَا يَدْرِي فَقَالَ: لَا أَدْرِي؟ وَقِيلَ إنَّمَا قَالَ: لَا أَدْرِي؛ لِأَنَّهُ حَفِظَ لِسَانَهُ عَنْ الْكَلَامِ فِي مَعْنَى الدَّهْرِ فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» مَعْنَاهُ أَنَّهُ خَالِقُ الدَّهْرِ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ قَالَ فِيمَا يُؤْثِرُ عَنْ رَبِّهِ: اسْتَقْرَضْت مِنْ عَبْدِي فَأَبَى أَنْ يُقْرِضَنِي، وَهُوَ يَسُبُّنِي وَلَا يَدْرِي فَسَبَّ الدَّهْرَ وَيَقُولُ: وَادَهْرَاهُ وَإِنَّمَا أَنَا الدَّهْرُ» حَدِيثٌ فِيهِ طُولٌ فَلِهَذِهِ الْآثَارِ الظَّاهِرَةِ حَفِظَ لِسَانَهُ وَقَالَ لَا أَدْرِي مَا الدَّهْرُ.
وَهُوَ كَمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ سُئِلَ عَنْ خَيْرِ الْبِقَاعِ فَقَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ جِبْرِيلَ، فَسَأَلَ جِبْرِيلَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ رَبِّي، فَصَعِدَ إلَى السَّمَاءِ ثُمَّ نَزَلَ وَقَالَ: سَأَلْت رَبِّي عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: خَيْرُ الْبِقَاعِ الْمَسَاجِدُ، وَخَيْرُ أَهْلِهَا مَنْ يَكُونُ أَوَّلَ النَّاسِ دُخُولًا وَآخِرُهُمْ خُرُوجًا» فَعَرَفْنَا أَنَّ التَّوَقُّفَ فِي مِثْلِ هَذَا يَكُونُ مِنْ الْكَمَالِ لَا مِنْ النُّقْصَانِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الْأَيَّامَ فَهُوَ عَلَى عَشْرَةِ أَيَّامٍ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - عَلَى سَبْعَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْمَعْهُودِ فِيمَا فِيهِ مَعْهُودٌ وَالْمَعْهُودُ فِي الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ الَّتِي تَدُورُ عَلَيْهَا الشُّهُورُ وَالسِّنِينُ كُلَّمَا دَارَتْ عَادَتْ، وَفِي الشُّهُورِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا وَلَيْسَ فِي السِّنِينَ مَعْهُودٌ فَيُسْتَغْرَقُ الْعُمْرُ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْكَثْرَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَيَّامًا كَثِيرَةً، وَأَكْثَرُ مَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْأَيَّامِ مَقْرُونًا بِالْعَدَدِ الْعَشَرَةَ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ بَعْدَهُ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا وَكَذَلِكَ فِي الشُّهُورِ وَالسِّنِينَ فَيَنْصَرِفُ يَمِينُهُ إلَى الْعَشَرَةِ مِمَّا سَمَّى.
وَإِنْ قَالَ: أَيَّامًا وَلَا نِيَّةَ لَهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى هُوَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ لَفْظَ الْجَمْعِ وَأَدْنَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَذَكَرَ هُنَا أَنَّ عَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ عَلَى عَشْرَةِ أَيَّامٍ سَوَاءٌ قَالَ أَيَّامًا أَوْ قَالَ الْأَيَّامُ، وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا عَلَى أَنَّ هَذَا غَلَطٌ وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ ثَمَّةَ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيُعْطِيَنَّهُ غَدًا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَإِذَا أَعْطَاهُ قَبْلَ أَنْ يَنْتَصِفَ النَّهَارُ بَرَّ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ لِلنَّهَارِ أَوَّلًا وَآخِرًا كَمَا لِلشَّهْرِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيُعْطِيَنَّهُ مَعَ حِلِّ الْمَالِ أَوْ عِنْدَ حِلِّهِ أَوْ حِينَ يَحِلُّ الْمَالُ أَوْ حَيْثُ يَحِلُّ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَهَذَا يُعْطِيه
стр. 1819
سَاعَةَ يَحِلُّ فَإِنْ أَخَّرَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ حَنِثَ؛ لِأَنَّ مَعَ لِلضَّمِّ، وَعِنْدَ لِلْقُرْبِ، وَحِينَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ يُرَادُ بِهِ السَّاعَةُ عَادَةً فَكَأَنَّهُ حَلَفَ لَيُعْطِيَنَّهُ سَاعَةَ يَحِلُّ فَإِذَا أَخَّرَهُ مِنْ ذَلِكَ حَنِثَ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ عَبْدَهُ فَوَجَأَهُ أَوْ خَنَقَهُ أَوْ قَرَصَهُ أَوْ مَدَّ شَعْرَهُ أَوْ عَضَّهُ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الضَّرْبَ فِعْلٌ مُوجِعٌ عَلَى قَصْدِ الِاسْتِخْفَافِ أَوْ التَّأْدِيبِ، وَهَذَا كُلُّهُ مُوجِعٌ مُوَصِّلٌ الْأَلَمَ إلَى قَلْبِهِ فَكَانَ ضَرْبًا، وَكَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْعَادَةِ الْقَاصِدُ إلَى ضَرْبِ عَبْدِهِ إنَّمَا يَقْصِدُ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ وَيُسَمَّى فِعْلُهُ ضَرْبًا وَمَنْ يُعَايِنُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ يُسَمِّيه ضَارِبًا عَبْدَهُ.
وَلَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ سَوْطٍ فَضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ وَخَفَّفَ بَرَّ؛ لِأَنَّ شَرْطَ بِرِّهِ أَصْلُ الضَّرْبِ دُونَ نِهَايَتِهِ وَالْخَفِيفُ كَالضَّرْبِ الشَّدِيدِ وَمُطْلَقُ الِاسْمِ لَا يَتَنَاوَلُ نِهَايَةَ الشَّيْءِ وَإِنْ جَمَعَهَا جَمَاعَةٌ ثُمَّ ضَرَبَهُ بِهَا لَمْ يَبَرَّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ ضَارِبًا لَهُ بِمَا يَصِلُ إلَى بَدَنِهِ وَالْوَاصِلُ إلَى بَدَنِهِ بَعْضُ السِّيَاطِ حِينَ جَمَعَ الْكُلَّ جَمْعًا فَلِهَذَا لَا يَبَرُّ.
وَلَوْ ضَرَبَهُ بِهِ بِسَوْطٍ وَاحِدٍ لَهُ شُعْبَتَانِ خَمْسِينَ وَوَقَعَتْ عَلَيْهِ الشُّعْبَتَانِ بَرَّ؛ لِأَنَّ كُلَّ شُعْبَةٍ سَوْطٌ وَاقِعٌ عَلَى بَدَنِهِ ضَرْبًا فَيَصِيرُ بِكُلِّ إيقَاعٍ ضَارِبًا لَهُ سَوْطَيْنِ فَإِذَا ضَرَبَهُ خَمْسِينَ فَقَدْ ضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ وَهُوَ شَرْطُ بِرِّهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِمَامَ يَصِيرُ مُقِيمًا حَدَّ الزِّنَا بِهَذَا الْمِقْدَارِ؟ فَكَذَلِكَ الْحَالِفُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
[بَابُ الْبِشَارَةِ]
(قَالَ) ﵁ وَإِذَا قَالَ: أَيُّ غِلْمَانِي بَشَّرَنِي بِكَذَا فَهُوَ حُرٌّ فَبَشَّرَهُ بِذَلِكَ وَاحِدٌ ثُمَّ آخَرُ عَتَقَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ بَشِيرٌ وَالْآخَرَ مُخْبِرٌ فَإِنَّ الْبَشِيرَ مَنْ يُخْبِرُهُ بِمَا غَابَ عَنْهُ عِلْمُهُ فَتَتَغَيَّرُ عِنْدَ سَمَاعِهِ بَشَرَةُ وَجْهِهِ، وَإِنَّمَا وُجِدَ هَذَا مِنْ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.
وَإِنْ بَشَّرُوهُ مَعًا عَتَقُوا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَخْبَرَهُ بِمَا غَابَ عَنْهُ عِلْمُهُ فَالْعِلْمُ بِالْمُخْبَرِ بِهِ يَتَعَقَّبُ الْخَبَرَ وَلَا يَقْتَرِنُ بِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْبِشَارَةَ تَتَحَقَّقُ مِنْ الْجَمَاعَةِ قَوْله تَعَالَى وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ.
وَلَوْ بَعَثَ أَحَدَ غِلْمَانِهِ مَعَ رَجُلٍ بِالْبِشَارَةِ فَقَالَ: إنَّ غُلَامَك يُبَشِّرُك بِكَذَا عَتَقَ؛ لِأَنَّ عِبَارَةَ الرَّسُولِ كَعِبَارَةِ الْمُرْسِلِ فَالْبَشِيرُ هُوَ الْمُرْسَلُ وَالرَّسُولُ مُبَلِّغٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُك بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ [آل عمران: ٤٥] وَإِنَّمَا سَمِعْت مِنْ رُسُلِ اللَّهِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَهُمْ الْمَلَائِكَةُ ثُمَّ كَانَ بِشَارَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ كَتَبَ بِهِ إلَيْهِ كِتَابًا؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ بِالْكِتَابِ كَالْبَيَانِ بِاللِّسَانِ، فَإِنْ قَالَ: نَوَيْت الْمُشَافَهَةَ لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ فَإِنَّ الْبِشَارَةَ إنَّمَا تَكُونُ حَقِيقَةً مِنْهُ إذَا سَمِعَهُ بِعِبَارَتِهِ
стр. 1820
وَإِذَا قَالَ: أَيُّ غِلْمَانِي أَخْبَرَنِي بِكَذَا فَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالْكَاتِبُ وَالْمُرْسِلُ يَعْتِقُونَ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ مُتَحَقِّقٌ مِنْهُمْ فَقَدْ يُخْبَرُ الْمَرْءُ بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ لَهُ كَمَا يُخْبَرُ بِمَا غَابَ عَنْهُ عِلْمُهُ إلَّا أَنْ يَعْنِيَ الْمُشَافَهَةَ فَتَعْمَلُ نِيَّتُهُ؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ كَلَامِهِ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسِخَ الْأَصْلِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَخْبَارِ وَالْإِعْلَامِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْإِعْلَامَ يَحْصُلُ بِالْكِتَابِ وَالرَّسُولِ كَالْأَخْبَارِ فَأَمَّا الْإِعْلَامُ لَا يَكُونُ مِنْ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْإِعْلَامَ إيقَاعُ الْعِلْمِ بِالْخَبَرِ وَذَلِكَ لَا يَتَكَرَّرُ بِخِلَافِ الْأَخْبَارِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي بِهَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ وَلَا يَقُولُ أَعْلَمَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ؟
وَإِذَا قَالَ: أَيُّ غِلْمَانِي حَدَّثَنِي فَهُوَ عَلَى الْمُشَافَهَةِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: كَلَّمَنِي، أَلَا تَرَى أَنَّا نَقُولُ: أَخْبَرَنَا اللَّهُ بِكَذَا بِكِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، وَلَا نَقُولُ: حَدَّثَنَا اللَّهُ وَلَا كَلَّمَنَا اللَّهُ؟
وَإِنْ حَلَفَ إنْ عَلِمَ بِمَكَانِ فُلَانٍ لَيُخْبِرَنَّكَ بِهِ ثُمَّ عَلِمَا جَمِيعًا فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُخْبِرَهُ لِيَبَرَّ؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ يَتَحَقَّقُ، وَإِنْ كَانَ الْمُخْبَرُ بِهِ مَعْلُومًا لَهُ، وَلَوْ قَالَ: لَيُعْلِمَنَّكَ بِهِ لَمْ يَحْنَثْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ حَانِثٌ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀؛ لِأَنَّهُمَا إذَا عَلِمَا جَمِيعًا بِهِ فَمَا هُوَ شَرْطُ بِرِّهِ وَهُوَ الْإِعْلَامُ فَائِتٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ
وَإِنْ قَالَ: يَوْمَ أَفْعَلُ كَذَا فَعَبْدُهُ حُرٌّ فَفَعَلَهُ لَيْلًا عَتَقَ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ يُذْكَرُ بِمَعْنَى الْوَقْتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا﴾ [الأنفال: ١٦] وَالرَّجُلُ يَقُولُ: أَنْتَظِرُ يَوْمَ فُلَانٍ وَيُذْكَرُ، وَالْمُرَادُ بَيَاضُ النَّهَارِ فَقُلْنَا: إذَا قُرِنَ بِهِ مَا يَمْتَدُّ كَالصَّوْمِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ بَيَاضُ النَّهَارِ، وَإِذَا قُرِنَ بِهِ مَا لَا يَمْتَدُّ فَالْمُرَادُ بِهِ الْوَقْتُ وَإِنَّمَا قَرَنَ بِذِكْرِ الْيَوْمِ هُنَا فِعْلًا لَا يَمْتَدُّ فَكَانَ بِمَعْنَى الْوَقْتِ.
وَإِنْ قَالَ: نَوَيْت النَّهَارَ دُونَ اللَّيْلِ دِينَ فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ وَهِيَ حَقِيقَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ.
وَإِنْ قَالَ: لَيْلَةَ أَفْعَلُ كَذَا فَهُوَ عَلَى اللَّيْلِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ ضِدُّ النَّهَارِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢] وَكَمَا أَنَّ النَّهَارَ مُخْتَصٌّ بِزَمَانِ الضِّيَاءِ فَاللَّيْلُ مُخْتَصٌّ بِزَمَانِ الظُّلْمَةِ وَالسَّوَادِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَبِيتُ فِي مَكَانِ كَذَا فَأَقَامَ فِيهِ وَلَمْ يَنَمْ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْبَيْتُوتَةَ هُوَ الْمُكْثُ وَالْقَرَارُ بِاللَّيْلِ فِي مَكَان وَلِهَذَا يُسَمَّى الْمَوْضِعُ الَّذِي يَكُونُ الْمَرْءُ فِيهِ بِاللَّيْلِ مَبِيتًا، وَاللَّفْظُ لَا يَدُلُّ عَلَى النَّوْمِ وَالْيَقِظَةِ فَيَحْنَثُ نَامَ أَوْ لَمْ يَنَمْ، إلَّا أَنْ يَعْنِيَ النَّوْمَ فَيَكُونُ عَلَى مَا نَوَى؛ لِأَنَّهُ نَوَى التَّخْصِيصَ فِي لَفْظِهِ وَالْعُرْفُ وَالِاسْتِعْمَالُ يَشْهَدُ لَهُ وَكَذَلِكَ إنْ أَقَامَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ، وَإِنْ أَقَامَ فِيهِ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ فِي غَيْرِ مَنْزِلِهِ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مَنْزِلِهِ.
وَإِذَا سُئِلَ أَيْنَ بَاتَ قَالَ: فِي مَنْزِلِي، وَلِأَنَّ الْأَكْثَرَ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْكَمَالِ وَالْأَقَلُّ تَبَعٌ لِلْأَكْثَرِ، فَإِذَا أَقَامَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ فَكَأَنَّهُ أَقَامَ فِيهِ جَمِيعَ اللَّيْلِ فَيَحْنَثُ
стр. 1821
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُظِلُّهُ ظِلُّ بَيْتٍ فَدَخَلَ بَيْتًا حَنِثَ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ عِبَارَةٌ عَنْ الدُّخُولِ فِي عُرْفِ النَّاسِ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُظِلُّهُ ظِلُّ الْبَيْتِ إذَا دَخَلَ تَحْتَ سَقْفِهِ، وَإِنْ أَقَامَ فِي ظِلِّهِ خَارِجًا لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَنْوِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ عِبَارَةٌ عَنْ الدُّخُولِ لِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْوِيهِ بَيْتٌ فَآوَاهُ بَيْتٌ سَاعَةً مِنْ اللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْإِيوَاءَ وَالْبَيْتُوتَةَ تَتَقَارَبُ فِي الِاسْتِعْمَالِ، إلَّا أَنَّ الْبَيْتُوتَةَ فِي اللَّيْلِ خَاصَّةً، يُقَالُ: بَاتَ فُلَانٌ يَفْعَلُ كَذَا إذَا فَعَلَ لَيْلًا، وَظَلَّ يَفْعَلُ كَذَا إذَا فَعَلَهُ نَهَارًا، فَأَمَّا الْإِيوَاءُ يُسْتَعْمَلُ فِيهِمَا، ثُمَّ الْبَيْتُوتَةُ لَا تَكُونُ إلَّا فِي أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ فَكَذَلِكَ الْإِيوَاءُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ، ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: إذَا دَخَلَ سَاعَةً حَنِثَ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْإِيوَاءَ بِالْحُصُولِ فِي مَكَان، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿سَآوِي إلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي﴾ [هود: ٤٣] أَيْ أَلْتَجِئُ إلَيْهِ فَأَكُونُ فِيهِ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: لَا آوَانِي وَإِيَّاكَ ظِلُّ بَيْتٍ مَا دُمْت عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، أَيْ: لَا أَجْتَمِعُ مَعَك، وَقَالَ ﵊ «مَا آوَاهُ الْحِرْزُ فَفِيهِ الْقَطْعُ» فَإِذَا أَوَاهُ الْحِرْزُ أَيْ: حَصَلَ فِيهِ، فَإِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ سَاعَة فَقَدْ وُجِدَ الْإِيوَاءُ فَيَحْنَثُ.
وَلَوْ أَدْخَلَ إحْدَى قَدَمَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ مَا حَصَلَ فِي الْبَيْتِ بِإِدْخَالِ إحْدَى الْقَدَمَيْنِ وَكَذَلِكَ إنْ أَدْخَلَ جَسَدَهُ وَهُوَ قَائِمٌ وَلَمْ يُدْخِلْ رِجْلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ اعْتِمَادَ الْقَائِمِ عَلَى رِجْلَيْهِ وَالْجَسَدُ تَبَعٌ لِلرِّجْلَيْنِ، فَإِذَا لَمْ يُدْخِلْهُمَا لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا فِي الْبَيْتِ فَلَا يَحْنَثُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
[بَابُ الْيَمِينِ فِي الْكَفَالَةِ]
(قَالَ) وَإِذَا حَلَفَ لَا يَكْفُلُ بِكَفَالَةٍ فَكَفَلَ بِنَفْسِ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ بِدَرَكٍ فِي بَيْعٍ فَهُوَ حَانِثٌ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ الْتِزَامُ الْمُطَالَبَةِ بِمَا عَلَى الْغَيْرِ مِنْ تَسْلِيمِ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَيُسَمَّى بِهِ فِي النَّاسِ كَفِيلًا، وَالْمُتَحَرِّزُ مِنْ الْكَفَالَةِ يَكُونُ مُمْتَنِعًا مِنْ ذَلِكَ فَيَحْنَثُ، وَالضَّمَانُ وَالْقَبَالَةُ قِيَاسُ الْكَفَالَةِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالًا وَاحِدًا.
وَإِذَا حَلَفَ لَا يَكْفُلُ عَنْ إنْسَانٍ بِشَيْءٍ فَكَفَلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ صِلَةَ عَنْ لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ فَأَمَّا الصِّلَةُ فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ الْبَاءُ يُقَالُ: كَفَلَ بِنَفْسِ فُلَانٍ وَكَفَلَ عَنْ فُلَانٍ بِكَذَا مِنْ الْمَالِ
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَكْفُلُ عَنْهُ بِشَيْءٍ فَاشْتَرَى لَهُ بِأَمْرِهِ شَيْئًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ الْتِزَامُ الْمُطَالَبَةِ بِمَا عَلَى
стр. 1822
الْغَيْرِ وَالثَّمَنُ بِالشِّرَاءِ هُنَا فِي ذِمَّةِ الْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ فَلَا يَكُونُ الْوَكِيلُ كَفِيلًا عَنْ الْمُوَكِّلِ بَلْ يَكُونُ هُوَ فِي حَقِّهِ بِمَنْزِلَةِ الْبَائِعِ وَلِهَذَا طَالَبَهُ بِالثَّمَنِ وَإِنْ أَبْرَأَهُ الْبَائِعُ عَنْهُ وَحَبَسَ الْمَبِيعَ عَنْهُ إلَى أَنْ يَسْتَوْفِيَ الثَّمَنَ.
وَإِنْ كَفَلَ بِأَمْرِهِ عَنْ إنْسَانٍ شَيْئًا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَ عَنْ الْآمِرِ شَيْئًا هُوَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْتَزَمَ مَا عَلَى الْمَطْلُوبِ وَلَكِنْ بِمَسْأَلَةِ الْآمِرِ فَكَانَ كَفِيلًا عَنْ الْمَطْلُوبِ دُونَ الْآمِرِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَبْرَأُ بِبَرَاءَةِ الْمَطْلُوبِ، وَأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عِنْدَ الْأَدَاءِ عَلَى الْآمِرِ بِشَيْءٍ؟ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى الْمَطْلُوبِ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِسُؤَالِهِ.
وَلَوْ كَانَ الْمَالُ عَلَى فُلَانٍ وَبِهِ كَفِيلٍ فَأَمَرَ فُلَانٌ الْحَالِفَ فَكَفَلَ بِهَا عَنْ كَفِيلِهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْكَفِيلَ غَيْرُ الْأَصِيلِ وَهُوَ إنَّمَا كَفَلَ عَنْ الْكَفِيلِ، وَشَرْطُ حِنْثِهِ الْكَفَالَةُ عَنْ الْأَصِيلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَرِئَ الْكَفِيلُ الْأَوَّلُ بَرِئَ الْكَفِيلُ الثَّانِي، وَإِنْ بَقِيَ الْمَالُ عَلَى الْأَصِيلِ.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَكْفُلُ لَهُ فَكَفَلَ لِغَيْرِهِ وَالدَّرَاهِمُ أَصْلُهَا لَهُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ لَهُ أَنْ يَلْتَزِمَ مُطَالَبَةً عَلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُطَالَبَةَ إنَّمَا تَتَوَجَّهُ لِلْمَكْفُولِ لَهُ دُونَ مَنْ يَمْلِكُ أَصْلَ الْمَالِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَفَلَ لِعَبْدِهِ؛ لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَ الْمُطَالَبَةَ لِلْمَوْلَى إنَّمَا الْتَزَمَهَا لِلْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْمَالِ لِلْمَوْلَى، وَلَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ لَفْظِ الْحَالِفِ فِي بِرِّهِ وَحِنْثِهِ.
وَإِنْ كَفَلَ لِفُلَانٍ وَأَصْلُ الدَّرَاهِمِ لِغَيْرِهِ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْمُطَالَبَةَ لِفُلَانٍ وَمَتَى كَانَ وُجُوبُ الْمَالِ بِعَقْدِهِ فَفِي حُكْمِ الْمُطَالَبَةِ كَانَ الْوَاجِبُ لَهُ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْمِلْكِ لِغَيْرِهِ
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَكْفُلُ عَنْهُ فَضَمِنَ عَنْهُ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ وَالْكَفَالَةَ تَتَقَارَبُ فِي الِاسْتِعْمَالِ كَالْهِبَةِ مَعَ التَّخَلِّي وَالْعُمْرَى، وَإِنْ كَانَ عَنِيَ اسْمَ الْكَفَالَةِ أَنْ لَا يَكْفُلَ وَلَكِنْ يَضْمَنُ دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ لَفْظِهِ وَلَكِنَّهُ نَوَى الْفَصْلَ بَيْنَ الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ وَهَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ فَلَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَكْفُلُ عَنْ فُلَانٍ وَأَحَالَ فُلَانٌ عَلَيْهِ بِمَالِهِ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَالِ لَهُ دَيْنٌ عَلَى الْمُحِيلِ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ عَنْهُ أَنْ يَلْتَزِمَ الْمُطَالَبَةَ عَنْهُ لِغَيْرِهِ بِمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَبْلَ الْكَفَالَةِ وَذَلِكَ لَمْ يُوجَدْ هُنَا إنَّمَا وَكَّلَ فُلَانٌ الْمُحْتَالُ لَهُ بِقَبْضِ دَيْنِهِ مِنْ الْحَالِفِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ كَفَالَةً عَنْهُ لِلْمُحْتَالِ لَهُ، وَكَذَلِكَ إنْ ضَمِنَهُ لَهُ.
وَلَوْ كَانَ لِلْمُحْتَالِ لَهُ عَلَى الْمُحِيلِ مَالٌ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيلِ مَالٌ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْمُطَالَبَةَ عَنْهُ لِلْمُحْتَالِ لَهُ بِمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَالِالْتِزَامُ بِقَبُولِ الْحَوَالَةِ أَبْلُغُ مِنْ الِالْتِزَامِ بِالْكَفَالَةِ وَالضَّمَانِ فَإِذَا كَانَ يَحْنَثُ هُنَاكَ فَكَذَلِكَ يَحْنَثُ هُنَا؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي حَقِّ الْمُلْتَزِمِ إنَّمَا الْفَرْقُ فِي حَقِّ الْمَضْمُونِ عَنْهُ أَنَّ الْحَوَالَةَ تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ وَالْكَفَالَةُ لَا تُوجِبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ
стр. 1823
[بَابُ الْيَمِينِ فِي الْكَلَامِ وَغَيْرِهِ]
(قَالَ) وَإِذَا حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ الْيَوْمَ ثُمَّ صَلَّى لَمْ يَحْنَثْ اسْتِحْسَانًا وَفِي الْقِيَاسِ يَحْنَثُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ مُتَكَلِّمٌ فَإِنَّ التَّكَلُّمَ لَيْسَ إلَّا تَحْرِيكُ اللِّسَانِ وَتَصْحِيحُ الْحُرُوفِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ مَفْهُومًا مِنْ الْعِبَادِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِهِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ كَانَ حَانِثًا؟ فَكَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا يُتَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ» وَلَا يَفْهَمُ أَحَدٌ مِنْ هَذَا تَرْكَ الْقِرَاءَةِ وَأَذْكَارِ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ فِي الْعُرْفِ يُقَالُ: فُلَانٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي صَلَاتِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَتَى بِأَذْكَارِ الصَّلَاةِ، وَيُقَالُ: حُرْمَةُ الصَّلَاةِ تَمْنَعُ الْكَلَامَ وَلَا يُرَادُ بِهِ الْأَذْكَارُ، وَالْعُرْفُ مُعْتَبَرٌ فِي الْأَيْمَانِ، فَأَمَّا إذَا قَرَأَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَوْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ كَبَّرَ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقَالُ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ وَإِنَّ التَّكَلُّمَ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الْأَخْرَسِ وَالْقِرَاءَةُ وَالذِّكْرُ بِاللِّسَانِ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الْأَخْرَسِ فَكَانَ كَلَامًا؟ وَكَذَلِكَ لَوْ أَنْشَدَ شِعْرًا أَوْ تَكَلَّمَ بِأَيِّ لِسَانٍ كَانَ فَهُوَ حَانِثٌ لِوُجُودِ الشَّرْطِ
وَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا فَنَادَاهُ مِنْ بَعِيدٍ فَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ صَوْتَهُ فَهُوَ حَانِثٌ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُكَلِّمًا فُلَانًا بِإِيقَاعِ صَوْتِهِ فِي أُذُنِهِ فَإِذَا كَانَ مِنْ الْبُعْدِ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ لَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ، وَإِذَا كَانَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ فَقَدْ أَوْقَعَ صَوْتَهُ فِي إذْنِهِ وَإِنْ لَمْ يَفْهَمْ لِتَغَافُلِهِ عَنْهُ وَاشْتِغَالِهِ بِغَيْرِهِ فَيَحْنَثُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَوَّلَ يُسَمَّى هَاذِيًا وَالثَّانِيَ يُسَمَّى مُنَادِيًا لَهُ؟ وَكَذَلِكَ لَوْ نَادَاهُ وَهُوَ نَائِمٌ فَأَيْقَظَهُ حَنِثَ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسِخَ الْأَصْلِ فَنَادَاهُ أَوْ أَيْقَظَهُ وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَنْتَبِهْ بِنِدَائِهِ فَهُوَ حَانِثٌ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ صَوْتَهُ فِي أُذُنِهِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَفْهَمْ لِمَانِعٍ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ النَّائِمَ كَالْغَائِبِ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَبِهْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ نَادَاهُ مِنْ بَعِيدٍ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ فَلَا يَكُونُ حَانِثًا، وَإِذَا انْتَبَهَ فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ أَسْمَعَهُ صَوْتَهُ فَيَكُونُ مُكَلِّمًا لَهُ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْخِلَافِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَحْنَثُ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ النَّائِمَ كَالْمُنْتَبِهِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَحْنَثُ، بَيَانُهُ فِيمَنْ رَمَى سَهْمًا إلَى صَيْدٍ فَوَقَعَ عِنْدَ نَائِمٍ حَيًّا ثُمَّ لَمْ يُدْرِكْ ذَكَاتَهُ حَتَّى مَاتَ عَلَى مَا نُبَيِّنُهُ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ.
وَإِنْ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ فِيهِمْ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطِبٌ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِسَلَامِهِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْقَوْمُ دُونَهُ فَيَدِينُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُكَلِّمًا لَهُ إذَا قَصَدَ بِالْخِطَابِ غَيْرَهُ وَلَكِنَّهُ لَا يَدِينُ
стр. 1824
فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ فِي الظَّاهِرِ مُخَاطِبٌ لَهُمْ.
وَإِنْ كَتَبَ إلَيْهِ أَوْ أَرْسَلَ لَمْ يَحْنَثْ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَكُونُ إلَّا مُشَافَهَةً، أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدًا مِنَّا لَا يَسْتَجِيزُ أَنْ يَقُولَ: كَلَّمَنِي اللَّهُ وَقَدْ أَتَانَا كِتَابُهُ وَرَسُولُهُ؟ وَإِنَّمَا يُقَالُ: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا؛ لِأَنَّهُ أَسْمَعَهُ كَلَامَهُ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَوْمَى أَوْ أَشَارَ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَا لَا يَتَحَقَّقُ مِنْ الْأَخْرَسِ وَالْإِيمَاءُ وَالْإِشَارَةُ يَتَحَقَّقُ مِنْهُ فَلَا يَكُونُ كَلَامًا وَذَكَرَ هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: سَأَلَنِي هَارُونُ عَمَّنْ حَلَفَ لَا يَكْتُبُ إلَى فُلَانٍ فَأَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ إلَيْهِ بِإِيمَاءٍ أَوْ إشَارَةٍ هَلْ يَحْنَثُ فَقُلْت: نَعَمْ إذَا كَانَ مِثْلُك يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ لَا يَكْتُبُ بِنَفْسِهِ عَادَةً إنَّمَا يَأْمُرُ بِهِ غَيْرَهُ وَمِنْ عَادَتِهِمْ الْأَمْرُ بِالْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ، وَعَنْ ابْنِ سِمَاعَةَ قَالَ: سَأَلْت مُحَمَّدًا عَمَّنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ كِتَابًا لِفُلَانٍ فَنَظَرَ فِيهِ حَتَّى فَهِمَهُ وَلَمْ يَقْرَأْهُ فَقَالَ: سَأَلَ هَارُونُ أَبَا يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ هَذَا وَكَانَ قَدْ اُبْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَقَالَ: لَا يَحْنَثُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ نَدِمَ وَقَالَ أَمَّا أَنَا فَلَا أَقُولُ فِيهِ شَيْئًا، وَذَكَرَ هِشَامٌ وَابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْوُقُوفُ عَلَى مَا فِيهِ لَا عَيْنُ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الْأَيْمَانِ يُعْتَبَرُ الْمَقْصُودُ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ اللَّفْظَ مُرَاعًى وَلَفْظُهُ الْقِرَاءَةُ وَالنَّظَرُ وَالتَّفَكُّرُ لِيَفْهَمَ لَا يَكُونُ قِرَاءَةً، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَتَأَدَّى بِهِ فَرْضُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ؟
وَإِنْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ مَوْلَاك وَلَهُ مَوْلَيَانِ أَعْلَى وَأَسْفَلُ وَلَا نِيَّةَ لَهُ حَنِثَ بِأَيِّهِمَا كَلَّمَ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ جَدَّك وَلَهُ جَدَّانِ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ؛ لِأَنَّ هَذَا اسْمٌ مُشْتَرَكٌ وَالْأَسْمَاءُ الْمُشْتَرَكَةُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ تَعُمُّ؛ لِأَنَّ مَعْنَى النَّفْيِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ التَّعْمِيمِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّكِرَةِ تَعُمُّ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ دُونَ الْإِثْبَاتِ وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْوَصِيَّةِ لِمَوْلَاهُ وَقَدْ بَيَّنَّا تَمَامَ هَذَا الْفَرْقِ فِي الْجَامِعِ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يُفَارِقُ غَرِيمَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مَالِهِ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ ثُمَّ فَرَّ مِنْهُ الْغَرِيمُ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ يَمِينَهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فِي الْمُفَارَقَةِ وَهُوَ مَا فَارَقَ غَرِيمَهُ إنَّمَا الْغَرِيمُ هُوَ الَّذِي فَارَقَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَابَرَهُ حَتَّى انْفَلَتَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِيَمِينِهِ مَنْعَ نَفْسِهِ عَمَّا فِي وُسْعِهِ دُونَ مَا لَيْسَ فِي وُسْعِهِ.
(قَالَ): وَلَوْ أَنَّ الْمَطْلُوبَ أَحَالَ بِالْمَالِ عَلَى رَجُلٍ وَأَبْرَأَهُ الطَّالِبُ مِنْهُ ثُمَّ فَارَقَهُ لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ مَا جَعَلَهُ غَايَةً وَهُوَ اسْتِيفَاءُ مَالِهِ عَلَيْهِ قَدْ فَاتَ حِينَ بَرِئَ الْمَطْلُوبُ بِالْحَوَالَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فَوْتَ الْغَايَةِ عِنْدَهُمَا يُسْقِطُ الْيَمِينَ لَا إلَى حِنْثٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَمَا فِي قَوْلِهِ لَا أُكَلِّمُك حَتَّى يَأْذَنَ لِي فُلَانٌ فَإِنْ نَوَى الْمَالَ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ وَرَجَعَ الطَّالِبُ إلَى
стр. 1825
الْمَطْلُوبِ لَمْ يَحْنَثْ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ تَنْفَسِخُ بِالتَّوَى وَلَا يَتَبَيَّنُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَإِنَّمَا تَنْفَسِخُ الْحَوَالَةُ فِي حَقِّ حُكْمٍ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ، وَسُقُوطُ الْيَمِينِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ فَلِهَذَا لَا يَعُودُ الْيَمِينُ بِانْفِسَاخِ الْحَوَالَةِ وَإِنْ لَمْ يَحِلَّ بِالْمَالِ وَلَكِنَّهُ قَضَاهُ وَفَارَقَهُ ثُمَّ وَجَدَهُ زُيُوفًا أَوْ بَهْرَجَةً أَوْ سُتُّوقًا فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْفِضَّةُ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ رَدَّهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَوْفٍ بِالْقَبْضِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَجَوَّزَ بِهَا فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ جَازَ؟ فَتَمَّ شَرْطُ بِرِّهِ ثُمَّ انْتَقَضَ قَبْضُهُ بِالرَّدِّ فَلَا يَنْتَقِضُ بِهِ حُكْمُ الْبِرِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَاضَ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ النُّحَاسُ كَالسَّتُّوقَةِ فَهُوَ حَانِثٌ؛ لِأَنَّهُ مَا صَارَ مُسْتَوْفِيًا حَقَّهُ بِالْقَبْضِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَجَوَّزَ بِهِ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ لَا يَجُوزُ.
وَإِنْ اسْتَحَقَّ الْمَقْبُوضَ مِنْ يَدِهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَوْفٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَجَازَهُ الْمُسْتَحِقُّ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ فِي الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ جَازَ؟ ثُمَّ انْتَقَضَ قَبْضُهُ بِالِاسْتِحْقَاقِ بَعْدَ حُصُولِ الِاسْتِيفَاءِ وَشَرْطُ الْبِرِّ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِقَاضَ.
وَإِنْ حَلَفَ لَيُعْطِيَنَّهُ حَقَّهُ عَنْ قَرِيبٍ فَهُوَ وَقَوْلُهُ عَاجِلًا سَوَاءٌ، وَإِنْ نَوَى وَقْتًا فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا قَرِيبٌ عَاجِلٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ عَلَى أَقَلِّ مِنْ شَهْرٍ اسْتِحْسَانًا وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا.
وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَحْبِسَ عَنْهُ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْطِيَهُ سَاعَةَ حَلَفَ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ عِبَارَةٌ عَنْ التَّأْخِيرِ فَإِنْ لَمْ يُؤَخِّرْهُ بَعْدَ الْحَلِفِ لَمْ يَكُنْ حَابِسًا، وَإِنْ أَخَّرَهُ كَانَ حَابِسًا وَلَكِنَّ الْحَبْسَ قَدْ يَطُولُ وَيَقْصُرُ فَإِنْ حَاسَبَهُ فَأَعْطَاهُ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ عِنْدَهُ وَأَقَرَّ بِذَلِكَ الطَّالِبُ ثُمَّ أَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ فَقَالَ: بَقِيَ لِي عِنْدَك كَذَا مِنْ قَبْلِ كَذَا فَذَكَرَ الْمَطْلُوبَ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ نَسِيَا ذَلِكَ جَمِيعًا لَمْ يَحْنَثْ إذَا أَعْطَاهُ سَاعَتَئِذٍ، أَوْ قَالَ لَهُ: خُذْهُ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ لَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا لَا يَكُونُ مَعْلُومًا لَهُمَا وَبَعْدَ التَّذَكُّرِ لَمْ يَحْبِسْهُ وَلَكِنَّهُ أَعْطَاهُ بِالْمُنَاوَلَةِ أَوْ التَّخْلِيَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَلِهَذَا لَمْ يَحْنَثْ.
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ عَلَى الْأَرْضِ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَقَعَدَ عَلَى بِسَاطٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَ عَلَى الْأَرْضِ مَنْ يُبَاشِرُ الْأَرْضَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ مَا هُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ وَفِي الْعُرْفِ الرَّجُلُ يَقُولُ لِغَيْرِهِ اجْلِسْ عَلَى الْبِسَاطِ وَلَا تَجْلِسْ عَلَى الْأَرْضِ وَيَقُولُ فُلَانٌ جَالِسٌ عَلَى الْأَرْضِ وَفُلَانٌ عَلَى الْبِسَاطِ وَالْعُرْفُ مُعْتَبَرٌ فِي الْأَيْمَانِ.
وَإِنْ قَعَدَ عَلَى الْأَرْضِ وَلِبَاسُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ حَنِثَ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى فِي النَّاسِ قَاعِدًا عَلَى الْأَرْضِ وَلِأَنَّ الْمَلْبُوسَ تَبِعَ اللَّابِسَ فَلَا يَصِيرُ حَائِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَمْتَنِعُ مِنْ الْجُلُوسِ عَلَى الْأَرْضِ لِكَيْ لَا تَضُرَّ بِهِ وَهَذَا يُوجَدُ، وَإِنْ كَانَ ذَيْلُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ وَلَا يُوجَدُ إذَا جَلَسَ عَلَى بِسَاطٍ
وَإِنْ حَلَفَ لَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ فَمَشَى عَلَيْهَا بِنَعْلٍ أَوْ خُفٍّ حَنِثَ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ عَلَى الْأَرْضِ هَكَذَا يَكُونُ فِي الْعُرْفِ
следующие страницы →